٢ - ٱلْبَقَرَة
2 - Al-Baqara (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
216
Tafseer
الرازي
تفسير : الحكـم الثاني فيما يتعلق بالقتال وفيه مسائل: /المسألة الأولى: اعلم أنه عليه الصلاة والسلام كان غير مأذون في القتال مدة إقامته بمكة فلما هاجر أذن له في قتال من يقاتله من المشركين، ثم أذن له في قتال المشركين عامة، ثم فرض الله الجهاد واختلف العلماء في هذه الآية فقال قوم: إنها تقتضي وجوب القتال على الكل وعن مكحول أنه كان يحلف عند البيت بالله أن الغزو واجب ونقل عن ابن عمر وعطاء: أن هذه الآية تقتضي وجوب القتال على أصحاب الرسول عليه الصلاة والسلام في ذلك الوقت فقط حجة الأولين أن قوله: {كُتِبَ} يقتضي الوجوب وقوله: {عَلَيْكُمْ } يقتضيه أيضاً، والخطاب بالكاف في قوله: {عَلَيْكُمْ } لا يمنع من الوجوب على الموجودين وعلى من سيوجد بعد ذلك كما في قوله: {أية : كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِصَاصُ }تفسير : [البقرة: 178]، }أية : كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلصّيَامُ } تفسير : [البقرة: 183]. فإن قيل: ظاهر الآية هل يقتضي أن يكون واجباً على الأعيان أو على الكفاية. قلنا: بل يقتضي أن يكون واجباً على الأعيان لأن قوله: {عَلَيْكُمْ } أي على كل واحد من آحادكم كما في قوله: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِصَاصُ، كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلصّيَامُ } حجة عطاء أن قوله: {كُتِبَ} يقتضي الإيجاب، ويكفي في العمل به مرة واحدة وقوله: {عَلَيْكُمْ } يقتضي تخصيص هذا الخطاب بالموجودين في ذلك الوقت إلا أنا قلنا: إن قوله: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِصَاصُ، كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلصّيَامُ } حال الموجودين فيه كحال من سيوجد بعد ذلك، بدلالة منفصلة وهي الإجماع، وتلك الدلالة مفقودة ههنا فوجب أن يبقى على الوضع الأصلي، قالوا: ومما يدل على صحة هذا القول قوله تعالى:{أية : وَكُلاًّ وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْحُسْنَىٰ} تفسير : [النساء: 95] ولو كان القاعد مضيعاً فرضاً لما كان موعوداً بالحسنى، اللهم إلا أن يقال: الفرض كان ثابتاً ثم نسخ، إلا أن التزام القوم بالنسخ من غير أن يدل عليه دليل غير جائز، ويدل عليه أيضاً قوله تعالى: {أية : وَمَا كَانَ ٱلْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَافَّةً } تفسير : [التوبة: 122] والقول بالنسخ غير جائز على ما بيناه، والإجماع اليوم منعقد على أنه من فروض الكفايات، إلا أن يدخل المشركون ديار المسلمين فإنه يتعين الجهاد حينئذ على الكل والله أعلم. المسألة الثانية: قوله: {وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ } فيه إشكال وهو أن الظاهر من قوله: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ } أن هذا الخطاب مع المؤمنين، والعقل يدل عليه أيضاً لأن الكافر لا يؤمر بقتال الكافر، وإذا كان كذلك فكيف قال: {وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ } فإن هذا يشعر بكون المؤمن كارهاً لحكم الله وتكليفه وذلك غير جائز، لأن المؤمن لا يكون ساخطاً لأوامر الله تعالى وتكاليفه، بل يرضى بذلك ويحبه ويتمسك به ويعلم أنه صلاحه وفي تركه فساده. والجواب من وجهين: الأول: أن المراد من الكره، كونه شاقاً على النفس، والمكلف وإن علم أن ما أمره الله به فهو صلاحه، لكن لا يخرج بذلك عن كونه ثقيلاً شاقاً على النفس، لأن التكليف عبارة عن إلزام ما في فعله كلفة ومشقة، ومن المعلوم أن أعظم ما يميل إليه الطبع الحياة، فلذلك أشق الأشياء على النفس القتال الثاني: أن يكون المراد كراهتهم للقتال قبل أن يفرض لما فيه من الخوف، ولكثرة الأعداء فبين الله تعالى أن الذي تكرهونه من القتال خير لكم من تركه لئلا تكرهونه بعد أن فرض عليكم. المسألة الثالثة: الكره بضم الكاف هو الكراهة بدليل قوله: {وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ } ثم فيه وجهان أحدهما: أن يكون المعنى وضع المصدر موضع الوصف مبالغة كقول الخنساء:شعر : فإنمـا هـي إقبـال وإدبـار تفسير : كأنه في نفسه كراهة لفرط كراهتهم له والثاني: أن يكون فعلاً بمعنى مفعول، كالخبر بمعنى المخبور أي وهو مكروه لكم وقرأ السلمي بالفتح وهما لغتان كالضعف والضعف، ويجوز أن يكون بمعنى الإكراه على سبيل المجاز، كأنهم أكرهوا عليه لشدة كراهتهم له، ومشقته عليهم، ومنه قوله تعالى: {أية : حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً } تفسير : [الأحقاف: 15] والله أعلم وقال بعضهم: الكره، بالضم ما كرهته مما لم تكره عليه، وإذا كان بالإكراه فبالفتح. أما قوله: {وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: {عَسَى } فعل درج مضارعه وبقي ماضيه فيقال منه، عسيتما وعسيتم قال تعالى: {أية : فَهَلْ عَسَيْتُمْ } تفسير : [محمد: 22] ويرتفع الاسم بعده كما يرتفع بعد الفعل فتقول: عسى زيد. كما تقول: قام زيد ومعناه: قرب قال تعالى: {أية : قُلْ عَسَىٰ أَن يَكُونَ رَدِفَ لَكُم } تفسير : [النمل: 72] أي قرب، فقولك عسى زيد أن يقوم تقديره عسى قيام زيد أي قرب قيام زيد. المسألة الثانية: معنى الآية أنه ربما كان الشيء شاقاً عليكم في الحال، وهو سبب للمنافع الجليلة في المستقبل وبالضد، ولأجله حسن شرب الدوا المرء في الحال لتوقع حصول الصحة في المستقبل، وحسن تحمل الأخطار في الأسفار لتوقع حصول الربح في المستقبل، وحسن تحمل المشاق في طلب العلم للفوز بالسعادة العظيمة في الدنيا وفي العقبـى، وههنا كذلك وذلك لأن ترك الجهاد وإن كان يفيد في الحال صون النفس عن خطر القتل، وصون المال عن الإنفاق، ولكن فيه أنواع من المضار منها: أن العدو إذا علم ميلكم إلى الدعة والسكون قصة بلادكم وحاول قتلكم فأما أن يأخذكم ويستبيح دماءكم وأموالكم، وإما أن تحتاجوا إلى قتالهم من غير إعداد آلة وسلاح، وهذا يكون كترك مداواة المرض في أول ظهوره بسبب نفرة النفس عن تحمل مرارة الدواء، ثم في آخر الأمر يصير المرء مضطراً إلى تحمل أضعاف تلك النفرة والمشقة، والحاصل أن القتال سبب لحصول الأمن، وذلك خير من الانتفاع بسلامة الوقت، ومنها وجدان الغنيمة، ومنها السرور العظيم بالاستيلاء على الأعداء. أما ما يتعلق بالدين فكثيرة، منها ما يحصل للمجاهد من الثواب العظيم إذا فعل الجهاد تقرباً وعبادة وسلك طريقة الاستقامة فلم يفسد ما فعله، ومنها أنه يخشى عدوكم أن يستغنمكم فلا تصبرون على المحنة فترتدون عن الدين، ومنها أن عدوكم إذا رأى جدكم في دينكم وبذلكم أنفسكم وأموالكم في طلبه مال بسبب ذلك إلى دينكم فإذا أسلم على يدكم صرتم بسبب ذلك مستحقين للأجر العظيم عند الله، ومنها أن من أقدم على القتال طلباً لمرضاة الله تعالى كان قد تحمل ألم القتل بسبب طلب رضوان الله، وما لم يصر الرجل متيقناً بفضل الله وبرحمته وأنه لا يضيع أجر المحسنين، وبأن لذات الدنيا أمور باطلة لا يرضى بالقتل ومتى كان كذلك فارق الإنسان الدنيا على حب الله وبغض الدنيا، وذلك من أعظم سعادات الإنسان. فثبت بما ذكرنا أن الطبع ولو كان يكره القتال من أعداء الله فهو خير كثير وبالضد، ومعلوم أن الأمرين متى تعارضا فالأكثر منفعة هو الراجح وهذا هو المراد من قوله: {وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ }. المسألة الثالثة: {ٱلشَّرَّ } السوء وأصله من شررت الشيء إذا بسطته، يقال شررت اللحم والثوب إذا بسطته ليجف، ومنه قوله:شعر : وحتى أشـرت بالأكـف المصـاحف تفسير : والشرر اللهب لانبساطه فعلى هذا الشر انبساط الأشياء الضارة. المسألة الرابعة: {عَسَى } توهم الشك مثل {لَعَلَّ } وهي من الله تعالى يقين، ومنهم من قال إنها كلمة مطمعة، فهي لا تدل على حصول الشك للقائل إلا أنها تدل على حصول الشك للمستمع وعلى هذا التقدير لا يحتاج إلى التأويل، أما إن قلنا بأنها بمعنى {لَعَلَّ } فالتأويل فيه هو الوجوه المذكورة في قوله تعالى: {أية : لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } تفسير : [البقرة: 183] قال الخليل: {عَسَى } من الله واجب في القرآن قال: {أية : فَعَسَى ٱللَّهُ أَن يَأْتِىَ بِٱلْفَتْحِ } تفسير : [المائدة: 52] وقد وجد {أية : وَعَسَى ٱللَّهُ أَن يَأْتِيَنِى بِهِمْ جَمِيعًا } تفسير : [يوسف: 83] وقد حصل والله أعلم. أما قوله تعالى: {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ } فالمقصود منه الترغيب العظيم في الجهاد وذلك لأن الإنسان إذا اعتقد قصور علم نفسه، وكمال علم الله تعالى، ثم علم أنه سبحانه لا يأمر العبد إلا بما فيه خيرته ومصلحته، علم قطعاً أن الذي أمره الله تعالى به وجب عليه امتثاله، سواء كان مكروهاً للطبع أو لم يكن فكأنه تعالى قال: يا أيها العبد اعلم أن علمي أكمل من علمك فكن مشتغلاً بطاعتي ولا تلتفت إلى مقتضى طبعك فهذه الآية في هذا المقام تجري مجرى قوله تعالى في جواب الملائكة {إِنّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ }.
القرطبي
تفسير : فيه ثلاث مسائل: الأُولى ـ قوله تعالى: {كُتِبَ} معناه فرض، وقد تقدّم مثله. وقرأ قوم «كتِب عليكم القتل»؛ وقال الشاعر:شعر : كُتب القتل والقتال علينا وعلى الغانيات جَرُّ الذُّيولِ تفسير : هذا هو فرض الجهاد، بيّن سبحانه أن هذا مما ٱمتُحِنوا به وجُعِل وُصْلة إلى الجنة. والمراد بالقتال قتال الأعداء من الكفار، وهذا كان معلوماً لهم بقرائن الأحوال، ولم يؤذن للنبيّ صلى الله عليه وسلم في القتال مدّة إقامته بمكة؛ فلما هاجر أُذِن له في قتال من يقاتله من المشركين فقال تعالى: {أية : أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُواْ} تفسير : [الحج: 39] ثم أُذن له في قتال المشركين عامة. وٱختلفوا مَن المراد بهذه الآية؛ فقيل: أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم خاصة، فكان القتال مع النبيّ صلى الله عليه وسلم فرض عَيْن عليهم؛ فلما ٱستقرّ الشرع صار على الكفاية، قاله عطاء والأُوزاعيّ. قال ٱبن جُريج: قلت لعطاء: أواجب الغزو على الناس في هذه الآية؟ فقال: لا، إنما كُتب على أُولئك. وقال الجمهور من الأُمة: أوّل فَرضِه إنما كان على الكفاية دون تعيين، غير أن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان إذا ٱستنفرهم تعيّن عليهم النَّفير لوجوب طاعته. وقال سعيد بن المسيّب: إن الجهاد فرض على كل مسلم في عينه أبدا؛ حكاه الماورديّ. قال ٱبن عطية: والذي استمرّ عليه الإجماع أن الجهاد على كل أُمة محمد صلى الله عليه وسلم فرض كفاية، فإذا قام به من قام من المسلمين سقط عن الباقين؛ إلا أن ينزل العدوّ بساحة الإسلام فهو حينئذ فرض عين، وسيأتي هذا مبيّنا في سورة «براءة» إن شاء الله تعالى. وذكر المهدوِيّ وغيره عن الثوريّ أنه قال: الجهاد تطوّع. قال ٱبن عطية: وهذه العبارة عندي إنما هي على سؤال سائل وقد قيم بالجهاد؛ فقيل له: ذلك تطوّع. الثانية ـ قوله تعالى: {وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ} ٱبتداء وخبر، وهو كره في الطباع. قال ٱبن عَرَفة: الكُرْه المشقّة، والكَره ـ بالفتح ـ ما أُكْرِهْتَ عليه؛ هذا هو الاختيار، ويجوز الضم في معنى الفتح فيكونان لغتين؛ يقال: كرِهت الشيء كَرْهاً وكُرْهاً وكَراهة وكراهية، وأكرهته عليه إكراهاً. وإنما كان الجهاد كرهاً لأن فيه إخراج المال ومفارقة الوطن والأهل، والتعرّض بالجسد للشِّجاج والجراح وقطع الأطراف وذهاب النفس؛ فكانت كراهيتهم لذلك؛ لا أنهم كرهوا فرض الله تعالى. وقال عِكرمة في هذه الآية: إنهم كَرِهوه ثم أحبّوه وقالوا: سمعنا وأطعنا؛ وهذا لأن ٱمتثال الأمر يتضمن مشقة، لكن إذا عُرف الثواب هان في جنبه مُقاساة المشقات. قلت: ومثاله في الدنيا إزالة ما يؤلم الإنسان ويخاف منه كقطع عضو وقلع ضرس وفصدٍ وحِجامةٍ ٱبتغاءَ العافية ودوام الصحة، ولا نعيم أفضل من الحياة الدائمة في دار الخلد والكرامة في مقعد صدقٍ. الثالثة ـ قوله تعالى: {وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً} قيل: «عسى» بمعنى قد، قاله الأصم. وقيل: هي واجبة. و «عسى» من الله واجبة في جميع القرآن إلا قوله تعالى: {أية : عَسَىٰ رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُ} تفسير : [التحريم: 5]. وقال أبو عبيدة: «عسى» من الله إيجاب، والمعنى عسى أن تكرهوا ما في الجهاد من المشقَّة وهو خير لكم في أنكم تَغلبون وتَظفرون وتَغنَمون وتُؤجَرون، ومن مات مات شهيداً، وعسى أن تحبّوا الدّعة وترك القتال وهو شرٌّ لكم في أنكم تُغلبون وتُذلُّون ويذهب أمركم. قلت: وهذا صحيح لا غبار عليه؛ كما ٱتفق في بلاد الأندلس، تركوا الجهاد وجبنوا عن القتال وأكثروا من الفرار؛ فٱستولى العدوّ على البلاد، وأيّ بلاد؟! وأَسَر وقتَل وسبَى وٱسترقّ، فإنا لله وإنا إليه راجعون! ذلك بما قدّمت أيدينا وكسبته! وقال الحسن في معنى الآية: لا تكرهوا المَلَمَّات الواقعة؛ فَلرُبّ أمرٍ تكرهه فيه نجاتك، ولَرُبّ أمر تحبّه فيه عَطَبك، وأنشد أبو سعيد الضَّرير:شعر : رُبَّ أمرٍ تتّقِيهِ جرّ أمراً تَرتَضِيهِ خَفِيَ المحبوبُ منه وبَدَا المكروهُ فيهِ
ابن كثير
تفسير : هذا إيجاب من الله تعالى للجهاد على المسلمين أن يكفوا شر الأعداء عن حوزة الإسلام، وقال الزهري: الجهاد واجب على كل أحد غزا أوقعد، فالقاعد عليه إذا استعين أن يعين، وإذا استغيث أن يغيث، وإذا استنفر أن ينفر، وإن لم يحتج إليه قعد. (قلت): ولهذا ثبت في الصحيح: «حديث : من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو، مات ميتة جاهلية» تفسير : وقال عليه السلام يوم الفتح: «حديث : لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم فانفروا»تفسير : وقوله: {وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ} أي شديد عليكم ومشقة، وهو كذلك، فإنه إما أن يقتل أو يجرح مع مشقة السفر ومجالدة الأعداء. ثم قال تعالى: {وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ} أي: لأن القتال يعقبه النصر والظفر على الأعداء والاستيلاء على بلادهم وأموالهم وذراريهم وأولادهم. {وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ} وهذا عام في الأمور كلها، قد يحب المرء شيئاً وليس له فيه خيرة ولا مصلحة، ومن ذلك القعود عن القتال، قد يعقبه استيلاء العدو على البلاد والحكم. ثم قال تعالى: {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} أي: هو أعلم بعواقب الأمور منكم، وأخبر بما فيه صلاحكم في دنياكم وأخراكم، فاستجيبوا له، وانقادوا لأمره، لعلكم ترشدون.
المحلي و السيوطي
تفسير : {كُتِٰبَ } فرض {عَلَيْكُمُ ٱلْقِتَالُ } للكفار {وَهُوَ كُرْهٌ } مكروه {لَّكُمْ } طبعاً لمشقته {وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ } لميل النفس إلى الشهوات الموجبة لهلاكها ونفورها عن التكليفات الموجبة لسعادتها فلعل لكم في القتال- وإن كرهتموه- خيراً لأن فيه إما الظفر والغنيمة أو الشهادة والأجر وفي تركه- وإن أحبتموه - شراً لأن فيه الذل والفقر وحرمان الأجر {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ } ما هو خير لكم {وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ } ذلك فبادروا إلى ما يأمركم به.
الماوردي
تفسير : قوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ} بمعنى فرض. وفي فرضه ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. والثاني: أنه خطاب لكل أحد من الناس كلهم أبداً حتى يقوم به من فيه كفاية، وهذا قول الفقهاء والعلماء. والثالث: أنه فرض على كل مسلم في عينه أبداً، وهذا قول سعيد بن المسيب. ثم قال تعالى: {وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ} والكرْهُ بالضم إدخال المشقة على النفس من غير إكراه أحد. والكَره بالفتح إدخال المشقة على النفس بإكراه غيره له. ثم فيه قولان: أحدهما: أنه فيه حذفاً وتقديره: وهو ذو كره لكم وهذا قول الزجاج. والثاني: معناه وهو مكروه لكم، فأقام المقدّر مُقامه. ثم في كونه كرهاً تأويلان: أحدهما: وهو كره لكم قبل التعبد وأما بعده فلا. الثاني: وهو كره لكم في الطباع قبل الفرض وبعده. وإنما يحتمل بالتعبد. ثم قال تعالى: {وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ} وفي عسى ها هنا قولان: أحدهما: أنه طمع المشفق مع دخول الشك. والثاني: أنها بمعنى قد. وقال الأصم: {وَعَسَى أن تَكْرَهُوا شَيئاً} من القتال {وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ} يعني في الدنيا بالظفر والغنيمة، وفي الآخرة بالأجر والثواب، {وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئاً} يعني من المتاركة والكف {وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ}، يعني في الدنيا بالظهور عليكم وفي الآخرة بنقصان أجوركم. {وَاللهُ يَعْلَمُ} ما فيه مصلحتكم {وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} .
ابن عبد السلام
تفسير : {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ} أراد به الصحابة ـ رضي الله تعالى عنهم ـ خاصة، أو الناس عامة إلى حصول الكفاية، أو هو فرض متعين على كل مسلم أبداً، قاله ابن المسيب. {كُرْهٌ لَّكُمْ} الكُره: إدخال المشقة على النفس من غيره إكراه أحد، والكَره: إدخال المشقة بإكراه غيره، كره: ذو كره، أو مكروه لكم فأقام المصدر مقامه. مكروه قبل الأمر به وأما بعده فلا، أو كره في الطباع قبل الأمر وبعده. {وَعَسَى} بمعنى "قد"، أو طمع المشفق مع دخول الشك، {وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً} من القتال، {وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ} بالظفر والغنيمة والأجر والثواب، {وَعَسَى أَن تُحِبًّواْ شَيْئاً} من [ترك] القتال، {وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ} بظهور عدوكم، ونقصان أجوركم، {وَاللَّهُ يَعْلَمُ} مصلحتكم، {وَأَنتُمْ لا تَعْلَمُونَ}.
