Verse. 221 (AR)

٢ - ٱلْبَقَرَة

2 - Al-Baqara (AR)

اَمْ حَسِبْتُمْ اَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّۃَ وَلَمَّا يَاْتِكُمْ مَّثَلُ الَّذِيْنَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ۝۰ۭ مَسَّتْہُمُ الْبَاْسَاۗءُ وَالضَّرَّاۗءُ وَزُلْزِلُوْا حَتّٰى يَقُوْلَ الرَّسُوْلُ وَالَّذِيْنَ اٰمَنُوْا مَعَہٗ مَتٰى نَصْرُ اؘ۝۰ۭ اَلَاۗ اِنَّ نَصْرَ اللہِ قَرِيْبٌ۝۲۱۴
Am hasibtum an tadkhuloo aljannata walamma yatikum mathalu allatheena khalaw min qablikum massathumu albasao waalddarrao wazulziloo hatta yaqoola alrrasoolu waallatheena amanoo maAAahu mata nasru Allahi ala inna nasra Allahi qareebun

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

ونزل في جهد أصاب المسلمين «أم» بل أ «حسبتم أن تدخلوا الجنة ولَّما» لم «يأتكم مثل» شبه ما أتى «الذين خلوا من قبلكم» من المؤمنين من المحن فتصبروا كما صبروا «مسَّتهم» جملة مستأنفة مبينة ما قبلها «البأساء» شدة الفقر «والضراء» المرض «وزُلزلوا» أزعجوا بأنواع البلاء «حتى يقول» بالنصب والرفع أي قال «الرسول والذين آمنوا معه» استبطاء للنصر لتناهي الشدة عليهم «متى» يأتي «نصر الله» الذي وعدنا فأجيبوا من قِبَل الله «ألا إن نصر الله قريب» إتيانه.

214

Tafseer

الرازي

تفسير : في النظم وجهان الأول: أنه تعالى قال في الآية السالفة: {وَٱللَّهُ يَهْدِى مَن يَشَاء إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ }: والمراد أنه يهدي من يشاء إلى الحق وطلب الجنة فبين في هذه الآية أن ذلك الطلب لا يتم ولا يكمل إلا باحتمال الشدائد في التكليف فقال: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم } الآية الثاني: أنه في الآية السالفة ما بين أنه هداهم لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه بين في هذه الآية أنهم بعد تلك الهداية احتملوا الشدائد في إقامة الحق وصبروا على البلوى، فكذا أنتم يا أصحاب محمد لا تستحقون الفضيلة في الدين إلا بتحمل هذه المحن. وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: استقصينا الكلام في لفظ {أَمْ } في تفسير قوله تعالى: {أية : أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ ٱلْمَوْتُ } تفسير : [البقرة: 133] والذي نريده ههنا أن نقول {أَمْ } استفهام متوسط كما أن (هل) استفهام سابق، فيجوز أن يقول: هل عندك رجل، أعندك رجل؟ ابتداء، ولا يجوز أن يقال: أم عندك رجل، فأما إذا كان متوسطاً جاز سواء كان مسبوقاً باستفهام آخر أو لا يكون، أما إذاكان مسبوقاً باستفهام آخر فهو كقولك: أنت رجل لا تنصف، أفعن جهل تفعل هذا أم لك سلطان؟ وأما الذي لا يكون مسبوقاً بالاستفهام فهو كقوله: {أية : الم * تَنزِيلُ ٱلْكِتَـٰبِ لاَ رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِ ٱلْعَـٰلَمِينَ * أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَاهُ } تفسير : [السجدة: 1 ـ 3] وهذا القسم يكون في تقدير القسم الأول، والتقدير: أفيؤمنون بهذا أم يقولون أفتراه؟ فكذا تقدير هذه الآية: فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه، فصبروا على استهزاء قومهم بهم، أفتسلكون سبيلهم، أم تحسبون أن تدخلوا الجنة من غير سلوك سبيلهم؟ هذا ما لخصه القفال رحمه الله، والله أعلم. المسألة الثانية: قوله تعالى: {وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم } أي ولم يأتكم مثل الذين خلوا وذكر الكوفيون من أهل النحو أن {لَّمّاً } إنما هي {لَمْ } و {مَا } زائدة وقال سيبويه: {مَا } ليست زائدة لأن {لَّمّاً } تقع في مواضع لا تقع فيها {لَمْ } يقول الرجل لصاحبه: أقدم فلان؟ فيقول: {لَّمّاً } ولا يقول: {لَمْ } مفردة، قال المبرد: إذا قال القائل: لم يأتني زيد، فهو نفي لقولك أتاك زيد وإذا قال: لما يأتني فمعناه أنه لم يأتني بعد وأنا أتوقعه قال النابغة:شعر : أزف الترحل غير أن ركابنا لما تزل برحالنا وكأن قد تفسير : فعلى هذا قوله: {وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم } يدل على أن إتيان ذلك متوقع منتظر. المسألة الثالثة: قال ابن عباس: لما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، اشتد الضرر عليهم، لأنهم خرجوا بلا مال، وتركوا ديارهم وأموالهم في أيدي المشركين، وأظهرت اليهود العداوة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله تعالى تطييباً لقلوبهم {أَمْ حَسِبْتُمْ } وقال قتادة والسدي: نزلت في غزوة الخندق حين أصاب المسلمين ما أصابهم من الجهد والحزن، وكان كما قال سبحانه وتعالى: {أية : وَبَلَغَتِ ٱلْقُلُوبُ ٱلْحَنَاجِرَ } تفسير : [الأحزاب: 10] وقيل نزلت في حرب أحد لما قال عبد الله بن أبـي لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم: إلى متى تقتلون أنفسكم وترجون الباطل ولو كان محمد نبياً لما سلط الله عليكم الأسر والقتل، فأنزل الله تعالى هذه الآية. واعلم أن تقدير الآية: أم حسبتم أيها المؤمنون أن تدخلوا الجنة بمجرد الإيمان بـي وتصديق رسولي، دون أن تعبدوا الله بكل ما تعبدكم به، وابتلاكم بالصبر عليه، وأن ينالكم من أذى الكفار، ومن احتمال الفقر والفاقة، ومكابدة الضر والبؤس في المعيشة، ومقاساة الأهوال في مجاهدة العدو، كما كان كذلك من قبلكم من المؤمنين، وهو المراد من قوله: {وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم } والمثل هو المثل وهو الشبه، وهما لغتان: مثل ومثل كشبه وشبه، إلا أن المثل مستعار لحالة غريبة أو قصة عجيبة لها شأن ومنه قوله تعالى: {أية : وَلِلَّهِ ٱلْمَثَلُ ٱلأَعْلَىٰ } تفسير : [النحل: 60] أي الصفة التي لها شأن عظيم. واعلم أن في الكلام حذفاً تقديره: مثل محنة الذين من قبلكم، وقوله: {مَسَّتْهُمْ } بيان للمثل، وهو استئناف كأن قائلاً قال: فكيف كان ذلك المثل؟ فقال: {مَّسَّتْهُمُ ٱلْبَأْسَاءُ وَٱلضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُواْ }. أما {ٱلْبَأْسَاءُ } فهو اسم من البؤس بمعنى الشدة وهو الفقر والمسكنة ومنه يقال فلان في بؤس وشدة. وأما {ٱلضَّرَّاءُ } فالأقرب فيه أنه ورود المضار عليه من الآلام والأوجاع وضروب الخوف، وعندي أن البأساء عبارة عن تضييق جهات الخير والمنفعة عليه، والضراء عبارة عن انفتاح جهات الشر والآفة والألم عليه. وأما قوله: {وَزُلْزِلُواْ } أي حركوا بأنواع البلايا والرزايا قال الزجاج: أصل الزلزلة في اللغة من أزال الشيء عن مكانه فإذا قلت: زلزلته فتأويله أنك كررت تلك الإزالة فضوعف لفظه بمضاعفة معناه، وكل ما كان فيه تكرير كررت فيه فاء الفعل، نحو صر، وصرصر، وصل وصلصل، وكف، وكفكف، وأقل الشيء، أي رفعه من موضعه، فإذا كرر قيل: قلقل، وفسر بعضهم {زلزلوا} ههنا بخوفوا، وحقيقته غير ما ذكرنا، وذلك لأن الخائف لا يستقر بل يضطرب قلبه، ولذلك لا يقال ذلك إلا في الخوف المقيم المقعد، لأنه يذهب السكون، فيجب أن يكون زلزلوا ههنا مجازاً، والمراد: خوفوا، ويجوز أن يكونوا مضطربين لا يستقرون لما في قلوبهم من الجزع والخوف، ثم أنه تعالى بعد ذكر هذه الأشياء ذكر شيئاً آخر وهو النهاية في الدلالة على كمال الضر والبؤس والمحنة، فقال: {حَتَّىٰ يَقُولَ ٱلرَّسُولُ وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ ٱللَّهِ } وذلك لأن الرسل عليهم السلام يكونون في غاية الثبات والصبر وضبط النفس عند نزول البلاء، فإذا لم يبق لهم صبر حتى ضجوا، كان ذلك هو الغاية القصوى في الشدة، فلما بلغت بهم الشدة إلى هذه الدرجة العظيمة قيل لهم: {أَلا إِنَّ نَصْرَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ } إجابة لهم إلى طلبهم، فتقدير الآية هكذا: كانت حالهم إلى أن أتاهم نصر الله ولم يغيرهم طول البلاء عن دينهم، وأنتم يا معشر المسلمين كونوا على ذلك وتحملوا الأذى والمشقة في طلب الحق، فإن نصر الله قريب، لأنه آت، وكل ما هو آت قريب، وهذه الآية مثل قوله: {أية : الم * أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن يُتْرَكُواْ أَن يَقُولُواْ ءامَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ ٱللَّهُ } تفسير : [العنكبوت: 1 ـ 3] وقال: {أية : أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَـٰهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ ٱلصَّـٰبِرِينَ}تفسير : [آل عمران: 142] والمقصود من هذه الآية ما ذكرنا أن أصحاب الرسول عليه الصلاة والسلام كان ينالهم الأمر العظيم من البأساء والضراء من المشركين والمنافقين واليهود، ولما أذن لهم في القتال نالهم من الجراح وذهاب الأموال والنفوس ما لا يخفى، فعزاهم الله في ذلك وبين أن حال من قبلهم في طلب الدين كان كذلك، والمصيبة إذا عمت طابت، وذكر الله من قصة إبراهيم عليه السلام وإلقائه في النار، ومن أمر أيوب عليه السلام وما ابتلاه الله به، ومن أمر سائر الأنبياء عليهم السلام في مصابرتهم على أنواع البلاء ما صار ذلك في سلوة المؤمنين. روى قيس بن أبـي حازم عن خباب بن الأرت، قال: شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما نلقى من المشركين، فقال: «حديث : إن من كان قبلكم من الأمم كانوا يعذبون بأنواع البلاء فلم يصرفهم ذلك عن دينهم، حتى إن الرجل يوضع على رأسه المنشار فيشق فلقتين، ويمشط الرجل بأمشاط الحديد فيما دون العظم من لحم وعصب وما يصرفه ذلك عن دينه، وايم الله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب ما بين صنعاء إلى حضرموت لا يخشى إلا الله والذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون»تفسير : . المسألة الرابعة: قرأ نافع {حَتَّىٰ يَقُولَ } برفع اللام والباقون بالنصب، ووجهه أن {حَتَّىٰ } إذا نصبت المضارع تكون على ضربين أحدهما: أن تكون بمعنى: إلى، وفي هذا الضرب يكون الفعل الذي حصل قبل {حَتَّىٰ } والذي حصل بعدها قد وجدا ومضيا، تقول: سرت حتى أدخلها، أي إلى أن أدخلها، فالسير والدخول قد وجدا مضياً، وعليه النصب في هذه الآية، لأن التقدير: وزلزلوا إلى أن يقول الرسول، والزلزلة والقول قد وجدا والثاني: أن تكون بمعنى: كي، كقوله: أطعت الله حتى أدخل الجنة، أي كي أدخل الجنة، والطاعة قد وجدت والدخول لم يوجد، ونصب الآية لا يمكن أن يكون على هذا الوجه، وأما الرفع فاعلم أن الفعل الواقع بعد {حَتَّىٰ } لا بد وأن يكون على سبيل الحال المحكية التي وجدت، كما حكيت الحال في قوله: {أية : هَـٰذَا مِن شِيعَتِهِ وَهَـٰذَا مِنْ عَدُوّهِ } تفسير : [القصص: 15] وفي قوله: {أية : وَكَلْبُهُمْ بَـٰسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِٱلوَصِيدِ } تفسير : [الكهف: 18] لأن هذا لا يصح إلا على سبيل أن في ذلك الوقت كان يقال هذا الكلام، ويقال: شربت الإبل حتى يجيء البعير يجر بطنة، والمعنى شربت حتى إن من حضر هناك يقال: يجيء البعير يجر بطنه، ثم هذا قد يصدق عند انقضاء السبب وحده دون المسبب، كقولك: سرت حتى أدخل البلد. فيحتمل أن السير والدخول قد وجدا وحصلا، ويحتمل أن يكون قد وجد السير والدخول بعد لم يوجد، فهذا هو الكلام في تقرير وجه النصب ووجه الرفع، واعلم أن الأكثرين اختاروا النصب لأن قراءة الرفع لا تصح إلا إذا جعلنا الكلام حكاية عمن يخبر عنها حال وقوعها، وقراءة النصب لا تحتاج إلى هذا الفرض فلا جرم كانت قراءة النصب أولى. المسألة الخامسة: في الآية إشكال، وهو أنه كيف يليق بالرسول القاطع بصحة وعد الله ووعيده أن يقول على سبيل الاستبعاد {مَتَىٰ نَصْرُ ٱللَّهِ }. والجواب عنه من وجوه أحدها: أن كونه رسولاً لا يمنع من أن يتأذى من كيد الأعداء، قال تعالى: {أية : وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ } تفسير : [الحجر: 97] وقال تعالى: {أية : لَعَلَّكَ بَـٰخِعٌ نَّفْسَكَ أَن لا يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ } تفسير : [الشعراء: 3] وقال تعالى: {أية : حَتَّىٰ إِذَا ٱسْتَيْـئَسَ ٱلرُّسُلُ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ جَاءهُمْ نَصْرُنَا فَنُجّىَ } تفسير : [يوسف: 110] وعلى هذا فإذا ضاق قلبه وقلت حيلته، وكان قد سمع من الله تعالى أنه ينصره إلا أنه ما عين له الوقت في ذلك، قال عند ضيق قلبه: {مَتَىٰ نَصْرُ ٱللَّهِ } حتى إنه إن علم قرب الوقت زال همه وغمه وطاب قلبه، والذي يدل على صحة ذلك أنه قال في الجواب: {أَلا إِنَّ نَصْرَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ } فلما كان الجواب بذكر القرب دل على أن السؤال كان واقعاً عن القرب، ولو كان السؤال وقع عن أنه هل يوجد النصر أم لا؟ لما كان هذا الجواب مطابقاً لذلك السؤال، وهذا هو الجواب المعتمد. والجواب الثاني: أنه تعالى أخبر عن الرسول والذين آمنوا أنهم قالوا قولاً ثم ذكر كلامين أحدهما: {مَتَىٰ نَصْرُ ٱللَّهِ } والثاني: {أَلا إِنَّ نَصْرَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ } فوجب إسناد كل واحد من هذين الكلامين إلى واحد من ذينك المذكورين: فالذين آمنوا قالوا: {مَتَىٰ نَصْرُ ٱللَّهِ } والرسول صلى الله عليه وسلم قال: {أَلا إِنَّ نَصْرَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ } قالوا ولهذا نظير من القرآن والشعر، أما القرآن فقوله:{أية : وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ وَلِتَبتَغُواْ مِن فَضْلِهِ } تفسير : [القصص: 73] والمعنى: لتسكنوا في الليل ولتبتغوا من فضله في النهار، وأما من الشعر فقول امرىء القيس:شعر : كأن قلوب الطير رطباًويابسا لدي وكرها العناب والحشف البالي تفسير : فالتشبيه بالعناب للرطب وبالحشف البالي لليابس، فهذا جواب ذكره قوم وهو متكلف جداً. المسألة السادسة: {أَلا إِنَّ نَصْرَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ } يحتمل أن يكون جواباً من الله تعالى لهم، إذ قالوا: {مَتَىٰ نَصْرُ ٱللَّهِ } فيكون كلامهم قد انتهى عند قوله: {مَتَىٰ نَصْرُ ٱللَّهِ } ثم قال الله عند ذلك {أَلا إِنَّ نَصْرَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ } ويحتمل أن يكون ذلك قولاً لقوم منهم، كأنهم لما قالوا: {مَتَىٰ نَصْرُ ٱللَّهِ } رجعوا إلى أنفسكم فعلموا أن الله لا يعلي عدوهم عليهم، فقالوا: {أَلا إِنَّ نَصْرَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ } فنحن قد صبرنا يا ربنا ثقة بوعدك. فإن قيل: قوله: {أَلا إِنَّ نَصْرَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ } يوجب في حق كل من لحقه شدة أن يعلم أن سيظفر بزوالها، وذلك غير ثابت. قلنا: لا يمتنع أن يكون هذا من خواص الأنبياء عليهم السلام، ويمكن أن يكون ذلك عاماً في حق الكل، إذ كل من كان في بلاء فإنه لا بد له من أحد أمرين، إما أن يتخلص عنه، وإما أن يموت وإذا مات فقد وصل إلى من لا يهمل أمره ولا يضيع حقه، وذلك من أعظم النصر، وإنما جعله قريباً لأن الموت قريب.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ} «حسبتم» معناه ظننتم. قال قَتادة والسدّيّ وأكثر المفسرين: نزلت هذه الآية في غزوة الخندق حين أصاب المسلمين ما أصابهم من الجَهد والشدّة، والحرّ والبرد، وسوء العيش، وأنواع الشدائد؛ وكان كما قال الله تعالى: {أية : وَبَلَغَتِ ٱلْقُلُوبُ ٱلْحَنَاجِرَ} تفسير : [الأحزاب: 10]. وقيل: نزلت في حرب أحد؛ نظيرها ـ في آل عمران ـ {أية : أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ} تفسير : [آل عمران: 142]. وقالت فرقة: نزلت الآية تسلية للمهاجرين حين تركوا ديارهم وأموالهم بأيدي المشركين، وآثروا رضا الله ورسوله، وأظهرت اليهود العداوة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وأسرّ قوم من الأغنياء النفاق؛ فأنزل الله تعالى تطييباً لقلوبهم «أَمْ حَسِبْتُمْ». و «أم» هنا منقطعة، بمعنى بل؛ وحكى بعض اللغويين أنها قد تجيء بمثابة ألف الاستفهام ليبتدأ بها، و «حسبتم» تطلب مفعولين؛ فقال النحاة: «أن تدخلوا» تسدّ مسدّ المفعولين. وقيل: المفعول الثاني محذوف: أحسبتم دخولكم الجنة واقعاً. و «لمّا» بمعنى لم. و «مَثَلُ» معناه شبه؛ أي ولم تمتحنوا بمثل ما ٱمتحن به من كان قبلكم فتصبروا كما صبروا. وحكى النَّضْر بن شُمَيل أن «مَثل» يكون بمعنى صفة، ويجوز أن يكون المعنى: ولما يصبكم مثل الذي أصاب الذين من قبلكم، أي من البلاء. قال وهب: وجد فيما بين مكة والطائف سبعون نبيّاً موتى، كان سبب موتهم الجوع والقُمّل، ونظير هذه الآية {أية : الۤـمۤ أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن يُتْرَكُوۤاْ أَن يَقُولُوۤاْ آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} تفسير : [العنكبوت: 1، 2، 3] على ما يأتي؛ فاستدعاهم تعالى إلى الصبر، ووعدهم على ذلك بالنصر فقال: {أَلاۤ إِنَّ نَصْرَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ}. والزلزلة: شدّة التحريك، تكون في الأشخاص وفي الأحوال؛ يقال: زَلْزَلَ الله الأرض زَلْزَلة وزِلزالا ـ بالكسر ـ فتزلزلت إذا تحرّكت وٱضطربت؛ فمعنى «زُلزِلوا» خُوِّفوا وحُرِّكوا. والزَّلزال ـ بالفتح ـ الاسم. والزَّلازِل: الشدائد. وقال الزجاج: أصل الزَّلزلة من زَلّ الشيء عن مكانه؛ فإذا قلت: زلزلته فمعناه كررت زلَلَه من مكانه. ومذهب سيبويه أن زلزل رباعيّ كدحرج. وقرأ نافع «حتى يَقُولُ» بالرفع، والباقون بالنصب. ومذهب سيبويه في «حتى» أن النصب فيما بعدها من جهتين والرفع من جهتين؛ تقول: سرت حتى أدخلَ المدينة ـ بالنصب ـ على أن السير والدخول جميعاً قد مضيا، أي سرت إلى أن أدخلها، وهذه غاية؛ وعليه قراءة من قرأ بالنصب. والوجه الآخر في النصب في غير الآية سرت حتى أدخلَها، أي كي أدخلَها. والوجهان في الرفع سرت حتى أدخلُها، أي سرت فأدخلها، وقد مضيا جميعاً، أي كنت سرت فدخلت. ولا تعمل حتى هٰهنا بإضمار أن، لأن بعدها جملة؛ كما قال الفرزدق:شعر : فيَـا عَجبـاً حتـى كُليـبٌ تَسُبُّنِـي تفسير : قال النحاس: فعلى هذا القراءةُ بالرفع أبين وأصح معنى، أي وزلزلوا حتى الرسولُ يقولُ، أي حتى هذه حاله؛ لأن القول إنما كان عن الزلزلة غير منقطع منها، والنصب على الغاية ليس فيه هذا المعنى. والرسول هنا شَعْيَا في قول مقاتل، وهو اليَسَع. وقال الكلبيّ: هذا في كل رسول بعث إلى أُمته وأجهد في ذلك حتى قال: متى نصر الله؟. ورُوي عن الضحاك قال: يعني محمداً صلى الله عليه وسلم، وعليه يدل نزول الآية، والله أعلم. والوجه الآخر في غير الآية سرت حتى أدخلُها، على أن يكون السير قد مضى والدخول الآن. وحكى سيبويه: مرِض حتى لا يَرجونَه، أي هو الآن لا يُرْجَى؛ ومثله سرت حتى أدخلُها لا أُمنع. وبالرفع قرأ مجاهد والأعرج وٱبن مُحَيْصِن وشيبة. وبالنصب قرأ الحسن وأبو جعفر وابن أبي إسحاق وشبل وغيرهم. قال مكيّ: وهو الاختيار؛ لأن جماعة القرّاء عليه. وقرأ الأعمش «وزلزلوا ويقول الرسول» بالواو بدل حتى. وفي مصحف ٱبن مسعود «وزلزلوا ثم زلزلوا ويقول». وأكثر المتأوّلين على أن الكلام إلى آخر الآية من قول الرسول والمؤمنين، أي بلغ الجهد بهم حتى ٱستبطئوا النصر؛ فقال الله تعالى: {أَلاۤ إِنَّ نَصْرَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ}. ويكون ذلك من قول الرسول على طلب ٱستعجال النصر لا على شك وٱرتياب. والرسول ٱسم جنس. وقالت طائفة: في الكلام تقديم وتأخير، والتقدير: حتى يقول الذين آمنوا متى نصر الله؛ فيقول الرسول: ألاَ إن نصر الله قريب؛ فقدّم الرسول في الرتبة لمكانته، ثم قدّم قول المؤمنين لأنه المتقدّم في الزمان. قال ٱبن عطية: وهذا تحكّم. وحمل الكلام على وجهه غير متعذر. ويحتمل أن يكون {أَلاۤ إِنَّ نَصْرَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ} إخباراً من الله تعالى مُؤْتنفاً بعد تمام ذكر القول. قوله تعالى: {مَتَىٰ نَصْرُ ٱللَّهِ} رُفع بالابتداء على قول سيبويه، وعلى قول أبي العباس رُفع بفعل، أي متى يقع نصر الله. و «قريب» خبر «إنّ». قال النحاس: ويجوز في غير القرآن «قريباً» أي مكاناً قريباً. و «قريب» لا تثنّيه العرب ولا تجمعه ولا تؤنّثه في هذا المعنى؛ قال الله عز وجل: {أية : إِنَّ رَحْمَةَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ ٱلْمُحْسِنِينَ}تفسير : [الأعراف: 56]. وقال الشاعر:شعر : له الويلُ إن أمْسَى ولا أُمُّ هاشم قريب ولا بَسْبَاسةُ بنْةُ يَشْكُرَا تفسير : فإن قلت: فلان قريب لي ثنيت وجمعت؛ فقلت: قريبون وأقرباء وقرباء.

