Verse. 224 (AR)

٢ - ٱلْبَقَرَة

2 - Al-Baqara (AR)

يَسْــَٔـلُوْنَكَ عَنِ الشَّہْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيْہِ۝۰ۭ قُلْ قِتَالٌ فِيْہِ كَبِيْرٌ۝۰ۭ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيْلِ اللہِ وَ كُفْرٌۢ بِہٖ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ۝۰ۤ وَاِخْرَاجُ اَھْلِہٖ مِنْہُ اَكْبَرُ عِنْدَ اؘ۝۰ۚ وَالْفِتْنَۃُ اَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ۝۰ۭ وَلَا يَزَالُوْنَ يُقَاتِلُوْنَكُمْ حَتّٰى يَرُدُّوْكُمْ عَنْ دِيْنِكُمْ اِنِ اسْتَطَاعُوْا۝۰ۭ وَمَنْ يَّرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِيْنِہٖ فَيَمُتْ وَھُوَكَافِرٌ فَاُولٰۗىِٕكَ حَبِطَتْ اَعْمَالُہُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْاٰخِرَۃِ۝۰ۚ وَاُولٰۗىِٕكَ اَصْحٰبُ النَّارِ۝۰ۚ ھُمْ فِيْہَا خٰلِدُوْنَ۝۲۱۷
Yasaloonaka AAani alshshahri alharami qitalin feehi qul qitalun feehi kabeerun wasaddun AAan sabeeli Allahi wakufrun bihi waalmasjidi alharami waikhraju ahlihi minhu akbaru AAinda Allahi waalfitnatu akbaru mina alqatli wala yazaloona yuqatiloonakum hatta yaruddookum AAan deenikum ini istataAAoo waman yartadid minkum AAan deenihi fayamut wahuwa kafirun faolaika habitat aAAmaluhum fee alddunya waalakhirati waolaika ashabu alnnari hum feeha khalidoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

وأرسل النبي صلى الله عليه وسلم أول سراياه وعليها عبد الله بن جحش فقاتلوا المشركين وقتلوا ابن الحضرمي آخر يوم من جمادى الآخرة والتبس عليهم برجب فعيرهم الكفار باستحلاله فنزل: «يسألونك عن الشهر الحرام» المحرم «قتال فيه» بدل اشتمال «قل» لهم «قتال فيه كبير» عظيم وزرا مبتدأ وخبر «وصد» مبتدأ منع للناس «عن سبيل الله» دينه «وكفر به» بالله «و» صد عن «المسجد الحرام» أي مكة «وإخراج أهله منه» وهم النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنون وخبر المبتدأ «أكبر» أعظم وزرا «عند الله» من القتال فيه «والفتنة» الشرك منكم «أكبر من القتل» لكم فيه «ولا يزالون» أي الكفار «يقاتلونكم» أيها المؤمنون «حتى» كي «يردوكم» إلى الكفر «إن استطاعوا ومن يرتدِد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت» بطلت «أعمالهم» الصالحة «في الدنيا والآخرة» فلا اعتداد بها ولا ثواب عليها والتقيد بالموت عليه يفيد أنه لو رجع إلى الإسلام لم يبطل عمله فيثاب عليه ولا يعيده كالحج مثلا وعليه الشافعي «وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون».

217

Tafseer

الرازي

تفسير : في الآية مسائل: المسألة الأولى: اختلفوا في أن هذا السائل أكان من المسلمين أو من الكافرين والقائلون بأنه من المسلمين فريقان الأول: الذين قالوا إنه تعالى لما كتب عليهم القتال وقد كان عند القوم الشهر الحرام والمسجد الحرام أعظم الحرمة في المنع من القتال لم يبعد عندهم أن يكون الأمر بالقتال مقيداً بأن يكون في غير هذا الزمان وفي غير هذا المكان فدعاهم ذلك إلى أن سألوا النبـي صلى الله عليه وسلم، فقالوا: أيحل لنا قتالهم في هذا الشهر وفي هذا الموضع؟ فنزلت الآية، فعلى هذا الوجه الظاهر أن هذا السؤال كان من المسلمين. الفريق الثاني: وهم أكثر المفسرين: رووا عن ابن عباس أنه قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث عبد الله بن جحش الأسدي وهو ابن عمته قبل قتال بدر بشهرين، وبعد سبعة عشر شهراً من مقدمه المدينة في ثمانية رهط، وكتب له كتاباً وعهداً ودفعه إليه، وأمره أن يفتحه بعد منزلتين، ويقرأه على أصحابه، ويعمل بما فيه، فإذا فيه: أما بعد فسر على بركة الله تعالى بمن اتبعك حتى تنزل بطن نخل، فترصد بها عير قريش لعلك أن تأتينا منه بخير، فقال عبد الله: سمعاً وطاعة لأمره فقال لأصحابه: من أحب منكم الشهادة فلينطلق معي فإني ماض لأمره، ومن أحب التخلف فليتخلف فمضى حتى بلغ بطن نخل بين مكة والطائف، فمر عليهم عمرو بن الحضرمي وثلاثة معه، فلما رأوا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حلقوا رأس واحد منهم وأوهموا بذلك أنهم قوم عمار، ثم أتى واقد بن عبد الله الحنظلي وهو أحد من كان مع عبد الله بن جحش ورمى عمرو بن الحضرمي فقتله، وأسروا اثنين وساقوا العير بما فيه حتى قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فضجت قريش وقالوا: قد استحل محمد الشهر الحرام، شهر يأمن فيه الخائف فيسفك فيه الدماء، والمسلمون أيضاً قد استبعدوا ذلك، فقال عليه الصلاة والسلام: إني ما أمرتكم بالقتال في الشهر الحرام، وقال عبد الله بن جحش يا رسول الله إنا قتلنا ابن الحضرمي، ثم أمسينا فنظرنا إلى هلال رجب فلا ندري أفي رجب أصبناه أم في جمادى فوقف رسول الله صلى الله عليه وسلم العير والأسارى، فنزلت هذه الآية، فأخذ رسول الله عليه الصلاة والسلام الغنيمة، وعلى هذا التقدير فالأظهر أن هذا السؤال إنما صدر عن المسلمين لوجوه أحدها: أن أكثر الحاضرين عند رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا مسلمين وثانيها: أن ما قبل هذه الآية وما بعدها خطاب مع المسلمين أما ما قبل هذه الآية فقوله: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ } وهو خطاب مع المسلمين وقوله: {أية : يَسْـئَلُونَكَ عَنِ ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ...ويسألونك عن اليتامى} تفسير : [البقرة: 219، 220] وثالثها: روى سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال: ما رأيت قوماً كانوا خيراً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ما سألوه إلا عن ثلاث عشرة مسألة حتى قبض كلهن في القرآن منها {يَسْـئَلُونَكَ عَنِ ٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ }. والقول الثاني: أن هذا السؤال كان من الكفار قالوا: سألوا الرسول عليه الصلاة والسلام عن القتال في الشهر الحرام حتى لو أخبرهم بأنه حلال فتكوا به واستحلوا قتاله فيه فأنزل الله تعالى هذه الآية: {يَسْـئَلُونَكَ عَنِ ٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ } أي يسألونك عن قتال في الشهر الحرام {قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ } ولكن الصد عن سبيل الله وعن المسجد الحرام والكفر به أكبر من ذلك القتال {وَلاَ يَزَالُونَ يُقَـٰتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ } فبين تعالى أن غرضهم من هذا السؤال أن يقاتلوا المسلمين ثم أنزل الله تعالى بعده قوله: {أية : ٱلشَّهْرُ ٱلْحَرَامُ بِٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ وَٱلْحُرُمَـٰتُ قِصَاصٌ فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَٱعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ } تفسير : [البقرة: 194] فصرح في هذه الآية بأن القتال على سبيل الدفع جائز. المسألة الثانية: قوله تعالى: {قِتَالٍ فِيهِ } خفض على البدل من الشهر الحرام، وهذا يسمى بدل الاشتمال، كقولك: أعجبني زيد علمه ونفعني زيد كلامه وسرق زيد ماله، وسلب زيد ثوابه، قال تعالى: {أية : قُتِلَ أَصْحَـٰبُ ٱلأُخْدُودِ * ٱلنَّارِ ذَاتِ ٱلْوَقُودِ } تفسير : [البروج: 4، 5] وقال بعضهم الخفض في قتال على تكرير العامل والتقدير: يسألونك عن الشهر الحرام عن قتال فيه، وهكذا هو في قراءة ابن مسعود والربيع، ونظيره قوله تعالى: {أية : لِلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُواْ لِمَنْ ءَامَنَ مِنْهُمْ } تفسير : [الأعراف:75] وقرأ عكرمة {قَتْلَ فِيهِ }. أما قوله تعالى: {قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ } ففيه مسألتان: المسألة الأولى: {قِتَالٌ فِيهِ } مبتدأ و {كَبِيرٌ } خبره، وقوله: {قِتَالٌ } وإن كان نكرة إلا أنه تخصص بقوله: {فِيهِ } فحسن جعله مبتدأ والمراد من قوله: {كَبِيرٌ } أي عظيم مستنكر كما يسمى الذنب العظيم كبيرة قال تعالى: {أية : كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ } تفسير : [الكهف: 5]. فإن قيل: لم نكر القتال في قوله تعالى: {قِتَالٌ فِيهِ } ومن حق النكرة إذا تكررت أن تجيء باللام حتى يكون المذكور الثاني هو الأول، لأنه لو لم يكن كذلك كان المذكور الثاني غير الأول كما في قوله تعالى: {أية : إِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْراً } تفسير : [الشرح: 6]. قلنا: نعم ما ذكرتم أن اللفظ إذا تكرر وكانا نكرتين كان المراد بالثاني إذن غير الأول والقوم أرادوا بقولهم: {يَسْـئَلُونَكَ عَنِ ٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ } ذلك القتال المعين الذي أقدم عليه عبد الله بن جحش، فقال تعالى: {قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ } وفيه تنبيه على أن القتال الذي يكون كبيراً ليس هو هذا القتال الذي سألتم عنه، بل هو قتال آخر لأن هذا القتال كان الغرض به نصرة الإسلام وإذلال الكفر فكيف يكون هذا من الكبائر، إنما القتال الكبير هو الذي يكون الغرض فيه هدم الإسلام وتقوية الكفر فكان اختيار التنكير في اللفظين لأجل هذه الدقيقة إلا أنه تعالى ما صرح بهذا الكلام لئلا تضيق قلوبهم بل أبهم الكلام بحيث يكون ظاهره كالموهم لما أرادوه، وباطنه يكون موافقاً للحق، وهذا إنما حصل بأن ذكر هذين اللفظين على سبيل التنكير، ولو أنه وقع التعبير عنهما أو عن أحدهما بلفظ التعريف لبطلت هذه الفائدة الجليلة، فسبحان من له تحت كل كلمة من كلمات هذا الكتاب سر لطيف لا يهتدي إليه إلا أولوا الألباب. المسألة الثانية: اتفق الجمهور على أن حكم هذه الآية حرمة القتال في الشهر الحرام ثم اختلفوا أن ذلك الحكم هل بقي أم نسخ فنقل عن ابن جريج أنه قال: حلف لي عطاء بالله أنه لا يحل للناس الغزو في الحرم، ولا في الأشهر الحرم، إلا على سبيل الدفع، روى جابر قال: لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يغزو في الشهر الحرام إلا أن يغزى وسئل سعيد بن المسيب هل يصلح للمسلمين أن يقاتلوا الكفار في الشهر الحرام؟ قال نعم، قال أبو عبيد: والناس بالثغور اليوم جميعاً على هذا القول يرون الغزو مباحاً في الشهور كلها، ولم أر أحداً من علماء الشام والعراق ينكره عليهم كذلك حسب قول أهل الحجاز. والحجة في إباحته قوله تعالى: {أية : فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ } تفسير : [التوبة: 5] وهذه الآية ناسخة لتحريم القتال في الشهر الحرام، والذي عندي أن قوله تعالى: {قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ } هذا نكرة في سياق الإثبات فيتناول فرداً واحداً، ولا يتناول كل الأفراد، فهذه الآية لا دلالة فيها على تحريم القتال مطلقاً في الشهر الحرام، فلا حاجة إلى تقدير النسخ فيه. أما قوله تعالى: {وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ ٱللَّهِ } ففيه مسألتان: المسألة الأولى: للنحويين في هذه الآية وجوه الأول: قول البصريين وهو الذي اختاره الزجاج، أن قوله: {وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ } كلها مرفوعة بالابتداء، وخبرها قوله: {أَكْبَرُ عِندَ ٱللَّهِ } والمعنى: أن القتال الذي سألتم عنه، وإن كان كبيراً، إلا أن هذه الأشياء أكبر منه، فإذا لم تمتنعوا عنها في الشهر الحرام، فكيف تعيبون عبد الله بن جحش على ذلك القتال مع أن له فيه عذراً ظاهراً، فإنه كان يجوز أن يكون ذلك القتل واقعاً في جمادى الآخرة، ونظيره قوله تعالى لبني إسرائيل: {أية : أَتَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبِرّ وَتَنسَوْنَ أنفسكم } تفسير : [البقرة: 44]، {أية : لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ } تفسير : [الصف: 2] وهذا وجه ظاهر، إلا أنهم اختلفوا في الجر في قوله: {وَٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ } وذكروا فيه وجهين أحدهما: أنه عطف على الهاء في به والثاني: وهو قول الأكثرين: أنه عطف على {سَبِيلِ ٱللَّهِ } قالوا: وهو متأكد بقوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ } تفسير : [الحج: 25]. واعترضوا على الوجه الأول بأنه لا يجوز العطف على الضمير، فإنه لا يقال: مررت به وعمرو، وعلى الثاني بأن على هذا الوجه يكون تقدير الآية: صد عن سبيل الله وعن المسجد الحرام، فقوله:عن المسجد الحرام صلة للصد، والصلة والموصول في حكم الشيء الواحد، فإيقاع الأجنبـي بينهما لا يكون جائزاً. أجيب عن الأول: لم لا يجوز إضمار حرف الجر فيه حتى يكون التقدير: وكفر به وبالمسجد الحرام، والإضمار في كلام الله ليس بغريب، ثم يتأكد هذا بقراءة حمزة {أية : تَسَاءلُونَ بِهِ وَٱلأَرْحَامَ } تفسير : [النساء: 1] على سبيل الخفض ولو أن حمزة روى هذه اللغة لكان مقبولاً بالاتفاق، فإذا قرأ به في كتاب الله تعالى كان أولى أن يكون مقبولاً، وأما الأكثرون الذين اختاروا القول الثاني قالوا: لا شك أنه يقتضي وقوع الأجنبـي بين الصلة والموصول، والأصل أنه لا يجوز إلا أنا تحملناه ههنا لوجهين الأول: أن الصد عن سبيل الله والكفر به كالشيء الواحد في المعنى، فكأنه لا فصل الثاني: أن موضع قوله: {وَكُفْرٌ بِهِ } عقيب قوله: {وَٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ } إلا أنه قدم عليه لفرط العناية، كقوله تعالى: {أية : وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُواً أَحَدًا } تفسير : [الإخلاص: 4] كان من حق الكلام أن يقال: ولم يكن له أحد كفواً إلا أن فرط العناية أوجب تقديمه فكذا ههنا. الوجه الثاني: في هذه الآية، وهو اختيار الفراء وأبـي مسلم الأصفهاني أن قوله تعالى: {وَٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ } عطف بالواو على الشهر الحرام، والتقدير: يسألونك عن قتال في الشهر الحرام والمسجد الحرام، ثم بعد هذا طريقان أحدهما: أن قوله: {قِتَالٌ فِيهِ } مبتدأ، وقوله: {كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ } خبر بعد خبر، والتقدير: إن قتلاً فيه محكوم عليه بأنه كبير وبأنه صد عن سبيل الله، وبأنه كفر بالله. والطريق الثاني: أن يكون قوله: {قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ } جملة مبتدأ وخبر، وأما قوله: {وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ } فهو مرفوع بالابتداء، وكذا قوله: {وَكُفْرٌ بِهِ } والخبر محذوف لدلالة ما تقدم عليه، والتقدير: قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله كبير وكفر به كبير، ونظيره قولك: زيد منطلق وعمرو، تقديره: وعمرو منطلق، طعن البصريون في هذا الجواب فقالوا: أما قولكم تقدير الآية: يسألونك عن قتال في المسجد الحرام فهو ضعيف لأن السؤال كان واقعاً عن القتال في الشهر الحرام لا عن القتال في المسجد الحرام، وطعنوا في الوجه الأول بأنه يقتضي أن يكون القتال في الشهر الحرام كفراً بالله، وهو خطأ بالإجماع، وطعنوا في الوجه الثاني بأنه لما قال بعد ذلك: {وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ } أي أكبر من كل ما تقدم فيلزم أن يكون إخراج أهل المسجد من المسجد أكبر عند الله من الكفر، وهو خطأ بالإجماع. وأقول: للفراء أن يجيب عن الأول بأنه من الذي أخبركم بأنه ما وقع السؤال عن القتال في المسجد الحرام، بل الظاهر أنه وقع لأن القوم كانوا مستعظمين للقتال في الشهر الحرام وفي البلد الحرام وكان أحدهما كالآخر في القبح عند القوم، فالظاهر أنهم جمعوهما في السؤال، وقولهم على الوجه الأول يلزم أن يكون القتال في الشهر الحرام كفراً. قلنا: يلزم أن يكون قتال في الشهر الحرام كفراً ونحن نقول به، لأن النكرة في الإثبات لا تفيد العموم، وعندنا أن قتالاً واحداً في المسجد الحرام كفر، ولا يلزم أن كل قتال كذلك، وقولهم على الوجه الثاني يلزم أن يكون إخراج أهل المسجد منه أكبر من الكفر، قلنا: المراد من أهل المسجد هم الرسول عليه السلام والصحابة، وإخراج الرسول من المسجد على سبيل الإذلال لا شك أنه كفر وهو مع كونه كفراً فهو ظلم لأنه إيذاء للإنسان من غير جرم سابق وعرض لاحق ولا شك أن الشيء الذي يكون ظلماً وكفراً، أكبر وأقبح عند الله مما يكون كفراً وحده، فهذا جملة القول في تقرير قول الفراء. القول الثالث: في الآية قوله: {قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَن سبيل ٱللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ } وجهه ظاهر، وهو أن قتالاً فيه موصوف بهذه الصفات، وأما الخفض في قوله: {وَٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ } فهو واو القسم إلا أن الجمهور ما أقاموا لهذا القول وزناً. المسألة الثانية: أما الصد عن سبيل الله ففيه وجوه أحدها: أنه صد عن الإيمان بالله وبمحمد عليه السلام وثانيها: صد للمسلمين من أن يهاجروا إلى الرسول عليه السلام وثالثها: صد المسلمين عام الحديبية عن عمرة البيت، ولقائل أن يقول: الرواية دلت على أن هذه الآية نزلت قبل غزوة بدر في قصة عبد الله بن جحش، وقصة الحديبية كانت بعد غزوة بدر بمدة طويلة، ويمكن أن يجاب عنه بأن ما كان في معلوم الله تعالى كان كالواقع، وأما الكفر بالله فهو الكفر بكونه مرسلاً للرسل، مستحقاً للعبادة، قادراً على البعث، وأما قوله: {وَٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ } فإن عطفناه على الضمير في {بِهِ } كان المعنى: وكفر بالمسجد الحرام، ومعنى الكفر بالمسجد الحرام هو منع الناس عن الصلاة فيه والطواف به، فقد كفروا بما هو السبب في فضيلته التي بها يتميز عن سائر البقاع، ومن قال: إنه معطوف على سبيل الله كان المعنى: وصد عن المسجد الحرام، وذلك لأنهم صدوا عن المسجد الحرام الطائفين والعاكفين والركع السجود. وأما قوله تعالى: {وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ } فالمراد أنهم أخرجوا المسلمين من المسجد، بل من مكة، وإنما جعلهم أهلاً له إذ كانوا هم القائمين بحقوق البيت كما قال تعالى: {أية : وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ ٱلتَّقْوَىٰ وَكَانُواْ أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا } تفسير : [الفتح: 26] وقال تعالى: {أية : وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذّبَهُمُ ٱللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَمَا كَانُواْ أَوْلِيَاءهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلاَّ ٱلْمُتَّقُونَ } تفسير : [الأنفال: 34] فأخبر تعالى أن المشركين خرجوا بشركهم عن أن يكونوا أولياء المسجد، ثم إنه تعالى بعد أن ذكر هذه الأشياء حكم عليها بأنها أكبر، أي كل واحد منها أكبر من قتال في الشهر الحرام، وهذا تفريع على قول الزجاج، وإنما قلنا: إن كل واحد من هذه الأشياء أكبر من قتال في الشهر الحرام لوجهين: أحدهما: أن كل واحد من هذه الأشياء كفر، والكفر أعظم من القتال والثاني: أنا ندعي أن كل واحد من هذه الأشياء أكبر من قتال في الشهر الحرام وهو القتال الذي صدر عن عبد الله بن جحش، وهو ما كان قاطعاً بوقوع ذلك القتال في الشهر الحرام، وهؤلاء الكفار قاطعون بوقوع هذه الأشياء منهم في الشهر الحرام، فيلزم أن يكون وقوع هذه الأشياء أكبر. أما قوله تعالى: {وَٱلْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ ٱلْقَتْلِ } فقد ذكروا في الفتنة قولين أحدهما: هي الكفر وهذا القول عليه أكثر المفسرين، وهو عندي ضعيف، لأن على قول الزجاج قد تقدم ذكر ذلك، فإنه تعالى قال: {وَكُفْرٌ بِهِ أَكْبَر } فحمل الفتنة على الفكر يكون تكراراً، بل هذا التأويل يستقيم على قول الفراء. والقول الثاني: أن الفتنة هي ما كانوا يفتنون المسلمين عن دينهم، تارة بإلقاء الشبهات في قلوبهم، وتارة بالتعذيب، كفعلهم ببلال وصهيب وعمار بن ياسر، وهذا قول محمد بن إسحاق وقد ذكرنا أن الفتنة عبارة عن الامتحان، يقال فتنت الذهب بالنار إذا أدخلته فيها لتزيل الغش عنه، ومنه قوله تعالى: {أية : إِنَّمَا أَمْوٰلُكُمْ وَأَوْلَـٰدُكُمْ فِتْنَةٌ} تفسير : [التغابن: 15] أي امتحان لكم لأنه إذا لزمه إنفاق المال في سبيل الله تفكر في ولده، فصار ذلك مانعاً له عن الإنفاق، وقال تعالى: {أية : الم * أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن يُتْرَكُواْ أَن يَقُولُواْ ءامَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ } تفسير : [العنكبوت: 1، 2] أي لا يمتحنون في دينهم بأنواع البلاء، وقال: {أية : وَفَتَنَّـٰكَ فُتُوناً } تفسير : [طه: 40] وإنما هو الامتحان بالبلوى، وقال: {أية : وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يِقُولُ ءامَنَّا بِٱللَّهِ فَإِذَا أُوذِىَ فِى ٱللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ ٱلنَّاسِ كَعَذَابِ ٱللَّهِ } تفسير : [العنكبوت: 10] والمراد به المحنة التي تصيبه من جهة الدين من الكفار وقال: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ فَتَنُواْ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُواْ } تفسير : [البروج: 10] والمراد أنهم آذوهم وعرضوهم على العذاب ليمتحنوا ثباتهم على دينهم، وقال: {أية : فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ ٱلصَّلوٰةِ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } تفسير : [النساء: 101] وقال: {أية : مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ بِفَـٰتِنِينَ * إِلاَّ مَنْ هُوَ صَالِ ٱلْجَحِيمِ } تفسير : [الصافات: 162، 163] وقال: {أية : فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَـٰبَهَ مِنْهُ ٱبْتِغَاء ٱلْفِتْنَةِ } تفسير : [آل عمران: 7] أي المحنة في الدين وقال: {أية : وَٱحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ ٱللَّهُ إِلَيْكَ } تفسير : [المائدة: 49] وقال: {أية : رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لّلَّذِينَ كَفَرُواْ } تفسير : [الممتحنة: 5] وقال: {أية : رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لّلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ } تفسير : [يونس: 85] والمعنى أن يفتنوا بها عن دينهم فيتزين في أعينهم ما هم فيه من الكفر والظلم وقال: {أية : فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ * بِأَيّكُمُ ٱلْمَفْتُونُ } تفسير : [القلم:5، 6] قيل: المفتون المجنون، والجنون فتنة، إذ هو محنة وعدول عن سبيل أهل السلامة في العقول. فثبت بهذه الآيات أن الفتنة هي الامتحان، وإنما قلنا: إن الفتنة أكبر من القتل لأن الفتنة عن الدين تفضي إلى القتل الكثير في الدنيا، وإلى استحقاق العذاب الدائم في الآخرة، فصح أن الفتنة أكبر من القتل فضلاً عن ذلك القتل الذي وقع السؤال عنه وهو قتل ابن الحضرمي. روى أنه لما نزلت هذه الآية كتب عبد الله بن جحش صاحب هذه السرية إلى مؤمني مكة: إذا عيركم المشركون بالقتال في الشهر الحرام فعيروهم أنتم بالكفر وإخراج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة، ومنع المؤمنين عن البيت الحرام قال: {ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا} والمعنى ظاهر، ونظيره قوله تعالى: {أية : وَلَن تَرْضَىٰ عَنكَ ٱلْيَهُودُ وَلاَ ٱلنَّصَـٰرَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ } تفسير : [البقرة: 120]. وفيه مسائل: المسألة الأولى: ما زال يفعل كذا، ولا يزال يفعل كذا، قال الواحدي: هذا فعل لا مصدر له، ولا يقال منه: فاعل ولا مفعول، ومثاله في الأفعال كثير نحو {عَسَى } ليس له مصدر ولا مضارع وكذلك: ذو، وما فتىء، وهلم، وهاك، وهات، وتعال، ومعنى: {لا يَزَالُونَ } أي يدومون على ذلك الفعل لأن الزوال يفيد النفي فإذا أدخلت عليه: ما، كان ذلك نفياً للنفي فيكون دليلاً على الثبوت الدائم. المسألة الثانية: قوله: {حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ } أي إلى أن يردوكم وقيل المعنى: ليردوكم. المسألة الثالثة: قوله: {إِنِ اسْتَطَاعُواْ } استبعاد لاستطاعتهم، كقول الرجل لعدوه: إن ظفرت بـي فلا تبق عليِّ وهو واثق بأنه لا يظفر به. ثم قال تعالى: {وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: قال الواحدي قوله: {وَمَن يَرْتَدِدْ } أظهر التضعيف مع الجزم لسكون الحرف الثاني: وهو أكثر في اللغة من الإدغام، وقوله: {فَيَمُتْ } هو جزم بالعطف على {يَرْتَدِدْ } وجوابه {فَأولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَـٰلُهُمْ }. المسألة الثانية: لما بين تعالى أن غرضهم من تلك المقاتلة هو أن يرتد المسلمون عن دينهم، ذكر بعده وعيداً شديداً على الردة، فقال: {وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلـئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَـٰلُهُمْ فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلأَخِرَةِ } واستوجب العذاب الدائم في النار. المسألة الثالثة: ظاهر الآية يقتضي أن الارتداد إنما يتفرع عليه الأحكام المذكورة إذا مات المرتد على الكفر، أما إذا أسلم بعد الردة لم يثبت شيء من هذه الأحكام، وقد تفرع على هذه النكتة بحث أصولي وبحث فروعي، أما البحث الأصولي فهو أن جماعة من المتكلمين زعموا أن شرط صحة الإيمان والكفر حصول الموافاة، فالإيمان لا يكون إيماناً إلا إذا مات المؤمن عليه والكفر لا يكون كفراً إلا إذا مات الكافر عليه، قالوا: لأن من كان مؤمناً ثم ارتد والعياذ بالله فلو كان ذلك الإيمان الظاهر إيماناً في الحقيقة لكان قد استحق عليه الثواب الأبدي، ثم بعد كفره يستحق العقاب الأبدي فإما أن يبقى الاستحقاقان وهو محال، وإما أن يقال: إن الطارىء يزيل السابق وهذا محال لوجوه أحدها: أن المنافاة حاصلة بين السابق والطارىء، فليس كون الطارىء مزيلاً للسابق أولى من كون السابق دافعاً للطارىء، بل الثاني أولى لأن الدفع أسهل من الرفع وثانيها: أن المنافاة إذا كانت حاصلة من الجانبين، كان شرط طريان الطارىء زوال السابق فلو عللنا زوال السابق بطريان الطارىء لزم الدور وهو محال وثالثها: أن ثواب الإيمان السابق وعقاب الكفر الطارىء، إما أن يكونا متساويين أو يكون أحدهما أزيد من الآخر، فإن تساويا وجب أن يتحابط كل واحد منهما بالآخر، فحينئذ يبقى المكلف لا من أهل الثواب ولا من أهل العقاب وهو باطل بالإجماع، وإن ازداد أحدهما على الآخر، فلنفرض أن السابق أزيد، فعند طريان الطارىء لا يزول إلا ما يساويه، فحينئذ يزول بعض الاستحقاقات دون البعض مع كونها متساوية في الماهية، فيكون ذلك ترجيحاً من غير مرجح وهو محال، لنفرض أن السابق أقل فحينئذ إما أن يكون الطارىء الزائد، يكون جملة أجزائه مؤثرة في إزالة السابق فحينئذ يجتمع على الأثر الواحد مؤثرات مستقلة وهو محال، وإما أن يكون المؤثر في إزالة السابق بعض أجزاء الطارىء دون البعض، وحينئذ يكون اختصاص ذلك البعض بالمؤثرية ترجيحاً للمثل من غير مرجح وهو محال، فثبت بما ذكرنا أنه إذا كان مؤمناً ثم كفر، فذلك الإيمان السابق، وإن كنا نظنه إيماناً إلا أنه ما كان عند الله إيماناً، فظهر أن الموافاة شرط لكون الإيمان إيماناً، والكفر كفراً، وهذا هو الذي دلت الآية عليه، فإنها دلت على أن شرط كون الردة موجبة لتلك الأحكام أن يموت المرتد على تلك الردة. أما البحث الفروعي: فهو أن المسلم إذا صلى ثم ارتد ثم أسلم في الوقت قال الشافعي رحمه الله: لا إعادة عليه، وقال أبو حنيفة رحمه الله: لزمه قضاء ما أدى وكذلك الحج، حجة الشافعي رضي الله تعالى عنه قوله تعالى: {وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلـئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَـٰلُهُمْ } شرط في حبوط العمل أن يموت وهو كافر، وهذا الشخص لم يوجد في حقه هذا الشرط، فوجب أن لا يصير عمله محبطاً، فإن قيل: هذا معارض بقوله: {أية : وَلَوْ أَشْرَكُواْ لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } تفسير : [الأنعام: 88] وقوله: {أية : وَمَن يَكْفُرْ بِٱلإيمَـٰنِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ } تفسير : [المائدة: 5] لا يقال: حمل المطلق على المقيد واجب. لأنا نقول: ليس هذا من باب المطلق والمقيد، فإنهم أجمعوا على أن من علق حكماً بشرطين، وعلقه بشرط أن الحكم ينزل عند أيهما وجد، كمن قال لعبده: أنت حر إذا جاء يوم الخميس، أنت حر إذا جاء يوم الخميس والجمعة: لا يبطل واحد منهما، بل إذا جاء يوم الخميس عتق، ولو كان باعه فجاء يوم الخميس ولم يكن في ملكه، ثم اشتراه ثم جاء يوم الجمعة وهو في ملكه عتق بالتعليق الأول. والسؤال الثاني: عن التمسك بهذه الآية أن هذه الآية دلت على أن الموت على الردة شرط لمجموع الأحكام المذكورة في هذه الآية، ونحن نقول به فإن من جملة هذه الأحكام: الخلود في النار وذلك لا يثبت إلا مع هذا الشرط، وإنما الخلاف في حبط الأعمال، وليس في الآية دلالة على أن الموت على الردة شرط فيه. والجواب: أن هذا من باب المطلق والمقيد لا من باب التعليق بشرط واحد وبشرطين، لأن التعليق بشرط وبشرطين إنما يصح لو لم يكن تعليقه بكل واحد منهما مانعاً من تعليقه بالآخر، وفي مسألتنا لو جعلنا مجرد الردة مؤثراً في الحبوط لم يبق للموت على الردة أثر في الحبوط أصلاً في شيء من الأوقات، فعلمنا أن هذا ليس من باب التعليق بشرط وبشرطين بل من باب المطلق والمقيد. وأما السؤال الثاني: فجوابه أن الآية دلت على أن الردة إنما توجب الحبوط بشرط الموت على الردة، وإنما توجب الخلود في النار بشرط الموت على الردة، وعلى هذا التقدير فذلك السؤال ساقط. أما قوله تعالى: {فَأُوْلـئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَـٰلُهُمْ فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلأَخِرَةِ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: قال أهل اللغة أصل الحبط أن تأكل الإبل شيئاً يضرها فتعظم بطونها فتهلك وفي الحديث «حديث : وإن مما ينبت الربيع ما يقتل حبطاً أو يلم»تفسير : فسمى بطلان الأعمال بهذا لأنه كفساد الشيء بسبب ورود المفسد عليه. المسألة الثانية: المراد من إحباط العمل ليس هو إبطال نفس العمل، لأن العمل شيء كما وجد فني وزال، وإعدام المعدوم محال، ثم اختلف المتكلمون فيه، فقال المثبتون للإحباط والتكفير: المراد منه أن عقاب الردة الحادثة يزيل ثواب الإيمان السابق، إما بشرط الموازنة على ما هو مذهب أبـي هاشم وجمهور المتأخرين من المعتزلة أولاً بشرط الموازنة على ما هو مذهب أبـي علي، وقال المنكرون للإحباط بهذا المعنى المراد من الإحباط الوارد في كتاب الله هو أن المرتد إذا أتى بالردة فتلك الردة عمل محبط لأن الآتي بالردة كان يمكنه أن يأتي بدلها بعمل يستحق به ثواباً فإذا لم يأت بذلك العمل الجيد وأتى بدله بهذا العمل الرديء الذي لا يستفيد منه نفعاً بل يستفيد منه أعظم المضار يقال: إنه أحبط عمله أي أتى بعمل باطل ليس فيه فائدة بل فيه مضرة، ثم قال المنكرون للإحباط هذا الذي ذكرناه في تفسير الإحباط، إما أن يكون حقيقة في لفظ الإحباط، وإما أن لا يكون، فإن كان حقيقة فيه وجب المصير إليه، وإن كان مجازاً وجب المصير إليه، لأنا ذكرنا الدلائل القاطعة في مسألة أن الموافاة شرط في صحة الإيمان، على أن القول بأن أثر الفعل الحادث يزيل أثر الفعل السابق محال. المسألة الثالثة: أما حبوط الأعمال في الدنيا، فهو أنه يقتل عند الظفر به ويقاتل إلى أن يظفر به ولا يستحق من المؤمنين موالاة ولا نصراً ولا ثناء حسناً، وتبين زوجته منه ولا يستحق الميراث من المسلمين، ويجوز أن يكون المعنى في قوله: {حَبِطَتْ أَعْمَـٰلُهُمْ فِي ٱلدُّنْيَا } أن ما يريدونه بعد الردة من الإضرار بالمسلمين ومكايدتهم بالإنتقال عن دينهم يبطل كله، فلا يحصلون منه على شيء لإعزاز الله الإسلام بأنصاره فتكون الأعمال على هذا التأويل ما يعملونه بعد الردة، وأما حبوط أعمالهم في الآخرة فعند القائلين بالإحباط معناه أن هذه الردة تبطل استحقاقهم للثواب الذي استحقوه بأعمالهم السالفة، وعند المنكرين لذلك معناه: أنهم لا يستفيدون من تلك الردة ثواباً ونفعاً في الآخرة بل يستفيدون منها أعظم المضار، ثم بين كيفية تلك المضرة فقال تعالى: {وَأُوْلـئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ }.

