Verse. 220 (AR)

٢ - ٱلْبَقَرَة

2 - Al-Baqara (AR)

كَانَ النَّاسُ اُمَّۃً وَّاحِدَۃً۝۰ۣ فَبَعَثَ اللہُ النَّبِيّٖنَ مُبَشِّرِيْنَ وَمُنْذِرِيْنَ۝۰۠ وَاَنْزَلَ مَعَہُمُ الْكِتٰبَ بِالْحَقِّ لِــيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِـيْمَا اخْتَلَفُوْا فِيْہِ۝۰ۭ وَمَا اخْتَلَفَ فِيْہِ اِلَّا الَّذِيْنَ اُوْتُوْہُ مِنْۢ بَعْدِ مَا جَاۗءَتْہُمُ الْبَيِّنٰتُ بَغْيًۢا بَيْنَہُمْ۝۰ۚ فَہَدَى اللہُ الَّذِيْنَ اٰمَنُوْا لِمَا اخْتَلَفُوْا فِيْہِ مِنَ الْحَقِّ بِـاِذْنِہٖ۝۰ۭ وَاللہُ يَہْدِيْ مَنْ يَّشَاۗءُ اِلٰى صِرَاطٍ مُّسْتَـقِيْمٍ۝۲۱۳
Kana alnnasu ommatan wahidatan fabaAAatha Allahu alnnabiyyeena mubashshireena wamunthireena waanzala maAAahumu alkitaba bialhaqqi liyahkuma bayna alnnasi feema ikhtalafoo feehi wama ikhtalafa feehi illa allatheena ootoohu min baAAdi ma jaathumu albayyinatu baghyan baynahum fahada Allahu allatheena amanoo lima ikhtalafoo feehi mina alhaqqi biithnihi waAllahu yahdee man yashao ila siratin mustaqeemin

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«كان الناس أمة واحدة» على الإيمان فاختلفوا بأن آمن بعض وكفر بعض «فبعث الله النبيين» إليهم «مبشِّرين» من آمن بالجنة «ومنذرين» من كفر بالنار «وأنزل معهم الكتاب» بمعنى الكتب «بالحق» متعلق بأنزل «ليحكم» به «بين الناس فيما اختلفوا فيه» من الدين «وما اختلف فيه» أي الدين «إلا الذين أوتوه» أي الكتاب فآمن بعض وكفر بعض «من بعد ما جاءتهم البينات» الحجج الظاهرة على التوحيد ومن متعلقة باختلاف وهي وما بعدها مقدم على الاستثناء في المعنى «بغيا» من الكافرين «بينهم فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من» للبيان «الحق بإذنه» بإرادته «والله يهدي من يشاء» هدايته «إلى صراط مستقيم» طريق الحق.

213

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه تعالى لما بين في هذه الآية المتقدمة أن سبب إصرار هؤلاء الكفار على كفرهم هو حب الدنيا، بين في هذه الآية أن هذا المعنى غير مختص بهذا الزمان، بل كان حاصلاً في الأزمنة المتقادمة، لأن الناس كانوا أمة واحدة قائمة على الحق، ثم اختلفوا وما كان اختلافهم إلا بسبب البغي والتحاسد والتنازع في طلب الدنيا فهذا هو الكلام في ترتيب النظم. وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قال القفال: الأمة القوم المجتمعون على الشيء الواحد يقتدي بعضهم ببعض، وهو مأخوذ من الإئتمام. المسألة الثانية: دلت الآية على أن الناس كانوا أمة واحدة، ولكنها ما دلت على أنهم كانوا أمة واحدة في الحق أم في الباطل، واختلف المفسرون فيه على ثلاثة أقوال: القول الأول: أنهم كانوا على دين واحد وهو الإيمان والحق، وهذا قول أكثر المحققين، ويدل عليه وجوه الأول: ما ذكره القفال فقال: الدليل عليه قوله تعالى بعد هذه الآية: {فَبَعَثَ ٱللَّهُ ٱلنَّبِيّينَ مُبَشّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ بِٱلْحَقِ لِيَحْكُمَ بَيْنَ ٱلنَّاسِ فِيمَا ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ } فهذا يدل على أن الأنبياء عليهم السلام إنما بعثوا حين الإختلاف، ويتأكد هذا بقوله تعالى: {أية : وَمَا كَانَ ٱلنَّاسُ إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً فَٱخْتَلَفُواْ } تفسير : [يونس: 19] ويتأكد أيضاً بما نقل عن ابن مسعود أنه قرأ: {كَانَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وٰحِدَةً فَٱخْتَلَفُواْ فَبَعَثَ ٱللَّهُ ٱلنَّبِيّينَ -إِلَى قوله - لِيَحْكُمَ بَيْنَ ٱلنَّاسِ فِيمَا ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ }. إذا عرفت هذا فنقول: الفاء في قوله: {فَبَعَثَ ٱللَّهُ ٱلنَّبِيّينَ } تقتضي أن يكون بعثهم بعد الإختلاف ولو كانوا قبل ذلك أمة واحدة في الكفر، لكانت بعثة الرسل قبل هذا الإختلاف أولى، لأنهم لما بعثوا عندما كان بعضهم محقاً وبعضهم مبطلاً، فلأن يبعثوا حين ماكانوا كلهم مبطلين مصرين على الكفر كان أولى، وهذا الوجه الذي ذكره القفال رحمه الله حسن في هذا الموضوع وثانيها: أنه تعالى حكم بأنه كان الناس أمة واحدة، ثم أدرجنا فيه فاختلفوا بحسب دلالة الدليل عليه، وبحسب قراءة ابن مسعود، ثم قال: {وَمَا ٱخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ ٱلَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ ٱلْبَيِّنَـٰتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ } والظاهر أن المراد من هذا الإختلاف هو الإختلاف الحاصل بعد ذلك الإتفاق المشار إليه، بقوله: {كَانَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وٰحِدَةً } ثم حكم على هذا الإختلاف بأنه إنما حصل بسبب البغي، وهذا الوصف لا يليق إلا بالمذاهب الباطلة، فدلت الآية على أن المذاهب الباطلة إنما حصلت بسبب البغي، وهذا يدل على أن الإتفاق الذي كان حاصلاً قبل حصول هذا الإختلاف إنما كان في الحق لا في الباطل، فثبت أن الناس كانوا أمة واحدة في الدين الحق لا في الدين الباطل وثالثها: أن آدم عليه السلام لما بعثه الله رسولاً إلى أولاده، فالكل كانوا مسلمين مطيعين لله تعالى، ولم يحدث فيما بينهم اختلاف في الدين، إلى أن قتل قابيل هابيل بسبب الحسد والبغي، وهذا المعنى ثابت بالنقل المتواتر، والآية منطبقة عليه، لأن الناس هم آدم وأولاده من الذكور والإناث، كانوا أمة واحدة على الحق، ثم اختلفوا بسبب البغي والحسد، كما حكى الله عن ابني آدم {أية : إِذْ قَرَّبَا قُرْبَـٰناً فَتُقُبّلَ مِن أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ ٱلأَخَرِ } تفسير : [المائدة: 27] فلم يكن ذلك القتل والكفر بالله إلا بسبب البغي والحسد، وهذا المعنى ثابت بالنقل المتواتر والآية منطبقة عليه ورابعها: أنه لما غرقت الأرض بالطوفان لم يبق إلا أهل السفينة، وكلهم كانوا على الحق والدين الصحيح، ثم اختلفوا بعد ذلك، وهذه القصة مما عرف ثبوتها بالدلائل القاطعة والنقل المتواتر، إلا أنهم اختلفوا بعد ذلك، فثبت أن الناس كانوا أمة واحدة على الحق ثم اختلفوا بعد ذلك ولم يثبت ألبتة بشيء من الدلائل أنهم كانوا مطبقين على الباطل والكفر، وإذا كان كذلك وجب حمل اللفظ على ما ثبت بالدليل وأن لا يحمل على ما لم يثبت بشيء من الدلائل. وخامسها: وهو أن الدين الحق لا سبيل إليه إلا بالنظر والنظر لا معنى له إلا ترتيب المقدمات لتوصل بها إلى النتائج، وتلك المقدمات إن كانت نظرية افتقرت إلى مقدمات أخر ولزم الدور أو التسلسل وهما باطلان فوجب انتهاء النظريات بالآخرة إلى الضروريات، وكما أن المقدمات يجب إنتهاؤها إلى الضروريات فترتيب المقدمات يجب انتهاؤه أيضاً إلى ترتيب تعلم صحته بضرورة العقل وإذا كانت النظريات مستندة إلى مقامات تعلم صحتها بضرورة العقل، وإلى ترتيبات تعلم صحتها بضرورة العقل، وجب القطع بأن العقل السليم لا يغلط لو لم يعرض له سبب من خارج، فأما إذا عرض له سبب خارجي، فهناك يحصل الغلط فثبت أن ما بالذات هو الصواب وما بالعرض هو الخطأ، وما بالذات أقدم مما بالعرض بحسب الإستحقاق وبحسب الزمان أيضاً، هذا هو الأظهر فثبت أن الأولى أن يقال: كان الناس أمة واحدة في الدين الحق، ثم اختلفوا بعد ذلك لأسباب خارجية وهي البغي والحسد، فهذا دليل معقول ولفظ القرآن مطابق له فوجب المصير إليه. فإن قيل: فما المراد من قوله: {أية : وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذٰلِكَ خَلَقَهُمْ } تفسير : [هود: 188، 119]. قلنا: المعنى ولأجل أن يرحمهم خلقهم. وسادسها: قوله عليه السلام: «حديث : كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه»تفسير : دل الحديث على أن المولود لو ترك مع فطرته الأصلية لما كان على شيء من الأديان الباطلة، وأنه إنما يقدم على الدين الباطل لأسباب خارجية، وهي سعي الأبوين في ذلك وحصول الأغراض الفاسدة من البغي والحسد وسابعها: أن الله تعالى لما قال: {أية : أَلَسْتَ بِرَبّكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ } تفسير : [الأعراف: 172] فذلك اليوم كانوا أمة واحدة على الدين الحق، وهذا القول مروي عن أبـي بن كعب وجماعة من المفسرين، إلا أن للمتكلمين في هذه القصة أبحاثاً كثيرة، ولا حاجة بنا في نصرة هذا القول بعد تلك الوجوه الستة التي ذكرناها إلى هذا الوجه، فهذا جملة الكلام في تقرير هذا القول. أما الوجه الثاني: هو أن الناس كانوا أمة واحدة في الدين الباطل، فهذا قول طائفة من المفسرين كالحسن وعطاء وابن عباس، واحتجوا بالآية والخبر أما الآية فقوله: {فَبَعَثَ ٱللَّهُ ٱلنَّبِيّينَ مُبَشّرِينَ وَمُنذِرِينَ } وهو لا يليق إلا بذلك، وأما الخبر فما روي عن النبـي عليه السلام: «حديث : أن الله تعالى نظر إلى أهل الأرض عربهم وعجمهم فبعثهم إلا بقايا من أهل الكتاب». تفسير : وجوابه: ما بينا أن هذا لا يليق إلا بضده، وذلك لأن عند الإختلاف لما وجبت البعثة. فلو كان الإتفاق السابق اتفاقاً على الكفر لكانت البعثة في ذلك الوقت أولى، وحيث لم تحصل البعثة هناك علمنا أن ذلك الإتفاق كان اتفاقاً على الحق لا على الباطل، ثم اختلف القائلون بهذا القول أنه متى كان الناس متفقين على الكفر فقيل من وفاة آدم إلى زمان نوح عليه السلام كانوا كفاراً، ثم سألوا أنفسهم سؤالاً وقالوا: أليس فيهم من كان مسلماً نحو هابيل وشيث وإدريس، وأجابوا بأن الغالب كان هو الكفر والحكم للغالب، ولا يعتد بالقليل في الكثير كما لا يعتد بالشعير القليل في البر الكثير، وقد يقال: دار الإسلام وإن كان فيها غير المسلمين ودار الحرب وإن كان فيها مسلمون. القول الثالث: وهو اختيار أبـي مسلم والقاضي: أن الناس كانوا أمة واحدة في التمسك بالشرائع العقلية، وهي الإعتراف بوجود الصانع وصفاته، والإشتغال بخدمته وشكر نعمته، والإجتناب عن القبائح العقلية، كالظلم، والكذب، والجهل، والعبث وأمثالها. واحتج القاضي على صحة قوله بأن لفظ النبيين يفيد العموم والإستغراق، وحرف الفاء يفيد التراخي، فقوله: {فَبَعَثَ ٱللَّهُ ٱلنَّبِيّينَ } يفيد أن بعثه جميع الأنبياء كانت متأخرة عن كون الناس أمة واحدة، فتلك الوحدة المتقدمة على بعثة جميع الشرائع لا بد وأن تكون وحدة في شرعه غير مستفادة من الأنبياء، فوجب أن تكون في شريعة مستفادة من العقل وذلك ما بيناه، وأيضاً فالعلم بحسن شكر المنعم، وطاعة الخالق والإحسان إلى الخلق، والعدل، مشترك فيه بين الكل، والعلم بقبح الكذب والظلم والجهل والعبث مشترك فيه بين الكل، فالأظهر أن الناس كانوا في أول الأمر على ذلك، ثم اختلفوا بعد ذلك لأسباب منفصلة، ثم سأل نفسه، فقال: أليس أول الناس آدم عليه السلام وأنه كان نبياً، فكيف يصح إثبات الناس مكلفين قبل بعثة الرسل، وأجاب بأنه يحتمل أنه عليه السلام مع أولاده كانوا مجتمعين على التمسك بالشرائع العقلية أولاً، ثم إن الله تعالى بعد ذلك بعثه إلى أولاده، ويحتمل أن بعد ذلك صار شرعه مندرساً، فالناس رجعوا إلى التمسك بالشرائع العقلية، واعلم أن هذا القول لا يصح إلا مع إثبات تحسين العقل وتقبيحه، والكلام فيه مشهور في الأصول. القول الرابع: أن الآية دلت على أن الناس كانوا أمة واحدة، وليس فيها أنهم كانوا على الإيمان أو على الكفر، فهو موقوف على الدليل. القول الخامس: أن المراد من الناس ههنا أهل الكتاب ممن آمن بموسى عليه السلام، وذلك لأنا بينا أن هذه الآية متعلقة بما تقدم من قوله: {أية : يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱدْخُلُواْ فِي ٱلسّلْمِ كَافَّةً } تفسير : [البقرة: 208] وذكرنا أن كثيراً من المفسرين زعموا أن تلك الآية نزلت في اليهود، فقوله تعالى: {كَانَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وٰحِدَةً } أي كان الذين آمنوا بموسى أمة واحدة، على دين واحد، ومذهب واحد، ثم اختلفوا بسبب البغي والحسد، فبعث الله النبيين، وهم الذين جاؤا بعد موسى عليه السلام وأنزل معهم الكتاب، كما بعث الزبور إلى داود، والتوراة إلى موسى، والإنجيل إلى عيسى، والفرقان إلى محمد عليه السلام لتكون تلك الكتب حاكمة عليهم في تلك الأشياء التي اختلفوا فيها، وهذا القول مطابق لنظم الآية وموافق لما قبلها ولما بعدها، وليس فيها إشكال إلا أن تخصيص لفظ الناس في قوله: {كَانَ ٱلنَّاسُ } بقوم معينين خلاف الظاهر إلا أنك تعلم أن الألف واللام كما تكون للاستغراق فقد تكون أيضاً للعهد فهذا ما يتعلق بهذه الآية. أما قوله تعالى: {فَبَعَثَ ٱللَّهُ ٱلنَّبِيّينَ مُبَشّرِينَ وَمُنذِرِينَ } فاعلم أنا ذكرنا أنه لا بد ههنا من الإضمار، والتقدير كان الناس أمة واحدة - فاختلفوا - فبعث الله النبيين واعلم أنه الله تعالى وصف النبيين بصفات ثلاث: الصفة الأولى: كونهم مبشرين. الصفة الثانية: كونهم منذرين ونظيره قوله تعالى: {أية : رُّسُلاً مُّبَشّرِينَ وَمُنذِرِينَ } تفسير : [النساء: 165] وإنما قدم البشارة على الإنذار، لأن البشارة تجري مجرى حفظ الصحة، والإنذار يجري مجرى إزالة المرض، ولا شك أن المقصود بالذات هو الأول دون الثاني فلا جرم وجب تقديمه في الذكر. الصفة الثالثة: قوله: {وَأَنزَلَ مَعَهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ بِٱلْحَقِ } فإن قيل: إنزال الكتاب يكون قبل وصول الأمر والنهي إلى المكلفين، ووصول الأمر والنهي إليهم يكون قبل التبشير والإنذار فلم قدم ذكر التبشير والإنذار على إنزال الكتب؟ أجاب القاضي عنه فقال: لأن الوعد والوعيد منهم قبل بيان الشرع ممكن فيما يتصل بالعقليات من المعرفة بالله وترك الظلم وغيرهما وعندي فيه وجه آخر وهو أن المكلف إنما يتحمل النظر في دلالة المعجز على الصدق وفي الفرق بين المعجز إذا خاف أنه لو لم ينظر فربما ترك الحق فيصير مستحقاً للعقاب، والخوف إنما يقوى ويكمل عند التبشير والإنذار فلا جرم وجب تقديم البشارة والنذارة على إنزال الكتاب في الذكر ثم قال القاضي: ظاهر هذه الآية يدل على أنه لا نبـي إلا معه كتاب منزل فيه بيان الحق طال ذلك الكتاب أم قصر ودون ذلك الكتاب أو لم يدون وكان ذلك الكتاب معجزاً أو لم يكن كذلك، لأن كون الكتاب منزلاً معهم لا يقتضي شيئاً من ذلك. أما قوله تعالى: {لِيَحْكُمَ بَيْنَ ٱلنَّاسِ } فاعلم أنه قوله: {لِيَحْكُمَ } فعل فلا بد من استناده إلى شيء تقدم ذكره، وقد تقدم ذكر أمور ثلاثة، فأقربها إلى هذا اللفظ: الكتاب، ثم النبيون، ثم الله فلا جرم كان إضمار كل واحد منها صحيحاً، فيكون المعنى: ليحكم الله، أو النبـي المنزل عليه، أو الكتاب، ثم إن كل واحد من هذه الإحتمالات يختص بوجه ترجيح، أما الكتاب فلأنه أقرب المذكورات، وأما الله فلأنه سبحانه هو الحاكم في الحقيقة لا الكتاب، وأما النبـي فلأنه هو المظهر فلا يبعد أن يقال: حمله على الكتاب أولى، أقصى ما في الباب أن يقال: الحاكم هو الله، فإسناد الحكم إلى الكتاب مجاز إلا أن نقول: هذا المجاز يحسن تحمله لوجهين الأول: أنه مجاز مشهور يقال: حكم الكتاب بكذا، وقضى كتاب الله بكذا، ورضينا بكتاب الله، وإذا جاز أن يكون هدى وشفاء، جاز أن يكون حاكماً قال تعالى: {أية : إِنَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْءانَ يِهْدِى لِلَّتِى هِىَ أَقْوَمُ وَيُبَشّرُ ٱلْمُؤْمِنِينَ } تفسير : [الإسراء: 9] والثاني: أنه يفيد تفخيم شأن القرآن وتعظيم حاله. أما قوله تعالى: {فِيمَا ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ } فاعلم أن الهاء في قوله: {فِيمَا ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ } يجب أن يكون راجعاً، إما إلى الكتاب، وإما إلى الحق، لأن ذكرهما جميعاً قد تقدم، لكن رجوعه إلى الحق أولى، لأن الآية دلت على أنه تعالى إنما أنزل الكتاب ليكون حاكماً فيما اختلفوا فيه فالكتاب حاكم، والمختلف فيه محكوم عليه، والحاكم يجب أن يكون مغايراً للمحكوم عليه. أما قوله تعالى: {وَمَا ٱخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ ٱلَّذِينَ أُوتُوهُ } فالهاء الأولى راجعة إلى الحق والثانية: إلى الكتاب والتقدير: وما اختلف في الحق إلا الذين أوتوا الكتاب، ثم قال أكثر المفسرين: المراد بهؤلاء: اليهود والنصارى والله تعالى كثيراً ما يذكرهم في القرآن بهذا اللفظ كقوله: {أية : وَطَعَامُ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ حِلٌّ لَّكُمْ } تفسير : [المائدة: 5] {أية : قُلْ يٰأَهْلَ تَعَالَوْاْ إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ } تفسير : [آل عمران: 64] ثم المراد باختلافهم يحتمل أن يكون هو تكفير بعضهم بعضاً كقوله تعالى: {أية : وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ لَيْسَتِ ٱلنَّصَـٰرَىٰ عَلَىٰ شَىْءٍ وَقَالَتِ ٱلنَّصَـٰرَىٰ لَيْسَتِ ٱلْيَهُودُ عَلَىٰ شَىْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ ٱلْكِتَـٰبَ } تفسير : [البقرة: 113] ويحتمل أن يكون اختلافهم تحريفهم وتبديلهم، فقوله: {وَمَا ٱخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ ٱلَّذِينَ أُوتُوهُ } أي وما اختلف في الحق إلا الذين أوتوا الكتاب مع أنه كان المقصود من إنزال الكتاب أن لا يختلفوا وأن يرفعوا المنازعة في الدين واعلم أن هذا يدل على أن الإختلاف في الحق لم يوجد إلا بعد بعثة الأنبياء وإنزال الكتب وذلك يوجب أن قبل بعثهم ما كان الإختلاف في الحق حاصلاً، بل كان الإتفاق في الحق حاصلاً وهو يدل على أن قوله تعالى: {كَانَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وٰحِدَةً } معناه أمة واحدة في دين الحق. أما قوله تعالى: {مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ ٱلْبَيِّنَـٰتُ } فهو يقتضي أن يكون إيتاء الله تعالى إياهم الكتاب كان بعد مجيء البينات فتكون هذه البينات مغايرة لا محالة لإيتاء الكتاب وهذه البينات لا يمكن حملها على شيء سوى الدلائل العقلية التي نصبها الله تعالى على إثبات الأصول التي لا يمكن القول بالنبوة إلا بعد ثبوتها، وذلك لأن المتكلمين يقولون كل ما لا يصح إثبات النبوة إلا بعد ثبوته، فذلك لا يمكن إثباته بالدلائل السمعية وإلا وقع الدور، بل لا بد من إثباتها بالدلائل العقلية فهذه الدلائل هي البينات المتقدمة على إيتاء الله الكتب إياهم. أما قوله تعالى: {بَغْياً بَيْنَهُمْ } فالمعنى أن الدلائل إما سمعية وإما عقلية. أما السمعية فقد حصلت بإيتاء الكتاب، وأما العقلية فقد حصلت بالبينات المتقدمة على إيتاء الكتاب فعند ذلك قد تمت البينات ولم يبق في العدول عذر ولا علة، فلو حصل الإعراض والعدول لم يكن ذلك إلا بحسب الحسد والبغي والحرص على طلب الدنيا، ونظيره هذه الآية قوله تعالى: {أية : وَمَا تَفَرَّقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ ٱلْبَيّنَةُ } تفسير : [البينة: 4]. أما قوله تعالى: {فَهَدَى ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لِمَا ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ ٱلْحَقّ بِإِذْنِهِ } فاعلم أنه تعالى لما وصف حال أهل الكتاب وأنهم بعد كمال البينات أصروا على الكفر والجهل بسبب البغي والحسد بين أن حال هذه الأمة بخلاف حال أولئك فإن الله عصمهم عن الزلل وهداهم إلى الحق في الأشياء التي اختلف فيها أهل الكتاب، يروى أنه عليه الصلاة والسلام قال: «حديث : نحن الآخرون السابقون يوم القيامة، ونحن أولى الناس دخولاً الجنة يوم القيامة بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا وأوتيناه من بعدهم فهدانا لله لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه، فهذا اليوم الذي هدانا له، والناس له فيه تبع وغداً لليهود، وبعد غد للنصارى» تفسير : قال ابن زيد: اختلفوا في القبلة فصلت اليهود إلي بيت المقدس والنصارى إلى المشرق، فهدانا الله للكعبة واختلفوا في الصيام، فهدانا الله لشهر رمضان، واختلفوا في إبراهيم، فقالت اليهود: كان يهودياً وقالت النصارى: كان نصرانياً، فقلنا: إنه كان حنيفاً مسلماً واختلفوا في عيسى، فاليهود فرطوا، والنصارى أفرطوا، وقلنا القول العدل، وبقي في الآية مسائل: المسألة الأولى: من الأصحاب من تمسك بهذه الآية على أن الإيمان مخلوق لله تعالى قال: لأن الهداية هي العلم والمعرفة، وقوله: {فَهَدَى ٱللَّهُ } نص في أن الهداية حصلت بفعل الله تعالى، فدل ذلك على أن الإيمان مخلوق لله تعالى. واعلم أن هذا الوجه ضعيف لأنا بينا أن الهداية غير، والاهتداء غير، والذي يدل ههنا على أن الهداية لا يمكن أن تكون عبارة عن الإيمان وجهان الأول: أن الهداية إلى الإيمان غير الإيمان كما أن التوفيق للإيمان غير الإيمان والثاني: أنه تعالى قال في آخر الآية: {بِإِذْنِهِ } ولا يمكن صرف هذا الإذن إلى قوله: {فَهَدَى ٱللَّهُ } إذ لا جائز أن يأذن لنفسه فلا بد ههنا من إضمار ليصرف هذا الإذن إليه، والتقدير: فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق فاهتدوا بإذنه، وإذا كان كذلك كانت الهداية مغايرة للاهتداء. المسألة الثانية: احتج الأصحاب بهذه الآية على أن الله تعالى قد يخص المؤمن بهدايات لا يفعلها في حق الكافر، والمعتزلة أجابوا عنه من وجوه أحدها: أنهم اختصوا بالاهتداء فجعل هداية لهم خاصة كقوله: {أية : هُدًى لّلْمُتَّقِينَ } تفسير : [البقرة: 2] ثم قال: {هُدًى لّلنَّاسِ } وثانيها: أن المراد به: الهداية إلى الثواب وطريقة الجنة وثالثها: هداهم إلى الحق بالألطاف. المسألة الثالثة: قوله: {لِمَا ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ} أي إلى ما اختلفوا فيه كقوله تعالى:{أية : يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ } تفسير : [المجادلة: 3] أي إلى ما قالوا ويقال: هديته الطريق وللطريق وإلى الطريق. فإن قيل: لم قال فهداهم لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه، ولم يقل: هداهم للحق فيما اختلفوا وقدم الإختلاف؟ والجواب من وجهين الأول: أنه لما كانت العناية بذكر الإختلاف لهم بدأ به، ثم فسره بمن هداه الثاني: قال الفراء: هذا من المقلوب، أي فهداهم لما اختلفوا فيه. المسألة الرابعة: قوله: {بِإِذْنِهِ } فيه وجهان أحدها: قال الزجاج بعلمه الثاني: هداهم بأمره أي حصلت الهداية بسبب الأمر كما يقال: قطعت بالسكين، وذلك لأن الحق لم يكن متميزاً عن الباطل وبالأمر حصل التمييز فجعلت الهداية بسبب إذنه الثالث: قال بعضهم: لا بد فيه من إضمار والتقدير: هداهم فاهتدوا بإذنه. أما قوله: {وَٱللَّهُ يَهْدِى مَن يَشَاء إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ } فاستدلال الأصحاب به معلوم، والمعتزلة أجابوا من ثلاثة أوجه أحدها: المراد بالهداية البيان، فالله تعالى خص المكلفين بذلك والثاني: المراد بالهداية الطريق إلى الجنة الثالث: المراد به اللطف فيكون خاصاً لمن يعلم أنه يصلح له وهو قول أبـي بكر الرازي.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {كَانَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً} أي على دين واحد. قال أُبيّ بن كعب، وٱبن زيد: المراد بالناس بنو آدم حين أخرجهم الله نَسَماً من ظهر آدم فأقرّوا له بالوحدانية. وقال مجاهد: الناس آدم وحده؛ وسُمِّي الواحد بلفظ الجمع لأنه أصل النَّسْل. وقيل: آدم وحوّاء. وقال ابن عباس وقَتادة: المراد بالناس القرون التي كانت بين آدم ونوح، وهي عشرة كانوا على الحقّ حتى ٱختلفوا فبعث الله نوحاً فمن بعده. وقال ابن أبي خَيْثَمة: منذ خلق الله آدم عليه السلام إلى أن بعث محمداً صلى الله عليه وسلم خمسة آلاف سنة وثمانمائة سنة. وقيل: أكثر من ذلك، وكان بينه وبين نوح ألف سنة ومائتا سنة. وعاش آدم تسعمائة وستين سنة، وكان الناس في زمانه أهل مِلّة واحدة، متمسكين بالدّين، تصافحهم الملائكة، وداموا على ذلك إلى أن رُفع إدريس عليه السلام فٱختلفوا. وهذا فيه نظر؛ لأن إدريس بعد نوح على الصحيح. وقال قوم منهم الكلبيّ والواقديّ: المراد نوح ومن في السفينة؛ وكانوا مسلمين ثم بعد وفاة نوح ٱختلفوا. وقال ٱبن عباس أيضاً: كانوا أُمة واحدة على الكفر؛ يريد في مدّة نوح حين بعثه الله. وعنه أيضاً: كان الناس على عهد إبراهيم عليه السلام أُمة واحدة، كلهم كفار؛ ووُلِد إبراهيم في جاهلية، فبعث الله تعالى إبراهيم وغيره من النبيين. فـ «كان» على هذه الأقوال على بابها من المُضِيّ المنقضي. وكل مَن قدّر الناس في الآية مؤمنين قدّر في الكلام فٱختلفوا فبعث، ودلّ على هذا الحذف: {وَمَا ٱخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ ٱلَّذِينَ أُوتُوهُ} أي كان الناس على دين الحق فٱختلفوا فبعث الله النبيين، مبشّرين من أطاع ومنذرين من عصى. وكل مَن قدّرهم كفّاراً كانت بعثة النبيين إليهم. ويحتمل أن تكون «كان» للثبوت، والمراد الإخبار عن الناس الذين هم الجنس كله أنهم أُمة واحدة في خلوّهم عن الشرائع، وجهلهم بالحقائق، لولا منُّ الله عليهم، وتفضّله بالرسل إليهم. فلا يختص «كان» على هذا التأويل بالمضيّ فقط، بل معناه معنى قوله: {أية : وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً}تفسير : . [النساء: 96] وا«أُمّة» مأخوذة من قولهم: أَمَمت كذا، أي قصدته؛ فمعنى «أُمّة» مقصدهم واحد؛ ويقال للواحد: أُمَّة، أي مقصده غير مقصد الناس؛ ومنه حديث : قول النبي صلى الله عليه وسلم في قُسّ بن ساعدة: «يُحشر يوم القيامة أمّةً وَحْده»تفسير : . وكذلك قال في زيد بن عمرو بن نُفيل والأُمة القامة، كأنها مقصد سائر البدن. والإمة (بالكسر): النعمة: لأن الناس يقصدون قصدها. وقيل: إمام، لأن الناس يقصدون قصد ما يفعل؛ عن النحاس. وقرأ أُبيّ بن كعب: «كان البشر أُمة واحدة» وقرأ ابن مسعود «كان الناس أُمة واحدة فاختلفوا فبعث». قوله تعالى: {فَبَعَثَ ٱللَّهُ ٱلنَّبِيِّينَ} وجملتهم مائة وأربعة وعشرون ألفاً، والرسل منهم ثلثمائة وثلاثة عشر، والمذكورون في القرآن بالاسم العلم ثمانية عشر، وأوّل الرسل آدم؛ على ما جاء في حديث أبي ذَرّ، أخرجه الآجريّ وأبو حاتم البُسْتيّ. وقيل: نوح، لحديث الشفاعة؛ فإن الناس يقولون له: أنت أوّل الرسل. وقيل: إدريس، وسيأتي بيان هذا في «الأعراف» إن شاء الله تعالى. قوله تعالى: {مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ} نصب على الحال. {وَأَنزَلَ مَعَهُمُ ٱلْكِتَابَ} ٱسم جنس بمعنى الكتب. وقال الطبريّ: الألف واللام في الكتاب للعهد، والمراد التوراة. و {لِيَحْكُمَ} مسند إلى الكتاب في قول الجمهور؛ وهو نصب بإضمار أن، أي لأن يحكم، وهو مجاز مثل {أية : هَـٰذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِٱلْحَقِّ}تفسير : [الجاثية: 29]. وقيل: أي ليحكم كل نبيّ بكتابه، وإذا حكم بالكتاب فكأنما حكَم الكتابُ. وقراءة عاصم الجَحْدريّ «ليُحكَم بين الناس» على ما لم يسمّ فاعله، وهي قراءة شاذة؛ لأنه قد تقدّم ذكر الكتاب. وقيل: المعنى ليحكم الله، والضمير في «فيه» عائد على «ما» من قوله: «فيما» والضمير في «فيه» الثانية يحتمل أن يعود على الكتاب، أي وما ٱختلف في الكِتابِ إلا الذِين أُوتُوه. موضع «الذين» رفع بفعلهم. و «أوْتوه» بمعنى أعطوه. وقيل: يعود على المنزّل عليه؛ وهو محمد صلى الله عليه وسلم؛ قاله الزجاج. أي وما ٱختلف في النبيّ عليه السلام إلا الذين أعطوا علمه. {بَغْياً بَيْنَهُمْ} نصب على المفعول له، أي لم يختلفوا إلا للبَغيْ، وقد تقدم معناه. وفي هذا تنبيه على السَّفَه في فعلهم، والقبح الذي واقعوه. و «هدى» معناه أرشد، أي فهدى الله أُمة محمد إلى الحقّ بأن بيّن لهم ما ٱختلف فيه من كان قبلهم. وقالت طائفة: معنى الآية أن الأُمم كذّب بعضهم كتاب بعض؛ فهدى الله تعالى أُمة محمد للتصديق بجميعها. وقالت طائفة: إن الله هدى المؤمنين للحقّ فيما ٱختلف فيه أهل الكتابين؛ من قولهم: إن إبراهيم كان يهودياً أو نصرانياً. وقال ٱبن زيد وزيد بن أسْلم: مِن قِبلتهم؛ فإن اليهود إلى بيت المقدس، والنصارى إلى المشرق؛ ومن يوم الجمعة فإن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : هذا اليوم الذي ٱختلفوا فيه فهدانا الله له فلليهود غَدٌ وللنصارى بعد غدٍ»تفسير : ومِن صيامهم، ومن جميع ما ٱختلفوا فيه. وقال ابن زيد: وٱختلفوا في عيسى فجعلته اليهود لِفِرْية، وجعلته النصارى رَبًّا، فهدى الله المؤمنين بأن جعلوه عبداً لله. وقال الفرّاء: هو من المقلوب ـ وٱختاره الطبريّ ـ قال: وتقديره فهدى الله الذين آمنوا للحقّ لما ٱختلفوا فيه. قال ٱبن عطية: ودعاه إلى هذا التقدير خوف أن يحتمل اللفظ أنهم ٱختلفوا في الحقّ فهدى الله المؤمنين لبعض ما ٱختلفوا فيه، وعساه غير الحقّ في نفسه؛ نحا إلى هذا الطبريّ في حكايته عن الفرّاء، وٱدّعاء القلب على لفظ كتاب الله دون ضرورة تدفع إلى ذلك عجزٌ وسوءُ نظر؛ وذلك أن الكلام يتخرّج على وجهه ووصفه، لأن قوله: «فَهَدَى» يقتضي أنهم أصابوا الحقّ، وتم المعنى في قوله: «فيه» وتبيّن بقوله: «مِنَ الحقِّ» جنس ما وقع الخلاف فيه، قال المهدوي: وقدّم لفظ الاختلاف على لفظ الحقّ ٱهتماماً، إذ العناية إنما هي بذكر الاختلاف. قال ابن عطية: وليس هذا عندي بقويّ. وفي قراءة عبد الله بن مسعود «لما ٱختلفوا عنه من الحقّ» أي عن الإسلام. و {بِإِذْنِهِ} قال الزجاج: معناه بعلمه. قال النحاس: وهذا غلط، والمعنى بأمره، وإذا أذِنت في الشيء فقد أمرت به؛ أي فهدى الله الذين آمنوا بأن أمرهم بما يجب أن يستعملوه. وفي قوله: {وَٱللَّهُ يَهْدِي مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} ردّ عى المعتزلة في قولهم: إن العبد يستبدّ بهداية نفسه.

