٢ - ٱلْبَقَرَة
2 - Al-Baqara (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
215
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه سبحانه وتعالى لما بالغ في بيان أنه يجب على كل مكلف أن يكون معرضاً عن طلب العاجل، وأن يكون مشتغلاً بطلب الآجل، وأن يكون بحيث يبذل النفس والمال في ذلك شرع بعد ذلك في بيان الأحكام وهو من هذه الآية إلى قوله: {أية : أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَـٰرِهِمْ } تفسير : [البقرة: 243] لأن من عادة القرآن أن يكون بيان التوحيد وبيان الوعظ والنصيحة وبيان الأحكام مختلطاً بعضها بالبعض، ليكون كل واحد منها مقوياً للآخر ومؤكداً له. الحكـم الأول فيما يتعلق بالنفقة هو هذه الآية وفيه مسائل المسألة الأولى: قال عطاء: عن ابن عباس نزلت هذه الآية في رجل أتى للنبـي عليه الصلاة والسلام فقال إن لي ديناراً فقال: أنفقه على نفسك قال: إن لي دينارين قال: أنفقهما على أهلك قال: إن لي ثلاثة قال: أنفقها على خادمك قال: إن لي أربعة قال: أنفقها على والديك قال: إن لي خمسه قال: أنفقها على قرابتك قال إن لي ستة قال: أنفقها في سبيل الله وهو أحسنها: وروى الكلبـي / عن ابن عباس أن الآية نزلت عن عمرو بن الجموح وكان شيخاً كبيراً هرماً، وهو الذي قتل يوم أحد وعنده مال عظيم، فقال: ماذا ننفق من أموالنا وأين نضعها فنزلت هذه الآية. المسألة الثانية: للنحويين في {مَاذَا } قولان أحدهما: أن يجعل (مَا) مع (ذا) بمنزلة اسم واحد ويكون الموضع نصباً بينفقون، والدليل عليه أن العرب يقولون: عماذا تسأل؟ بإثبات الألف في {مَا } فلولا أن (مَا) مع (ذَا) بمنزلة اسم واحد لقالوا: عماذا تسأل؟ بحذف الألف كما حذفوها من قوله تعالى: {أية : عَمَّ يَتَسَاءلُونَ } تفسير : [النبأ: 1] وقوله: {أية : فِيمَ أَنتَ مِن ذِكْرَاهَا } تفسير : [النازعات: 43] فلما لم يحذفوا الألف من آخر (مَا) علمت أنه مع (ذَا) بمنزلة اسم واحد ولم يحذفوا الألف منه لما لم يكن آخر الاسم والحذف يلحقها إذا كان آخراً إلا أن يكون في شعر كقوله:شعر : غلاماً قام يشتمني لئيم كخنزير تمرغ في رماد تفسير : والقول الثاني: أن يجعل (ذَا) بمعنى الذي ويكون (مَا) رفعاً بالابتداء خبرها (ذَا) والعرب قد يستعملون (ذَا) بمعنى الذي، فيقولون: من ذا يقول ذاك؟ أي من ذا الذي يقول ذاك، فعلى هذ يكون تقدير الآية: يسألونك ما الذي ينفقون؟. المسألة الثالثة: في الآية سؤال، وهو أن القوم سألوا عما ينفقون لا عمن تصرف النفقة إليهم، فكيف أجابهم بهذا؟. والجواب عنه من وجوه أحدها: أنه حصل في الآية ما يكون جواباً عن السؤال وضم إليه زيادة بها يكمل ذلك المقصود، وذلك لأن قوله: {مَا أَنفَقْتُم مّنْ خَيْرٍ } جواب عن السؤال، ثم إن ذلك الإنفاق لا يكمل إلا إذا كان مصروفاً إلى جهة الإستحقاق، فلهذا لما ذكر الله تعالى الجواب أردفه بذكر المصرف تكميلاً للبيان وثانيها: قال القفال: إنه وإن كان السؤال وارداً بلفظ {مَا } إلا أن المقصود: السؤال عن الكيفية لأنهم كانوا عالمين أن الذي أمروا به إنفاق مال يخرج قربة إلى الله تعالى، وإذا كان هذا معلوماً لم ينصرف الوهم إلى أن ذلك المال أي شيء هو؟ وإذا خرج هذا عن أن يكون مراداً تعين أن المطلوب بالسؤال أن مصرفه أي شيء هو؟ وحينئذ يكون الجواب مطابقاً للسؤال، ونظيره قوله تعالى: {أية : قَالُواْ ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيّن لَّنَا مَا هِىَ إِنَّ ٱلبَقَرَ تَشَـٰبَهَ عَلَيْنَا... قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ ذَلُولٌ } تفسير : [البقرة: 70، 71] وإنما كان هذا الجواب موافقاً لذلك السؤال، لأنه كان من المعلوم أن البقرة هي البهيمة التي شأنها وصفتها كذا، فقوله: {مَا هِىَ } لا يمكن حمله على طلب الماهية، فتعين أن يكون المراد منه طلب الصفة التي بها تتميز تلك البقرة عن غيرها، فبهذا الطريق قلنا: إن ذلك الجواب مطابق لذلك السؤال، فكذا ههنا لما علمنا أنهم كانوا عالمين بأن الذي أمروا بإنفاقه ما هو، وجب أن يقطع بأن مرادهم من قولهم: {مَاذَا يُنفِقُونَ } ليس هو طلب الماهية، بل طلب المصرف فلهذا حسن الجواب وثالثها: يحتمل أن يكون المراد أنهم سألوا هذا السؤال فكأنهم قيل لهم: هذا السؤال فاسد أنفق أي شيء كان ولكن بشرط أن يكون مالاً حلالاً وبشرط أن يكون مصروفاً إلى المصرف وهذا مثل ما إذا كان الإنسان صحيح المزاج لا يضره أكل أي طعام كان، فقال للطبيب: ماذا آكل؟ فيقول الطبيب: كل في اليوم مرتين، كان المعنى: كل ما شئت لكن بهذا الشرط كذا ههنا المعنى: أنفق أي شيء أردت بشرط أن يكون المصرف ذلك. المسألة الرابعة: اعلم أنه تعالى راعى الترتيب في الإنفاق، فقدم الوالدين، وذلك لأنهما كالمخرج له من العدم إلى الوجود في عالم الأسباب، ثم ربياه في الحال الذي كان في غاية الضعف، فكان إنعامهما على الابن أعظم من إنعام غيرهما عليه، ولذلك قال تعالى: {أية : وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّـٰهُ وَبِٱلْوٰلِدَيْنِ} تفسير : [الإسراء: 23] وفيه إشارة إلى أنه ليس بعد رعاية حق الله تعالى شيء أوجب من رعاية حق الوالدين، لأن الله تعالى هو الذي أخرج الإنسان من العدم إلى الوجود في الحقيقة، والوالدان هما اللذان أخرجاه إلى عالم الوجود في عالم الأسباب الظاهرة، فثبت أن حقهما أعظم من حق غيرهما فلهذا أوجب تقديمهما على غيرهما في رعاية الحقوق، ثم ذكر تعالى بعد الوالدين الأقربين، والسبب فيه أن الإنسان لا يمكنه أن يقوم بمصالح جميع الفقراء، بل لا بد وأن يرجح البعض على البعض، والترجيح لا بد له من مرجح، والقرابة تصلح أن تكون سبباً للترجيح من وجوه أحدها: أن القرابة مظنة المخالطة، والمخالطة سبب لاطلاع كل واحد منهم على حال الآخر، فإذا كان أحدهما غنياً والآخر فقيراً كان اطلاع الفقير على الغني أتم، واطلاع الغني على الفقير أتم، وذلك من أقوى الحوامل على الإنفاق وثانيها: أنه لو لم يراع جانب الفقير، احتاج الفقير للرجوع إلى غيره وذلك عار وسيئة في حقه فالأولى أن يتكفل بمصالحهم دفعاً للضرر عن النفس وثالثها: أن قريب الإنسان جار مجرى الجزء منه والإنفاق على النفس أولى من الإنفاق على الغير، فلهذا السبب كان الإنفاق على القريب أولى من الإنفاق على البعيد، ثم إن الله تعالى ذكر بعد الأقربين اليتامى، وذلك لأنهم لصغرهم لا يقدرون على الاكتساب ولكونهم يتامى ليس لهم أحد يكتسب لهم، فالطفل الذي مات أبوه قد عدم الكسب والكاسب. وأشرب على الضياع، ثم ذكر تعالى بعدهم المساكين وحاجة هؤلاء أقل من حاجة اليتامى لأن قدرتهم على التحصيل أكثر من قدرة اليتامى ثم ذكر تعالى بعدهم ابن السبيل فإنه بسبب انقطاعه عن بلده، قد يقع في الاحتياج والفقر، فهذا هو الترتيب الصحيح الذي رتبه الله تعالى في كيفية الإنفاق، ثم لما فصل هذا التفصيل الحسن الكامل أردفه بعد ذلك بالإجمال فقال: {وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ } أي وكل ما فعلتموه من خير إما من هؤلاء المذكورين وإما مع غيرهم حسبة لله وطلباً لجزيل ثوابه وهرباً من أليم عقابه فإن الله به عليم، والعليم مبالغة في كونه عالماً يعني لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء فيجازيكم أحسن الجزاء عليه كما قال: {أية : لإنّى لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مّنْكُمْ مّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ } تفسير : [آل عمران: 195] وقال: {أية : فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ } تفسير : [الزلزلة: 7]. المسألة الخامسة: المراد من الخير هو المال لقوله عز وجل: {أية : وَإِنَّهُ لِحُبّ ٱلْخَيْرِ لَشَدِيدٌ } تفسير : [العاديات: 8] وقال: {أية : إِن تَرَكَ خَيْرًا ٱلْوَصِيَّةُ} تفسير : [البقرة: 180] فالمعنى وما تفعلوا من إنفاق شيء من المال قل أو كثر، وفيه قول آخر وهو أن يكون قوله: {وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ } يتناول هذا الإنفاق وسائر وجوه البر والطاعة، وهذا أولى. المسألة السادسة: قال بعضهم: هذه الآية منسوخة بآية المواريث، وهذا ضعيف لأنه يحتمل حمل هذه الآية على وجوه لا يتطرق النسخ إليها أحدها: قال أبو مسلم الإنفاق على الوالدين واجب عند قصورهما عن الكسب والملك، والمراد بالأقربين الولد وولد الولد وقد تلزم نفقتهم عند فقد الملك، وإذا حملنا الآية على هذا الوجه فقول من قال أنها منسوخة بآية المواريث، لا وجه له لأن هذه النفقة تلزم في حال الحياة والميراث يصل بعد الموت، وأيضاً فما يصل بعد الموت لا يوصف بأنه نفقة وثانيها: أن يكون المراد من أحب التقرب إلى الله تعالى في باب النفقة فالأولى له أن ينفقه في هذه الجهات فيقدم الأولى فالأولى فيكون المراد به التطوع وثالثها: أن يكون المراد الوجوب فيما يتصل بالوالدين والأقربين من حيث الكفاية وفيما يتصل باليتامى والمساكين مما يكون زكاة ورابعها: يحتمل أن يريد بالإنفاق على الوالدين والأقربين ما يكون بعثاً على صلة الرحم وفيما يصرفه لليتامى والمساكين ما يخلص للصدقة فظاهر الآية محتمل لكل هذه الوجوه من غير نسخ.
القرطبي
تفسير : فيه أربع مسائل: الأُولى ـ قوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ} إن خفّفت الهمزة ألقيت حركتها على السين ففتحتها وحذفت الهمزة فقلت: يَسَلونك. ونزلت الآية في عمرو بن الجَمُوح، وكان شيخاً كبيراً فقال: يا رسول الله، إن مالي كثير، فبماذا أتصدّق، وعلى مَن أنفق؟ فنزلت {يَسْـأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ}. الثانية ـ قوله تعالى: {مَاذَا يُنْفِقُونَ} «ما» في موضع رفع بالابتداء، و «ذا» الخبر، وهو بمعنى الذي، وحذفت الهاء لطول الاسم، أي ما الذي ينفقونه؛ وإن شئت كانت «ما» في موضع نصب بـ «ينفقون» و «ذا» مع «ما» بمنزلة شيء واحد ولا يحتاج إلى ضمير، ومتى كانت اسماً مركباً فهي في موضع نصب؛ إلا ما جاء في قول الشاعر: شعر : وماذا عسى الواشون أن يتحدّثوا سوى أن يقولوا إنني لكِ عاشق تفسير : فإنّ «عسى» لا تعمل فيه؛ فـ «ماذا» في موضع رفع وهو مركب، إذ لا صلة لـ «ذا». الثالثة ـ قيل: إن السائلين هم المؤمنون، والمعنى يسألونك ما هي الوجوه التي ينفقون فيها، وأين يضعون ما لزم إنفاقه. قال السُّدِّي: نزلت هذه الآية قبل فرض الزكاة ثم نسختها الزكاة المفروضة. قال ٱبن عطية: ووَهِم المهدويّ على السُّدّيّ في هذا؛ فنسب إليه أنه قال: إن الآية في الزكاة المفروضة ثم نسخ منها الوالدان. وقال ٱبن جُريج وغيره: هي ندب، والزكاة غير هذا الإنفاق؛ فعلى هذا لا نسخ فيها، وهي مبيَّنة لمصارف صدقة التطوّع؛ فواجب على الرجل الغنيّ أن ينفق على أبويه المحتاجين ما يصلحهما في قدر حالهما من حاله، من طعام وكُسوة وغير ذلك. قال مالك: ليس عليه أن يزوّج أباه، وعليه أن ينفق على ٱمرأة أبيه؛ كانت أُمُّه أو أجنبية، وإنما قال مالك: ليس عليه أن يزوّج أباه لأنه رآه يستغني عن التزويج غالباً، ولو ٱحتاج حاجة ماسة لوجب أن يزوّجه، لولا ذلك لم يوجب عليه أن ينفق عليهما. فأما ما يتعلق بالعبادات من الأموال فليس عليه أن يعطيه ما يحج به أو يغزو؛ وعليه أن يخرج عنه صدقة الفطر؛ لأنها مستحقة بالنفقة والإسلام. الرابعة ـ قوله تعالى: {قُلْ مَآ أَنْفَقْتُمْ} «ما» في موضع نصب بـ «أنفقتم» وكذا «وما تنفقوا» وهو شرط والجواب «فللوالدين»، وكذا {وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ} شرط، وجوابه «فَإنَّ اللَّه بِهِ عَلِيمٌ» وقد مضى القول في اليتيم والمسكين وٱبن السبيل. ونظير هذه الآية قوله تعالى: {أية : فَآتِ ذَا ٱلْقُرْبَىٰ حَقَّهُ وَٱلْمِسْكِينَ وَٱبْنَ ٱلسَّبِيلِ} تفسير : [الروم: 38]. وقرأ عليّ بن أبي طالب «يفعلوا» بالياء على ذكر الغائب، وظاهر الآية الخبر، وهي تتضمن الوعد بالمجازاة.
البيضاوي
تفسير : {يَسْـئَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ} عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما (أن عمرو بن الجموح الأنصاري كان شيخاً ذا مال عظيم، فقال يا رسول الله ماذا ننفق من أموالنا وأين نضعها فنزلت) {قُلْ مَا أَنفَقْتُم مّنْ خَيْرٍ فَلِلْوٰلِدَيْنِ وَٱلأَقْرَبِينَ وَٱلْيَتَـٰمَىٰ وَٱلْمَسَـٰكِينَ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ} سئل عن المنفق فأجيب ببيان المصرف لأنه أهم فإن اعتداد النّفقة باعتباره، ولأنه كان في سؤال عمرو وإن لم يكن مذكوراً في الآية، واقتصر في بيان المنفق على ما تضمنه قوله ما أنفقتم من خير. {وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ} في معنى الشرط. {فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ } جوابه أي إن تفعلوا خيراً فإن الله يعلم كنهه ويوفي ثوابه، وليس في الآية ما ينافيه فرض الزكاة لينسخ به. {كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ} شاق عليكم مكروه طبعاً، وهو مصدر نعت به للمبالغة، أو فعل بمعنى مفعول كالخبز. وقرىء بالفتح على أنه لغة فيه كالضعف والضعف، أو بمعنى الإِكراه على المجاز كأنهم أكرهوا عليه لشدته وعظم مشقته كقوله تعالى: {أية : حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً }تفسير : [الأحقاف: 15] {وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ} وهو جميع ما كلفوا به، فإن الطبع يكرهه وهو مناط صلاحهم وسبب فلاحهم. {وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ }وهو جميع ما نهوا عنه، فإن النفس تحبه وتهواه وهو يفضي بها إلى الردى، وإنما ذكر {عَسَى} لأن النفس إذا ارتاضت ينعكس الأمر عليها. {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ} ما هو خير لكم. {وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} ذلك، وفيه دليل على أن الأحكام تتبع المصالح الراجحة وإن لم يعرف عينها {يَسْـئَلُونَكَ عَنِ ٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ} روي (أنه عليه الصلاة والسلام بعث عبد الله بن جحش ابن عمته على سرية في جمادى الآخرة ـ قبل بدر بشهرين ـ ليترصّد عيراً لقريش فيها عمرو بن عبد الله الخضرمي وثلاثة معه، فقتلوه وأسروا اثنين واستاقوا العير وفيها من تجارة الطائف، وكان ذلك غرة رجب وهم يظنونه من جمادى الآخرة، فقالت قريش: استحل محمد الشهر الحرام شهراً يأمن فيه الخائف، وينذعر فيه الناس إلى معايشهم. وشق ذلك على أصحاب السرية وقالوا ما نبرح حتى تنزل توبتنا، ورد رسول الله صلى الله عليه وسلم العير والأسارى). وعن ابن عباس رضي الله عنهما (لما نزلت أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم الغنيمة وهي أول غنيمة في الإسلام) والسائلون هم المشركون كتبوا إليه في ذلك تشنيعاً وتعييراً وقيل أصحاب السرية. {قِتَال فِيهِ} بدل اشتمال من الشهر الحرام. وقرىء «عن قتال» بتكرير العامل. {قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ } أي ذنب كبير، والأكثر أنه منسوخ بقوله تعالى: {أية : فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ } تفسير : [التوبة: 5] خلافاً لعطاء وهو نسخ الخاص بالعام وفيه خلاف، والأولى منع دلالة الآية على حرمة القتال في الشهر الحرام مطلقاً فإن قتال فيه نكرة في حيز مثبت فلا يعم. {وَصَدٌّ} صرف ومنع. {عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ} أي الإسلام، أو ما يوصل العبد إلى الله سبحانه وتعالى من الطاعات. {وَكُفْرٌ بِهِ} أي بالله. {وَٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ} على إرادة المضاف أي وصد المسجد الحرام كقول أبي دؤاد:شعر : أَكْلَّ امرِىءِ تَحْسَبِينَ امرأ وَنَار توقدُ بِاللَّيْلِ نَارا تفسير : ولا يحسن عطفه على {سَبِيلِ ٱللَّهِ} لأن عطف قوله: {وَكُفْرٌ بِهِ} على {وَصَدٌّ} مانع منه إذ لا يتقدم العطف على الموصول على العطف على الصلة ولا على الهاء في {بِهِ}، فإن العطف على الضمير المجرور إنما يكون بإعادة الجار. {وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ } أهل المسجد الحرام وهم النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنون. {أَكْبَرُ عِندَ ٱللَّهِ} مما فعلته السرية خطأ وبناء على الظن، وهو خبر عن الأشياء الأربعة المعدودة من كبائر قريش. وأفعل مما يستوي فيه الواحد والجمع والمذكر والمؤنث. {وَٱلْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ ٱلْقَتْلِ} أي ما ترتكبونه من الإخراج والشرك أفظع مما ارتكبوه من قتلى الحضرمي. {وَلاَ يَزَالُونَ يُقَـٰتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ} إخبار عن دوام عداوة الكفار لهم وإنهم لا ينفكون عنها حتى يردوهم عن دينهم، وحتى للتعليل كقولك أعبد الله حتى أدخل الجنة. {إِنِ اسْتَطَاعُواْ} وهو استبعاد لاستطاعتهم كقول الواثق بقوته: على قرنه إن ظفرت بي فلا تبق علي، وإيذان بأنهم لا يردونهم. {وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلـئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَـٰلُهُمْ } قيد الردة بالموت عليها في إحباط الأعمال كما هو مذهب الشافعي رحمه الله تعالى، والمراد بها الأعمال النافعة. وقرىء {حَبَطَتْ} بالفتح وهي لغة فيه. {فِى ٱلدُّنْيَا} لبطلان ما تخيلوه وفوات ما للإسلام من الفوائد الدنيوية. {وَٱلاْخِرَةِ} بسقوط الثواب. {وَأُوْلـئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ} كسائر الكفرة.
ابن كثير
تفسير : قال مقاتل بن حيان: هذه الآية في نفقة التطوع. وقال السدي: نسختها الزكاة، وفيه نظر، ومعنى الآية: يسألونك كيف ينفقون؟ قاله ابن عباس ومجاهد. فبين لهم تعالى ذلك، فقال: {قُلْ مَآ أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَٰلِدَيْنِ وَٱلأَقْرَبِينَ وَٱلْيَتَـٰمَىٰ وَٱلْمَسَـٰكِينَ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ} أي: اصرفوها في هذه الوجوه. كما جاء الحديث: «حديث : أمك وأباك، وأختك وأخاك، ثم أدناك أدناك»تفسير : وتلا ميمون بن مهران هذه الآية، ثم قال: هذه مواضع النفقة، ما ذكر فيها طبلاً ولا مزماراً، ولا تصاوير الخشب، ولا كسوة الحيطان. ثم قال تعالى: {وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ} أي: مهما صدر منكم من فعل معروف، فإن الله يعلمه، وسيجزيكم على ذلك أوفر الجزاء، فإنه لا يظلم أحداً مثقال ذرة.
المحلي و السيوطي
تفسير : {يَسْئَلُونَكَ } يا محمد صلى الله عليه وسلم {مَاذَا يُنفِقُونَ } أي الذي ينفقونه والسائل عمرو بن الجموح وكان شيخا ذا مال فسأل النبي صلى الله عليه وسلم ماذا ينفق وعلى من ينفق؟{قُلْ } لهم {مَآ أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ } بيان ل «ما» شامل للقليل والكثير وفيه بيان المُنْفَق الذي هو أحد شقي السؤال وأجاب عن المصرف الذي هو الشق الآخر بقوله: {فَلِلْوٰلِدَيْنِ وَٱلأَقْرَبِينَ وَٱلْيَتَٰمَىٰ وَٱلْمَسَٰكِينَ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ } أي هم أولى به {وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ } إنفاق أو غيره {فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ } فمجاز عليه.
الشوكاني
تفسير : السائلون هنا: هم المؤمنون سألوا عن الشيء الذي ينفقونه ما هو؟ فأجيبوا ببيان المَصْرِف الذي يصرفون فيه، تنبيهاً على أنه الأولى بالقصد؛ لأن الشيء لا يعتدّ به إلا إذا وضع في موضعه، وصادف مصرفه. وقيل: إنه قد تضمن قوله: {مَا أَنفَقْتُم مّنْ خَيْرٍ } بيان ما ينفقونه، وهو كل خير. وقيل: إنهم إنما سألوا عن وجوه البرّ التي ينفقون فيها، وهو خلاف الظاهر. وقد تقدم الكلام في الأقربين، واليتامى، والمساكين، وابن السبيل. وقوله: {كُتِبَ} أي: فرض، وقد تقدّم بيان معناه. بين سبحانه أن هذا؛ أي: فرض القتال عليهم من جملة ما امتحنوا به. والمراد بالقتال: قتال الكفار. والكُرْه بالضم: المشقة، وبالفتح: ما أكرهت عليه، ويجوز الضم في معنى الفتح، فيكونان لغتين، يقال: كرهت الشيء كَرْهاً وكُرْهاً، وكَراهة وكراهية، وأكرهته عليه إكراهاً، وإنما كان الجهاد كرهاً؛ لأن فيه إخراج المال، ومفارقة الأهل، والوطن، والتعرّض لذهاب النفس، وفي التعبير بالمصدر، وهو قوله: {كُرْهٌ} مبالغة، ويحتمل أن يكون بمعنى المكروه كما في قولهم: الدرهم ضرب الأمير. وقوله: {وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا } قيل: عسى هنا بمعنى قد، وروي ذلك عن الأصم. وقال أبو عبيدة: عسى من الله إيجاب، والمعنى: عسى أن تكرهوا الجهاد لما فيه من المشقة، وهو خير لكم، فربما تغلبون، وتَظْفَرون، وتَغْنَمون، وتُؤْجَرون، ومن مات مات شهيداً، وعسى أن تحبوا الدَّعَة، وترك القتال، وهو شرُّ لكم، فربما يتقوّى عليكم العدوّ، فيغلبكم، ويقصدكم إلى عقر دياركم، فيحلّ بكم أشدّ مما تخافونه من الجهاد الذي كرهتم مع ما يفوتكم في ذلك من الفوائد العاجلة، والآجلة {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ } ما فيه صلاحكم، وفلاحكم {وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ }. وقد أخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن السدي في قوله: {يَسْـئَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ } قال: يوم نزلت هذه الآية لم تكن زكاة، وهي: النفقة ينفقها الرجل على أهله، والصدقة يتصدق بها، فنسختها الزكاة. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، عن ابن جريح قال: سأل المؤمنون رسول الله صلى الله عليه وسلم أين يضعون أموالهم؟ فنزلت: {يَسْـئَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ } الآية، فذلك النفقة في التطوّع، والزكاة سواء ذلك كله. وأخرج ابن المنذر، أن عمرو بن الجَمُوح سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم: ماذا ننفق من أموالنا، وأين نضعها؟ فنزلت. وأخرج ابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير في قوله: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِتَالُ } قال: إن الله أمر النبيّ صلى الله عليه وسلم، والمؤمنين بمكة بالتوحيد، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وأن يكفوا أيديهم، عن القتال، فلما هاجر إلى المدينة نزلت سائر الفرائض، وأذن لهم في القتال، فنزلت: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِتَالُ } يعني فرض عليكم، وأذن لهم بعد ما نهاهم عنه {وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ } يعني: القتال، وهو مشقة عليكم {وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا } يعني: الجهاد: قتال المشركين، وهو خير لكم، ويجعل الله عاقبته، فتحاً، وغنيمة، وشهادة {وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئًا } يعني: القعود عن الجهاد {وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ } فيجعل الله عاقبته شرّاً، فلا تصيبوا ظفراً، ولا غنيمة. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن جريج قال: قلت: لعطاء: ما تقول في قوله: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِتَالُ } أوجب الغزو على الناس من أجلها؟ قال لا، كتب على أولئك حينئذ. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن شهاب في الآية قال: الجهاد مكتوب على كل أحد غزا أو قعد، فالقاعد إن استُعين به أعان، وإن استغيث به أغاث، وإن استُنفر نَفَر، وإن استُغِنى عنه قعد، وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن عكرمة في قوله: {وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ } قال: نسختها هذه الآية: {وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا} وأخرجه ابن جرير موصولاً، عن عكرمة، عن ابن عباس. وأخرج ابن المنذر، والبيهقي في سننه، من طريق عليّ قال: عسى من الله واجب. وأخرج ابن المنذر، عن مجاهد نحوه. وأخرج ابن أبي حاتم، عن السدي نحوه أيضاً، وقد ورد في فضل الجهاد، ووجوبه أحاديث كثيرة لا يتسع المقام لبسطها.