القرطبي

تفسير : فيه ٱثنتا عشرة مسألة: الأُولى ـ قوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ} تقدّم القول فيه. وروى جرير بن عبد الحميد ومحمد بن فُضيل عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: ما رأيت قوماً خيراً من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، ما سألوه إلا عن ثلاث عشرة مسألة كلهنّ في القرآن: {أية : وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْمَحِيضِ}تفسير : [البقرة: 222]، «يسألونك عن الشهر الحرام»، {أية : وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْيَتَامَىٰ}تفسير : [البقرة: 220]؛ ما كانوا يسألون إلا عما ينفعهم. قال ٱبن عبد البر: ليس في الحديث من الثلاث عشرة مسألة إلا ثلاث. وروى أبو السوار عن جُنْدب بن عبد الله أن النبيّ صلى الله عليه وسلم بعث رهطاً وبعث عليهم أبا عبيدة بن الحارث أو عبيدة بن الحارث؛ فلما ذهب لينطلق بكى صبابة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فبعث عبدَ الله بن جَحْش، وكتب له كتاباً وأمره ألاّ يقرأ الكتاب حتى يبلغ مكان كذا وكذا، وقال: ولا تكرهنّ أصحابك على المسير؛ فلما بلغ المكان قرأ الكتاب فٱسترجع وقال: سمعاً وطاعةً لله ولرسوله، قال: فرجع رجلان ومضى بقيتهم، فلقوْا ابن الحَضْرمِيّ فقتلوه، ولم يدروا أن ذلك اليوم من رجب؛ فقال المشركون: قتلتم في الشهر الحرام؛ فأنزل الله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ} الآية. وروي أن سبب نزولها أن رجلين من بني كلاب لقيا عمرو بن أُميّة الضَّمْريّ وهو لا يعلم أنهما كانا عند النبيّ صلى الله عليه وسلم وذلك في أوّل يوم من رجب فقتلهما؛ فقالت قريش: قتلهما في الشهر الحرام؛ فنزلت الآية. والقول بأن نزولها في قصة عبد الله بن جحش أكثر وأشهر، وأن النبيّ صلى الله عليه وسلم بعثه مع تسعة رَهْط، وقيل ثمانية، في جمادى الآخرة قبل بَدْر بشهرين، وقيل في رجب. قال أبو عمر ـ في كتاب الدرر له ـ: ولَمَّا رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من طلب كُرْز ٱبن جابر ـ وتُعرف تلك الخرجة ببدر الأُولى ـ أقام بالمدينة بقية جمادى الآخرة ورجب، وبعث في رجب عبد الله بن جحش بن رئاب الأسدي ومعه ثمانية رجال من المهاجرين، وهم أبو حذيفة بن عُتبة، وعُكّاشة بن مِحْصَن، وعُتْبة بن غَزْوان، وسُهيل بن بَيْضاء الفهريّ، وسعد بن أبي وَقّاص، وعامر بن ربيعة، وواقد بن عبد الله التميمي، وخالد بن بُكير الليثيّ. وكتب لعبد الله بن جحش كتاباً، وأمره ألاّ ينظر فيه حتى يسير يومين ثم ينظر فيه (فيمضي لِمَا أمره به) ولا يسْتَكْرِه أحداً من أصحابه، وكان أميرهم، ففعل عبد الله بن جحش ما أمره به؛ فلما فتح الكتاب وقرأه وجد فيه: «إذا نظرت في كتابي هذا فٱمض حتى تنزل نَخْلة بين مكة والطّائف فتَرصَّدْ بها قريشاً، وتَعلَّمْ لنا من أخبارهم». فلما قرأ الكتاب قال: سمعاً وطاعةً؛ ثم أخبر أصحابه بذلك، وبأنه لا يستكره أحداً منهم، وأنه ناهضٌ لوجهه بمن أطاعه، وأنه إن لم يطعه أحد مضى وَحْدَه؛ فمن أحبّ الشهادة فلْيَنْهَضَ، ومن كره الموت فليرجع. فقالوا: كلنا نرغب فيما ترغب فيه، وما مِنّا أحدٌ إلا وهو سامعٌ مطيعٌ لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ونهضوا معه؛ فسلك على الحجاز، وشَرَد لسعد بن أبي وَقّاص وعُتْبة بن غَزْوان جمل كانا يعتقبانه فتخلفا في طلبه، ونَفَذ عبد الله بن جحش مع سائرهم لوجهه حتى نزل بنخلة؛ فمرّت بهم عِيرٌ لقريش تحمل زبيبا وتجارة فيها عمرو بن الحضرميّ ـ وٱسم الحضرميّ عبد الله بن عَبّاد من الصَّدَف، والصّدَف بطن من حضرموت ـ وعثمانُ بن عبد الله بن المغيرة، وأخوه نوفل بن عبد الله بن المغيرة المخزوميّان، والحَكَم بن كَيْسان مولى بني المغيرة؛ فتشاور المسلمون وقالوا: نحن في آخر يوم من رجب الشهر الحرام؛ فإن نحن قاتلناهم هتكنا حرمة الشهر الحرام: وإن تركناهم الليلة دخلوا الحَرَم؛ ثم ٱتفقوا على لقائهم، فرمى واقدُ بن عبد الله التميميُّ عمرو بن الحضرميّ فقتله، وأسروا عثمان بن عبد الله والحَكَم بن كَيْسان، وأَفْلَتَ نوفلُ بن عبد الله؛ ثم قدموا بالعِير والأسيرَين، وقال لهم عبد الله ابن جحش: ٱعزلوا مما غَنِمْنا الخمُس لرسول الله صلى الله عليه وسلم ففعلوا؛ فكان أوّل خُمُس في الإسلام، ثم نزل القرآن: {أية : وَٱعْلَمُوۤا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ}تفسير : [الأنفال: 41] فأقرّ الله ورسولُه فعلَ عبدِ الله بن جحش ورضيَه وسنّه للأُمة إلى يوم القيامة؛ وهي أوّل غنِيمة غنمت في الإسلام، وأوّل أمير، وعمرو بن الحضرميّ أوّل قتيل. وأنكر رسول الله صلى الله عليه وسلم قتل ٱبن الحضرميّ في الشهر الحرام، فسُقط في أيدي القوم؛ فأنزل الله عز وجل: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ} إلى قوله: {هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}. وقَبِل رسول الله صلى الله عليه وسلم الفِداء في الأسيرين؛ فأما عثمان بن عبد الله فمات بمكة كافراً، وأما الحَكَم بن كَيْسان فأسلم وأقام مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى استُشهد ببئر مَعُونَة، ورجع سعد وعتبة إلى المدينة سالمين. وقيل: إن ٱنطلاق سعد ٱبن أبي وَقّاص وعُتْبة في طلب بعيرهما كان عن إذْنٍ من عبد الله ابن جحش، وإن عمرو بن الحَضْرَميّ وأصحابه لما رأوا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم هابوهم؛ فقال عبد الله بن جحش: إن القوم قد فزِعوا منكم، فاحلِقوا رأس رجل منكم فليتعرّض لهم، فإذا رأُوْهُ محلوقاً أمنوا وقالوا: قوم عُمّار لا بأس عليكم، وتشاوروا في قتالهم، الحديث. وتفاءلت اليهود وقالوا: واقدٌ وقَدَتِ الحربُ، وعمرُو عمرت الحربُ، والحضرميّ حضرت الحربُ. وبعث أهل مكة في فداء أسيريهم؛ فقال: لا نُفْديهما حتى يَقْدَم سعدٌ وعتبة، وإن لم يَقْدَما قتلناهما بهما؛ فلما قَدِما فاداهما؛ فأما الحكمَ فأسلم وأقام بالمدينة حتى قُتل يوم بئر مَعُونَة شهيداً، وأما عثمان فرجع إلى مكة فمات بها كافراً، وأما نوفل فضرب بطن فرسه يوم الأحزاب ليدخل الخَنْدق على المسلمين فوقع في الخندق مع فرسه فتحطّما جميعاً فقتله الله تعالى؛ وطلب المشركون جيفته بالثمن، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : خذوه فإنه خبيث الجيفة خبيث الدِّية» تفسير : فهذا سبب نزول قوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ}. وذكر ٱبن إسحاق أن قَتْل عمرو بن الحضرميّ كان في آخر يوم من رجب؛ على ما تقدّم. وذكر الطبريّ عن السُّديّ وغيره أن ذلك كان في آخر يوم من جمادى الآخرة، والأوّل أشهر؛ على أن ٱبن عباس قد ورد عنه أن ذلك كان في أوّل ليلة من رجب، والمسلمون يظنونها من جمادى. قال ٱبن عطية: وذكر الصاحب بن عَبّاد في رسالته المعروفة بالأسدية أن عبد الله بن جحش سُمِّي أمير المؤمنين في ذلك الوقت لكونه مؤمّراً على جماعة من المؤمنين. الثانية ـ وٱختلف العلماء في نسخ هذه الآية؛ فالجمهور على نسخها، وأن قتال المشركين في الأشهر الحُرُم مباح. وٱختلفوا في ناسخها؛ فقال الزهريّ: نسخها {أية : وَقَاتِلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً} تفسير : [التوبة: 36]. وقيل: نَسَخها غَزْوُ النبيّ صلى الله عليه وسلم ثَقِيفاً في الشهر الحرام، وإغزاؤه أبا عامر إلى أَوْطَاس في الشهر الحرام. وقيل: نَسَخها بيعة الرِّضوان على القتال في ذي القعدة، وهذا ضعيف؛ فإن النبيّ صلى الله عليه وسلم لما بلغه قتل عثمان بمكة وأنهم عازمون على حربه بايع حينئذ المسلمين على دفعهم لا على الابتداء بقتالهم. وذكر البيهقيّ عن عُروة بن الزبير من غير حديث محمد بن إسحاق في أثر قصة الحضرميّ: فأنزل الله عز وجل {يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ} الآية، قال: فحدّثهم الله في كتابه أن القتال في الشهر الحرام حرام كما كان، وأن الذي يستحلّون من المؤمنين هو أكبر من ذلك من صدّهم عن سبيل الله حين يسجنونهم ويعذّبونهم ويحبسونهم أن يهاجروا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكفرهم بالله وصدّهم المسلمين عن المسجد الحرام في الحج والعُمْرة والصلاة فيه، وإخراجهم أهل المسجد الحرام وهم سُكّانه من المسلمين، وفتنتهم إيّاهم عن الدِّين؛ فبلغنا أن النبيّ صلى الله عليه وسلم عَقَل ٱبنَ الحَضَرْميّ وحرم الشهر الحرام كما كان يحرّمه، حتى أنزل الله عز وجل: {أية : بَرَآءَةٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ} تفسير : [التوبة: 1]. وكان عطاء يقول: الآية مُحْكَمة، ولا يجوز القتال في الأشهر الحُرُم، ويحلف على ذلك؛ لأن الآيات التي وردت بعدها عامة في الأزمنة، وهذا خاص والعام لا ينسخ الخاص باتفاق. وروى أبو الزبير عن جابر قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يقاتل في الشهر الحرام إلا أن يُغْزَى. الثالثة ـ قوله تعالى: {قِتَالٍ فِيهِ} «قتال» بدل عند سيبويه بدل ٱشتمال، لأن السؤال ٱشتمل على الشهر وعلى القتال، أي يسألك الكفار تَعجُّباً من هتك حُرْمة الشهر، فسؤالهم عن الشهر إنما كان لأجل القتال فيه. قال الزجاج: المعنى يسألونك عن القتال في الشهر الحرام. وقال القُتَبيّ: يسألونك عن القتال في الشهر الحرام هل يجوز؟ فأبدل قتالا من الشهر؛ وأنشد سيبويه:شعر : فما كان قيسٌ هُلْكُه هُلْكَ واحدٍ ولكنه بُنيانُ قومٍ تَهدَّمَا تفسير : وقرأ عكرمة «يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قَتْلٍ فيه قُلْ قتلٌ» بغير ألف فيهما. وقيل: المعنى يسألونك عن الشهر الحرام وعن قتال فيه؛ وهكذا قرأ ٱبن مسعود؛ فيكون مخفوضاً بعن على التّكرير، قاله الكسائيّ. وقال الفرّاء: هو مخفوض على نية عن. وقال أبو عبيدة: هو مخفوض على الجوار. قال النحاس: لا يجوز أن يُعربَ الشيء على الجوار في كتاب الله ولا في شيء من الكلام، وإنما الجوار غلط؛ وإنما وقع في شيء شاذ، وهو قولهم: هذا جُحْرُ ضَبٍّ خَرِبٍ؛ والدليل على أنه غلط قول العرب في التّثنية: هذان: حجرا ضَبّ خَرِبان، وإنما هذا بمنزلة الإقواء، ولا يجوز أن يحمل شيء من كتاب الله على هذا، ولا يكون إلا بأفصح اللغات وأصحها. قال ٱبن عطية: وقال أبو عبيدة: هو خفض على الجوار؛ وقوله هذا خطأ. قال النحاس: ولا يجوز إضمار عن؛ والقول فيه أنه بدل. وقرأ الأعرج «يَسْأَلُونكَ عَنِ الشَّهْرِ الحرام قتالٌ فيه» بالرفع. قال النحاس: وهو غامض في العربية، والمعنى فيه يسألونك عن الشهر الحرام أجائز قتال فيه؟ فقوله: «يسألونك» يدل على الاستفهام؛ كما قال ٱمرؤ القيس:شعر : أَصاحِ تَرى بَرْقاً أُرِيكَ وَمِيضَه كَلَمْعِ اليدَيْن في حَبيٍّ مُكَلَّلِ تفسير : والمعنى: أترى برقاً، فحذف ألف الاستفهام؛ لأن الألف التي في «أصاح» تدل عليها وإن كانت حرف نداء؛ كما قال الشاعر:شعر : تَـرُوحُ مِـن الحَـيّ أم تَبْتَكِـر تفسير : والمعنى: أتروح؛ فحذف الألف لأن أم تدل عليها. الرابعة ـ قوله تعالى: {قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ} ٱبتداء وخبر، أي مستنكر؛ لأن تحريم القتال في الشهر الحرام كان ثابتاً يومئذ إذ كان الابتداء من المسلمين. والشهر في الآية ٱسم جنس، وكانت العرب قد جعل الله لها الشهر الحرام قواماً تعتدل عنده، فكانت لا تسفك دماً، ولا تُغير في الأشهر الحُرُم، وهي رجب وذو القَعدة وذو الحجة والمحرّم؛ ثلاثة سَرْد وواحد فَرْد. وسيأتي لهذا مزيد بيان في «المائدة» إن شاء الله تعالى. الخامسة ـ قوله تعالى: {وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ} ٱبتداء {وَكُفْرٌ بِهِ} عطف على «صدّ» {وَٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ} عطف على سبِيلِ اللَّهِ {وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ} عطف على صدّ، وخبر الابتداء {أَكْبَرُ عِندَ ٱللَّهِ} أي أعظم إثما من القتال في الشهر الحرام؛ قاله المَبرّد وغيره. وهو الصحيح، لطول منع الناس عن الكعبة أن يطاف بها. «وكُفْرٌ بِهِ» أي بالله، وقيل: «وكُفْرٌ بِهِ» أي بالحج والمسجد الحرام. «وَإخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ» أي أعظم عقوبة عند الله من القتال في الشهر الحرام. وقال الفرّاء: «صدّ» عطف على «كبير». «والمسجد» عطف على الهاء في «به»؛ فيكون الكلام نسقاً متصلاً غير منقطع. قال ٱبن عطية: وذلك خطأ؛ لأن المعنى يسوق إلى أن قوله: «وكفر به» أي بالله عطف أيضاً على «كبير»، ويجيء من ذلك أن إخراج أهل المسجد منه أكبر من الكفر عند الله، وهذا بيَّن فساده. ومعنى الآية على قول الجمهور: إنكم يا كفار قريش تستعظمون علينا القتال في الشهر الحرام، وما تفعلون أنتم من الصدّ عن سبيل الله لمن أراد الإسلام، ومن كفركم بالله وإخراجكم أهلَ المسجد منه؛ كما فعلتم برسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه أكبر جُرْماً عند الله. وقال عبد الله بن جَحش رضي الله عنه:شعر : تَعُدُّون قَتْلاً في الحرام عظيمةً وأعظمُ منه لو يَرَى الرُّشدَ راشِدُ صُدُودكُمُ عما يقول مُحمّدٌ وكُفرٌ به واللَّهُ راءٍ وشاهدُ وإخراجكم من مسجد اللَّه أهلَه لئلا يُرى للَّه في البيت ساجدُ فإنّا وإنْ عيّرتمونا بقَتْله وأرجفَ بالإسلام باغ وحاسدُ سَقْيَنا من ٱبنِ الحَضَرْميّ رماحنا بنَخْلَةَ لمّا أوْقَد الحَربَ واقدُ دَماً وٱبنُ عبد الله عثمان بيننا يُنازعه غُلٌّ من القِدِّ عانِدُ تفسير : وقال الزهريّ ومجاهد وغيرهما: قوله تعالى: «قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ» منسوخ بقوله: {أية : وَقَاتِلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً} تفسير : [التوبة: 36] وبقوله: {أية : فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ}تفسير : [التوبة: 5]. وقال عطاء: لم ينسخ، ولا ينبغي القتال في الأشهر الحرم؛ وقد تقدّم. السادسة ـ قوله تعالى: {وَٱلْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ ٱلْقَتْلِ} قال مجاهد وغيره: الفتنة هنا الكفر، أي كفركم أكبر من قتلنا أُولئك. وقال الجمهور: معنى الفتنة هنا فتنتهم المسلمين عن دينهم حتى يهلكوا، أي أن ذلك أشد اجتراماً من قتلكم في الشهر الحرام. السابعة ـ قوله تعالى: {وَلاَ يَزَالُونَ} ٱبتداء خبر من الله تعالى، وتحذير منه للمؤمنين من شرّ الكفرة. قال مجاهد: يعني كفار قريش. و «يردوكم» نصب بحتى، لأنها غاية مجرّدة. الثامنة ـ قوله تعالى: {وَمَن يَرْتَدِدْ} أي يرجع عن الإسلام إلى الكفر {فَأُوْلۤـٰئِكَ حَبِطَتْ} أي بطلت وفسدت؛ ومنه الحبَطَ وهو فساد يلحق المواشي في بطونها من كثرة أكلها الكلأَ فتنتفخ أجوافها، وربمّا تموت من ذلك؛ فالآية تهديد للمسلمين ليثبتوا على دين الإسلام. التاسعة ـ وٱختلف العلماء في المرتدّ هل يستتاب أم لا؟ وهل يحبط عمله بنفس الردّة أم لا، إلا على الموافاة على الكفر؟ وهل يورث أم لا؟ فهذه ثلاث مسائل: الأُولى ـ قالت طائفة: يُستتاب، فإن تاب وإلا قُتل؛ وقال بعضهم: ساعة واحدة. وقال آخرون: يستتاب شهراً. وقال آخرون: يستتاب ثلاثاً، على ما رُوي عن عمر وعثمان، وهو قول مالك رواه عنه ٱبن القاسم. وقال الحسن: يستتاب مائة مرة، وقد رُوي عنه أنه يقتل دون ٱستتابة، وبه قال الشافعيّ في أحد قوليه، وهو أحد قولي طاوس وعُبيد بن عُمير. وذكر سُحْنون أن عبد العزيز بن أبي سَلَمة الماجِشُون كان يقول: يقتل المرتد ولا يستتاب؛ وٱحتج بحديث معاذ وأبي موسى، وفيه: أن النبيّ صلى الله عليه وسلم لما بعث أبا موسى إلى اليمن أتبعه معاذَ بن جبل فلما قدِم عليه قال: ٱنزل، وألقى إليه وسادة، وإذا رجل عنده مُوثَق، قال: ما هذا؟ قال: هذا كان يهودياً فأسلم ثم راجع دينه دين السّوء فتهوّد. قال: لا أجلس حتى يُقتل، قضاءُ الله ورسوله؛ فقال: ٱجلس. قال: (نعم) لا أجلس حتى يُقتل، قضاءُ الله ورسولِه ـ ثلاث مرات ـ فأمَر به فقُتل؛ خرجّه مسلم وغيره. وذكر أبو يوسف عن أبي حنيفة أن المرتدّ يُعرض عليه الإسلام فإن أسلم وإلا قُتل مكانه، إلا أن يطلب أن يُؤجَّل، فإن طلب ذلك أُجِّل ثلاثة أيام؛ والمشهور عنه وعن أصحابه أن المرتدّ لا يقتل حتى يستتاب. والزنديق عندهم والمرتدّ سواء. وقال مالك: وتقتل الزنادقة ولا يستتابون. وقد مضى هذا أوّل «البقرة». وٱختلفوا فيمن خرج من كفر إلى كفر؛ فقال مالك وجمهور الفقهاء: لا يُتعرّض له؛ لأنه ٱنتقل إلى ما لو كان عليه في الابتداء لأقرّ عليه. وحكى ٱبن عبد الحكم عن الشافعيّ أنه يقتل؛ لقوله عليه السلام: «حديث : من بدّل دينه فٱقتلوه»تفسير : ولم يخص مسلماً من كافر. وقال مالك: معنى الحديث من خرج من الإسلام إلى الكفر، وأمّا من خرج من كفر إلى كفر فلم يُعن بهذا الحديث؛ وهو قول جماعة من الفقهاء. والمشهور عن الشافعي ما ذكره المُزَنِيّ والربيع أن المبدِّل لدينه من أهل الذِّمة يُلحقه الإمام بأرض الحرب ويُخرجه من بلده ويستحلّ ماله مع أموال الحربيّين إن غلب على الدار؛ لأنه إنما جَعل له الذِّمة على الدِّين الذي كان عليه في حين عقد العهد. وٱختلفوا في المرتدّة؛ فقال مالك والأُوزاعيّ والشافعيّ والليث بن سعد: تُقتل كما يُقتل المرتدّ سواء؛ وحجتهم ظاهر الحديث: «حديث : من بدّل دينه فٱقتلوه»تفسير : . و «مَن» يصلح للذّكرَ والأُنثى. وقال الثوريّ وأبو حنيفة وأصحابه: لا تقتل المرتدّة؛ وهو قول ٱبن شُبْرُمة، وإليه ذهب ٱبن عُلَيَّة، وهو قول عطاء والحسن. وٱحتجوا بأن ٱبن عباس روى عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : من بدّل دينه فٱقتلوه»تفسير : ثم إن ٱبن عباس لم يَقتل المرتدّة، ومن روى حديثاً كان أعلم بتأويله؛ ورُوي عن عليّ مثله. ونَهى صلى الله عليه وسلم عن قتل النساء والصبيان. وٱحتج الأوّلون بقوله عليه السلام: «حديث : لا يحل دم ٱمرىء مسلم إلا بإحدى ثلاث كفر بعد إيمان»تفسير : فعمّ كل من كفر بعد إيمانه؛ وهو أصح. العاشرة ـ قال الشافعيّ: إن من ٱرتدّ ثم عاد إلى الإسلام لم يَحبط عمله ولا حَجَّه الذي فرغ منه؛ بل إن مات على الردّة فحينئذ تَحبط أعماله. وقال مالك: تحبط بنفس الردّة؛ ويظهر الخلاف في المسلم إذا حج ثم ٱرتدّ ثم أسلم؛ فقال مالك: يلزمه الحج، لأن الأوّل قد حبط بالردّة. وقال الشافعيّ: لا إعادة عليه، لأن عمله باق. وٱستظهر علماؤنا بقوله تعالى: {أية : لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ} تفسير : [الزمر: 65]. قالوا: وهو خطاب للنبيّ صلى الله عليه وسلم والمراد أُمته؛ لأنه عليه السلام يستحيل منه الردّة شرعاً. وقال أصحاب الشافعيّ: بل هو خطاب النبيّ صلى الله عليه وسلم على طريق التغليظ على الأُمة، وبيان أن النبيّ صلى الله عليه وسلم على شرف منزلته لو أشرك لحبط عمله؛ فكيف أنتم! لكنه لا يشرك لفضل مرتبته؛ كما قال: {أية : يٰنِسَآءَ ٱلنَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا ٱلْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ} تفسير : [الأحزاب: 30] وذلك لشرف منزلتهنّ؛ وإلا فلا يتصوّر إتيان منهنّ صيانة لزوجهنّ المُكَرّم المُعَظَّم؛ ٱبن العربي. وقال علماؤنا: إنما ذكر الله الموافاة شرطاً هٰهنا لأنه علّق عليها الخلود في النار جزاء؛ فمن وافَى على الكفر خلّده الله في النار بهذه الآية، ومن أشرك حَبط عمله بالآية الأُخرى، فهما آيتان مفيدتان لمعنيين وحكمين متغايرين. وما خوطب به عليه السلام فهو لأُمته حتى يثبت ٱختصاصه، وما ورد في أزواجه فإنما قيل ذلك فيهنّ ليُبيِّن أنه لو تُصوّر لكان هَتْكان أحدهما لحُرْمة الدِّين، والثاني لحرمة النبيّ صلى الله عليه وسلم، ولكلِّ هَتْكِ حُرْمَةٍ عقابٌ؛ وينزّل ذلك منزلة من عصى في الشهر الحرام أو في البلد الحرام أو في المسجد الحرام، يضاعف عليه العذاب بعدد ما هتك من الحرمات. والله أعلم. الحادية عشرة ـ وهي ٱختلاف العلماء في ميراث المرتدّ؛ فقال عليّ بن أبي طالب والحسن والشَّعبيّ والحَكَم واللَّيث وأبو حنيفة وإسحاق بن رَاهْوَيْه: ميراث المرتدّ لورثته من المسلمين. وقال مالك وربيعة وٱبن أبي لَيْلَى والشافعيّ وأبو ثور: ميراثه في بيت المال. وقال ابن شُبْرُمَة وأبو يوسف ومحمد والأُوزاعيّ في إحدى الروايتين: ما ٱكتسبه المرتدّ بعد الردّة فهو لورثته المسلمين. وقال أبو حنيفة: ما ٱكتسبه المرتدّ في حال الردّة فهو فَيْءٌ، وما كان مكتَسباً في حالة الإسلام ثم ٱرتدّ يرثه ورثته المسلمون؛ وأما ٱبن شُبْرُمَةَ وأبو يوسف ومحمد فلا يُفصِّلون بين الأمرين؛ ومطلق قوله عليه السلام: «حديث : لا وِراثة بين أهل مُلَّتين» تفسير : يدل على بطلان قولهم. وأجمعوا على أن ورثته من الكفار لا يرثونه، سوى عمر بن عبد العزيز فإنه قال: يرثونه. الثانية عشرة ـ قوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ} الآية. قال جُندُب ابن عبد الله وعُروة بن الزّبير وغيرهما: لمّا قَتَل واقدُ بن عبد الله التميميّ عمرو بن الحضرميّ في الشهر الحرام تَوقَّف رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عن أخذ خُمُسه الذي وُفِّق في فرضه له عبدُ الله ابن جحش وفي الأسيرين، فعنّف المسلمون عبدَ الله بن جحش وأصحابه حتى شَقَّ ذلك عليهم، فتلافاهم الله عزّ وجلّ بهذه الآية في الشهر الحرام وفرّج عنهم، وأخبر أن لهم ثواب من هاجر وغزا، فالإشارة إليهم في قوله: «إِن الَّذِينَ آمَنُوا» ثم هي باقية في كلّ من فعل ما ذكره الله عز وجل. وقيل: إن لم يكونوا أصابوا وِزْراً فليس لهم أجر؛ فأنزل الله: {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ} إلى آخر الآية. والهجرة معناها الانتقال من موضع إلى موضع، وقصدُ ترك الأوّل إيثاراً للثاني. والهَجْر ضدّ الوصل. وقد هَجره هَجْراً وهِجراناً، والاسم الهِجْرة. والمهاجرة من أرض إلى أرض تركُ الأُولى للثانية. والتَّهاجُر التّقاطع. ومن قال: المهاجرة الانتقال من البادية إلى الحاضرة فقد أوهم؛ بسبب أن ذلك كان الأغلب في العرب، وليس أهل مكة مهاجرين على قوله. «وجاهد» مفاعلة مِن جَهَد إذا ٱستخرج الجهد، مجاهدة وجِهاداً. والاجتهاد والتجاهد: بذل الوسع والمجهود. والجَهاد (بالفتح): الأرض الصُّلبة. «ويرجون» معناه يطمعون ويستقربون. وإنما قال «يرجون» وقد مدحهم لأنه لا يعلم أحد في هذه الدنيا أنه صائر إلى الجنة ولو بلغ في طاعة الله كلَّ مبلغ، لأمرين: أحدهما ـ لا يدري بما يُختم له. والثاني ـ لئلا يتّكل على عمله؛ والرجاء يَنْعَمُّ، والرجاء أبدا معه خوف ولا بُدّ، كما أن الخوف معه رجاء. والرجاء من الأمل ممدود؛ يقال: رَجَوت فلاناً رَجْوا ورَجَاء ورَجَاوة، يقال: ما أتيتك إلا رَجَاوَةَ الخير. وترجّيته وٱرْتَجيته ورَجّيته وكله بمعنَى رَجَوته، قال بِشرٌ يخاطب بنته:شعر : فَرَجِّي الخيرَ وٱنتظرِي إيابي إذا ما القارِظُ العَنَزِيُّ آبَا تفسير : ومالي في فلان رِجيَّة، أي ما أرجو. وقد يكون الرَّجْو والرجاء بمعنى الخوف، قال الله تعالى: {أية : مَّا لَكُمْ لاَ تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً} تفسير : [نوح: 13] أي لا تخافون عظمةَ الله؛ قال أبو ذُؤَيب:شعر : إذا لسعته النّحلُ لم يَرْجُ لَسْعَها وخالفَهَا في بَيت نُوبٍ عوامِلِ تفسير : أي لم يَخَفْ ولم يُبالِ. والرجا ـ مقصور ـ: ناحية البئر وحافتاها، وكل ناحيةٍ رَجاً. والعَوَام من الناس يخطئون في قولهم: يا عظيمَ الرّجَا؛ فيَقْصُرون ولا يمدّون.

ابن كثير

تفسير : قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي، حدثنا المعتمر بن سليمان عن أبيه، حدثني الحضرمي عن أبي السوار، عن جندب بن عبد الله، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث رهطاً، وبعث عليهم أبا عبيدة بن الجراح، فلما ذهب ينطلق، بكى صبابة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فحبسه، فبعث عليهم مكانه عبد الله بن جحش، وكتب له كتاباً، وأمره أن لا يقرأ الكتاب حتى يبلغ مكان كذا وكذا، وقال: «حديث : لا تكرهن أحداً على السير معك من أصحابك»تفسير : فلما قرأ الكتاب استرجع، وقال: سمعاً وطاعة لله ولرسوله، فخبرهم الخبر، وقرأ عليهم الكتاب، فرجع رجلان، وبقي بقيتهم، فلقوا ابن الحضرمي فقتلوه، ولم يدروا أن ذلك اليوم من رجب أو من جمادى، فقال المشركون للمسلمين: قتلتم في الشهر الحرام، فأنزل الله: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ} الآية، وقال السدي عن أبي مالك وعن أبي صالح، عن ابن عباس وعن مرة عن ابن مسعود: {يَسْـأَلُونَكَ عَنِ ٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ} الآية، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث سرية، وكانوا سبعة نفر، عليهم عبد الله بن جحش الأسدي، وفيهم عمار بن ياسر وأبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة وسعد بن أبي وقاص وعتبة بن غزوان السلمي حليف لبني نوفل، وسهيل بن بيضاء وعامر بن فهيرة وواقد بن عبد الله اليربوعي حليف لعمر بن الخطاب، وكتب لابن جحش كتاباً، وأمره أن لا يقرأه حتى ينزل بطن ملل، فلما نزل بطن ملل، فتح الكتاب، فإذا فيه أن: «حديث : سر حتى تنزل بطن نخلة»تفسير : فقال لأصحابه: من كان يريد الموت فليمض وليوص، فإنني موص وماض لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فسار، فتخلف عنه سعد بن أبي وقاص وعتبة، أضلا راحلة لهما، فتخلفا يطلبانها، وسار ابن جحش إلى بطن نخلة، فإذا هو بالحكم بن كيسان، وعثمان بن عبد الله بن المغيرة، وانفلت المغيرة وقتل عمرو، قتله واقد بن عبد الله، فكانت أولى غنيمة غنمها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما رجعوا إلى المدينة بأسيرين وما أصابوا من المال، أراد أهل مكة أن يفادوا الأسيرين فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : حتى ننظر ما فعل صاحبانا»تفسير : فلما رجع سعد وصاحبه، فادى بالأسيرين ففجر عليه المشركون، وقالوا: إن محمداً يزعم أنه يتبع طاعة الله، وهو أول من استحل الشهر الحرام، وقتل صاحبنا في رجب، فقال المسلمون: إنما قتلناه في جمادى، وقيل في أول ليلة من رجب، وآخر ليلة من جمادى، وغمد المسلمون سيوفهم حين دخل شهر رجب، وأنزل الله يعير أهل مكة {يَسْـأَلُونَكَ عَنِ ٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ} لا يحل، وما صنعتم أنتم يا معشر المشركين أكبر من القتل في الشهر الحرام حين كفرتم بالله وصددتم عن محمداً صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وإخراج أهل المسجد الحرام منه حين أخرجوا محمداً صلى الله عليه وسلم وأصحابه أكبر من القتل عند الله. وقال العوفي عن ابن عباس: {يَسْـأَلُونَكَ عَنِ ٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ} وذلك أن المشركين صدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وردوه عن المسجد في شهر حرام، قال: ففتح الله على نبيه في شهر حرام من العام المقبل، فعاب المشركون على رسول الله صلى الله عليه وسلم القتال في شهر حرام، فقال الله: {وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ ٱللَّهِ} من القتال فيه، وأن محمداً صلى الله عليه وسلم بعث سرية، فلقوا عمرو بن الحضرمي، وهو مقبل من الطائف في آخر ليلة من جمادى وأول ليلة من رجب، وأن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم كانوا يظنون أن تلك الليلة من جمادى، وكانت أول رجب، ولم يشعروا، فقتله رجل منهم، وأخذوا ما كان معه، وإن المشركين أرسلوا يعيرونه بذلك، فقال الله تعالى: {يَسْـأَلُونَكَ عَنِ ٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ ٱللَّهِ} إخراج أهل المسجد الحرام أكبر من الذي أصاب أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم والشرك أشد منه، وهكذا روى أبو سعيد البقال عن عكرمة، عن ابن عباس، أنها نزلت في سرية عبد الله بن جحش، وقتل عمرو بن الحضرمي. وقال محمد بن إسحاق: حدثني محمد بن السائب الكلبي عن أبي صالح، عن ابن عباس، وقال: نزل فيما كان من مصاب عمرو بن الحضرمي: {يَسْـأَلُونَكَ عَنِ ٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ} إلى آخر الآية، وقال عبد الملك ابن هشام راوي السيرة، عن زياد بن عبد الله البكائي، عن محمد بن إسحاق بن يسار المدني رحمه الله، في كتاب السيرة له، أنه قال: وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن جحش بن رئاب الأسدي في رجب مقفله من بدر الأولى، وبعث معه ثمانية رهط من المهاجرين، ليس فيهم من الأنصار أحد، وكتب له كتاباً، وأمره أن لا ينظر فيه حتى يسير يومين، ثم ينظر فيه فيمضي كما أمره به، ولا يستكره من أصحابه أحداً، وكان أصحاب عبد الله بن جحش من المهاجرين، ثم من بني عبد شمس بن عبد مناف أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف، ومن حلفائهم: عبد الله بن جحش، وهو أمير القوم، وعكاشة بن محصن أحد بني أسد بن خزيمة حليف لهم، ومن بني نوفل بن عبد مناف عتبة بن غزوان بن جابر حليف لهم، ومن بني زهرة بن كلاب سعد بن أبي وقاص، ومن بني كعب عدي بن عامر بن ربيعة، حليف لهم، من عنز بن وائل، وواقد بن عبد الله بن عبد مناف بن عرين بن ثعلبة بن يربوع، أحد بني تميم، حليف لهم، وخالد بن البكير أحد بني سعد بن ليث، حليف لهم، ومن بني الحارث بن فهر سهيل بن بيضاء، فلما سار عبد الله بن جحش يومين، فتح الكتاب، فنظر فإذا فيه: إذا نظرت في كتابي هذا، فامض حتى تنزل نخلة بين مكة والطائف ترصد بها قريشاً، وتعلم لنا من أخبارهم، فلما نظر عبد الله بن جحش الكتاب، قال: سمعاً وطاعة، ثم قال لأصحابه: قد أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أمضي إلى نخلة أرصد بها قريشاً حتى آتيه منهم بخبر، وقد نهاني أن أستكره أحداً منكم، فمن كان منكم يريد الشهادة ويرغب فيها فلينطلق، ومن كره ذلك فليرجع، فأما أنا فماض لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فمضى معه أصحابه، لم يتخلف عنه منهم أحد، فسلك على الحجاز، حتى إذا كان بمعدن فوق الفرع يقال له بُحْران، أضلّ سعد بن أبي وقاص وعتبة بن غزوان بعيراً لهما كانا يعتقبانه فتخلفا عليه في طلبه، ومضى عبد الله بن جحش وبقية أصحابه حتى نزل نخلة، فمرت به عير لقريش تحمل زبيباً وأدماً وتجارة من تجارة قريش، فيها عمرو بن الحضرمي، واسم الحضرمي عبد الله بن عباد أحد الصدف، وعثمان بن عبد الله بن المغيرة، وأخوه نوفل بن عبد الله المخزوميان، والحكم بن كيسان مولى هشام بن المغيرة، فلما رآهم القوم هابوهم، وقد نزلوا قريباً منهم، فأشرف لهم عكاشة بن محصن، وكان قد حلق رأسه، فلما رأوه أمنوا وقالوا: عُمَّار لا بأس عليكم منهم، وتشاور القوم فيهم، وذلك في آخر يوم من رجب، فقال القوم: والله لئن تركتم القوم هذه الليلة ليدخلن الحرم، فليمتنعن منكم، ولئن قتلتموهم لتقتلنهم في الشهر الحرام، فتردد القوم، وهابوا الإقدام عليهم، ثم شجعوا أنفسهم عليهم، وأجمعوا على قتل من قدروا عليه منهم وأخذ ما معهم، فرمى واقد بن عبد الله التميمي عمرو بن الحضرمي بسهم فقتله، واستأسر عثمان بن عبد الله والحكم بن كيسان، وأفلت من القوم نوفل بن عبد الله فأعجزهم، وأقبل عبد الله بن جحش وأصحابه بالعير والأسيرين حتى قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، قال ابن إسحاق: وقد ذكر بعض آل عبد الله بن جحش أن عبد الله قال لأصحابه: إن لرسول الله صلى الله عليه وسلم مما غنمنا الخمس، وذلك قبل أن يفرض الله الخمس من المغانم، فعزل لرسول الله صلى الله عليه وسلم خمس العير، وقسم سائرها بين أصحابه، قال ابن إسحاق: فلما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : ما أمرتكم بقتال في الشهر الحرام»تفسير : فوقف العير والأسيرين، وأبى أن يأخذ من ذلك شيئاً، فلما قال ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم أسقط في أيدي القوم، وظنوا أنهم قد هلكوا، وعنفهم إخوانهم من المسلمين فيما صنعوا، وقالت قريش: قد استحل محمد وأصحابه الشهر الحرام، وسفكوا فيه الدم، وأخذوا فيه الأموال، وأسروا فيه الرجال؛ فقال من يرد عليه من المسلمين ممن كان بمكة: إنما أصابوا ما أصابوا في شعبان. وقالت اليهود تفاءلوا بذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم: عمرو بن الحضرمي قتله واقد بن عبد الله، عمرو: عمرت الحرب، والحضرمي: حضرت الحرب، وواقد بن عبد الله: وقدت الحرب، فجعل الله عليهم ذلك، لا لهم، فلما أكثر الناس في ذلك، أنزل الله على رسول الله صلى الله عليه وسلم {يَسْـأَلُونَكَ عَنِ ٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ ٱللَّهِ وَٱلْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ ٱلْقَتْلِ} أي: إن كنتم قتلتم في الشهر الحرام، فقد صدوكم عن سبيل الله مع الكفر به، وعن المسجد الحرام، وإخراجكم منه وأنتم أهله {أَكْبَرُ عِندَ ٱللَّهِ} من قتل من قتلتم منهم {وَٱلْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ ٱلْقَتْلِ} أي: قد كانوا يفتنون المسلم في دينه حتى يردوه إلى الكفر بعد إيمانه، فذلك أكبر عند الله من القتل {وَلاَ يَزَالُونَ يُقَـٰتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ ٱسْتَطَاعُواْ} أي: ثم هم مقيمون على أخبث ذلك وأعظمه، غير تائبين ولا نازعين. قال ابن إسحاق: فلما نزل القرآن بهذا الأمر، وفرج الله عن المسلمين ما كانوا فيه من الشدة، قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله العير والأسيرين، وبعثت إليه قريش في فداء عثمان بن عبد الله والحكم بن كيسان، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا نفديكموهما حتى يقدم صاحبانا»تفسير : يعني: سعد بن أبي وقاص، وعتبة بن غزوان، «فإنا نخشاكم عليهما، فإن تقتلوهما نقتل صاحبيكم» فقدم سعد وعتبة، ففداهما رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم، فأما الحكم بن كيسان فأسلم وحسن إسلامه، وأقام عند رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قتل يوم بئر معونة شهيداً، وأما عثمان بن عبد الله، فلحق بمكة، فمات بها كافراً. قال ابن إسحاق: فلما تجلى عن عبد الله بن جحش وأصحابه ما كان حين نزل القرآن، طمعوا في الأجر، فقالوا: يا رسول الله أنطمع أن تكون لنا غزوة نعطى فيها أجر المجاهدين؟ فأنزل الله عز وجل: { إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ وَجَـٰهَدُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أُوْلـٰئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} فوضعهم الله من ذلك على أعظم الرجاء. قال ابن إسحاق: والحديث في هذا عن الزهري ويزيد بن رومان، عن عروة. وقد روى يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق، عن يزيد بن رومان، عن عروة بن الزبير قريباً من هذا السياق، وروى موسى بن عقبة، عن الزهري نفسه نحو ذلك، وروى شعيب بن أبي حمزة عن الزهري عن عروة بن الزبير نحواً من هذا أيضاً، وفيه: فكان ابن الحضرمي أول قتيل قتل بين المسلمين والمشركين، فركب وفد من كفار قريش حتى قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة، فقالوا: أيحل القتال في الشهر الحرام؟ فأنزل الله: {يَسْـأَلُونَكَ عَنِ ٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ} الآية، وقد استقصى ذلك الحافظ أبو بكر البيهقي في كتاب دلائل النبوة، ثم قال ابن هشام، عن زياد، عن ابن إسحاق: وقد ذكر عن بعض آل عبد الله أن عبد الله قسم الفيء بين أهله، فجعل أربعة أخماسه لمن أفاءه، وخمساً على الله ورسوله، فوقع على ما كان عبد الله ابن جحش صنع في تلك العير. قال ابن هشام: وهي أول غنيمة غنمها المسلمون، وعمرو بن الحضرمي أول من قتل المسلمون، وعثمان بن عبد الله والحكم بن كيسان أول من أسر المسلمون. قال ابن إسحاق: فقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه في غزوة عبد الله بن جحش، ويقال: بل عبد الله بن حجش قالها حين قالت قريش: قد أحل محمد وأصحابه الشهر الحرام، فسفكوا فيه الدم، وأخذوا فيه المال، وأسروا فيه الرجال، قال ابن هشام: هي لعبد الله بن حجش:شعر : تَعُدُّونَ قَتْلاً في الحَرام عظيمةً وأعظمُ منه لو يَرى الرُّشْدَ راشدُ صُدودكُمُ عَمَّا يقولُ مُحَمَّدٌ وكُفْرٌ بهِ واللّهُ راءٍ وشاهِدُ وإخراجُكُمْ مِنْ مَسْجِدِ اللّهِ أَهْلَهُ لِئَلاّ يُرى للّهِ في البيت ساجدُ فَإِنّا وإنْ عَيَّرْتُمونا بقَتْلِهِ وأرجفَ بالإسلامِ باغٍ وحاسدُ سَقَيْنا مِنِ ابْنِ الحَضْرَمِي رِماحَنا بِنَخْلَةَ لَمّا أوقَدَ الحربَ واقدُ دَماً وابنُ عبدِ اللّهِ عثمانُ بينَنا ينازعُه غُلٌّ من القيدِ عاندُ

المحلي و السيوطي

تفسير : وأرسل النبي صلى الله عليه وسلم أوّل سراياه وعليها عبد الله بن جحش فقاتلوا المشركين وقتلوا ابن الحضرمي آخر يوم من جمادى الآخرة والتبس عليهم برجب فعيرهم الكفار باستحلاله فنزل {يَسْئَلُونَكَ عَنِ ٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ } المحرم {قِتَالٍ فِيهِ } بدل اشتمال {قُلْ } لهم {قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ } عظيم وزراً مبتدأ وخبر {وَصَدٌّ } مبتدأ منع للناس {عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ } دينه {وَكُفْرٌ بِهِ } بالله {وَ} صدّ عن {مّنَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ } أي مكة {وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ } وهم النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنون، وخبر المبتدأ {أَكْبَرُ } أعظم وزراً {عِندَ ٱللَّهِ } من القتال فيه {وَٱلْفِتْنَةُ } الشرك منكم {أَكْبَرُ مِنَ ٱلْقَتْلِ } لكم فيه {وَلاَ يَزَالُونَ } أي الكفار {يُقَٰتِلُونَكُمْ } أيها المؤمنون {حَتَّىٰ } كي {يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ } إلى الكفر {إِنِ ٱسْتَطَٰعُواْ وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَٰئِكَ حَبِطَتْ } بَطَلَتْ {أَعْمَٰلُهُمْ } الصالحة {فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلأَخِرَةِ } فلا اعتداد بها ولا ثواب عليها والتقييد بالموت عليها يفيد أنه لو رجع إلى الإسلام لم يبطل عمله فيثاب عليه ولا يعيده كالحج مثلاً، وعليه الشافعي {وَأُوْلَٰئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ }.

الشوكاني

تفسير : قوله: {قِتَالٍ فِيهِ } هو بدل اشتمال، قاله سيبويه. ووجهه أن السؤال عن الشهر لم يكن إلا باعتبار ما وقع فيه من القتال. قال الزجاج: المعنى يسئلونك عن القتال في الشهر الحرام، وأنشد سيبويه قول الشاعر:شعر : فَمَا كَانَ قيسُ هُلْكُه هُلْكَ وَاحدٍ وَلكنَّه بُنْيَانُ قَومٍ تَهدَّمَاً تفسير : فقوله: هلكه بدل اشتمال من قيس، وقال الفراء: هو مخفوض يعني: قوله: {قِتَالٍ فِيهِ } على نية عن، وقال أبو عبيدة: هو: مخفوض على الجوار. قال النحاس: لا يجوز أن يعرب الشيء على الجوار في كتاب الله، ولا في شيء من الكلام، وإنما وقع في شيء شاذّ، وهو قولهم: هذا جحر ضب خرب. وتابع النحاس ابن عطية في تخطئة أبي عبيدة. قال النحاس: ولا يجوز إضمار عن، والقول فيه أنه بدل. وقرأ ابن مسعود، وعكرمة: «يسألونك عن الشهر الحرام، وعن قتال فيه». وقرأ الأعرج: «قتال فيه» بالرفع. قال النحاس: وهو غامض في العربية، والمعنى: يسألونك عن الشهر الحرام أجائز قتال فيه. وقوله: {قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ } مبتدأ وخبر، أي: القتال فيه أمر كبير مستنكر، والشهر الحرام: المراد به: الجنس، وقد كانت العرب لا تسفك فيه دماً، ولا تُغِير على عدوّ، والأشهر الحرم هي: ذو القعدة، وذو الحجة، ومحرم، ورجب، ثلاثة سرد وواحد فرد. وقوله: {وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ } مبتدأ. وقوله: {وَكُفْرٌ بِهِ } معطوف على صدّ. وقوله: {أَكْبَرُ عِندَ ٱللَّهِ } خبر صدّ، وما عطف عليه: أي: الصدّ عن سبيل الله، والكفر به، والصدّ عن المسجد الحرام، وإخراج أهل الحرم منه: {أَكْبَرُ عِندَ ٱللَّهِ } أي: أعظم إثماً، وأشدّ ذنباً من القتال في الشهر الحرام، كذا قال المبرد، وغيره، والضمير في قوله: {وَكُفْرٌ بِهِ } يعود إلى الله. وقيل: يعود إلى الحج. وقال الفراء: إن قوله: {وَصُدَّ } عطف على كبير، والمسجد عطف على الضمير في قوله: {وَكُفْرٌ بِهِ } فيكون الكلام منتسقاً متصلاً غير منفصل. قال ابن عطية: وذلك خطأ؛ لأن المعنى يسوق إلى أن قوله: {وَكُفْرٌ بِهِ } أي: بالله عطف أيضاً على كبير، ويجيء من ذلك أن إخراج أهل المسجد منه أكبر من الكفر بالله، وهذا بيّن فساده، ومعنى الآية على القول الأوّل الذي ذهب إليه الجمهور: أنكم يا كفار قريش تستعظمون علينا القتال في الشهر الحرام، وما تفعلون أنتم من الصدّ عن سبيل الله لمن أراد الإسلام، ومن الكفر بالله، ومن الصدّ عن المسجد الحرام، ومن إخراج أهل الحرم منه أكبر جرماً عند الله. والسبب يشهد لهذا المعنى، ويفيد أنه المراد كما سيأتي بيانه، فإن السؤال منهم المذكور في هذه الآية هو سؤال إنكار لما وقع من السرية التي بعثها النبيّ صلى الله عليه وسلم، والمراد بالفتنة هنا: الكفر، أي: كفركم أكبر من القتل الواقع من السرية التي بعثها النبي صلى الله عليه وسلم. وقيل المراد بالفتنة: الإخراج لأهل الحرم منه، وقيل المراد بالفتنة هنا: فتنتهم عن دينهم حتى يهلكوا. أي: فتنة المستضعفين من المؤمنين، أو نفس الفتنة التي الكفار عليها. وهذا أرجح من الوجهين الأوّلين، لأن الكفر، والإخراج قد سبق ذكرهما، وأنهما مع الصدّ أكبر عند الله من القتال في الشهر الحرام. وقوله: {وَلاَ يَزَالُونَ } ابتداء كلام يتضمن الإخبار من الله عزّ وجل للمؤمنين بأن هؤلاء الكفار لا يزالون مستمرين على قتالكم، وعداوتكم حتى يردوكم عن الإسلام إلى الكفر إن استطاعوا ذلك، وتهيأ لهم منكم، والتقيد بهذا الشرط مشعر باستبعاد تمكنهم من ذلك، وقدرتهم عليه، ثم حذّر الله سبحانه المؤمنين من الاغترار بالكفار، والدخول فيما يريدونه من ردّهم عن دينهم الذي هو الغاية لما يريدونه من المقاتلة للمؤمنين، فقال: {وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلـئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَـٰلُهُمْ } إلى آخر الآية والردة: الرجوع عن الإسلام إلى الكفر، والتقييد بقوله: {فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ } يفيد أن عمل من ارتد إنما يبطل إذا مات على الكفر. وحبط: معناه بطل، وفسد، ومنه الحبط، وهو: فساد يلحق المواشي في بطونها من كثرة أكلها للكلأ، فتنتفخ أجوافها، وربما تموت من ذلك. وفي هذه الآية تهديد للمسلمين ليثبتوا على دين الإسلام. ومعنى قوله: {فِى ٱلدُّنُيَا وَٱلاْخِرَةِ } أنه لا يبقى له حكم المسلمين في الدنيا، فلا يأخذ شيئاً مما يستحقه المسلمون، ولا يظفر بحظ من حظوظ الإسلام، ولا ينال شيئاً من ثواب الآخرة الذي يوجبه الإسلام، ويستحقه أهله. وقد اختلف أهل العلم في الردّة هل تحبط العمل بمجردها أم لا تحبط إلا بالموت على الكفر؟ والواجب حمل ما أطلقته الآيات في غير هذا الموضع على ما في هذه الآية من التقييد. وقد تقدم الكلام في معنى الخلود. قوله: {وَهَاجَرُواْ } الهجرة معناها الانتقال من موضع إلى موضع، وترك الأوّل لإيثار الثاني، والهجر ضدّ الوصل، والتهاجر: التقاطع، والمراد بها هنا: الهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام. والمجاهدة: استخراج الجهد، جهد، مجاهدة، وجهاداً، والجهاد والتجاهد: بذل الوسع. وقوله: {يَرْجُونَ } معناه: يطمعون، وإنما قال: يرجون بعد تلك الأوصاف المادحة التي وصفهم بها، لأنه لا يعلم أحد في هذه الدنيا أنه صائر إلى الجنة، ولو بلغ في طاعة الله كل مبلغ. والرجاء الأمل، يقال: رجوت فلاناً أرجو رجاء، ورجاوة. وقد يكون الرجاء بمعنى الخوف كما في قوله تعالى: {أية : مَّا لَكُمْ لاَ تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً }تفسير : [نوح: 13] أي: لا تخافون عظمة الله. وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني، والبيهقي في سننه بسند صحيح، عن جُنْدُب بن عبد الله، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه بعث رهطاً، وبعث عليهم أبا عبيدة بن الجراح، أو عبيدة بن الحارث، فلما ذهب ينطلق بكى شوقاً، وصبابة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فجلس، فبعث مكانه عبد الله بن جحش، وكتب له كتاباً، وأمره أن لا يقرأ الكتاب حتى يبلغ مكان كذا، وكذا، وقال: لا تكرهنّ أحداً من أصحابك على المسير معك، فلما قرأ الكتاب استرجع وقال: سمعاً، وطاعة لله، ولرسوله، فخبرهم الخبر، وقرأ عليهم الكتاب فرجع رجلان، ومضى بقيتهم، فلقوا ابن الحضرمي فقتلوه، ولم يدروا أن ذلك اليوم من رجب، أو جمادى، فقال المشركون للمسلمين: قتلتم في الشهر الحرام، فأنزل الله: {يَسْـئَلُونَكَ عَنِ ٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ } الآية، فقال بعضهم: إن لم يكونوا أصابوا وزراً، فليس لهم أجر، فأنزل الله: {إِنَّ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ } إلى آخر الآية. وأخرج البزار عن ابن عباس أن سبب نزول الآية هو ذلك. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عنه قال: إن المشركين صدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وردّوه عن المسجد الحرام في شهر حرام، ففتح الله على نبيه في شهر حرام من العام المقبل، فعاب المشركون على رسول الله صلى الله عليه وسلم القتال في شهر حرام. فقال الله: {قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ ٱللَّهِ } من القتال فيه، وأن محمداً صلى الله عليه وسلم بعث سرية، فلقوا عمرو بن الحضرمي، وهو مقبل من الطائف في آخر ليلة من جمادى وأوّل ليلة من رجب، وإن أصحاب محمد كانوا يظنون أن تلك الليلة من جمادى، وكانت أوّل رجب ولم يشعروا، فقتله رجل منهم، وأخذوا ما كان معه، وأن المشركين أرسلوا يعيرونه بذلك، فنزلت الآية. وأخرج ابن إسحاق عنه: أن سبب نزول الآية مصاب عمرو بن الحضرمي. وقد ورد من طرق كثيرة في تعيين السبب مثل ما تقدّم. وأخرج ابن أبي داود عن عطاء بن ميسرة قال: أحلّ القتال في الشهر الحرام في براءة في قوله: {أية : فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ وَقَاتِلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ كَافَّةً } تفسير : [التوبة: 36]. وأخرج ابن أبي حاتم، عن سفيان الثوري: أنه سئل عن هذه الآية فقال: هذا شيء منسوخ، ولا بأس بالقتال في الشهر الحرام. وأخرج النحاس في ناسخه، عن ابن عباس أن هذه الآية منسوخة بآية السيف في براءة: {أية : فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ }تفسير : [التوبة: 5]. وأخرج ابن المنذر، عن ابن عمر: {وَٱلْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ ٱلْقَتْلِ } قال: الشرك. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن مجاهد: {وَلاَ يَزَالُونَ يُقَـٰتِلُونَكُمْ } قال: كفار قريش. وأخرج ابن أبي حاتم، عن الربيع بن أنس في قوله: {أُوْلـئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ ٱللَّهِ } قال: هؤلاء خيار هذه الأمة جعلهم الله أهل رجاء، إنه من رجا طلب، ومن خاف هرب. وأخرج عبد بن حميد عن قتادة نحوه.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الحَرَامِ قَتَالٍ فِيهِ، قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ} والسبب في نزول هذه الآية أن عبد الله بن جحش خرج بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم في سبعة نفر من أصحابه وهم أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة، عكاشة بن محصن، وعتبة بن غزوان، وسهيل بن البيضاء، وخالد ابن البكير، وسعد بن أبي وقاص، وواقد بن عبد الله، وعبدُ الله بن جحش كان أميرهم، فتأخر عن القوم سعد وعتبة ليطلبا بعيراً لهما ضَلَّ، فلقوا عمرو بن الحضرمي فرماه واقد بن عبد الله التميمي بسهم فقتله واستأسر عثمان بن عبد الله والحكم بن كيسان، وغُنِمت العير، وكان ذلك في آخر ليلة من جمادى الآخِرة أو أول ليلة من رجب، فعيرت قريش رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك وقدم عبد الله بن جحش فلامه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولامه المسلمون حتى أنزل الله فيه هذه الآية. واختلفوا فيمن سأل عن ذلك على قولين: أحدهما: أنهم المشركون ليعيّروا بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، واستحلوا قتاله فيه، وهو قول الأكثر. والثاني: أنهم المسلمون سألوا عن القتال في الشهر الحرام ليعلموا حكم ذلك. فأخبرهم الله تعالى: أن الصد عن سبيل الله وإخراج أهل الحرم منه والفتنة أكبر من القتل في الشهر الحرام وفي الحرم، وهذا قول قتادة. واختلفوا في تحريم القتال في الأشهر الحرم هل نسخ أم لا؟ فقال الزهري: هو منسوخ بقوله تعالى: {وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً}. وقال عطاء: هو ثابت الحكم، وتحريم القتال فيه باقٍ غير منسوخ، والأول أصح لما تظاهرت به الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه غزا هوازن بحنين، وثقيفاً بالطائف، وأرسل أبا العاص إلى أوطاس لحرب مَنْ بها من المشركين في بعض الأشهر الحرم، وكانت بيعة الرضوان على قتال قريش في ذي القعدة. وقوله تعالى: {وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ} أي يرجع، كما قال تعالى: {أية : فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصاً} تفسير : [الكهف: 64] أي رجعا، ومن ذلك قيل: استرد فلان حقه. {فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ} أي بطلت، وأصل الحبوط الفساد، فقيل في الأعمال إذا بطلت حبطت لفسادها. قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ} الآية. وسبب نزولها أن قوماً من المسلمين قالوا في عبد الله بن جحش ومن معه: إن لم يكونوا أصابوا في سفرهم وزْراً فليس فيه أجر، فأنزل الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ} يعني بالله ورسوله، {وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ} يعني عن مساكنة المشركين في أمصارهم، وبذلك سمي المهاجرون من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مهاجرين لهجرهم دورهم ومنازلهم كراهة الذل من المشركين وسلطانهم، {وَجَاهَدُواْ} يعني قاتلوا، وأصل المجاهدة المفاعلة من قولهم جهد كذا إذا أكدّه وشق عليه، فإن كان الفعل من اثنين كل واحد منهما يكابد من صاحبه شدة ومشقة قيل فلان يجاهد فلاناً. وأما {فِي سَبِيلِ اللهِ} فطريق الله، وطريقه: دينه. فإن قيل: فكيف قال: {أُوْلَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللهِ} ورحمة الله للمؤمنين مستحقة؟ ففيه جوابان: أحدهما: أنهم لما لم يعلموا حالهم في المستقبل جاز أن يرجوا الرحمة خوفاً أن يحدث من مستقبل أمورهم مالا يستوجبونها معه. والجواب الثاني: أنهم إنما رجوا الرحمة لأنهم لم يتيقنوها بتأدية كل ما أوجبه الله تعالى عليهم.