البيضاوي

تفسير : {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ} خاطب به النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين بعد ما ذكر اختلاف الأمم على الأنبياء بعد مجيء الآيات، تشجيعاً لهم على الثبات مع مخالفتهم. و {أَمْ} منقطعة ومعنى الهمزة فيها الإِنكار {وَلَمَّا يَأْتِكُم} ولم يأتكم، وأصل {لمّا} لم زيدت عليها ما وفيها توقع ولذلك جعلت مقابل قد. {مَّثَلُ ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم} حالهم التي هي مثل في الشدة. {مَّسَّتْهُمُ ٱلْبَأْسَاء وَٱلضَّرَّاء} بيان له على الاستئناف. {وَزُلْزِلُواْ} وأزعجوا إزعاجاً شديداً بما أصابهم من الشدائد. {حَتَّىٰ يَقُولَ ٱلرَّسُولُ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ} لتناهي الشدة واستطالة المدة بحيث تقطعت حبال الصبر. وقرأ نافع يقولُ بالرفع على أنه حكاية حال ماضية كقولك مرض حتى لا يرجونه. {مَتَىٰ نَصْرُ ٱللَّهِ} استبطاء له لتأخره. {أَلا إِنَّ نَصْرَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ} استئناف على إرادة القول أي فقيل لهم ذلك اسعافاً لهم إلى طلبتهم من عاجل النصر، وفيه إشارة إلى أن الوصول إلى الله تعالى والفوز بالكرامة عنده برفض الهوى واللذات، ومكابدة الشدائد والرياضات كما قال عليه الصلاة والسلام «حديث : حفت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات»

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ} قبل أن تبتلوا وتخبروا وتمتحنوا كما فعل بالذين من قبلكم من الأمم، ولهذا قال: {وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ ٱلْبَأْسَآءُ وَٱلضَّرَّآءُ} وهي الأمراض والأسقام والآلام والمصائب والنوائب. قال ابن مسعود وابن عباس وأبو العالية ومجاهد وسعيد بن جبير ومرة الهمداني والحسن وقتادة والضحاك والربيع والسدي ومقاتل بن حيان: {ٱلْبَأْسَآءِ}: الفقر {وٱلضَّرَّاءِ}: السقم {وَزُلْزِلُواْ} خوفاً من الأعداء زلزالاً شديداً، وامتحنوا امتحاناً عظيماً، كما جاء في الحديث الصحيح عن خباب بن الأرت، قال: قلنا: يا رسول الله ألا تستنصر لنا، ألا تدعو الله لنا؟ فقال: «حديث : إن من كان قبلكم كان أحدهم يوضع المنشار على مفرق رأسه، فيخلص إلى قدميه، لا يصرفه ذلك عن دينه، ويمشط بأمشاط الحديد ما بين لحمه وعظمه، لا يصرفه ذلك عن دينه»تفسير : ثم قال: «حديث : والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت، لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم قوم تستعجلون»تفسير : وقال الله تعالى: {أية : الۤـمۤ أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن يُتْرَكُوۤاْ أَن يَقُولُوۤاْ آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ وَلَيَعْلَمَنَّ ٱلْكَاذِبِينَ} تفسير : [العنكبوت: 1 ـ 3] وقد حصل من هذا جانب عظيم للصحابة رضي الله تعالى عنهم في يوم الأحزاب، كما قال الله تعالى: {أية : إِذْ جَآءُوكُمْ مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ ٱلأَبْصَـٰرُ وَبَلَغَتِ ٱلْقُلُوبُ ٱلْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِٱللَّهِ ٱلظُّنُونَاْ هُنَالِكَ ٱبْتُلِىَ ٱلْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُواْ زِلْزَالاً شَدِيداً وَإِذْ يَقُولُ ٱلْمُنَـٰفِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُوراً }تفسير : [الأحزاب: 10 ـ 12] الآيات. ولما سأل هرقل أبا سفيان: هل قاتلتموه؟ قال: نعم. قال: فكيف كانت الحرب بينكم؟ قال: سجالاً، يدال علينا، وندال عليه. قال: كذلك الرسل تبتلى، ثم تكون لها العاقبة. وقوله: {مَّثَلُ ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم} أي: سنتهم؛ كما قال تعالى: {أية : فَأَهْلَكْنَآ أَشَدَّ مِنْهُم بَطْشاً وَمَضَىٰ مَثَلُ ٱلأَوَّلِينَ }تفسير : [الزخرف: 8] وقوله: {وَزُلْزِلُواْ حَتَّىٰ يَقُولَ ٱلرَّسُولُ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ ٱللَّهِ} أي: يستفتحون على أعدائهم، ويدعون بقرب الفرج والمخرج عند ضيق الحال والشدة، قال الله تعالى: {أَلاَۤ إِنَّ نَصْرَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ} كما قال: {أية : فَإِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْراً إِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْراً}تفسير : [الشرح: 5 ـ 6] وكما تكون الشدة ينزل من النصر مثلها، ولهذا قال: {أَلاَۤ إِنَّ نَصْرَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ} وفي حديث أبي رزين: «حديث : عجب ربك من قنوط عباده وقرب غيثه، فينظر إليهم قنطين، فيظل يضحك؛ يعلم أن فرجهم قريب»تفسير : الحديث.

المحلي و السيوطي

تفسير : ونزل في جَهْدٍ أصاب المسلمين {أَمْ } بل أ {حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ وَلَمَّا } لم {يَأْتِكُم مَّثَلُ } شبه ما أتى {ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم } من المؤمنين من المحن فتصبروا كما صبروا {مَسَّتْهُمْ } جملة مستأنفة مبينة ما قبلها {ٱلْبَأْسَاءُ } شدّة الفقر {وَٱلضَّرَّاءِ } المرض {وَزُلْزِلُواْ } أُزعجوا بأنواع البلاء {حَتَّىٰ يَقُولَ } بالنصب والرفع أي قال {ٱلرَّسُولُ وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ مَعَهُ } استبطاء للنصر لتناهي الشدّة عليهم {مَتَىٰ } يأتي {نَصْرُ ٱللَّهِ } الذي وُعِدْناه فأجيبوا من قبل الله {أَلا إِنَّ نَصْرَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ } إتيانه.

الشوكاني

تفسير : {أم} هنا: منقطعة بمعنى: بل. وحكى بعض اللغويين أنها قد تجيء بمثابة همزة الاستفهام يبتدأ بها الكلام، فعلى هذا معنى الاستفهام هنا: التقرير، والإنكار، أي: أحسبتم دخولكم الجنة واقعاً، ولم تُمْتَحنوا بمثل ما امتِحَن به مَنْ كان قبلكم، فتصبروا كما صبروا؟ ذكر الله سبحانه هذه التسلية بعد أن ذكر اختلاف الأمم على أنبيائهم، تثبيتاً للمؤمنين وتقوية لقلوبهم، ومثل هذه الآية قوله تعالى: {أية : أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَـٰهَدُواْ مِنكُمْ }تفسير : [آل عمران: 142] وقوله تعالى: {أية : الم أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن يُتْرَكُواْ أَن يَقُولُواْ ءامَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ }تفسير : [العنكبوت: 1 - 2] وقوله: {مَسَّتْهُمْ } بيان لقوله: {مَّثَلُ ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ }، و{ٱلْبَأْسَاء وٱلضَّرَّاء } قد تقدّم تفسيرهما، والزلزلة: شدّة التحريك يكون في الأشخاص وفي الأحوال، يقال: زلزل الله الأرض زَلزلة، وزلزالاً بالكسر، فتزلزلت إذا تحركت، واضطربت، فمعنى زُلزلوا: خُوِّفوا وأزعجوا إزعاجاً شديداً. وقال الزجاج: أصل الزلزلة: نقل الشيء من مكانه، فإذا قلت: زلزلته فمعناه كررت زلـله من مكانه. وقوله: {حَتَّىٰ يَقُولَ } أي: استمرّ ذلك إلى غاية هي: قول الرسول، ومن معه {مَتَىٰ نَصْرُ ٱللَّهِ } والرسول هنا قيل: هو محمد صلى الله عليه وسلم. وقيل: هو شعياء. وقيل هو كل رسول بعث إلى أمته. وقرأ مجاهد، والأعرج، ونافع، وابن محيصن بالرفع في قوله: {حَتَّىٰ يَقُولَ } وقرأ غيرهم بالنصب، فالرفع: على أنه حكاية لحال ماضية، والنصب بإضمار "أن" على أنه غاية لما قبله. وقرأ الأعمش: {وَزُلْزِلُواْ وَيَقُولُ ٱلرَّسُولَ } بالواو بدل حتى، ومعنى ذلك: أن الرسول ومن معه بلغ بهم الضجر إلى أن قالوا هذه المقالة المقتضية لطلب النصر، واستبطاء حصوله، واستطالة تأخره، فبشرهم الله سبحانه بقوله: {أَلا إِنَّ نَصْرَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ }. وقالت طائفة: في الكلام تقديم وتأخير، والتقدير: حتى يقول الذين آمنوا متى نصر الله؟ ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم ألا إن نصر الله قريب. ولا مُلْجىء لهذا التكلف، لأن قول الرسول، ومن معه: {مَتَىٰ نَصْرُ ٱللَّهِ } ليس فيه إلا استعجال النصر من الله سبحانه، وليس فيه ما زعموه من الشكّ، والارتياب حتى يحتاج إلى ذلك التأويل المتعسّف. وقد أخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر عن قتادة، أن هذه الآية نزلت في يوم الأحزاب، أصاب النبي صلى الله عليه وسلم يومئذ، وأصحابه بلاء، وحصر. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال: أخبر الله المؤمنين أن الدنيا دار بلاء، وأنه مبتليهم فيها، وأخبرهم أنه هكذا فعل بأنبيائه، وصفوته لتطيب نفوسهم، فقال {مَّسَّتْهُمُ ٱلْبَأْسَاء وَٱلضَّرَّاء } فالبأساء: الفتن، والضرّاء: السقم، وزلزلوا بالفتن، وأذى الناس إياهم. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن السدي في قوله: {وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ } قال: أصابهم هذا يوم الأحزاب حتى قال قائلهم: {أية : مَّا وَعَدَنَا ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُوراً } تفسير : [الأحزاب: 12] ولعله يعني بقوله: حتى قال قائلهم: يعني: قائل المنافقين كما يفيد ذلك قوله تعالى: {أية : إِذْ جَاءوكُمْ مّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ ٱلأبْصَـٰرُ وَبَلَغَتِ ٱلْقُلُوبُ ٱلْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِٱللَّهِ ٱلظُّنُونَاْ * هُنَالِكَ ٱبْتُلِىَ ٱلْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُواْ زِلْزَالاً شَدِيداً * وَإِذْ يَقُولُ ٱلْمُنَـٰفِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُوراً }تفسير : [الأحزاب: 10 - 12].

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {يَسْئَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ، قُلْ: مَآأَنفَقْتُم مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ وَاليَتَامَى وَالمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ} فيها قولان: أحدهما: أنها نزلت قبل آية الزكاة في إيجاب النفقة على الأهل والصدقة ثم نسختها آية الزكاة، وهذا قول السدي. والثاني: أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم سألوه عن أموالهم أين يضعونها، فأنزل الله هذه الآية، وهذا قول ابن زيد.

الخازن

تفسير : قوله عز وجل: {أم حسبتم أن تدخلوا الجنة} نزلت في غزوة الأحزاب وهي غزوة الخندق، وذلك أن المسلمين أصابهم ما أصابهم من الجهد والشدة والخوف والبرد وضيق العيش الذي كانوا فيه يومئذٍ. وقيل: نزلت في غزوة أحد. وقيل: لما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه المدينة في أول الهجرة اشتد عليهم الضر لأنهم خرجوا بلا مال وتركوا أموالهم وديارهم بأيدي المشركين، وآثروا رضا الله ورسوله، وأظهرت اليهود العداوة لرسوله الله صلى الله عليه وسلم وآثر قوم النفاق فأنزل الله هذه الآية تطييباً لقلوبهم. ومعنى الآية: أحسبتم والميم صلة. وقيل: هل حسبتم والمعنى أظننتم أيها المؤمنون أن تدخلوا الجنة بمجرد الإيمان ولم يصبكم مثل ما أصاب من كان قبلكم من إتباع الأنبياء والرسل من الشدائد والمحن والابتلاء والاختبار وهو قوله: {ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم} أي شبه الذين مضوا قبلكم من النبيين وأتباعهم من المؤمنين ومثل محنتهم {مستهم البأساء} أي أصابهم الفقر والشدة والمسكنة وهو اسم من البؤس {والضراء} يعني المرض والزمانة وضروب الخوف {وزلزلوا} أي وحركوا بأنواع البلايا والرزايا وأصل الزلزلة الحركة وذلك لأن الخائف لا يستقر بل لا يزال يضطرب ويتحرك لقلقه {حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله} وذلك لأن الرسل أثبت من غيرهم وأصبر وأضبط للنفس عند نزول البلاء وكذا أتباعهم من المؤمنين. والمعنى أنه بلغ بهم الجهد والشدة والبلاء ولم يبق لهم صبر وذلك هو الغاية القصوى في الشدة فلما بلغ بهم الحال في الشدة إلى هذه الغاية واستبطؤا النصر قيل لهم {ألا إن نصر الله قريب} إجابة لهم في طلبهم. والمعنى: هكذا كان حالهم لم يغيرهم طول البلاء والشدة عن دينهم إلى أن يأتيهم نصر الله فكونوا يا معشر المؤمنين كذلك وتحملوا الأذى والشدة والمشقة في طلب الحق فإن نصر الله قريب (خ) عن خباب بن الأرت قال: شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة فقلنا ألا تنتصر لنا ألا تدعو لنا فقال: "حديث : قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض فيجعل فيها ثم يؤتى بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه ما يصده ذلك عن دينه والله ليتمنَّ الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلاّ الله والذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون "

ابن عرفة

تفسير : قوله تعالى: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم...}. قال ابن عصفور في مقربة والآمدي في شرح الجزولية: (لَمْ) لنفي الماضي المتصل بزمن الحال ومثل ذلك {أية : وَعَصَىٰ ءَادَمُ رَبَّهُ فَغَوَىٰ}تفسير : ولم يندم، وعصى إبليس ربه ولمّا يندم لأن نفي الندم عن آدم كان ومضى وانقطع كوقوع الندم منه بعد ذلك، ونفيه عن إبليس متصل بزمن الحال. قال ابن عرفة: وعادتهم يتعقبونه بوجهين: الأول: نسبة العصيان لآدم عليه السلام فإنه وإن كان ورد في القرآن لكنّه لا ينبغي أن (يتكلم) المخلوق على جهة المثال فإنه من إساءة الأدب على الأنبياء. الثاني: أن نفي النّدم عنه إما قبل المعصية أو بعدها، والأقسام كلها باطلة لوقوع النّدم منه إثر المعصية. قال الله تعالى {أية : فَأَكَلاَ مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا}تفسير : (فعقب) الأكل بدت لهما السوءات، فوقع الندم والندم حين العصيان غير متصور فأحرى قبله. وقال القرطبي: (لَمَّا) هنا بمعنى (لم) لنفي الماضي المنقطع لأن ذلك كان في غزوة أحد وهي متقدمة على (هذه) الآية. ورده ابن عرفة بأنّه إنّما يلزم ذلك لو (علّقه) في الآية بالعلم، وهو إنما علّقه بالحسبان. قلت: ونقله بعض الطلبة بلفظ لا يحتاج إلى هذا بل هي على بابها لأن حسابهم أنهم يدخلون الجنة حالة كونهم لم يأتهم مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ وهذا (الحسبان) لم ينقطع وما زال المؤمنون يظنون أنهم يدخلون الجنة من غير بأس ولا مشقة تنالهم إلى حين نزول هذه الآية، ونيلهم البأس في (هذه الغزوة) لا يرفع ظنّهم ذلك. قال ابن عرفة: والبأَسَاءُ راجع لفقد المال، وَالضّرّاءُ للنقص في البدن والزلزال في النفس. قوله تعالى: {حَتَّىٰ يَقُولَ ٱلرَّسُولُ...}. قرأ نافع، بالرفع. قال ابن عطية: كأنه اقترن بها (تسبيب)، فحتى (حرف) (ابتداء) يرفع الفعل. ابن عطية: ظاهره أيضا إذا كان ما قبلها سببا لما بعدها، فالرفع مطلقا وليس كذلك. بل لابد من زيادة كونه ماضيا أو حالا، وأما إن كان الفعل مستقبلا فالنصب ليس إلا، وكذلك جعله الزمخشري حكاية حال ماضية. قال أبو حيان: وحتى على النصب (للغاية) بمعنى: إلى أن، أو للتعليل بمعنى كي. قال: والغاية أظهر لأن (الضراء) والزلزال ليسا معللين بقول الرّسول والمؤمنين. قال ابن عرفة: إن اعتبرنا (الزلزال) من حيث نسبته إليهم فليس بعلة، لأنهم لا يتزلزلون قصدا لأن يقول الرّسول والمؤمنون هذه المقالة، وإن اعتبرناه من حيث نسبته إلى الحق سبحانه وتعالى إذ هو الفاعل المختار في الحقيقة فهو علة في قول الرسول والمؤمنين؛ ذلك لأن الله تعالى زلزلهم ليقول الرسول والمؤمنون هذه المقالة. وأبو حيان لما رأى الفعل وهو "زُلْزلُوا" مبنيا للمفعول اعتبر نسبته إليه. قال ابن عطية: عن طائفة: وفي الكلام تقديم و تأخير تقديره: حتى يَقُولَ الَّذينَ ءَامَنُوا مَتَى نَصْرُ الله، ويقول الرّسول أَلاَ إنّ نَصْرَ الله قَريبٌ. قال ابن عرفة: لا حاجة إلى هذا التقديم والتأخير بل هو لف ونشر مخالف جعل فيه أول القولين للقائل الثاني لكونه يليه. وقوله "مَعَهُ" يحتمل أن يتعلق بـ "ءَامَنُوا" أو بـ "يَقُول" فإن تعلق بـ "ءَامَنُوا" فيكون من جمع القول دون قائله مثل: {أية : وَقَالُواْ كُونُواْ هُوداً أَوْ نَصَارَىٰ تَهْتَدُواْ}.تفسير : فكل فريق دعا إلى دينه وإن تعلق بـ "يقول" فيكون من جمع (القائلين وأقوالهم) فيكون الرسول قال المقالتين والمؤمنون كذلك قالوا المقالتين.

