٢ - ٱلْبَقَرَة
2 - Al-Baqara (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
218
Tafseer
الرازي
تفسير : في الآية مسألتان: / المسألة الأولى: في تعلق هذه الآية بما قبلها وجهان الأول: أن عبد الله بن جحش قال: يا رسول الله هب أنه لا عقاب فيما فعلنا، فهل نطمع منه أجراً وثواباً فنزلت هذه الآية، لأن عبد الله كان مؤمناً، وكان مهاجراً، وكان بسبب هذه المقاتلة مجاهداً والثاني: أنه تعالى لما أوجب الجهاد من قبل بقوله: {أية : كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ } تفسير : [البقرة: 216] وبين أن تركه سبب للوعيد أتبع ذلك بذكر من يقوم به فقال: {إِنَّ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ وَجَـٰهَدُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ } ولا يكاد يوجد وعيد إلا ويعقبه وعد. المسألة الثانية: {هَـٰجَرُواْ } أي فارقوا أوطانهم وعشائرهم، وأصله من الهجر الذي هو ضد الوصل، ومنه قيل للكلام القبيح: هجر، لأنه مما ينبغي أن يهجر، والهاجرة وقت يهجر فيه العمل، والمهاجرة مفاعلة من الهجرة، وجاز أن يكون المراد منه أن الأحباب والأقارب هجروه بسبب هذا الدين، وهو أيضاً هجرهم بهذا السبب، فكان ذلك مهاجرة، وأما المجاهدة فأصلها من الجهد الذي هو المشقة، ويجوز أن يكون معنى المجاهدة أن يضم جهده إلى جهد آخر في نصرة دين الله، كما أن المساعدة عبارة عن ضم الرجل ساعده إلى ساعد آخر ليحصل التأييد والقوة، ويجوز أن يكون المراد من المجاهدة بذل الجهد في قتال العدو، وعند فعل العدو، ومثل ذلك فتصير مفاعلة. ثم قال تعالى: {أُوْلـئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ ٱللَّهِ } وفيه قولان: الأول أن المراد منه الرجاء، وهو عبارة عن ظن المنافع التي يتوقعها، وأراد تعالى في هذا الموضع أنهم يطمعون في ثواب الله وذلك لأن عبد الله بن جحش ما كان قاطعاً بالفوز والثواب في عمله، بل كان يتوقعه ويرجوه. فإن قيل: لم جعل الوعد مطلقاً بالرجاء، ولم يقع به كما في سائر الآيات؟. قلنا: الجواب من وجوه أحدها: أن مذهبنا أن الثواب على الإيمان والعمل غير واجب عقلاً، بل بحكم الوعد، فلذلك علقه بالرجاء وثانيها: هب أنه واجب عقلاً بحكم الوعد، ولكنه تعلق بأن لا يكفر بعد ذلك وهذا الشرط مشكوك فيه لا متيقن، فلا جرم كان الحاصل هو الرجاء لا القطع وثالثها: أن المذكور ههنا هو الإيمان، والهجرة، والجهاد في سبيل الله، ولا بد للإنسان مع ذلك من سائر الأعمال، وهو أن يرجو أن يوفقه الله لها، كما وفقه لهذه الثلاثة، فلا جرم علقه على الرجاء ورابعها: ليس المراد من الآية أن الله شكك العبد في هذه المغفرة، بل المراد وصفهم بأنهم يفارقون الدنيا مع الهجرة والجهاد، مستقصرين أنفسهم في حق الله تعالى، يرون أنهم لم يعبدوه حق عبادته، ولم يقضوا ما يلزمهم في نصرة دينه، فيقدمون على الله مع الخوف والرجاء، كما قال: {أية : وَٱلَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا ءاتَواْ وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَىٰ رَبّهِمْ رٰجِعُونَ } تفسير : [المؤمنون: 60]. القول الثاني: أن المراد من الرجاء: القطع واليقين في أصل الثواب، والظن إنما دخل في كميته وفي وقته، وفيه وجوه قررناها في تفسير قوله تعالى: {أية : ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَـٰقُوا رَبّهِمْ } تفسير : [البقرة: 46]. ثم قال تعالى: {وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } أي إن الله تعالى يحقق لهم رجاءهم إذا ماتوا على الإيمان والعمل الصالح، وأنه غفور رحيم، غفر لعبد الله بن جحش وأصحابه ما لم يعلموا ورحمهم.