ابن عطية

تفسير : قوله تعالى: {ولا يزالون} ابتداء خبر من الله -عز وجل- وتحذير منه للمؤمنين من شر الكفرة، و {يردوكم} نصب بــ {حتى} لأنها غاية مجردة، وقوله تعالى {ومن يرتدد} [أي يرجع عن الإسلام إلى الكفر، قالت طائفة من العلماء: يستتاب المرتد فإن تاب وإلا قتل. وقال عبيد بن عمير وطاوس والحسن -على خلاف عنه- والشافعي في أحد قوليه: يقتل دون أن يستتاب، وروي نحو هذا عن أبي موسى الأشعري ومعاذ بن جبل. قال القاضي أبو محمد: ومقتضى قولهما إنه يقال له للحين: راجع، فإن أبى ذلك قتل، وقال عطاء ابن أبي رباح: "إن كان المرتد ابن مسلمين قتل دون استتابة وإن كان أسلم ثم ارتد استتيب"، وذلك لأنه يجهل من فضل الإسلام ما لا يجهل ابن المسلمين، واختلف القائلون بالاستتابة: فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه يستتاب ثلاثة أيام. وبه قال مالك وأحمد وإسحاق وأصحاب الرأي والشافعي في أحد قوليه. وقال الزهري: "يدعى إلى الإسلام فإن تاب وإلا قتل". وروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه استتاب مرتداً شهراً فأبى فقتله، وقال النخعي والثوري: يستتاب محبوساً أبداً، قال ابن المنذر: واختلفت الآثار عن عمر في هذا الباب. {قال القاضي أبو محمد}: كان رضي الله عنه ينفذ بحسب جرم ذلك المرتد أو قلة جرمه المقترن بالردة، وحبط العمل إذا انفسد في آخر فبطل، وقرأ أبو السمال " حبطَت" بفتح الباء في جميع القرآن. وقال علي بن أبي طالب والحسن والشعبي الحكم والليث وأبو حنيفة وإسحاق بن راهويه: ميراث المرتد لورثته من المسلمين، وقال مالك وربيعة وابن أبي ليلى والشافعي وأبو ثور: ميراثه في بيت المال، وأجمع الناس على أن ورثته من أهل الكفر لا يرثونه إلإ شذوذاً، روي عن عمر بن عبد العزيز وعن قتادة، وروي عن عمر بن عبد العزيز خلافه. وقوله تعالى: {إن الذين آمنوا والذين هاجروا} الآية، قال جندب بن عبد الله وعروة بن الزبير وغيرهما: لما قتل واقد بن عبد الله التميمي عمرو بن الحضرمي في الشهر الحرام توقف رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أخذ خمسه الذي وفق في فرضه له عبد الله به جحش وفي الأسيرين، فعنف المسلمون عبد الله بن جحش وأصحابه حتى شق ذلك عليهم، فتلافاهم الله عز وجل بهذه الآية في الشهر الحرام، ثم بذكرهم والإشارة إليهم في قوله: {إن الذين آمنوا}، ثم هي باقية في كل من فعل ما ذكر الله عز وجل، وهاجر الرجل إذا انتقل نقلة إقامة من موضع إلى موضع وقصد ترك الأول إيثاراً للثاني، وهي مفاعلة من هجر، ومن قال المهاجرة الانتقال من البادية إلى الحاضرة فقد أوهم بسبب أن ذلك كان الأغلب في العرب، وليس أهل مكة مهاجرين على قوله، وجاهد مفاعلة من جهد إذا استخرج الجهد، {ويرجون} معناه يطمعون ويستقربون، والرجاء تنعم، والرجاء أبداً معه خوف ولا بد، كما أن الخوف معه رجاء، وقد يتجوز أحياناً ويجيء الرجاء بمعنى ما يقارنه من الخوف، كما قال الهذلي: [الطويل] شعر : إذَا لَسَعَتْهُ النَّحْلُ لَمْ يَرْجُ لَسْعَهَا وَحَالَفَهَا في بَيْتِ نَوْبٍ عَوَامِلُ تفسير : وقال الأصمعي: "إذ اقترن حرف النفي بالرجاء كان بمعنى الخوف"، كهذا البيت، وكقوله عز وجل: {أية : لا يرجون لقاءنا} تفسير : [سورة يونس: الآيات: 7- 11- 15، سورة الفرقان: الآية 21]، المعنى لا يخافون، وقد قيل: إن الرجاء في الآية على بابه، أي لا يرجون الثواب في لقائنا، وبإزاء ذلك خوف العقاب، وقال قوم: اللفظة من الأضداد دون تجوز في إحدى الجهتين، وليس هذا بجيد، وقال الجاحظ في كتاب البلدان: "إن معنى قوله لم يرج لسعها أي لم يرج برء لسعها وزواله، فهو يصبر عليه"، وباقي الآية وعد. وقوله تعالى {يسألونك عن الخمر والميسر} الآية، السائلون هم المؤمنون، و {الخمر} مأخوذة من خمر إذا ستر، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : خمروا الإناء" تفسير : ، ومنه خمار المرأة، والخمر ما واراك من شجر وغيره، ومنه قول الشاعر: شعر : ألا يا زيد والضحاك سيرا فقد جاوزتما خمر الطريق تفسير : أي سيرا مدلين فقد جاوزتما الوهدة التي يستتر بها الذئب وغيره، ومنه قول العجاج: شعر : في لامِعِ العقْبَانِ لاَ يَمْشِي الخَمر تفسير : يصف جيشاً جاء برايات غير مستخف، ومنه قولهم دخل فلان في غمار الناس وخمارهم، أي هو بمكان خاف، فلما كانت الخمر تستر العقل وتغطي عليه سميت بذلك، والخمر ماء العنب الذي غلي ولم يطبخ أو طبخ طبخاً لم يكف غليانه، وما خامر العقل من غير ذلك فهو حكمه. قال أبو حنيفة: قد تكون الخمر من الحبوب، قال ابن سيده: وأظنه تسفحاً منه، لأن حقيقة الخمر إنما هي ماء العنب دون سائر الأشياء، وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : الخمر من هاتين الشجرتين: العنب والنخلة" تفسير : ، وحرمت الخمر بالمدينة يوم حرمت وهي من العسل والزبيب والتمر والشعير والقمح، ولم تكن عندهم خمر عنب، وأجمعت الأمة على خمر العنب إذا غلت ورمت بالزبد أنها حرام قليلها وكثيرها، وأن الحد واجب في القليل منها والكثير، وجمهور الأمة على أن ما أسكر كثيره من غير خمر العنب فمحرم قليله وكثيره. والحد في ذلك واجب. وقال أبو حنيفة وسفيان الثوري وابن أبي ليلى وابن شبرمة وجماعة من فقهاء الكوفة: ما أسكر كثيره من غير خمر العنب، فما لا يسكر منه حلال، وإذا سكر أحد منه دون أن يتعمد الوصول إلى حد السكر فلا حد عليه. قال القاضي أبو محمد: وهذا قول ضعيف يرده النظر، وأبو بكر الصديق وعمر الفاروق والصحابة على خلافه، وروي أن النبي عليه السلام قال: "حديث : كل مسكر خمر، وكل خمر حرام، وما أسكر كثيره فقليله حرام"تفسير : ، قال ابن المنذر في الإشراف: "لم يبق هذا الخبر مقالة لقائل ولا حجة لمحتج"، وروي أن هذه الآية أول تطرق إلى تحريم الخمر، ثم بعده {أية : لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى} تفسير : [النساء: 43]، ثم قوله تعالى: {أية : إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة، فهل أنتم منتهون} تفسير : [المائدة: 91]، ثم قوله تعالى: {أية : إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه} تفسير : [المائدة: 90]، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : حرمت الخمر" تفسير : ، ولم يحفظ عن النبي صلى الله عليه وسلم في حد الخمر إلا أنه جلد أربعين، خرجه مسلم وأبو داود، وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه ضرب فيها ضرباً مشاعاً، وحزره أبو بكر أربعين سوطاً، وعمل بذلك هو ثم عمر، ثم تهافت الناس فيها فشدد عليهم الحد وجعله كأخف الحدود ثمانين، وبه قال مالك، وقال الشافعي بالأربعين، وضرب الخمر غير شديد عند جماعة العلماء ولا يبدو إبط الضارب، وقال مالك: "الضرب كله سواء لا يخفف ولا يبرح"، ويجتنب من المضروب الوجه والفرج والقلب والدماغ والخواصر بإجماع، وقالت طائفة: هذه الآية منسوخة بقوله: {أية : فاجتنبوه لعلكم تفلحون} تفسير : [المائدة: 90]، يريد ما في قوله {ومنافع للناس} من الإباحة والإشارة إلى الترخيص. و {الميسر} مأخوذ من يسر إذا جزر، والياسر الجازر، ومنه قول الشاعر: شعر : فلَمْ يَزَلْ بِكَ واشيهمْ وَمَكْرُهُمْ حتَّى أَشَاطُوا بِغْيبٍ لَحْمَ مَنْ يَسَرُوا تفسير : ومنه قول الآخر: شعر : أقُولُ لَهُمْ بِالشَّعْبِ إذْ يَيْسِرونني أَلَمْ تَيْأسُوا إنّي ابْنُ فَارِسِ زهدمِ؟ تفسير : والجزور الذي يستهم عليه يسمى ميسراً لأنه موضع اليسر، ثم قيل للسهام ميسر للمجاورة. وقال الطبري: "الميسر مأخوذ من يسر لي هذا إذا وجب وتنسى"، ونسب القول إلى مجاهد، ثم جلب من نص كلام مجاهد ما هو خلاف لقوله، بل أراد مجاهد الجزر، واليسر: الذي يدخل في الضرب بالقداح، وجمعه أيسار وقيل يسر جمع ياسر، كحارس وحرس وأحراس، وسهام الميسر سبعة لها حظوظ وفيها فروض على عدة الحظوظ، وثلاثة لا حظوظ لها، ولا فروض فيها، وهي الفذ والتوأم والرقيب والحلس والنافس والمسبل والمعلى، والثلاثة التي لا حظوظ لها المنيح والسفيح والوغد، تزاد هذه الثلاثة لتكثر السهام وتختلط على الحرضة وهو الضارب بها، فلا يجد إلى الميل مع أحد سبيلاً، وكانت عادة العرب أن تضرب بهذه القداح في الشتوة وضيق الوقت وكلب البرد على الفقراء، تشتري الجزور ويضمن الأيسار ثمنها ثم تنحر وتقسم على عشرة أقسام، وأخطأ الأصمعي في قسمة الجزور، فذكر أنها كانت على قدر حظوظ السهام ثمانية وعشرين قسماً، وليس كذلك، ثم يضرب على العشرة الأقسام، فمن فاز سهمه بأن يخرج من الربابة متقدماً أخذ أنصباءه وأعطاها الفقراء، وفي أحيان ربما تقامروا لأنفسهم ثم يغرم الثمن من لم يفز سهمه. ويعيش بهذه السيرة فقراء الحي، ومنه قول الأعشى: [السريع] شعر : المطعمو الضيف إذا ما شتا والجاعلو القوت على الياسر تفسير : ومنه قول الآخر: [الطويل] شعر : بأيديهمُ مَقْرومَةٌ وَمَغَالقٌ يَعُودُ بأرزاقِ العُفَاةِ مَنِيحُها تفسير : والمنيح في هذا البيت المستمنح، لأنهم كانوا يستعيرون السهم الذي قد أملس وكثر فوزه، فذلك المنيح الممدوح، وأما المنيح الذي هو أحد الثلاثة الأغفال، فذلك إنما يوصف بالكر، وإياه أراد جرير بقوله: [الكامل] شعر : وَلَقَدْ عَطَفْنَ عَلَى فَزَارَةَ عَطْفَةً كَرَّ الْمَنيحِ وَجُلْنَ ثمَّ مَجَالاَ تفسير : ومن الميسر قول لبيد: [الطويل] شعر : وإذا يَسِرُوا لَمْ يُورِثِ الْيُسْرُ بَيْنَهُمْ فَوَاحِش يُنْعى ذكرُها بِالْمَصَايِفِ تفسير : فهذا كله هو نفع الميسر، إلى أنه أكل المال بالباطل، ففيه إثم كبير، وقال محمد بن سيرين والحسن وابن عباس وابن المسيب وغيرهم: كل قمار ميسر من نرد وشطرنج ونحوه حتى لعب الصبيان بالجوز. وقوله تعالى: {قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس} الآية، قال ابن عباس والربيع: الإثم فيهما بعد التحريم، والمنفعة فيهما قبله، وقالت طائفة: الإثم في الخمر ذهاب العقل والسباب والافتراء والإذاية والتعدي الذي يكون من شاربها، والمنفعة اللذة بها كما قال حسان بن ثابت: شعر : وَنَشْرَبُهَا فَتَتْرُكَنَا ملوكاً وَأسْداً ما يُنَهْنِهُنَا اللقَاءُ تفسير : إلى غير ذلك من أفراحها، وقال مجاهد: "المنفعةَ بها كسب أثمانها" ثم أعلم الله عز وجل أن الإثم أكبر من النفع وأعود بالضرر في الآخرة، فهذا هو التقدمة للتحريم، وقرأ حمزة والكسائي "كثير" بالثاء المثلثة، وحجتها أن النبي صلى الله عليه وسلم لعن الخمر ولعن معها عشرة: بائعها، ومبتاعها، والمشتراة له، وعاصرها، والمعصورة له، وساقيها، وشاربها، وحاملها، والمحمولة إليه، وآكل ثمنها، فهذه آثام كثيرة، وأيضاً فجمع المنافع يحسن معه جمع الآثام، و"كثير" بالثاء المثلثة يعطي ذلك، وقرأ باقي القراء وجمهور الناس "كبير" بالباء بواحدة، وحجتها أن الذنب في القمار وشرب الخمر من الكبائر فوصفه بالكبير أليق، وأيضاً فاتفاقهم على {أكبر} حجة لكبير بالباء بواحدة، وأجمعوا على رفض أكثر بالثاء مثلثة، إلا ما في مصحف ابن مسعود فإن فيه "قل فيهما إثم كثير وإثمهما أكثر" بالثاء مثلثة في الحرفين، وقوله تعالى: "فيهما إثم" يحتمل مقصدين، أحدهما أن يراد في استعمالهما بعد النهي، والآخر أن يراد خلال السوء التي فيهما، وقال سعيد بن جبير: لما نزلت {قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس} كرهها قوم للإثم وشربها قوم للمنافع، فلما نزلت {أية : لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى} تفسير : [النساء: 43] تجنبوها عند أوقات الصلوات الخمس، فلما نزلت {أية : إنما الخمر والمسير والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون} تفسير : [المائدة: 90] قال عمر بن الخطاب: ضيعة لك اليوم قرنت بالميسر والأنصاب، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حرمت الخمر. ولما سمع عمر بن الخطاب قوله تعالى: {أية : فهل أنتمْ منتهون} تفسير : [المائدة: 91] قال: "انتهينا، انتهينا"، قال الفارسي: وقال بعض أهل النظر: حرمت الخمر بهذه الآية لأن الله تعالى قال: {أية : قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم} تفسير : [الأعراف: 33]، وأخبر في هذه الآية أن فيها إثماً، فهي حرام. قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: ليس هذا النظر بجيد لأن الإثم الذي فيها هو الحرام، لا هي بعينها على ما يقتضيه هذا النظر، وقال قتادة: ذم الله الخمر بهذه الآية ولم يحرمها. وقوله تعالى: {ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو} قال قيس بن سعد: "هذه الزكاة المفروضة". وقال جمهور العلماء: بل هي نفقات التطوع. وقال بعضهم: نسخت بالزكاة. وقال آخرون: هي محكمة وفي المال حق سوى الزكاة. و {العفو}: هو ما ينفقه المرء دون أن يجهد نفسه وماله. ونحو هذا هي عبارة المفسرين: وهو مأخوذ من عفا الشيء إذا كثر، فالمعنى أنفقوا ما فضل عن حوائجكم ولم تؤذوا فيه أنفسكم فتكونوا عالة، وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم: قال: "حديث : من كان له فضل فلينفقه على نفسه، ثم على من يعول، فإن فضل شيء فليتصدق به" تفسير : ، وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : خير الصدقة ما أبقت غنى" تفسير : ، وفي حديث آخر: "حديث : ما كان عن ظهر غنى ". تفسير : وقرأ جمهور الناس "العفو" بالنصب، وقرأ أبو عمرو وحده "العفُو" بالرفع، واختلف عن ابن كثير، وهذا متركب على {ماذا}، فمن جعل "ما" ابتداء و "ذا" خبره بمعنى الذي وقدر الضمير في {ينفقونه} عائداً قرأ "العفوُ" بالرفع، لتصح مناسبة الجمل، ورفعه على الابتداء تقديره العفو إنفاقكم، أو الذي تنفقون العفو، ومن جعل {ماذا} اسماً واحداً مفعولاً بـ{ينفقون}، قرأ "قل العفوَ" بالنصب بإضمار فعل، وصح له التناسب، ورفع "العفوُ" مع نصب "ما" جائز ضعيف، وكذلك نصبه مع رفعها. وقوله تعالى: {كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون} الإشارة إلى ما تقدم تبيينه من أمر الخمر والميسر والإنفاق، وأخبر تعالى أنه يبين للمؤمنين الآيات التي تقودهم إلى الفكرة في الدنيا والآخرة، وذلك طريق النجاة لمن تنفعه فكرته، وقال مكي: "معنى الآية أنه يبين للمؤمنين آيات في الدنيا والآخرة تدل عليهما وعلى منزلتيهما لعلهم يتفكرون في تلك الآيات، فقوله {في الدنيا} متعلق على هذا التأويل بـــ {الآيات}، وعلى التأويل الأول وهو المشهور عن ابن عباس وغيره يتعلق {في الدنيا} بــ {تتفكرون}.

ابن عبد السلام

تفسير : {يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ} خرج عبد الله بن جحش بأمر الرسول صلى الله عليه وسلم في سبعة نفر فلقوا ابن الحضرمي في عِير فَقُتل ابنُ الحضرمي وأسروا آخر، وغنموا العير، وذلك أول ليلة من رجب، فلامه الرسول صلى الله عليه وسلم والمسلمون فنزلت فسأله المشركون عن ذلك ليعيّروه ويستحلوا قتاله فيه، قاله الأكثرون. أو سأله المسلمون ليعرفوا حكمه، سألوا عن القتال في الشهر الحرام، فأخبرهم أن الصد عن سبيله وإخراج أهل الحرم والفتنة أكبر من القتل في الشهر، أو سألوا عن القتل في الحرم والشهر الحرام فأخبرهم بأن الصد والإخراج والفتنة أكبر من القتل في الحرم والشهر الحرام، وتحريم ذلك محكم عند عطاء، منسوخ على الأصح، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم غزا هوازن وثقيفاً، وأرسل أبا عامر إلى أوطاس في بعض الأشهر الحرم، وبايع على قتال قريش بيعة الرضوان في ذي القعدة. {حَبِطَتْ} أصل الحبوط: الفساد، فإذا بطل العمل قيل حبط لفساده.

الخازن

تفسير : {يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه} سبب نزول هذه الآية. أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث عبدالله بن جحش وهو ابن عمته في سرية في جمادى الآخرة قبل قتال بدر بشهرين وأمره على السرية وكتب له كتاباً، وقال: سر على اسم الله ولا تنظر في الكتاب حتى تسير يومين، فإذا نزلت فافتح الكتاب فاقرأه على أصحابك ثم امض لما أمرتك به، ولا تستكرهنَّ أحداً منهم على السير معك فسار عبدالله يومين، ثم نزل وفتح الكتاب، فإذا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فسر على بركة الله تعالى، بمن معك من أصحابك حتى تنزل بطن نخلة فارصد بها عيراً لقريش لعلك تأتينا منها بخير. فقال: سمعاً وطاعة ثم قال لأصحابه ذلك وقال إنه نهاني أن أستكره أحداً منكم فمن كان يريد الشهادة فلينطلق ومن كان يكره فليرجع، ثم مضى ومضى أصحابه معه وكانوا ثمانية رهط، ولم يتخلف عنه أحد منهم حتى إذا كان بمعدن فوق الفرع بموضع من الحجاز، يقال له نجران أضل سعد بن أبي وقاص وعتبة بن غزوان بعيراً لهما كانا يتعقبانه فتخلفا في طلبه، ومضى عبدالله ببقية أصحابه حتى نزل في بطن نخلة بين مكة والطائف فبينما هم كذلك إذ مرت بهم عير لقريش تحمل زبيباً وأدماً، وتجارة من تجارة الطائف وفي العير عمرو بن الحضرمي والحكم بن كيسان وعثمان بن عبدالله بن المغيرة ونوفل بن عبدالله بن المخزوميان فلما رأوا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم هابوهم وقد نزلوا قريباً منهم فقال عبدالله بن جحش: إن القوم قد ذعروا منكم، فاحلقوا رأس رجل منكم وليتعرض لهم فإذا رأوه محلوقاً أمنوا، فحلقوا رأس عكاشة بن محصن، ثم أشرف عليهم فلما رأوه آمنوا وقالوا: قوم عمار فلابأس علينا وكان ذلك في آخر يوم من جمادى الآخرة وكانوا يرون أنه من رجب فتشاور القوم فيهم، وقالوا: متى تركتموهم هذه الليلة ليدخلن الحرم وليمتنعن منكم فأجمعوا أمرهم في مواقعة القوم فرمى واقد بن عبدالله السهمي عمرو بن الحضرمي بسهم، فقتله فكان أول قتيل من المشركين وأسر الحكم بن كيسان وعثمان وكانا أول أسيرين في الإسلام، وأفلت نوفل فأعجزهم واستاق المسلمون العير والأسيرين حتى قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقالت قريش: قد استحل محمد الشهر الحرام وسفك الدماء وأخذ الحرائب يعني المال، وعير بذلك أهل مكة من كان بها من المسلمين. قالوا: يا معشر الصباة استحللتم الشهر الحرام، وقاتلتم فيه فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لعبدالله بن جحش وأصحابه: ما أمرتكم بالقتال في الشهر الحرام، ووقف العير والأسيرين وأبى أن يأخذ شيئاً من ذلك وعنف المسلمون أصحاب السرية فيما صنعوا، وقالوا لم صنعتم ما لم تؤمروا به، فعظم ذلك على أصحاب السرية وظنوا أنهم قد هلكوا وسقط في أيديهم. وقالوا يا رسول الله إنا قتلنا ابن الحضرمي ثم أمسينا فنظرنا هلال رجب فلا ندري أفي رجب أصبناه أم في جمادى وأكثر الناس في ذلك فأنزل الله هذه الآية فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم العير فعزل منها الخمس، وكان أول خمس في الإسلام وأول غنيمة قسمت فقسم الباقي على أصحاب السرية وبعث أهل مكة في فداء أسيريهم. فقال بل نبقيهما حتى يقدم سعد وعقبة، وإن لم يقدما قتلناهما بهما. فلما قدما فاداهما فأما الحكم بن كيسان فأسلم وأقام مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة فقتل يوم بئر معونة شهيداً وأما عثمان بن عبدالله فرجع إلى مكة فمات بها كافراً. وأما نوفل فضرب بطن فرسه يوم الأحزاب ليدخل الخندق فوقع في الخندق مع فرسه فتحطما جميعاً، وقتله الله، فطلب المشركون جيفته بالثمن. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : خذوه فإنه خبيث الجيفة خبيث الدية" تفسير : وأما تفسير الآية فقوله تعالى: {يسألونك} يعني يا محمد عن الشهر الحرام يعني رجباً وسمي بذلك لتحريم القتال فيه وفي السائلين رسول الله صلى الله عليه وسلم قولان: أحدهما أنهم المسلمون سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم هل أخطؤوا أم أصابوا وقيل: إن المسلمين كانوا يعلمون أن القتال في الحرم وفي الشهر الحرام لا يحل فلما كتب عليهم القتال سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن القتال في الشهر الحرام فنزلت هذه الآية: والقول الثاني أن السائلين هم المشركون وإنما سألوه على وجه العيب على المسلمين فنزلت هذه الآية {يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل} أي قل لهم يا محمد {قتال فيه كبير} أي عظيم مستكبر واختلف العلماء في حكم هذه الآية على قولين أحدهما أنها محكمة وأنه لا يجوز الغزو في الشهر الحرام إلاّ أن يقاتلوا فيه فيقاتلوا على سبيل الدفع. روي عن عطاء أنه كان يحلف بالله ما يحل للناس، أن يغزوا في الشهر الحرام، ولا أن يقاتلوا فيه وما نسخت. والقول الثاني الذي عليه جمهور العلماء وهو الصحيح أنها منسوخة. قال سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار. القتال جائز في الشهر الحرام وهذه الآية منسوخة بقوله: {اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} وبقوله: {وقاتلوا المشركين كافة} يعني في الأشهر الحرم وغيرها {وصد عن سبيل الله} هذا ابتداء كلام والمعنى وصدكم المسلمين عن الحج أو وصدكم عن الإسلام من يريده {وكفر به} أي بالله {والمسجد الحرام} أي وصدكم عن المسجد الحرام {وإخراج أهله منه} يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين حين آذوهم حتى هاجروا وتركوا مكة، وإنما جعلهم الله أهله لأنهم كانوا هم القائمين بحقوق المسجد الحرام دون المشركين {أكبر عند الله} أي أعظم وزراً عند الله من القتال في الشهر الحرام {والفتنة} أي الشرك الذي أنتم عليه {أكبر من القتل} يعني قتل ابن الحضرمي في الشهر الحرام فلما نزلت هذه الآية كتب عبدالله بن أنيس وقيل: عبدالله بن جحش إلى مؤمني مكة إن عيركم المشركون بالقتال في الشهر الحرام فعيروهم أنتم بالكفر وبإخراج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة والمسلمين، ومنعهم إياهم من البيت {ولا يزالون} يعني مشركي مكة {يقاتلونكم} يعني يا معشر المؤمنين {حتى يردوكم عن دينكم} يعني إلى دينهم وهو الكفر {إن استطاعوا} يعني إن قدروا على ذلك وفيه استبعاد لاستطاعتهم فهو كقول الرجل لعدوه إن ظفرت بي فلا تبق علي وهو واثق أنه لا يظفر به {ومن يرتد منكم عن دينه فيمت وهو كافر} يعني ومن يطاوعهم منكم فيرجع إلى دينهم فيمت على ردته قبل أن يتوب {فأولئك حبطت أعمالهم} أي بطلت أعمالهم {في الدنيا والآخرة} وهو أن المرتد يقتل وتبين زوجته منه، ولا يستحق الميراث من أقاربه المؤمنين ولا ينصر إن استنصر ولا يمدح ولا يثنى عليه ويكون ماله فيئاً للمسلمين هذا في الدنيا، ولا يستحق الثواب على أعماله ويحبط أجرها في الآخرة وظاهر الآية يقتضي أن الارتداد إنما تتفرع عليه الأحكام إذا مات المرتد على الكفر، أما إذا أسلم بعد الردة لم يثبت عليه شيء من أحكام الردة وفيه دليل للشافعي أن الردة لا تحبط الأعمال حتى يموت المرتد على ردته. وعند أبي حنيفة أن الردة تحبط العمل وإن أسلم {وأولئك أصحاب النار} يعني الذين ماتوا على الردة والكفر هم أصحاب النار {هم فيها خالدون أي لا يخرجون منها أبداً {إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله} نزلت في عبدالله بن جحش وأصحابه وذلك أن أصحاب السرية قالوا: يا رسول الله هل نؤجر على وجهنا هذا ونطمع أن يكون لنا غزو. فأنزل الله هذه الآية، وعن جندب بن عبدالله قال: لما كان من أمر عبدالله بن جحش وأصحابه وأمر ابن الحضرمي ما كان قال بعض المسلمين: إن لم يكونوا أصابوا في سفرهم وزراً فليس لهم فيه أجر فأنزل الله هذه الاية {إن الذين آمنوا والذين هاجروا} أي فارقوا مساكنهم وعشائرهم وأموالهم وفارقوا مساكنة المشركين في أمصارهم، ومجاورتهم في ديارهم فتحولوا عن المشركين وعن بلادهم إلى غيرها، وجاهدوا يعني المشركين في سبيل الله أي في طاعة الله فجعل الله لأصحاب هذه السرية جهاداً {أولئك يرجون رحمة الله} أي يطمعون في نيل رحمة الله أخبر أنهم على رجاء الرحمة. وقيل: المراد من الرجاء هنا القطع في أصل الثواب وإنما دخل الظن في كميته ووقته. قال قتادة: أثنى الله تعالى على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن الثناء فقال: {أية : إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمة الله} تفسير : [البقرة: 218] هؤلاء هم خيار هذه الأمة ثم جعلهم الله أهل رجاء كما تسمعون وأنه من رجا طلب ومن خاف هرب {والله غفور} أي لذنوب عباده {رحيم} بهم والمعنى أنه تعالى غفر لعبدالله بن جحش وأصحابه ما لم يعلموا به.

ابن عرفة

تفسير : قوله تعالى: {يَسْئَلُونَكَ عَنِ ٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ...}. قال ابن عرفة: القتال الذي وقع منهم في الشّهر الحرام، إن كان غلطا فهو كبير موجب للإثم، وإن كان اجتهادا أجري على الخلاف في الاجتهاد هل يرفع حكم الخطأ أم لا؟ فإن قلت: لم أعيد لفظ القتال مظهرا، وهلا كان مضمرا، ولم أعيد منكرا وهلا كان معرفا؟ قيل: الجواب أنّ ذلك لاختلاف المتكلّم فالأول في الكلام السائل والثاني في كلام المسؤول. قال الفراء وهو معطوف على كبير. قال ابن عطية: (وهو خطأ لأنه (يؤدي) إلى أنّ قوله "وَكُفْرٌ بِهِ" معطوف على (كَبِير) فيلزم أن يكون إخراج أهل المسجد الحرام منه أكبر عند الله من الكفر. وأجيب عنه بثلاثة أ وجه: الأول: لأبي حيان أنّ الكلام تمّ عند {وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ} وما بعده ابتداء. الثاني: قال ابن عرفة: الكفر قسمان: صريح حقيقي وهو الكفر بالشرك، وكفر) حكمي غير صريح. فنقول: (دلت الآية) على أن القتال في الشهر الحرام كفر وإن لم يعتقد فاعله الكفر، وكذلك إخراج أهل المسجد الحرام منه كفر وإن لم يعتقده فاعله فجعل الشارع إخراج أهل المسجد الحرام منه أكبر إثما من الكفر الحكمي الذي نشأ عن القتال في الشهر الحرام، وهذا لا شيء فيه ولا سيما إن جعلنا الضمير في "وَكُفْرٌ بِهِ" عائدا على "عن سَبِيلِ الله". الجواب الثالث: لبعض الطلبة قال: أهل المسجد الحرام عام يشمل النبي صلى الله عليه وسلم وغيره ولا شك أن إخراج النبي صلى الله عليه وسلم من المسجد الحرام كفر وزيادة فهو أشد من الكفر بالله عز وجل فقط. وحكى ابن عطية عن الزهري ومجاهد، أن {قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ} منسوخ بقول الله تعالى {أية : وَقَاتِلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً }. تفسير : ورده القرطبي: بأن {أية : وَقَاتِلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً}تفسير : عام وهذا خاص، والخاص يقضي على العام.؟ وأجاب عن ذلك ابن عرفة: بأن الأصوليين قالوا: إنّ العام إذا تأخر عن الخاص فإنّه ينسخه. قلت: قال أبو عمرو بن الحاجب ما نصه: "يجوز تخصيص الكتاب بالكتاب". أبو حنيفة والقاضي والإمام: إن كان الخاص متأخرا وإلا فالعام ناسخ، فإن جهل تساقطا. قوله تعالى: {وَمَن يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَن دِينِهِ...}. قال ابن عرفة: في (لفظها) رحمة وتفضل من الله عز وجل لأن قبلها {حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ} فكان المناسب أن يقول: ومن (يُرَدّ) منكم عن دينه؛ لكنّه لو قيل هكذا لدخل في عمومه من أكره على الردة. فقال: ومن "يَرْتَدِدِ" (ليختص) الوعيد بمن ارتدّ مختارا متعمدا. فإن قلت: هلا قيل: فَيَمُتْ وَهْوَ مرتدّ، ليناسب أوّل الآية آخرها، ويسمونه ردّ (العجز) على الصدر؟ (قال: قلت): إنّ من عادتهم يجيبون بأنه لو قيل كذلك لتناول مرتكب الكبيرة من المسلمين لأنه يصدق عليه أنّه مرتد عن دينه لقوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلإِسْلاَمُ}.تفسير : وفسر الإسلام في الحديث بأن قال: "حديث : هو أَن تشهد أن لا إله إلاّ الله وأن محمدا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، (وتصوم رمضان) وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا"تفسير : . فالإسلام (حقيقة) مركبة من هذه الخمسة أمور (فمتى) عدم بعضها عدم الاسلام لامتناع وجود الماهية بدون أحد أجزائها فمن فعلها كلّها ثم بدا له في بعضها فلم يفعله يصدق عليه أنه مرتدّ عن دينه، وأنه غير مسلم، فلذلك قال: {فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ}. قال أبو حيان: قوله "وهو كافر" حال مؤكدة. ورده ابن عرفة بوجهين: الأول: منهما ما قلناه: من أنّه احتراز من موت مرتكب الكبيرة، فإنه مات مرتدّا عن دينه الذي هو الإسلام. الجواب الثاني: أنّها إنما تكون مؤكدة أن لو كانت حالا من "يرْتَدِد" ونحن إنّما جعلناها حالا من "يَمُتْ" والمرتدّ يحتمل أن يراجع الإسلام فيموت مسلما. قيل لابن عرفة: فيمت معطوف على "يَرتَدِدْ" بالفاء التي للتعقيب، فهو بعقب رِدّته مات؟ فقال: (هما زمانان) ارتدّ في الأول ومات في الثاني، إمّا مسلما أو كافرا، في حال مبينة بلا شكّ. قوله تعالى: {فَأُوْلۤـٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ...}. عامل (أولئك) لفظ "مَن" (ثم) معناها، فوجه أبو حيان من طريق الإعراب اللفظي. قال ابن عرفة: قالوا وتوجيهه من جهة المعنى أن الأول راجع إلى فعلهم القبيح في الدنيا، فالمناسب فيه (تقليل) الفاعل تنفيرا عنه فلذلك أفرده، والثاني راجع إلى جزاء ذلك والعقوبة عليه في الدار الآخرة فالمناسب فيه لفظ العموم في جميع الفاعلين خشية أن يتوهم خصوص ذلك الوعيد بالبعض دون البعض. قال ابن عرفة: وإحباط أعمالهم في الدنيا بترك الصلاة (عليهم) وعدم دفنهم في مقابر المسلمين ومنع أقاربهم من إرثهم. قال الزمخشري: وذلك مما يتوقع هنا بالردة للمسلمين في الدنيا من ثمرات الإسلام واستدامتها والموت عليها من ثواب الآخرة. قال ابن عرفة: ومذهبنا أنه يعتق على المرتدّ أمّ ولده ومدبره دون الموصى بعتقه. ومذهب الإمام مالك رضي الله عنه (أن ميراثه) لبيت المال. قال القاضي عياض في الإكمال: وقال الإمام الشافعي: ميراثه لجماعة المسلمين. ووهنه تاج الدين الفاكهاني وقال: بل مذهبه كمذهب مالك. وكذا حكى عنه الغزالي في البسيط. ابن عطية وروي عن علي رضي الله عنه (انه) استتاب مرتدا شهرا فأبى فقتله. ونقل عنه كرم الله وجهه: أن يستتاب ثلاث مرات فإن تاب في الاولى ترك، وإلا (روجع) في الثانية (ثم) الثالثة فإن تاب وإلا قتل. قال: ومنهم من فرق بين الذكر والأنثى فمنع قتل الأنثى. قال ابن عرفة (ووجهه) أنه عنده كالحربي سواء.

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالى: {يَسْـئَلُونَكَ عَنِ ٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ...} الآية نزلَتْ في قصَّة عمرو بن الحَضْرَمِيِّ، «حديث : وذلك أنَّ رسولَ اللَّه صلى الله عليه وسلم بَعَثَ سَرِيَّةً علَيْها عبد اللَّه بن جَحْشٍ الأسَدِيُّ مَقْدَمَهُ من بَدْر الأولَىٰ، فلقوا عمرو بن الحَضْرَمِيِّ، ومعه عثمانُ بنُ عبد اللَّهِ بْنِ المُغِيرَةِ، وأخوه نَوْفَلٌ المخزوميَّان، والحَكَمُ بْنُ كَيْسَانَ في آخر يومٍ من رَجَبٍ علَىٰ ما قاله ابْنُ إِسْحَاق، وقالوا: إِن تركْنَاهم اليَوْمَ، دخَلُوا الحَرَم، فأزمعوا قتالَهُم، فرَمَىٰ واقدُ بْنُ عبدِ اللَّهِ عمْرَو بْنَ الحَضْرَمِيِّ بسهْمٍ، فقتله، وأَسَرَ عثمانَ بْنَ عبدِ اللَّهِ، والحَكَمَ، وفَرَّ نوفَلٌ، فأعجزهم، وٱستسهلَ المسْلمون هذا في الشَّهْر الحرام؛ خوف فوتهم، فقالَتْ قريشٌ: محمَّد قد استحلَّ الأشهر الحُرُم، وعَيَّروا بذلك، وتوقَّف النبيُّ صلى الله عليه وسلم وقَالَ: «مَا أَمَرْتُكُمْ بِقِتَالٍ فِي الأَشْهُرِ الحُرُمِ»»تفسير : فنزلَتْ هذه الآية، و {قِتَالٍ } بدلُ اشتمالٍ عند سيبوَيْه. وقال الفَرَّاء: هو مخفوضٌ بتقدير «عَنْ» وقرىء بِهِ، والشهْرُ في الآيةِ اسمُ الجنسِ، وكانتِ العربُ قد جعل اللَّه لها الشهْرَ الحرامَ قِوَاماً تعتدلُ عنده، فكانت لا تسفكُ دماً، ولا تغيِّر في الأشهر الحرم، وهي ذُو القَعْدة، وذو الحجَّة، والمُحَرَّم ورَجَبٌ، وروَىٰ جابر بن عبد اللَّه، أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم لَمْ يَكُنْ يَغْزُو فِيهَا إِلاَّ أَنْ يُغْزَىٰ، فذلكَ قولُهُ تعالَىٰ: {قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ}: مبتدأٌ مقطوعٌ ممَّا قبله، والخبرُ «أَكْبَرُ»، ومعنى الآيةِ؛ علَىٰ قول الجمهورِ: إِنكم يَا كُفَّار قُرَيْشٍ تَسْتَعْظِمُون علَيْنا القتالَ في الشَّهْرِ الحَرَام، وما تفْعَلُون أنْتُمْ من الصَّدِّ عن سبيلِ اللَّهِ لِمَنْ أراد الإِسلام، وكُفْرِكم بِاللَّه، وإِخراجِكُم أهْلَ المسْجد عنْه؛ كما فعلتم برَسُولِ اللَّه صلى الله عليه وسلم وأصحابِهِ، أَكْبَرُ جُرْماً عند اللَّه. قال الزُّهْرِيُّ ومجاهدٌ وغيرهما: قوله تعالَىٰ: {قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ} منسوخٌ. * ص *: وسبيل اللَّه: دينُهُ، و {ٱلْمَسْجِدِ}: قراءة الجمهور بالخَفْض، قال المبرِّد، وتبعه ابن عطية وغيره: هو معطوفٌ علَىٰ {سَبِيلِ ٱللَّهِ }؛ وردَّ بأنه حينئذٍ يكون متعلِّقاً بـــ «صَدّ»، أي: وصَدّ عن سبيل اللَّهِ، وعن المسجدِ الحرامِ، فيلزم الفَصْلُ بين المصدر، وهو «صَدّ» وبين معموله، وهو «المسجد» بأجنبيٍّ، وهو: «وكُفْرٌ بِهِ»، ولا يجوز. وقيل: معطوفٌ علَىٰ ضمير «بِهِ»، أي: وكُفْرٌ بِهِ، وَبِالْمَسُجِدِ؛ ورُدَّ بأن فيه عطفاً على الضمير المجرور من غير إعادة الخافض؛ ولا يجوز عند جمهور البَصْرِيِّين، وأجازه الكوفيُّون، ويونُسُ، وأبو الحَسَنِ والشَّلَوْبِينُ، والمختار جوازه؛ لكثرته سماعاً؛ ومنه قراءة حمزة: {أية : تَسَاءَلُونَ بِهِ وَٱلأَرْحَامَ } تفسير : [النساء:1] أي: وبالأرحام، وتأويلها على غيره بعيدٌ يُخْرِجُ الكلام عن فصاحته. انتهى. وقوله تعالى: {وَٱلْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ ٱلْقَتْلِ}: المعنَىٰ عند جمهور المفسِّرين: والفتنةُ التي كُنْتُمْ تفتنون المُسْلمين عن دينهم حتَّىٰ يهلكوا أشدُّ ٱجتراماً من قَتْلكم في الشَّهْر الحرام، وقيل: المعنى والفِتْنَة أشَدُّ من أن لو قتلوا ذلك المَفْتُون. وقوله تعالى: {وَلاَ يَزَالُونَ يُقَـٰتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُواْ } هو ابتداءُ خبرٍ من اللَّه تعالَىٰ، وتحذيرٌ منه للمؤمنين. وقوله تعالى: {وَمَن يَرْتَدِدْ}، أي: يرجع عن الإِسلام إِلى الكفر؛ عياذاً باللَّه، قالَتْ طائفةٌ من العلماء: يُستَتَابُ المرتدُّ ثلاثةَ أيامٍ، فإِن تاب، وإِلا قتل، وبه قال مالك، وأحمد، وأصحابُ الرَّأيِ، والشَّافعيُّ في أحد قولَيْه، وفي قولٍ له: يُقْتَلُ دون استتابةٍ، وحبط العمل، إِذا انفسد في آخره، فبطل، وميراث المرتدِّ عند مالكٍ والشافعيِّ: في بيْتِ مال المسلمين. وقوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ وَجَـٰهَدُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ...} الآية: قال عروة بن الزُّبَيْر وغيره: لما عَنَّفَ المسلمون عبْدَ اللَّه بن جَحْشٍ وأصحابه، شَقَّ ذلك عليهم، فتلافاهم اللَّه عز وجل بهذه الآية، ثم هي باقيةٌ في كلِّ من فعل ما ذكره اللَّه عزَّ وجلَّ. وهَاجَرَ الرجُلُ، إِذا ٱنتقل نقلة إِقامة من موضعٍ إِلى موضعٍ، وقصد ترك الأول إِيثاراً للثاني، وهي مُفَاعَلَةٌ من هَجَرَ، وجَاهَدَ مفاعلة من جهد، إِذا استخْرَج الجُهْد، و {يَرْجُونَ}: معناه يَطْمَعُون ويستقْربُون، والرجاء تنعُّم، والرجاء أبداً معه خوفٌ ولا بدَّ، كما أن الخوف معه رجاء. * ت *: والرجاءُ ما قارنه عمَلٌ، وإِلا فهو أمنيَّة.