ابن عطية
تفسير : السائلون هم المؤمنون، والمعنى يسألونك ما هي الوجوه التي ينفقون فيها وأين يضعون ما لزم إنفاقه، و"ما" يصح أن تكون في موضع رفع على الابتداء، و "ذا" خبرها، فهي بمعنى الذي، و {ينفقون} صلة، وفيه عائد على "ذا" تقديره ينفقونه، ويصح أن تكون {ماذا} اسماً واحداً مركباً في موضع نصب بــ {ينفقون}، فيعرى من الضمير، ومتى كانت اسماً مركباً فهي في موضع نصب لا ما جاء من قول الشاعر: [الطويل]. شعر : وَمَاذا عَسَى الْوَاشُون أَنْ يَتَحَدَّثُوا سِوَى أَنْ يَقُولُوا إنّني لَكِ عاشقُ تفسير : فإن عسى لا تعمل، فماذا في موضع رفع وهو مركب إذ لا صلة لذا. قال قوم: هذه الآية في الزكاة المفروضة، وعلى هذا نسخ منها الوالدان ومن جرى مجراهما من الأقربين. وقال السدي: "نزلت هذه الآية قبل فرض الزكاة، ثم نسختها الزكاة المفروضة"، ووهم المهدوي على السدي في هذا فنسب إليه أنه قال إن الآية في الزكاة المفروضة، ثم نسخ منها الوالدان، وقال ابن جريج وغيره: هي ندب، والزكاة غير هذا الإنفاق، فعلى هذا لا نسخ فيها، واليتم فقد الأب قبل البلوغ، وتقدم القول في المسكين و {ابن السبيل}، و {ما تفعلوا} جزم بالشرط، والجواب في الفاء، وقرأ علي بن أبي طالب رضي الله عنه: "يفعلوا" بالياء على الغائب، وظاهر الآية الخبر، وهي تتضمن الوعد بالمجازاة، و {كتب} معناه فرض، وقد تقدم مثله، وهذا هو فرض الجهاد، وقرأ قوم "كتب عليكم القتل". وقال عطاء بن أبي رباح: "فرض القتال على أعيان أصحاب محمد، فلما استقر الشرع وقيم به صار على الكفاية"، وقال جمهور الأمة: أول فرضه إنما كان على الكفاية دون تعيين. قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: واستمر الإجماع على أن الجهاد على أمة محمد فرض كفاية، فإذا قام به من قام من المسلمين سقط عن الباقين، إلا أن ينزل العدو بساحة للإسلام، فهو حينئذ فرض عين، وذكر المهدوي وغيره عن الثوري أنه قال: الجهاد تطوع. وهذه العبارة عندي إنما هي على سؤال سائل وقد قيم بالجهاد. فقيل له: ذلك تطوع والـــ {كُره} بضم الكاف الاسم، وفتحها المصدر. وقال قوم " الكَره" بفتح الكاف ما أُكره المرء عليه، و "الكُره" ما كرهه هو. وقال قوم: هما بمعنى واحد. وقوله تعالى {وعسى أن كرهوا شيئاً} الآية، قال قوم { عسى} من الله واجبة، والمعنى عسى أن تكرهوا ما في الجهاد من المشقة {وهو خير لكم} في أنكم تغلبون وتظهرون وتغنمون وتؤجرون، ومن مات مات شهيداً، {وعسى أن تحبوا} الدعة وترك القتال {وهو شر لكم} في أنكم تغلبون وتذلون ويذهب أمركم، وفي قوله تعالى {والله يعلم} الآية قوة أمر. وقوله تعالى {يسألونك عن الشهر الحرام} الآية، نزل في قصة عمرو بن الحضرمي، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث سرية عليها عبد الله بن جحش الأسدي مقدمه من بدر الأولى، فلقوا عمرو بن الحضرمي ومعه عثمان بن عبد الله بن المغيرة وأخوه نوفل المخزوميان والحكم بن كيسان في آخر يوم من رجب على ما ذكر ابن إسحاق، وفي آخر يوم من جمادى الآخرة على ما ذكره الطبري عن السدي وغيره. والأول أشهر، على أن ابن عباس قد ورد عنه أن ذاك كان في أول ليلة من رجب والمسلمون يظنونها من جمادى، وأن القتل في الشهر الحرام لم يقصدوه، وأما على قول ابن إسحاق فإنهم قالوا إن تركناهم اليوم دخلوا الحرم فأزمعوا قتالهم، فرمى واقد بن عبد الله عمرو بن الحضرمي بسهم فقتله، وأسر عثمان بن عبد الله والحكم، وفر نوفل فأعجزهم، واستسهل المسلمون هذا في الشهر الحرام خوف فوتهم، فقالت قريش: محمد قد استحل الأشهر الحرم، وعيروا بذاك، وتوقف النبي صلى الله عليه وسلم وقال: ما أمرتكم بقتال في الأشهر الحرم، فنزلت هذه الآية. وذكر المهدوي أن سبب هذه الآية أن عمرو بن أمية الضمري قتل رجلين من بني كلاب في رجب فنزلت، وهذا تخليط من المهدوي. وصاحبا عمرو كان عندهما عهد من النبي صلى الله عليه وسلم، وكان عمرو قد أفلت من قصة بئر معونة، وذكر الصاحب بن عباد في رسالته المعروفة بالأسدية أن عبد الله بن جحش سمي أمير المؤمنين في ذلك الوقت، لكونه مؤمراً على جماعة من المؤمنين، و {قتال} بدل عند سيبويه، وهو بدل الاشتمال. وقال الفراء: هو خفض بتقدير عن. وقال أبو عبيدة "هو خفض على الجوار"، وقوله هذا خطأ، وفي مصحف عبد الله بن مسعود "يسألونك عن الشهر الحرام عن قتال فيه" بتكرير عن، وكذلك قرأها الربيع والأعمش، وقرأ عكرمة "عن الشهر الحرام قتل فيه قل قتل" دون ألف فيهما، و {الشهر} في الآية اسم الجنس، وكانت العرب قد جعل الله لها {الشهر الحرام} قواماً تعتدل عنده، فكانت لا تسفك دماً ولا تغير في الأشهر الحرم، وهي ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب، وروى جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يغزو فيها إلا أن يغزى، فذلك قوله تعالى {قل قتال فيه كبير}، و {صد} مبتدأ مقطوع مما قبله، والخبر {أكبر}، و {المسجد} معطوف على {سبيل الله}، وهذا هو الصحيح. وقال الفراء: {صد} عطف على {كبير}،وذلك خطأ، لأن المعنى يسوق إلى أن قوله {وكفر به} عطف أيضاً على {كبير}، ويجيء من ذلك أن إخراج أهل المسجد منه أكبر من الكفر عند الله، هذا بين فساده، ومعنى الآية على قول الجمهور: إنكم يا كفار قريش تستعظمون علينا القتال في الشهر الحرام، وما تفعلون أنتم من الصد عن سبيل الله لمن أراد الإسلام ومن كفركم بالله وإخراجكم أهل المسجد عنه كما فعلوا برسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه أكبر جرماً عند الله. وقال الزهري ومجاهد وغيرهما: قوله {قل قتال فيه كبير} منسوخ بقوله {أية : وقاتلوا المشركين كافة} تفسير : [التوبة: 36]، وبقوله: {أية : فاقتلوا المشركين} تفسير : [التوبة: 5]. وقال عطاء: "لم تنسخ، ولا ينبغي القتال في الأشهر الحرم"، وهذا ضعيف. وقوله تعالى: {والفتنة أكبر من القتل} المعنى عند جمهور المفسرين، والفتنة التي كنتم تفتنون المسلمين عن دينهم حتى يهلكوا أشد اجتراماً من قتلكم في الشهر الحرام، وقيل: المعنى والفتنة أشد من أن لو قتلوا ذلك المفتون، أي فعلكم على كل إنسان أشد من فعلنا. وقال مجاهد وغيره: {الفتنة} هنا الكفر أي كفركم أشد من قتلنا أولئك.
ابن عبد السلام
تفسير : {مَاذَا يُنفِقُونَ} سألوا عن أموالهم اين يضعونها فنزلت، أو نزلت في إيجاب نفقة الأهل والصدقة ثم نسخت بالزكاة.
النسفي
تفسير : {يَسْـئَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ مَا أَنفَقْتُم مّنْ خَيْرٍ فَلِلْوٰلِدَيْنِ وَٱلأَقْرَبِينَ وَٱلْيَتَـٰمَىٰ وَٱلْمَسَـٰكِينَ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ } فقد تضمن قوله ما أنفقتم من خير بيان ما ينفقونه وهو كل خير، وبنى الكلام على ما هو أهم وهو بيان المصرف لأن النفقة لا يعتد بها إلا أن تقع موقعها عن الحسن هي في التطوع {وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ } فيجزى عليه {كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِتَالُ } فرض عليكم جهاد الكفار {وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ } من الكراهة فوضع المصدر موضع الوصف مبالغة كقولها:شعر : فإنما هي إقبال وإدبار تفسير : كأنه في نفسه كراهة لفرط كراهتهم له أوهو فعل بمعنى مفعول كالخبز بمعنى المخبوز أي وهو مكروه لكم {وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ } فأنتم تكرهون الغزو وفيه إحدى الحسنيين إما الظفر والغنيمة وإما الشهادة والجنة {وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئًا } وهو القعود عن الغزو {وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ } لما فيه من الذل والفقر وحرمان الغنيمة والأجر {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ } ما هو خير لكم {وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ } ذلك فبادروا إلى ما يأمركم به وإن شق عليكم، ونزل في سرية بعثها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقاتلوا المشركين وقد أهل هلال رجب وهم لا يعلمون ذلك فقالت قريش: قد استحل محمد عليه السلام الشهر الحرام شهراً يأمن فيه الخائف. {يَسْـئَلُونَكَ عَنِ ٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ } أي يسألك الكفار أو المسلمون عن القتال في الشهر الحرام. {قِتَالٍ فِيهِ } بدل الاشتمال من «الشهر». وقرىء «عن قتال فيه» على تكرير العامل كقوله: {أية : للذين استضعفوا لمن آمن منهم} تفسير : [الأعراف:75]. { قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ } أي إثم كبير. «قتال» مبتدأ و«كبير» خبره وجاز الابتداء بالنكرة لأنها قد وصفت بـ «فيه» وأكثر الأقاويل على أنها منسوخة بقوله تعالى: {أية : فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ }تفسير : [التوبة: 5]. {وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ } أي منع المشركين رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه عن البيت عام الحديبية وهو مبتدأ {وَكُفْرٌ بِهِ } أي بالله عطف على صد {وَٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ } «عطف على سبيل الله» أي وصد عن سبيل الله وعن المسجد الحرام. وزعم الفراء أنه معطوف على الهاء في به أي كفر به وبالمسجد الحرام، ولا يجوز عند البصريين العطف على الضمير المجرور إلا بإعادة الجار فلا تقول: مررت به وزيد ولكن تقول وبزيد، ولو كان معطوفاً على الهاء هنا لقيل وكفر به وبالمسجد الحرام. {وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ } أي أهل المسجد الحرام وهم رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنون وهو عطف على «صد» أيضاً {مِنْهُ } من المسجد الحرام وخبر الأسماء الثلاثة {أَكْبَرُ عِندَ ٱللَّهِ } أي مما فعلته السرية من القتال في الشهر الحرام على سبيل الخطأ والبناء على الظن {وَٱلْفِتْنَةُ } الإخراج أو الشرك {أَكْبَرُ مِنَ ٱلْقَتْلِ } في الشهر الحرام، أو تعذيب الكفار المسلمين أشد قبحاً من قتل هؤلاء المسلمين في الشهر الحرام {وَلاَ يَزَالُونَ يُقَـٰتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ } أي إلى الكفر وهو إخبار عن دوام عداوة الكفار للمسلمين وأنهم لا ينفكون عنها حتى يردوهم عن دينهم. «حتى» معناها التعليل نحو «فلان يعبد الله حتى يدخل الجنة» أي يقاتلونكم كي يردوكم. وقوله تعالى: {إِنِ اسْتَطَاعُواْ } استبعاد لاستطاعتهم كقولك لعدوك «إن ظفرت بي فلا تبق علي» وأنت واثق بأنه لا يظفر بك {وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ } ومن يرجع عن دينه إلى دينهم {فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ } أي يمت على الردة {فَأُوْلـٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَـٰلُهُمْ فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ } لما يفوتهم بالردة مما للمسلمين في الدنيا من ثمرات الإسلام وفي الآخرة من الثواب وحسن المآب {وَأُوْلـٰئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ } وبها احتج الشافعي رحمه الله على أن الردة لا تحبط العمل حتى يموت عليها. وقلنا: قد علق الحبط بنفس الردة بقوله تعالى: {أية : وَمَن يَكْفُرْ بِٱلإيمَـٰنِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ } تفسير : [المائدة: 5] والأصل عندنا أن المطلق لا يحمل على المقيد، وعنده يحمل عليه فهو بناء على هذا. ولما قالت السرية أيكون لنا أجر المجاهدين في سبيل الله نزل {إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ } تركوا مكة وعشائرهم {وَجَـٰهَدُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ } المشركين ولا وقف عليه لأن {أُوْلـٰئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ ٱللَّهِ } خبر «إن». قيل: من رجا طلب ومن خاف هرب {وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } نزل في الخمر أربع آيات نزل بمكة: {أية : وَمِن ثَمَرٰتِ ٱلنَّخِيلِ وَٱلأَعْنَـٰبِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا }تفسير : [النحل: 67]. فكان المسلمون يشربونها وهي لهم حلال، ثم إن عمر ونفراً من الصحابة قالوا: يا رسول الله أفتنا في الخمر فإنها مذهبة للعقل مسلبة للمال فنزل:
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {يسألونك ماذا ينفقون} نزلت في عمرو بن الجموح، وكان شيخاً كبيراً ذا مال، فقال يا رسول الله بماذا نتصدق وعلى من ننفق؟ فأنزل الله تعالى {يسألونك ماذا ينفقون قل ما أنفقتم من خير} أي مال والمعنى: وما تفعلوا من إنفاق شيء من المال قل أو كثر {فللوالدين} وإنما قدم الإنفاق على الوالدين لوجوب حقهما على الولد لأنهما كانا السبب في إخراجه من العدم إلى الوجود {والأقربين} وإنما ذكر بعد الوالدين الأقربين لأن الإنسان لا يقدر أن يقوم بمصالح جميع الفقراء فتقديم القرابة أولى من غيرهم {واليتامى} وإنما ذكر بعد الأقربين اليتامى لصغرهم، ولأنهم لا يقدرون على الاكتساب، ولا لهم أحد ينفق عليهم {والمساكين} وإنما أخرهم لأن حاجتهم أقل من حاجة غيرهم {وابن السبيل} يعني المسافر فإنه بسبب انقطاعه عن بلده قد يقع في الحاجة والفقر فانظر إلى هذا الترتيب الحسن العجيب في كيفية الإنفاق. ثم لما فصل الله هذا التفصيل الحسن الكامل أتبعه بالإجمال فقال تعالى: {وما تفعلوا من خير فإن الله به عليم} وما تفعلوا من خير مع هؤلاء أو غيرهم طلباً لوجه الله تعالى ورضوانه فإن الله به عليم فيجازيكم عليه وذكر علماء التفسير أن هذه الآية منسوخة قال ابن مسعود نسختها آية الزكاة وقال الحسن إنها محكمة ووجه إحكامها أن الله ذكر فيها من تجب النفقة عليه مع فقره وهما الوالدان. وقال ابن زيد: هذا في النفل، وهو ظاهر الآية فمن أحب التقرب إلى الله تعالى بالإنفاق فالأولى به أن ينفق في الوجوه المذكورة في الآية، فيقدم الأول فالأول. (بقي في الآية سؤال: وهو أنه كيف طابق السؤال الجواب وهو أنهم سألوا عن بيان ما ينفق فأجيبوا ببيان المصرف، وأجيب عن هذا السؤال بأنه قد تضمن قوله: ما أنفقتم من خير بيان ما ينفقونه وهو المال ثم ضم إلى جواب السؤال ما يكمل به المقصود، وهو بيان المصرف لأن النفقة لا تعد نفقة إلاّ أن تقع موقعها، قال الشاعر: شعر : إن الصنيعة لا تعد صنيعة حتى يصاب بها طريق المصنع تفسير : قوله عز وجل: {كتب عليكم القتال} أي فرض عليكم الجهاد. واختلف العلماء في حكم الآية فقال عطاء الجهاد تطوع والمراد من الآية أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم دون غيرهم وإليه ذهب الثوري وحكى عن الأوزاعي نحوه، وحجة هذا القول أن قوله كتب يقتضي الإيجاب ويكفي العمل به مرة واحدة وحجة من أوجبه على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن قوله عليكم يقضتى تخصيص هذا الخطاب بالموجودين في ذلك الوقت، وقيل: بل الآية على ظاهرها والجهاد فرض على كل مسلم ويدل على ذلك ما روي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : الجهاد واجب عليكم مع كل أمير براً كان أو فاجراً" تفسير : أخرجه أبو داود بزيادة فيه (ق) عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح: "حديث : لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم فانفروا" تفسير : وقيل: إن الجهاد فرض على الكفاية إذا قام به البعض سقط الفرض عن الباقين وهذا القول: هو المختار الذي عليه جمهور العلماء. قال الزهري كتب الله القتال على الناس جاهدوا أو لم يجاهدوا فمن غزا فيها ونعمت ومن قعد عدة إن استعين به أعان وإن استنفر نفر وإن استغنى عنه قعد قال الله تعالى: {أية : فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة وكلاًّ وعد الله الحسنى}تفسير : [النساء: 95] ولو كان القاعد تاركاً فرضاً لم يعده بالحسنى، واختلف علماء الناسخ والمنسوخ في هذه الآية على ثلاثة أقوال: أحدها أنها محكمة ناسخة للعفو عن المشركين. القول الثاني: إنها منسوخة لأن فيها وجوب الجهاد على الكافة ثم نسخ بقوله تعالى: {أية : وما كان المؤمنون لينفروا كافة} تفسير : [التوبة: 122] القول الثالث: إنها ناسخة من وجه ومنسوخة من وجه فالناسخ منها إيجاب الجهاد مع المشركين بعد المنع منه، والمنسوخ إيجاب الجهاد على الكافة. وقوله تعالى: {وهو كره لكم} أي القتال شاق عليكم وهذا الكره إنما حصل من حيث نفور الطبع عن القتال، لما فيه من مؤنة المال ومشقة النفس وخطر الروح والخوف لا أنهم كرهوا أمر الله قيل: نسخ هذا الكره بقوله تعالى إخباراً عنهم: {أية : وقالوا سمعنا وأطعنا} تفسير : [البقرة: 285] وقيل: إنما كان كراهتهم القتال قبل أن يفرض عليهم لما فيه من الخوف والشدة وكثرة الأعداء فبين الله تعالى أن الذين تكرهون من القتال هو خير لكم من تركه لئلا يكرهونه بعد أن فرض عليهم {وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم} لفظة عسى توهم الشك مثل لعل، وهي من الله يقين. وقيل: إنها كلمة مطمعة فهي لا تدل على حصول الشك للقائل وتدل على حصول الشك للمستمع، والمعنى أن الغزو فيه إحدى الحسنيين إما الظفر والغنيمة وإما الشهادة والجنة وقيل: ربما كان الشيء شاقاً في الحال وهو سبب المنافع الجليلة في المستقبل، ومثله شرب الدواء المر فإنه ينفر عنه الطبع في الحال ويكرهه لكن يتحمل هذه الكراهة والمشقة لتوقع حصول الصحة في المستقبل {وعسى أن تحبوا شيئاً} يعني القعود عن الغزو {وهو شر لكم} يعني لما فيه من فوت الغنيمة والأجر وطمع العدو فيكم، لأنه إذا علم ميلكم إلى الراحة والدعة والسكون قصد بلادكم وحاول قتالكم وإذا علم أن فيكم شهامة وجلادة على القتال كف عنكم {والله يعلم} يعني ما في الجهاد من الغنيمة والأجر والخير {وأنتم لا تعلمون} يعني ذلك والمعنى أن العبد إذا علم قصور علمه وكمال علم الله ثم إن الله تعالى أمره بأمر كان ذلك الأمر فيه مصلحة عظيمة فيجب على العبد امتثال أمر الله تعالى وإن كان يشق على النفس في الحال.
ابن عرفة
تفسير : قوله تعالى: {يَسْئَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ...}. السؤال (يتعدى) للمحسوسات بنفسه، ويكون معموله مفردا مثل: سألته طهورا، أي طلبت منه الماء، وللمُعاين كذلك، ويكون جملة مثل: سألته ماء هو الطهور. الزمخشري: سألوا عن تعيين المنفق فأجيبوا بتعيين المصرف لاّنه يستلزم المنفق. قال ابن عرفة: جعل السؤال (هنا) عن حال الشيء ويظهر لي وجه آخر وهو أن السؤال بماذا عن حقيقة الشيء وهي قسمان: عقلية وشرعية. فالعقلية لا يختلف جوابها بوجه ولا يمكن فيه التحريف، وأما الشرعية فهي أمور جعلية يصح تحريف الشّارع لها عن شيء آخر، فالمراد: يسألونك عن حقيقة الشيء المنفق المحصل للثواب في الدار الآخرة ما هو؟ فأجيبوا بأنه الشيء المنفق على الوالدين والأقربين واليتامى والمساكين وابن السبيل وفعل الخير بالإطلاق. قوله تعالى: {قُلْ مَآ أَنفَقْتُمْ مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَٱلأَقْرَبِينَ وَٱلْيَتَامَىٰ وَٱلْمَسَاكِينَ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ...}. (مَا) إما شرطية أو موصولة. قال ابن عرفة: الظاهر أنها شرطية، لأن فعل الشرط مستقبل ولو كانت موصولة لما حسن ترتيب الجواب عليها، لأنهم لم يكن إنفاقهم الماضي قاصرا على الوالدين والأقربين ومن بعدهم، بل عاما فيهم وفي غيرهم، فإنَّما أمروا بذلك في المستقبل. قيل لابن عرفة: قد قال ابن مالك: إنّ الفعل بعد الموصول يحتمل الحال والاستقبال. قوله تعالى: {وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ}. علله بالعلم والمراد لازمه وهو حصول الثواب الجليل عليه. فإن قلت: الآية تدل على أن الأب مساوٍ للأم في البر لتسويتهما في النفقة عليهما؟ قلنا: الآية إنّما تضمنت مطلق الإنفاق عليهما من غير تعرض لما بينهما من التفاوت، بدليل تضمنهما أيضا النفقة على الأقربين بالإطلاق، مع أنّهم متفاوتون لأن القرابة مقولة بالتشكيك، فالنفقة على أقرب الأقربين تكون أكثر (من النفقة) على من هو أبعد منه. وابن السبيل هو المسافر إذا قدم على بلد هو فيها فقير ويكون في بلده غنيا، فإن كان فقيرا في بلده فهو (مسكين).
