٢ - ٱلْبَقَرَة
2 - Al-Baqara (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
212
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه تعالى لما ذكر من قبل حال من يبدل نعمة الله من بعدما جاءته وهم الكفار الذين كذبوا بالدلالة والأنبياء وعدلوا عنها أتبعه الله تعالى بذكر السبب الذي لأجله كانت هذه طريقتهم فقال: {زُيّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا } ومحصول هذا الكلام تعريف المؤمنين ضعف عقول الكفار والمشركين في ترجيح الفاني من زينة الدنيا على الباقي من درجات الآخرة. وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: إنما لم يقل: زينت لوجوه أحدها: وهو قول الفراء: أن الحياة والإحياء واحد، فإن أنث فعلى اللفظ، وإن ذكر فعلى المعنى كقوله: {أية : فَمَن جَاءهُ مَوْعِظَةٌ مّنْ رَّبّهِ} تفسير : [البقرة: 275]، {أية : وَأَخَذَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ ٱلصَّيْحَةُ } تفسير : [هود: 67] وثانيها: وهو قول الزجاج أن تأنيث الحياة ليس بحقيقي، لأنه ليس حيواناً بإزائه ذكر، مثل امرأة ورجل، وناقة وجمل، بل معنى الحياة والعيش والبقاء واحد فكأنه قال: زين للذين كفروا الحياة الدنيا والبقاء وثالثها: وهو قول ابن الأنباري: إنما لم يقل: زينت، لأنه فصل بين زين وبين الحياة الدنيا، بقوله: {لِلَّذِينَ كَفَرُواْ } وإذا فصل بين فعل المؤنث وبين الإسم بفاصل، حسن تذكير الفعل، لأن الفاصل يغني عن تاء التأنيث. المسألة الثانية: ذكروا في سبب النزول وجوهاً: فالرواية الأولى: قال ابن عباس: نزلت في أبـي جهل ورؤساء قريش، كانوا يسخرون من فقراء المسلمين، كعبد الله بن مسعود، وعمار، وخباب، وسالم مولى أبـي حذيفة، وعامر بن فهيرة وأبـي عبيدة بن الجراح بسبب ما كانوا فيه من الفقر والضرر والصبر على أنواع البلاء مع أن الكفار كانوا في التنعم والراحة. والرواية الثانية: نزلت في رؤساء اليهود وعلمائهم من بني قريظة والنضير وبني قينقاع، سخروا من فقراء المسلمين المهاجرين، حيث أخرجوا من ديارهم وأموالهم. والرواية الثالثة: قال مقاتل: نزلت في المنافقين عبد الله بن أبـي وأصحابه، كانوا يسخرون من ضعفاء المسلمين وفقراء المهاجرين، واعلم أنه لا مانع من نزولها في جميعهم. والمسألة الثالثة: اختلفوا في كيفية هذا التزيين، أما المعتزلة فذكروا وجوهاً أحدها: قال الجبائي: المزين هو غواة الجن والإنس، زينوا للكفار الحرص على الدنيا، وقبحوا أمر الآخرة في أعينهم، وأوهموا أن لا صحة لما يقال من أمر الآخرة، فلا تنغصوا عيشتكم في الدنيا قال: وأما الذي يقوله المجبرة من أنه تعالى زين ذلك فهو باطل، لأن المزين للشيء هو المخبر عن حسنه فإن كان المزين هو الله تعالى، فإما أن يكون صادقاً في ذلك التزين، وإما أن يكون كاذباً، فإن كان صادقاً وجب أن يكون مازينه حسناً، فيكون فاعله المستحسن له مصيباً وذلك يوجب أن الكافر مصيب في كفره ومعصيته، وهذا القول كفر، وإن كان كاذباً في ذلك التزيين أدى ذلك إلى أن لا يوثق منه تعالى بقول ولا خبر، وهذا أيضاً كفر، قال: فصح أن المراد من الآية أن المزين هو الشيطان، هذا تمام كلام أبـي علي الجبائي في «تفسيره». وأقول هذا ضعيف لأن قوله تعالى: {زُيّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ } يتناول جميع الكفار، فهذا يقتضي أن يكون لجميع الكفار مزين، والمزين لجميع الكفار لا بد وأن يكون مغايراً لهم، إلا أن يقال: إن كل واحد منهم كان يزين للآخر، وحينئذ يصير دوراً فثبت أن الذين يزين الكفر لجميع الكفار لا بد وأن يكون مغايراً لهم، فبطل قوله: إن المزين هم غواة الجن والإنس، وذلك لأن هؤلاء الغواة داخلون في الكفار أيضاً، وقد بينا أن المزين لا بد وأن يكون غيرهم، فثبت أن هذا التأويل ضعيف، وأما قوله: المزين للشيء هو المخبر عن حسنه فهذا ممنوع، بل المزين من يجعل الشيء موصوفاً بالزينة، وهي صفات قائمة بالشيء باعتبارها يكون الشيء مزيناً، وعلى هذا التقدير سقط كلامه، ثم إن سلمنا أن المزين للشيء هو المخبر عن حسنه، فلم لا يجوز أن يقال: الله تعالى أخبر عن حسنه، والمراد أنه تعالى أخبر عما فيها من اللذات والطيبات والراحات، والإخبار عن ذلك ليس بكذب، والتصديق بها ليس بكفر، فسقط كلام أبـي علي في هذا الباب بالكلية. التأويل الثاني: قال أبو مسلم: يحتمل في {زُيّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ } أنهم زينوا لأنفسهم والعرب يقولون لمن يبعد منهم: أين يذهب بك لا يريدون أن ذاهباً ذهب به وهو معنى قوله تعالى في الآي الكثيرة: {أية : أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ } تفسير : [المائدة: 75، التوبة: 30، المنافقون: 4]، {أية : أَنَّىٰ يُصْرَفُونَ } تفسير : [غافر: 69] إلى غير ذلك، وأكده بقوله تعالى:{أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تُلْهِكُمْ أَمْوٰلُكُمْ وَلاَ أَوْلَـٰدُكُمْ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ } تفسير : [المنافقون: 9] فأضاف ذلك إليهما لما كانا كالسبب، ولما كان الشيطان لا يملك أن يحمل الإنسان على الفعل قهراً فالإنسان في الحقيقة هو الذي زين لنفسه، واعلم أن هذا ضعيف، وذلك لأن قوله: {زُيّنَ } يقضي أن مزيناً زينه، والعدول عن الحقيقة إلى المجاز غير ممكن. التأويل الثالث: أن هذا المزين هو الله تعالى ويدل على صحة هذا التأويل وجهان أحدهما: قراءة من قرأ {زُيّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا } على البناء للفاعل الثاني: قوله تعالى: {أية : إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى ٱلأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُم أَحْسَنُ عَمَلاً } تفسير : [الكهف: 7] ثم القائلون بهذا التأويل ذكروا وجوهاً الأول: يمتنع أن يكون تعالى هو المزين بما أظهره في الدنيا من الزهرة والنضارة والطيب واللذة، وإنما فعل ذلك ابتلاء لعباده، ونظيره قوله تعالى: {أية : زُيّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ ٱلشَّهَوٰتِ } تفسير : [آل عمران: 14] إلى قوله: {أية : قُلْ أَؤُنَبّئُكُمْ بِخَيْرٍ مّن ذٰلِكُمْ لِلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ عِندَ رَبّهِمْ جَنَّـٰتٌ } تفسير : [آل عمران: 15] وقال أيضاً: {أية : ٱلْمَالُ وَٱلْبَنُونَ زِينَةُ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَٱلْبَـٰقِيَاتُ ٱلصَّـٰلِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلاً } تفسير : [الكهف: 46] وقالوا: فهذه الآيات متوافقة، والمعنى في الكل أن الله جل جلاله جعل الدنيا دار ابتلاء وامتحان، فركب في الطباع الميل إلى اللذات وحب الشهوات لا على سبيل الإلجاء الذي لا يمكن تركه، بل على سبيل التحبيب الذي تميل إليه النفس مع إمكان ردها عنه ليتم بذلك الإمتحان، وليجاهد المؤمن هواه فيقصر نفسه على المباح ويكفها عن الحرام الثاني: أن المراد من التزيين أنه تعالى أمهلهم في الدنيا، ولم يمنعهم عن الإقبال عليها، والحرص الشديد في طلبها، فهذا الإمهال هو المسمى بالتزيين. واعلم أن جملة هذه الوجوه التي نقلناها عن المعتزلة يتوجه عليها سؤال واحد وهو أن حصول هذه الزينة في قلوب الكفار لا بد له من محدث وإلا فقد وقع المحدث لا عن مؤثر وهذا محال ثم هذا التزيين الحاصل في قلوب الكفار هل رجح جانب الكفر والمعصية على جانب الإيمان والطاعة أو ما رجح فإن لم يرجح ألبتة بل الإنسان مع حصول هذه الزينة في قلبه كهو لا مع حصولها في قلبه فهذا يمنع كونه تزييناً في قلبه، والنص دل على أنه حصل هذا التزيين، وإن قلنا بأن حصول هذا التزيين في قلبه يرجح جانب الكفر والمعصية، على جانب الإيمان والطاعة، فقد زال الاختيار لأن حال الإستواء لما امتنع حصول الرجحان، فحال صيرورة أحد الطرفين مرجوحاً كان أولى بامتناع الوقوع، وإذا صار المرجح ممتنع الوقوع صار الراجح واجب الوقوع، ضرورة أنه لا خروج عن النقيضين فهذا هو توجيه السؤال ومعلوم أنه لا يندفع بالوجوه التي ذكرها هؤلاء المعتزلة. الوجه الثالث:في تقرير هذا التأويل أن المراد: أن الله تعالى زين من الحياة الدنيا ما كان من المباحات دون المحظورات، وعلى هذا الوجه سقط الإشكال، وهذا أيضاً ضعيف، وذلك لأن الله تعالى خص بهذا التزيين الكفار، وتزيين المباحات لا يختص به الكافر، فيمتنع أن يكون المراد بهذا التزيين تزيين المباحات، وأيضاً فإن المؤمن إذا تمتع بالمباحات من طيبات الدنيا يكون تمتعه بها مع الخوف والوجل من الحساب في الآخرة فهو وإن كثر ماله وجاهه فعيشه مكدر منغص، وأكثر غرضه أجر الآخرة وإنما يعد الدنيا كالوسيلة إليها، وليس كذلك الكافر، فإنه وإن قلت ذات يده فسروره بها يكون غالباً على ظنه، لاعتقاده أنها كمال المقصود دون غيرها، وإذا كان هذا حاله صح أنه ليس المراد من الآية تزيين المباحات، وأيضاً أنه تعالى أتبع تلك الآية بقوله: {وَيَسْخَرُونَ مِنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ } وذلك مشعر بأنهم كانوا يسخرون منهم في تركهم اللذات المحظورة، وتحملهم المشاق الواجبة، فدل على أن ذلك التزيين ما وقع في المباحات بل وقع في المحظورات. وأما أصحابنا فإنهم حملوا التزيين على أنه تعالى خلق في قلبه إرادة الأشياء والقدرة على تلك الأشياء، بل خلق تلك الأفعال والأحوال، وهذا بناء على أن الخالق لأفعال العباد ليس إلا الله سبحانه، وعلى هذا الوجه ظهر المراد من الآية. أما قوله تعالى: {وَيَسْخَرُونَ مِنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ } فقد روينا في كيفية تلك السخرية وجوهاً من الروايات، قال الواحدي: قوله: {وَيَسْخُرُونَ } مستأنف غير معطوف على زين، ولا يبعد استئناف المستقبل بعد الماضي، وذلك لأن الله أخبر عنهم بزين وهو ماض، ثم أخبر عنهم بفعل يديمونه فقال: {وَيَسْخَرُونَ مِنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ } ومعنى هذه السخرية أنهم كانوا يقولون هؤلاء المساكين تركوا لذات الدنيا وطيباتها وشهواتها ويتحملون المشاق والمتاعب لطلب الآخرة مع أن القول بالآخرة قول باطل، ولا شك أنه لو بطل القول بالمعاد لكانت هذه السخرية لازمة أما لو ثبت القول بصحة المعاد كانت السخرية منقلبة عليهم لأن من أعرض عن الملك الأبدي بسبب لذات حقيرة في أنفاس معدودة لم يوجد في الخلق أحد أولى بالسخرية منه، بل قال بعض المحققين الإعراض عن الدنيا، والإقبال على الآخرة هو الحزم على جميع التقديرات فإنه إن بطل القول بالآخرة لم يكن الفائت إلا لذات حقيرة وأنفاساً معدودة وإن صح القول بالآخرة كان الإعراض عن الدنيا والإقبال على الآخرة أمراً متعيناً فثبت أن تلك السخرية كانت باطلة وأن عود السخرية عليهم أولى. أما قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ فَوْقَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ } ففيه سؤالات: السؤال الأول: لم قال: {مّنَ ٱلَّذينَ ءَامَنُوا } ثم قال: {وَٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ }؟. الجواب: ليظهر به أن السعادة الكبرى لا تحصل إلا للمؤمن التقي، وليكون بعثاً للمؤمنين على التقوى. السؤال الثاني: ما المراد بهذه الفوقية؟. الجواب: فيه وجوه أحدها: أن يكون المراد بالفوقية الفوقية بالمكان، لأن المؤمنين يكونون في عليين من السماء والكافرين يكونون في سجين من الأرض وثانيها: يحتمل أن يكون المراد بالفوقية الفوقية في الكرامة والدرجة. فإن قيل: إنما يقال: فلان فوق فلان في الكرامة، إذا كان كل واحد منهما في الكرامة ثم يكون أحدهما أزيد حالاً من الآخر في تلك الكرامة، والكافر ليس له شيء من الكرامة فكيف يقال: المؤمن فوقه في الكرامة. قلنا: المراد أنهم كانوا فوقهم في سعادات الدنيا ثم في الآخرة ينقلب الأمر، فالله تعالى يعطي المؤمن من سعادات الآخرة ما يكون فوق السعادات الدنيوية التي كانت حاصلة للكافرين، وثالثها: أن يكون المراد: أنهم فوقهم في الحجة يوم القيامة، وذلك لأن شبهات الكفار ربما كانت تقع في قلوب المؤمنين، ثم إنهم كانوا يردونها عن قلوبهم بمدد توفيق الله تعالى، وأما يوم القيامة فلا يبقى شيء من ذلك، بل تزول الشبهات، ولا تؤثر وساوس الشيطان، كما قال تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ أَجْرَمُواْ كَانُواْ مِنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ يَضْحَكُونَ }تفسير : [المطففين: 29] إِلَى قَوله {أية : فَٱلْيَوْمَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ } تفسير : [المطففين: 34] الآية ورابعها: أن سخرية المؤمنين بالكفار يوم القيامة فوق سخرية الكافرين بالمؤمنين في الدنيا لأن سخرية الكافر بالمؤمن باطلة، وهي مع بطلانها منقضية، وسخرية المؤمن بالكافر في الآخرة حقة ومع حقيتها هي دائمة باقية. السؤال الثالث: هل تدل الآية على القطع بوعيد الفساد فإن لقائل أن يقول: إنه تعالى خص الذين اتقوا بهذه الفوقية فالذين لا يكونون موصوفين بالتقوى وجب أن لا تحصل لهم هذه الفوقية وإن لم تحصل هذه الفوقية كانوا من أهل النار. الجواب: هذا تمسك بالمفهوم، فلا يكون أقوى في الدلالة من العمومات التي بينا أنها مخصوصة بدلائل العفو. أما قوله تعالى: {وَٱللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ } فيحتمل أن يكون المراد منه ما يعطي الله المتقين في الآخرة من الثواب، ويحتمل أن يكون المراد ما يعطي في الدنيا أصناف عبيده من المؤمنين والكافرين فإذا حملناه على رزق الآخرة احتمل وجوهاً أحدها: أنه يرزق من يشاء في الآخرة، وهم المؤمنون بغير حساب، أي رزقاً واسعاً رغداً لا فناء له، ولا انقطاع، وهو كقوله: {أية : فَأُوْلَـئِكَ يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ } تفسير : [غافر: 40] فإن كل ما دخل تحت الحساب والحصر والتقدير فهو متناه، فما لا يكون متناهياً كان لا محالة خارجاً عن الحساب وثانيها: أن المنافع الواصلة إليهم في الجنة بعضها ثواب وبعضها تفضل كما قال: {أية : فَيُوَفّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزيدُهُمْ مّن فَضْلِهِ } تفسير : [النساء: 173] فالفضل منه بلا حساب وثالثها: أنه لا يخاف نفادها عنده، فيحتاج إلى حساب ما يخرج منه، لأن المعطي إنما يحاسب ليعلم لمقدار ما يعطي وما يبقي، فلا يتجاوز في عطاياه إلى ما يجحف به، والله لا يحتاج إلى الحساب، لأنه عالم غني لا نهاية لمقدوراته ورابعها: أنه أراد بهذا رزق أهل الجنة، وذلك لأن الحساب إنما يحتاج إليه إذا كان بحيث إذا أعطى شيئاً انتقص قدر الواجب عما كان، والثواب ليس كذلك فإنه بعد انقضاء الأدوار والأعصار يكون الثواب المستحق بحكم الوعد والفضل باقياً، فعلى هذا لا يتطرق الحساب ألبتة إلى الثواب وخامسها: أراد أن الذي يعطي لا نسبة له إلى ما في الخزانة لأن