ابن عادل

تفسير : "أَمْ" هذه فيها أربعة أقوالٍ: الأول: أنْ تكون منقطعةً فتتقدَّر بـ"بل" والهمزة. فـ"بل" لإضراب انتقالٍ من إِخْبَارٍ إلى إِخْبَارٍٍ، والهمزةُ للتقرير. والتقدير بل حسبتم. والثاني: أنها لمجرد الإضراب مِنْ غير تقدير همزة بعدها، وهو قول الزَّجَّاج وأنشد: [الطويل] شعر : 1038 - بَدَتْ مِثْلَ قَرْنِ الشِّمْسِ فِي رَوْنَقِ الضُّحَى وَصُوَرتِهَا أَمْ أَنْتِ فِي الْعَيْنِ أَمْلَحُ تفسير : أي: بل أنت. والثالث: وهو قول الفرَّاء وبعض الكُوفيِّين، أنها بمعنى الهمزة. فعلى هذا يُبتدأُ بها في أوَّل الكلام، ولا تحتاجُ إلى الجملة قبلها يضرب عنها. الرابع: أنها مُتَّصلةٌ، ولا يستقيم ذلك إلا بتقدير جملةٍ محذوفةٍ قبلها. قال القفَّال: "أمْ" هنا استفهامٌ متوسطٌ؛ كما أَنَّ "هَلْ" استفهامٌ سابقٌ، فيجوز أَنْ يقال: هل عندك رجلٌ، أَمْ عندك امرأَةٌ؟ ولا يجوز أَنْ يقال ابتداءً أَمْ عندك رجل، فأَمَّا إذا كان متوسطاً، جاز سواءٌ كان مسبُوقاً باستفهامٍ آخر، أو لا يكون، أَمَّا إذا كان مسبوقاً باستفهام آخر فهو كقولك: أنت رجلٌ لا تنصف، أفعن جهل تفعلُ هذا،أم لك سلطانٌ؟ وأَمَّا الذي لا يكون مسبوقاً بالاستفهام؛ فكقوله: {أية : الۤـمۤ تَنزِيلُ ٱلْكِتَابِ لاَ رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ ٱلْعَالَمِينَ أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَاهُ}تفسير : [السجدة: 1 - 3] فكذا تقدير هذا الآية: فهدى اللَّهُ الذين آمنوا فصبروا على استهزَاءِ قومهم، أفتسلكُون سبيلهم أم تحسبون أَنْ تدخُلُوا الجنَّةَ مِنْ غيرِ سلوكِ سبيلهم. "حَسب" هنا من أَخواتِ "ظنَّ"، تنصبُ مفعولين عند سيبويه، ومسدَّ الأول والثاني محذوفٌ عند الأخفش، كما تقدَّم، ومضارعها فيه الوجهان: الفتحُ - وهو القياسُ - والكسرُ. ولها نظائرُ من الأفعالِ تأتي إن شاء اللَّهُ تعالى في آخرِ السورةِ، ومعنها الظَّنُّ، وقد تستعملُ في اليقين؛ قال: [الطويل] شعر : 1039 - حَسِبْتُ التُّقَى وَالجُودَ خَيْرَ تِجَارَةٍ رَبَاحاً إِذَا مَا المَرْءُ أَصْبَحَ ثَاقِلاَ تفسير : ومصدرُها: الحُسْبان. وتكون غير متعديةٍ، إذا كان معناها الشقرة، تقول: زيدٌ، أي: اشْقَرَّ، فهو أَحْسَبُ، أي: أَشْقَرُ. قوله: "وَلَمَّا يَأْتِكمْ" الواو للحال، والجملة بعدها في محلِّ نصبٍ عليها، أي: غير آتيكم مثلهم. و "لمَّا" حرف جزمٍ، معناه النفي؛ كـ"لم"، وهو أبلغ من النفي بـ"لم"؛ لأنَّها لا تنفي إلاَّ الزمان المتصل بزمان الحال. والفرق بينها وبين "لم" من وجوهٍ: أحدها: أنه قد يحذف الفعل بعدها في فصيح الكلام، إذ دلَّ عليه دليلٌ. وهو أحسن ما تخرَّج عليه قراءة "وإِنْ كُلاًّ لَمَّا" كقوله: [الوافر] شعر : 1040 - فَجئْتُ قُبُورَهُمْ بَدْءاً وَلَمَّا فَنَادَيْتُ الْقُبُورَ فَلَمْ تَجِبْنَهْ تفسير : أي: ولمَّا أكن بدءاً، أي: مبتدئاً؛ بخلاف "لَمْ" فإنه لا يجوز ذلك فيها إلا ضرورة؛ كقوله: [الكامل] شعر : 1041- وَاحْفَظْ وَدِيعَتَكَ الَّتِي أُودِعْتَهَا يَوْمَ الأَعَازِب إِنْ وَصَلْتَ وَإِنْ لَمِ تفسير : ومنها: أنَّها لنفي الماضي المتصل بزمان الحال، و"لم" لنفيه مطلقاً أو منقطعاً على ما مرَّ. ومنها: أنَّ "لَمَّا" لا تدخل على فعل شرطٍ، ولا جزاءٍ بخلاف "لم". ومنها أنّ "لَمْ" قد تلغى بخلاف "لَمَّا، فإنها لم يأتِ فيها ذلك، وباقي الكلام على ما يأتي إن شاء الله تعالى في سورة "الحُجُرَاتِ" عند قوله تعالى: {أية : وَلَمَّا يَدْخُلِ ٱلإِيمَانُ}تفسير : [الحجرات: 14]. واختلف في "لَمَّا" فقيل: مركبة من لم و"ما" زيدت عليها. وقال سيبويه: بسيطة وليست "ما" زائدة؛ لأنَّ "لما" تقع في مواضع لا تقع فيها "لم"؛ يقول الرجل لصاحبه: أقدِّم فلاناً، فيقول "لَمَّا"، ولا يقال: "لَمْ" مفردةً. قال المبرّد: إذا قال القائل: لم يأتني زيدٌ، فهو نفيٌ لقولك أتاك زيدٌ، وإذا قال لَمَّا يأتني، فمعناه: أنَّه لم يأتني بعد، وأنا أتوقَّعه؛ قال النابغة: [الكامل] شعر : 1042 - أَزِفَ التَّرَحُّلُ غَيْرَ أنَّ رَكَابَنَا لَمَّا تَزُلْ بِرِحَالِنَا وَكَأَنْ قَدِ تفسير : وفي قوله "مَثَلُ الَّذِينَ" حذف مضافٍ، وحذفُ موصوفٍ، تقديره: ولمَّا يأتكم مثل محنة المؤمنين الذين خلوا. و "مِنْ قَبْلِكُمْ" متعلِّقٌ بـ"خَلَوا" وهو كالتأكيد، فإنَّ الصلة مفهومةٌ من قوله: "خَلَوْا". فصل في سبب نزول "أم حسبتم" الآية. قال ابن عبَّاس، وعطاء: لمَّا دخل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة اشتدَّ عليهم الضرر؛ لأنَّهم خرجوا بلا مالٍ، وتركوا ديارهم، وأموالهم بأيدي المشركين، وآثروا رضا الله ورسوله، وأظهرت اليهود العداوة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وأسرَّ قوم النفاق، فأنزل الله تعالى؛ تطييباً لطيوبهم: "أَمْ حَسِبْتُمْ". وقال قتادة والسُّديُّ: نزلت في "غَزْوَةِ الخنْدَقِ" أصاب المسلمين ما أصابهم من الجهد، والحزن، وشدَّة الخوف، والبرد، وضيق العيش، وأنواع الأذى؛ كما قال تعالى: {أية : وَبَلَغَتِ ٱلْقُلُوبُ ٱلْحَنَاجِرَ}تفسير : [الأحزاب: 10] وقيل: نزلت في "غَزْوَةِ أُحُد" لما قال عبد الله بن أُبيٍّ لأصحاب النبي عليه السلام إلى متى تقتلون أنفسكم، وترجون الباطل، ولو كان محمد نبياً، لمَّا سلَّط الله عليكم الأسر والقتل، فأنزل الله تعالى هذه الآية "أَمْ حَسِبْتُمْ"، أي: المؤمنون أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ بمجرد الإيمان بي، وتصديق رسولي، دون أن تعبدوا الله بكل ما تعبَّدكم به، وابتلاكم بالصبر عليه، وأن ينالكم من أذى الكفار، ومن احتمال الفقر ومكابدة الضر والبؤس، ومقاساة الأهوال في مجاهدة العدوِّ؛ كما كان ذلك فيما كان من قبلكم من المؤمنين، والمَثَلُ هو المِثْلُ، وهو الشَّبه، إلاَّ أنَّ المثل لحالةٍ غريبةٍ، أو قصَّة عجيبةٍ لها شأنٌ؛ ومنه قوله تعالى: {أية : وَلِلَّهِ ٱلْمَثَلُ ٱلأَعْلَىٰ}تفسير : [النحل: 60] أي: الصفة التي لها شأن عظيم. قوله: "مَسَّتْهم البأْسَاءُ" في هذه الجملة وجهان: أحدهما: أن تكون لا محلّ لها من الإعراب؛ لأنها تفسيريةٌ، أي: فسَّرَتِ المثل وشرحته، كأنه قيل: ما كان مثلهم؟ فقيل: مسَّتهم البأساء. والثاني: ان تكون حالاً على إضمار "قَدْ" جوَّز ذلك أبو البقاء، وهي حالٌ من فاعلٍ "خَلَوا". وفي جعلها حالاً بُعْدٌ. و"البَأْسَاءُ": اسمٌ من البؤْسِ بمعنى الشِّدِّة، وهو البلاء والفقر. و"الضَّرَّاءُ": الأمراض، والآلام، وضروب الخوف. قال أبو العبَّاس المقريُّ: ورد لفظ "الضُّرِّ" في القرآن على أربعة أوجهٍ: الأول: الضُّرُّ: الفقر؛ كهذه الآية، ومثله: {أية : وَإِذَا مَسَّ ٱلإِنسَانَ ٱلضُّرُّ دَعَانَا لِجَنبِهِ}تفسير : [يونس: 12]، وقوله تعالى: {أية : وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ ٱللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ ٱلضُّرُّ}تفسير : [النحل: 53] أي: الفقر. الثاني: الضّرّ: القحط؛ قال تعالى: {أية : أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِٱلْبَأْسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ}تفسير : [الأعراف: 94] أي: قحطوا. أو قوله تعالى: {أية : وَإِذَآ أَذَقْنَا ٱلنَّاسَ رَحْمَةً مِّن بَعْدِ ضَرَّآءَ مَسَّتْهُمْ}تفسير : [يونس: 21] أي: قحط. الثالث: الضُّرُّ: المرض؛ قال تعالى: {أية : وَإِن يَمْسَسْكَ ٱللَّهُ بِضُرٍّ}تفسير : [يونس: 207] أي: بمرض. الرابع: الضر: الأهوال؛ قال تعالى: {أية : وَإِذَا مَسَّكُمُ ٱلْضُّرُّ فِي ٱلْبَحْرِ}تفسير : [الإسراء: 67]. قوله: "وَزُلْزِلُوا" أي: حرِّكوا بأنواع البلايا والرَّزايا. قال الزَّجَّاج: أصل الزَّلزلة في اللغة من زلَّ الشيء عن مكانه، فإذا قلت: زلزلته فتأويله: أنَّك كررت تلك الإزالة فضوعف لفظه بمضاعفة معناه؛ لأن ما فيه تكريرٌ يكرّرُ فيه الفعل نحو: صَرَّ وصَرْصَرَ، وصَلَّ وصَلْصَلَ؛ وَكَفَّ وَكَفْكَفَ، وفسر بعضهم "زُلْزِلُوا" أي: خُوِّفُوا؛ وذلك لأنَّ الخائف لا يستقر بل يضطرب قلبه. قول تعالى: "حَتَّى يَقُولَ" قرأ الجمهور: "يقولَ" نصباً، وله وجهان: أحدهما: أنَّ "حَتَّى" بمعنى "إِلَى"، أي: إلى أن يقول، فهو غايةٌ لما تقدَّم من المسِّ والزلزال، و"حَتَّى" إنما ينصب بعدها المضارع المستقبل، وهذا قد وقع ومضى. فالجواب: أنه على حكاية الحال، [حكى تلك الحال]. والثاني: أنَّ "حَتَّى" بمعنى "كَيْ"، فتفيد العلَّة كقوله: أطعتُ الله حَتَّى أدْخَلنِي الجنةَ، وهذا ضعيفٌ؛ لأنَّ قول الرسول والمؤمنين ليس علَّة للمسِّ والزلزال، وإن كان ظاهر كلام أبي البقاء على ذلك، فإنه قال: "بالرفعِ على أَنْ يكونَ التقديرُ: زُلْزِلُوا فقالوا، فالزَّلْزَلَةُ سَبَبُ القولِ"، و"أَنْ" بعد "حَتَّى" مُضْمَرةٌ على كِلا التقديرين. وقرأ نافع برفعه على أنَّه حالٌ، والحال لا ينصب بعد "حَتَّى" ولا غيرها؛ لأنَّ الناصب يخلِّص للاستقبال؛ فتنافيا. واعلم أنَّ "حَتَّى" إذا وقع بعدها فعلٌ: فإمَّا أن يكون حالاً أو مستقبلاً أو ماضياً، فإن كان حالاً، رفع؛ نحو: "مَرِضَ حَتَّى لاَ يَرْجُونَهُ" أي: في الحال. وإن كان مُسْتَقْبلاً نصب، تقول: سِرْتُ حتَّى أدخل البلد، وأنت لم تدخل بعد. وإن كان ماضياً فتحكيه، ثُمَّ حكايتك له: إمَّا أن تكون بحسب كونه مستقبلاً، فتنصبه على حكاية هذه الحال، وإمَّا أن يكون بحسب كونه حالاً، فترفعه على حكاية هذه الحال، فيصدق أن تقول في قراءة الجماعة: حكاية حالٍ، وفي قراءة نافعٍ أيضاً: حكاية حال. قال شهاب الدِّين: إنَّما نبَّهتُ على ذلك؛ لأنَّ عبارة بعضهم تخُصُّ حكاية الحال بقراءة الجمهور، وعبارة آخرين تخصُّها بقراءة نافع. قال أبو البقاء في قراءة الجمهور: "والفعلُ هنا مستقبلٌ، حُكِيت به حَالُهُمْ، والمعنى على المُضِيِّ" وكان قد تقدَّم أنه وجَّه الرفع بأنَّ "حتى" للتعليل. قوله: "معه" هذا الظرف يجوز أن يكون منصوباً بيقول، أي: إنهم صاحبوه في هذا القول وجامعوه فيه، وأن يكون منصوباً بآمنوا، أي: صاحبوه في الإيمان. قوله: {مَتَىٰ نَصْرُ ٱللَّهِ} "مَتَى" منصوبٌ على الظرف، فموضعه رفعٌ؛ خبراً مقدَّماً، و"نصرٌ" مبتدأٌ مؤخرٌ. وقال أبو البقاء: "وعلى قولِ الأَخْفَشِ: موضعه نصب على الظرف، و"نصرُ" مرفوعٌ به". و"مَتَى" ظرفُ زمانٍ لا يتصرَّف إلا بجرِّه بحرفٍ. وهو مبنيٌّ؛ لتضمُّنه: إما لمعنىهمزة الاستفهام، وإمَّا معنى "مَنْ" الشرطية، فإنه يكون اسم استفهام، ويكون اسم شرطٍ فيجزم فعلين شرطاً وجزاءً. قال القرطبي: "نَصْرُ اللَّهِ" رفع بالابتداء على قول سيبويه، وعلى قول أبي العباس؛ رفع بفعلٍ، أي: متى يقع نصر الله. و"قَرِيبٌ" خبر "إنَّ" قال النَّحَّاسُ: ويجوز في غير القرآن "قَرِيباً" أي: مكاناً قريباً و"قَرِيبٌ" لا تثنِّيه العرب، ولا تجمعه، ولا تؤنّثه في هذا المعنى؛ قال تعالى: {أية : إِنَّ رَحْمَةَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ}تفسير : [الأعراف: 56]؛ وقال الشَّاعر: [الطويل] شعر : 1043 - لَهُ الْوَيْلُ إِنْ أَمْسَى وَلاَ أُمُّ هَاشِمٍ قَرِيبٌ وَلاَ بَسْبَاسَةُ ابْنَةُ يَشْكُرَا_@ تفسير : فإن قلت: فلانٌ قريبٌ لي ثنيت وجمعت فقلت: قَرِيبُونَ، وأقْرِباءُ، وقُرَبَاءُ. فصل والظاهر أنَّ جملة {مَتَىٰ نَصْرُ ٱللَّهِ} من قول المؤمنين، وجملة {أَلاۤ إِنَّ نَصْرَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ} من قول الرسول، فنسب القول إلى الجميع؛ إجمالاً، ودلالة الحال مبيِّنة للتفصيل المذكور. وهذا أولى من قول من زعم أن في الكلام تقديماً وتأخيراً، والتقدير: حتَّى يقول الذين آمنوا: "مَتَى نَصْرُ اللَّهِ"؟ فيقول الرسول "أَلاَ إِنَّ" فقدِّم الرسول؛ لمكانته، وقدِّم المؤمنون؛ لتقدُّمهم في الزمان. قالوا: لأنه أخبر عن الرسول، والذين آمنوا بكلامين: أحدهما: أنهم قالوا: مَتَى نَصْرُ اللَّهِ؟ والثاني: "ألاَّ إنَّ نصرَ اللَّهِ قَرِيبٌ" فوجب إسناد كلِّ واحدٍ من هذين الكلامين إلى ما يليق به من ذينك المذكورين، قال: الذين آمنوا قالوا: "مَتَى نَصْرُ اللَّهِ" والرسلُ قالوا: {أَلاۤ إِنَّ نَصْرَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ} قالوا: ولهذا نظيرٌ في القرآن والشِّعر: أمَّا القرآن: فقوله: {أية : وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ ٱلْلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ وَلِتَبتَغُواْ مِن فَضْلِهِ}تفسير : [القصص: 73]، والمعنى؛ لتسكنوا في اللَّيل، ولتبتغوا من فضله في النهار. وأمَّا الشعر: فقول امرئ القيس: [الطويل] شعر : 1044 - كَأَنَّ قُلُوبَ الطَّيْرِ رَطْباً ويَابِساً لَدَى وَكْرِهَا العُنَّابُ وَالْحَشَفُ البَالِي تفسير : فشبه العنَّاب بالرطب، والحشف البالي باليابس. قال ابن عطيَّة: "هذا تَحَكُّمٌ وحَمْلٌ لِلْكلامِ على غَيْرِ وَجْهِهِ". وقيل: الجملتان من قول الرسول والمؤمنين معاً، يعني أن الرسول قالهما معاً، وكذلك أتباعه. فإن قيل: كيف يليق بالرسول القاطع بصحَّةِ وعد الله ووعيده أن يقول مستبعداً: مَتَى نصر الله؟ والجواب من وجوه: أحدها: التأويل المتقدِّم. والثاني: أن قول الرسول {مَتَىٰ نَصْرُ ٱللَّهِ} ليس على سبيل الشِّكِّ بل على سبيل الدعاء باستعجال النصر. الثالث: أن كونه رسولاً لا يمنع من أن يتأذَّى من كيد الأعداء؛ قال تعالى: {أية : وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ}تفسير : [الحجر: 97] وقال تعالى: {أية : لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ}تفسير : [الشعراء: 3] وقال تعالى: {أية : حَتَّىٰ إِذَا ٱسْتَيْأَسَ ٱلرُّسُلُ وَظَنُّوۤاْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ جَآءَهُمْ نَصْرُنَا}تفسير : [يوسف: 110]، وعلى هذا فإذا ضاق قلبه، وقلَّت حيلته، وكان قد تقدم وعبد الله بنصره، إلاَّ أنه لم يعيِّن له الوقت؛ قال عند ضيق قلبه: {مَتَىٰ نَصْرُ ٱللَّهِ} حَتَّى إنَّه إذا علم قرب الوقت، زال غمه وطاب قلبه؛ ويؤيد ذلك قوله في الجواب {إِنَّ نَصْرَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ} فلما كان الجواب بذكر القرب؛ دلَّ على أنَّ السؤال كان واقعاً عن القرب، ولو كان السؤال وقع عن أنَّه هل يوجد النصر، أم لا؛ لما كان هذا الجواب مطابقاً لذلك السؤال، هذا على قول من قال إن قوله: {أَلاۤ إِنَّ نَصْرَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ} مِن كلام الله تعالى جواباً للرسول، ومن قال إنه من كلام المؤمنين. قال: إنَّهم لما علموا أنَّ الله تعالى لا يُعلي عدوه عليهم، قالوا: {أَلاۤ إِنَّ نَصْرَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ}، فنحن على ثقة بوعدك. وقيل: إنَّ الجملة الأولى من كلام [الرسول وأتباعه، والجملة الأخيرة من كلام] الله تعالى، على ما تقدم. فالحاصل أنَّ الجملتين في محلِّ نصب بالقول. فإن قيل: قوله: {إِنَّ نَصْرَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ} يوجب في حق كل من لحقه شدَّةٌ أن يعلم أنه سيظفر بزوالها، وذلك غير ثابتٍ. فالجواب: لا يمتنع أن يكون هذا من خواصِّ الأنبياء - عليهم السّلام - وأيضاً فإن كان عامّاً في حق الكل إذ كلُّ من كان في بلاءٍ، فلا بدَّ له من أحد أمرين: إمَّا أن يتخلص منه أو يموت، فإن مات، فقد وصل إلى من لا يهمل أمره، ولا يضيع حقه، وذلك من أعظم النصر، وإنما جعله قريباً؛ لأن الموت آتٍ؛ وكلَّ آتٍ قريبٌ.