ابن عرفة
تفسير : قوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِتَالُ...}. قال ابن عرفة: لفظ الكتب دليل على تأكيد وجوب القتال. والكتب إما حكم الله أو في اللوح المحفوظ أو في القرآن. والجهاد هنا (قيل فرض عين) وقيل فرض كفاية. قال ابن عرفة: الظاهر أنه فرض (عين) لأنا إذا شككنا في شيء فيحمل على الأكثر. وفرض العين في التكاليف أكثر من فرض الكفاية. (قيل له: في غير هذا، وأما هنا فلا؟ فقال: هذا محل النزاع، وكان بعضهم يقول: إنه فرض عين في كفاية) فواجب على (جميع) الناس حضور القتال. ويكفي فيه قتال البعض، والحضور فرض عين (والقتال فرض) كفاية كالصلاة في الدار المغصوبة فإنّها فرض في حرام. قال ابن عرفة: وإذا قلنا: إنّ خطاب المواجهة يعم ولا يخص، فنقول: الأمر للحاضر والغائب وغلب فيه المخاطب. والأمر للحاضرين ويتناول الغائب (بالقياس) عليه من باب (لا فارق). قوله تعالى: {وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ...}. الضمير عائد على القتال إما (لقربه) وإما لأنه إنما يعود على (الكتب) باعتبار متعلقه لأنهّم لايكرهون الكتاب لذاته. والكراهة هنا ليست بمعنى البغض بل بمعنى النفور منه وصعوبته على النفس كصعوبة الوضوء في زمن البرد فيكرهه المكلف كذلك لا أنه يبغضه. قوله تعالى: {وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ...}. قال أبو حيان: عسى الأول للإشفاق والثانية للرجاء. قال ابن عرفة: المناسب العكس، فإن المستقبل في الأولى خير وانتظاره رجاء، والمستقبل في الثانية شر فانتظاره إشفاق وخوف. قيل لابن عرفة: إنما المعتبر ما دخلت عليه (أن)؟ فقال: نعم لكن بصفته وقيده، والأول مقيد بأنه (يعقبه خير، والثاني مقيد بأنه يعقبه الشر. قيل لابن عرفة: المستقبل غير معلوم للانسان وإنّما يعلم الحاضر فيعسر عليه المستقبل فإن كان الحاضر خيرا ترجّى دوامه وإن كان شرا أشفق وخاف من دوامه. قال أبو حيان: وكل عسى في القرآن للتحقيق يعنون به الوقوع إلا قوله عز وجل {أية : عَسَىٰ رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُ أَزْوَاجاً خَيْراً مِّنكُنَّ }. تفسير : قال ابن عرفة: بل هي أيضا للتّحقيق لما تقدم من أنّ القضية الشرطية تقتضي صحّة ملزومية الجزاء للشرط ولا تقتضي الثبوت والوقوع، والقضية الحملية تقتضي الثبوت والوقوع أو بفهم الوقوع في (الآية) باعتبار (المتكلم) بهذا الشرط والرجاء واقع من الله تعالى. قوله تعالى: {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ}. قال ابن عرفة: الآية تدل على أن جميع الأحكام الشرعية تعلل، وذلك أنهم اختلفوا في التعبدات فذهب جماعة منهم الشيخ الهمام عز الدين ابن عبد السلام إلى أنّها الأحكام (التي لاتدرك لها علة، وفي بعض كلام ابن رشد وكلام المتقدمين ما يدل على أنها الأحكام) التي لا علة لها، والآية تقتضي أنّ الأحكام كلّها لاتكون إلا لمصلحة لأنّها خرجت مخرج (التّبيين) على كمال المبادرة إلى امتثال الأحكام الشرعية فدل على أن المراد والله أعلم ما في ذلك من المصلحة وَأنتُمْ لاَ تَعْلَمونها. فعليكم أن تأخذوها بالقبول. وقوله: وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ: قال ابن عرفة: يصح أن يكون في موضع الحال. قيل له: علمنا حادث لا يُجامع علم الله القديم؟ فقال: هي حال مقدرة والتحقيق أنّا إن جعلنا الجملة في موضع الحال تكون سالبة تقتضي وجود الموضوع، وبقي في الآية أنّ الزمخشري قال في {وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ} إما مصدر من الكراهة أو أنه بمعنى بمعنى المكروه مثل (الخبز) بمعنى (المخبوز). وقرىء: "كَرْهٌ" بالفتح على أنه بمعنى (المضموم) كالضعف والضعف. قال ابن عرفة: وقال القاضي أبو الفضل عياض في تنبيهاته: الوضوء بالضم هو الفعل وبالفتح اسم الماء، وقيل: بالعكس. قال: فيجيء هنا كذلك. قيل لابن عرفة: هذا قياس في اللّغة فلا يجوز؟ فقال: إنما هو (إجراء) لا قياس.
ابن عادل
تفسير : قرئ: "كَتَبَ عَلَيْكُمُ القِتَالَ": ببناء "كَتَب" للفاعل؛ وهو ضمير الله تعالى، ونصبِ "القِتَالِ". قال القرطبي: وقرأ قومٌ: "كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقَتْلُ"؛ قال الشاعر: [الخفيف] شعر : 1048 أ - كُتِبَ الْقَتْلُ وَالْقَتَالُ عَلَيْنَا وَعَلَى الغَانِيَاتِ جَرُّ الذُيُولِ تفسير : قوله تعالى: "وَهُوَ كُرْهٌ" هذه واو الحال، والجملة بعدها في محلِّ نصبٍ عليها، والظاهر أنَّ "هو" عائدٌ على القتال. وقيل: يعود على [المصدر] المفهوم من كتب، أي: وكتبه وفرضه. وقرأ الجمهور "كُرْهٌ" بضمِّ الكاف، وهو الكراهية بدليل قوله: {وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً} ثم فيه وجهان: أحدهما: أنَّ وضع المصدر موضع الوصف سائغٌ كقول الخنساء: [البسيط] شعر : 1048ب -..................... فَإِنَّمَا هِيَ إِقْبَالٌ وَادْبَارُ تفسير : والثاني: أن يكون فعلاً بمعنى مفعولٍ، كالخبر بمعنى المخبور وهو مكروهٌ لكم. وقرأ السُّلميُّ بفتحها. فقيل: هما بمعنًى واحدٍ، أي: مصدران كالضَّعف والضُّعف، قاله الزَّجاج وتبعه الزمخشري. وقيل: المضمومُ اسمُ مفعولٍ، والمفتوح المصدر. وقيل: المفتوح بمعنى الإكراه، قاله الزمخشري في توجيه قراءة السُّلميِّ، إلاَّ أنَّ هذا من باب مجيء المصدر على حذف الزوائد، وهو لا ينقاس. وقيل: المفتوح ما أُكره عليه المرء، والمضموم ما كرهه هو. فإن كان "الكَرْهُ"، و"الكُرْهُ" مصدراً، فلا بدَّ من تأويل يجوز معه الإخبار به عن "هو"، وذلك التأويل: إمَّا على حذف مضافٍ، أي: والقتال ذو كرهٍ، أو على المبالغة، أو على وقوعه موقع اسم المفعول. وإن قلنا: إنَّ "كُرْهاً" بالضَّمِّ اسم مفعولٍ، فلا يحتاج إلى شيء من ذلك. و"لَكُمْ" في محلِّ رفعٍ؛ لأنه صفة لكره، فيتعلَّق بمحذوفٍ أي: كرهٌ كائنٌ. فصل في بيان الإذن في القتال اعلم أنه - عليه الصّلاة والسّلام - كان غير مأذونٍ له في القتال مدة إقامته بمكة، فلمَّا هاجر أُذن له في قتال من يقاتله من المشركين، ثمَّ أُذن له في قتال المشركين عامَّةً، ثم فرض الله الجهاد. واختلف العلماء في حكم هذه الآية، فقال عطاء: الجهاد تطوعٌ والمراد بهذه الآية أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك الوقت دون غيرهم، وإليه ذهب الثَّوْرِيُّ، واحتجوا بقوله تعالى: {أية : فَضَّلَ ٱللَّهُ ٱلْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى ٱلْقَٰعِدِينَ دَرَجَةً وَكُـلاًّ وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْحُسْنَىٰ}تفسير : [النساء: 95] ولو كان القاعد تاركاً للفرض، لم يكن يعده الحسنى. قالوا: وقوله: "كُتِبَ" يقتضي الإيجاب، ويكفي في العمل به مرَّةً واحدةً. وقوله: "عَلَيْكُمْ" يقتضي تخصيص هذا الخطاب بالموجودين في ذلك الوقت، وإنما قلنا إنَّ قوله {أية : كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِصَاصُ}تفسير : [البقرة: 178] {أية : كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلصِّيَامُ}تفسير : [البقرة: 183] حال الموجودين فيه كحال من سيوجد بعد ذلك؛ بدليلٍ منفصلٍ، وهو الإجماع، وذلك غير معقولٍ ها هنا؛ فوجب أن يبقى على الأصل، ويدل على صحة هذا القول قوله تعالى: {أية : وَمَا كَانَ ٱلْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً}تفسير : [التوبة: 122] والقول بالنسخ غير جائز على ما بيناه، والإجماع اليوم منعقدٌ على أنه من فروض الكفايات، إلاَّ أن يدخل المشركون ديار المسلمين؛ فيتعيّن الجهاد حينئذٍ على الكلِّ. وقال آخرون: هو فرض عينٍ؛ واحتجُّوا بقوله: "كُتِبَ" وهو يقتضي الوجوب، وقوله "عَلَيْكُمْ" يقتضيه أيضاً، والخطاب بالكاف في قوله "عَلَيْكُمْ" لا يمنع من الوجوب على الموجودين وعلى من سيوجد؛ كقوله: {أية : كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلصِّيَامُ}تفسير : [البقرة: 183]. وقال الجمهور: هو فرضٌ على الكفاية. فإن قيل هذا الخطاب للمؤمنين، فكيف قال: {وَهُوَ كُرهٌ لَكُم}، وهذا يشعر بكون المؤمنين كارهين لحكم الله، وتكليفه، وذلك غير جائزٍ؛ لأن المؤمن لا يكون ساخطاً لأوامر الله وتكليفه، بل يرضى بذلك، ويحبُّه، ويعلم أنه صلاحه، وتركه فساده؟ والجواب من وجهين: أحدهما: أن المراد من "الكُرْهِ" كونه شَاقّاً على النفس، لأن التكليف عبارةٌ عن إلزام ما فيه كلفةٌ، ومشقةٌ، ومن المعلوم: أن الحياة من أعظم ما يميل الطبع إليها، فلذلك كان القتال من أشقِّ الأشياء على النفس، لأنَّ فيه إخراج المال، والجراحات، وقطع الأطراف، وذهاب الأنفس، وذلك أمرٌ يشق على الأنفس. والثاني: أن يكون المراد منه كراهتهم للقتال قبل أن يفرض؛ لما فيه من الخوف، ولكثرة الأعداء فبيَّن تعالى أن الذي تكرهونه من القتال خيرٌ لكم من تركه، لئلاَّ تكرهونه بعد أن فرض عليكم. قال عكرمة: نسخها قوله تعالى: {أية : سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا}تفسير : [النساء: 46] يعني أنهم كرهوه ثم أحبوه. قوله {وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا}، "عَسَى" فعلٌ ماضٍ، نُقِل إلى إنشاءِ الترجِّي والإشفاق، وهو يرفعُ الاسمَ ويَنْصِبُ الخَبر، ولا يكون خبرُها إلا فِعلاً مضارعاً مقروناً بـ"أَنْ"، وقد يجيءُ اسماً صريحاً؛ كقوله [الرجز] شعر : 1049 - أَكْثَرْتَ فِي العَذْلِ مُلِحّاً دَائِمَا لاَ تُكْثِرَنْ إِنِّي عَسَيْتُ صَائِمَا تفسير : وقالت الزَّبَّاءُ: "عَسَى الغُوَيْرُ أَبُؤُسَا" وقد يَتَجَرَّد خبرها مِنْ "أَنْ"؛ كقوله: [الطويل] شعر : 1050 - عَسَى فَرَجٌ يأْتِي بهِ اللَّهُ إِنَّهُ لَهُ كُلَّ يَوْمٍ في خَلِيقَتِهِ أَمْرُ تفسير : وقال آخر: [الوافر] شعر : 1051 - عَسَى الكَرْبُ الَّذِي أَمْسَيْتَ فِيهِ يَكُونُ وَرَاءَه فَرَجٌ قَرِيبُ تفسير : وقال آخر: [الوافر] شعر : 1052- فَأَمَّا كَيِّسٌ فَنَجَا ولَكِن عَسَى يغْتَرُّ بي حَمِقٌ لَئِيمُ تفسير : وتكونُ تامّة، إذا أُسندَتْ إلى "أَنْ" أَوْ "أنَّ"؛ لأنهما يَسدَّان مَسَدَّ اسمها وخبرها، والأصحُّ أنها فِعْلٌ، لا حرفٌ، لاتصالِ الضمائر البارزةِ المرفوعةِ بها. قال تعالى: {أية : فَهَلْ عَسَيْتُمْ}تفسير : [محمد: 22] ويرتفع الاسم بعده فقوله: "عَسَى زَيْدٌ" معناه: قرب ووزنُها "فَعَل" بفتح العين، ويجوز كسر عينها، إذا أسندت لضمير متكلم، أو مخاطبٍ أو نون إناثٍ وهي قراءةُ نافعٍ، وستأتي إن شاء الله تعالى ولا تتصرَّفُ بل تلزمُ المضيَّ. والفرقُ بين الإشفاق والترجِّي بها في المعنى: أنَّ الترجِّي في المحبوبات، والإشفاقَ في المَكروهات. و"عَسَى" من الله تعالى واجبةٌ؛ لأنَّ الترجِّي والإشفاق محالانِ في حقَّه. وقيل: كلُّ "عَسَى" في القرآن للتحقيق، يعنُون الوقوعَ، إِلاَّ قوله تعالى: {أية : عَسَىٰ رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ}تفسير : [التحريم: 5] وهي في هذه الآية ليسَت ناقصة؛ فتحتاج إلى خبرٍ، بل تامةٌ، لأنها أُسْندت إلى "أَنْ"، وقد تقدَّم أنها تَسُدُّ مَسدَّ الخبرين بعدها. وزعم الحُوفيُّ أَنَّ: "أَنْ تَكْرَهُوا" في محلِّ نصبٍ، ولا يمكن ذلك إلا بتكلُّفٍ بعيد. قوله: {وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ} في هذه الجملة وجهان: أظهرهما: أنها في محلِّ نصبٍ على الحال، وإنْ كانَتْ من النكرة بغيرِ شرطٍ من الشروط المعروفة قليلةً. والثاني: أَنْ تكونَ في محلِّ نصبٍ على أنها صفةٌ لـ"شَيْئاً" وإنما دخلت الواو على الجملة الواقعة صفة؛ لأنَّ صورتها صورةُ الحالِ، فكما تدخل الواو عليها حاليةً، تدخلُ عليها صفةً، قاله أبو البقاء ومثلُ ذلك ما أجازه الزمخشريّ في قوله: {أية : وَمَآ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلاَّ وَلَهَا كِتَابٌ مَّعْلُومٌ}تفسير : [الحجر: 4] فجعل "وَلَهَا كِتَابٌ" صفةً لقريةٍ، وقل: وكانَ القياسُ ألاَّ تتوسَّطَ هذا الواو بينهما؛ كقوله: {أية : وَمَآ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلاَّ لَهَا مُنذِرُونَ}تفسير : [الشعراء: 208] وإنما توسَّطَت؛ لتأكيد لصوقِ الصفةِ بالموصوفِ، كما يُقالُ في الحالِ: "جاءني زيدٌ عليه ثوبٌ، وعليه ثوبٌ". وهذا الذي أجازه أبو البقاء هنا، والزمخشريُّ هناك، هو رأيُ ابن جِنّي، وسائرُ النحاة يُخالفونه. فصل في بيان الخيرية في الغزو قوله: {وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ} لأنّ في الغزو إحدى الحسنيين: إمَّا الظفرُ والغنيمةُ، وإِمَّا الشهادة والجنةُ {وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّواْ شَيْئاً} يعني القُعُود عن الغزو، وهو شرٌّ لكم؛ لما فيه من فواتِ الغنيمة، والأَجرِ، ومخالفةِ أَمر اللَّهِ تعالى. قال القُرطبي: قِيْلَ "عَسَى" بمعنى "قَدْ" وقال الأَصمُّ: و"عَسَى" مِنَ اللَّهِ واجبةٌ في جميع القرآن إِلاَّ قولُه تعالى: {أية : عَسَىٰ رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُ أَزْوَاجاً}تفسير : [التحريم: 5] وقال أبو عبيدة: عَسَى من اللَّهِ إيجابٌ، والمعنى: عسى أنْ تكرهُوا ما في الجهادِ من المشقَّةِ؛ وهو خيرٌ لكم، من أَنَّكُمْ تغلبون، وتظفرون وتغنمون، وتُؤجرون، ومَنْ مات، مات شهيداً. و"الشَّرُّ" هو السُّوء أصله: من شَرَرْتُ الشيء إذا بسطتهُ يقال: شَرَرْتُ اللحم، والثوب: إذا بسطته، ليجف؛ ومنه قوله: [الوافر] شعر : 1053 - وَحَتَّى أُشُرَّتْ بِالأَكُفِّ المَصَاحِفُ تفسير : والشَّررُ: هو اللَّهب لانبساطه. فعلى هذا "الشَّرُّ" انبساطُ الاشياء الضارةِ، وقوله {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} فالمقصود الترغيبُ العظيمُ في الجهادِ، وكأنه تعالى قال يا أيها العبد، اعلمْ أَنَّ علمي أكملُ من علمك، فكُنْ مشتغلاً بطاعتي، ولا تلتفتْ إلى مُقتضى طبعك، فهي كقوله في جواب الملائكة: {أية : إِنِّيۤ أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ}تفسير : [البقرة: 30].