الذي يعطي في كل وقت يكون متناهياً لا محالة، والذي في خزانة قدرة الله غير متناه والمتناهي لا نسبة له إلى غير المتناهي فهذا هو المراد من قوله: {بِغَيْرِ حِسَابٍ } وهو إشارة إلى أنه لا نهاية لمقدورات الله تعالى وسادسها: {بِغَيْرِ حِسَابٍ } أي بغير استحقاق يقال لفلان على فلان حساب إذا كان له عليه حق، وهذا يدل على أنه لا يستحق عليه أحد شيئاً، وليس لأحد معه حساب بل كل ما أعطاه فقد أعطاه بمجرد الفضل والإحسان، لا بسبب الاستحقاق وسابعها: {بِغَيْرِ حِسَابٍ } أي يزيد على قدر الكفاية، يقال: فلان ينفق بالحساب إذا كان لا يزيد على قدر الكفاية، فأما إذا زاد عليه فإنه يقال: ينفق بغير حساب وثامنها: {بِغَيْرِ حِسَابٍ } أي يعطي كثيراً لأن ما دخله الحساب فهو قليل. واعلم أن هذه الوجوه كلها محتملة وعطايا الله لها منتظمة فيجوز أن يكون المراد كلها والله أعلم. أما إذا حملنا الآية على ما يعطي في الدنيا أصناف عباده من المؤمنين والكافرين ففيه وجوه: أحدها: وهو أليق بنظم الآية أن الكفار إنما كانوا يسخرون من فقراء المسلمين لأنهم كانوا يستدلون بحصول السعادات الدنيوية على أنهم على الحق ويحرمون فقراء المسلمين من تلك السعادات على أنهم على الباطل، فالله تعالى أبطل هذه المقدمة بقوله: {وَٱللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ } يعني أنه يعطي في الدنيا من يشاء من غير أن يكون ذلك منبئاً عن كون المعطي محقاً أو مبطلاً أو محسناً أو مسيئاً وذلك متعلق بمحض المشيئة، فقد وسع الدنيا على قارون، وضيقها على أيوب عليه السلام، فلا يجوز لكم أيها الكفار أن تستدلوا بحصول متاع الدنيا لكم وعدم حصولها لفقراء المسلمين على كونكم محقين وكونهم مبطلين، بل الكافر قد يوسع عليه زيادة في الاستدراج، والمؤمن قد يضيق عليه زيادة في الابتلاء والامتحان، ولهذا قال تعالى: {أية : وَلَوْلاَ أَن يَكُونَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وٰحِدَةً لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِٱلرَّحْمَـٰنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مّن فِضَّةٍ } تفسير : [الزخرف: 33] وثانيها: أن المعنى: أن الله يرزق من يشاء في الدنيا من كافر ومؤمن بغير حساب يكون لأحد عليه، ولا مطالبة، ولا تبعة، ولا سؤال سائل، والمقصود منه أن لا يقول الكافر: لو كان المؤمن على الحق فلم لم يوسع عليه في الدنيا؟ وأن لا يقول المؤمن إن كان الكافر مبطلاً فلم وسع عليه في الدنيا؟ بل الإعتراض ساقط، والأمر أمره، والحكم حكمه {أية : لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْـئَلُونَ } تفسير : [الأنبياء: 23] وثالثها: قوله: {بِغَيْرِ حِسَابٍ } أي من حيث لا يحتسب كما يقول الرجل إذا جاءه ما لم يكن في تقديره: لم يكن هذا في حسابـي، فعلى هذا الوجه يكون معنى الآية: أن هؤلاء الكفار وإن كانوا يسخرون من الذين آمنوا لفقرهم، فالله تعالى قد يرزق من يشاء من حيث لا يحتسب، ولعله يفعل ذلك بالمؤمنين، قال القفال رحمه الله: وقد فعل ذلك بهم فأغناهم بما أفاء عليهم من أموال صناديد قريش ورؤساء اليهود، وبما فتح على رسوله صلى الله عليه وسلم بعد وفاته على أيدي أصحابه حتى ملكوا كنوز كسرى وقيصر. فإن قيل: قد قال تعالى في صفة المتقين وما يصل إليهم {أية : عَطَاء حِسَاباً } تفسير : [النبأ: 36] أليس ذلك كالمناقض لما في هذه الآية. قلنا: أما من حمل قوله: {بِغَيْرِ حِسَابٍ } على التفضل، وحمل قوله: {عَطَاء حِسَاباً } على المستحق بحسب الوعد على ما هو قولنا، أو بحسب الإستحقاق على ما هو قول المعتزلة، فالسؤال ساقط، وأما من حمل قوله: {بِغَيْرِ حِسَابٍ } على سائر الوجوه، فله أن يقول: إن ذلك العطاء إذا كان يتشابه في الأوقات ويتماثل، صح من هذا الوجه أن يوصف بكونه عطاء حساباً، ولا ينقضه ما ذكرناه في معنى قوله: {بِغَيْرِ حِسَابٍ }.
القرطبي
تفسير : . قوله تعالى: {زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا} على ما لم يسم فاعله. والمراد رؤساء قريش. وقرأ مجاهد وحُميد بن قيس على بناء الفاعل. قال النحاس: وهي قراءة شاذة؛ لأنه لم يتقدّم للفاعل ذِكر. وقرأ ابن أبي عَبْلَة «زُيِّنت» بإظهار العلامة؛ وجاز ذلك لكون التأنيث غير حقيقيّ، والمزيِّن هو خالقها ومخترعها وخالق الكفر، ويزيّنها أيضاً الشيطان بوسوسته وإغوائه. وخص الذين كفروا بالذكر لقبولهم التزيين جملة؛ وإقبالهم على الدنيا وإعراضهم عن الآخرة بسببها. وقد جعل الله ما على الأرض زينة لها ليبلو الخلق أيهم أحسن عملاً؛ فالمؤمنون الذين هم على سنن الشرع لم تفتنهم الزينة، والكفار تملكتهم لأنهم لا يعتقدون غيرها. وقد قال أبو بكر الصِّدّيق رضي الله عنه حين قُدم عليه بالمال: اللّهمّ إنا لا نستطيع إلا أن نفرح بما زيّنت لنا. قوله تعالى: {وَيَسْخَرُونَ مِنَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} إشَارة إلى كفّار قريش، فإنهم كانوا يعظِّمون حالهم من الدنيا ويغتبطون بها، ويسخرون من أتباع محمد صلى الله عليه وسلم. قال ٱبن جُريج: في طلبهم الآخرة. وقيل: لفقرهم وإقلالهم؛ كبلال وصُهيب وابن مسعود وغيرهم؛ رضي الله عنهم. فنبّه سبحانه على خفض منزلتهم لقبيح فعلهم بقوله: {وَٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ فَوْقَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ}. ورَوى عليّ أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : من ٱستذَلّ مؤمناً أو مؤمنة أو حَقّره لفقره وقلة ذات يده شهره الله يوم القيامة ثم فضحه ومن بهت مؤمناً أو مؤمنة أو قال فيه ما ليس فيه أقامه الله تعالى على تَلّ من نار يوم القيامة حتى يخرج مما قال فيه وإن عِظَم المؤمن أعظم عند الله وأكرم عليه من مَلَك مقرَّب وليس شيء أحبَّ إلى الله من مؤمن تائب أو مؤمنة تائبة وإن الرجل المؤمن يعرف في السماء كما يعرف الرجل أهله وولده»تفسير : . ثم قيل: معنى {وَٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ فَوْقَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ} أي في الدرجة؛ لأنهم في الجنة والكفّار في النار. ويحتمل أن يراد بالفوق المكان؛ من حيث إن الجنة في السماء، والنار في أسفل السافلين. ويحتمل أن يكون التفضيل على ما يتضمنه زعم الكفار؛ فإنهم يقولون: وإن كان مَعادٌ فلنا فيه الحظ أكثر مما لكم؛ ومنه حديث خبّاب مع العاص ابن وائل؛ قال خبّاب: كان لي على العاص بن وائل دَيْن فأتيتُه أتقاضاه؛ فقال لي: لن أقضيَك حتى تكفُرَ بمحمد صلى الله عليه وسلم. قال فقلت له: إني لن أكفر به حتى تموت ثم تُبعث. قال: وإني لمبعوثٌ مِن بعد الموت؟ٰ فسوف أقضيك إذا رجعتُ إلى مالٍ وولد؛ الحديث. وسيأتي بتمامه إن شاء الله تعالى. ويقال: سَخِرت منه وسَخِرت به، وضحِكت منه وضحِكت به، وهزِئت منه وبه، كل ذلك يقال: حكاه الأخفش. والاسم السُّخرية والسُّخْرِيّ والسِّخْرِيّ. وقرىء بهما قوله تعالى: {أية : لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً} تفسير : [الزخرف: 32] وقوله: {أية : فَٱتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيّاً} تفسير : [المؤمنون: 110]. ورجل سُخْرةٌ. يُسْخَر منه، وسُخَرة ـ بفتح الخاء ـ يَسْخَر من الناس. وفلان سُخْرة يتسخر في العمل، يقال: خادمَه سُخْرة؛ وسخّره تسخيراً كلّفه عملا بلا أُجْرَة. قوله تعالى: {وَٱللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} قال الضحاك: يعني من غير تَبِعةٍ في الآخرة. وقيل: هو إشارة إلى هؤلاء المستضعفين، أي يرزقهم علوّ المنزلة؛ فالآية تنبيه على عظيم النعمة عليهم. وجَعلَ رزقهم بغير حساب من حيث هو دائم لا يتناهى، فهو لا يَنْعدُّ. وقيل؛ إن قوله {بِغَيْرِ حِسَابٍ} صفة لرزق الله تعالى كيف يصرف؛ إذ هو جلت قدرته لا يُنفِق بعَدٍّ، ففضله كله بغير حساب، والذي بحساب ما كان على عملٍ قدّمه العبد؛ قال الله تعالى: {أية : جَزَآءً مِّن رَّبِّكَ عَطَآءً حِسَاباً} تفسير : [النبأ: 36]. والله أعلم. ويحتمل أن يكون المعنى بغير ٱحتساب من المرزوقين، كما قال: {أية : وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ} تفسير : [الطلاق: 3].
البيضاوي
تفسير : {زُيّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا} حسنت في أعينهم وأشربت محبتها في قلوبهم حتى تهالكوا عليها وأعرضوا عن غيرها، والمزين في الحقيقة هو الله تعالى إذ ما من شيء إلا وهو فاعله، ويدل عليه قراءة {زُيّنَ} على البناء للفاعل، وكل من الشيطان والقوة الحيوانية وما خلقه الله فيها من الأمور البهية والأشياء الشهية مزين بالعرض. {وَيَسْخَرُونَ مِنَ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ} يريد فقراء المؤمنين كبلال وعمار وصهيب، أي يسترذلونهم ويستهزئون بهم على رفضهم الدنيا وإقبالهم على العقبى، ومن للابتداء كأنهم جعلوا السخرية مبتدأة منهم {وَٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ فَوْقَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ} لأنهم في عليين وهم في أسفل السافلين، أو لأنهم في كرامة وهم في مذلة، أو لأنهم يتطاولون عليهم فيسخرون منهم كما سخروا منهم في الدنيا، وإنما قال والذين اتقوا بعد قوله من الذين آمنوا، ليدل على أنهم متقون وأن استعلاءهم للتقوى. {وَٱللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاء} في الدارين. {بِغَيْرِ حِسَابٍ} بغير تقدير فيوسع في الدنيا استدراجاً تارة وابتلاء أخرى.
المحلي و السيوطي
تفسير : {زُيّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ } من أهل مكة {ٱلْحَيَٰوةُ الدُّنْيَا } بالتمويه فأحبوها {وَ} هم {يَسْخَرون مِنَٱ لذين ءَامنُواْ } لفقرهم كبلال وعمار وصهيب أي يستهزئون بهم ويتعالون عليهم بالمال {وَٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ } الشرك وهم هؤلاء {فَوْقَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ وَٱللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ } أي رزقاً واسعاً في الآخرة أو الدنيا بأن يُمَلِّك المسخور منهم أموال الساخرين ورقابهم.
ابن عبد السلام
تفسير : {زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا} زينها الله بخلق الشهوات فيها، أو زينها الشيطان، أو المُغوي من الثقلين. {وَيَسْخَرُونَ} من ضعفاء المسلمين، يوهمونهم أنهم على حق، والمراد بذلك علماء اليهود، أو مشركو العرب. {وَالَّذِينَ اتَّقَوْاْ} فوق الكفار. {بِغَيْرِ حِسَابٍ} عبّر بذلك عن سعة ملكه الذي لا يفنيه عطاء ولا يقدر بحساب، أو هو دائم لا يفنى، أو رزق الدنيا بغير حساب لأنه يعم المؤمن والكافر، ولا يُعطى المؤمن على قدر إيمانه، أو رزق المؤمن في الآخرة لا يحاسب عليه، أو التفضل بغير حساب، والجزاء بالحساب، أو كفايتهم بغير حساب ولا تضييق.
الخازن
تفسير : قوله عز وجل {زين للذين كفروا الحياة الدنيا} نزلت في مشركي العرب أبي جهل وأصحابه لأنهم كانوا يتنعمون بما بسط لهم في الدنيا من المال ويكذبون بالمعاد، وقيل: نزلت في المنافقين عبدالله بن أبيّ وأصحابه. وقيل: نزلت في رؤساء اليهود. ويحتمل أنها نزلت في الكلّ. والمزين هو الله تعالى بدليل قراءة من قرأ زين بفتح الزاي وذلك أنه لا يمتنع أن يكون الله تعالى هو المزين لهم بما أظهره في الدنيا من الزهرة والنضارة والطيب واللذة وخلق الأشياء العجيبة والمناظر الحسنة، وإنما فعل ذلك ابتلاء العبادة وذلك أنه جعل دار الدنيا ابتلاء وامتحان وركب في الطباع الميل إلى اللذات وحب الشهوات لا على سبيل الإلجاء والقسر الذي لا يمكن تركه، بل على سبيل التحبب الذي تميل النفس إليه مع إمكان ردها عنه فنظر الخلق إلى الدنيا أكثر من قدرها فأعجبهم حسنها وزهرتها وزينتها فأحبوها وفتنوا بها. وقيل: إن المراد من التزيين أنه تعالى أمهلهم في الدنيا حتى أقبلوا عليها وأحبوها، فكان هذا الإمهال هو التزين. وقيل: إن المزين هو الشيطان وغواة الجن والإنس، وذلك أنهم زينوا للكفار الحرص على الدنيا وطلبها وقبحوا لهم أمر الآخرة. وقيل: أوهموهم أن لا آخرة ليقبلوا على لذات الدنيا وطلب الحرص عليها، وهذا التأويل ضعيف لأن قوله تعالى زين الذين كفروا يتناول جميع الكفار فيدخل فيه الشيطان وغواة الجن والإنس وأن كلهم مزين لهم وهذا المزين لا بد وأن يكون مغايراً لهم فثبت بهذا ضعف قول المعتزلة {ويسخرون من الذين آمنوا} يعني أن الكفار يستهزئون بفقراء المؤمنين، قال ابن عباس: مثل عبدالله بن مسعود وعمار بن ياسر وصهيب وبلال ونظرائهم. وقيل: كانوا يقولون انظروا إلى هؤلاء الذين يزعم محمد أنه يغلب بهم {والذين اتقوا} يعني الفقراء من المؤمنين {فوقهم} أي فوق الكفار {يوم القيامة} لأن الفقراء في عليين والكفار والمنافقين في أسفل السافلين (ق) عن حارثة بن وهب أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : ألا أخبركم بأهل الجنة كل ضعيف مستضعف لو أقسم على الله لأبره ألا أخبركم بأهل النار كل عتلّ جوّاظ جعظري مستكبر" تفسير : العتل الفظ الغليظ الشديد في الخصومة الذي لا ينقاد لخير. والجواظ الفاجر المختال في مشيئته، وقيل هو القصير البطين. والجعظري الفظ الغليظ، وقيل هو الذي يتمدح بما ليس فيه أو عنده (ق) عن أسامة بن زيد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : قمت على باب الجنة فكان عامة من دخلها المساكين وأصحاب الجد محبوسون غير أن أصحاب النار قد أمر بهم إلى النار وقمت على باب النار فإذا عامة من دخلها النساء" تفسير : الجد بفتح الجيم هو الحظ والغنى وكثرة المال {والله يرزق من يشاء بغير حساب} قال ابن عباس: يعطي كثيراً بغير مقدار لأن كل ما يدخل عليه الحساب فهو قليل، والمعنى أنه يوسع لمن يشاء من عباده وقيل يرزقه في الدنيا ولا يحاسبه في الآخرة، وقيل معناه أنه يرزق من يشاء من حيث لا يحتسب وقيل معناه أنه يرزقه بغير استحقاق وقيل معناه أنه تعالى لا يخاف نفاد ما في خزائنه حتى يحتاج إلى حساب لما يخرج منها لأن الحساب إنما يكون ليعلم قدر ما يعطي والله غني عالم بما يعطي ولا يخاف نفاد خزائنه لأنها بين الكاف والنون وقيل معناه إن الله يقتر الرزق على ما يشاء ويبسط الرزق لمن يشاء، ولا يعطي كل واحد على قدر حاجته، بل يعطي الكثير لمن لا يحتاج إليه، ولا معارض له في حكمه، ويحاسب فيما رزق، ولا يقال له لم أعطيت هذا وحرمت هذا، ولا لم أعطيت هذا أكثر من ذاك؟ لأنه تعالى لا شريك له في ملكه ينازعه ولا يسأل عما يفعل. وقيل: يحتمل أن يكون المراد منه ما يعطي الله المتقين في الآخرة من الثواب والكرامة بغير محاسبة منه لهم على ما من به عليهم وذلك أن نعيم الجنة لا نفاد له ولا انقطاع. وقيل: إنه تعالى يعطي أهل الجنة الثواب والأجر بقدر أعمالهم ثم يتفضل عليهم فذلك الفضل منه إليهم بغير حساب.