السيوطي

تفسير : أخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله ‏ {‏أم حسبتم‏.‏‏.‏‏.‏‏} ‏ الآية‏‏ قال‏:‏ نزلت في يوم الأحزاب، أصاب النبي صلى الله عليه وسلم يومئذ وأصحابه بلاء وحصر‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم وابن المنذر عن ابن عباس قال‏:‏ أخبر الله المؤمن أن الدنيا دار بلاء، وأنه مبتليهم فيها، وأخبرهم أنه هكذا فعل بأنبيائه وصفوته لتطيب أنفسهم فقال ‏{‏مستهم البأساء والضراء‏} ‏ فالبأساء الفتن، والضراء السقم ‏ {‏وزلزلوا‏} ‏ بالفتن وأذى الناس إياهم‏.‏ وأخرج أحمد والبخاري وأبو داود والنسائي عن خباب بن الأرت قال‏ ‏"حديث : ‏قلنا يا رسول الله ألا تستنصر لنا، ألا تدعو الله لنا‏؟‏ فقال‏: إن من كان قبلكم كان أحدهم يوضع المنشار على مفرق رأسه فيخلص إلى قدميه لا يصرفه ذلك عن دينه، ويمشط بأمشاط الحديد ما بين لحمه وعظمه لا يصرفه ذلك عن دينه،ثم قال‏: والله ليتمن هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون‏ "‏‏. تفسير : وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في قوله ‏{‏ولما يأتكم مثل الذين خلوا‏} أصابهم هذا يوم الأحزاب حتى قال قائلهم ‏{أية : ‏ما وعدنا الله ورسوله إلا غروراً‏}‏ تفسير : [الأحزاب: 12‏].‏ وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة ‏ {‏مثل الذين خلوا‏} ‏ يقول‏:‏ سنن الذين خلوا من قبلكم ‏ {‏مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول‏} ‏ خيرهم وأصبرهم وأعلمهم بالله {‏متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب‏} ‏ فهذا هو البلاء والنغص الشديد، ابتلى الله به الأنبياء والمؤمنين قبلكم ليعلم أهل طاعته من أهل معصيته‏.‏ وأخرج الحاكم وصححه عن أبي مالك قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏حديث : إن الله ليجرب أحدكم بالبلاء وهو أعلم به كما يجرب أحدكم ذهبه بالنار، فمنهم من يخرج كالذهب الإِبريز فذلك الذي نجاه الله من السيئات، ومنهم من يخرج كالذهب الأسود فذلك الذي قد افتتن‏ ".

ابو السعود

تفسير : {أَمْ حَسِبْتُمْ} خوطب به رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ومن معه من المؤمنين حثًّا لهم على الثبات على المصابرة على مخالفة الكفَرَة وتحمُّل المشاقِّ من جهتهم إثر بـيانِ اختلافِ الأممِ على الأنبـياء عليهم السلام، وقد بُـيّن فيه مآلُ اختلافِهم وما لَقِيَ الأنبـياءُ ومَنْ معهم من قبلهم من مكابدة الشدائد ومقاساة الهموم وأن عاقبة أمرِهم النصرُ وأم منقطعة والهمزةُ فيها للإنكار والاستبعاد أي بل أحسبتم {أَن تَدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم} من الأنبـياء ومن معهم من المؤمنين أي والحال أنه لم يأتِكم مثلُهم بعد ولم تبتلوا بما ابتُلوا به من الأحوال الهائلةِ التي هي مَثَلٌ في الفظاعة والشدّة وهو متوقَّعٌ ومنتظَرٌ {مَسَّتْهُمْ} استئنافٌ وقعَ جواباً عما ينساقُ إليه الذهن كأنه قيل وكيف كان مثلهم فقيل: مسَّتْهم {ٱلْبَأْسَاءُ} أي الشدَّةُ من الخوف والفاقةِ {وَٱلضَّرَّاءُ} أي الآلامُ والأمراضُ {وَزُلْزِلُواْ} أي أزْعجوا إزعاجاً شديداً بما دَهَمهم من الأهوال والأفزاعِ {حَتَّىٰ يَقُولَ ٱلرَّسُولُ وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ مَعَهُ} أي انتهى أمرُهم من الشدة إلا حيث اضطَرَّهم الضَّجرُ إلى أن يقول الرسولُ وهو أعلمُ الناس بشؤون اللَّهِ تعالى وأوثقُهم بنصره والمؤمنون المقتدون بآثاره المستضيئون بأنواره {مَتَىٰ} أي متى يأتي {نَصْرُ ٱللَّهِ} طلباً وتمنياً له واسْتطالةً لمدة الشدة والعناءِ، وقرىء حتى يقولُ بالرفع على أنه حكايةُ حالٍ ماضيةٍ وهذا كما ترى غايةُ الغاياتِ القاصيةِ ونهايةُ النهايات النائيةِ كيف لا والرسلُ مع علوّ كعبهم في الثبات والاصطبارِ حيث عيلَ صبرُهم وبلغوا هذا المبلغَ من الضجر والضجيج عُلم أن الأمرَ بلغ إلى غاية لا مطمَحَ وراءَها {أَلا إِنَّ نَصْرَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ} على تقدير القولِ أي فقيل لهم حينئذٍ ذلك إسعافاً لمرامهم، والمرادُ بالقرب القُربُ الزمانيُّ، وفي إيثار الجملة الاسميةِ على الفعلية المناسبة لما قبلها وتصديرها بحرف التنبـيه والتأكيد من الدلالة على تحقيق مضمونها ما لا يخفى، واختيارُ حكاية الوعد بالنصر لما أنها في حكم إنشاء الوعدِ لرسول الله صلى الله عليه وسلم، والاقتصارُ على حكايتها دون حكايةِ نفسِ النصر مع تحققه للإيذان بعدم الحاجة إلى ذلك لاستحالة الخُلْف ويجوز أن يكون هذا وارداً من جهته تعالى عند الحكاية على نهج الاعتراض لا وارداً عند وقوعِ المحكي، وفيه رمزٌ إلى أن الوصولَ إلى جناب القدسِ لا يتسنَّى إلا برفض اللذاتِ ومكابدةِ المشاقِّ كما يُنبىء عنه قولُه عليه السلام: «حديث : حُفّتِ الجنَّةُ بالمكاره وحُفّتِ النَّارُ بالشَّهواتِ« تفسير : . {يَسْـئَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ} أي من أصناف أموالِهم {قُلْ مَا أَنفَقْتُم مّنْ خَيْرٍ} ما إما شرطية وإما موصولة حُذف العائدُ إليها أي ما أنفقتموه من خير أي خير كان ففيه تجويزُ الإنفاق من جميع أنواعِ الأموالِ وبـيانٌ لما في السؤال، إلا أنه جُعل من جملة ما في حيز الشرطِ أو الصلة وأُبرِز في معرِض بـيانِ المصرِفِ حيث قيل: {فَلِلْوٰلِدَيْنِ وَٱلأقْرَبِينَ} للإيذان بأن الأهمَّ بـيانُ المصارفِ المعدودة لأن الاعتدادَ بالإنفاق بحسب وقوعِه في موقعه، وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه جاء عمْرُو بنُ الجَموحِ وهو شيخٌ هِمٌّ له مالٌ عظيم فقال: يا رسول الله ماذا نُنفق من أموالنا وأين نضعُها؟ فنزلت {وَٱلْيَتَـٰمَىٰ} أي المحتاجين منهم {وَٱلْمَسَـٰكِينِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ} ولم يتعرضْ للسائلين والرقاب إما اكتفاءً بما ذكر في المواقع الأُخَرِ، وإما بناءً على دخولهم تحت عموم قوله تعالى: {وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ} فإنه شاملٌ لكل خير واقعٍ في أي مصرِفٍ كان {فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ} فيوفّي ثوابَه، وليس في الآية ما ينافيه فرضُ الزكاة ليُنْسخَ به كما نُقل عن السُدي.

التستري

تفسير : قوله: {وَزُلْزِلُواْ}[214] أي أرادوا به وخوفوا به وحذروا مكر الله عزَّ وجلَّ. وسئل عن قوله: {حَتَّىٰ يَقُولَ ٱلرَّسُولُ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ ٱللَّهِ أَلاۤ إِنَّ نَصْرَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ}[214] أكان قولهم استبطاء للنصر؟ قال سهل: لا، ولكن لما أيسوا من تدبيرهم قالوا: {مَتَىٰ نَصْرُ ٱللَّهِ}[214] فلما علم الله تعالى من تبريهم من حولهم وقوتهم وتدبيرهم لأنفسهم وإظهارهم الافتقار إليه، وأن لا حيلة لهم دونه أجابهم بقوله: {أَلاۤ إِنَّ نَصْرَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ}[214] قال سهل: البلاء والعافية من الله عزَّ وجلَّ، والأمر والنهي منه، والعصمة والتوفيق منه، والثواب والعقاب منه، والأعمال منسوبة إلى بني آدم، فمن عمل خيراً وجب عليه الشكر ليستوجب به المزيد، ومن عمل شراً وجب عليه الاستغفار ليستوجب به الغفران. والبلوى من الله على وجهين: بلوى رحمة، وبلوى عقوبة، فبلوى الرحمة: يبعث صاحبه على إظهار فقره [وفاقته] إلى الله عزَّ وجلَّ وترك التدبير، وبلوى العقوبة: يبعث صاحبه على اختيار منه وتدبيره. فسئل سهل: الصبر على العافية أشد أم على البلاء؟ فقال: طلب السلامة في الأمن أشد من طلب السلامة في الخوف. وقال في قوله: {أية : وَمَن يُؤْمِن بِٱللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ}تفسير : [التغابن:11] قال: يؤمن بالله أن بلواه من الله يهد قلبه لانتظار الفرج منه. قوله: {أية : وَتَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلْبرِّ وَٱلتَّقْوَىٰ}تفسير : [المائدة:2] أي على أداء الفرائض، لأن البر الإيمان، وأداء الفرائض فرعه، والتقوى السنة، فلا يتم فرض إلاَّ بالسنة، ونهى عن التعاون على الإثم وهو الكفر والنفاق، والعدوان وهو البدعة والخصام، وهما لعبان فنهوا عن اللعب، كما أمروا بالبر وهو الفرض والسنة، وأخذ النفس بالصبر على ذلك كله خالصاً لله فيه.

القشيري

تفسير : خلق الله الجنة وحفَّها بالمصاعب، وخلق النار وحفَّها بالشهوات والرغائب، فَمنْ احتشم ركوب الأهوال بقي عن إدراك الآمال. ثم إن الحق سبحانه ابتلى الأولين بفنونٍ من مقاساة الشدائد، وكلُّ من أُلحِقَ بهم من خلف الأولياء أدخلهم في سِلْكِهِمْ، وأدرجهم في غمارهم، فمن ظنَّ غير ذلك فَسَرَابٌ ظَنَّه ماءً، وحكم لم يحصل على ما ظَنه تأويلاً. ولقد مضت سُنَّة الله سبحانه مع الأولياء أنهم لا يُنيخُونَ بعقوة الظفر إلا بعد إشرافهم على عرصات اليأس، فحين طال بهم التَرَقُّبُ صَادَفَهم اللطفُ بغتةً وتحقق لهم المُبْتَغَى فجأة. قال تعالى: {إِنَّ نَصْرَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ}.

البقلي

تفسير : {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم} اى حسبتم ان تدخلوا جنان المشاهدة ومجالس الانس بنور المكاشفة قبل ممارستكم مقاساة المراقبة والمجاهدة وايضا احسبتم يا اوليائى ان تدخلوا جنة الوصلة والقربة كانبياء الذين سبق لهم منا مقام النبوة بلامؤن المجاهدة ليس هذه المنزلة لغير الانبياء ولهم خاصة كرامة لهم تشريفا توقير او تفضيلا على جميع الخلق.

اسماعيل حقي

تفسير : {أم حسبتم أن تدخلوا الجنة} خاطب به النبى عليه السلام والمؤمنين بعد ما ذكر اختلاف الامم على الانبياء بعد مجئ الآيات تشجيعا لهم على الثبات على المصابرة على مخالفة الكفرة فان عاقبة الامر النصر. وأم منقطعة الاخبار المتقدم الى الانكار المدلول عليه بهمزة الاستفهام اى ما كان ينبغى ان تحسبوا ذلك فتقدر ببل والهمزة قيل اضراب عن وتظنوا او لم حسبتموه {ولما يأتكم} اى والحال لم يجئكم {مثل الذين خلوا} اى صفة الذين مضوا {من قبلكم} من الانبياء ومن معهم من المؤمنين ولم تبتلوا بعد بما ابتلوا به من الاحوال الهائلة التى هى مثل فى الفظاعة والشدة وهو متوقع ومنتظر {مستهم البأساء} بيان له على الاستئناف كأنه قيل كيف مثلهم وحالهم العجيبة فقيل مستهم البأساء اى الشدة من الخوف والفاقة {والضراء} اى الآلام والامراض {وزلزلوا} اى ازعجوا ازعاجا شديدا بما اصابهم من الشدائد {حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه} اى انتهى امرهم من الشدة الى حيث اضطرهم الضجر الى ان يقول الرسول وهو اعلم الناس بشؤون الله واوثقهم بنصره والمؤمنون المقتدون بآثاره المستضيئون بانواره {متى} اى يأتى {نصر الله} الذى وعدناه طلبا وتمنيا له واستطالة لمدة الشدة والعناء فان الشدة وان قصر فهو طويل فى عين المبتلى بها فلا محالة يستبطئ النصر فاجابهم الله بقوله {ألا ان نصر الله قريب} اسعافا لهم الى طلبتهم من عاجل النصر اى أنا ناصر أوليائى لا محالة نصرى قريب منهم فان كل آت قريب ولما كان الجواب بذكر القرب دل ذلك على ان السؤال كان واقعا عن زمان النصر أقريب هو أم بعيد ولو كان السؤال عن وقوع أصل النصر بمعنى انه هل يوجد أو لا لما كان الجواب مطابقا للسؤال. وفى الآية اشارة الى ان الوصول الى الله والفوز بالكرامة عنده برفض الهوى واللذات ومكابدة الشدائد والرياضات كما قال عليه السلام "حديث : حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهواتbr>". تفسير : كذا فى تفسير القاضى: ونعم ما قيل شعر : فلك مشام كسى خوش كند ببوى مراد كه خاك معركه باشد عبير وعنبراو تفسير : وعن خباب بن الارت رضى الله تعالى عنه قال لما شكونا الى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما نلقى من المشركين قال "حديث : ان من كان قبلكم من الامم كانوا يعذبون بانواع البلاء فلا يصرفهم ذلك عن دينهم حتى ان الرجل كان يوضع على رأسه المنشار فيشق فلقتين ويمشط الرجل بأمشاط الحديد بما دون العظم من لحم وعصب ما يصرفه ذلك عن دينه وايم الله ليتمن الله هذا الامر حتى يسير الراكب منكم من صنعاء الى حضرموت لا يخشى الا الله والذئب على غنمه ولكنكم تعجلونbr>". تفسير : قالوا كل نبى بعث الى امته اجهد حتى قال متى نصر الله ووقع ذلك للرسول عليه السلام حين وقع له ضجر شديد قبل فتح مكة فقال فى يوم الاحزاب حيث لم يبق لاصحابه صبر حتى ضجوا وطلبوا النصرة فارسل الله ريحا وجنودا وهزم الكفار بهما. ومن شدائده عليه السلام غزوة الخندق حين اصاب المسلمين ما اصابهم من الجهد وشدة الخوف والبرد وضيق العيش وانواع الاذى كما قال تعالى {أية : وبلغت القلوب الحناجر} تفسير : [الأحزاب: 10]. ولو اطلعت على ما اصابهم من عداوة اليهود واسرار النفاق واذى القوم يمينا وشمالا ببذل المجهود حين هاجروا الى المدينة لكفى ذلك عبرة فى هذا الباب فنحن اولى بمقاساة امثال هذه الشدائد خصوصا فى هذا الزمان الذى لا تجد بدا من طعن الناس واذاهم اذا البلاء على الانبياء ثم على الاولياء ثم الامثل فالامثل شعر : غبار لازمه آسيا بود صائب امان ز حادثه آسمان جه ميخواهى تفسير : قال فى التأويلات النجمية عند قوله تعالى {أية : كان الناس أمة واحدة} تفسير : [البقرة: 213] الآية. الخصال الذميمة التى عليها اكثر الناس كلها عارضة لهم فانهم كانوا حين أشهدهم الله على انفسهم امة واحدة وولدوا على الفطرة لقوله عليه السلام "حديث : كل مولود يولد على فطرة الاسلام فأبواه يهودانه أو ينصرانه او يمجسانهbr>". تفسير : وما قال عليه السلام او يسلمانه لمعنيين. احدهما ان الكفر يحصل بالتقليد ولكن الايمان الحقيقى لا يحصل به. والثانى ان الابوين الاصلين هما الانجم والعناصر فعلى التقديرين الولد بتربية الآباء والامهات يضل عن سبيل الحق ويزل قدمه عن الصراط المستقيم التوحيد والمعرفة ولو كان نبيا يحتاج الى هاد يهدى الى الحق كما قال تعالى لنبينا صلى الله عليه وسلم {أية : ووجدك ضالا فهدى} تفسير : [الضحى: 7]. ولكل من السعادة والشقاوة كتاب كما قال عليه السلام "حديث : ما من نفس الا وقد كتب فى كتابها من اهل الجنة او النار وكتب شقية او سعيدة" فقالوا أفلا نتكل على كتابنا يا رسول الله وندع العمل قال "اعملوا فكل ميسر لما خلق له اما اهل الشقاوة فييسرون لعمل اهل الشقاوة واما اهل السعادة فييسرون لعمل اهل السعادةbr>". تفسير : فلا بد من مقاساة بأساء الترك والتجريد والفقر والافتقار حتى يحصل دخول جنة الجمال ودار القرار فلم يضجروا من طول مدة الحجاب وكثرة الجهاد فى الفراق وعيل صبرهم عن مشاهدة الجمال وذوق الوصال وطلبوا نصر الله بالتجلى على قمع صفات النفوس مع قوة مصابرتهم وحسن تحملهم لما يقول المحبوب ويريد بهم حتى جاء نصر الله فرفع الحجاب وظهر انوار الجمال.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: {أم} منقطعة بمعنى بل، وتتضمن استفهاماً إنكاريّاً، و"حسب" تتعدى إلى مفعولين، أي: أظننتم دخول الجنة حاصلاً من غير أن يأتيكم؟. و {لما} أصلها {لم} زيدت عليها "ما" وهي تدل على توقع منفيها بخلاف لم. و {حتى يقول} يصح فيه النصب {أن}؛ لأن الزلزلة متقدمة على قول الرسول، والرفع على حكاية الحال، أي: وزلزلوا حتى حالتهم حينئذٍ أن الرسول ومن معه يقولون كذا وكذا. وفائدة الحكاية: فرض ما كان واقعاً في الزمان الماضي واقعاً في هذا الزمان، تصوّراً لتلك الحال العجيبة، واستحضاراً لصورتها في مشاهدة السامع، وإنما وجب رفعه عند إرادة الحال؛ لأنه نصبه يؤدي إلى تقدير {أن}، وهي للاستقبال، والحال يُنافيه، ويصح في موضع "حتى" الداخلة على الحال الفاء السببية. يقول الحقّ جل جلاله للرسول - عليه الصلاة والسلام - والمؤمنين، تسلية لهم وتشجيعاً لقلوبهم: أظننتم أن تدخلوا الجنة ولمَّا يُصبكم مثلُ ما أصاب مَنْ قبلَكم من الأنبياء وأممهم، فقد {مسّتهم البأساء} في أموالهم بالغصب والنهب والموت {والضراء} وفي أبدانهم بالتقل في الحرب والمرض وأنواع البلاء، {وزلزلوا} أي: ضُربوا بالمحن والشدائد، وطال عليهم البلاء، وتأخر عنهم النصر، حتى أفضى بهم الحال إلى أن قالوا: {متى} يأتينا {نصر الله}؟ استبطاء لمجيئه مع شدة البلاء. قال الحقّ جلّ جلاله بشارةً لهم: {ألا إن نصر الله قريب} فلا تستعجلوا،{أية : وَاصْبِرُواْ إِنَ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ}تفسير : [الأنفَال: 46]،{أية : وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ}تفسير : [الأعرَاف: 128]. الإشارة: الجنة حفت بالمكاره، ولا فرق بين جنة الزخارف وجنة المعارف، فمن رام دخول جنة المعارف قبل أن يمسه شيء من المكاره، فقد رام المحال. قال أبو المواهب: من ادعى شهود الجمال، قبل تأدبه بالجلال، فارفضه فإنه دجال. وقال بعض العارفين: [صيحة العدو سوط الله يزجر به قلوب أوليائه لئلا تسكن إلى غيره}. وفي الحكم: "إنما أَجْرَى الأذى عيلهم كي لا تكونَ ساكناً إليهم، أراد أن يزعجك عن كل شيء حتى لا تكون ساكناً إلى شيء".وقال الشيخ أبو الحسن رضي الله عنه: "اللهمَّ إنَّ القوم قَد حكَمْتَ عليهم بالذل حتى عزُّوا، وحكمت عليهم بالفقْدِ حتى وَجَدُوا}. فتسليط الخلق على أولياء الله في بدايتهم سنة ماضية، وحكمة إلهية،{أية : وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً}تفسير : [الأحزَاب: 62]. حتى إذا تخلصوا من البقايا، وكملت فيهم المزايا، نشر فضيلهم لعباده، فأقروهم ليُعرفُوهم الطريق إلى الله، ويدلوا العباد على الله، بعد أن كساهم حينئذٍ كُسوة الجمال وكسوة الجلال، فبكسوة الجمال يقع الائتلاف عليهم والعطف لهم، وبكسوة الجلال يقع الامتثال لأمرهم والاستماع لقولهم. والله تعالى أعلم. ولمّا أمر الحق تعالى بالنفقة في الجهاد وغيره، سألوا ما الذي ينفقون؟، فبيَّن الله تعالى لهم المنفَق والمحل الذي تُدفع فيه.