ابن عادل

تفسير : قرأ الجمهور: "قِتَالٍ" بالجَرِّ، وفيه ثلاثةُ أوجهٍ: أحدها: أنه خفضٌ على البدلِ من "الشَّهْرِ" بدلِ الاشتمالِ؛ إذ القتالُ واقعٌ فيه، فهو مشتملٌ عليه. والثاني: أنه خفضٌ على التَّكرير، قال أبو البقاء: "يريدُ أنَّ التقديرَ: عَنْ قِتَالٍ فيه". وهو معنى قول الفراء إِلاَّ أَنَّهُ قال: هُوَ مَخْفُوضٌ بـ "عَنْ" مُضْمرَةً. وهذا ضعيفٌ جدّاً؛ لأنَّ حرف الجرِّ لا يبقى عملهُ بعد حذفه في الاختيار. وهذا لا ينبغي أن يُعَدَّ خلافاً بين البصريين، والكسائي، والفراءِ؛ لأنَّ البدل عند جمهور البصريين على نيَّة تكرار العامل، وهذا هو بعينه قولُ الكسائي. وقوله: لأنَّ حرف الجرِّ لا يبقى عمله بعد حذفه إِنْ أراد في غير البدل، فمُسَلَّمٌ، وإن أراد في البدلِ، فممنوعٌ، وهذا هو الذي عناه الكسائي. الثالث: قال أبو عبيدة: "إِنه خفضٌ على الجِوَارِ". قال أبو البقاء: "وهو أَبْعَدُ مِنْ قولهما - يعني الكسائيَّ والفراء - لأنَّ الجوار من مواضع الضَّرورة أو الشذوذِ، فلا يُحْمَلُ عليه ما وجدت عنه مَندُوحةٌ" وقال ابن عطية: "هُوَ خَطَأٌ". قال أبو حيَّان إن كان أبو عبيدة عَنَى بالجوار المصطلح عليه فهو خَطَأٌ. وجهةُ الخطأِ أنَّ الخفض على الجوار عبارةٌ عن أَنْ يكون الشيءُ تابعاً لمرفوع، أو منصوب، من حيثُ اللفظُ والمعنى، فيُعدل به عن تَبَعيَّته لمتبوعه لفظاً، ويُخْفَضَ لمجاورته لمخفوض؛ كقولهم: "هذا حُجْرُ ضَبِّ خَرِبٍ"، وكان مِنْ حقِّه الرفع؛ لأنه مِنْ صفاتِ الجُحْر، لا من صفاتِ الضبِّ، ولهذه المسألةِ مزيدُ بيانٍ يأتي في موضعه إِنْ شاء اللهُ تعالى، و "قِتَالٍ" هنا ليس تابعاً لمرفوعٍ، أو منصوبٍ، وجاورَ مَخفوضاً فخُفِض. وإن كان عنى أنه تابعٌ لمخفوضٍ فخفضُه بكونه جاور مخفوضاً، أي: فصار تابعاً له، لم يكنْ خطأً، إِلاَّ أنه أغمضَ في عبارته؛ فالتبس بالمصطلح عليه. وقرأ ابن عباس والأَعمش: "عَنْ قِتَالٍ" بإظهارِ "عَنْ" وهي في مُصْحَف عبد الله كذلك. وقرأ عكرمة: "قتْلٍ فِيهِ، قُلْ قَتْلٌ فِيهِ" بغير ألف. وقُرئ شاذّاً: "قِتَالٌ فيه" بالرفع وفيه وجهان: أحدهما: أنه مبتدأٌ، والجارُّ والمجرورُ بعده خبرٌ، وسَوَّغ الابتداءُ به وهو نكرةٌ؛ أنه على نيةِ همزةِ الاستفهام، تقديره: أَقِتَالٌ فيه. والثاني: أنه مرفوعٌ باسم فاعلٍ تقديرُه: أجائزٌ قتالٌ فيه، فهو فاعلٌ به. وعَبَّر أبو البقاء في هذا الوجه بأن يكونَ خبرَ محذوفٍ، فجاءَ رفعُه من ثلاثةِ أوجهٍ: إِمَّا مبتدأٌ، وإِمَّا فاعلٌ، وإمَّا خبرُ مبتدأ. قالوا: ويظهرُ هذا مِنْ حَيثُ إِنَّ سؤالهم لم يكن عن كينونةِ القتالِ في الشهرِ أم لا، وإنَّما كان سؤالهم: هل يجوزُ القتالُ فيه أم لا؟ وعلى كِلا هذين الوجهين، فهذه الجملةُ المُستفهمُ عنها في محلِّ جرٍّ؛ بدلاً من الشهرِ الحرامِ، لأنَّ "سَأَلَ" قد أخذ مفعوليه فلا تكونُ هي المفعول، وإن كانت محَطَّ السؤال. وقوله: "فِيهِ" على قراءةِ خفضِ "قِتَالٍ" فيه وجهان: أحدهما: أنه في محلِّ خفضٍ؛ لأنه صفةٌ لـ "قِتَالٍ". والثاني: أنه في محلِّ نصبٍ؛ لتعلُّقه بقتال، لكونه مصدراً. وقال أبو البقاء: كما يتعلَّقُ بـ "قِتَالٍ" ولا حاجة إلى هذا التشبيهِ، فإنَّ المصدر عاملٌ بالحَمْلِ على الفعل. فصل والضميرُ في "يَسْأَلُونك" قيل للمؤمنين لما يأتي في سبب النزول، ولأن أكثر الحاضرين عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كانُوا مسلمين، فما قبل هذه الآية {أية : أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ}تفسير : [البقرة:214] {أية : يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ}تفسير : [البقرة:215] حكاية عن المؤمنين، وما بعدها كذلك وهو قوله: {أية : يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ}تفسير : [البقرة:219]، {أية : وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْيَتَامَىٰ}تفسير : [البقرة:220] فوجب أن تكون هذه كذلك. وروى سعيد بن جبير عن ابن عبَّاسٍ أنه قال: ما رأيتُ قوماً كانوا خيراً من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما سألوه إلاَّ عن ثلاث عشرة مسألةً حتى قُبض، كلهن في القُرآنِ، ومنها {يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ}. وقيل: الضمير للكفارِ؛ سأَلُوا النبي - صلى الله عليه وسلم - عن القتال في الشهر الحرام، فأَخبَرَهُم أنه حرامٌ؛ فتركوا، واستحلوا قتالهم فيه فأنزل الله: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ} ولكن الصدّ عن سبيل اللهِ، وعن المسجدِ الحرام، والكُفرِ به، أكبرُ من هذا القتالِ. {وَلاَ يَزَالُونَ يُقَٰتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ} فبيَّن تعالى أَنَّ غرضهم من هذا السؤال، أَنْ يقاتِلُوا المسلمين، ثم أنزل الله تعالى: {أية : ٱلشَّهْرُ ٱلْحَرَامُ بِٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ وَٱلْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَٱعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ}تفسير : [البقرة:194] فصرَّح في هذه الآية بأن القتال على سبيل الدفع جائزٌ والألف واللامُ في "الشَّهْرِ الحرام" قيل: للعهد، وهو رجبٌ، وقيل: للجنسِ، فيعمُّ جميع الأشهرِ الُحُرُمِ. قوله: {قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ} جملةٌ من مبتدأ وخبرٍ، محلُّها النصبُ بقُلْ والمعنى: القتال في الشهر الحرام وجازَ الابتداءُ بالنكرةِ لأحدِ وجهينِ: إمَّا الوصفُ، إذا جعلنا قوله: "فيه" صفةً له. وإمَّ التخصيصُ بالعمل، إذا جعلناه متعلقاً بقتال، كما تقدَّم في نظيره. فإِنْ قيل: قد تقدَّم لفظُ نكرة، وأُعيدت من غير دخول ألفٍ ولام عليها، وكان حقُّها ذلك، كقوله تعالى: {أية : كَمَآ أَرْسَلْنَآ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ رَسُولاً فَعَصَىٰ فِرْعَوْنُ ٱلرَّسُولَ}تفسير : [المزمل:15-16] لإِنَّه لو لم يكن كذلك، كان المذكور الثاني غير الأول، وهذا غيرُ واضحٍ؛ لإِنَّ الألف كقوله: {أية : فَإِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْراً إِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْراً}تفسير : [الشرح:5، 6]. فقال أبو البقاء: "ليسَ المرادُ تعظيم القتالِ المذكور المسؤولِ عنه، حتى يُعادَ بالألف واللامِ، بل المراد تعظيمُ أيِّ قتالٍ كان، فعلى هذا "قِتَالٌ" الثاني غيرُ الأولِ، وهذا غيرُ واضحٍ؛ لأنَّ الألف واللامَ في الاسمِ السَّابق المُعادِ أولاً لا تفيدُ تعظيماً، بل إنما تفيدُ العهدَ في الاسمِ السابقِ. وأَحسنُ منه قولُ بعضهم: إنَّ الثَّاني غير الأولِ، وذلك أنَّ سؤالهم عن قتالِ عبد الله جحش، وكان لنُصرة الإِسلامِ وخُذلان الكفرِ؛ فليس من الكبائرِ، بل الذي من الكبائرِ قتالٌ غير هذا، وهو ما كانَ فيه إذلالُ الإِسلامِ، ونصرةُ الكُفْرِ، فاختير التنكير في هذين اللفظين؛ لهذه الدقيقة، ولو جِيءَ بهما معرفتين، أو بأحدهما مُعرَّفاً، لَبَطَلَتْ هذه الفائدةُ. فصل روى أكثرُ المفسرين عن ابن عباسٍ: سبب نزولِ هذه الآية أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعث عبدالله بن جحش الأَسديّ، وهو ابن عمَّته قبل قتال بدرٍ بشهرين على رأس سبعة أشهر من الهجرة وبعث معه ثمانية رهطٍ، من المهاجرين؛ سعد بن أبي وقَّاص الزهري وعُكاشة بن محصن الأسدي، وعتبة بن غزوان السَّلَمي، وأبا حذيفة بن عتبة بن ربيعة، وسهيل ابن بيضاء، وعامر بن ربيعة، وواقد بن عبدالله الحنظليّ، وخالد بن بُكَير، وكتب معهم لأميرهم عبد الله بن جحش كتاباً وعهداً، ودفعه إليه، وقال: سِر على اسم الله، ولا تنظر في الكتاب حتى تسير يومين، فإذا نزلتَ، فافتح الكتاب واقرأه على أصحابك، ثُمَّ امْضِ إلى ما أمرتُك، ولا تستكرِهنَّ أَحَداً مِنْ أصحابك على السَّير معك، فسار عبد الله يومين، ثم نزل وفتح الكتاب، وإذا فيه "بسم اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم" أمَّا بعد: فسر على بركة اللهِ بمنْ معك مِنْ أصحابك؛ حتَّى تنزل بطن نخلة، فترصُد بها عير قريش؛ لعلك تأتينا منهم بخبرٍ، فلمَّا نظر في الكتاب، قال سَمْعاً وطاعة، ثم قال لأَصحابه ذلك، وقال: إنَّهُ نَهَاني أَن أَستكره أحداً منكم؛ فمن كان يريد الشهادة، فلينطلق معي، ومنْ كرِه، فليَرْجِع، ثم مَضَى، ومَضَى معه أصحابه، لم يتخلّف عنه منهم أحدٌ، حتى كان بمعدن فوق الفُرع يقال له نجران، أضلَّ سعد بن أبي وقَّاصٍ، وعتبة بن غزوان بعيراً لهما، كانا يعتقبانه؛ فتخلفا عليه في طلبه ومضى ببقيةِ أصحابِه، حتى نزل "ببطنِ نَخْلَةَ" بين "مَكَّةَ" و "الطائف" فبينما هم كذلك، مرت عيرٌ لقريشٍ تحملُ زبيباً، وأدماً، وتجارة مِنْ تجارات الطائف فيهم عمرو بن الحضرمي والحكم بن كيسان، وعثمان بن عبدالله بن المغيرة، ونوفلُ بن عبد الله المخزوميَّان، فلما رأوْا أصحاب رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - هابوهم، فقال عبد الله بن جحش إنَّ القومَ قد ذُعِروا منكم، فاحلقُوا رأس رجُلٍ منكم؛ وليتعرض لهم، فحلقُوا رأس عُكَاشة، ثم أَشرفوا عليهم؛ فقالوا: قومٌ عمَّارٌ، لا بأس عليكم فأمنوهم وكان ذلك في آخر يوم من جمادى الآخرة. فكانوا يرون أنَّه من جمادى، وهو مِنْ رجبٍ فتشاور القومُ، وقالوا: لئن تركتموهم الليلة؛ ليدخُلنَّ الحرمَ، فليمنعُنّ به منكم، فأجمعوا أمرهم في مواقفة القومِ، فَرَمَى وقادُ بن عبد الله السَّهمي عمرو بن الحضرميّ بسهمٍ، فقتله، فكان أوَّلَ قتيلٍ من المشركين، واستأْسَرَ الحكم وعثمان، فكانا أَوَّلَ أَسيرين في الإسلام، وأفلت نوفلٌ فأعجزهم، واستاقَ المؤمنين العير والأَسيرين، حتَّى قَدِمُوا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في المدينةِ، فقالت قريشٌ: لقد استَحَلَّ محمدٌ الشهرَ الحرامَ؛ فسفك فيه الدِّماءَ، وأخذ الأموال فما شَهْر يأْمَنُ فيه الخَائِنُ، وغير ذلك، فقال أهلُ "مكَّةَ" مَنْ كان بها من المسلمين وقالوا: يا معشرَ الصَّبَأة، استحللتُم الشهر الحرام، وقاتلتم فيه، فقال عبد الله بن جحش: يا رسول اللهِ: إنَّا قتلنا ابن الحضرمي، ثم أمسينا فنظرنا إلى هلال رجب فلا ندري: أفي رجبٍ أصبناه، أم في جمادى. فوقَّف رسول اللهِ - صلى الله عليه وسلم - العير، والأسَارى؛ وأبى أن يأخُذ شيئاً من ذلك، فعظم ذلك على أصحاب السريَّة، وظنُّوا أن قد هلكُوا، وسُقِط في أيديهم، وأكثر الناس في ذلك، فأنزل اللهُ هذه الآية، فأخذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - العير، فعزل منه الخمس، فكان أولَ خُمُسٍ في الإسلام، وقسَّمَ الباقي بين أصحاب السَّريَّةِ، وكان أول غنيمةٍ في الإسلام وبعث أهل مكة في فداء أسيرهما فقال: بل نبقيهما حتَّى يقدم سعدٌ وعتبة، وإنْ لم يَقْدُمَا، قتلناهُما بهما، فلمَّا قدما؛ فاداهما، فأمَّا الحكم بن كيسان، فأسلَمَ، وأقام مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالمدينةِ، فقُتِل يوم بئر معونة شهيداً، وأَمَّا عثمان بن عبد الله، فرجع إلى مكة؛ فمات بها كافِراً، حديث : وأَمَّا نوفل فضرب بطن فرسه يوم الأحزابِ؛ ليدخل الخندقَ، فوقع في الخندقِ مع فرسه فتحطّما جميعاً فقتله اللهُ، فطلب المشركون جيفتهُ بالثمن؛ فقال رسُول اللهِ - صلى الله عليه وسلم - خذوه فإِنَّهُ خبيثُ الجيفةِ، خبيثُ الدِّيَةِ . تفسير : فصل اتفق الجمهورُ: على أَنَّ هذه الآية تدلُّ على حُرمَةِ القتال في الشهر الحرام، ثُمَّ اختلفُوا: هل ذلك الحكمُ باقٍ أو نُسِخ؟ فقال ابن جريج: حلف لي عَطَاءٌ باللهِ أَنَّهُ لا يحلُّ للناس الغزو في الحرم، ولا في الشَّهرِ الحرامِ، إِلاَّ على سبيل الدَّفع وروى جابر قال: لم يكن رسول اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يغزو في الشهر الحرام إِلاَّ أن يُغْزَى. وسُئِلَ سعيد بن المسيب: هل يجوزُ للمسلمين أن يقاتلوا الكُفَّار في الشهر الحرام؟ قال: نعم. قال أبو عبيد: والناس بالثغُور اليومَ جميعاً يرون الغزو على هذا القول مُبَاحاً في الشهور كُلِّها ولم أر أحداً من علماء "الشام"، و "العراق" ينكرُه عليهم، وكذلك أحسب قول أهْلِ الحجاز. وحجته قوله تعالى: {أية : فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ}تفسير : [التوبة:5] وهذا ناسخةٌ لتحريم القتال في الشهور الحرام. قال ابن الخطيب: والذي عندي أن قوله تعالى: {قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ} نكرة في سياق الإِثبات، فيتناول فرداً واحداً، ولا يتناول كُلَّ الأَفراد فهذه الآية لا دلالة فيها على تحريم القتال مُطلقاً في الشهر الحرام، ولا حاجة إلى النسخ فيه. قوله: "وَصَدٌّ" فيه وجهان: أحدهما: أنه مبتدأ وما بعده عطفٌ عليه، و "أكبرُ" خبرُ عن الجميع، قاله الزَّجَّاج، ويكون المعنى أَنَّ القتال الذي سألتُم عنه، وإن كان كبيراً، إلاَّ أن هذه الأشياء أكبرُ منه فإذا لم تمتنعوا عنها في الشهر الحرام فكيف تعيبون عبد الله بن جحش على ذلك القتال مع أنَّ عذره ظاهرٌ؛ لأَنَّهُ كان يجوزُ أَنْ يكون ذلك القتل واقعاً في جمادى الآخرة، ونظيره في المعنى قوله تعالى لبني إسرائيل {أية : أَتَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ}تفسير : [البقرة:44] وقوله: {أية : لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ}تفسير : [الصف:2]. وجاز الابتداءُ بـ "صَدّ" لأحد ثلاثة أوجهٍ: إِمَّا لتخصيصه بالوصفِ بقوله: "عَنْ سَبِيلِ الله". وإِمَّا لتعلُّقِه به. وإمَّا لكونه معطوفاً والعطفُ من المسوِّغات. والثاني: أنه عطفٌ على "كبيرٌ" أي: قتالٌ فيه كبيرٌ وصَدٌّ، قاله الفراء. قال ابن عطية: وهو خطأٌ؛ لأنَّ المعنى يسوقُ إلى أنَّ قوله: "وكفرٌ به" عطفٌ أيضاً على "كبيرٌ" ويجيءُ من ذلك أنَّ إخراج أهل المسجد منه أكبرُ من الكفرِ، وهو بَيِّنٌ فسادُه. وهذا الذي رَدَّ به قول الفراء، غير لازم له؛ إذ له أَنْ يقولَ: إِنَّ قولَه "وكفرٌ به" مُبْتَدَأٌ، وما بعده عَطْفٌ عليه، و "أكبرُ" خبرٌ عنهما، أي: مجموعُ الأَمرين أكبرُ من القتال والصدِّ، ولا يلزَمُ من ذلك أن يكونَ إخراجُ أهلِ المسجدِ أكبرَ من الكفر، بل يلزمُ منه أنه أكبرُ من القتالِ في الشهرِ الحرامِ. وهو مصدرٌ حُذِفَ فاعلُه ومفعوله؛ إذ التقدير: وصَدُّكم - يا كفارُ - المسلمين عن سبيلِ الله وهو الإِسلامُ. و "كفرٌ" فيه وجهان: أحدهما: أنه عطفٌ [على "صَدّ" على قولنا بأن "صَدًّا" مُبتدأ لا على] قولنا: بأنه خبرٌ ثانٍ عن "قِتالٍ"، لأنه يلزَمُ منه أن يكون القتالُ في الشهرِ الحرامِ كُفْراً، وليس كذلك، إِلاَّ أَنْ يرادَ بقتال الثاني ما فيه هَدمُ الإِسلامِ، وتقويةُ الكفرِ؛ كما تقَدَّم ذلك عن بعضهم، فيكونُ كفراً، فيصِحُّ عطفه عليه مُطلقاً، وهو أيضاً مصدرٌ لكنه لازمٌ، فيكونُ قد حُذِفَ فاعلُه فقط، أي: وكُفْرُكم. والثاني: أن يكون مبتدأٌ، كما يأتي تفصيلُ القولِ فيه. والضميرُ في "به" فيه وجهان: أحدهما: أنه يعودُ على "سبيل" لأنه المحدَّثُ عنه. والثاني: أنه يعودُ على اللهِ، والأولُ أظهرُ. و "به" فيه وجهان، أعني كونه صفةً لكفر، أو متعلقاً به، كما تقدَّم في "فيه". قوله: "والمسجدِ" مجروراً، وقرئ شاذاً مرفوعاً. فأمَّا جرُّه فاختلف فيه النحويون على أربعةِ أوجهٍ. أحدها: وهو قولُ المبرد وتبعه الزمخشري - وقال ابن عطية "وهو الصحيح" - أنه عطفٌ على "سبيلِ الله" أَي: وصَدٌّ عن سبيلِ الله وعن المسجدِ. وَرُدَّ هذا بأنَّه يؤدِّي إلى الفصل بين أبعاض الصِّلةِ بأجنبيّ تقريرُه أنَّ "صَدّاً" مصدرٌ مقدَّرٌ بأَنْ، والفعل، و "أَنْ" موصولة، وقد جَعَلْتُم "وَالْمَسْجِدِ" عطفاً على "سَبِيلِ"، فهو من تمام صلته، وفُصِل بينهما بأجنبيّ، وهو "وَكُفْرٌ بِهِ". ومعنى كونه أجنبياً أنَّهُ لا تعلُّق له بالصِّلةِ. فإنْ قيل: يُتَوَسَّعُ في الظَّرفِ وحرفِ الجَرّ ما لم يتوسع في غيرهما. قيل: إنَّمَا قيل بذلك في التَّقديم، لا في الفَصْل. الثاني: أَنَّه عطفٌ على الهاءِ في "بِهِ"، أي: وكفرٌ به، وبالمسجد، وهذا يتخرَّجُ على قولِ الكُوفيّين. وأمَّا البصريُّون؛ فيشترطُون في العطفِ على الضَّمير المجرور إعادة الخافض إِلاَّ في ضرورة، فهذا التَّخريجُ عندهم فاسِدٌ ولا بدَّ من التّعرُّض لهذه المسألة، وما هو الصَّحيحُ فيها؟ فنقول وبالله التوفيق: اختلف النُّحاةُ في العطفِ على الضَّمير المجرورِ على ثلاثةِ مذاهب: أحدها - وهو مذهبُ البصريِّين-: وجوبُ إعادة الجارِّ إِلاَّ في ضرورةٍ. الثاني: أَنَّهُ يجوزُ ذلك في السَّعةِ مُطْلِقاً، وهو مذهبُ الكُوفيين، وتبعهم أبو الحسن ويونس والشَّلوبين. والثالث: التَّفصيلُ، وهو إِنْ أُكِّد الضَّميرُ؛ جاز العطفُ من غير إعادةِ الخافض نحو: "مَرَرْتُ بِكَ نفسِك، وزيدٍ"، وَإِلاّ فلا يجوز إلا ضرورةً، وهو قول الجَرميّ، والَّذي ينبغي جوازه مُطلقاً لكثرةِ السَّماع الوارد به، وضعفِ دليل المانعين واعتضاده بالقياس. أَمَّا السَّماعُ: ففي النَّثْرِ كقولهم: "مَا فِيهَا غَيْرُه، وفرسِهِ" بجرِّ "فَرَسِهِ" عطفاً على الهاءِ في "غَيْره". وقوله: {أية : تَسَآءَلُونَ بِهِ وَٱلأَرْحَامَ}تفسير : [النساء:1] في قراءة جماعةٍ كثيرة، منهم حمزةُ كما سيأتي إن شاءَ اللهُ، ولولا أَنَّ هؤلاء القرَّاء، رووا هذه اللغة، لكان مقبولاً بالاتِّفاق، فإذا قرءُوا بها في كتاب اللهِ تعالى كان أَولَى بالقبُول. ومنه: {أية : وَمَن لَّسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ}تفسير : [الحجر:20] فـ "مَنْ" عطف على "لَكْم" في قوله تعالى: {أية : لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ}تفسير : [الحجر:20]. وقوله: {أية : وَمَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ}تفسير : [النساء:127] عطف على: "فيهنّ"، وفيما يُتلى عَلَيْكُم. أما النَّظم فكثيرٌ جدّاً، فمنه قولُ العبَّاس بن مرداس: [الوافر] شعر : 1054- أَكُرُّ عَلَى الكَتِيبَةِ لاَ أُبَالِي أَفِيهَا كَانَ حَتْفي أَمْ سِوَاهَا تفسير : فَـ "سِوَاهَا" عطفٌ على "فِيهَا"؛ وقولُ الآخر: [الطويل] شعر : 1055- تُعَلَّقُ فِي مِثْلِ السَّوَارِي سُيُوفُنَا ومَا بَيْنَهَا وَالأَرْضِ غَوْطٌ نَفَانِفُ تفسير : وقول الآخر: [الكامل] شعر : 1056- هَلاَّ سَأَلْتَ بِذِي الجَمَاجِمِ عَنْهُمُ وَأَبِي نُعَيْمٍ ذِي اللِّوَاءِ الْمُحْرِقِ تفسير : وقول الآخر: [الطويل] شعر : 1057- بِنَا أَبَداً لاَ غَيْرِنَا تُدْرَكُ المُنَى وتُكْشَفُ غَمَّاءُ الخُطُوبِ الفَوَادِحِ تفسير : وقول الآخر: [البسيط] شعر : 1058- لَوْ كَانَ لِي وَزُهَيْرٍ ثَالِثٌ وَرَدَتْ مِنَ الحِمَامِ عِدَانَا شَرَّ مَوْرودِ تفسير : وقال الآخر: [الطويل] شعر : 1059- إِذَا أَوْقَدُوا نَاراً لِحَرْبِ عَدُوِّهِمْ فَقَدْ خَابَ مَنْ يَصْلَى بِهَا وَسَعِيرِهَا تفسير : وقول الآخر: [البسيط] شعر : 1060- إِذَا بِنَا بَلْ أُنَيْسَانَ اتَّقَتْ فِئَةٌ ظَلَّتْ مُؤَمَّنَةٌ مِمَّنْ يُعَادِيهَا تفسير : وقول الآخر: [الرجز] شعر : 1061- آبَكَ أَيِّهْ بِيَ أَوْ مُصَدَّرِ مِنْ حُمُرِ الْجِلَّةِ جَأْبٍ حَشْوَرِ تفسير : وأنشد سيبويه: [البسيط] شعر : 1062- فَاليَوْم قَرَّبْتَ تَهْجُونَا وَتشْتِمُنَا فَاذْهَبْ فَمَا بِكَ والأَيَّامِ مِنْ عَجَبِ تفسير : فكثرةُ ورودِ هذا، وتصرُّفُهم في حروفِ العطفِ، فجاءوا تارةً بالواو، وأخرى بـ "لا"، وأخرى بـ "أَمْ"، وأخرى بـ "بَلْ" دليلٌ على جوازِه، وأمَّا ضعفُ الدَّليل: فهو أَنَّهم منعُوا ذلك؛ لأنَّ الضَّمير كالتَّنوين، فكما لا يُعطف على التَّنوين لا يعطفُ عليه إلاَّ بإعادة الجارّ. ووجه ضعفه أَنَّهُ كان بمقتضى هذه العِلَّةِ ألاَّ يُعْطَفَ على الضَّمير مطلقاً، أعْنِي سواءً كان مرفوع الموضعِ، أو منصوبه، أو مجروره، وسواءً أُعيدَ معه الخافِضُ، أم لا كالتَّنوين. وأَمَّا القياسُ، فلأنه تابعٌ من التَّوابع الخمسة، فكما يُؤكَّدُ الضَّميرُ المجرورُ، ويُبْدَلُ منه، فكذلك يُعطفُ عليه. الثالث: أَنْ يكون معطوفاً على {ٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ} ثم بعد هذا طريقان: أحدهما: أنّ قوله: "قِتَالٌ فِيهِ" مبتدأ، وقوله {كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ ٱللهِ وَكُفْرٌ بِهِ} خبر بعد خبر، والتَّقدير: إن قتالاً فيه محكُوم عليه بأنه كبيرٌ، وبأنه صدٌّ عن سبيل اللهِ، وبأنَّهُ كُفرٌ بالله. والطريق الثانِي: أَنْ يكون قوله: {قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ} جملة مبتدأ وخبر وقوله: {وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ ٱللهِ}، فهو مرفوع بالابتداء. وكذا قوله "وكُفْرٌ بِهِ" والخبر محذوفٌ لدلالة ما تقدَّم عليه، والتَّقدير: قل: قتالٌ فيه كبيرٌ وصدٌّ عن سبيلِ اللهِ كبير وكُفرٌ به كبير ونظيره: زَيْدٌ منطلِقٌ وعمرو، وتقديره: وعمرو منطلق. وطعن البصريُّون في هذا فقالوا: أَمَّا قولكم تقدير الآية: يسألونك عن قتالٍ في الشَّهر الحرام وفي المسجد الحرام؛ فهو ضعيف؛ لأَنَّ السُّؤال كان واقعاً عن القتال في الشَّهر الحرام، لا عن القِتَال في المسجدِ الحرامِ، وطعنوا في الوجه الأوَّل بأنَّه يقتضي أَنْ يكون القتال في الشَّهر الحرام كفراً بالله، وهو خطأ بالإجماع. الثاني: بأنَّه قال بعد ذلك {وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ} أي: أكبر مِنْ كُلّ ما تقدَّم، فيلزم أَنْ يكون إخراجُ أهل المسجد الحرام أكبر عند اللهِ من الكُفر، وهو خطأٌ بالإجماع. قال ابن الخطيب: وللفرَّاءِ أن يجيب عن الأَوَّل بأنَّهُ: من الذي أخبركم بأَنَّه ما وقع السُّؤالُ عن القتال في المسجد الحرام، بل الظَّاهر أَنَّهُ وقع؛ لأَنَّ القوم كانُوا مستعظمين للقتال في الشَّهر الحرام في البلد الحرام، وكان أحدهما كالآخر في القبح عند القوم، فالظَّاهر أَنَّهم جمعوهما في السُّؤال، وقولهم: على الوجه الأوَّل يلزم أَنْ يكون قتال في الشَّهر الحرام وكُفر، فنحن نقول به لأَنَّ النَّكرة في سياق الإِثبات لا تفيد العموم. وعندنا أَنَّ قتالاً واحداً في الشهر الحرام كُفرٌ. وقولهم على الثَّاني: يلزم أَن يكون إخراجُ أهلِ المسجدِ منه أكبر من الكفر. قلنا: المُراد أهل المسجد: وهم الرَّسُولُ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ وأصحابه، وإخراج الرَّسُول من المسجد على سبيل الإذلال لا شكّ أنه كُفرٌ، وهو مع كونه كُفراً فهو ظُلْمٌ لأَنَّهُ إيذاء للإنسان مِنْ غير جرمِ سابقٍ، ولا شكّ أن الشيء الَّذي يكون ظُلماً وكُفراً أكبر، وأقبح عند اللهِ ممَّا يكون كفراً، وحده، ولما ذكر أبو البقاء هذا القول - وهو أن يكون معطوفاً على الشَّهر الحرام - أي يسألُونك عن الشَّهرِ الحرامِ وعن المسجدِ الحرام. قال أبو البقاء: وضعف هذا بأنَّ القومَ لم يسألوا عن المسجد الحرام إذ لم يشُكُّوا في تعظيمه، وإنَّما سألوا عن القتال في الشَّهر الحرام. والثاني: القتال في المسجد الحرام؛ لأَنَّهُم لم يَسْأَلوا عن ذات الشَّهر ولا عن ذات المسجد، إِنما سألوا عن القتالِ فيهما؛ فأُجيبوا بأنَّ القتال في الشَّهر الحرامِ كبيرٌ، وصَدٌّ عن سبيلِ الله تعالى، فيكون [قتال] أَخْبر عنه بأنه كبيرٌ، وبأنه صَدٌّ عن سبيل الله، وأُجيبوا بأنَّ القتال في المسجد الحرامِ وإِخراجَ أهله أكبرُ من القتالِ فيه. وفي الجملةِ، فعطفُه على الشَّهر الحَرام متكلَّفٌ جدّاً يبعُدُ عنه نظمُ القُرآنِ، والتركِيبُ الفصيحُ. الرابع: أَنْ يتعلَّق بفعلٍ محذوفٍ دَلَّ عليه المصدرُ تقديره: ويصُدُّون عن المسجد، كما قال تعالى: {أية : هُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّوكُمْ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ}تفسير : [الفتح:25] قاله أبو البقاء، وجعله جيّداً، وهذا غيرُ جيّد؛ لأنه يلزمُ منه حذفُ حرفِ الجَرّ وإبقاءُ عملهِ، ولا يجوزُ ذلك إلا في صورٍ ليس هذا منها، على خلافٍ في بعضها، ونصَّ النَّحويُّون على أنَّه ضرورةٌ؛ كقوله: [الطويل:] شعر : 1063- إِذَا قِيلَ: أَيُّ النَّاسِ شَرُّ قَبِيلَةٍ أَشَارَتْ كُلَيْبٍ بِالأَكُفِّ الأَصَابِعُ تفسير : أي: إلى كُليبٍ فهذه أربعةُ أَوجه، أجودها الثاني. ونقل بعضهم أَنَّ الواو في المسجد هي واو القسم فيكون مجروراً. وأمَّا رفعه فوجهُه أَنَّهُ عطفٌ على "وَكُفْرٌ" على حذف مُضافٍ تقديره "وَكُفْرٌ بالمَسْجِدِ" فحُذِفَت الباءُ، وأُضِيفَ "كُفْرٌ" إلى المسجد، ثمَّ حُذِفَ المضافُ وأُقيم المُضَافُ إليه مُقَامَهُ، ولا يَخْفَى ما فيه من التَّكَلُّفِ. فصل وفي الصَّدِّ عن سبيل اللهِ وجوهٌ: أحدها: أَنَّهُ صدٌّ عن الإِيمان باللهِ ورسوله. وثانيها: صدُّ المسلمين عن الهجرة للرَّسُول عليه السَّلام. وثالثها: صدُّ المسلمين عام الحُدَيبية عن العُمرَة. ولقائل أن يقول: دلّت الرِّوايات على أَنَّ هذه الآية، نزلت قبل غزوة بدرٍ باعثاً للرَّسُول مستحقّاً للعبادة قادراً على البعث، وأما "المَسْجِد الحَرَامِ" فإِنْ عطفناه على الضَّمير في "بِهِ"؛ كان المعنى: وكفر بالمسجد الحرام ومعنى الكفر بالمسجد الحرام هو منعُ النَّاسِ عن الصَّلاَةِ، والطَّواف به، فقد كفروا بما هو السَّبَبُ في فضيلته الَّتي بها يتميَّزُ سائر البقاع. وإن عطفناه على "سَبِيلِ اللهِ" كان المعنى: وصدّ عن المسجد الحرام، وذلك لأَنَّهم صَدُّوا الطَّائفين، والعاكِفِين، والرُّكَّعِ السُّجُود عن المَسْجِدِ الحَرَامِ. قوله: {وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ} عطفٌ على "كُفرٌ"، أو "صَدٌّ" على حسب الخلافِ المتقدِّم، وهو مصدرٌ حُذِف فاعله، وأُضيفَ إلى مفعوله، تقديرُه: "وَإِخْرَاجُكم أَهْلَهُ". والضَّميرُ في "أَهله" و "مِنْهُ" عائدٌ على المَسْجِد وقيل: الضَّمير في "مِنْهُ" عائِدٌ على سبيل الله، والأَوّل أظهرُ و "منه" متعلِّقٌ بالمصدر. قوله: "أَكْبَرُ" فيه وجهان: أحدهما: أنه خبرٌ عن الثلاثة، أعني: صَدّاً وكفراً، وإخراجاً كما تقدَّم، وفيه حينئذٍ احتمالان: أحدهما: أن يكون خبراً عن المجموع، والاحتمالُ الآخرُ أن يكونَ خبراً عنها باعتبار كلِّ واحدٍ، كما تقول: "زيدٌ وبكرٌ وعمرو أفضلُ من خالدٍ"، أي: كلُّ واحِدٍ منهم على انفراده أفضلُ من خالدٍ. وهذا هو الظَّاهِرُ. وإِنّما أُفْرِدَ الخبر؛ لأنه أفضلُ من تقديرِه: أكبر من القتال في الشَّهر الحرامِ. وإنَّما حُذِفَ لدلالةِ المعنى. الثاني من الوجهين في "أَكْبر": أن يكونَ خبراً عن الأَخير، ويكونُ خبر "وَصَدّ" و "كُفْر" محذوفاً لدلالة خبر الثَّالث عليه تقديره: وصدّ وكُفر أكبر. قال أبو البقاء في هذا الوجه: ويجب أَنْ يكون المحذوفُ على هذا أَكْبَر لا "كبير" كما قدَّره بعضهم؛ لأَنَّ ذلك يوجب أن يكُون إخراج أهل المسجد منه أكبرَ من الكُفر، وليس كذلك. وفيما قاله أبو البقاء نظر؛ لأَنَّ هذا القائل يقولُ: حُذِف خبر "وَصَدّ" و "كُفْر" لدلالة خبر "قِتَالٍ" عليه، أي: القتالُ في الشَّهرِ الحرام كبيرٌ، والصَّدّ والكفر كبيران أيضاً، وإخراجُ أهل المسجد أكبرُ من القتالِ في الشَّهْرِ الحرام. ولا يلزمُ من ذلك أَن يكون أكبرَ من مجموعِ ما تقدَّم حتّى يلزمَ ما قاله من المحذور. و "عِنْدَ اللهِ" متعلِّق بـ "أَكْبر"، والعِنْديةُ هنا مَجَازٌ لِما عُرف. فصل في المراد بهذا الإخراج والمرد بهذا الإخراج أنَّهم أخرجوا المسلمين من المسجد، بل من مكة وإنما جعلهم أهلاً له؛ لأنَّهم القائمون بحقوق البيت كقوله تعالى: {أية : وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ ٱلتَّقْوَىٰ وَكَانُوۤاْ أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا}تفسير : [الفتح:26] وقال تعالى: {أية : وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ ٱللهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَمَا كَانُوۤاْ أَوْلِيَآءَهُ إِنْ أَوْلِيَآؤُهُ إِلاَّ ٱلْمُتَّقُونَ}تفسير : [الأنفال:34] فأخبر تعالى: أنَّ المشركين خرجوا بشركهم عن أن يكونوا أولياء المسجد ثم إنه تعالى ذكر هذه الأشياء، وحكم عليها بأنها أكبر، أي: كلُّ واحد منها أكبر من قتال في الشَّهر الحرام، وهذا تفريعٌ على قول الزَّجَّاج؛ لأن كلّ واحدٍ من هذه الأشياء أكبر من قتالٍ في الشهر الحرام، فالكفر أعظم من القتل، أو نقول: كلّ واحدٍ من هذه الأشياء أكبر من قتال في الشَّهر الحرام، وهو القتال الَّذي صدر عن عبد الله بن جحش؛ لأنه ما كان قاطعاً بوقوع ذلك القتال في الشَّهر الحرام، وهؤلاء الكفَّار قاطعون بوقوع هذه الأشياء منهم في الشَّهر الحرام؛ فيلزم أن يكون وقوع هذه الأشياء أكبر حجماً. قوله: {وَٱلْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ ٱلْقَتْلِ} ذكروا في الفتنة قولين: أحدهما - وعليه أكثر المفسِّرين -: أنَّها الكفر، أي: الشّرك الَّذي أنتم عليه أكبر من قتل ابن الحضرميّ في الشَّهر الحرام. قال ابن الخطيب: وهذا يستقيم على قول الفرَّاء، وضعيف على قول الزَّجَّاج؛ لأنَّهُ قد تقدَّم ذكر ذلك، فإنَّه تعالى قال: "وَكُفْر بِهِ أَكْبَرُ" فحمل الفتنة على الكفر يكون تكراراً. والقول الثاني: أن الفتنة ما كانوا يفتنون المسلمين عن دينهم تارة بإلقاء الشُّبهات في قلوبهم، وتارةً بالتَّعذيب كفعلهم ببلال، وعمَّار، وصهيب. قال: محمَّد بن إسحاق: لأن الفتنة عبارة عن الامتحان، يقال: فتنت الذَّهب بالنَّار: إذا أدخلته فيها لتزيل غشَّه قال تعالى: {أية : إِنَّمَآ أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ}تفسير : [التغابن:15]، أي: امتحان؛ لأنَّهُ إذا ألزمه إنفاق المال في سبيل الله، تفكّر في ولده؛ فصار ذلك مانعاً عن الإنفاق وقال تعالى: {أية : الۤـمۤ أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن يُتْرَكُوۤاْ أَن يَقُولُوۤاْ ءَامَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ}تفسير : [العنكبوت:1-2]، أي: لا يمتحنون في دينهم بأنواع البلاء، وقال: {أية : وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً}تفسير : [طه:40] وقال: {أية : فَإِذَآ أُوذِيَ فِي ٱللهِ جَعَلَ فِتْنَةَ ٱلنَّاسِ كَعَذَابِ ٱللهِ}تفسير : [العنكبوت:10] وقال: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ فَتَنُواْ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ}تفسير : [البروج:10] والمراد أنهم آذوهم، وعذبوهم لبقائهم على دينهم. وقال: {أية : إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ}تفسير : [النساء:101]، وقال: {أية : مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ}تفسير : [الصافات:162] وقال: {أية : فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ٱبْتِغَاءَ ٱلْفِتْنَةِ}تفسير : [آل عمران:7] أي: ابتغاء المحبَّة في الدِّين. وقال: {أية : وَٱحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ}تفسير : [المائدة:49] وقال: {أية : رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً}تفسير : [يونس:85] والمعنى: أن يفتنوا بها عن دينهم، فيتزين في أعينهم ما هم فيه من الكفر؛ وقال: {أية : فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ بِأَييِّكُمُ ٱلْمَفْتُونُ}تفسير : [القلم:5-6] قيل: المفتون المجنون؛ لأنَّ المجنون والجنون فتنة إذ هو محنةٌ وعدولٌ عن سبيل العقلاء، وإذا ثبت أنَّ الفتنة هي المحنة، فالفتنة أكبر من القتل؛ لأنَّ الفتنة عن الدِّين تفضي إلى القتل الكبير في الدُّنيا وإلى استحقاق العذاب الدَّائم في الآخرة، فصحَّ أنَّ الفتنة أكبر من القتل فضلاً عن ذلك القتل الَّذي وقع السُّؤال عنه، وهو قتل ابن الحضرميّ. روي أنَّه لما نزلت هذه الآية كتب عبد الله بن جحش إلى مؤمني مكَّة: إذا عيَّركم المشركون بالقتال في الشَّهر الحرام؛ فعيروهم بالكفر، وإخراج رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقتال من مكَّة ومنع المؤمنين عن البيت الحرام. وصرح هنا بالمفضول في قوله: {وَٱلْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ ٱلْقَتْلِ}؛ لأنه لا دلالة عليه لو حذف بخلاف الذي قبله حيث حذف. قوله: {وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ} هذا فعل لا مصدر له، قال الواحديّ: ما زال يفصل ولا يقال منه: فاعل، ولا مفعول، ومثاله في الأفعال كثير نحو "عَسَى" ليس له مصدرٌ، ولا مضارع، وكذلك ذو، وما فتِىءَ، وهلمّ، وهاكَ وهات وتعال وتعالوا. ومعنى "لاَ يَزَالُونَ": نفي: فإذا دخلت عليه "مَا" كان ذلك نفياً للنَّفي، فيكون دليلاً على الثُّبوت الدَّائم. قوله تعالى: {حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ} حتى حرف جرِّ، ومعناها يحتمل وجهين: أحدهما: الغاية. والثاني: التَّعليل بمعنى كي، والتَّعليل أحسن؛ لأن فيه ذكر الحامل لهم على الفعل، والغاية ليس فيها ذلك ولذلك لم يذكر الزَّمخشريُّ غير كونها للتَّعليل قال: "وَحَتّى" معناها التَّعليل كقولك: "فُلاَنٌ يُعْبُدُ اللهَ، حَتَّى يَدْخُلَ الجَنَّة"، أي: يُقَاتِلُونَكُم كي يردُّوكم". ولم يذكر ابن عطيَّة غير كونها غاية قال: "وَ "يَرُدُّوكُم" نصب بـ "حَتّى"؛ لأنَّها غاية مجرّدة. وظاهر قوله: "مَنْصُوبٌ بِحَتّى" أنه لا يضمر "أنْ" لكنَّه لا يريد ذلك، وإن كان بعضهم يقول بذلك. والفعل بعدها منصوب بإضمار أن وجوباً. و "يَزَالُونَ" مضارع زال النَّاقصة التي ترفع الاسم، وتنصب الخبر، ولا تعمل إلا بشرط أن يتقدَّمها نفيٌ، أو نهي، أو دعاء، وقد يحذف النَّافي باطِّراد إذا كان الفعل مضارعاً في جواب قسم، وإلاَّ فسماعاً، وأحكامها في كتب النَّحو، ووزنها فعل بكسر العين، وهي من ذوات الياء بدليل ما حكى الكسائيُّ في مضارعها: يزيل، وإن كان الأكثر يزال، فأمَّا زال التَّامَّة، فوزنها فعل بالفتح، وهي من ذوات الواو لقولهم في مضارعها يزول، ومعناها التَّحوُّل. و "عَنْ دِينكُمْ" متعلق بـ "يردُّوكُم" وقوله: "إِن اسْتَطَاعُوا" شرط جوابه محذوف للدلالة عليه، أي: إن استطاعوا ذلك، فلا يزالوا يقاتلونكم، ومن رأى جواز تقديم الجواب، جعل "لاَ يَزَالُونَ" جواباً مقدّماً، وقد تقدَّم الرَّدُّ عليه بأنَّه كان ينبغي أن تجب الفاء في قولهم: "أَنْتَ ظَالِمٌ إِن فَعَلْتَ". قوله: "مَن يَرْتَدِدْ" "مَنْ" شرطيّة في محلِّ رفع بالابتداء، ولم يقرأ أحدٌ هنا بالإدغام، وفي المائدة [آية54] اختلفوا فيه، فنؤخِّر الكلام على هذه المسألة إلى هناك إن شاء الله تعالى. ويرْتَدِدُ يَفْتَعِلُ من الرَّدِّ وهو الرُّجوع كقوله: {أية : فَٱرْتَدَّا عَلَىٰ آثَارِهِمَا قَصَصاً}تفسير : [الكهف:64]. قال أبو حيَّان: "وقد عَدَّها بعضُهم فيما يَتَعَدَّى إلى اثْنَيْنِ إذْ كانت عنده بمعنى صَيَّر، وجَعَلَ من ذلك قوله: {أية : فَٱرْتَدَّ بَصِيراً}تفسير : [يوسف:96] أي: رجَع" وهذا منه سهوٌ؛ لأنَّ الخلاف إنَّما هو بالنِّسبة إلى كونها بمعنى صار، أم لا، ولذلك مثلوا بقوله: "فَارْتدَّ بَصِيراً" فمنهم من جعلها بمعنى: "صَارَ"، ومنهم من جعل المنصوب بعدها حالاً، وإلاّ فأين المفعولان هنا؟ وأمَّا الذي عدُّوه يتعدَّى لاثنين بمعنى: "صَيَّر"، فهو ردَّ لا ارْتَدَّ، فاشتبه عليه ردَّ بـ "ارْتَدَّ" وصيَّر بـ "صَارَ". وقال الواحديُّ: وأظهر التَّضعيف مع الجزم، ولسكون الحرف الثاني، وهو أكثر في اللُّغة من الإدغام. و "منكم" متعلِّقٌ بمحذوفٍ؛ لأنَّه حالٌ من الضَّمير المستكن في "يَرْتَدِدْ" و "من" للتَّبعيض، تقديره: ومن يَرْتَدِدْ في حال كونه كائناً منكم، أي: بعضكم. و "عَنْ دِينِهِ" متعلِّقٌ بـ "يَرْتَدد"، و "فَيَمُتْ" عطفٌ على الشَّرط، والفاء مؤذنةٌ بالتَّعقيب. "وَهُوَ كَافِرٌ" جملةٌ حاليةٌ من ضمير: "يَمُتْ"، وكأنَّها حالٌ مؤكِّدَةٌ؛ لأنَّها لو حذفت لفهم معناها، لأنَّ ما قبلها يشعر بالتَّعقيب للارتداد، وجيءَ بالحال هنا جملةً، مبالغة في التأكيد من حيث تكرُّر الضَّمير بخلاف ما لو جيء بها اسماً مفرداً. وقوله: {فَأُوْلۤـٰئِكَ} جواب الشَّرط. قال أبو البقاء: و "مَنْ" في موضع مبتدأ، والخبر هو الجملة التي هي قوله: {فَأُوْلۤـٰئِكَ حَبِطَتْ}، وكان قد سلف له عند قوله: {أية : فَمَن تَبِعَ هُدَايَ}تفسير : [البقرة:38] أن خبر اسم الشَّرط هو فعل الشَّرط لا جوابه، وردَّ على من يدَّعي ذلك بما حكيته عنه ثمَّة، ويبعد منه توهُّمُ كونها موصولةً لظهور الجزم في الفعل بعدها، ومثله لا يقع في ذلك. و "حَبِطَ" فيه لغتان: كسر العين - وهي المشهورة - وفتحها، وبها قرأ أبو السَّمَّال في جميع القرآن، ورويت عن الحسن أيضاً. والحبوط: أصله الفساد. قال أهل اللُّغة: أصل الحبط أن تأكل الإبل شيئاً يضرّها، فتعظم بطونها، فتهلك. وفي الحديث: "حديث : وَإِنَّ مِمَّا يُنْبِتُ الرَّبِيعُ مَا يَقْتُلُ حَبَطاً"تفسير : ، وذلك أنَّ الإبل تأكل من المرعى إلى أن تنتفخ بطنها؛ فتموت البطن. ومنه: "حَبِطَ بَطْنُه"، أي: انتفخ، ومنه "رَجلٌ حَبَنْطَى"، أي: منتفخ البطن. وحمل أوّلاً على لفظ "مَنْ" فأفرد في قوله: "يَرٍْتَدِدْ، فيمت، وهو كَافِرٌ" وعلى معناها ثانياً في قوله: "فَأُولَئِكَ" إلى آخره، فجمع، وقد تقدَّم أنَّ مثل هذا التَّركيب أحسن الاستعمالين: أعني الحمل أوّلاً على اللَّفظ، ثمَّ على المعنى. وقوله "في الدُّنْيَا" متعلِّقٌ بـ "حَبِطَتْ". وقوله: {وَأُوْلۤـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ} إلى آخره تقدَّم إعراب نظيرتها. واختلفوا في هذه الجملة: هل هي استئنافيّةٌ، أي: لمجرَّد الإخبار بأنَّهم أصحاب النَّار، فلا تكون داخلةً في جزاء الشَّرط، بل تكون معطوفةً على جملة الشَّرط، أو هي معطوفة على الجواب؛ فيكون محلُّها الجزم؟ قولان، رجِّح الأوَّل بالاستقلال وعدم التّقييد، والثَّاني بأنَّ عطفها على الجزاء أقرب من عطفها على جملة الشَّرط، والقرب مرجِّحٌ. فصل فيمن خرج من كفر إلى كفر قال القرطبيُّ: اختلفوا فيمن خرج من كفر إلى كفر؛ فقال جمهور الفقهاء: لا يتعرَّض له؛ لأنَّه انتقل ما لو كان عليه في الابتداء لأقر عليه وعن الشَّافعيّ: أنَّه يقتل؛ بقوله عليه السَّلام: "حديث : مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ" تفسير : وقال مالكٌ: معناه: من خرج من الإسلام إلى الكفر، فأمَّا من خرج من كفر إلى كفر، فلم يعنه الحديث. فصل في اقتضاء الآية شرط الوفاة ظاهر الآية يقتضي أنَّ الوفاة شرطٌ لثبوت الأحكام المذكورة. ويتفرَّع عليه بحثان: بحثٌ أصولي، وبحثٌ فروعي. فالأصوليُّ: أنَّ جماعةً من المتكلِّمين قالوا: شرط صحَّة الإيمان والكفر حصول الوفاة، فلا يكون الإيمان إيماناً، إلاَّ إذا مات المؤمن، ولا يكون الكفر كفراً، إلاَّ إذا مات الكافر عليه. وأما البحث الفروعيُّ: فهو أنَّ المسلم إذا صلَّى، ثم ارتدّ، ثمَّ أسلم في الوقت؛ قال الشافعيُّ: لا إعادة عليه. وقال أبو حنيفة: يلزمه قضاء ما أدى وكذلك الحج، حجة الشَّافعي قوله تعالى: {فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلۤـٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ} شرطٌ في إحباط العمل أن يموت وهو كافرٌ، وهذا الشَّخص لم يوجد في حقِّه هذا الشَّرط؛ فوجب ألاَّ يصير عمله محبطاً. فإن قيل: هذا معارض بقوله تعالى: {أية : وَلَوْ أَشْرَكُواْ لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ}تفسير : [الأنعام:88] وقوله: {أية : وَمَن يَكْفُرْ بِٱلإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ}تفسير : [المائدة:5]. ولا يقال: حمل المطلق على المقيَّد واجبٌ؛ لأنَّا نقول: ليس هذا من باب المطلق والمقيَّد؛ فإنَّهم أجمعوا على أنَّ من علَّق حكماً بشرطين، وعلقه بشرط، أنَّ الحكم ينزل عند أيِّهما وجد كمن قال لعبده: أنت حرٌّ؛ إذا جاء يوم الخميس، ولم يكن في ملكه، ثم اشتراه، ثم جاء يوم الخميس؛ عتق ولو كان باعه، فجاء يوم الخميس وهو في ملكه عتق بالتعليق الأوَّل. فصل في محل إحباط العمل ليس المراد من إحباط العمل نفس العمل؛ لأنَّ العمل شيء كما وجد، فَنِيَ وزَال، وإعدم المعدوم محال. ثمَّ اختلف المتكلِّمون فيه؛ فقال المثبتون للإحباط والتَّكفير: المراد منه أنَّ عقاب الرِّدَّةِ الحادثة يزيل ثواب الإيمان السَّابق، إمَّا بشرط الموازنة على ما هو مذهب أبي هاشمٍ وجمهور المتأخرين من المعتزلة، أو لا بشرط الموازنة على ما هو مذهب أبي علي. وقال المنكرون للإِحباط: هذا المعنى المراد من الإحباط الوارد في كتاب الله، هو أنَّ المرتدَّ إذا أتى بالرِّدَّة فتلك الرِّدة عمل محبط؛ لأنَّ الآتي بالرِّدَّة كان يمكنه أن يأتي بدلها بعمل يستحق به ثواباً، فإذا لم يأت بذلك العمل الجيِّد، وأى بدله بهذا العمل الرَّدِيءِ، لا يستفيد منه نفعاً، بل يستفيد منه أعظم المضارّ، يقال: إنَّه حبط عمله، أي: بعملٍ باطلٍ، ليس فيه فائدة، بل فيه مضرَّةٌ. فصل في الإحباط في الدنيا أمَّا إحباط الأعمال في الدُّنيا، فهو أنَّه يقتل عند الظَّفر به، ويقاتل إلى أن يظفر به، ولا يستحقُّ من المؤمنين موالاةً ولا نصراً، ولا ثناءً حسناً، وتبين زوجته منه، ولا يستحقُّ الميراث من المسلمين. ويجوز أن يكون المعنى في إحباط أعمالهم في الدُّنيا، هو أنَّ ما يريدونه بعد الرِّدَّة من الإضرار بالمسلمين، ومكايدتهم بالانتقال عن دينهم يبطل كله، فلا يحصلون منه على شيء لإعزاز الله الإسلام بأنصاره؛ فتكون الأعمال على هذا التَّأويل ما يعملونه بعد الرِّدَّة، وأمَّا إحباط أعمالهم في الآخرة، فعند القائلين بالإحباط معناه: إنَّ هذه الرِّدَّة تبطل استحقاقهم للثَّواب الذي استحقُّوه بأعمالهم السَّالفة. وعند المنكرين لذلك معناه: أنَّهم لا يستفيدون من تلك الرِّدَّة ثواباً، ونفعاً في الآخرة، بل يستفيدون منه أعظم المضارِّ، ثمَّ بين كيفيَّة تلك المضرَّة فقال: {وَأُوْلۤـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}. فصل قال القرطبيُّ: قالت طائفةٌ: يستتاب المرتدُّ؛ فإن تاب وإلاَّ قتل. وقال بعضهم: يُسْتَتَابُ ساعةً واحدةً. وقال آخرون: يُسْتَتَابُ شهراً. وقال آخرون: يُسْتَتَابُ ثلاثاً، على ما روي عن عمر وعثمان، وهو قول مالك في رواية ابن القاسم. وقال الحسن: يُسْتَتَابُ مائة مرَّةٍ، وروي عنه أنَّه يقتل دون استتابةٍ، وهو أحد قولي الشَّافعيّ. واحتجّ من قال بأنّه يقتلُ ولا يستتاب، بحديث معاذٍ، وأبي موسى: أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم لما بعث أبا موسى إلى اليمن أتبعه معاذ بن جبل، فلمَّا قدم عليه قال: انزل، وألقى له وسَادَةٌ، وإذا رجُلٌ عنده موثقٌ، قال: مَا هَذَا؟ قال: كَانَ يُهُودِياً، فأسلم، ثم راجع دينه، فتهوَّد، قال: لا أجلس حتّى يُقتل، قضاء الله ورسوله ثلاث مرَّات، وأمر به فقتل. أخرجه "مُسْلِمٌ" وغيره. وقال مالك: يُقْتَلُ الزِّنْدِيقُ، ولا يُسْتَتَابُ.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والبيهقي في سننه بسند صحيح عن جندب بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم ‏"‏أنه بعث رهطاً وبعث عليهم أبا عبيدة بن الجراح، أو عبيدة بن الحرث، فلما ذهب لينطلق بكى صبابة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجلس وبعث مكانه عبد الله بن جحش، وكتب له كتاباً وأمره أن لا يقرأ الكتاب حتى يبلغ مكان كذا وكذا، وقال‏:‏ لا تكرهن أحداً على السير معك من أصحابك، فلما قرأ الكتاب استرجع وقال‏:‏ سمعاً وطاعة لله ولرسوله، فخبرهم الخبر وقرأ عليهم الكتاب، فرجع رجلان ومضى بقيتهم، فلقوا ابن الحضرمي فقتلوه، ولم يدروا أن ذلك اليوم من رجب أو جمادى، فقال المشركون للمسلمين‏:‏ قتلتم في الشهر الحرام، فأنزل الله ‏ {‏يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه‏.‏‏.‏‏.‏‏} ‏ الآية‏.‏ فقال بعضهم إن لم يكونوا أصابوا وزراً فليس لهم أجر، فأنزل الله ‏ {‏إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمة الله والله غفور رحيم‏}‏ ‏"‏‏.‏ وأخرج البزار عن ابن عباس في قوله ‏ {‏يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه‏} قال‏ بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن فلان في سرية، فلقوا عمرو بن الحضرمي ببطن نخلة، فذكر الحديث‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال ‏"‏إن المشركين صدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وردوه عن المسجد الحرام في شهر حرام، ففتح الله على نبيه في شهر حرام من العام المقبل، فعاب المشركون على رسول الله صلى الله عليه وسلم القتال في شهر حرام، فقال الله ‏ {‏قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله‏}‏ من القتال فيه، وأن محمداً صلى الله عليه وسلم بعث سرية، فلقوا عمرو بن الحضرمي وهو مقبل من الطائف في آخر ليلة من جمادى وأول ليلة من رجب، وأن أصحاب محمد كانوا يظنون أن تلك الليلة من جمادى، وكانت أول رجب ولم يشعروا، فقتله رجل منهم وأخذوا ما كان معه، وأن المشركين أرسلوا يعيرونه بذلك، فقال الله {‏يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير‏}‏ وغيره أكبر منه ‏ {‏وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام‏}‏ وإخراج أهل المسجد الحرام منه أكبر من الذي أصاب أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، والشرك أشد منه‏"‏‏.‏ وأخرج ابن إسحق حدثني الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال‏:‏ نزل فيما كان من مصاب عمرو بن الحضرمي ‏{‏يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه‏...} ‏ إلى آخر الآية‏.‏ وأخرج ابن منده وابن عساكر من طريق عكرمة عن ابن عباس ‏"‏أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث صفوان بن بيضاء في سرية عبد الله بن جحش قبل الأبواء، فغنموا وفيهم نزلت ‏{‏يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏"‏‏.‏ وأخرج ابن جرير من طريق السدي ‏"‏أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث سرية وكانوا سبعة نفر عليهم عبد الله بن جحش الأسدي، وفيهم عمار بن ياسر، وأبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة، وسعد بن أبي وقاص، وعتبة بن غزوان السلمي حليف لبني نوفل، أو سهيل بن بيضاء، وعامر بن فهيرة، وواقد بن عبد الله اليربوعي حليف لعمر بن الخطاب، وكتب مع ابن جحش كتاباً وأمره أن لا يقرأه حتى ينزل ملل، فلما نزل ببطن ملل فتح الكتاب، فإذا فيه أن سر حتى تنزل بطن نخلة‏.‏ قال لأصحابه‏:‏ من كان يريد الموت فليمض وليوص فإني موص وماض لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسار وتخلف عنه سعد بن أبي وقاص، وعتبة بن غزوان، أضلا راحلة لهما وسار ابن جحش إلى بطن نخلة، فإذا هم بالحكم بن كيسان، وعبد الله بن المغيرة بن عثمان، وعمرو الحضرمي، فاقتتلوا فأسروا الحكم بن كيسان، وعبد الله بن المغيرة، وانقلب المغيرة وقتل عمرو الحضرمي قتله واقد بن عبد الله، فكانت أول غنيمة غنمها أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، فلما رجعوا إلى المدينة بالأسيرين وما غنموا من الأموال قال المشركون‏:‏ محمد يزعم أنه يتبع طاعة الله وهو أول من استحل الشهر الحرام، فأنزل الله ‏ {‏يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير‏}‏ لا يحل وما صنعتم أنتم يا معشر المشركين أكبر من القتل في الشهر الحرام حين كفرتم بالله وصددتم عنه محمداً ‏ {‏والفتنة‏} ‏ وهي الشرك أعظم عند الله من القتل في الشهر الحرام، فذلك قوله ‏{‏وصد عن سبيل الله وكفر به‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏"‏‏.‏ وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد قال ‏"‏إن رجلاً من بني تميم أرسله النبي صلى الله عليه وسلم في سرية، فمر بابن الحضرمي يحمل خمراً من الطائف إلى مكة فرماه بسهم فقتله، وكان بين قريش ومحمد عقد فقتله في آخر يوم من جمادى الآخرة وأول يوم من رجب‏.‏ فقالت قريش‏:‏ في الشهر الحرام ولنا عهد‏؟‏ فأنزل الله ‏{‏قل قتال فيه كبير‏.‏‏.‏‏.‏‏} ‏ الآية‏.‏ يقول‏:‏ كفر به وعبادة الأوثان أكبر من قتل ابن الحضرمي‏"‏‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن أبي مالك الغفاري قال ‏"‏بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن جحش، فلقي ناساً من المشركين ببطن نخلة والمسلمون يحسبون أنه آخر يوم من جمادى وهو أول يوم من رجب، فقتل المسلمون ابن الحضرمي‏.‏ فقال المشركون‏:‏ ألستم تزعمون أنكم تحرمون الشهر الحرام والبلد الحرام، وقد قتلتم في الشهر الحرام‏؟‏ فأنزل الله ‏ {‏يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه‏}‏ إلى قوله ‏ {‏أكبر عند الله‏}‏ من الذي استكبرتم من قتل ابن الحضرمي ‏ {‏والفتنة‏} ‏ التي أنتم عليها مقيمون يعني الشرك ‏ {‏أكبر من القتل‏}‏‏ .‏ وأخرج البيهقي في الدلائل من طريق الزهري عن عروة ‏"‏أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث سرية من المسلمين، وأمر عليهم عبد الله بن جحش الأسدي، فانطلقوا حتى هبطوا نخلة، فوجدوا فيها عمرو بن الحضرمي في عبر تجارة لقريش في يوم بقي من الشهر الحرام، فاختصم المسلمون فقال قائل منهم‏:‏ هذه غرة من عدوّ وغنم رزقتموه، ولا ندري أمن الشهر الحرام هذا اليوم أم لا‏.‏ وقال قائل‏:‏ لا نعلم اليوم إلا من الشهر الحرام ولا نرى أن تستحلوه لطمع أشفقتم عليه، فغلب على الأمر الذين يريدون عرض الدنيا فشدوا على ابن الحضرمي فقتلوه وغنموا عيره‏،‏ فبلغ ذلك كفار قريش وكان ابن الحضرمي أوّل قتيل قتل بين المسلمين والمشركين، فركب وفد كفار قريش حتى قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة فقالوا‏:‏ أتحل القتال في الشهر الحرام‏؟‏ فأنزل الله عز وجل ‏{‏يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ إلى آخر الآية‏.‏ فحدثهم الله في كتابه‏:‏ إن القتال في الشهر الحرام حرام كما كان، وإن الذين يستحلون من المؤمنين هو أكبر من ذلك، فمن صدهم عن سبيل الله حين يسخمونهم ويعذبونهم ويحبسونهم أن يهاجروا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكفرهم بالله وصدهم للمسلمين عن المسجد الحرام في الحج والعمرة والصلاة فيه، وإخراجهم أهل المسجد الحرام وهم سكانه من المسلمين وفتنتهم إياهم عن الدين، فبلغنا أن النبي صلى الله عليه وسلم عقل ابن الحضرمي وحرم الشهر الحرام كما كان يحرمه، حتى أنزل الله عز وجل ‏{أية : ‏براءة من الله ورسوله‏} تفسير : ‏[التوبة: 1‏]‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وأبو داود في ناسخه وابن جرير وابن أبي حاتم عن الزهري ومقسم قالا‏ "‏لقي واقد بن عبد الله عمرو بن الحضرمي أوّل ليلة من رجب وهو يرى أنه من جمادى فقتله، فأنزل الله ‏{‏يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏.‏ قال الزهري‏:‏ فكان النبي صلى الله عليه وسلم فيما بلغنا يحرم القتال في الشهر الحرام، ثم أحل بعد‏"‏‏.‏ وأخرج ابن إسحق وابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي من طريق يزيد بن رومان عن عروة قال ‏"‏بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن جحش إلى نخلة فقال له‏:‏ كن بها حتى تأتينا بخبر من أخبار قريش ولم يأمره بقتال وذلك في الشهر الحرام، وكتب له كتاباً قبل أن يعلمه أنه يسير فقال‏:‏ اخرج أنت وأصحابك حتى إذا سرت يومين فافتح كتابك وانظر فيه، فما أمرتك به فامض له ولا تستكرهن أحداً من أصحابك على الذهاب معك، فلما سار يومين فتح الكتاب فإذا فيه‏:‏ أن امض حتى تنزل نخلة فتأتينا من أخبار قريش بما اتصل إليك منهم‏.‏ فقال لأصحابه حين قرأ الكتاب‏:‏ سمعاً وطاعة من كان منكم له رغبة في الشهادة فلينطلق معي فإني ماضٍ لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن كره ذلك منكم فليرجع فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد نهاني أن أستكره منكم أحداً، فمضى معه القوم حتى إذا كانوا بنجران أضل سعد بن أبي وقاص، وعتبة بن غزوان، بعيراً لهما كانا يتعقبانه، فتخلفا عليه يطلبانه‏.‏ ومضى القوم حتى نزلوا نخلة فمر بهم عمرو بن الحضرمي، والحكم بن كيسان، وعثمان، والمغيرة بن عبد الله، معهم تجارة قد مروا بها من الطائف‏ أدم وزيت، فلما رآهم القوم أشرف لهم واقد بن عبد الله وكان قد حلق رأسه، فلما رأوه حليقاً قال عمار‏:‏ ليس عليكم منهم بأس وائتمر القوم بهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو آخر يوم من جمادى، فقالوا‏:‏ لئن قتلتموهم إنكم لتقتلونهم في الشهر الحرام، ولئن تركتموهم ليدخلن في هذه الليلة حرم مكة فيمتنعن منكم‏.‏ فأجمع القوم على قتلهم، فرمى واقد بن عبد الله التميمي عمرو بن الحضرمي بسهم فقتله، واستأسر عثمان بن عبد الله، والحكم بن كيسان، وهرب المغيرة فاعجزهم‏.‏ واستاقوا العير فقدموا بها على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لهم‏:‏ والله ما أمرتكم بقتال في الشهر الحرام، فأوقف رسول الله صلى الله عليه وسلم الأسيرين والعير فلم يأخذ منها شيئاً، فلما قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قد سقط في أيديهم، وظنوا أن قد هلكوا وعنفهم اخوانهم من المسلمين، وقالت قريش حين بلغهم أمر هؤلاء‏:‏ قد سفك محمد الدم الحرام، وأخذ المال، وأسر الرجال، واستحل الشهر الحرام، فأنزل الله ‏في ذلك {‏يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه‏.‏‏.‏‏.‏‏} ‏ الآية‏.‏ فلما نزل ذلك أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم العير، وفدى الأسيرين‏.‏ فقال المسلمون‏:‏ يا رسول الله أنطمع أن يكون لنا غزوة‏؟‏ فأنزل الله ‏ {‏إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمة الله‏}‏ وكانوا ثمانية وأميرهم التاسع عبد الله بن جحش‏"‏‏. وأخرج ابن جرير عن الربيع في قوله ‏ {‏يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه‏} ‏ قال‏:‏ يقول‏:‏ يسألونك عن قتال فيه قال‏:‏ وكذلك كان يقرأها‏ {‏عن قتال فيه‏}‏.‏ وأخرج ابن أبي داود في المصاحف عن الأعمش قال‏:‏ في قراءة عبد الله ‏{‏يسألونك عن الشهر الحرام عن قتال فيه} . وأخرج ابن أبي داود عن عكرمة‏.‏ أنه كان يقرأ هذا الحرف ‏ {‏قتل فيه‏}‏‏ .‏ وأخرج عن عطاء بن ميسرة قال‏:‏ أحل القتال في الشهر الحرام في براءة في قوله ‏{أية : ‏فلا تظلموا فيهن أنفسكم وقاتلوا المشركين كافة‏}تفسير : ‏[‏التوبة: 36‏]‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن سفيان الثوري‏.‏ أنه سئل عن هذه الآية فقال‏:‏ هذا شيء منسوخ، ولا بأس بالقتال في الشهر الحرام‏.‏ وأخرج النحاس في ناسخه من طريق جويبر عن الضحاك عن ابن عباس قال‏:‏ قوله ‏{‏يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه‏} ‏ أي في الشهر الحرام‏.‏ قال ‏{‏قتال فيه كبير‏}‏ أي عظيم، فكان القتال محظوراً حتى نسخة آية السيف في براءة ‏{أية : ‏فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم‏} ‏تفسير : [‏التوبة: 5‏]‏ فأبيح القتال في الأشهر الحرم وفي غيرها‏.‏ وأخرج ابن المنذر عن ابن عمر ‏{‏والفتنة أكبر من القتل‏}‏ قال‏:‏ الشرك‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد ‏{‏ولا يزالون يقاتلونكم‏} ‏ قال‏:‏ كفار قريش‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن الربيع بن أنس في قوله ‏{‏أولئك يرجون رحمة الله‏}‏ قال‏:‏ هؤلاء خيار هذه الأمة، ثم جعلهم الله أهل رجاء‏.‏ إنه من رجا طلب، ومن خاف هرب‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في الآية قال‏:‏ هؤلاء خيار هذه الأمة، جعلهم الله أهل رجاء كما تسمعون‏.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ ٱللَّهِ وَٱلْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ ٱلْقَتْلِ}. من المعاصي ما يكون أشد من غيره وأصعب في المعنى، فسوء الأدب على الباب لا يُوجِب ما يُوجبه على البساط؛ فإذا حصلت الزلة بالنَّفْس فأثرها بالعقوبة المؤجلة وهي الاحتراق، وإذا زلّ القلب فالعقوبة معجلة وهي بالفراق، وأثر الغفلة على القلوب أعظم من ضرر الزلة على النفوس، فإن النفس عن الحظ تبقى، والقلب عن الحق يبقى. قوله جلّ ذكره: {وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِن اسْتَطَاعُواْ وَمَن يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلۤـٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ وَأُوْلۤـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}. الإشارة من هذا أن أهل الغفلة إذا راودوك أرادوا صَرْفَكَ إلى ما هم عليه من الغفلة، فلا يرضون إلا بأن تفسخ عقد إرادتك بما تعود إليه من سابق حالتك، ومَنْ فسخ مع الله عهده مَسخَ قلبه.