البيضاوي

تفسير : {كَانَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وٰحِدَةً} متفقين على الحق فيما بين آدم وإدريس أو نوح أو بعد الطوفان، أو متفقين على الجهالة والكفر في فترة ادريس أو نوح. {فَبَعَثَ ٱللَّهُ ٱلنَّبِيّينَ مُبَشّرِينَ وَمُنذِرِينَ} أي فاختلفوا فبعث الله، وإنما حذف لدلالة قوله فيما اختلفوا فيه. وعن كعب (الذي علمته من عدد الأنبياء مائة وأربعة وعشرون ألفاً والمرسل منهم ثلاثمائة وثلاثة عشر والمذكور في القرآن باسم العلم ثمانية وعشرون). {وَأَنزَلَ مَعَهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ} يريد به الجنس ولا يريد به أنه أنزل مع كل واحد كتاباً يخصه، فإن أكثرهم لم يكن لهم كتاب يخصهم، وإنما كانوا يأخذون بكتب من قبلهم. {بِٱلْحَقّ} حال من الكتاب، أي ملتبساً بالحق شاهداً به. {لِيَحْكُمَ بَيْنَ ٱلنَّاسِ} أي الله، أو النبي المبعوث، أو كتابه. {فِيمَا ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ} في الحق الذي اختلفوا فيه، أو فيما التبس عليهم. {وَمَا ٱخْتَلَفَ فِيهِ} في الحق، أو الكتاب. {إِلاَّ ٱلَّذِينَ أُوتُوهُ} أي الكتاب المنزل لإزالة الخلاف أي عكسوا الأمر فجعلوا ما أنزل مزيحاً للاختلاف سبباً لاستحكامه. {مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ ٱلْبَيِّنَـٰتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ} حسداً بينهم وظلماً لحرصهم على الدنيا. {فَهَدَى ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لِمَا ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ} أي للحق الذي اختلف فيه من اختلف. {مِنَ ٱلْحَقّ} بيان لما اختلفوا فيه. {بِإِذْنِهِ} بأمره أو بإرادته ولطفه. {وَٱللَّهُ يَهْدِي مَن يَشَاء إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} لا يضل سالكه.

ابن كثير

تفسير : قال ابن جرير: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا أبو داود، أخبرنا همام عن قتادة عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: كان بين نوح وآدم عشرة قرون، كلهم على شريعة من الحق، فاختلفوا، فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين، قال: وكذلك هي في قراءة عبد الله: {كانَ الناسُ أمَّةً واحدةً فاخْتَلَفُوا}. ورواه الحاكم في مستدركه من حديث بندار عن محمد بن بشار ثم قال: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، كذا روى أبو جعفر الرازي عن أبي العالية عن أبي بن كعب أنه كان يقرؤها: {كان الناس أمة واحدة فاختلفوا فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين} وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن قتادة في قوله: {كَانَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وَٰحِدَةً} قال: كانوا على الهدى جميعاً، {فاختلفوا، فبعث الله النبيين}، فكان أول من بعث نوحاً. وهكذا قال مجاهد، كما قال ابن عباس أولاً. وقال العوفي عن ابن عباس: {كَانَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وَٰحِدَةً} يقول: كانوا كفاراً {فَبَعَثَ ٱللَّهُ ٱلنَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ} والقول الأول عن ابن عباس أصح سنداً ومعنى، لأن الناس كانوا على ملة آدم حتى عبدوا الأصنام، فبعث الله إليهم نوحاً عليه السلام، فكان أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض. ولهذا قال تعالى: {وَأَنزَلَ مَعَهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ بِٱلْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ ٱلنَّاسِ فِيمَا ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ وَمَا ٱخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ ٱلَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ ٱلْبَيِّنَـٰتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ} أي: من بعد ما قامت الحجج عليهم، وما حملهم على ذلك إلا البغي من بعضهم على بعض { فَهَدَى ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لِمَا ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ ٱلْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَٱللَّهُ يَهْدِى مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} وقال عبد الرزاق: حدثنا معمر عن سليمان الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة في قوله: {فَهَدَى ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لِمَا ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ ٱلْحَقِّ بِإِذْنِهِ} الآية، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : نحن الآخرون الأولون يوم القيامة، نحن أول الناس دخولاً الجنة، بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا، وأوتيناه من بعدهم، فهدانا الله لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه، فهذا اليوم الذي اختلفوا فيه فهدانا الله له، فالناس لنا فيه تبع، فغداً لليهود، وبعد غد للنصارى»تفسير : ثم رواه عبد الرزاق عن معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن أبي هريرة. وقال ابن وهب، عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه في قوله: {فَهَدَى ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لِمَا ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ ٱلْحَقِّ بِإِذْنِهِ} فاختلفوا في يوم الجمعة، فاتخذ اليهود يوم السبت، والنصارى يوم الأحد، فهدى الله أمة محمد صلى الله عليه وسلم ليوم الجمعة، واختلفوا في القبلة فاستقبلت النصارى المشرق، واليهود بيت المقدس، فهدى الله أمة محمد للقبلة، واختلفوا في الصلاة، فمنهم من يركع ولا يسجد، ومنهم من يسجد ولا يركع، ومنهم من يصلي وهو يتكلم، ومنهم من يصلي وهو يمشي، فهدى الله أمة محمد للحق من ذلك، واختلفوا في الصيام، فمنهم من يصوم بعض النهار، ومنهم من يصوم عن بعض الطعام، فهدى الله أمة محمد للحق من ذلك. واختلفوا في إبراهيم عليه السلام، فقالت اليهود: كان يهودياً، وقالت: النصارى كان نصرانياً، وجعله الله حنيفاً مسلماً، فهدى الله أمة محمد للحق من ذلك. واختلفوا في عيسى عليه السلام، فكذبت به اليهود، وقالوا لأمه بهتاناً عظيماً، وجعلته النصارى إلهاً وولداً، وجعله الله روحه وكلمته، فهدى الله أمة محمد صلى الله عليه وسلم للحق من ذلك، وقال الربيع بن أنس في قوله: {فَهَدَى ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لِمَا ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ ٱلْحَقِّ} أي: عند الاختلاف أنهم كانوا على ما جاءت به الرسل قبل الاختلاف، أقاموا على الإخلاص لله عز وجل وحده، وعبادته لا شريك له، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، فأقاموا على الأمر الأول الذي كان قبل الاختلاف، واعتزلوا الاختلاف، وكانوا شهداء على الناس يوم القيامة، شهداء على قوم نوح وقوم هود وقوم صالح وقوم شعيب وآل فرعون؛ أن رسلهم قد بلغوهم، وأنهم قد كذبوا رسلهم، وفي قراءة أبي بن كعب: وليكونوا شهداء على الناس يوم القيامة، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم. وكان أبو العالية يقول: في هذه الآية المخرج من الشبهات والضلالات والفتن. وقوله: {بِإِذْنِهِ} أي: بعلمه بهم، وبما هداهم له، قاله ابن جرير {وَٱللَّهُ يَهْدِى مَن يَشَآءُ} أي من خلقه {إِلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ} أي: وله الحكمة والحجة البالغة، وفي صحيح البخاري ومسلم عن عائشة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا قام من الليل يصلي يقول: «حديث : اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم»تفسير : وفي الدعاء المأثور: «حديث : اللهم أرنا الحق حقاً، وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً، وارزقنا اجتنابه، ولا تجعله ملتبساً علينا فنضل، واجعلنا للمتقين إماماً».

المحلي و السيوطي

تفسير : {كَانَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وٰحِدَةً } على الإيمان فاختلفوا بأن آمن بعض وكفر بعض {فَبَعَثَ ٱللَّهُ ٱلنَّبِيّينَ } إليهم {مُبَشّرِينَ } من آمن بالجنة {وَمُنذِرِينَ } من كفر بالنار {وَأَنزَلَ مَعَهُمُ ٱلْكِتَٰبَ } بمعنى الكتب {بِٱلْحَقّ } متعلق( بأنزل){لِيَحْكُمَ } به {بَيْنَ ٱلنَّاسِ فِيمَا ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ } من الدين {وَمَا ٱخْتَلَفَ فِيهِ } أي الدين {إِلاَّ ٱلَّذِينَ أُوتُوهُ } أي الكتاب فآمن بعض وكفر بعض {مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ ٱلْبَيِّنَٰتُ } الحجج الظاهرة على التوحيد (ومن) متعلقة (باختلف) وهي وما بعدها مقدّم على الاستثناء في المعنى {بَغِيّاً } من الكافرين {بَيْنَهُمْ فَهَدَى ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لِمَا ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ } للبيان {ٱلْحَقّ بِإِذْنِهِ } بإرادته {وَٱللَّهُ يَهْدِى مَن يَشَاءُ } هدايته {إِلَىٰ صِرٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ } طريق الحق.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً} في قوله: {أُمَّةً وَاحِدَةً} خمسة أقاويل: أحدها: أنهم كانوا على الكفر، وهذا قول ابن عباس والحسن. والثاني: أنهم كانوا على الحق، وهو قول قتادة والضحاك. والثالث: أنه آدم كان على الحق إماماً لذريته فبعث الله النبيين في ولده، وهذا قول مجاهد. والرابع: أنهم عشر فرق كانوا بين آدم ونوح على شريعة من الحق فاختلفوا، وهذا قول عكرمة. والخامس: أنه أراد جميع الناس كانوا أمة واحدة على دين واحد يوم استخرج الله ذرية آدم من صلبه، فعرضهم على آدم، فأقروا بالعبودية والإسلام، ثم اختلفوا بعد ذلك. وكان أُبيّ بن كعب يقرأ: {كَانَ الْبَشَرُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللهُ النَّبِيِّيْنَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ}. وهذا قول الربيع وابن زيد. وفي قوله تعالى: {وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ} قولان: أحدهما: في الحق. والثاني: في الكتاب وهو التوراة. {إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ} يعني اليهود. {مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ} يعني الحجج والدلائل {بَغْيَا بَيْنَهُمْ} مصدر من قول القائل: بغى فلان على فلان، إذا اعتدى عليه. {فَهَدَى اللهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ لِمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ} فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أراد الجمعة، لأن أهل الكتاب اختلفوا فيها فضلوا عنها، فجعلها اليهود السبت، وجعلها النصارى الأحد، فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا من الحق بإذنه، فهدى الله الذين آمنوا إليها، وهذا قول أبي هريرة. والثاني: أنهم اختلفوا في الصلاة، فمنهم من يصلي إلى الشرق ومنهم من يصلي إلى بيت المقدس، فهدانا الله للقبلة، وهذا قول ابن زيد. والثالث: أنهم اختلفوا في الكتب المنزلة، فكفر بعضهم بكتاب بعض فهدانا الله للتصديق بجميعها.

ابن عطية

تفسير : قال أبي بن كعب وابن زيد: المراد بــ {الناس} بنو آدم حين أخرجهم الله نسماً من ظهر آدم، أي كانوا على الفطرة. وقال مجاهد:"الناس آدم وحده". وقال قوم: "آدم وحواء". وقال ابن عباس وقتادة: {الناس} القرون التي كانت بين آدم ونوح، وهي عشرة، كانوا على الحق حتى اختلفوا فبعث الله تعالى نوحاً فمن بعده. وقال قوم: الناس نوح ومن في سفينته، كانوا مسلمين ثم بعد ذلك اختلفوا. وقال ابن عباس أيضاً: كان الناس أمة واحدة كفاراً، يريد في مدة نوح حين بعثه الله، و {كان} على هذه الأقوال هي على بابها من المضي المنقضي، وتحتمل الآية معنى سابعاً وهو أن يخبر عن الناس الذين هم الجنس كله أنهم أمة واحدة في خلوهم عن الشرائع وجهلهم بالحقائق. لولا منّ الله عليهم وتفضله بالرسل إليهم، فــ{كان} على هذا الثبوت لا تختص بالمضي فقط، وذلك كقوله تعالى: {أية : وكان الله غفوراً رحيماً} تفسير : [النساء: 96-99-100-152، الفرقان: 70، الأحزاب: 5 - 59، الفتح: 14]، والأمة الجماعة على المقصد الواحد، ويسمى الواحد أمة إذا كان منفرداً بمقصد، ومنه حديث : قول النبي صلى الله عليه وسلم في قس بن ساعدة: "يحشر يوم القيامة أمة وحده"، وقرأ أبي كعب "كان البشر أمة واحدة"تفسير : ، وقرأ ابن مسعود "كان الناس أمة واحدة فاختلفوا فبعث"، وكل من قدر {الناس} في الآية مؤمنين قدر في الكلام فاختلفوا، وكل من قدرهم كفاراً كانت بعثة {النبيين} إليهم، وأول الرسل على ما ورد في الصحيح في حديث الشفاعة نوح، لأن الناس يقولون له: أنت أول الرسل، والمعنى إلى تقويم كفار وإلا فآدم مرسل إلى بنيه يعلمهم الدين والإيمان، و{مبشرين} معناه بالثواب على الطاعة، و {منذرين} معناه من العقاب على المعاصي، ونصب اللفظتين على الحال، و {الكتاب} اسم الجنس، والمعنى جميع الكتب. وقال الطبري: "الألف واللام في الكتاب للعهد، والمراد التوراة"، و {ليحكم} مسند إلى الكتاب في قول الجمهور. وقال قوم: المعنى ليحكم الله، وقرأ الجحدري "ليُحَكم" على بناء الفعل للمفعول، وحكى عنه مكي "لنحكم". قال القاضي أبو محمد: وأظنه تصحيفاً لأنه لم يحك عنه البناء للمفعول كما حكى الناس، والضمير في {فيه} عائد على {ما} من قوله: {فيما}، والضمير في {فيه} الثانية يحتمل العود على الكتاب ويحتمل على الضمير الذي قبله، والذين أوتوه أرباب العلم به والدراسة له، وخصهم بالذكر تنبيهاً منه تعالى على الشنعة في فعلهم والقبح الذي واقعوه. و {البينات} الدلالات والحجج، و {بغياً} منصوب على المفعول له، والبغي التعدي بالباطل، و {هدى} معناه أرشد، وذلك خلق الإيمان في قلوبهم، وقد تقدم ذكر وجوه الهدى في سورة الحمد، والمراد بــ {الذين آمنوا}. من آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم. فقالت طائفة: معنى الآية: أن الأمم كذب بعضهم كتاب بعض فهدى الله أمة محمد التصديق بجميعها. وقالت طائفة: إن الله هدى المؤمنين للحق فيما اختلف فيه أهل الكتابين من قولهم: إن إبراهيم كان يهودياً أو نصرانياً. وقال ابن زيد: من قبلتهم، فإن قبلة اليهود إلى بيت المقدس والنصارى إلى المشرق، ومن يوم الجمعة فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : هذا اليوم الذي اختلفوا فيه فهدانا الله له، فلليهود غد، وللنصارى بعد غد" تفسير : ، ومن صيامهم وجميع ما اختلفوا فيه. وقال الفراء: في الكلام قلب، واختاره الطبري، قال: وتقديره فهدى الله الذين آمنوا للحق مما اختلفوا فيه. ودعاه إلى هذا التقدير خوف أن يحتمل اللفظ أنهم اختلفوا في الحق فهدى الله المؤمنين لبعض ما اختلفوا فيه وعساه غير الحق في نفسه، نحا إلى هذا الطبري في حكايته عن الفراء. قال القاضي أبو محمد: وادعاء القلب على لفظ كتاب الله دون ضرورة تدفع إلى ذلك عجز وسوء نظر، وذلك أن الكلام يتخرج على وجهه ورصفه، لأن قوله {فهدى} يقتضي أنهم أصابوا الحق، وتم المعنى في قوله {فيه}، وتبين بقوله {من الحق} جنس ما وقع الخلاف فيه. قال المهدوي: "وقدم لفظ الخلاف على لفظ الحق اهتماماً، إذ العناية إنما هي بذكر الاختلاف". قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: وليس هذا عندي بقوي، وفي قراءة عبد الله بن مسعود "لما اختلفوا عنه من الحق" أي عن الإسلام. و {بإذنه} قال الزجّاج: معناه بعلمه، وقيل: بأمره، والإذن هو العلم والتمكين، فإن اقترن بذلك أمر صار أقوى من الإذن بمزية، وفي قوله تعالى: {والله يهدي من يشاء} رد على المعتزلة في قولهم إن العبد يستبد بهداية نفسه. وقوله تعالى: {أم حسبتم} الآية، {أم} قد تجيء لابتداء كلام بعد كلام وإن لم يكن تقسيم ولا معادلة ألف استفهام، وحكى بعض اللغويين أنها قد تجىء بمثابة ألف الاستفهام يبتدأ بها، و {حسبتم} تطلب مفعولين، فقال النحاة {أن تدخلوا} تسد مسد المفعولين لأن الجملة التي بعد {أن} مستوفاة المعنى، ويصح أن يكون المفعول الثاني محذوفاً، تقديره أحسبتم دخولكم الجنة واقعاً، و {لما}، ولا يظهر أن يتقدر المفعول الثاني في قوله {ولمّا يأتكم} بتقدير أحسبتم دخولكم الجنة خلواً من أن يصيبكم ما أصاب من قبلكم، لأن {خلوا} حال، والحال هنا إنما تأتي بعد توفية المفعولين، والمفعولان هما الابتداء والخبر قبل دخول حسب، و {البأساء}: في المال، و {الضراء}: في البدن: و {خلوا} معناه انقرضوا، أي صاروا في خلاء من الأرض. وهذه الآية نزلت في قصة الأحزاب حين حصروا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه في المدينة، هذا قول قتادة والسدي وأكثر المفسرين. وقالت فرقة: نزلت الآية تسلية للمهاجرين الذين أصيبت أموالهم بعدهم في بلادهم وفتنوا هم قبل ذلك، و {مثل} معناه شبه، فالتقدير شبه آتى الذين {خلوا}، والزلزلة شدة التحريك، تكون في الأشخاص وفي الأحوال، ومذهب سيبويه أن "زلزل" رباعي كــ"دحرج". وقال الزجّاج: "هو تضعيف في زل" فيجيء التضعيف على هذا في الفاء، وقرأ الأعمش "وزلزلوا ويقول الرسول" بالواو بدل حتى، وفي مصحف ابن مسعود "وزلزلوا ثم زلزلوا ويقول الرسول"، وقرا نافع "يقولُ" بالرفع، وقرأ الباقون "يقولَ" بالنصب، فـــ {حتى} غاية مجردة تنصب الفعل بتقدير إلى أن، وعلى قراءة نافع كأنها اقترن بها تسبيب فهي حرف ابتداء ترفع الفعل، وأكثر المتأولين على أن الكلام إلى آخر الآية من قول الرسول والمؤمنين، ويكون ذلك من قول الرسول على طلب استعجال النصر لا على شك ولا ارتياب، و {الرسول} اسم الجنس، وذكره الله تعظيماً للنازلة التي دعت الرسول إلى هذا القول، وقالت طائفة: في الكلام تقديم وتأخير، والتقدير حتى يقول الذين آمنوا متى نصر الله فيقول الرسول {ألا إن نصر الله قريب}، فقدم الرسول في الرتبة لمكانته ثم قدم قول المؤمنين لأنه المتقدم في الزمان. قال القاضي أبو محمد: وهذا تحكم، وحمل الكلام على وجهه غير متعذر، ويحتمل أن يكون {ألا إن نصر الله قريب} إخباراً من الله تعالى مؤتنفاً بعد تمام ذكر القول.

ابن عبد السلام

تفسير : {أُمَّةً وَاحِدَةً} على الكفر، أو على الحق، أو آدم ـ عليه الصلاة والسلام ـ كان إمام ذريته فبعث الله ـ تعالى ـ النبيين في ولده. أو يوم الذر لما خرجوا من صلب آدم أقروا بالعبودية ثم اختلفوا، وهم عشرة قرون كانوا بين آدم ونوح على الحق ثم اختلفوا.

الخازن

تفسير : قوله عز وجل: {كان الناس أمة واحدة} أي على دين واحد. وقيل هو آدم وذريته كانوا مسلمين على دين واحد إلى أن قتل قابيل هابيل فاختلفوا. وقيل كان الناس على شريعة واحدة من الحق والهدى من وقت آدم إلى مبعث نوح ثم اختفلوا، فبعث الله نوحاً، وهو أول رسول بعث، ثم بعث بعده الرسل. وقيل هم أهل السفينة الذين كانوا مع نوح وكانوا مؤمنين ثم اختلفوا بعد وفاته. وقيل إن العرب كانت على دين إبراهيم عليه السلام إلى أن غيره عمرو بن لحي. وقيل كانت الناس أمة واحدة حين أخرجوا من ظهر آدم لأخذ الميثاق فقال: ألست بربكم؟ قالوا بلى، فاعترفوا بالعبودية ولم يكونوا أمة واحدة غير ذلك اليوم، ثم لما ظهروا إلى الوجود اختلفوا بسبب البغي والحسد. وقيل إن آدم وحده كان أمة واحدة يعني إماماً وقدوة يقتدى به وإنما ظهر الاختلاف بعده. وقيل كان الناس أمة واحدة على الكفر والباطل بدليل قوله {فبعث الله النبيين} فإن قيل: أليس قد كان فيهم من هو مسلم نحو هابيل وشيث وإدريس ونحوهم؟ فالجواب أن الغالب في ذلك الزمان كان الكفر والحكم للغالب. وقيل إن الآية دلت على أن الناس كانوا أمة واحدة وليس فيها ما يدل على أنهم كانوا على إيمان أو كفر فهو موقوف على دليل من خارج {فبعث الله النبيين} وجملتهم مائة ألف وأربعة وعشرون ألفاً الرسل منهم ثلثمائة وثلاثة عشر المذكورون منهم في القرآن بأسماء الأعلام ثمانية وعشرون نبياً {مبشرين} بالثواب لمن آمن وأطاع {ومنذرين} يعني مخوفين بالعقاب لمن كفر وعصى، وإنما قدم البشارة على الإنذار لأن البشارة تجري مجرى حفظ الصحة للأبدان والإنذار يجري مجرى إزالة المرض، ولا شك أن المقصود هو الأول فكان أولى بالتقديم {وأنزل معهم الكتاب} أي الكتب أو يكون التقدير وأنزل مع كل واحد الكتاب {بالحق} أي بالعدل والصدق وجملة الكتب المنزلة من السماء مائة وأربعة كتب أنزل على آدم عشر صحائف، وعلى شيث ثلاثون، وعلى إدريس خمسون، وعلى موسى عشر صحائف والتوراة، وعلى داود الزبور، وعلى عيسى الإنجيل، وعلى محمد صلى الله عليه وسلم وعليهم القرآن {ليحكم بين الناس} يعني الكتاب وإنما أضيف الحكم إلى الكتاب وإن كان الحاكم هو الله تعالى لأنه أنزله. والمعنى ليحكم الله بالكتاب الذي أنزله وقيل معناه ليحكم بين الناس كل نبي بكتابة المنزل عليه فإسناد الحكم إلى الكتاب أو للنبي مجاز والله هو الحاكم في الحقيقة {فيما اختلفوا فيه} أي في الحق الذي اختلفوا فيه من بعد ما كانوا متفقين عليه {وما اختلف فيه} أي في الحق {إلاّ الذين أوتوه} أي أعطوا الكتاب والمراد به التوراة والإنجيل والذين أوتوه اليهود والنصارى واختلافهم هو تكفير بعضهم بعضاً بغياً وحسداً. وقيل اختلافهم هو تحريفهم وتبديلهم. وقيل الكناية فيه راجعة إلى محمد صلى الله عليه وسلم والمعنى وما اختلف في أمر محمد صلى الله عليه وسلم بعد وضوح الدلالات على صحة نبوته صلى الله عليه وسلم إلاّ اليهود الذين أوتوا الكتاب بغياً منهم وحسداً {من بعد ما جاءتهم البينات} أي الدلالات الواضحات على صحة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم {بغياً بينهم} أي إنهم لم يبق لم عذر في العدول عنه وترك ما جاء وإنما تركوا إتباعه بغياً وحسداً، وهو طلب الدنيا وطلب الرياسة {فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه} أي إلى ما اختلفوا فيه {من الحق} والمعنى فهدى الله الذين آمنوا لمعرفة ما اختلفوا فيه من الحق وقيل هو من المقلوب والمعنى فهدى الله الذين آمنوا للحق الذي اختلفوا فيه وكان اختلافهم الذي اختلفوا فيه الجمعة فهدى الله تعالى هذه الآمة الإسلامية إليها (ق) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : نحن الآخرون السابقون يقوم القيامة أوتوا الكتاب من قبلنا وأوتيناه من بعدهم فهذا اليوم الذي اختلفوا فيه فهدانا الله فغداً لليهود بعد غد للنصارى" تفسير : وفي رواية قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : نحن الآخرون السابقون بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا ثم هذا يومهم الذي فرض الله عليهم فاختلفوا فيه فهدانا الله له" تفسير : زاد النسائي: يعني يوم الجمعة، ثم اتفقا فالناس لنا تبع اليهود غداً والنصارى بعد غد (م) عن حذيفة قال: قال رسول الله صلىالله عليه وسلم: "حديث : أضل الله عن يوم الجمعة من كان قبلنا، فكان لليهود يوم السبت، وللنصارى يوم الأحد، فجاء الله بنا فهدانا ليوم الجمعة فجعل الله الجمعة والسبت والأحد وكذلك هم تبع لنا يوم القيامة نحن الآخرون من أهل الدنيا الأولون يوم القيامة المقضي لهم يوم القيامة قبل الخلائق"تفسير : . وقيل اختلفوا في شأن القبلة فصلت اليهود نحو المغرب إلى بيت المقدس، وصلت النصارى إلى المشرق، وهدانا الله إلى الكعبة. وقيل اختلفوا في الصيام فهدانا الله لشهر رمضان، واختلفوا في إبراهيم فقالت اليهود كان يهودياً، وقالت النصارى كان نصرانياً، فهدانا إلى الحق فقلنا: كان حنيفاً مسلماً. واختلفوا في عيسى ابن مريم فاليهود فرطوا فيه والنصارى أفرطوا فيه، فهدانا الله في ذلك كله للحق. والمعنى فهدى الله الذين آمنوا إلى الحق الذي اختلف فيه من اختلف {بإذنه} يعني بعلمه وأمره وإرادته {والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم}.

ابن عرفة

تفسير : قوله تعالى: {فَبَعَثَ ٱللَّهُ ٱلنَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ...}. دليل على أن النبي أعمّ من الرّسول بناء على الحكم المسند الى مشتق أو موصوف بصفة تقتضي ثبوت ذلك الوصف له حالة ثبوت الحكم، فيقتضي ورود البعث عليهم حال حصول النبوءة فلو كان النبي والرّسول بمعنى واحد للزم تحصيل الحاصل. وقيل الرّسول أعمّ حكاه الغزالي في (الاقتصاد) والشيخ ابن العربي. وقال ابن الصلاح: اختلف المحدثون في جواز نقل الحديث بالمعنى، فقيل يجوز وقيل لا (يجوز) وقيل: إن بدل اسم الرسول بالنبي جاز بخلاف العكس. قال ابن عرفة: الآية دالة على أن الجمع المحلي بالألف واللاّم لا يفيد العموم إذ ليس كل نبي مبعوثا وبدأ بالبشارة لأن الرحمة سبقت غضبه. قوله تعالى: {وَأَنزَلَ مَعَهُمُ ٱلْكِتَابَ...}. قيل لابن عرفة: فهلا قيل: أنزل عليهم الكتاب، كما في سورة النساء {أية : وَأَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ وَٱلْحِكْمَةَ} {أية : إِنَّآ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِمَآ أَرَاكَ ٱللَّهُ}تفسير : لأَنَّكَ تقول: قام زيد مع عمرو، فيقتضي اشتركهما في القيام، والرسل ليسوا منزلين مع الكتاب. قال ابن عرفة: المراد أنزل مع بعثهم والإنزال مصاحب للبعث ولا اشتراك بينهما لأنه معنوي لا يمكن إنزاله وهم من أول بعثهم إلى آخره لايزال الكتاب منزلا عليهم حتى يموتوا. قيل لابن عرفة: هذا كله مجاز فلم عدل عن الحقيقة إليه؟ قلت: وحمله الشيخ ابن القصار على (أمرين): أحدهما: أن "أنزل" بمعنى بعث، فيفيد لفظة الإنزال تشريف الرسل وقومهم بالكتاب الشريف المنزل من أشرف الجهات وهي جهة فوق، ويفيد معنى البعث أن الكتاب مبعوث مع الرسل لقومهم اعتناء بهم وتأكيدا على امتثال أوامره ونواهيه. الثاني: أن يجعل "معهم" حالا من "الكتاب" وقدمت عليه للاهتمام بالمصاحبة. فإن قلت: الكتاب حين إنزاله لم يكن معهم؟ قلنا: هي حال مقدرة لا محصلة. واقتضت الآية الاستدلال بمقدمة منطقية وهو أن يقول: كلما ثبتت الرّسالة لغير محمد صلى الله عليه وسلم ثبتت لمحمد صلى الله عليه وسلم. قال ابن عرفة: وقولهم إن الكتاب هو التوراة باطل بقوله {فَبَعَثَ ٱللَّهُ ٱلنَّبِيِّينَ} لأنّ التوراة ليست منزلة على كل النبيين. قوله تعالى: {لِيَحْكُمَ بَيْنَ ٱلنَّاسِ...}. هذا عندنا (فضل) لا واجب. واستشكل بعض الطلبة فهم الآية لأن قوله {فِيمَا ٱخْتَلَفُواْ} يقتضي تقدم اختلافهم على إنزال الكتاب. قوله تعالى: {وَمَا ٱخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ ٱلَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ ٱلْبَيِّنَاتُ}. يقتضي تأخير اختلافهم عن الإنزال وعدم تقدمه عليه لأنه مقرون بأداة الحصر كما قال في سورة الجاثية {أية : وَآتَيْنَاهُم بَيِّنَاتٍ مِّنَ ٱلأَمْرِ فَمَا ٱخْتَلَفُوۤاْ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ }. تفسير : وهذا كله على قولهم: إن الضمير المجرور في قوله {وَمَا ٱخْتَلَفَ} عائد على ما عاد عليه قوله تعالى: {فِيمَا ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ}. قال ابن عرفة: اختلفوا قبل وبعد. قلت: اختلفوا قبله اختلافا ضعيفا فلما ورد الكتاب والدلائل أعمى الله بصائرهم فاستنبطوا به شبهات كانت سببا في تعنتهم وضلالهم واختلافهم كمن يقرأ أصول الدين ليهتدي فيضل وكان قبل على الصواب فاختلافهم المعتبر إنما هو بعد الآيات وما قبل ذلك لا عبرة له. قلت: فهذا يحسن جوابا والله أعلم، قال الله تعالى {أية : يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً}.تفسير : ووافقني عليه بعضهم وقال: تكون من عود الضمير على اللفظ فقط نحو: عندي درهم ونصفه. قوله تعالى: {فَهَدَى ٱللَّهُ...}. العطف بالفاء إشارة على سرعة هدايته للمؤمنين بعقب الاختلاف فإن يكن اختلافهم في الفروع فيحسن أن يكون {وَمَا ٱخْتَلَفَ فِيهِ} بعض الحق وإن يكن من الاعتقاد فهو كل الحق لا بعضه. قوله تعالى: {لِمَا ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ ٱلْحَقِّ بِإِذْنِهِ...}. قال ابن عرفة: الصّواب أن معناه بقدرته وإن كان مجازا فهو أولى من أن يقال بعلمه أو بأمره ليكون فيه حجة على المعتزلة. قوله تعالى: {وَٱللَّهُ يَهْدِي مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ}. قال ابن عطية: فيها حجة على المعتزلة في قولهم: إن العبد يخلق أفعاله. قال ابن عرفة: هذا بالظاهر لا (بالنظر) ولهم أن يجيبوا بعود ذلك إلى الداعي ووقع الإجماع هنا ومنهم عليه.