السيوطي
تفسير : أخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في الآية قال: إن الله أمر النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين بمكة بالتوحيد، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وأن يكفوا أيديهم عن القتال، فلما هاجر إلى المدينة نزلت سائر الفرائض وأذن لهم في القتال، فنزلت {كتب عليكم القتال} يعني فرض عليكم، وأذن لهم بعد ما كان نهاهم عنه {وهو كره لكم} يعني القتال وهو مشقة لكم {وعسى أن تكرهوا شيئاً} يعني الجهاد قتال المشركين {وهو خير لكم} ويجعل الله عاقبته فتحاً وغنيمة وشهادة {وعسى أن تحبوا شيئاً} يعني القعود عن الجهاد {وهو شر لكم} فيجعل الله عاقبته شراً فلا تصيبوا ظفراً ولا غنيمة. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن جريج قال: قلت لعطاء: ما تقول في قوله {كتب عليكم القتال} أواجب الغزو على الناس من أجلها؟ قال: لا، كتب على أولئك حينئذ. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن شهاب في الآية قال: الجهاد مكتوب على كل أحد غزا أو قعد، فالقاعد إن استعين به أعان، وإن استغيث به أغاث، وإن استغني عنه قعد. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله {وهو كره لكم} قال "نسختها هذه الآية {أية : وقالوا سمعنا وأطعنا} تفسير : [البقرة: 285] وأخرجه ابن جرير موصولاً عن عكرمة عن ابن عباس". وأخرج ابن المنذر والبيهقي في سننه من طريق علي عن ابن عباس قال: عسى من الله واجب. وأخرج ابن المنذر عن مجاهد قال: كل شيء في القرآن عسى، فإن عسى من الله واجب. وأخرج ابن أبي حاتم من طريق السدي عن أبي مالك قال: كل شيء من القرآن عسى فهو واجب، إلا حرفين: حرف في التحريم {أية : عسى ربه إن طلقكن}تفسير : [التحريم: 5] وفي بني إسرائيل {أية : عسى ربكم أن يرحمكم} تفسير : [الإِسراء: 8]. وأخرج ابن المنذر عن سعيد بن جبير قال: عسى على نحوين: أحدهما في أمر واجب قوله {أية : فعسى أن يكون من المفلحين}تفسير : [القصص: 67] وأما الآخر فهو أمر ليس بواجب كله قال الله {وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم} ليس كل ما يكره المؤمن من شيء هو خير له، وليس كل ما أحب هو شر له. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: كنت رديف رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "حديث : يا ابن عباس. . ارض عن الله بما قدر وإن كان خلاف هواك، فإنه مثبت في كتاب الله. قلت: يا رسول الله فأين وقد قرأت القرآن؟ قال {وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون} ". تفسير : وأخرج أحمد والبخاري ومسلم والنسائي وابن ماجة والبيهقي في الشعب عن أبي ذر"حديث : أن رجلاً قال: يا رسول الله أي الأعمال أفضل؟ قال: إيمان بالله، وجهاد في سبيل الله، قال: فأي العتاقة أفضل؟ قال: أنفسها. قال: أفرأيت إن لم أجد؟ قال: فتعين الصانع وتصنع لا خرق. أفرأيت إن لم أستطع؟ قال: تدع الناس من شرك، فإنها صدقة تصدق بها على نفسك ". تفسير : وأخرج أحمد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي والبيهقي في الشعب عن أبي هريرة قال "حديث : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الأعمال أفضل؟ قال: الإِيمان بالله ورسوله. قيل: ثم ماذا؟ قال: الجهاد في سبيل الله. قيل: ثم ماذا؟ قال: ثم حج مبرور ". تفسير : وأخرج البيهقي في الشعب عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : أفضل الأعمال الصلاة لوقتها، والجهاد في سبيل الله ". تفسير : وأخرج مالك وعبد الرزاق في المصنف والبخاري ومسلم والنسائي والبيهقي عن أبي هريرة قال "حديث : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: مثل المجاهد في سبيل الله - والله أعلم بمن يجاهد في سبيله - كمثل الصائم القائم الخاشع الراكع الساجد، وتكفل الله للمجاهد في سبيله أن يتوفاه فيدخله الجنة، أو يرجعه سالماً بما نال من أجر وغنيمة ". تفسير : وأخرج البخاري والبيهقي في الشعب عن أبي هريرة قال "حديث : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: علمني عملاً يعدل الجهاد، قال: لا أجده حتى تستطيع إذا خرج المجاهد أن تدخل مسجداً فتقوم ولا تفتر، وتصوم ولا تفطر، قال: لا أستطيع ذاك؟ قال أبو هريرة: إن فرس المجاهد ليستن في طوله فيكتب له حسنات ". تفسير : وأخرج مسلم والترمذي والنسائي والبيهقي في الشعب عن أبي هريرة قال "حديث : قيل: يا رسول الله، أخبرنا بما يعدل الجهاد في سبيل الله؟ قال: لا تستطيعونه. قال: بلى يا رسول الله. قال: مثل المجاهد في سبيل الله كمثل القائم الصائم البائت بآيات الله، لا يفتر من صيام وصلاة حتى يرجع المجاهد إلى أهله ". تفسير : وأخرج الترمذي وحسنه والبزار والحاكم وصححه والبيهقي في الشعب عن أبي هريرة قال "حديث : إن رجلاً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بشعب فيه عيينة ماء عذب، فأعجبه طيبه فقال: لو أقمت في هذا الشعب واعتزلت الناس لن أفعل حتى استأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: لا تفعل فإن مقام أحدكم في سبيل الله أفضل من صلاته في أهله ستين عاماً، ألا تحبون أن يغفر الله لكم ويدخلكم الجنة؟ اغزوا في سبيل الله، من قاتل في سبيل الله فواق ناقة وجبت له الجنة ". تفسير : وأخرج أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي والحاكم والبيهقي عن أبي سعيد الخدري قال "حديث : أتى رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أي الناس أفضل؟ فقال: مؤمن مجاهد بنفسه وماله في سبيل الله. قال: ثم من؟ قال: مؤمن في شعب من الشعاب يعبد الله ويدع الناس من شره ". تفسير : وأخرج الترمذي وحسنه والنسائي وابن حبان عن ابن عباس "حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ألا أخبركم بخير الناس منزلاً؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: رجل أخذ برأس فرسه في سبيل الله حتى يموت أو يقتل، ألا أخبركم بالذي يليه؟ قالوا: بلى. قال: امرؤ معتزل في شعب يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة ويعتزل شرور الناس، ألا أخبركم بشر الناس؟ قالوا: بلى. قال: الذي يسأل بالله ولا يعطي ". تفسير : وأخرج الطبراني عن فضالة بن عبيد "حديث : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: الإِسلام ثلاثة: سفلى، وعليا، وغرفة، فأما السفلى فالإِسلام دخل فيه عامة المسلمين، فلا تسأل أحداً منهم إلا قال: أنا مسلم. وأما العليا فتفاضل أعمالهم بعض المسلمين أفضل من بعض. وأما الغرفة العليا فالجهاد في سبيل الله لا ينالها إلا أفضلهم ". تفسير : وأخرج البزار عن حذيفة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : الإِسلام ثمانية أسهم: الإِسلام سهم، والصلاة سهم، والزكاة سهم، والصوم سهم، وحج البيت سهم، والأمر بالمعروف سهم، والنهي عن المنكر سهم، والجهاد في سبيل الله سهم، وقد خاب من لا سهم له ". تفسير : وأخرج الأصبهاني في الترغيب عن علي مرفوعاً. مثله. وأخرج أحمد والطبراني عن عبادة بن الصامت "حديث : أن رجلاً قال: يا رسول الله أي الأعمال أفضل؟ قال: إيمان بالله، وجهاد في سبيله، وحج مبرور، فلما ولى الرجل قال: وأهون عليك من ذلك إطعام الطعام، ولين الكلام، وحسن الخلق، فلما ولى الرجل قال: وأهون عليك من ذلك لا تتهم الله على شيء قضاه عليك ". تفسير : وأخرج أحمد والطبراني والحاكم وصححه عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : جاهدوا في سبيل الله فإن الجهاد في سبيل الله باب من أبواب الجنة، ينجي الله به من الهم والغم ". تفسير : وأخرج عبد الرزاق في المصنف عن أبي امامة "حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: عليكم بالجهاد في سبيل الله فإنه باب من أبواب الجنة، يذهب الله به الهم والغم ". تفسير : وأخرج أحمد والبزار والطبراني عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : مثل الجهاد في سبيل الله كمثل الصائم نهاره القائم ليله حتى يرجع متى رجع ". تفسير : وأخرج مسلم وأبو داود والنسائي والحاكم والبيهقي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو، مات على شعبة من النفاق ". تفسير : وأخرج النسائي والحاكم وصححه والبيهقي عن عثمان بن عفان "حديث : أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: يوم في سبيل الله خير من ألف يوم فيما سواه ". تفسير : وأخرج أحمد والطبراني والحاكم وصححه عن معاذ بن أنس "حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث سرية فأتته امرأة فقالت: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم إنك بعثت هذه السرية، وإن زوجي خرج فيها وقد كنت أصوم بصيامه، وأصلي بصلاته، وأتعبد بعبادته، فدلني على عمل أبلغ به عمله؟ قال: تصلين فلا تقعدين، وتصومين فلا تفطرين، وتذكرين فلا تفترين. قالت: وأطيق ذلك يا رسول الله؟ قال: ولو طوّقت ذلك - والذي نفسي بيده - ما بلغت العشير من عمله ". تفسير : وأخرج الطبراني عن أبي هريرة قال "حديث : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إذا خرج الغازي في سبيل الله جعلت ذنوبه جسراً على باب بيته، فإذا خلف خلف ذنوبه كلها فلم يبق عليه منها مثل جناح بعوضة، وتكفل الله له بأربع: بأن يخلفه فيما يخلف من أهل ومال، وأي ميتة مات بها أدخله الجنة، فإن رده سالماً بما ناله من أجر أو غنيمة، ولا تغرب شمس إلا غربت بذنوبه ". تفسير : وأخرج أحمد عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : لا يجمع الله في جوف رجل غباراً في سبيل الله ودخان جهنم، ومن اغبرت قدماه في سبيل الله حرم الله سائر جسده على النار، ومن صام يوماً في سبيل الله ختم له بخاتم الشهداء، تأتي يوم القيامة لونها مثل لون الزعفران، وريحها مثل المسك، يعرفه بها الأولون والآخرون يقولون: فلان عليه طابع الشهداء. ومن قاتل في سبيل الله فواق ناقة وجبت له الجنة ". تفسير : وأخرج أبو داود والحاكم وصححه والبيهقي عن أبي مالك الأشعري "حديث : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من نصل في سبيل الله فمات أو قتل فهو شهيد، أو رفصه فرسه أو بعيره، أو لدغته هامة، أو مات على فراشه بأي حتف شاء الله فإنه شهيد، وإن له الجنة ".تفسير : وأخرج البزار عن أبي هند، رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : مثل المجاهد في سبيل الله مثل الصائم القائم القانت، لا يفتر من صيام ولا صلاة ولا صدقة ". تفسير : وأخرج أحمد والبخاري والترمذي والنسائي عن أبي عبس عبد الرحمن بن جبر "حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من اغبرت قدماه في سبيل الله حرمهما الله على النار ". تفسير : وأخرج البزار عن أبي بكر الصديق "حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من اغبرت قدماه في سبيل الله حرمهما الله على النار ". تفسير : وأخرج البزار عن عثمان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : من اغبرّت قدماه في سبيل الله حرم الله عليه النار ". تفسير : وأخرج أحمد من حديث مالك بن عبد الله النخعي. مثله. وأخرج الحاكم وصححه عن أبي هريرة "حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ألا أخبركم بخير الناس منزلة؟ قالوا: بلى. قال: رجل أخذ بعنان فرسه في سبيل الله حتى يقتل أو يموت، ألا أخبركم بالذي يليه؟ رجل معتزل في شعب يقيم الصلاة، ويؤتي الزكاة، ويشهد أن لا إله إلا الله ". تفسير : وأخرج ابن سعد عن أم بشر بنت البراء بن معرور قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول"حديث : ألا أنبئكم بخير الناس بعده؟ قالوا: بلى. قال: رجل في غنمه يقيم الصلاة، ويؤتي الزكاة، يعلم حق الله في ماله، قد اعتزل شرور الناس ". تفسير : وأخرج النسائي والحاكم وصححه والبيهقي عن أبي سعيد الخدري "حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب الناس عام تبوك وهو مضيف ظهره إلى نخلة فقال: ألا أخبركم بخير الناس؟ إن من خير الناس رجلاً عمل في سبيل الله على ظهر فرسه، أو على ظهر بعيره، أو على قدميه حتى يأتيه الموت، وإن من شر الناس رجلاً فاجراً جريئاً يقرأ كتاب الله ولا يرعوي إلى شيء منه ". تفسير : وأخرج أبو داود والحاكم وصححه عن أبي أمامة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : ثلاثة كلهم ضامن على الله: رجل خرج غازياً في سبيل الله فهو ضامن على الله حتى يتوفاه فيدخله الجنة، أو يرده بما نال من أجر أو غنيمة، ورجل دخل بيته بالسلام فهو ضامن على الله ". تفسير : وأخرج الحاكم وصححه عن ابن الخصاصية قال "حديث : أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبايعه على الإِسلام، فاشترط عليّ: تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، وتصلي الخمس، وتصوم رمضان، وتؤدي الزكاة، وتحج، وتجاهد في سبيل الله. قلت: يا رسول الله أما اثنتان فلا أطيقهما، أما الزكاة فما لي إلا عشر ذودهن رسل أهلي وحمولتهم، وأما الجهاد فيزعمون أن من ولى فقد باء بغضب من الله، فأخاف إذا حضرني قتال كرهت الموت وخشعت نفسي. فقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم يده، ثم حركها ثم قال: لا صدقة ولا جهاد، فبم تدخل الجنة؟! ثم قلت: يا رسول الله أبايعك فبايعني عليهن كلهن ". تفسير : وأخرج الحاكم وصححه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : أعين لا تمسها النار. عين فقئت في سبيل الله، وعين حرست في سبيل الله، وعين بكت من خشية الله ". تفسير : وأخرج أحمد والنسائي والطبراني والحاكم وصححه عن أبي ريحانة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : حرمت النار على عين دمعت من خشية الله، حرمت النار على عين سهرت في سبيل الله، وعين غضت عن محارم الله، وعين فقئت في سبيل الله ". تفسير : وأخرج الحاكم وصححه عن أبي هريرة قال "حديث : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "أظلتكم فتن كقطع الليل المظلم، أنجى الناس منها صاحب شاهقة يأكل من رسل غنمه، أو رجل من وراء الدروب آخذ بعنان فرسه يأكل من فيء سيفه" ". تفسير : وأخرج ابن ماجة عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : المجاهد في سبيل الله مضمون على الله إما أن يلقيه إلى مغفرته ورحمته، وإما أن يرجعه بأجر وغنيمة. ومثل المجاهد في سبيل الله كمثل الصائم القائم الذي لا يفتر حتى يرجع ". تفسير : وأخرج ابن ماجة والحاكم وصححه والبيهقي في الشعب عن عثمان بن عفان قال "حديث : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: عينان لا تمسهما النار: عين بكت من خشية الله، وعين باتت تحرس في سبيل الله ". تفسير : وأخرج أبو يعلى والطبراني في الأوسط عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : عينان لا تمسهما النار أبداً. عين باتت تكلأ في سبيل الله، وعين بكت من خشية الله ". تفسير : وأخرج الطبراني عن معاوية بن حيدة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : ثلاثة لا ترى أعينهم النار: عين حرست في سبيل الله، وعين بكت من خشية الله، وعين غضت عن محارم الله ". تفسير : وأخرج الحاكم وصححه والبيهقي عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : ألا أنبئكم بليلة القدر؟ حارس حرس في أرض خوف لعله أن لا يرجع إلى أهله ". تفسير : وأخرج الحاكم والبيهقي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : كل عين باكية يوم القيامة إلا عيناً غضت عن محارم الله، وعيناً سهرت في سبيل الله، وعيناً خرج منها مثل رأس الذباب من خشية الله ". تفسير : وأخرج ابن ماجة عن أنس "حديث : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: حرس ليلة في سبيل الله أفضل من صيام رجل وقيامه في أهله ألف سنة، السنة ثلثمائة يوم، اليوم كألف سنة ". تفسير : وأخرج ابن ماجة عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : من راح روحة في سبيل الله كان له بمثل ما أصابه من الغبار مسك يوم القيامة ". تفسير : وأخرج عبد الرزاق عن مكحول قال: حدثنا بعض الصحابة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : من قاتل في سبيل الله فواق ناقة قتل أو مات دخل الجنة، ومن رمى بسهم بلغ العدوّ أو قصر كان عدل رقبة، ومن شاب شيبة في سبيل الله كانت له نوراً يوم القيامة، ومن كلم كلمة جاءت يوم القيامة ريحها مثل المسك ولونها مثل الزعفران ". تفسير : وأخرج البيهقي عن أكيدر بن حمام قال: أخبرني رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال: حديث : جلسنا يوماً في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلنا لفتى فينا: اذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فاسأله ما يعدل الجهاد؟ فأتاه فسأله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لا شيء"، ثم أرسلناه الثانية، فقال مثلها، ثم قلنا إنها من رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث، فإن قال: لا شيء فقل: ما يقرب منه؟ فأتاه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا شيء. فقال: ما يقرب منه يا رسول الله؟ قال: طيب الكلام، وادامة الصيام، والحج كل عام، ولا يقرب منه شيء بعد ". تفسير : وأخرج النسائي وابن حبان والحاكم وصححه عن فضالة بن عبيد "حديث : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: أنا زعيم - والزعيم الحميل - لمن آمن بي وأسلم، وجاهد في سبيل الله ببيت في ربض الجنة، وبيت في وسط الجنة، وبيت في أعلى غرف الجنة، فمن فعل ذلك لم يدع للخير مطلباً، ولا من الشر مهرباً، يموت حيث شاء أن يموت ". تفسير : وأخرج الحاكم وصححه والبيهقي عن عمران بن حصين "حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: مقام الرجل في الصف في سبيل الله أفضل عند الله من عبادة الرجل ستين سنة ". تفسير : وأخرج أحمد والبزار عن معاذ بن جبل أنه قال: حديث : يا نبي الله حدثني بعمل يدخلني الجنة، قال: بخ بخ لقد سألت لعظيم، لقد سألت لعظيم، لقد سألت لعظيم، وأنه ليسير على من أراد الله به الخير، تؤمن بالله، وباليوم الآخر، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتعبد الله وحده لا تشرك به شيئاً حتى تموت وأنت على ذلك، ثم قال: إن شئت يا معاذ حدثتك برأس هذا الأمر، وقوام هذا الأمر وذروة السنام، فقال معاذ. بلى يا رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: إن رأس هذا الأمر أن تشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله، وأن قوام هذا الأمر الصلاة والزكاة، وأن ذروة السنام منه الجهاد في سبيل الله، إنما أمرت أن أقاتل الناس حتى يقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، ويشهدوا أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله، فإذا فعلوا ذلك فقد اعتصموا وعصموا دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: والذي نفس محمد بيده ما شجت وجه ولا اغبرت قدم في عمل يبتغى به درجات الآخرة بعد الصلاة المفروضة كجهاد في سبيل الله، ولا ثقل ميزان عبد كدابة ينفق عليها في سبيل الله، أو يحمل عليها في سبيل الله ". تفسير : وأخرج الطبراني عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : ذروة سنام الإِسلام الجهاد لا يناله إلا أفضلهم ". تفسير : وأخرج أبو داود وابن ماجة عن أبي أمامة "حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من لم يغز ولم يجهز غازياً أو يخلف غازياً في أهله بخير أصابه الله بقارعة قبل يوم القيامة ". تفسير : وأخرج عبد الرزاق في المصنف عن مكحول قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : ما من أهل بيت لا يخرج منهم غاز، أو يجهزون غازياً، أو يخلفونه في أهله، إلا أصابهم الله بقارعة قبل الموت ". تفسير : وأخرج عبد الرزاق وأحمد وأبو داود والترمذي وصححه والنسائي وابن ماجة وابن حبان والحاكم وصححه والبيهقي عن معاذ بن جبر "حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من قاتل فواق ناقة فقد وجبت له الجنة، ومن سأل الله القتل من نفسه صادقاً ثم مات أو قتل فإن له أجر شهيد، ومن جرح جرحاً في سبيل الله أو نكب نكبة فإنها تجيء يوم القيامة كأغزر ما كانت، لونها لون الزعفران، وريحها ريح المسك، ومن جرح في سبيل الله فإن عليه طابع الشهداء ". تفسير : وأخرج النسائي عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يحكي عن ربه قال "حديث : أيما عبد من عبادي خرج مجاهداً في سبيل الله ابتغاء مرضاتي ضمنت له إن رجعته ارجعه بما أصاب من أجر أو غنيمة، وإن قبضته غفرت له ". تفسير : وأخرج الطبراني والبيهقي عن أبي أمامة "حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ما من رجل يغبر وجهه في سبيل الله إلا آمنه الله دخان النار يوم القيامة، وما من رجل تغبر قدماه في سبيل الله إلا أمن الله قدميه من النار ". تفسير : وأخرج أبو داود في مراسيله عن ربيع بن زياد "حديث : بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يسير إذ هو بغلام من قريش معتزل عن الطريق يسير فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أليس ذاك فلاناً؟ قالوا: بلى. قال: فادعوه، فدعوه قال: ما بالك اعتزلت الطريق؟! فقال: يا رسول الله كرهت الغبار. قال: فلا تعتزله، فوالذي نفس محمد بيده إنه لذريرة الجنة ". تفسير : وأخرج أبو يعلى وابن حبان والبيهقي عن جابر بن عبد الله "حديث : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من اغبرت قدماه في سبيل الله حرمه الله على النار ". تفسير : وأخرج الترمذي عن أم مالك البهزية قالت "حديث : ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم فتنة فقربها قلت: من خير الناس فيها؟ قال: رجل في ماشية يؤدي حقها ويعبد ربه، ورجل أخذ برأس فرسه يخيف العدو ويخيفونه ". تفسير : وأخرج الترمذي وصححه والنسائي والحاكم والبيهقي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : لا يلج النار رجل بكى من خشية الله حتى يعود اللبن في الضرع، ولا يجتمع غبار في سبيل الله ودخان جهنم في منخري مسلم أبداً ". تفسير : وأخرج الترمذي وحسنه عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : ليس شيء أحب إلى الله من قطرتين أو أثرين، قطرة دمع من خشية الله، وقطرة دم تهرق في سبيل الله، وأما الأثران: فأثر في سبيل الله، وأثر في فريضة من فرائض الله ". تفسير : وأخرج أحمد وأبو داود والنسائي والحاكم وصححه والبيهقي عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : الغزو غزوان. فأما من ابتغى به وجه الله، وأطاع الإِمام، وأنفق الكريمة، وياسر الشريك، واجتنب الفساد، فإن نومه ونبهه أجر كله. وأما من غزا فخراً، ورياء، وسمعة، وعصى الإِمام، وأفسد في الأرض، فإنه لن يرجع بالكفاف ". تفسير : وأخرج مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة والحاكم والبيهقي عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : ما من سرية تغزو في سبيل الله فيسلمون ويصيبون الغنيمة إلاَّ تعجلوا ثلثي أجرهم من الآخرة ويبقى لهم الثلث، وما من سرية تخفق وتخوّف وتصاب إلا تم لهم أجرهم ". تفسير : وأخرج أبو داود عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد، سلط الله عليكم ذلاً لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم ". تفسير : وأخرج الحاكم وصححه والبيهقي عن أبي هريرة قال "حديث : أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بسرية أن تخرج، قالوا: يا رسول الله أتخرج الليلة أم تمكث حتى تصبح؟ قال: أفلا تحبون أن تبيتوا هكذا في خريف من خراف الجنة، والخريف الحديقة ". تفسير : وأخرج الطبراني عن سلمان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إذا رجف قلب المؤمن في سبيل الله تحات عنه خطاياه كما يتحات عذق النخلة ". تفسير : وأخرج البزار عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : حجة خير من أربعين غزوة، وغزوة خير من أربعين حجة، يقول: إذا حج الرجل حجة الإِسلام فغزوة خير له من أربعين حجة، وحجة الإِسلام خير من أربعين غزوة ". تفسير : وأخرج الطبراني والحاكم وصححه والبيهقي عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : حجة لمن لم يحج خير من عشر غزوات، وغزوة لمن قد حج خير من عشر حجج، وغزوة في البحر خير من عشر غزوات في البر، ومن أجاز البحر فكأنما أجاز الأودية كلها، والمائد فيه كالمتشحط في دمه ". تفسير : وأخرج البيهقي عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : لحجة أفضل من عشر غزوات، ولغزوة أفضل من عشر حجات ". تفسير : وأخرج أبو داود في المراسيل عن مكحول قال "كثر المستأذنون على رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الحج في غزوة تبوك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم"حديث : غزوة لمن قد حج أفضل من أربعين حجة ". تفسير : وأخرج عبد الرزاق عن ابن عمر قال: لسفرة في سبيل الله أفضل من خمسين حجة. وأخرج مسلم والترمذي والحاكم عن أبي موسى الأشعري قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : إن أبواب الجنة تحت ظلال السيوف ". تفسير : وأخرج الترمذي وصححه عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : يقول الله: المجاهد في سبيلي هو علي ضامن إن قبضته أورثته الجنة، وإن رجعته رجعته بأجر أو غنيمة ". تفسير : وأخرج أحمد وأبو يعلى وابن خزيمة وابن حبان والطبراني والحاكم وصححه عن معاذ بن جبل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "حديث : من جاهد في سبيل الله كان ضامناً على الله، ومن عاد مريضاً كان ضامناً على الله، ومن غدا إلى مسجد أو راح كان ضامناً على الله، ومن دخل على إمام بغزوة كان ضامناً على الله، ومن جلس في بيته لم يغتب إنساناً كان ضامناً على الله ". تفسير : وأخرج أحمد وأبو داود والنسائي عن عبد الله بن حبشي الخثعمي "حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل أي الأعمال أفضل؟ قال: إيمان لا شك فيه، وجهاد لا غلول فيه، وحجة مبرورة. قيل: فأي الصدقة أفضل؟ قال: جهد المقل. قيل: فأي الهجرة أفضل؟ قال: من هجر ما حرم الله. قيل: فأي الجهاد أفضل؟ قال: من جاهد المشركين بنفسه وماله. قيل: فأي القتل أشرف؟ قال: من أهرق دمه وعقر جواده ". تفسير : وأخرج مالك والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي عن أبي هريرة. أن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : من أنفق زوجين في سبيل الله نودي من أبواب الجنة يا عبد الله هذا خير، فمن كان من أهل الصلاة دعي من باب الصلاة، ومن كان من أهل الجهاد دعي من أبواب الجهاد، ومن كان من أهل الصدقة دعي من باب الصدقة. فقال أبو بكر: بأبي أنت وأمي يا رسول الله ما علي من دعي من تلك الأبواب من ضرورة، فهل يدعى أحد من تلك الأبواب كلها؟ قال: نعم، وأرجو أن تكون منهم ". تفسير : وأخرج مالك وعبد الرزاق في المصنف والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة والبيهقي عن أبي هريرة "حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: تضمن الله لمن خرج في سبيله لا يخرجه إلا جهاد في سبيلي، وإيمان بي، وتصديق برسلي، فهو ضامن أن أدخله الجنة أو أرجعه إلى منزله الذي خرج منه نائلاً ما نال من أجر أو غنيمة، والذي نفس محمد بيده ما كلم بكلم في سبيل الله إلا جاء يوم القيامة كهيئته يوم كلم، لونه لون دم وريحه ريح مسك، والذي نفس محمد بيده لولا أن أشق على المسلمين ما قعدت خلف سرية تغزو في سبيل الله أبداً، ولكن لأجد ما أحملهم عليه ولا يجدون ما يتحملون عليه فيخرجون، ويشق عليهم أن يتخلفوا بعدي، والذي نفس محمد بيده لوددت أني أغزو في سبيل الله فاقتل، ثم أحيا فاقتل، ثم أحيا فاقتل ". تفسير : وأخرج ابن سعد عن سهيل بن عمر "حديث : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: مقام أحدكم في سبيل الله ساعة خير من عمله عمره في أهله ". تفسير : وأخرج أحمد عن أبي أمامة قال "حديث : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سرية من سراياه، فمر رجل بغار فيه شيء من ماء، فحدث نفسه بأن يقيم في ذلك الماء فيتقوّت مما كان فيه من ماء، ويصيب مما حوله من البقل، ويتخلى من الدنيا، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: إني لم أبعث باليهودية ولا بالنصرانية ولكني بعثت بالحنيفية السمحة، والذي نفس محمد بيده لغدوة أو روحة في سبيل الله خير من الدنيا وما فيها، ولمقام أحدكم في الصف خير من صلاته ستين سنة ". تفسير : وأخرج أحمد عن عمرو بن العاص قال "حديث : قال رجل: يا رسول الله أي العمل أفضل؟ قال: إيمان بالله، وتصديق، وجهاد في سبيله، وحج مبرور. قال الرجل: أكثرت يا رسول الله. فقال: فلين الكلام، وبذل الطعام، وسماح، وحسن الخلق، قال الرجل: أريد كلمة واحدة. قال له: اذهب فلا تتهم الله على نفسك ". تفسير : وأخرج أحمد عن الشفاء بنت عبد الله وكانت من المهاجرات "حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن أفضل الإِيمان، فقال: ايمان بالله، وجهاد في سبيل الله، وحج مبرور ". تفسير : وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول عن الحسن قال: بني الإِسلام على عشرة أركان: الاخلاص لله وهي الفطرة، والصلاة وهي الملة، والزكاة وهي الطهرة، والصيام وهو الجنة، والحج وهو الشريعة، والجهاد وهو العزة، والأمر بالمعروف وهو الحجة، والنهي عن المنكر وهو الواقية، والطاعة وهي العصمة، والجماعة وهي الألفة". وأخرج أحمد عن عمرو بن عبسة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : من قاتل في سبيل الله فواق ناقة حرم الله وجهه على النار ". تفسير : وأخرج الطبراني عن أبي المنذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : من جاهد في سبيل الله وجبت له الجنة ". تفسير : وأخرج أحمد والطبراني عن عائشة قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول"حديث : ما خالط قلب امرىء رهج في سبيل الله إلا حرم الله عليه النار ". تفسير : وأخرج الترمذي وابن ماجة والحاكم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : من لقي الله بغير أثر من جهاد لقيه وفيه ثلمة ". تفسير : وأخرج الطبراني عن أبي بكر الصديق قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : ما ترك قوم الجهاد إلا عمهم الله بالعذاب ". تفسير : وأخرج البيهقي عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول"حديث : إذا ضن الناس بالدينار والدرهم، وابتغوا أذناب البقر، وتركوا الجهاد في سبيل الله، وتبايعوا بالعين، أنزل الله عليهم البلاء فلا يرفعه حتى يراجعوا دينهم ". تفسير : وأخرج أحمد والبخاري ومسلم والترمذي وابن ماجة والبيهقي عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : لعدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها ". تفسير : وأخرج أحمد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة عن سهل بن سعد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : الروحة والغدوة في سبيل الله أفضل من الدنيا وما فيها ". تفسير : وأخرج مسلم والنسائي عن أبي أيوب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : غدوة في سبيل الله أو روحة خير مما طلعت عليه الشمس وغربت ". تفسير : وأخرج البزار عن عمران بن حصين، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : غدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها ". تفسير : وأخرج الترمذي وحسنه عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : غدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها ". تفسير : وأخرج أحمد من حديث معاوية بن جريج. مثله. وأخرج عبد الرزاق عن اسحق بن رافع قال: بلغني عن المقداد أن الغازي إذا خرج من بيته عدد ما خلف وراءه من أهل القبلة وأهل الذمة والبهائم، يجري عليه بعدد كل واحد منهم قيراط، قيراط كل ليلة مثل الجبل، أو قال: مثل أحد. وأخرج عبد الرزاق عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : على النساء ما على الرجال إلا الجمعة، والجنائز، والجهاد ".