الطوسي

تفسير : القراءة والنزول: قرأ نافع {حتى يقول الرسول} بضم اللام. الباقون بنصبها. ذكر السدي، وقتادة، وغيرهما من أهل التفسير: أن هذه الآية نزلت يوم الخندق لما اشتدت المخافة، وحوصر المسلمون في المدينة، واستدعاهم الله الى الصبر، ووعدهم بالنصر. الاعراب واللغة: وقال الزجاج: معنى (أم) ها هنا بمعنى (بل). وقال غيره: هي بمعنى الواو. وإنما حسن الابتداء بـ (أم) لاتصال الكلام بما تقدم، ولو لم يكن قبله كلام، لما حسن. والفرق بين (أم حسبتم) وبين (أحسبتم) أن (أم) لا تكون إلا متصلة لكلام، معادلة للألف، أو منقطعة، فالمعادلة نحو (أزيد في الدار أم عمرو) فالمراد أيهما في الدار، والمنقطعة نحو قولهم: (إنها لابل أم شاء يا فتى)، وأما الألف، فتكون مستأنفة. وإنما لم يجز في (أم) الاستئناف، لأن فيها معنى (بل) كأنه قيل: {بل حسبتم}. وحسبت، وظننت وخلت نظائر. وقوله تعالى: {ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم} معناه ولما تمتحنوا، وتبتلوا بمثل ما امتحنوا، فتصبروا كما صبروا. وهذا استدعاء الى الصبر وبعده الوعد بالنصر. والمثل، والشبه واحد، يقال: مثل ومثل، مثل شبه وشبه. و "خلوا" معناه مضوا. وقوله: "مستهم" فالمس، واللمس واحد. والبأساء ضد النعماء، والضراء ضد السراء. وقوله: "زلزلوا" معناه ها هنا: أزعجوا بالمخافة من العدو. والزلزلة: شدة الحركة. والزلزال: البلبلة المزعجة بشدة الحركة، والجمع زلازل، ويقال: زلزل الأرض يزلزلها زلزالاً، وتزلزل تزلزلاً، مثل تدكدك تدكدكاً، وأصله زلّ، وإنما ضوعف، مثل صرصر، وصلصل. وقوله: {حتى يقول الرسول} من نصب اللام، ذهب الى تقدير: الى أن يقول الرسول، فيكون على معنى الاستقبال إذا قدرت معها (أن)، وهو يشبه الحكاية، كأنك تقدر حالا، ثم استأنف غيره فعلا، كما تستأنف عن حال كلامك. ويوضح ذلك (كان زيد سيقول كذا وكذا). وانما قدرت بكان زيد وقتاً، ثم يستأنف عنه فعلا، فكذلك {زلزلوا} قد دلّ على وقت، ثم استأنف بعده الفعل. ومن رفع، فعلى الحال للفعل المذكور، والحال لكلام المتكلم، وذلك القول قد يكون في حال الزلزلة. فأما الغاية فلا يكون إلا بعد تقضيها وإن كان متصلا بها، والرفع يوجب التأدية بمعنى: أن الزلزلة أدت الى قول الرسول. فأما النصب، فيوجب الغاية، فقد حصل الفرق بين الرفع والنصب من ثلاث جهات: الأول - أن أحدها على الحال، والآخر على الاستقبال. والثاني - أن أحدها قد انقضى، والآخر لم ينقض. والثالث - أن أحدها على الغاية، والآخر على التأدية. ومعنى الغاية في الآية أظهر، لأن النص جاء عند قول الرسول، فلذلك كان الاختيار في القراءة النصب. المعنى: فان قيل: ما معنى قول الرسول والمؤمنين: {متى نصر الله}؟ قلنا: قال قوم: معناه الدعاء لله بالنصر، ولا يجوز أن يكون معناه الاستبطاء لنصر الله على كل حال لأن الرسول يعلم: أن الله لا يؤخره عن الوقت الذي توجبه الحكمة. وقال قوم: معناه الاستبطاء لنصر الله. وذلك خطأ، لا يجوز مثله على الأنبياء (ع) إلا أن يكون على الاستبطاء لنصره لما توجبه الحكمة من تأخره. والنصر ضد الخذلان. والقريب ضد البعيد. والقرب والدنوّ واحد. ومن قال: إن ذلك على وجه الاستبطاء قواه بما بعده من قوله {ألا إن نصر الله قريب}. اللغة: وأصل (لما) (لم) فزيد عليها (ما) فغيرت معناها، كما غيرت في (لو لما زيد عليها (ما) إذا قلت: (لوما) فصارت بمعنى هلا. والفرق. بين (لم) و (لما) أن (لما) يصح أن يوقف عليها، مثل قولك: أقدم زيد؟ فيقول: لما، ولا يجوز (لم)، وفي (لما) توقع لأنها عقيبة (قد)، إذا انتظر قوم ركوب الأمير، قلت: قد ركب، فان نفيت هذا قلت: لما يركب، وليس كذلك (لم)، ويجمعهما نفي الماضي.

الجنابذي

تفسير : {أَمْ حَسِبْتُمْ} ام منقطعة متضمّنة للاستفهام الانكارى او مجرّدة عن الاستفهام والاضراب عن انزجارهم بسبب الاختلاف وعن انكارهم جواز الاختلاف بعد بعث الرّسل كأنّه قيل: لا ينبغى الانزجار من الاختلاف والانزعاج من اذى المختلفين وانكار جواز الاختلاف بسبب بعث الرّسل فكأنّه قال: هل ضجرتم من الاختلاف وانكرتموه بعد بعث الرّسل؟! بل ظننتم {أَن تَدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ} يعنى لا ينبغى لكم مثل هذا الظّنّ فانّ الرّاحة بدون العناء لا تكون الاّ نادراً فوطّنوا أنفسكم على الاختلاف الشّديد والاذى الكثير من المخالفين حتّى تفوزوا بالجنّة {وَلَمَّا يَأْتِكُم} جملة حاليّة {مَّثَلُ ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ ٱلْبَأْسَآءُ} مستأنفةٌ جواب لسؤالٍ مقدّر او حال بتقدير قد {وَٱلضَّرَّآءُ} البأساء الضّرر الّذى يكون من قبل الخلق على سبيل العداوة نفسيّاً كان ام ماليّاً، والضّرّاء ما يكون من قبل الله، او من قبل الخلق لا على سبيل اعلان العداوة، ويستعمل كلّ فى كُلّ وفى الاعمّ {وَزُلْزِلُواْ} اضطربوا اضطراباً شديداً فى معاشهم ودنياهم من اذى المخالفين او فى دينهم ايضاً من مشاهدة غلبة المخالفين ومغلوبيّتهم {حَتَّىٰ يَقُولَ ٱلرَّسُولُ} قرئ بالنّصب بتصوير الحال الماضية حاضرة بتصوير الزّلزال حاضراً والقول بالنّسبة اليه مستقبلاً، وبالرّفع بتصوير القول حاضراً او ماضياً {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ ٱللَّهِ} استبطاء لنصره تعالى وهذا بالنّسبة الى المؤمنين جائز الوقوع فانّ الاضطراب فى الدّين او الدّنيا قد يقع منهم لضعفهم وعدم تمكينهم وامّا بالنّسبة الى الرّسول فيكون على سبيل المشاكلة، او هذا الكلام منه ومنهم على سبيل المسألة لا الاستبطاء والانزجار {أَلاۤ إِنَّ نَصْرَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ} كلام من الله جواب لسؤال مقدّر تقديره هل يكون النّصر بطيئاً؟ - فقال: الا انّ نصر الله قريب، او التّقدير فما قال الله لهم؟ - فأجيب: قال الله: {الا انّ نصر الله قريبٌ}، فحذف قال او كلام منهم كأنّه قيل: أفما قالوا غير ذلك؟ - فقيل: قالوا بعد ما تأمّلوا فيما شاهدوا من فضل الله عليهم: {أَلاۤ إِنَّ نَصْرَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ}، او الكلام من قبيل {وَقَالُواْ كُونُواْ هُوداً أَوْ نَصَارَىٰ} بان يكون القول الاوّل من الامّة وهذا من الرّسول.

اطفيش

تفسير : {أمْ}: بمعنى بل التى للإضراب، وهمزة الاستفهام الإنكارى، أى نفى أن يكون حسبانهم حقاً والإضراب انتقال عن ذلك الإخبار المتقدم، فأم منقطعة. {حسبتم أن تَدْخُلوا الجنَّة}: لما ذكر الله جل وعلا اختلاف الأمم على أنبيائهم بعد مجئ البينات حضاً للنبى صلى الله عليه وسلم والمؤمنين على الصبر على مخالفة من خالفهم من المشركين أهل الكتاب وغيرهم، خاطبهم بقوله: {أم حسبتم} الآية، والخطاب أبلغ من الغيبة، ولذلك جئ بالكلام خطاباً، مع أن المتقدم غير خطاب، وإذا قلنا إن الذين آمنوا المذكورين هم أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم وحدهم، أو مع كل من آمن من الأمم فى زمان نبيها، ففى {حسبتم} التفات من الغيبة إلى الخطاب. {ولمَّا يأتكُم مَّثَلُ الَّذينَ خَلَوْا}: أى مضوا وصاروا فى خلاء من الأرض. {مِنْ قَبْلِكُم}: ولما بسيطة، وقيل مركبة، من لم وما، وهى تنفى ما ينتظر ثبوته بعد، كما أن قد للتوقع تقول: قد ركب الأمير، لمن توقع ركوبه، وتقول: لما يركب لما يتوقعه أيضاً، إلا أن لما فى النفى، وقد فى الإثبات، وكان المؤمنون يتوقعون الابتلاء، و{مثل الذين خلوا من قبلكم} حالهم التى هى الشدة كالمثل المضروب، فإن المثل يضرب فى الأمر الغريب والقصة العجيبة، ونزلت الآية فى غزوة الأحزاب، أصاب المسلمين شدة وبرد وضيق العيش يومئذ، وقيل فى غزوة أحد، وقيل حين ضاق حال المهاجرين فى المدينة، إذ تركوا بمكة مالهم، وذلك أول الهجرة، وفى الكلام حذف مضاف، أى ولما يأتكم شبه مثل الذين، ويجوز تفسير مثل بالمشبه بالماثل ويقدر مضاف بعده لا قبله، أى ولما يأتكم مماثل آتى الذين من قبلكم، والذين من قبلكم هم المؤمنون من الأمم، الصابرون على ما آتاهم من المحن، كما استأنف بياناً لما أصابهم بقوله: {مَسَّتْهُم البأسَاءُ والضَّراء وزُلْزِلُوا حتَّى يَقُولَ الرَّسول والَّذين آمنُوا مَعهُ مَتَى نَصْرُ اللّهِ}: كانه قيل: ما مثلهم وحالهم العجيبة، فقال: {مستهم} الآية. وصبروا، والبأس الفقر الشديد، والضراء المرض والجوع، قال عطاء: {وزلزلوا} حركوا تحريكاً شديداً فى قلوبهم وأحوالهم بما أصابهم من الشدائد، وذلك تشبيه بتحريك الأشخاص المحس، والرسول جنس الرسل المصابين هم وأممهم بذلك، فصبروا، والجمهور على نصب يقول على اعتبار وقت الزلزال السابق على قول الرسول، لأن حتى لا ينصب بعدها إلا المضارع المستقبل، كأنه قيل ما زالوا فى زمانهم مزلزلين حتى يقول الرسول، وقرأ نافع برفع يقول على أن حتى للابتداء شبيهة بفاء السببية ولا تخلوا من غاية، لأن المسبب غاية للسبب، بمعنى أنه بمرة السبب، وذلك على حكاية الحال الماضية المنقطعة، وتصييرها بمنزلة الحال الحاضرة، والمضارع الذى للحال مرفوع بقد، حتى كان الرسول والذين آمنوا معه أحياء حال نزول الآية قائلين: {متى نصر الله}، فرفع كما يرفع الحال الحقيقى مثل مرض حتى لا يرجونه، قال ابن هشام: إن كان المضارع بعد حتى للاستقبال بالنظر إلى زمان التكلم فالنصب واجب، وإن كان النسبة إلى ما قبله خاصة فالوجه أن نحو: {وزلزلوا حتى يقول الرسول} الآية، فإن قولهم إنما هو مستقبل بالنظر إلى الزلزال، لا بالنظر إلى زمان قص ذلك علينا، قرأ نافع بالرفع على الحالية المحكية لا الحقيقية بتقدير حتى حالتهم حينئذ أن الرسول والذين آمنوا معه يقولون كذا وكذا، و{مَتىَ نَصْرُ اللّهِ} استفهام استبطاء، ومعناه طلب النصر واستطالة زمان الشدة، ما ظنك فى طول مدة ضج بها الرسول مع قدر شباب الرسل وشدة اصطبارهم؟ وقالت طائفة: الآية فى قصة الأحزاب بعد مضيها والرسول محمد سيدنا صلى الله عليه وسلم، والذين آمنوا الصحابة رأوا شدة عظيمة حين حصر الأحزاب المدينة، ونسب ذلك لجمهور المفسرين، وعلى أنها فى غير قصة الأحزاب، وقيل: نزلت تسلية للصحابة المهاجرين حين أصيبت أموالهم بعدهم، وإذا هم الكفار وعن الحسن: لما نزلت الآية جعل أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم يقولون: ما أصابنا هذا بعد، لما كان يوم الأحزاب نزل:{أية : يا أيّهَا الَذينَ آمَنُوا اذكُرُوا نعمةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إذْ جَاءَتْكُم جُنُودٌ}تفسير : إلى قوله:{أية : وزُلزِلوا زِلزْالاً شديدا}..{أية : وَلَما رَأى المؤْمِنونَ الأحْزَابَ}تفسير : الآية فأخبر الله النبى والمؤمنين بأن من مضى قبلهم من الأنبياء والمؤمنين إذا بلغ البلاء بهم عجلت لهم نصرى، فإذا ابْتُلِيتم أنتم بذلك فابشروا، فإن نصرى قريب كما قال: {ألاَ إنَّ نَصْرَ اللّهِ قَريبٌ}: مفعول لمحذوف، أى فقال الله الرحمن الرحيم: {ألاَ إنَّ نَصْر اللّهُ قريبْ} سكن اضطرابهم بإخباره أن نصره الموعود لهم قريب، وأكد قربه بألا وإن، والجملة الإسمية، قال خباب بن الأرت رضى الله عنه: حديث : شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم هو متوسد بردة له فى ظل الكعبة، فقلنا: ألا تنتصر لنا، ألا تدعو لنا، قال: "قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له فى الأرض فيجعل فيها، ثم يؤتى بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه ما يصده ذلك عن دينه، والله ليتمّن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون"تفسير : ، والآية مُشعرة بأنه ينال الفوز بما عند الله بالصبر على الشدة، قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات"تفسير : وقيل: {ألا إن نصر الله قريب} من كلام الرسول والمؤمنين، رجعوا بعد استبطاء النصر إلى استشعار قربه لعلمهم برأفة الله، وفيه تصريح بأن قولهم: {متى نصر الله} استعجال له لا ريب فيه، تكلف من قال بالحذف والتقديم والتأخير، والأصل: {حَتَّى يَقُولَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَه مُتىَ نَصْرُ اللّهِ} فيقول الرسول: {ألاَ إنْ نَصْرَ اللّهِ قَرِيبٌ} قدم الرسول لمكانته، وقدم المؤمنين لتقدم زمانه، ولعل قائل هذا لم يرد الحذف، بل أراد أن قوله حتى يقول صادق يقول الرسول، وقول المؤمنين، وأن المقول بعده على التوزيع، فقوله: {متى نصر الله} قول للمؤمنين، وقوله: {ألا إن نصر الله قريب} قول للرسول، وروى عن ابن عباس رضى الله عنهما أن عمرو بن الجموح الأنصارى كان هِماً شيخاً فإنناً - بكسر الهاء - وكان ذا مال عظيم، فقال: يا رسول الله ماذا تنفق من أموالنا وأين نضعها، يعنى على من تنفق أو فى أى وجه فنزل قوله تعالى: {يَسْألونَك مَاذَا يُنفقُونَ قُلْ ما أنفَقْتُم..}.

اطفيش

تفسير : {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ} بمجرد الإيمان دون لقاء شد كشدة حفر الخندق ولغزوة الأحزاب والجوع فيها والخوف والبرد، وشدة حرب أحد قبلها، وشدة مفارقة الأهل والمال الوطن عند الهجرة والحاجة، نزلت فى غزوة الخندق، وكأنه أشير لهم بأنها آخر شدة تقصدون وتضطرون إليها، وإن نزلت حين الهجرة فالآية إشارة إلى أنهم يسيصابون، ثم أصيبوا مع شدقا لهجرة بأحد والخندق، وترك أموالهم بمكة وديارهم، وإظهار الهيود العدواة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وإسرار قوم النفاق، والخطاب للنبى صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، أولهم، وعلى الأول عد ضيق صدره الشريف بمنزلة حسبان دخول الجنة بدون مكاره، بل قبل الهجرة، يأتونه صلى الله عليه وسلم ما بين مضروب ومشجوج ويقولون ألا تدعو لنا فيقول اصبروا، فإنى لم أومر بالقتال، وقد ينشر الرجل ممن كان قبلكم من رأسه إلى ما بين فخذيه ويمشط بأمشاط الحديد ما رد عظمه، ولا يرده ذلك عن الإِيمان كما قال {وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوُاْ مِن قَبْلِكُم} والحال أنه لم يأتكم صفة من قبلكم، أى صفة كصفتهم مما يكره، وقال والله ليتمن هذا الأمر حتى يصبر الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون، وأم بمعنى بل، وهمزة إنكار لياقة الحسبان، وفى لما ترقب وقوع ذلك والتصيير لما فى حالهم منه، وهى كالمثل المضروب فى الغرابة وذكرها بقوله {مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ} الفقر الشديد {وَالْضَّرَّاءُ} المرض والقتل {وَزُلْزِلُواْ} أزعجوا بالشدائد {حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ} جنس الرسول، فيشمل رسلا كثيرة، كأنكم فى حال قول الرسل بتقدمكم إليهم أو تأخرهم، ولو اعتبر تأخرهم عن زمان النزول لنصب، وزعم بعض أن المراد اليسع وبعض أشيعاء وبعض شيعاء فالقائلون متى نصر الله أقوام هؤلاء الأنبياء {وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ} هم الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا، أو الذين آمنوا، أولو التقدم فى أمر الدين {مَتَى نَصْرُ اللهِ} استفهام استبطاء ولا شك، لما وعدهم الله من النصر، فأجابهم بطريق الإسعاف فى التعجيل بقوله {أَلآ إِنَّ نَصْرَ اللهِ قَرِيبٌ} فاصبروا يوافكم مأجورين، أى قلنا، أو قال، أو قيل لهم، وعلى الأوجه الثلاثة القائل الله، كقوله تعالى: "أية : وإن الله على نصرهم لقدير" تفسير : [الحج: 39] لا كما قيل إن هذا من قول الرسول والذين آمنوا وما قبله من قول العامة، ولا من قول الذين آمنوا، ومتى نصر الله من قول الرسول، ولا من قول الذين آمنوا وإلى أن نصر الله قريب من كلام الرسول كما قيل.