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالى: {كَانَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وٰحِدَةً...} الآية: قال ابن عبَّاس: {ٱلنَّاسُ}: القُرُونُ التي كانَتْ بين آدم ونوح، وهي عَشَرةٌ كانوا على الحَقِّ؛ حتى اختلفوا، فبعث اللَّه تعالَىٰ نوحاً فمن بعده، وقال ابنُ عبَّاس أيضاً: {كَانَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وٰحِدَةً}، أي: كفاراً يريد في مدَّة نوحٍ؛ حين بعثه اللَّه. وقال أُبَيُّ بن كعب، وابنُ زَيْد: المرادُ بـ {ٱلنَّاسُ} بنو آدم حين أخرجهم اللَّه نسماً من ظهر آدم، أي: كانوا على الفطْرة، وقيل غير هذا، وكل من قدَّر الناسَ في الآية مؤمنين، قدَّر في الكلام «فَٱخْتَلَفُوا»، وكلُّ من قدَّرهم كفاراً، قدَّر: كانت بعثة النبيِّين إِلَيْهم. والأُمَّة: الجماعة على المَقْصد، ويسمَّى الواحدُ أُمَّةٍ، إِذا كان منفرداً بمَقْصِد، و {مُبَشِّرِينَ}: معناه بالثواب على الطاعةِ، و {مُنذِرِينَ }: بالعقابِ، و {ٱلْكِتَـٰبَ}: اسم الجنَسِ، والمعنَىٰ: جميع الكتب، و {لِيَحْكُمَ }: مسند إِلى الكتاب؛ في قول الجمهور، والذين أوتوه أرباب العلْم به، وخصوا بالذكْر تنبيهاً منه سبحانه علَىٰ عظيمِ الشُّنْعة، والقُبْح، و {ٱلْبَيِّنَـٰتُ}: الدَّلالات، والحججُ، والبغي: التعدِّي بالباطل، وهَدَىٰ: معناه أرشد، والمرادُ بـ {ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ} من آمن بمحمَّد صلى الله عليه وسلم فقالتْ طائفةٌ: معنى الآية أن الأمم كَذَّب بعضهم كتابَ بعض، فَهَدَى اللَّه أمَّة محمَّد صلى الله عليه وسلم للتصديقِ بجمِيعِهَا، وقالتْ طائفة: إِن اللَّه سبحانه هَدَى المؤمنين للحَقِّ فيما ٱختلف فيه أهلُ الكتاب من قولهم: إِنَّ إِبراهيمَ كَانَ يَهُودِيًّا أوْ نَصْرَانِيًّا، قال زيْدُ بن أسلم: وكٱختلافهمْ في يوم الجُمُعَة؛ «حديث : فإِن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: «هذا اليومُ الَّذي اختلفوا فيه، فهَدَانا اللَّه له، فلليهود غَدٌ، وللنصارَىٰ بَعْدَ غد، وفي صيامهمْ، وجميع ما ٱختلفوا فيه» ». تفسير : قال الفَرَّاء: وفي الكلام قلْبٌ، واختاره الطبريُّ، قال: وتقديرُهُ: فهدَى اللَّه الذين آمنوا للحقِّ ممَّا اختلفوا، فيه ودعاه إِلى هذا التقديرِ خوْفُ أن يحتمل اللفظ أنهم اختلفوا في الحَقِّ، فهدى اللَّه المؤمنين لبَعْضِ ما ٱختلفوا فيه، وعَسَاه غير الحق في نَفْسه؛ نحا إِلى هذا الطبريُّ في حكايته عن الفَرَّاء. قال: * ع *: وٱدِّعَاءُ القَلْب على كتابِ اللَّه دُونَ ضرورة تَدْفَعُ إِلى ذلك عَجْزٌ، وسُوء نَظَرٍ. وذلك أنَّ الكلام يتخرَّج على وجهه ورَصْفه؛ لأن قوله: {فَهَدَىٰ } يقتضي أنهم أصابوا الحَقَّ، وتم المعنَىٰ في قوله: {فِيهِ }، وتبيَّن بقوله: {مِنَ ٱلْحَقِّ} جنسُ ما وقع الخلاف فيه، و {بِإِذْنِهِ } قال الزجَّاج: معناه بعِلْمِهِ. * ع *: والإِذن هو العلم، والتمكين، فإِن ٱقْتَرَنَ بذلك أمرٌ، صار أقوَىٰ من الإِذن بمزية. وقوله تعالى: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم...} الآية: أكثر المفسرين أنها نزلَتْ في قصَّة الأحزاب حين حصروا المدينة، وقالَتْ فرقةٌ: نزلَتْ تسليةً للمهاجرين، حين أصيبَتْ أموالهم بعْدَهم، وفيما نَالَهم من أذاية الكَافرينَ لهم. و {خَلَوْاْ}: معناه: ٱنقرضُوا، أي: صاروا في خَلاَءٍ من الأرض، و {ٱلْبَأْسَاءُ} في المال، و {ٱلضَّرَّآءُ} في البدن، و {مَّثَلُ }: معناه شبه، والزَّلْزَلَة: شِدَّة التحريك، تكون في الأشْخَاص والأحوال. وقرأ نافع: «يَقُولُ» بالرفع، وقرأ الباقون بالنَّصْب، وحَتَّىٰ: غايةٌ مجرَّدة تنصبُ الفعل بتقدير «إِلَىٰ أَنْ» وعلى قراءة نافعٍ، كأنها اقترن بها تسبيبٌ، فهي حرفُ ابتداءٍ ترفَعُ الفعلَ. وأكثر المتأوِّلين علَىٰ أن الكلام إِلى آخر الآية من قول الرَّسُول والمؤمنين، ويكون ذلك من قول الرسُولِ علَىٰ طلب ٱستعجالِ النَّصْر، لا على شَكٍّ ولا ٱرتيابٍ، والرسولُ اسم الجنْسِ، وقالتْ طائفةٌ: في الكلامِ تقديمٌ وتأخيرٌ، والتقديرُ: حتَّىٰ يقول الذين آمنوا: مَتَىٰ نَصْرُ اللَّهِ، فيقولَ الرسولُ: ألا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قريبٌ، فقدم الرسولَ في الرتبة؛ لمكانته، ثم قدم قول المؤمنين؛ لأنه المتقدِّم في الزمان. قال: * ع *: وهذا تحكُّم، وحمل الكلام على وجهه غيرُ متعذِّر، ويحتملُ أن يكون: {أَلا إِنَّ نَصْرَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ} إِخباراً من اللَّه تعالى مؤتنفاً بعد تمام ذكْرِ القَوْل.

ابن عادل

تفسير : وجه النظْمِ أنه لما بيَّن أن سبب إصرار الكُفَّار على كُفرهم، هو حُبُّ الدنيا بين في هذه الآية أَن هذا المعنى غير مُختص بهذا الزمان، بل كان حاصلاً في الأَزْمِنة المُتَقادِمة، فَإِنَّهم كانوا أُمةً واحدة على الحق، ثم اختلفُوا، وما كان اختلافُهم إِلاَّ بسبب البغي، والتحاسُد، والتَّنَازُع في طلب الدنيا. قال القفَّال: "الأُمَّةُ" هم المجتمعون على الشَّيء الواحد، يَقتدي بعضُهم ببعض؛ مأخوذٌ من الائتمام. ودَلَّتِ الآيةُ على أَنَّ الناس كانت أُمَّةً واحدةً، ولم تدلَّ على أَنَّهُم كانوا أُمَّةً وَاحدةً: في الحقِّ، أم في الباطل. فصل في معاني كلمة "أمة" قد جاءت الأمة على خمسة أَوْجُهٍ: الأوَّل: "الأُمَّةُ" المِلَّة، كهذه الآية، أي: مِلَّة واحدة، ومثله: {أية : وَإِنَّ هَـٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً}تفسير : [المؤمنون: 52] أي: مِلتكُم. الثاني: الأُمَّةُ الجماعة؛ قال تعالى: {أية : وَمِمَّنْ خَلَقْنَآ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِٱلْحَقِّ}تفسير : [الأعراف: 181] أي: جماعةٌ.: الثالث: الأُمَّةُ السنين؛ قال تعالى: {أية : وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ ٱلْعَذَابَ إِلَىٰ أُمَّةٍ مَّعْدُودَةٍ}تفسير : [هود: 8]، أي: إلى سنين معدودةٍ، ومثله "وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ" أي: بعد سنين. الرابع: بمعنى إمامٍ يُعلِّمُ الخير؛ قال تعالى: {أية : إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلَّهِ}تفسير : [النحل: 120]. الخامس: الأُمَّةُ: إحدى الأُمم؛ قال تعالى: {أية : كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ}تفسير : [آل عمران: 110]، وباقي الكلام على ذلك يأتي في آخرِ "النحل" عند قوله تعالى: {أية : إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً}تفسير : [النحل: 120]. فصل في المراد بالأمة، وهل كانوا على الحق؟ ومتى اختلفوا؟ واختلف المفسِّرُون على خمسة أقوالٍ: القول الأول: أنهم كانوا على الحقِّ، وهو قول أكثر المحققين؛ قال القفَّالُ: لأَنَّهُ تعالى قال بعده: {فَبَعَثَ ٱللَّهُ ٱلنَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ ٱلنَّاسِ فِيمَا ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ} فـ"الفاء" في قوله: "فَبَعَثَ اللَّهُ" تَقْتَضِي أنْ يكونَ بعثهم بعد الاختلافِ، فلو كانوا قبل ذلك أمة واحدة في الكفر لكانت بعثة الرسل قبل الاختلاف أولى؛ لأَنَّهُم لما بعثوا، وبعضُ الأُمَّة محقٌّ وبعضهم مُبطلٌ فلأَنْ يبعثوا عند كون الجميعِ على الكفر أولى. وأيضاً فإن آدم - عليه السَّلام - لما بُعِث إلى أولاده، كانوا مُسلمين مطيعين، ولم يحدث بينهم اختلافٌ في الدِّين، إلى أَنْ قتلَ قَابيلُ هابيل؛ بسبب الحسدِ والبَغِي، وهذا ثابتٌ بالتواتر، فإِنَّ الناس - وهم: آدَمَ وَحَوَّاء، وأولادهما - كانوا أُمَّةً واحدةٌ على الحق، ثُم اختلفُوا؛ بسبب البغي، والحسد، كما حكى الله تعالى عن ابني آدم بالحق {أية : إِذْ قَرَّبَا قُرْبَاناً فَتُقُبِّلَ مِن أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ ٱلآخَرِ}تفسير : [المائدة: 27] وأيضاً قوله - عليه السلام -: "حديث : كُلُّ مَوْلُودٍ يولَدُ على الفِطْرة؛ فأَبواهُ يُهَوِّدَانِهِ أَو يُنصرانه أو يُمَجِّسانه"تفسير : فدلَّ ذلك على أَنَّ المولود لو تُرِك مع فِطْرته الأَصلية، لما كان على شَيْءٍ من الأَدْيان الباطلة، وأَنَّه إِنَّما يُقدمُ على الدين الباطل، لأسبابٍ خارجية. وقال الكلبيُّ: هُم أهلُ سفينةِ نُوح، لما غرقت الأرض بالطوفانِ، لم يَبْقَ إلاَّ أَهْلُ السفينة على الحق، والدِّين الصَّحيح، ثم اختلفُوا بعد ذلك؛ وهذا مما ثَبَتَ بالتَّواتر. وقال مُجاهدٌ: أراد آدَمَ وحده، وكان أُمَّةً واحدة، وسَمَّى الواحد بلفظ الجمع؛ لأَنَّهُ أَصلُ النّسل، وأبُو البشر، وخلق اللَّهُ منه حَوَّاءَ، ونشر منها الناس. قال قتادةُ وعكرمةُ: كان الناسُ مِنْ وقت آدمَ إلى مبعث نُوح، وكان بينهما عشرةُ قرون كُلُّهم على شريعةٍ واحدةٍ من الحق، والهُدَى، ثم اختلفُوا في زمن نوح - عليه السلام - فبعث اللَّهُ إليهم نُوحاً، وكان أَوَّل بني بُعثَ. وحَكَى القرطبيُّ: قال ابنُ أبي خيثمة: منذ خلق اللَّهُ آدم - عليه السلام - إلى أن بعث اللَّه محمداً - صلى الله عليه وسلم - خمسةُ آلافِ سنة وثمانمائة سنة، وقيل: أكثر من ذلك، وكان بينه وبين نُوحٍ ألفُ سنة ومائتا سنة، وعاش آدم تسعمائة وستين سنة، وكان الناس في زمانه أمةً واحدة، على مِلَّةٍ واحدة متمسكين بالدِّين، تُصافحُهم الملائكة، ودَامُوا على ذلك إلى أَن رُفِعَ إدريس - عليه السلام - فاختلفُوا. قال: وهذا فيه نظر؛ لأَنَّ إدريس بعد نُوحٍ على الصحيح. وقيل: كان العربُ على دين إبراهيم إلى أَنْ غيّره عمرو بن لُحَيٍّ. وروى أبو العالية، عن أُبِيٍّ بن كعبٍ قال: "كان النَّاسُ حين عُرِضُوا وأُخرِجُوا مِنْ ظَهْرِ آدَمَ، وأَقرُّوا أُمَّةً واحدة مُسْلِمين كلهم، ولم يكُونُوا أُمَّةً وَاحِدَةً قَطّ غيرَ ذلك اليومِ، ثم اختَلَفُوا بعد آدَمَ. القول الثاني: أَنَّهُم كانُوا أُمَّةً واحدة في الكُفر، وهو قولُ ابنِ عَبَّاسٍ، وعطاء، والحسن. وقال الحسن وعطاء: كان الناس من وَقْتِ وَفَاةِ آدمَ إلى مبعثِ نُوحٍ أُمَّةً واحدة على مِلَّةِ الكُفرِ؛ أَمثَال البَهَائِم، فَبَعثَ اللَّه إبراهيم - عليه السَّلام - وغيرهُ من النبيين، واستدلُّوا بقوله: {فَبَعَثَ ٱللَّهُ ٱلنَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ} وهو لاَ يَليقُ إلا بذلك. وجوابه ما بينا: أَنَّ هذا لا يليقُ بضده، ثم اختلف القائلُون بهذا القول: مَتَى كانوا مُتّفقين على الكُفر على ما قَدَّمنا ثُمَّ سأَلُوا أَنفسهم سُؤالاً وقالوا: أليس فيهم مَنْ كان مُسْلماً كهابيل، وشيث، وإدريس. وأجابوا: بِأنَّ الغالب كان هو الكُفْر، والحُكْمُ للغالب، ولا يعتدُّ بالقليل في الكثير كما لا يعتدُّ بالشعير القليل في البر الكثير، فقد يقال: دار الإسلام، وإِنْ كان فيها غيرُ المسلمين، ودارُ الحرب وإن كان فيها مُسلمون. الثالث: قال أبو مُسلمٍ: كانوا أُمَّةً واحدة في التمسُّك بالشرائع العقلية، وهي الاعترافُ بوجود الصانع، وصِفاتِهِ، والاشتغالُ بخدمته، وشُكْرِ نعمه، والاجتناب عن القبائح العقليَّة كالظُّلم، والكذب، والجهل، والعبث، وأمثالها. واحتجَّ القاضي على صِحَّةِ قوله: بِأَنَّ لفظ النَّبيين يفيدُ العُمُومَ والاستغراقَ، وحرف "الفاء" يُفيدُ التَّراخي، فقوله {فَبَعَثَ ٱللَّهُ ٱلنَّبِيِّينَ} يفيد أنَّ بعثةَ الأنبياء كانت مُتأخرة عن كون الناس أُمَّةً واحدة، فتلك الواحدةُ المتقدمةُ على بعثة جميع الشرائع، لا بُدَّ وأَنْ تكون واحدة في شرعة غير مُسْتفَادةٍ من الأَنبياء فواجب أن تكون في شريعة مستفادة من العقل وذلك ما بَيَّنَّاهُ، وأيضاً فالعلم بحسن شُكر المُنْعِم، وطاعة الخالق، والإحسان إلى الخَلْقِ، والعَدلُ؛ مُشْتَركٌ فيه بين الكُلّ، والعِلْمُ يُقبح الكذب، والظِّلم، والجهْل، والعبث، وأمثالها مشترك فيه بين الكل، فالأظهر أَنَّ الناس كانُوا في أَوَّل الأمر على ذلك، ثم اختلفُوا بعد ذلك؛ لأَسباب منفصلة، ثم قال: فإنْ قيل: أليس أوَّل الإسلام آدَم - عليه الصلاة والسلام - مع أولاده كانوا مُجتمعين على التَّمسك بالشرائع العقلية أَوَّلاً، ثم إِنَّ اللَّهَ تعالى بعثهُ بعد ذلك إلى أولاده، ويُحْتَملُ أَنْ صار شرعُهُ مندرِساً بعد ذلك، ثم رجع الناسُ إلى الشرائعِ العقلية؟ قال ابنُ الخطيب: وهذا القولُ لا يصحُّ إلاَّ بعد تحسين العقل، وتقبيحه، والكلام فيه مشهور. القول الرابع: أنَّ الآية دلَّت على أَنَّ الناس كانوا أُمَّةً واحدة، وليس فيها أَنَّهم كانوا على الإيمان، أو على الكُفر، فهو موقوفٌ على الدَّليل. القول الخامس: أَنَّ المراد بـ"النَّاسِ" هنا أهْلُ الكتاب مِمَّن آمَنَ بِمُوسَى - عليه السلام - وذلك لأَنَّا بينا أَنَّ هذه الآية متعلقةٌ بما تقدم من قوله: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱدْخُلُواْ فِي ٱلسِّلْمِ كَآفَّةً}تفسير : [البقرة: 208] وذكرنا أَنَّ كثيراً من المفسرين زعمُوا أَنْ تلك الآية نزلت في اليهودِ؛ فقوله تعالى: {كَانَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً} أي: كان الذين آمنوا بموسى أُمَّةً واحدة على دين واحدٍ، ثم اختلفُوا بسبب البغي، والحسد؛ فبعثَ الله النبيِّين، وهم الذين جاءُوا بعد موسى - عليه السلام - وأنزل معهم الكتاب كما بُعِث الزبور إلى دواد، والإنجيل إلى عيسى، والفرقانُ إلى محمد - عليه الصلاة والسلام - لتكون تلك الكتب حاكمةً عليهم في تلك الأشياء التي اختلفوا فيها، وهذا القولُ مطابقٌ لنظم الآية، وموافقٌ لما قبلها وما بعدها، وليس فيه إشكالٌ إلاَّ أَنَّ تخصيص لفظ الناس بقومٍ معينين خلاف الظَّاهر، ويُعتذَرُ عنه بأن الألفَ واللاَّمَ كما تكون للاستغراق، فقد تكونُ أيضاً لِلْعَهد. فصل في بيان لفظة "كان" قال القرطبيُّ: لفظة "كَانَ" على هذه الأقوال على بابها من المُضِيّ المنقضي، وكل من قدّر الناسَ في الآية مُؤمنين قدّر في الكلام: فاختلفُوا، فبعث اللَّه، ويدُلُّ على هذا الحذف قوله: {وَمَا ٱخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ ٱلَّذِينَ أُوتُوهُ} وكل مَنْ قَدَّرهم كُفَّاراً كانت بعثهُ النبيين إليهم، ويحتملُ أن تكونَ "كان" لِلثّبُوت، والمرادُ الإخبارُ عن الناس الذين هم الجِنْس كله: أنهم أمةٌ واحدةٌ من خُلُوِّهم عن الشرائع، وجهلهم بالحقائق لولا أَنَّ اللَّهَ تعالى مَنَّ عليهم بالرسُل؛ تفضلاً منه؛ فعلَى هذا لا تختصُّ "كان" بالمُضِيِّ فقط، بل يكونُ مَعناها كقوله تعالى: {أية : وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً}تفسير : [النساء: 96] وقوله: {فَبَعَثَ ٱللَّهُ ٱلنَّبِيِّينَ} قال بعضُ المفسرين: وجملتهم مائةٌ وأربعةُ وعشرون ألفاً، والرسل منهم ثلاثمائةٍ وثلاثة عشر، والمَذكُور في القرآنِ بأسمائِهم: ثمانيةَ عشر نَبِيّاً. قوله تعالى: "مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرينَ" حالان من "النَّبِيِّينَ". قيل: وهي حالٌ مُقارنةٌ؛ لأنَّ بعثَهُم كان وقت البشارةِ والنِّذارةَ وفيه نظرٌ؛ لأنَّ البِشَارةَ والنِّذَارةَ [بعدَ البعث. والظاهرُ أنها حالٌ مُقَدِّرَةٌ، وقد تقدَّمَ معنى البشارة والنذارةِ] في قوله: {أية : أَنذِرِ ٱلنَّاسَ وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوۤاْ}تفسير : [يونس: 2]. وقوله: "وَأَنْزَلَ مَعهُمُ" هذا الظرفُ فيه وجهان: أحدهما: أنه مُتعلِّقٌ بأنزل. وهذا لا بُدَّ فيه مِنْ تأويل؛ وذلك أَنَّه يلزمُ مِنْ تعلُّقِه بأنزل أَنْ يكون النبيون مصاحبين للكتاب في الإِنزال، وهم لا يُوصَفُون بذلك؛ لعدمه فيهم. وتأويلُهُ: أنَّ المراد بالإِنزال الإِرسالُ، لأَنَّهُ مُسَبَّبٌ عنه، كأنَّهُ قيل: وأرسل معهم الكتاب فتصحُّ مشاركتهم له في الإِنزالِ بهذا التَّأويل. والثاني: أَنْ يتعلَّقَ بمحذوفٍ، على أنه حالٌ من الكتاب، وتكونُ حالاً مُقدرةً، أي: وأنزل مقدِّراً مصاحبته إياهم، وقدَّره أبو البقاء بقوله: "شَاهِداً لَهُمْ وَمُؤيِّداً"، وهذا تفسيرُ معنىً لا إعرابٍ. والألِفُ واللامُ في "الكِتَابِ" يَجُوزُ أَنْ تكونَ للعهدِ، بمعنى أَنَّه كتابٌ معينٌ؛ كالتوراة مثلاً، فإنها أنزِلت على مُوسى، وعلى النَّبيِّين بعده؛ بمعنى أنَّهَم حَكَموا بها، واستدامُوا على ذلك، وأَنْ تكونَ للجنس، أي: أنزل مع كلِّ واحدٍ منهم من هذا الجنس. قال القاضي: ظاهرُ الآيةِ يدلُّ على أَنَّه لا نَبيَّ إِلاَّ ومعه كتابٌ، أنزل فيه بيانُ الحق: طال ذلك الكتابُ، أم قصُرَ، ودُوِّنَ، أَو لَمْ يُدَوَّن، وكان ذلك الكتابُ مُعجزاً، أَمْ لم يكن. وقيل: هو مفردٌ وُضِعَ موضع الجمع: أي وأَنزلَ معهم الكُتُبَ، وهو ضعيفٌ. وهذا الجُملة معطوفةٌ على قوله: "فَبَعَثَ" ولا يُقالُ: البشارةُ والنِّذارةُ ناشئةٌ عن الإِنزال فكيف قُدِّما عليه؟ لأَنَّا لا نُسَلِّم أنَّهما إنما يَكُونان بإنزال كتابٍ، بل قد يكونان بوحي من اللَّهِ تعالى غير مَتلُوٍّ ولا مكتُوبٍ. ولئن سَلَّمنا ذلك، فإنَّما قُدِّما، لأنهما حالان من "النَّبيِّينَ" فالأَوْلَى اتِّصالهم بهم. قوله: "بالحقِّ" فيه ثلاثةُ أوجهٍ: أحدها: أن يكون متعلِّقاً بمحذوفٍ على أنه حالٌ من الكتاب - أيضاً - عند مَنْ يُجَوِّزُ تعدُّدَ الحال، وهو الصحيحُ. والثاني: أَنْ يتعلَّق بنفس الكتاب؛ لما فيه من معنى الفعلِ، إذ المرادُ به المكتوبُ. والثالث: أَنْ يتعلَّقَ بأنزلَ، وهذا أولى؛ لأنَّ جعله حالاً لا يَسْتَقِيم إِلاَّ أَنْ يكونَ حالاً مُؤكدةً، إِذْ كُتُبُ اللَّهِ تعالى لا تكون ملتبسةً بالحقِّ، والأصلُ فيها أَنْ تكونَ مْستقلَّةً ولا ضرورة بنا إلى الخروج عن الأصل، ولأنَّ الكتاب جارٍ مَجرى الجوامد. قوله: "لِيَحْكُمَ" هذا القول متعلقٌ بقوله: "أَنْزَلَ": واللامُ لِلْعله، وفي الفاعل المضمر في "لِيَحْكُمْ" ثلاثةُ أقوال: أحدها: وهو أظهرها، أنه يعودُ على اللَّهِ تعالى: لتقدُّمه في قوله: "فَبَعَثَ اللَّهُ" ولأنَّ نسبة الحُكْم إليه حقيقةٌ، ويؤيِّده قراءةُ الجحدري فيما نقله عنه مكّي "لِنَحْكُمَ" بنون العظمة، وفيه التفاتٌ من الغيبة إلى التكلُّم. وقد ظَنَّ ابنُ عطية أن مكياً غلط في نقل هذه القراءة عنه، وقال: إنَّ الناسَ رَوَوْا عن الجَحْدَري: "لِيُحْكَمَ" على بناءِ الفعل للمفعول وفي "النُّورِ" موضعين هنا، وفي "آل عمران" ولا ينبغي أن يُغَلِّطه؛ لاحتمال أَنْ يكون عنه قراءتان. والثاني: أنه يعودُ على "الكِتاب" أي: ليحْكُم الكتابُ، ونسبةُ الحُكْم إليه مجازٌ؛ كنسبةِ النُّطق إليه في قوله تعالى: {أية : هَـٰذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِٱلْحَقِّ}تفسير : [الجاثية: 29]. وقوله: {أية : إِنَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ ٱلْمُؤْمِنِينَ}تفسير : [الإسراء: 9]. ونسبةُ القضاءِ إليه في قوله: [الكامل] شعر : 1037 - ضَرَبَتْ عَلَيْكَ العَنْكَبُوتُ بِنَسْجِهَا وَقَضَى عَلَيْكَ بِهِ الْكِتَابُ المُنْزَلُ تفسير : ووجهُ المجاز: أنَّ الحُكم فيه؛ فنُسب إليه، وقيل: إنه يعود على النَّبيِّ، واستضعفه أبو حيَّان من حيثُ إفرادُ الضمير، إذ كان ينبغي على هذا أن يجمع؛ ليطابق "النَّبيِّينَ". ثُمَّ قال: وَمَا قاله جائِزٌ عَلَى أن يَعُودَ الضميرُ على إفراد الجمع، على معنى: لِيَحْكُمَ كُلُّ نَبِيٍّ بكتابه. و"بَيْنَ" مُتَعلِّقٌ بـ"يَحْكُمَ". والظَّرفيةُ هنا مجازٌ. وكذلك "فِيمَا اخْتَلَفُوا" مُتعلقٌ به أيضاً. و"مَا" موصولةٌ، والمرادُ بها الدِّينُ، أي: ليحكم اللَّهُ بين الناسِ في الدِّين، بعد أَنْ كانُوا مُتفقين عيه. ويضعُفُ أَنْ يْرَادَ بـ"ما" النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -؛ لأنها لغير العقلاء غالباً. و"فِيهِ" متعلِّقٌ بـ"اخْتَلَفُوا"، والضميرُ عائدٌ على "ما" الموصولة. قوله: {وَمَا ٱخْتَلَفَ فِيهِ} الضميرُ في "فِيهِ" فيه أوجهٌ. أظهرها: أنه عائدٌ على "ما" الموصولةِ أيضاً، وكذلك الضميرُ في "أُوتُوهُ" وقيل: يعودان على الكتاب، أي: وما اختلف في الكتابِ إِلاَّ الَّذين أُوتُوا الكتاب. وقيل: يعودان على النبيِّ، قال الزَّجَّاجُ: أي: وما اختلف في النبيّ إِلاَّ الذين أُوتُوا عِلْمَ نبوَّته. وقيل: يعودُ على عيسى؛ للدلالة عليه. وقيل: الهاءُ في "فِيهِ" تعود على "الحقِّ" وفي "أوتُوه" تعود على "الكتاب" أي: وما اختلف في الحقِّ إِلاَّ الذين أُوتُوا الكتاب. فصل والمراد باختلافهم يحتملُ معنيين: أحدهما: تكفير بعضهم بعضاً؛ كقول اليهود: {أية : وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ لَيْسَتِ ٱلنَّصَارَىٰ عَلَىٰ شَيْءٍ}تفسير : [البقرة: 113] أو قولهم {أية : نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ}تفسير : [النساء: 150] والآخر: تحريفهم وتبديلهم، وهذا يدُلُّ على أَنَّ الاختلاف في الحقِّ لم يُوجد إِلاَّ بعد بعثة الأنبياء، وإنزالِ الكتابِ، وذلك يُوجِبُ أَنَّ قبل البعثة لم يكن الاختلاف في الحقِّ حاصلاً، بل كان الاتفاق في الحق حاصلاً وهو يدل على أَنَّ قوله تعالى: {كَانَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً} معناه أمه واحدة في دِينِ الحَقِّ. وقوله: "مِنْ بعدِ" فيه وجهان: أحدهما وهو الصحيحُ: أن يتعلَّقَ بمحذوفٍ تقديره: اختلفوا فيه من بعد. والثاني: أن يتعلّق بـ"اخْتَلَفَ" الملفوظ به، قال أبو البقاء: ولا تمنعُ "إلاَّ" من ذلك، كما تقول: "ما قام إلاَّ زيدٌ يومَ الجُمُعَةِ". وهذا الذي أَجازه أبُو البقاء، فيه كَلاَمٌ كثيرٌ للنُّحاة، وملخَّصُه: أَنَّ "إِلاَّ" لا يُستَثْنَى بها شيئان دُونَ عطفٍ أَوْ بدليةٍ؛ وذلك أنَّ "إلاَّ" معدِّيةٌ للفعل، ولذلك جاز تعلُّقُ ما بعدها بما قبلها، فهي كواو مَعَ وهمزة التعدية، فكما أَنَّ واو "مع" وهمزة التَّعدية، لا يُعَدِّيان الفعل لأكثرَ من واحدٍ، إلاَّ مع العطفِ، أو البدليةِ كذلك "إِلاَّ" وهذا هو الصَّحِيحُ، وإنْ كان بعضهم خالف. فإن وَرَدَ من لسانهم ما يوهم جواز ذلك يُؤَوَّل، فمنه قوله: {أية : وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِيۤ إِلَيْهِمْ}تفسير : [يوسف: 109]. ثم قال "بِالْبَيِّناتِ" فظاهر هذا أَنَّ "بالبيناتِ" مُتَعلِّقٌ بأرسلنا، فقد استُثْنِي بـ"إلاَّ" شيئان، أحدهما "رِجَالا" والآخرُ "بالبينات". وتأويلهُ أنَّ "بالبَيِّناتَ" متعلِّقٌ بمحذوفٍ، لئلا يلزم منه ذلك المحذورُ. وقد منع أبو الحسن، وأبو عليّ: "مَا أخَذَ أَحَدٌ إِلاَّ زيدٌ دِرْهماً" و "ما ضربَ القومُ إلا بعضُهم بَعْضاً" واختلفا في تصحيحها، فقال أبو الحسن: طريقُ تَصْحيحِها بأَنْ تُقَدِّم المرفوع الذي بعد "إِلاَّ" عليها، فيقال: ما أخذَ أحدٌ زيدٌ إلا دِرْهَماً، فيكونُ "زيدٌ" بدلاً من "أَحَدٌ" و "دِرْهَماً" مستثنى مفرغٌ من ذلك المحذوف، تقديره: "ما أخذ أَحَدٌ زيدٌ شيئاً إلا دِرْهماً". وقال أبو عليٍّ: طريقُ ذلك زيادةُ منصوبةٍ في اللَّفظ فيظهرُ ذلك المقدَّرُ المستثنى منه، فيقال: "ما أَخَذَ أحدٌ شيئاً إلا زيدٌ درهماً" فيكونُ المرفوع بدلاً من المرفوع، والمنصوبُ بدلاً من المنصُوب، وكذلك: ما ضَرَبَ القومُ أحداً إِلاَّ بعضُهم بعضاً. وقال أبو بكر بن السَّرَّاج: تقولُ "أَعْطَيْتُ الناسَ دِرْهماً إلا عَمْراً" [جائِزٌ. ولو قُلْتَ: "أعطيتُ الناسَ دِرْهَماً إلا عَمْراً] الدنانير لم يَجُزْ، لأنَّ الحرف لا يُسْتثنى به إِلاَّ واحِدٌ. فإنْ قُلْتَ: "ما أَعْطَيْتَ الناسَ دِرْهَماً إِلاَّ عَمْراً دَانِقاً" [على الاستثناء لم يَجُزْ، أَوْ على البدلِ جاز فَتُبدل "عمراً" من النَّاسِ، و"دانِقاً" من "دِرْهماً". كأنك قُلتَ: "ما أعطيتُ إلاَّ عَمْراً دانقاً] يعني أنَّ الحصرَ واقعٌ في المفعولين. قال بعض المُحقِّقين: "وما أجازه ابن السراج من البدل في هذه المسألة، ضعيفٌ؛ وذلك أنَّ البدلَ في الاستثناء لا بُدَّ مِنْ مُقارنتِهِ بـ"إلاَّ"، فَأَشْبَهَ العطف، فكما أَنَّهُ لا يقعُ بعد حرف العطف معطوفانِ، لا يقعُ بعد إلاَّ بَدَلاَنِ". فإذا عُرِفَ هذا الأصلُ، وما قال الناسُ فيه، كان إعرابُ أَبِي البقاء في هذه الآيةِ الكريمة، مِنْ هذا الباب؛ وذلك أنه استثناءٌ مفرَّغٌ، وقد وقع بعدَ "إلاَّ" الفاعلُ، وهو "الَّذِينَ"، والجارُّ والمَجرُور، وهو "مِنْ بعد"، والمفعولُ مِنْ أَجلِهِ، وهو "بَغياً" فيكونُ كلٌّ منهما محصوراً. والمعنى: وما اختلفَ فيه إلا الذين أُوتوه إلاَّ منْ بعد ما جَاءَتْهُم البيناتُ إلا بَغياً. وإذا كان التقديرُ كذلك، فقد استُثْنِي بـ"إلاَّ" شيئان دُونَ الأولِ الذي هو فاعلٌ مِنْ غير عطف ولا بدليةٍ وهي مسألةٌ يكثر دورها؟ قوله: "بَغْياً" في نصبه وجهان: أظهرهما: أنه مفعولٌ من أجله، لاستكمال الشُّرُوط، وهو علةٌ باعثةٌ، والعامِلُ فيه مُضمرٌ على ما اخترناه، وهو الذي تُعلِّقُ به "فِيهِ"، و "اخْتَلَفَ" الملفوظُ به عند من يرى أنَّ "إلاَّ" يُستثنى بها شيئان. والثاني: أنه مصدرٌ في محلِّ حالٍ، أي: باغين، والعامِلُ فيها ما تقدَّمَ. و"بينهم" متعلقٌ بمحذوفٍ؛ لأنه صِفَةٌ لـ"بَغْياً" أي: بَغْياً كائناً بينهم. فصل قوله: {مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ ٱلْبَيِّنَاتُ} يقتضي أَن يكون إيتاءُ اللَّهِ تعالى إيَّاهم الكتاب كان بعد مجيء الآيات البَيِّنات، فتكونُ هذه البينات مُغايرةً - لا محالة - لإِيتاءِ الكتاب؛ وهذه البيناتُ لا يمكن حملها على شيءٍ سوى الدلائل العقليَّة التي نصبها اللَّهُ - تعالى - على إثبات الأُصول التي لا يمكن القول بالنبوة إلاَّ بعد ثُبوتها؛ وذلك لأَنَّ المتكلِّمين يقولون: كلُّ ما لا يصحُّ إثباتُ النبوة إلاَّ بثبوته، فذلك لا يمكن إثباته بالدلائل السَّمعيَّة، وإلاَّ وقع الدور. وقال بعض المفسرين: المراد "بالبيناتِ" صفة محمد - صلى الله عليه وسلم - في كتبهم. قول فهدى اللَّهُ الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق "لِما" متعلِّقٌ بـ"هَدَى" و"ما" موصولةً ومعنى هذا أي: أرشد إلى ما اختلفوا فيه؛ كقوله تعالى: {أية : يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ}تفسير : [المجادلة: 3]، أي: إلى ما قالوا. ويقال: هديته الطريق وللطريق وإلى الطريق والضمير في "اخْتلفُوا" عائدٌ على "الذين أُوتُوه" وفي "فِيهِ" عائدٌ على "ما"، وهو متعلِّقٌ بـ"اخْتَلَفَ". و"مِن الحَقِّ" مُتَعلِّقٌ بمحذوفٍ؛ لأنه في موضعِ الحالِ من "ما" في "لمِا" و "مِنْ" يجوزُ أَنْ تكونَ للتبعيض، وأَنْ تكونَ للبيانِ عند مَنْ يرى ذلك، تقديره: الذي هو الحقّ. وأجاز أبو البقاء أَنْ يكونَ "مِنَ الحقِّ" حالاً من الضمير في "فيه"، والعامِلُ فيها "اختلفوا" فإن قيل لم قال هداهم فيما اختلفُوا فيه، وعساهُ أن يكون غير حقٍّ في نفسه قال: "والقَلْبُ في كتابِ اللَّهِ دُونَ ضرُورةٍ تدفعُ إليه عَجْزٌ وسُوءُ فَهْمٍ" انتهى. قال شهاب الدِّين: وهذا الاحتمالُ الذي جعله ابنُ عطية حاملاً للفرَّاءِ على ادِّعاء القلب، لا يُتوهَّمُ أصلاً. قوله "بإذنِهِ" فيه وجهان: أحدهما: أَن يتعلَّقَ بمحذوفٍ، لأنه حالٌ من "الَّذِينَ آمَنُوا"، أي: مأذوناً لهم. والثاني: أَنْ يكون متعلِّقاً بهدى مفعولاً به، أي: هداهم بأمره. قال الزَّجَّاج: المراد من الإذن - هنا - العلم، أي: بعلمه، وإرادته فيهم، وقيل بأمره، أي: حصلت الهداية بسبب الأمر؛ كما يقال: قطعت بالسِّكِّين. وقيل: لا بُدَّ فيه مِنْ إضمار، تقديره: هداهم فاهتدوا بإذنه. فصل فيما اختلف فيه أهل الكتاب وهدانا الله إليه قال ابن زيدٍ: هذه الآية في أهل الكتاب، اختلفوا في القبلة فصلّت اليهود إلى بيت المقدس، والنصارى إلى المشرق؛ فهدانا اللَّهُ للكعبة، واختلفوا في الصيام؛ فهدانا الله لشهر رمضان واختلفوا في الأَيام، فأخذت اليهودُ السَّبت، والنَّصارى الأحد؛ فهدانا اللَّهُ للجمعة، واختلفوا في إبراهيم، فقالت اليهود: كان يهوديّاً، وقالت النصارى: كان نصرانيّاً. فقلنا: إِنَّه كان حنيفاً مسلماً، واختلفوا في عيسى: فاليهود فرَّطُوا، والنَّصارى أفرطوا؛ فهدانا اللَّهُ للحقِّ فيه. فصل في احتجاج بعضهم بالآية على أن الإيمان مخلوق والرد عليه. تمسَّك بعضهم بهذه الآية على أَنَّ الإيمان مخلوقٌ لله تعالى، وهو ضعيفٌ؛ لأن الهداية غير الاهتداء كما أَنَّ الهداية إلى الإيمان غير الإيمان، وأيضاً فإنه قال في آخر الآية: "بِإِذْنِهِ" ولا يمكن صرف هذا الإذن إلى قوله: "فَهَدَى اللَّهُ" إذ لا جائز أن يأذن لنفسه، فلا بُدَّ من إضمار لصرف الإذن إليه، والتقدير: "فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لمَا اخْتَلَفُوا فيه مِنَ الحَقِّ - فاهتدوا - بِإِذْنِهِ" وإذا كان كذلك، كانت الهداية مغايرةً للإِهتداء. فصل احتج الفقهاء بهذه الآية على أَنَّ الله - تعالى - قد يخصُّ المؤمن بهداياتٍ لا يفعلها في حقِّ الكافر. وأجاب عنه المعتزلة بوجوه: أحدها: أنهم اختصُّوا بالاهتداء، فهو كقوله: {أية : هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ}تفسير : [البقرة: 2] ثم قال {أية : هُدًى لِّلنَّاسِ}تفسير : [البقرة: 185]. وثانيها: أن المراد الهداية إلى الثواب وطريق الجنَّة. وثالثها: هداهم إلى الحقِّ بالأَلطافِ. قوله: {وَٱللَّهُ يَهْدِي مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} والكلام فيها مع المعتزلة كالتي في قبلها.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو يعلى والطبراني بسند صحيح عن ابن عباس قال ‏ {‏كان الناس أمة واحدة‏} ‏ قال‏:‏ على الإِسلام كلهم‏.‏ وأخرج البزار وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم عن ابن عباس قال‏:‏ كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على شريعة من الحق، فاختلفوا فبعث الله النبيين قال‏:‏ وكذلك هي في قراءة عبد الله ‏{‏كان الناس أمة واحدة فاختلفوا‏}‏ ‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي بن كعب قال‏:‏ كانوا أمة واحدة حيث عرضوا على آدم، ففطرهم الله على الإِسلام وأقروا له بالعبودية، فكانوا أمة واحدة مسلمين، ثم اختلفوا من بعد آدم‏.‏ وأخرج وكيع وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد ‏ {كان الناس أمة واحدة‏}‏ قال‏:‏ آدم‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي أنه كان يقرأها ‏{‏كان الناس أمة واحدة فاختلفوا فبعث الله النبيين‏} ‏ وإن الله إنما بعث الرسل، وأنزل الكتاب، بعد الاختلاف ‏ {‏وما اختلف فيه إلاَّ الذين أوتوه‏}‏ يعني بني إسرائيل أوتوا الكتاب والعلم ‏ {‏بغياً بينهم‏} ‏ يقول‏:‏ بغياً على الدنيا وطلب ملكها وزخرفها أيهم يكون له الملك والمهابة في الناس، فبغى بعضهم على بعض، فضرب بعضهم رقاب بعض، ‏ {‏فهدى الله الذين آمنوا‏} ‏ يقول‏:‏ فهداهم الله عند الاختلاف أنهم أقاموا على ما جاءت به الرسل قبل الاختلاف، أقاموا على الإِخلاص لله وحده وعبادته لا شريك له، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، واعتزلوا الاختلاف، فكانوا شهداء على الناس يوم القيامة، على قوم نوح، وقوم هود، وقوم صالح، وقوم شعيب، وآل فرعون، وأن رسلهم بلغتهم، وأنهم كذبوا رسلهم‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس ‏ {‏كان الناس أمة واحدة‏}‏ قال‏:‏ كفارا‏ً.‏ وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي هريرة في قوله ‏{‏فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه‏} ‏ قال‏:‏ قال النبي صلى الله عليه وسلم‏"حديث : ‏نحن الأولون والآخرون. الأوّلون يوم القيامة، وأول الناس دخولاً الجنة بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا وأوتيناه من بعدهم، فهدانا الله لما اختلفوا فيه من الحق، فهذا اليوم الذي اختلفوا فيه فهدانا الله، فالناس لنا فيه تبع، فغداً لليهود، وبعد غد للنصارى، وهو في الصحيح بدون الآية‏ ‏"‏‏. تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن جريج قال‏:‏ كان بين آدم ونوح عشرة أنبياء، ونشر من آدم الناس فبعث فيهم النبيين مبشرين ومنذرين‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة قال‏:‏ ذكر لنا أنه كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على الهدى وعلى شريعة من الحق، ثم اختلفوا بعد ذلك فبعث الله نوحاً، وكان أول رسول أرسله الله إلى الأرض، وبعث عند الاختلاف من الناس وترك الحق، فبعث الله رسله وأنزل كتابه يحتج به على خلقه‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم في قوله ‏{‏فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه‏}‏ فاختلفوا في يوم الجمعة فأخذ اليهود يوم السبت والنصارى يوم الأحد، فهدى الله أمة محمد بيوم الجمعة. واختلفوا في القبلة، فاستقبلت النصارى المشرق، واليهود بيت المقدس، وهدى الله أمة محمد للقبلة، واختلفوا في الصلاة، فمنهم من يركع ولا يسجد، ومنهم من يسجد ولا يركع، ومنهم من يصلي وهو يتكلم، ومنهم من يصلي وهو يمشي، فهدى الله أمة محمد للحق من ذلك. واختلفوا في الصيام، فمنهم من يصوم النهار، ومنهم من يصوم عن بعض الطعام، فهدى الله أمة محمد للحق من ذلك‏.‏ واختلفوا في إبراهيم، فقالت اليهود‏:‏ كان يهودياً، وقالت النصارى‏:‏ كان نصرانياً‏.‏ وجعله الله حنيفاً مسلماً، فهدى الله أمة محمد للحق من ذلك‏.‏ واختلفوا في عيسى، فكذبت به اليهود وقالوا لأمه بهتاناً عظيماً، وجعلته النصارى إلهاً وولداً، وجعله الله روحه وكلمته، فهدى الله أمة محمد للحق من ذلك‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن السدي قال في قراءة ابن مسعود‏:‏ ‏ {‏فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا عنه‏} ‏ يقول‏:‏ اختلفوا عن الإِسلام‏.‏ وأخرج ابن جرير عن الربيع قال‏:‏ في قراءة أبي بن كعب ‏ {‏فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا من الحق فيه بإذنه ليكونوا شهداء على الناس يوم القيامة والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم‏} ‏ فكان أبو العالية يقول‏:‏ في هذه الآية يهديهم للمخرج من الشبهات والضلالات والفتن‏.‏