ابو السعود
تفسير : {كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِتَالُ} ببناء الفعل للمفعول ورفعِ القتال أي قتالُ الكفرة، وقرىء ببنائه للفاعل وهو اللَّهُ عز وجل ونصب القتالَ وقرىء كُتِب عليكم القَتْلُ أي قتلُ الكفرة، والواو في قوله تعالى: {وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ} حالية أي والحال أنه مكروهٌ لكم طبعاً على أن الكُرهَ مصدرٌ وُصف به المفعولُ مبالغة، أو بمعنى المفعولِ كالخُبز بمعنى المخبوز وقرىء بالفتح على أنه بمعنى المضموم كالضَّعف والضُّعف، أو على أنه بمعنى الإكراه مَجازاً كأنهم أُكرهوا عليه لشدة كراهتِهم له ومشقتِه عليهم {وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ} وهو جميعُ ما كُلّفوه من الأمور الشاقةِ التي من جملتها القتالُ فإن النفوسَ تكرَهُه وتنفِرُ عنه والجملة اعتراضية دالَّةٌ على أن في القتال خيراً لهم {وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ} وهو جميع ما نُهوا عنه من الأمور المستلَذة وهو معطوفٌ على ما قبله لا محلَّ لهما من الإعراب {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ} ما هو خيرٌ لكم فلذلك أمرَكم به {وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} أي لا تعلَمونه، ولذلك تكرَهونه أو واللَّهُ يعلم ما هو خيرٌ وشرٌّ لكم وأنتم لا تعلمونهما فلا تتبعوا في ذلك رأيَكم وامتـثلوا بأمره تعالى. {يَسْـئَلُونَكَ عَنِ ٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ} رُوِيَ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث عبد اللَّه بن جَحْشٍ على سرية في جُمادى الآخِرَة قبل قتالِ بدرٍ بشهرين ليترصَّدوا عِيراً لقُريش فيهم عمرُو بنُ عبدِ اللَّه الحَضْرمي وثلاثةٌ معه فقتلوه وأسروا اثنين واستاقوا العِير بما فيها من تجارة الطائفِ، وكان ذلك أولَ يوم من رجبٍ وهم يظنونه من جُمادىٰ الآخِرة فقالت قريشٌ: قد استحل محمَّدٌ الشهرَ الحرامَ شهراً يأمنُ فيه الخائفُ ويبذعِرُ فيه الناسُ إلى معايشهم، فوقف رسولُ الله صلى الله عليه وسلم العِيرَ وعظَّم ذلك على أصحاب السرية وقالوا: ما نبرح حتى تنزِلَ توبتُنا وردَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم: العِيرَ والأُسارى. وعن ابن عباس رضي الله عنهما لما نزلت أخذ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم الغنيمة، والمعنى يسألك الكفارُ أو المسلمون عن القتال في الشهر الحرامِ على أن قوله عز وجل: {قِتَالٍ فِيهِ} بدلُ اشتمالٍ من الشهر، وتنكيرُه لما أن سؤالهم كان عن مُطلق القتال الواقعِ في الشهر الحرام لا عن القتال المعهودِ، ولذلك لم يقل يسألونك عن القتال في الشهر الحرام، وقرىء عن قتالٍ فيه {قُلْ} في جوابهم {قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ} جملة من مبتدأ وخبرٍ محلّها النصبُ بقل وإنما جاز وقوعُ (قتالٌ) مبتدأً مع كونه نكرةً لتخصُّصه إما بالوصف إنْ تعلق الظرفُ بمحذوفٍ وقع صفةً له أي قتالٌ كائن فيه وإما بالعمل إن تعلق به، وإنما أوثر التنكيرُ احترازاً عن توهم التعيـين وإيذاناً بأن المرادَ مطلقُ القتال الواقعِ فيه أيِّ قتالٍ كان. عن عطاءٍ أنه سُئل عن القتال في الشهر الحرام فحلف بالله ما يحِلّ للناس أن يغزوا في الحَرَم ولا في الشهر الحرام إلا أن يقاتلوا فيه وما نُسخت، وأكثرُ الأقاويل أنها منسوخة بقوله تعالى: {أية : فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ }تفسير : [التوبة، الآية 5] {وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ} مبتدأ قد تخصَّصَ بالعمل فيما بعده أي ومَنْعٌ عن الإسلام الموصِلِ للعبد إلى الله تعالى {وَكُفْرٌ بِهِ} عطفٌ على صدٌّ عاملٌ فيما بعده مثلَه أي وكفرٌ بالله تعالى وحيث كان الصدُ عن سبـيل الله فرداً من أفراد الكفرِ به تعالى لم يقدَحِ العطفُ المذكورُ في حسن عطفِ قوله تعالى: {وَٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ} على سبـيل الله، لأنه ليس بأجنبـيَ محضٍ، وقيل: هو أيضاً معطوف على صدٌ بتقدير المضاف أي وصدُ المسجدِ الحرام {وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ} وهو النبـيُّ صلى الله عليه وسلم والمؤمنون {مِنْهُ} أي من المسجد الحرام وهو عطفٌ على (وكفر به). {أَكْبَرُ عِندَ ٱللَّهِ} خبرٌ للأشياء المعدودةِ، أي كبائرُ السائلين أكبر عند الله مما عُنوا بالسؤال عنه وهو ما فعلته السريةُ خطأً وبناءً على الظن، وأفعلُ يستوي فيه الواحدُ والجمعُ والمذكرُ والمؤنث {وَٱلْفِتْنَةُ} أي ما ارتكبوه من الإخراج والشركِ وصدِّ الناسِ عن الإسلام ابتداءً وبقاءً {أَكْبَرُ مِنَ ٱلْقَتْلِ} أي أفظعُ من قتل الحَضْرميّ. {وَلاَ يَزَالُونَ يُقَـٰتِلُونَكُمْ} بـيانٌ لاستحكام عداوتهم وإصرارِهم على الفتنة في الدين {حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ} الحقِّ إلى دينهم الباطلِ، وإضافةُ الدين إليهم لتذكير تأكُّدِ ما بـينهما من العلاقة الموجبةِ لامتناع الافتراق {إِنِ اسْتَطَاعُواْ} إشارةٌ إلى تصلُّبهم في الدين وثباتِ قدمِهم فيه، كأنه قيل وأنىٰ لهم ذلك {وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ} تحذيرٌ من الارتداد، أي ومن يفعلْ ذلك بإضلالهم وإغوائهم {فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ} بأن لم يرجِعْ إلى الإسلام، وفيه ترغيبٌ في الرجوعِ إلى الإسلام بعد الارتداد {فَأُوْلَـٰئِكَ} إشارةٌ إلى الموصول باعتبار اتصافِه بما في حيِّز الصلةِ من الارتداد والموتِ عليه، وما فيه من معنى البُعد للإشعار ببُعْد منزلتِهم في الشر والفساد، والجمعُ للنظر إلى المعنى أي أولئك المُصِرُّون على الارتداد إلى حينِ الموتِ {حَبِطَتْ أَعْمَـٰلُهُمْ} الحسنةُ التي كانوا عمِلوها في حالة الإسلام حُبوطاً لا تلافيَ له قطعاً {فِى ٱلدُّنُيَا وَٱلأخِرَةِ} بحيث لم يبْقَ لها حكمٌ من الأحكام الدنيوية والأخروية {وَأُوْلـٰئِكَ} الموصوفون بما ذكر سابقاً ولاحقاً من القبائح {أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ} أي مُلابِسوها ومُلازِموها {هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ} كدأب سائرِ الكَفَرة.
القشيري
تفسير : صعبت على النفوس مباشرة القتال، فبيَّن أن راحات النفوس مؤجلة لأنها في حكم التأديب، وبالعكس من هذا راحات القلوب فإنها معجلة إذ هي في وصف التقريب، فالسعادة في مخالفة النفوس؛ فمن وافقها حاد عن المحبة المثلى، كما أن السعادة في موافقة القلوب فمن خالفها زاغ عن السُنَّة العليا. وبشرى ضمان الحق باليُسْر أَوْلَى أن تُقْبَل من محذرات هواجس النفوس في حلول العسر وحصول الضر.
البقلي
تفسير : {كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ} اخبر سبحانه ان مقاومة النفس ومخالفتها صبع على صاحبها لكن فى دوب كل خلق دنى فى نيران المجاهدة انفتاح كنز من كنوز الحقائق من الفراسات والكرامات والمناجاة والمكاشفات والمشاهدات لان النفس الحجاب الكلى بجهر القلب عن مشاهدة الملكوت وروية انوار الجبروت وسنة الله قد مضت بان من خالف نفسه وهواه فقد سنن مجحة المثلى وادراك ممالك العليا ود فى مدارج المكاشفات وبلغ معارج المشاهدات لان مخالفة النفس هى موافقة للقلب ومن وافق قلبه انس سعادة الكبرى ونال منزلة الاعلى لان من باشر انوار القلب فقد باشر امر الحق ومن ادرك الحق بوصف الهام باشر سره نور الحكمة ومن ادرك نور الحكمة فقد ابصر نور معرفته ومن ابصر نور معرفته عاين حقيقة الكل بالكل وقد استمسك بالعروة الوثقى وهى مشاهدة مولاه فاين هذه المنزلة والمرتبة فى هو احسن حظوظ البشرية وحصول النفس عند توقاتها نفائس الشهوة بل الامر المعظم فى قتال النفس وقمع شهواتها وقلع صافتها عنها حتى تصير مطمئنة ساكنة تحت قضاء الحق وبقى القلب فارغا عن وساوسها والصر عالم الملكوت بنور البصيرة كما قال عليه السلام لولا ان الشياطين يحرمون على قلوب بنى لنظروا الى ملكوت السماء.
اسماعيل حقي
تفسير : {كتب} اى فرض {عليكم القتال} اى قتال الكفرة والجمهور على ان الجهاد فرض على الكفاية مثل صلاة الجنازة ورد السلام {وهو} اى والحال ان القتال {كره لكم} شاق عليكم مكروه فالكره مصدر بمعنى الكراهة نعت به للمبالغة كأن القتال فى نفسه كراهة لفرط كراهتهم له وهذه الكراهة من حيث نفور الطبع منه لما فيه من مؤونة المال ومشقة النفس وخطر الروح لا انهم كرهوا امر الله تعالى وكراهة الطبع لا توجب الذم بل تحقق معنى العبودية اذا فعل ذلك اتباعا للشرع مع نفرة الطبع فاما كراهة الاعتقاد فهى من صفات المنافقين {وعسى أن تكرهوا شيئا} وهو جميع ما كلفوه من الامور الشاقة التى من جملتها القتال {وهو خير لكم} لان فى الغزو احدى الحسنيين اما الظفر والغنيمة واما الشهادة والجنة. وعسى كلمة تجرى مجرى لعل وهى من العباد للترجى ومن الله للترجية {وعسى أن تحبوا شيئا} وهو جميع ما نهوا عنه من الامور المستلذة التى من جملتها القعود عن الغزو {وهو شر لكم} لما فيه من فوات الغنيمة والاجر وغلبة الاعداء وتخريب الديار {والله يعلم} ما هو خير لكم دينا ودنيا فلذا يأمركم به {وأنتم لا تعلمون} ذلك ولذلك تكرهونه: قال فى المثنوى شعر : ما التصوف قال وجدان الفرح فى الفؤاد عند اتيان الترح جمله در زنجير بيم و ابتلا ميروند اين ره بغير اوليا تفسير : يعنى ان المقلد يجرى الى الحضرة بالاضطرار بخلاف الولى. قال ذو النون المصرى رحمه الله انما دخل الفساد على الخلق من ستة اشياء. الاول ضعف النية بعمل الآخرة. والثانى صارت ابدانهم رهينة لشهواتهم. والثالث غلب عليهم حلول الامل مع قرب الاجل. والرابع آثروا رضى المخلوقين على رضى الخالق. والخامس اتبعوا اهواءهم ونبذوا سنة نبيهم وراء ظهورهم. والسادس جعلوا قليل زلات السلف حجة انفسهم ودفنوا كثير مناقبهم. فعلى العاقل ان يجاهد مع النفس والطبيعة ليرتفع الهوى والشهوات والبدعة ويتمكن فى القلوب حب العمل بالكتاب والسنة. قال ابراهيم الخواص رحمه الله كنت فى جبل لكام فرأيت رمانا فاشتهيته فدنوت فأخذت منه واحدة فشققتها فوجدتها حامضة فمضيت وتركتها فرأيت رجلا مطروحا قد اجتمع عليه الزنابير فقلت السلام عليك فقال وعليك السلام يا ابراهيم فقلت كيف عرفتنى فقال من عرف الله لا يخفى عليه شىء فقلت له ارى لك حالا مع الله فلو سألته ان يحميك ويقيك الاذى من هذه الزنابير فقال وارى لك حالا مع الله فلو سألته ان يقيك شهوة الرمان فلدغ الرمان يجد الانسان ألمه فى الآخرة ولدغ الزنابير يجد ألمه فى الدنيا فتركته ومشيت: قال السعدى قدس سره شعر : مبر طاعت نفس شهوت برست كه هر ساعتش قبله ديكرست كند مردرا نفس اماره خوار اكرهوا شمندى عزيزش مدار تفسير : وفى التأويلات القاشانية {كتب عليكم القتال} قتال النفس والشيطان {وهو كره} مكروه {لكم} مر أمر من طعم العلقم واشد من ضغم الضيغم. وحقيقة الجهاد رفع الوجود المجازى فانه الحجاب بين العبد والرب كما قيل وجودك ذنب لا يقاس عليه ذنب آخر وكما قال ابن منصور شعر : بينى وبينك انى قد يزاحمنى فارفع بجودك لى انى من البين تفسير : {وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم} لاحتجابكم بهوى النفس وحب اللذة العاجلة عما فى ضمنه من الخير الكثير واللذة العظيمة الروحانية التى تستحقر تلك الشدة السريعة الانقضاء بالقياس الى ذلك الخير الباقى واللذات السرمدية {وعسى أن تحبوا شيئا} من اللذات الجسمانية وتمتعات النفس {وهو شر لكم} للنفس بحرمانها من اللذات الروحانية {والله يعلم} ان فى كراهة النفوس ما اودع من راحة القلوب {وأنتم لا تعلمون} ان حياة القلوب فى موت النفوس وفى حياة النفوس موت القلوب كما قال قدس سره شعر : اقتلونى اقتلونى يا ثقات ان فى قتلى حياتا فى حيات خنجر وشمشير شدريحان من مرك من شدبزم ونركسدان من
ابن عجيبة
تفسير : قلت: الكره - بالضم -: اسم لما يَشُقُّ على النفس، وبالفتح المَصْدَر. يقول الحقّ جلّ جلاله: فُرض عليكم الجهاد، وهو شاق عليكم، تكرهه نفوسكم، وفيه خير كبير لكم، {وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم}، ففي الجهاد نصر دينكم، وإعلاء كلمة إسلامكم، والغنيمة والظّفْرُ بعدوكم، والأجر الكبير عند ربكم، من مات كان شهيداً، ومن عاش عاش سعيداً، وكذلك بقية التكاليف، فإن النفس تكره الإقدام عليها، وهي مَنَاط صلاحها، وسبب فلاحها، {وعسى أن تُحبوا شيئاً وهو شرك لكم} فقد تحبون الراحة وترك الجهاد وفي ذلك ذُلُّكُمْ، وظهورُ العدو عليكم، وفوات الأجر من ربكم، وحرمان درجة الشهادة عند ربكم. وكذلك جميع المنهيات؛ فإن النفس تحبها بالطبع، وتَشْرَهُ إليها، وهي تُفضي بها إلى ذلها وهوانها، وعبَّر الحقّ سبحانه بعسى؛ لأن النفس إذا ارتاضت انعكس الأمر عليها، فيخف عليها أمر الطاعة، ويصعب عليها أمر المخالفة، {والله يعلم} ما فيه مصلحتكم، {وأنتم لا تعلمون}؛ لجهلكم بعواقب أموركم. الإشارة: الجهاد على قسمين: جهاد أصغر وهو جهاد السيف، وجهاد أكبر وهو جهاد النفس، فيجاهدها أولاً في القيام بجميع المأمورات، وترك جميع المنهيات، ثم يجاهدها ثانياً في ترك العوائد والشهوات، ومجانبة الرخص والتأويلات، ثم يجاهدها ثالثاً في ترك التدبير والاختيار، والسكون تحت مجاري الأقدار، حتى لا تختار إلا ما اختار الحق تعالى لها، ولا تشتهي إلا ما يقضي الله عليها، فإن النفس جاهلة بالعواقب، فعسى أن تكره شيئاً وهو خير لها، وعسى أن تحب شيئاً وهو شر لها. فعسى أن تأتيها المسار من حيث تعتقد المضارّ، وعسى أن تأتيها المضار من حيث ترجو المسار، وعسى أن تنفع على أيدي الأعداء، وعسى أن تضر على أيدي الأحباء، وعسى أن تكره الموت وهو خير لها، وعسى أن تحب الحياة وهي شر لها، فالواجب تسليم الأمور إلى خالقها، الذي هو عالم بمصالحها، {والله يعلم وأنتم لا تعلمون}،وهذا كله قبل تصفيتها وكمالها، وأما إذا تهذبت وكملت رياضتها، فالواجب اتباع ما يتجلى فيها، إذ لا يتجلى فيها إلا الحق، وهذا هو ثمرة الجهاد الأكبر، وأما الجهاد الأصغر فلا يحصل شيء من هذا، فلذلك كان مفضولاً عند الجهاد الأكبر، وبالله التوفيق. ولما كان القتال محرماً في الأشهر الحرم في أول الإسلام، ووقع من بعض الصحابة، فندموا وتحرجوا، أزال الله ذلك الحرج عنهم.
الطوسي
تفسير : المعنى: معنى قوله تعالى: {كتب عليكم القتال} فرض عليكم القتال، وهذه الآية دالة على وجوب الجهاد، وفرضه، وبه قال مكحول، وسعيد بن المسيب، وأكثر المفسرين، غير أنه فرض على الكفاية. وحكي عن عطا: أن ذلك كان على الصحابة، والصحيح الأول، لحصول الاجماع عليه اليوم، وقد انقرض خلاف عطا. اللغة: وقوله: {وهو كره لكم} يقال: كره كراهة، وأكرهه إكراهاً: إذا أجبره، وتكرّه تكرّهاً، واستكره استكراهاً، وكرهه تكريهاً. والكراهة: المشقة التي يحمل عليها، والكره: المشقة من غير أن يحمل عليها. وقيل: هما لغتان، مثل ضعف، وضعف. وجمل كره: شديد الرأس، لأنه لا ينقاد إلا على كره، والكريهة: الشديد في الحرب، لأنه يدخل فيها على كره. وكراهية الدهر: نوازله، وكرهت الأمر كراهة وكراهية ومكرهة، وكرّه. إليّ هذا الأمر تكريهاً: أي صيّره إليّ بحال كريهة. والكرهاء: صفحة الوجه، لأن الكره يظهر فيها. المعنى، واللغة، والاعراب: فان قيل: كيف كره المؤمنون الجهاد، وهو طاعة لله؟ قيل عنه جوابان: أحدهما - أنهم يكرهونه كراهية طباع. والثاني - أنه كره لكم قبل أن يكتب عليكم، وعلى الوجه الأول يكون لفظ الكراهة مجازاً، وعلى الثاني حقيقة. وقوله: {عسى} معناه الطمع، والاشفاق من المخاطب، ولا يكون إلا مع مثلة في الأمر. وقيل: معناها ها هنا قد، وإنما قال: {عسى} وقال في موضع آخر: {فهل عسيتم} فجمع، لأنه استغنى في الغائب عن الجمع كما استغني عن علامة الضمير في اللفظ، وليس كذلك المخاطب، فجرى في كل غائب على التوحيد، لامتناعه من من التصريف. وتقول: عسى أن يقوموا، فاذا قلت: عسيتم أن تقوموا جمعت. وفي قوله {وهو كره لكم} حذف - في قول الزجاج وغيره - لأن تقديره وهو ذو كره لكم، ويجوز أن يكون معناه: وهو مكروه لكم، فوقع المصدر موقع إسم المفعول، ومثله قولهم: رجل رضى بمعنى ذو رضى، ويجوز أن يكون بمعنى مرضي. وقوله: {وهو شرّ لكم} فالشر السوء، وهو ضد الخير، تقول: شرّ يشرّ شرارة. وشرار النار، وشررها لهبها، وشررت اللحم والثوت تشريراً: إذا بسطته، ليجف، وكذلك أشررته إشراراً، وأشررت الكتاب: إذا أظهرته، وشرّة الشباب: نشاطه، وإنما قال الله تعالى: {والله يعلم}، تنبيهاً على أنه يعلم مصالحكم، وما فيه منافعكم، فبادروا الى ما يأمركم به وإن شق عليكم. والفرق بين الشهوة، والمحبة واضح، لأن الصائم في شهر رمضان يشتهي شرب الماء، ولا يكون مآخذاً به، ولا يحبه كما لا يريده، ولو أراده وأحبه، لكان مذموماً، ويكون مفطراً - عند كثير من الفقهاء -. وقوله: {والله يعلم وأنتم لا تعلمون} يدل على فساد قول المجبرة، لأنه تعالى إنما رغبهم في الجهاد، لما علم من مصالحهم، ومنافعهم، فيدبرهم لذلك، لا لكفرهم وفسادهم يتعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.
الجنابذي
تفسير : {كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِتَالُ} مستأنف منقطع عمّا قبله مثل سابقه ولا حاجة الى تكلّف الارتباط بينهما فانّ كلاً من هذه بيان لحكم من احكام الرّسالة غير الحكم الآخر {وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّواْ شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ} اعلم انّ ملائمات النّفس كلّها مطلوبة محبوبة للانسان فى مرتبته البشريّة ومؤلمات النّفس كائنة ما كانت مكروهة له فى مرتبته البشريّة، وكثيراً ما يكون الانسان جاهلاً بانّ ملائمات النّفس ومكروهاتها ملائمة لقوّته العاقلة او غير ملائمة، والقتال من حيث احتمال النّفس تلفها وتلف اعضائها وتعبها فى الطّريق وحين البأس والخوف من العدوّ وسماع المكروه من المقاتلين وغير ذلك مكروه لها، لكنّه من حيث تقوية القلب والاتّصاف بالشّجاعة والتّوكّل على الله والتّوسّل به وتحصيل قوّة السّخاء وقطع النّظر عن الآمال وغير ذلك من المحامد الحاصلة بسببه خيرٌ للانسان، وهكذا الحال فى سائر ملائمات النّفس ومؤلماتها؛ ولذلك قال تعالى: {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ} انّ فى القتال وفى سائر ما كرهتموه الّذى أمركم الله به خيراً لكم ولذلك يأمركم بها {وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} ولذلك تكرهون.
الهواري
تفسير : قوله: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتَالُ} أي فرض عليكم القتال {وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ}. قال الحسن: إذا أتيت ما أمر الله من طاعته فهو خير لك، وإذا كرهت ما نهاك الله عن معصيته فهو خير لك. وإذا أصبت ما نهى الله عنه من معصيته فهو شرّ لك، وإذا كرهت ما أمر الله به من طاعته فهو شر لك. وكان أصل هذا في الجهاد. كان المؤمنون كرهوا الجهاد في سبيل الله وكان ذلك خيراً لهم عند الله. قال الكلبي: وكان هذا حين كان الجهاد فريضة، فلم يقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أظهر الله الإِسلام فصار الجهاد تطوّعاً. فإن جاء المسلمين عدو لا طاقة لهم به تحيزوا إلى البصرة. وإنما قالوا تحيزوا إلى البصرة، لأنه كان بالبصرة. فإن جاءهم عدو لا طاقة لهم به تحيزوا إلى الشام، فإن جاءهم عدوّ لا طاقة لهم به تحيّزوا إلى المدينة. فإن جاءهم عدو لا طاقة لهم به فليس ثَم تحيّز وصار الجهاد فريضة. ذكروا أن رجلاً سأل بعض السلف أيام الكرك، وكانوا قد دخلوا يومئذ في جدة فقال: إن لي والدة أفأخرج إلى قتال الكرك. قال: كنا نقول: إذا هجم عليكم العدو فقد وجب عليك القتال. وقال الكلبي في قوله: {وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} أي: علم أنه سيكون منكم من يقاتل في سبيل الله فيستشهد. قوله: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ} قال الحسن: إنما سألوا عن قتال فيه. وهذا تقديم وتأخير: يقول: يسألونك عن الشهر الحرام وعن المسجد الحرام عن قتال فيه. وذلك أن مشركي العرب حديث : سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الشهر الحرام عن قتال فيه، ليعلموا أهو على تحريمه ذلك أم لا؛ فقالوا: يا محمد، أنهيت عن قتالنا في الشهر الحرام؟ فقال:نعم تفسير : ،فأرادوا إن كان على تحريمه اغتزوه فقاتلوه. فقال الله: {قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ} وهذا منسوخ، كان قبل أن يؤمر بقتالهم عامة. {وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ اللهِ وَكُفْرٌ بِهِ} أي كفر بالله {وَالمَسْجِدِ الحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ اللهِ} اي: إخراج أهل المسجد الحرام، وهو الحرم كله، يعني إخراج النبي والمؤمنين ـ أخرجهم المشركون ـ أكبر من قتالهم. فقال الله: {أية : الشَّهْرُ الحَرَامُ بِالشَّهْرِ الحَرَامِ وَالحُرُمَاتُ قِصَاصٌ} تفسير : [البقرة:194]. ذكر الحسن قال: {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} فاسْتَحَلّوا منكم القتل {فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ} أي: فاستحِلوا منهم، أي جاوزوا ما كنتم تحرِّمون منهم قبل ذلك. قال بعض المفسّرين: ذكر لنا أن واقد بن عبد الله التميمي، وكان من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قتل عمرو بن الحضرمي، رجلاً من المشركين، في أول يوم من رجب، فعيّر المشركون أصحاب النبي عليه السلام، فأنزل الله {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ اللهِ}. يقول الصد عن سبيل الله والكفر بالله أشد من القتل في الشهر الحرام. وإخراج أهله، يعني محمداً صلى الله عليه وسلم وأصحابه أكبر عند الله. ثم عيَّر المشركون بأعمالهم، أعمال السوء، فقال: {وَالفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ القَتْلِ}. قال مجاهد: أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً في سرية، فمرّ بابن الحضرمي وهو يحمل خمراً من الطائف إلى مكة، فرماه بسهم فقتله. وكان بين نبي الله وبين قريش عهد، فقتله آخِرَ ليلة من جمادى الثانية وأول ليلة من رجب؛ فقالت قريش: أفي الشهر الحرام ولنا عليكم عهد؟ فأنزل الله: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ اللهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالمَسْجِدِ الحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْه}، يعني النبي وأصحابه، فهذا كله أكبر من قتل ابن الحضرمي، والفتنة، أي: الكفر بالله وعبادة الأوثان، أكبر من هذا كله. وقد كان المسلمون أخذوا بعض من كان مع ابن الحضرمي أخذا، وأفلت أحدهم، وهو نوفل بن عبد الله، فسبقهم إلى مكة فأخبرهم بالذي صنع أصحاب محمد، فأمسوا فنظروا إلى هلال رجب، فلم يستطيعوا الطلب. ومضى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قدموا المدينة بأسراهم وبالذي أصابوا. فلما أمسى أصحاب رسول الله من يوم أصابوا ابن الحضرمي نظروا إلى هلال رجب، فكانوا في شك: في جمادى أصابوه أو في رجب. وأقبل المشركون من أهل مكة على من كان بها من المسلمين يعيِّرونهم بالذي فعل إخوانهم من قتل ابن الحضرمي، وأخذهم الأموال والأسارى، وقالوا: عمدتم إلى شهر يأمن فيه الخائف، وتربط فيه الخيل، وتوضع فيه الأسنة، ويتفرغ فيه الناس إلى معايشهم، فسفكتم فيه الدماء، وأخذتم الأسارى، وذهبتم بالأموال، وأنتم ـ زعمتم ـ أنكم على دين الله. فكتب المسلمون من أهل مكة إلى عبد الله بن جحش بالذي عيّرهم به المشركون، فكلموا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: قتلنا ابن الحضرمي، فلما أمسينا نظرنا إلى هلال رجب، فلا ندري أفي رجب قتلناه أم في جمادى الأخيرة. وقد عيّرنا المشركون بذلك، أفحلال ما أصبنا أم حرام؟ فنزلت: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ}... إلى قوله: {وَالفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ القَتْلِ} أي: أكبر عند الله من قتل ابن الحضرمي. وقال: الفتنة الشرك. وكان هذا قبل أن يؤمر بقتالهم عامة. قال: {وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا} ولن يستطيعوا. قال: {وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ} أي بطلت، {أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ} أي: أهل النار {هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}. ذكروا عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : من بدل دينه فاقتلوه .
اطفيش
تفسير : {كُتِبَ عَليْكُم القِتالُ}: هو محكم ناسخ لترك قتال المشركين، وقيل منسوخ بقوله:{أية : وما كان المؤمنون لِينَفِروا كافّة}تفسير : وقيل ناسخ لترك القتال منسوخ لعموم بقوله: {وما كان المؤمنون} الآية. {وهُو كُرْهٌ لكُمْ}: أى مكروه فى نفوسكم طبعاً للموت به والمشقة فيه فكرهٌ: مصدر بمعنى مفعول أخبر به عن ضمير القتال، أو مجازاً كالخبرية عن المجوز مبالغة كأن القتال فى نفسه كراهة لفرط كراهتهم له، وقرأ السملى بفتح كافه على أنه لغة فى المضموم كالضعف والضعف، ويجوز أن يكون بمعنى الإكراه مجازاً، إطلاقاً للإكراه على المكره عليه، وهذا أنسب بقراءة الفتح، نقل الجوهرى عن الفراء أن الكره بالضم المشقة، وبالفتح الإجبار، وذلك على أن الضمير للقتال، ويجوز عوده إلى الكتب المعلوم من كتب، لأن إيجاب الحكم إجبار عليه، لكن لم يلتفت إلى هذا أحد من المفسرين، لأنه لا يلائمة قوله تعالى: {وَعَسَى أنْ تَكْرهُوا شَيْئا وَهُو خَيْرٌ لَكُمْ}: لأن الملائم لذلك أن يعنى تكرهوا للمفعول، بخلاف ما إذا كان الكره مبالغة، أو بمعنى المكروه فانه يلائم البناء للفاعل، أى عسى أن تكرهوا بالطبع ما أمرتم به أمر وجوب كالقتال أو غير وجوب، وهو منفعة لكم فى الدنيا والآخرة، وزعم بعض أن قوله: {وهو كره لكم} بقوله: {وقالوا سمعنا وأطعنا}، وهذا إنما يتم لو كان كراهتهم امتناعاً ثم زال امتناعهم. {وَعَسَى أنْ تُحبُّوا}: بالطبع شيئاً وهو ما نهيتكم عنه تحريماً أو تنزيهاً وهو شر مضره لكم فى الدنيا والآخرة، ومن ذلك القتال، فإنه مكروه فى النفس وفيه الغنيمة والطهارة من الذنوب، وموت الشهادة والثواب والغلبة والعز، والنفس تحب تركه، وفى تركه الذل، وعدم ما ذكر. قال الحسن: إذا أتيت ما أمر الله سبحانه وتعالى به من طاعته فهو خير لك، وإذا كرهت ما نهاك الله عنه من معصية فهو خير لك، فإذا أصبت ما نهاك الله عنه من معصية فهو شر لك، وإذا كرهت ما أمر الله به من طاعة فهو شر لك، وهذه الآية ناسخة لكل نهى عن القتال. وزعم الكلبى أنه كان الجهاد فريضة، فلم يقبض رسول الله حتى أظهر الله الإسلام، وصار الجهاد تطوعاً ناسخاً بقوله:{أية : وما كان المؤمنون لينفروا كافة}تفسير : فإن جاء المسلمين عدو لا طاقة لهم به تحيزوا إلى البصرة، وكان الكلبى بالبصرة، فإن جاءهم عدو لا يطاق تحيزوا إلى الشام، وإن جاء عدو لا يطاق تحيزوا إلى المدينة، ولا تحيزوا بعد ذلك، وصار الجهاد فريضة، ويرى الكلبى الجهاد فرضاً كلما كان الإسلام يهون بتركه، إذا ولم يحتج الإمام إلى الناس كلهم جاز لمن يقعد أن يقعد إن تركه الإمام، ولم يكن فى قعوده خذلان للإسلام، ويهرب الواحد لثلاثة إن شاء، وعن أبى هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : الجهاد واجب عليكم مع كل أمير بَراً كان أو فاجراً"تفسير : وعن ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح: "حديث : لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية وإذا استنفرتم فانفروا"تفسير : وينسب الجمهور الأمة أن الجهاد فرض كفاية، واختير قال الزهرى: يكتب الله القتال على الناس، جاهدوا أو لم يجاهدوا، ومن غزا فنعماً هو، ومن قعد فهو عدة إن استعين به أعان، وإن استنفر نفر، وإن استغنى عنه قعد، قال الله تعالى:{أية : فَضَّل اللّهُ المْجاهِدِينَ بأموالِهمْ وَأنفسِهمْ}تفسير : الآية، ولو كان القاعد تاركاً للفرض لم يعده بالحسنى، وزعم عطاء والثورى والأوزاعى أن الجهاد تطوع، وأنه فرض على الصحابة وحدهم، فى هذه الآية، وأنهم قد أدوا الفرض بمرة واحدة، وعلى غيرهم تطوع، وسئل بعض السلف أيام التتر إذا دخلوا دجلة: إن لى والدة أفأخرج إلى قتالهم؟ فقال: كنا نقول إذا هجم عليك العدو فقد وجب عليك القتال، وعسى للتخفيف أو التخويف أو الترجية، وإنما قرن الكلام بها مع أن حب المنهى عنه وكراهة المأمور به أمره مقرر تحقيقاً لجوابها، وتخويفاً وترجية، أعنى بجوابها قوله: {وهو شر}، {وهو خير} وذلك حال نفوس أكثر المؤمنين، وحال القليل منهم بغض اللذيذ المنهى عنه، وحب الشاق المأمور به، مناسب أيضاً لهذا لفظ عسى الذى أصله عدم القطع بأن حملهم على أن يرجو كره اللذيذ المنهى عنه، ويحب الشاق المأمور به، وليس كراهة الشاق المأمور به، وحب اللذيذ المنهى عنه منافياً للإيمان، لأنهما بالطبع يحققان أمر الإيمان بأن التكليف إلزام ما فيه المشقة، ومدار الإسلام على مخالفة الهوى، واختيار جانب المولى، وقد ورد: "حديث : حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات"تفسير : والمنافى للإيمان هو كراهة الاعتقاد، وهى صفة المنافقين. {واللّهُ يَعْلَمُ}: ما هو خير لكم كالغنيمة والأجر. {وأنْتُم لا تعْلَمُونَ}: ذلك فبادروا إلى ما اختاره الله لكم فعلم وتعلم من معنى العرفان متعديان لواحد، والمشهور أنه لا يجوز على الله العرفان لأنه مختص بالعلم الحادث فيما قبله، وفى أثر بعض أصحابنا يجوز على الله عرف ويعرف، وعن الكلبى: الله يعلم من يقاتل فى سبيل الله فيستشهد.
اطفيش
تفسير : {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ} قتال الكفار {وَهُوَ كُرْهُ لَّكُمْ} مصدر بمعنى مكروه، أو وصف بمعنى مكروه لكم فى طبع النفس، أو ذو كره أو نفس الكره مبالغة، لصرف المال والتعب والجراح والموت ومفارقة الأهل والولد، قال صلى الله عليه وسلم إن الله ليجرب أحدكم بالبلاء، وهو أعلم به، كما يجرب أحدكم ذهبه بالنار، فمنهم من يخرج كالذه بالإبريز فذلك تجاه الله من السيئات، ومنهم من يخرج كالذهب الأسود، فذلك الذى قد افتتن {وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُواْ شَيْئاً} مما كلفتم به {وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ} دنيا كنتم ظفر، وأخرى كثواب وشهادة {وَعَسَى أَنْ تُحِبُّواْ شَيْئاً} مما نهيتك عنه لليقاته بالطبع {وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ} دنيا كجلد ورجم وقطع وحبس، وأخرى كعذاب القبر والبعث والنار والذل والفقر وفرت الأجر، وذلك كالزنا وترك الجهاد، ففى تركه ضعفكم وسبى ذراريكم ونهب أموالكم، وحرمان ثواب الآخرة، وعسى تليبن فى الزجر والجلب، والنفس إذا ارتاضت أحبت مكروهها وكرهت محبوبها، وأمر الله تعالى ونهيه كلها مصلحة للعبد {وَاللهُ يَعْلَمُ} كل شىء، فهو عالم بما يصلح لكم {وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} إلا ما علمكم، فبادروا إلى ما أمرتم به وإلى ترك ما نهيتم عنه، فليس ينهاكم عما هو خير لكم، ولا يأمركم بما هو شر لكم، وكل ما نهيتم عنه شر لكم، وكل ما أمرتم به خير لكم.
الالوسي
تفسير : {كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِتَالُ} أي قتال الكفار وهو فرض عين إن دخلوا بلادنا، وفرض كفاية إن كانوا ببلادهم، وقرىء بالبناء للفاعل وهو الله عز وجل ونصب (القتال)، وقرىء أيضاً (كتب عليكم القتل) أي قتل الكفرة {وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ} عطف على (كتب) وعطف الاسمية على الفعلية جائز كما نص عليه، وقيل: الواو للحال، والجملة حال وردّ بأن الحال المؤكدة لا تجيء ـ بالواو ـ والمنتقلة لا فائدة فيها والكره بالضم ـ كالكره بالفتح ـ وبهما قرىء (الكراهة) وقيل: المفتوح المشقة التي تنال الإنسان من خارج والمضموم ما يناله من ذاته، وقيل: المفتوح اسم بمعنى الإكراه والمضموم بمعنى الكراهة وعلى كل حال فإن كان مصدراً فمؤل أو محمول على المبالغة أو هو صفة كخبز بمعنى مخبوز، وإن كان بمعنى الإكراه وحمل على الكره عليه فهو على التشبيه البليغ كأنهم أكرهوا عليه لشدته وعظم مشقته ثم كون القتل مكروهاً لا ينافي الإيمان لأن تلك الكراهية طبيعية لما فيه من القتل والأسر وإفناء البدن وتلف المال وهي لا تنافي الرضا بما كلف به كالمريض الشارب للدواء البشع يكرهه لما فيه من البشاعة ويرضى به من جهة أخرى. {وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ} وهو جميع ما كلفوا به فإن الطبع يكرهه وهو مناط صلاحهم ومنه القتال فإن فيه الظفر والغنيمة والشهادة التي هي السبب الأعظم للفوز بغاية الكرامة. {وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ} وهو جميع ما نهوا عنه فإن النفس تحبه وتهواه وهو يفضي بها إلى/ الردى، ومن ذلك ترك قتال الأعداء فإن فيه الذل وضعف الأمر وسبـي الذراري ونهب الأموال وملك البلاد وحرمان الحظ الأوفر من النعيم الدائم، والجملتان الإسميتان حالان من النكرة وهو قليل، ونص سيبويه على جوازه كما في «البحر»، وجوز أبو البقاء أن يكونا صفة لها وساغ دخول الواو لما أن صورة الجملة هنا كصورتها إذا كانت حالاً (وعسى) الأولى: للإشفاق والثانية: للترجي على ما ذهب إليه البعض، وإنما ذكر عسى الدالة على عدم القطع لأن النفس إذا ارتاضت وصفت انعكس عليها الأمر الحاصل لها قبل ذلك فيكون محبوبها مكروهاً ومكروهها محبوبهاً فلما كانت قابلة بالارتياض لمثل هذا الانعكاس لم يقطع بأنها تكره ما هو خير لها وتحب ما هو شر لها فلا حاجة إلى أن يقال إنها هنا مستعملة في التحقيق كما في سائر القرآن ما عدا قوله تعالى: {أية : عَسَىٰ رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ }تفسير : [التحريم: 5] {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ} ما هو خير لكم وما هو شر لكم وحذف المفعول للإيجاز {وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} ذلك فبادروا إلى ما يأمركم به لأنه لا يأمركم إلا بما علم فيه خيراً لكم وانتهوا عما نهاكم عنه لأنه لا ينهاكم إلا عما هو شر لكم، ومناسبة هذه الآية لما قبلها ظاهرة لأن فيها الجهاد وهو بذل النفس الذي هو فوق بذل المال.