البقلي

تفسير : {يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ} اى اقل احانين اقبال الحق على العباد بنعت بسط الاء مشاهدة القرية وازدياد المعرفة على اهل الصفولة مقرونة بظهرو انوار جماله سابقة لهم بشرط الارادة القديمة في اكناف طلاب المشاهدة في ازالة مرسومها متفاوتة بتفاوت بروز سناء تجلى الجلالُ والجمال فى تقليب وهو الحوادث فاشجار بساتين الاسحار لا طيا راواح الاخيار وانوار النهار المبرز بنور القدس لا شباح الابراد ولكل وقت من اوقات انكشاف نور الحضرة حرمة بقدر ووقوع وقائع اهل القصة واخطرات فيها من النفوس الامارة اعظم وهو احسبها اكبر لان الاجرام فى مواطن قربه اثهن حجابا والحرب فى بواطن الانس اسرع عقابا {وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِن اسْتَطَاعُواْ} الحساد لا يزالون يمركون باولياء الله لكى يوبقهم باعين الحسادة وانفس الامارة لانهم لا يطيقون ان يروا نعم الله على احبائه واوليائه حسدا من عند انفسهم واحسد الخلق باصفيائه هو الشيطان الذى كل وقت يترصد افاتهم فالاشارة فيه من الله تعالى لاوليائه انه يحذرهم من غنرة العدو لانه يحسد بهم نقاسه عليهم بوجدان مشاهدة حضرته نوال قربته لان من نكص على عقب النفس بعد ادراك معرفة الحق فقد هلك مع الهالكين وسقط عن درجة السالكين العارفين وبقى فى حجاب الغفلة وظلمات الجهل مع الجاهلين نعوذ بالله من الخذلان عبد وجدان الايمان والعرفان.

اسماعيل حقي

تفسير : {يسألونك عن الشهر الحرام} روى ان النبى صلى الله تعالى عليه وسلم بعث عبد الله بن جحش وهو ابن عمته صلى الله عليه وسلم اخت ابيه فى جمادى الآخرة قبل قتال بدر بشهرين على رأس سبعة عشر شهرا من مقدمه المدينة وبعث معه ثمانية رهط من المهاجرين سعد بن ابى وقاص الزهرى وعكاشة بن محصن الاسدى وعتبة بن غزوان السلمى وابا حذيفة بن ربيعة وسهيل بن بيضاء وعامر بن ربيعة وواقد بن عبد الله وخالد بن بكير وكتب لاميرهم عبد الله بن جحش كتابا وقال "حديث : سر على اسم الله ولا تنظر فى الكتاب حتى تسير يومين فاذا نزلت فافتح الكتاب واقرأه على اصحابك ثم امض لما امرتك ولا تكرهن احدا من اصحابك على السير معكbr>". تفسير : فسار عبد الله يومين ثم نزل وفتح الكتاب فاذا فيه "حديث : بسم الله الرحمن الرحيم اما بعد فسر على بركة الله بمن تبعك من اصحابك حتى تنزل بطن نخلة فترصد بها عير قريش لعلك ان تأتينا منها بخيرbr>". تفسير : فلما نظر فى الكتاب قال سمعا وطاعة ثم قال لاصحابه ذلك وقال انه نهانى ان اكره احدا منكم فمن كان يريد الشهادة فلينطلق ومن كره فليرجع ثم مضى ومضى معه اصحابه لم يتخلف عنه منهم احد حتى كاد يقعد فوق القزع بموضع من الحجاز يقال له بحران فاضل سعد بن ابى وقاص وعتبة بن غزوان بعيرا لهما يعتقبانه فتخلفا فى طلبه ومضى بقية اصحابه حتى نزلوا بطن نخلة بين مكة والطائف فبينما هم كذلك مرت عير قريش تحمل زبيبا وادما وتجارة من تجارة الطائف فيهم عمرو بن الحضرمى والحكم بن كيسان مولى هشام بن المغيرة واخوه نوفل بن عبد الله المخزوميان فلما رأوا اصحاب رسول الله هابوهم فقال عبد الله ابن جحش ان القوم قد ذعروا منكم فاحلقوا رأس رجل منكم فليتعرض لهم فحلقوا رأس عكاشة ثم اشرف عليهم فقال قوم عمار لا بأس عليكم فأمنوا وكان ذلك فى آخر يوم من جمادى الآخرة وكانوا يرونه من جمادى وهو من رجب فتشاور القوم وقالوا ان تركتموهم الليلة ليدخلن الحرم فليمنعن منكم فاجمعوا امرهم فى مواقعة القوم فرمى واقد بن عبد الله السهمى عمرو ابن الحضرمى بسهم فقتله وكان اول قتيل من المشركين وهو اول قتيل فى الهجرة واستأسروا الحكم بن كيسان وعثمان بن عبد الله وكان اول اسيرين فى الاسلام وافلت نوفل على فرس له فاعجزهم واستاق المؤمنون العير والاسيرين حتى قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت قريش قد استحل محمد الشهر الحرام شهرا يأمن فيه الخائف وينذعر فيه الناس لمعايشهم اى يتفرقون فى البلاد فسفك فيه الدماء واخذ الجرائب وعير بذلك اهل مكة من كان بها من المسلمين وقالوا يا معشر الصباة استحللتم الشهر الحرام وقاتلتم فيه وبلغ ذلك رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فقال عليه السلام لابن حجش واصحابه "حديث : ما امرتكم بالقتال فى الشهر الحرام" تفسير : ووقف العير والاسيرين اى جعلها وموقوفة وما قسمها بين الغانمين وابى ان يأخذ شيأ من ذلك ينتظر الاذن من الله فعظم ذلك على اصحاب السرية وظنوا ان قد هلكوا وسقط فى ايديهم وقالوا يا رسول الله انا قتلنا ابن الحضرمى ثم امسينا فنظرنا الى هلال رجب فلا ندرى أفى رجب اصبناه ام فى جمادى فاكثر الناس فى ذلك فانزل الله هذه الآية فاخذ رسول الله العير فعزل منها الخمس وكان اول خمس فى الاسلام وقسم الباقى بين اصحاب السرية وكانت اول غنيمة فى الاسلام وبعث اهل مكة فى فداء اسيريهم فقال بل نقفهما حتى يقدم سعد وعتبة وان لم يقدما قتلناهما بهما فلما قدما فاداهما فاما الحكم بن كيسان فاسلم واقام مع رسول الله بالمدينة فقتل يوم بئر معونة شهيدا واما عثمان بن عبد الله فرجع الى مكة فمات بها كافرا واما نوفل فضرب بطن فرسه يوم الاحزاب ليدخل الخندق فوقع فى الخندق مع فرسه فتحطما جميعا وقتله الله فطلب المشركون جيفته بالثمن فقال صلى الله تعالى عليه وسلم خذوه فانه خبيث خبيث الجيفة والدية. والمعنى يسألك المسلمون استعلاما او الكفار تعنتا عن الشهر الحرام اى رجب سمى به لتحريم القتال فيه {قتال فيه} بدل اشتمال من الشهر لان الشهر مشتمل على القتال {قل} يا محمد فى جوابهم {قتال فيه كبير} اثم عظيم عند الله وقتال مبتدأ خبره كبير وجاز الابتداء بالنكرة لانها وصفت بفيه. والاكثر ان هذه الآية مفسوخة بقوله تعالى {أية : فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} تفسير : [التوبة: 5]. {وصد عن سبيل الله} مبتدأ قد تخصص بالعمل فيما بعد اى ومنع عن الاسلام الموصل للعبد الى الله تعالى {وكفر به} اى بالله تعالى {والمسجد الحرام} عطف على سبيل الله وحيث كان الصد عن سبيل الله فردا من افراد الكفر به تعالى لم يقدح العطف المذكور فى حسن هذا العطف لانه ليس باجنبى محض اى منع المسلمين عن دخول مكة وزيارة بيت الله {وإخراج أهله} اى اهل المسجد وهو النبى عليه السلام والمؤمنون {منه} اى من المسجد الحرام وهو عطف على وكفر به وجعل المسلمين اهل المسجد وان كانوا خارجين عن مكة لانهم قائمون بما يجب عليهم من حقه لانهم يصيرون اهلا له فى العاقبة فسماهم باسم العاقبة ولم يسم الكفار اهل المسجد وان كانوا بمكة لان مقامهم بمكة عارض {اكبر عند الله} خبر للاشياء المعدودة اى هذه الاشياء الاربعة اكبر اثما وعقوبة من قتل المسلين ابن الحضرمى فى الشهر الحرام لان القتال يحل بحال والكفر لا يحل بحال ولانهم كانوا متأولين فى القتال لانهم شكوا فى اليوم ولا تأويل للكفار فى الكفر {والفتنة} اى ما ارتكبوه من الاخراج والشرك وصد الناس عن الاسلام ابتداء وبقاء {اكبر من القتل} اى افظع من قتل الحضرمى فى الشهر الحرام فلما نزلت هذه الآية كتب عبد الله بن انيس الى مؤمنى مكة اذا عيركم المشركون بالقتال فى الشهر الحرام فعيروهم انتم بالكفر واخراج رسول الله من مكة ومنعهم المسلمين عن البيت {ولا يزالون يقاتلونكم} بيان لاستحكام عداوتهم واصرارهم على الفتنة فى الدين اى لا يزال الكفار عن قتالكم ايها المؤمنون {حتى يردوكم عن دينكم} اى كى يصرفوكم عن دينكم الحق الى دينهم الباطل {ان استطاعوا} اشارة الى تصلبهم فى الدين وثبات قدمهم فيه كأنه قيل وأنى لهم ذلك وهو كقول الرجل لعدوه ان ظفرت بى فلا تبق على ولا ترحمنى وهو واثق بانه لا يظفر به وهو تطييب لقلوب المؤمنين {ومن يرتدد منكم عن دينه} اظهار التضعيف لسكون الدال الثانية وبالفتح والادغام على التحريك لالتقاء الساكنين باخف الحركات والارتداد النكوص وهو تحذير من الارتداد اى من يفعل ذلك باضلالهم واغوائهم {فيمت وهو كافر} بان لم يرجع الى الاسلام. وفيه ترغيب فى الرجوع الى الاسلام بعد الارتداد الى حين الموت {فأولئك} المصرون على الارتداد الى حين الموت {حبطت} بطلت وتلاشت {أعمالهم} التى كانوا عملوها فى حالة الاسلام حبوطا لا تلافى له قطعا {فى الدنيا} وهو قطع حياته وقتله عند الظفر به لارتداده وفوات موالاة المسلمين ونصرهم والثناء الحسن وزوال النكاح وحرمانه من مواريث المسلمين ونحو ذلك مما يجرى على نفس المرتد واهله وماله {والآخرة} وهو الثواب وحسن المآب لان عبادتهم لم تصح فى الدنيا فلم يجازوا عليها فى الآخرة وليس المراد من احباط العمل ابطال نفس العمل لان الاعمال اعراض كما توجد تفنى وتزول واعدام المعدوم محال بل المراد به ما ذكر من ان الردة الحادثة تزيل ثواب الايمان السابق وثواب ما سبق من ثمراته. وظاهر الآية يقتضى ان تكون الوفاة على الردة شرطا لثبوت الاحكام المذكورة وهى حبوط الاعمال فى الدنيا والآخرة وكون صاحبها من اصحاب النار خالدا فيها وان لا يثبت شىء من هذه الاحكام ان اسلم المرتد بعد ردته ولهذا احتج الشافعى بهذه الآية على ان الردة لا تحبط الاعمال حتى يموت صاحبها عليها وعند ابى حنيفة رحمه الله ان الردة تحبط الاعمال مطلقا اى وان رجع مسلما تمسكا بعموم قوله تعالى {أية : ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون} تفسير : [الأَنعام: 88]. وقوله {أية : ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله} تفسير : [المائدة: 5]. ويتفرع عليه مسألتان. الاولى ان جماعة من المتكلمين قالوا شرط صحة الايمان والكفر حصول الوفاة عليهما فلا يكون الايمان ايمانا الا اذا مات المؤمن عليه وايضا لا يكون الكفر كفرا الا اذا مات الكافر عليه والمسألة الثانية ان المسلم اذا صلى ثم ارتد والعياذ بالله ثم اسلم فى الوقت قال الشافعى لا اعادة عليه. وقال ابو حنيفة يلزمه قضاء ما ادى وكذا الكلام فى الحج {وأولئك أصحاب النار} ملازموها {هم فيها خالدون} كدأب سائر الكفرة فلا بد للمؤمن من العمل الصالح ومن الصون عما يبطله وسبب الارتداد عدم اليقين والا فكيف يحوم حول الموحد الحقيقى شيطان وشرك وهو قد تخلص من البرازخ والقيود ووصل الى الرب المعبود والعمل الصالح هو ما اريد به وجه الله فان غيره فاسد لا ينفع لصاحبه اصلا: قال الحافظ شعر : فرداكه بيشكاه حقيقت شود بديد شرمنده رهروى كه عمل برمجاز كرد تفسير : واحسن الحسنات التوحيد لانه اس الكل ولذلك لا يوزن قال عليه السلام "حديث : ان كل حسنة تعملها توزن يوم القيامة الا شهادة ان لا اله الا الله فانها لا توضع فى ميزان لانها لو وضعت فى ميزان من قالها صادقا ووضعت السموات والارضون السبع ما فيهن كان لا اله الا الله ارجح من ذلكbr>". تفسير : وجميع الاعمال الصالحة يزيد فى نور الايمان. فعليك بالطاعة والحسنات والوصول الى المعارف الآلهية فان العلم بالله افضل الاعمال ولذلك لما حديث : قيل يا رسول الله أى الاعمال افضل قال "العلم بالله" فقيل نسأل عن العمل وتجيب عن العلم فقال "ان قليل العمل ينفع مع العلم وان كثير العمل لا ينفع مع الجهلbr>". تفسير : وذلك انما يحصل بتصفية الباطن مع صيقل التوحيد وانواع الاذكار ولا يعقلها الا العالمون: قال فى المثنوى شعر : ذكر حق كن بانك غولانرا بسوز جشم نركس را ازين كركس بدوز تفسير : قال الشيخ الحسن محمد بن السراج سعمت الجنيد قدس سره يقول رأيت ابليس فى المنام كأنه عريان فقلت ألا تستحيى من الناس فقال لو كان هؤلاء من الناس لما اتلاعب بهم كما يتلاعب الصبيان بالكرة فقلت ومن الناس فقال قوم فى المسجد الشونيزى قد انحلوا جسمى واحرقوا قلبى كلما هممت بهم اشاروا الى الله تعالى فاكاد احرق بنور ذكرهم قال فانتبهت وجئت الى المسجد الشونيزى بليل فلما دخلت المسجد اذا انا بثلاث انفس جلوس ورؤسهم مغطاة بمرقعاتهم فلما أحسوا بى اخرج واحد رأسه فقال يا ابا القاسم انت كلما قيل بشىء صرت تقبله وتسمعه انظر الى اجتهادهم فى طاعة الله وصفاء اسرارهم عما سواه تعالى فهم من اهل الاسلام الحقيقى. يقول الفقير ناظم هذه الدرر قال لى شيخى العلامة ابقاه الله بالسلامة فى قوله عليه السلام "حديث : بدا الاسلام غريبا وسيعود غريباbr>". تفسير : المراد بالاسلام هو الاسلام الحقيقى وصاحبه لا يرتد ابدا وكونه غريبا ان لا يوجد له انيس: قال فى المثنوى شعر : بود كبرى درزمان بايزيد كفت اورا يك مسلمان سعيد كه جه باشد كرتو اسلام آورى تا بيابى صد نجات سرورى كفت اين اسلام اكرهست اى مريد آنكه دارد شيخ عالم بايزيد مؤمن ايمان اويم درنهان كرجه مهرم هست محكم بر دهان باز ايمان كرخود ايمان شماست نى بدان ميلستم و نى مشتهاست آنكه صدميلش سوى ايمان بود جون شمارا ديد زآن فاترشود زانكه نامى بيندو معنبش نى جون بيابانرا مفازه كفتنى

ابن عجيبة

تفسير : قلت: {قتال}: بدل اشتمال من {الشهر الحرام}، وقد وقع خبط في عطف {المسجد الحرام}، والصواب: ما قاله الزمخشري وابن عطية أنه عطف على {السبيل}؛ إذ هو المتبادر من جهة المعنى أي: وصد عن سبيل الله وعن المسجد الحرام أكبر جرماً من قتل السَّرِية في الشهر الحرام، والقواعد النحوية إنما هي أغلبية. يقول الحقّ جلّ جلاله: {يسألونك} يا محمد {عن الشهر الحرام} أي: عن القتال في الأشهر الحرام، {قل} لهم: القتالُ في الشعر الحرام أمره {كبير}، لكن ما وقع من الكفار من صد الناس {عن سبيل الله} أي: منعهم من الإسلام والطاعة، وكذلك كفرهم بالله وصدهم المسلمين عن {المسجد الحرام} عام الحديبية، وإخراج المسلمين من مكة التي هي بلدهم - {والفتنة} التي هم فيها من الكفر، وافتتان الناس عن دينهم - {أكبر} جرماً من القتال الذي وقع في الشهر الحرام تأويلاً وظنّاً أنه لم يدخل الشهر الحرام. وذلك أن النبيّ صلى الله عليه وسلم بعث سريةً وأمَّر عيلها عبد الله بنَ جَحْش في آخر جُمَادى الآخِرَةِ، فَلَقُوا عمرو بن الحضرمي، مع أناس من قريش، بعد غروب الشمس من جمادى الآخرة، فرموا عمراً فقتلوه، وأخذواو الغنيمة، فقال لهم عليه الصلاة والسلام:"حديث : لم آمركم أن تقتلوا في الشهر الحرام"تفسير : فندموا، وبعثت قريش بالعتاب للنبيّ صلى الله عليه وسلم: كيف تستحل القتال في الشهر الحرام؟ فنزلت هذه الآية. ثم نسخ تحريم القتال في الأشهر الحرم بقوله تعالى:{أية : وَقَاتِلُواْ الْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَآفَّةً}تفسير : [التّوبَة: 36]. ثم قال الحقّ جلّ جلاله في التحذير من الكفار: {ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا}، لكن لا يطيقون ذلك، {ومن يرتدد منكم عن دينه} ويستمر عليه حتى يموت {وهو كافر فأولئك حَبِطَتْ أعمالهُم في الدنيا} فلا حرمة له، ولا نصيب له في الفيء والغنيمة، وفي {الآخرة} فلا يرى لها ثواباً، {وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون}. ومفهوم الآية: أنه إن رجع قبل الموت لا يحبَط عملُه، وهو قول الشافعي. وقال مالك: يحبط أجر كل ما عمل، ويعيد الحج، إن تقدم على الردة، ويقبل منه الإسلام إن رجع، فإنْ لم يرجع أمهل ثلاثة أيام، ثم يقتل. ولمّا نزلت الآية في إسقاط الحرج، ظنوا أنه لا أجر لهم في ذلك الجهاد، فأنزل الحقّ جلّ جلاله: {إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمت الله} أي ثوابه، {والله غفور} لهم {رحيم} بهم، فلا يضيع جهادهم في هذه السرِيَّة، وأعاد الموصول لتعظيم شأن الهجرة والجهاد، وعبَّر بالرجاء إشعاراً بأن العمل غير موجب للثواب، وإنما هو عبودية، والأمر بيد الله؛ إن شاء أثاب وإن شاء عاقب،{أية : لاَ يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ}تفسير : [الأنبيَاء: 23]. الإشارة: تعظيم الزمان والمكان يكون بقدر ما يقع فيه من طاعة الملك الديان، فالزمان الذي تهب فيه نفحات القبول والإقبال، لا ينبغي أن يقع فيه ملاججة ولا قتال، وهو وقت حضرة الذكر، أو التذكير، أو الجلوس مع العارفين أهل الإكسير، فسوء الأدب فيه أمره كبير، ومنع القاصدين من وصوله جُرمه كبير، وصد القلوب عن نفحات تلك الحضرة أكبر من كل كبير، ولا يزال قُطَّاع هذه الطريق يردون من أراد سلوكها على التحقيق، لكن من سبق له التأييد لا يرده عن الحق جبار ولا عنيد، ومن سبق له الحرمان، وحَكم عليه القضاءُ بالخذلان، رجع ولو بعد العيان، وأنشدوا: شعر : والله ما نَشْكُرْ خَلِيعْ وإنْ ثَمِلْ وإن صَحَا وإن ثَبَتْ، سَيْرٌ سَرِيعْ وإن شَرِبْ حَتَّى امْتَحا حَتى يُقَطَّعْ في القَطيعْ ويَدُورْ دَوْرَ الرَحَا تفسير : إن الذين آمنوا وصدَّقُوا بطريق الله، وهاجروا أهواءهم في مرضاة الله، وجاهدوا نفوسهم في محبة الله، أولئك يرجون رحمة الله، فلا يُخيبهم الكريم؛ لأنه غفور رحيم. ولمّا كان الخمر حلالاً في أول الإسلام، وكانوا يشربونه، ويتِّجُرون فيه، فيتصدقون بثمنه وبثمن القمار، بيَّن الحقّ تعالى ذلك، بعد الأمر بالإنفاق؛ لئلا يقع التساهل في المعاملة بعلَّة الصدقة.