ابن عرفة
تفسير : قوله تعالى: {زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا...}. أسند التزين إلى الملزوم اكتفاء به عن اللازم، مع أن اللازم هو الذي يكتفي به عن الملزوم بخلاف العكس كما قال {أية : زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ ٱلشَّهَوَاتِ}تفسير : إذ لا يلزم من تزيّن الحياة الدنيا لهم محبتهم إياها ولو قيل: زين للكافرين حب الدنيا لا ستلزم ذلك تزيّن الدنيا لهم. وتقرر أن المحبة إن كانت متعلقة بأحد النقيضين أو الضدين دلت على كراهة مقابله. ((قال ابن عرفة): والمحبة على أن المزين له كافر إلا مع معارضتها للآخرة وترجيحها عليها أما مع عدم المعارضة فلا. وهذا في الاعتقاد وأما في الأحكام والفروع فلا؛ لأجل أن عُصاة المؤمنين كلّهم رجحوا الدنيا على الآخرة). قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ فَوْقَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ وَٱللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ}. إما تهييج على الاتصاف بالتقوى فلذلك قال: "فَوْقَهُمْ" وإما تنبيه على تفاوت درجاتهم، وإما أن يكون التقوى والايمان بمعنى واحد.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: "زُيِّنَ": إنَّما لم تلحق الفعل علامة تأنيثٍ لوجوهٍ: أحدها: قال الفرَّاء: لأنَّ الحياة والإحياء واحدٌ، فإن أُنِّثَ، فعلى اللَّفظ، وبها قرأ ابن أبي عبلة، وإن ذُكِّر، فعلى المعنى؛ كقوله: {أية : فَمَنْ جَآءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّنْ رَّبِّهِ}تفسير : [البقرة: 275]{أية : وَأَخَذَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ ٱلصَّيْحَةُ}تفسير : هود: 67]. وثانيها: قال الزَّجَّاج: إنَّ تأنيث الحياة ليس بحقيقي؛ لأنَّ معنى الحياة والعيشِ والبقاء واحدٌ، فكأنه قال: "زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا البَقَاءُ". وثالثها: قال ابن الأنباري: إنما لم يقل زيِّنت؛ لأنه فصل بين "زُيِّنَ" وبين الحياة الدنيا بقوله: "للذين كَفَرُوا"، وإذا فصل بين فعل المؤنث، وبين الاسم بفاصلٍ حَسُنَ تذكير الفعل؛ لأنَّ الفاصل يغني عن تاء التأنيث، وقرأ مجاهد وأبو حيوة: "زَيَّنَ" مبنياً للفاعل، و"الحياةَ" مفعول، والفاعل هو الله تعالى عند الأكثرين، وعند الزجاج والمعتزلة يقولون: إنه الشيطان. وقوله: "يَسْخَرُون" يحتمل أن يكون من باب عطف الجلمة الفعلية على الجملة الفعلية، لا من باب عطف الفعل وحده على فعل آخر، فيكون من عطف المفردات؛ لعدم اتِّحاد الزمان. ويحتمل أن يكون "يَسْخَرُون" خبر مبتدأ محذوفٍ، أي: وهم يسخرون، فيكون مستأنفاً، وهو من عطف الجملة الاسمية على الفعلية. وجيء بقوله: "زُيِّن" ماضياً؛ دلالةً على أنَّ ذلك قد وقع، وفرغ منه، وبقوله: "وَيَسْخَرُونَ" مضارعاً؛ دلالة على التَّجَدُّد، والحدوث. قوله: {وَٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ فَوْقَهُمْ} مبتدأ وخبر، و"فَوْقَ" هنا تحتمل وجهين: أحدهما: أن تكون ظرف مكانٍ على حقيقتها؛ لأنَّ المتقين في أعلى علِّيِّين، والكافرين في أسفل السَّافلين. والثاني: أن تكون الفوقية مجازاً: إمَّا بالنسبة إلى نعيم المؤمنين في الآخرة، ونعيم الكافرين في الدنيا. وإمّا أنّ حجة المؤمنين في القيامة فوق حجَّة الكافرين، وإمَّا أن سخرية المؤمنين لهم في الآخرة، فوق سخرية الكفار لهم في الدنيا. و"يوم" منصوبٌ بالاستقرار الذي تعلَّق به "فَوْقَهُمْ" وقوله: {مِنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ} ثم قال: {وَٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ} لتبيين أنَّ السعادة الكبرى لا تحصل إلاَّ للمؤمن التَّقيّ. فصل قال ابن عبَّاسٍ: نزلت في كفَّار قريشٍ، كانوا يسخرون من فقراء المسلمين كعبد الله بن مسعودٍ، وعمَّارٍ، وخبَّابٍ، وسالمٍ مولى أبي حذيفة، وعامر بن فهيرة، وأبي عبيدة بن الجرَّاح، وصهيبٍ، وبلالٍ، بسب ما كانوا فيه من الفقر، والصَّبر على أنواع البلاء، مع ما كان الكُفَّار فيه من النَّعيم، والرَّاحة، وبسط الرِّزق. وقال عطاءٌ: نزلت في رؤساء اليهود، وعلمائهم، من بني قريظة، والنَّضير، وبني قينقاع؛ سخروا من فقر المسلمين المهاجرين حيث أُخرجوا من ديارهم، وأموالهم، فوعدهم الله أن يعطيهم أموال بني قريظة والنَّضير بغير قتالٍ. وقال مقاتلٌ: نزلت في المنافقين كعبد الله بن أُبيٍّ، وأصحابه؛ كانوا يتنعّمون في الدّنيا، ويسخرون من ضعفاء المسلمين، وفقراء المهاجرين، ويقولون: انظروا إلى هؤلاء الذين يزعم محمد أنه يغلب بهم. قال ابن الخطيب: ولا مانع من نزولها في جميعهم. روى أسامة بن زيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : وَقَفْتُ عَلَى بَابِ الْجَنَّةِ، فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا المَسَاكِينَ، وَوَقَفْتُ عَلَى بَابِ النَّارِ، فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا النِّسَاءَ، وَإنَّ أَهْلَ الجَدِّ مَحْبُوسُونُ إِلاَّ مَنْ كَانَ مِنْهُمْ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، فَقَدْ أُمِرَ بِهِ إِلَى النَّارِ " تفسير : وروى سهل بن سعدٍ السَّاعديّ، قال: حديث : مرَّ رجلٌ على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لرجل عنده جالسٍ: "مَا رَأَيُكَ في هَذَا" فقال هذا رجل من أشراف النَّاس، هذا والله حريٌّ إن خطب أن ينكح، وإن شفع أن يشفَّع، قال: فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم مرَّ رجُلٌ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَا رَأْيُكَ في هَذَا"؟ فقال: يَا رسولَ الله، هذا من فقراء المسلمين، هذا حَرِيٌّ إن خطب ألاّ ينكح وإن شفع ألا يشفَّع، وإن قال لا يسمع لقوله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هذا خَيْرٌ مِنْ مِلْءِ الأَرْضِ مِثْل هَذَا " تفسير : وروي عن عليٍّ؛ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : مَنِ اسْتَذَلَّ مَؤْمِناً أَوْ مُؤْمِنَةً، أَوْ حَقَّرَهُ لِفَقْرِهِ وَقِلَّةِ ذَات يَدِهِ، شَهَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ القِيَامَةِ، ثُم فَضَحَهُ، وَمَنْ بَهَت مُؤْمِناً أَوْ مُؤْمِنَةً، أَوْ قَالَ فِيهِ مَا لَيْسَ فِيهِ أَقَامَهُ اللَّهُ تَعَالَى في تَلٍّ مِنْ نَارٍ يَوْمَ القِيَامَةِ؛ حَتَّى يَخْرُجَ مِمَّا قَالَ فِيه... " تفسير : فصل قال الجُبَّائيُّ: المزيِّن هم غواة الجن، والإنس؛ زينوا للكفار الحرص على الدُّنيا، وقبَّحوا أمر الآخرة. قال: وأمَّا قول المجبّرة: إنَّ الله تعالى زيَّن ذلك فهو باطلٌ، لأنَّ المزيِّن للشيء كالمخبر على حسنه، فإن كان صادقاً، فيكون ما زينه حسناً، ويكون فاعله مصيباً، وذلك يوجب أنَّ الكافر مصيبٌ في كفره، وهذا القول كفرٌ، وإن كان كاذباً في ذلك التزيين، فيؤدي إلى أن لا يوثق بخبره، وهذا - أيضاً - كفرٌ، فثبت أنَّ المزيِّن هو الشيطان. قال ابن الخطيب: وهذا ضعيفٌ، لأنَّ قوله: {زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ} يتناول جميع الكُفَّار، وهذا يقتضي أن يكون لجميع الكفار مُزَيِّن، فلا بدَّ وأن يكون ذلك المزيِّن مغايراً لهم؛ لأنَّ غواة الجنِّ والإنس داخلون في الكفار أيضاً، إلاَّ أن يقال: إن كلَّ واحدٍ يزيِّن للآخر فيصير دوراً، فثبت ضعف هذا التأويل. وأمَّا قوله: "المُزَيِّنُ للشَّيْءِ كالمخبر عن حُسْنِه" فهذا ممنوعٌ، بل المزين من يجعل الشيء موصوفاً بالزينة، ثم لئن سلَّمنا أنَّ المزين للشيء هو المبخر عن حسنه بمعنى أنه أخبر عمَّا فيها من اللَّذَّات والراحات، وذلك الإخبار ليس بكذبٍ، وتصديقه ليس بكفرٍ. وقال أبو مسلمٍ: يحتمل أنهم زيَّنوا لأنفسهم والعرب يقولون لمن يبعد منهم: أين يذهب بك؟ لا يريدون أنَّ ذاهباً ذهب به، وهو معنى قوله تعالى في الآي الكثيرة: {أية : أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ}تفسير : [المائدة: 75]، {أية : أَنَّىٰ يُصْرَفُونَ}تفسير : [غافر: 69] إلى غير ذلك، وأكّده بقوله: {أية : لاَ تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلاَ أَوْلاَدُكُمْ}تفسير : [المنافقون: 9] وأضاف ذلك إليهما؛ لمَّا كان كالسبب ولمَّا كان الشيطان لا يملك أن يحمل الإنسان على الفعل قهراً، فالإنسان في الحقيقة هو الذي زيَّن لنفسه. قال ابن الخطيب: وهذا ضعيفٌ؛ لأنَّ قوله: "زُيِّنَ للنَّاس" يقتضي أنَّ مزيِّناً زينه، والعدول عن الحقيقة إلى المجاز غير ممكن. التأويل الثالث: أنَّ المزيِّن هو الله تعالى، ويدلُّ عليه وجهان: أحدهما: قراءة من قرأ "زَيَّنَ" مبنيّاً للفاعل. والثاني: قوله تعالى: {أية : إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى ٱلأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُم أَحْسَنُ عَمَلاً}تفسير : [الكهف: 7] والقائلون بهذا ذكروا وجوهاً: الأول: أنَّ هذا التزيين بما أظهره لهم في الدنيا من الزَّهرة والنضارة، والطِّيب، واللَّذَّة؛ ابتلاءً لعباده؛ كقوله: {أية : زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ ٱلشَّهَوَاتِ}تفسير : [آل عمران: 14] إلى قوله: {أية : قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِّن ذٰلِكُمْ لِلَّذِينَ ٱتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ}تفسير : [آل عمران:15]. وقال: {أية : ٱلْمَالُ وَٱلْبَنُونَ زِينَةُ ٱلْحَيَٰوةِ ٱلدُّنْيَا}تفسير : [الكهف: 46] ثم قال: {أية : وَٱلْبَاقِيَاتُ ٱلصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ أَمَلاً}تفسير : [الكهف: 46] فهذه الآيات متوافقة، والمعنى: أنَّ الله تعالى جعل الدُّنيا دار بلاءٍ وامتحانٍ، وركَّب في الطِّباع الميل إلى اللذات، وحبّ الشهوات، لا على سبيل الإلجاء الذي لا يمكن تركه، بل على سبيل التحبيب الذي تميل إليه النفس مع إمكان ردِّها عنه؛ ليتمَّ بذلك الامتحان، وليجاهد المؤمن هواه، فيقبض نفسه عن المباح، ويكفّها عن الحرام. الثاني: أنَّ المراد بـ"التَّزَيِينِ" أنه أمهلهم في الدنيا، ولم يمنعهم عن الإقبال عليها، والحرص في طلبها، فهذا الإمهال هو المسمى بـ"التزيين". الثالث: أنَّه زيَّن لهم المباحات دون المحظورات، وعلى هذا سقط الإشكال، إلاّ أنَّ هذا ضعيفٌ؛ لأن الله تعالى خصَّ الكفَّار، وأيضاً فإنَّ المؤمن إذا تمتع بالمباحات، وكثرة ماله، يكون متعته مع الخوف من الحساب في الآخرة فعيشه مكدَّرٌ منغَّصٌ وأكبر غرضه أجر الآخرة، إنما يعدُّ الدنيا كالوسيلة إليها، ولا كذلك الكافر، فإنَّه وإن قلَّت ذات يده، فسروره، بها يغلب على قلبه لاعتقاده أنها المقصود دون غيرها. وأيضاً، فإنَّه تعالى أتبع الآية بقوله: {وَيَسْخَرُونَ مِنَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} وذلك يشعر بأنهم كانوا يسخرون منهم في ترك اللَّذات المحظورة، وتحملهم المشاقَّ الواجبة، فدلَّ ذلك على أنَّ التزيين لم يكن في المباحات. قال ابن الخطيب: ويتوجَّه على المعتزلة سؤال، وهو أنَّ حصول هذه الزينة في قلوب الكفَّار لا بدَّ له من محدث، وإلا فقد وقع المحدث، لا عن مؤثر فهذا محال، ثم هذا التزيين الحاصل في قلوب الكفار إمَّا أن يكون قد رجَّح جانب الكفر والمعصية على جانب الإيمان والطاعة، فقد زال الاختيار، لأنَّ حال الاستواء لمَّا امتنع حصول الرُّجحان، فحال صيرورة أحد الطرفين مرجوحاً أولى بامتناع الوقوع، وإذا صار المرجوح ممتنع الوقوع، صار الراجح واجب الوقوع ضرورة أنَّه لا خروج عن النقيضين، فهذا توجيه السؤال، وهو لا يدفع بالوجوه التي ذكرها المعتزلة، فأمّا أصحابنا فإنهم حملوا التزيين على أنَّ الله تعالى خلق في قلبه إرادة تلك الأشياء، بل خلق تلك الأفعال، والأقوال. قوله تعالى: {وَٱللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ} مفعول "يَشَاءُ" محذوف، أي: من يشاء أن يزرقه، و"بِغيرِ حِسَابٍ" هذا الجارُّ فيه وجهان: أحدهما: أنه زائدٌ. والثاني: أنه غير زائدٍ، فعلى الأول لا تعلُّق له بشيءٍ، وعلى الثاني هو متعلِّق بمحذوفٍ، فأما وجه الزيادة: فهو أنه تقدَّمه ثلاثة أشياء في قوله: {وَٱللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ} الفعل والفاعل والمفعول، وهو صالحٌ لأن يتعلَّق من جهة المعنى بكلِّ واحدٍ منها، فإذا تعلَّق بالفعل كان من صفات الأفعال، تقديره: والله يرزق رزقاً غير حساب، أي: غير ذي حساب، أي: أنه لا يحسب ولا يحصى لكثرته، فيكون في محلِّ نصبٍ على أنه نعتٌ لمصدرٍ محذوفٍ، والباء زائدةٌ. وإذا تعلَّق بالفاعل، كان من صفات الفاعلين، والتقدير: والله يرزق غير محاسب بل متفضلاً، أو غير حاسبٍ، أي: عادٍّ. فـ"حساب" واقعٌ موقع اسم فاعل من حاسب، أو من حَسَبَ، ويجوز أن يكون المصدر [واقعاً موقع اسم مفعولٍ من حاسب، أي: الله يرزق غير محاسبٍ]أي: لا يحاسبه أحدٌ على ما يعطي، فيكون المصدر في محلِّ نصبٍ على الحال من الفاعل، والباء فيه مزيدةً. وإذا تعلَّق بالمفعول، كان من صفاته أيضاً، والتقدير: والله يرزق من يشاء غير محاسب، أو غير محسوب عليه، أي: لا يعدُّ. فيكون