القمي النيسابوري
تفسير : الوقوف: {ينفقون} ط {السبيل} ط للابتداء بالشرط {عليم} ه {كره لكم} ج {خير لكم} ج لتفصيل الأحوال {شر لكم} ط {لا تعلمون} ه {قتال فيه} ط {كبير} ط على أن قوله "وصدّ" مبتدأ وما بعده معطوف عليه، وقوله "أكبر عند الله" خبره، وقد يقال: "وصد" عطف على "كبير" أي القتال فيه كبير، وسبب صد عن سبيل الله وكفر بالله تعالى وبنعمة المسجد الحرام، أو صد عن سبيل الله وعن المسجد الحرام فيوقف ههنا، ويجعل "وإخراج أهله" مبتدأ. وقيل: "وصد" عطف الوقف على "سبيل الله". و "كفر به" مبتدأ. والوجه هو الأول لانتظام المعنى أي القتال منا وإن كان كبيراً ولكن الصد والكفر والإخراج التي كانت منكم {أكبر من القتل} ط {استطاعوا} ط {والآخرة} ج لأن الجملتين وإن اتفقنا فتكرار "أولئك" ينبه على الابتداء مبالغة في تعظيم الأمر {النار} ج {خالدون} ه {في سبيل الله} لا لأن ما بعده خبر "إن" {رحمة الله} ط {رحيم} ه. المستقبل على المستقبل. {يتذكرون} ه. التفسير: إنه سبحانه لما بالغ في وجوب الإعراض عن العاجل والإقبال على الآجل بكل ما يمكن من الدخول في السلم وبذل المهج والأموال والصبر على مواجب التكاليف والدعاء إلى الدين القويم انتظاراً لنصرة الله، شرع بعد ذلك في بيان الأحكام وهو من هذه الآية إلى قوله {أية : ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم} تفسير : [البقرة: 243] جرياً على سننه المرضى من خلط بيان التوحيد وذكر النصيحة والوعظ ببيان الأحكام، ليكون كل منهما مؤكداً للآخر. الحكم الأول: بيان مصرف الإنفاق {يسئلونك ماذا ينفقون} عن ابن عباس: نزلت الآية حديث : في رجل أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن لي ديناراً فقال: "أنفقه على نفسك". فقال: إن لي دينارين. فقال: "أنفقهما على أهلك". فقال: إن لي ثلاثة فقال: "أنفقها على خادمك". فقال: إن لي أربعة قال: "أنفقها على والديك". قال: إن لي خمسة قال: "أنفقها على قرابتك". قال: إن لي ستة. قال: "أنفقها في سبيل الله وهو أخسها أي أقلها ثواباً". تفسير : وعنه في رواية أبي صالح أنها نزلت في عمرو بن الجموح وهو الذي قتل يوم أحد وكان شيخاً كبيراً هرماً وعنده ملك عظيم فقال: ماذا ننفق من أموالنا وأين نضعها؟ أما بحث "ماذا" فقد تقدم في قوله {أية : ماذا أراد الله بهذا مثلاً} تفسير : [المدثر: 31] وأما أن القوم سألوا عما ينفقون لا عمن تصرف النفقة إليهم فكيف طابق قوله في الجواب {قل ما أنفقتم من خير فللوالدين والأقربين} الآية. فالوجه فيه أنه حصل في الآية ما يكون جواباً عن السؤال، وضم إليه زيادة بها يكمل المقصود. وذلك أن قوله {ما أنفقتم من خير} تضمن بيان ما ينفقونه وهو كل خير، وبنى الكلام على ما هو أهم وهو بيان المصرف لأن النفقة لا يعتد بها إلا إذا صرفت إلى جهة الاستحقاق. وقال القفال: السؤال وإن كان وارداً بلفظ "ما" إلا أن المقصود هو الكيفية. فمن المعلوم لهم أن الذي أمروا بإنفاقه مال يخرج قربة إلى الله تعالى، وحينئذ يكون الجواب مطابقاً للسؤال كما طابق قوله {أية : إنها بقرة لا ذلول} تفسير : [البقرة: 71] سؤالهم عن البقرة ما هي، حيث كان من المعلوم أن البقرة بهيمة شأنها كذا وكذا، فتوجه الطلب إلى تعيين الصفة لا الماهية. وقيل: إنهم لما سألوا هذا السؤال أجيبوا بأن السؤال فاسد، أنفق أي شيء كان ولكن بشرط كونه مالاً حلالاً ومصروفاً إلى مصبه، كما لو سأل شخص صحيح المزاج طبيباً حاذقاً أي طعام آكل؟ والطبيب يعلم أنه لا يضره أكل الطعام أي طعام كان، فيقول له: كل في اليوم مرتين أي كل ما شئت. لكن بهذا الشرط، فكذا ههنا المعنى لينفق أي شيء أراد، لكن بشرط وهو أن يراعي الترتيب في الإنفاق فيقدم الوالدين لأنهما كالسبب لوجوده وقد ربياه صغيراً، ثم الأقربين لأن الإنسان لا يمكنه أن يقوم بمصالح جميع الفقراء، الترجيح لا بدّ له من مرحج والقرابة تصلح للترجيح لأنه أعرف بحاله. والإطلاع على غنى الغني مما يحمل المرء على الإنفاق. وأيضاً لو لم يعطه قريبه احتاج إلى الرجوع إلى غيره وذلك عار وشنار. وأيضاً قريب المرء كجزء منه والإنفاق على النفس أولى من الإنفاق على الغير، ثم اليتامى لعدم قدرتهم على الاكتساب لصغرهم، ثم المساكين الذين هم غير اليتامى، وأبناء السبيل لأنهم بسبب الاشتراك في دار الإقامة من أنفسهم، ثم أبناء السبيل المنقطعون عن بلدهم ومالهم ما يتبلغون به إلى أوطانهم، {وما تفعلوا من خير} من إنفاق شيء من مال بناء على أن الخير هو المال أو من كل ما يتعلق بالبر والطاعة طلباً لجزيل الثواب وهرباً من أليم العقاب. {فإن الله به عليم} فيجازيكم أحسن الجزاء. عن السدي: أن الآية منسوخة بفرض الزكاة. وقال المحققون: ويروى عن الحسن أنها ثابتة، فقد يكون الإنفاق على الفروع والأصول واجباً، ويحتمل أن يكون المراد: من أحب التقرب إلى الله تعالى في باب النفقة تطوعاً فليراع هذا الترتيب. قوله تعالى: {كتب عليكم القتال} كان النبي صلى الله عليه وسلم غير مأذون له في القتال مدة إقامته بمكة، فلما هاجر أذن في قتال من يقاتله من المشركين، ثم أذن في قتال المشركين عامة، ثم فرض الله تعالى الجهاد. قال بعض العلماء: إن هذه الآية تقتضي وجوب القتال على الكل فرض عين لا كفاية. أما الوجوب فمستفاد من لفظ الإيجاب ويكفي العمل به مرة واحدة، وقوله {كتب} وأما العموم فلأن قوله {عليكم} لا يمنع من الوجوب على الموجودين وعلى من سيوجد كما في قوله {أية : كتب عليكم القصاص} تفسير : [البقرة: 178] و {أية : كتب عليكم الصيام} تفسير : [البقرة: 183] وعن مكحول أنه كان يحلف عند البيت بالله أن الغزو واجب. وعن ابن عمر وعطاء أن قوله {كتب} يقتضي الإيجاب ويكفي العمل به مرة واحدة، وقوله {عليكم} يقتضي تخصيص هذا الكتاب بالموجودين في ذلك الوقت. والعموم في {عليكم الصيام} مستفاد من دليل منفصل هو الإجماع. وذلك الدليل معقود ههنا بل الإجماع منعقد على أنه من فروض الكفاية إلا أن يدخل المشركون ديار المسلمين فإنه يتعين الجهاد حينئذ على الكل. {وهو كره لكم} ليس المراد أن المؤمنين ساخطون لأوامر الله تعالى فإن ذلك ينافي الإسلام، وإنما المراد كون القتال شاقاً على النفس وهكذا شأن سائر التكاليف، وكيف لا والتكليف إلزام ما فيه كلفة ومشقة وأنها في القتال أكثر لأن الحياة أعظم ما يميل إليه الطباع فبذلها ليس بهين؟ شعر : والجود بالنفس أقصى غاية الجود تفسير : وأيضاً كراهتهم للقتال قبل أن فرض لما فيه من الخوف من كثرة الأعداء وإنارة نوائر الفتن، فبيّن تعالى أن الذي تكرهونه من القتال خير لكم من تركه للمصالح التي نذكرها. والكره الكراهة وضع المصدر موضع الوصف مبالغة، ويجوز أن يكون بمعنى "مفعول" كالخبز بمعنى المخبوز أي هو مكروه لكم. وقرئ بالفتح بمعنى المضموم كالضعف والضعف، ويجوز أن يكون بمعنى الإكراه على سبيل المجاز كأنهم أكرهوا عليه لشدة كراهتهم له أو مشقته عليهم كقوله تعالى {حملته أمه كرهاً ووضعته كرهاً} وقال بعضهم: الكره بالضم ما كرهته مما لم تكره عليه، وإذا كان بالإكراه فبالفتح. {وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم} فربما كان الشيء شاقاً عليكم في الحال وهو سبب للمنافع الجليلة في الاستقبال وبالضد، ولهذا حسن شرب الدواء المر في الحال لتوقع حصول الصحة في الاستقبال، وحسن تحمل الأخطار في الأسفار لتحصيل الربح في المال، وكذا تحمل المتاعب في طلب العلم للفوز بالسعادة العظمى في الدنيا والعقبى. شعر : العلــم أولــه مــر مـذاقتـه لكـنّ آخـره أحلـى مـن العسـل تفسير : وههنا كذلك لأن ترك الجهاد وإن كان يفيد في الحال صون النفس عن خطر القتل وصون المال عن الإنفاق، ولكن فيه أنواع من المفاسد والمضار أدناها تسلط الكفار واستيلاؤهم على ديار المسلمين، وربما يؤدي إلى أن استباحوا بيضة الإسلام واستناخوا بحريمهم واستأصلوهم عن آخرهم. وأما منافع الجهاد فمنها الظفر بالغنائم، ومنها الفرح العظيم بالاستيلاء على العدو. وأما ما يتعلق بالدين فالثبات عليه والثواب في الآخرة. وترغيب الناس في الإسلام وإعلاء كلمة الله، وتوطين النفس للفراق عن دار البلاء والانقطاع عن عالم الحس قال الخليل: "عسى" من الله واجب في القرآن. قال: {أية : فعسى الله أن يأتي بالفتح} تفسير : [المائدة: 52] وقد وجد {أية : عسى الله أن يأتيني بهم جميعاً} تفسير : [يوسف: 83] وقد حصل. والتحقيق أن معنى الرجاء فيه يعود إلى المكلف وإن كان المرجو حاله معلوماً لله تعالى كما بينا في "لعل" {والله يعلم وأنتم لا تعلمون} وذلك أن علمه تعالى فعلي يعلم الأسباب وما يترتب عليها، والحوادث وما نشأت هي منها، يحيط علمه بالمبادئ والغايات {أية : لا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض} تفسير : [سبأ: 3] وعلمكم انفعالي فلعلكم تعكسون التصورات فتظنون المبادئ غايات وبالعكس، والمصالح مفاسد وبالضد. وفيه ترغيب عظيم في أداء وظائف التكاليف. وتخويف شديد عن تبعة العصيان والمرود، فإن الإنسان إذا تصور قصور نفسه وكمال علم الله تعالى علم أنه لا يأمر العبد إلا بما فيه خيره وصلاحه، فيلزم نفسه امتثاله وإن كرهه طبعه فكأنه تعالى يقول: يا أيها العبد، علمي أكمل من علمك فكن مشتغلاً بطاعتي ولا تلتفت إلى مقتضى طبعك وهواك. فهذه الآية في هذا المقام تجري مجرى قوله تعالى في جواب الملائكة {أية : إني أعلم ما لا تعلمون} تفسير : [البقرة: 30]. الحكم الثاني في قوله سبحانه {يسئلونك عن الشهر الحرام} أكثر المفسرين على أن هؤلاء السائلين هم المسلمون حيث اختلج في صدورهم أن يكون الأمر بالقتال مقيداً بغير الشهر الحرام والمسجد الحرام، فسألوا النبي صلى الله عليه وسلم هل يحل لهم القتال في هذا الزمان وهذا المكان أم لا؟ ويؤيده ما روي عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث عبد الله بن جحش - وهو ابن عمة النبي صلى الله عليه وسلم - في جمادى الآخرة قبل قتال بدر بشهرين، على رأس سبعة عشر شهراً من مقدمة المدينة، وبعث معه ثمانية رهط من المهاجرين: سعد بن أبي وقاص الزهري، وعكاشة بن محصن الأسدي، وعتبة بن غزوان السلمي، وأبا حذيفة بن عتبة بن ربيعة، وسهيل بن بيضاء، وعامر بن ربيعة، وواقد بن عبد الله، وخالد بن بكير. وكتب لأميرهم عبد الله بن جحش كتاباً وقال: سر على اسم الله ولا تنظر في الكتاب حتى تسير يومين. فإذا نزلت منزلتين فافتح الكتاب واقرأه على أصحابك ثم امض لما أمرتك، ولا تستكرهن أحداً من أصحابك على السير معك. فسار عبد الله يومين ثم نزل وفتح الكتاب فإذا فيه "بسم الله الرحمن الرحيم. أما بعد، فسر على بركة الله بمن تبعك من أصحابك حتى تنزل على بطن نخلة فترصد بها عير قريش، لعلك أن تأتينا منه بخبر" فلما نظر عبد الله في الكتاب قال: سمع وطاعة. ثم قال لأصحابه ذلك وقال: إنه قد نهاني أن أستكره أحداً منكم. حتى إذا كان بمعدن فوق الفرع قد أضل سعد بن أبي وقاص وعتبة بن غزوان بعيراً لهما كانا يعتقبانه فاستأذنا أن يتخلفا في طلب بعيرهما فأذن لهما فتخلفا في طلبه. ومضى عبد الله ببقية أصحابه حتى نزلوا بطن نخلة - بين مكة والطائف - فبينما هم كذلك مرت بهم عيرٍ لقريش تحمل زبيباً وأدماً وتجارة من تجارة الطائف، فيهم عمرو بن الحضرمي والحكم بن كيسان وعثمان بن عبد الله بن المغيرة ونوفل بن عبد الله المخزوميان. فلما رأوا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم هابوهم فقال عبد الله بن جحش: إن القوم قد ذعروا منكم فاحلقوا رأس رجل منك فليتعرض لهم، فإذا رأوه محلوقاً أمنوا وقالوا: قوم عمار. فحلقوا رأس عكاشة ثم أشرف عليهم فقالوا: قوم عمار لا بأس عليكم فأمنوهم. وكان ذلك في آخر يوم من جمادى الآخرة، وكانوا يرون أنه من جمادى وهي رجب. فتشاور القوم فيهم وقالوا: لئن تركتموهم هذه الليلة ليدخلن الحرم فليمتنعن منكم. فأجمعوا أمرهم في مواقعة القوم، فرمى واقد بن عبد الله السهمي عمرو بن الحضرمي بسهم فقتله فكان أول قتيل من المشركين. واستأسر الحكم وعثمان فكان أول أسيرين في الإسلام، وأفلت نوفل فأعجزهم. واستاق المؤمنون العير والأسيرين حتى قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة، فقالت قريش: قد استحل محمد الشهر الحرام شهراً يأمن فيه الخائف ويذعر فيه الناس لمعايشهم. سفك فيه الدماء وأخذ فيه الحرائب وعيّر بذلك أهل مكة من كان فيها من المسلمين. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لابن جحش وأصحابه: حديث : ما أمرتكم بالقتال في الشهر الحرام،تفسير : ووقف العير والأسيرين وأبى أن يأخذ من ذلك شيئاً. فعظم ذلك على أصحاب السرية وظنوا أن قد هلكوا وسقطوا في أيديهم وقالوا: يا رسول الله إنا قتلنا ابن الحضرمي ثم أمسينا فنظرنا إلى هلال رجب فلا ندري أفي رجب أصبناه أم في جمادى وأكثر الناس في ذلك فنزلت {يسئلونك عن الشهر الحرام} فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم العير فعزل منها الخمس فكان أول خمس، وقسم الباقي بين أصحاب السرية فكان أول غنيمة في الإسلام. وبعث أهل مكة في فداء أسيريهم فقال: بل نقفهما حتى يقدم سعد وعتبة، وإن لم يقدما فتلناهما بهما. فلما قدما فأداهما. فأما الحكم بن كيسان فأسلم وأقام مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة فقتل يوم بئر معونة شهيداً، وأما عثمان بن عبد الله فرجع إلى مكة فمات بها كافراً، وأما نوفل فضرب بطن فرسه يوم الأحزاب ليدخل الخندق على المسلمين فوقع في الخندق مع فرسه فتحطما جميعاً وقتله الله، وطلب المشركون جيفته بالثمن فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : خذوه فإنه خبيث الجيفة خبيث الدية. تفسير : وقيل: إن هذا السؤال كان من الكفار، سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن القتال في الشهر الحرام حتى لو أخبرهم بأنه حرام استحلوا قتاله فيه فنزلت {يسئلونك عن الشهر الحرام قتال فيه} خفض على أنه بدل الاشتمال من الشهر. وفي قراءة ابن مسعود {عن قتال فيه} بتكرير العامل. وقرأ عكرمة {قتل فيه قل قتال فيه كبير} أي عظيم مستنكر كما يسمى الذنب العظيم كبيرة. وإنما جاز وقوع قتال مبتدأ لكونه موصوفاً بالظرف. فإن قيل: كيف نكّر القتال في قوله تعالى {قل قتال} ومن حق النكرة إذا تكررت أن يكون المذكور ثانياً معرفاً مشاراً به إلى الأول وإلا كان الثاني مغايراً للأول؟ قلنا: لأن المراد بالقتال الأول الذي سألوا عنه القتال الذي أقدم عليه عبد الله بن جحش. فلو جيء بالثاني معرفاً لزم أن يكون ذلك من الكبائر، مع أن الغرض منه كان نصرة الإسلام وإعلاء كلمته، فاختير التنكير ليكون تنبيهاً على أن القتال المنهي عنه هو الذي فيه تقوية الكفر وهدم قواعد الدين لا الذي سألوا عنه. ثم الجمهور اتفقوا على أن حكم هذه الآية حرمة القتال في الشهر الحرام، وهل بقي ذلك الحكم أو نسخ؟ عن ابن جريج أنه قال: حلف لي بالله عطاء أنه لا يحل للناس الغزو في الحرم ولا في الشهر الحرام إلا على سبيل الدفع. وروى جابر قال: لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يغزو في الشهر الحرام إلا أن يغزى. وسئل سعيد بن المسيب هل يصلح للمسلمين أن يقاتلوا الكفار في الشهر الحرام؟ قال: نعم. قال أبو عبيد الله: والناس بالثغور اليوم جميعاً على هذا القول، يرون الغزو مباحاً في الأشهر الحرم كلها، ولم أر أحداً من علماء الشام والعراق ينكره عليهم. وكذلك أحسب قول أهل الحجاز والحجة في إباحته. قوله تعالى {أية : فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم}تفسير : [التوبة: 5] ويمكن أن يقال أن قوله {قتال فيه كبير} نكرة في حين الإثبات فيتناول فرداً واحداً لا كل الأفراد، فلا يلزم منه تحريم القتال في الشهر الحرام مطلقاً، فلا حاجة فيه إلى تقدير النسخ والله أعلم. {وصدّ عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله} من القتال في الأشهر الحرم فإذا لم تمتنعوا عنها في الشهر الحرام فكيف تعيبون عبد الله بن جحش على ذلك القتال مع أنه ظن أنه في جمادى الآخرة؟ واعلم أن قوله {وصد} قد مر وجوه إعرابه في الوقوف. أما قوله: {والمسجد الحرام} فقيل: إنه معطوف على الهاء في "به" عند من يجوز العطف على الضمير المجرور من غير إعادة الجار، كقراءة حمزة {تساءلون به والأرحام} [النساء: 1] بالخفض. والكفر بالمسجد الحرام منع الناس عن الصلاة فيه والطواف به وقيل: إنه معطوف على سبيل الله أي صد عن سبيل الله وصد عن المسجد الحرام. واعترض بأنه يلزم الفصل بين صلة المصدر الذي هو الصد، وبين المصدر بالأجنبي الذي هو قوله {وكفر به} وأجيب بأن الصد عن سبيل الله والكفر به كالشيء الواحد في المعنى، فكأنه لا فصل وبأن التقديم لفرط العناية مثل {أية : ولم يكن له كفواً أحد} تفسير : [الإخلاص: 4] وكان حق الكلام "ولم يكن أحد كفواً له". وقيل: والمسجد الحرام عطف على الشهر الحرام أي يسألونك عن قتال في الشهر الحرام والمسجد الحرام وهذا قول الفراء وأبي مسلم. وقيل: الواو في "والمسجد الحرام" للقسم. والصد عن سبيل الله هو المنع عن الإيمان بالله وبمحمد أو عن الهجرة. وقيل: منعهم المسلمين عام الحديبية عن عمرة البيت وزيف بأن الآية نزلت قبل غزوة بدر كما مر في قصة ابن جحش. وعام الحديبية كانت بعد غزوة بدر. وأجيب بأن معلوم الله كالواقع. والمراد بإخراج أهله، إخراج المسلمين من مكة. وإنما جعلهم أهلاً له إذ كانوا هم القائمين بحقوق المسجد ولهذا قال عز من قائل {أية : وكانوا أحق بها وأهلها} تفسير : [الفتح: 26] وإنما كانت هذه الأمور أكبر لأن كل واحد منها كفر والكفر أعظم من القتال. وأيضاً إنها أكبر من قتال في الشهر الحرام وهو قتال عبد الله بن جحش، ولم يكن قاطعاً بأنه وقع في الشهر الحرام. وأما الكفار فيعلمون بأن هذه الأمور تصدر عنهم في الشهر الحرام {والفتنة} أي الشرك، أو إلقاء الشبهات في قلوب المؤمنين أو التعذيب كفعلهم ببلال وصهيب وعمار. {أكبر من القتل} لأن الفتنة تفضي إلى القتل في الدنيا وإلى استحقاق العذاب الدائم في الآخرة، فيصح أن الفتنة أكبر من القتل، فضلاً عن ذلك القتل الذي وقع السؤال عنه وهو قتل ابن الحضرمي. يروى أنه لما نزلت الآية كتب عبد الله بن جحش إلى مؤمني مكة "إذا عيركم المشركون بالقتال في الشهر الحرام فعيروهم أنتم بالكفر وإخراج الرسول صلى الله عليه وسلم من مكة ومنع المؤمنين عن البيت الحرام" {ولا يزالون يقاتلونكم} إخبار عن استمرار الكفار على عداوة المسلمين {حتى يردوكم عن دينكم} كي يرودكم عنه كقولك "أسلمت حتى أدخل الجنة" بمعنى كي أدخل. ويجوز أن يكون بمعنى "إلى" كقوله {أية : ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم} تفسير : [البقرة: 120] وقوله {إن استطاعوا} استبعاد لاقتدارهم كقول الرجل لعدوّه وهو واثق بأنه لا يظفر به "إن ظفرت بي فلا تبقِ عليّ" {ومن يرتدد} ومن يرجع {منكم عن دينه فيمت وهو كافر} باق على الردة {فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة} أما في الدنيا فلما يفوته من فوائد الإسلام العاجلة فيقتل عند الظفر به ويقاتل إلى أن يظفر به ولا يستحق من المؤمنين موالاة ولا نصراً ولا ثناء حسناً وتبين زوجته منه ويحرم الميراث، وأما في الآخرة فيكفي في تقريره قوله {وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون} واعلم أن الردة أغلظ أنواع الكفر حكماً، وأنها تارة تحصل بالقول الذي هو كفر كجحد مجمع عليه، وكسبّ نبي من الأنبياء. وأخرى بالفعل الذي يوجب استهزاء صريحاً بالدين كالسجود للشمس والصنم وإلقاء المصحف في القاذورات. وكذا لو اعتقد وجوب ما ليس بواجب. ويشترط في صحة الردة التكليف، فلا تصح ردة الصبي والمجنون. وههنا بحث أصولي وهو أن جماعة من المتكلمين ذهبوا إلى أن شرط صحة الإيمان والكفر حصول الموافاة. فالإيمان لا يكون إيماناً إلا إذا مات المؤمن عليه، والكفر لا يكون كفراً إلا إذا مات الكافر عليه. لأن من كان مؤمناً ثم ارتد - والعياذ بالله - فلو كان ذلك الإيمان الظاهر إيماناً في الحقيقة لكان قد استحق عليه الثواب الأبدي. فإما أن يبقي الاستحقاقان وهو محال، وإما أن يقال إن الطارئ يزيل السابق وهو أيضاً محال، لأنهما متنافيان وليس أحدهما أولى بالتأثير من الآخر، بل السابق بالدفع أولى من اللاحق بالرفع لأن الدفع أسهل من الرفع. وأيضاً شرط طريان الطارئ زوال السابق. فلو عللنا زوال السابق بطريان الطارئ لزم الدور. وبحث فروعي: وهو أن المسلم إذا صلى ثم ارتد ثم أسلم في الوقت فعند الشافعي: لا إعادة عليه لأن شرط حبوط العمل أن يموت على الردة لقوله تعالى عطفاً على الشرط {فيمت وهو كافر} وعند أبي حنيفة لزمه قضاء ما أدى وكذلك الحج لما جاء في موضع آخر مطلقاً {أية : ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون} تفسير : [الأنعام: 88] والحبط في اللغة أن تأكل الإبل شيئاً يضرها فتعظم بطونها فتهلك. وفي الحديث "حديث : وإن مما ينبت الربيع ما يقتل حبطاً أو يلم"تفسير : سمي بطلان الأعمال بهذا لأنه كفساد الشيء بسبب ورود المفسد عليه. ولا شك أن المراد من إحباط العمل ليس هو إبطال نفس العمل، لأن العمل شيء كما وجد فني وزال وإعدام المعدوم محال. فقال المثبتون للإحباط والتكفير: المعنى أن عقاب الردة الحادثة يزيل ثواب الإيمان السابق. إما بشرط الموازنة كما هو مذهب أبي هاشم وجمهور المتأخرين من المعتزلة، أو لا بشرط الموازنة كما هو مذهب أبي علي. وقال المنكرون للإحباط: المراد بالإحباط الوارد في كتاب الله تعالى هو أن المرتد إذا أتى بالردة فتلك الردة عمل محبط لا يمكنه أن يأتي بدلها بعمل يستحق ثواباً، فمعنى حبط عمله أنه أتى بعمل ليس فيه فائدة، بل فيه مضرة عظيمة، أو المراد أنه تبين أن أعماله السابقة لم تكن معتداً بها شرعاً. وروي أن عبد الله بن جحش وأصحابه حين قتلوا ابن الحضرمي ظن قوم أنهم إن سلموا من الإثم لم يكن لهم أخر فنزلت {إن الذين آمنوا} الآية. لأن عبد الله كان مؤمناً وكان مهاجراً وصار بسبب هذا القتال مجاهداً. وقيل: إنه تعالى لما أوجب الجهاد بقوله {كتب عليكم القتال} وبين أن تركه سبب للوعيد، أتبع ذلك بذكر من يقوم به فقال {إن الذين آمنوا} الآية ولا يكاد يوجد وعيد إلا ويعقبه وعد. ومعنى هاجروا فارقوا أوطانهم وعشائرهم من الهجر الذي هو ضد الوصل. والهجر الكلام القبيح لأنه مما ينبغي أن يهجر. وجاز أن يكون المراد أن الأحباب والأقارب هجروه بسبب هذا الدين وهو أيضاً هجرهم بهذا السبب فكان ذلك مهاجرة. والمجاهدة من الجهد بالفتح الذي هو المشقة، أو من الجهد بالضم الطاقة لأنه يبذل الجهد في قتال العدو عند فعل العدو مثل ذلك، ويجوز أن يكون معناها ضم جهده إلى جهد أخيه في نصرة دين الله كالمساعدة ضم ساعده إلى ساعد أخيه لتحصيل القوة {أولئك يرجون رحمة الله} يحتمل أن يكون الرجاء بمعنى القطع واليقين ولكن في أصل الثواب، والظن إنما دخل في كميته وكيفيته وفي وقته. ويحتمل أن يراد المنافع التي يتوقعونها، فإن عبد الله بن جحش ما كان قاطعاً بالثواب في عمله بل كان يظن ظناً، وإنما جعل الوعد معلقاً بالرجاء ليعلم أن الثواب على الإيمان والعمل غير واجب، وإنما ذلك بفضله ورحمته كما هو مذهبنا. ولو وجب أيضاً صح لأنه متعلق بأن لا يكفر بعد ذلك وهذا الشرط مشكوك. وأيضاً المذكور ههنا هو الإيمان والهجرة والجهاد. ولا بد للإنسان مع ذلك من سائر الأعمال والتوفيق فيها مرجو من الله. وأيضاً المراد وصفهم بأنهم يفارقون الدنيا مع هذه الخصال مستقصرين أنفسهم في نصرة دين الله، فيقدمون عليه راجين رحمته خائفين عقابه {أية : والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون}تفسير : [المؤمنون: 60]. {والله غفور رحيم} يحقق لهم رجاءهم إن شاء بعميم فضله وجسيم طوله. عن قتادة: هؤلاء خيار هذه الأمة. ثم جعلهم الله أهل رجاء كما تسمعون وإنه من رجا طلب ومن خاف هرب. وقال شاه الكرماني: علامة الرجاء حسن الطاعة. وقيل: الرجاء رؤية الجلال بعين الجمال. وقيل: قرب القلب من ملاطفة الرب. روي عن لقمان أنه قال لابنه: خف الله تعالى خوفاً لا تأمن فيه مكره، وأرجه رجاء أشد من خوفك. قال: فكيف أستطيع ذلك وإنما لي قلب واحد؟ قال: أما علمت أن المؤمن كذي قلبين يخاف بأحدهما ويرجو بالآخر؟ وهذا لأنهما من حكم الإيمان وهما للمؤمن كالجناحين للطائر، إذا استويا استوى الطير وتم في طيرانه. ومن هنا قيل: لو وزن خوف المؤمن ورجاؤه لاعتدلا.
الثعالبي
تفسير : قوله تعالى: {يَسْـئَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ مَآ أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ...} الآية: السَّائِلُون: هم المؤمنون، والمعنَىٰ: يسألونك، ما هي الوجوهُ التي ينفقون فيها؟ و «ما» يصحُّ أنْ تكونَ في موضع رفعٍ على الابتداء، و «ذَا»: خبرها بمعنى «الَّذِي» و «يُنْفِقُونَ»: صلةٌ، و «فِيهِ» عائدٌ علَىٰ «ذَا» تقديرُه: ينفقونَهُ، ويصحُّ أن تكون «مَاذَا» ٱسماً واحداً مركَّباً في موضع نصب. قال قومٌ: هذه الآية في الزكاة المفروضةِ، وعلَىٰ هذا نسخَ منها الوالِدَانِ، وقال السُّدِّيُّ: نزلَتْ قبل فرض الزكاة، ثم نسختها آية الزكاة المفروضَة، وقال ابن جُرَيْجٍ وغيره: هي ندْبٌ، والزكاة غيْرُ هذا الإِنفاق، وعلَىٰ هذا لا نَسْخَ فيها. و {مَا تَفْعَلُواْ} جزم بالشرط، والجوابُ في الفاءِ، وظاهر الآية الخبرُ، وهي تتضمَّن الوعْدَ بالمجازاتِ، و {كُتِبَ}: معناه فُرِضَ وٱستمر الإِجماع على أن الجهاد علَىٰ أمة محمَّد صلى الله عليه وسلم فرض كفاية. وقوله تعالى: {وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا...} الآية: قال قومٌ: عسَىٰ مِنَ اللَّهِ واجِبَةٌ، والمعنَىٰ: عسَىٰ أن تكرهوا ما في الجهادِ من المشقَّة، وهو خيرٌ لكم في أنكم تَغْلِبُونَ وتَظْهرون، وتَغْنَمُون، وتؤجَرُون، ومن مات، مَاتَ شهيداً، وعسَىٰ أن تُحِبُّوا الدَّعَةَ، وترك القتَالِ، وهو شرٌّ لكم في أنَّكم تُغْلَبُونَ، وتذلُّون، ويذْهَب أمركم. قال: * ص *: قوله: {وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّواْ شَيْئًا} عسَىٰ هنا للترجِّي، ومجيئها له كثيرٌ في كلام العرب، قالوا: وكل «عَسَىٰ» في القُرآن للتحقيق، يعْنُون به الوقوعَ إِلاَّ قوله تعالَىٰ: {أية : عَسَىٰ رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ}تفسير : [التحريم:5] انتهى. وفي قوله تعالَىٰ: {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ...} الآية - قوة أمر.