البيضاوي
تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ} نزلت أيضاً في أصحاب السرية لما ظن بهم أنهم إن سلموا من الإِثم فليس لهم أجر. {وَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ وَجَـٰهَدُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} كرر الموصول لتعظيم الهجرة والجهاد كأنهما مستقلان في تحقيق الرجاء {أُوْلـئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ ٱللَّهِ} ثوابه، أثبت لهم الرجاء إشعاراً بأن العمل غير موجب ولا قاطع في الدلالة سيما والعبرة بالخواتيم. {وَٱللَّهُ غَفُورٌ} لما فعلوا خطأ وقلة احتياط. {رَّحِيمٌ} بإِجزال الأجر والثواب.
المحلي و السيوطي
تفسير : ولما ظن السرية أنهم إن سلموا من الإثم فلا يحصل لهم أجر نزل {إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ } فارقوا أوطانهم {وَجَٰهَدُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ } لإعلاء دينه {أُوْلَٰئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ ٱللَّهِ } ثوابه {وَٱللَّهُ غَفُورٌ } للمؤمنين {رَّحِيمٌ } بهم.
ابن عبد السلام
تفسير : {إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ} قال قوم من المسلمين في سرية أبن جحش: "إن لم يكونوا أصابوا وزراً فليس لهم في سفرهم أجر". فنزلت {هَاجَرُواْ} دورهم كراهة المقام مع المشركين. {وَجَاهَدُواْ} جهد فلاناً كذا: إذا أكربه وشق عليه {سَبِيلِ اللَّهِ} طريقه وهي دينه. {يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ} إنما رجوها لأنهم لا يدرون الخواتيم، أو لأنهم لم يتيقنوا آداء كل ما وجب عليهم.
ابن عرفة
تفسير : قوله تعالى: { إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ...}. قال ابن عطية: الهجرة الانتقال من موضع إلى موضع بنية الإقامة، ومن قال: الانتقال من البادية إلى الحاضرة فقد وهم بسبب أن ذلك كان الأغلب عندهم فيلزم أن لايكون (أَهلُ مكّة مهاجرين) عنده بالإطلاق. قال ابن عرفة: الهجرة الانتقال من الوطن إلى محل نصرة النّبي صلى الله عليه وسلم ويقرب منه الهجرة في موضع كثير المنكر إلى موضع (أخف) منه. فإن قلت: لم قال "يَرْجُونَ رَحْمَةَ / ٱللَّهِ". وكل مؤمن ولو كان من أهل الكبائر يرجو رحمة الله. قلت: فالجواب: أن هذا رجاء شهد الله تعالى لهم به، فدل ذلك على صحته. ونظيره: من يزرع فدانا في سنة خصيبة ويوفي بخدمته فيراه الفلاحون فيقولون: هذا زرع يرجو صاحبه بلوغ الأمل، وآخر يزرع فدانا يراه الفلاحون فيذمونه وربه يستحسنه ويرجو أن يبلغ فيه الأمر ويعتقد ذلك فليس الرجاءان سواء. فإن قلت: هلا قيل: وَالَّذِينَ هَاجَرُوا والَّذِينَ جَاهَدُوا أو بحذف الموصول (فيهما) واكتُفي بذكره في الأول؟ (فالجواب) أنه قصد التنبيه على أن مجرد الإيمان كاف في حصول المطلوب من ترجي رحمة الله تعالى، ولما كانت الهجرة إنّما هي للجهاد مع النّبي صلى الله عليه وسلم ونصرته كانا كالشيء الواحد فلذلك لم يكرر ذكر الموصول مع الجهاد. قلت لابن عرفة في الختمة الأخرى: إن الآية حجة على المعتزلة في قولهم إن الطائع يجب على الله أن يثيبه لأن الرجاء إنما يتعلق بالمظنون لا بالمحقق، فلو كان الثواب محققا لما قال "يرجون رحمة الله"؟ فقال: لهم أن يجيبوا بأن من هاجر وجاهد لا يعلم أيموت مسلما أو لا؟ فهو لا يتحقق خاتمته (فصح) إسناد الترجي إليه وبطل الدليل.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ}. إنَّ واسمها و "أُولَئِكَ" مبتدأ، و "يَرْجُونَ" خبره، والجملة خبر "إِنَّ"، وهو أحسنُ من كون "أُولَئِكَ" بدلاً من "الّذِين"، و "يَرْجُون" خبر "إنَّ". وجيء بهذ الأوصاف الثَّلاثة مترتِّبةً على حسب الواقع، إذ الإيمان أولُ، ثم المهاجرة، ثم الجهاد. وأفرد الإيمان بموصولٍ وحده؛ لأنَّه أصل الهجرة والجهاد، وجمع الهجرة، والجهاد في موصولٍ واحدٍ، لأنَّهما فرعان عنه، وأتى بخر "إنَّ" اسم إشارة؛ لأنَّه متضمِّنٌ للأوصاف السَّابقة. وتكرير الموصول بالنِّسبة إلى الصِّفات، لا الذَّوات، فإنَّ الذَّوات متَّحدةٌ موصوفةٌ بالأوصاف الثَّلاثة، فهو من باب عطف بعض الصِّفات على بعض، والموصوف واحد. ولا نقول: إنَّ تكرير الموصوف يدلُّ على تغير الذَّوات الموصوفة؛ لأنَّ الواقع كان كذلك. وأتى بـ "يَرْجُونَ"؛ ليدلَّ على التَّجدُّد وأنهم في كلِّ وقتٍ يحدثون رجاءً. والمهاجرة: مفاعلةٌ من الهجر، وهي الانتقال من أرض إلى أرضٍ، وأصل الهجر التّرك. والمجاهدة مفاعلةٌ من الجهد، وهو استخراج الوسع وبذل المجهود، والإجهاد: بذلُ المجهود في طلب المقصود، والرَّجاء: الطمع. وقال الرّاغب: هو ظنٌّ يقتضي حصول ما فيه مسرَّةٌ، وقد يطلقُ على الخوف؛ وأنشد: [الطويل]: شعر : 1064- إذَا لَسَعَتْهُ النَّحْلُ لَمْ يَرْجُ لَسْعَهَا وَخَالَفَهَا في بَيْتِ نُوبٍ عَوَاسِلِ تفسير : أي: لم يَخَفْ، وقال تعالى: {أية : لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا}تفسير : [يونس:7] أي: لا يخافون، وهل إطلاقه عليه بطريق الحقيقة، أو المجاز؟ فزعم قومٌ أنه حقيقةٌ، ويكون من الاشتراك اللَّفظي، وزعم قومٌ أنه من الأضداد، فهو اشتراكٌ لفظيّ أيضاً. قال ابن عطيَّة: "ولَيْسَ هَذَا بِجيّدٍ"، يعني: أنَّ الرَّجاء والخوف ليسا بضدَّين إذ يمكن اجتماعهما، ولذلك قال الرَّاغِبُ ـ بعد إنشاده البيت المتقدّم ـ "ووجْهُ [ذلك]: أنَّ الرَّجَاءَ والخوفَ يَتَلاَزَمَانِ"، وقال ابن عطيَّة: "والرَّجَاءُ أبداً معه خوفٌ، كما أنَّ الخوف معه رَجَاءٌ". وزعم قومٌ أنه مجازٌ للتلازم الّذي ذكرناه عن الرَّاغب وابن عطيَّة. وأجاب الجاحظ عن البيت بأنَّ معناه لم يرج برء لسعها وزواله فالرَّجاء على بابه. وأمَّا قوله: {أية : لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا}تفسير : [يونس:7] أي لا يرجون ثواب لقائنا، فالرَّجاء أيضاً على بابه، قاله ابن عطيَّة. وقال الأصمعيُّ: "إذا اقترن الرَّجَاء بحرفِ النَّفي، كان بمعنى الخَوْفِ" كهذا البيت والآية. وفيه نظرٌ إذ النَّفي لا يغيِّر مدلولات الألفاظ. والرَّجاء مقصود ناحية البئر، وحافَّاته من كل ناحيةٍ، وجاؤوا بقوام من النَّاس يخطُّون في قولهم بأعظم الرَّجَاء، فيقصرون، ولا يمدُّون، وكتبت "رَحْمَة" هنا بالتَّاء: إمَّا جرياً على لغة مَنْ يَقِفُ على تَاءِ التَّأْنِيث بالتَّاء، وإما اعتباراً بحالها في الوصل، وهي في القرآن في سبعة مواضع، كتبتُ في الجميع تاءً، هنا وفي الأعراف: {أية : إِنَّ رَحْمَةَ ٱللهِ}تفسير : [آية:56]، وفي هود: {أية : رَحْمَةُ ٱللهِ وَبَرَكَاتُهُ}تفسير : [آية:73]، وفي مريم: {أية : ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ}تفسير : [آية:2]، وفي الرُّوم: {أية : فَٱنظُرْ إِلَىٰ ءَاثَارِ رَحْمَتِ ٱللهِ}تفسير : [آية:50]، وفي الزخرف: {أية : أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَّعِيشَتَهُمْ فِي ٱلْحَيَٰوةِ ٱلدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ}تفسير : [آية:32]. فصل في تعلّق هذه الآية بما قبلها، وجهان: الأول: أنَّ عبد الله بن جحش قال: يَا رَسُولَ الله، هَبْ أنَّهُ لاَ عِقَابَ عَلَيْنَا فِيمَا فَعَلْنَا، فَهَلْ نَطْمَعُ مِنْهَ أُجْراً، وَثَوَاباً، فَنَطمع أن يكون سفرُنا هذا غزواً؛ فأنزل الله هذه الآية؛ لأنَّ عبد الله كان مؤمناً، ومهاجراً، وسبب هذه المقاتلة، كان مجاهداً. الثاني: أنَّه تعالى أوجب الجهاد من قبل بقوله: {أية : كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ}تفسير : [البقرة:216] وبين أن تركه سبب الوعيد أتبع ذلك بذكر من يقوم به فقال: {إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ} ولا يكاد يوجد وعيدٌ إلاَّ ويعقبه وعد. فصل في المراد بالرجاء وفي هذا الرجاء قولان: الأوَّل: عبارة عن ظن المنافع التي يتوقعها وأراد تعالى هنا: أنَّهم يظنُّونَ في ثَوَابِ اللهِ؛ لأن عبد الله بن جحشٍ ما كان قاطعاً بالفوز والثَّواب في عمله، بل كان يتوقَّعه، ويرجوه. فإن قيل: لم جعل الوعد مطلقاً بالرَّجاء، ولم يقطع به، كما في سائر الآيات؟ فالجواب من وجوهٍ. أحدها: أنَّ الثَّوابَ على الإيمان، والعمل غير واجبٍ عقلاً، بل بحكم الوعد فلذلك علَّقه بالرَّجاء. وثانيها: هب أنَّه واجبٌ عقلاً، ولكنَّه تعلّق بأنه لا يكفر، وهذا الشَّرط مشكوكٌ لا متيقَّن، فلا جرم الرَّجاء، لا القطع. وثالثها: أنَّ المذكور هاهنا هو الإيمان، والهجرة، والجهاد، ولا بدَّ للإنسان مع ذلك من سائر الأعمال، وهو أن يرجو أن يوفقه الله لها، كما وفَّقه لهذه الثَّلاثة، فلا جرم علقه على الرَّجاء. ورابعها: ليس المراد من الآية أنَّ الله تعالى شكَّك العبد في هذه المغفرة، بل المراد وصفهم بأنَّهم يفارقون الدُّنيا مع الهجرة والجهاد، ومستقصرين أنفسهم في حقّ الله تعالى يرون أنّهم يعبدونه حقّ عبادته، ولم يقضوا ما يلزمهم في نصرة دينه، فيقدمون على الله مع الخوف والرَّجاء، كما قال: {أية : وَٱلَّذِينَ يُؤْتُونَ مَآ ءَاتَواْ وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ}تفسير : [المؤمنون:60]. وأجاب القرطبيُّ عن هذا السُّؤال بوجهين آخرين: الأول: أنَّ الإنسان لو بلغ في طاعة الله كلَّ مبلغٍ، لا يدري بماذا يختم له. الثاني: لئلاّ يتّكل على عمله. القول الثاني: أنَّ المراد من الرَّجاء القطع في أصل الثَّواب، والظَّن إنَّما دخل في كميّته وفي وقته، وفيه وجوه تقدَّمت في قوله تعالى: {أية : ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُواْ رَبِّهِمْ}تفسير : [البقرة:46]. وقوله: {وَٱللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}، أي: إنَّ الله تعالى يحقِّق لهم رجاءهم، إذا ماتوا على الإيمان، والعمل الصَّالح.