ابو السعود

تفسير : {كَانَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وٰحِدَةً} متَّفقين على كلمة الحقِّ ودينِ الإسلام، وكان ذلك بـين آدمَ وإدريسَ أو نوحٍ عليهم السَّلام أو بعدَ الطوفان {فَبَعَثَ ٱللَّهُ ٱلنَّبِيّينَ} أي فاختلفوا فبَعَثَ إلخ، وهي قراءةُ ابنِ مسعودٍ رضي الله عنه وقد حُذف تعويلاً على ما يُذكر عَقيبه {مُبَشّرِينَ وَمُنذِرِينَ} عن كعب: الذي علمتُه من عدد الأنبـياء عليهم السَّلام مائةٌ وأربعةٌ وعشرون ألفاً، والمرسَلُ منهم ثلثُمائةٍ وثلاثة عشرَ، والمذكورُ في القرآن ثمانيةٌ وعشرون، وقيل كان الناسُ أمَّةً واحدةً متَّفقةً على الكفر والضلال في فترة إدريسَ أو نوحٍ فبعث اللَّهُ النبـيـين فاختلفوا عليهم والأولُ هو الأنسبُ بالنظم الكريم {وَأَنزَلَ مَعَهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ} أي جنسَ الكتابِ أو مع كلِّ واحدٍ منهم ممن له كتابٌ كتابُه الخاصُّ به لا مع كل واحد منهم على الإطلاق إذ لم يكنْ لبعضهم كتابٌ وإنما كانوا يأخُذون بكتب مَن قبلَهم، وعمومُ النبـيـين لا ينافي خصُوصَ الضمير العائد إليه بمعونة المقام {بِٱلْحَقّ} حال من الكتاب أي ملتبساً بالحق أو متعلق بأنزل كقوله عزَّ وعلاَّ: {أية : وَبِٱلْحَقّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِٱلْحَقّ نَزَلَ}تفسير : [الإسراء، الآية 105] {لِيَحْكُمَ} أي الكتابُ أو الله سُبحانه وتعالى أو كلُّ واحد من النبـيـين {بَيْنَ ٱلنَّاسِ} أي المذكورين، والإظهارُ في موضع الإضمارِ لزيادة التعيـين {فِيمَا ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ} أي في الحق الذي اختلفوا فيه أو فيما التَبَس عليهم. {وَمَا ٱخْتَلَفَ فِيهِ} أي في الحق أو في الكتاب المُنْزل ملتبساً به، والواوُ حالية {إِلاَّ ٱلَّذِينَ أُوتُوهُ} أي الكتابَ المنزلَ لإزالة الاختلاف وإزاحةِ الشقاق، والتعبـيرُ عن الإنزال بالإيتاء للتنبـيه من أول الأمرِ على كمال تمكُّنِهم من الوقوف على ما في تضاعيفه من الحق فإن الإنزالَ لا يفيد تلك الفائدةَ أي عكسوا الأمرَ حيث جعلوا ما أُنزل لإزالة الاختلافِ سبباً لاستحكامه ورسوخِه {مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ ٱلْبَيِّنَـٰتُ} أي رَسَخَتْ في عقولهم و(مِنْ) متعلِّقة بمحذوف يدل عليه الكلامُ أي فاختلفوا وما اختلف فيه إلخ وقيل بالملفوظ بناءً على عدم منع إلا عنه كما في قولك ما قام إلا زيدٌ يوم الجمعة {بَغْياً بَيْنَهُمْ} متعلِّقٌ بما تعلقتْ به (من) أي اختلفوا بغياً وتهالُكاً على الدنيا {فَهَدَى ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ} بالكتاب {لِمَا ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ} أي للحق الذي اختَلَف فيه من اختَلَف {مِنَ ٱلْحَقّ} بـيانٌ لما، وفي إبهامه أولاً وتفسيرِه ثانياً ما لا يخفى من التفخيم {بِإِذْنِهِ} بأمره أو بتيسيره ولطفهِ {وَٱللَّهُ يَهْدِى مَن يَشَاء إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} موصِلٍ إلى الحقّ وهو اعتراضٌ مقرِّر لمضمون ما سبق.

القشيري

تفسير : يعني الغيبة عن الحق جمعتهم، فلما أتتهم الرسل تباينوا على حسب ما رُزقوا من أنوار البصيرة وحُرِموها. ويقال كانوا على ما سبق لهم من الاختيار القديم، وبمجيء الرسل تهود قوم وتَنَصَّر قوم، ثم في العاقبة يُرَدُّ كل واحد إلى ما سبق له من التقدير، وإن الناس اجتمعوا كلهم في علمه سبحانه ثم تفرّقوا في حكمه، فقوم هداهم وقوم أغواهم، وقوم حجبهم وقوم جذبهم، وقوم ربطهم بالخذلان وقوم بسطهم بالإحسان، فلا مِنْ المقبولين أمر مكتسب، ولا لمردِّ المردودين سبب، بل هو حُكْمٌ بُتَّ وقضاءٌ جُزِم.

البقلي

تفسير : {كَانَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً} يعنى فى ميثاق الاول حين خاطبهم الحق سبحانه وتعالى جل سلطانه بتعريف نفسه لهم حيث قال الست بربكم قالوا بلى كانوا امة واحدة فى اقرابهم بروية خالقهم والزام عبودتيه على انفسهم لما راوا من عظم برهانه وشارهد سلطانه وما سمعوا من عجائب كلامه وما ادركوا من انوار قربه وصفاته وذلك الجميعة قبل ان يبتليهم الله بالعبودية فلا اختبرهم ببلايا العبوبدية الى الدنيا ففترقوا جميعا فاهل الصفوة ساعدهم التوفيق فبقوا على المشاهدة والقربة وادراك انوار الصفوة ثابتين فى دفع حطام الدنيا عن جمال اسرارهم مع سيدهم مستقيمين فى خدمته بلا طلب الاعواض من الكرامات مقصدين فى سلوك المعرفة والمحبة فانزل الله سكينته فى قلوبهم ليزدادوا ايمانا مع ايمانهم فلا جرم ما زاغوا عن طريق الاستقامة وما زاغوا عن مشاهدة الحبيب الى حضرة الدنيا وشهوتها وما باعوا كرامة الحق بالدنيا الدنية رجال صدقوا ما عاهدوا والله عليه فمنهم قضى نخبه ومنهم من ينتظر وما بدلو تدبيلاً واما اهل الخذلان فاوبقهم الحق فى ظلمة هواء نفوسهم حتى استاثروا الدنيا على الاخرة ونسوا عهد الله ونزلوا على مارد الهوى وتكروا نعيم الرضا ومالو عن طريق الهدى الى مضلة الضلال ودول الجهال ايضا كانوا بعد كونهم من العدم جلة فى غيبة من الحق قبل خطاب الحق معهد وكشف قربه لهم فاذا اكشف الله عنهم حجب الانسانية واراهم مشاهدة القربة فتفرقوا جميعا فى شعب المعارف والكواشف فبعضهم صادقوا حقائق المقامات فوقفوا بها على شرط العبودية وبعضهم صادقوا الطائف الحالات فبقوا فيها منعمين بمشاهدة الربوبية وبعضهم نالوا خصائص الكرامات المعجزات فشاهدوها بشرط اداء الامانة وبعضهم ادركوا صرف المشاهدة من الحق جل كبر ياؤه فتاهوا فى وادى العظمة وطاروا فى هاء الهوية وساروا فى فقال الديمومية واما اهل الحرمان فصادقوا فى اول نهوضهم من زمرة الوحدة مهالك القهريات فغابوا فى شعاب الضلالات فبعضهم تهودوا وبعضهم تنصروا وبعضهم تزندقوا وبهذا جف القلم الى اليوم القيمة ليس لهم فى الايمان والخذلان اكتساب لانه اختيار الله الذى قد سبق لهم فى العدم وختم به القضاء ومن ههنا تفرقت القلوب وتشقها عن الموبقات لان الارواح جنود مجندة.

اسماعيل حقي

تفسير : {كان الناس أمة واحدة} اى جماعة واحدة متفقين فى الايمان واتباع الحق من وقت آدم الى مبعث نوح عليهما السلام وكان بينهما عشرة قرون كل قرن ثمانون سنة كما عند الاكثر {فبعث الله النبيين} اى فاخلتفوا فبعث الخ بدلالة قوله تعالى {ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه} {مبشرين} بالثواب لمن آمن وأطاع {ومنذرين} محذرين بالعقاب لمن كفر وعصى {وأنزل معهم الكتاب} أى كتاب او مع كل واحد منهم ممن له كتاب كتابه الخاص لا مع كل واحد منهم على الاطلاق اذ لم يكن لبعضهم كتاب وانما كانوا يأخذون بكتب من قبلهم وعموم النبيين لا ينافى خصوص الضمير العائد اليه بمعونة المقام {بالحق} اى حال كون ذلك الكتاب ملتبسا بالحق والعدل والصدق وشاهدا به {ليحكم} اى الله تعالى {بين الناس فيما اختلفوا فيه} اى فى الحق الذى اختلفوا فيه بعد الاتفاق {وما اختلف فيه} اى فى الحق {الا الذين أوتوه} اى الكتاب المنزل لازالة الاختلاف والتعبير عن الانزال بالايتاء للتنبيه من اول الامر على كمال تمكنهم من الوقوف على ما فى تضاعيفه من الحق فان الانزال لا يفيد تلك الفائدة اى عكسوا الامر حيث جعلوا ما انزل لازالة الاختلاف سببا لاستحكامه ورسوخه {من بعد ما جاءتهم البينات} اى رسخت فى عقولهم ومن متعلق بما اختلف ولم تمنع الا من ذلك كقولك ما قام الا زيد يوم الجمعة {بغيا بينهم} مفعول له لقوله وما اختلف فالاستثناء متعلق بثلاثة اشياء والتقدير وما اختلف فيه الا الذين الخ وما اختلفوا فيه الا من بعد الخ وما كان الاختلاف الا للبغى والتهالك على الدنيا وللحسد والظلم كما فعل قابيل بهابيل وما قتله لاشكال الحق عليه بل حسدا منه على اخيه وهكذا فى كل عصر وهذا فعل الرؤساء ثم العامة اتباعا لهم وفعلهم مضاف اليهم فتبين ان الاختلاف فى الحق امر متقادم فى الاسلام {فهدى الله الذين آمنوا} بالكتاب {لما اختلفوا فيه} متعلق بهدى وما موصولة ومعناه هدى الى ما اختلفوا فيه {من الحق} بيان لما {بإذنه} اى بأمره وتيسيره ولطفه وارادته ورحمته حتى ابصروا الحق بنور التوفيق من الباطل {والله يهدى من يشاء الى صراط مستقيم} لا يضل سالكه.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: {فبعث} معطوف على محذوف، أي: فاختلفوا فبعث، و {بغياً}: مفعول له، و {من الحق} بيان {لما}. يقول الحقّ جلّ جلاله: {كان الناس} في زمن آدم عليه السلام وما قرُب منه {أمة واحدة} أي: جماعة واحدة، متفقة على التوحيد، والطاعة، فاختلفوا بعد ذلك في أمر التوحيد، {فبعث الله النبيين مبشرين} لأهل التوحيد والطاعة بالنعيم المقيم، {ومنذرين} أي: مخوفين لأهل الكفر والعصيان بالعذاب الأليم. {وأنزل معهم الكتاب} أي: جنب الكتب، فيشمل الكتب السماوية كلها، متلبساً ذلك الكتاب {بالحق}، ودالاً عليه {ليحكم} الحق تعالى على لسان الرسل {بين الناس} في الأمر الذي {اختلفوا فيه} من أمر التوحيد وغيره. ثم اختلفوا أيضاً في الكتب المنزلة؛ فبعضهم آمن، وبعضهم كفر بها أو ببعضها، {وما اختلف فيه} أي: في الكتاب المنزل: {إلا الذين اوتوه} حسداً أو كبراً؛ فاليهود آمنوا بالتوراة وكفروا بالإنجيل، والنصارى آمنوا بالإنجيل وكفروا بالتوراة، {من بعد ما جاءتهم}: الآيات الواضحات في صحة ذلك الكتاب الذي كفروا به، والأمر بالإيمان به. وإنما وقع ذلك الكفر منهم {بغياً} وحسداً {بينهم}، فأنزل الله العلم ليجمعهم ويؤلف بينهم على طاعته، فأمرهم أن يتألفوا بالعلم، فتحاسدوا، واختلفوا طلباً للرئاسة والجاه، {فهدى الله الذين آمنوا} بمحمد - عليه الصلاة والسلام - للأمر الذي اختلف فيه أهل الكتاب، وهو الحق الذي جاءت به الرسل، فآمنوا بالجميع، وتآلفوا على طاعة الله {بإذنه} وإرادته، {والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم}، ويضل من يشاء عن طريقه القويم،{أية : لاَ يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ }تفسير : [الأنبيَاء: 23]. الإشارة: الإصل في الأرواح كلها، الاتفاقُ والإقرار، وإنما حصل لها الخلاف والإنكار بعد دخولها في عالم الأشباح، وهبوطها من عالم الأرواح، فبعث الله النبيين يُذكْرون الناس العهدَ القديم، فمن سبقت له السعادة حصل له الإقرار، ومن سبق له الشقاء حصل له الإنكار، ولذلك قال - عليه الصلاة والسلام-:"حديث : كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَد على الْفطْرةِ، فأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصّرَانِهِ أوْ يُمَجِّسَانِهِ"تفسير : . ثم بعث الله الحكما، وهم العارفون بالله، يعالجون ما حصل للروح من الجهل والإنكار، فمن سبقت له العناية آمن بهم، وصدقهم، واستسلم بكليته إليهم، فحصل له الوصول، وبلغ كل المأمول، ومن سبق له الحرمان لم يحصل له بهم إيمان، وبقي دائماً في قلبه حيران. وما وقع هذا الإنكار في الغالب إلا من أهل الرئاسة والجاه، أو من كان عبداً لدنياه وهواه بغياً وحسداً منهم، فهدى الله الذين آمنوا - وهم أهل الفطرة والنيّة - لما اختلفوا فيهم من الحق بإذنه، فحصل لهم التصديق، ووصلوا إلى عين التحقيق، {والله يهدي مَن يشاء إلى صراط مستقيم} وهو طريق الوصول إلى الحضرة القدسية التي كانت مقرّاً للأرواح الزكية، منها جاءت وإليها عادت. وفي ذلك يقول ابن البنا رضي الله عنه: شعر : وَهَذِهِ الحَقِيقَةُ النَّفْسِيَّةْ مَوْصُولةٌ بالحَضْرَةِ القُدْسِيَّهْ وَإِنَّمَا يَعْوقُهَا المَوْضُوعُ وَمِنْ هُنَا يُبْتَدأُ الطُّلُوعُ تفسير : ولمّا كانت المحبة والهداية إلى أسبابها مقرنتين بالبلاء ذكره الحق تعالى بإثر الهداية.