الالوسي

تفسير : {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ} نزلت في غزوة الخندق حين أصاب المسلمين ما أصابهم من الجهد والشدّة والخوف والبرد وسوء العيش وأنواع الأذى، حتى بلغت القلوب الحناجر، وقيل: في غزوة أحد، وقال عطاء: لما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه المدينة اشتدّ الضر عليهم، لأنهم خرجوا بغير مال وتركوا ديارهم وأموالهم بيد المشركين، وآثروا رضا الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، وأظهرت اليهود العداوة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وأسر قوم من الأغنياء النفاق فأنزل الله تطييباً لقلوبهم هذه الآية، والخطاب إمّا للمؤمنين خاصة، أو للنبـي صلى الله عليه وسلم ولهم، ونسبة ـ الحسبان ـ إليه عليه الصلاة والسلام إمّا لأنه لما كان يضيق صدره الشريف من شدائد المشركين نزل منزلة من يحسب أن يدخل الجنة بدون تحمل المكاره، وإمّا على سبيل التغليب كما في قوله سبحانه: {أية : أَوْ لَتَعُودُنَّ فِى مِلَّتِنَا } تفسير : [الأعراف: 88] و {أَمْ} منقطعة ـ والهمزة المقدّرة ـ لإنكار ذلك الحسبان وأنه لا ينبغي أن يكون، وقيل: متصلة بتقدير معادل، وقيل: منقطعة بدون تقدير، وفي الكلام التفات إلا أنه غير صريح من الغيبة إلى الخطاب لأنّ قوله سبحانه: {أية : كَانَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وٰحِدَةً }تفسير : [البقرة: 213] كلام مشتمل على ذكر الأمم السابقة والقرون الخالية، وعلى ذكر من بعث إليهم من الأنبياء وما لقوا منهم من الشدائد، وإظهار المعجزات تشجيعاً للرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين على الثبات والصبر على أذى المشركين، أو للمؤمنين خاصة ـ فكانوا من هذا الوجه مرادين غائبين ـ ويؤيده {أية : فَهَدَى ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ }تفسير : [البقرة: 213] الخ فإذا قيل: بعد {أَمْ حَسِبْتُمْ} كان نقلاً من الغيبة إلى الخطاب، أو لأنّ الكلام الأوّل تعريض للمؤمنين بعدم التثبت والصبر على أذى المشركين، فكأنه وضع موضع كان من حق المؤمنين التشجيع والصبر تأسياً بمن قبلهم، كما يدل عليهم ما أخرجه البخاري وأبو داود والنسائي والإمام أحمد عن خباب بن الأرت قال: شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لقينا من المشركين فقلنا: ألا تستنصر لنا ألا تدعو الله تعالى لنا؟ فقال: «حديث : إنّ من كان قبلكم كان أحدهم يوضع المنشار على مفرق رأسه فتخلص إلى قدميه لا يصرفه ذلك عن دينه، ويمشط بأمشاط الحديد ما بين لحمه وعظمه لا يصرفه ذلك عن دينه ثم قال: والله ليتمنّ هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله تعالى والذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون»تفسير : وهذا هو المضرب عنه ـ ببل ـ التي تضمنتها {أَمْ} أي دع ذلك ـ أحسبوا أن يدخلوا الجنة ـ فترك هذا إلى الخطاب وحصل الالتفات معنى، ومما ذُكر يعلم وجه ربط الآية بما قبلها، وقيل: وجه ذلك أنه سبحانه لما قال: {أية : يَهْدِى مَن يَشَآء إِلَىٰ صِرٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ } تفسير : [البقرة: 213] وكان المراد بالصراط الحق الذي يفضي اتباعه إلى دخول الجنة بين أن ذلك لا يتم إلا باحتمال الشدائد والتكليف. {وَلَمَّا يَأْتِكُم} الواو للحال، والجملة بعدها نصب على الحال أي غير آتيكم {وَلَمَّا} جازمة ـ كلم ـ وفرّق بينهما في «كتب النحو»، والمشهور أنها بسيطة، وقيل: مركبة من ـ لم وما النافية ـ وهي نظيرة قد في أنّ الفعل المذكور بعدها منتظر الوقوع./ {مَّثَلُ ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم} أي مثل مثلهم وحالهم العجيبة، فالكلام على حذف مضاف، و (الذين) صفة لمحذوف أي المؤمنين، و{مِنْ قَبْلِكُمْ} متعلق بـ {خَلَوْاْ} وهو كالتأكيد لما يفهم منه. {مَّسَّتْهُمُ ٱلْبَأْسَاءُ وَٱلضَّرَّاءُ} بيان ـ للمثل ـ على الاستئناف سواء قدّر كيف ذلك المثل أو لا، وجوّز أبو البقاء كونها حالية بتقدير قد {وَزُلْزِلُواْ} أي أزعجوا إزعاجاً شديداً بأنواع البلاء. {حَتَّىٰ يَقُولَ ٱلرَّسُولُ وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ مَعَهُ} أي انتهى أمرهم من البلاء إلى حيث اضطروا إلى أن يقول الرسول وهو أعلم الناس بما يليق به تعالى، وما تقتضيه حكمته، والمؤمنون المقتدون بآثاره، المهتدون بأنواره {مَتَىٰ} يأتي {نَصْرُ ٱللَّهِ} طلباً وتمنياً له، واستطالة لمدة الشدّة ـ لا شكاً وارتياباً ـ والمراد من (الرسول) الجنس لا واحد بعينه، وقيل: هو اليسع، وقيل: شعياء، وقيل: أشعياء، وعلى التعيين يكون المراد من {ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ} قوماً بأعيانهم ـ وهم أتباع هؤلاء الرسل ـ وقرأ نافع {يِقُولُ} بالرفع على أنها حكاية حال ماضية و {مَعَهُ} يجوز أن يكون منصوباً بـ {يِقُولُ} أي إنهم صاحبوه في هذا القول وأن يكون منصوباً بـ {ءامَنُواْ} أي وافقوه في الإيمان. {أَلا إِنَّ نَصْرَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ} استئناف نحوي على تقدير القول أي فقيل لهم حينئذ ذلك تطييباً لأنفسهم بإسعافهم بمرامهم وإيثار الجملة الاسمية على الفعلية المناسبة لما قبلها وتصديرها بحرف التنبيه والتأكيد من الدلالة على تحقق مضمونها وتقريره ما لا يخفى، واختيار حكاية الوعد بالنصر لما أنها في حكم إنشاء الوعد للرسول والاقتصار على حكايتها دون حكاية النصر مع تحققه للإيذان بعدم الحاجة إلى ذلك لاستحالة الخلف، وقيل: لما كان السؤال ـ بمتى ـ يشير إلى استعلام القرب تضمن الجواب القرب واكتفى به ليكون الجواب طبق السؤال، وجوز أن يكون هذا وارداً من جهته تعالى عند الحكاية على نهج الاعتراض لا وارداً عند وقوع المحكي، والقول بأن هذه الجملة مقول الرسول و {مَتَىٰ نَصْرُ ٱللَّهِ} تعالى مقول من معه على طريق اللف والنشر الغير المرتب ليس بشيء، أما لفظاً فلأنه لا يحسن تعاطف القائلين دون المقولين، وأما معنى فلأنه لا يحسن ذكر قول الرسول {أَلا إِنَّ نَصْرَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ} في الغاية التي قصد بها بيان تناهي الأمر في الشدة، والقول ـ بأن ترك العطف للتنبيه على أن كلا مقول لواحد منهما، واحتراز عن توهم كون المجموع مقول واحد وتنبيه على أن الرسول قال لهم في جوابهم وبأن منصب الرسالة يستدعي تنزيه الرسول عن التزلزل ـ لا ينبغي أن يلتفت إليه لأنه إذا ترك العطف لا يكون معطوفاً على القول الأول فكيف التنبيه على كون كل مقولاً لواحد منهما، ولا نأمن وراء منع كون منصب الرسالة يستدعي ذلك التنزيه وليس التزلزل والانزعاج أعظم من الخوف، وقد عرى الرسل صلوات الله تعالى وسلامه عليهم كما يصرح به كثير من الآيات، وفي الآية رمز إلى أن الوصول إلى الجناب الأقدس لا يتيسر إلا برفض اللذات ومكابدة المشاق كما ينبىء عنه خبر «حديث : حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات»تفسير : وأخرج الحاكم وصححه عن أبـي مالك قال: «حديث : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله تعالى ليجرب أحدكم بالبلاء وهو أعلم به كما يجرب أحدكم ذهبه بالنار فمنهم من يخرج كالذهب الإبريز فذلك الذي نجاه الله تعالى من السيآت ومنهم من يخرج كالذهب الأسود فذلك الذي قد افتتن»تفسير : . ومن باب الإشارة في الآيات: {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِى ٱلْحَيَٰوةِ ٱلدُّنْيَا} يدعي المحبة ويتكلم في دقائق الأسرار ويظهر خصائص الأحوال وهو في مقام النفس الأمارة/ {وَيُشْهِدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا فِى قَلْبِهِ} من المعارف والإخلاص بزعمه {أية : وَهُوَ أَلَدُّ ٱلْخِصَامِ } تفسير : [البقرة: 204] شديد الخصومة لأهل الله تعالى في نفس الأمر {وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِى ٱلأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا} بالقاء الشبه على ضعفاء المريدين {وَيُهْلِكَ ٱلْحَرْثَ} ويحصد بمنجل تمويهاته زرع الإيمان النابت في رياض قلوب السالكين ويقطع نسل المرشدين {أية : وَٱللَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْفَسَادَ } تفسير : [البقرة: 205] فكيف يدعي هذا الكاذب محبة الله تعالى ويرتكب ما لا يحبه {وَإِذَا قِيلَ لَهُ ٱتَّقِ ٱللَّهَ} حملته الحمية النفسانية حمية الجاهلية على الإثم لجاجاً وحباً لظهور نفسه وزعماً منه أنه أعلم بالله سبحانه من ناصحه {أية : فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ } تفسير : [البقرة: 206] أي يكفيه حبسه في سجين الطبيعة وظلماتها، وهذه صفة أكثر أرباب الرسوم الذين حجبوا عن إدراك الحقائق بما معهم من العلوم {أية : وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن }تفسير : [البقرة: 207] يبذل نفسه في سلوك سبيل الله طلباً لرضاه ولا يلتفت إلى القال والقيل ولا يغلو لديه في طلب مولاه جليل {أية : يَـأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ ٱدْخُلُواْ فِي ٱلسّلْمِ }تفسير : [البقرة: 208] وتسليم الوجود لله تعالى والخمود تحت مجاري القدرة لكم وعليكم كافة {أية : فَإِن زَلَلْتُمْ} تفسير : [البقرة: 209] عن مقام التسليم والرضا بالقضاء {أية : مِّن بَعْدِ مَا جَآءَتْكُمُ} تفسير : [البقرة: 209] دلائل تجليات الأفعال والصفات، {أية : فَٱعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ}تفسير : [البقرة: 209] تعالى {أية : عَزِيزٌ} تفسير : [البقرة: 209] غالب يقهركم، {أية : حَكِيمٌ} تفسير : [البقرة: 209] لا يقهر إلا على مقتضى الحكمة، {هَلْ يَنظُرُونَ} إلا أن يتجلى الله سبحانه {أية : فِي ظُلَلٍ}تفسير : [البقرة: 210] صفات قهرية منن جملة تجليات الصفات وصور ملائكة القوى السماوية، {أية : وَقُضِىَ ٱلاْمْرُ} تفسير : [البقرة: 210] بوصول كل إلى ما سبق له في الأزل {أية : وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلأُمُورُ } تفسير : [البقرة: 210] بالفناء {كَانَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وٰحِدَةً} على الفطرة ودين الحق في عالم الإجمال ثم اختلفوا في النشأة بحسب اختلاف طبائعهم وغلبة صفات نفوسهم واحتجاب كل بمادة بدنه {أية : فَبَعَثَ ٱللَّهُ ٱلنَّبِيّينَ } تفسير : [البقرة: 213] ليدعوهم من الخلاف إلى الوفاق ومن الكثرة إلى الوحدة ومن العداوة إلى المحبة فتفرقوا وتحزبوا عليهم وتميزوا، فالسُّفْلِيُّون ازدادوا خلافاً وعناداً؛ والعُلْوِيُّون هداهم الله تعالى إلى الحق وسلكوا الصراط المستقيم {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ} جنة المشاهدة ومجالس الأنس بنور المكاشفة {وَلَمَّا يَأْتِكُم} حال السالكين قبلكم مستهم بأساء الفقر وضراء المجاهدة وكسر النفس بالعبادة حتى تضجروا من طول مدة الحجاب وعيل صبرهم عن مشاهدة الجمال وطلبوا نصر الله تعالى بالتجلي فأجيبوا إذا بلغ السيل الزبى، وقيل: لهم {أَلاۤ إِنَّ نَصْرَ ٱللَّهِ} برفع الحجاب وظهور آثار الجمال {قَرِيبٌ} ممن بذل نفسه وصرف عن غير مولاه حسنه وتحمل المشاق وذبح الشهوات بسيف الأشواق:شعر : ومن لم يمت في حبه لم يعش به ودون اجتناء النحل ما جنت النحل

ابن عاشور

تفسير : إضراب انتقالي عن الكلام السابق فاحتاج إلى وجه مناسبة به، فقال الطيبي أخذاً من كلام «الكشاف»: إن قوله تعالى: { أية : كان الناس أمة واحدة } تفسير : [البقرة: 213] كلام ذُكرت فيه الأمم السالفة وذُكر من بعث إليهم من الأنبياء وما لَقُوا منهم من الشدائد، ومُدْمِجٌ لتشجيع الرسول والمؤمنين على الثبات والصبر على أذى المشركين كما قال: { أية : وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك } تفسير : [هود: 120] فمن هذا الوجه كان الرسول وأصحابه مُرادين من ذلك الكلام، يدل عليه قوله: { أية : فهدى الله الذين آمنوا } تفسير : [البقرة: 213] وهو المضرب عنه ببل التي تضمنّها أَمْ أي دَعْ ذلك، أحَسِبُوا أن يدخلوا الجنة اهـــ. وبيانه أن القصد من ذكر الأمم السالفة حيثما وقع في القرآن هو العبرة والموعظة والتحذير من الوقوع فيما وقعوا فيه بسوء عملهم والاقتداءُ في المحامد، فكان في قوله تعالى: {كان الناس أمة واحدة} الآية إجمال لذلك وقد ختم بقوله {فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه}، ولما كان هذا الختام منقبة للمسلمين أُوقِظوا أنْ لا يُزْهَوْا بهذا الثناء فيحسبوا أنهم قضَوْا حق شكر النعمة فعقب بأن عليهم أن يصبروا لما عسى أن يعترضهم في طريق إيمانهم من البأساء والضراء اقتداء بصالحي الأمم السالفة، فكما حذرهم الله من الوقوع فيما وقع فيه الضالون من أولئك الأمم حرضهم هنا على الاقتداء بهدي المهتدين منهم على عادة القرآن في تعقيب البشارة بالنذارة وعكس ذلك، فيكون قوله: {أم حسبتم} إضراباً عن قوله: {فهدى الله الذين آمنوا} وليكون ذلك تصبيراً لهم على ما نالهم يوم الحديبية من تطاول المشركين عليهم بمنعهم من العُمرة وما اشترطوا عليهم للعام القابل، ويكون أيضاً تمهيداً لقوله: { أية : كتب عليكم القتال } تفسير : [البقرة: 216] الآية، وقد روي عن أكثر المفسرين الأولين أن هذه الآية نزلت في غزوة الخندق حين أصاب المسلمين ما أصابهم من الجَهد والشدائد فتكون تلك الحادثة زيادة في المناسبة. و (أم) في الإضراب كبل إلا أن أَمْ تؤذن بالاستفهام وهو هنا تقرير بذلك وإنكاره إن كان حاصلاً أي بل أحسبتم أن تدخلوا دون بلْوَى وهو حسبان باطل لا ينبغي اعتقاده. وحَسِب بكسر السين في الماضي: فعل من أفعال القلوب أخواتِ ظن، وفي مضارعه وجهان كسر السين وهو أجود وفتحها وهو أقيس وقد قرىء بهما في المشهور، ومصدره الحِسبان بكسر الحاء وأصله من الحساب بمعنى العد فاستعمل في الظن تشبيهاً لجولان النفس في استخراج علم ما يقع بجولان اليد في الأشياء لتعيين عددها ومثله في ذلك فعل عَدَّ بمعنى ظن. والخطاب للمسلمين وهو إقبال عليهم بالخطاب بعد أن كان الكلام على غيرهم فليس فيه التفات، وجعل صاحب الكشاف التفاتا بناء على تقدم قوله { أية : فهدى الله الذي آمنوا لما اختلفوا فيه } تفسير : [البقرة: 213] وأنه يقتضي أن يقال أم حسبوا أي الذين آمنوا، والأظهرُ أنه لما وقع الانتقال من غرض إلى غرض بالإضراب الانتقالي الحاصل بأم، صار الكلام افتتاحاً محضاً وبذلك يُتأكد اعتبار الانتقال من أسلوب إلى أسلوب، فالالتفات هنا غير منظور إليه على التحقيق. ودخول الجنة هنا دخولها بدون سبق عناء وبلوى، وهو دخول الذين استوفوا كل ما وجب عليهم ولم يقصروا في شيء منه، وإلا فإن دخول الجنة محسوب لكل مؤمن ولو لم تأته البأساء والضراء أو أتتهُ ولم يصبر عليها، بمعنى أن الصبر على ذلك وعدم الضجر منه موجب لغفران الذنوب، أو المراد من ذلك أن تنالهم البأساء فيصبروا ولا يرتدوا عن الدين، لذلك فيكون دخول الجنة متوقفاً على الصبر على البأساء والضراء بهذا المعنى، وتطرقُ هاته الحالة سنة من سنن الله تعالى في أَتْباع الرسل في أول ظهور الدين وذلك من أسباب مزيد فضائل اتباع الرسل، فلذلك هُيِّءَ المسلمون لتلقيه من قبل وقوعه لطفاً بهم ليكون حصوله أهون عليهم. وقد لقي المسلمون في صدر الإسلام من أذى المشركين البأساءَ والضراءَ وأخرجوا من ديارهم وتحملوا مضض الغربة، فلما وردوا المدينة لقُوا من أذى اليهود في أنفسهم وأذى المشركين في قرابتهم وأموالهم بمكة ما كدر عليهم صفو حفاوة الأنصار بهم، كما أن الأنصار لقُوا من ذلك شدة المضايقة في ديارهم بل وفي أموالهم فقد كان الأنصار يعرضون على المهاجرين أن يتنازلوا لهم عن حظ من أموالهم. و (لمَّا) أخت لم في الدلالة على نفي الفعل ولكنها مركبة من لَم ومَا النافية فأفادت توكيد النفي، لأنها ركبت من حرفي نفي، ومن هذا كان النفي بها مشعراً بأن السامع كان يترقب حصول الفعل المنفي بها فيكون النفي بها نفياً لحصول قريب، وهو يشعر بأن حصول المنفي بها يكون بعد مدة، وهذا استعمال دل عليه الاستقراء واحتجوا له بقول النابغة: شعر : أَزِفَ الترحُّلُ غيرَ أن ركابنا لَمَّا تَزُلْ برحالنا وكأنْ قدِ تفسير : فنفى بلما ثم قال: وكأن قد، أي وكأنه قد زالت. والواو للحال أي أحسبتم دخول الجنة في حالة انتفاء ما يُترقب حصوله لكم من مس البأساء والضراء فإنكم لا تدخلون الجنة ذلك الدخول السالم من المحنة إلا إذا تحملتم ما هو من ذلك القبيل. والإتيان مجاز في الحصول، لأن الشيء الحاصل بعد العدم يجعل كأنه أتى من مكان بعيد. والمثَل: المشابه في الهيئة والحالة كما تقدم في قوله تعالى: { أية : مثلهم كمثل الذي استوقد ناراً } تفسير : [البقرة: 17]. و{الذين خلَوْا} هم الأمم الذين مضوا وانقرضوا وأصل {خَلَوْا} خلاَ منهم المكان فبولغ في إسناد الفعل فأسند إليهم ما هو من صفات مكانهم. و{من قبلكم} متعلق بخَلَوْا لمجرد البيان وقصد إظهار الملابسة بين الفريقين. والمس حقيقته: اتصال الجسم بجسم آخر وهو مجاز في إصابة الشيء وحلوله، فمنه مس الشيطان أي حلول ضُر الجنة بالعقل، ومسُّ سَقر: ما يصيب من نارها، ومسَّه الفقر والضر: إذا حل به، وأكثر ما يطلق في إصابة الشر قال تعالى: { أية : وإذا مس الإنسان ضر دعا ربه } تفسير : [الزمر: 8] { أية : وإذا مس الإنسان الضر دعانا } تفسير : [يونس: 12] { أية : وإذا مسه الشر فذو دعاء عريض } تفسير : [فصلت: 51] { أية : ولا تمسوها بسوء } تفسير : [الأعراف: 73] فالمعنى هنا: حلت بهم البأساء والضراء. وقد تقدم القول في البأساء والضراء عند قوله تعالى: { أية : والصابرين في البأساء والضراء } تفسير : [البقرة: 177]. وقوله: {وزلزلوا} أي أزعجوا أو اضطربوا، وإنما الذي اضطرب نظام معيشتهم، قال تعالى: { أية : هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالاً شديداً } تفسير : [الأحزاب: 11]، والزلزلة تحرك الجسم من مكانه بشدة، ومنه زلزال الأرض، فوزن زلزل فُعفِل، والتضعيف فيه دال على تكرر الفعل كما قال تعالى: { أية : فكبكبوا فيها } تفسير : [الشعراء: 94] وقالوا لَمْلَم بالمكان إذا نَزل به نزولَ إقامة. و {حتى} غاية للمس والزلزالِ، أي بلغ بهم الأمر إلى غاية يقول عندها الرسول والذين معه متى نصر الله. ولما كانت الآية مخبرة عن مسَ حل بمن تقدم من الأمم ومنذرة بحلول مثله بالمخاطَبين وقت نزول الآية، جاز في فعل يَقُول أن يعتبر قولَ رسول أمة سابقة أي زلزلوا حتى يقول رسول المزلْزَلين فـــ (أل) للعهد، أو حتى يقول كلُّ رسول لأمة سبقت فتكون (أل) للاستغراق، فيكون الفعل محكياً به تلك الحالة العجيبة فيرفَع بعد حتى؛ لأن الفعل المراد به الحال يكون مرفوعاً، وبرفعِ الفعل قرأ نافع وأبو جعفر، وجاز فيه أن يعتبر قول رسول المخاطَبين عليه السلام فأَلْ فيه للعهد والمعنى: وزلزلوا وتزلزلون مثلهم حتى يقول الرسول فيكون الفعل منصوباً؛ لأن القول لمَّا يقَعْ وقتئذ، وبذلك قرأ بقية العشرة، فقراءة الرفع أنسب بظاهر السياق وقراءة النصب أنسب بالغرض المسوق له الكلام، وبكلتا القراءتين يحصل كلا الغرضين. ومتى استفهام مستعمل في استبطاء زمان النصر. وقوله: {ألا إن نصر الله قريب} كلام مستأنف بقرينة افتتاحه بأَلاَ، وهو بشارة من الله تعالى للمسلمين بقرب النصر بعد أن حصل لهم من قوارع صدر الآية ما ملأ القلوب رُعباً، والقصد منه إكرام هذه الأمة بأنها لا يبلغ ما يمسها مبلغ ما مس من قبلها، وإكرامٌ للرسول - صلى الله عليه وسلم - بألا يحتاج إلى قول ما قالته الرسل قبله من استبطاء نصر الله بأن يجيء نصر الله لهاته الأمة قبل استبطائه، وهذا يشير إلى فتح مكة.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 214- فهل حسبتم أن تدخلوا الجنة بمجرد إقراركم بكلمة الإسلام بدون أن تصابوا بمثل ما أصاب الذين من قبلكم، فقد أصابتهم الشدائد والنوازل وزلزلوا حتى بلغ بهم الأمر أن قال رسولهم نفسه وقالوا معه: متى نصر الله؟ فَيبِرُّ ربهم بوعده فيجابون عندئذٍ بأن نصر الله قريب. 215- يسألك المؤمنون فى شأن الإنفاق فقل لهم: إن الإنفاق يكون من المال الطيب، ويعْطَى للوالدين والأقربين واليتامى والمساكين ومن انقطع عن ماله وأهله، وما تفعلوا من عمل خير فإن الله يعلمه وهو يثيبكم عليه. 216- فإذا كان فى الإنفاق على اليتامى والمساكين وغيرهم حماية للمجتمع فى داخله فإن القتال حماية له من أعدائه فى الخارج، ولذلك فرض عليكم - أيها المسلمون - القتال لحماية دينكم والدفاع عن أنفسكم، وأن نفوسكم بحكم جبلتها تكره القتال كرهاً شديداً، ولكن ربما كرهتم ما فيه خيركم وأحببتم ما فيه شركم، والله يعلم ما غاب من مصالحكم عنكم، وأنتم لا تعلمون فاستجيبوا لما فرض عليكم.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: أم حسبتم: أظننتم - أم هي المنقطعة فتفسر ببل والهمزة، والإستفهام انكاري ينكر عليهم ظنهم هذا لأنه غير واقع موقعه. لما: بمعنى لم النافية. مثل: صفة وحال الذين من قبلكم. البأساء والضراء: البأساء: الشدة، من الحاجة وغيرها والضراء: المرض والجراحات والقتل. متى نصر الله: الاستفهام للإِستبطاء. معنى الآية الكريمة: ينكر تعالى على المؤمنين وهم في أيام شدة ولأواء ظنهم أنهم يدخلون الجنة بدون امتحان وابتلاء في النفس والمال بل وأن يصيبهم ما أصاب غيرهم من البأساء والضراء والزلزال وهو الاضطراب والقلق من الأهوال حتى يقول الرسول والمؤمنون معه - استبطاءاً للنصر الذي وُعدوا به: متى نصر الله؟ فيجيبهم ربهم تعالى بقوله: {أَلاۤ إِنَّ نَصْرَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ}. هداية الآية الكريمة من هداية الآية 1- الابتلاء بالتكاليف الشرعية، ومنه الجهاد بالنفس والمال ضروريٌ لدخول الجنة. 2- الترغيب في الإِتساء بالصالحين والاقتداء بهم في العمل والصبر. 3- جواز الأعراض البشرية على الرسل كالقلق والاستبطاء للوعد الإِلهي انتظاراً له. 4- بيان ما أصاب الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه من شدة وبلاء أيام الجهاد وحصار المشركين لهم.