الطوسي

تفسير : اختلفوا في: من السائل عن هذا السؤال: أهم أهل الشرك، أم أهل الاسلام، فقال الحسن، وغيره: هم أهل الشرك على جهة العيب للمسلمين باستحلالهم القتال في الشهر الحرام، وبه قال الجبائي، وأكثر المفسرين. وقال البلخي: هم أهل الاسلام، سألوا عن ذلك ليعلموا كيف الحكم فيه. الاعراب: وقوله تعالى: {قتال فيه} مجرور على البدل من الشهر، وهو من بدل الاشتمال، ومثله قوله تعالى: {أية : قتل أصحاب الأخدود النار ذات الوقود}تفسير : وقال الأعشى: شعر : لقد كان في حول ثواءٍ ثويته تقضّي لبانات ويسأم سائم تفسير : والذي يشتمل عليه المعنى هو أحوال الشيء، وما كان منه بمنزلة أحواله مما يغلب تعلق الفعل به، فلا يجوز رأيت زيداً لونه، لأن لونه يجوز أن يرى كما يجوز أن يرى نفسه، ويجوز سرق زيد ثوبه، لأن تعلق السرقة إنما هي بالملك دون النفس في غالب الأمر، ويجوز أن تقول: رأيت زيداً مجيئه، ولا يجوز رأيت زيداً إياه، لأنه يجري مجرى حاله. وقوله تعالى: {وصدّ عن سبيل الله} رفع بالابتداء، وما بعده معطوف عليه، وخبره {أكبر عند الله} هذا قول الزجاج. وقال أبو علي الفارسي: لا يخلو أن يكون ارتفاع قوله: {وصدّ عن سبيل الله وكفر} من أن يكون بالعطف على الخبر الذي هو "كبير" كأنه قال: قتال فيه كبير وصدّ وكفر: أي القتال، قد جمع أنه كبير، وأنه صدّ، وكفر. ويكون مرتفعاً بالابتداء، وخبره محذوف لدلالة {كبير} المتقدم عليه، كأنه قال: والصد كبير، كقولك: زيد منطلق وعمرو، أو يكون مرتفعاً بالابتداء، والخبر المظهر، فيكون الصدّ ابتداء، وما بعد من قوله: {وكفر به وإخراج أهله} مرتفع بالعطف على الابتداء، والخبر قوله: {أكبر عند الله} قال: ولا يجوز الوجهان الأولان - وقد أجازهما الفراء - أما الوجه الأول، فلأن المعنى يصير: قل: قتال فيه كبير وصدّ عن سبيل الله كبير، والقتال وإن كان كبيراً، ويمكن أن يكون صدّا، لأنه ينفر الناس عنه، فلا يجوز أن يكون كفراً, لأن أحداً من المسلمين لم يقل ذلك، ولم يذهب إليه، فلا يجوز أن يكون خبر المبتدء شيئاً لا يكون المبتدأ. ويمنع من ذلك أيضاً قوله بعد: {وإخراج أهله منه أكبر عند الله} ومحال أن يكون إخراج أهله منه أكبر من الكفر، لأنه لا شيء أعظم منه، ويمتنع الوجه الثاني أيضاً، لأن التقدير: فيه يكون قتال فيه كبير وكبير الصدّ عن سبيل الله والكفر به، وكذلك مثله الفراء، وقدره، فاذا صار المعنى: وإخراج أهل المسجد الحرام أكبر عند الله من الكفر، فيكون بعض خلال الكفر أعظم منه كله، واذا كان كذلك امتنع كما امتنع الأول وإذا امتنع هذان ثبت الوجه الثالث، وهو أن يكون قوله {وصدّ عن سبيل الله} ابتداء {وكفر به وإخراج أهله} معطوفاً عليه {وأكبر} خبراً. المعنى: فيكون المعنى: {وصدّ عن سبيل الله} أي منعهم لكم أيها المسلمون عن سبيل الله، وعن المسجد الحرام، وإخراجكم منه - وأنتم ولاته، والذين هم أحق به منهم - وكفر بالله أكبر من قتاله في الشهر الحرام. قال الرماني، الفراء: إن التخلص من التأويل الثاني أن تقول: إخراج أهله منه أكبر من القتل فيه، لا من الكفر، لأن المعنى في إخراج أهله منه إخراج النبي (صلى الله عليه وسلم) والمؤمنين عنه. قال: وأما التأويل الأول، فلا يجوز إلا أن يجعل {كفر به} يعني بالمسجد الحرام، لنتهاك حرمته. وقال: والتأويل الأول أجود. وهذا القتال في الشهر الحرام هو ما عابه المشركون على المسلمين، من قتل عبد الله بن جحش، وأصحابه عمر بن الحضرمي، لما فصل من الطائف، في عير - في آخر جمادى الآخر - وأخذهم العير، وهو أول من قتل من المشركين - فيما روي، وأول فيء أصابه المسلون. وأما قوله تعالى: {والمسجد الحرام} فقال الفراء: إنه محمول على قوله: يسألونك عن القتال، وعن المسجد الحرام هذا لفظه. قال أبو علي الفارسي: وهذا أيضاً يمتنع، لأنه لم يكن السؤال عن المسجد الحرام، وإنما السؤال عن قتال ابن جحش الحضرمي وأصحابه الذين عابهم المشركون وعيّروهم، فقالوا إنكم استحللتم الشهر الحرام، وهو رجب بقتلهم فيه، فكان السؤال عن هذا، لا عن المسجد الحرام وإذا لم يجز هذا الوجه، لم يجز حمله على المضمر المجرور، لأن عطف المظهر على المضمر غير جائز، لأنه ضعيف جداً، فيكون محمولا على الضمير في به، لأن المعنى ليس على كفر بالله أو بالنبي (صلى الله عليه وسلم)، والمسجد، فثبت أنه معطوف على (عن) من قوله: {وصد عن سبيل الله والمسجد الحرام}، لأن المشركين صدّ والمسلمين عنه، كما قال: {أية : إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام}, تفسير : فكما أن المسجد الحرام محمول في هذه الآية على (عن) المتصلة بالصدّ - بلا إشكال - كذلك في هذه الآية، وهو قول أبي العباس، أيضاً قال الرماني: ما ذكره الفراء، واختاره الحسن ليس يمتنع، لأن القوم لما استعظموا القتال في الشهر الحرام، وكان القتال عند المسجد الحرام يجري مجراه في الاستعظام جمعوها لذلك في السؤال، وإن كان القتال إنما وقع في الشهر الحرام خاصة، كأنهم قالوا: قد استحللت الشهر الحرام، والمسجد الحرام. وظاهر الآية يدل على أن القتال في الشهر الحرام كان محرماً لقوله: {قل قتال فيه كبير} وذلك لا يقال إلا فيما هو محرم، محظور. اللغة: والصدّ، والمنع، والصدف واحد. صدّ يصدّ صدوداً إذا صدف عن الشيء لعدوله عنه، وصددته عن الشيء، أصده صداً إذا عدّلته عنه، ومنه قول تعالى: {أية : إذا قومك منه يصدون}تفسير : قرىء بالضم، والكسر. قال أبوعبيدة: يصُدّون يعرضون، ويصِدّون: يضجون، وذلك لأنهم، يعدلون الى الصحيح. والصديد: الدم المختلط بالقيح يسيل من الجرح. والصدد: ما استقبلك وصار في قبالتك، لأنه يعدل الى مواجهتك. والصدان: ناحيتا الشعب أو الوادي. والصداد: ضرب من الجردان يعدل لشدة تحرزه. والصداد: الوزغ، لأنه يعدل عنه استقذاراً له، وأصل الباب العدول. المعنى: وقوله: {والفتنة أكبر من القتل} معناه الفتنة في الدين، وهي الكفر أعظم من القتل في الشهر الحرام. وقال قتادة وغيره، واختاره الجبائي: إن القتال في الشهر الحرام وعند المسجد الحرام منسوخ بقوله: {أية : وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة}تفسير : وبقوله: {أية : فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم}تفسير : وقال عطا: هو باق على التحريم. وروى أصحابنا: أنه على التحريم فيمن يرى لهذه الأشهر حرمة، فانهم لا يبتدءون فيه بالقتال، وكذلك في الحرم، وإنما أباح تعالى للنبي (صلى الله عليه وسلم) قتال أهل مكة وقت الفتح، ولذلك قال (صلى الله عليه وسلم): حديث : إن الله أحلها في هذه الساعة، ولا يحلها لأحد بعدي الى يوم القيامةتفسير : . ومن لا يرى ذلك، فقد نسخ في جهته وجاز قتاله أي وقت كان. وقوله: {يردوكم} قال الجبائي: هو مجاز ها هنا، لأن حقيقته: حتى ترتدّوا بالجاءهم إياكم الى الارتداد، والأولى أن يكون حقيقة ذلك بالعرف. اللغة: وقوله تعالى: {ولا يزالون} فالزوال: العدول. ولا يزال موجوداً، وما زال: أي ما دام، وزال الشيء عن مكانه يزول زوالا، وأزلته عنه، وزلته، وزالت الشمس زوالا، وزيالا، وزالت الخيل بركبانها زيالا، ورجل زول، وامرأة زولة، وهو الظريف الركبين وأصل الباب الزوال. وقوله: {ومن يرتدد منكم عن دينه}، فهو على إظهار التضعيف، لسكون الثاني. ويجوز {يرتدّ} - بفتح الدال - على التحريك، لالتقاء الساكنين، والفتح أجود. وقوله: {فأولئك حبطت أعمالهم} معناه: أنها صارت بمنزلة ما لم يكن، لايقاعهم إياها على خلاف الوجه المأمور به، وليس المراد أنهم استحقوا عليها الثواب ثم انحبطت، لأن الاحباط - عندنا - باطل على هذا الوجه. ويقال: حبط عمل الرجل يحبط حبطاً وحبوطاً، وأحبطه الله إحباطاً، والحبط: فساد، يلحق الماشية في بطونها، لأكل الحباط، وهو ضرب من الكلاء. يقال: حبطت الابل تحبط حبطاً اذا أصابها ذلك. وروي عن عطا عن ابن عباس: أن المسجد الحرام الحرم كله.

الجنابذي

تفسير : {يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ} قد مضى الاشهر الحرم والتّوصيف بالحرام لحرمة القتال فيه ولذا ابدل عنه بدل الاشتمال قوله تعالى {قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ} ارادة الجنس والتّوصيف بالظّرف مسوّغ للابتداء بقتال {وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ} مبتدأ خبره اكبر والجملة عطفٌ على مقول القول او هو عطف على كبير او على قتال عطف المفرد {وَكُفْرٌ بِهِ} عطف على صدّ {وَٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ} عطف على سبيل الله وليس عطفاً على المجرور بالباء لعدم اعادة الجارّ او عطف عليه على قول من اجازه {وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ} عطف على صدّ ان جعل مبتدأً والاّ فمبتدأٌ خبره {أَكْبَرُ عِندَ ٱللَّهِ وَٱلْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ ٱلْقَتْلِ} وهو رفع لتحرّج المسلمين بالقتال فى الاشهر الحرم {وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ} فى الاشهر الحرم وغيرها هو من كلامه تعالى عطف على {يسألونك} او مقول قوله تعالى عطف على جملة {قتال فيه كبير} {حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِن اسْتَطَاعُواْ} فقاتلوهم ما استطعتم فى الاشهر الحرم وغيرها فانّه لا يجوز التّوانى فى المقاتلة اذا كانت مدافعة عن النّفس والمال والعيال فكيف اذا كانت مدافعةً عن الدّين فلا يمنع منها شهر حرام ولا مكان محترم {وَمَن يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَن دِينِهِ} من كلامه تعالى وعطف على {لا يزالون} او على {يسألونك} او مقول قول الرّسول (ص) او جملة حاليّة {فَيَمُتْ} عطف على {يرتدد} {وَهُوَ كَافِرٌ} تقييد الموت بالكفر فى ترتّب العقوبة للاشعار بانّ من مات وكان كافراً قبل الاحتضار لا يحكم عليه بالعقوبة لجواز ان يقبل الولاية حين الاحتضار وظهور علىّ (ع) عليه فان ظهر عليه علىّ (ع) حين الاحتضار وأنكر هو؛ كان موته على الكفر والاّ فلا، ومن لا يعلم حال المحتضر من القبول والرّدّ لا يجوز له الحكم عليه باسلام ولا كفر، ولا ينبغى التّفوّه باللّعن عليه {فَأُوْلۤـٰئِكَ} تكرار المبتدأ باسم الاشارة البعيدة لاحضارهم ثانياً باوصافهم الذّميمة ولتحقيرهم حتّى يكون ابلغ فى الزّجر والرّدع {حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ} قد مضى قبيل هذا انّ الاعمال القالبيّة الّتى هى عبارة عن الحركات والهيئات والاذكار المتجدّدة الّتى لا يجتمع جزء منها مع جزء ولا يبقى جزء منها آنين لا يحكم عليها بالثّبات ولا بالتّجسّم، وامّا حقائقها الدّاعية الى تلك الاعمال والمكتسبة منها فهى شؤن النّفس الجوهريّة وهى ثابتة متّصفة بالتقدّر والتجسّم والحبط، وحبط العمل عبارة عن بطلانه وزواله عن صفحة النّفس، ولمّا كان النّفس ذات جهتين جهة دنيويّة وهى جهة اضافتها الى الكثرات وجهة أخرويّة وهى جهة اضافتها الى عالم التّوحيد والارواح واذا صدر عنها عمل جسمانىّ او نفسانىّ تتكيّف النّفس بجهتيها؛ وثمرة كيفيّة جهتها الدّنيويّة الخلاص من عذاب الاوصاف الرّذيلة، وثمرة كيفيّتها الاخرويّة الفراغ من الخلق والتلذّذ بمناجاة الله، فمن ارتدّ حبطت اعمالهم {فِي ٱلدُّنْيَا وَ} من يمت وهو كافر {حبطت اعمالهم} فى {ٱلآخِرَةِ} هذا على ان يكون الظّرف ظرفاً للحبط، ويجوز ان يكون حالاً من اعمالهم والمعنى من يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر حبطت اعمالهم حال كونها ثابتة فى جهاتهم الدّنيويّة وثابتة فى جهاتهم الاخرويّة، {ومن يرتدد منكم عن دينه} ويمت على الايمان ثبتت اعماله فيهما {وَأُوْلۤـٰئِكَ} كرّر اسم الاشارة البعيدة لما ذكر {أَصْحَابُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} قيل فى نزول الآية انّ المسلمين قتلوا فى اوّل غزاة غزوها مع المشركين قبل البدر ومن المشركين فى اوّل رجب فسأل المشركون محمّداً (ص) عن الشهر الحرام، وقيل سأل المسلمون عن ذلك.

اطفيش

تفسير : {يَسْألُونكَ}: أى المشركون أو سرية عبد الله بن جحش. {عَنِ الشَّهْرِ الحْرَامِ}: أى المحرم، وهو جنس الأشهر الحرم: ذى القعدة وذى الحجة والمحرم ورجب، وهو السبب فى السؤال إذا وقع فيه قتال من المسلمين كما يذكر قريباً، ويجوز أن يراد به فى الآية: رجب لأنه السبب، ويعلم غيره بالقياس عليه. {قِتَالٍ فِيهِ}: بحر قتال على أنه بدل اشتمال من الشهر الحرام، ويدل له قراءة عبد الله بن مسعود، عن قتال فيه، فعن قتال بدل من عن الشهر بدل اشتمال، وقرأ عكرمة: {قتَلْ فيه} قيل قتل فيه بإسكان التاء فيهما. {قُلْ}: يا محمد. {قِتَالٌ فِيهِ}: قتال مبتدأ: وسوغ الابتداء به وهو نكرة: تخصيصه بتعلق فيه به، أو بنعته به وخبره قوله: {كَبِيرٌ}: أى ذنب كبير، وأعيد لفظ قتال نكرة ليغاير الأول، لأن الأول قتال عبد الله بن جحش الذى يذكر بعد، وهو لنصرة الإسلام وأهله، وإذلال الكفر وأهله، والثانى القتال الذى يكون من المشركين فيه، لإذلال الإسلام، وإعزاز الكفر، ولهذه الدقيقة، لم يعرف الثانى، إلا أنه لم يصرح بها بل أتى بالكلام موهماً لما سألوا عنه من قتال ابن جحش فى الظاهر موافقاً للحق فى الباطن، لأن ذلك إدخال فى النصح، وإصغاء الخصم إلى كلام الناصح، فليس المراد تعظيم القتال المسئول عنه حتى يعاد بالتعريف، والسائلون هم المشركون، كتبوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تشنيعاً وتعبيراً لما فعله عبد الله بن جحش من القتال فى الشهر الحرام، وقيل: قدوم وفد المشركين بذلك من مكة إلى المدينة، ويحاب: بأن الوفد قدموا بكتاب ذلك من مكة، وقيل: السائلون أصحاب السرية سرية عبد الله بن جحش، سألوا ها أصابوا أو أخطئوا، لأن أكثر الحاضرين عند رسول الله صلى الله عليه وسلم مسلمون؛ ولأن ما قبل الاية وهو قوله تعالى: {أية : أمْ حَسِبْتُم أَن تَدْخُلُوا الجَنَةَ} تفسير : وما بعدها، وهو قوله:{أية : يَسْألُونَكَ عنِ الْخَمْرِ}،تفسير : و{أية : ويَسْألوْنَكَ عَنِ اليَتَامَى}،تفسير : فى المسلمين فليكن هذا فيهم أيضاً، وقيل: السائلون المؤمنون مطلقاً إذ علموا بحرمة القتال فى الأشهر الحرام، ولما كتب عليهم القتال سألوا هل يحل ولو فى الأشهر الحرم. {وصَدٌّ}: أى منع مبتدأ عطف عليه {كُفْرٌ}، و {إخرْاجُ} والخبر قوله: {أكْبرُ} و {صَدٌ} و {كُفْرٌ} معطوفان على {كَبيرٌ}، و {إخراج} متبدأ خبره {أكبر} والأول أولى، وصح الإخبار بأكبر عن الثلاثة لأنه اسم تفضيل غير معرف، وصح الابتداء لصد وهو نكرة لتخصيصه بما تعلق به وهو قوله: {عَن سَبِيلِ اللّهِ}: أى التوحيد، أو الأحكام الشرعية، أو الأعمال الصالحات. {وكُفْرٌ بهِ}: أى بالله. {والمسْجِدِ الحرام}: هو مجرور بمضاف محذوف، وذلك المضاف مرفوع معطوف بالواو على صَد، وصد المسج الحرام أى منعه عن المسلمين ودل عليه الصد المذكور كقوله: شعر : أكل امرء تحسبين امرءاً وناراً توقد بالليل نارا تفسير : أى وكل نار إلا أن الدال فى البيت مضاف وفى الآية غير مضاف، بل تعلق به ما يصح أن يضاف إليه، ولا يصح عطفه على سبيل الله لئلا يلزم الفصل بأجنبى، وهو قوله: {وكُفْرٌ به} بين أجزاء الصلة، وذلك أن صد مصدر مقدر بموصول حرفى، وفعل وهو صلته، والمتعلق بهذا الفعل فى حين الصلة، وهو قوله: {عَن سَبِيلِ اللّهِ} وإذا عطف عليه المسجد كان من تمام الصلة، وإنما كان قوله: {وكفر به} أجنبياً لأنه لا تعلق له بالصلة. وعطفه الزمخشرى كابن عطية على سبيل الله، أى عن سبيل الله، وعن المسجد الحرام، وأجاب عما ذكر من لزوم الفصل الأجنبى بأن قوله: {وكفر به} فى معنى الصد عن سبيل الله، فكأنه لا فصل بأجنبى وبأن قوله: {وكفر به} محله عقب قوله: {والمسجد الحرام} إلا أنه قدم لشدة العناية، وإنما لم يجب بالتوسع فى الظروف لأنهُ يتوسع فيما تقديماً لا فصلا كذا قيل ولم يعطف على هاء به، لأنه لا يعطف على المجرور المضمر المتصل إلا بإعادة الخافض إلا ضرورة، هذا مذهب الجمهور من البصريين، وأجازه الأخفش ويونس منهم، والكوفيون وأبو على الشلوبين، وابن مالك واختاره جماعة. {وإخْراجُ أهُلِه}: أى أهل المسجد الحرام. {مِنْهُ}: أى وإخراج المشركين أهل المسجد الحرام من المسجد الحرام، وهم المسلمون، والنبى صلى الله عليه وسلم، لأنهم القائمون بحقوق البيت فهم أهله، ولو صاروا من أهل المدينة للهجرة بخلاف المشركين، فليس أهلا للمسجد الحرام لشركهم، وإخراج المسلمين من مكة والحرم إخراج من المسجد، إذ لا يصلون إليه مع منعهم من مكة والحرم. {أكْبَر عِندَ اللّهِ}: وزراً مما فعلته سرية عبد الله بن جحش خطأ وبناءُ على الظن وذلك حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث أمير المؤمنين عبد الله بن جحش ابن عمته الأسدى أميراً فى جمادى الآخرة، وقيل فى رجب قبل بدر الأولى بشهرين على رأس سبعة عشر شهراً من مقدمة المدينة فى ثمانية من المهاجرين، ليس فيهم أنصارى وهو تاسعهم وأمره عليهم. وقال ابن اسحاق: فى إثنى عشر من المهاجرين هو ثالث عشر إلى نخلة على ليلة من مكة، يترصدون عيراً القِريش، وكتب له كتاباً وقال لهُ: "سر على اسم الله ولا تنظر فى الكتاب حتى تسير يومين فإن نزلت فافتح الكتاب واقرأه على أصحابك، ثم امض إلى حيث أمرتك ولا تستكره أحداً من أصحابك على السير معك"، فسار عبد الله يومين ثم نزل وفتح الكتاب وإذا فيه: "بسم الله الرحمن الرحيم، أما بعد فسر على بركة الله بمن معك من أصحابك حتى تنزل بطن نخلة فترصد بها عير قريش، لعلك تأتينا بخير"، ولما نظر فى الكتاب قال: سمعاً وطاعة، وقال لأصحابه ذلك، وقال: إنه صلى الله عليه وسلم نهانى أن أستكره أحداً، فمن كان أراد الشهادة فلينطلق معى، ومن كره فليرجع. ثم مضى معه ومضى أصحابه، ولم يتخلف عَنْهُ أحد حتى بلغ موضعاً من الحجاز يقال له نجران، فاضل فيه سعد بن أبى وقاص، وعتبة بن غزوان بعيراً لهما يتعقبانه، فتخلف فى طلبه، ومضى عبد الله ببقية أصحابه، حتى نزلوا بطن نخلة بين مكة والطائف، فبينما هم كذلك، مرت عير لقريش تحمل زبيباً وأدماً وخمراً وتجارة من تجارة الطائف - بفتح همزة أدم وداله أى جلوداً مدبوغة أو بعضها، وإسكان الدال، لأن فيها زيتاً وخمراً، وفى العير عمرو بن عبد الله بن الحضرمى، والحكم بن كيسان، وعثمان ابن عبد الله بن المغيرة أخوه، ونوفل بن عبد الله المخزوميان، وكان ذلك فى آخر يوم من جمادى الآخرة، يرون أنه من جمادى وهو من رجب فرمى واحد من أصحاب عبد الله بن جحش عمرو بن الحضرمى بسهم فقتله، فكان أول قتل من المشركين، وأسر الحكم وعثمان، فكان أول أسيرين فى الإسلام، وهرب نوفل ففاتهم وقد تبعوه، ووصل مكة فنظروا هلال رجب فلم يمكنهم الطلب، فقيل التقوا آخر يوم من رجب، وهابهم أصحاب العير، وعلم المسلمون بهيبتهم وقالوا: احلقوا رأس واحد منكم فيتعرض لهم ليأمنوا، فحلقوا رأس عكاشة وأشرف عليهم، فأمنوا من الخوف، وقالوا: قوم عمار فلا بأس علينا فتشاور المسلمون، وقالوا: نحن فى آخر يوم من جمادى، فإن قاتلناهم هتكنا حرمة الشهر، وإن تركناهم الليلة دخلوا حرم مكة، فأجمعوا على قتلهم، فقتلوا عمراً، وأسروا عثمان، واستاقوا العير، فكانت أول غنيمة فى الإسلام، وقسمها عبد الله بن جحش وعزل الخمس قبل أن يفرض، وقيل قدموا المدينة بالغنيمة كلها، فقال النبى صلى الله عليه وسلم: "ما أمرتكم بقتال فى الشهر الحرام" فأخر الأسيرين والغنيمة حتى رجع من بدر، فقسمها مع غنائم بدرتفسير : ، وفى رواية حديث : قالت: قريش قد استحل محمد الشهر الحرام، فسفك فيه الدماء، وأخذ الحوائب، وعير بذلك أهل مكة من كان بها من المسلمين، وقالوا: يا معشر الصباة استحللتم الشهر، وقاتلتم فيه. فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال لابن جحش وأصحابه: "ما أمرتكم بالقتال فى الشهر الحرام" ووقف العير والأسيرين، وأبى أن يأخذ شيئاً من ذلك. فعظم ذلك على ابن جحش وأصحابه فظنوا أن قد هلكوا، وسقط فى أيديهم، فقالوا: يا رسول الله إنا أصبنا ابن الحضرمى، ثم أمسينا فرأينا هلال رجب، فلا ندرى أفى رجب أصبناه أم فى جمادى؟ وأكثر الناس فى ذلك، فأنزل الله هذه الآية، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم العير فعزل منها الخمس، وقسم الباقى بين أصحاب السرية، ولما نزلت الآية كتب بها عبد الله بن جحش، وقيل عبد الله بن أنيس ولعلهما كتبا معاً فأخبر كل راو بما علموا إلى أن من فى مكة بعد أن كتبوا إلى ابن جحش: إن المشركين عيرونا بالقتال فى شهر تغمد فيه الأسنة، ويأمن فيه الخائف، ويتفرق الناس فى معايشهم، وقالوا: تزعمون مع ذلك أنكم على دين فهل حل ذلك؟ وفى ذلك قال عبد الله بن جحش: * تعدون قتلا فى الحرام عظيمة * وأعظم منه لو يرى ذاك راشد * * صدودكم عما يقول محمد * وكفر به والله وراء وشاهد * * سقينا من ابن الحضرمى راجنا * بنخلة لما أوقد الحرب واقد * وبعث أهل مكة فى فداء الأسيرين، قال: "بل نبقيهما حتى يقدمنا سعد وعتبة، وإن لم يقدما قتلناهما بهما" ولما قدما فإذا هما فالحكم أسلم وأقام مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة، حتى قتل يوم بئر معونة شهيداً، وأما عثمان فرجع إلى مكة ومات بها كافراً، وأما نوفل فضرب بطن فرسه يوم الأحزاب ليجاوز الخندق، فوقع فيه مع فرسه فتحطما جميعاً، وقتله الله، فطلب المشركون جيفته بالثمن، قال صلى الله عليه وسلم؛؛ "خذوه فإنه خبيث الجيفة خبيث الدية"تفسير : ، وروى أن المشركين جاءوا المدينة فقالوا: يا محمد أنَهَيْتَنا عن القتال فى شهر الحرم؟؟ وأرادوا أن يقول نعم هن باقيات على التحريم، غدروا. قال الشيخ هود رحمه الله: تحريم القتال فيها منسوخ كان قبل أن يؤمر بقتال المشركين كافة حيثما وجدوا، وكذا قال فى السؤالات: منسوخ عند أصحابنا، وإن الحسن قال غير منسوخ، وعن الزهرى ومجاهد: {قتال فيه كبير} منسوخ، والجمهور على أنه منسوخ كالزهرى ومجاهد، وسئل عطاء فحلف بالله ما يحل للناس أن يغزوا فى الحرم ولا فى الشهر الحرام إلا أن يُقَاتَلوا فيه، وما نسخت. وعن جابر بن عبد الله أن النبى صلى الله عليه وسلم لم يكن يغزوا فيها إلا أن يُغزا. وسئل سعيد ابن المسيب فقال: منسوخ. قال أبو عبيدة: الناس القائمون الثغور اليوم جميعاً يرون الغزو فى الشهور كلها، ولم أرا أحداً من علماء الشام والعراق ينكره عليهم. وقتال نكرة فى الإثبات فلا تعم، فليست دالة على عموم حرمه القتال فى الأشهر الحرم فضلا عن أن يقال نسخت الآية بقوله تعالى:{أية : فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم}،تفسير : ولعل القول بنسخها وجهه: أنه قتال خاص، لكن علة تحريمه عامة وهو الوقوع فى الشهر الحرام، وفى نسخ الخاص بالعام خلاف. قالت الحنفية: كل واحد ينسخ الآخر، ومذهبنا ومذهب الشافعى أن الخاص قطعى فلا ينسخ بالعام لأنه ظنى. {والفِتْنةُ}: أى الشرك الذى عليه أهل مكة يومئذ، أو حملهم المسلمين على الشرك بالدعاء إليه وتزيينه أو إيذاؤهم المسلمين على الإسلام بالإخراج والضرب وأنواع الأذى، وهذا الوجه أولى وعليه الأكثر. {أكْبَرُ}: إثما وعقوبة وقبحاً. و{مِنَ القَتْلِ}: قتل ابن الحضرمى فى الشهر الحرام، لأن الشرك بالقلب وإيداء المسلمين على الإسلام لا يحلان بوجه، بخلاف قتل المشرك، ولا سيما إن كان قتله مبنياً على الخطأ فى الاجتهاد والغلط فى الحساب. {وَلاَ يَزَالُونَ يُقاتِلُونكُمْ}: على الإسلام. {حتَّى يَردُّوكم عَن دِينكُمْ}: حتى إما للغاية على اعتقادهم، أى أنهم اعتقدوا، أى المشركون، {ولاَ يَزَالُونَ يَقُاتِلُونكُم} حتى ترجعوا إلى الشرك، وإما للتعليل، أى ليردونكم عن دينكم كقولك اعبد الله حتى تدخل الجنة، أى لتدخلها، ويناسب التعليل قوله تعالى: {إنِ اسْتطاعُوا}: ردكم عن دينكم حيث أورد كلمة إن فى مقام الجزم بعد وقوع استطاعتهم على الرد؛ للإشارة، إلى أن ذلك طمع فارغ بعيد كل البعد، وما يُسْتَبْعَد وقوعه لا يجعل غاية، فإن الحمل عليها إنما يحسن فيما لا يكون ترتبه على الفعل بعيداً، والاستطاعة مستبعدة جداً على حد قول من يتق من نفسه أنه لا يغلبه مثله فى الحرب، إن ظفرت بى فاقتلنى ولا ترحمنى ووجه جواز الغاية أن الاستطاعة غير بعيدة فى طمع الكفار، لأنهم يطمعون فى رد المسلمين عن دين الله سبحانه وتعالى، ولما ذكر أن غرضهم بالقتال الرد عن دين الله أوعد على الارتداد لقوله: {ومَنْ يَرتَدِد مِنْكم عَنْ دِينهِ فَيَمُتْ وهُو كافِرٌ فأُولئك حَبِطتْ أعمالُهم فى الدُّنْيا والآخرة وأولئِك أصحاب ُالنَّارِ هُم فِيها خَالِدُون}: ويرتد مطاوع رد، يقال يرده إلى كذا فارتد، أى طاوعه فمضى إليه، ومن رده المشركون عن دينه، إلى الشرك فطاوعهم بالرجوع إلى الشرك، فمات على الشرك فهؤلاء الأخساء البعداء عن الخير، ورضى الله برجوعهم إلى الشرك قد فسدت أعمالهم الصالحات، فلا يثابون عليها فى الآخرة فهذا حبوطها فى الآخرة، ويقتل إذا ظفر به ويقاتل حتى يظفر به فيقتل، ففى الحديث عن ابن عباس عنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : من بدل دينه فاقتلوه ولا موالاه له ولا نعصرة عند المؤمنين ولا ثناء حسن، وتبين زوجته منه، ولا يستحق الميراث من المسلمين، وهذا حبوطها فى الدنيا"تفسير : وأصل الحبوط الفساد، وأصل الحبط أن تأكل الإبل نبتاً يضرها، فتعظم بطونها فتهلك، فسمى بطلان العمل بحدوث ما يفسده حبطا تشبيهاً له بتناول الإبل ما يضرها، فإن ارتد ثم تاب قبل الموت لم يطالب بإعادة ما عمل وثبتت له حسناته عند الشافعى، وحجته التقييد بقوله: {فيمت وهو كافر} وقال أبو حنيفة: الردة تحبط الأعمال مطلقاً فإن تاب استأنف الأعمال وأعاد ما مضى لقوله تعالى {أية : ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون}. {أية : ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله}تفسير : فأهله يقول التقييد المذكور معتبر فى قوله فأصحاب النار، وقد تكلم أبو عبد الله محمد بن عمرو بن أبى ستة فى حاشية القواعد، ويستتاب المرتد ثلاثة أيام، فان لم يتب قتل، وبذلك قال عمر ومالك وأحمد والشافعى فى قول له وأصحاب الرأى، وفى قول آخر له يقتل بلا اسْتِنَابة، وقد ذكرت مزيداً على ذلك فى جامع القواعد والحاشية، وميراثه فى بيت المال عند مالك والشافعى، ومشهور المذهب أن ماله فى الإسلام لورثته المسلمين وقد بسطت الكلام فى شرح النيل على ذلك، وقرئ حبطت بفتح الباء وهو لغة، ولما ظن عبد الله بن جحش ومن معه من السرية أنهم إن سلموا من الإثم إذا قتلوا فى الشهر الحرام، فليس لهم أجر أنزل الله تعالى: {إنَّ الَّذينَ آمنُوا..}

اطفيش

تفسير : {يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ} بدل اشتمال {فِيهِ} عن قتال فى الشهر الحرام رجب أمر سرية فى جمادى الأخيرة قبل بدر شهرين ليرصدوا عيراً لقريش فى بطن نخلة، فيها عمرو بن عبدالله بن عباد الحضرمى، وهو أول قتيل من المشركين قتله المسلمون، وكذا الأسر والغنم، وهم ثلاثة فقتلوه وأسروا اثنين عثمان بن عبدالله، والحكم بن كيسان، وهرب واحد نوفل بن عبدالله، واستاقوا العير وفيها تجارة الطائف، وفيها زبيب وأدم لأهل الطائف، وغير ذلك لقريش، وعلى السرية ابن عمته صلى الله عليه وسلم عبدالله بن جحش، وقد كتب له كتاباً وقال له، لا تنظر فيه إلا بعد سير يومين فنظر بعدهما، وفيه لا تكره أصحابك على السير، وهم ثمانية رجال، منهم وافد بن عبدالله أشرف على أصحاب العير، وقد حلق رأسه، فقال بعض لبعض: هم عمار لا بأس منهم، فقالت كفار قريش: استحل محمد الشهر الحرام، شهراً يتفرق فيه النسا لمعايشهم ويأمنون فيه، فشق ذلك على عبدالله ابن جحش ومن معه من السرية، وقالوا لا نبرح حتى تنزل توبتنا ورد صلى الله عليه وسلم العير بأحمالها والأسيرين بالغوا لأنهم أبرار، وعدوا الخطأ كذنب، أو قبل أن يعرفوا أن الخطأ والنسيان معفو عنهما ظنوا أنهم فى آخر جمادى، وهم فى أول رجب، وعن ابن عباس أخذ الغنيمة والأسيرين ولم يردهم، وأنهم أول غنيمة، ويجمع بأنه ردها بمعنى أوقفها ولم يقبلها الوحى، ولا ضعف فى هذا، والسائلون أصحاب السرية سؤال تحرج وتوبة لعلمهم بحرمة القتال فى الشهر الحرام كما قالوا حتى تنزل توبتنا، وقيل السائلون المشركون سؤال جدال، وعيروا من فى مكة من المسلمين ونسبوا لك للنبى صلى الله عليه وسلم ولم يحضر لأنهم قومه ومتبعوه {قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ} أى القتال فيه هو أمر كبير إذا فعل عمدا، والسرية لم تقاتل عمدا، وهو حرام من لدن إبراهيم صلى الله عليه وسلم، والمذهب أن شرع من قبلنا ليس شرعا لنا، والذى عندى أنه شرع لنا، وأنه يقدم على الاجتهاد ما لم ينافه القرآن أو الحديث. أو الإِجماع بدليل راجح، ولا خلاف فى أنه ليس شرعا لنا إذا صرح فى ذلك بخلافه ولا يصح أن شيئاً شرع لمن قبلنا إلا إن ذكر عنهم فى القرآن أو الحديث أو الإجماع، أو رواه ثقة أسلم منهم كعبدالله بن سلام، وقد قيل إن تحريم القتال فى الأشهر الحرم منسوخ بقوله تعالى، فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم، ولو كان عمومه فى المكان لما قيل إن عموم الأمكنة قرينة عمومه الأزمنة، ولأن الإيجاب المطلق يرفع التحريم المقيد والنسخ مذهب الأكثر وقد قيل إن الأشهر الحرم فى تلك السنة لا فى السنين بعدها، وقال عطاء: لا نسخ فى ذلك لكن إن قاتلك فقاتله، وقيل نسخت هذه الآية، ولو كان قتال نكرة فى الإثبات كقوله تعالى" أية : عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّآ أَحْضَرَتْ"تفسير : [التكوير: 14]. ولا سيما أنها قيدت بما تعم به قوله فيه، على أن نعتها أو متعلق بها فلما عمت صح نسخها بقوله تعالى، اقتلوا المشركين الخ {وَصَدٌّ} مبتدأ خبره مع ما بعده أكبر أى منع {عَن سَبِيلِ اللهِ} دينه {وَكُفْرٌ بِهِ} أى بالله أى إشراك بالله لورود الضمير للمضاف إليه فى القرآن بلا شرط كون المضاف كلا، وإن رد للسبيل كان كالتكرير، لأن الصد عن السبيل كفر به منهم لإشراكهم، وأما الفاسق فقد يمنع من الشىء مع إيمانه به، وجاز رده إليه لأن فيه تصريحا بأن الصد عنه كفر به {وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} عطف على سبيل، أى عن سبيل الله وعن المسجد الحرام، وجاز عطف كفر على المصدر قبله، عطف المسجد على معموله، وهو سبيل، لأن الصد عن سبيل الله فرد من أفراد الكفر به، فإنه ليس بأجنبى محض وعطف المسجد على الهاء بلا إعادة جار لجواز نسبة الكفر إلى الأعيان باعتبار الحكم المتعلق بها وهو منع الناس عن المسجد الحرام، نحو ومن يكفر بالطاغوت أى بألوهيته {وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ} النبى والمؤمنين، سماهم أهله، لأنهم القائمون بحقوقه أو لأنهم يصيرون أهله بعد الفتح {مِنْهُ} من المسجد الحرام {أَكْبَرُ عِنْدَ اللهِ} من القتل والأسر والغنم الواقعات من السرية أو مطلقا فى الشهر الحرام {وَالْفِتْنَةُ} الشرك وإخراج النبى صلى الله عليه وسلم والمؤمنين من مكة {أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ} من قتل الحضرمى فى الشهر الحرام، لأنهم قتلوه فيه ظنا منهم فى جمادى، وهو حلال الدم لأنه مشرك محارب {وَلاَ يَزَالُونَ يُقَٰتِلُونَكُمْ حَتَّى} إلى أن، أو كى {يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ} إلى الكفر فى ظنهم واعتقادهم، وخيب الله ظنهم واعتقادهم ففشلوا، وما توا قبل أن يردوا المسلمين عن دينهم وأسلم الكثير {إِنِ اسْتَطَٰعُواْ} متعلق بيردوكم أو بلا يزالون، على معنى يدومون على القتال إن استطاعوا الدوام عليه، وما فى هذا من الابتذال يزول بالتلويح إلا أنهم لا يستطيعون ذلك الدوام بل يفشلون {وَمَن يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ} بقتل أو بلا قتل {وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَٰئِكَ حَبِطَتْ} بطلت، قيل كما تحبط الدابة تفسد بأكل نبات اسمه الحباط، أو أكثرت الأكل فى مرعاها فتفسد أو تموت{أَعْمَٰلُهُمْ} الصالحة وعوقبوا عن أعمالهم السيئة {فِى الدُّنْيَا} لا تعتبر لهم فيها، بل تلغى لا يعصم بها ماله الذى فى بلد الإسلام ولا دمه، فإنه يقتل ولو امرأة، ولا يرث ولو يورث ولا يمدح، وتبين زوجته، وتؤخذ أولاده عنه{وَالآخِرَةِ} لا يثابون عليها فى الآخرة {وَأُوْلَٰئِكَ} المرتدون{أَصْحَٰبُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ} وإن تاب قبل موته قضى ما فعل قبل ردته عندنا وعند أبى حنيفة وقيل يرجع له كله، وقيل إلا الحج فإنه يعيده، ولا ترجع له الصحبة إن لم يدركها بعد توبته من الردة، وقيل ترجع له ولو مات قبل توبته، ومذهب الشافعى أنه إن تاب قبل الموت رجع إليه علمه، وصح له. ولم يعده، لأن الله عز وجل قيد الإحباط بالموت على الردة، وعلى هذا القيد يحمل إطلاق قوله تعالى: {أية : ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله} تفسير : [المائدة: 5] ومذهبنا كمذهب الشافعى فى حمل المطلق على المقيد. إلا أنا نقول: قيد الموت على الردة إنما هو لاعتبار الإحباط فى الآخرة، واستحقاق النار، وعند أبى حنيفة، المطلق لا يحمل على المقيد إلا إذا اتحدت الحادثة والسبب، ودخل المطلق والمقيد على الحكم، بخلاف هذه الآية، لأن الحكم والسب وإن اتحد لكن المطلق والمقيد دخلا على السبب، فيجوز أن يكون المطلق سبباً كالمقيد. لإمكان الجمع، فيحتج بقوله تعالى: {أية : ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله} تفسير : [المائدة: 5]، على أن الحسنات تحبط بنفس الردة والموت عليها ليس بشرط، بناء على أصله، من أن المطلق يحمل على إطلاقه، كما أن المفيد يحمل على تقييده.