الطوسي

تفسير : القراءة: قرأ أبو جعفر المدني {ليحكم} - بضم الياء - الباقون بفتحها. المعنى: معنى قوله: {كان الناس أمة واحدة} أهل ملة واحدة كما قال النابغة: شعر : حلفتُ فلم أترك لنفسك ريبة وهل يأثمن ذو أمّة وهو طائع تفسير : أي ذو ملة ودين. وأصل الأمة الأم من قولك: أمّ يؤم أماً: إذا قصده. وهي على أربعة أوجه: فالأمة: الملة، والأمة: الجماعة، والأمة: المنفرد بالمقابلة، والأمة: القابلة. واختلفوا في الدين الذي كانوا عليه، فقال ابن عباس، والحسن، واختاره الجبائي: إنهم كانوا على الكفر. وقال قتادة، والضحاك: كانوا على الحق، فاختلفوا. فان قيل: إذا كان الزمان لا يخلوا من حجة كيف يجوز أن يجتمعوا كلهم على الكفر، قلنا: يجوز أن يقال ذلك على التغليب لأن الحجة إذا كان واحداً أو جماعة يسيرة، لا يظهرون خوفاً وتقية، فيكون ظاهر الناس كلهم الكفر بالله، فلذلك جاز الاخبار به على الغالب من الحال، ولا يعتد بالعدة القليلة. وقوله: {وأنزل معهم الكتاب بالحق} قيل في معناه قولان: أحدهما - بما فيه من البيان عن الحق من الباطل. الثاني - أن معناه: بأنه حق للاستصلاح به على ما توجبه الحكمة فيه. وقوله: {ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه} فحقيقته، ليحكم منزل الكتاب، لأن الله هو الحاكم بما أنزل فيه، فهو مجاز - في قول الجبائي - قال: إلا أنه جعل اللفظ على الكتاب تفخيماً له، لما فيه من البيان. ويجوز أن يكون في يحكم ضمير اسم الله، فيكون حقيقة. ومن ضم الياء قراءته لا شبهة فيها. والمعنى ليحكم الناس أو العلماء بما فيه من الحق. وقوله تعالى: {وما اختلف فيه} الهاء عائدة على الحق. وقيل على الكتاب. والأول أصح، لأن اختلافهم في الحق قبل إنزال الكتاب. فان قيل: إذا كانوا مختلفين على إصابة بعضهم له، فكيف يكون الكفر عمهم به؟ قلنا: لا يمتنع أن يكون الكل كفاراً، وبعضهم يكفر من جهة الغلوّ، وبعضهم من جهة التقصير كما كفرت اليهود، والنصارى في عيسى (ع)، فقالت النصارى: هو ربّ، فغالوا. وقصّرت اليهود، فقالوا: كذاب متخرص. فان قيل: كيف يكون الكل كفاراً مع قوله: {فهدى الله الذين آمنوا}؟ قلنا: لا يمتنع أن يكونوا كلهم كانوا كفاراً، فلما بعث الله اليهم بالأنبياء مبشرين، ومنذرين اختلفوا، فآمن قوم، ولم يؤمن آخرون. وروي عن أبي جعفر (ع) أنه قال: كانوا قبل نوح أمة واحدة على فطرة الله، لا مهتدين، ولا ضُلاّلاً، فبعث الله النبيين. الاعراب: وقوله تعالى: {بغياً بينهم} نصب على المفعول له، كأنه قال للبغي بينهم - على قول الأخفش، والزجاج -. وقال بعضهم: الاستثناء متعلق بثلاثة أشياء، كأنه قال: {وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه}، ما اختلفوا فيه إلا من بعد ما جاءتهم البينات، ما اختلفوا فيه إلا بغياً بينهم. إلا أنه حذف الثاني لدلالة الأول عليه. قال الرماني: والصحيح الأول، لأنه لا يحكم بالحذف مع استقامة الكلام من غير حذف إلا لعذر. المعنى: وقوله: {فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه} معناه: هداهم للحق، وهو الذي اختلفوا فيه. وقيل في معنى باذنه قولان: أحدهما - بلطفه، ولا بد من محذوف على هذا التأويل، أي فاهتدوا باذنه، لأن الله عز وجل، لا يفعل الشيء باذن أحد يأذن له فيه، ولكن قد يجوز أن يكون على جهة التفسير للهدى، كأنه قال: هداهم بأن لطف لهم، وهداهم بأن أذن لهم. وقال الجبائي: لا بد من أن يكون على حذف (فاهتدوا) باذنه. والقول الثاني - هداهم بالحق بعلمه، والاذن بمعنى العلم معروف في اللغة قال الحارث بن جلزّة: شعر : آذنتنا ببينها أسماء تفسير : أي أعلمتنا. وهو قول الزجاج، وغيره من أهل اللغة. فان قيل: إذا كانوا إنما هدوا للحق من الاختلاف فلم قيل: للاختلاف من الحق؟ قيل: لأنه لما كانت العناية بذكر الاختلاف, كان أولى بالتقديم، ثم تفسيره بـ {من}. وقال الفراء هو من المقلوب نحو قول الشاعر: شعر : كانت فريضة ما تقول كما كان الزناء فريضة الرجم تفسير : وإنما الرجم فريضة الزنا. وكما قال الآخر: شعر : إن سراجاً لكريم مفخرة تحلى به العين إذا ما تجره تفسير : وإنما يحلى هو بالعين. قال غيره إنما يجوز القلب في الشعر للضرورة. ووجه الكلام على ما بيناه واضح. فان قيل: ما الهدى الذي اختص به من يشاء؟ قيل فيه ثلاثة أقوال: قال الجبائي: اختص به المكلفين دون غيرهم ممن لا يحتمل التكليف، وهو البيان، والدلالة والثاني - قال: ويجوز أن يكون هداهم على طريق الجنة، ويكون للمؤمنين خاصة. وقال ابن الأخشاد، والبلخي: يجوز أن يكون هداهم باللطف, فيكون خالصاً لمن علم من حاله أنه يصلح به. ولا يجوز أن يكون المراد بالهداية ها هنا الارشاد الى الدين، ونصب الدلالة عليه، لأنه تعالى لا يخص بذلك قوماً دون قوم، بل لا يصلح التكليف من دونه. وقد بين الله تعالى: أن اختلافهم كان بعد أن جاءتهم البينات فعم بذلك جميعهم، فلو أراد الله بقوله {فهدى الله الذين آمنوا} بالبينات، لكان متناقضاً - أللهم - إلا أن يحمل ذلك على أنه أضاف اليهم الهداية، من حيث كانوا هم المنتفعين بها، والمتبعين لها، فكأنهم كانوا هم المخصوصين بها كما قال: {أية : هدى للمتقين} تفسير : وقوله تعالى: {أية : إنما تنذر من اتبع الذكر}تفسير : {أية : وإنما أنت منذر من يخشاها}تفسير : وإن كان منذراً لجميعهم،، والذي يقوى ذلك قوله: {أية : وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى} تفسير : فبين أنه هداهم. وإنما لم يهتدوا، فكيف يجوز أن تحمل الهداية على نصب الدلالة، وإقامة الحجة على قوم دون قوم. والفرق بين: هدى المؤمنين الى الايمان، وبين أنعم عليهم بالايمان، قال الجبائي: إن الهدى للأيمان غير الايمان، والانعام بالايمان هو نفس الايمان. والصحيح أنه هداه بالايمان يجري مجرى قوله: أنعم عليه بالايمان لأنه يراد بذلك التمكين منه. والاقتدار عليه والدعاء إليه ولا يراد به نفس الايمان. وقوله: {والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم} أي الى طريق الدين الواضح. واختلفوا في الامة المعنية بهذه الآية، فقال ابن عباس، وقتادة: هم الذين كانوا بين عاد، ونوح، وهم عشر فرق كلهم كانوا على شريعة من الحق، فاختلفوا بعد ذلك. فالتقدير - على قول هؤلاء - كان الناس أمة واحدة فاختلفوا فبعث الله النبيين. وقال مجاهد: المراد بالآية آدم، فبعث النبيين الى ولده، لما اختلفوا. وقال أبي بن كعب، والربيع: كان الناس أمة حين استخرجوا من ظهر آدم، فأقروا له بالعبودية، واختلفوا فيما بعد، فبعث الله اليهم النبيين. وقال ابن عباس في رواية أخرى: كانوا أمة واحدة على الكفر، فبعث الله النبيين. وقال السدي: كانوا على دين واحد من الحق، فاختلفوا، فبعث الله النبيين. وقال الربيع والطبري: الكتاب الذي اختلفوا فيه التوراة. وقال آخرون كل كتاب أنزل الله مع النبيين.

الجنابذي

تفسير : {كَانَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً} جواب لسؤالٍ ناشٍ من السّابق كأنّه قيل: هل كان النّاس متّفقين؟ - ومن اين وقع هذا الاختلاف؟ - فقال تعالى: كان النّاس أمّةً واحدةً تابعة لمشتهياتهم محكومة لأهويتهم غافلة عن ربّهم ومبدئهم ومعادهم كما يشاهد من حال الاطفال فى اتّباع الشّهوات من غير زاجر عنها، وكما يشاهد من حال اهل العالم الصّغير قبل ايجاد آدم (ع) واسكانه جنّة النّفس فانّهم يكونون امّة واحدة محكومة بحكم الشّياطين {فَبَعَثَ ٱللَّهُ ٱلنَّبِيِّينَ} فى العالم الكبير والصّغير {مُبَشِّرِينَ} للمنقادين بجهة ولايتهم {وَمُنذِرِينَ} للكافرين بجهة رسالتهم فاختلفوا بالانكار والاقرار، واختلف المنكرون بحسب مراتب الانكار، والمقرّون بحسب مراتب الاقرار {وَأَنزَلَ مَعَهُمُ ٱلْكِتَابَ} يعنى الاحكام الالهيّة الّلازمة للرّسالة، او الكتاب التّدوينىّ المشتمل على الاحكام فانّه لا يصدق الرّسالة الاّ اذا كان مع الرّسول احكام ارسل بها {بِٱلْحَقِّ} بسبب الحقّ المخلوق به الّذى هو علويّة علىّ (ع) وولايته المطلقة، او مع الحقّ او الباء للآلة وعلى اىّ تقدير فالجارّ والمجرور ظرف لغو متعلّق بأنزل وجعله حالاً محتاجاً الى تقدير عامل مستغنىً عنه بعيد جدّاً {لِيَحْكُمَ} الله على لسان النّبيّين او ليحكم الكتاب على طريق المجاز العقلىّ وقرئ ليحكم مبنيّاً للمفعول {بَيْنَ ٱلنَّاسِ فِيمَا ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ} يعنى بعد بعث النّبيّين اختلفوا فأنزل الكتاب لرفع الاختلاف وهو دليل تقدير، فاختلفوا بعد قوله تعالى منذرين فانّ عدم انفكاك الاحكام عن الرّسالة مع كونها لرفع الاختلاف وكون النّاس قبل الرّسالة امّة واحدة دليل حدوث الاختلاف بالرّسالة والمراد بما اختلفوا فيه هو الحقّ الّذى انزل الكتاب به وهو{أية : ٱلنَّبَإِ ٱلْعَظِيمِ ٱلَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ} تفسير : [النبأ: 2-3] {وَمَا ٱخْتَلَفَ فِيهِ} فى الحقّ او الكتاب الّذى انزل بالحقّ {إِلاَّ ٱلَّذِينَ أُوتُوهُ} وامّا غيرهم فحالهم فى الغفلة وكونهم امّة واحدةً حال النّاس قبل البعثة {مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ ٱلْبَيِّنَاتُ} الحجج الواضحات لا قبل اتمام الحجّة فليس اختلاف المنكر مع المقرّ الاّ عن عناد ولجاج لا عن شبهة واحتجاج ولذا قال تعالى {بَغْياً} ظلماً واستطالة واقعة {بَيْنَهُمْ} يعنى انّ المنكرين لم ينكروا الحقّ بشبهة سبقت الى قلوبهم ولا لعنادهم للحقّ بل الانكار انّما هو للاستطالة والتّعدّيات الّتى بينهم فاقرار المقرّ صار سبباً لانكار المنكر {فَهَدَى ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} بعد الهداية او كان فيهم قوّة الاذعان والموافقة لا الّذين كان فيهم قوّة الاستطالة والطّغيان والمخالفة {لِمَا ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ ٱلْحَقِّ} من بيانيّة والظرف مستقرّ حال من ما او من ضمير فيه والعامل فيه عامل ذى الحال {بِإِذْنِهِ} بترخيصه واباحته التّكوينيّة ظرف لغو متعلّق باختلفوا او بآمنوا او بهدى وتفسيره بالاباحة والتّرخيص اولى من تفسيره بالعلم كما فسّره بعض {وَٱللَّهُ يَهْدِي مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} تأكيد لما سبق ودفع لتوهّم الشّريك له تعالى فى الهداية فانّ تقديم المسند اليه يفيد الحصر والتّأكيد، وتنبيه على انّ مناط هدايته تعالى ليس من قبل العبد بل هو مشيئتهُ تعالى حتّى يخرج العباد من مشيئتهم ولا ينظروا الى أعمالهم وتصريح بكون المؤمنين مرضيّين كما كانوا مهديّين وكون ما اختلفوا فيه هو الصّراط المستقيم.

الهواري

تفسير : قوله: {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً} أي: على الإِسلام. كانوا على شريعة واحدة من الحق كلهم. ذكر لنا أنه كان بين آدم ونوح عشرة قرون، يعني عشرة آباء، كلهم يعمل بطاعة الله على الهدى وعلى شريعة الحق. ثم اختلفوا بعد ذلك، فبعث الله نوحاً؛ وكان أول رسول أرسله الله إلى أهل الأرض. وقال بعضهم: ما قسم الله للعبد من رزق فلا يستطيع أحد صرفه. وقال الكلبي: كانوا أمة واحدة في زمان نوح الذين ركبوا معه في السفينة وأبناؤهم فاختلفوا بعد. قوله: {فَبَعَثَ اللهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ البَيِّنَاتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ} أي: حسداً بينهم؛ فكان في الناس مسلمون فيما بين نوح إلى صالح. ثم اختلفوا، فولد إبراهيم في جاهلية؛ فكان إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط ويوسف وموسى وهم النبيون الذين بشروا وأنذورا. قال: {وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ} قال بعض المفسّرين: بلغنا أن أول كتاب أنزل فيه الحلال والحرام التوراة, كتاب موسى. قال: {وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ} أي: حسداً بينهم. قوله: {فَهَدَى اللهُ الَّذِينَ ءَامَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الحَقِّ بِإِذْنِهِ} [أي بأمره]. ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : نحن الآخرون ونحن السابقون؛ وذلك أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا وأوتيناه من بعدهم. ثم هذا يومهم الذي عرض عليهم، يعني يوم الجمعة، فاختلفوا فيه، فهدانا الله له. فاليوم لنا، وغداً لليهود، وبعد غد للنصارىتفسير : " . قوله: {وَاللهُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} أي: إلى الجنة، والطريق: الإِيمان. قوله: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم} أي سنن الذين مضوا من قبلكم. {مَّسَّتْهُمُ البَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ} البأساء: البؤس، وهو الحاجة، والضراء: المرض والجراح. وقال بعضهم: الضرّاء: الشدة والبلاء. {وَزُلْزِلُوا} أي أصابتهم الشدة {حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللهِ}. قال الله: {أَلاَ إِنَّ نَصْرَ اللهِ قَرِيبٌ}. ذكروا عن الحسن أنه قال: لما نزلت هذه الآية جعل أصحاب النبي عليه السلام يقولون: ما أصابنا هذا بعد. فلما كان يوم الأحزاب وأصابهم ما أصابهم من الجهد أنزل الله: (أية : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً إِذْ جَاءُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللهِ الظُّنُونَا هُنَالِكَ ابْتُلِيَ المُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً) تفسير : [الأحزاب:9-11]. وقال: (أية : وَلَمَّا رَءَا المُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُم إِلاَّ إِيمَاناً وَتَسْلِيماً).تفسير : [الأحزاب:22]. وقال بعضهم عن الحسن في قوله: {وَزُلْزِلُوا} أي: وحُرِّكوا بالخوف. {حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللهِ}. وذلك أن الله وعدهم النصر والظفر، فاستبطأوا ذلك لما وصل إليهم من الشدة. فأخبر الله النبي عليه السلام والمؤمنين بأن من مضى من قبلهم من الأنبياء والمؤمنين كان إذا بلغ البلاء بهم هذا عجلتُ لهم نصري. فإذا ابتليتم أنتم بذلك فأبشروا، فإن نصري قريب.

اطفيش

تفسير : {كانَ النَّاسُ أمَّةً واحدةً}: متفقين على الحق فيما بين آدم وإدريس، هذا قول ابن خيثمة، حكى القرطبى عنه أنه منذ خلق الله تعالى آدم عليه الصلاة والسلام إلى أن بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم، خمسة آلاف سنة وثمان مائة سنة، وقيل أكثر من ذلك، وكان بينه وبين نوح ألف سنة، وعاش آدم تسع مائة سنة، وكان الناس فى زمانه أمة واحدة متمسكين بالدين الحق، تصافحهم الملائكة، وداموا على ذلك إلى أن رفع إدريس عليه الصلاة والسلام، فاختلفوا قال: وفى هذا نظر، لأن إدريس بعد نوح على الصحيح قلت: بل الصحيح أنه قبل نوح، وعن ابن عباس وقتادة وعكرمة: كان بين آدم وبين نوح عشرة قرون على شريعة الحق من، فاختلفوا، والقرن مائة سنة على الصحيح، وقال الشيخ هود رحمه الله: أريد عشرة آباء والاختلاف وقع فى زمان نوح عليه السلام، وقيل المراد آدم وأولاد أواده فى حياته أمة واحدة على الإسلام والحق، إلى أن قتل قابيل هابيل حسداً وبغياً، ودام الاختلاف، فبعث الله النبيين بعد آدم عليه السلام، وقال الكلبى: الناس الذين كانوا أمة واحدة أهل سفينة نوح عليه السلام، كانوا بعد الطوفان على الحق، وكانت الفطرة إلى أن بعث الله صالحاً، وقال أبى بن كعب وابن زيد: المراد بالناس بنو آدم حين أخرجهم الله نسما من ظهر آدم، قالوا كلهم: بل أنت ربنا، وقيل: كانت العرب على دين إبراهيم إلى أن غيره عمرو بن لحى، وقيل: الناس آدم وحده المتضمن لأولاده كلهم، كان وحده على الحق حتى جاءت أولاده واختلفوا، وهذه أقوال الجمهور وفى رواية عن ابن عباس رضى الله عنهما، وعطاء والحسن: كان الناس من وقت وفاة آدم إلى مبعث نوح عليه السلام أمة واحدة على الكفر أمثال البهائم، فبعث الله النبيين نوحاً وغيره، وقيل فى فترة نوح وإدريس، وقيل المعنى أنه يكون الناس أمة واحدة على الكفر، لولا أن الله تبارك وتعالى من يبعث الرسل، وفى الكلام حذف، أى كان الناس أمة واحدة، فاختلفوا بأن آمن بعض وكفر بعض. {فَبَعَث}: إليهم. {اللّهُ النَّبِيِّين مبُشِّرِينَ}: من آمن بالجنة. {ومُنذِرِين}: من كفر بالنار ويدل على هذا الحذف قوله تعالى: {فيما اختلفوا فيه}، وقد قرأ أيضاً ابن مسعود: {كان الناس أمة واحدة فاختلفوا فبعث الله النبيين} الآية، وعن كعب: الذى علمته من عدد الأنبياء مائة ألف وأربعة وعشرون ألفاً، والمرسل منهم ثلاث مائة وثلاثة عشر، والمذكورون فى القرآن باسم العلم ثمانية وعشرون. {وأنزل مَعهُم الكِتابَ}: جنس الكتب لا كتاب واحد لأن كتب الله كثيرة، ولم ينزل على كل واحد، فإن أكثرهم لم يكن لهم كتاب يخصهم، وإنما انها كانوا يأخذون بكتاب من قبلهم أو كتب من قبلها وصاحب الكشاف قال: أو مع كل واحد منهم كتابه، وظاهره أنه أجاز التفسير، لأنه أنزل مع كل نبى كتاباً، فإما على ظاهره، وإما أن يريد أنه أنزل كتاباً على نبى يكون، ولمن شاء الله بعده أو معه من النبيين. {بالحقِّ}: متعلق بمحذوف حال من الكتب، وثابتاً بالحق، ولك تقديره كوناً خاصاً، أى ملتبسا بالحق أو شاهد بالحق. {ليحْكُمَ}: الله بذلك الكتاب، هذا قول الجمهور، أو ليحكم الكتاب، وعلى هذا أسند الحكم للكتاب لاشتماله على ما يحكم به الحاكم، أو ليحكم النبى المبعوث المنزل عليه ذلك الكتاب به، وذلك جنس، أى ليحكم كل واحد بكتابه المتعبد هو به. {بَيْن النَّاسِ فِيما اخْتلَفُوا فِيهِ}: من الحق دين الإسلام المتفق عليه، قيل: أو مطلق الدين بأن يقول بعضهم الدين، هو كذا والآخر الدين غير ذلك أو فيما التبس عليهم. {وما اخْتَلَف فيه إلا الَّذِينَ أوتُوهُ}: الهاء فى فيه عائد إلى الحق أو الكتاب، والهاء فى أوتوه عائد إلى الكتاب المنزل، ذم الله الكفار بمخالفة الحق، ويعكس الأمر إذا كان الكتاب المنزل عليهم ليتفقوا على الحق سبباً شديداً لمخالفتهم الحق، إذ كفروا وآمن غيرهم، فكان الاختلاف، فالذين أوتوه يشمل المؤمن والكافر، والمذموم الكافر، وعلى هذا فيقدر عند قوله: {بغياً بينهم} بغياً من الكافرين بينهم وبين المؤمنين، إذ وقع منهم على المؤمنين ويجوز أن يكون الذين أوتوه الكفار فقط، بمعنى أن الكفار اختلفوا بأن خالف كل فريق منهم الآخر، وأخْطَئُوا الحق وأصابه المؤمنون، ويجوز أن يكون الاختلاف هو التحريف، وقيل الهاء لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، والهاء فى أوتوه للكتاب. {مِنْ بَعدِ ما جَاءَتْهم البيِّناتُ}: الحجج الظاهرة على التوحيد، وظاهر الآية أن هذه الآيات قبل إيتاء الكتاب، فيكون المراد بالآيات الأدلة العقلية التى نصبها الله تعالى على إثبات الأصول التى لا يمكن القول بالنبوة إلا بعد ثبوتها، ذكر علماء الكلام أن كلما لا يصح إثبات النبوة إلا بثبوته، فلا يمكن إثباته بالدلائل السمعية، وإلا وقع الدور، وقيل: البينات صفات محمد صلى الله عليه وسلم المبينة فى كتبهم، ويجوز كون البينات هى الكتاب كله، فيكون من وضع الظاهر موضع المضمر ليوصف بالوضوح، أو هى بعض الكتاب، وهى ما كان بياناً لما التبس عليهم، ومن متعلقة باختلف، أى وما اختلف فيه من بعد ما جاءهم، أو من بعد ما جاءهم من بيان ما اختلفوا فيه إلا الذين أوتوه، ومعنى إيتاء الكفار الكتاب تعبدهم به. {بَغْياً بَيْنهُمْ}: أى الظلم العظيم الذى نشأ من الحسد، لحرصهم على الدنيا، وقلة الإنصاف. {فَهدَى اللّهُ الَّذينَ آمنُوا لِمَا اخْتلفُوا فِيهِ مِنَ الحَقِّ باذْنِهِ} الذين آمنوا هم الذين آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم، والمختلف فيه من الحق قال ابن زيد: هذه الآية فى أهل الكتاب، اختلفوا فى القبلة، فصلت اليهود إلى بيت المقدس، والنصارى إلى المشرق، فهدانا الله إلى الكعبة، واختلفوا فى إبراهيم عليه السلام، فقالت اليهود: كان يهودياً، وقالت النصارى: كان نصرانياً، فقلنا: إنه كان حنيفاً مسلماً، واختلفوا فى عيسى عليه السلام، فاليهود فرطوا بأن قالوا: فيه ما قالوا، والنصارى جعلوه رباً، فهدانا الله إلى ما هو الحق فى شأنه، وهو أنه عبد الله ورسوله، وعنه صلى الله عليه وسلم "حديث : نحن الآخرون - أى فى الدنيا - ونحن السابقون - أى المقضى لهم - أولا يوم القيامة - بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا وأوتيناه من بعدهم ثم هذا يومهم الذى عرض عليهم - يعنى يوم الجمعة - فاختلفوا فيه، فهدانا الله له، فاليوم لنا وغدا لليهود، وبعد غد للنصارى"تفسير : وكذا جميع ما اختلفوا فيه، وقال الطبرى عن الفراء: فى الكلام قلب، أى فهدى الله الذين آمنوا للحق مما اختلفوا فيه، واختاره الطبرى، وذلك خوف أن يحتمل اللفظ أنهم اختلفوا فى الحق، فهدى الله المؤمنين لبعض ما اختلفوا فيه، وعساه أن يكون غير الحق فى نفسه، وليس كذلك، لأن {فهدى الله} يقتضى أنهم أصابوا الحق، وتم المعنى فى قوله: {فيه} وتبين بقوله: {من الحق}، جنس ما وقع الخلاف فيه، وإذن الله. قال الزجاج: معناه علمه، وقيل أمره أو إرادته ولطفه. {واللّهُ يَهْدى مَن يَشاء}: هدايته. {إلى صِراطٍ مُّسْتقيمٍ}: لا يضل سالكه، ولا ينحوا تاركه، وهو دين الإسلام الموصل إلى الجنة.

اطفيش

تفسير : {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَحِدَةً} على دين الله فى عهد آدم عليه السلام، إلى أن قتل قابيل هابيل، فكفر قابيل، وعلم أولاده الكفر، وهذا أولى ما يقال، لأن ذلك فى أول الناس، ويليه أن يقال المراد من بعد الطوفان، ممن فى السفينة ومن لم يكن فيها، ولم يغرق، ولا سلامة، لأنهم تمحضوا للإسلام إلى أن كفر من كفر بعد، وهو حسن، وليسوا قليلا مع من لم يغرق، مه أنه القلة لا تضر، وأزواج حام وسام ويافث مسلمات، وقال ابن عمر: كان الناس متفقين على الكفر حتى بعث الله إبراهيم ولوطاً ومن بعدهما ولم يرفعه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أنه مما لا يعلم بالرأى، فلا يقال إن الاتفاق على الكفر فى زمان غير معلوم ولا اتفاق على الإسلام ولا على الكفر بين آدم وإدريس، ولا بين آدم ونوح، ولا يظهر أن بين نوح ومن قبله أكثرهم مؤمنون، بل يظهر أن أكثرهم كفار، فقد يقال بالاتفاق على الكفر، ولم يعتبر قليل الإسلام، ويناسب قول ابن عمر قوله تعالى {فَبَعَثَ اللهُ النَّبِيِّينَ مُبَشَِّرِينَ} للمؤمنين بالجنة {وَمُنذِرِينَ} للكافرين بالنار، فإن الاتفاق على الكفر أو اتفاق الأكثر مع إلغاء الأقل أدعى إلى بعث الرسل أكثر مما يدعو إليه الاختلاف، ولو جاز أن يراد اختلفوا كفرا وإيمانا بعد الاتفاق على الإيمان، بدليل قوله عز وجل، {فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين} {وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ} أى أَرْسَلَ معهم متعلق بمحذوف، حال مقدرة، أى مصاحبة لهم أو مقارنة أو مع بمعنى إلى، أو على متعلق بأنزل {الْكِتَٰبَ بِالْحَقِّ} ناطقاً بالحق، حتى لا يبقى اختلاف، والمراد جنس الكتب، فمن الأنبياء من معه كتاب خص به، ومنهم من معه كتاب من قبله أو فى زمانه، والمراد ما يشمل الصحف، عشر صحف على آدم، وثلاثين على شيث، وخمسين على إدريس، وعشرا على موسى، والتوراة والزبور والإنجيل والقرآن، وذلك مائة كتاب وأربعة، والرسل ثلثمائة، وثلاثة عشر، والأنبياء مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا، {لِيَحْكُمَ} الله، كما قرىء، لتحكم، أو جنس النبى المبعوث، وأفرد لأن الحاكم كل واحد أو أسند الحكم للكتاب على طريق المجاز العقلى {بَيْنَ النَّاسِ} مطلق الناس، لا خصوص الذين كانوا أمة واحدة، لأن الإنزال بعد الاختلاف، فلذلك لم يضمر {فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيه} من الحق وغيره، أو فى الكتاب على التوزيع، يختلفون فينزل الكتاب الأول ويقع الاختلاف بعد ذلك إنزال كل كتاب على حدة، والمراد بالإنزال معهم الإنزال مع بعضهم، والمراد المجموع فإن أكثرهم لم ينزل عليه كتاب، بل يتبع كتاب من قبله، أو كتاب من معه، وأل فى الكتاب للجنس، فيشمل كتبا كثيرة، والمذكور من الأنبياء فى القرآن ثمانية وعشرون على اختلاف فى يوسف غافر، أهو غير ابن يعقوب، وعزير وذى القرنين ولقمان وتبع مريم وأم موسى {وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ} أى فى الحق والكتاب، بأن صرفوه أو أولوه بما لا يجوز {إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ} أى الكتاب، والأمة أوتيت كتابا كما أوتيه نبيها، لأنه أنزل عليه له ولهم {مِنْ بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ الْبَيِّنَٰتُ} الدلائل الشاهدة على حقيقة دين الله من الآيات المعبر عنها بالكتاب، ومن الشواهد العقلية، والمنزل كتاب من حيث إنه جمع حروفا وكلمات وآيات، من حيث إنه علامة وبينات من حيث الوضوح {بَغْياً} ظلما أو حسدا للحرص على الدنيا، ومنشأ الاختلاف فى الأكثر الحسد، والحسد سبب للظلم، وهو تعليل الاختلاف، والتفريغ والإبدال جائزان فى الاستثناء، ولو باعتبار متعدد، نحو ما جاء إلا زيد راكبا، أى ما جاء أحد راكبا إلا زيد راكبا، وما جاء رجل راكب إلا زيد الراكب، والمانع، وهو الجمهور، يقدر عاملا أى اختلفوا بغيا، وأجازه بعض فى الإبدال، ولا خلاف فى جوازه بالعطف مطلقا {بَيْنَهُمْ} نعتا لبغيا {فَهَدَى اللهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ لِمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ} أهو الحق، فمعنى آمنوا شارفوا الإيمان لأن هداية من آمن إلى الإيمان تحصيل الحاصل، أو آمنوا بالكتاب والهداية لما سواه من الحق، أو آمنوا، والهداية الإثبات على الإيمان أو آمنوا، والهداية زيادة ما منحوه من الحق، اختلف كل أمة، وهدى الله من كل واحدة بعضها إلى الحق، أو الذين آمنوا هذه الأمة، والمختلفون غيرهم، أخذ اليهود السبت، والنصارى الأحد، وهدانا الله تعالى للجمعة، واستقبلت النصارى واليهود بيت المقدس، وهدانا الله تعالى للكعبة، ومنهم من يركع ومنهم من يسجد، ومنهم من لا يركع ولا يسجد، ومنهم من يصلى ماشيا، ومنهم من يصلى ويتكلم، وهدانا الله لما علمت من الركوع والسجود وترك الكلام ولا يمشى إلا لضرورة ألجأته إلى المشى، ومنهم من يصوم الليل والنهار، ومن يصوم عن بعض الطعام، وهدانا الله إلى ترك الوصال بعد وقوعه، وترك كل طعام، وقال بعض، إبراهيم يهودى، وبعض نصرانى، وهدانا الله تعالى إلى أنه مسلم، وبعض إلى أن عيسى ولد زنا، وبعض أنه إله، وهدانا الله تعالى إلى أنه رسول الله وروح منه {وَاللَّهِ يَهْدِى مَن يَشَآءُ إِلَى صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ} أفعال أو اعتقادات لا عوج فيها، توصل إلى الجنة لا تقصر دونها ولا تميل، وأكدها بتكرير لفظ الجلالة فى موضع الإضمار ومضارع الاستمرار والاسمية.