ابن عادل
تفسير : قد تقدَّم أنَّ "ماذا" له استعمالات ستَّةٌ عند قوله: {أية : مَاذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِهَـٰذَا مَثَلاً}تفسير : [البقرة: 26]. وهنا يجوز أن تكون "ماذا" بمنزلة اسمٍ واحدٍ، بمعنى الاستفهام؛ فتكون مفعولاً مقدَّماً لـ"يُنْفِقُونَ"؛ لأنَّ العرب يقولون: "عماذا تَسْأَلُ" بإثبات الألف، وحذفوها من قولهم: {أية : عَمَّ يَتَسَآءَلُونَ}تفسير : [النبأ: 1] وقوله {أية : فِيمَ أَنتَ مِن ذِكْرَاهَا}تفسير : [النازعات: 43] فلما لم يحذفون الألف من آخر "مَا"، علمت أنه مع "ذا" بمنزلة اسم واحدٍ، ولم يحذفوا الألف منه، لمَّا لم يكن آخر الاسم، والحذف يلحقها إذا كان آخراً، إلاَّ أن يكون في شعر؛ كقوله: [الوافر] شعر : 1045 - عَلَى مَا قَامَ يَشْتُمُنِي لَئِيمٌ كَخنْزِيرٍ تَمَرَّغَ فِي رمَادِ تفسير : قال القرطبي: إن خفَّفت الهمزة، قلت: يسلونك، ومنه: ما "يُنْفِقُون" ويجوز أن تكون "ما" مبتدأ و"ذا" خبره، وهو موصولٌ. و"ينفقون" صلته، والعائد محذوفٌ، و"ماذا" معلِّق للسؤال، فهو في موضع المفعول الثاني، وقد تقدَّم تحقيقه في قوله: {أية : سَلْ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُم}تفسير : [البقرة: 211]. قال القرطبي: متى كانت اسماً مركباً، فهي في موضع نصب إلاَّ ما جاء في قول الشاعر: [الطويل] شعر : 1046 - وَمَاذَا عَسَى الوَاشُونَ أَنْ يَتَحَدَّثُوا سِوَى أَنْ يَقُولُوا: إِنَّنِي لَكِ عَاشِقُ تفسير : فإِنَّ "عَسَى" لا تعمل فيه، فـ"ماذا" في موضع رفعٍ، وهو مركَّبٌ؛ إذ لا صلة لـ"ذا". وجاء "ينفقون" بلفظ الغيبة؛ لأنَّ فاعل الفعل قبله ضمير غيبةٍ في "يَسْألونَكَ"، ويجوز في الكلام "ماذا نُنْفِقُ" كما يجوز: أقسم زيدٌ ليَضْرِبَنَّ ولأضْرِبَنَّ، وسيأتي لهذا مزيد ببيانٍ في قوله تعالى: {أية : يَسْأَلُونَكَ مَاذَآ أُحِلَّ لَهُمْ}تفسير : [المائدة: 4] في المائدة إن شاء الله تعالى. قوله: {قُلْ مَآ أَنْفَقْتُمْ مِّنْ خَيْرٍ} يجوز في "ما" وجهان: أظهرهما: أن تكون شرطيّةً؛ لتوافق ما بعدها، فـ"ما" في محلِّ نصبٍ، مفعولٌ مقدَّمٌ، واجبُ التقديم؛ لأنَّ له صدر الكلام. و"أَنْفَقْتُمْ" في محلِّ جزمٍ بالشرط، و"مِنْ خَيْرٍ" تقدَّم إعرابه في قوله: {أية : مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ}تفسير : [البقرة: 106]. وقوله: فللوالدين" جواب الشرط، وهذا الجارُّ خبر لمبتدأ محذوف، أي: فمصرفه للوالدين، فيتعلَّق بمحذوفٍ، إمَّا مفردٌ، وإمَّا جملةٌ على حسب ما ذكر من الخلاف فيما مضى. وتكون الجملة في محلِّ جزمٍ بجواب الشرط. والثاني: أن تكون "مَا" موصولة، و"أَنْفَقْتُمْ" صلتها، والعائد محذوف، لاستكمال الشروط، أي: الذي أنفقتموه. والفاء زائدة في الخبر الذي هو الجارُّ والمجرور. قال أبو البقاءِ في هذا الوجه: "ومِنْ خيرٍ يكون حالاً من العائد المحذوفِ". فصل في سبب النزول اعلم أنَّه تعالى لمَّا بيَّن الوجوب على كل مكلّفٍ، بأن يكون معرضاً عن طلب العاجل مشتغلاً بطلب الآجل، شرع في بيان الأحكام من هذه الآية إلى قوله: {أية : أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِمْ}تفسير : [البقرة: 243]. قال عطاء، عن ابن عباسٍ: حديث : نزلت الآية في رجل أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إِن لي دِيناراً، فقال: أَنْفِقْهُ عَلَى نَفْسِكَ، قال: إنّ لِي آخَرَ، قال: أَنْفِقْهُ عَلَى أَهْلِكَ، فَقَالَ: إنَّ لِي آخَر، قال: أَنْفِقْهُ على خَادمِكَ، قال: إنّ لي آخر، قال: أَنْفِقْهُ عَلَى وَالِدَيْكَ قال: إنَّ لِي آخَرَ، قال: أَنْفِقْهُ عَلَى قرابتكِ، قال: إنَّ لي آخَرَ قال: أَنْفِقْهُ في سَبِيل الله، وهو أَحْسَنُها تفسير : وروى الكلبيُّ، عن ابن عباسٍ أنَّ الآية نزلت في عمرو بن الجموح، وهو الذي قتل يوم أُحُدٍ، وكان شيخاً كبيراً هرماً، وعنده مالٌ عظيمٌ، فقال ماذا ننفق من أموالنا؟ وأين نضعها؟ فنزلت الآيةُ. فإن قيل إنَّ القوم سألوا عما ينفقون كيف أُجيبوا ببيان المصرف؟ فالجواب من وجوه: أحدها: أنَّ في الآية حذفاً، تقديره: ماذا ينفقون ولمن يعطونه، كما ذكرنا في رواية الكلبيِّ في سبب النزول، فجاء الجواب عنهما، فأجاب عن المنفق بقوله: "مِنْ خَيْرٍ" وعن المنفق عليه بقوله: فَلِلْوَالِدَيْنِ" وما بعده. ثانيها: أن يكون "ماذا" سؤالاً عن المصرف على حذف مضافٍ، تقديره: مصرف ماذا ينفقون؟ ثالثها: أن يكون حذف من الأوَّل ذكر المصرف، ومن الثاني ذكر المنفق، وكلاهما مرادٌ، وقد تقدَّم شيءٌ من ذلك في قوله تعالى: {أية : وَمَثَلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ كَمَثَلِ}تفسير : [البقرة: 171]. رابعها: قال الزمخشريُّ: قد تضمَّن قوله: {مَآ أَنْفَقْتُمْ مِّنْ خَيْرٍ} بيان ما ينفقونه، وهو كلُّ خيرٍ؛ وبُني الكلام على ما هو أهمُّ وهو بيان المصرف؛ لأنَّ النفقة لا يعتدُّ بها إلاَّ أن تقع موقعها. قال: [الكامل] شعر : 1047 - إنَّ الصَّنِيعَةَ لاَ تَكُونُ صَنِيعَةً حَتَّى يُصَابَ بِهَا طَرِيقُ الْمَصْنَعِ تفسير : خامسها: قال القفَّال: إنه وإن كان السؤال وارداً بلفظ "ما نُنْفِقُ: إلاَّ أن المقصود السؤال عن الكيفية؛ لأنهم كانوا علامين بأن الإنفاق يكون على وجه القربة، وإذا كان هذا معلوماً عندهم، لم ينصرف الوهم إلى ذلك، فتعيَّن أنَّ المراد بالسؤال إنَّما هو طريق المصرف، وعلى هذا يكون الجواب مطابقاً للسؤال، ونظيره قوله تعالى: {أية : قَالُواْ ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِيَ إِنَّ ٱلبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّآ إِن شَآءَ ٱللَّهُ لَمُهْتَدُونَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ ذَلُولٌ}تفسير : [البقرة:70، 71] وإنَّما كان هذا الجواب موافقاً للسؤال، لأنه كان من المعلوم أنها البقرة التي شأنها وصفتها كذا، فقوله: "مَا هِيَ" لا يمكن حمله على طلب الماهيَّة؛ فتعين أن يكون المراد منه طلب الصِّفة التي بها تتميز هذه البقرة عن غيرها، فكذا ها هنا. وسادسها: يحتمل أنَّهم لما سألوا عن هذا السؤال، فقيل لهم: هذا سؤالٌ فاسدٌ، أي: أنفقوا ما أردتم بشرط أن يكون مصروفاً إلى المصرف وهذا كقول الطبيب لمن سأله ماذا يأكل، فقال الطبيب: كل في اليومين مرَّتين، ومعناه، كل ما شئت، ولكن بهذا الشرط. فصل اعلم أنَّه تعالى رتَّب الإِنفاق، فقدَّم الوالدين، لأنَّهما كالمخرج للمكلَّف من العدم إلى الوجود، وذلك لأنَّ الله - تعالى - هو الذي أخرج الإنسان من العدم إلى الوجود؛ قال تعالى: {أية : وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِٱلْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً}تفسير : [الإسراء: 23] فأشار إلى أنه ليس بعد رعاية حقِّ الله - تعالى - من شيءٍ أوجب من رعاية حقِّ الوالدين؛ فلذلك قدمهما، ثم الأقربين؛ لأنَّ الإنسان أعلم بحال الفقير القريب من غيره؛ ولأنَّه إذا لم يراع قريبه الفقير لاحتاج الفقير إلى الرجوع إلى غيره، وذلك عار في حقِّ قريبه الغنيّ. فإن قيل: إنَّه تعالى ذكر "الْوَالِدَيْنِ" ثمَّ عطف عليه "الأَقْرَبِينَ" والعاطف يقتضي المغايرة، وذلك يدلُّ على أن الوالدين لا يدخلون في مسمَّى الأقربين، فهو خلاف الإجماع؛ لأنَّه لو وقف على "الأَقْربين" حمل فيه الوالدين بغير خلافٍ. فالجواب: أنَّ هذا من عطف العامِّ على الخاصِّ؛ كقوله تعالى: {أية : وَلَقَدْ ءَاتَيْنَاكَ سَبْعاً مِّنَ ٱلْمَثَانِي وَٱلْقُرْءَانَ ٱلْعَظِيمَ}تفسير : [الحجر: 87] فعطف القرآن على السبع المثاني، وهي من القرآن، وقال - عليه السّلام - "حديث : أفضل ما قلت أنا والنبيُّون من قبلي..."تفسير : فعطف "النَّبِيِّين" على قوله: "أَنَا" وهو من النبيين، وذلك شائعٌ في لسان العرب، ثمَّ ذكر بعدهم اليتامى؛ لأنهم لصغرهم لا يقدرون على الاكتساب، وليس لهم أحدٌ يكتسب لهم، فالطفل اليتيم: قد عدم الكسب، والمكاسب، وأشرف على الضياع، ثم ذكر بعدهم المساكين؛ لأنَّ حاجتهم أقلُّ من حاجة اليتامى؛ لأنَّ قدرتهم على التحصيل أكثر من قدرة اليتامى، ثم ذكر ابن السبيل بعدهم؛ لأنه بسبب انقطاعه عن بلده، قد يحتاج، ويفتقر، فهذا أصحُّ تركيبٍ، وأحسن ترتيبٍ في كيفيَّة الإنفاق، ثم لمَّا فصَّل هذا التَّفصيل الحسن الكامل، أردفه بالاجمال، فقال: {وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ} والعليم مبالغةٌ في كونه عالماً لا يعزب عن علمه مثقال ذرَّةٍ في الأرض، ولا في السَّماء. و"ما" هذه شرطيةٌ فقط؛ لظهور عملها الجزم بخلاف الأولى. وقرأ عليٌّ رضي الله عنه: "وما يفعلوا" بالياء على الغيبة، فيحتمل أن يكون من باب الالتفات من الخطاب، وأن يكون من الإضمار لدلالة السياق عليه، أي: وما يفعل الناس. فصل في المراد بالخير قال أكثر العلماء: المراد بـ"الخَيْر" هو المال؛ لقوله تعالى: {أية : وَإِنَّهُ لِحُبِّ ٱلْخَيْرِ لَشَدِيدٌ}تفسير : [العاديات: 8]، وقال: {أية : إِن تَرَكَ خَيْراً ٱلْوَصِيَّةُ}تفسير : [البقرة: 18]. وقيل: المراد بالخير هذا الإنفاق، وسائر وجوه البرِّ، والطاعة. فصل هل الآية منسوخة أم لا؟ قال بعضهم: هذه الآية منسوخة بآية المواريث. وقال أهل التفسير: إنها منسوخة بالزكاة. قال بعضهم: وكلاهما ضعيفٌ؛ لأنَّه يمكن حمل الآية على وجوهٍ لا يتطرق النَّسخ إليها. أحدها: قال أبو مسلم الأصفهاني: الإنفاق على الوالدين، واجبٌ عند قصورهما عن الكسب والملك، والمراد بـ"الأَقْرَبِينَ" الولد، وولد الولد، وقد تلزم نفقتهم عند فقد الملك، وعلى هذا فلا وجه للقول بالنَّسخ؛ لأنَّ هذه النفقة تلزم في حال الحياة، والميراث يصل بعد الموت، وما وصل بعد الموت لا يوصف بأنه نفقةٌ. وثانيها: أن يكون المراد من أحبَّ التقرب إلى الله تعالى بالنفقة، فالأولى أن ينفقه في هذه الجهات، فيكون المراد التطوع. ثالثها: أن يكون المراد االوجوب فيما يتصل بالوالدين والأقربين من حيث الكفاية، وفيما يتصل بالتيامى والمساكين مما يكون زكاةً. ورابعهما: يحتمل أن يريد بالإنفاق على الوالدين والأقربين ما يكون بعثاً على صلة الرَّحم، وفيما يصرفه لليتامى والمساكين ما يخلص للصدقة، فظاهر الآية محتملٌ لكل هذه الوجوه من غير نسخ.
البقاعي
تفسير : ولما كانت النفقة من أصول ما بنيت عليه السورة من صفات المؤمنين {أية : ومما رزقناهم ينفقون} تفسير : [البقرة: 3] ثم كرر الترغيب فيها في تضاعيف الآي إلى أن أمر بها في أول آيات الحج الماضية آنفاً مع أنها من دعائم بدايات الجهاد إلى أن تضمنتها الآية السالفة مع القتل الذي هو نهاية الجهاد كان هذا موضع السؤال عنهما فأخبر تعالى عن ذلك على طريق النشر المشوش وذلك مؤيد لما فهمته في البأساء والضراء فإن استعماله في القرآن أكثر من المرتب فقال معلماً لمن سأل: هل سأل المخاطبون بذلك عنهما؟ {يسئلونك ماذا} أي أيّ شيء {ينفقون} من الأموال. وقال الحرالي: لما كان منزل القرآن على نحو متصرف المرء في الأزمان كان انتظام خطابه متراجعاً بين خطاب دين يتلقى عن الله وبين إقامة بحكم يكون العبد فيه خليفة الله في نفاذ أمره وبين إنفاق يكون فيه خليفة في أيصال فضله، لأن الشجاعة والجود - خلافة والجبن والبخل عزل عنها، فكان في طي ما تقدم من الخطاب الإحسان والإنفاق، وكان حق ذلك أن لا يسأل عماذا ينفق، لأن المنفق هو الفضل كله، قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : يا ابن آدم! إن تبذل الفضل خير لك وإن تمسكه شر لك"تفسير : ففي هذا السؤال ممن سأله له نوع تلدد من نحو ما تقدم لبني إسرائيل في أمر البقرة من مرادة المسألة، لم يستأذن الصديق رضي الله تعالى عنه حين أتى بماله كله ولا استأذن عمر رضي الله عنه حين أتى بشطر ماله ولا استأذن سعد بن الربيع حين خرج لعبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنهما عن شطر ماله وإحدى زوجتيه؛ فكان في هذا السؤال إظهار مثل الذين خلوا من قبلهم ولولا أن الله رحيم لكان جوابهم: تنفقون الفضل، فكان يقع واجباً ولكن الله لطف بالضعيف لضعفه وأثبت الإنفاق وأبهم قدره في نكس الإنفاق بأن يتصدق على الأجانب مع حاجة من الأقارب فقال تعالى خطاباً للنبي صلى الله عليه وسلم وإعراضاً منه عن السائلين لما في السؤال من التبلد الإسرائيلي - انتهى. فقال: {قل ما أنفقتم من خير} أي من مال وعدل عن بيان المنفق ما هو إلى بيان المصرف لأنه أنفع على وجه عرف منه سؤالهم وهو كل مال عدّوه خيراً فقال معبراً بالماضي ليكون أشمل: {ما أنفقتم من خير} فعمم المنفق منه وهو كل ماله تعدونه خيراً وخص المصرف مبيناً أهمه لأن النفقة لا يعتد بها إلا أن تقع موقعها فقال: فللوالدين} لأنهما أخرجاه إلى الوجود في عالم الأسباب {والأقربين} لما لهم من الحق المؤكد بأنهم كالجزء لما لهم من قرب القرابة {واليتامى} لتعرضهم للضياع لضعفهم. وقال الحرالي: لأنهم أقارب بعد الأقارب باليتم الذي أوجب خلافة الغير عليهم - انتهى {والمساكين} لمشاركتهم الأيتام في الضعف وقدرتهم في الجملة على نوع كسب. قال الحرالي: وهم المتعرضون لغة والمستترون الذين لا يفطن لهم ولا يجدون ما يغنيهم شرعاً ولغة نبوية - انتهى. {وابن السبيل} لضعفه بالغربة والآية محكمة فحمل ما فيها على ما يعارض غيرها. ولما خص من ذكر عمم وبشر بقوله: {وما تفعلوا من خير} أي مما يعد خيراً من عين أو معنى من هذا أو غيره مع هؤلاء أو غيرهم {فإن الله} المحيط علماً وقدرة بكل شيء. ولما كان على طريق الاستئناف في مقام الترغيب والترهيب لكونه وكل الأمر إلى المنفقين وكان سبحانه عظيم الرفق بهذه الأمة أكِد علمه بذلك فقدم بذلك فقدم الظرف إشارة إلى أن له غاية النظر إلى أعمالهم الحسنة فقال: {به عليم} أي بالغ العلم وهو أولى من جازى على الخير. وقال الحرالي: ختم بالعلم لأجل دخول الخلل على النيات في الإنفاق لأنه من أشد شيء تتباهى به النفس فيكاد لا يسلم لها منه إلا ما لا تعلمه شمالها التي هي التفاتها وتباهيها ويختص بيمينها التي هي صدقها وإخلاصها - انتهى. ولما أخبروا بما سألوا عنه من إحدى الخصلتين المضمنتين لآية الزلزال كان ذلك موضع السؤال عن الأخرى فأجيبوا على طريق الاستئناف بقوله: {كتب}. وقال الحرالي: لما التف حكم الحج بالحرب تداخلت آيات اشتراكهما وكما تقدم تأسيس فرض الحج في آية {أية : فمن فرض فيهن الحج} تفسير : [البقرة: 197] انتظم به كتب القتال، والفرض من الشيء ما ينزل بمنزلة الجزء منه، والكتب ما خُرز بالشيء فصار كالوصلة فيه، كما جعل الصوم لأن في الصوم جهاد النفس كما أن في القتال جهاد العدو، فجرى ما شأنه المدافعة بمعنى الكتب وما شأنه العمل والإقبال بمعنى الفرض، وهما معنيان مقصودان في الكتاب والسنة تحق العناية بتفهمهما لينزل كل من القلب في محله ويختص النية في كل واحد على وجهه وقد كان من أول منزلة آي القتال {أية : أذن للذين يقاتلون} تفسير : [الحج: 39] فكان الأول إذناً لمن شأنه المدافعة عن الدين بداعية من نفسه من نحو ما كانت الصلاة قبل الفرض واقعة من الأولين بداعية من حبهم لربهم ورغبتهم إليه في الخلوة به والأنس بمناجاته فالذين كانت صلاتهم حباً كان الخطاب لهم بالقتال إذناً لتلفتهم إليه في بذل أنفسهم لله الذين كان ذلك حباً لهم يطلبون الوفاء به حباً للقاء ربهم بالموت كما أحبوا لقاء ربهم بالصلاة "حين عقلوا" وأيقنوا أنه لا راحة لمؤمن إلا في لقاء ربه، فكان من عملهم لقاء ربهم بالصلاة في السلم، وطلب لقائه بالشهادة "في الحرب"، فلما اتسع أمر الدين ودخلت الأعراب والأتباع الذين لا يحملهم صدق المحبة للقاء الله على البدار للجهاد نزل كتبه كما نزل فرض الصلاة استدراكاً فقال: {كتب عليكم القتال} أي أيتها الأمة! وكان في المعنى راجعاً لهذا الصنف الذين يسألون عن النفقة، وبمعنى ذلك انتظمت الآية بما قبلها فكأنهم يتبلدون في الإنفاق تبلداً إسرائيلياً ويتقاعدون عن الجهاد تقاعد أهل التيه منهم الذين قالوا: {أية : اذهب أنت وربك فقاتلا} تفسير : [المائدة: 24] انتهى. {وهو كره} وهو ما يخالف غرض النفس وهواها، ولعله لكونه لما كان خيراً عبر باللام في {لكم} وهذا باعتبار الأغلب وهو كما قال الحرالي عند المحبين للقاء الله من أحلى ما تناله أنفسهم حتى كان ينازع الرجل منهم في أن يقف فيقسم على الذي يمسكه أن يدعه والشهادة، قال بعض التابعين: لقد أدركنا قوماً كان الموت لهم أشهى من الحياة عندكم اليوم وإنما كان ذلك لما خربوه من دنياهم وعمروه من أخراهم فكانوا يحبون النقلة من الخراب إلى العمارة - انتهى. ولما كان هذا مكروهاً لما فيه على المال من المؤونة وعلى النفس من المشقة وعلى الروح من الخطر من حيث الطبع شهياً لما فيه من الوعد بإحدى الحسنيين من حيث الشرع أشار إلى ذلك بجملة حالية فقال: {وعسى أن} وسيأتي إن شاء الله تعالى في سورة براءة من شرح معاني {عسى} ما يوضح أن المعنى: وحالكم جدير وخليق لتغطية علم العواقب عنكم بأن {تكرهوا شيئاً} أي كالغزو فتعرضوا عنه لظنكم أنه شر لكم {وهو} أي والحال أنه {خير لكم} لما فيه من الظفر والغنيمة أو الشهادة والجنة فإنكم لا تعلمون والذي كلفكم ذلك عالم بكل شيء غير محتاج إلى شيء وما كلفكم ذلك إلا لنفعكم. قال الحرالي: فشهد - لهم لما لم يشهدوا مشهد الموقنين الذين يشاهدون غيب الإيمان كما يشهدون عن الحس، كما قال ثعلبة: "كأني أنظر إلى أهل الجنة في الجنة ينعمون وأنظر إلى أهل النار في النار يعذبون" ولم يبرم لهم الشهادة ولكن ناطها بكلمة {عسى} لما علمه من ضعف قبول من خاطبه بذلك، وفي إعلامه إلزام بتنزل العلي الأدنى رتبة لما أظهر هذا الخطاب من تنزل الحق في مخاطبة الخلق إلى حد مجاوزة المترفق في الخطاب - انتهى. ولما رغبهم سبحانه وتعالى في الجهاد بما رجالهم فيه من الخير رهبهم من القعود عنه بما يخشى فيه من الشر. قال الحرالي: فأشعر أن المتقاعد له في تقاعده آفات وشر في الدنيا والآخرة ليس أن لا ينال خير الجهاد فقط بل وينال شر التقاعد والتخلف - انتهى. فقال تعالى: {وعسى أن تحبوا شيئاً} أي كالقعود فتقبلوا عليه لظنكم أنه خير لكم {وهو} أي والحال أنه {شر لكم} لما فيه من الذل والفقر وحرمان الغنيمة والأجر وليس أحد منكم إلا قد جرب مثل ذلك مراراً في أمور دنياه، فإذا صح ذلك في فرد صار كل شيء كذلك في إمكان خيريته وشريته فوجب ترك الهوى والرجوع إلى العالم المنزه عن الغرض ولذلك قال عاطفاً على ما تقديره: فالله قد حجب عنكم سر التقدير {والله} أي الذي له الإحاطة الكاملة {يعلم} أي له علم كل شيء وقد أخبركم في صدر هذا الأمر أنه رؤوف بالعباد فهو لا يأمركم إلا بخير. وقال الحرالي: شهادة بحق العلم يرجع إليها عند الأغبياء في تنزل الخطاب - انتهى. والآية من الاحتباك ذكر الخير أولاً دال على حذفه ثانياً وذكر الشر ثانياً دال على حذفه مثله أولاً. ولما أثبت سبحانه وتعالى شأنه العلم لنفسه نفاه عنهم فقال: {وأنتم لا تعلمون *] أي ليس لكم من أنفسكم علم وإنما عرض لكم ذلك من قبل ما علمكم فثقوا به وبادروا إلى كل ما يأمركم به وإن شق. وقال الحرالي: فنفى العلم عنهم لكلمة "لا" أي التي هي للاستقبال حتى تفيد دوام الاستصحاب {أية : وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً} تفسير : [الإسراء: 85] قال من حيث رتبة هذا الصنف من الناس من الأعراب وغيرهم، وأما المؤمنون أي الراسخون فقد علمهم الله من علمه ما علموا أن القتال خير لهم وأن التخلف شر لهم - انتهى. حتى أن علمهم ذلك أفاض على ألسنتهم ما يفيض الدموع وينير القلوب، "حديث : حتى شاورهم النبي صلى الله عليه وسلم في التوجه إلى غزوة بدر" فقام أبو بكر رضي الله تعالى عنه فقال وأحسن، ثم قام عمر رضي الله تعالى عنه فقال وأحسن، ثم قام المقداد رضي الله تعالى عنه فقال: يا رسول الله! امض لما أراك الله فنحن معك، والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: {فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون} [المائدة: 24] ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون، فوالذي بعثك بالحق! لو سرت إلى برك الغماد لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه؛ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم خيراً ودعا له، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أشيروا عليّ أيها الناس! فقال سعد بن معاذ الأنصاري رضي الله تعالى عنه: والله لكأنك تريدنا يا رسول الله؟ قال: أجل، قال: فقد آمنا بك وصدقناك وشهدنا أن ما جئت به هو الحق وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة، فامض يا رسول الله لما أردت فنحن معك. فوالذي بعثك بالحق! لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك! ما تخلف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدونا غداً! إنا لصبر في الحرب صدق في اللقاء، لعل الله يريك منا ما تقرّ به عينك، فسر بنا على بركة الله تعالى ". تفسير : ولما أخبرهم سبحانه وتعالى بإيجاب القتال عليهم مرسلاً في جميع الأوقات وكان قد أمرهم فيما مضى بقتلهم حيث تقفوهم ثم قيد عليهم في القتال في المسجد الحرام كان بحيث يسأل هنا: هل الأمر في الحرم والحرام كما مضى أم لا؟ وكان المشركون قد نسبوهم في سرية عبد الله بن جحش التي قتلوا فيها من المشركين عمرو بن الحضرمي إلى التعدي بالقتال في الشهر الحرام واشتد تعييرهم لهم به فكان موضع السؤال: هل سألوا عما عيرهم به الكفار من ذلك؟ فقال مخبراً عن سؤالهم مبنياً لحالهم: {يسئلونك} أي أهل الإسلام لا سيما أهل سرية عبد الله بن جحش رضي الله تعالى عنهم {عن الشهر الحرام} فلم يعين الشهر وهو رجب ليكون أعم، وسميت الحرم لتعظيم حرمتها حتى حرموا القتال فيها، فأبهم المراد من السؤال ليكون للنفس إليه التفات ثم بينه ببدل الاشتمال في قوله: {قتال فيه} ثم أمر بالجواب في قوله: {قل قتال فيه} أيّ قتال كان فالمسوغ العموم. ولما كان مطلق القتال فيه في زعمهم لا يجوز حتى ولا لمستحق القتل وكان في الواقع القتال عدواناً فيه أكبر منه في غيره قال: {كبير} أي في الجملة. ولما كان من المعلوم أن المؤمنين في غاية السعي في تسهيل سبيل الله فليسوا من الصد عنه ولا من الكفر في شيء لم يشكل أن ما بعده كلام مبتدأ هو للكفار وهو قوله: {وصد} أيّ صد كان {عن سبيل الله} الملك الذي له الأمر كله أي الذي هو دينه الموصل إليه أي إلى رضوانه، أو البيت الحرام فإن النبي صلى الله عليه وسلم سمى الحج سبيل الله. قال الحرالي: والصد صرف إلى ناحية بإعراض وتكره، والسبيل طريق الجادة السابلة عليه الظاهر لكل سالك منهجه {وكفر به} أيّ كفر كان، أي بالدين، أو بذلك الصد أي بسببه فإنه كفر إلى كفرهم، وحذف الخبر لدلالة ما بعده عليه دلالة بينة لمن أمعن النظر وهو أكبر أي من القتال في الشهر الحرام، والتقييد فيما يأتي بقوله: {عند الله} يدل على ما فهمته من أن المراد بقوله: {كبير} في زعمهم وفي الجملة لا أنه من الكبائر. ولما كان في تقدم الإذن بالقتال في الشهر الحرام وفي المسجد الحرام بشرط كما مضى كان مما يوجب السؤال عن القتال فيه في الجملة بدون ذلك الشرط أو بغيره توقعاً للإطلاق لا سيما والسرية التي كانت سبباً لنزول هذه الآية وهي سرية عبد الله بن جحش كان الكلام فيها كما رواه ابن إسحاق عن الأمرين كليهما فإنه قال: إنهم لقوا الكفار الذين قتلوا منهم وأسروا وأخذوا عيرهم في آخر يوم من رجب فهابوهم فلطفوا لهم حتى سكنوا فتشاوروا في أمرهم وقالوا: لئن تركتموهم هذه الليلة ليدخلن الحرم ولئن قتلتموهم لتقتلنهم في الشهر الحرام، فترددوا ثم شجعوا أنفسهم ففعلوا ما فعلوا فعيرهم المشركون بذلك فاشتد تعييرهم لهم واشتد قلق الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين لا سيما أهل السرية من ذلك ولا شك أنهم أخبروا النبي صلى الله عليه وسلم بكل ذلك فإخبارهم له على هذه الصورة كاف في عدة سؤالاتهم فضلاً عن دلالة ما مضى على التشوف إلى السؤال عنه لما كان ذلك قال تعالى: {والمسجد} أي ويسألونك عن المسجد {الحرام} أي الحرم الذي هو للصلاة والعبادة بالخضوع لا لغير ذلك "قتال فيه قل قتال فيه كبير" عندكم على نحو ما مضى ثم ابتدأ قائلاً: {وإخراج} كما ابتدأ قوله: {وصد عن سبيل الله} وقال: {أهله} أي المسجد الذي كتبه الله لهم في القدم وهم أولى الناس به {منه أكبر} أي من القتال في الشهر الحرام خطأ وبناء على الظن والقتل فيه {عند الله} أي المحيط بكل شيء قدرة وعلماً فقد حذف من كل جملة ما دل عليه ما ثبت في الأخرى فهو من وادي الاحتباك، وسر ما صنع في هذا الموضع من الاحتباك أنه لما كان القتال في الشهر الحرام قد وقع من المسلمين حين هذا السؤال في سرية عبد الله بن جحش أبرز السؤال عنه والجواب، ولما كان القتال في المسجد الحرام لم يقع بعد وسيقع من المسلمين أيضاً عام الفتح طواه وأضمره، ولما كان الصد عن سبيل الله الذي هو البيت والكفر الواقع بسببه لم يقع وسيقع من الكفار عام الحديبية أخفى خبره وقدّره، ولما كان الإخراج قد وقع منهم ذكر خبره وأظهره؛ فأظهر سبحانه وتعالى ما أبرزه على يد الحدثان، وأضمر ما أضمره في صدر الزمان، وصرح بما صرح به لسان الواقع، ولوح إلى ما لوح إليه صارم الفتح القاطع - والله الهادي. والمراد بالمسجد الحرام الحرم كله، قال الماوردي من أصحابنا: كل موضع ذكر الله فيه المسجد الحرام فالمراد به الحرم إلا قوله تعالى: {أية : فول وجهك شطر المسجد الحرام} تفسير : [البقرة: 149] فإن المراد به الكعبة - نقله عن ابن الملقن. وقال غيره: إنه يطلق أيضاً على نفس مكة مثل {أية : سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام} تفسير : [الإسراء: 1] فإن في بعض طرق البخاري: "حديث : فُرج سقف بيتي وأنا بمكة فنزل جبريل ففرج صدري ثم غسله بماء زمزم ثم جاء بطست - إلى أن قال: ثم أخذ بيدي فعرج بي إلى السماء" تفسير : ويطلق أيضاً على نفس المسجد نحو قوله تعالى: {أية : ويصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام الذي جعلناه للناس سواء العاكف فيه والباد} تفسير : [الحج: 25]. ولما كان كل ما تقدم من أمر الكفار فتنة كان كأنه قيل: أكبر، لأن ذلك فتنة {والفتنة} أي بالكفر والتكفير بالصد والإخراج وسائر أنواع الأذى التي ترتكبونها بأهل الله في الحرم والأشهر الحرم {أكبر من القتل} ولو كان في الشهر الحرام لأن همه يزول وغمها يطول. ولما كان التقدير: وقد فتنوكم وقاتلوكم وكان الله سبحانه وتعالى عالماً بأنهم إن تراخوا في قتالهم ليتركوا الكفر لم يتراخوا هم في قتالهم ليتركوا الإسلام وكان أشد الأعداء من إذا تركته لم يتركك قال تعالى عاطفاً على ما قدرته: {ولا يزالون} أي الكفار {يقاتلونكم} أي يجددون قتالكم كلما لاحت لهم فرصة. ولما كان قتالهم إنما هو لتبديل الدين الحق بالباطل علله تعالى بقوله: {حتى} ولكنهم لما كانوا يقدرون أنه هيّن عليهم لقلة المسلمين وضعفهم تصوروه غاية لا بد من انتهائهم إليها، فدل على ذلك بالتعبير بأداة الغاية، {يردوكم} أي كافة ما بقي منكم واحد {عن دينكم} الحق، ونبه على أن "حتى" تعليلية بقوله مخوفاً من التواني عنهم فيستحكم كيدهم ملهباً للأخذ في الجد في حربهم وإن كان يشعر بأنهم لا يستطيعون: {إن استطاعوا} أي إلى ذلك سبيلاً، فأنتم أحق بأن لا تزالوا كذلك، لأنكم قاطعون بأنكم على الحق وأنكم منصورون وأنهم على الباطل وهم مخذولون؛ ولا بد وإن طال المدى لاعتمادكم على الله واعتمادهم على قوتهم، ومن وكل إلى نفسه ضاع؛ فالأمر الذي بينكم وبينهم أشد من الكلام فينبغي الاستعداد له بعدته والتأهب له بأهبته فضلاً عن أن يلتفت إلى التأثر بكلامهم الذي توحيه إليهم الشياطين طعناً في الدين وصداً عن السبيل وشبههم التي أضَلوا عليهم دينهم ولا أصل لها، وفي الآية إشارة إلى ما وقع من الردة بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم فإن القتال على الدين لم ينقض إلا بعد الفروغ من أمرهم. قال الحرالي: الاستطاعة مطاوعة النفس في العمل وإعطاؤها الانقياد فيه، ثم قال: فيه إشعار بأن طائفة ترتد عن دينها وطائفة تثبت، لأن كلام الله لا يخرج في بته واشتراطه إلا لمعنى واقع لنحو ما ويوضحه تصريح الخطاب في قوله: {ومن يرتدد} إلى آخره؛ وهو من الردة ومنه الردة وهو كف بكره لما شأنه الإقبال بوفق - انتهى. وكان صيغة الافتعال المؤذنة بالتكلف والعلاج إشارة إلى أن الدين لا يرجع عنه إلا بإكراه النفس لما في مفارقة الإلف من الألم؛ وإجماع القراء على الفك هنا للإشارة إلى أن الحبوط مشروط بالكفر ظاهراً باللسان وباطناً بالقلب فهو مليح بالعفو عن نطق اللسان مع طمأنينة القلب، وأشارت قراءة الإدغام في المائدة إلى أن الصبر أرفع درجة من الإجابة باللسان وإن كان القلب مطمئناً. ولما حماهم سبحانه وتعالى بإضافة الدين إليهم بأنهم يريدون سلبهم ما اختاروه لأنفسهم لحقيته وردهم قهراً إلى ما رغبوا عنه لبطلانه خوفهم من التراخي عنهم حتى يصلوا إلى ذلك فقال: {ومن يرتدد منكم} أي يفعل ما يقصدونه من الردة {عن دينه} وعطف على الشرط قوله: {فيمت} أي فيتعقب ردته أنه يموت {وهو} أي والحال أنه {كافر}. ولما أفرد الضمير على اللفظ نصاً على كل فرد فرد جمع لأن إخزاء الجمع إخزاء لكل فرد منهم ولا عكس، وقرنه بفاء السبب إعلاماً بأن سوء أعمالهم هو السبب في وبالهم فقال: {فأولئك} البعداء البغضاء {حبطت أعمالهم} أي بطلت معانيها وبقيت صورها؛ من حبط الجرح إذا برأ ونفي أثره. وقال الحرالي: من الحبط وهو فساد في الشيء الصالح يأتي عليه من وجه يظن به صلاحه وهو في الأعمال بمنزلة البطح في الشيء القائم الذي يقعده عن قيامه كذلك الحبط في الشيء الصالح يفسده عن وهم صلاحه {في الدنيا} بزوال ما فيها من روح الأنس بالله سبحانه وتعالى ولطيف الوصلة به وسقوط إضافتها إليهم إلا مقرونة ببيان حبوطها فقط بطل ما كان لها من الإقبال من الحق والتعظيم من الخلق {والآخرة} بإبطال ما كان يستحق عليها من الثواب بصادق الوعد. ولما كانت الردة أقبح أنواع الكفر كرر المناداة بالبعد على أهلها فقال: {وأولئك أصحاب النار} فدل بالصحبة على أنهم أحق الناس بها فهم غير منفكين منها. ولما كانوا كذلك كانوا كأنهم المختصون بها دون غيرهم لبلوغ ما لهم فيها من السفول إلى حد لا يوازيه غيره فتكون لذلك اللحظ لهم بالأيام من غيرهم فقال تقريراً للجملة التي قبلها: {هم فيها خالدون *} أي مقيمون إقامة لا آخر لها، وهذا الشرط ملوح إلى ما وقع بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم من الردة لأن الله سبحانه وتعالى إذا ساق شيئاً مساق الشرط اقتضى أنه سيقع شيء منه فيكون المعنى: ومن يرتد فيتب عن ردته يتب الله عليه كما وقع لأكثرهم، وكان التعبير بما قد يفيد الاختصاص إشارة إلى أن عذاب غيرهم عدم بالنسبة إلى عذابهم لأن كفرهم أفحش أنواع الكفر.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في قوله {يسألونك ماذا ينفقون...} الآية. قال: يوم نزلت هذه الآية لم يكن زكاة، وهي النفقة ينفقها الرجل على أهله، والصدقة يتصدق بها فنسختها الزكاة. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن جريج قال: سأل المؤمنون رسول الله صلى الله عليه وسلم أين يضعون أموالهم؟ فنزلت {يسألونك ماذا ينفقون قل ما أنفقتم من خير...} الآية. فذلك النفقة في التطوّع، والزكاة سوى ذلك كله. وأخرج ابن المنذر عن ابن حبان قال "إن عمرو بن الجموح سأل النبي صلى الله عليه وسلم: ماذا ننفق من أموالنا وأين نضعها؟ فنزلت {يسألونك ماذا ينفقون...} الآية. فهذا مواضع نفقة أموالكم". وأخرج عبد بن حميد وابن المنذرعن قتادة قال "همتهم النفقة فسألوا النبي صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله {ما أنفقتم من خير...} الآية". وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد {يسألونك ماذا ينفقون} قال: سألوه ما لهم في ذلك؟ {قل ما أنفقتم من خير فللوالدين والأقربين...} الآية. قال: ههنا يا ابن آدم فضع كدحك وسعيك ولا تنفح بها هذا وذاك وتدع ذوي قرابتك وذوي رحمك. وأخرج الدارمي والبزار وابن المنذر والطبراني عن ابن عباس قال: ما رأيت قوماً كانوا خيراً من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، ما سألوه إلا عن ثلاث عشرة مسألة حتى قبض، كلهن في القرآن، منهن {أية : يسألونك عن الخمر والميسر} تفسير : [البقرة: 219] و {أية : يسألونك عن الشهر الحرام}تفسير : [البقرة: 217] و {أية : ويسألونك عن اليتامى} تفسير : [البقرة: 220] و {أية : يسألونك عن المحيض}تفسير : [البقرة: 222] و {أية : يسألونك عن الأنفال}تفسير : [الأنفال: 1] و {يسألونك ماذا ينفقون} ما كانوا يسألونك إلا عما كان ينفعهم.
التستري
تفسير : كما قال الله تعالى: {مَآ أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ}[215] أي من مال حلال في وجوهه وابتغاء مرضاته.
القشيري
تفسير : علموا أن العبد غير منفردٍ بالفاعلية أن يفعل، فإنَّ العبد ليس له فعل شيء إلا بإذن مولاه فتوقفوا في الإنفاق على ما يشير إليه تفصيل الإذن، لأنَّ العبوديَة الوقوفُ حيثما أوقفك الأمر. ويقال لم ينفقوا على إشارات الهوى. وإنَّ ما طالعوه تفاصيلُ الأمر وإشارات الشرع. والواو في هذه الآية في قوله: {وَٱلأَقْرَبِينَ وَٱلْيَتَامَىٰ} تشير إلى نوعٍ من الترتيب؛ فالأوْلى بمعروفك والداك ثم أقاربك ثم على الترتيب الذي قاله.
اسماعيل حقي
تفسير : {يسألونك ماذا ينفقون} اى أى شىء يتصدقون به من اصناف اموالهم. نزلت حين حث النبى عليه السلام على التصدق فى سبيل الله وسأل عمرو بن الجموح وهو شيخ همّ أى فان وله مال عظيم فقال ماذا ننفق يا رسول الله من اموالنا واين نضعها {قل ما أنفقتم من خير} اى أى شىء انفقتم من أى خير كان وهو بيان للمنفق والمال يسمى خيرا لان حقه ان يصرف الى جهة الخير فصار بذلك كأنه نفس الخير {فللوالدين}. فان قلت كيف طابق الجواب السؤال وهم قد سألوا عن بيان ما ينفقون واجيبوا ببيان المصرف قلت قد تضمن قوله {ما انفقتم من خير} بيان ما ينفقونه وهو كل خير وبنى الكلام على ما هو أهم وهو بيان المصرف. لان النفقة لا يعتد بها الا ان تقع موقعها {والأقربين واليتامى} اى المحتاجين {والمساكين وابن السبيل} ولم يتعرض للسائلين والرقاب اما اكتفاء بما ذكر فى المواقع الاخر واما بناء على دخولهم تحت عموم قوله تعالى {وما} اى أى شىء {تفعلوا من خير} فانه شامل لكل خير واقع فى أى مصرف كان {فإن الله به عليم} اى ان تفعلوا خيرا فان الله يعلم كنهه ويوفى ثوابه. والمراد بهذه الآية الحث على بر الوالدين وصلة الارحام وقضاء حاجة ذى الحاجة على سبيل التطوع ولا ينافيه ايجاب الزكاة وحصر مصارفها فى الاصناف الثمانية كما ذكر فى قوله تعالى {أية : إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفى الرقاب والغارمين وفى سبيل الله وابن السبيل}تفسير : [التوبة: 60].
ابن عجيبة
تفسير : قلت: {ماذا} إما مفعول {يُنفقون}، أو مبتدأ وخبر بحذف العائد، أي: ما الذي ينفقونه، والسائل هو عمرو بن الجُموح، كان ذا مال فقال: يا رسول الله، ماذا ننفق من أموالنا، وأين نضعها؟ فنزلت الآية. يقول الحقّ جلّ جلاله: {يسالونك} يا محمد {ماذا ينفقون} من أموالهم؟ {قل} لهم: {ما أنفقتم من خير} أيّ خير كان، ذهباً أو فضة أو طعاماً أو ثياباً أو حيواناً أو غير ذلك، فادفعوه للأهمّ فالأهم؛ كالوالدين والأقربين؛ لأن فيهم الصلة والصدقة، {واليتامى} الذين مات آباؤهم؛ لهضم حالهم، {والمساكين}؛ لضعفهم، {وابن السبيل}؛ لغربته واحتياجه إلى ما يُبلِّغه إلى وطنه، {وما تفعلوا من خير} يجازيكم به الله، فلا يخفى عليه شيء من أحوالكم، وهذه النفقة غير الزكاة، فلا نسخ في الآية. الله تعالى أعلم. الإشارة: الإنفاق على قسمين: حسيّ ومعنوي، والإنفاق الحسيّ هو بذل الأموال والفلوس، والإنفاق المعنوي هو بذل الأرواح والنفوس، فمن بذل أمواله لله عوضه الله جنة الزخارف، ومن بذل نفسه لله عوضه الله جنة المعارف، ومن دخل جنة المعارف لا يشتاق إلى جنة الزخارف، وكما أن لنفقة الأموال محلاً تُصرف يه، كما ذكره الحقّ تعالى هنا، كذك لنفقة النفوس محل تصرف فيه؛ وهو خدمة الشيوخ العارفين بالله، والإخوان الذين يستعين بهم على الوصول إلى الله، وكذلك من احتاج إليه من اليتامى الذين لا شيخ لهم، فيرشدهم وينصحهم، والمساكين الضعفاء الذي لا قدرة لهم على مجاهدة نفوسهم، فيقويهم بحاله أو مقاله، والغريب الذي انفرد عن الإخوان، ولم يجد ما يستعين به على سيره فيرشده إلى الصحبة والاجتماع بأهل المحبة، وإلى هذا المنزع أشار الشيخ أبو مدين ري الله عنه: شعر : وَبالتغنِّي عَلى الإخوَانِ جُدْ أبَدا حِسّاً ومعنىً، وغُضَّ الطَّرْفَ إنْ عَثَرَا تفسير : ولمّا ذكر الحقّ جلّ جلاله قواعد الإسلام، وهي الصلاةُ والزكاة والصوم والحج، بعد أن أشار إلى كلمة التوحيد بقوله:{أية : وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ}تفسير : [البَقَرَة: 163]، ذكر الجهاد - الذي هو حفظ نظامه -
الطوسي
تفسير : المعنى: وجه اتصال هذه الآية بما قبلها: أن الآية الأولى فيها دعاء الى الصبر على الجهاد في سبيل الله، وفي هذه بيان لوجه النفقة في سبيل الله، وكل ذلك دعاء الى فعل البرّ. والنفقة: إخراج الشيء عن الملك ببيع، أو هبة أو صلة، أو نحوها، وقد غلب في العرف على إخراج ما كان من المال: من عين، أو ورق. وقوله {يسألونك} خطاب للنبي (صلى الله عليه وسلم) بأن القوم يسألونه، والسؤال: طلب الجواب بصيغة مخصوصة في الكلام. وذكر السدي: أن هذه الآية منسوخة بفرض الزكاة. وقال الحسن: ليست منسوخة، وهو الأقوى، لأنه لا دليل على نسخها. والجواب المطابق لقوله: {يسألونك ماذا ينفقون} أن يقول: قل النفقة التي هي خير، وإنما عدل عنه لحاجة السائل الى البيان الذي يدل عليه، وعلى غيره، وذلك يحسن من الحكماء اذا أرادوا تعليم غيرهم، وتبصيرهم أن يضمنوا الجواب مع الدلالة على المسؤل عنه الدلالة على ما يحتاج إليه السائل في ذلك المعني مما أغفله أو حذف السؤال عنه لبعض الأسباب المحسنة له. فأما الجدل الذي يضايق فيه الخصم، فالأصل فيه التحقيق، بأن يكون الجواب على قدر السؤال من غير زيادة ولا نقصان، ولا عدول عما يوجبه نفس السؤال، لأن كل واحد من الخصمين قد حل محل النظير للآخر. ولا يجوز إعطاء الزكاة للوالدين، وكل من تلزمه نفقته - وبه قال الحسن - والآية عامة في الزكاة وفي التطوع - وبه قال الحسن - غير أنها فيمن تلزمه النفقة عليه، خاصة بالنفقة. الاعراب: وموضع (ما) في قوله: {ماذا ينفقون} من الاعراب يحتمل وجهين: الرفع، والنصب، والرفع على ما الذي ينفقون، فيكون المعني الذي، وينفقون صلة، والنصب بمعنى أي شيء ينفقون، فيكون (ذا) و (ما) بمنزلة شيء واحد. والمساكين جمع مسكين وهو المحتاج. المعنى: ومعنى قوله: {فإن الله به عليم} اي ما تفعلوا من خير فان الله يجازي عليه من غير أن يضيع منه شيء, لأنه عليم لا يخفى عليه شيء. قال مجاهد: معنى {يسألونك ماذا ينفقون} إنهم سألوا ما لهم في ذلك، فقال الله تعالى: {قل ما أنفقتم من خير} الآية. وقال قتادة: أهمّهم النفقة، فسألوا عنها النبي (صلى الله عليه وسلم) فأنزل الله {قل ما أنفقتم من خير} الآية.
الجنابذي
تفسير : {يَسْأَلُونَكَ} مستأنف منقطع عمّا قبله {مَاذَا} اىّ شيءٍ او ما الّذى {يُنْفِقُونَ} وعلى الاوّل فماذا فى موضع نصب مفعول لينفقون {قُلْ مَآ أَنْفَقْتُمْ مِّنْ خَيْرٍ} ما يصدق عليه اسم الخير من المال كائناً ما كان قليلاً او كثيراً جيّداً او غير جيّد، ولا يصدق اسم الخير على المال الاّ اذا كان كسبه بقلب صاف ونيّة صادقة والتّصرّف فيه كذلك وما مفعول أنفقتم ولا حاجة الى جعله مبتدأً حتّى يحتاج الى تقدير العائد {فَلِلْوَالِدَيْنِ} كأنّ سؤالهم عن المنفق فأجاب تعالى بالمصرف تنبيهاً على انّ الاهتمام فى الانفاق بان يقع فى موقعه ويصدر عن قلب صاف ونيّة صادقة كما اشير اليه بعنوان الخير لا بعين المنفق فانّه قد يقع التمرة فى موقعه فيفضل القنطار {وَٱلأَقْرَبِينَ وَٱلْيَتَامَىٰ وَٱلْمَسَاكِينَ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ} بيّن المصرف بالتّرتيب الاولى فالاولى {وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ} ترغيب فى الانفاق بانّ مطلق فعل الخير معلوم له تعالى ولا يدعه من غير مجازاةٍ؛ وما مفعول {تَفْعَلُواْ}.
الأعقم
تفسير : قوله تعالى: {يسألونك ماذا ينفقون} الآية نزلت في عمرو بن الجموح وكان شيخاً كبيراً ذا مال كثير فقال: يا رسول الله بماذا أتصدق وعلى من أنفق؟ وقيل: ان الآية وردت في التطوع وهو قول الأكثر، وقيل: الآية وردت في الزكاة فنسخت ببيان مصارف الزكاة، وقيل: هي عامة في التطوع والزكاة فهي في الوالدين تطوع وفي من عداهم زكاة {وما تفعلوا من خير} أي من عمل بر يقربكم الى الله تعالى {فان الله بذلك عليم} يجزيكم عليه {كتب عليكم القتال وهو كره لكم} كتب بمعنى فرض القتال أي الجهاد {وهو كره لكم} أي شاق عليكم {وعسى} يعني قد {تكرهوا شيئاً وهو خير لكم} لأنكم بين الخشيَتين اما الغلبة والغنيمة او الجنة {وعسى ان تحبوا شيئاً وهو شر لكم} اي قد تحبوا شيئاً وهو شر لكم وهو القعود عن الجهاد بمحبة الحياة، قوله تعالى: {يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير} الآية نزلت في قتل عمرو بن الحضرمي مشركاً وذلك ان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بعث عبدالله بن جحش وجماعة من المهاجرين الى بطن نخلة بين مكة والطائف فأخذوا عيراً وقتلوا ابن الحضرمي وجاؤوا بالعير والأسرى الى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في اول رجب فعيَّرهم المشركون بانهم استحلوا الشهر الحرام فانزل الله تعالى هذه الآية: {وكفر به} وكفرهم بالله {واخراج} أهل المسجد الحرام وهم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) والمؤمنون {أكبر عند الله} مما فعلته السرية {والفتنة} اي الكفر، وقيل: الاخراج {اكبر من القتل} يعني في الشهر الحرام {ان الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله} نزلت في عبدالله بن جحش وأصحابه على ما تقدم قاتلوا في رجب، قوله تعالى: {يسألونك عن الخمر والميسر} قيل: نزلت الآية في عمر بن الخطاب ومعاذ بن جبل ونفر من الانصار جاؤوا إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وقالوا: افتنا في الخمر والميسر فانهما مذهبةٌ للعقل مسلبة للمال، فأنزل الله تعالى الآية، والميسر هو القمار {قل فيهما إثمٌ كبيرٌ} وزرٌ عظيمٌ {ومنافع للناس} من اللذة بشربها وفي القمار ما يصيبُون من الأموال من غير نصب ولا نكد، وقيل: منافع للناس التجارة {ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو} قيل: هو الفضل عن النفس والعيال ليكون عن ظهر غنى، وقيل: الوسط من غير سرف، وقيل: الصدقة المفروضة {يبيّن الله لكم الآيات} يعني أمر النفقة والخمر والميسر {ويسألونك عن اليتامى}، قيل: كانت العرب في الجاهليَّة يعظمون شأن اليَتيم ويشدّدُون في أمره فلما جاء الإسلام سألوا عن ذلك فنزلت الآية، وقيل: لما نزل قوله تعالى: {أية : ولا تقربوا مال اليتيم} تفسير : [الإسراء: 34] وقوله تعالى: {أية : ان الذين يأكلون اموال اليتامى ظلماً} تفسير : [النساء: 10] اجتنبوا مخالطتهم في كل شيء وكانوا لا يواكلونهم فاشتد عليهم فسألوا عنه فنزلت الآية، قيل: يسألونك عن أموالهم، وقيل: عن القيام عليهم لأن السؤال لم يقع على أشخاصهم {قل} يا محمد {اصلاح لهم خير وان تخالطوهم} المخاطب ولي اليتيم يعني اصلاح لأموالهم بغير غوص، وقيل: إصلاحهم بتأديبهم وتقريبهم مثل ما يفعله بولده، وقيل: أتشاركونهم في أموالهم ونفقاتهم {والله يعلم المفسد من المصلح ولو شاء الله لأعنتكم} يعني كما وسع عليكم بهذه الرخصة لو شاء شدَّد عليكم وضيّق.
الهواري
تفسير : قوله: {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ مَا أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللهَ بِهِ عَلِيمٌ}. نزلت هذه الآية قبل أن تنزل آية الزكاة، ولم يكن ذلك يومئذ شيئاً موقوتاً. ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : ألا أنبئكم بخمسة الدنانير أفضلها ديناراً وأحسنها ديناراً؟ أفضل الخمسة دنانير الذي تنفقه على والدتك، وإن أفضل الأربعة دنانير الذي تنفقه على والدك، وإن أفضل الثلاثة دنانير الذي تنفقه على ولدك وزوجتك وعيالك. وإن أفضل الدينارين الباقيين الذي تنفقه على ذي قرابتك. وإن أخسها وأقلها أجراً الذي تنفقه في سبيل الله .
اطفيش
تفسير : {يَسْألونَك مَاذَا يُنفقُونَ قُلْ ما أنفَقْتُم مِنْ خَيْر فِللْوالِديْن والأقْربين واليَتَامى والمسَاكينِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْر فإنَّ اللّهَ بِهِ عَلِيم}: سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شيئين: أحدهما الشئ الذى ينفق أدنانير أو دراهم؟ وثمرا وحيوانا أو غير ذلك؟ والثانى من ينفق عليه؟ وذكر الله تعالى عنهم الأول فقط، وأجاب عن الثانى فقط إرشاداً لهم بأن الأهم السؤال على من ينفق عليه، لأن النفقة لا يعتد بها إلا إن وقعت موقعها، وأنشدوا: شعر : إن الصنيعة لا تكون صنيعة حتى يصاب بها طريق المصنع تفسير : ويجوز أن يقال: أجاب عن الله الأول أيضاً بقوله: {قل ما أنفقتم من خير}، وكأنه قيل المنفق مطلق الخير والمنفق عليهم هؤلاء، والخير المال الحلال لا يطلق الخير على المال إلا إذا كان حلالا، وقدم الوالدين، لأنهما أحق لأنهما سبب وجود الولد ومربياه، ثم الأقربين، لأنه لا يقوم بمصالح الفقراء كلهم، فقدموا لقرابتهم، ثم اليتامى، لأنهم ضعفاء لا يطيقون الكسب ثم المساكين، لأن حاجتهم دون حاجة اليتامى، وأخر ابن السبيل، لأنه أمر يعرض، وقد يكون له مال معه، أو فى بلدة يتسلف إليه، والمراد بالخير الثانى فى قوله: {وما تفعلوا من خير} العمل الصالح من إنفاق وغيره، وقوله: {فإن الله به عليم}، كناية عن المجاراة، والآية فى صدقة التطوع، وقال قوم منهم ابن مسعود فى الزكاة الواجبة: ونسخ منها الوالدان والأولاد، إذ لا يعطى الرجل أباه وأمه وولده الزكاة على ما تقرر فى الفقه، وعن السدى نزلت قبل فرض الزكاة ثم نسختها آية الزكاة. والصحيح أنها فى الصدقة التطوعية، ولا نسخ فيها وهو قول الجمهور، وعليه ابن جريح والحسن البصرى، وابن زيد فإن النسخ مبنى على منافاة المنصين ولا منافاة هنا، لجوار أن تكون الآية حثاً على بر الوالدين وصلة الأرحام وقضاء حاجات ذوى الحاجات تطوعاً أو بياناً لمن يجب إنفاقه للحاجة، ولو قيل أنها فى الزكاة لجاز وعليه فخصوا بالذكر تمثيلا لا حصراً، فلا ينافى إيجاب الزكاة، وإن مصارفها ثمانية أو سبعة، بناء على إسقاط سهم المؤلفة، لانتهاء الحكم بانتهاء علته، وعنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : ألا أنبئكم بأفضل خمسة دنانير؟ هو الذى تنفقه على والدتك، وأفضل الأربعة الذى تنفقه على والدك، وأفضل الثلاثة الذى تنفقه على ولدك وزوجك وعيالك، وأفضل الدينارين الذى تنفقه على ذوى قرابتك، وأقلها أجراً تنفقه فى سبيل الله ".