المصدر أيضاً واقعاً موقع اسم مفعول من حاسب أو حسب، أو يكون على حذف مضاف، أي: غير ذي حساب، أي: محاسبة، فالمصدر واقع موقع الحال والباء - أيضاً - زائدة فيه، ويحتمل في هذا الوجه أن يكون المعنى أنه يرزق من حيث لا يحتسب، أي: من حيث لا يظنُّ أن يأتيه الرزق، والتقدير: يرزقه غير محتسب ذلك، أي: غير ظانٍّ له، فهو حال أيضاً، ومثله في المعنى {أية : وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ}تفسير : [الطلاق: 3]. وكون الباء تزاد في الحال ذكروا لذلك شرطاً - على خلافٍ في جواز ذلك في الأصل - وهو أن تكون الحال منفيَّةٌ، كقوله: [الوافر] شعر : 1036 - فَمَا رَجَعَتْ بِخَائِبَةٍ رَكَابٌ حَكِيمٌ بْنُ المُسَيِّبِ مُنْتَهَاهَا تفسير : وهذه الحال - كما رأيت - غير منفيةٍ، فالمنع من الزيادة فيها أولى. وأمَّا وجه عدم الزيادة، فهو أن تجعل الباء للحال والمصاحبة، وصلاحية وصف الأشياء الثلاثة - أعني الفعل، والفاعل، والمفعول - بقوله: "بغير حساب" باقية أيضاً، كما تقدَّم في القول بزيادتها. والمراد بالمصدر المحاسبة، أو العدُّ والإحصاء، أي: يرزق من يشاء، ولا حساب على الرزق، أو ولا حساب للرازق، أو ولا حساب على المرزوق، وهذا أولى؛ لما فيه من عدم الزيادة، التي الأصل عدمها، ولما فيه من تبعيَّةّ المصدر على حاله، غير واقعٍ موقع اسم فاعل، أو اسم مفعولٍ، ولما فيه من عدم تقدير مضافٍ بعد "غير" أي: غير ذي حساب. فإذاً هذا الجارُّ، والمجرور متعلِّقٌ بمحذوفٍ؛ لوقوعه حالاً من أيِّ الثلاثة المتقدِّمة شئت؛ كَما تقدَّم تقريره، أي: ملتبساً بغير حساب. فصل يحتمل أن يكون المراد منه: ما يعطي في الدنيا لعبيده المؤمنين والكافرين، ويحتمل أن يكون المراد منه: رزق الآخرة، فإن حملناه على رزق الآخرة، كان مختصاً بالمؤمنين، وهو من وجوه: أحدها: أنَّ الله يرزقهم بغير حسابٍ، أي: رزقاً واسعاً رغداً لا فناء له؛ لأنَّ كلَّ ما دخل تحت الحساب، فهو متناهٍ. وثانيها: أن المنافع الواصلة إليهم في الجنة بعضها ثواب، وبعضها تفضل؛ كما قال: {أية : فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزيدُهُمْ مِّن فَضْلِهِ}تفسير : [النساء: 173] فالفضل منه بلا حساب. وثالثها: أنه لا يخاف نفادها عنده؛ فيحتاج إلى حساب ما يخرج منه؛ لأن المعطي إنَّما يحاسب، ليعلم مقدار ما يعطى وما يبقى كي لا يتجاوز في عطاياه إلى ما لا يجحف به، والله عالم غني، لا نهاية لمقدوراته. ورابعها: "بِغَيْرِ حِسَاب"، أي: بغير استحقاقٍ؛ يقال: لفلان على فلانٍ حسابٌ؛ إذا كان له عليه حق، وهذا يدلُّ على أنَّه لا يستحق أحدٌ عليه شيئاً، وليس لأحدٍ معه حساب، بل كلُّ ما أعطاه، فهو مجرّد فضل وإحسانٍ، لا بسبب استحقاق. وخامسها: "بِغَيرِ حِسَابٍ"، أي: يعطي زائداً على الكفاية؛ يقال: فلان ينفق بغير حساب، أي: يعطي كثيراً؛ لأن ما دخله الحساب فهو قليل. وهذه الوجوه كلُّها محتملة، وعطايا الله بها منتظمة، فيجوز أن يكون الكلُّ مراداً والله أعلم. فإن قيل: قد قال الله - تعالى - في صفة المتقين، وما يصل إليهم: {أية : عَطَآءً حِسَاباً}تفسير : [النبأ: 36] على المستحقِّ بحسب الوعد؛ كما هو قولنا، وبحسب الاستحقاق، كما هو قول المعتزلة، فالسؤال: وهذا كالمناقض لهذه الآية. فالجواب: من حمل قوله: "بِغَيْرِ حِسَابٍ" على التفضُّل، وحمل قوله: "عَطَاءً حِسَاباً" على المستحق بحسب الوعد، كماهو قولنا، وبحسب الاستحقاق، كما هو قول المعتزلة، فالسؤال زائل، وَمَنْ حَمَلَ قَوْلَهُ: "بغير حساب" على سائرِ الوجوه، فله أنْ يقول: إن ذلك العطاء إذا كان يتشابه في الأوقاتِ، فَصَحَّ من هذا الوجه أَنْ يُوصَف بكونه: "عَطَاءً حِسَاباً" فلا تناقض، وإن حملناه على أرزاق الدنيا، ففيه وجوه: أحدها، وهو أَلْيَقُ بِنَظم الآية، أنَّ الكفارَ كان يَسْخرونَ من فقراء المسلمين؛ لأنهم كانوا يستدلُّون بحصولِ السعاداتِ الدنيوية، على أنهم على الحقِّ، وبحرمان فقراء المسلمين على أنهم على الباطل؛ فأَبطل تعالى استدلالهُم بقوله: {وَٱللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} يعني: يُعْطِي في الدنيا مَنْ يشاءُ من غير أَنْ يكونَ ذلك مُنْبئاً عن كون المُعْطى مُحِقّاً أَوْ مُبْطِلاً، بل بِمَحْضِ المَشِيئَةِ؛ كَمَا وَسَّعَ على قَارون وضيَّق على أَيُّوب - عليه السلام - فقد يُوسِّع على الكافر، ويضيقُ على المؤمن؛ ابتلاءً وامتحاناً؛ كما قال {أية : وَلَوْلاَ أَن يَكُونَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِٱلرَّحْمَـٰنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِّن فِضَّةٍ}تفسير : [الزخرف: 33]. وثانيها: أَنَّ اللَّهَ يرزقُ مَنْ يشاءُ في الدنيا: مِنْ كافرٍ، ومُؤْمنٍ بغير حسابٍ يكون لأحدٍ عليه ولا مُطَالبة، ولا تبعةٍ، ولا سؤال سائل. والمقصود منه: أَلاَّ يقولَ الكافِر: إِنَّ المؤمن على الحق فَلِمَ لَمْ يُوَسَّع عليه في الدنيا؟ وألاَّ يقولَ المؤمُن: لو كانَ الكافرُ مُبطلاً، فلِمَ يُوَسَّعُ عليه في الدنيا؟ بل الاعْتِراضُ ساقطٌ؛ و{أية : لاَ يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ}تفسير : [الأنبياء: 23]. وثالثها: بغير حساب أي: مِنْ حيثُ لا يحتسِب؛ كما يقولُ مَنْ جاءه مَا لَمْ يكنْ في قلبه: لَمْ يَكُن هذا حسابي. قال القفَّال - رحمه الله -: وَقَدْ فعل ذلك بهم، فَأَغْنَاهُم بما أَفَاءَ عليهم مِنْ أَمْوالِ صَنَادِيدِ قُرَيش ورُؤَساءِ اليهود، وبما فتح على رسوله، بعد وفاته على أَيْدِي أصحابه، حتى ملكوا كُنوز كِسرَى، وقَيصر.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن جريج في قوله {زين للذين كفروا الحياة الدنيا} قال: الكفار يبتغون الدنيا ويطلبونها {ويسخرون من الذين آمنوا} في طلبهم الآخرة. قال: ابن جرير لا أحسبه إلا عن عكرمة قال: قالوا: لو كان محمد نبياً لاتبعه ساداتنا وأشرافنا، والله ما اتبعه إلا أهل الحاجة مثل ابن مسعود وأصحابه. وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة {زين للذين كفروا الحياة الدنيا} قال: هي همهم وسدمهم وطلبتهم ونيتهم {ويسخرون من الذين آمنوا} ويقولون: ما هم على شيء، استهزاء وسخرية {والذين اتقوا فوقهم يوم القيامة} هناكم التفاضل. وأخرج عبد الرزاق عن قتادة {والذين اتقوا فوقهم} قال: فوقهم في الجنة. وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء قال: سألت ابن عباس عن هذه الآية {والله يرزق من يشاء بغير حساب} فقال: تفسيرها ليس على الله رقيب ولا من يحاسبه. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير {بغير حساب} قال: لا يحاسب الرب. وأخرج عن ميمون بن مهران بغير حساب قال: غدقاً. وأخرج عن الربيع بن أنس بغير حساب قال: لا يخرجه بحساب يخاف أن ينقص ما عنده، إن الله لا ينقص ما عنده.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا} [الآية: 212]. قال جعفر: زين للذين جحدوا التوكل بزينة الحياة الدنيا حتى جمعوها وافتخروا بها، ويسخرون من الذين آمنوا، من الذين توكلوا على الله فى جميع أمورهم، ونبذوا تدابيرهم وراء ظهورهم، وأعرضوا عنها وهم الفقراء الصبراء الراضون.
القشيري
تفسير : مكروا فلم يشعروا، وحملهم اشتداد الظلمة على بصائرهم على الوقيعة في أوليائه سبحانه، والسخرية منهم، وحين تقشعت غواية الجهل عن قلوبهم (....) علموا مَنْ الخاسر منهم مِن الذي كان في ضلال بعيد.
البقلي
تفسير : {زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا} اى زين الذين اغتروا بعاجل الكرامات وقلوبهم بين الخلق باظهارهم الفراسان وحجبهم بها عن درجات المشاهدات رؤية ما سبقا اولياء من الرعايات والعنايات {وَيَسْخَرُونَ مِنَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} اى يتهاونون اهل المواجيد الذين سبقوا بنور العصمة وغابوا فى مشاهدة مولاهم عن المكر والخديعة وقال جعفر زين للذين جحدوا والتوكل زنية الحيوة الدنيا حتى جمعوا وافتخروبا بها ويسخرون من الذين أمنوا من الذين توكلوا على الله فى جميع امورهم وبنذوا تدابيرهم وراء ظهوهم فاعرضوا عنها وهم الفقراء الصبر الراضون.
اسماعيل حقي
تفسير : {زين للذين كفروا الحياة الدنيا} اى حسنت فى اعينهم واشربت محبتها فى قلوبهم حتى تهالكوا عليها وتهافتوا فيها معرضين عن غيرها والتزيين من حيث الخلق والايجاد مستند الى الله تعالى اذ ما من شىء الا وهو خالقه وكل من الشيطان والقوى الحيوانية وما فى الدنيا من الامور البهية والاشياء الشهية مزين بالعرض {ويسخرون من الذين آمنوا} اى يستهزئون بالفقراء من المؤمنين كعبد الله بن مسعود وعمار وصهيب وحبيب وبلال وغيرهم رضى الله تعالى عنهم ويسترذلونهم ويقولون تركوا لذات الدنيا وعذبوا انفسهم بالعبادات وفوتوا الراحات وكراماتها وهو عطف على زين ومن للابتداء فكأنهم جعلوا السحرية مبتدأة منهم {والذين اتقوا} يعنى اطاعوا الله واختاروا الفقر من المؤمنين وانما ذكروا بعنوان التقوى للايذان بان اعراضهم عن الدنيا للاتقاء عنها لكونها مخلة بتبتلهم الى جناب القدس شاغلة لهم وللاشارة الى انه لا يسعد عنده الا المؤمن المتقى {فوقهم يوم القيمة} يعنى فوق المشركين لانهم فى اعلى عليين وهم فى اسفل سافلين فتكون الفوقية حقيقة او لانهم فى اوج الكرامة وهم فى حضيض الذل والمهانة فتكون الفوقية مجازا. ويوم منصوب بالاستقرار الذى تعلق به فوقهم {والله يرزق من يشاء} اى فى الدارين {بغير حساب} كثير "بى اندازه" لانه تعالى لا يخاف نفاد ما عنده لانه غنى لا نهاية لمقدوراته فالله تعالى يوسع بحسب الحكمة والمشيئة على عباده فمنهم من تكون التوسعة عليه استدراجا كهؤلاء الكفرة وقارون واضرابهم ومنهم من تكون كرامة كاغنياء المؤمنين وسليمان وامثالهم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : وقفت على باب الجنة فرأيت اكثر اهلها المساكين ووقفت على باب النار فرأيت اكثر أهلها النساءbr>". تفسير : واذا اهل الجسد محبوسون الا من كان منهم من اهل النار فقد امر به الى النار: قال الحافظ شعر : ازين رباط دودر جون ضرورتست رحيل رواق وطاق معيشت جه سر بلند وجه بست بهست ونيست مر نجان ضمير وخوش دل باش كه نيستيت سرانجام هر كمال كه هست ببال و برمرو ازره كه تير برثابى هوا كرفت زمانى ولى بخاك نشست تفسير : ـ يحكى ـ ان عيسى عليه السلام سافر ومعه يهودى فكان مع عيسى ثلاثة اقراص فأعطاها اليهودى فقدم قرصين فقال اين ثالثها فقال اليهودى لم تكن اكثر من هذا فمشيا حتى شاهد من عيسى عجائب فأقسم عليه عيسى لذلك حتى يقر بالقرص الثالث فلم يقر فلحقا بثلاث لبنات من الذهب فقال اليهودى اقسم ذلك فقال عيسى واحدة لى وواحدة لك وواحدة لمن اكل القرص الثالث فقال اليهودى انا اكلت القرص الثالث فقال عيسى ابعد عنى فقد شاهدت قدرة الله ولم تقر به والآن قد اقررت بالدنيا فترك اللبنات عند اليهودى ومشى وجاء ثلاثة من اللصوص وقتلوا اليهودى واخذوا اللبنات ثم بعثوا من جملتهم واحدا ليأتى لهم بطعام فلما غاب عنهما تشاوروا فى قتله وقالا اذا رجع قتلناه واخذنا نصيبه فذهب واشترى سما فطرحه فى الطعام الذى اشتراه حتى يأكل ذلك الطعام صاحباه فيموتا ويأخذ اللبنات فلما قدم عليهما قاما وقتلاه ثم اكلا الطعام فماتا فعبر عليهم عيسى فوجد اليهودى وهؤلاء الثلاثة مقتولين فتعجب من ذلك فنزل جبريل واخبر بالقصة. فينبغى للعاقل ان لا يغتر بكثرة الدنيا وان لا يهتم فى جمعها بل يزرع فيها بذر العمل كى يحصد فى الآخرة لان الدنيا مزرعة الآخرة ولا ينبغى للاغنياء ان يحقروا الفقراء بالغرور بكثرة دنياهم ولا يسخروا منهم لان هذه الصفة من صفات الكفرة: قال السعدى شعر : جو منعم كند سفله را روزكار نهد بردل تنك درويش بار جوبام بلندش بودخود برست كندبول وحاشاك بربام بست تفسير : والاشارة فى الآية ان الله اذا فتح باب الملكوت على قلب عبد من خواصه يريه آياته فى الملك والملكوت فان تغير باحواله او تعجب بكماله فيقبل على شىء من مرادات النفس ويبدل نعمته بموافقة النفس ورضاها {أية : فإن الله شديد العقاب} تفسير : [الحشر: 4]. بان يغير عليه احواله ويسلب عنه كماله ويشهده قوله تعالى {أية : إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم} تفسير : [الرعد: 11]. ومن شدة عقابه انه اذا اذنب عبد ذنبا صغيرا ولم يتب منه وأصر عليه ان يعاقبه بالابتداء بكبيرة مثل تبدل النعمة ليعاقبه بزوال النعمة فى الدنيا ودوام النقمة فى العقبى. وايضا من شدة عقابه اى {زين للذين كفروا الحيوة الدنيا} ويمكر بهم حتى يغلب عليهم حب الدنيا {ويسخرون من الذين آمنوا} من فقرائهم وكبرائهم حملهم شدة العقوبة على الوقيعة فى اوليائه واستحقار احبابه وسيعلم الذين ظلموا أى منقلب ينقلبون {والذين اتقوا فوقهم يوم القيامة والله يرزق من يشاء} من درجات أعلى عليين ودركات أسفل سافلين {بغير حساب} بغير نهاية الى أبد الآباد فان ما لا نهاية له لا مدخل له تحت الحساب وفيه معنى آخر بغير حساب يعنى ما يرزق العبد فى الدنيا من الدنيا فلحرامها عذاب ولحلالها حساب وما يرزق العبد فى الآخرة من النعيم المقيم فبغير حساب كذا فى التأويلات النجمية.