القطان

تفسير : المثل: الحال الذي له شأن. البأساء: الشدّة على الانسان في ماله وفي نفسه ووطنه. والضراء: ما يصيب الانسان في نفسه كالقتل والجرح والمرض. والزلزال: الاضطراب في الأمر. بعد ان أمر الله تعالى بالوفاق والسلام، وأرشد الى حاجة البشر الى معونة بعضهم بعضاً لكثرة المطالب وتعدد الرغبات، دعت الضرورة الى شرع يحدد الحقوق ويهدي العقول الى ما لا مجال للنزاع فيه. وقد روى الطبري عن السدّي ان هذه الآية نزلت في غزوة الخندق. ومعنى الآية: ام حسبتم أيها المؤمنون ان تدخلوا الجنة بمجرد اقراركم بكلمة الاسلام دون ان يصيبكم ما اصاب الذين من قبلكم من أتباع الرسل والأنبياء من الشدائد والمحن، وأن تُبتلوا بمثل ما ابتلوا به من البأساء وهي شدة الحاجة والفاقة، ومن الضراء وهي العلل والأمراض، ولم تُزلزَلوا، اي لم يصِبكم من اعدائكم كثير من الخوف والرعب! كلا، انكم مثلهم. وقد أخذتهم الشدة حتى بلغ بهم الأمر ان قالوا متى نصرُ الله؟ ثم أخبرهم الله ان نصره قريب وانه جاعلهم فوق عدوّهم.

د. أسعد حومد

تفسير : {آمَنُواْ} (214) - يُخَاطِبَ اللهُ تَعَالَى الذِينَ هَدَاهُمْ إِلى السِّلْمِ، وَإِلَى الخُرُوجِ مِنْ ظُلْمَةِ الاخْتِلاَفِ، إِلَى نُورِ الوِفَاقِ، بِاتِّبَاعِهِمْ هُدَى الكِتَابِ زَمَنَ التَّنْزيلِ، الذِينَ يَظُنُّونَ مِنْهُمْ أَنَّ انْتِسَابَهُمْ إِلى الإِسْلاَمِ فِيهِ الكِفَايَةُ لِدُخُولِ الجَنَّةِ دُونَ أَنْ يَتَحَمَّلُوا الشَّدَائِدَ وَالأَذَى فِي سَبيلِ الحَقِّ، وَهِدَايَةِ الخَلْقِ، جَهْلاً مِنْهُمْ بِسُنَّةِ اللهِ تَعَالَى فِي أَهْلِ الهُدَى مُنْذُ أَنْ خَلَقَهُمْ. فَيَقُولُ لَهُمْ: هَلْ تَحْسَبُونَ أَنَّكُمْ تَدْخُلُونَ الجَنَّةَ قَبْلَ أَنْ تُبْتَلَوا وَتُخْتَبَرُوا كَما فُعِلَ بِالذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الأُمَمِ الذِينَ ابْتُلُوا بِالفَقْرِ (البَأَسَاءُ)، وَبِالأَسْقَامِ وَالأَمْرَاضِ (الضَّرَّاءُ)، وَخُوِّفُوا وَهُدِّدُوا مِنَ الأَعْدَاءِ (زُلْزِلُوا)، وَامتُحِنُوا امْتِحَاناً عَظِيماً، وَاشْتَدَّتِ الأُمُورُ بِهِمْ حَتَّى تَسَاءَلَ الرَّسُولُ وَالمُؤْمِنُونَ قَائِلِينَ: مَتَى يَأْتِي نَصْرُ اللهِ. وَحِينَما تَثْبُتُ القُلُوبُ عَلَى مِثْلِ هذِهِ المِحَنِ المُزَلْزِلَةِ، حِينَئِذٍ تَتِمُّ كَلِمَةُ اللهِ، وَيَجِيءُ نَصْرُهُ الذِي يَدَّخِرُهُ لِمَنْ يَسْتَحِقُّهُ مِنْ عِبَادِهِ الذِينَ يَسْتَيْقِنُونَ أَنْ لاَ نَصْرَ إِلاَّ نَصْرُ اللهِ. مَثَلُ الذِينَ خَلَوا - حَال الذِينَ مَضَوا مِنَ المُؤْمِنينَ. البَأْسَاءُ - البُؤْسُ وَالفَقْرُ. الضَّرَّاءُ - المَرَضُ وَالأَلَمُ. زُلْزِلُوا - أُزْعِجُوا إِزْعَاجاً شَدِيداً.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : أي أظننتم أنكم تدخلون الجنة بدون ابتلاءات تحدث لكم؟ إن الحق سبحانه ينفي هذا الظن ويقول: ليس الأمر كذلك، بل لابد من تحمل تبعات الإيمان، فلو كان الإيمان بالقول لكان الأمر سهلاً، ولكن الذي يُصَعِبُ الإيمان هو العمل، أي حمل النفس على منهج الإيمان. لقد استكبر بعض من الذي عاصروا محمداً صلى الله عليه وسلم أن يقولوا: "لا إله إلا الله" لأنهم فهموا مطلوبها؛ لأن الأمر لو اقتصر على مجرد كلمة تقال بلا رصيد من عمل يؤيدها، لكان أسهل عليهم أن يقولوها، لكنهم كانوا لا يقولون إلا الكلمة بحقها، ولذلك أيقنوا تماماً أنهم لو قالوا: "لا إله إلا الله" لانتهت كل معتقداتهم السابقة، لكنهم لم يقولوها؛ لأنهم أبوا وامتنعوا عن القيام بحقها وأداء مطلوبها. إن الحق يقول: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ ٱلْبَأْسَآءُ وَٱلضَّرَّآءُ} [البقرة: 214] فما العلاقة بين هذه الآية وما سبق من الآيات؟ لقد كان الحديث عن بني إسرائيل الذين حسبوا أنهم يدخلون الجنة بدون أن يبتلوا، وصارت لهم أهواء يحرفون بها المنهج. أما أمة رسول الله صلى الله عليه وسلم فعليهم أن يستعدوا للابتلاء، وأن يعرفوا كيف يتحملون الصعاب. ونحن نعرف في النحو أن هناك أدوات نفي وجزم ومن أدوات النفي "لم" و"لما" فعندما نقول: "لم يحضر زيد" فهذا حديث في الماضي، ومن الجائز أن يحضر الآن. ولكن إذا قلت: "لما يحضر زيد" فالنفي مستمر حتى الآن، أي أنه لم يأتي حتى ساعة الكلام لكن حضوره ومجيئه متوقع. ولذلك يقول الحق: {أية : قَالَتِ ٱلأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ وَلَـٰكِن قُولُوۤاْ أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ ٱلإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ ..}تفسير : [الحجرات: 14]. وعندما سمع الأعراب ذلك قالوا: نحمد الله، فما زال هناك أمل أن نؤمن. لقد أراد الله أن يكون الأعراب صادقين مع أنفسهم، وقد نزلت هذه الآية كما يقول بعض المفسرين في قوم من بني أسد، جاءوا إلى المدينة في سنة جدب، وأعلنوا الشهادة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: "لا إله إلا الله محمد رسول الله"، وكانوا يطلبون الصدقة، ويحاولون أن يمنوا على الرسول صلى الله عليه وسلم بأنهم لم يقاتلوه كما فعل غيرهم، فجاءت هذه الآية لتوضح أن الإيمان درجة أرقى من إظهار الإسلام. لكن ذلك لا يعني أنهم منافقون، ولذلك يوضح القرآن الكريم أن إظهار الإسلام لا يعني الإيمان؛ لأن الإيمان عملية قلبية. لقد أعلنوا الخضوع لله، وأرادوا أن يقوموا بأعمال المسلمين نفسها لكن ليس هذا هو كل الإيمان. وهم قالوا: "آمنا" فقال الحق لهم: لا لم تؤمنوا وكونوا صادقين مع أنفسكم فالإيمان عملية قلبية، ولا يقال إنك آمنت؛ لأنها مسألة في قلبك، ولكن قل أسلمت، أي خضعت وفعلت مثلما يفعل المؤمنون، فهل فعلت ذلك عن إيمان أو غير إيمان، إن ذلك هو موضوع آخر. هنا تقول الآية: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم} [البقرة: 214] أي لا يمكن أن تدخلوا الجنة إلا إذا جاءكم من الابتلاء مثل من سبقكم من الأمم ولا بد أن تُفتنوا وأن تُمحصوا ببأساء وضراء، ومن يثبت بعد ذلك فهو يستحق أن يدخل الجنة، فلا تظنوا أنكم أمة متميزة عن غيركم في أمر الاختبار، فأنتم لن تدخلوا الجنة بلا ابتلاء، بل على العكس سيكون لكم الابتلاء على قدر النعماء. أنتم ستأخذون مكانة عالية في الأمم ولذلك لا بد أن يكون ابتلاؤكم على قدر مكانتكم، فإن كنتم ذوي مكانة عالية وستحملون الرسالة الخاتمة وتنساحون في الدنيا فلا بد أن يكون ابتلاؤكم على قدر عظمة مسئوليتكم ومهمتكم. {وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ ٱلْبَأْسَآءُ وَٱلضَّرَّآءُ وَزُلْزِلُواْ} [البقرة: 214] إن قول الله: "ولما" يفيد بأن ما حدث للذين من قبلهم من ابتلاء عليهم سيقع على المؤمنين مثله. وعندما نتأمل قوله الحق: "وزلزلوا" فأنت تكتشف خاصية فريدة في اللغة العربية، هذه الخاصية هي تعبير الصوت عن واقعية الحركة، فكلمة "زلزلوا" أصلها زلزلة، وهذه الكلمة لها مقطعان هما "زل، زل". و"زل": أي سقط عن مكانه، أو وقع من مكانه، والثانية لها المعنى نفسه أيضاً، أي وقع من مكانه، فالكلمة تعطينا معنى الوقوع المتكرر: وقوع أول، ووقوع ثانٍ، والوقوع الثاني ليس امتداداً للوقوع الأول؛ ولكنه في اتجاه معاكس، فلو كانت في اتجاه واحد لجاءت رتيبة، إن الزلة الثانية تأتي عكس الزلة الأولى في الاتجاه، فكأنها سقوط جهة اليمين مرة، وجهة الشمال مرة أخرى. ومثل ذلك "الخلخلة" أي حركة في اتجاهين معاكسين "خَلّ" الأولى جهة اليمين، و"خَلّ" الثانية جهة اليسار، وبهذا تستمر الخلخلة. وهكذا "الزلزلة" تحمل داخلها تغير الاتجاه الذي يُسمى في الحركة بالقصور الذاتي. والمثال على ذلك هو ما يحدث للإنسان عندما يكون راكباً سيارة، وبعد ذلك يأتي قائد السيارة فيعوقها بالكابح "الفرامل" بقوة، عندئذ يندفع الراكب للأمام مرة، ثم للخلف مرة أخرى، وربما تكسر زجاج السيارة الأمامي حسب قوة الاندفاع؛ ما الذي تسبب في هذا الاندفاع؟ إن السبب هو أن جسم الراكب كان مهيأ لأن يسير للأمام؛ والسائق أوقف السيارة والراكب لا يزال مهيأ للسير للأمام، فهو يرتج، وقد يصطدم بأجزاء السيارة الداخلية عند وقوفها فجأة. وعملية "الزلزلة" مثل ذلك تماماً، ففيها يصاب الشيء بالارتجاج للأمام والخلف، أو لليمين واليسار، وفي أي جهتين متعاكستين. و "وزلزلوا" يعني أصابتهم الفاجعة الكبرى، الملهية، المتكررة، وهي لا تتكرر على نمط واحد، إنما يتعدد تكرارها، فمرة يأخذها الإيمان، ثم تأخذها المصائب والأحداث، وتتكرر المسألة حتى يقول الرسول صلى الله عليه وسلم والذين آمنوا معه: {مَتَىٰ نَصْرُ ٱللَّهِ} [البقرة: 214]؟ ويأتي بعده القول: {أَلاۤ إِنَّ نَصْرَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ} [البقرة: 214] فهل يتساءلون أولاً، ثم يثوبون إلى رشدهم ويردون على أنفسهم {أَلاۤ إِنَّ نَصْرَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ} [البقرة: 214] أم أن ذلك إيضاح بأن المسألة تتأرجح بين {مَتَىٰ نَصْرُ ٱللَّهِ} [البقرة: 214] وبين {أَلاۤ إِنَّ نَصْرَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ} [البقرة: 214]؟. لقد بلغ الموقف في عصر رسول الله صلى الله عليه وسلم من الاختيار والابتلاء إلى القمة، ومع ذلك واصل الرسول صلى الله عليه وسلم والذين معه الاستمساك بالإيمان. لقد مستهم البأساء والضراء وزلزلوا، أي أصابتهم رجفة عنيفة هزتهم، حتى وصل الأمر من أثر هذه الهزة أن {يَقُولَ ٱلرَّسُولُ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ ٱللَّهِ أَلاۤ إِنَّ نَصْرَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ} [البقرة: 214]. إن مجيء الأسلوب بهذا الشكل {مَتَىٰ نَصْرُ ٱللَّهِ} [البقرة: 214] يعني استبطاء مجيء النصر أولاً، ثم التبشير من بعد ذلك في قوله الحق: {أَلاۤ إِنَّ نَصْرَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ} [البقرة: 214]. ولم يكن ذلك للشك والارتياب فيه. وهذا الاستبطاء، ثم التبشير كان من ضمن الزلزلة الكبيرة، فقد اختلطت الأفكار: أناس يقولون: {مَتَىٰ نَصْرُ ٱللَّهِ} [البقرة: 214] فإذا بصوت آخر من المعركة يرد عليهم قائلاً: {أَلاۤ إِنَّ نَصْرَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ} [البقرة: 214]. وسياق الآية يقتضي أن الذين قالوا: {مَتَىٰ نَصْرُ ٱللَّهِ} [البقرة: 214] هم الصحابة، وأن الذي قال: {أَلاۤ إِنَّ نَصْرَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ} [البقرة: 214] هو رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم ينتقل الحق سبحانه وتعالى بعد ذلك إلى قضية أخرى، هذه القضية شاعت في هذه الصورة وهي ظاهرة سؤال المؤمنين عن الأشياء، وهي ظاهرة إيمانية صحية، وكان في استطاعة المؤمنين ألا يسألوا عن أشياء لم يأتي فيها تكليف إيماني خوفاً من أن يكون في الإجابة عنها تقييد للحركة، ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"حديث : ذروني ما تركتكم، فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه ". تفسير : ورغم ذلك كانوا يسألون عن أدق تفاصيل الحياة، وكانت هذه الظاهرة تؤكد أنهم عشقوا التكليف من الله؛ فهم يريدون أن يبنوا كل تصرفاتهم بناءً إسلامياً، ويريدون أن يسألوا عن حكم الإسلام في كل عمل ليعملوا على أساسه. يقول الحق سبحانه وتعالى: {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقولهُ تعالى: {وَزُلْزِلُواْ} معناه خُوِّفو.