اطفيش
تفسير : {يَسْئَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ} أى وعلى من ينفقون، بدليل قوله: فللوالدين الخ، السائل عمرو بن الجموح الأنصارى، وهو شيخ هرم ذو مال عظيم وكان بصيغة الجمع، لأنه قال فى سؤاله ماذا ننفق ولرضى غيره بسؤاله وإعجابهم به، أو سألوا معه كما قال ابن جريج {قُلْ مَآ أَنْفَقْتُمْ} ما أردتم إنفاقه {مِّنْ خَيْرٍ} جواب عن نفس ما ينفق فى ضمن الشرط، يتضمن أن الإِنفاق يتصور بكل ما أمكن من الحلال، وهو الخير، أو الخير المال، والحلال يعرف من المقام لأنه لا يتقرب إلى الله بمعصية ومن خارج {فَلِلْوَٰلِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ وَالْيَتَٰمَى وَالْمَسَٰكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ} بيان للمنفق عليه تصريحا، لأنه الأهم، وأجاب عن نفس ما ينفق بعرض التصريح، لأن الأولى بهم أن يسألوا عن المنفق عليه، والصحيح أن الآية ليست فى الزكاة كما هو ظاهر، وتجوز الزكاة للوالدين والولد بشرط الفقر والإسلام، وعدم قرنها بمنفعة ترجع إلى المعطى، وتجوز من زوج لزوجها ومنه لها، كذلك لدين عليها لا تجد خلاصه لا لتتزين بها، وإنما جازت لها منه لأنه ليس عليه قضاء ما عليها من الدين، وقدم الوالدين لعظم شأنهما وحقهما وفعلهما مع الولد، وأنهما أصله، وحتى إنه هما نفسهما، وإنما هو لا قرابة فقط، وذكر الأقرب بعدهما لأنه كبعض الوالدين فهو أولى، إذ لا طاقة على الناس كلهم. وذكر اليتامى لأنهم لا يقوون على الكسب، وهم أحق، وسيما إن كان فيهم أيضا قرابة، وأخر ابن السبيل إذ كان قويا حتى كان ابن السبيل، ولم يذكر السائلين والرقاب لدخولهم فى المساكين، وقيل نزلت فى رجل قال: يا رسول الله لى دينار، قال أنفقه على نفسك، فقال اثنان، فقال: على أهلك، فقال: ثلاثة، فقال: على خادمك، فقال أربعة، فقال: على والديك، فقال: خمسة، فقال: على قرابتك {وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ} إنفاق أو غيره كصلاة وصوم {فَإِنَّ اللهَ بِهِ عَلِيمٌ} كناية عن المجازاة، إن كان من حلال وفى إخلاص ولو حلالا عند المنفق لا عند الله مما لا يدرك بالعلم، والجملة جواب الشرط، لأن المعنى تثابوا عليه أو دليل الجواب أى تثابوا عليه لأن الله به عليم، والإثابة على الإنفاق مستمرة بعد فرض الزكاة وقبله، فلا وجه لدعوى نسخه بالزَكاة، ولا سيما أن هذا شامل للزكاة وغيرها، وتعميم بعد تخصيص، وليس أمراً بل إخبار فلا يقبل النسخ.
الالوسي
تفسير : {يَسْـئَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ} قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في رواية أبـي صالح: «كان عمرو بن الجموح شيخاً كبيراً ذا مال كثير فقال: يا رسول الله بماذا نتصدق وعلى من ننفق؟ فنزلت» وفي رواية عطاء عنه إنها نزلت في حديث : رجل أتى النبـي صلى الله عليه وسلم فقال: إن لي ديناراً، فقال: أنفقه على نفسك فقال: إن لي دينارين فقال: أنفقهما على أهلك فقال: إن لي ثلاثة فقال: أنفقها على خادمك فقال: إن لي أربعة فقال: أنفقها على والديك فقال: إن لي خمسة فقال: أنفقها على قرابتك فقال: إن لي ستة فقال: أنفقها في سبيل الله تعالى» تفسير : وعن ابن جريج قال: «سأل المؤمنون رسول الله صلى الله عليه وسلم أين يضعون أموالهم؟» فنزلت. {قُلْ مَآ أَنْفَقْتُمْ مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَٱلأَقْرَبِينَ وَٱلْيَتَامَىٰ وَٱلْمَسَاكِينِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ} ظاهر الآية أنه سئل عن المنفق فأجاب ببيان المصرف صريحاً لأنه أهم فإن اعتداد النفقة باعتباره، وأشار إجمالاً إلى بيان المنفق فإنّ {مّنْ خَيْرٍ} يتضمّن كونه حلالاً إذ لا يسمى ما عداه خيراً وإنما تعرض لذلك وليس في السؤال ما يقتضيه لأنّ السؤال للتعلم لا للجدل، وحق المعلم فيه أن يكون كطبيب رفيق يتحرى ما فيه الشفاء، طلبه المريض أم لم يطلبه، ولما كانت حاجتهم إلى من ينفق عليه كحاجتهم إلى ما ينفق بين الأمرين وهذا كمن به صفراء فاستأذن طبيباً في أكل العسل فقال: كله مع الخل، فالكلام إذاً من أسلوب الحكيم، ويحتمل أن يكون في الكلام ذكر المصرف أيضاً كما تدل عليه الرواية الأولى في سبب النزول إلا أنه لم يذكره في الآية للإيجاز في النظم تعويلاً على الجواب فتكون الآية جواباً لأمرين مسؤول عنهما، والاقتصار في بيان المنفق على الإجمال من غير تعرض للتفصيل كما في بيان المصرف للإشارة إلى كون الثاني أهم، وهل تخرج الآية بذلك عن كونها من أسلوب الحكيم أم لا؟ قولان أشهرهما الثاني حيث أجيب عن المتروك صريحاً وعن المذكور تبعاً، والأكثرون على أن الآية في التطوع، وقيل: في الزكاة، واستدل بها من أباح صرفها للوالدين، وفيه أن عموم (خير) مما ينافي كونها في الزكاة لأن الفرض فيها قدر معين بالاجماع ولم يتعرض سبحانه للسائلين، و (الرقاب) إما اكتفاءً بما ذكر في المواضع الأخر، وإما بناءاً على دخولهم تحت عموم قوله تعالى: {وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ} فإنه شامل لكل خير واقع في أي مصرف كان و {مَا} شرطية مفعول به ـ لتفعلوا ـ والفعل أعم من الإنفاق وأتى بما يعم تأكيداً للخاص الواقع في الجواب. {فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ} يعلم كنهه كما يشير به صيغة فعيل مع الجملة الإسمية المؤكدة، والجملة جواب الشرط باعتبار معناها الكنائي إذ المراد منها توفية الثواب، وقيل: إنها دليل الجواب، وليست به، ومناسبة هذه الآية لما قبلها هو أن الصبر على النفقة وبذل المال من أعظم ما تحلى به المؤمن وهو من أقوى الأسباب الموصلة إلى الجنة حتى ورد «الصدقة تطفىء غضب الرب».
سيد قطب
تفسير : الظاهرة البارزة في هذا القطاع من السورة، هي ظاهرة الأسئلة عن أحكام.. وهي كما قلنا عند الكلام عن قوله تعالى: يسألونك عن الأهلة.. في هذا الجزء.. ظاهرة توحي بيقظة العقيدة واستيلائها على نفوس الجماعة المسلمة إذ ذاك، ورغبة المؤمنين في معرفة حكم العقيدة في كل شأن من شؤون حياتهم اليومية، كي يطابقوا بين تصرفهم وحكم العقيدة.. وهذه آية المسلم: أن يتحرى حكم الإسلام في الصغيرة والكبيرة من شؤون حياته، فلا يقدم على عمل حتى يستيقن من حكم الإسلام فيه. فما أقره الإسلام كان هو دستوره وقانونه؛ وما لم يقره كان ممنوعاً عليه حراماً. وهذه الحساسية هي آية الإيمان بهذه العقيدة. كذلك كانت تثار بعض الأسئلة بسبب الحملات الكيدية التي يشنها اليهود والمنافقون، والمشركون كذلك حول بعض التصرفات؛ مما يدفع بعض المسلمين ليسأل عنها، إما ليستيقن من حقيقتها وحكمتها، وإما تأثراً بتلك الحملات والدعايات المسمومة. فكان القرآن يتنزل فيها بالقول الفصل؛ فيثوب المسلمون فيها إلى اليقين؛ وتبطل الدسائس، وتموت الفتن، ويرتد كيد الكائدين إلى نحورهم.. وهذا يصور جانباً من المعركة التي كان القرآن يخوضها تارة في نفوس المسلمين، وتارة في صف المسلمين، ضد الكائدين والمحاربين! وفي هذا الدرس جملة من هذه الأسئلة: سؤال عن الإنفاق. مواضعه ومقاديره ونوع المال الذي تكون فيه النفقة. وسؤال عن القتال في الشهر الحرام. وسؤال عن الخمر والميسر. وسؤال عن اليتامى.. وبواعث هذه الأسئلة تمثل الأسباب التي ذكرناها من قبل. وسنعرضها بالتفصيل عند استعراض النصوص. {يسألونك ماذا ينفقون؟ قل ما أنفقتم من خير فللوالدين والأقربين واليتامى والمساكين وابن السبيل. وما تفعلوا من خير فإن الله به عليم}.. لقد وردت آيات كثيرة في الإنفاق سابقة على هذا السؤال. فالإنفاق في مثل الظروف التي نشأ فيها الإسلام ضرورة لقيام الجماعة المسلمة في وجه تلك الصعاب والمشاق والحرب التي كانت تواجهها وتكتنفها؛ ثم هو ضرورة من ناحية أخرى: من ناحية التضامن والتكافل بين أفراد الجماعة؛ وإزالة الفوارق الشعورية بحيث لا يحس أحد إلا أنه عضو في ذلك الجسد، لا يحتجن دونه شيئاً، ولا يحتجز عنه شيئاً، وهو أمر له قيمته الكبرى في قيام الجماعة شعورياً، إذا كان سد الحاجة له قيمته في قيامها عملياً. وهنا يسأل بعض المسلمين: {ماذا ينفقون؟}.. وهو سؤال عن نوع ما ينفقون.. فجاءهم الجواب يبين صفة الإنفاق؛ ويحدد كذلك أولى مصارفه وأقربها: {قل: ما أنفقتم من خير}.. ولهذا التعبير إيحاءان: الأول إن الذي ينفق خير.. خير للمعطي وخير للآخذ وخير للجماعة وخير في ذاته فهو عمل طيب، وتقدمة طيبة، وشيء طيب.. والإيحاء الثاني أن يتحرى المنفق أفضل ما عنده فينفق منه؛ وخير ما لديه فيشارك الآخرين فيه. فالإنفاق تطهير للقلب وتزكية للنفس، ثم منفعة للآخرين وعون. وتحري الطيب والنزول عنه للآخرين هو الذي يحقق للقلب الطهارة، وللنفس التزكية، وللإيثار معناه الكريم. على أن هذا الإيحاء ليس إلزاماً، فالإلزام - كما ورد في آية أخرى - أن ينفق المنفق من الوسط، لا أردأ ما عنده ولا أغلى ما عنده. ولكن الإيحاء هنا يعالج تطويع النفس لبذل ما هو خير، والتحبيب فيه، على طريقة القرآن الكريم في تربية النفوس، وإعداد القلوب.. أما طريق الإنفاق ومصرفه فيجيء بعد تقرير نوعه: {فللوالدين والأقربين واليتامى والمساكين وابن السبيل}.. وهو يربط بين طوائف من الناس. بعضهم تربطه بالمنفق رابطة العصب، وبعضهم رابطة الرحم، وبعضهم رابطة الرحمة، وبعضهم رابطة الإنسانية الكبرى في إطار العقيدة.. وكلهم يتجاوزون في الآية الواحدة: الوالدون. والأقربون. واليتامى والمساكين وابن السبيل. وكلهم يتضامنون في رباط التكافل الاجتماعي الوثيق بين بني الإنسان في إطار العقيدة المتين. ولكن هذا الترتيب في الآية وفي الآيات الأخرى، والذي تزيده بعض الأحاديث النبوية تحديداً ووضوحاً كالذي جاء في صحيح مسلم عن جابر "حديث : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لرجل:ابدأ بنفسك فتصدق عليها، فإن فضل شيء فلأهلك، فإن فضل شيء عن أهلك فلذي قرابتك، فإن فضل عن ذي قرابتك شيء فهكذا وهكذا... ". تفسير : هذا الترتيب يشي بمنهج الإسلام الحكيم البسيط في تربية النفس الإنسانية وقيادتها.. إنه يأخذ الإنسان كما هو، بفطرته وميوله الطبيعية واستعداداته؛ ثم يسير به من حيث هو كائن، ومن حيث هو واقف! يسير به خطوة خطوة، صعداً في المرتقى العالي: على هينة وفي يسر؛ فيصعد وهو مستريح، هو يلبي فطرته وميوله واستعداداته، وهو ينمي الحياة معه ويرقيها. لا يحس بالجهد والرهق، ولا يكبل بالسلاسل والأغلال ليجر في المرتقى! ولا تكبت طاقاته وميوله الفطرية ليحلق ويرف! ولا يعتسف به الطريق اعتسافاً، ولا يطير به طيراناً من فوق الآكام! إنما يصعدها به صعوداً هيناً ليناً وقدماه على الأرض وبصره معلق بالسماء، وقلبه يتطلع إلى الأفق الأعلى، وروحه موصولة بالله في علاه. ولقد علم الله أن الإنسان يحب ذاته؛ فأمره أولاً بكفايتها قبل أن يأمره بالإنفاق على من سواها؛ وأباح له الطيبات من الرزق وحثه على تمتيع ذاته بها في غير ترف ولا مخيلة. فالصدقة لا تبدأ إلا بعد الكفاية. والرسول - صلى الله عليه وسلم - يقول: "حديث : خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى، واليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول" تفسير : ..وعن جابر - رضي الله عنه - قال "حديث : جاء رجل بمثل بيضة من ذهب، فقال: يا رسول الله. أصبت هذه من معدن فخذها فهي صدقة ما أملك غيرها. فأعرض عنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم أتاه من قبل ركنه الأيمن فقال مثل ذلك فأعرض عنه. فأتاه من قبل ركنه الأيسر فقال مثل ذلك، فأعرض عنه. ثم أتاه من خلفه فقال مثل ذلك، فأخذها - صلى الله عليه وسلم - فحذفه بها فلو أصابته لأوجعته. وقال: يأتي أحدكم بما يملك فيقول: هذه صدقة. ثم يقعد يتكفف الناس! خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى ".. تفسير : ولقد علم الله أن الإنسان يحب - أول ما يحب - أفراد أسرته الأقربين.. عياله.. ووالديه. فسار به خطوة في الإنفاق وراء ذاته إلى هؤلاء الذين يحبهم؛ ليعطيهم من ماله وهو راض؛ فيرضي ميله الفطري الذي لا ضير منه، بل فيه حكمة وخير؛ وفي الوقت ذاته يعول ويكفل ناساً هم أقرباؤه الأدنون، نعم، ولكنهم فريق من الأمة، إن لم يعطوا احتاجوا. وأخذهم من القريب أكرم لهم من أخذهم من البعيد. وفيه في الوقت ذاته إشاعة للحب والسلام في المحضن الأول؛ وتوثيق لروابط الأسرة التي شاء الله أن تكون اللبنة الأولى في بناء الإنسانية الكبير. ولقد علم الله أن الإنسان يمد حبه وحميته بعد ذلك إلى أهله كافة - بدرجاتهم منه وصلتهم به - ولا ضير في هذا. فهم أفراد من جسم الأمة وأعضاء في المجتمع. فسار به خطوة أخرى في الإنفاق وراء أهله الأقربين، تساير عواطفه وميوله الفطرية، وتقضي حاجة هؤلاء، وتقوّي أواصر الأسرة البعيدة، وتضمن وحدة قوية من وحدات الجماعة المسلمة، مترابطة العرى وثيقة الصلات. وعندما يفيض ما في يده عن هؤلاء وهؤلاء - بعد ذاته - فإن الإسلام يأخذ بيده لينفق على طوائف من المجموع البشري، يثيرون بضعفهم أو حرج موقفهم عاطفة النخوة وعاطفة الرحمة وعاطفة المشاركة.. وفي أولهم اليتامى الصغار الضعاف؛ ثم المساكين الذين لا يجدون ما ينفقون، ولكنهم يسكتون فلا يسألون الناس كرامة وتجملاً؛ ثم أبناء السبيل الذين قد يكون لهم مال، ولكنهم انقطعوا عنه، وحالت بينهم وبينه الحوائل - وقد كانوا كثيرين في الجماعة المسلمة هاجروا من مكة تاركين وراءهم كل شيء - وهؤلاء جميعاً أعضاء في المجتمع؛ والإسلام يقود الواجدين إلى الإنفاق عليهم، يقودهم بمشاعرهم الطيبة الطبيعية التي يستجيشها ويزكيها. فيبلغ إلى أهدافه كلها في هوادة ولين. يبلغ أولاً إلى تزكية نفوس المنفقين. فقد أنفقت طيبة بما أعطت، راضية بما بذلت، متجهة إلى الله في غير ضيق ولا تبرم. ويبلغ ثانياً إلى إعطاء هؤلاء المحتاجين وكفالتهم. ويبلغ ثالثاً إلى حشد النفوس كلها متضامنة متكافلة، في غير ما تضرر ولا تبرم.. قيادة لطيفة مريحة بالغة ما تريد، محققة كل الخير بلا اعتساف ولا افتعال ولا تشديد! ثم يربط هذا كله بالأفق الأعلى، فيستجيش في القلب صلته بالله فيما يعطي، وفيما يفعل، وفيما يضمر من نية أو شعور: {وما تفعلوا من خير فإن الله به عليم}.. عليم به، وعليم بباعثه، وعليم بالنية المصاحبة له.. وهو إذن لا يضيع. فهو في حساب الله الذي لا يضيع عنده شيء، والذي لا يبخس الناس شيئاً ولا يظلمهم، والذي لا يجوز عليه كذلك الرياء والتمويه.. بهذا يصل بالقلوب إلى الأفق الأعلى، وإلى درجة الصفاء والتجرد والخلوص لله.. في رفق وفي هوادة، وفي غير معسفة ولا اصطناع.. وهذا هو المنهج التربوي الذي يضعه العليم الخبير. ويقيم عليه النظام الذي يأخذ بيد الإنسان، كما هو، ويبدأ به من حيث هو؛ ثم ينتهي به إلى آماد وآفاق لا تصل إليها البشرية قط بغير هذه الوسيلة، ولم تبلغ إليها قط إلا حين سارت على هذا المنهج، في هذا الطريق. وعلى هذا المنهج ذاته، يجري الأمر في فريضة الجهاد، التي تأتي تالية في السياق للحديث عن الإنفاق: {كتب عليكم القتال وهو كره لكم. وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم؛ وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شر لكم. والله يعلم وأنتم لا تعلمون}.. إن القتال في سبيل الله فريضة شاقة. ولكنها فريضة واجبة الأداء. واجبة الأداء لأن فيها خيراً كثيراً للفرد المسلم، وللجماعة المسلمة، وللبشرية كلها. وللحق والخير والصلاح. والإسلام يحسب حساب الفطرة؛ فلا ينكر مشقة هذه الفريضة، ولا يهون من أمرها. ولا ينكر على النفس البشرية إحساسها الفطري بكراهيتها وثقلها. فالإسلام لا يماري في الفطرة، ولا يصادمها، ولا يحرم عليها المشاعر الفطرية التي ليس إلى إنكارها من سبيل.. ولكنه يعالج الأمر من جانب آخر، ويسلط عليه نوراً جديداً إنه يقرر أن من الفرائض ما هو شاق مرير كريه المذاق؛ ولكن وراءه حكمة تهون مشقته، وتسيغ مرارته، وتحقق به خيراً مخبوءاً قد لا يراه النظر الإنساني القصير.. عندئذ يفتح للنفس البشرية نافذة جديدة تطل منها على الأمر؛ ويكشف لها عن زاوية أخرى غير التي تراه منها. نافذة تهب منها ريح رخية عندما تحيط الكروب بالنفس وتشق عليها الأمور.. إنه من يدري فلعل وراء المكروه خيراً. ووراء المحبوب شراً. إن العليم بالغايات البعيدة، المطلع على العواقب المستورة، هو الذي يعلم وحده. حيث لا يعلم الناس شيئاً من الحقيقة. وعندما تنسم تلك النسمة الرخية على النفس البشرية تهون المشقة، وتتفتح منافذ الرجاء، ويستروح القلب في الهاجرة، ويجنح إلى الطاعة والأداء في يقين وفي رضاء. هكذا يواجه الإسلام الفطرة، لا منكراً عليها ما يطوف من المشاعر الطبيعية، ولا مريداً لها على الأمر الصعب بمجرد التكليف. ولكن مربياً لها على الطاعة، ومفسحاً لها في الرجاء. لتبذل الذي هو أدنى في سبيل الذي هو خير؛ ولترتفع على ذاتها متطوعة لا مجبرة، ولتحس بالعطف الإلهي الذي يعرف مواضع ضعفها، ويعترف بمشقة ما كتب عليها، ويعذرها ويقدرها؛ ويحدو لها بالتسامي والتطلع والرجاء. وهكذا يربي الإسلام الفطرة، فلا تمل التكليف، ولا تجزع عند الصدمة الأولى، ولا تخور عند المشقة البادية، ولا تخجل وتتهاوى عند انكشاف ضعفها أمام الشدة. ولكن تثبت وهي تعلم أن الله يعذرها ويمدها بعونه ويقويها. وتصمم على المضي في وجه المحنة، فقد يكمن فيها الخير بعد الضر، واليسر بعد العسر، والراحة الكبرى بعد الضنى والعناء. ولا تتهالك على ما تحب وتلتذ. فقد تكون الحسرة كامنة وراء المتعة! وقد يكون المكروه مختبئاً خلف المحبوب. وقد يكون الهلاك متربصاً وراء المطمع البراق. إنه منهج في التربية عجيب. منهج عميق بسيط. منهج يعرف طريقه إلى مسارب النفس الإنسانية وحناياها ودروبها الكثيرة. بالحق وبالصدق. لا بالإيحاء الكاذب، والتمويه الخادع.. فهو حق أن تكره النفس الإنسانية القاصرة الضعيفة أمراً ويكون فيه الخير كل الخير. وهو حق كذلك أن تحب النفس أمراً وتتهالك عليه. وفيه الشر كل الشر. وهو الحق كل الحق أن الله يعلم والناس لا يعلمون! وماذا يعلم الناس من أمر العواقب؟ وماذا يعلم الناس مما وراء الستر المسدل؟ وماذا يعلم الناس من الحقائق التي لا تخضع للهوى والجهل والقصور؟! إن هذه اللمسة الربانية للقلب البشري لتفتح أمامه عالماً آخر غير العالم المحدود الذي تبصره عيناه. وتبرز أمامه عوامل أخرى تعمل في صميم الكون، وتقلب الأمور، وترتب العواقب على غير ما كان يظنه ويتمناه. وإنها لتتركه حين يستجيب لها طيعاً في يد القدر، يعمل ويرجو ويطمع ويخاف، ولكن يرد الأمر كله لليد الحكيمة والعلم الشامل، وهو راض قرير.. إنه الدخول في السلم من بابه الواسع.. فما تستشعر النفس حقيقة السلام إلا حين تستيقن أن الخيرة فيما اختاره الله.. وأن الخير في طاعة الله دون محاولة منها أن تجرب ربها وأن تطلب منه البرهان! إن الإذعان الواثق والرجاء الهادئ والسعي المطمئن.. هي أبواب السلم الذي يدعو الله عباده الذين آمنوا ليدخلوا فيه كافة.. وهو يقودهم إليه بهذا المنهج العجيب العميق البسيط. في يسر وفي هوادة وفي رخاء. يقودهم بهذا المنهج إلى السلم حتى وهو يكلفهم فريضة القتال. فالسلم الحقيقي هو سلم الروح والضمير حتى في ساحة القتال. وإن هذا الإيحاء الذي يحمله ذلك النص القرآني، لا يقف عند حد القتال، فالقتال ليس إلا مثلاً لما تكرهه النفس، ويكون من ورائه الخير.. إن هذا الإيحاء ينطلق في حياة المؤمن كلها. ويلقي ظلاله على أحداث الحياة جميعها.. إن الإنسان لا يدري أين يكون الخير وأين يكون الشر.. لقد كان المؤمنون الذين خرجوا يوم بدر يطلبون عير قريش وتجارتها، ويرجون أن تكون الفئة التي وعدهم الله إياها هي فئة العير والتجارة. لا فئة الحامية المقاتلة من قريش. ولكن الله جعل القافلة تفلت، ولقاهم المقاتلة من قريش! وكان النصر الذي دوّى في الجزيرة العربية ورفع راية الإسلام. فأين تكون القافلة من هذا الخير الضخم الذي أراده الله للمسلمين! وأين يكون اختيار المسلمين لأنفسهم من اختيار الله لهم؟ والله يعلم والناس لا يعلمون! ولقد نسي فتى موسى ما كانا قد أعداه لطعامهما - وهو الحوت - فتسرب في البحر عند الصخرة. {أية : فلما جاوزا قال لفتاه آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصباً. قال: أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت، وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره واتخذ سبيله في البحر عجباً.. قال ذلك ما كنا نبغ فارتدا على آثارهما قصصاً. فوجدا عبداً من عبادنا...}.. تفسير : وكان هذا هو الذي خرج له موسى. ولو لم يقع حادث الحوت ما ارتدا. ولفاتهما ما خرجا لأجله في الرحلة كلها! وكل إنسان - في تجاربه الخاصة - يستطيع حين يتأمل أن يجد في حياته مكروهات كثيرة كان من ورائها الخير العميم. ولذات كثيرة كان من ورائها الشر العظيم. وكم من مطلوب كاد الإنسان يذهب نفسه حسرات على فوته؛ ثم تبين له بعد فترة أنه كان إنقاذاً من الله أن فوت عليه هذا المطلوب في حينه. وكم من محنة تجرعها الإنسان لاهثاً يكاد يتقطع لفظاعتها. ثم ينظر بعد فترة فإذا هي تنشئ له في حياته من الخير ما لم ينشئه الرخاء الطويل. إن الإنسان لا يعلم. والله وحده يعلم. فماذا على الإنسان لو يستسلم؟ إن هذا هو المنهج التربوي الذي يأخذ القرآن به النفس البشرية. لتؤمن وتسلم وتستسلم في أمر الغيب المخبوء، بعد أن تعمل ما تستطيع في محيط السعي المكشوف.. ومن قيادة الجماعة إلى السلم كانت الفتوى التالية في أمر القتال في الشهر الحرام: {يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه؟ قل: قتال فيه كبير. وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام؛ وإخراج أهله منه أكبر عند الله؛ والفتنة أكبر من القتل، ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا، ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة. وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون. إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمة الله والله غفور رحيم}.. وقد جاء في روايات متعددة أنها نزلت في سرية عبد الله بن جحش - رضي الله عنه - وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد بعثه مع ثمانية من المهاجرين ليس فيهم أحد من الأنصار ومعه كتاب مغلق وكلفه ألا يفتحه حتى يمضي ليلتين. فلما فتحه وجد به: "حديث : إذا نظرت في كتابي هذا فامض حتى تنزل بطن نخلة - بين مكة والطائف - ترصد بها قريشاً وتعلم لنا من أخبارهم.. ولا تكرهن أحداً على المسير معك من أصحابك"تفسير : - وكان هذا قبل غزوة بدر الكبرى. فلما نظر عبد الله بن جحش في الكتاب قال: سمعاً وطاعة. ثم قال لأصحابه: قد أمرني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن أمضي إلى بطن نخلة أرصد بها قريشاً حتى آتيه منها بخبر. وقد نهى أن استكره أحداً منكم. فمن كان منكم يريد الشهادة ويرغب فيها فلينطلق ومن كره ذلك فليرجع، فأنا ماض لأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فمضى ومضى معه أصحابه لم يتخلف أحد منهم. فسلك الطريق على الحجاز حتى إذا كان ببعض الطريق ضل بعير لسعد بن أبي وقاص وعتبة بن غزوان - رضي الله عنهما - فتخلفا عن رهط عبد الله بن جحش ليبحثا عن البعير ومضى الستة الباقون. حتى إذا كانت السرية ببطن نخلة مرت عير لقريش تحمل تجارة، فيها عمرو بن الحضرمي وثلاثة آخرون، فقتلت السرية عمراً ابن الحضرمي وأسرت اثنين وفر الرابع وغنمت العير. وكانت تحسب أنها في اليوم الأخير من جمادى الآخرة. فإذا هي في اليوم الأول من رجب - وقد دخلت الأشهر الحرم - التي تعظمها العرب. وقد عظمها الإسلام وأقر حرمتها.. فلما قدمت السرية بالعير والأسيرين على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "حديث : ما أمرتكم بقتال في الشهر الحرام". تفسير : فوقف العير والأسيرين وأبى أن يأخذ من ذلك شيئاً. فلما قال ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سقط في أيدي القوم، وظنوا أنهم قد هلكوا؛ وعنفهم إخوانهم من المسلمين فيما صنعوا. وقالت قريش: قد استحل محمد وأصحابه الشهر الحرام، وسفكوا فيه الدم، وأخذوا فيه الأموال، وأسروا فيه الرجال. وقالت اليهود تفاءلوا بذلك على محمد.. عمرو بن الحضرمي قتله واقد بن عبد الله.. عمرو عمرت الحرب. والحضرمي: حضرت الحرب. وواقد بن عبد الله: وقدت الحرب!. وانطلقت الدعاية المضللة على هذا النحو بشتى الأساليب الماكرة التي تروج في البيئة العربية، وتظهر محمداً وأصحابه بمظهر المعتدي الذي يدوس مقدسات العرب، وينكر مقدساته هو كذلك عند بروز المصلحة! حتى نزلت هذه النصوص القرآنية. فقطعت كل قول. وفصلت في الموقف بالحق. فقبض الرسول - صلى الله عليه وسلم - الأسيرين والغنيمة. {يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه؟ قل قتال فيه كبير}.. نزلت تقرر حرمة الشهر الحرام، وتقرر أن القتال فيه كبيرة نعم! ولكن: {وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله. والفتنة أكبر من القتل}.. إن المسلمين لم يبدأوا القتال، ولم يبدأوا العدوان. إنما هم المشركون. هم الذين وقع منهم الصد عن سبيل الله، والكفر به وبالمسجد الحرام، لقد صنعوا كل كبيرة لصد الناس عن سبيل الله. ولقد كفروا بالله وجعلوا الناس يكفرون. ولقد كفروا بالمسجد الحرام. انتهكوا حرمته؛ فآذوا المسلمين فيه، وفتنوهم عن دينهم طوال ثلاثة عشر عاماً قبل الهجرة. وأخرجوا أهله منه وهو الحرم الذي جعله الله آمناً، فلم يأخذوا بحرمته ولم يحترموا قدسيته.. وإخراج أهله منه أكبر عند الله من القتال في الشهر الحرام.. وفتنة الناس عن دينهم أكبر عند الله من القتل. وقد ارتكب المشركون هاتين الكبيرتين فسقطت حجتهم في التحرز بحرمة البيت الحرام وحرمة الشهر الحرام. ووضح موقف المسلمين في دفع هؤلاء المعتدين على الحرمات؛ الذين يتخذون منها ستاراً حين يريدون، وينتهكون قداستها حين يريدون! وكان على المسلمين أن يقاتلوهم أنى وجدوهم، لأنهم عادون باغون أشرار، لا يرقبون حرمة، ولا يتحرجون أمام قداسة. وكان على المسلمين ألا يدعوهم يحتمون بستار زائف من الحرمات التي لا احترام لها في نفوسهم ولا قداسة! لقد كانت كلمة حق يراد بها باطل. وكان التلويح بحرمة الشهر الحرام مجرد ستار يحتمون خلفه، لتشويه موقف الجماعة المسلمة، وإظهارها بمظهر المعتدي.. وهم المعتدون ابتداء. وهم الذين انتهكوا حرمة البيت ابتداء. إن الإسلام منهج واقعي للحياة. لا يقوم على مثاليات خيالية جامدة في قوالب نظرية. إنه يواجه الحياة البشرية - كما هي - بعوائقها وجواذبها وملابساتها الواقعية. يواجهها ليقودها قيادة واقعية إلى السير وإلى الارتقاء في آن واحد. يواجهها بحلول عملية تكافىء واقعياتها، ولا ترفرف في خيال حالم، ورؤى مجنحة: لا تجدي على واقع الحياة شيئاً! هؤلاء قوم طغاة بغاة معتدون. لا يقيمون للمقدسات وزناً، ولا يتحرجون أمام الحرمات، ويدوسون كل ما تواضع المجتمع على احترامه من خلق ودين وعقيدة. يقفون دون الحق فيصدون الناس عنه، ويفتنون المؤمنين ويؤذونهم أشد الإيذاء، ويخرجونهم من البلد الحرام الذي يأمن فيه كل حي حتى الهوام!.. ثم بعد ذلك كله يتسترون وراء الشهر الحرام، ويقيمون الدنيا ويقعدونها باسم الحرمات والمقدسات، ويرفعون أصواتهم: انظروا ها هو ذا محمد ومن معه ينتهكون حرمة الشهر الحرام! فكيف يواجههم الإسلام؟ يواجههم بحلول مثالية نظرية طائرة؟ إنه إن يفعل يجرد المسلمين الأخيار من السلاح، بينما خصومهم البغاة الأشرار يستخدمون كل سلاح، ولا يتورعون عن سلاح..! كلا إن الإسلام لا يصنع هذا، لأنه يريد مواجهة الواقع، لدفعه ورفعه. يريد أن يزيل البغي والشر، وأن يقلم أظافر الباطل والضلال. ويريد أن يسلم الأرض للقوة الخيرة، ويسلم القيادة للجماعة الطيبة. ومن ثم لا يجعل الحرمات متاريس يقف خلفها المفسدون البغاة الطغاة ليرموا الطيبين الصالحين البناة، وهم في مأمن من رد الهجمات ومن نبل الرماة! إن الإسلام يرعى حرمات من يرعون الحرمات، ويشدد في هذا المبدأ ويصونه. ولكنه لا يسمح بأن تتخذ الحرمات متاريس لمن ينتهكون الحرمات، ويؤذون الطيبين، ويقتلون الصالحين، ويفتنون المؤمنين، ويرتكبون كل منكر وهم في منجاة من القصاص تحت ستار الحرمات التي يجب أن تصان! وهو يمضي في هذا المبدأ على اطراد.. إنه يحرم الغيبة.. ولكن لا غيبة لفاسق.. فالفاسق الذي يشتهر بفسقه لا حرمة له يعف عنها الذين يكتوون بفسقه. وهو يحرم الجهر بالسوء من القول. ولكنه يستثني {إلا من ظلم}.. فله أن يجهر في حق ظالمه بالسوء من القول، لأنه حق. ولأن السكوت عن الجهر به يطمع الظالم في الاحتماء بالمبدأ الكريم الذي لا يستحقه! ومع هذا يبقى الإسلام في مستواه الرفيع لا يتدنى إلا مستوى الأشرار البغاة. ولا إلى أسلحتهم الخبيثة ووسائلهم الخسيسة.. إنه فقط يدفع الجماعة المسلمة إلى الضرب على أيديهم، وإلى قتالهم وقتلهم، وإلى تطهير جو الحياة منهم.. هكذا جهرة وفي وضح النهار.. وحين تكون القيادة في الأيدي النظيفة الطيبة المؤمنة المستقيمة، وحين يتطهر وجه الأرض ممن ينتهكون الحرمات ويدوسون المقدسات.. حينئذ تصان للمقدسات حرمتها كاملة كما أرادها الله. هذا هو الإسلام.. صريحاً واضحاً قوياً دامغاً، لا يلف ولا يدور؛ ولا يدع الفرصة كذلك لمن يريد أن يلف من حوله وأن يدور. وهذا هو القرآن يقف المسلمين على أرض صلبة، لا تتأرجح فيها أقدامهم، وهم يمضون في سبيل الله، لتطهير الأرض من الشر والفساد، ولا يدع ضمائرهم قلقة متحرجة تأكلها الهواجس وتؤذيها الوساوس.. هذا شر وفساد وبغي وباطل.. فلا حرمة له إذن، ولا يجوز أن يتترس بالحرمات، ليضرب من ورائها الحرمات! وعلى المسلمين أن يمضوا في طريقهم في يقين وثقة؛ في سلام مع ضمائرهم، وفي سلام من الله.. ويمضي السياق بعد بيان هذه الحقيقة، وتمكين هذه القاعدة، وإقرار قلوب المسلمين وأقدامهم.. يمضي فيكشف لهم عن عمق الشر في نفوس أعدائهم، وأصالة العدوان في نيتهم وخطتهم: {ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا}.. وهذا التقرير الصادق من العليم الخبير يكشف عن الإصرار الخبيث على الشر؛ وعلى فتنة المسلمين عن دينهم؛ بوصفها الهدف الثابت المستقر لأعدائهم. وهو الهدف الذي لا يتغير لأعداء الجماعة المسلمة في كل أرض وفي كل جيل.. إن وجود الإسلام في الأرض هو بذاته غيظ ورعب لأعداء هذا الدين؛ ولأعداء الجماعة المسلمة في كل حين إن الإسلام بذاته يؤذيهم ويغيظهم ويخيفهم. فهو من القوة ومن المتانة بحيث يخشاه كل مبطل، ويرهبه كل باغ، ويكرهه كل مفسد. إنه حرب بذاته وبما فيه من حق أبلج، ومن منهج قويم، ومن نظام سليم.. إنه بهذا كله حرب على الباطل والبغي والفساد. ومن ثم لا يطيقه المبطلون البغاة المفسدون. ومن ثم يرصدون لأهله ليفتنوهم عنه، ويردوهم كفاراً في صورة من صور الكفر الكثيرة. ذلك أنهم لا يأمنون على باطلهم وبغيهم وفسادهم، وفي الأرض جماعة مسلمة تؤمن بهذا الدين، وتتبع هذا المنهج، وتعيش بهذا النظام. وتتنوع وسائل قتال هؤلاء الأعداء للمسلمين وأدواته، ولكن الهدف يظل ثابتاً.. أن يردوا المسلمين الصادقين عن دينهم إن استطاعوا. وكلما انكسر في يدهم سلاح انتضوا سلاحاً غيره، وكلما كلت في أيديهم أداة شحذوا أداة غيرها.. والخبر الصادق من العليم الخبير قائم يحذر الجماعة المسلمة من الاستسلام، وينبهها إلى الخطر؛ ويدعوها إلى الصبر على الكيد، والصبر على الحرب، وإلا فهي خسارة الدنيا والآخرة؛ والعذاب الذي لا يدفعه عذر ولا مبرر: {ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر، فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك أصحاب النار هم فيه خالدون}.. والحبوط مأخوذ من حبطت الناقة إذا رعت مرعى خبيثاً فانتفخت ثم نفقت.. والقرآن يعبر بهذا عن حبوط العمل، فيتطابق المدلول الحسي والمدلول المعنوي.. يتطابق تضخم العمل الباطل وانتفاخ مظهره، وهلاكه في النهاية وبواره.. مع تضخم حجم الناقة وانتفاخها ثم هلاكها في النهاية بهذا الانتفاخ! ومن يرتدد عن الإسلام وقد ذاقه وعرفه؛ تحت مطارق الأذى والفتنة - مهما بلغت - هذا مصيره الذي قرره الله له.. حبوط العمل في الدنيا والآخرة. ثم ملازمة العذاب في النار خلوداً. إن القلب الذي يذوق الإسلام ويعرفه، لا يمكن أن يرتد عنه ارتداداً حقيقياً أبداً. إلا إذا فسد فساداً لا صلاح له. وهذا أمر غير التقية من الأذى البالغ الذي يتجاوز الطاقة. فالله رحيم. رخص للمسلم - حين يتجاوز العذاب طاقته - أن يقي نفسه بالتظاهر، مع بقاء قلبه ثابتاً على الإسلام مطمئناً بالإيمان. ولكنه لم يرخص له في الكفر الحقيقي، وفي الارتداد الحقيقي، بحيث يموت وهو كافر.. والعياذ بالله.. وهذا التحذير من الله قائم إلى آخر الزمان.. ليس لمسلم عذر في أن يخنع للعذاب والفتنة فيترك دينه ويقينه، ويرتد عن إيمانه وإسلامه، ويرجع عن الحق الذي ذاقه وعرفه.. وهناك المجاهدة والمجالدة والصبر والثبات حتى يأذن الله. والله لا يترك عباده الذين يؤمنون به، ويصبرون على الأذى في سبيله. فهو معوضهم خيراً: إحدى الحسنيين: النصر أو الشهادة. وهناك رحمته التي يرجوها من يؤذون في سبيله؛ لا ييئس منها مؤمن عامر القلب بالإيمان: {إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمة الله، والله غفور رحيم}.. ورجاء المؤمن في رحمة الله لا يخيبه الله أبداً.. ولقد سمع أولئك النفر المخلص من المؤمنين المهاجرين هذا الوعد الحق، فجاهدوا وصبروا، حتى حقق الله لهم وعده بالنصر أو الشهادة. وكلاهما خير. وكلاهما رحمة. وفازوا بمغفرة الله ورحمته: {والله غفور رحيم}.. وهو هو طريق المؤمنين.. ثم يمضي السياق، يبين للمسلمين حكم الخمر والقمار.. وكلتاهما لذة من اللذائذ التي كان العرب غارقين فيها. يوم أن لم تكن لهم اهتمامات عليا ينفقون فيها نشاطهم، وتستغرق مشاعرهم وأوقاتهم: {يسألونك عن الخمر والميسر. قل: فيهما اثم كبير ومنافع للناس. وإثمهما أكبر من نفعهما}.. وإلى ذلك الوقت لم يكن قد نزل تحريم الخمر والميسر. ولكن نصاً في القرآن كله لم يرد بحلهما. إنما كان الله يأخذ بيد هذه الجماعة الناشئة خطوة خطوة في الطريق الذي أراده لها، ويصنعها على عينه للدور الذي قدره لها. وهذا الدور العظيم لا تتلاءم معه تلك المضيعة في الخمر والميسر، ولا تناسبه بعثرة العمر، وبعثرة الوعي، وبعثرة الجهد في عبث الفارغين، الذين لا تشغلهم إلا لذائذ أنفسهم، أو الذين يطاردهم الفراغ والخواء فيغرقونه في السكر بالخمر والانشغال بالميسر؛ أو الذين تطاردهم أنفسهم فيهربون منها في الخمار والقمار؛ كما يفعل كل من يعيش في الجاهلية. أمس واليوم وغداً! إلا أن الإسلام على منهجه في تربية النفس البشرية كان يسير على هينة وفي يسر وفي تؤدة.. وهذا النص الذي بين أيدينا كان أول خطوة من خطوات التحريم. فالأشياء والأعمال قد لا تكون شراً خالصاً. فالخير يتلبس بالشر، والشر يتلبس بالخير في هذه الأرض. ولكن مدار الحل والحرمة هو غلبة الخير أو غلبة الشر. فإذا كان الإثم في الخمر والميسر أكبر من النفع، فتلك علة تحريم ومنع. وإن لم يصرح هنا بالتحريم والمنع. هنا يبدو لنا طرف من منهج التربية الإسلامي القرآني الرباني الحكيم. وهو المنهج الذي يمكن استقراؤه في الكثير من شرائعه وفرائضه وتوجيهاته. ونحن نشير إلى قاعدة من قواعد هذا المنهج بمناسبة الحديث عن الخمر والميسر. عندما يتعلق الأمر أو النهي بقاعدة من قواعد التصور الإيماني، أي بمسألة اعتقادية، فإن الإسلام يقضي فيها قضاء حاسماً منذ اللحظة الأولى. ولكن عندما يتعلق الأمر أو النهي بعادة وتقليد، أو بوضع اجتماعي معقد، فإن الإسلام يتريث به ويأخذ المسألة باليسر والرفق والتدرج، ويهيِّئ الظروف الواقعية التي تيسر التنفيذ والطاعة. فعندما كانت المسألة مسألة التوحيد أو الشرك: أمضى أمره منذ اللحظة الأولى. في ضربة حازمة جازمة. لا تردد فيها ولا تلفت، ولا مجاملة فيها ولا مساومة، ولا لقاء في منتصف الطريق. لأن المسألة هنا مسألة قاعدة أساسية للتصور، لا يصلح بدونها إيمان ولا يقام إسلام. فأما في الخمر والميسر فقد كان الأمر أمر عادة وإلف. والعادة تحتاج إلى علاج.. فبدأ بتحريك الوجدان الديني والمنطق التشريعي في نفوس المسلمين، بأن الإثم في الخمر والميسر أكبر من النفع. وفي هذا إيحاء بأن تركهما هو الأولى.. ثم جاءت الخطوة الثانية بآية سورة النساء: {أية : يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون}.. تفسير : والصلاة في خمسة أوقات، معظمها متقارب، لا يكفي ما بينها للسكر والإفاقة! وفي هذا تضييق لفرص المزاولة العملية لعادة الشرب، وكسر لعادة الإدمان التي تتعلق بمواعيد التعاطي؛ إذ المعروف أن المدمن يشعر بالحاجة إلى ما أدمن عليه من مسكر أو مخدر في الموعد الذي اعتاد تناوله. فإذا تجاوز هذا الوقت وتكرر هذا التجاوز فترت حدة العادة وأمكن التغلب عليها.. حتى إذا تمت هاتان الخطوتان جاء النهي الحازم الأخير بتحريم الخمر والميسر: {أية : إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون }.. تفسير : وأما في الرق مثلاً، فقد كان الأمر أمر وضع اجتماعي اقتصادي، وأمر عرف دولي وعالمي في استرقاق الأسرى وفي استخدام الرقيق، والأوضاع الاجتماعية المعقدة تحتاج إلى تعديل شامل لمقوماتها وارتباطاتها قبل تعديل ظواهرها وآثارها. والعرف الدولي يحتاج إلى اتفاقات دولية ومعاهدات جماعية.. ولم يأمر الإسلام بالرق قط، ولم يرد في القرآن نص على استرقاق الأسرى. ولكنه جاء فوجد الرق نظاماً عالمياً يقوم عليه الاقتصاد العالمي. ووجد استرقاق الأسرى عرفاً دولياً يأخذ به المحاربون جميعاً.. فلم يكن بد أن يتريث في علاج الوضع الاجتماعي القائم والنظام الدولي الشامل. وقد اختار الإسلام أن يجفف منابع الرق وموارده حتى ينتهي بهذا النظام كله - مع الزمن - إلا الإلغاء، دون إحداث هزة إجتماعية لا يمكن ضبطها ولا قيادتها. وذلك مع العناية بتوفير ضمانات الحياة المناسبة للرقيق، وضمان الكرامة الإنسانية في حدود واسعة. بدأ بتجفيف موارد الرق فيما عدا أسرى الحرب الشرعية ونسل الأرقاء.. ذلك أن المجتمعات المعادية للإسلام كانت تسترق أسرى المسلمين حسب العرف السائد في ذلك الزمان. وما كان الإسلام يومئذ قادراً على أن يجبر المجتمعات المعادية على مخالفة ذلك العرف السائد، الذي تقوم عليه قواعد النظام الاجتماعي والاقتصادي في أنحاء الأرض. ولو أنه قرر إبطال استرقاق الأسرى لكان هذا إجراء مقصوراً على الأسرى الذين يقعون في أيدي المسلمين، بينما الأسارى المسلمون يلاقون مصيرهم السييء في عالم الرق هناك. وفي هذا إطماع لأعداء الإسلام في أهل الإسلام.. ولو أنه قرر تحرير نسل الأرقاء الموجود فعلاً قبل أن ينظم الأوضاع الاقتصادية للدولة المسلمة ولجميع من تضمهم لترك هؤلاء الأرقاء بلا مورد رزق ولا كافل ولا عائل، ولا أواصر قربى تعصمهم من الفقر والسقوط الخلقي الذي يفسد حياة المجتمع الناشىء.. لهذه الأوضاع القائمة العميقة الجذور لم ينص القرآن على استرقاق الأسرى، بل قال: {أية : فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق. فإما منا بعد وإما فداء حتى تضع الحرب أوزارها } تفسير : ولكنه كذلك لم ينص على عدم استرقاقهم. وترك الدولة المسلمة تعامل أسراها حسب ما تقتضيه طبيعة موقفها. فتفادي من تفادي من الأسرى من الجانبين، وتتبادل الأسرى من الفريقين، وتسترق من تسترق وفق الملابسات الواقعية في التعامل مع أعدائها المحاربين. وبتجفيف موارد الرق الأخرى - وكانت كثيرة جداً ومتنوعة - يقل العدد.. وهذا العدد القليل أخذ الإسلام يعمل على تحريره بمجرد أن ينضم إلى الجماعة المسلمة ويقطع صلته بالمعسكرات المعادية. فجعل للرقيق حقه كاملاً في طلب الحرية بدفع فدية عنه يكاتب عليها سيده. ومنذ هذه اللحظة التي يريد فيها الحرية يملك حرية العمل وحرية الكسب والتملك، فيصبح أجر عمله له، وله أن يعمل في غير خدمة سيده ليحصل على فديته - أي إنه يصبح كياناً مستقلاً ويحصل على أهم مقومات الحرية فعلاً - ثم يصبح له نصيبه من بيت مال المسلمين في الزكاة. والمسلمون مكلفون بعد هذا أن يساعدوه بالمال على استرداد حريته.. وذلك كله غير الكفارات التي تقتضي عتق رقبة. كبعض حالات القتل الخطأ، وفدية اليمين، وكفارة الظهار.. وبذلك ينتهي وضع الرق نهاية طبيعية مع الزمن، لأن إلغاءه دفعة واحدة كان يؤدي إلى هزة لا ضرورة، لها وإلى فساد في المجتمع أمكن اتقاؤه. فأما تكاثر الرقيق في المجتمع الإسلامي بعد ذلك؛ فقد نشأ من الانحراف عن المنهج الإسلامي، شيئاً فشيئاً. وهذه حقيقة.. ولكن مباديء الإسلام ليست هي المسؤولة عنه.. ولا يحسب ذلك على الإسلام الذي لم يطبق تطبيقاً صحيحاً في بعض العهود لانحراف الناس عن منهجه، قليلاً أو كثيراً.. ووفق النظرية الإسلامية التاريخية التي أسلفنا.. لا تعد الأوضاع التي نشأت عن هذا الانحراف أوضاعاً إسلامية، ولا تعد حلقات في تاريخ الإسلام كذلك. فالإسلام لم يتغير. ولم تضف إلى مبادئه مبادئ جديدة. إنما الذي تغير هم الناس. وقد بعدوا عنه فلم يعد له علاقة بهم. ولم يعودوا هم حلقة من تاريخه. وإذا أراد أحد أن يستأنف حياة إسلامية، فهو لا يستأنفها من حيث انتهت الجموع المنتسبة إلى الإسلام على مدى التاريخ. إنما يستأنفها من حيث يستمد استمداداً مباشراً من أصول الإسلام الصحيحة.. وهذه الحقيقة مهمة جداً. سواء من وجهة التحقيق النظري، أو النمو الحركي، للعقيدة الإسلامية وللمنهج الإسلامي. ونحن نؤكدها للمرة الثانية في هذا الجزء بهذه المناسبة، لما نراه من شدة الضلال والخطأ في تصور النظرية التاريخية الإسلامية، وفي فهم الواقع التاريخي الإسلامي. ومن شدة الضلال والخطأ في تصور الحياة الإسلامية الحقيقية والحركة الإسلامية الصحيحة. وبخاصة في دراسة المستشرقين للتاريخ الإسلامي. ومن يتأثرون بمنهج المستشرقين الخاطئ في فهم هذا التاريخ! وفيهم بعض المخلصين المخدوعين! ثم نمضي مع السياق في تقرير المباديء الإسلامية في مواجهة الأسئلة الاستفهامية: {ويسألونك ماذا ينفقون؟ قل العفو. كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون في الدنيا والآخرة}.. لقد سألوا مرة: ماذا ينفقون؟ فكان الجواب عن النوع والجهة. فأما هنا فجاء الجواب عن المقدار والدرجة.. والعفو: الفضل والزيادة. فكل ما زاد على النفقة الشخصية - في غير ترف ولا مخيلة - فهو محل للإنفاق. الأقرب فالأقرب. ثم الآخرون على ما أسلفنا.. والزكاة وحدها لا تجزئ. فهذا النص لم تنسخه آية الزكاة ولم تخصصه فيما أرى: فالزكاة لا تبرئ الذمة إلا بإسقاط الفريضة. ويبقى التوجيه إلى الإنفاق قائماً. إن الزكاة هي حق بيت مال المسلمين تجبيها الحكومة التي تنفذ شريعة الله، وتنفقها في مصارفها المعلومة، ولكن يبقى بعد ذلك واجب المسلم لله ولعباد الله. والزكاة قد لا تستغرق الفضل كله، والفضل كله محل للإنفاق بهذا النص الواضح؛ ولقوله عليه الصلاة والسلام: "حديث : في المال حق سوى الزكاة" تفسير : ..حق قد يؤديه صاحبه ابتغاء مرضاة الله - وهذا هو الأكمل والأجمل - فإن لم يفعل واحتاجت إليه الدولة المسلمة التي تنفذ شريعة الله، أخذته فأنفقته فيما يصلح الجماعة المسلمة. كي لا يضيع في الترف المفسد. أو يقبض عن التعامل ويخزن ويعطل. {كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون في الدنيا والآخرة}.. فهذا البيان لاستجاشة التفكر والتدبر في أمر الدنيا والآخرة. فالتفكر في الدنيا وحدها لا يعطي العقل البشري ولا القلب الإنساني صورة كاملة عن حقيقة الوجود الإنساني. وحقيقة الحياة وتكاليفها وارتباطاتها. ولا ينشئ تصوراً صحيحاً للأوضاع والقيم والموازين. فالدنيا شطر الحياة الأدنى والأقصر. وبناء الشعور والسلوك على حساب الشطر القصير لا ينتهي أبداً إلى تصور صحيح ولا إلى سلوك صحيح.. ومسألة الإنفاق بالذات في حاجة إلى حساب الدنيا والآخرة. فما ينقص من مال المرء بالإنفاق يرد عليها طهارة لقلبه، وزكاة لمشاعره. كما يرد عليه صلاحاً للمجتمع الذي يعيش فيه ووئاماً وسلاماً. ولكن هذا كله قد لا يكون ملحوظاً لكل فرد. وحينئذ يكون الشعور بالآخرة وما فيها من جزاء، وما فيها من قيم وموازين، مرجحاً لكفة الإنفاق، تطمئن إليه النفس، وتسكن له وتستريح. ويعتدل الميزان في يدها فلا يرجح بقيمة زائفة ذات لألاء وبريق. {ويسألونك عن اليتامى؟ قل: إصلاح لهم خير. وأن تخالطوهم فإخوانكم. والله يعلم المفسد من المصلح. ولو شاء الله لأعنتكم. إن الله عزيز حكيم}.. إن التكافل الاجتماعي هو قاعدة المجتمع الإسلامي. والجماعة المسلمة مكلفة أن ترعى مصالح الضعفاء فيها. واليتامى بفقدهم آباءهم وهم صغار ضعاف أولى برعاية الجماعة وحمايتها. رعايتها لنفوسهم وحمايتها لأموالهم. ولقد كان بعض الأوصياء يخلطون طعام اليتامى بطعامهم. وأموالهم بأموالهم للتجارة فيها جميعاً؛ وكان الغبن يقع أحياناً على اليتامى. فنزلت الآيات في التخويف من أكل أموال الأيتام. عندئذ تحرج الأتقياء حتى عزلوا طعام اليتامى من طعامهم. فكان الرجل يكون في حجره اليتيم. يقدم له الطعام من ماله. فإذا فضل منه شيء بقي له حتى يعاود أكله أو يفسد فيطرح! وهذا تشدد ليس من طبيعة الإسلام. فوق ما فيه من الغرم أحياناً على اليتيم. فعاد القرآن يرد المسلمين إلى الاعتدال واليسر في تناول الأمور؛ وإلى تحري خير اليتيم والتصرف في حدود مصلحته. فالإصلاح لليتامى خير من اعتزالهم. والمخالطة لا حرج فيها إذا حققت الخير لليتيم فاليتامى أخوان للأوصياء. كلهم أخوة في الإسلام. أعضاء في الأسرة المسلمة الكبيرة. والله يعلم المفسد من المصلح، فليس المعول عليه هو ظاهر العمل وشكله. ولكن نيته وثمرته. والله لا يريد إحراج المسلمين وإعناتهم والمشقة عليهم فيما يكلفهم. ولو شاء الله لكلفهم هذا العنت. ولكنه لا يريد. وهو العزيز الحكيم. فهو قادر على ما يريد. ولكنه حكيم لا يريد إلا الخير واليسر والصلاح. وهكذا يربط الأمر كله بالله؛ ويشده إلى المحور الأصيل التي تدور عليه العقيدة، وتدور عليه الحياة.. وهذه هي ميزة التشريع الذي يقوم على العقيدة. فضمانة التنفيذ للتشريع لا تجيء أبداً من الخارج، إن لم تنبثق وتتعمق في أغوار الضمير..