ابن عجيبة
تفسير : قلت: {زُين} مبني للمفعول، والفاعل هو الله، إذ لا فاعل سواه. يقول الحقّ جلّ جلاله: {زيّن للذين كفروا} من اهل الكتاب وغيرهم، {الحياة الدنيا} أي: حُسِّنَتْ في أعينهم، وأُشربت محبتها في قلوبهم، حتى تهالكوا عليها، واعرضوا عن غيرها، فلم تتفرغ قلوبهم للتفكر والاعتبار، ولم تستمع آذانهم للوعظ والتذكار، بل أعمتهم، وأصمّتهم، وقصروا عليها همتهم، حتى جعلوا يسخرون ممن أعرض عنها، كفقراء المسلمين وأهل الصفة، فكانوا يستهزئون بهم، حيث رفضوا الدنيا وأقبلوا على الله، فرفعهم الله في أعلى عليين، وخفض الكفار في أسفل سافلين. فهم يسخرون منهم في دار الدنيا {والذين اتقَوْا فوقَهم يومَ القيامة} لأنهم في عليين، والآخرين في أسفل سافلين. أو لأنهم في كرامة، والآخرون في مذلة. أو لأنهم يسخرون منهم يوم القيامة كما سخروا منهم في الدنيا. وعبَّر بالتقوى لأنها سبب رفعهم واستعلائهم. وأما استهزاؤهم بهم لأجل فقرهم، فإن الفقر شرف للعبد، والبسط في الدنيا على شرفه؛ فقد يكون استدراجاً، وقد يكون عوناً، فالله {يرزق مَن يشاء بغير حساب}، أي: بغير تقدير، فيوسع في الدنيا استدراجاً وابتلاء، ويقتر على مَي يشاء اختباراً وتمحيصاً،{أية : لاَ يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُون}تفسير : [الأنبيَاء: 23]. الإشارة: اعلم أن عمل أهل الباطن كله باطني قلبي، بين تفكر واعتبار، وشهور واستبصار، أو نقول: بين فكرة ونظرة وعكوف في الحضرة، فلا يظهرون من أعمالهم إلا المهم من الواجبات، ولذلك قال بعضهم: إذا وصل العمل إلى القلوب استراحت الجوارح، (ومعلوم أن الذرة من أعمال القلوب أفضل من أمثال الجبال من أعمال الجوارح)؛ لأن أعمال القلوب خفية، لا يطلع عليها ملك فيكتبها، ولا شيطان فيفسدها، الإخلاص فيها محقق. وأيضاً: "تفكر ساعة أفضل من عبادة ستين سنة". "حديث : وسئل - عليه الصلاة والسلام -:أيُّ الأَعْمَال أَفْضَلُ؟ قال: العلْمُ بالله. قيلَ: يا رسُولَ الله سَأَلْنَاكَ عن العَمَل؟ فقال: العلمُ بالله ثم قال صلى الله عليه وسلم: إذا حَصَلَ العلمُ بالله كَفَى قلِيلُ العَملِ"تفسير : . أو كما قال عليه الصلاة والسلام،حديث : فلما خفيت أعمال أهل الباطن سخر منهم أهل الظاهر، واستصغروا شأنهم؛ حيث لم يروا عليهم من الأعمال ما رأوا على العُبَّاد والزُهاد. والذين اتقوا شهود ما سوى الله، أو كل ما يشغل عن الله، فوقهم يوم القيامة؛ لأنهم من المقربين وغيرهم من عوام المسلمين، والله يرزق من يشاء في الدارين بغير حساب، أي: بغير تقدير ولا حصر، فيرزق العلوم، ويفتح مخازن الفهوم على مَن توجه إلى مولاه، وفرغ قلبه مما سواهتفسير : . وبالله التوفيق.
الطوسي
تفسير : المعنى: إنما ترك التأنيث في قوله زيّن والفعل فيها مسند الى الحياة وهي المرتفعة به، لأنها لم يسم فاعلها لشيئين: أحدهما - أن تأنيث الحياة ليس بحقيقى، وما لا يكون تأنيثه حقيقياً، جاز تذكيره، كقوله تعالى: {أية : فمن جاءه موعظة من ربه}تفسير : وقوله: {أية : قد جاءكم بصائر}تفسير : {أية : وأخذ الذين ظلموا الصيحة}.تفسير : والثاني - أنه لما فصل بين الفعل والفاعل بغيره، جاز ترك التأنيث، وقد ورد ذلك في التأنيث الحقيقي، وهو قولهم حضر القاضي اليوم إمرأة، فاذا جاز ذلك في التأنيث الحقيقي، ففيما ليس بحقيقي، أجوز، قد قيل: إنما ترك التأنيث في هذا الموضع، لأنه قصد بها المصادر، فترك لذلك التأنيث. وقيل في معنى تزيين الحياة الدنيا قولان: أحدهما - قال الحسن، والجبائي، وغيرهما - أن المزين لهم إبليس وجنوده، لانهم الذين يغوون، ويقوّون دواعيه، ويحسنون فعل القبيح، والاخلال بالواجب ويسوّفون لهم التوبة، فأما الله تعالى، فلا يجوز أن يكون المزين له، لأنه زّهد فيها، فأعلم أنها متاع الغرور، وتوّعد على ارتكاب القبائح فيها. والقول الثاني - إن الله تعالى خلق فيها الأشياء المعجبة، فنظر إليها الذين كفروا باكثر من مقدارها، كما قال: {أية : زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث}تفسير : وإنما أراد بذلك ما جبل الخلق عليه من الميل الى هذه الاشياء، لا أنه حسن جميعها، ولم يقبح شيئاً منها، وكلاهما جائزان حسنان. والتزيين، والتحسين واحد، والزين: خلاف الشين، والزينة: اسم جامع لكل ما يتزين به، وهذا أمر زاين له أي مزين له. وقوله: {ويسخرون من الذين آمنوا} معناه: أن قوماً من المشركين كانوا يسخرون من قوم من المسلمين، لأن حالهم في ذات اليد كانت قليلة، فأعلم الله تعالى: أن الذين اتقوا فوقهم يوم القيامة، لأن المسلمين في عليين، والفجار في الجحيم، كما قال تعالى: {أية : إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون}تفسير : ثم أخبر عن المؤمنين أنهم يضحكون منهم - في الآخرة -، فقال: {أية : فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون}.تفسير : وقوله: {والله يرزق من يشاء بغير حساب} قيل فيه خمسة أقوال: أحدها - أن معناه: أنه يعطيهم الكثير الواسع الذي لا يدخله الحساب من كثرته. الثاني - أنه ليس يرزق المؤمن على قدر إيمانه، ولا الكافر على قدر كفره في الدنيا، ولكن الرزق في الآخرة على قدر العمل، وما يتفضل الله به، ويضاعف به عن رجل على المؤمنين ما يشاء من فضله زيادة على كفايته. الثالث - أنه يعطى عطاء لا يآخذه بذلك أحد، ولا يسأله عنه سائل، ولا يطالب عليه بجزاء، ولا مكافاة، ولا يثبت ذكره مخافة الاعدام، والاقلال، لأن عطيته ليست من أصل ينقص، بل خزائنه لا تفنى، ولا تنفد (جل الله تعالى). والرابع - قال قطرب معناه: أنه يعطي العدد من الشىء، لا مما يضبط بالحساب، ولا يأتي عليه العدد، لأن ما يقدر عليه غير متناه، ولا محصور، فهو يعطى الشىء لا من عدد أكثر منه ولا ينقص منه كالمعطى من الآدميين الألف من الألفين والعشرة من المأة. والخامس - قال بعضهم: إنما عنى بذلك إعطاء أهل الجنة، لأن الله تعالى يعطيهم ما يتناهى، ولا يأتي عليه الحساب، فكل ذلك حسن جائز، وإنما قال: {والذين اتقوا فوقهم يوم القيامة} ولا فضل للكفار في الآخرة لأمرين: أحدهما - أن أحوالهم في الآخرة فوق حال هؤلاء الكفار في الدنيا. والثاني - أن يكون محمولا على قوله تعالى {أية : أصحاب الجنة يومئذ خير مستقراً} تفسير : وكما قال حسان يعني رسول الله وأبا جهل. شعر : فشركما لخير كما الفداء تفسير : ومعنى {يسخرون من الذين آمنوا} أي يهزؤن بهم في زهدهم في الدنيا، لأنهم يوهمهم أنهم على حق، ويفهم عنهم أن اعتقادهم بخلاف ذلك.
الجنابذي
تفسير : {زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ} بالولاية بعد وضوح الحجّة استئناف جواب لسؤال مقدّر كأنّه قيل: لم كفروا وبدّلوا مع مجيء الآيات وعقوبة المبدّل؟ - فقال: لانّه زيّن للّذين كفروا {ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا} وبتزيّنها صرف انظارهم عن الآخرة وعمّا يؤدّى اليها فاحتجبوا عن الآيات مع كمال وضوحها مثل من توغّل فى امرٍ فانّه لا يستشعر بمن رآه وما رآه مع كمال ظهور المرئىّ فيستغرب من زيّن له الحياة الدّنيا الانصراف عنها والتّوجّه الى غيرها ويعدّون من اشتغل بمدلول الآيات وآمن بالولاية مجنوناً {وَيَسْخَرُونَ مِنَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} بالبيعة الخاصّة وقبول الولاية عطف على جملة زيّن والاتيان بالمضارع مع انّ توافق المتعاطفين اولى من تخالفهما للاشعار بأنّ التّزيين وقع وبقى اثره فى انظارهم وامّا السّخريّة فهى أمر متجدّد على سبيل الاستمرار {وَٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ} اى المؤمنون بالولاية فانّ التّقوى الحقيقيّة ليست الا لمن قَبِل الولاية ودخل فى الطّريق الى الله كما حقّق فى اوّل السّورة ووضع الظّاهر موضع المضمر لذكرهم بوصف آخر والتّعريض بالمنافقين والاشعار بعلّة الحكم وهى جملة حاليّة او معطوفة على يسخرون. والتّخالف للتّأكيد والثّبات فى الثّانية، او الّذين اتّقوا عطف على الّذين آمنوا عطف المفرد، وقوله تعالى {فَوْقَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ} حال منه يعنى ان كانوا فى الدّنيا تحت حكمهم فى بعض الاوقات فهم فى الآخرة فوق المنافقين حكماً وشرفاً ومنزلاً {وَٱللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} اى يرزقهم فانّ الاتيان به فى هذا المقام اظهار للامتنان على المؤمنين بانّ الفوقيّة بالنّسبة الى المنافقين ادنى شأنٍ لهم فانّ الله يرزقهم من موائد الآخرة ما لا يقدر على حسابه المحاسبون، وعلى هذا فوضع الظّاهر موضع المضمر للاشعار بتشريفهم بكونهم مرضيّين لله، وقيل: فيه اشياء اُخر.
الأعقم
تفسير : {زين للذين كفروا الحياة الدنيا} نزلت في أبي جهل وأصحابه كانوا يتنعمون في نعيم الدنيا {ويسخرون من الذين آمنوا} كابن مسعود وعمّار وبلال وصهيب وخباب ويقولون: لو كان محمد نبياً لاتبعه أشرافنا وما تبعه إلا الفقراء، وقيل: نزلت في عبد الله بن أُبي واصحابه المنافقين، وقيل: نزلت في رؤساء اليهود، قال جارالله: المزين هو الشيطان زيَّن لهم الدنيا وحسَّنها في أعينهم بوساوسه وحبّبها إليهم ويجوز أن يكون الله قد زينها لهم حتى احبوها {والذين اتقوا فوقهم يوم القيامة} لأنهم في عليين في السماء وهم في سجّين تحت الأرض او حالهم عالية لأنهم في كرامة وهم في هوان {والله يزرق من يشاء بغير حساب} قال جارالله يعني: انه يوسع على من يُوجب الحكمة التوسع عليه كما وسع على قارون وغيره فهذه التوسعة عليكم من جهة الله تعالى ولو كانت كرامة لكان أولياؤه المؤمنون أحق بها منكم، وقال الحاكم: قوله: {بغير حساب} يريد ما يشاء، وقيل: بغير حساب لأنه دائم لا نهاية له، وقيل: بغير حساب يعني كثيراً لأن ما دخله الحساب فهو قليل، وقيل: بغير حساب الأعمال بل أضعافاً مضاعفة بقدر الاستحقاق {كان الناس أُمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين} الآية، قيل: أهل ملّة واحدة على دين واحد وهو الكفر، عن ابن عباس وهو الوجَه لان قوله تعالى: {فبعث الله النبيين} لا يليق إلا بذلك، وقيل: كانوا على الحق، وظاهر الآية أنهم كانوا أُمة واحدة وليس فيها أنهم كانوا على الإيمان أو الكفر فهو موقوف على الدَّليل واختلفوا متى كانت هذه الأمَّة فقيل: بعد وفاة آدم (عليه السلام) الى زمان نوح (عليه السلام) كانوا كفاراً، وقيل: من وقت آدم إلى نوح كانوا مؤمنين واختلفوا في وقته، {أم حسبتم ان تدخلوا الجنة} قيل: معناه صفتهم بقوله تعالى: {أم حسبتم أن تدخلوا الجنة} ولما تُمتَحَنوا بالجهاد والصبر عليه كما امتحن الذين من قبلكم فصبروا عليه ولا يحصل الثواب والجنة والكرامة الا بطريقة الامتحان والصبر عليه والآية نزلت يوم الخندق، وقيل: نزلت في حرب أُحد لما قال عبدالله بن أُبي لأصحاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): علام تقتلون أنفسكم وتمنون الباطل لو كان محمد نبياً لما سلط الله عليه القتل والأسر، قال جارالله: {حتى يقول الرسول} الى الغاية التي قال الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ومن {معه متى نصر الله} أي بلغوا الضجر ولم يبق لهم صبرٌ حتى قالوا ذلك، ومعناه طلب النصر وتمنيه واستطالت زمان الشدة فلم يبق لهم صبرٌ حتى ضجُّوا {الا ان نصر الله قريب} على ارادة القول، يعني فقيل لهم اجابة لهم الى طلبهم من عاجل النصرة.