الالوسي

تفسير : {كَانَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وٰحِدَةً} متفقين على التوحيد مقرين بالعبودية حين أخذ الله تعالى عليهم العهد، وهو المروي عن أبـيّ بن كعب أو بين آدم وإدريس عليهما السلام بناءاً على ما في «روضة الأحباب» أن الناس في زمان آدم كانوا موحدين متمسكين بدينه بحيث يصافحون الملائكة إلا قليل من قابيل ومتابعيه إلى زمن رفع إدريس، أو بين آدم ونوح عليهما السلام على ما روى البزار وغيره عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما/ أنه كان بينهما عشرة قرون على شريعة من الحق، أو بعد الطوفان إذ لم يبق بعده سوى ثمانين رجلاً وامرأة ثم ماتوا إلا نوحاً وبنيه حام وسام ويافث وأزواجهم وكانوا كلهم على دين نوح عليه الصلاة والسلام فالاستغراق على الأول والأخير حقيقي، وعلى الثاني والثالث ادعائي بجعل القليل في حكم العدم، وقيل: متفقين على الجهالة والكفر بناءاً على ما أخرجه ابن أبـي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنهم كانوا كفاراً وذلك بعد رفع إدريس عليه الصلاة والسلام إلى أن بعث نوح، أو بعد موت نوح عليه الصلاة والسلام إلى أن بعث هود عليه الصلاة والسلام. {فَبَعَثَ ٱللَّهُ ٱلنَّبِيّينَ} أي فاختلفوا فبعث الخ وهي قراءة ابن مسعود رضي الله تعالى عنه، وإنما حذف تعويلاً على ما يذكر عقبه. {مُبَشّرِينَ} من آمن بالثواب. {وَمُنذِرِينَ} من كفر بالعذاب وهم كثيرون، فقد أخرج أحمد وابن حبان حديث : عن أبـي ذر أنه سأل النبـي صلى الله عليه وسلم كم الأنبياء؟ قال:"مائة ألف وأربعة وعشرون ألفاً قلت: يا رسول الله كم الرسل؟ قال: ثلثمائة وثلاثة عشر جم غفير"تفسير : ولا يعارض هذا قوله تعالى {أية : وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَـٰهُمْ عَلَيْكَ }تفسير : [النساء: 164] الآية لما سيأتي إن شاء الله تعالى، والجمعان منصوبان على الحال من (النبيين)، والظاهر أنها حال مقدرة، والقول بأنها حال مقارنة خلاف الظاهر. {وَأَنزَلَ مَعَهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ} اللام للجنس ومعهم حال مقدرة من الكتاب فيتعلق بمحذوف، وليس منصوباً بأنزل والمعنى أنزل جنس الكتاب مقدراً مقارنته ومصاحبته للنبيين حيث كان كل واحد منهم يأخذ الأحكام إما من كتاب يخصه أو من كتاب من قبله، والكتب المنزلة مائة وأربعة في المشهور أنزل على آدم عشر صحائف وعلى شيث ثلاثون، وعلى إدريس خمسون، وعلى موسى قبل التوراة عشر، والتوراة والإنجيل، والزبور والفرقان، وجوز كون اللام للعهد وضمير معهم للنبيين باعتبار البعض أي أنزل مع كل واحد من بعض النبيين كتابه، ولا يخفى ما فيه من الركة {بِٱلْحَقّ} متعلق بـ {أَنَزلَ} أو حال من {ٱلْكِتَـٰبِ} أي متلبساً شاهداً به {لِيَحْكُمَ بَيْنَ ٱلنَّاسِ} علة للإنزال المذكور أوله وللبعث، وهذا البعث المعلل هو المتأخر عن الاختلاف فلا يضر تقدم بعثة آدم وشيث، وإدريس عليهم الصلاة والسلام بناءاً على بعض الوجوه السابقة والحكم بمعنى الفصل بقرينة تعلق بين به ولو كان بمعنى القضاء لتعدى بعلى؛ والضمير المستتر راجع إلى الله سبحانه ويؤيده قراءة الجحدري فيما رواه عنه مكي (لنحكم) بنون العظمة أو إلى النبـي وأفرد الفعل لأن الحاكم كل واحد من النبيين، وجوز رجوعه إلى الكتاب والإسناد حينئذ مجازي باعتبار تضمنه ما به الفصل، وزعم بعضهم أنه الأظهر إذ لا بد في عوده إلى الله تعالى من تكلف في المعنى أي يظهر حكمه وإلى النبـي من تكلف في اللفظ حيث لم يقل ليحكموا، ومما ذكرنا يعلم ما فيه من الضعف، والمراد من الناس المذكورون والإظهار في موضع الإضمار لزيادة التعيين. {فِيمَا ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ} أي في الحق الذي اختلفوا فيه بناءاً على أن وحدة الأمة بالاتفاق على الحق وإذا فسرت الوحدة بالاتفاق على الجهالة والكفر يكون الاختلاف مجازاً عن الالتباس والاشتباه اللازم له والمعنى فيما التبس عليهم. {وَمَا ٱخْتَلَفَ فِيهِ} أي في الحق بأن أنكروه وعاندوه أو في الكتاب المنزل متلبساً به بأن حرفوه وأولوه بتأويلات زائغة والواو حالية. {إِلاَّ ٱلَّذِينَ أُوتُوهُ} أي الكتاب المنزل لإزالة الاختلاف وإزاحة الشقاق أي عكسوا الأمر حيث جعلوا ما أنزل مزيحاً للاختلاف سبباً لرسوخه واستحكامه، وبهذا يندفع السؤال بأنه/ لما لم يكن الاختلاف إلا من الذين أوتوه ـ فالاختلاف لا يكون سابقاً على البعثة ـ وحاصله أن المراد هٰهنا استحكام الاختلاف واشتداده، وعبر عن ـ الإنزال بالإيتاء ـ للتنبيه من أول الأمر على كمال تمكنهم من الوقوف على ما فيه من الحق فإن ـ الإنزال ـ لا يفيد ذلك، وقيل: عبر به ليختص الموصول بأرباب العلم والدراسة من أولئك المختلفين، وخصهم بالذكر لمزيد شناعة فعلهم ولأن غيرهم تبع لهم. {مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ ٱلْبَيِّنَـٰتُ} أي رسخت في عقولهم الحجج الظاهرة الدالة على الحق، و {مِنْ} متعلقة بـ {ٱخْتَلَفُواْ} محذوفاً، والحصر على تسليم أن يكون مقصوداً مستفاد من المقام أو من حذف الفعل، ووقوع الظرف بعد حرف الاستثناء لفظاً، أو من تقدير المحذوف مؤخراً ـ وفي «الدرّ المصون» تجويز تعلقه بما اختلف قبله ـ ولا يمنع منه إلا كما قاله أبو البقاء، وللنحاة في هذا المقام كلام محصله أنّ استثناء شيئين بأداة واحدة بلا عطف غير جائز مطلقاً عند الأكثرين، لا على وجه البدل ولا غيره ـ ويجوز عند جماعة مطلقاً ـ وفصل بعضهم إن كان المستثنى منه مذكوراً مع كل من المستثنيين وهما بدلان جاز ـ وإلا فلا ـ واستدل من أجاز مطلقاً بقوله تعالى: {أية : وَمَا نَرَاكَ ٱتَّبَعَكَ إِلاَّ ٱلَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِىَ ٱلرَّأْى }تفسير : [هود: 27] فإنه لم يذكر فيه المستثنى أصلاً، والتقدير: ما نراك اتبعك أحد في حال إلا أراذلنا في بادي الرأي وأجاب من لم يجوّز بأن النصب بفعل مقدر أي: اتبعوا وبأنّ الظرف يكفيه رائحة الفعل فيجوز فيه ما لا يجوز في غيره ـ قاله الرضيّ ـ وهو مبنى الاختلاف في الآية. وقوله تعالى: {بَغْياً بَيْنَهُمْ} متعلق بما تعلق به {مِنْ} و ـ البغي ـ الظلم أو الحسد، و {بَيْنَهُمْ} متعلق بمحذوف صفة {بَغِيّاً} وفيه إشارة ـ على ما أرى ـ إلى أنّ هذا ـ البغي ـ قد باض وفرخ عندهم، فهو يحوم عليهم ويدور بينهم لا طمع له في غيرهم، ولا ملجأ له سواهم، وفيه إيذان بتمكنهم في ذلك وبلوغهم الغاية القصوى فيه ـ وهو فائدة التوصيف بالظرف ـ وقيل: أشار بذلك إلى أنّ البغي أمر مشترك بينهم وأنّ كلهم سفل، ومنشأ ذلك مزيد حرصهم في الدنيا وتكالبهم عليها. {فَهَدَى ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لِمَا ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ ٱلْحَقِّ بِإِذْنِهِ} أي بأمره أو بتوفيقه وتيسيره، و {مِنَ} بيان {لِمَا} والمراد للحق الذي اختلف الناس فيه ـ فالضمير عام شامل للمختلفين السابقين واللاحقين ـ وليس راجعاً إلى {ٱلَّذِينَ أُوتُوهُ} كالضمائر السابقة، والقرينة على ذلك عموم الهداية للمؤمنين السابقين على اختلاف أهل الكتاب واللاحقين بعد اختلافهم، وقيل: المراد من {ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} أمة محمد صلى الله عليه وسلم، والضمير في {ٱخْتَلَفُواْ} للذين أوتوه أي الكتاب، ويؤيده ما أخرجه ابن أبـي حاتم عن زيد بن أسلم قال: اختلفوا في يوم الجمعة، فأخذ اليهود يوم السبت، والنصارى يوم الأحد فهدى الله تعالى أمَّة محمد صلى الله عليه وسلم ليوم الجمعة. و اختلفوا في القبلة، فاستقبلت النصارى المشرق، واليهود بيت المقدس وهدى الله تعالى أمّة محمد صلى الله عليه وسلم للقبلة. و اختلفوا في الصلاة، فمنهم من يركع ولا يسجد، ومنهم من يسجد ولا يركع، ومنهم من يصلي وهو يتكلم، ومنهم من يصلي وهو يمشي، فهدى الله تعالى أمّة محمد صلى الله عليه وسلم للحق من ذلك. واختلفوا في الصيام، فمنهم من يصوم النهار والليل، ومنهم من يصوم عن بعض الطعام، فهدى الله أمّة محمد صلى الله عليه وسلم للحق من ذلك. واختلفوا في إبراهيم عليه الصلاة والسلام فقالت اليهود: كان يهودياً، وقالت النصارى: كان نصرانياً، وجعله الله تعالى حنيفاً مسلماً فهدى الله تعالى أمّة محمد صلى الله عليه وسلم للحق من ذلك. واختلفوا في عيسى عليه الصلاة/ والسلام، فكذبت به اليهود وقالوا لأمّه: بهتاناً عظيماً، وجعلته النصارى إلهاً وولداً، وجعله الله تعالى روحه وكلمته، فهدى الله تعالى أمّة محمد صلى الله عليه وسلم للحق من ذلك وقراءة أبـيّ بن كعب {فَهَدَى ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لِمَا ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ ٱلْحَقّ بِإِذْنِهِ لّيَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى ٱلنَّاسِ}. {وَٱللَّهُ يَهْدِى مَن يَشَاء إِلَىٰ صِرٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ} وهو طريق الحق الذي لا يضل سالكه، والجملة مقررّة لمضمون ما قبلها.

ابن عاشور

تفسير : استئناف لبيان أن اختلاف الأديان أمر كان في البشر لحكمة اقتضته وأنه قد ارتفع ذلك ورجع الله بالناس إلى وِحْدة الدين بالإسلام. والمناسبة بينها وبين ما تقدمها تحتمل وجوهاً: الأول: قال فخر الدين: إن الله تعالى لما بين في قوله: { أية : زين للذين كفروا الحياة الدنيا } تفسير : [البقرة: 212] أن سبب إصرار الكفار على كفرهم هو استبدالهم الدنيا بالآخرة بين في هذه الآية أن هذه الحالة غير مختصة بالذين كفروا بمحمد - صلى الله عليه وسلم - بل كانت حاصلة في الأزمنة المتقادمة لأن الناس كانوا أمة واحدة قائمة على الحق وما كان اختلافهم لسبب البغي والتحاسد في طلب الدنيا اهــــ، فتكون الجملة مستأنفة استئنافاً بيانياً لتنظير ما لقيه المسلمون بما كان في الأمم الغابرة. الثاني: يؤخذ من كلام الطيبي عند قوله تعالى: { أية : أم حسبتم أن تدخلوا الجنة } تفسير : [البقرة: 214] أخذ من كلام «الكشاف» أن المقصود من قوله: {كان الناس أمة واحدة} تشجيع الرسول - عليه السلام - والمؤمنين على الثبات والصبر على أذى المشركين بذكر ما قابلت به الأمم السالفة أنبياءها وما لقوا فيها من الشدائد اهــــ فالمناسبة على هذا في مدلولِ قوله تعالى: { أية : زين للذين كفروا الحياة الدنيا ويسخرون } تفسير : [البقرة: 212] إلخ، وتكون الجملة مستأنفة استئنافاً ابتدائياً للمناسبة. والظاهر عندي أن موقع هذه الآية هنا جامع لموقع تذييل لما قبلها ومقدمة لما بعدها. فأما الأول فلأنها أفادت بيان حالة الأمم الماضية كيف نشأ الخلاف بينهم في الحق مما لأجله تداركهم الله ببعثات الرسل في العصور والأجيال التي اقتضتها حكمة الله ولطفه مما يماثل الحالة التي نشأت فيها البعثة المحمدية وما لقيه الرسول والمسلمون من المشركين. وأما الثاني فلأنها مقدمة لما يرد بعدها من ذكر اختصاص الإسلام بالهداية إلى الحق الذي اختلفت فيه الأمم وهو مضمون قوله تعالى: {فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه} إلى قوله: {إلى صراط المستقيم} وذلك من خصائص كون الإسلام مهيمناً على ما سبقه من الشرائع الإلٰهية وتفضيله على جميع الأديان وأن هذه المزية العظمى يجب الاعتراف بها وألا تكون مثار حسد للنبي وأمته، رداً على حسد المشركين، إذ يسخرون من الذين آمنوا وعلى حسد أهل الكتاب الذي سبق التنبيه عليه في قوله تعالى: {سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم} إلى قوله { أية : يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم } تفسير : [البقرة: 142]. وحصل من عموم ذلك تعليم المسلمين تاريخ أطوار الدين بين عصور البشر بكلمات جامعة ختمت بقوله: {فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه} فإن كان المراد من كونهم أمة واحدة الوحدة في الخير والحق وهو المختار كما سيأتي فقد نبه الله أن الناس اختلفوا فبعث لهم أنبياء متفرقين لقصد تهيئة الناس للدخول في دين واحد عام، فالمناسبة حاصلة مع جملة { أية : ادخلوا في السلم كافة }تفسير : [البقرة: 208] بناء على أنها خطاب لأهل الكتاب أي ادخلوا في دين الإسلام الذي هدى الله به المسلمين. وإن كان المراد من كون الناس أمة واحدة الوحدة في الضلال والكفر يكون الله قد نبههم أن بعثة الرسل تقع لأجل إزالة الكفر والضلال الذي يحدث في قرون الجهالة، فكذلك انتهت تلك القرون إلى القرن الذي أعقبته بعثة محمد - صلى الله عليه وسلم - فتكون الآية تثبيتاً للمؤمنين فالمناسبة حاصلة مع قوله: { أية : زين للذين كفروا الحياة الدنيا } تفسير : [البقرة: 212]. فالمعنى أن الإسلام هدى إلى شريعة تجمع الناس كلهم تبييناً لفضيلة هذا الدين واهتداء أهله إلى ما لم يهتد إليه غيرهم، مع الإشارة إلى أن ما تقدمه من الشرائع تمهيد له وتأنيس به كما سنبينه عند قوله: {فهدى الله الذين آمنوا}. والناس اسم جمع ليس له مفرد من لفظه، و(أل) فيه للاستغراق لا محالة وهو هنا للعموم أي البشر كلهم، إذ ليس ثمة فريق معهود ولكنه عموم عرفي مبني على مراعاة الغالب الأغلب وعدم الاعتداد بالنادر لظهور أنه لا يخلو زمن غلب فيه الخير عن أن يكون بعض الناس فيه شريراً مثل عصر النبوة ولا يخلو زمن غلب فيه الشر من أن يكون بعض الناس فيه خيراً مثل نوح { أية : وما آمن معه إلاّ قليل } تفسير : [هود: 4]. والأمة بضمة الهمزة: اسم للجماعة الذين أمرهم واحد، مشتقة من الأم بفتح الهمزة وهو القصد أي يؤمون غاية واحدة، وإنما تكون الجماعة أمة إذا اتفقوا في الموطن أو الدين أو اللغة أو في جميعها. والوصف بــــ (واحدة) في الآية لتأكيد الإفراد في قوله (أمة) لدفع توهم أن يكون المراد من الأمة القبيلة، فيظن أن المراد كان الناس أهل نسب واحد، لأن الأمة قد تطلق على من يجمعهم نسب متحد. والوحدة هنا: مراد بها الاتحاد والتماثل في الدين بقرينة تفريع {فبعث الله النبيين} الخ، فيحتمل أن يكون المراد كانوا أمة واحدة في الحق والهدى أي كان الناس على ملة واحدة من الحق والتوحيد، وبهذا المعنى روى الطبري تفسيرها عن أُبَيّ بن كعب وابن عباس ومجاهد وقتادة وجابر بن زيد وهو مختار الزمخشري قال الفخر: وهو مختار أكثر المحققين قال القفال: بدليل قوله تعالى بعده {فبعث الله النبيين} إلى قوله {فيما اختلفوا فيه}، لأن تفريع الخبر ببعثة النبيين على الجملة السابقة وتعليل البعث بقوله {ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه} انتظم من ذلك كلام من بليغ الإيجاز وهو أن الناس كانوا أمة واحدة فجاءتهم الرسل بالترغيب والترهيب والوعد والوعيد ليدوموا على الحق خشية انصرافهم عنه إذا ابتدأ الاختلاف يظهر وأيدهم الله بالكتب ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه، فلا جرم أن يكون مجيء الرسل لأجل إبطال اختلاف حدث، وأن الاختلاف الذي يحتاج إلى بعثة الرسل هو الاختلاف الناشىء بعد الاتفاق على الحق كما يقتضيه التفريع على جملة {كان الناس أمة واحدة} بالفاء في قوله: {فبعث الله النبيين} وعلى صريح قوله: {ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه}. ولأجل هذه القرينة يتعين تقدير فاختلفوا بعد قوله {أمة واحدة}، لأن البعثة ترتبت على الاختلاف لا على الكون أمة واحدة، وعلى هذا الفهم قرأ ابن مسعود (كان الناس أمة واحدة فاختلفوا فبعث الله) الخ، ولو كان المراد أنهم كانوا أمة واحدة في الضلال لصح تفريع البعثة على نفس هذا الكون بلا تقدير ولولا أن القرينة صرفت عن هذا لكان هو المتبادر، ولهذا قال ابن عطية كل من قدَّر الناسَ في الآية كانوا مؤمنين قدَّر في الكلام فاختلفوا وكل من قدرهم كفاراً كانت بعثة الرسل إليهم اهــــ. ويؤيد هذا التقدير قوله في آية سورة يونس (19) {وما كان الناس إلا أُمة واحدة فاختلفوا} لأن الظاهر اتحاد غرض الآيتين، ولأنه لما أخبر هنا عن الناس بأنهم كانوا أمة واحدة ونحن نرى اختلافهم علمنا أنهم لم يدوموا على تلك الحالة. والمقصود من الآية على هذا الوجه التنبيه على أن التوحيد والهدى والصلاح هي الفطرة التي فطر الله الناس عليها حين خلقهم كما دلت عليه آية { أية : ألست بربكم } تفسير : [الأعراف: 172]، وأنها ما غشَّاها إلاّ تلقين الضلال وترويج الباطل وأن الله بعث النبيين لإصلاح الفطرة إصلاحاً جزئياً فكان هديهم مختلف الأساليب على حسب اختلاف المصالح والأهلية وشدة الشكائم، فكان من الأنبياء الميسر ومنهم المغلظ وأنه بعث محمداً لإكمال ذلك الإصلاح، وإعادة الناس إلى الوحدة على الخير والهدى وذلك معنى قوله: {فهدى الله الذين آمنوا} الخ. وعن عطاء والحسن أن المعنى كان الناس أمة واحدة متفقين على الضلال والشر وهو يروى عن ابن عباس أيضاً وعليه فعطف قوله {فبعث الله النبيين} عطف على اللفظ الظاهر لا تقدير معه أي كانوا كذلك فبعث الله النبيين فيعلم أن المراد ليرشدوا الناس إلى الحق بالتبشير والنذارة. فالمقصود من الآية على هذا التأويل إظهار أن ما بعث الله به النبيين قد وقع فيه التغيير والاختلاف فيما بعثوا به وأن الله بعث محمداً بالقرآن لإرشادهم إلى ما اختلفوا فيه فيكون المقصود بيان مزية دين الإسلام وفضله على سائر الأديان بما كان معه من البيان والبرهان. وأيّاً ما كان المراد فإن فعل كان هنا مستعمل في أصل معناه وهو اتصاف اسمها المخبر عنه بمضمون خبرها في الزمن الماضي وأن ذلك قد انقطع، إذ صار الناس منقسمين إلى فئتين فئة على الحق وفئة على الباطل. فإن كان المراد الوحدة في الحق فقد حصل ذلك في زمن كان الغالب فيه على الناس الرشد والاستقامة والصلاح والإصلاح فلم يكونوا بحاجة إلى بعثة الرسل إلى أن اختلفت أحوالهم فظهر فيهم الفساد، فقيل كان ذلك فيما بين آدم ونوح ونقل هذا عن ابن عباس وقتادة ومجاهد، وقال ابن عطية قال قوم كان ذلك زمن نوح كفر رجل قومه فهلكوا بالطوفان إلاّ من نجاه الله مع نوح فكان أولئك النفر الناجون أمة واحدة قائمة على الحق، وقيل إنما كان الناس على الحق حين خلق الله الأرواح التي ستودع في بني آدم ففطرها على الإسلام فأقروا له بالوحدانية والعبودية وهو ما في قوله تعالى في سورة الأعراف (172، 173): { أية : وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم } تفسير : على أحد تفاسير تلك الآية وروي هذا عن أبي بن كعب وجابر بن زيد والربيع بن سليمان. وفي تفسير الفخر} عن القاضي عبد الجبار وأبي مسلم الأصفهاني أن معنى الآية: كان الناس أمة واحدة في التمسك بالشرائع العقلية على وجود الخالق وصفاته واجتناب الظلم والكذب وحجتهما على ذلك أن قوله: {النبيين جمع يفيد العموم (أي لأنه معرف باللام) فيقتضي أن بعثة كل النبيين كانت بعد أن كان الناس أمة واحدة بدليل الفاء، والشرائع إنما تلقيت من الأنبياء، فتعين أن كون الناس أمة واحدة شيء سابق على شرائع الأنبياء ولا يكون إلاّ مستفاداً من العقل، وهما يعنيان أن الله فطر الإنسان في أول نشأته على سلامة الفطرة من الخطأ والضلال، قال تعالى: { أية : لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم } تفسير : [التين: 4] وقيل: أريد بالناس آدم وحواء. نقله ابن عطية عن مجاهد وقوم، والذي نجزم به أن هذا كان في زمن من أزمان وجود الناس على الأرض يعلمه الله تعالى لقوله: { أية : وقروناً بين ذلك كثيراً } تفسير : [الفرقان: 38] والأظهر أنه من زمن وجود آدم إلى أن أشرك قوم نوح. وإن كان المراد الوحدة على الباطل فقد حصل ذلك في زمن نوح في أول ما قص الله علينا مع ما ورد في الصحيح أن نوحاً أول الرسل إلى أهل الأرض، فيظهر أن الضلال حدث في أهل الأرض وعمَّهم عاجلاً فبعث الله نوحاً إليهم ثم أهلك الكافرين منهم بالطوفان ونجى نوحاً ونفراً معه فأصبح جميع الناس صالحين، ثم اختلفوا بعد ذلك فبعث الله النبيين. فيجدر بنا أن ننظر الآن فيما تضمنته هذه الآية من المعنى في تاريخ ظهور الشرائع وفي أسباب ذلك. الناس أبناء أب واحد وأم واحدة فلا جرم أن كانوا في أول أمرهم أمة واحدة لأن أبويهم لما ولدا الأبناء الكثيرين وتوالد أبناؤهما تألفت منهم في أمد قصير عائلة واحدة خلقت من مزاج نقي فكانت لها أمزجة متماثلة ونشأوا على سيرة واحدة في أحوال الحياة كلها وما كانت لتختلف إلاّ اختلافاً قليلاً ليس له أثر يؤبه به ولا يحدث في العائلة تنافراً ولا تغالباً. ثم إن الله تعالى لما خلق نوع الإنسان أراده ليكون أفضل الموجودات في هذا العالم الأرضي فلا جرم أن يكون خلقه على حالة صالحة للكمال والخير قال تعالى: { أية : لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم } تفسير : [التين: 4]. فآدم خلق في أحسن تقويم يليق بالذكر جسماً وعقلاً وألهمه معرفة الخير واتباعه ومعرفة الشر وتجنبه فكانت آراؤه مستقيمة تتوجه ابتداء لما فيه النفع وتهتدي إلى ما يحتاج للاهتداء إليه، وتتعقل ما يشار به عليه فتميز النافع من غيره ويساعده على العمل بما يهتدي إليه فكره جسد سليم قوي متين وحواءُ خلقت في أحسن تقويم يليق بالأنثى خلقاً مشابهاً لخلق آدم، إذ إنها خلقت كما خلق آدم، قال تعالى: { أية : خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها } تفسير : [النساء: 1] فكانت في انسياق عقلها واهتدائها وتعقلها ومساعدة جسدها على ذلك على نحو ما كان عليه آدم. ولا شك أن أقوى عنصر في تقويم البشر عند الخلقة هو العقل المستقيم فبالعقل تأتَّى للبشر أن يتصرف في خصائصه، وأن يضعها في مواضع الحاجة إليها. هكذا كان شأن الذكَر والأنثى فما ولدا من الأولاد نشأ مثل نشأتهما في الأحوال كلها، ألم تر كيف اهتدى أحد بني آدم إلى دفن أخيه من مشاهدة فعل الغراب الباحث في الأرض فكانت الاستنباط الفكري والتقليدُ به أسَّ الحضارة البشرية. فالصلاح هُوَ الأصل الذي خلق عليه البشر ودام عليه دهراً ليس بالقصير، ثم أخذ يرتد إلى أسفل سافلين، ذلك أن ارتداد الإنسان إلى أسفل سافلين إنما عرض له بعوارض كانت في مبدأ الخليقة قليلة الطرُوّ أوْ معدومته، لأن أسباب الانحراف عن الفطرة السليمة لا تعدو أربعة أسباب: الأول: خلل يعرض عند تكوين الفرد في عقله أو في جسده فينشأ منحرفاً عن الفضيلة لتلك العاهة. الثاني: اكتساب رَذائل من الأخلاق من مخترعات قواه الشهوية والغضبية ومن تقليد غيره بداعية استحسان ما في غيره من مفاسد يخترعها ويدعو إليها. الثالث: خواطر خياليّة تحدث في النفس مخالفة لما عليه الناس كالشهوات والإفراط في حب الذات أو في كراهية الغير مما توسوس به النفس فيفكر صاحبها في تحقيقها. الرابع: صدور أفعال تصدر من الفرد بدواع حاجية أو تكميلية ويجدها ملائمة له أو لذيذة عنده فيلازمها حتى تصير له عادة وتشتبه عنده بعد طول المدة بالطبيعة، لأن العادة إذا صادفت سذاجة من العقل غير بصيرة بالنواهي رسخت فصارت طبعاً. فهذه أربعة أسباب للانحطاط عن الفطرة الطيبة، والأول كان نادر الحدوث في البشر، لأن سلامة الأبدان وشبابَ واعتدالَ الطبيعة وبساطةَ العيش ونظامَ البِيئة كل تلك كانت موانع من طرو الخلل التكويني، ألا ترى أن نوع كل حيوانٍ يلازم حال فطرته فلا ينحرف عنها باتباع غيره. والثاني كان غير موجود، لأن البشر يومئذٍ كانوا عائلة واحدة في موطن واحد يسير على نظام واحد وتربية واحدة وإحساس واحد فمن أين يجيئه الاختلاف؟ والثالث ممكن الوجود لكن المحبة الناشئة عن حسن المعاشرة وعن الإلف، والشفقة الناشئة عن الأخوة والمواعظ الصادرة عن الأبوين كانت حُجباً لما يهجس من هذا الإحساس. والرابع لم يكن بالذي يكثر في الوقت الأول من وجود البشر، لأن الحاجات كانت جارية على وفق الطباع الأصلية ولأن التحسينات كانت مفقودة، وإنما هذا السبب الرابع من موجبات الرقي والانحطاط في أحوال الجمعيات البشرية الطارئة. أما حادثة قتل ابن آدم أخاه فما هي إلاّ فلتة نشأت عن السبب الثالث عن إحساس وجداني هو الحسَد مع الجهل بمغبة ما ينشأ عن القتل؛ لأن البشر لم يعرف الموت إلاّ يومئذٍ ولذلك أسرعت إليه الندامة، فتبين أن الصلاح هو حال الأمة يومئذٍ أو هو الغالب عليها. وينشأ عن هذا الصلاح والاستقامة في الآباء دوام الاستقامة في النسل، لأن النسل مُنْسَلٌ من ذوات الأصول فهو ينقل ما فيها من الأحوال الخِلقية والخُلُقية، ولما كان النسل منسَلاَ من الذكر والأنثى كان بحكم الطبع محصِّلاً على مجموع من الحالتين فإن استوت الحالتان أو تقاربتا جاء النسل على أحوال مساويةِ المظاهرِ لأحوال سلفه، قال نوح - عليه السلام - في عكسه { أية : ولا يَلدوا إلاّ فاجراً كفاراً } تفسير : [نوح: 27]، ومما يدل على أن حال البشر في أول أمره صلاحٌ ما نقله في «الكشاف» عن ابن عباس أنه كان بين آدم ونوح عشرة قرون على شريعة من الحق. ثم كثرت العائلة البشرية وتكونت منها القبيلة فتكاثرت ونشأ فيها مع الزمان قليلاً قليلاً خواطر مختلفة ودبت فيها أسباب الاختلاف في الأحوال تبعاً لاختلاف بين حالي الأب والأم، فجاء النسل على أحوال مركبة مخالفة لكل من مفرد حالتي الأب والأم، وبذلك حدثت أمزجة جديدة وطرأت عليها حينئذٍ أسباب الانحطاط الأربعة، وصارت ملازمة لطوائف من البشر بحكم التناسل والتلقي، هنالك جاءت الحاجة إلى هدي البشر ببعثة الرسل، والتاريخُ الديني دلنا على أن نوحاً أول الرسل الذين دَعوا إلى الله تعالى قال تعالى: { أية : شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً } تفسير : [الشورى: 13] الآية، ولما ذكر الرسل في آيات القرآن ابتدأهم في جميع تلك الآيات بنوح ولم يذكر آدم وفي حديث الشفاعة في الصحيح تصريح بذلك أن آدم يقول للذين يستشفعون به إني لست هناكم، ويذكر خطيئته ايتوا نوحاً أول رسول أرسله الله إلى أهل الأرض، وبهذا يتعين أن خطيئة قابيل ليست مخالفة شرع مشروع، وأن آدم لم يكن رسولاً وأنه نبيء صالح أوحي إليه بما يهذب ابناءه ويعلمهم بالجزاء. فقوله تعالى: {فبعث الله النبيين} هو على الوجه الأول مفرع على ما يؤذن به قوله: {كان الناس أمة واحدة} مع تحقق وجود الخلاف بينهم بالمشاهدة من إرادة أن كونهم {أمة واحدة} دام مدة ثم انقضى، فيكون مفرعاً على جملة مقدرة تقديرها فاختلفوا فبعث الله النبيين، وعلى الوجه الآخر مفرعاً على الكون أمة واحدة في الباطل فعلى الأول يكون أول النبيين المبعوثين نوحاً، لأنه أول الرسل لإصلاح الخلق. وعلى الثاني: يكون أولهم آدم بعث لبنيه لما قتل أحدهم أخاه؛ فإن الظاهر أن آدم لم يبعث بشريعة لعدم الدواعي إلى ذلك، وإنما كان مرشداً كما يرشد المربي عائلته. والمراد بالنبيين هنا الرسل بقرينة قوله: {وأنزل معهم الكتاب بالحق} والإرسال بالشرائع متوغل في القدم وقبله ظهور الشرط وهو أصل ظهور الفواحش لأن الاعتقاد الفاسد أصل ذميم الفعال، وقد عبد قوم نوح الأصنام، عبدوا ودا وسواعا ويغوث ويعوق ونسرا وهم يومئذٍ لم يزالوا في مواطن آدم وبنيه في (جبال نوذ) من بلاد الهند كما قيل، وفي البخاري عن ابن عباس أن ودّاً وسواعاً ويغوث ويعوق ونسراً كانوا من صالحي قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصاباً وسموها بأسمائهم ففعلوا فلم تعبد، حتى إذا هلك أولئك وتنسخ العلم عبدت اهــــ، وقيل كانوا من صالحي قوم آدم، وقيل إن سواعاً هو ابن شيث وأن يغوث ابن سواع ويعوق ابن يغوث ونسر بن يعوق، وقيل إنهم من صالحي عصر آدم ماتوا فنحت قابيل بن آدم لهم صوراً ثم عبدوهم بعد ثلاثة أجيال، وهذا كله زمن متوغل في القدم قبل التاريخ فلا يؤخذ إلاّ بمزيد الاحتراز، وأقدم شريعة أثبتها التاريخ شريعة برهمان في الهند فإنها تبتدىء من قبل القرن الثلاثين قبل الهجرة. وفي هذا العهد كانت في العراق شريعة عظيمة ببابل وضعها ملك بابل المدعو (حَمُورَابي) ويظن المؤرخون أنه كان معاصراً لإبراهيم عليه السلام وأنه المذكور في «سفر التكوين» باسم (ملْكي صادق) الذي لقي إبراهيم في شاليم وبارك إبراهيم ودعا له. والبعث: الإرسال والإنهاض للمشي ومنه بعث البعير إذا أنهضه بعد أن برك والبعث هنا مجاز مستعمل في أمر الله النبي بتبليغ الشريعة للأمة. و (النبيين) جمع نبي وهو فعيل بمعنى مفعول مشتق من النبأ وهو الخبر المهم، لأن الله أخبره بالوحي وعلم ما فيه صلاح نفسه وصلاح من ينتسب إليه، فإن أمره بتبليغ شريعة الأمة فهو رسول فكل رسول نبيء، والقرآن يذكر في الغالب النبي مراداً به الرسول، وقد ورد أن عدد الأنبياء مائة ألف وأربعة وعشرون ألفاً لا يعلم تفصيلهم وأزمانهم إلاّ الله تعالى قال تعالى: { أية : وقروناً بين ذلك كثيراً } تفسير : [الفرقان: 38] وقال: { أية : وكم أهلكنا من القرون من بعد نوح } تفسير : [الإسراء: 17]. وعدد الرسل ثلاثمائة وثلاثة عشر. والمراد بالنبيين هنا خصوص الرسل منهم بقرينة قوله {بعث} وبقرينة الحال في قوله: {مبشرين ومنذرين}، لأن البشارة والإنذار من خصائص الرسالة والدعوة وبقرينة ما يأتي من قوله: {وأنزل معهم الكتاب بالحق} الآية. فالتعريف في (النبيين) للاستغراق وهو الاستغراق الملقب بالعرفي في اصطلاح أهل المعاني. والبشارة: الإعلام بخير حصل أو سيحصل، والنذارة بكسر النون الإعلام بشر وضر حصل أو سيحصل، وذلك هو الوعد والوعيد الذي تشتمل عليه الشرائع. فالرسل هم الذين جاءوا بالوعد والوعيد، وأما الأنبياء غير الرسل فإن وظيفتهم هي ظهور صلاحهم بين قومهم حتى يكونوا قدوة لهم، وإرشاد أهلهم وذويهم ومريديهم للاستقامة من دون دعوة حتى يكون بين قومهم رجال صالحون، وإرشاد من يسترشدهم من قومهم، وتعليم من يرونه أهلاً لعلم الخير من الأمة. ثم هم قد يجيئون مؤيدين لشريعة مضت كمجيء إسحاق ويعقوب والأسباط لتأييد شريعة إبراهيم - عليه السلام -، ومجيء أنبياء بني إسرائيل بعد موسى لتأييد التوراة، وقد لا يكون لهم تعلق بشرع من قبلهم كمجيء خالد بن سنان العَبْسي نبيئاً في عَبْس من العرب. وقوله: {وأنزل معهم الكتاب}، الإنزال: حقيقته تدلية الجسم من علو إلى أسفل، وهو هنا مجاز في وصول الشيء من الأعلى مرتبة إلى من هو دونه، وذلك أن الوحي جاء من قبل الله تعالى ودال على مراده من الخلق فهو وارد للرسل في جانب له علو منزلة. وأضاف مع إلى ضمير النبيين إضافة مجملة واختير لفظ مع دون عليهم ليصلح لمن أنزل عليه كتاب منهم مثل إبراهيم وموسى وعيسى ومحمد، ولمن جاء مؤيداً لمن قبله مثل أنبياء بني إسرائيل بين موسى وعيسى. والكتاب هو المكتوب، وأطلق في اصطلاح الشرع على الشريعة لأن الله يأمر الناس بكتابتها لدوام حفظها والتمكن من مدارستها، وإطلاق الكتاب عليها قد يكون حقيقة إن كانت الشريعة في وقت الإطلاق قد كتبت أو كتب بعضها كقوله تعالى: { أية : الم ذلك الكتاب } تفسير : [البقرة: 1 ـــ 2] على أحد الوجهين المتقدمين هنالك، وقد يكون مجازاً على الوجه الآخر، وما هنا يحمل على الحقيقة لأن الشرائع قد نزلت وكتبت وكتب بعض الشريعة المحمدية. والمعية معية اعتبارية مجازية أريد بها مقارنة الزمان، لأن حقيقة المعية هي المقارنة في المكان وهي المصاحبة، ولعل اختيار المعية هنا لما تؤذن به من التأييد والنصر قال تعالى: { أية : إنني معكما أسمع وأرى } تفسير : [طه: 20] وفي الحديث « حديث : ومعك روح القدس » تفسير : . والتعريف في الكتاب للاستغراق، أي وأنزل مع النبيين الكتب التي نزلت كلها وهو من مقابلة الجمع بالجمع على معنى التوزيع، فالمعنى أنزل مع كل نبي كتابه وقرينة التوزيع موكولة لعلم السامعين لاشتهار ذلك. وإنما أفرد الكتاب ولم يقل الكتب، لأن المفرد والجمع في مقام الاستغراق سواء، وقد تقدم مع ما في الإفراد من الإيجاز ودفع احتمال العهد إذ لا يجوز أن ينزل كتاب واحد مع جمع النبيين؛ فتعين أن يكون المراد الاستغراق لا العهد، وجوز صاحب «الكشاف» كون اللام للعهد والمعنى أنزل مع كل واحد كتابه. والضمير في {ليحكم} راجع إلى الكتاب فإسناد الحكم إلى الكتاب مجاز عقلي، لأنه مبين ما به الحكم، أو فعل يحكم مجاز في البيان. ويجوز رجوع الضمير إلى اسم الجلالة أي أنزل الله الكتاب ليحكم بينهم إسناد الحكم مجاز عقلي، لأنه المسبب له والأمر بالقضاء به، وتعدية (يحكم) ببين لأنه لم يعين فيه محكوم له أو عليه. وحكم الكتاب بين الناس بيان الحق والرشد والاستدلال عليه، وكونه فيما اختلفوا فيه كناية عن إظهاره الحق، لأن الحق واحد لا يختلف فيه إلاّ عن ضلال أو خطأ، ولهذا قال جمهور علمائنا إن المصيب في الاجتهاديات واحد. عطف على جملة {وأنزل معهم الكتاب بالحق} لبيان حقيقة أخرى من أحوال اختلاف الأمم وهو الاختلاف بين أهل الكتاب بعضهم مع بعض وبين أهل الكتاب الواحد مع تلقيهم ديناً واحداً، والمعنى وأنزل معهم الكتاب بالحق فاختلف فيه كما قال تعالى: { أية : ولقد آتينا موسى الكتاب فاختلف فيه } تفسير : [هود: 110]. والمعنى وما اختلف فيه إلا أقوامهم الذين أوتوا كتبهم فاستغنى بجملة القصر عن الجملة الأخرى لتضمن جملة القصر إثباتاً ونفياً. فاللَّه بعث الرسل لإبطال الضلال الحاصل من جهل البشر بصلاحهم فجاءت الرسل بالهدى، اتبعهم من اتبعهم فاهتدى وأعرض عنهم من أعرض فبقي في ضلالة، فإرسال الرسل لإبطال الاختلاف بين الحق والباطل، ثم أحدث اتباع الرسل بعدهم اختلافاً آخر وهو اختلاف كل قوم في نفس شريعتهم. والمقصود من هذا بيان عجيب حال البشر في تسرعهم إلى الضلال، وهي حقيقة تاريخية من تاريخ الشرائع، وتحذير المسلمين من الوقوع في مثل ذلك. والتعريض بأهل الكتاب وهم أشهر أهل الشرائع يومئذٍ فيما صنعوا بكتبهم من الاختلاف فيها، وهذا من بديع استطراد القرآن في توبيخ أهل الكتاب وخاصة اليهود وهي طريقة عربية بليغة قال زهير: شعر : إن البخيل ملوم حين كان ولكن الجوادَ على علاَّته هرم تفسير : وقال الفرزدق يمدح الخليفة ويستطرد بهجاء جرير: شعر : إلى مَلِك ما أُمُّه من مُحَارِب أبُوه ولا كانَتْ كُلَيْبٌ تصاهره تفسير : والضمير من قوله: {فيه} يجوز أن يعود إلى الكتاب وأن يعود إلى الحق الذي تضمنه الكتاب، والمعنى على التقديرين واحد، لأن الكتاب أنزل ملابساً للحق ومصاحباً له فإذا اختلف في الكتاب اختلف في الحق الذي فيه وبالعكس على طريقة قياس المساواة في المنطق. والاختلاف في الكتاب ذهاب كل فريق في تحريف المراد منه مذهباً يخالف مذهب الآخر في أصول الشرع لا في الفروع، فإن الاختلاف في أصوله يعطل المقصود منه. وجيء بالموصول دون غيره من المعرفات لما في الصلة من الأمر العجيب وهو أن يكون المختلفون في مقصد الكتاب هم الذين أعطوا الكتاب ليزيلوا به الخلاف بين الناس فأصبحوا هم سبب خلاف فيه، ولا شك أن ذلك يبطل المراد منه. والمعنى تشنيع حال الذين أوتوه بأن كانوا أسوأ حالاً من المختلفين في الحق قبل مجيء الشرائع، لأن أولئك لهم بعض العذر بخلاف الذين اختلفوا بعد كون الكتاب بأيديهم. وقوله: {من بعد ما جاءتهم البينات} متعلق باختلف، والبينات جمع بينة وهي الحجة والدليل. والمراد بالبينات هنا الدلائل التي من شأنها الصدّ عن الاختلاف في مقاصد الشريعة، وهي النصوص التي لا تحتمل غير مدلولاتها أعني قواطع الشريعة، والظواهر المتعاضدة التي التحقت بالقواطع. والظواهر التي لم يدع داع إلى تأويلها ولا عارضها معارض. والظواهر المتعارضة التي دل تعارضها على أن محمل كل منها على حالة لا تعارض حالة محمل الآخر وهو المعبر عنه في الأصول بالجمع بين الأدلة وتواريخ التشريع الدالة على نسخ حكم حكماً آخر، أو ما يقوم مقام التاريخ من نحو هذا ناسخ، أو كان الحكم كذا فصار كذا، فهذه بينات مانعة من الاختلاف لو كان غرض الأمم اتباع الحق ومجىء البينات بلوغ ما يدل عليها وظهور المراد منها. والبعدية هنا: بعدية اعتبار لم يقصد منها تأخر زمان الاختلاف عن مجيء البينات، وإن كان هو كذلك في نفس الأمر، أي إن الخلاف كان في حالة تقررت فيها دلائل الحق في نفوس المختلفين. وقوله: {بغياً بينهم} مفعول لأجله لاختلفوا، والبغي: الظلم وأصل البغي في كلام العرب الطلب، ثم شاع في طلب ما للغير بدون حق فصار بمعنى الظلم معنى ثانياً وأطلق هنا على الحسد لأن الحسد ظلم. والمعنى أن داعي الاختلاف هو التحاسد وقصد كل فريق تغليط الآخر فيحمل الشريعة غير محاملها ليفسد ما حملها عليه الآخر فيفسد كل فريق صواب غيره وأما خطؤه فأمره أظهر. وقوله: {بينهم} متعلق بقوله: {بغياً} للتنصيص على أن البغي بمعنى الحسد، وأنه ظلم في نفس الأمة وليس ظلماً على عدوها. واعلم أن تعلق كل من المجرور وهو {من بعد ما جاءتهم} وتعلق المفعول لأجله وهو {بغياً} بقوله: {اختلف} الذي هو محصور بالاستثناء المفرغ، ويستلزم أن يكون كلاهما محصوراً في فاعل الفعل الذي تعلقا به، فلا يتأتى فيه الخلاف الذي ذكره الرضي بين النحاة في جواز استثناء شيئين بعد أداة استثناء واحدة، لأن التحقيق أنّ ما هنا ليس استثناء أشياء بل استثناء شيء واحد وهم الذين أوتوه، لكنه مقيد بقيدين هما {من بعد ما جاءتهم البينات} و{بغياً} إذ المقصود أن الخلاف لم يكن بين أهل الدين ومعانديه، ولا كان بين أهل الدين قبل ظهور الدلائل الصارفة عن الخلاف، ولا كان ذلك الخلاف عن مقصد حسن بل كان بين أهل الدين الواحد، مع قيام الدلائل وبدافع البغي والحسد. والآية تقتضي تحذير المسلمين من الوقوع فيما وقعت فيه الأمم السابقة من الاختلاف في الدين أي في أصول الإسلام، فالخلاف الحاصل بين علماء الإسلام ليس اختلافاً في أصول الشريعة، فإنها إجماعية، وقد أجمعوا على أنهم يريدون تحقيقها، ولذلك اتفقت أصولهم في البحث عن مراد الله تعالى وعن سنة رسوله للاستدلال عن مقصد الشارع وتصرفاته، واتفقوا في أكثر الفروع، وإنما اختلفوا في تعيين كيفية الوصول إلى مقصد الشارع، وقد استبرءوا للدِّين فأعلنوا جميعاً أن لله تعالى حكماً في كل مسألة، وأنه حكم واحد، وأنه كلف المجتهدين بإصابته وأن المصيب واحد، وأن مخطئه أقل ثواباً من مصيبه، وأن التقصير في طلبه إثم. فالاختلاف الحاصل بين علمائنا اختلاف جليل المقدار موسع للأنظار. أما لو جاء أتباعهم فانتصروا لآرائهم مع تحقق ضعف المدرك أو خطئه لقصد ترويج المذهب وإسقاط رأي الغير فذلك يشبه الاختلاف الذي شنعه الله تعالى وحذرنا منه فكونوا من مثله على حذر ولا تكونوا كمثل قول المعري: شعر : فمجادل وصَلَ الجدالَ وقد درى أن الحقيقة فيه ليس كما زعَمْ عَلِم الفتى النَّظَّار أن بصائرا عميتْ فكم يُخفى اليقين وكم يُعَم تفسير : وقوله: {فهدى الله الذين آمنوا} هذا العطف يحتمل أن الفاء عاطفة على {اختلف فيه}الذي تضمنته جملة القصر، قال ابن عرفة: عطف بالفاء إشارة إلى سرعة هدايته المؤمنين بعقب الاختلاف اهــــ، يريد أنه تعقيب بحسب ما يناسب سرعة مثله وإلا فهدى المسلمين وقع بعد أزمان مضت، حتى تفاقم اختلاف اليهود واختلاف النصارى، وفيه بعد لا يخفى، فالظاهر عندي أن الفاء فصيحة لما علم من أن المقصود من الكلام السابق التحذير من الوقوع في الاختلاف ضرورة أن القرآن إنما نزل لهدي المسلمين للحق في كل ما اختلف فيه أهل الكتب السالفة فكأنَّ السامعَ ترقب العلم بعاقبة هذا الاختلاف فقيل: دامَ هذا الاختلاف إلى مجيء الإسلام فهدى الله الذين آمنوا إلخ، فقد أفصحت عن كلام مقدر وهو المعطوف عليه المحذوف كقوله تعالى: { أية : اضرب بعصاك الحجر فانفجرت } تفسير : [البقرة: 60]. والمراد من الذين آمنوا المسلمون لا محالة، والضمير في {اختلفوا} عائد للمختلفين كلهم، سواء الذين اختلفوا في الحق قبل مجيء الرسل والذين اختلفوا في الشرائع بعد مجيء الرسل والبينات ولذلك بينه بقوله: {من الحق} وهو الحق الذي تقدم ذكره في قوله: {وأنزل معهم الكتاب بالحق} اختلاف الفريقين راجع إلى الاختلاف في تعيين الحق إما عن جهل أو عن حسد وبغي. والإذن: الخطاب بإباحة فعل وأصله مشتق من فعل أذنَ إذا أصغى أُذُنه إلى كلام مَن يكلمه، ثم أطلق على الخطاب بإباحة فعل على طريقة المجاز بعلاقة اللزوم لأن الإصغاء إلى كلام المتكلم يستلزم الإقبال عليه وإجابةَ مطلبه، وشاع ذلك حتى صار الإذن أشْيَع في معنى الخطاب بإباحة الفعل، وبذلك صار لفظ الإذن قابلاً لأن يستعمل مجازاً في معان من مشابهات الخطاب بالإباحة، فأطلق في هذه الآية على التمكين من الاهتداء وتيسيره بما في الشرائع من بيان الهُدى والإرشاد إلى وسائل الاهتداء على وجه الاستعارة، لأن من ييسر لك شيئاً فكأنه أباح لك تناوله. وفي هذا إيماء إلى أن الله بعث بالإسلام لإرجاع الناس إلى الحق وإلى التوحيد الذي كانوا عليه، أو لإرجاعهم إلى الحق الذي جاءت الرسل لتحصيله، فاختلف أتباعهم فيه بدلاً من أن يحققوا بأفهامهم مقاصد ما جاءت به رسلهم، فحصل بما في الإسلام من بيان القرآنِ الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه وضوحُ الحق والإرشاد إلى كيفية أخذه، فحصل بمجيء الإسلام إتمام مراد الله مما أنزل من الشرائع السالفة. وقوله: {والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم} تذييل لبيان أن فضل الله يعطيه من يشاء، وهذا إجمال، وتفصيله أن حكمة الله اقتضت أن يتأخر تمام الهدى إلى وقت مجىء شريعة الإسلام لمَّا تهيأَ البشر بمجيء الشرائع السابقة لقبول هذه الشريعة الجامعة، فكانت الشرائع السابقة تمهيداً وتهيئة لقبول دين الإسلام، ولذلك صدرت هذه الآية بقوله: {كان الناس أمة واحدة}، فكما كان البشر في أول أمره أمة واحدة على هدى بسيط ثم عرضت له الضلالات عند تحرك الأفكار البشرية، رجع البشر إلى دين واحد في حالة ارتقاء الأفكار، وهذا اتحاد عجيب، لأنه جاء بعد تشتت الآراء والمذاهب، ولذا قال تعالى: {إن الدين عند الله الإسلام وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغياً بينهم}، وفي الحديث: « حديث : مَثَل المسلمين واليهود والنصارى كمثلِ رجلٍ استأْجَر قوماً يعملون له عملاً يوماً إلى الليل على أجر معلوم فعملوا له إلى نصف النهار فقالوا لا حاجة لنا إلى أجرك الذي شرطتَ لنا وما عَمِلنا باطل فقال لهم لا تفعلوا أَكمِلوا بقيةَ عملكم وخُذُوا أجركم كاملاً فأَبَوْا وتركوا، واستأجر آخرين بعدهم فقال لهم: أَكملوا بقية يومكم هذا ولكم الذي شرطتُ لهم من الأجر فعملوا حتى إذا كان حين صلاة العصر قالوا: لك ما عملنا باطل ولك الأجر الذي جعلتَ لنا فيه، فقال لهم أَكملوا بقية عملكم فإنما بقي من النهار شيء يسير فأَبَوْا، واستأجر قوماً أن يعملوا له بقية يومهم فعملوا بقية يومهم حتى غابت الشمس واستكملوا أجر الفريقين كليهما، فذلك مثَلُهم ومثَلُ ما قبلوا من هذا النور، فقالت اليهود والنصارى ما لَنا أكثرُ عملاً وأقَلُّ عطاء، قال هل ظلمتكم من حقكم شيئاً؟ قالوا: لا، قال: فذلك فضلي أوتيه من أشاء ».