البقاعي
تفسير : ولما بين سبحانه وتعالى المقطوع لهم بالنار بين الذين هم أهل لرجاء الجنة لئلا يزال العبد هارباً من موجبات النار مقبلاً على مرجئات الجنة خوفاً من أن يقع فيما يسقط رجاءه - وقال الحرالي: لما ذكر أمر المتزلزلين ذكر أمر الثابتين؛ انتهى - فقال: {إن الذين آمنوا} أي أقروا بالإيمان. ولما كانت الهجرة التي هي فراق المألوف والجهاد الذي هو المخاطرة بالنفس في مفارقة وطن البدن والمال في مفارقة وطن النعمة أعظم الأشياء على النفس بعد مفارقة وطن الدين كرر لهما الموصول إشعاراً باستحقاقهما للاصالة في أنفسهما فقال مؤكداً للمعنى بالإخراج في صيغة المفاعلة: {والذين هاجروا} أي أوقعوا المهاجرة بأن فارقوا بغضاً ونفرة تصديقاً لإقرارهم بذلك ديارهم ومن خالفهم فيه من أهلهم وأحبابهم. قال الحرالي: من المهاجرة وهو مفاعلة من الهجرة وهو التخلي عما شأنه الاغتباط به لمكان ضرر منه {وجاهدوا} أي أوقعوا المجاهدة، مفاعلة من الجهد - فتحاً وضماً، وهو الإبلاغ في الطاقة والمشقة في العمل {في سبيل الله} أي دين الملك الأعظم كل من خالفهم {أولئك} العالو الرتبة العظيمو الزلفى والقربة ولما كان أجرهم إنما هو من فضل الله قال: {يرجون} من الرجاء وهو ترقب الانتفاع بما تقدم له سبب ما - قاله الحرالي {رحمت الله} أي إكرامه لهم غير قاطعين بذلك علماً منهم أن له أن يفعل ما يشاء لأنه الملك الأعظم فلا كفوء له وهم غير قاطعين بموتهم محسنين، قاطعون بأنه سبحانه وتعالى لو أخذهم بما يعلم من ذنوبهم عذبهم. ولما كان الإنسان محل النقصان فهو لا يزال في فعل ما إن أوخذ به هلك قال مشيراً إلى ذلك مبشراً بسعة الحلم في جملة حالية من واو {يرجون} ويجوز أن يكون عطفاً على ما تقديره: ويخافون عذابه فالله منتقم عظيم: {والله} أي الذي له صفات الكمال {غفور} أي ستور لما فرط منهم من الصغائر أو تابوا عنه من الكبائر {رحيم *} فاعل بهم فعل الراحم من الإحسان والإكرام والاستقبال بالرضى. قال الحرالي: وفي الختم بالرحمة أبداً في خواتم الآي إشعار بأن فضل الله في الدنيا والآخرة ابتداء فضل ليس في الحقيقة جزاء العمل فكما يرحم العبد طفلاً ابتداء يرحمه كهلاً انتهاء ويبتدئه برحمته في معاده كما ابتدأه برحمته في ابتدائه - انتهى بالمعنى. ولما كان الشراب مما أذن فيه في ليل الصيام وكان غالب شرابهم النبيذ من التمر والزبيب وكانت بلادهم حارة فكان ربما اشتد فكان عائقاً عن العبادة لا سيما الجهاد لأن السكران لا ينتفع به في رأي ولا بطش ولم يكن ضرورياً في إقامة البدن كالطعام آخر بيانه إلى أن فرغ مما هو أولى منه بالإعلام وختم الآيات المتخللة بينه وبين آيات الإذن بما بدأها به من الجهاد ونص فيها على أن فاعل أجد الجدّ وأمهات الأطايب من الجهاد وما ذكر معه في محل الرجاء للرحمة فاقتضى الحال السؤال: هل سألوا عن أهزل الهزل وأمهات الخبائث؟ فقال معلماً بسؤالهم عنه مبيناً لما اقتضاه الحال من حلمه فيبقى ما عداه على الإباحة المحضة: {يسئلونك عن الخمر} الذي هو أحد ما غنمه عبد الله بن جحش رضي الله تعالى عنه في سريته التي أنزلت الآيات السالفة بسببها. قال الحرالي: وهو مما منه الخمر - بفتح الميم - وهو ما وارى من شجر ونحوه، فالخمر - بالسكون - فيما يستبطن بمنزلة الخمر - بالفتح - فيما يستظهر، كأن الخمر يواري ما بين العقل المستبصر من الإنسان وبهيميته العجماء، وهي ما أسكر من أي شراب كان سواء فيه القليل والكثير {والميسر} قال الحرالي: اسم مقامرة كانت الجاهلية تعمل بها لقصد انتفاع الضعفاء وتحصيل ظفر المغالبة - انتهى. وقرنهما سبحانه وتعالى لتآخيهما في الضرر بالجهاد وغيره بإذهاب المال مجاناً عن غير طيب نفس ما بين سبحانه وتعالى من المؤاخاة بينهما هنا وفي المائدة وإن كان سبحانه وتعالى اقتصر هنا على ضرر الدين وهو الإثم لأنه أسّ يتبعه كل ضرر فقال في الجواب: {قل فيهما} أي في استعمالهما {إثم كبير} لما فيهما من المساوي المنابذة لمحاسن الشرع من الكذب والشتم وزوال العقل واستحلال مال الغير فهذا مثبت للتحريم بإثبات الإثم ولأنهما من الكبائر. قال الحرالي: في قراءتي الباء الموحدة والمثلثة إنباء عن مجموع الأمرين من كبر المقدار وكثرة العدد وواحد من هذين مما يصد ذا الطبع الكريم والعقل الرصين عن الإقدام عليه بل يتوقف عن الإثم الصغير القليل فكيف عن الكبير الكثير - انتهى. {ومنافع للناس} يرتكبونهما لأجلها من التجارة في الخمر واللذة بشربها، ومن أخذ المال الكثير في الميسر وانتفاع الفقراء وسلب الأموال والافتخار على الأبرام والتوصل بهما إلى مصادقات الفتيان ومعاشراتهم والنيل من مطاعمهم ومشاربهم وأعطياتهم ودرء المفاسد مقدم فكيف {وإثمهما أكبر من نفعهما} وفي هذا كما قال الحرالي تنبيه على النظر في تفاوت الخيرين وتفاوت الشرين - انتهى. قال أبو حاتم أحمد بن أحمد الرازي في كتاب الزينة: وقال بعض أهل المعرفة: والنفع الذي ذكر الله في الميسر أن العرب في الشتاء والجدب كانوا يتقامرون بالقداح على الإبل ثم يجعلون لحومها لذوي الفقر والحاجة فانتفعوا واعتدلت أحوالهم؛ قال الأعشى في ذلك: شعر : المطعمو الضيف إذا ما شتوا والجاعلو القوت على الياسر تفسير : انتهى. وقال غيره: وكانوا يدفعونها للفقراء ولا يأكلون منها ويفتخرون بذلك ويذمون من لم يدخل فيه ويسمونه البرم، وبيان المراد من الميسر عزيز الوجود مجتماً وقد استقصيت ما قدرت عليه منه إتماماً للفائدة قال المجد الفيروز آبادي في قاموسه: والميسر اللعب بالقداح، يسر ييسر، أو الجزور التي كانوا يتقامرون عليها، أو النرد أو كل قمار - انتهى. وقال صاحب كتاب الزينة: وجمع الياسر يسر وجمع اليسر أيسار فهو جمع الجمع مثل حارس وحرس وأحراس - انتهى. والقمار كل مراهنة على غرر محض وكأنه مأخوذ من القمر آية الليل، لأنه يزيد مال المقامر تارة وينقصه أخرى كما يزيد القمر وينقص؛ وقال أبو عبيد الهروي في الغريبين وعبد الحق الإشبيلي في كتابه الواعي: قال مجاهد: كل شيء فيه قمار فهو الميسر حتى لعب الصبيان بالجوز، وفي تفسير الأصبهاني عن الشافعي: إن الميسر ما يوجب دفع مال أو أخذ مال، فإذا خلا الشطرنج عن الرهان واللسان عن الطغيان والصلاة عن