الالوسي

تفسير : {يَسْـئَلُونَكَ عَنِ ٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ} أخرج ابن إسحق، وابن جرير، وابن أبـي حاتم، والبيهقي من طريق زيد بن رومان عن عروة قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن جحش، وهو ابن عمة النبـي صلى الله عليه وسلم إلى نخلة فقال: كن بها حتى تأتينا بخبر من أخبار قريش ولم يأمره بقتال، وذلك في الشهر الحرام؛ وكتب له كتاباً قبل أن يعلمه أين يسير فقال: أخرج أنت وأصحابك حتى إذا سرت يومين فافتح كتابك، وانظر فيه فما أمرتك به فامض له ولا تستكره أحداً من أصحابك على الذهاب معك. فلما سار يومين فتح الكتاب فإذا فيه «أنِ امض حتى تنزل نخلة فأتنا من أخبار قريش، بما اتصل إليك منهم» فقال لأصحابه: وكانوا ثمانية حين قرأ الكتاب سمعاً وطاعة من كان منكم له رغبة في الشهادة فلينطلق معي فإني ماض لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن كره ذلك منكم فليرجع فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد نهاني أن أستكره منكم أحداً فمضى معه القوم حتى إذا كانوا بنجران أضل سعد بن أبـي وقاص، وعتبة بن غزوان بعيراً لهما كانا يعتقبانه فتخلفا عليه يطلبانه ومضى القوم حتى نزلوا نخلة فمر بهم عمرو بن الحضرمي، والحكم بن كيسان، وعثمان بن عبد الله بن المغيرة، ونوفل بن عبد الله معهم تجارة قد مروا بها من الطائف أدم، وزبيب فلما رآهم القوم أشرف لهم واقد بن عبد الله، وكان قد حلق رأسه فلما رأوه حليقاً قالوا: عُمَّار ليس عليكم منهم بأس وأتمر القوم بهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان آخر يوم من جمادى فقالوا: لئن قتلتموهم إنكم لتقتلونهم في الشهر الحرام ولئن تركتموهم ليدخلن في هذه الليلة ـ مكة الحرام ـ فليمتنعن [به] منكم فأجمع القوم على قتلهم فرمى واقد بن عبد الله التميمي عمرو بن الحضرمي بسهم فقتله واستأسر عثمان بن عبد الله والحكم بن كيسان، وأفلت نوفل وأعجزهم واستاقوا العير فقدموا بها على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لهم والله ما أمرتكم بقتال في الشهر الحرام فأوقف رسول الله صلى الله عليه وسلم الأسيرين والعير فلم يأخذ منها شيئاً فلما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال: سقط في أيديهم، وظنوا أن قد هلكوا وعنفهم إخوانهم من المسلمين، وقالت قريش: حين بلغهم أمر هؤلاء قد سفك محمد صلى الله عليه وسلم الدم الحرام وأخذ المال وأسر الرجال، واستحل الشهر الحرام فنزلت فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم / العير وفدى الأسيرين، وفي «سيرة ابن سيد الناس» أن ذلك في رجب وأنهم لقوا أولئك في آخر يوم منه، وفي رواية الزهري عن عروة أنه لما بلغ كفار قريش تلك الفعلة ركب وفد منهم حتى قدموا على النبـي صلى الله عليه وسلم فقالوا: أيحل القتال في الشهر الحرام؟ فأنزل الله تعالى الآية. ومن هنا قيل: السائلون هم المشركون، وأيد بأن ما سيأتي من ذكر الصد والكفر والإخراج أكبر شاهد صدق على ذلك ليكون تعريضاً بهم موافقاً لتعريضهم بالمؤمنين. واختار أكثر المفسرين أن السائلين هم المسلمون قالوا: وأكثر الروايات تقتضيه، وليس الشاهد مفصحاً بالمقصود والمراد من الشهر الحرام رجب أو جمادى فأل فيه للعهد، والكثير والأظهر أنها للجنس فيراد به الأشهر الحرم وهي ذو القعدة وذو الحجة والمحرّم ورجب، وسميت حرماً لتحريم القتال فيها، والمعنى: يسئلونك أي المسلمون أو الكفار عن القتال في الشهر الحرام على أنه {قِتَالٍ فِيهِ} بدل اشتمال من الشهر لما أن الأول: غير واف بالمقصود مشوق إلى الثاني: ملابس له بغير الكلية والجزئية، ولما كان النكرة موصوفة أو عاملة صح إبدالها من المعرفة على أن وجوب التوصيف إنما هو في بدل الكل كما نص عليه الرضي، وقرأ عبد الله (عن قتال) وهو أيضاً بدل اشتمال إلا أنه بتكرير العامل، وقرأ عكرمة (قتل فيه) وكذا في {قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ} أي عظيم وزراً، وفيه تقرير لحرمة القتال في الشهر الحرام، وأن ما اعتقد من استحلاله صلى الله عليه وسلم القتال فيه باطل، وما وقع من أصحابه عليه الصلاة والسلام كان من باب الخطأ في الاجتهاد وهو معفو عنه ـ بل من اجتهد وأخطأ فله أجر واحد ـ كما في الحديث، والأكثرون على أن هذا الحكم منسوخ بقوله سبحانه: {أية : فَإِذَا ٱنسَلَخَ ٱلأَشْهُرُ ٱلْحُرُمُ فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ } تفسير : [التوبة: 5] فإن المراد بالأشهر الحرم أشهر معينة أبيح للمشركين السياحة فيها بقوله تعالى: {أية : فَسِيحُواْ فِى ٱلأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ }تفسير : [التوبة: 2] وليس المراد بها الأشهر الحرم من كل سنة فالتقييد بها يفيد أن قتلهم بعد انسلاخها مأمور به في جميع الأمكنة والأزمنة وهو نسخ الخاص بالعام، وساداتنا الحنفية يقولون به، وأما الشافعية فيقولون: إن الخاص سواء كان متقدماً على العام أو متأخراً عنه مخصص له لكون العام عندهم ظنياً والظني لا يعارض القطعي، وقال الإمام: الذي عندي أن الآية لا تدل على حرمة القتال مطلقاً في الشهر الحرام لأن القتال فيها نكرة في حيز مثبت فلا تعم فلا حاجة حينئذ إلى القول بالنسخ، واعترض بأنها عامة لكونها موصوفة بوصف عام أو بقرينة المقام ولو سلم فقتال المشركين مراد قطعاً لأن قتال المسلمين مطلقاً من غير تقييد بالأشهر الحرم، وفيه أنا لا نسلم أنها موصوفة لجواز أن يكون الجار ظرفاً لغواً ولو سلم فلا نسلم عموم الوصف بل هو مخصص لها بالقتال الواقع في الشهر الحرام المعين، والوصف المفيد للعموم هو الوصف المساوي عمومه عموم الجنس كما في قوله تعالى: {أية : وَمَا مِن دَابَّةٍ فِى ٱلأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ }تفسير : [الأنعام: 38] وقول الشاعر:شعر : ولا ترى الضب بها ينجحر تفسير : وكون الأصل مطابقة الجواب للسؤال قرينة على الخصوص وكون المراد قتال المشركين على عمومه غير مسلم لأن الكلام في القتال المخصوص ولو سلم عمومها في السؤال فلا نسلم عمومها في الجواب بناءاً على ما ذكره الراغب أن النكرة المذكورة إذا أعيد ذكرها يعاد معرفاً نحو سألتني عن رجل والرجل كذا وكذا ففي تنكيرها هنا تنبيه على أنه ليس المراد كل قتال حكمه هذا فإن قتال النبـي صلى الله عليه وسلم لأهل مكة لم يكن هذا حكمه فقد قال عليه الصلاة والسلام: «حديث : أحلت لي ساعة من نهار» تفسير : وحرمة قتال المسلمين مطلقاً لا يخفى ما فيه لأن قتال أهل البغي يحل وهم مسلمون فالإنصاف أن القول بالنسخ ليس بضروري، نعم هو ممكن وبه قال ترجمان القرآن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما كما رواه عنه الضحاك، وأخرج/ ابن أبـي حاتم عن سفيان الثوري أنه سئل عن هذه الآية فقال: هذا شيء منسوخ ولا بأس بالقتال في الشهر الحرام، وخالف عطاء في ذلك فقد روي عنه أنه سئل عن القتال في الشهر الحرام فحلف بالله تعالى ما يحل للناس أن يغزوا في الحرم ولا في الشهر الحرام إلا أن يقاتلوا فيه وجعل ذلك حكماً مستمراً إلى يوم القيامة والأمة اليوم على خلافه في سائر الأمصار. {وَصَدٌّ} أي منع وصرف {عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ} وهو الإسلام قاله مقاتل، أو الحج قاله ابن عباس والسدي، أو الهجرة كما قيل، أو سائر ما يوصل العبد إلى الله تعالى من الطاعات، فالإضافة إما للعهد أو للجنس {وَكُفْرٌ بِهِ} أي بالله أو بسبيله {وَٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ} اختار أبو حيان عطفه على الضمير المجرور وإن لم يعد الجار، وأجاز ذلك الكوفيون، ويونس، والأخفش، وأبو علي وهو شائع في لسان العرب نظماً ونثراً، واعترض بأنه لا معنى للكفر بالمسجد الحرام وهو لازم من العطف، وفيه بحث إذ الكفر قد ينسب إلى الأعيان باعتبار الحكم المتعلق بها كقوله تعالى: {أية : فَمَنْ يَكْفُرْ بِٱلطَّـٰغُوتِ} تفسير : [البقرة: 256] واختار القاضي تقدير مضاف معطوف على {صَدٌّ} أي وصد المسجد الحرام عن الطائفين والعاكفين والركع السجود، واعترض بأن حذف المضاف وإبقاء المضاف إليه بحاله مقصور على السماع ورد بمنع الإطلاق ففي «التسهيل» إذا كان المضاف إليه إثر عاطف متصل به أو مفصول بلا مسبوق بمضاف مثل المحذوف لفظاً ومعنى جاز حذف المضاف وإبقاء المضاف إليه على انجراره قياساً نحو ما مثل زيد وأبيه يقولان ذلك ـ أي مثل أبيه ـ ونحو ما كل سوداء تمرة ولا بيضاء شحمة، وإذا انتفى واحد من الشروط كان مقصوراً على السماع، وفيما نحن فيه سبق إضافة مثل ما حذف منه، واختار الزمخشري عطفه على {سَبِيلِ ٱللَّهِ} تعالى، واعترض بأن عطف {وَكُفْرٌ بِهِ} على {وَصُدٌّ} مانع من ذلك إذ لا يقدم العطف على الموصول على العطف على الصلة، وذكر لصحة ذلك وجهان، أحدهما أن {وَكُفْرٌ بِهِ} في معنى الصد عن سبيل الله فالعطف على سبيل التفسير كأنه قيل ـ وصد عن سبيل الله أعني كفراً به والمسجد الحرام ـ والفاصل ليس بأجنبـي، ثانيهما: أن موضع {وَكُفْرٌ بِهِ} عقيب {وَٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ} إلا أنه قدم لفرط العناية كما في قوله تعالى: {أية : وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ }تفسير : [الإخلاص: 4] حيث كان من حق الكلام ولم يكن أحد كفواً له، ولا يخفى أن الوجه الأول أولى لأن التقديم لا يزيل محذور الفصل ويزيد محذوراً آخر، واختار السجاوندي العطف على ـ الشهر الحرام ـ وضعف بأن القوم لم يسألوا عن المسجد الحرام واختار أبو البقاء كونه متعلقاً بفعل محذوف دل عليه الصد ـ أي ويصدون عن المسجد الحرام ـ كما قال سبحانه: {أية : هُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّوكُمْ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ }تفسير : [الفتح: 25] وضعف بأن حذف حرف الجر وبقاء عمله مما لا يكاد يوجد إلا في الشعر، وقيل: إن الواو للقسم وقعت في أثناء الكلام وهو كما ترى. {وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ} وهم النبـي صلى الله عليه وسلم والمؤمنون وإنما كانوا أهله لأنهم القائمون بحقوقه، وقيل: إن ذلك باعتبار أنهم يصيرون أهله في المستقبل بعد فتح مكة {أَكْبَرُ عِندَ ٱللَّهِ} خبر للأشياء المعدودة من كبائر قريش، وأفعل من يستوي فيه الواحد والجمع المذكر والمؤنث. والمفضل عليه محذوف أي مما فعلته السرية خطأ في الاجتهاد، ووجود أصل الفعل في ذلك الفعل مبني على الزعم {وَٱلْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ ٱلْقَتْلِ} تذييل لما تقدم للتأكيد عطف عليه عطف الحكم الكلي على الجزئي أي ما يفتن به المسلمون ويعذبون به ليكفروا أكبر عند الله من القتل وما ذكر سابقاً داخل فيه دخولاً أولياً، وقيل: المراد بالفتنة الكفر، والكلام كبرى لصغرى/ محذوفة، وقد سيق تعليلاً للحكم السابق. {وَلاَ يَزَالُونَ يُقَـٰتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ} عطف على {يَسْـئَلُونَكَ} بجامع الاتحاد في المسند إليه إن كان السائلون هم المشركون، أو معترضة إن كان السائلون غيرهم والمقصود الاخبار بدوام عداوة الكفار بطريق الكناية تحذيراً للمؤمنين عنهم وإيقاظاً في بعض الأمور، و {حَتَّىٰ} للتعليل، والمعنى لا يزالون يعادونكم لكي يردوكم عن دينكم، وقوله تعالى: {إِنِ اسْتَطَاعُواْ} متعلق بما عنده، والتعبير بإن لاستبعاد استطاعتهم وأنها لا تجوز إلا على سبيل الفرض كما يفرض المحال، وفائدة التقييد بالشرط التنبيه على سخافة عقولهم وكون دوام عداوتهم فعلاً عبثاً لا يترتب عليه الغرض وليس متعلقاً ـ بلا يزالون يقاتلونكم ـ إذ لا معنى لدوامهم على العداوة إن استطاعوها لكنها مستبعدة. وذهب ابن عطية إلى أن {حَتَّىٰ} للغاية والتقييد بالشرط حينئذ لإفادة أن الغاية مستبعدة الوقوع والتقييد بالغاية الممتنع وقوعها شائع كما في قوله تعالى: {أية : حَتَّىٰ يَلِجَ ٱلْجَمَلُ فِى سَمّ ٱلْخِيَاطِ } تفسير : [الأعراف: 40] وفيه أن استبعاد وقوع الغاية مما يترتب عليه عدم انقطاع العداوة وقد أفاده صدر الكلام، والقول بالتأكيد غير أكيد، نعم يمكن الحمل على الغاية لو أريد من المقاتلة معناها الحقيقي ويكون الشرط متعلقاً ـ بلا يزالون ـ فيفيد التقييد أن تركهم المقاتلة في بعض الأوقات لعدم استطاعتهم إلا أن المعنى حينئذ يكون مبتذلاً كما لا يخفى. {وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ} الحق باضلالهم وإغوائهم، أو الخوف من عداوتهم {فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ} بأن لم يرجع إلى الإسلام {فَأُوْلَٰـئِكَ} إشارة إلى الموصول باعتبار اتصافه بما في حيز الصلة من الارتداد والموت على الكفر وما فيه من البعد للإشعار ببعد منزلة من يفعل ذلك في الشر والفساد والجمع والإفراد نظراً للفظ والمعنى. {حَبِطَتْ أَعْمَـٰلُهُمْ} أي صارت أعمالهم الحسنة التي عملوها في حالة الإسلام فاسدة بمنزلة ما لم تكن، قيل: وأصل الحبط فساد يلحق الماشية لأكل الحباط وهو ضرب من الكلأ مضر، وفي «النهاية» «أحبط الله تعالى عمله أبطله يقال: حَبِط عمله وأحبط وأحبطه غيره وهو من قولهم: حَبِطت الدابة حَبَطاً بالتحريك إذا أصابت مرعى طيباً فأفرطت في الأكل حتى تنتفخ فتموت، وقرىء (حَبَطَتْ) بالفتح وهو لغة فيه. {فِى ٱلدُّنُيَا وَٱلاْخِرَةِ} لبطلان ما تخيلوه وفوات ما للإسلام من الفوائد في الأولى وسقوط الثواب في الأخرى {وَأُوْلٰـئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ}. كسائر الكفرة ولا يغني عنهم إيمانهم السابق على الردة شيئاً، واستدل الشافعي بالآية على أن الردة لا تحبط الأعمال حتى يموت عليها وذلك بناءاً على أنها لو أحبطت مطلقاً لما كان للتقييد بقوله سبحانه: {فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ} فائدة والقول بأنه فائدته أن إحباط جميع الأعمال حتى لا يكون له عمل أصلاً موقوف على الموت على الكفر حتى لو مات مؤمناً لا يحبط إيمانه ولا عمل يقارنه وذلك لا ينافي إحباط الأعمال السابقة على الارتداد بمجرد الارتداد مما لا معنى له لأن المراد من الأعمال في الآية الأعمال السابقة على الارتداد إذ لا معنى لحبوط ما لم يفعل فحينئذٍ لا يتأتى هذا القول كما لا يخفى، وقيل: بناءاً على أنه جعل الموت عليها شرطاً في الإحباط وعند انتفاء الشرط ينتفي المشروط، واعترض بأن الشرط النحوي والتعليقي ليس بهذا المعنى بل غايته السببية والملزومية وانتفاء السبب أو الملزوم لا يوجب انتفاء المسبب أو اللازم لجواز تعدد الأسباب ولو كان شرطاً بهذا المعنى لم يتصور اختلاف القول بمفهوم الشرط، وذهب إمامنا أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه إلى أن مجرد الارتداد يوجب الإحباط لقوله تعالى: {أية : وَمَن يَكْفُرْ بِٱلإيمَـٰنِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ } تفسير : [المائدة: 5] وما استدل به الشافعي ليس صريحاً في المقصود لأنه إنما يتم إذا/ كانت جملة، و (أولٰئك) الخ تذييلاً معطوفة على الجملة الشرطية، وأما لو كانت معطوفة على الجزاء وكان مجموع الإحباط والخلود في النار مرتباً على الموت على الردة فلا نسلم تماميته، ومن زعم ذلك اعترض على الإمام أبـي حنيفة رضي الله تعالى عنه بأن اللازم عليه حمل المطلق على المقيد عملاً بالدليلين، وأجيب بأن حمل المطلق على المقيد مشروط عنده بكون الإطلاق والتقييد في الحكم واتحاد الحادثة وما هنا في السبب فلا يجوز الحمل لجواز أن يكون المطلق سبباً كالمقيد، وثمرة الخلاف على ما قيل: تظهر فيمن صلى ثم ارتد ثم أسلم والوقت باق فإنه يلزمه عند الإمام قضاء الصلاة خلافاً للشافعي وكذا الحج، واختلف الشافعيون فيمن رجع إلى الإسلام بعد الردة هل يرجع له عمله بثوابه أم لا؟ فذهب بعض إلى الأول: فيما عدا الصحبة فإنها ترجع مجردة عن الثواب، وذهب الجل إلى الثاني: وأن أعماله تعود بلا ثواب ولا فرق بين الصحبة وغيرها، ولعل ذلك هو المعتمد في المذهب فافهم.

ابن عاشور

تفسير : {. من أهم تفاصيل الأحوال في القتال الذي كتب على المسلمين في الآية قبل هذه، أن يعلموا ما إذا صادف القتال بينهم وبين المشركين الأشهرَ الحُرمَ إذ كان محجراً في العرب من عهد قديم، ولم يذكر الإسلام إبطال ذلك الحجر؛ لأنه من المصالح قال تعالى { أية : جعل الله الكعبة البيت الحرام قياماً للناس والشهر الحرام } تفسير : [المائدة: 97] فكان الحال يبعث على السؤال عن استمرار حرمة الشهر الحرام في نظر الإسلام. روى الواحدي في «أسباب النزول» عن الزهري مرسلاً وروى الطبري عن عروة بن الزبير مرسلاً ومطوَّلاً، أن هذه الآية نزلت في شأن سَريَّة عبد الله بن جَحْش، فإن النبي صلى الله عليه وسلم أرسله في ثمانية من أصحابه يتلقّى عيراً لقريش ببطن نَخْلَةَ في جمادى الآخرة في السنة الثانية من الهجرة، فلقي المسلمون العير فيها تجارة من الطائف وعلى العير عمرو بن الحَضْرَمِيِّ، فقتل رجل من المسلمين عَمْراً وأسر اثنين من أصحابه وهما عثمان بن عبد الله بن المغيرة والحكم بن كيسان وفر منهم نوفل بن عبد الله بن المغيرة وغنم المسلمون غنيمة، وذلك أول يوم من رجب وهم يظنونه من جمادى الآخرة، فعظم ذلك على قريش وقالوا: استحل محمد الشهر الحرام وشنعوا ذلك فنزلت هذه الآية. فقيل: إن النبي صلى الله عليه وسلم رد عليهم الغنيمة والأسيرين، وقيل: رد الأسيرين وأخذ الغنيمة. فإذا صح ذلك كان نزول هذه الآية قبل نزول آية { أية : كتب عليكم القتال وهو كره لكم } تفسير : [البقرة: 216] وآية { أية : وقاتلوا في سبيل الله الذي يقاتلونكم } تفسير : [البقرة: 190] بمدة طويلة فلما نزلت الآيتان بعد هذه، كان وضعهما في التلاوة قبلها بتوقيف خاص لتكون هذه الآية إكمالاً لما اشتملت عليه الآيتان الأخريان، وهذا له نظائر في كثير من الآيات باعتبار النزول والتلاوة. والأظهر عندي أن هذه الآية نزلت بعد الآية التي قبلها وأنها تكملة وتأكيد لآية { أية : الشهرُ الحرامُ بالشهر الحرام } تفسير : [البقرة: 194]. والسؤال المذكور هنا هو سؤال المشركين النبي عليه الصلاة والسلام يوم الحديبية، هل يقاتل في الشهر الحرام كما تقدم عند قوله تعالى: {الشهر الحرام بالشهر الحرام}. وهذا هو المناسب لقوله هنا {وصد عن سبيل الله} إلخ وقيل: سؤال المشركين عن قتال سرية عبد الله بن جحش. فالجملة استئناف ابتدائي، وردت على سؤال الناس عن القتال في الشهر الحرام ومناسبة موقعها عقب آية { أية : كتب عليكم القتال } تفسير : [البقرة: 216] ظاهرة. والتعريف في (الشهر الحرام) تعريف الجنس، ولذلك أحسن إبدال النكرة منه في قوله: {قتال فيه}، وهو بدل اشتمال فيجوز فيه إبدال النكرة من المعرفة، بخلاف بدل البعض على أن وصف النكرة هنا بقوله (فيه) يجعلها في قوة المعرفة. فالمراد بيان أيِّ شهر كان من الأشهر الحُرم وأيِّ قتال، فإن كان السؤال إنكارياً من المشركين فكون المراد جنس هذه الأشهر ظاهر، وإن كان استفساراً من المسلمين فكذلك، ومجرد كون الواقعة التي تسبب عليها السؤال وقعت في شهر معين لا يقتضي تخصيص السؤال بذلك الشهر، إذ لا يخطر ببال السائل بل المقصود السؤال عن دوام هذا الحكم المتقرر عندهم قبل الإسلام وهْوَ لا يختص بشهر دون شهر. وإنما اختير طريق الإبدال هنا ــــ وكان مقتضى الظاهر أن يقال: يسألونك عن القتال في الشهر الحرام ــــ لأَجل الاهتمام بالشهر الحرام تنبيهاً على أن السؤال لأجل الشهر أيقع فيه قتال؟ لاَ لأَجل القتال هل يقع في الشهر وهما متآيلان، لكن التقديم لقضاء حق الاهتمام، وهذه نكتة لإبدال عطفِ البيان تنفع في مواقع كثيرة، على أن في طريق بدل الاشتمال تشويقاً بارتكاب الإجمال ثم التفصيل. وتنكير (قتال) مراد به العموم، إذ ليس المسؤول عنه قتالاً معيناً ولا في شهر معين، بل المراد هذا الجنس في هذا الجنس. و(فيه) ظرف صفة لقتال مخصصة له. وقوله: {قل قتال فيه كبير} إظهار لفظ القتال في مقام الإضمار ليكون الجواب صريحاً حتى لا يتوهم أن الشهر الحرام هو الكبير، وليكون الجواب على طبق السؤال في اللفظ، وإنما لم يعرف لفظ القتال ثانياً باللام مع تقدم ذكره في السؤال، لأنه قد استغنى عن تعريفه باتحاد الوصفين في لفظ السؤال ولفظ الجواب وهو ظرف (فيه)، إذ ليس المقصود من تعريف النكرة باللام إذا أعيد ذكرها إلاّ التنصيصَ على أن المراد بها تلك الأولى لا غيرها، وقد حصل ذلك بالوصف المتحد، قال التفتازاني: فالمسؤول عنه هو المجاب عنه وليس غيره كما توهم بناء على أن النكرة إذا أعيدت نكرة كانت غير الأولى، لأن هذا ليس بضربة لازم يريد أن ذلك يتبع القرائن. والجواب تشريع إن كان السؤال من المسلمين، واعترافٌ وإبكات إن كان السؤال إنكاراً من المشركين، لأنهم توقعوا أن يجيبهم بإباحة القتال فيثَوِّروا بذلك العرب ومن في قلبه مرض. والكبير في الأصل هو عظيم الجثة من نوعه، وهو مجاز في القوى والكثير والمسن والفاحش، وهو استعارة مبنية على تشبيه المعقول بالمحسوس، شبه القوي في نوعه بعظيم الجثة في الأفراد، لأنه مألوف في أنه قوى، وهو هنا بمعنى العظيم في المآثم بقرينة المقام، مثل تسمية الذنب كبيرة، وقول النبي صلى الله عليه وسلم « حديث : وما يعذَّبان في كبير وإنه لكبير » تفسير : الحديثَ. والمعنى أن القتال في الأشهر الحرم إثم كبير، فالنكرة هنا للعموم بقرينة المقام، إذ لا خصوصية لقتال قوم دون آخرين، ولا لقتل في شهر دون غيره، لا سيما ومطابقة الجواب للسؤال قد أكدت العموم، لأن المسؤول عنه حُكْم هذا الجنس وهو القتال في هذا الجنس وهو الشهر الحرام من غير تفصيل، فإن أجدر أفراد القتال بأن يكون مباحاً هو قتالنا المشركين ومع ذلك فهو المسؤول عنه وهو الذي وقع التحرج منه، أما تقاتل المسلمين فلا يختص إثمه بوقوعه في الشهر الحرام، وأما قتال الأمم الآخرين فلا يخطر بالبال حينئذٍ. والآية دليل على تحريم القتال في الأشهر الحُرم وتقرير لما لتلك الأشهر من الحرمة التي جعلها الله لها منذ زمن قديم، لعله من عهد إبراهيم عليه السلام فإن حرمة الزمان تقتضي ترك الإثم في مُدَّته. وهذه الأشهر هي زمن للحج ومقدماته وخواتمه وللعمرة كذلك فلو لم يحرم القتال في خلالها لتعطل الحج والعمرة، ولذلك أقرها الإسلام أيام كان في بلاد العرب مشركون لفائدة المسلمين وفائدة الحج، قال تعالى: { أية : جعل الله الكعبة البيت الحرام قياماً للناس والشهر الحرام } تفسير : [المائدة: 97] الآية. وتحريم القتال في الشهر الحرام قد خصص بعد هذه الآية ثم نسخ، فأما تخصيصه فبقوله تعالى: { أية : ولا تقاتلوهم عن، المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه إلى قوله: الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص } تفسير : [البقرة: 191، 194]. وأما نسخة فبقوله تعالى: { أية : براءة من الله ورسوله إلى الذين عهدتم من المشركين، فسيحوا في الأرض أربعة أشهر إلى قوله فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم } تفسير : [التوبة: 1، 5] فإنها صرحت بإبطال العهد الذي عاهد المسلمون المشركين على الهدنة، وهو العهد الواقع في صلح الحديبية؛ لأنه لم يكن عهداً مؤقتاً بزمن معين ولا بالأبد، ولأن المشركين نكثوا أيمانهم كما في الآية الأخرى: { أية : ألا تقاتلون قوماً نكثوا أيمانهم وهموا بإخراج الرسول } تفسير : [التوبة: 13]. ثم إن الله تعالى أَجَّلهم أجلاً وهو انقضاء الأشهر الحرم من ذلك العام وهو تسعة من الهجرة في حجة أبي بكر بالناس، لأن تلك الآية نزلت في شهر شوال وقد خرج المشركون للحج فقال لهم {فسيحوا في الأرض أربعة أشهر} فأخرها آخر المحرم من عام عشرة من الهجرة، ثم قال: {فإذا انسلخ الأشهر الحرم} أي تلك الأشهر الأربعة {فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} فنسخ تحريم القتال في الأشهر الحرم، لأن المشركين جمع معرف بلام الجنس وهو من صيغ العموم وعموم الأشخاص يستلزم عموم الأزمنة والأمكنة على التحقيق، ولذلك قاتل النبي صلى الله عليه وسلم ثقيفاً في شهر ذي القعدة عقب فتح مكة كما في كتب الصحيح. وأغزى أبا عامر إلى أَوْطاسَ في الشهر الحرام، وقد أجمع المسلمون على مشروعية الغزو في جميع أشهر السنة يغزون أهل الكتاب وهم أولى بالحرمة في الأشهر الحرم من المشركين. فإن قلت: إذا نُسخ تحريم القتال في الأشهر الحُرم فما معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم في خطبة حجة الوداع « حديث : إن دِماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حَرام كحُرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا » تفسير : فإن التشبيه يقتضي تقرير حُرمة الأشهر. قلت: إن تحريم القتال فيها تَبَع لتعظيمها وحرمتها وتنزيهها عن وقوع الجرائم والمظالم فيها فالجريمة فيها تعد أعظم منها لو كانت في غيرها. والقتال الظلمُ محرم في كل وقت، والقتال لأجل الحق عبادة فنُسخ تحريم القتال فيها لذلك وبقيت حرمة الأشهر بالنسبة لبقية الجرائم. وأحسن من هذا أن الآية قررت حرمة القتال في الأشهر الحرم لحكمة تأمين سبل الحج والعمرة، إذ العمرة أكثرها في رجب ولذلك قال: {قتال فيه كبير} واستمر ذلك إلى أن أبطل النبي صلى الله عليه وسلم الحجَّ على المشركين في عام حجة أبي بكر بالناس؛ إذ قد صارت مكة بيد المسلمين ودخل في الإسلام قريش ومعظم قبائل العرب والبقية منعوا من زيارة مكة، وأن ذلك كان يقتضي إبطال تحريم القتال في الأشهر الحرم؛ لأن تحريمه فيها لأجل تأمين سبيل الحج والعمرة. وقد تعطل ذلك بالنسبة للمشركين ولم يبق الحج إلاّ للمسلمين وهم لا قتال بينهم، إذ قتال الظلم محرم في كل زمان وقتال الحق يقع في كل وقت ما لم يشغل عنه شاغل مثل الحج، فتسميته نسخاً تسامح، وإنما هو انتهاء مورد الحكم، ومثل هذا التسامح في الأسماء معروف في كلام المتقدمين، ثم أسلم جميع المشركين قبل حجة الوداع وذكر النبي صلى الله عليه وسلم حرمة الأشهر الحرم في خطبته، وقد تعطل حينئذٍ العمل بحرمة القتال في الأشهر الحرم، إذ لم يبق مشرك يقصد الحج. فمعنى نسخ تحريم القتال في الأشهر الحرم أن الحاجة إليه قد انقضت كما انتهى مصرف المؤلَّفة قلوبهم من مصارف الزكاة بالإجماع لانقراضهم. {وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ ٱللَّهِ وَٱلْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ ٱلْقَتْلِ}. إنحاء على المشركين وإظهار لظلمهم بعد أن بكَّتهم بتقرير حرمة الأشهر الحرم الدال على أن ما وقع من أهل السرية من قتل رجل فيه كان عن خطأ في الشهر أو ظن سقوط الحرمة بالنسبة لقتال العدو، فإن المشركين استعظموا فعلاً واستنكروه وهم يأتون ما هو أفظع منه، ذلك أن تحريم القتال في الشهر الحرام ليس لذات الأشهر، لأن الزمان لا حرمة له في ذاته وإنما حرمته تحصل بجعل الله إياه ذا حرمة، فحرمته تبع لحوادث تحصل فيه، وحرمة الأشهر الحرم لمراعاة تأمين سبيل الحج والعمرة ومقدماتهما ولواحقهما فيها، فلا جرم أن الذين استعظموا حصول القتل في الشهر الحرام واستباحوا حرمات ذاتيَّة بصد المسلمين، وكفروا بالله الذي جعل الكعبة حراماً وحَرَّم لأجل حجها الأشهرَ الحرم، وأخرجوا أهل الحرم منه، وآذوهم، لأحْرِياء بالتحميق والمذمة، لأن هاته الأشياء المذكورة كلها محرمة لذاتها لا تبعاً لغيرها. وقد قال الحسن البصري لرجل من أهل العراق جاء يسأله عن دم البعوض إذا أصاب الثوب هل ينجسه، وكان ذلك عقب مقتل الحسين بن عليّ رضي الله عنهما «عجباً لكم يا أهل العراق تستحلون دم الحسين وتسألون عن دم البعوض». ويحق التمثل هنا بقول الفرزدق: شعر : أَتَغضَبُ إِنْ أُذْنَا قُتَيْبَةَ حُزَّتا جِهارا ولم تغضَبْ لقتل ابن خازم تفسير : والمعنى أن الصد وما عطف عليه من أفعال المشركين أكبر إثماً عند الله من إثم القتال في الشهر الحرام. والعندية في قوله: {عند الله} عندية مجازية وهي عندية العِلم والحُكم. والتفضيل في قوله: {أكبر}: تفضيل في الإثم أي كل واحد من تلك المذكورات أعظم إثماً. والمراد بالصد عن سبيل الله: منع من يريد الإسلام منه ونظيره قوله تعالى: { أية : توعدون وتصدون عن سبيل الله من آمن به } تفسير : [الأعراف: 86]. والكفر بالله: الإشراك به بالنسبة للمشركين وهم أكثر العرب، وكذلك إنكار وجوده بالنسبة للدهريين منهم، وتقدم الكلام عن الكفر وضابطه عند قوله تعالى: { أية : إن الذين كفروا سواء عليهم } تفسير : [البقرة: 6] إلخ. وقوله {به} الباء فيه لتعدية {كُفْر} وليست للظرفية والضمير المجرور بالباء عائد إلى اسم الجلالة. و{كُفر} معطوف على {صد} أي صد عن سبيل الله وكفر بالله أكبر من قتال الشهر الحرام وإن كان القتال كبيراً. و(المسجد الحرام) معطوف على (سبيل الله) فهو متعلق بــــ (صد) تبعاً لتعلق متبوعه به. وعلم أن مقتضى ظاهر ترتيب نظم الكلام أن يقال: وصدٌّ عن سبيل الله وكفر به وصد عن المسجد الحرام وإخراجُ أهله منه أكبر عند الله، فخولف مقتضى هذا النظم إلى الصورة التي جاءت الآية عليها، بأن قُدم قوله (وكفر به) فجعل معطوفاً على (صد) قبل أن يستوفَى صد ما تعلق به وهو (والمسجِد الحرام) فإنه معطوف على (سبيل الله) المتعلق بـــ (صد) إذ المعطوف على المتعلَّق متعلِّقٌ فهو أولى بالتقديم من المعطوف على الاسم المتعلَّق به، لأن المعطوف على المتعلَّق به أجنبي عن المعطوف عليه، وأما المعطوف على المتعلِّق فهو من صلة المعطوف عليه، والداعي إلى هذا الترتيب هو أن يكون نظم الكلام على أسلوب أدق من مقتضى الظاهر وهو الاهتمام بتقديم ما هو أفظع من جرائمهم، فإن الكفر بالله أفظع من الصد عن المسجد الحرام، فكان ترتيب النظم على تقديم الأهمِّ فالأهمِّ، فإن الصد عن سبيل الإسلام يجمع مظالم كثيرة؛ لأنه اعتداء على الناس في ما يختارونه لأنفسهم، وجحد لرسالة رسول الله، والباعث عليه انتصارهم لأصنامهم { أية : أجعل الآلهة إلهاً وَاحداً إنَّ هٰذا لَشَيْءٌ عُجاب } تفسير : [ص: 5] فليس الكفر بالله إلا ركناً من أركان الصد عن الإسلام فلذلك قدم الصد عن سبيل الله ثم ثنَّى بالكفر بالله ليفاد بدلالة المطابقة بعد أن دَلَّ عليه الصدُّ عن سبيل الله بدلالة التضمن، ثم عد عليهم الصد عن المسجد الحرام ثم إخراج أهله منه. ولا يصح أن يكون «والمسجد الحرام» عطفاً على الضمير في قوله (به) لأنه لا معنى للكفر بالمسجد الحرام فإن الكفر يتعدى إلى ما يُعبد ومَا هو دين وما يتضمن ديناً، على أنهم يعظمون المسجد الحرام ولا يعتقدون فيه ما يسوغ أن يتكلف بإطلاق لفظ الكفر عليه على وجه المجاز. وقوله: {وإخراج أهله منه} أي إخراج المسلمين من مكة؛ فإنهم كانوا حول المسجد الحرام؛ لأن في إخراجهم مظالم كثيرة فقد مرض المهاجرون في خروجهم إلى المدينة ومنهم كثير من أصابته الحمى حتى رفعت من المدينة ببركة دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم على أن التفضيل إنما تعلق بوقوع القتال في الأشهر الحرم لا بنفس القتل فإن له حكماً يخصه. والأهل: الفريق الذين لهم مزيد اختصاص بما يضاف إليه اللفظ، فمنه أهل الرجل عشيرته، وأهل البلد المستوطنون به، وأهل الكرم المتصفون به، أراد به هنا المستوطنين بمكة وهم المسلمون، وفيه إيماء إلى أنهم أحق بالمسجد الحرام، لأنهم الذين اتبعوا ملة من بنى المسجد الحرام قال تعالى: { أية : وما كانوا أولياءه إن أولياؤه إلا المتقون } تفسير : [الأنفال: 34]. وقوله: {والفتنة أكبر من القتل} تذييل مسوق مساق التعليل، لقوله: {وإخراج أهله منه}؛ وإذ قد كان إخراج أهل الحرم منه أكبر من القتل؛ كان ما ذكر قبله من الصد عن الدِّين والكفر بالله والصد عن المسجد الحرام أكبر بدلالة الفحوى، لأن تلك أعظم جرماً من جريمة إخراج المسلمين من مكة. والفتنة: التشغيب والإيقاع في الحيرة واضطراب العيش فهي اسم شامل لما يعظم من الأذى الداخل على أحد أو جماعة من غيرهم، وأريد بها هنا ما لقيه المسلمون من المشركين من المصائب في الدين بالتعرض لهم بالأذى بالقول والفعل، ومنعهم من إظهار عبادتهم، وقطيعتهم في المعاملة، والسخرية بهم والضرب المدمي والتمالىء على قتل الرسول صلى الله عليه وسلم والإخراج من مكة ومنع من أموالهم ونسائهم وصدهم عن البيت، ولا يخفى أن مجموع ذلك أكبر من قتل المسلمين واحداً من رجال المشركين وهو عَمرو الحضرمي وأسِرهم رجلين منهم. و (أكبر) أي أشد كِبَراً أي قوة في المحارم، أي أكبر من القتل الذي هو في الشهر الحرام كبير. {وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِن اسْتَطَاعُواْ}. جملة معترضة دعا إلى الاعتراض بها مناسبة قوله: {والفتنة أكبر من القتل} لما تضمنته من صدور الفتنة من المشركين على المسلمين وما تتضمنه الفتنة من المقاتلة التي تداولَها المسلمون والمشركون. إذ القتال يشتمل على أنواع الأذى وليس القتل إلاّ بعض أحوال القتال ألا ترى إلى قوله تعالى: { أية : أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا } تفسير : [الحج: 39] فسمى فعل الكفار مع المسلمين مقاتلة وسمى المسلمين مقاتَلين بفتح التاء، وفيه إعلام بأن المشركين مضمرون غزو المسلمين ومستعدون له وإنما تأخروا عنه بعد الهجرة، لأنهم كانوا يقاسون آثار سني جدب فقوله {لا يزالون} وإن أشعر أن قتالهم موجود فالمراد به أسباب القتال، وهو الأذى وإضمار القتال كذلك، وأنّهم إن شرعوا فيه لا ينقطعون عنه، على أن صريح لا يزال الدلالة على أن هذا يدوم في المستقبل، و(حتى) للغاية وهي هنا غاية تعليلية. والمعنى: أن فتنتهم وقتالهم يدوم إلى أن يحصل غرضهم وهو أن يردوكم عن دينكم. وقوله: {إن استطعوا} تعريض بأنهم لا يستطيعون رد المسلمين عن دينهم، فموقع هذا الشرط موقع الاحتراس مما قد تُوهِمُه الغاية في قوله: {حتى يردوكم عن دينكم} ولهذا جاء الشرط بحرف (إن) المشعر بأن شرطه مرجو عدم وقوعه. والرد: الصرف عن شيء والإرجاع إلى ما كان قبل ذلك، فهو يتعدى إلى المفعول بنفسه وإلى ما زاد على المفعول بإلى وعَن، وقد حذف هنا أحد المتعلِّقين وهو المتعلق بواسطة إلى لظهور أنهم يقاتلونهم ليردوهم عن الإسلام إلى الشرك الذي كانوا عليه، لأن أهل كل دين إذا اعتقدوا صحة دينهم حرصوا على إدخال الناس فيه قال تعالى: { أية : ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم } تفسير : [البقرة: 120]، وقال: { أية : ودُّوا لو تكفرون كما كفروا } تفسير : [النساء: 89]. وتعليق الشرط بإن للدلالة على أن استطاعتهم ذلك ولو في آحاد المسلمين أمر مستبعدُ الحصول لقوة إيمان المسلمين فتكون محاولة المشركين ردَّ واحد من المسلمين عناء باطلاً. {وَمَن يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلۤـٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ وَأُوْلۤـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}. اعتراض ثان، أو عطف على الاعتراض الذي قبله، والمقصدُ منه التحذير، لأنه لما ذكر حرص المشركين على رد المسلمين عن الإسلام وعقَّبه باستبعاد أن يصدر ذلك من المسلمين، أعقبه بالتحذير منه، وجيء بصيغة {يرتدد} وهي صيغة مطاوعة إشارة إلى أن رجوعهم عن الإسلام إن قُدر حصوله لا يكون إلاّ عن محاولة من المشركين فإن من ذاق حلاوة الإيمان لا يسهل عليه رجوعه عنه ومن عرف الحق لا يرجع عنه إلاّ بعناء، ولم يلاحظ المفعول الثاني هنا؛ إذ لا اعتبار بالدين المرجوع إليه وإنما نيط الحكم بالارتداد عن الإسلام إلى أيِّ دين ومن يومئذٍ صار اسم الردة لقباً شرعياً على الخروج من دين الإسلام وإن لم يكن في هذا الخروج رجوع إلى دين كان عليه هذا الخارج. وقوله (فَيمُتْ) معطوف على الشرط فهو كشرط ثان. وفعل حبِطَ من باب سمع ويتعدى بالهمزة، قال اللغويون أصله من الحبط بفتح الباء وهو انتفاخ في بطون الإبل من كثرة الأكل فتموت من ذلك، فإطلاقه على إبطال الأعمال تمثيل؛ لأن الإبل تأكل الخضر شهوة للشبع فيئول عليها بالموت، فشبه حال من عمل الأعمال الصالحة لنفعها في الآخرة فلم يجد لها أثراً بالماشية التي أكلت حتى أصابها الحبط، ولذلك لم تقيد الأعمال بالصالحات لظهور ذلك التمثيل. وحَبَطُ الأعمال: زوال آثارها المجعولة مرتبة عليها شرعاً، فيشمل آثارها في الدنيا والثواب في الآخرة وهو سر قوله: {في الدنيا والآخرة}. فالآثار التي في الدنيا هي ما يترتب على الإسلام من خصائص المسلمين وأولها آثار كلمة الشهادة من حُرمة الأنفس والأموال والأعراض والصلاة عليه بعد الموت والدفن في مقابر المسلمين. وآثار العبادات وفضائل المسلمين بالهجرة والأخُوَّة التي بين المهاجرين والأنصار وولاء الإسلام وآثار الحقوق مثل حق المسلمين في بيت المال والعطاء وحقوق التوارث والتزويج فالولايات والعدالة وما ضمنه الله للمسلمين مثل قوله: { أية : من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة } تفسير : [النحل: 97]. وأما الآثار في الآخرة فهي النجاة من النار بسبب الإسلام وما يترتب على الأعمال الصالحات من الثواب والنعيم. والمراد بالأعمال: الأعمال التي يتقربون بها إلى الله تعالى ويرجون ثوابها بقرينة أصل المادة ومقام التحذير؛ لأنه لو بطلت الأعمال المذمومة لصار الكلام تحريضاً، وما ذكرت الأعمال في القرآن مع حبطت إلاّ غير مقيدة بالصالحات اكتفاء بالقرينة. وقوله: {وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون} عطف على جملة الجزاء على الكفر، إذ الأمور بخواتمها، فقد ترتب على الكفر أمران: بطلان فضل الأعمال السالفة، والعقوبة بالخلود في النار، ولكون الخلود عقوبة أخرى أعيد اسم الإشارة في قوله: {وأولئك أصحاب النار}. وفي الإتيان باسم الإشارة في الموضعين التنبيه على أنهم أحرياء بما ذكر بعد اسم الإشارة من أجل ما ذكر قبل اسم الإشارة. هذا وقد رتب حبط الأعمال على مجموع أمرين الارتداد والموت على الكفر، ولم يقيد الارتداد بالموت عليه في قوله تعالى: { أية : ومن يكفر بالإيمان فقط حبط عمله وهو في الآخرة من الخاسرين } تفسير : [المائدة: 5] وقوله تعالى: { أية : لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين } تفسير : [الزمر: 65] وقوله: { أية : ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون } تفسير : [الأنعام: 88]. وقد اختلف العلماء في المرتد عن الإسلام إذا تاب من ردته ورجع إلى الإسلام، فعند مالك وأبي حنيفة أن من ارتد من المسلمين ثم عاد إلى الإسلام وتاب لم ترجع إليه أعماله التي عملها قبل الارتداد فإن كان عليه نذور أو أيمان لم يكن عليه شيء منها بعد عودته إلى الإسلام، وإن كان حج قبل أن يرتد ثم عاد إلى الإسلام استأنف الحج ولا يؤخذ بما كان عليه زمن الارتداد إلاّ ما لو فعله في الكفر أخذ به. وقال الشافعي إذا عاد المرتد إلى الإسلام عادت إليه أعماله كلها ما له وما عليه. فأما حجة مالك فقال ابن العربي قال علماؤنا إنما ذكر الله الموافاة شرطاً ههنا، لأنه عَلَّق الخلود في النار عليها فمن أوفى على الكفر خلده الله في النار بهذه الآية، ومن أَشرك حبط عمله بالآية الأخرى فهما آيتان مفيدتان لمعنيين وحكمين متغايرين اهـ يريد أن بين الشرطين والجوابين هنا توزيعاً فقوله: {فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة} جواب لقوله: {ومن يرتدد منكم عن دينه}. وقوله: {وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون} جواب لقوله: {فيمت وهو كافر}، ولعل في إعادة {وأولئك} إيذاناً بأنه جواب ثان، وفي إطلاق الآي الأخرى عن التقييد بالموت على الكفر قرينة على قصد هذا المعنى من هذا القيد في هذه الآية. وفي هذا الاستدلال إلغاء لقاعدة حمل المطلق على المقيد، ولعل نظر مالك في إلغاء ذلك أن هذه أحكام ترجع إلى أصول الدين ولا يكتفى فيها بالأدلة الظنية، فإذا كان الدليل المطلق يحمل على المقيد في فروع الشريعة فلأَنه دليل ظني، وغالب أدلة الفروع ظنية، فأما في أصول الاعتقاد فأخَذَ من كل آية صريحَ حكمها، وللنظر في هذا مجال، لأن بعض ما ذكر من الأعمال راجع إلى شرائع الإسلام وفروعه كالحج. والحجة للشافعي إعمال حمل المطلق على المقيد كما ذكره الفخر وصوبه ابن الفرس من المالكية. فإن قلت فالعمل الصالح في الجاهلية يقرره الإسلام فقد حديث : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لِحكيم بن حزام"أسْلَمْتَ على ما أسلمتَ عليه من خير" تفسير : ، فهل يكون المرتد عن الإسلام أقلَّ حالاً من أهل الجاهلية؟ فالجواب أن حالة الجاهلية قبل مجيء الإسلام حالة خُلُو عن الشريعة فكان من فضائل الإسلام تقريرها. وقد بني على هذا خلاف في بقاء حكم الصحبة للذين ارتدوا بعد النبي صلى الله عليه وسلم ثم رجعوا إلى الإسلام مثل قُرة بن هبيرة العامري، وعلقمة بن عُلاثة، والأشعث بن قيس، وعيينَةَ بن حصن، وعَمْرو بن معديكرب، وفي «شرح القاضي زكريا على ألفية العراقي»: وفي دخول من لقي النبي صلى الله عليه وسلم مُسلماً ثم ارتدَّ ثم أسلَم بعد وفاة الرسول في الصحابة نظر كبير اهـ قال حُلولو في «شرح جمع الجوامع» ولو ارتد الصحابي في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم ورجع إلى الإيمان بعد وفاته جرى ذلك على الخلاف في الردة، هل تحبط العمل بنفس وقوعها أو إنما تحبطه بشرط الوفاة عليها، لأن صحبة الرسول صلى الله عليه وسلم فضيلة عظيمة، أما قبول روايته بعد عودته إلى الإسلام ففيها نظر، أما من ارتد في حياة النبي صلى الله عليه وسلم ورجع إلى الإسلام في حياته وصَحِبه ففضل الصحبة حاصل له مثل عبد الله ابن سعد بن أبي سَرْح. فإن قلت: ما السر في اقتران هذين الشرطين في هذه الآية مع خلو بقية نظائرها عن ثاني الشرطين، قلت: تلك الآي الأخر جاءت لتهويل أمر الشرك على فرض وقوعه من غير معين كما في آية { أية : ومن يكفر بالإيمان } تفسير : [المائدة: 5] أو وقوعه ممن يستحيل وقوعه منه كما في آية: { أية : ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون } تفسير : [الأنعام: 88] وآية { أية : لئن أشركت ليحبطن عملك } تفسير : [الزمر: 65] فاقتصر فيها على ما ينشأ عن الشرك بعد الإيمان من حبْط الأعمال، ومن الخسارة بإجمال، أما هذه الآية فقد وردت عقب ذكر محاولة المشركين ومعالجتهم ارتدادَ المسلمين المخاطبين بالآية، فكان فرض وقوع الشرك والارتداد منهم أقرب، لمحاولة المشركين ذلك بقتال المسلمين، فذكر فيها زيادة تهويل وهو الخلود في النار. وكانت هذه الآية من دلائل النبوة، إذا وقع في عام الردة، أن من بقي في قلبهم أثر الشرك حاولوا من المسلمين الارتداد وقاتلوهم على ذلك فارتد فريق عظيم وقام لها الصديق رضي الله عنه بعزمه ويقينه فقاتلهم فرجع منهم من بقي حياً، فلولا هذه الآية لأَيسوا من فائدة الرجوع إلى الإسلام وهي فائدة عدم الخلود في النار. وقد أشار العطف في قوله: {فيمت بالفاء المفيدة للتعقيب إلى أن الموت يعقب الارتداد وقد علم كل أحد أن معظم المرتدين لا تحضر آجالهم عقب الارتداد فيعلم السامع حينئذٍ أن المرتد يعاقب بالموت عقوبة شرعية، فتكون الآية بها دليلاً على وجوب قتل المرتد. وقد اختلف في ذلك علماء الأمة فقال الجمهور يستتاب المرتد ثلاثة أيام ويسجن لذلك فإن تاب قبلت توبته وإن لم يتب قُتل كافراً وهذا قول عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وبه قال مالك وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه سواء كان رجلاً أو امرأة، وقال أبو حنيفة في الرجل مثلَ قولهم، ولم ير قتل المرتدة بل قال تسترق، وقال أصحابه تحبس حتى تُسلم، وقال أبو موسى الأشعري ومعاذ بن جبل وطاووس وعبيد الله بن عمرو وعبد العزيز بن الماجشون والشافعي يقتل المرتد ولا يستتاب، وقيل يستتاب شهراً. وحجة الجميع حديث ابن عباس مَن بدل دينه فاقتلوه وفعلُ الصحابة فقد قاتل أبوبكر المرتدين وأحرق علي السبائيَّة الذين ادَّعَوْا ألوهية عليّ، وأجمعوا على أن المراد بالحديث مَن بدل دينه الذي هو الإسلامْ، واتفق الجمهور على أن (مَنْ) شاملة للذكر والأنثى إلاّ من شذ منهم وهو أبو حنيفة وابن شُبرمة والثوري وعطاء والحسن القائلون لا تُقتل المرأة المرتدة واحتجوا بنَهي رسول الله عن قتل النساء فخصوا به عمومَ مَن بَدَّل دينه، وهو احتجاج عجيب، لأن هذا النهي وارد في أحكام الجهاد، والمرأةُ من شأنها ألا تقاتل، فإنه نهي أيضاً عن قتل الرهبان والأحبار أفيقول هؤلاء: إن من ارتد من الرهبان والأحبار بعد إسلامه لا يقتل؟ وقد شدد مالك وأبو حنيفة في المرتد بالزندقة أي إظهار الإسلام وإبطان الكفر فقالا: يقتل ولا تقبل توبته إذا أُخذ قبل أن يأتي تائباً. ومن سبَّ النبي صلى الله عليه وسلم قُتِل ولا تُقبل توبته. هذا، واعلم أن الردة في الأصل هي الخروج من عقيدة الإسلام عند جمهور المسلمين؛ والخروجُ من العقيدة وتركُ أعمال الإسلام عند الخوارج وبعض المعتزلة القائلين بكفر مرتكب الكبيرة، ويدل على خروج المسلم من الإسلام تصريحه به بإقراره نصّاً أو ضمناً فالنص ظاهر، والضمن أن يأتي أحد بلفظ أو فعل يتضمن ذلك لا يحتمل غيره بحيث يكون قد نص الله ورسوله أو أجمع المسلمون على أنه لا يصدر إلاّ عن كافر مثل السجود للصنم، والتردد إلى الكنائس بحالة أصحاب دينها. وألحقوا بذلك إنكار ما علم بالضرورة مجيء الرسول به، أي ما كان العلم به ضرورياً قال ابن راشد في الفائق} «في التكفير بإنكار المعلوم ضرورةً خلاف». وفي ضبط حقيقته أنظار للفقهاء محلها كتب الفقه والخلاف. وحكمة تشريع قتل المرتد - مع أن الكافر بالأصالة لا يقتل ــــ أن الارتداد خروج فرد أو جماعة من الجامعة الإسلامية فهو بخروجه من الإسلام بعد الدخول فيه ينادي على أنه لما خالط هذا الدينَ وجدَه غير صالح ووجد ما كان عليه قبلَ ذلك أصلحَ فهذا تعريض بالدين واستخفاف به، وفيه أيضاً تمهيد طريق لمن يريد أن ينسل من هذا الدين وذلك يفضي إلى انحلال الجامعة، فلو لم يُجعل لذلك زاجر ما انزجر الناس ولا نجد شيئاً زاجراً مثل توقع الموت، فلذلك جُعل الموت هو العقوبة للمرتد حتى لا يدخل أحد في الدين إلاّ على بصيرة، وحتى لا يخرج منه أحد بعد الدخول فيه، وليس هذا من الإكراه في الدين المنفي بقوله تعالى: { أية : لا إكراه في الدين } تفسير : [البقرة: 256] على القول بأنها غير منسوخة، لأن الإكراه في الدين هو إكراه الناس على الخروج من أديانهم والدخول في الإسلام وأما هذا فهو من الإكراه على البقاء في الإسلام.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِن اسْتَطَاعُواْ}. لم يبين هنا هل استطاعوا ذلك أولا؟ ولكنه بين في موضع آخر أنهم لم يستطيعوا، وأنهم حصل لهم اليأس من رد المؤمنين عن دينهم، وهو قوله تعالى: {أية : ٱلْيَوْمَ يَئِسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ} تفسير : [المائدة: 3] الآية.. وبين في مواضع أُخر أنه مظهر دين الإسلام على كل دين كقوله في براءة، والصف والفتح: {أية : هُوَ ٱلَّذِيۤ أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِٱلْهُدَىٰ وَدِينِ ٱلْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِ} تفسير : [التوبة: 33].