الأندلسي

تفسير : {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ} نزلت في شدائد أصابت المسلمين كحالهم في الخندق وفي غزوة أحد. وأم منقطعة التقدير بل أحسبتم وحسب كظن تستعمل في المترجع وسدت انْ مسد مفعولْ حسب. {وَلَمَّا يَأْتِكُم} جملة حالية ولما بلغ في النفي من لم والمثل الشبه إلا أنه مستعار لحال غريبة أو قضية عجيبة. وثم: محذوف أي مثل مجيئه المؤمنين. {ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم} ثم فسر ذلك المثل فقال: {مَّسَّتْهُمُ ٱلْبَأْسَآءُ} فليس لهذه الجملة موضع من الإِعراب على المشهور ومستهم: أصابتهم. {وَزُلْزِلُواْ} أي أزعجوا إزعاجاً شديداً. {حَتَّىٰ يَقُولَ} قرىء بالنصب حتى غاية إلى أن يقول. وقرىء برفع يقول وهي حال محكية والمعنى وزلزلوا حتى قال: {ٱلرَّسُولُ} وقع الزلزال والقول. {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ} معه معمول لآمنوا. {مَتَىٰ نَصْرُ ٱللَّهِ} سؤال عن الوقت. والجملتان داخلتان تحت القول جمع الرسول والموفون في القول. قال المؤمنون: متى نصر الله؟ وقال الرسول: {أَلاۤ إِنَّ نَصْرَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ} لما استبطأ المؤمنون النصر أجابهم الرسول بأنه قريب عادت بكل جملة لمن يناسبها. وقدم الرسول في إسناد القول لمكانته وقول المؤمنين لتقدمه في الزمان. والرسول هنا: اسم جنس. {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ} عن ابن عباس نزلت في عمرو بن الجموح وكان ذا مال سأل بماذا أتصدق وعلى من أنفق؟ والضمير للمؤمنين، والخطاب للرسول عليه السلام. وماذا: مفعول ينفقون. أو ما مبتدأ خبره ذا، وهو موصول والعائد عليه محذوف والتقدير أي شيء الذي ينفقونه والظاهر السؤال عن ما ينفق لكن تضمّن الجواب ما ينفق ومصرفه بقوله: {قُلْ مَآ أَنْفَقْتُمْ مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَٱلأَقْرَبِينَ} ومن خير تبيين للمنفق ويتناول القليل والكثير وما موصولة أو شرطية وبدأ في المصرف بالأقرب فالأقرب ثم بالأحوج فالأحوج، وخبر ما للوالدين أن قلنا بوصلها على إضمار أي فهو أو مصرفة للوالدين. {وَمَا تَفْعَلُواْ} ما: شرطية مفعول بها أي أي شيء تفعلوا. والفعل أعم من الانفاق وغيره سألوا عن خاص فأجيب بخاص ثم أتى بالعموم في أفعال الخير. {كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِتَالُ} أي فرض وظاهر كتب الفرضية أما على الأعيان وإما على الكفاية. {وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ} أي مكروه لكم كالنقض بمعنى المنقوض وقرىء كتب مبنياً للمفعول ومبنياً للفاعل ونصب القتال، والقتال يعني الجهاد. والجملة: حال، والضمير عائد على القتال. {وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً} عسى للاشفاق ومجيئها له قليل وأكثر مجيئها للترجي وكراهتهم للقتال لما فيه من التعرض للقتل والأسر وانضاء الأبدان وإتلاف الأموال، والخير الذي فيه الظفر والغنيمة والاستيلاء على النفوس والأموال، وأعظم الخير الشهادة وهي الحالة التي تمناها رسول الله صلى الله عليه وسلم والجملة حال من النكرة وهو قليل ومع ذلك نص على جوازه سيبويه. {وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّواْ شَيْئاً} عسى هنا للترجي واندرج في قوله شيئاً الخلود إلى الراحة وترك القتال لأنه محبوب بالطبع، والشر الذي فيه هو ذلتهم وضعف أمرهم واستيصالهم وسبي ذراريهم ونهب أموالهم. {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ} أي ما فيه المصلحة حيث كلفهم القتال. {وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} ما علمه الله لغيبة عواقب الأمور.

الجيلاني

تفسير : أرجوتم وطمعتم أيها المحمديون المتوجون إلى زلال التوحيد، وصفو التجريد والتفريد، أن تصلوا إليه بأنيتكم هذه بلا سولكٍ ومجاهدةٍ، وسكرٍ وصحوٍ، وتلوينٍ وتمكينٍ، وقيدٍ وإطلاقٍ، ونفيٍ وإثباتٍ، وفناءٍ وبقاءٍ، وهيهات هيهات. {أَمْ حَسِبْتُمْ} تمنيتم متوقعاً {أَن تَدْخُلُواْ} فجأة بهويتكم هذه بلا إفنائها أو فنائها في هوية الله {ٱلْجَنَّةَ} التي ارتفعت عندها الهويات، واضمحلت دونها الماهيات {وَلَمَّا يَأْتِكُم} أي: لما يأتكم {مَّثَلُ ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ} مضوا {مِن قَبْلِكُم} أي: شأنهم وقصتهم المشهورة المعروفة المنسوبة إلى الأحرار الأبرار الواصلين إلى دار القرار كيف {مَّسَّتْهُمُ} بأبدانهم وأجسادهم وهوياتهم الجسمانية {ٱلْبَأْسَآءُ} المذلة الدميمة المزمنة المزعجة المفنية لإتيانهم، وكيف مستهم أيضاً بأرواحهم المتكثرة بأشباحهم المتربتة على الأوصاف الذاتية الإلهية {وَٱلضَّرَّآءُ} المسقطة للإضافات كلها {وَ} بعد ما وصلوا إلى هذه المرتبة المعبرة بالقيامة والطامات الكبرى عند العارف {زُلْزِلُواْ} اضطربوا وتلونوا وتذبذبوا لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، وكان حالهم بين الحيرة والحسرة يترددون ويتحيرون، إلى أن غلب عليهم المحبة والشوق، وانبعث من المحبة الخالصة والإرادة الصادقة العشق المفرط المنبعث من جذب المعشوق الماثل بالطبع نحوه واحتاجوا إلى نصر الله وتوفيقه، وجذبه بلطف، فاضطروا في بين وبين، وأين إلى أين {حَتَّىٰ يَقُولَ ٱلرَّسُولُ} المرشد إلى طريق التوحيد مناجياً مع الله وأفعاله؛ إذ هم {وَ} أيضاً {ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ} مشايعين له في قوله ودعائه مشاركين معه في نهر الاشتياق والاستبطاء وقلة الصبر والجزع والفزع والاضطرار والمراقبة والانتظار {مَتَىٰ نَصْرُ ٱللَّهِ} حتى يتخلص من التلون والتمكن والكون والتكون والظهور والإظهار والغيب والشهادة، وغير ذلك من الإضافات. قيل لهم: وما لنا تعيين القائل؟ إذ لا قائل إلا هو، منبهاً مستقرباً مستعجباً مستغرباً {أَلاۤ} تنبهوا أيها الأطلال الممدودة المتعددة المنتشئة من الأوصاف المحمودة الذاتية الأحدية المضافة بعضها إلى بعض ارفعوا إضافتكم عن البين وغشاوتكم عن العين، حتى اتصل العين بالعين، وارتفع البين عن البين وقولوا: وما أدري ها هنا أيضاً ما القائل وما المقول، وما القول وما المقول إليه، وما هذا وماذا؟. أدركنا بلطفك عن حجاب الألفاظ وغشاوة العبارة. {إِنَّ نَصْرَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ} [البقرة: 214] حاضر غير مغيبٍ لو تنبهتم إلى ذي ظلكم، والتنبه له محال إلا من كشف سبحانه عليه كيفية الظل والإظلال والاستعداد والتعدد الحاصل فيه، والكوائن الغير المتناهية، والمكونات الغير المحصورة الحاصلة فيه بأشخاصها وأنواعها وأجناسها إلى ما شاء الله، لا حول ولا وقة إلا بالله. (وَ) بالجملة: لا تحوم الفهوم حول سرادقات عز جلله حتى يشقق عن كائناته ومصنوعاته، ليس كمثله شيء ليقاس عليه ولا غيره حتى يسمع منه ويبصر به، وهو السميع البصير العليم، وليس وراء الله مرمى {يَسْأَلُونَكَ} أيها الهادي للكل عن الإنفاق وعما ينفق به، ويقولون: {مَاذَا يُنْفِقُونَ} أي: أي شيء ينفق المنفق في سبيل الله؟ {قُلْ} لهم يا أكمل الرسل كلاماً ناشئاً عن محض الحكمة: {مَآ أَنْفَقْتُمْ} سواء كانت تمرة أو كسرة أو حبة أو ذرة صادرة {مِّنْ خَيْرٍ} خالص من ثوب المشوب المنة والأذى {فَلِلْوَالِدَيْنِ وَٱلأَقْرَبِينَ} إليكم نسباً أولى إن كانوا مستحقين {وَ} بعد ذلك أولاهم {ٱلْيَتَامَىٰ} الذين لا متعهد لهم {وَ} بعد ذلك {ٱلْمَسَاكِينِ} الذين أسكنهم المذلة والهوان {وَ} بعد ذلك {ٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ} الذين تعذر وصولهم إلى مملوكاتهم {وَ} اعلموا أيها المؤمنون أن {مَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ} خالصاً لرضائه سبحانه {فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ} [البقرة: 215] لصدروه عنه وعن جريان حكمه وسنته. ثم لما ظهر أمر الإسلام وعلا قدره وارتفع مناره، فرض الله سبحانه على المؤمنين الموقنين بطريق التوحيد المشاجرة والمقاتلة مع المخالفين، الناكبين عن طريق الحق بالشرك والإشراك؛ ليظهر شمس التوحيد على النفاق، ويضمحل شوب الكثرة والثنوية المنبعثة عن الكفر والنفاق، ويتميز الحق عن الباطل والوجود عن العدم العاطل، فقال: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ} أيها المؤمنون {ٱلْقِتَالُ} مع مخالفيكم من أهل الكثرة {وَهُوَ كُرْهٌ} مكروه مستهجن {لَّكُمْ} ما دمتم في أنانيتكم وهويتكم هذا، وما دمتم فيها مع تكثر الإضافات ولوازم الإمكان والإضافات {وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً} في النشأة الأولى {وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ} في النشأة الأخرى {وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّواْ شَيْئاً} منها {وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ} فيها {وَٱللَّهُ} الهادي لكم إلى سواء السبيل {يَعْلَمُ} خيركم ويأمركم به وشرك فيحذركم عنه {وَأَنْتُمْ} بهويتكم هذه {لاَ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 216] شيئاً من الخير والشر، بل لكم الإطاعة والإنقياد بما أمر ونهى والعلم عند الله العزيز العليم.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يخبر تبارك وتعالى أنه لا بد أن يمتحن عباده بالسراء والضراء والمشقة كما فعل بمن قبلهم، فهي سنته الجارية، التي لا تتغير ولا تتبدل، أن من قام بدينه وشرعه، لا بد أن يبتليه، فإن صبر على أمر الله، ولم يبال بالمكاره الواقفة في سبيله، فهو الصادق الذي قد نال من السعادة كمالها، ومن السيادة آلتها. ومن جعل فتنة الناس كعذاب الله، بأن صدته المكاره عما هو بصدده، وثنته المحن عن مقصده، فهو الكاذب في دعوى الإيمان، فإنه ليس الإيمان بالتحلي والتمني، ومجرد الدعاوى، حتى تصدقه الأعمال أو تكذبه. فقد جرى على الأمم الأقدمين ما ذكر الله عنهم { مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ } أي: الفقر { وَالضَّرَّاءُ } أي: الأمراض في أبدانهم { وَزُلْزِلُوا } بأنواع المخاوف من التهديد بالقتل، والنفي، وأخذ الأموال، وقتل الأحبة، وأنواع المضار حتى وصلت بهم الحال، وآل بهم الزلزال، إلى أن استبطأوا نصر الله مع يقينهم به. ولكن لشدة الأمر وضيقه قال { الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ } . فلما كان الفرج عند الشدة، وكلما ضاق الأمر اتسع، قال تعالى: { أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ } فهكذا كل من قام بالحق فإنه يمتحن. فكلما اشتدت عليه وصعبت، إذا صابر وثابر على ما هو عليه انقلبت المحنة في حقه منحة، والمشقات راحات، وأعقبه ذلك، الانتصار على الأعداء وشفاء ما في قلبه من الداء، وهذه الآية نظير قوله تعالى: { أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ } . وقوله [تعالى:] { الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ } فعند الامتحان، يكرم المرء أو يهان.

همام الصنعاني

تفسير : 250- عبد الرزاق، قال: حدّثنا معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ ٱلْبَأْسَآءُ وَٱلضَّرَّآءُ}: [الآية: 214]، قال: نزلت في يوم الأحزاب، أصاب النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابهُ يومئذ بلاءٌ وحَصْرٌ، فكانوا كما قال الله عزّ وجلّ: {أية : وَبَلَغَتِ ٱلْقُلُوبُ ٱلْحَنَاجِرَ}تفسير : [الأحزاب: 10]. 251- عبد الرزاق، قال: حدثنا معمر، عن الزهري، قال: لما كان يومٌ الأحزاب، حُصِرَ النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، بضع عشْرَةَ لَيْلَة حتى خلص إلى كُلِّ امرىءٍ منهم الكرب، وحتَّى قالَ النبي صلى الله عليه وسلم كما قال ابن المسيّب: "حديث : اللَّهُمْ أنشدُكَ عَهْدَكَ وَوَعْدَكَ. اللّهم إنك إنْ تشأ لا تعبد" فَبَيْنا هم على ذَلِكَ، أرسل النبي صلى الله عليه وسلم إلى عُيَيْنة بن حِصْن بن بدر: "أرأيت إن جَعَلْتُ لَك ثُلُث ثمرِ الأنصار أترجعُ بمَنْ مَعَكَ من غطفان؟ وتخذلُ بين الأحزاب"؟ فأرسل إلَيْهِ عُيَيْنَة: إنْ جَعَلْتَ لي الشَّطْر فَعَلْت، فأرسلَ النبي صلى الله عليه وسلم إلى سعد بن عبادة، وسعد بن معاذ، فقال: "إني أرْسلْتُ إلى عُيَيْنة، فعرضت عليه أنْ أجْعَل لهُ ثلاث ثمركم، ويرجع بمن معه من غطفان ويخذل بين الأحزاب، فأبى إلاَّ الشَّطْر". فقالا: يا رسول الله! إنْ كنت أمرت بشيء فامضِ لأمرِ اللهِ. قالَ: "لو كنت أُمِرْتُ بشيءٍ ما اسْتأمَرْتُكُما، ولكن هذا رأي أعْرضه عَلَيْكُما" قالاَ: فإنا لا نَرى أن نعطيهم إلاّ السيف . تفسير : قالَ ابن أبي نجيح، قالا: فوالله يا رسول الله، لقد كانَ يمرُّ في الجاهليَّةَ يَجُرُّ [سربه] في عام السَّنة حوْل المدينة ما يطيقُ أنْ يدْخُلَها، فالآن لما جاء الله بالإِسلام نُعْطِيهم ذلك؟ 252- عبد الرزاق، قال معمر، قال الزّهري، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : فنعمَ إذن". فبينا هم كذلِكَ إذ جاءهم نُعَيْم بن مسعُود الأشجعي، وكان يأمنه الفريقان جميعاً، وكانَ مُوادعاً لَهُمَا، فقال: إني كنت عِندَ عُيَيْنة وأبي سفيان، إذْ جاءتهم رُسُلُ بني قريظة أن أثبتوا فإنَّا سنخالف المسلمين إلى بَيْضتِهم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "فَلَعَلَّنا أمرناهم بذلِكَ" وَكَانَ نُعَيْمٌ رجُلاً لا يَمكْتُم الحديث، فقام بكلمة النبي صلى الله عليه وسلم، فجاء عمر، فقال: يا رسول الله، إنْ كانَ هَذاَ أمرٌ من أمر الله فأمضِهِ، وإن كان رأياً مِنْك، فإن شأنَ بَني قرييظة وقريش أهون من أن كيون لأحد عليك فيه مقال، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "وعليَّ الرجل رُدُّوهُ" فَردُّوهُ، فقال: "انظر الذي ذكرناه لك، فلا تذكره لأحد" فكأنما أغراهُ به. فانطلق حتَّى أتى عُيَيْنة وأبا سُفْيان، فقال: هَلْ سمعتم محمَّداً يقُولُ قَوْلاً إلاَّ كان حقّاً، قالوا: لا، قال: فإني لما ذكرت له شأن بني قريظة، ق ال: "فَلَعلَّنا أمرناهم بذلِكَ"، فقال أبو سفيان: سنعلم ذلك إن كان مكراً، فأرسل إلى بني قُرَيْظة إنكم قد أمرتمونا أن نثبت، وإنكم ستخالفون المسلمين إلى بَيْضتِهم، فأعْطُونا بذلِكَ رهينة، قالوا: إنها قد دخلت ليلة السَّبت، وإنا لا نقضي في السبت شيئاً. قال أبو سفيان: أنتم في مكْرٍ من بني قريظة، فارتحلوا فأرسل الله إليهم الريح، وقذف في قلوبهم الرُّعْبَ، فأطفأت نيرانَهُم، وقَطَّعت أرسان خيولهم، فانطلقوا منهزِمين مِنْ غير قتال.تفسير : قال: فذلك حين قال الله تعالى: {أية : وَكَفَى ٱللَّهُ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱلْقِتَالَ وَكَانَ ٱللَّهُ قَوِيّاً عَزِيزاً}تفسير : : [الأحزاب: 25]، قال: حديث : فندب النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه في طَلَبهِم فطلبوهم حتَّى بلغُوا حمراء الأسدِ ثم رجَعُوا، قال: فوضع النبي صلى الله عليه وسلم عنه لأمته واغتَسَلَ واستجمعر. فنَادَاهُ جبريل: عُذيرك من محارب ألا أراك قد وضعتَ الَّلأْمة، ولم تضَعها الملائكة بعد. فقام النبي صلى الله عليه وسلم فزِعاً، فقال لأصحابِهِ: "عزمت عليكم لا تُصلّوا صلاة العصر حتى تأتوا بني قُرَيْظة" فغربت الشمس قبل أن يأتوهُم، فقالت طائفة مِنَ المسلمين: إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يرد أن تدعونا الصَّلاةَ فصلُّوا. وقالتْ طائفة: والله، إنا لَفي عزيمة النبي صلى الله عليه وسلم، ومَا علينا بأس، فصَلَّت طائفة إيماناً واحتساباً. وتركت طائفة إيماناً واحتساباً، فلم يعنّف النبي صلى الله عليه وسلم واحداً مِنَ الفَرِيقيْن. وخرج النبي صلى الله عليه وسلم فَمَرَّ بمجالس بينه وبين بني قُرَيْظة، فقال: "هل مرَّ بِكُمْ مِنْ أحَدٍ" فقالوا: مرَّ علينا دحْيَة الكَلْبي عَلَى بَغْلَةٍ شهْباء تحته قطيفة ديباج، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "ليس ذلِك بدحْية، ولكنّه جبريل أُرْسل إلى بني قُرَيْظة لِيُزَلْزلهم، ويقذف في قلوبهم الرعب" قال: فَحاصرهم النبي صلى الله عليه وسلم وأمر أصحابه أن يستروه بالجحف حتى يُسْمِعَهُم كلامه. فَفَعَلُوا، فَناداهم: "يا إخوة القدرة والخنازير" قالوا: يا أبا القاسم، ما كنت فاحشاً، قال: فحاصرهم حتى نزلوا على حكم سعد بن معاذ، وكانوا حلفاؤه، فحكم فيهم أن يُقْتَلَ مُقاتَلَتُهم وتُسْبى ذَرَارِيهِمْ ونِسَاؤُهُمْ. وزعموا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أصاب الحُكْمَ، وكانَ حُيَيّ بن أخطب استجاش المشركين على النبي صلى الله عليه وسلم فجاء إلى بني قُريظة فاستفتح عليهم ليْلاً، فقال سيدهم: إن هذا رجل مشؤوم فلا يشأمنكم، فناداهم حُيَيٌّ: يا بني قُرَيْظَة، ألا تستحيوني، ألا تحلقوني، ألا تضيفوني، فإني جائع مقرور. فقالتب بنو قُرَيْظَة: والله لنفتحنَّ لهُ، فلم يزالوا حتى فتحوا لهُ، فلمَّا دخَلَ معَهم أطمهم، قال: با بني قريظة جئتكم في عز الدهر، جئتكم في عَارِض بَرْدٍ لا يقوم لِسَبيلِه شيء، فقال لهم سيدههم: أتعدنا عارضاً برداً تنكشِفُ عنَّا وتدعْنا عِنْد بحر دائم لا يُفارقُنا، إنَّما تعدنا الغرور، قال: فواثقهم وعَاهَدهم، لئن انفضَّت جموع الأحزاب أن يجيء حتَّى يدْخُل معهم أطمهُم، فأطاعوه حينئذٍ في الغدرِ بالنبي صلى الله عليه وسلم وبالمسلمين، حتَّى دخَل معهُم أطمهم، فلمَّا قتلت بنو قريظة، أُتِيَ بهِ [مكْتوفاً] إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال حُيَيٌّ للنبيِّ صلى الله عليه وسلم: أما والله، ما لُمْتُ نفْسي، في عَداوَتِك، ولكنَّهُ من يخذل الله يُخذل، فأمر به النبي صلى الله عليه وسلم فضربت عُنَقُه .