ابن عاشور
تفسير : المناسبة أن القتال من البأساء التي في قوله: { أية : ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء } تفسير : [البقرة: 214] فقد كلفت به الأمم قبلنا، فقد كلفت بنو إسرائيل بقتال الكنعانيين مع موسى - عليه السلام -، وكلفوا بالقتال مع طالوت وهو شاول مع داود، وكلف ذو القرنين بتعذيب الظالمين من القوم الذين كانوا في جهة المغرب من الأرض. ولفظ {كتب عليكم} من صيغ الوجوب وقد تقدم في آية الوصية. وأل في (القتال) للجنس، ولا يكون القتال إلا للأعداء فهو عام عموماً عرفياً أي كتب عليكم قتال عدو الدين. والخطاب للمسلمين، وأعداؤهم يومئذ المشركون، لأنهم خالفوهم في الدين وآذوا الرسول والمؤمنين، فالقتال المأمور به هو الجهاد لإعلاء كلمة الله، وقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - غير مأذون في القتال في أول ظهور الإسلام، ثم أذن له في ذلك بقوله تعالى: { أية : أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا } تفسير : [الحج: 39]، ثم نزلت آية قتال المبادئين بقتال المسلمين في قوله تعالى: { أية : وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم } تفسير : [البقرة: 190] كما تقدم آنفاً. هذه الآية نزلت في واقعة سرية عبد الله بن جَحش كما يأتي، وذلك في الشهر السابع عشر من الهجرة، فالآية وردت في هذه السورة مع جملة التشريعات والنظم التي حوتها كقوله: { أية : كتب عليكم الصيام } تفسير : [البقرة: 183]، { أية : كتب عليكم القصاص } تفسير : [البقرة: 178]، { أية : كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت } تفسير : [البقرة: 180]. فعلى المختار يكونُ قوله: {كتب عليكم القتال}خبراً عن حكم سبق لزيادة تقريره ولينتقل منه إلى قوله {وهو كره لكم} الآية، أو إعادة لإنشاء وجوب القتال زيادة في تأكيده، أو إنشاءً أُنُفاً لوجوب القتال إن كانت هذه أول آية نزلت في هذا المعنى بناء على أن قوله تعالى: {أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا} إذْن في القتال وإعداد له وليست بموجبة له. وقوله: {وهو كره لكم}، حال لازمة وهي يجوز اقترانها بالواو، ولك أن تجعلها جملة ثانية معطوفة على جملة: {كُتب عليكم القتال}، إلا أن الخبر بهذا لما كان معلوماً للمخاطبين تعين أن يكون المراد من الإخبار لازم الفائدة، أعني كتبناه عليكم ونحن عالمون أنه شاق عليكم، وربما رجح هذا الوجه بقوله تعالى بعد هذا: {والله يعلم وأنتم لا تعلمون}. والكره بضم الكاف: الكراهية ونفرة الطبع من الشيء ومثله الكَره بالفتح على الأصح، وقيل: الكُره بالضم المشقة ونفرة الطبع، وبالفتح هو الإكراه وما يأتي على الإنسان من جهة غيره من الجبر على فعل مَّا بأذى أو مشقة، وحيث قُرىء بالوجهين هنا وفي قوله تعالى: { أية : حملته أمه كرها ووضعته كرها } تفسير : [الأحقاف: 15] ولم يكن هنا ولا هنالك معنى للإكراه تعين أن يكون بمعنى الكراهية وإباية الطبع كما قال الحماسي العُقَيلي: شعر : بكُره سراتنا يا آل عمرو نُغاديكم بمُرْهَفَة النِّصَال تفسير : رووه بضم الكاف وبفتحها. على أن قوله تعالى بعد ذلك {وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم} الوارد مورد التذييل: دليل على أن ما قبله مصدر بمعنى الكراهية ليكون جزئياً من جزئيات أن تكرهوا شيئاً. وقد تحمل صاحب «الكشاف» لحمل المفتوح في هذه الآية والآية الأخرى على المجاز، وقرره الطيبي والتفتازاني بما فيه تكلف، وإذ هو مصدر فالإخبار به مبالغة في تمكن الوصف من المخبر عنه كقول الخنساء: شعر : فإنما هي إقْبَالٌ وإدْبَار تفسير : أي تُقبل وتُدبر. وقيل: الكُره اسم للشيء المكروه كالخبز. فالقتال كريه للنفوس، لأنه يحول بين المقاتل وبين طمأنينته ولذَّاته ونومه وطعامه وأهله وبيته، ويلجىءُ الإنسان إلى عداوة من كان صاحبه ويعرضه لخطر الهلاك أو ألم الجراح، ولكن فيه دفع المذلَّة الحاصلة من غلبة الرجال واستضعافهم، وفي الحديث « حديث : لا تَمَنَّوْا لِقَاء العدوّ فإذا لقيتم فاصبروا »، تفسير : وهو إشارة إلى أن القتال من الضرورات التي لا يحبها الناس إلا إذا كان تركها يفضي إلى ضر عظيم قال العُقَيلي: شعر : ونَبِكي حينَ نَقتُلكم عليكم ونَقتلكم كأنَّا لا نُبالي تفسير : ومعلوم أن كراهية الطبع الفعلَ لا تنافي تلقي التكليف به برضا لأن أكثر التكليف لا يخلو عن مشقة. ثم إن كانت الآية خبراً عن تشريع مضى، يحتمل أن تكون جملة {وهو كره} حكاية لحالة مضت وتلك في أيام قلة المسلمين فكان إيجاب القتال ثقيلاً عليهم، وقد كان من أحكامه أن يثبت الواحد منهم لعشرة من المشركين أعدائهم، وذلك من موجبات كراهيتهم القتال، وعليه فليس يلزم أن تكون تلك الكراهية باقية إلى وقت نزول هذه الآية، فيحتمل أن يكون نزلت في شأن صلح الحديبية وقد كانوا كَرِهوا الصلح واستحبوا القتال، لأنهم يومئذ جيش كثير فيكون تذكيراً لهم بأن الله أعلم بمصالحهم، فقد أوجب عليهم القتال حين كانوا يكرهونه وأوجب عليهم الصلح في وقت أحبوا فيه القتال، فحذف ذلك لقرينة المقام، والمقصود الإفضاء إلى قوله: {وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم} لتطمئن أنفسهم بأن الصلح الذي كرهوه هو خير لهم، كما تقدم في حوار عمر مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومع أبي بكر، ويكون في الآية احتباك، إذ الكلام على القتال، فتقدير السياق كتب عليكم القتال وهو كره لكم ومنعتم منه وهو حِبٌّ لكم، وعسى أن تكرهوا القتال وهو خير لكم وعسى أن تحبوه وهو شر لكم، وإن كانت الآية إنشاء تشريع فالكراهية موجودة حين نزول الآية فلا تكون واردة في شأن صلح الحديبية، وأول الوجهين أظهرهما عندي ليناسب قوله عقبه: { أية : يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه } تفسير : [البقرة: 217]. وقوله: {وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم} تذييل احتيج إليه لدفع الاستغراب الناشيء عن قوله: {كتب عليكم القتال وهو كُره لكم}، لأنه إذا كان مكروهاً فكان شأن رحمة الله بخلقه ألا يكتبه عليهم فذيل بهذا لدفع ذلك. وجملة {وعسى} معطوفة على جملة {كتب عليكم القتال}، وجملة {وهو خير لكم}: حالية من {شيئاً} على الصحيح من مجيء الحال من النكرة، وهذا الكلام تلطف من الله تعالى لرسوله والمؤمنين، وإن كان سبحانه غنياً عن البيان والتعليل، لأنه يأمر فيُطاع، ولكن في بيان الحكمة تخفيفاً من مشقة التكليف، وفيه تعويد المسلمين بتلقي الشريعة معللة مذللة فأشار إلى أن حكمة التكليف تعتمد المصالح ودرء المفاسد، ولا تعتمد ملاءمة الطبع ومنافرته، إذ يكره الطبع شيئاً وفيه نفعه وقد يحب شيئاً وفيه هلاكه، وذلك باعتبار العواقب والغايات، فإن الشيء قد يكون لذيذاً ملائماً ولكن ارتكابه يفضي إلى الهلاك، وقد يكون كريهاً منافراً وفي ارتكابه صلاح. وشأن جمهور الناس الغفلة عن العاقبة والغاية أو جهلهما، فكانت الشرائع وحملتها من العلماء والحكماء تحرض الناس على الأفعال والتروك باعتبار الغايات والعواقب. فإن قلت: ما الحكمة في جعل أشياء كثيرةٍ نافعةٍ مكروهةً، وأشياء كثيرةٍ ضارةٍ محبوبةً، وهلا جعل الله تعالى النَّافعَ كلَّه محبوباً والضار كلَّه مكروهاً فتنساقَ النفوسُ للنافع باختيارها وتجتنب الضار كذلك فنُكفى كلفة مسألة الصلاح والأصلح التي تناظر فيها الأشعري مع شيخه الجبائي وفارق الأشعري من أجلها نحلة الاعتزال؟. قلت: إن حكمة الله تعالى بنت نظام العالم على وجود النافع والضار والطيب والخبيث من الذوات والصفات والأحداث، وأوكل للإنسان سلطة هذا العالم بحكم خَلْقِه الإنسانَ صالحاً للأمرين وأَراه طريقي الخير والشر كما قدمناه عند قوله تعالى: { أية : كان الناس أمة واحدة } تفسير : [البقرة: 213]، وقد اقتضت الحكمة أن يكون النافع أكثر من الضار ولعل وجود الأشياء الضارة كَوَّنه الله لتكون آلة لحمل ناس على اتباع النافع كما قال تعالى: { أية : فيه بأس شديد ومنافع للناس } تفسير : [الحديد: 25]، وقد أقام نظام هذا العالم على وجود المتضادات، وجعل الكمال الإنساني حاصلاً عند حصول جميع الصفات النافعة فيه، بحيث إذا اختلت بعض الصفات النافعة منه انتقصت بقيةُ الصفات النافعة منه أو اضمحلت، وجعل الله الكمال أقل من النقص لتظهر مراتِبُ النفوس في هذا العالم ومبالغ العقول البشرية فيه، فاكتسب الناس وضيعوا وضروا ونفعوا فكثر الضار وقل النافع بما كسَب الناسُ وفعلوا قال تعالى: {قل لا يستوي الخبيث والطيب ولو أعجبك كثرة الخبيث}. وكما صارت الذوات الكاملة الفاضلة أقل من ضدها صارت صفات الكمال عزيزة المنال، وأُحيطت عزتها ونفاستها بصعوبة منالها على البشر وبما يحف بها من الخطر والمتاعب، لأنها لو كانت مما تنساق لها النفوس بسهولة لاستوى فيها الناس فلم تظهر مراتِبُ الكمال ولم يقع التنافس بين الناس في تحصيل الفضائل واقتحام المصاعب لتحصيلها قال أبو الطيب: شعر : ولا فضل فيها للشجاعة والندى وصبرِ الفتى لولا لقاء شَعُوب تفسير : فهذا سبب صعوبة الكمالات على النفوس. ثم إن الله تعالى جعل نظام الوجود في هذا العالم بتولد الشيء من بين شيئين وهو المعبر عنه بالازدواج، غير أن هذا التولد يحصل في الذوات بطريقة التولد المعروفة قال تعالى: { أية : ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين } تفسير : [الرعد: 3] وأما حصوله في المعاني، فإنما يكون بحصول الصفة من بين معنيي صفتين أخريين متضادتين تتعادلان في نفس فينشأ عن تعادلهما صفة ثالثة. والفضائل جعلت متولدة من النقائص؛ فالشجاعةُ من التهور والجبنِ، والكرمُ من السرف والشح، ولا شك أن الشيء المتولد من شيئين يكون أقل مما تولد منه، لأنه يكون أقل من الثلث، إذ ليس كلَّما وجد الصفتان حصل منهما تولد صفة ثالثة، بل حتى يحصل التعادل والتكافؤ بين تينك الصفتين المتضادتين وذلك عزيز الحصول ولا شك أن هاته الندرة قضت بقلة اعتياد النفوس هاته الصفات، فكانت صعبة عليها لقلة اعتيادها إياها. ووراء ذلك فالله حدد للناس نظاماً لاستعمال الأشياء النافعة والضارة فيما خلقت لأجله، فالتبعة في صورة استعمالها على الإنسان وهذا النظام كله تهيئة لمراتب المخلوقات في العالم الأبدي عالم الخلود وهو الدار الآخرة كما يقال: «الدنيا مزرعة الآخرة» وبهذا تكمل نظرية النقض الذي نقض به الشيخ الأشعري على شيخه الجبائي أصلهم في وجوب الصلاح والأصلح فيكون بحث الأشعري نقضاً وكلامنا هذا سَنَداً وانقلاباً إلى استدلال. وجملة {والله يعلم وأنتم لا تعلمون} تذييل للجميع، ومفعولا {يعلم}و{تعلمون} محذوفان دل عليهما ما قبله أي والله يعلم الخير والشر وأنتم لا تعلمونهما، لأن الله يعلم الأشياء على ما هي عليه والناس يشتبه عليهم العلم فيظنون الملائم نافعاً والمنافر ضاراً. والمقصود من هذا تعليم المسلمين تلقي أمر الله تعالى باعتقاد أنه الصلاح والخير، وأن ما لم تتبين لنا صفته من الأفعال المكلف بها نوقن بأن فيه صفة مناسبة لحكم الشرع فيه فتطلبها بقدر الإمكان عسى أن ندركها، لنفرع عليها ونقيس ويدخل تحت هذا مسائل مسالك العلة، لأن الله تعالى لا يجري أمره ونهيه إلا على وفق علمه.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ}. لم يصف هذا الخير هنا بالكثرة وقد وصفه بها في قوله: {أية : فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَيَجْعَلَ ٱللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً} تفسير : [النساء: 19].
الواحدي
تفسير : {كتب عليكم القتال} فُرض وأوجب عليكم الجهاد {وهو كرهٌ لكم} أَيْ: مشقَّةٌ عليكم لما يدخل منه على النَّفس والمال {وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خيرٌ لكم} لأنَّ في الغزو إحدى الحسنيين؛ إمَّا الظفر والغنيمة؛ وإمَّا الشَّهادة والجنَّة {وعسى أن تحبُّوا شيئاً} أَيْ: القعود عن الغزو {وهو شرٌّ لكم} لما فيه من الذُّل والفقر، وحرمان الغنيمة والأجر {والله يعلم} ما فيه مصالحكم، فبادروا إلى ما يأمركم به وإنْ شقَّ عليكم. {يسألونك عن الشهر الحرام} نزلت في سريةٍ بعثها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقاتلوا المشركين وقد أهلَّ هلال رجب وهم لا يعلمون ذلك، فاستعظم المشركون سفك الدِّماء في رجب، فأنزل الله تعالى: {يسألونك} يعني: المشركين. وقيل: هم المسلمون {عن الشهر الحرام قتالٍ فيه} أَيْ: وعن قتالٍ فيه {قل قتالٌ فيه كبير} ثمَّ ابتدأ فقال: {وصد} ومنعٌ {عن سبيل الله} أَيْ: طاعته. يعني: صدَّ المشركين رسولَ الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه عن البيت الحرام عام الحديبية {وكفر به} بالله {والمسجد الحرام} أَيْ: وصدٌّ عن المسجد الحرام {وإخراج أهله} أَيْ: أهل المسجد. يعني: رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه حين أُخرجوا من مكَّة {منه أكبرُ} وأعظم وِزْراً {عند الله والفتنة} أَيْ: والشِّرك {أكبر من القتل} يعني: قتل السِّرية المشركين في رجب {ولا يزالون} يعني: المشركين {يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم} إلى الكفر {إن استطاعوا ومن يَرْتَدِدْ منكم عن دينه} الإِسلام، أَيْ: يرجع فيموت على الكفر {فأولئك حبطت أعمالهم...} الآية. [بطلت أعمالهم]. فقال هؤلاء السَّرية لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أصبنا القوم في رجب، أنرجو أن يكون لنا أجر المجاهدين في سبيل الله؟ فأنزل الله تعالى: {إنَّ الذين آمنوا والذين هاجروا} فارقوا عشائرهم وأوطانهم {وجاهدوا} المشركين {في سبيل الله} في نصرة دين الله {أولئك يرجون رحمة الله والله غفور رحيم} غفر لهؤلاء السِّرية ما لم يعلموا ورحمهم، والإِجماعُ اليوم منعقدٌ على أنَّ قتال المشركين يجوز في جميع الأشهر حلالها وحرامها. {يسألونك عن الخمر والميسر} نزلت في عُمَر، ومعاذٍ، وسعد بن أبي وقاص رضي الله عنهم، أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: أفتنا في الخمر والميسر؛ فإنَّهما مَذْهَبةٌ للعقل، مَسْلَبةٌ للمال، فنزلت قوله عزَّ وجلَّ {يسألونك عن الخمر} وهو كلُّ مسكرٍ مخالطٍ للعقل مُغطٍّ عليه {والميسر} : القمار {قل فيهما إثم كبير} يعني: الإِثم بسببهما لما فيهما من المخاصمة والمشاتمة وقول الفحش والزُّور وغير ذلك {ومنافع للناس} ما كانوا يصيبونه من المال في بيع الخمر والتِّجارة فيها، واللَّذَّة عند شربها، ومنفعةُ الميسر ما يُصاب من القمار، ويرتفق به الفقراء، ثمَّ بيَّن أنَّ ما يحصل بسببهما من الإِثم أكبر من نفعهما، فقال {وإثمهما أكبر من نفعهما}، وليست هذه الآيةُ المُحرِّمةَ للخمر والميسر، إنَّما المُحرِّمةُ التي في سورة المائدة، وهذه الآية نزلت قبل تحريمها. {ويسألونك ماذا ينفقون} نزلت في سؤال عمرو بن الجموح لمَّا نزل قوله: {فللوالدين والأقربين} في سؤاله أعاد السّؤال، وسأل عن مقدار ما ينفق؟ فنزل قوله: {قل العفو} أَيْ: ما فضل من المال عن العيال، وكان الرَّجل بعد نزول هذه الآية يأخذ من كسبه ما يكفيه، وينفق باقيه إلى أن فُرضت الزَّكاة، فنسخت آية الزَّكاة التي في براءة هذه الآية وكلَّ صدقةٍ أُمروا بها قبل الزَّكاة {كذلك} أَيْ: كبيانه في الخمر والميسر، أو في الإِنفاق {يبين الله لكم الآيات} لتتفكَّروا في أمر الدُّنيا والآخرة، فتعرفوا فضل الآخرة على الدُّنيا.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: كُتِب: فرض فرضا مؤكداً حتى لكأنه مكتوب كتابة. القتال: قتال الكافرين بجهادهم حتى يسلموا أو يعطوا الجزية. كُرْهُ: مكروه في نفوسكم طبعاً. عسى: هذا الفعل معناه الترجي والتوقع أعني أن ما دخلت عليه مرجو الحصول متوقع لا على سبيل الجزم، إلاّ أنها إن كانت من الله تعالى تفيد اليقين. معنى الآية الكريمة: يخبر تعالى رسوله وعباده المؤمنين بأنه فرض عليهم قتال المشركين والكافرين وهو يعلم أنه مكروه لهم بطبعهم لما فيه من الآلام والأتعاب وإضاعة المال والنفس، وأخبرهم أن ما يكرهونه قد يكون خيراً، وأن ما يحبونه قد يكون شرّاً، ومن ذلك الجهاد فإنه مكروه لهم وهو خير لهم لما فيه من عزتهم ونصرتهم ونصره دينهم مع حسن الثواب وعظم الجزاء في الدار الآخرة كما أن ترك الجهاد محبوب لهم وهو شرّ لهم لأنهم يشجع عدوهم على قتالهم واستباحة بيضتهم، وانتهاك حرمات دينهم مع سوء الجزاء في الدار الآخرة. وهذا الذي أخبرهم تعالى به من حبهم لأشياء وهي شرّ لهم وكراهيتهم لأشياء وهي خير لهم هو كما أخبر لعلم الله به قبل خلقه، والله يعلم وهم لا يعلمون فيجب التسليم لله تعالى في أمره وشرعه مع حب ما أمر به وما شرعه واعتقاد أنه خير لا شر فيه. هداية الآية الكريمة من هداية الآية: 1- وجوب الجهاد على أمة الإِسلام ما بقيت فتنة في الأرض وشرك فيها. 2- جهل الإِنسان بالعواقب يجعله يحب المكروه، ويكره المحبوب. 3- أوامر الله كلها خير، ونواهيه كلها شرّ. فلذا يجب فعل أوامره واجتناب نواهيه.
القطان
تفسير : كتب عليكم: فرض عليكم. الكره: المشقة. مضى الكلام في الآية السابقة على الإنفاق في سبيل الله وللمحتاجين من الأسرة الاسلامية، وفي هذه الآية والتي بعدها يأتي الكلام على بذل الأرواح والأنفس. المال اخو الروح، بل هو اغلى عند كثير من الناس. اذا كان في الانفاق على الوالدين والاقربين واليتامى والمساكين وغيرهم حماية للمجتمع في داخله فان القتال حماية له من اعدائه في الخارج. لذلك فرض الله عليكم القتال لحماية دينكم والدفاع عن أنفسكم. وهو كرهٌ لكم، لما فيه من المشقة وتعريض الأنفس للموت، ولكن ربما كرهتم شيئاً يكون فيه خيركم، ان الله يعلم ذلك، وأنتم لا تعلمون. وهذه أول آية فُرض فيها القتال، وقد نزلت في السنة الثانية من الهجرة. والجهاد فرض كفاية الا اذا دخل العدو بلاد المسلمين فاتحاً فيكون الجهاد فرض عينٍ على الجميع، وهذه فلسطين، فقد احتلها العدو ولم يهبّ المسلمون لقتاله. لقد أغفلوا فرض عين، وحكامهم هم المسؤولون. ولهم مع الله شأن.
د. أسعد حومد
تفسير : (216) - كَمَا أَمَرَ اللهُ تَعَالَى بِالإِنْفَاقِ عَلَى اليَتَامَى وَالمَسَاكِينِ لِحِمَايَةِ المُجْتَمَعِ مِنْ دَاخِلِهِ، كَذلِكَ فَرَضَ اللهُ الجِهَادَ عَلَى المُسْلِمِينَ، وَمُحَارَبَةَ أَعْدَاءِ الدِّينِ، لِيَكُفُّوا عَنِ الجَمَاعَةِ المُسْلِمَةِ شَرَّ أَعْدَائِها. وَالجِهَادُ فَرْضُ كِفَايَةِ إِذَا قَامَ بِهِ بَعْضُ الأُمَّةِ سَقَطَ عَنِ البَاقِينَ، وَالجِهَادُ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ غَزا أَوْ قَعَدَ، فَالقَاعِدُ عَلَيهِ أَنْ يُعينَ إِذا اسْتَعَانَ بِهِ النَّاسُ، وَأَنْ يُغيثَ إِذا اسْتَغَاثُوا بِهِ، وَأَنْ يَنْفِرَ إِذا اسْتُنْفِرَ. وَيَذْكُرُ اللهُ تَعَالَى: أَنَّ الجِهَادَ فِيهِ كُرْهٌ وَمَشَقَّةٌ عَلَى الأَنْفُسِ، مِنْ تَحَمُّلِ مَشَقَّةِ السَّفَرِ، إِلَى مَخَاطِرِ الحُرُوبِ وَمَا فِيهَا مِنَ جَرْحٍ وَقَتْلٍ وَأَسْرٍ، وَتَرْكٍ لِلْعِيَالِ، وَتَرْكٍ لِلتِّجَارَةِ وَالصَّنْعَةِ وَالعَمَلِ .. إلخ، وَلكِنْ قَدْ يَكُونُ فِيهِ الخَيْرُ لأَنَّهُ قَدْ يَعْقُبُهُ النَّصْرُ وَالظَّفَرُ بِالأَعْدَاءِ، وَالاستِيلاءُ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَبِلاَدِهِمْ. وَقَدْ يُحِبُّ المَرْءُ شَيئاً وَهُوَ شَرٌّ لَهُ، وَمِنْهُ القُعُودُ عَنِ الجِهَادِ، فَقَدْ يَعْقُبُهُ استِيلاءُ الأَعْدَاءِ عَلَى البِلادِ وَالحُكْمِ، وَاللهُ يَعْلَمُ عَوَاقِبَ الأُمُورِ أَكْثَرَ مِمَّا يَعْلَمُها العِبَادُ. كُرْهٌ لَكُمْ - مَكْرُوهٌ لَكُم طَبْعاً.