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 217- وقد كره المسلمون القتال فى الشهر الحرام فسألوك عنه، فقل لهم: نعم إن القتال فى الشهر الحرام إثم كبير، ولكن أكبر منه ما حدث من أعدائكم من صد عن سبيل الله وعن المسجد الحرام، وإخراج المسلمين من مكة، وقد كان إيذاؤهم للمسلمين لإخراجهم من دينهم أكبر من كل قتل، ولذلك أُبيح القتال فى الشهر الحرام لقمع هذه الشرور، فهو عمل كبير يُتقى به ما هو أكبر منه. واعلموا - أيها المسلمون - أن سبيل هؤلاء معكم سبيل التجنى والظلم، وأنهم لا يقبلون منكم العدل والمنطق، ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا، ومن يضعف أمام هجماتهم ويرتد عن دينه حتى يموت على الكفر فأولئك بطلت أعمالهم الصالحة فى الدنيا والآخرة، وأولئك أهل النار هم فيها خالدون.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات الحرام قتال فيه: أي المحرم. قتال بدل اشتمال من الحرام، إذ السؤال عن القتال في الشهر الحرام (رجب). كبير: أي ذنبٌ عظيم. صد عن سبيل الله: صرف عن دين الله. وكفر به: كفر بالله تعالى. المسجد الحرام: مكة والمسجد الحرام فيها. أهله: النبي صلى الله عليه وسلم والمهاجرون. أكبر: أعظم وزراً. الفتنة: الشرك واضطهاد المؤمنين ليكفروا. حبطت أعمالهم: بطل أجرها فلا يثابون عليها لردتهم. هاجروا: تركوا ديارهم خوف الفتنة والاضطهاد في ذات الله. معنى الآيتين: لما أخبر تعالى أنه كتب على المؤمنين القتال أرسل النبي صلى الله عليه وسلم سرية بقيادة عبد الله بن جحش إلى بطن نخلة يتعرف على أحوال الكفار. فشاء الله تعالى أن يلقى عبد الله ورجاله عيراً لقريش فقاتلوهم فقتلوا منهم رجلا يدعى عمرو بن الحضرمي وأسروا اثنين وأخذوا العير وقفلوا راجعين وكان ذلك في آخر يوم من جمادى الثانية وهي أول ليلة من رجب. فثارت ثائرة قريش وقالت: محمد يحل الشهر الحرام بالقتال فيه، ورَدَّد صوتهَا اليهود والمنافقون بالمدينة حتى أن الرسول صلى الله عليه وسلم وقف العير والأسيرين ولم يقض فيهما بشيء، وتعرض عبد الله بن جحش ورفاقه لنقد ولوم عظيمين من أكثر الناس، وما زال الأمر كذلك حتى أنزل الله تعالى هاتين الآيتين {يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ} أي عن القتال فيه، أجبهم يا رسولنا وقل لهم القتال فيه وزر كبير بيد أن الصد عن دين الله والكفر به تعالى وكذا الصد عن المسجد الحرام، وإخراج الرسول منه والمؤمنين وهم أهله وولاته بحق أعظم وزراً في حكم الله تعالى، كما أن شرك المشركين في الحرم وفتنة المؤمنين فيه لإِرجاعهم عن دينهم الحق إلى الكفر بشتى أنواع التعذيب أعظم من القتل في الشهر الحرام. مضافاً إلى كل هذا عزمهم على قتال المؤمنين إلى أن يردوهم عن دينهم إن استطاعوا. ثم أخبر تعالى المؤمنين محذراً إياهم من الارتداد مهما كان العذاب أن من يرتد عن دينه ولم يتب بأن مات كافراً فإن أعماله الصالحة كلها تبطل ويصبح من أهل النار الخالدين فيها أبداً. هذا ما تضمنته الآية الأولى أما الآية الثانية [218] إن الذين آمنوا والذين هاجروا فقد نزلت في عبد الله بن جحش وأصحابه طمأنهم الله تعالى على أنهم غير آثمين لقتالهم في الشهر الحرام كما شنع عليهم الناس بذلك، وإنهم يرجون رحمة الله أي الجنة وأنه تعالى غفور لذنوبهم رحيم بهم، وذلك لإِيمانهم وهجرتهم وجهادهم في سبيل الله، وقال تعالى فيهم: {إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ وَجَٰهَدُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أُوْلۤـٰئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}. هداية الآيتين من هداية الآيتين: 1- حرمة الشهر الحرام والبلد الحرام. 2- نسخ القتال في الشهر الحرام بدليل قتال الرسول صلى الله عليه وسلم هوازن وثقيف في شوال وأول القعدة وهما في الأشهر الحرم. 3- الكشف عن نفسيّة الكافرين وهي عزمهم الدائم على قتال المسلمين إلى أن يردوهم عن الإِسلام ويخرجوهم منه. 4- الردة محبطة للعمل فإن تاب المرتد يستأنف العمل من جديد، وإن مات قبل التوبة فهو من أهل النار الخالدين فيها أبداً. 5- بيان فضل الإِيمان والهجرة والجهاد في سبيل الله.

القطان

تفسير : الصد: المنع. الفتنة: الشرك وتعذيب المسلمين. حبط عمله: بطل وفسد. سببُ نزول هذه الآية ان النبيّ صلى الله عليه وسلم بعث عبد الله بن جحش مع ثمانية من المهاجرين في جُمادى الآخرة. قبل وقعة بدرٍ بشهرين، ليترصّدوا عِيراً لقريش. فهاجموا قريشاً وقتلوا منهم عمرو بن عبد الله الحضرمي. كما أسروا عثمان بن عبد الله بن المغيرة، والحكَم بن كيسان. ثم إنهم استاقوا العِير والأسيرين الى المدينة المنورة. وكان ذلك في غُرة رجب، وهو من الأشهر الحُرم. وكانوا يظنونه آخر يوم من جمادى الآخرة. فقالت قريش: لقد استحلّ محمدٌ الشهر الحرام. وقامت اليهود تشهّر بالنبيّ والمسلمين، ويقولون: عمرو، عَمُرت الحرب؛ والحضرمي، حضرت الحرب، وواقد، وقدت الحرب. وكان واقد بن عبد الله هو الذي قتل عمرو بنَ الحضرمي. فلما أكثر الناسُ في ذلك أنزل الله الآية: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ...} وتفسيرها: يسألونك يا محمد عن القتال في الشهر الحرام، فقل لهم ان القتال فيه أمرٌ مستنكَر، لكن ما ارتكبتموه أنتم من الكفر بالله، و الصدّ عن بيته، وأخراج المسلمين منه، والشِرك الذي أنتم عليه، والفتنة التي حصلت منكم ـ كل ذلك أكبرُ عند الله من قتالكم في الشهر الحرام. لذلك اباح الله لنا القتال في الشهر الحرام لقمع هذه الشرور، على أساس اختيار أهو الشريّن. واعلموا أيها المسلمون ان سبيل هؤلاء معكم سبيل التجني والظلم، وأنهم سيظلون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم ان استطاعوا، إذ لا همّ لهم الا منع الاسلام عن الانتشار. اذن فإن انتظاركم ايمانهم بمجرد الدعوة طمعٌ منكم في غير مطمع، والقتال في الشهر الحرام أهون من الفتنة عن الاسلام. ومن يضعف منكم امام هجماتهم ويرتد عن دينه ثم يموت على الكفر فاؤلئك بطلت أعمالهم، وأولئك أهل النار هم فيها خالدون.

د. أسعد حومد

تفسير : {يَسْأَلُونَكَ} {يُقَاتِلُونَكُمْ} {اسْتَطَاعُواْ} {فَأُوْلۤـٰئِكَ} {أَعْمَالُهُمْ} {أُوْلۤـٰئِكَ} {أَصْحَابُ} {خَالِدُونَ} (217) - بَعَثَ الرَّسُولُ صلى الله عليه وسلم عَبْدَ اللهِ بْنَ جَحْشٍ عَلَى سَرِيَّةٍ وَأَمَرَهَا بِأَمْرٍ، فَلَقِيَتِ السَّرِيَّةُ ابْنَ الحَضْرَمِيِّ فَقَتَلَتْهُ، وَلَمْ يَعْرِفْ رِجَالُ السَّرِيَّةِ إِنْ كَانَ ذلِكَ اليَوْمُ مِنْ رَجَبٍ أَوْ مِنْ جُمَادَى الآخِرَةِ، فَقَالَ المُشْرِكُونَ لِلْمُسْلِمِينَ: قَتَلْتُمْ فِي الشَّهْرِ الحَرَامِ، فَأَنْزَلَ اللهُ هذِهِ الآيَةَ. وَفِيهَا يَقُولُ سُبْحَانَهُ لِلْمُشْرِكِينَ: إِنَّ القِتَالَ فِي الشَّهرِ الحَرَامِ أَمْرٌ كَبِيرٌ فِي نَفْسِهِ، وَجُرْمٌ عَظِيمٌ، وَلكِنَّهُ إِذا ارتُكِبَ لإِزَالَةِ مَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْهُ، كَانَ لَهُ مَا يُبَرِّرُهُ، وَإِنَّ مَا فَعَلَهُ المُشْرِكُونَ مِنَ الكُفْرِ بِاللهِ، وَالصَّدِّ عَنْ سَبِيلِهِ، وَمُحَاوَلَةِ فتْنَةِ المُسْلِمِينَ عَنْ دِينِهِمْ بِالتَّعْذِيبِ وَالتَّهْدِيدِ، وَإِخراجِ المُسْلِمِينَ مِنْ مَكَّةَ. كُلُّ ذلِكَ أَكْبَرُ عِنْدَ اللهِ مِنَ القِتَالِ فِي الشَّهْرِ الحَرَامِ. وَقَدْ كَانَ المُشْرِكُونَ يَفْتِنُونَ المُسْلِمِينَ عَنْ دِينِهِمْ بِالتَّعْذِيبِ وَالإِخَافَةِ ليَرُدُّوهُمْ إِلى الكُفْرِ، وَهذا أَكْبَرُ عِنْدَ اللهِ مِنَ القَتْلِ، وَهُمْ مَا زَالُوا مُقِيمِينَ عَلَى الكُفْرِ، وَعَلَى مُحَاوَلَةِ فِتْنَةِ المُسْلِمِينَ لِيَرُدُّوهُمْ عَنْ دِينِهِمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا، وَعَلَى مُحَاوَلَةِ مَنْعِ الإِسْلاَمِ مِنَ الانْتِشَارِ وَالقَضَاءَ عَلَيهِ، إِنْ أَمْكَنَهُم ذلِكَ، لاسْتِحْكَامِ عَدَاوَتِهِمْ للمُسْلِمِينَ. وَيُهَدِّدُ اللهُ مِنْ يَضْعُفُ مِنَ المُسْلِمِينَ أَمَامَ هَجَمَاتِهِمْ، وَمُحَاوَلاتِهِمْ وَإِغْراءَاتِهِمْ فَيَرْتَدُّ عَنْ دِينِهِ، ثُمَّ يَمُوتُ وَهُوَ كَافِرٌ، بِالعَذَابِ الأَلِيمِ الأَبَدِيِّ فِي نَارِ جَهَنَّمَ، وَبِحُبُوطِ عَمَلِهِ فِي الدُّنيا وَالآخِرَةِ. قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ - مُسْتَكْبَرٌ عَظِيمُ الوِزْرِ. الفِتْنَةُ - الشِّرْكُ وَالظُّلْمُ وَالكُفْرُ بِاللهِ. حَبِطَتْ - هَلَكَتْ وَبَطُلَتْ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : والسؤال هنا ليس عن الشهر الحرام؛ لأنه كان معروفاً عندهم من أيام الجاهلية ولكن السؤال عن القتال في الشهر الحرام، فما جدوى السؤال إذن؟ إنه سؤال استفزازي، والمسألة لها قصة. ونعرف أن للسنة اثني عشر شهراً، وقد جعل الله فيها أربعة أشهر حرم: شهر واحد فرد وهو رجب، وثلاثة سرد، وهي ذو القعدة وذو الحجة، والمحرم. ومعنى أشهر حرم أي أن القتال محرم فيها. لقد علم الله كبرياء الخلق على الخلق، لذلك جعل الله لخلقه ساتراً يحمي كبرياءهم، ومن هذه السنن التي سنها الله هي حرمة القتال في الأشهر الحرم، والأماكن الحرم، فيجوز أن الحرب تضر المحارب، لكن كبرياءه أمام عدوه يمنعه من وقف القتال، فيستمر في الحرب مهما كان الثمن، فيأتي الحق سبحانه وتعالى ويقول للمتحاربين: ارفعوا أيديكم في هذه الشهور لأني حرمت فيها القتال. وربما كان المحاربون أنفسهم يتمنون من أعماقهم أن يتدخل أحد ليوقف الحرب، ولكن كبرياءهم يمنعهم من التراجع، وعندما يتدخل حكم السماء سيجد كل من الطرفين حجة ليتراجع مع حفاظه على ماء الوجه. وكذلك جعل الله أماكن محرمة، يحرم فيها القتال حتى يقول الناس إن الله هو الذي حرمها، وتكون لهم ستاراً يحمي كبرياءهم. إذن، فالحق سبحانه وتعالى الذي خلق الإنسان أراد أن يصون الإنسان حتى يحقن الدماء، فإذا ظل الناس ثلاثة أشهر بلا حرب، ثم شهراً آخر، فنعموا في هذه الفترة بالسلام والراحة والهدوء، فربما يألفون السلام، ولا يفكرون في الحرب مرة أخرى، لكن لو استمرت الحرب بلا توقف لظل سُعَار الحرب في نفوسهم، وهذه هي ميزة الأشهر الحرم. والأشهر الحرم حُرُمٌ في الزمان والمكان؛ لأن الزمان والمكان هما ظرف الأحداث، فكل حدث يحتاج زماناً ومكاناً. وعندما يُحرم الزمان ويُحرم المكان فكل من طرفي القتال يأخذ فرصة للهدوء. إن الحق سبحانه وتعالى يعرض هنا قضية أراد بها خصوم الإسلام من كفار قريش واليهود أن يثيروها؛ فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرسل بعض السرايا للاستطلاع، والسرية هي عدد محدود من المقاتلين، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأرسل سرية على رأسها عبد الله بن جحش الأسدي ابن عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأرسل معه ثمانية أفراد، وجعله أميراً عليهم، وأعطاه كتاباً وأمره ألا يفتحه إلا بعد مسيرة يومين، وذلك حتى لا يعلم أحد أين تذهب السرية، وفي ذلك احتياط في إخفاء الخبر. فلما سارت السرية ليلتين فتح عبد الله الكتاب وقرأه فإذا به: اذهب إلى "بطن نخلة" وهو مكان بين مكة والطائف واستطلع عير قريش، ولا تُكره أحدا ممَّنْ معك على أن يسير مرغماً، بمعنى أن يكون لكل فرد في السرية حرية الحركة، فمَنْ يفضل عدم السير فله هذا الحق. وبينما هم في الطريق ضل بعير لسعد بن أبي وقاص وعقبة بن غَزْوان، وذهبا يبحثان عن البعير، وبقي ستة مقاتلين مع عبد الله، وذهب الستة إلى "بطن نخلة" فوجدوا "عمرو بن الحضرمي" ومعه ثلاثة على عير لقريش، فدخلوا معهم في معركة، وكان هذا اليوم في ظنهم هو آخر جمادى الآخرة، لكن تبين لهم فيما بعد أنه أول رجب أي أنه أحد أيام شهر حرام. وقتل المسلمون ابن الحضرمي، قتله واقد بن عبد الله من أصحاب عبد الله ابن جحش، وأسروا اثنين ممَّنْ معه، وفر واحد، فلما حدث هذا، وتبين لهم أنهم فعلوا ذلك في أول رجب، عند ذلك اعتبروا أن قتالهم وغنائمهم مخالفة لحرمة شهر رجب. وثارت المسألة أخذاً وردّاً بين المسلمين قبل أن تتحدث فيها قريش حيث قالوا: إن محمداً يدعي أنه يحترم المقدسات ويحترم الأشهر الحرم، ومع ذلك قاتل في الأشهر الحرم، وسفك دمنا، وأخذ أموالنا، وأسر الرجال. فامتنع رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الغنائم والأسرى حتى يفصل الله في القضية فنزل حكم السماء في القضية بهذا القول الحكيم: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ ٱللَّهِ وَٱلْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ ٱلْقَتْلِ وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِن اسْتَطَاعُواْ وَمَن يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلـٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ وَأُوْلـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: 217]. نحن مُسلّمون أن القتال في الشهر الحرام أمر كبير، ولكن انظروا يا كفار قريش إلى ما صنعتم مع عبادنا وقارنوا بين كِبْر هذا وكِبْر ذاك. أنتم تقولون: إن القتال في الشهر الحرام مسألة كبيرة، ولكن صدكم عن سبيل الله وكفركم به، ومنعكم المسلمين من المسجد الحرام، وإخراج أهل مكة منها أكبر عند الله من القتال في الشهر الحرام، فلا تفعلوا ما هو أكبر من القتال في الشهر الحرام، ثم تأخذكم الغيرة على الحرمات. فكأن الحق أراد أن يضع قضية واضحة هي: لا تأخذوا من جزئيات التدين أشياء وتتحصنوا فيها خلف كلمة حق وأنتم تريدون الباطل فالواقع يعرض الأشياء، ونحن نقول: نعم إن القتال في الشهر الحرام كبير. ولكن يا كفار قريش اعلموا أن فتنة المؤمنين في دينهم وصدهم عن طريق الله، وكفركم به - سبحانه - وإهداركم حرمة البيت الحرام بما تصنعون فيه من عبادة غير الله، وإخراجكم أهله منه، إن هذه الأمور الآثمة هي عند الله أكبر جرماً وأشد إثماً من القتال في الأشهر الحرم لاسترداد المسلمين بعض حقهم لديكم. ولهذا يرد الحق سهام المشركين في نحورهم {وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِن اسْتَطَاعُواْ} [البقرة: 217] أي إياكم أن تعتقدوا أنهم سيحترمون الشهر الحرام ولا المكان الحرام، بل {وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ} أي وسيصرون، ويداومون على قتالكم {حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِن اسْتَطَاعُواْ} [البقرة: 217]. وتأمل قوله: {إِن اسْتَطَاعُواْ} [البقرة: 217] إن معناها تحدٍ لهم بأنهم لن يستطيعوا أبدا فـ"إنْ" تأتي في الأمر المشكوك فيه. ويتبع الحق {وَمَن يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلـٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ وَأُوْلـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: 217] سيظلون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا. ثم يختم الحق الآية بقضية يقول فيها: {وَمَن يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَن دِينِهِ} [البقرة: 217] هذه الآية يقابلها آية أخرى يقول الحق فيها: {أية : وَمَن يَكْفُرْ بِٱلإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي ٱلآخِرَةِ مِنَ ٱلْخَاسِرِينَ}تفسير : [المائدة: 5]. وإذا قارنّا بين الآيتين نجد أن الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها قد ورد فيها قوله: {فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ} [البقرة: 217] وفي سورة المائدة لم يرد هذا وإنما ورد قوله: {أية : وَمَن يَكْفُرْ بِٱلإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ} تفسير : [المائدة: 5] وقد اختلف العلماء في المسألة اختلافات جميلة. ولكنهم اتفقوا أَوَّلاً على أن أي إنسان يرتد عن الإسلام ثم يموت مرتداً فقد حبطت أعماله. ولكن اختلافهم تركز فيما لو رجع وآمن مرة ثانية، أي لم يمت وهو كافر، بل رجع فآمن بعد ردته، فهل حبط عمله أم لم يحبط؟. وللإمام الشافعي رأي يقول: إن الذي يرتد عن الدين تحبط أعماله إن مات على الكفر، أما إن عاد وأسلم مرة أخرى فإن أعماله التي كانت قبل الارتداد تكون محسوبة له. والإمام أبو حنيفة له رأي مختلف فهو يقول: لا، إن آية سورة المائدة ليس فيها {فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ} [البقرة: 217] وعليه فإننا نُحملها على آية سورة البقرة التي ذكر فيها ذلك من باب حمل المطلق على المقيد، وعلى ذلك فالذي يكفر بعد إيمانه عمله محبط سواء رجع إلى الإيمان بعد ذلك أو لم يرجع، فلا يحتسب له عمل. أين موضوع الخلاف إذن؟. هي أن إنساناً آمن وأدى فريضة الحج ثم لا قدر الله كفر وارتد، ثم رجع فآمن أتظل له الحجة التي قام بها قبل الكفر أن تحبط ويطلب منه حج جديد؟ هذه هي نقطة الخلاف. فالشافعي يرى أنه لا يحبط عمله ما دام قد رَجع إلى الإيمان لأن الله قال: {فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ} [البقرة: 217] فمعنى ذلك أنه إن لم يمت على الكفر فإن عمله لا يحبط. ولكن لا يأخذ ثواباً على ذلك الحج الذي سبق له أن أداه، لقد التفت الإمام الشافعي رضي الله عنه إلى شيء قد يغفل عنه كثر من الناس، وهو أن الحج ركن من أركان الإسلام، فالذي لا يحج وهو قادر على الحج فالله يعاقبه على تقصيره، والذي حج لا يعاقب ويأخذ ثواب فعله. فكأن الأعمال التي طلبها الحق سبحانه وتعالى إن لم تفعلها وكانت في استطاعتك عوقبت، وإن فعلتها يمر عملك بمرحلتين، المرحلة الأولى هي ألا تُعاقب، والمرحلة الثانية هي أن تُثاب على الفعل. فالشافعي قال: إن الشخص إذا فعل فعلاً يُثاب عليه الإنسان، ثم يكفر، ثم عاد إلى الإسلام فهو لا يُعاقب، ولكنه لا يُثاب. أما الإمام أبو حنيفة فقد قال: إنه لا عبرة بعمله الذي سبق الردة مصداقاً لقوله تعالى: {حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ} [البقرة: 217] أي بطِلَت وزالت، وكأنها لم تكن. إنَّ القرآن استخدم هنا كلمة "حبط"، وهي تُستخدم تعبيراً عن الأمر المحسوس، فقال: "حبطت الماشية" أي أصابها مرض اسمه الحُباط، لأنها تأكل لونا من الطعام تنتفخ به، وعندما تنتفخ فقد تموت. والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: "حديث : إن مما ينبت الربيع ما يقتل حبطاً أو يلم ". تفسير : إنه صلى الله عليه وسلم يحذرنا من أن الخير قد يندس فيه شر، مثلما يحدث في الربيع الذي ينبت فيه من النبات الذي يعجب الماشية فتأكله فيأتيها مرض "الحُباط"، فتنتفخ ثم تموت، أو "يلم" أي توشك أن تموت، وكذلك الأعمال التي فعلها الكفار تصبح ظاهرة مثل انتفاخ البطن، وكل هذه العمليات الباطلة ستحبط كما تحبط الماشية التي أكلت هذا اللون من الخضر، ثم انتفخت فيظن المشاهد لها أنها سِمنة؛ وبعد ذلك يفاجأ بأنه مرض. لقد أعطانا الله من هذا القول المعنى المحسوس لتشابه الصورتين؛ فالماشية عندما تحبط تبدو وكأنها نمت وسمنت، لكنه نمو غير طبيعي إنه ليس شحماً أو لحماً، لكنه ورم، كذلك عمل الذين كفروا؛ عمل حابط، وإن بدا أنهم قد قاموا بأعمال ضخمة في ظاهرها أنها طيبة وحسنة. ويقول بعض الناس: وهل يُعقل أن الكفار الذين صنعوا إنجازات قد استفادت منها البشرية، هل المعقول أن تصير أعمالهم إلى هذا المصير؟. لقد اكتشفوا علاجاً لأمراض مستعصية وخففوا آلام الناس، وصنعوا الآلات المريحة والنافعة. ونقول لأصحاب مثل هذا الرأي: مهلاً، فهناك قضية يجب أن نتفق عليها وهي أن الذي يعمل عملاً؛ فهو يطلب الأجر ممن عمل له، فهل كان هؤلاء يعملون وفي بالهم الله أم في بالهم الإنسان والمجد والشهرة؟ لقد أعطتهم الإنسانية والمجد والشهرة، وما داموا قد نالوا هذا الأجر في الدنيا فليس لهم أن ينتظروا أجراً في الآخرة. لذلك يقول الحق: {أية : وَٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ ٱلظَّمْآنُ مَآءً حَتَّىٰ إِذَا جَآءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ ٱللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَٱللَّهُ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ}تفسير : [النور: 39]. إن الكافر يظن أن أعماله صالحة نافعة لكنها في الآخرة كالسراب الذي يراه الإنسان في الصحراء فيظنه ماء، ويجد نفسه في الآخرة أمام لحظة الحساب فيوفيه الله حسابه بالعقاب، وليس لهم من جزاء إلا النار، وينطبق عليهم ما ينطبق على كل الكافرين بالله، وهو {وَأُوْلـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}. هذا وإن الحق سبحانه وتعالى يوضح حقيقة الأمر للمؤمنين به وبرسوله صلى الله عليه وسلم حتى يعطيهم مناعة إيمانية ضد آمال الكافرين في الإضرار بالمؤمنين، فيعلمنا أنهم لن يدخروا وسعاً حتى يردوكم عن دينكم؛ لأن منهج الله دائماً لا يخيف إلا المبطلين؛ فالإنسان السوي الذي يريد أن يعايش العالم في سلام ويأخذ من الخير على قدر حركته في الوجود لا ترهقه سيادة مبادئ الإسلام، إنما تُرهق مبادئ الإسلام هؤلاء الذين يريدون أن يسرقوا عرق وكدّ غيرهم وهم يبذلون كل الجهد ويستخدمون كافة الأساليب التي تصرف المسلمين عن دينهم، ولكن هل يُمكّنهم الله من ذلك؟ لا؛ فلا يزال هناك أمل في الخير إن تمسكت أمة الإسلام بالمنهج الحق. إنه سبحانه يعطي المناعة للمؤمنين، والمناعة - كما نعرف - هي أن تنقل للسليم ميكروب المرض بعد إضعافه، وبذلك تأخذ أجهزة جسمه فرصة لأن تنتصر على هذا الميكروب؛ لذلك قال الحق: {وَمَن يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلـٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ} [البقرة: 217]. إن الخلاف الجوهري بين المؤمن والكافر، هو أن المؤمن إنما يعمل العمل الصالح وفي نيته أن المكافئ هو الله، وهو يتجه بنية خالصة في كل عمل. ويأخذ بأسباب الله في العلم لينتفع به غيره من الناس؛ فتكون الفائدة عميمة وعظيمة، وعلى المؤمن أن يكون سباقاً إلى الاكتشاف والاختراع ونهضة العالم المسلم، وأن يكون المؤمن العالم منارة تشع بضوء الإيمان أمام الناس، لا أن يترك غيره من الكافرين يصلون إلى المكتشفات العلمية وهو متواكل كسلان. إن على المؤمن أن يأخذ بأسباب الله في الحياة؛ لأن الإسلام هو دين ودنيا، وهو دين العلم والتقدم، ويضمن لمن يعمل بمنهجه سعادة الدنيا وسعادة الآخرة. وإذا كان المؤمن يستمتع بإنتاج يصنعه الكافر فليعلم أن الكافر إنما أخذ أجره مُسخراً ممن عمل له، أما المؤمن فحين يتفوق في الصناعة والزراعة والعلم والاكتشاف فهو يأخذ الأجر في الدنيا وفي الآخرة؛ لأن الذي يعطي هنا هو الله. أما عمل الكافر فهو عمل من مسخر كالمطايا وكالجماد والنبات والحيوان المسخرة لخدمة الإنسان. وإذا كان الله قد ميز المؤمن على الكافر بالأجر في الدنيا وحسن الثواب في الآخرة، ألا يليق بالمؤمن أن يسبق الكافر في تنمية المجتمع الإسلامي، وأن يكون بعمله منارة هداية لمن حوله؟! ويقول الحق من بعد ذلك: {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أُوْلـٰئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ ٱللَّهِ ...}.

مجاهد بن جبر المخزومي

تفسير : أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ}. وذلك أَن رجلاً من نبي تميم، أَرسله رسول الله، صلى الله عليه وسلم، في سرية، فلقي ابن الحضرمي / 6ظ / يحمل خمراً من الطائف إلى مكة. فرماه بسهم فقتله، وذلك في آخر يوم من جمادى الآخرة، وأَول يوم من رجب. وكان بين رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وبين قريش عهد. فقالت قريش: أَفي الشهر الحرام قتلتهم ولنا عهد؟ فأَنزل الله، عز وجل: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ} إِلى قوله: {وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ}. يقول: كل هذا أَكبر من قتل ابن الحضرمي ثم قال: {وَٱلْفِتْنَةُ} [الآية: 217] يعني: الكفر بالله وعبادة الأَوثان، أَكبر من هذا كله. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن حصين ابن عبد الرحمن، عن أَبي مالك قال: بعث رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عبد الله بن جحش وناساً من المسلمين إِلى المشركين. فلقوهم ببطن نخلة، والمسلمون يرون أَنه آخر يوم من جمادى، وهو أَول يوم من رجب. فقتلوا عمرا بن الحضرمي، فقال لهم المشركون: أَلستم تزعمون أَنكم تحرمون الشهر الحرام، وقد قتلتم فيه؟ فأَنزل الله عز وجل: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ} إِلى قوله: {وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ}. يقول: هذا كله أَكبر عند الله من الذي استنكرتم {وَٱلْفِتْنَةُ} التي أَنْتُم مقيمون عليها، يعني: الشرك {أَكْبَرُ مِنَ ٱلْقَتْلِ} [الآية: 217]. أَي من قتل ابن الحضرمي. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: {وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِن اسْتَطَاعُواْ} [الآية: 217]. يعني: كفار قريش. أَنا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال ثنا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ} [الآية: 219]. هذا أَول ما عيبت به الخمر، {وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ} ما يصيبون فيها ومن الميسر والميسر هو القمار، وإِنما سمي الميسر لقولهم: أَيسروا أَي أَجزروا كقوله: ضع كذا وكذا. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن طاوس في قوله: {قُلِ ٱلْعَفْوَ} [الآية: 219] يعني الميسر. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم: قال: نا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله: {ٱلْعَفْوَ} الصدقة المفروضة. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ [عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد] في قوله: {وَلاَ تَنْكِحُواْ ٱلْمُشْرِكَاتِ حَتَّىٰ يُؤْمِنَّ} [الآية: 221] يعني: نساءَ أَهل الكتاب، ثم أَحَلَّ لهم نساءَ أَهل الكتاب.

زيد بن علي

تفسير : وقولهُ تعالى: {وَٱلْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ ٱلْقَتْلِ} قالَ زيدُ بن علي عليهما السّلامُ. فالفِتْنَةُ ها هنا: الشِّرْكُ.

الأندلسي

تفسير : {يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ} نزلت في أول سرية في الاسلام كان أميرهم عبد الله بن جحش أغاروا على عير لقريش قافلة من الطائف وقتلوا عمرو بن الحضرمي آخر يوم من جُمادي الآخرة فاشتبه بأول يوم من رجب فعيّرهم أهل مكة باستحلاله. وقرىء قتال: بالجر بدل اشتمال. وقيل: بالجر والرفع. ووجه الرفع على تقدير همزة الاستفهام، فقتال: مبتدأ. وقيل: التقدير أجائز قتال فيه. {قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ} فقتال: مبتدأ موصوف الجار والمجرور. وكبير: خبره. وظاهر الآية تحريم القتال في الشهر الحرام. قيل: هي منسوخة، وقيل: محكمة. قال عطاء: لم تنسخ وحلف بالله ما يحل للناس أن يغزوا في الحرم ولا في الشهر الحرام إلا أن يقاتلوا. {وَصَدٌّ} وما بعد من المعاطيف جملة من مبتدأ وخبر معطوفة على قتال فيه كبير وخبر المبتدأ. أكبر من القتل. والمعنى: وصدكم المسلمين. {عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ} أي بسبيل الله وهو دين الله وشريعته. وقد خبط المعربون في عطف. {وَٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ} والذي نختاره أنه عطف على الضمير المجرور ولم يعد جاره وقد ثبت ذلك في لسان العرب نثراً ونظماً باختلاف حروف العطف، وان كان ليس مذهب جمهور البصريين، بل أجاز ذلك الكوفيون ويونس والأخفش والأستاذ أبو علي الشلوبين، ولسنا متعبدين باتباع مذهب جمهور البصريين بل نتبع الدليل. {وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ} أي وإخراجكم أهله. والضمير: للمسجد وجعل المؤمنين أهله لأنهم القائمون بحقوقه أو لأن مآلهم إليه في العاقبة. {وَٱلْفِتْنَةُ} أي التي تفتن المسلمين عن دينهم فيكفروا. {أَكْبَرُ} احتراماً من قتلهم إياكم. {وَلاَ يَزَالُونَ} أي الكفار ودل هذا على أن الضمير في يسألونك هو للكفار والضمير المنصوب للمؤمنين انتقل من خطاب الرسول إلى خطاب المؤمنين. وحتى تحتمل الغاية والتعليل. وجعلها ابن عطية للغاية، وللتعليل الزمخشري، وهو أمكن إذ يكون الفعل الصادر منهم المنافي للمؤمنين وهو المقاتلة ذكر لها علة توجيها، فالزمان مستغرق للفعل ما دامت علة الفعل وذلك بخلاف الغاية فإِنها تقييد في الفعل دون ذكر الحامل عليه فزمان وجوده مقيد بغايته وزمان وجود الفعل المعلل مقيد بوجود علته وفرق في القوة بين التقييد بالغاية والتقييد بالعلة لما في التقييد بالعلة من ذكر الحال وعدم ذلك في التقييد بالغاية. والدين هنا: الإِسلام. وجواب أن محذوف أي ان استطاعوا فلا يزالون يقاتلونكم. {وَمَن يَرْتَدِدْ} بني افتعل من الرد وهي بمعنى التعمل والتكسب لأنه متكلف إذ من باشر دين الحق يبعد أن يرجع عنه فلذلك جاء افتعل وهنا ولم يختلف هنا في فك المثلين وهي لغة الحجاز. {وَهُوَ كَافِرٌ} رتب الكفر على الموت بعد الردة ورتب على ذلك حبوط العمل في الدنيا وهو بطلانه في الدنيا لإِستحقاق قتله وإلحاقه في الاحكام بالكفار. وفي الآخرة بما يؤول عليه من العقاب السرمدي وقد جاء حبوط العمل مرتباً على الشرك دون الموافاة على الكفر فلو كان قد حج ثم ارتد قال مالك وأبو حنيفة وغيرهما: يلزمه الحج إذا رجع إلى الإِسلام. وقال الشافعي: لا يلزمه. {فَأُوْلۤـٰئِكَ} إشارة إلى من اتصف بالأوصاف السابقة، وهو حمل على معنى من بعد الحمل على اللفظ، وأولئك يحتمل أن يكون معطوفاً على الجزاء ويحتمل أن يكون ابتداء أخبار عطفاً على جملة الشرط. {إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ} الآية روي أن عبد الله بن جحش وأصحابه حين قتلوا الحضرمي ظن قوم أنهم إن سلموا من الاثم فليس لهم أجر فنزلت، ولما كان الايمان هو الأصل أفرده بموصول ولما كانت الهجرة والجهاد فرعين أفردا بموصول لأنهما من حيث الفرعية واحد. {أُوْلۤـٰئِكَ} إشارة إلى المتصفين بالأوصاف الثلاثة من الإِيمان والهجرة والجهاد، وليس تكرير الموصول مشعراً بالمغايرة في الذوات. {يَرْجُونَ} لأنه ما دام المرء في قيد الحياة لا يقطع أنه صائر إلى الجنة إذ لا يعلم ما يختم له به. وكتبت {رحمة} بالتاء لتمتاز بحالة الوصل ورعيا لمن يقف عليها بالتاء لا بالها.

الجيلاني

تفسير : {يَسْأَلُونَكَ} أيها الداعي للخلق إلى الحق {عَنِ ٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ} هو من المحرمات الإلهية أم لا؟ وعن {قِتَالٍ} واقع {فِيهِ} أهو أيضاً من المحرمات أم لا؟ {قُلْ} يا أكمل الرسل للسائلين نيابة عنا: هما من محرماته سبحانه، بل {قِتَالٌ فِيهِ} ذنب {كَبِيرٌ} إذ هو خروج عن مقتضى حد الله الموضوع في هذا الشهر {وَ} مع كونه ذنباً {وَصَدٌّ} منع وصرف للتجار {عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ} المبيح لهم لكسب معاشهم {وَ} مع ذلك، العياذ بالله {وَكُفْرٌ بِهِ} أي: بالله بعدم إطاعة أمر الله. روي أنه صلى الله عليه وسلم بعث عبد الله بن جحش ابن عمته على سرية في جمادى الآخرة قبل بدر بشهرين ليترصد القفل الذي كان لقريش في جانب الشام، وفيهم عمرو بن عبد الله الحضرمي وثلاثة معه، فلما ظفروا عليهم قتلوا الحضرمي وأسروا اثنين واستاقوا العير نحو المدينة، وفيها تجارة للطائف أيضاً، وكان ذلك غرة رجب وهم يظنونه من الجمادى. فقالت قريش: استحل محمد الشهر الحرام شهراً يأمن فيه الخائف ويتردد فيه الناس إلى معاشهم، ثم لما سمع صلى الله عليه وسلم بعير قريش قال لعبد الله: "ما أمرت لك القتال في الشهر الحارم وسوق العير فيه، وشق على أصحاب السرية، وقالوا: ما نبرح حتى تنزل توبتنا فنزلت. وردَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم العير والأسارى، فلاموه وعيروه على ما صدر عنه {وَ} قالوا: أنتوجه إلى {ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ} ونمنع الزوةار منه؟ ردَّ الله عليهم فقال: {وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ} أي: أهل المسجد الحرام عدواناً وعمداً {مِنْهُ أَكْبَرُ} ذنباً {عِندَ ٱللَّهِ} من منع الزوار، والقتل سهواً أو خطأ ناشئاً من عدم التدبر في تعين الوقت؛ إذ الإخراج: افتنان بني المسلمين المستأهلين ببيت الله {وَٱلْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ ٱلْقَتْلِ} إذ شرها عام ممد بخلاف القتل. {وَ} الحاصل أن الكفار المصرين على الكفر والعناد {لاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ} أيها المؤمنون {حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ} المنزل عليكم من ركبم هداية لكم {إِن اسْتَطَاعُواْ} والحال إنه {وَمَن يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَن دِينِهِ} الذي هو الإيمان والتوحيد {فَيَمُتْ} بد الارتداد {وَهُوَ كَافِرٌ} ساتر طريق الحق، تارك مشرب التوحيد {فَأُوْلۤـٰئِكَ} الكافرون المرتدون عن طريق الإيمان والإسلام {حَبِطَتْ} هلكت وسقطت عن الاعتبار عند الله {أَعْمَالُهُمْ} بالمرة إضلالاً {فِي ٱلدُّنْيَا} لحرماتهم عن مصاحبة أهل الإيمان والفرقان {وَ} لا في {ٱلآخِرَةِ} لإرجاعهم نفوسهم إلى قعر الإمكان المفضي إلى أسفل دركات النيران {وَأُوْلۤـٰئِكَ} المحرمون عن لذَّة التوحيد {أَصْحَابُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: 217] إلى ما شاء الله، لا حول ولا وقة إلا بالله. ثم قال سبحانه: {إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ} بالتوحيد الذاتي وأدى إيمانهم إلى أن وصولوا إلى مرتبة اليقين العلمي {وَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ} وتركوا ما يضاده وينازعه إلى أن وصلوا إلى مرتبة اليقين العيني {وَ} بعد ذلك {جَٰهَدُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} مع نفوسهم إلى أن وصلوا بل اتصلوا باليقين الحقي {أُوْلۤـٰئِكَ} المقربون المدرجون في طريق الوصول {يَرْجُونَ رَحْمَتَ ٱللَّهِ} ما داموا في السلوك بأشباحهم {وَٱللَّهُ} المطلع لضمائرهم {غَفُورٌ} ساتر لهم أشباحهم عن عيون بصائرهم {رَّحِيمٌ} [البقرة: 218] لهم، يوصلهم إلى ما يتوجهون إليه من جنة الذات بمنه وجوده. أدركنا بلطفك يا خفي الألطاف.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : الجمهور على أن تحريم القتال في الأشهر الحرم، منسوخ بالأمر بقتال المشركين حيثما وجدوا، وقال بعض المفسرين: إنه لم ينسخ، لأن المطلق محمول على المقيد، وهذه الآية مقيدة لعموم الأمر بالقتال مطلقا؛ ولأن من جملة مزية الأشهر الحرم، بل أكبر مزاياها، تحريم القتال فيها، وهذا إنما هو في قتال الابتداء، وأما قتال الدفع فإنه يجوز في الأشهر الحرم، كما يجوز في البلد الحرام. ولما كانت هذه الآية نازلة بسبب ما حصل، لسرية عبد الله بن جحش، وقتلهم عمرو بن الحضرمي، وأخذهم أموالهم، وكان ذلك - على ما قيل - في شهر رجب، عيرهم المشركون بالقتال بالأشهر الحرم، وكانوا في تعييرهم ظالمين، إذ فيهم من القبائح ما بعضه أعظم مما عيروا به المسلمين، قال تعالى في بيان ما فيهم: { وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ } أي: صد المشركين من يريد الإيمان بالله وبرسوله، وفتنتهم من آمن به، وسعيهم في ردهم عن دينهم، وكفرهم الحاصل في الشهر الحرام، والبلد الحرام، الذي هو بمجرده، كاف في الشر، فكيف وقد كان في شهر حرام وبلد حرام؟! { وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ } أي: أهل المسجد الحرام، وهم النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، لأنهم أحق به من المشركين، وهم عماره على الحقيقة، فأخرجوهم { مِنْهُ } ولم يمكنوهم من الوصول إليه، مع أن هذا البيت سواء العاكف فيه والباد، فهذه الأمور كل واحد منها { أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ } في الشهر الحرام، فكيف وقد اجتمعت فيهم؟! فعلم أنهم فسقة ظلمة، في تعييرهم المؤمنين. ثم أخبر تعالى أنهم لن يزالوا يقاتلون المؤمنين، وليس غرضهم في أموالهم وقتلهم، وإنما غرضهم أن يرجعوهم عن دينهم، ويكونوا كفارا بعد إيمانهم حتى يكونوا من أصحاب السعير، فهم باذلون قدرتهم في ذلك، ساعون بما أمكنهم، {أية : ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون } . تفسير : وهذا الوصف عام لكل الكفار، لا يزالون يقاتلون غيرهم، حتى يردوهم عن دينهم، وخصوصا، أهل الكتاب، من اليهود والنصارى، الذين بذلوا الجمعيات، ونشروا الدعاة، وبثوا الأطباء، وبنوا المدارس، لجذب الأمم إلى دينهم، وتدخيلهم عليهم، كل ما يمكنهم من الشبه، التي تشككهم في دينهم. ولكن المرجو من الله تعالى، الذي مَنّ على المؤمنين بالإسلام، واختار لهم دينه القيم، وأكمل لهم دينه، أن يتم عليهم نعمته بالقيام به أتم القيام، وأن يخذل كل من أراد أن يطفئ نوره، ويجعل كيدهم في نحورهم، وينصر دينه، ويعلي كلمته. وتكون هذه الآية صادقة على هؤلاء الموجودين من الكفار، كما صدقت على من قبلهم: {أية : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ } . تفسير : ثم أخبر تعالى أن من ارتد عن الإسلام، بأن اختار عليه الكفر واستمر على ذلك حتى مات كافرا، { فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ } لعدم وجود شرطها وهو الإسلام، { وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ } . ودلت الآية بمفهومها، أن من ارتد ثم عاد إلى الإسلام، أنه يرجع إليه عمله الذي قبل ردته، وكذلك من تاب من المعاصي، فإنها تعود إليه أعماله المتقدمة.

همام الصنعاني

تفسير : 254- عبد الرزاق، قال حدثنا معمر، عن الزهري، وعنْ عثمان الجزري، عنْ مقسم مْولى ابن عباس، قال: لَقِيَ واقِدُ بن عبدِ الله، عمرو بن الحضرمي في أوَّل ليْلَةٍ مِنْ رَجَب، وهُوَ يَرى أنه في جمادى، فقتله، وَهُوَ أوَّلُ قتيل من المُشركين. فَغَيَّرَ المشركونَ المُسْلمينَ، قالوا: أتقتلُون في الشهر الحرام؟ فأنزل الله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ}: [الآية: 217]، يقول وكُفْرً بالله. {وَٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ}: [الآية: 217]، يقُولُ: وصدّ عن المسجد الحرام {وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ}: [الآية: 217]، من قتلكم عمرو بن الحضرمي {وَٱلْفِتْنَةُ}: [الآية: 217]، يقول: والشرك الذي أنتم فيهِ أكْبَرُ من ذلِك أيْضاً. قال الزهري: وكان النبي صلى الله عليه وسلم فيما بلَغنا يحرم القتال في الشَّهرِ الحرام ثم أحِلَّ له بعد.