اطفيش
تفسير : {زُيِّن للَّذِينَ كَفَرُوا الحَياة الدُّنْيا}: أى زين لهم الشيطان الحياة الدنيا بوسوسته لهم فى إغرائهم بها وتصويرها فى غير صورتها، فأعرضوا عن دين الله وأهلكوا بها، ويجوز أن يكون المعنى زينها الله جل وعلا لهم، بمعنى أنه خذلهم لسؤ اختيارهم، فأحبوها وأكبوا عليها، ويجوز أن يكون التزيين من الشيطان والعياذ بالله تعالى منه، ولكنه نسبه الله إلى نفسه، لأنه مهل الكفار فى تزيين الشطان لهم، ويجوز أن يكون من الشيطان، ونسبة الله لنفسه لأنه أمهل الشيطان فى تزيينه لهم، ويدل لهذه الأوجه الثلاثة قراءة بعضهم {زَيَّن للذينَ كَفَرُوا الحْيَاةُ الدُّنَيا} ببناء زين للفاعل ونصب الحياة الدنيا، والله سبحانه أيضاً خالق لتزيين الشيطان، وخالق لميل النفس إلى الأمور البهية، والأشياء الشهية، والقوة الحيوانية، وهذه الأمور التى فيها وفى غيرها مزية هى والشيطان للإكباب عليها بالعرض، والله مزين بالذات، لأنه الخالق لكل شئ، والمزين الشيطان وغواة الإنس يقولون لهم: لا بعث، فيكبون على الدنيا، والذين كفروا كفار قريش وغيرهم، كأبى جهل وأصحابه، كانوا ينكرون البعث ويتنعمون بالدنيا، وقيل المنافقون عبد الله بن أبى وأصحابه، وقيل اليهود، وعبر بالماضى فى التزيين للفراغ منه، وعبر بالمضارع فى السخرية للحال والتجدد فى قوله: {ويَسْخرُونَ مِنَ الَّذين آمنُوا}: فقراء المؤمنين: كبلال وعمار وصهيب وابن مسعود، أو من المؤمنين مطلقاً ولو أغنياء، يقولون: انظروا إلى هؤلاء الفقراء تركوا ما ينتفعون به من الدنيا طمعاً فى دار يزعمون أنها العقبى، ولو أشركوا لانتفعوا بكل ما يحرم عليهم دينهم، أو إلى هؤلاء المؤمنين مطلقاً كيف تركوا ذلك، وكيف تركوا الشهوات الحاضرة لعاقبة يزعمون أنها كائنة بعد، ولا بد، وكيف أتعبوا أنفسهم بدين لم يلفوا عليه آباءهم، والحاصل أنهم يستعلون عليهم بالمال، وترك أتباع دين غير مألوف لهم، وادعاء دار غائبة، وقيل يقولون: انظروا إلى هؤلاء الذين يقولون محمد إنه يغلب بهم، ومن للابتداء إذ السخرية متصورة بالمؤمنين إذ فعلوا ما يسخر منهم به الكفار، فسبب السخرية ناشئ من المؤمنين، إذ فعلوا موجبها أو بمعنى على. {والَّذينَ اتَّقَوْا}: هم الذين آمنوا المذكورون لك، ذكرهم بالتقوى الحاصلة فيهم، ليشعر بأن سبب كونهم فوق الذين كفروا فى الآخرة هو التقوى لا مجرد الإيمان، فذلك ترغيب فى التقوى، وزجر لمن يغتر بمجرد الإيمان من أصحاب الكبائر، وإن شئت فقدر: والذين اتقوا الشرك، وهم هؤلاء الذين آمنوا يسخر منهم الكفار، وهم مستجمعون فى نفس الأمر للإيمان وترك المعاصى. {فَوْقَهُمْ يَوْمَ القِيامَةِ}: لأنهم فى عليين فوق السماء السابعة، والكفار فى سجين أسفل الأرضين، وهذا علو محس فيه علو شأن، أو لأنهم فى كرامة،والكفار فى هوان، وهذا علو معقول صاحبه فى نفس الأمر علو محس، وكذا إن قلنا: هم غالبون على الكفار متطاولون عليهم، يضحكون منهم كما ضحك الكفار منهم فى الدنيا، وهذا قول الحسن. قال الله تعالى:{أية : إنَّ الَّذِينَ أجْرَموا كانْوا مِنَ الَّذِينَ آمنَوُا يَضْحَكُون}تفسير : وقال: {أية : فاليْومَ الذينَ آمنَوُا مِنَ الكُفَّارِ يَضْحَكُون}تفسير : ويجوز أن يكون المعنى نعيم الذين اتقوا فى الآخرة فوق نعيم الكفار فى الدنيا، والفوقية حقيقة فى الوجه الأول مجازية فى غيره، متعلق بما تعلق به فوق من نحو ثابتون، أو ثبتوا، ومن أراد ذلك الخير فليقتد برسول الله صلى الله عليه وسلم فى رفض الدنيا وجاهها ومالها وملاذها، واقتصاره منها لنفسه وعياله على ما تدعو الضرورة إليه، فهو يشتمل ويكتسى بالخشن، وقد أجيبت إليه الأخماس، وأهدت إيله الملوك وأغنى بذلك غيره وقوى به المسلمين، ومات صلى الله عليه وسلم ودرعه مرهونة فى نفقة عياله. قال حارثة بن وهب: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : ألا أخبركم بأهل الجنة كل ضعيف مستضعف لو أقسم على الله لأبره، ألا أخبركم بأهل النار كل عتل جواظ جعظرى مستكبر"تفسير : العتل: الفظ الغليظ الشديد فى الخصومة الذى لا ينقاد لخير، والجواظ: الفاجر المختال فى مشيه، وقيل القصير البطن، والجعظرى: من يمتدح بما ليس فيه، أو عنده. وعن أسامة بن زيد، عن النبى صلى الله عليه وسلم: "حديث : قمت على باب الجنة فاذا عامة من دخلها المساكين وأصحاب الْجَدُ محبوسون، غير أن أصحاب النار قد أمر بهم إلى النار، وأقمت على باب النار فإذا عامة من دخلها النساء"تفسير : . والجد - بفتح الجيم - كثرة المال. {وَالله يَرْزُقُ مَن يَشاءُ بِغَير حِسابٍ}: بغير تضييق فى الرزق، كما يحاسب صاحبه من يضايق عليه فى أمر، والمراد والله أعلم أن يوسع على المؤمنين بالجنة فى الآخرة، وبأن يورثهم أموال الكفار الذين يسخرون منهم فى الدنيا، ويملكهم أيضاً رقابهم بالأسر والفداء والاستعباد، ويجوز أن يريد أنه يوسع الرزق على من يشاء من الكفار استدراجاً وجزاءً فى الدنيا على ما عملوا، من نحو صلة الرحم وإغاثة الملهوف، وعلى من يشاء من المؤمنين لطفاً ورحمة بهم، ويجوز أن يريد الكفار، لأنهم فاخروا بأموالهم، فأخبرنا الله أنه يرزق من يشاء من الكفار رزقاً واسعاً، وذلك استدراج، ولو كان المال كرامة لأعطاه المؤمنين خاصة، ولم يعطه قارون المخسوف به وبماله، وليس توسيع الرزق ينقص مما عند الله، كما ينقص ما فى يد العباد المتحاسبين ولا يخلو مخلوق من حساب فيما يعطى، ولو فاق جوده جود خاتم، وعن ابن عباس معناه: يعطيه كثيراً وما يدخله الحساب قليل، وذلك فى الدنيا، وقيل بغير أن يحاسبه فى الآخرة بما أعطاه فى الدنيا، وقيل من حيث لا يحتسب وقيل من غير أن نفرق بين المستحق وغيره، وقيل بدون حساب من يخاف النفاد، لأن خزائنه لا تنفد، وقيل من غير أن يحاسبه أحد لم أعطيت هذا وحرمت ذاك، ولم أعطيت هذا ما لا يحتاج إليه وحرمت ذاك ما يحتاج، وقيل يعطيهم فى الجنة قدر أعمالهم ثم يتفضل، والتفضل هو الذى بغير حساب، إذ لم يعتبر فيه ما فى أجر العمل مما يستحق العمل.
اطفيش
تفسير : {زُيِّنَ} أى زين الله، لأنه الموجد للزينة وخالقها وخالق تأثير وسوسة الشيطان، إذ لا مؤثر سوى الله، أو زين الشيطان أى عالج حصول الزينة وخالفها الله بالخذلان {لِلَّذِينَ كَفَرُواْ الْحَيَٰوةُ الدُّنْيَا} بالزخرفة فأحبوها {وَيَسْخَرُونَ} يهزأون {مِنَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ} لقلة حرمة الدنيا عندهم وقلة مالها عندهم، كبلال وعمار، وصهيب، والذين للحقيقة أو للاستغراق، لأن من المسلمين ذوى جاه وأموال، والمراد يسخرون بالذين آمنوا أو لما جعلوا محلا للسخرية، ومبديا لها كانت مبدأة منهم {وَالَّذِينَ اتَّقَوْا} ما حرم من شرك ومعاص، وهم الذين آمنوا المذكورون، ذكرهم باسم التقوى أيضا أو المراد المذكورون وغيرهم عموما لهم بالأولى، والمراد الذين آمنوا وعملوا الصالحات ومنها ترك المعاصى بدليل قوله {فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَٰمَةِ} فى جنات عاليات، وكرامة ومكانة، وهؤلاء فى النار سافلين، ودخل فى الكرامة وعلو الشأن كون مساكنهم فى لاجنات، فالفرقية حسية وعقلية، ومن ذلك أن يسخر بهم بالمؤمنون {وَاللهُ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ} رزق الدنيا والآخرة، فيملك الذين آمنوا أموال المشركين ومنازلهم وأزواجهم فى الجنة وفى الدنيا، ويرزق الكفار فى الدنيا استدراجا {بِغَيْرِ حِسَابٍ} أى كثير لا يطيق الخلق حسابه، وأما الله فكل شىء عنده بحساب.
الالوسي
تفسير : {زُيّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا} أي أوجدت حسنة وجعلت محبوبة في قلوبهم فتهافتوا عليها تهافت الفراش على النار وأعرضوا عما سواها ولذا أعرض أهل الكتاب عن الآيات وبدلوها؛ وفاعل التزيين بهذا المعنى حقيقة هو الله تعالى وإن فسر بالتحسين بالقول ونحوه من الوسوسة كما في قوله تعالى: {أية : لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي ٱلأَرْضِ وَلأُغْوِيَنَّهُمْ}تفسير : [الحجر: 39] كان فاعل ذلك هو الشيطان والآية محتملة لمعنيين، والتزيين حقيقة فيهما على ما يقتضيه ظاهر كلام الراغب. {وَيَسْخَرُونَ مِنَ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ} الموصول للعهد، والمراد به فقراء المؤمنين كصهيب وبلال وعمار أي يستهزؤون بهم على رفضهم الدنيا وإقبالهم على العقبـى، و {مِنَ} للتعدية وتفيد معنى الابتداء كأنهم جعلوا لفقرهم ورثاثة حالهم منشأ للسخرية وقد يعدى السخر بالباء إلا أنه لغة رديئة، والعطف على (زين) وإيثار صيغة الاستقبال للدلالة على الاستمرار، وجوز أن تكون الواو للحال و(يسخرون) خبر لمحذوف أي وهم يسخرون، والآية نزلت في أبـي جهل وأضرابه من رؤساء قريش بسطت لهم الدنيا وكانوا يسخرون من فقراء المؤمنين ويقولون لو كان محمد صلى الله عليه وسلم نبياً لاتبعه أشرافنا، وروي ذلك عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه، وقيل: نزلت في ابن أبـيّ بن سلول، وقيل: في رؤساء اليهود، ومن بني قريظة والنضير وقينقاع سخروا من فقراء المهاجرين وعن عطاء لا مانع من نزولها في جميعهم. {وَٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ} هم الذين آمنوا بعينهم وآثر التعبير به مدحاً لهم بالتقوى وإشعاراً بعلة الحكم، ويجوز أن يراد العموم ويدخل هؤلاء فيهم دخولاً أولياً. {فَوْقَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ} مكاناً لأنهم في عليين وأولئك في أسفل السافلين، أو مكانة لأنهم في أوج الكرامة وهم في حضيض الذل والمهانة، أو لأنهم يتطاولون عليهم في الآخرة فيسخرون منهم كما سخروا منهم في الدنيا، والجملة معطوفة على ما قبلها، وإيثار الاسمية للدلالة على دوام مضمونها، وفي ذلك من تسلية المؤمنين ما لا يخفى. {وَٱللَّهُ يَرْزُقُ} في الآخرة {مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} أي بلا نهاية لما يعطيه، وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنه: هذا الرزق في الدنيا، وفيه إشارة إلى تملك المؤمنين المستهزىء بهم أموال بني قريظة والنضير، ويجوز أن يراد في الدارين فيكون تذييلاً لكلا الحكمين.
ابن عاشور
تفسير : استئناف بالرجوع إلى أحوال كفار العرب المعنيين من الآيات السابقة قصداً وتعريضاً من قوله: { أية : هل ينظرون إلاَّ أن يأتيهم الله في ظُلل من الغمام } تفسير : [البقرة: 210]، والمحتج عليهم بقوله: { أية : سل بني إسرائيل } تفسير : [البقرة: 211] استئنافاً لبيان خُلُقهم العجيب المفضي بهم إلى قلة الاكتراث بالإيمان وأهله إلى الاستمرار على الكفر وشُعبه التي سبق الحديث عنها، فعن ابن عباس المراد: رؤساءُ قريش، فهذا الاستئناف في معنى التعليل للأحوال الماضية، ولأجل ذلك قطع عن الجمل السابقة لا سيما وقد حال بينه وبينها الاستطراد بقوله: { أية : سل بني إسرائيل } تفسير : [البقرة: 211] الآية، وليس المراد بالذين كفروا أهل الكتاب مِن معلن ومنافق كما روي عن مقاتل، لأنه ليس من اصطلاح القرآن التعبير عنهم بالذين كفروا، ولأنهم لو كانوا هم المراد لقيل زين لهم الحياة الدنيا، لأنهم من بني إسرائيل، ولأن قوله: {ويسخرون من الذين آمنوا} يناسب حال المشركين لا حالَ أهل الكتاب كما سيأتي. والتزيين: جعل الشيء زْيناً أو الاحتجاج لكونه زيناً، لأن التفعيل يأتي للجعل ويأتي للنسبة كالتعليم وكالتفسيق والتزكية، والزَّيْن شدة الحسن. والحياة الدنيا مراد بها ما تشتمل عليه الحياة من اللَّذَّات والملائمات والذوات الحسنة، وهذا إطلاق مشهور للحياة وما يُرَادِفُها؛ ففي الحديث: « حديث : مَن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها » تفسير : أي إلى منافع دُنيا، وهو على حذف مضاف اشتهر حذفه. ومعنى تزيين الحياة لهم، إما أن ما خُلق زيناً في الدنيا قد تمكّن من نفوسهم واشتد توغلهم في استحسانه، لأن الأشياء الزَّيْنَة هي حسنة في أعين جميع الناس فلا يختص الذين كفروا بجعلها لهم زَيْنَة كما هو مقتضى قوله: {للذين كفروا}؛ فإن اللام تشعر بالاختصاص، وإما ترويج تزيينها في نفوسهم بدعوة شيطانية تحسِّن ما ليس بالحسن كالأقْيسة الشِّعرية والخواطر الشهوية. والمزيِّن على المعنى الأول هو الله تعالى إلاّ أنهم أَفرطوا في الإقبال على الزينة، والمزيِّن على المعنى الثاني هو الشيطان ودعاته. وحُذِف فاعل التزيين لأن المزيِّن لهم أمورٌ كثيرة: منها خلْقُ بعض الأشياء حسنة بديعة كمحاسن الذوات والمناظر، ومنها إلقاء حُسن بعض الأشياء في نفوسهم وهي غير حسنة كقتل النفس، ومنها إعراضهم عمن يدعوهم إلى الإقبال على الأمور النافعة حتى انحصرت هممهم في التوغل من المحاسن الظاهرة التي تحتها العار لو كان بادياً، ومنها ارتياضهم على الانكباب على اللذات دون الفكر في المصالح، إلى غير ذلك من أمور يصلح كل منها أن يُعدَّ فاعلاً للتزيين حقيقة أو عرفاً، فلأجل ذلك طوي ذكر هذا الفاعل تجنباً للإطالة. ويجوز أن يكون حذف الفاعل لدقته، إذ المزيِّن لهم الدنيا أمر خفي فيُحتاج في تفصيله إلى شرح في أخلاقهم وهو ما اكتسبته نفوسهم من التعلق باللذات وبغيرها من كل ما حملهم على التعلق به التنافسُ أو التقليدُ حتى عَمُوا عما في ذلك من الأضرار المخالطة للذَّات أو من الأضرار المختصة المغَشَّاة بتحسين العادات الذميمة، وحملهم على الدوام عليه ضعفُ العزائم الناشىء عن اعتياد الاسترسال في جلب الملائمات دون كبح لأزمة الشهوات، ولأجل اختصاصهم بهذه الحالة دون المؤمنين ودون بعض أهل الكتاب الذين ربَّتْ الأديان فيهم عزيمة مقاومةِ دعوة النفوس الذميمة بتعريفهم ما تشتمل عليه تلك اللذات من المذمات وبأمرهم بالإقلاع عن كل ما فيه ضر عاجل أو آجل حتى يجردوها عنها إن أرادوا تناولها وينبذوا ما هو ذميمة محضة، وراضتهم على ذلك بالبشائر والزواجر حتى صارت لهم ملكة، فلذلك لم تزين الدنيا لهم، لأن زينتها عندهم ومعرضة للحكم عليها بالإثبات تارة وبالنفي أخرى، فإن من عرف ما في الأمر الزين ظاهرُه من الإضرار والقبائح انقلب زينه عنده شَينا، خُص التزيين بهم، إذ المراد من قوله: {زين للذين كفروا} ذمُّهم والتحذير من خلقهم، ولهذا لزم حمل التزيين على تزيين يعد ذماً، فلزم أن يكون المراد منه تزييناً مشوباً بما يجعل تلك الزينة مذمة، وإلاّ فإن أصل تزيين الحياة الدنيا المقتضي للرغبة فيما هو زينُ أمرٍ ليس بمذموم إذا روعى فيه ما أوصى الله برعيه قال تعالى: { أية : قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق } تفسير : [الأعراف: 32]. وقد استقريْتُ مواقع التزيين