الثعلبي
تفسير : {كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِتَالُ} فُرض عليكم القتال، واختلف العلماء في حكم هذه الآية، فقال بعضهم: عنى بذلك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة دون غيرهم، وقال ابن جريج قلت لعطاء: قوله: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ} أواجب الغزو على الناس من أجلها أو كتب على أولئك حينئذ؟ وأجرى بعضهم الآية على ظاهرها فقال: الغزو فرض واجب على المسلمين كلّهم إلى قيام الساعة. روى ابن أبي أنيسة عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ثلاث من أصل الإيمان: الكفّ عمّن قال: لا إله إلاّ الله ما لم يره بذنب، ولا يخرجه من الاسلام بعمل، والجهاد ماض منذ بعثني الله إلى أن يقاتل آخر أُمتي الدّجال لا يبطنه ضنّ ولا شك، والإيمان بالأقدار ". تفسير : أبو صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من مات ولم يغز ولم يحدّث نفسه بالغزو مات على شعبة من النفاق" تفسير : وقال بعضهم: هو فرض على الكفاية إذا قام به البعض سقط من الباقين. عن أحمد بن أنمار: وردّ السلام وتشميت العاطس وهو القول الصحيح المشهور الذى عليه الجمهور. وقال الزهري والأوزاعي: كتب الله الجهاد على الناس غزوا أو قعدوا، فمن غزا فبها ونعمت، ومن قعد فهو حرّ، إن استُعين به أعان وإنِ استنفر نفر وإنِ استغني عنه قعد، فإنما يرجح عليه عطاء الواجب المال وإلاّ فلا، من شاء غزا ومن شاء لم يغزُ، ويدلّ على صحة هذا القول قول الله تعالى {أية : فَضَّلَ ٱللَّهُ ٱلْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى ٱلْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُـلاًّ وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْحُسْنَىٰ} تفسير : [النساء: 95]، ولو كان القاعدون مضيعين فرضاً لكان لهم السوأى لا الحسنى والله أعلم. {وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ} شاقّ عليكم، واتفق القرّاء على ضم الكاف ههنا إلاّ أبا عبد الرحمن السلمي، فإنه قرأها {وَهُوَ كُرْهٌ} بفتح الكاف وهما لغتان بمعنى واحد، مثل الغَسل والغُسل، والضَّعف والضُّعف، والرَّهب والرُّهب، وقال أكثر أهل اللغة: الكُره بالضم المشقة وبالفتح الاجهاد. بعضهم: الكره بالفتح المصدر، وبالضم الاسم. وقال أهل المعاني: هذا الكره من حيث نفور الطبع عنه لما يدخل فيه على المال من المؤونة وعلى النفس من المشقّة وعلى الروح من الخطر لأنهم أظهروا الكراهة أو كرهوا أمر الله عزّ وجلّ. قال عكرمة: نسختها هذه الآية {وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا} يعني أنهم كرهوه ثم أحبّوه {وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا} قال الله عزّ وجلّ: {وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ} لأن في الغزو أحد الحُسنيين إمّا الظفر والغنيمة، وإمّا الشهادة والجنة {وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّواْ شَيْئاً} يعني القعود عن الغزو {وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ} لما فيه من الذل والصغر وحرمان الغنيمة والأجر {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ}. قال ابن عباس:" حديث : كنت ردف النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "يا بن عباس ارضَ عن الله بما قدّر وإنْ كان خلاف هواك إنه مثبّت في كتاب الله". قلت: يا رسول الله أين وقد قرأت القرآن، قال: "مكانين" {وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّواْ شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ} ". تفسير : عاصم بن علي المسعودي قال: قال الحسن: لا تكره الملمات الواقعة والبلايا الحادثة فلربَّ أمر تكرهه فيه نجاتك، ولربّ أمر ترجوه فيه عطبك، وأنشد أبو سعيد الضرير: شعر : ربَّ أمر تتقيه جرَّ أمراً ترتضيه خفي المحبوب منه وبدا المكروه فيه تفسير : وأنشد محمد بن عرفة لعبد الله بن المعتز: شعر : لا تكره المكروه عند نزوله إن الحوادث لم تزل متباينه كم نعمة لا تستقل بشكرها لله في درج الحوادث كامنه تفسير : عبد الرحمن بن أبي حاتم عن أبيه قال: بعث المتوكل إلى محمد بن الليث رسولاً وقد كان بقي مدة في منزله فلمّا أتاه الرسول (امتثل) فركب بلا روح خوفاً فمرّ به رجل وهو يقول: شعر : كم مرّة حفّت بك المكاره خارَ لك الله وأنت كاره تفسير : فلمّا دخل على المتوكل ولاّه مصر وأمر له بمائة ألف وجميع ما يحتاج إليه من الآلات والدواب والغلمان. قال الثعلبي: أنشدني الحسن بن محمد قال: أنشدني أبو سعيد أحمد بن محمد بن رميح قال: أنشدني محمد بن الفرحان: شعر : كم فرحة مطوية لك بين أثناء النوائب ومضرّة قد أقبلت من حيث تنتظر المصائب تفسير : قال: وأنشدنا أبو القاسم الحبيبي قال: أنشدنا أبو عبد الله الوضاحي: شعر : ربّما خُيّر الفتى وهو للخير كاره ثم يأتي السرور من حيث تأتي المكاره تفسير : {يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ} الآية، قال المفسّرون:" حديث : بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن جحش وهو ابن عمّة النبي صلى الله عليه وسلم في جمادى الآخرة قبل قتال بدر بشهرين على رأس ستة عشر شهراً من مقدمه المدينة، وبعث معه ثمانية رهط من المهاجرين: سعد بن أبي وقاص الزهري وعكاشة بن محصن الأسدي وعتبة بن غزوان السلمي وأبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة وسهيل بن بيضاء وعامر بن ربيعة وواقد بن عبد الله وخالد بن بكر وكتب بإمرة عبد الله بن جحش كتاباً وقال: سر على اسم الله ولا تنظر في الكتاب حتى تسير يومين، فإذا نزلت منزلين فافتح الكتاب واقرأه على أصحابك، ثم امضِ لما أمرتك، ولا تُكرهنّ أحداً من أصحابك على السير معك، فسار عبد الله يومين ثم نزل وفتح الكتاب فاذا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم، أما بعد فسر على بركة الله بمن تبعك من أصحابك حتى تنزل بطن نخلة فترصّد بها عير قريش لعلّك أن تأتينا منه بخبر، فلمّا نظر عبد الله بن جحش قال: سمعاً وطاعة ثم قال ذلك لأصحابه وقال: إنه قد نهاني أن استكره أحداً منكم، فمن كان يريد الشهادة فلينطلق، ومن كره ذلك فليرجع، فإني ماض لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم مضى ومضى معه أصحابه لم يتخلف عنه منهم أحد حتى إذا كان بمعدن فوق الفرع يقال له: نجوان أضلّ سعد بن أبي وقاص وعتبة بن غزوان بعيراً لهما كانا يتعقبانه فاستأذنا أن يتخلّفا في طلب بعيرهما، فأذن لهما فتخلفا في طلبه، ومضى عبد الله ببقيتهم حتى نزلوا بطن نخلة بين مكة والطائف، فبينا هم كذلك إذ مرّ بهم عير لقريش تحمل زبيباً وأديماً وتجارة من تجار الطائف فيهم عمرو بن الحضرمي والحكم بن كيسان وعثمان بن عبد الله بن المغيرة ونوفل ابن عبد الله المخزوميان، فلمّا رأوا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم خافوهم، فقال عبد الله بن جحش: إنّ القوم قد ذعروا منكم فاحلقوا رأس رجل منكم فليتعرض لهم فإذا رأوه محلوقاً أمِنُوا، وقالوا: قوم عُمّار، فحلقوا رأس عكاشة ثم أشرف عليهم وقالوا: قوم عُمّار لا بأس عليكم فأمنّوهم. وكان ذلك في آخر يوم من جمادى الآخرة وكانوا يرون أنّه من جمادى وهو من رجب، فتشاور القوم بينهم وقالوا: لئن تركتموهم هذه الليلة لتدخلنّ الحرم فليمنعنّ منكم فأجمعوا أمركم في مواقعة القوم فرمى واقد بن عبد الله السهمي عمرو بن الحضرمي بسهم فقتله، فكان أول قتيل من المشركين واستأسرا الحكم وعثمان فكانا أول أسيرين في الاسلام وأفلت الآخران فأعجزاهم، واستاق المؤمنون العير والأسيرين حتى قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة، فقالت قريش: قد استحلّ محمد الشهر الحرام، شهراً يأمن فيه الخائف وينذعر فيه الناس لمعايشهم، فسفك فيه الدماء، وأخذ فيه الحرائر، وعيّر بذلك أهل مكة من كان بها من المسلمين، وقالوا: يا معشر الصباة استحللتم الشهر الحرام وقاتلتم فيه، وتفاءلت اليهود بذلك وقالوا: واقد: وقدت الحرب وعمروا: عمرت الحرب، والحضرمي: حضرت الحرب. وبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لابن جحش وأصحابه: ما أمرتكم بقتال في الشهر الحرام، ودفعتُ العير والأسيرين فأبى أن يأخذ من ذلك شيئاً، فعظم ذلك على أصحاب السريّة وظنّوا أن قد هلكوا وسقطوا في أيديهم وقالوا: يا رسول الله إنّا قتلنا ابن الحضرمي ثم أمسينا فنظرنا إلى هلال رجب فلا ندري أفي رجب أمسينا أم في جمادى، وأكثر الناس في ذلك، فأنزل الله تعالى هذه الآية فأخذ رسول الله العير فعزل منها الخمس، فكان أول خمس في الاسلام، وقسّم الباقي بين أصحاب السريّة، فكان أول غنيمة في الاسلام، وبعث أهل مكة في فداء أسيرهم فقال: بل نوقفهم حتى يقدم سعد وعتبة وإن لم يقدما قتلناهما، فلمّا قدما فداهم ". تفسير : وأما الحكم بن كيسان فأسلم وأقام مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة فقُتل يوم بئر معونة شهيداً، وأمّا عثمان بن عبد الله فرجع إلى مكة ومات فيها كافراً، وأمّا نوفل فضَرب بطن فرسه يوم الأحزاب ليدخل الخندق على المسلمين، فوقع في الخندق مع فرسه فتحطّما جميعاً، وقتله الله وحجب المشركون جيفته بالثمن فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : خذوه فإنّه خبيث الجيفة خبيث الدية" تفسير : فهذا سبب نزول قوله: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ} يعني توخياً، سُمّي بذلك لتحريم القتال فيه لعظم حرمته، وكذلك كان يسمّى في الجاهلية، تنزع الأسنّة وتفصل الالّ، لأنهم كانوا ينزعون الأسنّة والنصال عند دخول رجب انطواءً على ترك القتال فيه، وكان يدعى الأصمّ لأنه لا تسمع فيه قعقعة السلاح فنسب الصمم إليه، كما قيل: ليل نائم، وسرٌّ كاتم. يدلّ عليه ما روى عطاء عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن رجب شهر الله ويدعى الأصمّ، وكان أهل الجاهلية إذا دخل رجب يعطلون أسلحتهم ويضعونها، وكان الناس يأمنون ويأمن السبيل فلا يخاف بعضهم بعضاً حتى ينقضي ". تفسير : {قِتَالٌ فِيهِ} خفضه على تكرير (عن)، تقديره: وهل قتال فيه وكذلك هي في قراءة عبد الله ابن مسعود والربيع بن أنس {قُلْ} يامحمد {قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ} عظيم ثم [كلام] ثم قتال {وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ} منع عن سبيل الله على الابتداء وخبره أكبر، وذلك حين منعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البيت {وَكُفْرٌ بِهِ} أي بالله {وَٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ} أي وبالمسجد {وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ} أي أهل المسجد {مِنْهُ أَكْبَرُ} وأعظم وزراً وعقوبة {عِندَ ٱللَّهِ وَٱلْفِتْنَةُ} أي الشرك أكبر من القتل، يعني قتل ابن الحضرمي فلمّا نزلت هذه الآية كتب عبد الله بن جحش الى مؤمني مكّة: إذا عيّركم المشركون بالقتال في الشهر الحرام فعيرّوهم أنتم بالكفر وإخراج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكّة ومنعهم عن البيت. ثم قال: {وَلاَ يَزَالُونَ} يعني مشركي قريش وهو فعل لا مفعول له مثل عسى {يُقَاتِلُونَكُمْ} يا معشر المؤمنين {حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ} يصدّوكم ويصرفوكم {عَن دِينِكُمْ إِن اسْتَطَاعُواْ وَمَن يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ} جزم بالنسق ولو كان جواباً لكان (...) {وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلۤـٰئِكَ حَبِطَتْ} بطلت {أَعْمَالُهُمْ} حسناتهم {فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ} وأصل الحبط من الحباط (وهو من الحبط وهو فساد يلحق الماشية في بطونها لأكل الحباط) وهو أن تنتفخ بطنه فيموت، ثم سمّي الهلال حبطاً، وقرأ الحسن حَبطت بفتح الباء في جميع القرآن يحبط بكسر الباء { وَأُوْلۤـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} فقال أصحاب السريّة: يا رسول الله هل (نؤثم) على رجبنا وهل نطمع أن يكون سفرنا هذا غزواً؟ فأنزل الله تعالى {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ} فارقوا عشائرهم ومنازلهم وأموالهم {وَجَاهَدُواْ} المشركين في نصرة الدين {فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ } في طاعة الله، فجعلها جهاداً {أُوْلۤـٰئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : إن كراهية القتال هي قضية فطرية يقولها الذي خلق الإنسان فهو سبحانه لا يعالج الأمر علاجاً سوفسطائياً، بمعنى أن يقول: وماذا في القتال؟ لا، إن الخالق يقول: أعلم أن القتال مكروه. وحتى إذا ما أصابك فيه ما تكره فأنت قد علمت أن الذي شرعه يُقدر ذلك. ولو لم يقل الحق إن القتال كره: لفهم الناس أن الله يصور لهم الأمر العسير يسيراً. إن الله عز وجل يقول للذين آمنوا: اعلموا أنكم مقبلون على مشقات، وعلى متاعب، وعلى أن تتركوا أموالكم، وعلى أن تتركوا لذتكم وتمتعكم. ولذلك نجد كبار الساسة الذين برعوا في السياسة ونجحوا في قيادة مجتمعاتهم كانوا لا يحبون لشعوبهم أن تخوض المعارك إلا مضطرين، فإذا ما اضطروا فهم يوضحون لجندهم أنهم يدرأون بالقتال ما هو أكثر شراً من القتال، ومعنى ذلك أنهم يعبئون النفس الإنسانية حتى تواجه الموقف بجماع قواها، وبجميع ملكاتها، وكل إرادتها. والحق سبحانه وتعالى يقول: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ} [البقرة: 216] إنه سبحانه يقول لنا: أعلم أن القتال كره لكم ولكن أردت أن أشيع فيكم قضية، هذه القضية هي ألا تحكموا في القضايا الكبيرة في حدود علمكم؛ لأن علمكم دائماً ناقص، بل خذوا القضايا من خلال علمي أنا؛ لأنني قد أشرع مكروهاً، ولكن يأتي منه الخير. وقد تَرَون حباً في شيء ويأتي منه الشر. ولذلك ينبهنا الحق إلى أن كثيراً من الأمور المحبوبة عندنا يأتي منها الشر، فيقول الواحد منا: "كنت أتوقع الخير من هذا الأمر، لكن الشر هو ما جاءني منه". وهناك أمور أخرى نظن أن الشر يأتي منها، لكنها تأتي بالخير. ولذلك يترك الحق فلتات في المجتمع حتى يتأكد الناس أن الله سبحانه وتعالى لا يُجري أمور الخير على مقتضيات ومقاييس علم العباد، إنما يُجري الحكم على مقتضى ومقاييس علم رب العباد. ولننظر إلى ما رواه الحق مثلاً للناس على ذلك: {أية : وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِفَتَاهُ لاۤ أَبْرَحُ حَتَّىٰ أَبْلُغَ مَجْمَعَ ٱلْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً * فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَٱتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي ٱلْبَحْرِ سَرَباً * فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَآءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هَـٰذَا نَصَباً * قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَآ إِلَى ٱلصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ ٱلْحُوتَ وَمَآ أَنْسَانِيهُ إِلاَّ ٱلشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَٱتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي ٱلْبَحْرِ عَجَباً * قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَٱرْتَدَّا عَلَىٰ آثَارِهِمَا قَصَصاً}تفسير : [الكهف: 60-64]. إن موسى عليه السلام يسير مع فتاه إلى مجمع البحرين، ويقال: إنه ملتقى بحرين في جهة المشرق، وكان معهما طعام هو حوت مملوح يأكلان منه، لكن السفر والمشقة أنساهما الحوت وانطلق الحوت بآية من آيات الله إلى البحر، وعندما وصل موسى إلى مجمع البحرين طلب من فتاه أن يأتي بالطعام بعد طول التعب، لكن الفتى يقول لموسى: إنه نسي الحوت، ولم ينسه إياه إلا الشيطان. وإن الحوت اتخذ طريقه إلى البحر، فقال موسى: إن هذا ما كنا نطلبه علامة على وصولنا إلى غايتنا وهي مجمع البحرين، أي أمر الحوت وفقده هو الذي نطلب، فإن الرجل الذي جئنا من أجله هناك في هذا المكان، وارتد موسى والغلام على آثارهما مرة أخرى. فما الذي يحدث؟ يلتقي موسى عليه السلام بالعبد الصالح الخضر، وهو ولي من أولياء الله، علمه الله العلم الرباني الذي يهبه الله لعباده المتقين كثمرة للإخلاص والتقوى. ويطلب موسى عليه السلام من العبد الرباني سيدنا الخضر عليه السلام أن يتعلم منه بعض الرشد. لكن العبد الرباني الذي وهبه الله من العلم ما يفوق استيعاب القدرة البشرية يقول لموسى عليه السلام: {أية : قَالَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً * وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَىٰ مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً}تفسير : [الكهف: 67-68]. لقد كان موسى على علم سابق بأن ضياع الحوت هو مسألة في ظاهرها شر لكن في باطنها خير؛ لأن ذلك هو السبيل والعلامة التي يعرف بها موسى كيف يلتقي بالعبد الصالح. ويستمر السياق نفسه في قصة موسى والعبد الصالح، قصة ظاهرها الشر وباطنها الخير، سواء في قصة السفينة التي خرقها أو الغلام الذي قتله، أو الجدار الذي أقامه. لقد كان علم العبد الصالح علماً ربانياً، لذلك أراد موسى أن يتعلم بعضاً من هذا العلم لكن العبد الصالح ينبه موسى عليه السلام أن ما قد يراه هو فوق طاقة الصبر؛ لأن الذي قد يراه موسى من أفعال إنما قد يرى فيها شراً ظاهراً، لكن في باطنها كل الخير. وقَبِل موسى عليه السلام أن يقف موقف المتعلم بأدب مع العالم الذي وهبه الله العلم الرباني. ويشترط العبد الرباني على موسى ألا يسأل إلا بعد أن يحدثه العبد الرباني عن الأسباب. ويلتقي موسى والعبد الرباني بسفينة فيصعدان عليها، ويخرق العبد الرباني السفينة، فيقول موسى: {أية : أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً}تفسير : [الكهف: 71]. فيرد العبد الصالح: {أية : أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً}تفسير : [الكهف: 72]. ويتذكر موسى أنه وعد العبد الصالح بالصبر، لكن ما الذي يفعله موسى وقد وجد العبد الصالح يخرق سفينة تحملهم في البحر؟ إنه أمر شاق على النفس. ولذلك يقول موسى:{أية : لاَ تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلاَ تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً}تفسير : [الكهف: 73]. إن موسى يعود إلى وعده للعبد الصالح، ويطلب منه فقط ألا يكلفه بأمور تفوق قدرته. وينطلق العبد الصالح ومعه موسى عليه السلام، فيجد العبد الصالح غلاماً فيقتله، فيقول موسى:{أية : أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُّكْراً}تفسير : [الكهف: 74]. ويُذكر العبد الصالح موسى أنه لن يستطيع الصبر معه، ويعتذر موسى عما لا يعلم. ويمر العبد الصالح ومعه موسى بقرية فطلبا من أهل القرية الضيافة، لكن أهل القرية يرفضون الضيافة، ويجد العبد الصالح جداراً مائلاً يكاد يسقط فيبدأ في بنائه، فيقول موسى: {أية : لَوْ شِئْتَ لَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً}تفسير : [الكهف: 77]. ويكون الفراق بين العبد الصالح وموسى. ويخبر العبد الصالح موسى بما لم يعلمه ولم يصبر عليه. إن خرق السفينة كان لإنقاذ أصحابها من اغتصابها منهم؛ لأن هناك ملكاً كان يأخذ كل سفينة صالحة غصباً، فأراد أن يعيبها ليتركها الملك لهؤلاء المساكين. وقتل الغلام كان رحمة بأبويه المؤمنين، كان هذا الابن سيجلب لهما الطغيان والكفر، وأراد الله أن يُبْدِلَهُما خيراً منه. وأن الجدار الذي أقامه كان فوق كنز، وكان ليتيمين من هذه القرية وكان والد الغلامين صالحاً، لذلك كان لابد من إعادة بناء الجدار حتى يبلغ الغلامان أشدهما ويستخرجا الكنز ويقول العبد الصالح عن كل هذه الأعمال: واقرأ قول الله سبحانه وتعالى:{أية : وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِـع عَّلَيْهِ صَبْراً}تفسير : [الكهف: 82]. إن العبد الصالح لا ينسب هذا العمل الرباني لنفسه، ولكن ينسبه إلى الخالق الذي علمه. إذن فالحق يطلق بعضاً من قضايا الكون حتى لا يظن الإنسان أن الخير دائماً فيما يحب، وأن الشر فيما يكره، ولذلك يقول سبحانه: {وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّواْ شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ} [البقرة: 216] فإن كان القتال كرهاً لكم، فلعل فيه خيراً لكم. وبمناسبة ذكر الكُره نوضح أن هناك "كَره" و"كُره". إن "الكَره" بفتح الكاف: هو الشيء المكروه الذي تُحمل وتُكْرَهُ على فعله، أما "الكُره" بضم الكاف فهو الشيء الشاق. وقد يكون الشيء مكروهاً وهو غير شاق، وقد يكون شاقاً ولكن غير مكروه. والحق يقول: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ} [البقرة: 216]. ولنلاحظ أن الحق دائماً حينما يشرع فهو يقول: "كُتِبَ" ولا يقول: "كَتبت" ذلك حتى نفهم أن الله لن يشرع إلا لمَنْ آمن به؛ فهو سبحانه لم يكتب على الكافرين أي تكاليف، وهل يكون من المنطقي أن يكلف الله مَنْ آمَن به ويترك الكافر بلا تكليف؟ نعم، إنه أمر منطقي؛ لأن التكليف خير، وقد ينظر بعض الناس إلى التكليف من زاوية أنه مُقيِّد، نقول لهم: لو كان التكليف الإيماني يقيد لكلف الله به الكافر، ولكن الله لا يكلف إلا مَنْ يحبه، إنه سبحانه لا يأمر إلا بالخير، ثم إن الله لا يكلف إلا مَنْ آمن به؛ لأن العبد المؤمن مع ربه في عقد الإيمان. إذن فالله حين يقول: "كُتب" فمعنى ذلك أنه سبحانه يقصد أنه لم يقتحم على أحد حركة اختياره الموهوبة له، والله سبحانه وتعالى قد ترك للناس حرية الاختيار في أن يؤمنوا أو لا يؤمنوا. ومن آمن عن اختيار وطواعية فقد دخل مع الله في عقد إيمان، وبمقتضى هذا العقد كتب الله عليه التكاليف. ومن هذه التكاليف القتال، فقال سبحانه: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِتَالُ} [البقرة: 216]. وقوله: "عليكم" يعني أن القتال ساعة يكتب لا يبدو من ظاهر أمره إلا المشقة، فجاءت "عليكم" لتناسب الأمر. وبعد انتهاء القتال إذا انتصرنا فنحن نأخذ الغنائم، وإذا انهزمنا واستشهدنا فلنا الجنة. ويعبر الحق عن ظاهر الأمر في القتال فيقول عنه: {وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّواْ شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ} [البقرة: 216]. إنها قضية عامة كما قلنا. لذلك فعلينا أن نرد الأمر إلى من يعلمه، {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 216] فكلِ أمر علينا أن نرده إلى حكمة الله الذي أجراه؛ لأنه هو الذي يعلم. وهناك قصة من التراث الإنساني تحكي قضية رجل من الصين، وكان الرجل يملك مكانا متسعاً وفيه خيل كثيرة، وكان من ضمن الخيل حصان يحبه. وحدث أن هام ذلك الحصان في المراعي ولم يعد، فحزن عليه، فجاء الناس ليعزوه في فَقْد الحصان، فابتسم وقال لهم: ومن أدراكم أن ذلك شر لتعزوني فيه؟ وبعد مدة فوجئ الرجل بالجواد ومعه قطيع من الجياد يجره خلفه، فلما رأى الناس ذلك جاءوا ليهنئوه، فقال لهم: وما أدراكم أن ذلك خير، فسكت الناس عن التهنئة. وبعد ذلك جاء ابنه ليركب الجواد فانطلق به، وسقط الولد من فوق الحصان فانكسرت ساقه، فجاء الناس مرة أخرى ليواسوا الرجل فقال لهم: ومن أدراكم أن ذلك شر؟ وبعد ذلك قامت حرب فجمعت الحكومة كل شباب البلدة ليقاتلوا العدو، وتركوا هذا الابن؛ لأن ساقه مكسورة، فجاءوا يهنئونه، فقال لهم: ومن أدراكم أن ذلك خير؟ فعلينا ألا نأخذ كل قضية بظاهرها، إن كانت خيراً أو شراً، لكن علينا أن نأخذ كل قضية من قضايا الحياة في ضوء قول الحق:{أية : لِّكَيْلاَ تَأْسَوْاْ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلاَ تَفْرَحُواْ بِمَآ آتَاكُمْ ..}تفسير : [الحديد: 23]. والحق هو القائل: {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 216]. ولله المثل الأعلى، سبق لنا أن ضربنا المثل من قبل بالرجل الحنون الذي يحب ولده الوحيد ويرجو بقاءه في الدنيا، لذلك عندما يمرض الابن فالأب يعطيه الدواء المر، وساعة يعطيه الجرعة فالابن يكره الدواء ولكنه خير له. وبعد ذلك يتحدث الحق سبحانه وتعالى عن سؤال آخر يقول فيه: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ ...}.