الواحدي

تفسير : {كان الناس} على عهد إبراهيم عليه السَّلام {أمة واحدة} كفاراً كلَّهم {فبعث الله النبيين} إبراهيم وغيره {وأنزل معهم الكتاب} والكتابُ اسم الجنس {بالحق} بالعدل والصِّدق {ليحكم بين الناس} أَيْ: الكتابُ {فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه إلاَّ الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغياً} أَيْ: وما اختلفَ في أمر محمَّدٍ بعد وضوح الدّلالات لهم بغياً وحسداً إلاَّ اليهودُ الذين أوتوا الكتاب؛ لأنَّ المشركين - وإن اختلفوا في أمر محمَّد عليه السَّلام - فإنَّهم لم يفعلوا ذلك للبغي، والحسد، ولم تأتهم البيِّنات في شأن محمَّد عليه السَّلام، كما أتت اليهود، فاليهود مخصوصون من هذا الوجه {فهدى الله الذين آمنوا} {لـ} معرفة {ما اختلفوا فيه من الحق بإذنه} بعلمه وإرادته فيهم. {أم حسبتم أن تدخلوا الجنة...} الآية. نزلت في فقراء المهاجرين حين اشتدَّ الضُّرُّ عليهم؛ لأنَّهم خرجوا بلا مالٍ، فقال الله لهم [أَيْ لهؤلاء المهاجرين]: أم حسبتم أن تدخلوا الجنَّة من غير بلاءٍ ولا مكروهٍ {ولما يأتكم} أَيْ: ولم يأتكم {مثل الذين خلوا} أَيْ: مثل محنة الذين مضوا {من قبلكم} أَيْ: ولم يُصبكم مثل الذي أصابهم، فتصبروا كما صبروا {مَسَّتْهُم البأساء} الشدَّة {والضرَّاء} المرض والجوع {وزلزلوا} أَيْ: حُرِّكوا بأنواع البلاء {حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله} أَيْ: حين استبطؤوا النَّصر، فقال الله: {ألا إنَّ نصر الله قريب} أَيْ: أنا ناصر أوليائي لا محالة. {يسألونك ماذا ينفقون} نزلت في عمرو بن الجموح، وكان شيخاً كبيراً وعنده مالٌ عظيمٌ، فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم: ماذا ننفق من أموالنا؟ وأين نضعُها؟ فنزلت هذه الآية. قال كثيرٌ من المفسرين: هذا كان قبل فرض الزكاة، فلمَّا فُرضت الزَّكاة نسخت الزَّكاة هذه الآية.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: كان الناس أمة واحدة: كانوا قبل وجود الشرك فيهم أمة واحدة على الإِسلام والتوحيد وذلك قبل قوم نوح. النبيّون: جمع نبيّ والمراد بهم الرسل إذ كل نبي رسول بدليل رسالتهم القائمة على البشارة والنذارة والمستمدة من كتب الله تعالى المنزلة عليهم. الكتاب: اسم جنس يدخل فيه كل الكتب الإِلهية. أوتوه: أعطوه. البينات: الحجج والبراهين تحملها الرسل إليهم وتورثها فيهم شرائع وأحكاماً وهدايات عامة. بغياً: البغي الظلم والحسد. الصراط المستقيم: الإِسلام المفضي بصاحبه إلى السعادة والكمال في الحياتين. معنى الآية الكريمة: يخبر تعالى أن الناس كانوا ما بين آدم ونوح عليهما السلام في فترة طويلة أمةً واحدة على دين الإِسلام لم يعبد بينهم إلا الله تعالى حتى زيّن الشيطان لبعضهم عبادة غير الله تعالى فكان الشرك والضلال فبعث الله تعالى لهدايتهم نوحاً عليه السلام فاختلفوا إلى مؤمن وكافر وموحد ومشرك، وتوالت الرسل تحمل كتب الله تعالى المتضمنة الحكم الفصل في كل ما يختلفون فيه. ثم أخبر تعالى عن سنته في الناس وهي أن الذين يختلفون في الكتاب أي فيما يحويه من الشرائع والأحكام هم الذين سبق أن أوتوه وجاءتهم البينات فهؤلاء يحملهم الحسد وحب الرئاسة، والإِبقاء على مصالحهم على عدم قبول ما جاء به الكتاب، واليهود هم المثل لهذه السنة فإنهم أوتوا التوراة فيها حكم الله تعالى وجاءتهم البينات على أيدي العابدين من أنبيائهم ورسلهم واختلفوا في كثير من الشرائع والأحكام وكان الحامل له على ذلك البغي والحسد والعياذ بالله. وهدى الله تعالى أمة محمد صلى الله عليه وسلم لما اختلف فيه أهل الكتابين اليهود والنصارى فقال تعالى {فَهَدَى ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} لما اختلف فيه أولئك المختلفون من الحق هداهم بإذنه ولطفه وتوفيقه فله الحمد وله المنة. ومن ذلك الحق الذي اختلف فيه أهل الكتاب من قبلنا وهدانا الله تعالى إليه: 1- الإِيمان بعيسى عبد الله ورسوله حيث كفر به اليهود وكذبوه واتهموه بالسحر وحاولوا قتله؟ وألَّهَةُ النصارى، وجعلوه إلهاً مع الله، وقالوا فيه إنه ابن الله. تعالى الله عن الصاحبة والولد. 2- يوم الجمعة وهو أفضل الأيام أخذ اليهود السبت والنصارى الأحد وهدى الله تعالى إليه أمة الإِسلام. 3- القبلة قبلة أبي الأنبياء إبراهيم استقبل اليهود بيت المقدس واستقبل النصارى مطلع الشمس وهدى الله أمة الإِسلام إلى إستقبال البيت العتيق قبلة إبراهيم عليه السلام. والله يهدي من شاء إلى صراط مستقيم. هداية الآية: من هداية الآية: 1- الأصل هو التوحيد والشرك طارىء على البشرية. 2- الأصل في مهمة الرسل البشارة لمن آمن واتقى؟ والنذارة لمن كفر وفجر، وقد يشرع لهم قتال من يقاتلهم فيقاتلونه كما شرع ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم. 3- من علامات خذلان الأمة وتعرضها للخسار والدمار أن تختلف في كنابها ودينها فيحرفون كلام الله ويبدلون شرائعه طلبا للرئاسة وجريا وراء الأهواء والعصبيّات، وهذا الذي تعانى منه أمة الإِسلام اليوم وقبل اليوم، وكان سبب دمار بني إسرائيل. 4- أمة الإِسلام التي تعيش على الكتاب والسنة عقيدة وعبادة وقضاء هي المعنية بقوله تعالى: {فَهَدَى ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لِمَا ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ ٱلْحَقِّ بِإِذْنِهِ}. 5- الهداية بيد الله فليطلب العبد دائماً الهداية من الله تعالى بسؤاله المتكرر أن يهديه دائماً إلى الحق.

القطان

تفسير : الأمة: الجماعة من الناس. والأمة: الملة والعقيدة، والأمة الزمن، (وادَّكَر بعد أمُة) والأمة: الامام، (ان ابراهيم كان أمة)، والمقصود هنا الجماعة من الناس. يبين الله في هذه الآية سبب الاختلاف بين الناس في العقائد والمذاهب والأخلاق بعد ان كانوا أُمة واحدة في مبدأ خلقهم، يوم كانوا أُمة واحدة على الفطرة. فلما كثروا وانتشروا في الارض وتطورت معايشهم اختلفوا وتعددت وجهات النظر فيما بينهم، فبعث الله الأنبياء والرسل، مبشرين ومنذرين، لينبهوا أقوامهم الى ما غفلوا عنه ويحذروهم من شر الأعمال. وأنزل معهم الكتب لبيان أحكامه وشرائعه. واذا كان الكتاب المنزل من عند الله هو الحكَم فإن التنازع ينقطع وينحسم كثير من الشر في هذا العالم. ثم تبع بعض الناس أهواءهم فاختلفوا بعدما بين لهم الرسل طريق الحق والصراط المستقيم. وذلك بفعل الحكام والرؤساء والعلماء، لأنهم هم أهل النظر، القائمون على الدين بعد الرسل, وهم الذين أُوتوا لكتاب ليقرِّروا ما فيه، ويراقبوا سير العامة عليه. وقوله تعالى: "بغياً بينهم" اي حسداً وظلما. ثم أرشد إلى الايمان الصحيح يهدي الناس الى الحق في قوله {فَهَدَى ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ...} فالمؤمنون يهتدون الى ما اختلف الناس فيه من الحق. والله هو الذي يوفقهم اذا اخلصوا.