المذموم فحصرتها في ثلاثة أنواع: الأول ما ليس بزين أصلاً لا ذاتاً ولا صفة، لأن جميعه ذم وأذى ولكنه زين للناس بأوهام وخواطر شيطانية وتخييلات شعرية كالخمر. الثاني ما هو زين حقيقة لكن له عواقب تجعله ضراً وأذى كالزنا. الثالث ما هو زين لكنه يحف به ما يصيره ذميماً كنجدة الظالم وقد حضر لي التمثيل لثلاثتها بقول طرفة: شعر : ولولا ثلاثٌ هُنَّ من عيشة الفتى وجَدِّك لم أَحْفَلْ متى قام عُوَّدِي فمنهن سَبْقي العاذِلاَت بشَربة كُمَيْتٍ متى ما تُعْلَ بالماءِ تُزْبِدِ وتقصيرُ يوم الدَّجْنِ والدَّجْنُ مُعْجِبٌ بَبْهكَنَةٍ تحتَ الخِبَاءِ المُعَمَّد وكَرِّي إذا نادَى المضافُ مُجَنَّباً كَسِيدِ الغَضَا نَبَّهْتَه المُتَوَرِّدِ تفسير : وقوله: ويسخرون من الذين آمنوا عطف على جملة {زين للذين كفروا} إلخ، وهذه حالة أعجب من التي قبلها وهي حالة التناهي في الغرور؛ إذ لم يقتصروا على افتتانهم بزهرة الحياة الدنيا حتى سخروا بمن لم ينسج على منوالهم من المؤمنين الذين تركوا كثيراً من زهرة الحياة الدنيا لما هداهم الدين إلى وجوب ترك ذلك في أحوال وأنواع تنطوي على خبائث. والسَخَر بفتحتين: كالفرح وقد تسكن الخاء تخفيفاً وفعله كفرح والسُّخرية الاسم، وهو تعجب مشوب باحتقار الحال المتعجب منها، وفعله قاصر لدلالته على وصف نفسي مثل عَجِب، ويتعدى بمن جارَّة لصاحب الحال المتعجَّب منها فهي ابتدائية ابتداء معنوياً، وفي لغة تعديته بالباء وهي ضعيفة. ووجه سخريتهم بالمؤمنين أنهم احتقروا رأيهم في إعراضهم عن اللذات لامتثال أمر الرسول وأفّنوهم في ذلك ورأوهم قد أضاعوا حظوظهم وراء أوهام باطلة، لأن الكفار اعتقدوا أن ما مضى من حياتهم في غير نعمة قد ضاع عليهم إذ لا خلود في الدنيا ولا حياة بعدها كما قال الشاعر (أنشده شمر): شعر : وأحمقُ ممن يَلْعَق الماء قال لي دع الخمر واشْرَب من نُقَاخٍ مبرَّد تفسير : فالسخرية ناشئة عن تزيين الحياة عندهم ولذلك يصح جعل الواو للحال ليفيد تقييد حالة التزيين بحالة السخرية، فتتلازم الحالان ويقدر للجملة مبتدأ، أي وهم يسخرون، وقد قيل إن من جملة من كان الكفار يسخرون منهم بلالاً وعماراً وُصهيباً يقولون: هؤلاء المساكين تركوا الدنيا وطيباتها وتحملوا المشاق لطلب ما يسمونه بالآخرة وهي شيء باطل، وممن كان يسخر بهم عبدُ الله بن أُبَيَ والمنافقون. وجيء في فعل التزيين بصيغة الماضي وفي فعل السخرية بصيغة المضارع قضاءً لحقْي الدلالة على أن معنيين فعل التزيين أمر مستقر فيهم؛ لأن الماضي يدل على التحقق، وأن معنى {يسخرون} متكرر متجدد منهم؛ لأن المضارع يفيد التجدد ويعلم السامع أن ما هو محقق بين الفعلين هو أيضاً مستمر؛ لأن الشيء الراسخ في النفس لا تفتر عن تكريره، ويعلم أن ما كان مستمراً هو أيضاً محقق؛ لأن الفعل لا يستمر إلاّ وقد تمكن من نفس فاعله وسكنت إليه، فيكون المعنى في الآية: زُيِّن للذين كفروا وتزين الحياة الدنيا وسخروا ويسخرون من الذين آمنوا، وعلى هذا فإنما اختير لفعل التزيين خصوص المضي ولفعل السخرية خصوص المضارعة إيثاراً لكل من الصفتين بالفعل التي هي به أجدر؛ لأن التزيين لما كان هو الأسبق في الوجود وهو منشأ السخرية أوثر بما يدل على التحقق، ليدل على ملكةٍ واعتمد في دلالته على الاستمرار بالاستتباع، والسخرية لما كانت مترتبة على التزيين وكان تكررها يزيد في الذم، إذ لا يليق بذي المروءة السخرية بغيره، أوثرت بما يدل على الاستمرار واعتمد في دلالتها على التحقق دلالة الالتزام، لأن الشيء المستمر لا يكون إلاّ متحققاً. وقوله: {والذين اتقوا فوقهم} أريد من الذين اتقوا المؤمنون الذين سخر منهم الذين كفروا؛ لأن أولئك المؤمنين كانوا متقين، وكان مقتضى الظاهر أن يقال وهم فوقهم لكن عُدل عن الإضمار إلى اسم ظاهر لدفع إيهام أن يغتر الكافرون بأن الضمير عائد إليهم ويضموا إليه كذباً وتلفيقاً كما فعلوا حين سمعوا قوله تعالى: { أية : أفرءيتم اللات والعزى } تفسير : [النجم: 19] إذ سجد المشركون وزعموا أن محمداً أثنى على آلهتهم. فعدل لذلك عن الإضمار إلى الإظهار ولكنه لم يكن بالاسم الذي سبق أعني (الذين ءَامنوا) لقصد التنبيه على مزية التقوى وكونها سبباً عظيماً في هذه الفوقية، على عادة القرآن في انتهاز فرص الهدى والإرشاد ليفيد فضل المؤمنين على الذين كفروا، وينبه المؤمنين على وجوب التقوى لتكون سبب تفوقهم على الذين كفروا يوم القيامة، وأما المؤمنون غير المتقين فليس من غرض القرآن أن يعبأ بذكر حالهم ليكونوا دَوماً بين شدة الخوف وقليل الرجاء، وهذه عادة القرآن في مثل هذا المقام. والفوقية هنا فوقية تشريف وهي مجاز في تناهي الفضل والسيادة كما استعير التحت لحالة المفضول والمسخَّر والمملوك. وقيدت بيوم القيامة تنصيصاً على دوامها، لأن ذلك اليوم هو مبدأ الحياة الأبدية. فإن قلت: كيفما كان حظ المؤمنين من كثرة التقوى وقلتها إنهم فوق الذين كفروا يوم القيامة بالإيمان والمقام مقام التنويه بفضل المؤمنين فكان الأحق بالذكر هنا وصف «الذين ءَامنوا» قلت: وأما بيان مزية التقوى الذي ذكرته فله مناسبات أخرى. قلت في الآية تعريض بأن غير المتقين لا تظخر مزيتهم يوم القيامة وإنما تظهر بعد ذلك، لأن يوم القيامة هو مبدأ أيام الجزاء فغير المتقين لا تظهر لهم التفوق يومئذٍ، ولا يدركه الكفار بالحس قال تعالى: { أية : فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين } تفسير : [البقرة: 24] نعم تظهر مزيتهم بعد انقضاء ما قُدِّر لهم من العذاب على الذنوب. رُوي عن ابن عباس أن الآية نزلت في سادة قريش بمكة سخروا من فقراء المؤمنين وضعفائهم فأعلمهم الله أن فقراء المؤمنين خير منهم عند الله، ووعد الله الفقراء بالرزق وفي قوله: {من يشاء} تعريض بتهديد المشركين بقطع الرزق عنهم وزوال حظوتهم. وقوله: {والله يرزق من يشاء} إلخ تذييل قصد منه تعظيم تشريف المؤمنين يوم القيامة، لأن التذييل لا بد أن يكون مرتبطاً بما قبله فالسامع يعلم من هذا التذييل معنى محذوفاً تقديره والذين اتقوا فوقهم فوقية عظيمة لا يحيط بها الوصف، لأنها فوقية منحوها من فضل الله وفضلُ الله لا نهاية له، ولأن من سخرية الذين كفروا بالذين آمنوا أنهم سخروا بفقراء المؤمنين لإقلالهم. والحساب هنا حصر المقدار فنفي الحساب نفي لعلم مقدار الرزق، وقد شاعت هذه الكناية في كلام العرب كما شاع عندهم أن يقولوا يُعَدُّون بالأصابع ويحيط بها العد كناية عن القِلّة ومنه قولهم شيء لا يُحصى ولذلك صح أن ينفى الحساب هنا عن أمر لا يعقل حسابه وهو الفوقية وقال قيس بن الخطيم: شعر : ما تمنعِي يقظي فقد تُؤْتينه في النَّوْم غيرَ مُصَرَّدٍ محسوبِ
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ}. لم يبين هنا سخرية هؤلاء الكفار من هؤلاء المؤمنين ولكنه بين في موضع آخر أنها الضحك منهم والتغامز، وهو قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ أَجْرَمُواْ كَانُواْ مِنَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ يَضْحَكُونَ وَإِذَا مَرُّواْ بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ} تفسير : [المطففين: 29-30]. قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ فَوْقَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ}. لم يبين هنا فوقية هؤلاء المؤمنين على هؤلاء الكفرة، ولكنه بين ذلك في مواضع أُخر كقوله: {أية : فَٱلْيَوْمَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِنَ ٱلْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ عَلَى ٱلأَرَآئِكِ يَنظُرُونَ} تفسير : [المطففين: 34-35]. وقوله: {أية : أَهَـۤؤُلاۤءِ ٱلَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لاَ يَنَالُهُمُ ٱللَّهُ بِرَحْمَةٍ ٱدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَنتُمْ تَحْزَنُونَ} تفسير : [الأعراف: 49].
القطان
تفسير : بعد التحذير من التلكؤ في الاستجابة للدعوة، والتبديل بعد النعمة ـ يذكُر لنا الله تعالى حال الذين كفروا وحال الذين آمنوا. فيقول: ان السبب في الانحراف و الكفر هو حب الدنيا، فقد زُين للذين كفروا هذه الحياة الدنيا فتهالكوا عليها، وتهافتوا فيها فمضوا يسخرون من المؤمنين مثل عبد الله بن مسعود وعمار بن ياسر وصهيب، كما يسخرون من أغنياء المؤمنين بأنهم لا يتلذذون في الحياة. وقد رد تعالى على اولئك الساخرين بتفضيل أهل اليقين فقال {وَٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ فَوْقَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ} أي أن المتقين المؤمنين سيكونون أعلى منهم في تلك الحياة الأبدية مقاما، وأرفع منزلة، فليمضوا في طريقهم لا يحفلون بشيء. وستظل الحياة تعرف هذين الصنفين من الناس: المؤمنين الذين يتلقَّون قيمهم ومفاهيمهم من الله فيرفعهم ذلك عن سفساف الحياة واعراض الارض، والكافرين الذين زُينت لهم الحياة الدنيا واستعبدتهم أعراضُها فتبعوا مطامعهم وهبطوا الى الحضيض. {وَٱللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ...} يعطي كثيرا بلا تضييق ولا تقتير لمن يشاء، فهو قد يعطي الكافرين زينة الحياة الدنيا لحكمة منه، ويعطي المختارين من عباده ما يشاء في الدنيا والآخرة. فالعطاء كله من عنده. لذلك ترك كثيرا من الأبرار ومن الفجار متمتعين بسعة الرزق، وكثيرا من الفريقين فقراء معسرين. لكن المتقي يكون أكثر احتمالا، فلا يؤلمه الفقر كما يؤلم الفاجر، اذ هو بالتقوى يجد المخلّص من كل ضيق.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلْحَيَاةُ} {آمَنُواْ} {ٱلْقِيَامَةِ} (212) - يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى أَنَّهُ زَيَّنَ الحَيَاةَ الدُّنيا، وَحَسَّنَها فِي أَعْيُنِ الكَافِرِينَ الذِينَ رَضُوا بِهَا، وَجَمَعُوا الأَمْوالَ، وَمَنَعُوا إِنْفَاقَهَا فِيمَا أَمَرَ اللهُ، وَسَخِرُوا مِنَ الذِينَ آمَنُوا، الذِينَ أَعْرَضُوا عَنِ الحَيَاةِ الدُّنيا وَزُخْرُفِهَا، وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللهُ ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ رَبِّهِمْ، فَفَازُوا بِالمَقَامِ الأَوَّلِ يَوْمَ القِيَامَةِ، فَكَانُوا بِذلِكَ فَوْقَ الذِينَ كَفَرُوا يَوْمَ القِيَامَةِ. وَيُعْطِي اللهُ مَنْ يُريدُ مِنْ خَلْقِهِ عَطَاءً جَزِيلاً بِلا حَصْرٍ وَلا تَعْدَادٍ فِي الدُّنيا، لأَِنَّ الرِزْقَ لاَ يُقَدَّرُ عَلَى حِسَابِ الإِيمَانِ وَالكُفْرِ، بَلْ يَجْرِي تَبَعاً لِمَشِيئَةِ اللهِ، فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُزَادُ لَهُ الرِّزْقُ اسْتِدْراجاً، وَمِنْهُمْ مَنْ يُقْتَر عَليهِ اخْتِبَاراً. بِغَيْرِ حِسَابٍ - بِلا تَحْدِيدٍ وَلاَ تَقْتِيرٍ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : يريد الحق سبحانه وتعالى أن يبين واقع الإنسان في الكون، هذا الواقع الذي يدل على أنه سيد ذلك الكون، ومعنى ذلك أن كل الأجناس تخدمه. وقد عرفنا أن الجماد يخدم النبات، والجماد والنبات يخدمان الحيوان، والجماد والنبات والحيوان تخدم الإنسان، فالإنسان سيد هذه الأجناس. وكان مقتضى العقل أن يبحث هذا السيد عن جنس أعلى منه، فكما كانت الأجناس التي دونه في خدمته، فلابد أن يكون هذا الجنس الأعلى يناسب سيادته، ولن يجد شيئاً في الوجود أبداً أعلى من الجنس الذي ينتسب إليه، لذلك كان المفروض أن يقول الإنسان: أنا أريد جنساً ينبهني عن نفسي؛ فأنا في أشد الاحتياج إليه. فإذا جاء الرسل وقالوا: إن الذي أعلى منك أيها الإنسان هو الله وليس كمثله شيء وتعالى عن كل الأجناس. كان يجب على الإنسان أن يقول: مرحباً؛ لأن معرفة الله تحل له اللغز. والرسل إنما جاءوا ليحلوا للإنسان لغزاً يبحث عنه، وكان على الإنسان أن يفرح بمجيء الرسل، وخصوصاً أن الله عز وجل لا يريد خدمة منه، إن الإنسان هو الذي يحتاج لعبادة الله ليسخر له الكائنات، ويعبده ليعزه. إذن فالمؤمن بين أمرين: بين خادم له مسخر وهو من دونه من الجهاد والنبات والحيوان، ومعطٍ متفضلٍ عليه مُختارٍ وهو أعلى منه. إنه هو الله. فمن يأخذ واحدة ويترك واحدة فقد أخذ الأدنى وترك الأعلى، فيقول له الحق: خذ الأعلى. فإذا كنت سعيداً بعطاء المخلوقات الأدنى منك، وتحب أن تستزيد منها فكيف لا تستزيد ممن هو أعلى منك؟. إنه الله. والحق عندما يقول: {زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا} [البقرة: 212] فهو يريد أن يلفتنا إلى أن مقاييس الكافرين مقاييس هابطة نازلة؛ لأن الذي زُين لهم هو الأمر الأدنى. ومن خيبة التقدير أن يأخذ الإنسان الأمر الأدنى ويفضله على الأعلى. وكلمة "زُيِّنَ" عندما تأتي في القرآن تكون مبنية لما لم يسم فاعله مثل قوله تعالى: {أية : زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ ٱلشَّهَوَاتِ مِنَ ٱلنِّسَاءِ وَٱلْبَنِينَ وَٱلْقَنَاطِيرِ ٱلْمُقَنْطَرَةِ مِنَ ٱلذَّهَبِ وَٱلْفِضَّةِ ..}تفسير : [آل عمران: 14]. هناك "زين للناس" وفي آية البقرة التي نحن بصددها {زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ} [البقرة: 212] لماذا قال الحق هناك: "زين للناس" ولماذا قال هنا: "زين للذين كفروا"؟ لقد قال الحق ذلك لأن الذين كفروا ليس عندهم إلا الحياة الدنيا، فالأعلى لا يؤمنون به، ولكن في مسألة الناس عامة عندما يقول الله عز وجل: {أية : زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ ٱلشَّهَوَاتِ مِنَ ٱلنِّسَاءِ وَٱلْبَنِينَ وَٱلْقَنَاطِيرِ ٱلْمُقَنْطَرَةِ مِنَ ٱلذَّهَبِ وَٱلْفِضَّةِ وَٱلْخَيْلِ ٱلْمُسَوَّمَةِ وَٱلأَنْعَامِ وَٱلْحَرْثِ ذٰلِكَ مَتَاعُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَٱللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ ٱلْمَآبِ} تفسير : [آل عمران: 14] فهو سبحانه يقول للناس: خذوا الحياة على قدرها وزُينت يعني حسُنت. فمن الذي حسنها؟ لقد حسنها الله عز وجل. فكيف تنسى الذي حسنها لك، وجعلها تحت تصرفك. كان يجب أن تأخذها وسيلة للإيمان بمن رزقك إياها، وكلما ترى شيئاً جميلاً في الوجود تقول: "سبحان الله"، وتزداد إيماناً بالله، أما أن تأخذ المسألة وتعزلها عمن خلقها فذلك هو المقياس النازل. أو أن الله سبحانه وتعالى هو الذي زينها بأن جعل في الناس غرائز تميل إلى ما تعطيه هذه الحياة الدنيا، ونقول: هل أعطى سبحانه الغرائز ولم يعط منهجاً لتعلية هذه الغرائز؟ لا، لقد أعطى الغرائز وأعطى المنهج لتعلية الغرائز، فلا تأخذ هذه وتترك تلك. ولذلك يقول الحق:{أية : وَٱلْبَاقِيَاتُ ٱلصَّالِحَاتُ خَيْرٌ ..}تفسير : [الكهف: 46]. والحق عندما يقول: {زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا} [البقرة: 212] هو يفضح من يعتقدون أنه لا حياة بعد هذه الحياة، ونقول لهم: هذا مقياس نازل، وميزان غير دقيق، ودليل على الحمق؛ لأنكم ذهبتم إلى الأدنى وتركتم الأعلى. ومن العجيب أنكم فعلتم ذلك ثم يكون بينكم وبين من اختار الأعلى هذه المفارقات. أنتم في الأدنى وتسخرون من الذين التفتوا إلى الأعلى، إن الحق يقول: {وَيَسْخَرُونَ مِنَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} [البقرة: 212]. لماذا يسخرون منهم. لأن الذين آمنوا ملتزمون، وما دام الإنسان ملتزماً فسيعوق نفسه عن حركات الوجود التي تأتيه من غير حل، لكن هؤلاء قد انطلقوا بكل قواهم وملكاتهم إلى ما يزين لهم من الحياة. لذلك تجد إنساناً يعيش في مستوى دخله الحلال، ولا يملك إلا حُلَّةً واحدة "بدلة"، وإنساناً آخر يسرق غيره، فتجد الثاني الذي يعيش على أموال غيره حسن المظهر والهندام وعندما يلتقي الإثنان تجد الذي ينهب يسخر من الذي يعيش على الحلال، لماذا؟ لأنه يعتبر نفسه في مقياس أعلى منه، يرى نفسه حسن الهندام و"الشياكة" فيحسم الحق هذه المسألة ويقول: {وَٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ فَوْقَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ} [البقرة: 212]. لماذا يوم القيامة، أليسوا فوقهم الآن؟ إن الحق سبحانه وتعالى يتحدث عن المنظور المرئي للناس؛ لأنهم لا ينظرون إلى الراحة النفسية وهي انسجام ملكات الإنسان حينما يذهب لينام، ولم يجرب على نفسه سقطة دينية ولا سقطة خلقية، ولا يؤذي أحداً، ولا يرتشي، ولا يَنِم ولا يغتاب، كيف يكون حاله عندما يستعرض أفعال يومه قبل نومه؟ لابد أن يكون في سعادة لا تقدر بمال الدنيا. ولذلك لم يدخل الله هذا الإحساس في المقارنة، وإنما أدخل المسألة التي لا يقدر عليها أحد. {وَٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ فَوْقَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ} [البقرة: 212]. ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ أَجْرَمُواْ كَانُواْ مِنَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ يَضْحَكُونَ * وَإِذَا مَرُّواْ بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ * وَإِذَا ٱنقَلَبُوۤاْ إِلَىٰ أَهْلِهِمُ ٱنقَلَبُواْ فَكِهِينَ * وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوۤاْ إِنَّ هَـٰؤُلاَءِ لَضَالُّونَ * وَمَآ أُرْسِلُواْ عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ}تفسير : [المطففين: 29-33]. ثم يقول الحق بعد ذلك:{أية : فَٱلْيَوْمَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِنَ ٱلْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ * عَلَى ٱلأَرَآئِكِ يَنظُرُونَ * هَلْ ثُوِّبَ ٱلْكُفَّارُ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ}تفسير : [المطففين: 34-36]. أي هل عرفنا أن نجازيهم؟ نقول: نعم يا رب. خصوصاً أن ضحك الآخرة ليس بعده بكاء. {وَٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ فَوْقَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ} [البقرة: 212] ونلاحظ أن الحق سبحانه وتعالى خالف الأسلوب في هذه الآية، لقد كان المفروض أن يقول: والذين آمنوا فوقهم. لكنه قال: {وَٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ فَوْقَهُمْ} [البقرة: 212] لأنه قد يؤخذ الإيمان على أنه اسم، فقد شاع عنك أنك مؤمن، فأنت بهذا الوصف لا يكفي لتنال به المرتبة السامية إلا إذا كانت أفعالك تؤدي بك إلى التقوى. فلا تقل: " أنا مؤمن" ويقول غيرك: "أنا مؤمن"، ويصبح المؤمنون ملياراً من البشر في العالم، نقول لهؤلاء: أنتم لن تأخذوا الإيمان بالاسم وإنما تأخذون الإيمان بالالتزام بمنهج السماء. ولذلك لم يقل الله: "والذين آمنوا فوقهم يوم القيامة" وإنما قال: {وَٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ فَوْقَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ} [البقرة: 212] ليعزل الاسم عن الوصف. ويذيل الحق الآية بالقول الكريم: {وَٱللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [البقرة: 212]. ما هو الرزق؟ الرزق عند القوم: هو كل ما ينتفع به؛ فكل شيء تنتفع به هو رزق. وطبقا لهذا التعريف فاللصوص يعتبرون الحرام رزقاً، ولكنه رزق حرام. والناس يقصرون كلمة الرزق على شيء واحد يشغل بالهم دائماً وهو "المال" نقول لهم: لا، إن الرزق هو كل ما يُنتفع به، فكل شيء يكون مجاله الانتفاع يدخل في الرزق: علمك رزق، وخُلُقُك رزق، وجاهك رزق، وكل شيء تنتفع به هو رزق. ساعة تقول: إن كل ذلك رزق تأخذ قول الله: {أية : فَمَا ٱلَّذِينَ فُضِّلُواْ بِرَآدِّي رِزْقِهِمْ عَلَىٰ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَآءٌ ..}تفسير : [النحل: 71]. كأن الله يريد من خلقه استطراق أرزاقهم على غيرهم، وكل إنسان متميز وتزيد عنده حاجة عليه أن يردها على الناس، لكن الناس لا تفهم الرزق إلا على أنه مال، ولا يفهمون أنه يطلق على كل شيء ينتفعون به. إذا كان الأمر كذلك فما معنى {يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [البقرة: 212] كلمة "بغير حساب" لابد أن نفهمها على أن الحساب يقتضي مُحاسِب، ومُحَاسَب، ومُحَاسَب عليه. وعلى هذا يكون "بغير حساب" ممن ولمن وفي ماذا؟ إنه رزق بغير حساب من الله؛ فقد يرزقك الله على قدر سعيك، وربما أكثر، وهو يرزق بغير حساب، لأنه لا توجد سلطة أعلى منه تقول له: لماذا أعطيت فلاناً أكثر مما يستحق. وهو يرزق بغير حساب؛ لأن خزائنه لا تنفد. ويرزق بغير حساب؛ لأنه لا يحكمه قانون، وإنما يعطي بطلاقة القدرة. إنه جل وعلا يعطي للكافر حتى تتعجب أنت وتقول: يعطي الكافر ولا يعطي المؤمن لماذا؟ إذا استطاع أحد أن يحاسبه فليسأل لماذا يفعل ذلك؟ إنه يعطي مقابلاً للحسنة سبعمائة ضعف بغير حساب. إن الحساب إنما يأتي عندما تأخذ معدوداً، فإذا أخذت مثلاً مائة من ألف فأنت طرحت معدوداً من معدود فلا بد أن ينقص، وعندما تراه ينقص فأنت تخاف من العطاء. لكن الله بخلاف ذلك، إنه يعطي معدوداً من غير معدود. إذن ساعة تقرأ "بغير حساب" فقل إن الحساب إن كان واقعاً من الله على الغير، فهو لا يعطي على قدر العمل بل يزيد، ولن يحاسب نفسه ولن يُحاسبه أحد. {أية : مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ ٱللَّهِ بَاقٍ}تفسير : [النحل: 96]. إذن {يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [البقرة: 212] تجعل كل إنسان يلزم أدبه إن رأى غيره قد رُزق أكثر منه؛ لأنه لا يعلم حكمة الله فيها. وهناك أناس كثيرون عندما يعطيهم الله نعمة يقولون: "ربنا أكرمنا"، وعندما يسلبهم النعمة يقولون: "ربنا أهاننا"، وفي ذلك يقول سبحانه وتعالى: {أية : فَأَمَّا ٱلإِنسَانُ إِذَا مَا ٱبْتَلاَهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّيۤ أَكْرَمَنِ * وَأَمَّآ إِذَا مَا ٱبْتَلاَهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّيۤ أَهَانَنِ}تفسير : [الفجر: 15-16]. كلا. مخطئ أنت يا مَن اعتبرت النعمة إكراما من الله، وأنت مخطئ أيضاً يا مَن اعتبرت سلب النعمة إهانة من الله؛ إن النعمة لا تكون إكراماً من الله إلا إذا وفقك الله في حسن التصرف في هذه النعمة، ولا تكون النعمة إهانة إلا إذا لم يوفقك الله في أداء حق النعمة، وحق النعمة في كل حال يكون بشكر المنعم، وعدم الانشغال بها عمن رزقك إياها. ونحب أن نفهم ـ أيضاً ـ أن قول الله سبحانه وتعالى: {وَٱللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [البقرة: 212] ينسحب على معنى آخر، وهو أنه - سبحانه - لا يحب أن تُقَدِّرَ أنت رزقك بحساب حركة عملك فقط؛ فحساب حركة عملك قد يخطئ. مثال ذلك الفلاح الذي يزرع ويقدر رزقه فيما يُنْتَجُ من الأرض، وربما جاءت آفة تذهب بكل شيء كما نلاحظ ونشاهد، ويصبح رزق الفلاح في ذلك الوقت من مكان آخر لم يدخل في حسابه أبداً. ولهذا فإن على الإنسان أن يعمل في الأسباب، ولكنه لا يأخذ حساباً من الأسباب، ويظن أن ذلك هو رزق؛ لأن الرزق قد يأتي من طريق لم يدخل في حسابك ولا في حساباتك، وقال الحق في ذلك: {أية : وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ}تفسير : [الطلاق: 2-3]. وبعد ذلك يقول لنا الحق سبحانه وتعالى في آية أخرى ما يوضح لنا ويبين قضية العقيدة وموكب الرسالات في الأرض، بداية وتسلسلاً وتتابعاً في رسل متعاقبين، فقال الحق سبحانه: {كَانَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ ٱللَّهُ ٱلنَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقولهُ تعالى: {وَٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ فَوْقَهُمْ} معناهُ أَفضلَ مَنْهم. ويقال فَوقهم فِي الجَنَّة. تفسير : وقولهُ تعالى: {وَٱللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} معناه بغيرِ مُحاسبةٍ.
الأندلسي
تفسير : {زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا} نزلت في أبي جهل وأصحابه كانوا يتنعمون بما بسط الله عليهم. وقرىء زين وزينت على البناء للمفعول وزين مبنياً للفاعل والتزيين التحسين. {وَيَسْخَرُونَ مِنَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} أي برسول الله صلى الله عليه وسلم حيث اتبعوه وأعرضوا عن حطام الدنيا. وصدرت الجملة بالماضي لأنه أمر مفروع منه وهو تركيب طباعهم على محبة الدنيا وإيثارها على الآخرة. والثانية جاءت بالمضارع لأنه يتجدد كل وقت عطف المضارع ومتعلقه على الماضي ومتعلقه أو يقدر وهم يسخرون فيكون من عطف الاسمية على الفعلية، ولما كانت السخرية تقتضي العلو والتطاول للساخر أخبر تعالى يعلو المؤمنين عليهم في الآخرة وجاء لفظ: اتقوا بعثا للمؤمن على التقوى. {وَٱللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ} أي في الآخرة. {بِغَيْرِ حِسَابٍ} أي بغير نهاية. أو في الدنيا بأن يملك المؤمنين المسخور منهم رقاب الكافرين وأرضيهم وأموالهم ولا يحاسبهم على ذلك ولا يحصي عليهم. {كَانَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وَٰحِدَةً} أي في الإِيمان. {فَبَعَثَ ٱللَّهُ ٱلنَّبِيِّينَ} في الكلام حذف أي فاختلفوا فبعث وقرأ عبد الله فاختلفوا، وذلك عندنا على سبيل التفسير لا القرآن، وقد صرح بهذا المحذوف في قوله تعالى: {أية : وَمَا كَانَ ٱلنَّاسُ إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً فَٱخْتَلَفُواْ}تفسير : [يونس: 19]. {مُبَشِّرِينَ} بثواب من أطاع. {وَمُنذِرِينَ} بعقاب من عصى. وقدم البشارة لأنها أبهج للنفس وأقبل لما يلقى النبي صلى الله عليه وسلم وفيها إطمئنان المكلف. {وَأَنزَلَ مَعَهُمُ ٱلْكِتَٰبَ} معهم: حال مقدرة من الكتاب فيتعلق بمحذوف، وليس: منصوباً بانزل، وآل في الكتاب للجنس وبالحق متعلق بإِنزال أو في موضع الحال من الكتاب وهي حال مؤكدة. {لِيَحْكُمَ} متعلق بأنزل والفاعل ضمير يعود على الله. وهو الضمير في أنزل أي ليفصل به بين الناس. والفصل لا يكون إلا بعد الاختلاف ويؤيده قراءة الجحدري: لنحكم بالنون وهو التفاوت. وعنه أيضاً: ليحكم مبنياً للمفعول. {فِيمَا ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ} هو الاسلام أي في الدين الذي اختلفوا فيه. {وَمَا ٱخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ ٱلَّذِينَ أُوتُوهُ} الضميران عائدان على ما الموصولة، والهاء في أوتوه عائدة على الكتاب، والذين أوتوه هم أرباب العلم به والدراسة له، وخصهم بالذكر تشنيعاً وتقبيحاً للذي فعلوه من الاختلاف. {مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ ٱلْبَيِّنَٰتُ} أي في الكتاب الذي أنزل إذ الحق موضح فيها يوجب الاتفاق وعدم الاختلاف. {بَغْياً بَيْنَهُمْ}: أي سبب الاختلاف هو البغي والظلم والتعدي وهي اختلافات أول يعقبه بعث الأنبياء، والثاني بعد إنزال الكتاب وانتصب بغيا بمحذوف تقديره اختلفوا فيه من بعد ذلك بغيا. {فَهَدَى ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} أي بمحمد صلى الله عليه وسلم. {لِمَا ٱخْتَلَفُواْ} أي للذين اختلف فيه الناس. و{مِنَ ٱلْحَقِّ} تبيين للمختلف فيه في موضع الحال من ما والهداية تقتضي إصابة الحق. {بِإِذْنِهِ} أي تمكينه وتوفيقه. {وَٱللَّهُ يَهْدِي مَن يَشَآءُ} هدايته ودل على أن هدايته من شاء منشاءها الارادة وفي ذلك رد على المعتزلة في زعمهم أنه يستقل بهداية نفسه.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يخبر تعالى أن الذين كفروا بالله وبآياته ورسله، ولم ينقادوا لشرعه، أنهم زينت لهم الحياة الدنيا، فزينت في أعينهم وقلوبهم، فرضوا بها، واطمأنوا بها وصارت أهواؤهم وإراداتهم وأعمالهم كلها لها، فأقبلوا عليها، وأكبوا على تحصيلها، وعظموها، وعظموا من شاركهم في صنيعهم، واحتقروا المؤمنين، واستهزأوا بهم وقالوا: أهؤلاء منَّ الله عليهم من بيننا؟ وهذا من ضعف عقولهم ونظرهم القاصر، فإن الدنيا دار ابتلاء وامتحان، وسيحصل الشقاء فيها لأهل الإيمان والكفران، بل المؤمن في الدنيا، وإن ناله مكروه، فإنه يصبر ويحتسب، فيخفف الله عنه بإيمانه وصبره ما لا يكون لغيره. وإنما الشأن كل الشأن، والتفضيل الحقيقي، في الدار الباقية، فلهذا قال تعالى: { وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ } فيكون المتقون في أعلى الدرجات، متمتعين بأنواع النعيم والسرور، والبهجة والحبور. والكفار تحتهم في أسفل الدركات، معذبين بأنواع العذاب والإهانة، والشقاء السرمدي، الذي لا منتهى له، ففي هذه الآية تسلية للمؤمنين، ونعي على الكافرين. ولما كانت الأرزاق الدنيوية والأخروية، لا تحصل إلا بتقدير الله، ولن تنال إلا بمشيئة الله، قال تعالى: { وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ } فالرزق الدنيوي يحصل للمؤمن والكافر، وأما رزق القلوب من العلم والإيمان، ومحبة الله وخشيته ورجائه، ونحو ذلك، فلا يعطيها إلا من يحب.
همام الصنعاني
تفسير : 246- عبد الرزاق، قال: حدثنا معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ فَوْقَهُمْ}: [الآية: 212]، قَالَ: فَوْقَهُمْ في الجَنَّةِ.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):