ابن عاشور
تفسير : استئناف ابتدائي لابتداء جواب عن سؤال سأله بعض المسلمين النبي - صلى الله عليه وسلم - روى الواحدي عن ابن عباس أن السائل عَمْرو بن الجَمُوح الأنصاري، وكان ذا مال فقال يا رسول الله: بماذا يُتصدق وعلى مَن يُنْفَق؟ وقال ابن عطية: السائلون هم المؤمنون يعني أنه تكرر السؤال عن تفصيل الإنفاق الذي أمروا به غير مرة على الإجمال، فطلبوا بيان من ينفق عليهم وموقع هذه الآية في هذا الموضع إما لأن نزولها وقع عقب نزول التي قبلها وإما لأمر بوضعها في هذا الموضع جمعاً لطائفة من الأحكام المفتتحة بجملة {يسألونك} وهي ستة أحكام. ثم قد قيل إنها نزلت بعد فرض الزكاة، فالسؤال حينئذ عن الإنفاق المتطوع به وهي محكمة وقيل نزلت قبل فرض الزكاة فتكون بياناً لمصارف الزكاة ثم نسخت بآية { أية : إنما الصدقات للفقراء والمساكين } تفسير : الآية في [سورة براءة: 60]، فهو بتخصيص لإخراج الوالدين والأقربين واليتامى، وإن كانوا من غير الأصناف الثمانية المذكورة في آية براءة. و {ماذا} استفهام عن المنفق (بفتح الفاء) ومعنى الاستفهام عن المنفق السؤال عن أحواله التي يقع بها موقع القبول عند الله، فإن الإنفاق حقيقة معروفة في البشر وقد عرفها السائلون في الجاهلية. فكانوا في الجاهلية ينفقون على الأهل وعلى الندامى وينفقون في الميسر، يقولون فلان يتمم أيساره أي يدفع عن أيساره أقساطهم من مال المقامرة ويتفاخرون بإتلاف المال. فسألوا في الإسلام عن المعتدِّ به من ذلك دون غيره، فلذلك طابق الجوابُ السؤال إذ أجيب: {قُل ما أنفقتم من خير فللوالدين والأقربين}، فجاء ببيان مصارف الإنفاق الحق وعرف هذا الجنس بمعرفة أفراده، فليس في هذا الجواب ارتكاب الأسلوب الحكيم كما قيل، إذ لا يعقل أن يسألوا عن المال المنفق بمعنى السؤال عن النوع الذي ينفق من ذهب أم من ورق أم من طعام، لأن هذا لا تتعلق بالسؤال عنه أغراض العقلاء، إذ هم يعلمون أن المقصد من الإنفاق إيصال النفع للمنفق عليه، فيتعين أن السؤال عن كيفيات الإنفاق ومواقعه، ولا يريبكم في هذا أن السؤال هنا وقع بما وهي يسأل بها عن الجنس لا عن العوارض، فإن ذلك اصطلاح منطقي لتقريب ما ترجموه من تقسيمات مبنية على اللغة اليونانية وأخذ به السكاكي، لأنه يحفل باصطلاح أهل المنطق وذلك لا يشهد له الاستعمال العربي. والخير: المال كما تقدم في قوله تعالى: { أية : إن ترك خيراً } تفسير : [البقرة: 180] آية الوصية. و{ما أنفقتم} شرط، ففعل {أنفقتم} مراد به الاستقبال كما هو مقتضى الشرط، وعبر بالماضي لإظهار الرغبة في حصول الشرط فينزل كالحاصل المتقرر. واللام في {للوالدين}للمِلْك، بمعنى الاستحقاق أي فالحقيق به الوالدين أي إن تنفقوا فأنفقوا للوالدين أو أعطوا للوالدين، وقد تقدم بيانهم في قوله تعالى: { أية : وآتى المال على حبه ذوي القربى } تفسير : [البقرة: 177] الآية. والآية دالة على الأمر بالإنفاق على هؤلاء والترغيب فيه، وهي في النفقة التي ليست من حق المال أعني الزكاة ولا هي من حق الذات من حيث إنها ذات كالزوجة، بل هذه النفقة التي هي من حق المسلمين بعضهم على بعض لكفاية الحاجة وللتوسعة وأولى المسلمين بأن يقوم بها أشدهم قرابة بالمعوزين منهم، فمنها واجبة كنفقة الأبوين الفقيرين والأولاد الصغار الذين لا مال لهم إلى أن يقدروا على التكسب أو ينتقل حق الإنفاق إلى غير الأبوين، وذلك كله بحسب عادة أمثالهم، وفي تحديد القربى الموجبة للإنفاق خلاف بين الفقهاء. فليست هاته الآية بمنسوخة بآية الزكاة، إذ لا تعارض بينهما حتى نحتاج للنسخ وليس في لفظ هاته الآية ما يدل على الوجوب حتى يظن أنها نزلت في صدقة واجبة قبل فرض الزكاة. وابن السبيل هو الغريب عن الحي المار في سفره، ينفق عليه ما يحتاج إليه. وقوله: {وما تفعلوا من خير فإن الله به عليم}تذييل والمقصود من قوله: {فإن الله به عليم}الكناية عن الجزاء عليه، لأن العليم القدير إذا امتثل أحد لأمره لا يحول بينه وبين جزائه عليه حائل. وشمل عمومُ {وما تفعلوا من خير} الأفعالَ الواجبة والمتطوع بها فيعم النفقات وغيرها.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: من خير: من مال إذ المال يطلق عليه لفظ الخير. الأقربين: كالأخوة والأخوات وأولادهم، والأعمام والعمات وأولادهم والأخوال والخالات وأولادهم. وما تفعلوا من خير: ما: شرطية ومن: بيانية والخير هنا لسائر أنواع البر والإِحسان. فإن الله به عليم: الجملة علّة لجواب الشرط المحذوف والمقدر يثبكم عليه. معنى الآية الكريمة سأل عمرو بن الجموح وكان ذا مال سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم ماذا ينفق وعلى من ينفق فنزلت الآية جوابا لسؤاله فبينت أن ما ينفق هو المال وسائر الخيرات وأن الأحق بالإِنفاق عليهم هم الوالدان والأقربون، واليتامى والمساكين وأبناء السبيل. وأعلمهم تعالى أن ما يفعله العبد من خير يعلمه الله تعالى ويجزي به فرغب بذلك في فعل الخير مطلقا. هداية الآية الكريمة: من هداية الآية: 1- سؤال من لا يعلم حتى يعلم وهذا طريق العلم، ولذا قالوا: (السؤال نصف العلم). 2- أفضلية الإِنفاق على المذكورين في الآية إن كان المنفق غنيّاً وهم فقراء محتاجون. 3- الترغيب في فعل الخير والوعد من الله تعالى بالجزاء الأوفى عليه.
القطان
تفسير : الخير: معناه هنا المال. يسألك أصحابك يا محمد اي شيء يتصدقون به من أموالهم وعلى من يتصدقون؟ فقل لهم: ان الانفاق يكون من المال الطيب، وتصدّقوا به على آبائكم وأمهاتكم وأقاربكم، وعلى اليتامى والمساكين، ومن انقطع من ماله وأهله. وما تفعلونه من خير اليهم يُحصيه الله لكم حتى يثيبكم عليه.
د. أسعد حومد
تفسير : {يَسْأَلُونَكَ} {فَلِلْوَالِدَيْنِ} {وَٱلْيَتَامَىٰ} {وَٱلْمَسَاكِينِ} (215) - يَسْأَلُكَ المُؤْمِنُونَ: كَيْفَ يُنْفِقُونَ؟ وَبِأَيِّ شَيءٍ يَتَصَدَّقُونَ؟ وَعَلَى مَنْ يَتَصَدَّقُونَ؟ فَأَجِبْهُمْ يَا مُحَمَّدُ: أَنْ يُنْفِقُوا مَا تَيَسَّرَ لَهُمْ عَلَى الوَالِدينِ وَالأَقْرِبِينَ وَاليَتَامَى وَالمَسَاكِينِ وَأَبْنَاءِ السَّبِيلِ؛ وَأَيُّ فِعْلِ مَعْرُوفٍ، وَأَيَّةُ نَفَقَةٍ تُنْفِقُونَها فِي وُجُوهِ البِرِّ وَالطَّاعَةِ فَإِنَّ الله عَلِيمٌ بِها، وَسَيَجْزِي عَلَيها فَاعِلِيها أَوْفَرَ الجَزَاءِ، وَاللهُ لاَ يَظْلِمُ أَحَداً مِثْقَالَ ذَرَّةٍ. وَالإِنْفَاقُ إِنَّما يَكُونُ مِنَ المَالِ الطَّيِّبِ الحَلاَلِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : والسؤال ورد من عمرو بن الجموح وكان شيخاً كبيراً فقال: يا رسول الله، إن مالي كثير فبماذا أتصدق، وعلى مَنْ أنفق؟ ولم يكن يسأل لنفسه فقط، بل كان يترجم عن مشاعر غيره أيضاً، ولذلك جاءت الإجابة عامة لا تخص السائل وحده ولكنها تشمل كل المؤمنين. والسؤال عن "ماذا ينفقون"؛ فكأن الشيء المُنْفَق هو الذي يسألون عنه، والإنفاق - كما نعرف - يتطلب فاعلاً هو المُنْفِق؛ والشيء المُنفَق - هو المال -؛ ومنفَقَاً عليه. وهم قد سألوا عن ماذا ينفقون، فكأن أمر الإنفاق أمر مُسَلَّمُ به، لكنهم يريدون أن يعرفوا ماذا ينفقون؟ فيأتي السؤال على هذه الوجه ويجيء الجواب حاملاً الإجابة عن ذلك الوجه وعن أمر زائد. يقول الحق: {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ} [البقرة: 215] هذا هو السؤال، والجواب {قُلْ مَآ أَنْفَقْتُمْ مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ} [البقرة: 215]. إن الظاهر السطحي يظن أن السؤال هو فقط عن ماذا ينفقون؟ وأن الجواب جاء عن المنفق عليه. نقول: لا، لماذا نسيت قوله الحق: إن الإنفاق يجب أن يكون من "خير" فالمال المُنفق منه لا بد أن يتصف بأنه جاء من مصدر خير. وبعد ذلك زاد وبيّن أنه: ما دمتم تعتقدون أن الإنفاق واجب، فعليكم أن تعلموا ما هو الشيء الذي تنفقونه، ومَنْ الذي يستحق أن يُنْفَقَ عليه. {قُلْ مَآ أَنْفَقْتُمْ مِّنْ خَيْرٍ} [البقرة: 215]. والخير هو الشيء الحسن النافع. والمُنْفَق عليه هو دوائر الذي يُنْفِق؛ لأن الله يريد أن يُحَمّل المؤمن دوائره الخاصة، حتى تلتحم الدوائر مع بعضها فيكون قد حمّل المجتمع على كل المجتمع، لأنه سبحانه حين يُحَمّلني أسرتي ووالدي والأقربين، فهذه صيانة للأهل، وكل واحد منا له والدان وأقربون، ودائرتي أنا تشمل والديّ وأقاربي، ثم تشيع في أمر آخر؛ في اليتامى والمساكين. وهات كل واحد واحسب دوائره من الوالدين والأقربين وما يكون حوله من اليتامى والمساكين، فستجد الدوائر المتماسكة قد شملت كل المحتاجين، ويكون المجتمع قد حمل بعضه بعضاً، ولا يوجد بعد ذلك إلا العاجز عن العمل. وعرفنا أن السائل هو "عمرو بن الجموح"، وكانت له قصة عجيبة؛ كان أعرج، والأعرج معذور من الله في الجهاد، فليس على الأعمى حرج، ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج. حديث : وأراد الرسول صلى الله عليه وسلم أن يخرج في غزوة، فجاءه عمرو بن الجموح وقال: يا رسول الله لا تحرمني من الجهاد، فإن أبنائي يحرمونني من الخروج لعرجتي. قال له النبي صلى الله عليه وسلم: إن الله قد عذرك فيمَنْ عذر. قال: ولكني يا رسول الله أحب أن أطأ بعرجتي الجنة . تفسير : هذا هو مَنْ سأل عن ماذا ينفقون، فجاءت الإجابة من الحق: {قُلْ مَآ أَنْفَقْتُمْ مِّنْ خَيْرٍ} [البقرة: 215] أي ما أخرجتم من مال؛ لأن الإنفاق يعني الإخراج، والخير هنا هو المال، والإنفاق يقتضي إخراج المال عن ملكية الإنسان ببيع أو هبة أو صلة، وأصل كلمة "الإنفاق" مأخوذ من "نفقت السوق" أي راجت؛ لأن السوق تقوم على البضاعة، وحين تأتي إلى السوق ولا تجد سلعاً فذلك يعني أن السوق رائجة، ولكن عندما تجد البضائع مكدسة بالسوق فذلك يعني أن السوق لازالت قائمة. إذن فمعنى "نفقت السوق" أي ذهبت كل البضائع كما تذهب الحياة من الدابة، فعندما نقول: نفقت الدابة، أي ماتت. وأوجه الإنفاق بيّنها - سبحانه - في قوله: {فَلِلْوَالِدَيْنِ وَٱلأَقْرَبِينَ وَٱلْيَتَامَىٰ وَٱلْمَسَاكِينِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ} [البقرة: 215]. فهل كل يتيم محتاج؟ ربما يكون اليتيم قد ورث المال لكن علينا أن نفهم أنّ المسألة ليست هي سد حاجة محتاج فقط، ولكنها الوقوف بجانب ضعيف في أي زاوية من زوايا الضعف؛ لأن الطفل عندما يكون يتيماً ولديه مال، ثم يراك تعطف عليه فهو يشعر أن أباه لم يمت؛ لأن أبوته باقية في إخوانه المؤمنين، وبعد ذلك لا يشب على الحسد لأولاد آباؤهم موجودون، لكن حين يرى اليتيم كل أب مشغولاً بأبنائه عن أيتام مات أبوهم، هنا يظهر فيه الحقد، وتتربى فيه غريزة الاعتراض على القدر، فيقول "لماذا أكون أنا الذي مات والدي؟"، ولكن حين يرى الناس جميعاً آباءه، ويصلونه بالبسمة والود والترحاب والمعونة فلسوف يشعر أن من له أب واحد يتركه الناس اعتماداً على وجود أبيه، لكن حينما يموت أبوه فإن الناس تلتفت إليه بالمودة والمحبة، ويترتب على ذلك أن تشيع المحبة في المجتمع الإسلامي والألفة والرضا بقدر الله، ولا يعترض أحد على وفاة أبيه، فإن كان القدر قد أخذ أباه فقد ترك له آباء متعددين. ولو علم الذين يرفضون المودة والعطف على اليتيم لأن والده ترك له ما يكفيه، لو علموا ما يترتب على هذا التعاطف من نفع معنوي لتنافسوا على التعاطف معه؛ فليست المسألة مسألة حاجة مادية، وإنما هي حاجة معنوية. وأنا أقول دائماً: يجب أن نربي في الناشئة أن الله لا يأخذ أحداً من خلقه وفي الأرض حاجة إليه؛ وارقبوا هذا الأمر فيمن حولكم تجدوا واحداً وقد تُوفي وترك أولاداً صغاراً فيحزن أهله ومعارفه؛ لأنه ترك أولاده صغاراً، وينسون الأمر من بعد ذلك، وتمر فترة من الزمن ويفاجأ الناس بأن أولاد ذلك الرجل قد صاروا سادة الحي، وكأن والدهم كان محبساً على رزقهم، فحينما انتهى الأب فتح الله على الأبناء صنابير الرزق، وذلك حتى لا يُفتَن إنسان في سبب. وبعد الإنفاق على اليتامى نجد الإنفاق على المساكين وابن السبيل، وقد عرفنا أن المسكين هو المحتاج وابن السبيل، هو المنقطع عن أهله وماله. ويختم الحق هذه الآية بقوله: {وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ} [البقرة: 215]. إن الله يريد أن يرد الطبع البشري إلى قضية هي: إياك أن تطلب جزاء الخير الذي تفعله مع هؤلاء من أحد من الخلق، ولكن اطلبه من الله، وإياك أن تحاول أن يعلم الناس عنك أنك مُنْفِق على الأقارب واليتامى وابن السبيل؛ لأن الذين تريدهم أن يعلموا لا يقدرون لك على جزاء، وعلمهم لن يزيدك شيئاً، وحسبك أَنْ يعلم الله الذي أعطاك، والذي أعطيت مما استخلفك فيه ابتغاء مرضاته. فحين ينفق الناس لمرضاة الناس، يلقون من بعد ذلك النكران والجحود فيكون من أعطى قد خسر ما أنفق، واستبقى الشر ممن أنفق عليهم. ولو أن الإنسان المسلم قصد بالإنفاق وعمل الخير مرضاة الخالق الأعلى عز وجل لاستبقى ما أنفق من حسنات وثواب ليوم القيامة، ولسخر الله له قلوب من تصدق عليهم بالمحبة والوفاء بالمعروف، وهذه عدالة من الله تتجلى في أنه يفعل مع المرائين ذلك؛ لأنهم يعطون وفي بالهم أنهم أعطوا له، ولو أعطوا الله لما أنكر الآخذ جميل العطاء. أنت أعطيته لمرضاته هو، فكأن الله يقول لك: سأتركك له ليجازيك ولهذا كان المتصدق في السر من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله فمنهم: "حديث : .. ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه"تفسير : وهذا هو الأفضل في صدقة التطوع، وأما الزكاة الواجبة فإعلانها أفضل، وكذلك الحال بالنسبة للصلاة فالفريضة تكون إعلانها أفضل، والنافلة يكون سرها أفضل. لكن لو عملت وفي بالك الله فستجد أثر العطاء وفي وفاء من أخذ. فإياكم أن تحاولوا ولو من طرف خفيّ أن يعلم الناس أنكم تفعلون الخير. وبعد ذلك يرجع الحق إلى قضية سبق أن عالجها في قوله تعالى: {أية : وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ حَتَّىٰ يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ} تفسير : [البقرة: 191] يرجع الحق إلى القتال فيتكلم عن المبدأ العام في القتال فيقول: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ ...}.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : ثم أخبر عن سؤالهم في إنفاق أموالهم بقوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ} [البقرة: 215]، والإشارة فيها: أن سؤالهم ماذا ينفقون من جنس الأدب لأهل الطلب لكيلا يتصرفوا في شيء من أموالهم، ويغيروا حالاً من أحوالهم بالهوى والطبع؛ بل بالأمر والشرع يوجب الرفعة والقربة، فليس للعبد تحرك إلا بإذن مولاه، ولا سكون إلا على وفق رضاه؛ لأن العبودية الوقوف حيث ما أوقفك الأمر والصرف إينما صرفك الحق؛ فأجاب الله تعالى سؤالهم بقوله: {قُلْ مَآ أَنْفَقْتُمْ مِّنْ خَيْرٍ} [البقرة: 215]، دنياوي وأخروي من مال وجاه علم، وأمر بالمعروف ونهى عن المنكر، فأبدوا {فَلِلْوَالِدَيْنِ وَٱلأَقْرَبِينَ} [البقرة: 215]. كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم، {أية : وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ ٱلأَقْرَبِينَ}تفسير : [الشعراء: 214]، وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : أبدأ بنفسك ثم بمن تعول"تفسير : على ترتيب الأمر {وَٱلْيَتَامَىٰ وَٱلْمَسَاكِينِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ} [البقرة: 215]، ثم جعل الخير عاماً، وقال تعالى: {وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ} [البقرة: 215] يعني: من أي نوع من أنواع الخيرات مع كل ذي روح كما قال: صلى الله عليه وسلم "حديث : في كل كبد حراء أجر"، تفسير : {فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ} [البقرة: 215] أي: بالخير الذي تفعلون وبمن معه تفعلون، وبأي اعتقاد ونيته؛ بالحق أو بالباطل، بالرياء أو بالإخلاص، بالطبع أو بالشرع، بالهوى أو بالله، والله عليم ومجازيكم عليه بقدرات استحقاقكم. ثم أخبر عن فرض القتال بقوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ} [البقرة: 216]، والإشارة فيها: أن قتال النفس وجهادها في الله أمر لازم حق واجب بقوله تعالى: {أية : وَجَاهِدُوا فِي ٱللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ} تفسير : [الحج: 78]؛ ولكنه للطبع فيه كراهة عظيمة، وحقيقة الجهاد رفع الوجود المجازي، فإنه الحجاب بين العبد والرب كما قيل: وجودك ذنب لا يقاس به ذنب، وكما قال ابن منصور رحمه الله: بيني وبينك أني يزاحمني فارفع بجودك أني من البين {وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً} [البقرة: 216]؛ يعني: تكره النفس رفع وجودها {وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ} [البقرة: 216] أي: خير للنفس بأن تتبدل أوصاف الوجود الحقيقي {وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّواْ شَيْئاً} [البقرة: 216]، وهو تمتعات النفس البهيمية باللذات الجسمانية {وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ} [البقرة: 216]؛ أي شر للنفس بحرمانها عن السعادة الأبدية، واللذات الروحانية، وذوق المواهب الربانية {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ} [القرة: 216]، أن في كراهة النفوس ما أودع من راحة القلوب، وفي قتلها ما قدر من الحياة {وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 216]، أن حياة القلوب في موت النفوس، وفي حياة النفوس موت القلوب، كما قال: شعر : أَقَتلوني يا ثِقاتي إِنَّ في قَتلي حَياتي تفسير : ثم أخبر عن السؤال عن الشهر الحرام، وفيه القتال بقوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ} [البقرة: 217] الآيتين والإشارة فيهما أن المعاصي بعضها أكبر من بعض، أن سوء الأدب على الباب لا يوجب على البساط يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه {قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ} [البقرة: 217] أي: ذنب كبير؛ لأن فيه ترك حرمة الشهر ولكن {وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ} [البقرة: 217]، وترك حرمة {وَٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ} [البقرة: 217]، وحرمة النبي صلى الله عليه وسلم وإخراجه من مكة أكبر من ذلك؛ لأن ترك حرمة الشهر زلة النفس والصد عن سبيل الله والكفر بالله وإخراج النبي صلى الله عليه وسلم كفر، فمؤاخذة النفوس الكافرة على الزلات بالعقوبة المؤجلة وهي الافتراق بعد الاختراق وزلات المؤمنين وسيأتيهم تبدل حسنات عند التوبة والاستغفار والأعمال الصالحة {وَٱلْفِتْنَةُ} [البقرة: 217]، التي يشرونها بطريق القتال والخداع أهل الكفر حتى يردوكم بها عن دينكم إن استطاعوا أكبر وأعظم عند الله {مِنَ ٱلْقَتْلِ} [البقرة: 217]، شر كفي الشهر الحرام {وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِن اسْتَطَاعُواْ} [البقرة: 217]، فإنه {وَمَن يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلـٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ} [البقرة: 217]، ويؤاخذ الله أهل هذه الفتنة بهما كما يؤاخذهم بكفرهم {وَأُوْلـٰئِكَ} [البقرة: 217]؛ يعني: أهل الفتنة: {أَصْحَابُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: 217]، لأنهم كفروا وأثاروا الفتنة لارتداد المؤمنين حتى يردوهم عن دينهم إن استطاعوا وما استطاعوا ولكن يؤاخذون بالسعي في الترديد {أية : وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَىٰ * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَىٰ}تفسير : [النجم: 39-40]، وأما الذين كانوا أهل الفتنة يسعون في ترديدهم أدركتهم العناية الأزلية بدفع البلية وبدل خوفهم بالرجاء وجفاءهم بالوفاء وأنزل فيهم {إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ} [البقرة: 218]، أي: مع أنهم آمنوا هاجروا عن أوطانهم {وَجَٰهَدُواْ} [البقرة: 218]، بأبدانهم {فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أُوْلـٰئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ ٱللَّهِ} [البقرة: 218]؛ يعني: أولئك هم المستحقون لرحمة الله {وَٱللَّهُ غَفُورٌ} [البقرة: 218]، يغفر ذنب قتالهم في الشهر، أم {رَّحِيمٌ} [البقرة: 218]، يرحم عليهم إذا هاجروا وجاهدوا في سبيل الله. ثم أخبر عن أهل مراعاة الأمر وسؤالهم عن الخمر بقوله: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَآ} [البقرة: 219]، والإشارة فيها أن الخمر الظاهر كما يتخذ من أجناس مختلفة كالعنب والتمر والعسل والحنطة والشعير وغير ذلك فكذلك خمر الباطن من أجناس مختلفة كالغفلة والشهوى والهوى وحب الدنيا وأمثالها، وهذا الخمور تسكر النفوس والعقول الإنسانية وفيها {إِثْمٌ كَبِيرٌ} [البقرة: 219]، ولهذا كل مسكر حرام، وما يسكر كثيره فقليله حرام، ومنها ما يسكر القلوب والأرواح والأسرار وهو شراب الواردات وأقداح المشاهدات من ساقي تجلي الصفات، فإذا أدارت الكئوس انخمدت النفوس، وتسكر القلوب بالمواجيد عن المواعيد، والأرواح بالشهود عن الوجود، والأسرار بلحظ الجمال عن ملاحظة الكمال، فهذا شراب حل {وَمَنَٰفِعُ لِلنَّاسِ} [البقرة: 219]، قال قائلهم: شعر : فتهجرك من لفظي هو الوصل كله وسكرك من لحظي فسح لك الشرب فما ملّ ساقينا وما ملّ شارب غفار لحاط كأسها يسكر اللب تفسير : فالعجب كل العجب أن قوماً أسكرهم الشراب، وقوماً أسكرهم شهود الساقي كقولهم: شعر : فأسكَرَ القومَ دَورُ كأسٍ وكان سكري من المُديرِ تفسير : وإثم الإعراض عن كئوس الوصال في النهاية أكبر من نفع الطلب ألف سنة في البداية، وكما أن السكران ممنوع من الصلاة فسكران الغفلة والهوى ممنوع عن المواصلات، وأما إثم الميسر فهي إن آثار القمار هي شعار أكثر أهل الديار في سلوك طريق الحيل والخداع بالفعل والكذب والفحش في المقال، وإنه كبير عند الأخيار بعيد عن خصال الأبرار، وأما نفعه فعدم التفات إلى الكونين، وبذل نقوش العالمين في فروانية نقش الكعبتين: {وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا} [البقرة: 219] لأن إثمهما للعوام ونفعهما للخواص وقليل ما هم {وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ ٱلْعَفْوَ} [البقرة: 219]، وهو ما يعطيه المرء ويعفو أثره عن قلبه عند الإنفاق يعني: يطيب القلب لأن أصل العفو المحو والطمس يدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أفضل الصدقة ما كان عن ظهر عنى"تفسير : وقال: ليس الغنى عن كثرة الغرض، ولكن الغني غنى النفس، وفيه معنى آخر قيل: العفو التجاوز عن الذنوب وترك العقاب، والذي يدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم في تأويل قوله تعالى: {أية : خُذِ ٱلْعَفْوَ}تفسير : [الأعراف: 199]، قال وعفوك عن ظلمك وقال تعالى: {أية : وَأَن تَعْفُوۤاْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ}تفسير : [البقرة: 237]، وقيل: العفو ما فضل عن حاجتك، وهذا للخواص أن يخرجها عن فاضل أموالهم عن قدر كفايتهم، فأما خاص الخاص فطريقهم الإيثار وهو أن يؤثر غيره على نفسه وبه فاقة إلى ما يخرج وإن كان صاحب الذي يؤثر به غني {كَذٰلِكَ يُبيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلأيَٰتِ} [البقرة: 219]، في هذه السؤالات {لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ} [البقرة: 219]، في أحوالكم وحاصل أموالكم {أية : فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ}تفسير : [آل عمران: 22]، فستعلمون أن ما عندكم ينفد وما عند الله باق {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْيَتَامَىٰ قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ} [البقرة: 220]، تأديب وتعليم وبذل النصح لهم من إصلاح ما لهم ولكم من ذلك أيضاً خير وثواب وأجر عند الله {وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ}، في المعاملة والمجالسة والمكالمة {فَإِخْوَانُكُمْ}، فكونوا معهم كما تكونون مع إخوانكم في الصبر على الاحتمال عنهم عند الإرشاد والنصيحة والشفقة عليهم بكل حال من غير سآمة وملالة {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ ٱلْمُفْسِدَ} [البقرة: 220]، في الإفساد والفساد {مِنَ ٱلْمُصْلِحِ} [البقرة: 220]، في الإصلاح فيعامل كلا على سواكن قلبه من المقصود لا على ظواهر كسبهم من جميع الفنون {وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لأَعْنَتَكُمْ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ} [البقرة: 220]، يعز بعزته من يشاء ويذل من يشاء {حَكِيمٌ} [البقرة: 220]، يحكم بحكمه ما يشاء.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : أي: يسألونك عن النفقة، وهذا يعم السؤال عن المنفق والمنفق عليه، فأجابهم عنهما فقال: { قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ } أي: مال قليل أو كثير، فأولى الناس به وأحقهم بالتقديم، أعظمهم حقا عليك، وهم الوالدان الواجب برهما، والمحرم عقوقهما، ومن أعظم برهما، النفقة عليهما، ومن أعظم العقوق، ترك الإنفاق عليهما، ولهذا كانت النفقة عليهما واجبة، على الولد الموسر، ومن بعد الوالدين الأقربون، على اختلاف طبقاتهم، الأقرب فالأقرب، على حسب القرب والحاجة، فالإنفاق عليهم صدقة وصلة، { وَالْيَتَامَى } وهم الصغار الذين لا كاسب لهم، فهم في مظنة الحاجة لعدم قيامهم بمصالح أنفسهم، وفقد الكاسب، فوصى الله بهم العباد، رحمة منه بهم ولطفا، { وَالْمَسَاكِينِ } وهم أهل الحاجات، وأرباب الضرورات الذين أسكنتهم الحاجة، فينفق عليهم، لدفع حاجاتهم وإغنائهم. { وَابْنَ السَّبِيلِ } أي: الغريب المنقطع به في غير بلده، فيعان على سفره بالنفقة، التي توصله إلى مقصده. ولما خصص الله تعالى هؤلاء الأصناف، لشدة الحاجة، عمم تعالى فقال: { وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ } من صدقة على هؤلاء وغيرهم، بل ومن جميع أنواع الطاعات والقربات، لأنها تدخل في اسم الخير، { فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ } فيجازيكم عليه، ويحفظه لكم، كل على حسب نيته وإخلاصه، وكثرة نفقته وقلتها، وشدة الحاجة إليها، وعظم وقعها ونفعها.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):