د. أسعد حومد

تفسير : {وَاحِدَةً} {ٱلنَّبِيِّينَ} {ٱلْكِتَابَ} {ٱلْبَيِّنَاتُ} {آمَنُواْ} {صِرَاطٍ} (213) - كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً مُتَّفِقَةً عَلَى مِلَّةِ آدَمَ عَلَيهِ السَّلاَمُ، وَلَمَّا تَطَاوَلَ عَلَيهِمُ العَهْدُ تَطَرَّقَ الزَّيْغُ وَالشِّرْكُ إِلى عَقَائِدِهِمْ، وَاخْتَلَفُوا فِي المَذَاهِبِ وَالآرَاءِ وَالمُعْتَقَدَاتِ فَكَانَ مِنْ لًطْفِ اللهِ وَرَحْمَتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرُّسُلَ مُبَشِّرِينَ بِالخَيْرِ وَالسَّعَادَةِ فِي الدُّنيا وَالآخِرَةِ، وَمُنْذِرِينَ بِحُبُوطِ عَمَلِ مَنِ اتَّبَعُوا خُطُواتِ الشَّيْطَانِ، وَلَمْ يَنْظُرُوا فِي العَاقِبَةِ, وَاللهُ تَعَالَى يَبْعَثُ الأَنْبِيَاءَ لِيُنَبِّهُوا أَقْوَامَهُمْ إِلى مَا غَفَلُوا عَنْهُ، وَيُحَذِّرُوهُمْ مِنْ عَاقِبَةِ مَا هُمْ فِيهِ مِنْ سَيِّئ ِالعَادَاتِ، وَقَبيحِ الأَعْمَالِ. وَكِتَابُ اللهِ هُوَ الذِي يَفْصِلُ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ. وَقَدْ قَامَ الاخْتِلاَفُ بَيْنَ النَّاسِ بِسَبَبِ الاخْتِلافِ الذِي وَقَعَ بَيْنَ الرُّؤَسَاءِ وَالأَحْبَارِ وَالعُلَمَاءِ القَائِمِينَ عَلَى الدَّينِ بَعْدَ الرُّسُلِ، وَكَانَ سَبَبَ الاخْتِلافِ هذا هُوَ البَغْيُ وَتَعَدِّي الحُدُودِ التِي أَقَامَهَا الدِّينُ حَوَاجِزَ بَيْنَ النَّاسِ. وَقَدْ هَدَى اللهُ المُؤْمِنِينَ إِلى الحَقِّ الذِي اخْتَلَفَ فِيهِ النَّاسُ، فَوَصَلُوا إِلَى مَا يُرْضِي رَبَّهُمْ. فَالإِيمَانُ الصَّحِيحُ نُورٌ يَسْطَعُ فِي العُقُولِ فَيَهْدِيهَا فِي ظُلُمَاتِ الشُّبَهِ وَالضَّلاَلاَتِ، وَيُضِيءُ السَّبِيلَ إِلى الحَقِّ الذِي لاَ يُخَالِطُهُ بَاطِلٌ، فَالمُؤْمِنُ هَادِئُ القَلْبِ، مُطْمَئِنُّ النَّفْسِ، وَالنَّاسُ حَوْلَهُ فِي اضْطِرابٍ وَقَلَقٍ وَحُرُوبٍ، أَمَّا الذِينَ كَفَرُوا بِأَنْعُمِ اللهِ فَقَدْ عُوقِبُوا عَلَى هذا الكُفْرِ بِفَشْوِ الشَّرِّ، وَفَسَادِ الأَمْرِ، وَاضْطِرابِ النَّفْسِ. بَغْياً بَيْنَهُمْ - حَسَداً وَظُلْماً بَيْنَهُمْ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : ولقائل أن يقول: إذا كان الناس أمة واحدة، وقد رتب الله بعث وإرسال النبيين على كونهم أمة واحدة؛ فمن أين إذن جاء الخلاف إلى حياة الناس؟ ونقول: لا بد أن تُحمل هذه الآية المجملة على آية أخرى مفصلة في قوله تعالى: {أية : وَمَا كَانَ ٱلنَّاسُ إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً فَٱخْتَلَفُواْ وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ}تفسير : [يونس: 19]. لا بد لنا إذن أن نأخذ هذه الآية في ظل آية سورة يونس؛ فالخالق سبحانه وتعالى ساعة يخاطب العقل البشري يريد أن يخاطبه خطاباً يوقظ فيه عقله وفكره حتى يستقبل كلام الله بجماع تفكيره، وأن يكون القرآن كله حاضراً في ذهنك، ويخدم بعضه بعضاً. {كَانَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ ٱللَّهُ ٱلنَّبِيِّينَ} [البقرة: 213]. فقبل بعث الله النبيين كان الناس أمة واحدة يتبعون آدم، وقد بلغ الحق آدم المنهج بعد أن اجتباه وهداه، وعلم آدم أبناءه منهج الله، فظل الناس من أبنائه على إيمان بعقيدة واحدة، ولم ينشأ عندهم ما يوجب اختلاف أهوائهم، فالعالم كان واسعاً، وكانت القلة السكانية فيه هي آدم وأولاده فقط، وكان خير العالم يتسع للموجودين جميعاً. إذن لا تطاحن على شيء، ومن يريد شيئاً يأخذه، وكانت الملكية مشاعة للجميع؛ لأنه لم تكن هناك ملكية لأحد؛ فمن يريد أن يبني بيتاً فله أن يبنيه ولو على عشرين فداناً، ومن يريد أن يأكل فاكهة أو يأخذ ثمراً من أي بستان فله أن يأخذ ما يريد. والمثال على ذلك في حياتنا اليومية، هناك رب الأسرة الذي يأتي بعشرين كيلو برتقالاً ويتركها أمام أولاده، وكل طفل يريد برتقالة أو أكثر فهو يأخذ ما يريد بلا حرج، لكن لو اشترى رب البيت كيلو برتقالاً واحداً فكل طفل يأخذ برتقالة واحدة فقط. إذن: كان الناس أمة واحدة، أي لم توجد الأطماع، ولم يوجد حب الاستئثار بالمنافع مما يجعلهم يختلفون. إذن فأساس الاختلاف هو الطمع في متاع الدنيا، ومن هنا ينشأ الهوى. وكان من المفروض في آدم عليه السلام بعد أن بلغه الله المنهج أن يبلغه لأولاده، وأن يتقبل أبناؤه المنهج، ولكن بعض أولاده تمرد على المنهج، ونشأ حب الاستئثار من ضيق المُسْتَأثر والمُنْتَفع به، ومن هنا نشأت الخلافات. ولنا في قصة هابيل وقابيل ما يوضح ذلك: {أية : وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ٱبْنَيْ ءَادَمَ بِٱلْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَاناً فَتُقُبِّلَ مِن أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ ٱلآخَرِ قَالَ لأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْمُتَّقِينَ}تفسير : [المائدة: 27]. ونعرف أن آدم وحواء هما أصل الوجود، حواء تلد توأمين في كل مرة، وأراد آدم أن يزاوجهم فكيف تكون المزاوجة وهم جميعاً أبناؤه وأبناء عصر واحد؟ وكل منهم يعرف أن الذي أمامه هو أخوه. لقد واجه الشرع تلك المشكلة في ذلك الوقت، واعتبر أن البعد هو بعد البطن، أي أن الذي يولد مع أخيه في بطن واحد فهو أخوه، أما الذي وُلد بعده أو قبله فكأنه ليس أخاه، لذلك كان آدم وحواء يبادلان زواج الأبناء حسب ابتعاد البطون، وكان الغرض من هذا التباعد أن تكون المرأة وكأنها أجنبية عن أخيها. روي عن ابن عباس وابن مسعود رضي الله عنهما: "أن آدم كان يزوج ذكر كل بطن بأنثى الآخر، وأن هابيل أراد أن يتزوج أخت قابيل وكان أكبر من هابيل وأخت قابيل أحسن فأراد قابيل أن يستأثر بها على أخيه. وأمره آدم عليه السلام أن يزوجه إياها فأبى، فأمرهما أن يقربا قرباناً فقرب هابيل جذعة سمينة وكان صاحب غنم، وقرب قابيل حزمة من زرع من رديء زرعه فنزلت نارُ فأكلت قربان هابيل، وتركت قربان قابيل، فغضب وقال: لأقتلنك حتى لا تنكح أختي، فقال: {أية : إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْمُتَّقِينَ} تفسير : [المائدة: 27]. إذن: كان ميلاد أول خلاف بين البشر حينما تنافس اثنان للاستئثار بمنفعة ما، وكان هذا مثالاً واضحاً لما يمكن أن يحدث عندما تضيق المنافع عن الأطماع. {كَانَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً} [البقرة: 213] لكنهم اختلفوا لحظة الاستئثار بالمنافع، وأصبح لكل إنسان هوى. ولو شاء الله أن يجعل منهجه لآدم منهجاً دائماً إلى أن تقوم الساعة لفعل. لكنه سبحانه برحمته يعلم أنه خلقنا، ويعلم أننا نعقل مرة ونسهو مرة، ونلتزم مرة، ونهمل مرة أخرى، فشاء الله أن يواصل لخلقه مواكب الرسل. ولذلك يأتي قول الحق: {فَبَعَثَ ٱللَّهُ ٱلنَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ} [البقرة: 213]. ومهمة "التبشير والإنذار" هي أن يتذكر الناس أن هناك جنة وناراً، ولذلك يبشر كل رسول مَنْ آمن من قومه بالجنة، وينذر مَنْ كفر من هؤلاء القوم بالنار. ويذكرنا الحق سبحانه بأنه أشهدنا على أنفسنا على وحدانيته فقال: {أية : وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِيۤ ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ شَهِدْنَآ أَن تَقُولُواْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَـٰذَا غَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُوۤاْ إِنَّمَآ أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ ٱلْمُبْطِلُونَ}تفسير : [الأعراف: 172-173]. يخبر سبحانه أنه استخرج ذرية آدم من أصلابهم شاهدين على أنفسهم أن الله ربهم ومليكهم، وأنه لا إله إلا هو كما أنه فطرهم على ذلك. ثم بعد أن أخرجهم إلى الوجود من آدم جاء للخلق الأول وهو آدم وأعطاه المنهج وكانت الأهواء غير موجودة، فظل المنهج مطبقاً بين بني آدم. وبعد ذلك تعددت الأهواء، وتعدد الأهواء إنما ينشأ عن الاستئثار بالمنافع، وذلك بسبب الخوف من استئثار الغير، فنشأ حب الذات، ولما كانت المنافع لا تتسع لأطماع الناس فقد استشرى حب الاستئثار والتملك. ونجد هذه المسألة واضحة حينما تتوافر السلع وتغمر الأسواق. وتستطيع أن تشتري أي سلعة في أي وقت تحب، وتجدها متوافرة، عند ذلك لا توجد أزمة، لكن الأزمة تنشأ عندما تقل الكميات المعروضة من السلع عن حاجة الناس، فيتكالب الناس على الاستئثار بها. وهكذا نعرف أن المنافع عندما توجد، وتكون دون الأطماع هنا تتوالد المشكلات. ومن رحمة الحق سبحانه وتعالى بالخلق، ومن تمام علمه سبحانه بضعف البشر أمام أهوائهم وأمام استئثارهم بالمنافع، أرسل الرسل إلى البشر ليبشروا ولينذروا. {وَأَنزَلَ مَعَهُمُ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ ٱلنَّاسِ فِيمَا ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ وَمَا ٱخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ ٱلَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ ٱلْبَيِّنَاتُ} [البقرة: 213] فكأن الحق لم يشأ أن يترك البشر ليختلفوا، وإنما الغفلة من الناس هي التي أوجدت هذا الاختلاف. {مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ ٱلْبَيِّنَاتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ} [البقرة: 213] ومن هذا القول الحكيم نعرف أن الاختلاف لا ينشأ إلا من إرادة البغي، والبغي هو أن يريد الإنسان أن يأخذ غير حقه. وما دام كل منا يريد أن يأخذ غير حقه فلا بد أن ينشأ البغض. {فَهَدَى ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لِمَا ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ ٱلْحَقِّ بِإِذْنِهِ} [البقرة: 213] أي أن الله يهدي الذين آمنوا من كل قوم بالرسول الذي جاء مبشراً ومنذراً وحاملاً منهج الحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه. وبذلك يظل المنهج سائداً إلى أن تمضي فترة طويلة تغفل فيها النفوس، وتبدأ من خلالها المطامع ويحدث النسيان لمنهج الله، وتنشأ الأهواء، فيرسل الله الرسل ليعيدوا الناس إلى المنهج القويم، واستمر هذا الأمر حتى جاءت رسالة الإسلام خاتمة وبعث الله سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم للدنيا كافة، وبذلك ضمن لنا الحق سبحانه وتعالى ألا ينشأ خلاف في الأصل؛ لأننا لو كنا سنختلف في أصل العقيدة لجرى علينا ما جرى على الأمم السابقة. هم اختلفوا فأرسل الله لهم رسلا مبشرين ومنذرين، لكن أمة محمد صلى الله عليه وسلم أراد الحق لها منهجاً واضحاً يحميها من الاختلاف في أصل العقيدة. وإن اختلف الناس من أمة محمد صلى الله عليه وسلم فعليهم أن يسترشدوا بالمنهج الحق المتمثل في القرآن والسنة. ونعرف أن من مميزاته صلى الله عليه وسلم أنه خاتم الأنبياء بحق، ولن تجد في الموكب الرسالي رسولاً أوكل له الله أن ينشئ حكماً جديداً لم ينزل في كتاب الله إلا سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم. لقد أعطى الله سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم التفويض في أن يشرع عن الله؛ في ظل عصمة الله له فقد قال سبحانه: {أية : وَمَآ آتَاكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُواْ}تفسير : [الحشر: 7]. إنه أمر واضح للمؤمنين بأن يأتمروا بأمر الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، لأن ما يأمرهم به فيه الصلاح والخير، وأن ينتهوا عما ينهاهم عنه؛ لأنه صلى الله عليه وسلم إنما ينهى عن الأمور التي ليس فيها خير لأمة المسلمين. ويأمر الحق جل وعلا جماعة المسلمين بطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم لأنها من طاعة الله، فيقول جل وعلا: {أية : مَّنْ يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ ٱللَّهَ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَآ أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً}تفسير : [النساء: 80]. هكذا نرى أن طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم من طاعة الله، ومن يعرض عن طاعة الله فله العقاب في الآخرة. ويؤكد الحق سبحانه على طاعته وطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم فيقول: {أية : قُلْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ فإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلْكَافِرِينَ}تفسير : [آل عمران: 32]. هكذا نعرف أن طاعة الرحمن تستوجب طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم. إذن فقد فوض الله رسوله أن يُشَرِّع للبشر. وهو - عليه الصلاة والسلام - ما ينطق عن الهوى. وميزة أخرى لأمة المسلمين هي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك لنا حق الاجتهاد في المسائل التي لم يأتي فيها نص من القرآن ولا من السنة، أو ورد فيها نص ولكنه يحتمل أكثر من معنىً، ومعنى ذلك أن الحق سبحانه قد أمِنَ أمة محمد عليه الصلاة والسلام بأن تصل بالاجتهاد لما يحسم أي خلاف، وأن أي اختلاف لن يصل إلى الجوهر. فلو علم الله أزلا أننا سوف نختلف اختلافاً في صحيح العقيدة لكان قد أرسل لنا رسلاً. ونحن نجد كل الاختلافات بين طوائف المسلمين لا تخرج عن إطار فهم نصوص القرآن أو أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكل مسلم يريد أن يستقي دليله من الكتاب والسنة. ومعنى ذلك أننا لن نترك الأصل، ولكن كل منا يريد أن يأخذ الحكم الصحيح بل إننا نجد أن بعضاً من المسلمين الذين لم يجدوا دليلهم من القرآن والسنة قد حاولوا أن يضعوا حديثاً ينسبونه إلى رسول الله ليبنوا عليه الحكم الذي يريدونه. وهؤلاء مأواهم النار؛ لأنهم نطقوا بلسان رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لم يقله الرسول الكريم لقد كذبوا عليه، ومن كذب عليه متعمداً فليتبوأ مقعده من النار. إذن فكلنا نلتقي حول القرآن والسنة والنبوية، أين المشكلة إذن؟ المشكلة هي أن يكون الناس أذكياء وعلى علم حتى يعرفوا هل المأخوذ من القرآن مقبول أَمْ غير مقبول؟ وهل الأحاديث المستند إليها بمقاييس الجرح والتعديل موجودة أَمْ لا؟ إذن فحصافة الاجتهاد والرأي عند أمة محمد صلى الله عليه وسلم جعلتهم مأمونين على كل شيء في المنهج. وأن الخلاف فيما بينهم لم يصل إلى ما وصلت إليه الأمم السابقة، ولكن عليهم أن ينتهوا ويرتقوا حتى يميزوا الأمور التي تكون من غير معطيات القرآن، ثم يريد قوم أن يحملوها على القرآن. إن عليهم ألا يفسروا القرآن حسب أهوائهم بل حسب ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم - حتى يكون هواهم تبعاً لما جاء به - وعلينا أن نتنبه إلى أن الله قد أمِنَ أمة محمد صلى الله عليه وسلم على القرآن وعلى رسالة الإسلام، والقرآن ورسالة الإسلام لن يصيبها التغيير أو التحريف، وكل ما هو مطلوب أن يكون المؤمنون أهل دقة وفطنة، فإذا أراد إنسان أن يستغل أية سلطة زمنية أو أن يجيء بحديث موضوع ليروج لباطله فعلى المسلمين أن يكشفوا سوء مقصد هذا الإنسان. فنحن نفهم أن الله شاء بالإسلام حياة القيم، كما شاء بالماء حياة المادة، والماء حتى يظل ماء فلا بد أن يظل بلا طعم ولا لون ولا رائحة، فإذا أردت أن تجعل له طعماً خرج عن خاصيته؛ ربما أصبح مشروباً أو عصيراً أو غير ذلك، وقد يحب بعض الناس نوعاً من العصير، لكن كل الناس يحبون الماء؛ لأن به تُصان الحياة، فإذا رأيت ديناً قد تلون بجماعة أو بهيئة أو بشكل فاعلم أن ذلك خارج عن نطاق الإسلام. وكل جماعة تريد أن تصبغ دين الله بلون إنما يخرجونه عن طبيعته الأصلية، ولذلك نجد أمتنا في مصر قد صانت علوم الإسلام بالأزهر الشريف وكل عالم من علماء الإسلام في أي بقعة من بقاع الأرض مدين للأزهر الشريف. ونجد أننا نحب آل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن لا نجد عندنا متشيعاً واحداً، وفي الوقت نفسه لا نجد واحداً يكره أبا بكر وعمر، وهذا هو الإسلام الذي لا يتلون؛ لأنه إسلام الفطرة. {أية : صِبْغَةَ ٱللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ ٱللَّهِ صِبْغَةً ..}تفسير : [البقرة: 138]. فالذين يحاولون في أي زمان من الأزمنة أن يصبغوا الدين بشكل أو بطقوس أو بلون أو برسوم أو هيئة خاصة نقول لهم: أنتم تريدون أن تُخرجوا الإسلام عن عموميته الفطرية التي أرادها الله له، ولابد أن تقفوا عند حد الفطرة الإسلامية، ولا تلونوا الإسلام هذا التلوين. وبذلك نحقق قول الله: {فَهَدَى ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لِمَا ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ ٱلْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَٱللَّهُ يَهْدِي مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} [البقرة: 213] ونعرف أن الهداية معناها الأمر الموصل للغاية، وحين ترد الهداية من الله سبحانه وتعالى فعلينا أن نفهم أن الهداية من الله ترد على معنيين: المعنى الأول هو الدلالة على الطريق الموصل، والمعنى الثاني هو المعونة. وضربت من قبل المثل بشرطي المرور الذي يدلك على الطريق الموصل إلى الغاية التي تريدها، فإن احترمت كلامه ونفذته فهو يعطي لك شيئاً من المعونة، بأن يسير معك أو يوصلك إلى المكان الذي تريد. فما بالنا بالحق سبحانه وتعالى وله المثل الأعلى؟ إنه يهدي الجميع بمعنى يدلهم، فالذين آمنوا به وأحبوه يهديهم هداية أخرى، وهي أن يعينهم على ما أقاموا نفوسهم فيه. وبعضنا يدخله العجب عندما يسمع قول الحق: {أية : وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَٱسْتَحَبُّواْ ٱلْعَمَىٰ عَلَى ٱلْهُدَىٰ فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ ٱلْعَذَابِ ٱلْهُونِ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ * وَنَجَّيْنَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يتَّقُونَ}تفسير : [فصلت: 17-18]. بعضنا يتعجب متسائلاً: كيف يقول سبحانه: إنه هداهم، ثم استحبوا العمى على الهدى؟ ونقول: إن "هداهم" جاءت هنا بمعنى "دلّهم" لكنهم استحبوا العمى على الهدى، أما الذين استجابوا لهداية الدلالة وآمنوا فقد أعانهم الله وأنجاهم؛ لأنهم عرفوا تقواه سبحانه. ونحن نسمع بعض الناس يقولون: ما دام الله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم فما ذنب الذي لم يهتد؟ نقول: إن الحق يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم؛ أي يبين الطريق إلى الهداية، فمن يأخذ بهداية الدلالة يزده الله بهداية المعونة وييسر له ذلك الأمر. ونحن نعلم أن الله نفى الهداية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في آية، وأثبتها له في آية أخرى برغم أنه فعل واحد لفاعل واحد. قال الحق نافياً الهداية عن الرسول صلى الله عليه وسلم: {أية : إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ}تفسير : [القصص: 56]. والحق يذكر للرسول صلى الله عليه وسلم الهداية في موضع آخر فيقول له:{أية : وَإِنَّكَ لَتَهْدِيۤ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ}تفسير : [الشورى: 52]. ومن هنا نفهم أن الهداية نوعان: هداية الدلالة، فهو "يهدي" أي يدل الناس على طريق الخير. وهناك هداية أخرى معنوية، وهي من الله ولا دخل للرسول صلى الله عليه وسلم فيها، وهي هداية المعونة. إذن قوله تعالى: {أية : وَإِنَّكَ لَتَهْدِيۤ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} تفسير : [الشورى: 52] معناها: أنك تدل على الصراط المستقيم، ولكن الله هو الذي يعين على هذه الهداية. {وَٱللَّهُ يَهْدِي مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} [البقرة: 213] فعلينا أن نستحضر الآيات التي شاء الله أن يهدي فيها مؤمناً وألاَّ يهدي آخر. ويقول الحق - سبحانه -: {أية : وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْكَافِرِينَ}تفسير : [البقرة: 264]. معنى ذلك أن الله لا يهدي إلا الذين آمنوا به. وهدايته للمؤمنين تكون بمعونتهم على الاستمرار في الهداية؛ فالكل قد جاءته هداية الدلالة ولكن الحق يختص المؤمنين بهداية المعونة. والحق يقول في ذلك: {أية : أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىٰ تَقْوَىٰ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىٰ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَٱنْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ}تفسير : [التوبة: 109]. إن الحق يوضح لنا المقارنة بين الذي يؤسس بنيان حياته على تقوى من الله ابتغاء الخير والجنة، وهو الذي جاءته هداية الدلالة فاتبعها، فجاءته هداية المعونة من الله. وبين ذلك الذي يؤسس بنيان حياته على حرف واد متصدع آيل للسقوط فسقط به البنيان في نار جهنم؛ إنه الذي جاءته هداية الدلالة فتجاهلها، فلم تصله هداية المعونة، ذلك هو الظالم المنافق الذي يريد السوء بالمؤمنين. والحق تبارك وتعالى يقول: {أية : ٱسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَهُمْ ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْفَاسِقِينَ}تفسير : [التوبة: 80]. إن الحق يبلغ رسوله أنه مهما استغفر للمنافقين الذين يُظهرون الإسلام، ويبطنون الكفر فلن يغفر الله لهم، لماذا؟ لأن هداية الدلالة قد جاءت لهم فادعوا أنهم مؤمنون بها، ولم تصلهم هداية المعونة؛ لأنهم يكفرون بالله ورسوله، والله لا يهدي مثل هؤلاء القوم الفاسقين الخارجين بقولهم عن منهج الله. وبعد ذلك يقول الحق: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم ...}.

الصابوني

تفسير : المنَاسَبَة: ذكر سبحانه وتعالى في الآيات السابقة أن الناس فريقان: فريق يسعى في الأرض فساداً ويُضل الناس بخلابة لسانه وقوة بيانه، وفريق باع نفسه للحق يبتغي به رضى الله ولا يرجو أحداً سواه، ولما كان لا بدّ من التنازع بين الخير والشر - ولا بدَّ للحق من سيفٍ مصلتٍ إلى جانبه - لذا شرع الله للمؤمنين أن يحملوا السيف مناضلين وشرع الجهاد دفعاً للعدوان وردعاً للظلم والطغيان. اللغَة: {بَغْياً} البغيُ: العدوان والطغيان. {وَزُلْزِلُواْ} مأخوذ من زلزلة الأرض وهو اضطرابها والزلزلة: التحريك الشديد. {كُرْهٌ} مكروهٌ تكرهه نفوسكم قال ابن قتيبة: الكرهُ بالضم المشقة وبالفتح الإِكراه والقهر. {صَدٌّ} الصدُّ: المنع يقال: صدّه عن الشيء أي منعه عنه. {يَرْتَدِد} يرجع والردةُ الرجوع من الإِيمان إلى الكفر قال الراغب: الارتداد والردة: الرجوع في الطريق الذي جاء منه لكن الردَّة تختص بالكفر، والارتداد يستعمل فيه وفي غيره قال تعالى: {أية : فَٱرْتَدَّا عَلَىٰ آثَارِهِمَا قَصَصاً} تفسير : [الكهف: 64] {حَبِطَتْ} بطلت وذهبت قال في اللسان: حبط عمل عملاً ثم أفسده وفي التنزيل {أية : فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ} تفسير : [محمد: 9] أي أبطل ثوابهم. {يَرْجُونَ} الرجاء: الأمل والطمع في حصول ما فيه نفعٌ ومصلحة. سَبَبُ النّزول: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن جحش على سرية ليترصدوا عيراً لقريش فيها "عمرو بن الحضرمي" وثلاثة معه فقتلوه وأسروا اثنين واستاقوا العير بما فيها من تجارة، وكان ذلك أول يوم من رجب وهم يظنونه من جمادى الآخرة فقالت قريش: قد استحل محمد الشهر الحرام، شهراً يأمن فيه الخائف ويتفرق فيه الناس إِلى معايشهم وعظم ذلك على المسلمين فنزلت {يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ....} الآية. التفسير: {كَانَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً} أي كانوا على الإِيمان والفطرة المستقيمة فاختلفوا وتنازعوا {فَبَعَثَ ٱللَّهُ ٱلنَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ} أي بعث الله الأنبياء لهداية الناس مبشرين للمؤمنين بجنات النعيم ومنذرين للكافرين بعذاب الجحيم {وَأَنزَلَ مَعَهُمُ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ ٱلنَّاسِ فِيمَا ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ} أي وأنزل معهم الكتب السماوية لهداية البشرية حال كونها منزلة بين الناس في أمر الدين الذي اختلفوا فيه {وَمَا ٱخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ ٱلَّذِينَ أُوتُوهُ} أي وما اختلف في الكتاب الهادي المنير المنزل لإِزالة الاختلاف إلا الذين أعطوا الكتاب أي إنهم عكسوا الأمر حيث جعلوا ما أُنزل لإِزالة الاختلاف سبباً لاستحكامه ورسوخه {مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ ٱلْبَيِّنَاتُ} أي من بعد ظهور الحجج الواضحة والدلائل القاطعة على صدق الكتاب فقد كان خلافهم عن بيّنة وعلم لا عن غفلةٍ وجهل {بَغْياً بَيْنَهُمْ} أي حسداً من الكافرين للمؤمنين {فَهَدَى ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لِمَا ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ ٱلْحَقِّ بِإِذْنِهِ} أي هدى الله المؤمنين للحق الذي اختلف فيه أهل الضلالة بتيسيره ولطفه {وَٱللَّهُ يَهْدِي مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} أي يهدي من يشاء هدايته إِلى طريق الحق الموصل إِلى جنات النعيم {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ} أي بل ظننتم يا معشر المؤمنين أن تدخلوا الجنة بدون ابتلاءٍ وامتحان واختبار {وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم} أي والحال لم ينلكم مثل ما نال من سبقكم من المؤمنين من المحن الشديدة، ولم تُبتلوا بمثل ما ابتلوا به من النكبات {مَّسَّتْهُمُ ٱلْبَأْسَآءُ وَٱلضَّرَّآءُ} أي أصابتهم الشدائد والمصائب والنوائب {وَزُلْزِلُواْ حَتَّىٰ يَقُولَ ٱلرَّسُولُ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ ٱللَّهِ}؟ أي أزعجوا إزعاجاً شديداً شبيهاً بالزلزلة حتى وصل بهم الحال أن يقول الرسول والمؤمنون معه متى نصر الله؟ أي متى يأتي نصر الله وذلك استبطاءً منهم للنصر لتناهي الشدة عليهم، وهذا غاية الغايات في تصوير شدة المحنة، فإِذا كان الرسل - مع علو كعبهم في الصبر والثبات - قد عيل صبرهم وبلغوا هذا المبلغ من الضجر والضيق كان ذلك دليلاً على أن الشدة بلغت منتهاها قال تعالى جواباً لهم: {أَلاۤ إِنَّ نَصْرَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ} أي ألا فأبشروا بالنصر فإنه قد حان أوانه {أية : وَلَيَنصُرَنَّ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ ٱللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} تفسير : [الحج: 40] ثم قال تعالى: {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ} أي يسألونك يا محمد ماذا ينفقون وعلى من ينفقون؟ وقد نزلت لمّا قال بعض الصحابة يا رسول الله: ماذا ننفق من أموالنا وأين نضعها؟ {قُلْ مَآ أَنْفَقْتُمْ مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَٱلأَقْرَبِينَ وَٱلْيَتَامَىٰ وَٱلْمَسَاكِينِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ} أي قل لهم يا محمد اصرفوها في هذه الوجوه {وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ} أي وكل معروف تفعلونه يعلمه الله وسيجزيكم عليه أوفر الجزاء، ثم قال تعالى مبيناً حكمة مشروعية القتال في الإِسلام {كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ} أي فرض عليكم قتال الكفار أيها المؤمنون وهو شاق ومكروه على نفوسكم لما فيه من بذل المال وخطر هلاك النفس {وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ} أي ولكن قد تكره نفوسكم شيئاً وفيه كل النفع والخير {وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّواْ شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ} أي وقد تحب نفوسكم شيئاً وفيه كل الخطر والضرر عليكم، فلعل لكم في القتال - وإِن كرهتموه - خيراً لأن فيه إِما الظفر والغنيمة أو الشهادة والأجر، ولعل لكم في تركه - وإِن أحببتموه - شراً لأن فيه الذل والفقر وحرمان الأجر {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} أي الله أعلم بعواقب الأمور منكم وأدرى بما فيه صلاحكم في دنياكم وآخرتكم فبادروا إِلى ما يأمركم به {يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ} أي يسألك أصحابك يا محمد عن القتال في الشهر الحرام أيحل لهم القتال فيه؟ {قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ} أي قل لهم القتال فيه أمره كبير ووزره عظيم ولكن هناك ما هو أعظم وأخطر وهو {وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ ٱللَّهِ} أي ومنع المؤمنين عن دين الله وكفرهُم بالله وصدُّهم عن المسجد الحرام - يعني مكة - وإِخراجكم من البلد الحرام وأنتم أهله وحماته، كلُّ ذلك أعظم وزراً وذنباً عند الله من قتل من قتلتم من المشركين، فإِذا استعظموا قتالكم لهم في الشهر الحرام فليعلموا أنَّ ما ارتكبوه في حق النبي والمؤمنين أعظم وأشنع {وَٱلْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ ٱلْقَتْلِ} أي فتنة المسلم عن دينه حتى يردوه إلى الكفر بعد إيمانه أكبر عند الله من القتل {وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِن اسْتَطَاعُواْ} أي ولا يزالون جاهدين في قتالكم حتى يعيدوكم إِلى الكفر والضلال إِن قدروا فهم غير نازعين عن كفرهم وعدوانهم {وَمَن يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلۤـٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ} أي ومن يستجب لهم منكم فيرجع عن دينه ويرتد عن الإِسلام ثم يموت على الكفر فقد بطل عمله الصالح في الدارين وذهب ثوابه {وَأُوْلۤـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} أي وهم مخلدون في جهنم لا يخرجون منها أبداً {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} أي إِن المؤمنين الذين فارقوا الأهل والأوطان وجاهدوا الأعداء لإِعلاء دين الله {أُوْلۤـٰئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} أي أولئك الموصوفون بما ذكرهم الجديرون بأن ينالوا رحمة الله والله عظيم المغفرة، واسع الرحمة. البَلاَغَة: 1- {كَانَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً} فيه إِيجاز بالحذف أي كانوا أمة واحدة على الإِيمان متمسكين بالحق فاختلفوا فبعث الله النبيين ودلّ على المحذوف قوله: {لِيَحْكُمَ بَيْنَ ٱلنَّاسِ فِيمَا ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ}. 2- {أَمْ حَسِبْتُمْ} أم منقطعة والهمزة فيها للإِنكار والاستبعاد أي بل أحسبتم ففيه استفهام إِنكاري. 3- {وَلَمَّا يَأْتِكُم} لمّا تدل على النفي مع توقع وقوع المنفي كما قال الزمخشري والمعنى: لمّا ينزل بكم مثل ما نزل بمن قبلكم وسينزل فإِن نزل فاصبروا قال المبرد: إِذا قال القائل: لم يأتني زيد فهو نفي لقولك أتاك زيد؟ وإِذا قال: لما يأتني فمعناه أنه لم يأتني بعد وأنا أتوقعه وعلى هذا يكون إِتيان الشدائد على المؤمنين متوقعاً منتظراً. 4- {أَلاۤ إِنَّ نَصْرَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ} في هذه الجملة عدة مؤكدات تدل على تحقق النصر أولاً: بدء الجملة بأداة الاستفتاح "ألا" التي تفيد التأكيد. ثانياً: ذكر "إِنَّ" الدالة على التوكيد أيضاً. ثالثاً: إيثار الجملة الاسمية على الفعلية فلم يقل "ستنصرون" والتعبير بالجملة الاسمية يفيد التأكيد. رابعاً: إضافة النصر إلى رب العالمين القادر على كل شيء. 5- {وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ} وضع المصدر موضع اسم المفعول "كرهٌ" مكان "مكروه" للمبالغة كقول الخنساء: شعر : فإِنما هي إِقبال وإِدبار تفسير : 6- {وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً... وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّواْ شَيْئاً} بين الجملتين من المحسنات البديعية ما يسمى بـ "المقابلة" فقد قابل بين الكراهية والحب، وبين الخير والشر. 7- {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} طباق بالسلب. فَائدَة: عبّر تعالى بصيغة الواحد عن كتب النبيّين {وَأَنزَلَ مَعَهُمُ ٱلْكِتَابَ} للإِشارة إِلى أن كتب النبيّين وإِن تعددت هي في لبّها وجوهرها كتاب واحد لاشتمالها على شرع واحد في أصله كما قال تعالى: {أية : شَرَعَ لَكُم مِّنَ ٱلدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحاً وَٱلَّذِيۤ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ...} تفسير : [الشورى: 13] الآية. تنبيه: روى البخاري عن خباب بن الأرت رضي الله عنه قال: "حديث : شكونا إِلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متوسد بردةً له في ظل الكعبة فقلنا: ألا تستنصر لنا؟ ألا تدعو لنا؟ فقال: قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض فيجعل فيها، فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين، ويُمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه ما يصده ذلك عن دينه، والله ليتمنَّ الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إِلا الله والذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون ".

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {كَانَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وَٰحِدَةً} قالَ زيدُ بن علي عليهما السَّلامُ: يريدُ بِهِ آدمَ صلى الله عليه. والأُمَّةُ: المِلَّةُ. تفسير : وقولهُ تعالى: {أية : قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهَآ أُمَمٌ} تفسير : [الرعد: 30] معناه مَضتْ.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : (أي: كان الناس) [أي: كانوا مجتمعين على الهدى، وذلك عشرة قرون بعد نوح عليه السلام، فلما اختلفوا في الدين فكفر فريق منهم وبقي الفريق الآخر على الدين، وحصل النزاع وبعث الله الرسل ليفصلوا بين الخلائق ويقيموا الحجة عليهم، وقيل بل كانوا] مجتمعين على الكفر والضلال والشقاء، ليس لهم نور ولا إيمان، فرحمهم الله تعالى بإرسال الرسل إليهم { مُبَشِّرِينَ } من أطاع الله بثمرات الطاعات، من الرزق، والقوة في البدن والقلب، والحياة الطيبة، وأعلى ذلك، الفوز برضوان الله والجنة. { وَمُنْذِرِينَ } من عصى الله، بثمرات المعصية، من حرمان الرزق، والضعف، والإهانة، والحياة الضيقة، وأشد ذلك، سخط الله والنار. { وَأَنزلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ } وهو الإخبارات الصادقة، والأوامر العادلة، فكل ما اشتملت عليه الكتب، فهو حق، يفصل بين المختلفين في الأصول والفروع، وهذا هو الواجب عند الاختلاف والتنازع، أن يرد الاختلاف إلى الله وإلى رسوله، ولولا أن في كتابه، وسنة رسوله، فصل النزاع، لما أمر بالرد إليهما. ولما ذكر نعمته العظيمة بإنزال الكتب على أهل الكتاب، وكان هذا يقتضي اتفاقهم عليها واجتماعهم، فأخبر تعالى أنهم بغى بعضهم على بعض، وحصل النزاع والخصام وكثرة الاختلاف. فاختلفوا في الكتاب الذي ينبغي أن يكونوا أولى الناس بالاجتماع عليه، وذلك من بعد ما علموه وتيقنوه بالآيات البينات، والأدلة القاطعات، فضلوا بذلك ضلالا بعيدا. { فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا } من هذه الأمة { لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ } فكل ما اختلف فيه أهل الكتاب، وأخطأوا فيه الحق والصواب، هدى الله للحق فيه هذه الأمة { بِإِذْنِهِ } تعالى وتيسيره لهم ورحمته. { وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ } فعمَّ الخلق تعالى بالدعوة إلى الصراط المستقيم، عدلا منه تعالى، وإقامة حجة على الخلق، لئلا يقولوا: {أية : ما جاءنا من بشير ولا نذير } تفسير : وهدى - بفضله ورحمته، وإعانته ولطفه - من شاء من عباده، فهذا فضله وإحسانه، وذاك عدله وحكمته.

عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي

تفسير : 101 : 86 - سفين عن بن جريج عن مجاهد في قوله عز وجل {كَانَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وَٰحِدَةً} قال، آدم صلوات الله عليه. [الآية 213].

همام الصنعاني

تفسير : 244- عبد الرزاق، قال حدثنا معمر، عن قتادة في قوله تعالى: {كَانَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وَٰحِدَةً}: [الآية: 213]، قال: كانُوا على الهدى جميعاً، فاختلفوا، فعبث الله النَّبيِّين مُبَشِّرين ومُنْذِرين، وكانَ أوَّل نبِي بُعِثَ نُوحٌ عليه السلام. 247- عبد الرزاق، قال: حدثنا مَعْمَرُ عنْ سليمان الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هُرَيْرة رضي الله عنه، في قوله تعالى: {فَهَدَى ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لِمَا ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ ٱلْحَقِّ بِإِذْنِهِ}: الآية: 213]، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : نَحن الآَخِرُونَ، الأَوَّلُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ، نحن أوَّل الناس دُخُولاً الجنَّةِ. بيْدَ أنَّهم أُوتوا الكتاب من قبلنا، وأوتيناهُ مِنْ بعدهمْ، لهذا اليوم الذي اختلفوا فيه هَدنا الله له، فالناسُ لنا تبع فيه، غداً لِلْيهُود، وبَعْد غدٍ للنَّصارى ". تفسير : 248- عبد الرزاق، قال: حدثنا معمر، عن همام بن منبه، عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : نحن الآخرون، السابقون يَوْمَ القيامَةِ، بَيْد أنهم أُتوا الكِتابَ مِن قبْلِنا وأُوتيناه من بعدهم، فهذا يوْمهم الذي فرض عليهِمْ، فاختلفوا فيه، فهدانا الله له، فهم لنا فِيهِ تبع، غداً لليهود، وبعد غدٍ للنَّصارى ". تفسير : 249- عبد الرزاق، قال: حدثنا معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن أبي هريرة، في قوله تعالى: {فَهَدَى ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لِمَا ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ ٱلْحَقِّ}: [الآية: 213]، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : نحن الآخرون، الأوّلون يوم القيامة، نحن أوّلُ النَّاسِ دُخولاً الجنَّة، بيد أنهم أُوتُوا الكتاب من قبلنا، وأُوتِيناهُ من بَعْدهم، فهدَانا الله لِمَا اختلفوا فيه من الحق، فهذا اليوم الذي اختلفوا فيه، الناسُ لنا فيه تبع، غداً لليهود، وبد غدٍ للنصارى ".