الصابوني
تفسير : [11] القتال في الأشهر الحرام التحليل اللفظي {كُرْهٌ}: بضم الكاف أي مكروه لكم تكرهه نفوسكم لما فيه من المشقة، وُضع المصدر موضع الوصف مبالغةً، كقوله تعالى: {أية : إِنَّمَا ٱلْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ} تفسير : [التوبة: 28] وكقول الخنساء: شعر : فإنما هي إقبال وإدبار تفسير : قال ابن قتيبة: الكَره بالفتح معناه الإكراه والقهر، وبالضم معناه المشقة. {ٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ}: الشهر الذي يحرم فيه القتال، والمراد به هنا شهر رجب، وكان يدعى (الأصم) لأنه لم يكن يسمع فيه للسلاح قعقعة تعظيماً له. {وَصَدٌّ}: الصدّ: الصرف والمنع يقال: صدّه عن الشيء أي منعه عنه. {وَٱلْفِتْنَةُ}: أي فتنة المسلمين في دينهم بإلقاء الشبهات في قلوبهم أو بتعذيبهم. {يَرْتَدِدْ}: أي يرجع، والردّة: الرجوع من الإيمان إلى الكفر، ويُسمى فاعل ذلك مرتداً. قال الراغب: الارتداد والردة: الرجوع في الطريق الذي جاء منه، لكن الردة تختص بالكفر، والارتداد يستعمل فيه وفي غيره قال تعالى: {أية : مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِه} تفسير : [المائدة: 54] وهو الرجوع من الإسلام إلى الكفر، وقال تعالى: {أية : فَٱرْتَدَّا عَلَىٰ آثَارِهِمَا قَصَصاً} تفسير : [الكهف: 64]. {حَبِطَ}: أي فسد وبطل عمله، قال في "اللسان": حبَط حبْطاً وحبوطاً: عمل عملاً ثم أفسده، وفي التنزيل {أية : فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ} تفسير : [محمد: 28] أي أبطل ثوابهم. قال أهل اللغة: أصل الحَبْط مأخوذ من (الحَبَط) وهو أن تأكل الماشية فتكثر حتى تنتفخ لذلك بطونها، ولا يخرج عنها ما فيها وفي الحديث "حديث : وإنّ مما ينبت الربيع ما يقتل حَبَطاً أو يُلمّ" تفسير : فسمي بطلان العمل بهذا لما فيه من الفساد. {هَاجَرُواْ}: الهجرة مفارقة الأهل والوطن في سبيل الله، لنصرة دينه. قال الراغب: الهجرة الخروج من دار الكفر إلى دار الإيمان وأصلها من الهَجْر الذي هو ضد الوصل، ومنه قيل للكلام القبيح (هُجْر) لأنه مما ينبغي أن يُهجر، والهاجرة: وقت الظهيرة لأنه وقت يهجر فيه العمل. {وَجَاهَدُواْ}: الجهاد بذل الوسع والمجهود وأصله من الجهد الذي هو المشقة، وسمي قتال الأعداء (جهاداً) لأن فيه بذل الروح والمال لإعلاء كلمة الله، ونصرة دينه. {يَرْجُونَ}: الرجاء هو الأمل والطمع في حصول ما فيه نفع. قال الراغب: الرجاء ظن يقتضي حصول ما فيه مسرة. وفي "اللسان": الرجاء من الأمل نقيض اليأس، وهو بمعنى التوقع والأمل، قال بشر يخاطب بنته: شعر : فرجّي الخير وانتظري إيابي إذا ما القارظ العنزيّ آبا تفسير : {غَفُورٌ رَّحِيمٌ}: أي واسع المغفرة للتائبين المستغفرين، عظيم الرحمة بعبادة المؤمنين. المعنى الإجمالي يقول الله جل ثناؤه ما معناه: "فُرض عليكم - أيها المؤمنون - قتال الكفار، وهو شاق عليكم، تنفر منه الطباع لما فيه من بذل المال وخطر هلال النفس، ولكن قد تكره نفوسكم شيئاً وفيه كل النفع والخير، وقد تحب شيئاً وفيه كل الخطر والضرر، والله يعلم ما هو خير لكم مما هو شر لكم، فلا تكرهوا ما فرض عليكم من جهاد عدوكم، فإن فيه الخير لكم في العاجل والآجل. يسألك أصحابك - يا محمد - عن القتال في الشهر الحرام، أيحل لهم القتال فيه؟ قل لهم: القتال في نفسه أمر كبير، ولكن صدّ المشركين عن سبيل الله، وعن المسجد الحرام، وكفرهم بالله، وإخراجكم من البلد الحرام وأنتم أهله وحماته، كلُّ ذلك أكبرُ جرماً وذنباً عند الله من قتل من قتلتم من المشركين، وقد كانوا يفتنونكم عن دينكم فذلك أكبر عند الله من القتل، فإن كنتم قتلتموهم في الشهر الحرام، فقد ارتكبوا ما هو أشنع وأقبح من ذلك، حيث فتنوكم عن دينكم، والفتنة أكبر من القتل. ثمّ أخبر تعالى بأن المشركين لا يزالون جاهدين في فتنة المؤمنين، حتى يردوهم عن دينهم إن قدروا على ذلك، فهم غير نازعين عن كفرهم وإجرامهم، ومن يستجب لهم منكم فيرجع عن دينه، فقد بطل عمله وذهب ثوابه، وأصبح من المخلدين في نار جهنم، لأنه استجاب لداعي الضلال. ثم أخبر تعالى أن المؤمنين الذين هاجروا مع رسول الله، وبذلوا جهدهم في مقاومة الكفار أعداء الله، هم الذين يرجون رحمة الله وإحسانه، وهم جديرون بهذا الفضل والعطاء لأنهم استفرغوا ما في وسعهم، وبذلوا غاية جهدهم في مرضاة الله، فحُقَّ لهم أن ينالوا الفوز والفلاح والسعادة في الدنيا والآخرة. سبب النزول روى ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث (عبد الله بن جحش) على سرية في جمادى الآخرة، قبل قتال بدر بشهرين، ليترصدوا عيراً لقريش فيها (عمرو بن عبد الله الحضرمي) وثلاثة معه، فقتلوه وأسروا اثنين واستاقوا العير بما فيها من تجارة الطائف، وكان ذلك أول يوم من رجب وهم يظنونه من جمادى الآخرة، فقالت قريش: قد استحلّ محمد الشهر الحرام، شهراً يأمن فيه الخائف، ويتفرق فيه الناس إلى معايشهم، فوقف رسول الله صلى الله عليه وسلم العير، وعظم ذلك على أصحاب السرية وقالوا: ما نبرح حتى تنزل توبتنا فنزل قوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ} قال ابن عباس: لما نزلت أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم الغنيمة. وجوه الإعراب 1 - قوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ} قتالٍ: بدل من الشهر الحرام بدل اشتمال والمعنى: يسألونك عن القتال في الشهر الحرام، وقال الكسائي: هو مخفوض على التكرير أي عن قتال فيه. 2 - قوله تعالى: {وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ} صدّ: مبتدأ و(عن سبيل الله) متعلق به (وكفر) معطوف عن صدّ (وإخراج أهله) معطوف أيضاً، وخبر الأسماء الثلاثة (أكبر). قال الزمخشري: (والمسجد الحرامِ) عطف على (سبيل الله) ولا يجوز أن يعطف على الهاء في (به). 3 - قوله تعالى: {وَمَن يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَن دِينِهِ} مَنْ: شرطية مبتدأ والخبر هو جملة {فَأُوْلۤـٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ}. لطائف التفسير اللطيفة الأولى: كلمة (عسى) توهم الشك في أصلها مثل (لعلّ) وهي من الله يقين، قال الخليل: "عسى" من الله واجب في القرآن قال: {أية : فَعَسَى ٱللَّهُ أَن يَأْتِيَ بِٱلْفَتْحِ}تفسير : [المائدة: 52] وقد وُجد، و {أية : عَسَى ٱللَّهُ أَن يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً} تفسير : [يوسف: 83] وقد حصل. اللطيفة الثانية: قال الحسن: لا تكرهوا الشدائد والملمات، فربّ أمر تكرهه فيه نجاتك، وربّ أمرٍ تحبه فيه عطبك، وأنشد أبو سعيد الضرير: شعر : ربّ أمــرٍ تتّقيــه جرّ أمــراً ترتضيــه خفي المحبــوب منــه وبدا المكـــروه فيــه تفسير : اللطيفة الثالثة: قوله تعالى: {وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ} أي مكروه لكم بالطبع، لأنه شاق وثقيل على النفس، وهذه الكراهة الطبيعية لا تنافي الرضا بحكم الله وقضائه كالمريض يشرب الدواء المر البشع الذي تعافه نفسه، لاعتقاده بما فيه من النفع في العاقبة، وإنما وضع المصدر في الآية موضع الوصف مبالغة كقوله الخنساء: شعر : فإنمــا هي إقبــال وإدبــار تفسير : اللطيفة الرابعة: استعظم المشركون القتل في الشهر الحرام، مع أنهم فعلوا ما هو أفظع وأشنع، من الصد عن دين الله، والفتنة للمؤمنين، وفيهم يقول بعض الشعراء: شعر : تعدون قتلاً في الحرام عظيمة وأعظم منه لو يرى الرشدَ راشدُ صدودكُمُ عمّا يقولُ محمدٌ وكفرٌ به واللهُ راءٍ وشاهد وإخراجكم من مسجد الله أهلَه لئلا يُرى لله في البيت ساجدُ فإنّا وإن عيرتمونا بقتله وأرجف بالإسلام باغٍ وحاسد سقينا من ابن الحضرمي رماحنا بنخلةَ لمّا أوقد الحربَ واقد تفسير : اللطيفة الخامسة: قال الزمخشري: في قوله تعالى: {إِن اسْتَطَاعُواْ} استبعاد لاستطاعتهم كقول الرجل لعدوه: إن ظفرتَ بي فلا تبق عليّ، وهو واثق بأنه لا يظفر به. اللطيفة السادسة: التعبير بقوله تعالى: {أُوْلۤـٰئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ ٱللَّهِ} فيه لطيفة وهي ألا يتكل الإنسان على عمله، بل يعتمد على فضل الله كما جاء في الحديث الشريف : "حديث : لن يُدخلَ أحدَكُم عملُه الجنة، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلاّ أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل ". تفسير : وعن قتادة رضي الله عنه: "هؤلاء خيار هذه الأمة، ثم جعلهم الله أهل رجاء كما تسمعون، وإنه من رجا طلب، ومن خاف هرب". الأحكام الشرعية الحكم الأول: هل يباح القتال في الأشهر الحرم؟ دلت هذه الآية على حرمة القتال في الشهر الحرام، وقد اختلف المفسرون هل بقيت الحرمة أم نسخت؟ فذهب عطاء إلى أن هذه الآية لم تنسخ، وكان يحلف على ذلك، كما قال ابن جرير: حلف لي عطاء بالله أنه لا يحل للناس الغزو في الحرم، ولا في الأشهر الحرم، إلا على سبيل الدفع. وذهب الجمهور إلى أن الآية منسوخة، نسختها آية براءة {أية : فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ} تفسير : [التوبة: 5] وقوله تعالى: {أية : وَقَاتِلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَآفَّةً} تفسير : [التوبة: 36] سئل (سعيد بن المسيب) هل يصلح للمسلمين أن يقاتلوا الكفار في الشهر الحرام؟ قال: نعم. حجة الجمهور أن النبي صلى الله عليه وسلم غزا (هوازن) بحنين، و(ثقيفاً) بالطائف، وأرسل (أبا عامر) إلى أوطاس ليحارب من فيها من المشركين، وكان ذلك في بعض الأشهر الحرم، ولو كان القتال فيهن حراماً لما فعله النبي عليه السلام. قال ابن العربي: "والصحيح أن هذه الآية رد على المشركين حين أعظموا على النبي صلى الله عليه وسلم القتال في الشهر الحرام، فقال تعالى: {وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ..} فإذا فعلتم ذلك كله في الشهر الحرام تعيّن قتالكم فيه". الحكم الثاني: هل الردة تحبط العمل وتذهب بحسنات الإنسان؟ دل قوله تعالى: {وَمَن يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلۤـٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ} على أن الردة تُحبط العملَ، وتُضيع ثواب الأعمال الصالحة، وقد اختلف العلماء في المرتد هل يحبط عمله بنفس الردة، أم بالوفاة على الكفر؟ فذهب مالك وأبو حنيفة إلى أن العمل يحبط بنفس الردّة. وقال الشافعي رحمه الله: لا يبطل العمل إلا بالموت على الكفر. حجة الشافعي قوله تعالى: {فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ} فقد قيّده بالموت على الكفر، فإذا أسلم بعد الردة لم يثبت شيء من الأحكام، لا حبوط العمل، ولا الخلود في النار. وحجة مالك وأبي حنيفة قوله تعالى: {أية : لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ} تفسير : [الزمر: 65] وقوله {أية : وَمَن يَكْفُرْ بِٱلإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ} تفسير : [المائدة: 5] فقد دلت الآيتان على أن الكفر محبط للعمل بدون تقييد بالوفاة على الكفر. وقد انبنى على ذلك خلافهم في المسلم إذا حجّ ثم ارتد ثم أسلم. فقال مالك وأبو حنيفة يلزمه إعادة الحج، لأن ردته أحبطت حجه. وقال الشافعي: لا حج عليه لأن حجة قد سبق، والردة لا تحبطه إلا إذا مات على كفره. قال ابن العربي في تفسيره "أحكام القرآن": "واستظهر علماؤنا بقول الله تعالى: {أية : لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ} تفسير : [الزمر: 65] وقالوا: هو خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد به أمته، لأنه صلى الله عليه وسلم يستحيل منه الردة، وإنما ذكر الموافاة، شرطاً هٰهنا لأنه علّق عليها الخلود في النار جزاءً ممن وافى كافراً خلّده في النار بهذه الآية، ومن أشرك حبط عمله بالآية الأخرى، فهما آيتان مفيدتان لمعنيين مختلفين، وحكمين متغايرين". أقول: ظواهر النصوص تشير إلى إحباط العمل بالردّة مطلقاً، فالراجح قول المالكية والحنفية والله أعلم. ما ترشد إليه الآيات الكريمة 1 - القتال مكروه للنفوس ولكنه سبيل لنصرة الحق وإعزاز الدين. 2 - لا ينبغي للمؤمن أن يتقاعس عن الجهاد لأن فيه النصر أو الشهادة. 3 - الصد عن دين الله، والكفر بآيات الله أعظم إثماً من القتال في الشهر الحرام. 4 - الهدف من قتال المشركين للمسلمين ردهم إلى الكفر بشتى الطرق والوسائل. 5 - الردة عن الإسلام تحبط العمل وتخلد الإنسان في نار جهنم.
زيد بن علي
تفسير : وقولهُ تعالى: {[وَهُوَ] كُرْهٌ لَّكُمْ} معناهُ وهو شَديدٌ عَليكُم.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : هذه الآية، فيها فرض القتال في سبيل الله، بعد ما كان المؤمنون مأمورين بتركه، لضعفهم، وعدم احتمالهم لذلك، فلما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، وكثر المسلمون، وقووا أمرهم الله تعالى بالقتال، وأخبر أنه مكروه للنفوس، لما فيه من التعب والمشقة، وحصول أنواع المخاوف والتعرض للمتالف، ومع هذا، فهو خير محض، لما فيه من الثواب العظيم، والتحرز من العقاب الأليم، والنصر على الأعداء والظفر بالغنائم، وغير ذلك، مما هو مرب، على ما فيه من الكراهة { وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ } وذلك مثل القعود عن الجهاد لطلب الراحة، فإنه شر، لأنه يعقب الخذلان، وتسلط الأعداء على الإسلام وأهله، وحصول الذل والهوان، وفوات الأجر العظيم وحصول العقاب. وهذه الآيات عامة مطردة، في أن أفعال الخير التي تكرهها النفوس لما فيها من المشقة أنها خير بلا شك، وأن أفعال الشر التي تحب النفوس لما تتوهمه فيها من الراحة واللذة فهي شر بلا شك. وأما أحوال الدنيا، فليس الأمر مطردا، ولكن الغالب على العبد المؤمن، أنه إذا أحب أمرا من الأمور، فقيض الله [له] من الأسباب ما يصرفه عنه أنه خير له، فالأوفق له في ذلك، أن يشكر الله، ويجعل الخير في الواقع، لأنه يعلم أن الله تعالى أرحم بالعبد من نفسه، وأقدر على مصلحة عبده منه، وأعلم بمصلحته منه كما قال [تعالى:] { وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ } فاللائق بكم أن تتمشوا مع أقداره، سواء سرتكم أو ساءتكم. ولما كان الأمر بالقتال، لو لم يقيد، لشمل الأشهر الحرم وغيرها، استثنى تعالى، القتال في الأشهر الحرم فقال: { يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ ...}.
همام الصنعاني
تفسير : 253- عبد الرزاق، قال معمر، عن قتادة، في قوله: {وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ}: [الآية: 216]، قال: شديدٌ عليْكُمْ.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):