النسيان لم يكن ميسراً. وقال الأزهري: الميسر الجزور الذي كانوا يتقامرون عليه، سمي ميسراً لأنه يجزأ أجزاء فكأنه موضع التجزئة، وكل شيء جزأته فقد يسرته، والياسر الجازر لأنه يجزىء لحم الجزور، قال وهذا الأصل في الياسر ثم يقال للضاربين بالقداح والمتقامرين على الجزور: ياسرون، لأنهم جازرون إذ كانوا سبباً لذلك، ويقال: يسر القوم - إذا قامروا، ورجل يسر وياسر والجمع أيسار؛ القزاز: فأنت ياسر وهو ميسور برجع والمفعول ميسور - يعني الجزور، وأيسار جمع يسر ويسر جمع ياسر، وقال القزاز: واليسر القوم الذين يتقامرون على الجزور، واحدهم ياسر كما تقول: غائب وغيب، ثم يجمع أيسر فيقال: أيسار، فيكون الأيسار جمع الجمع، ويقال للضارب بالقداح: يسر، والجمع أيسار، ويقال للنرد: ميسر، لأنه يضرب عليها كما يضرب على الجزور، ولا يقال ذلك في الشطرنج لمفارقتها ذلك المعنى؛ وقال عبد الحق في الواعي: والميسر موضع التجزئة؛ أبو عبد الله: كان أمر الميسر أنهم كانوا يشترون جزوراً فينحرونها ثم يجزئونها أجزاء، قال أبو عمرو: على عشرة أجزاء، وقال الأصمعي: على ثمانية وعشرين جزءاً، ثم يسهمون عليها بعشرة قداح، لسبعة منها أنصباء وهي الفذ والتوأم والرقيب والحلس والنافس والمسبل والمعلي، وثلاثة منها ليس لها أنصباء وهي المنيح والسفيح والوغد، ثم يجعلونها على يد رجل عدل عندهم يجيلها لهم باسم رجل رجل، ثم يقسمونها على قدر ما يخرج لهم السهام، فمن خرج سهمه من هذه السبعة أخذ من الأجزاء بحصة ذلك، ومن خرج له واحد من الثلاثة فقد اختلف الناس في هذا الموضع فقال بعضهم: من خرجت باسمه لم يأخذ شيئاً ولم يغرم ولكن تعاد الثانية ولا يكون له نصيب ويكون لغواً؛ وقال بعضهم: بل يصير ثمن الجزور كله على أصحاب هؤلاء الثلاثة فيكونون مقمورين ويأخذ أصحاب السبعة أنصباء على ما خرج لهم فهؤلاء الياسرون. قال أبو عبيد: ولم أجد علماءنا يستقصون علم معرفة هذا ولا يدعونه، ورأيت أبا عبيدة أقلهم ادعاء له، قال أبو عبيدة: وقد سألت عنه الأعراب فقالوا: لا علم لنا بهذا، هذا شيء قد قطعه الإسلام منذ جاء فلسنا ندري كيف كانوا ييسرون. قال أبو عبيد: وإنما كان هذا منهم في أهل الشرف والثروة والجدة - انتهى. ولعل هذا سبب تسميته ميسراً. وقال صاحب الزينة: فالتي لها الغنم وعليها الغرم أي من السهام يقال لها: موسومة، لأجل الفروض فإنها بمنزلة السمة، ويكون عدد الأيسار سبعة أنفس يأخذ كل رجل قدحاً، وربما نقص عدد الرجال عن السبعة فيأخذ الرجل منهم قدحين، فإذا فعل ذلك مدح به وسمي مثنى الأيادي، قال النابغة: شعر : إني أتمم إيثاري وأمنحهم مثنى الأيادي وأكسو الحفنة الأدما تفسير : وقال: ويقال للذي يضرب بالقداح: حرضة، وإنما سمي بذلك لأنه رجل يجيل لا يدخل مع الأيسار ولا يأخذ نصيباً ولذلك يختارونه لأنه لا غنم له ولا غرم عليه، والذي لا يضرب القداح ولا يدخل مع الأيسار في شيء من أمورهم يقال له: البرم، وتجمع القداح في جلدة، وقال بعضهم: في خرقة، وتسمى تلك الجلدة الربابة، أي بكسر الراء المهملة وموحدتين، ثم تجمع أطرافها ويعدل بينها وتكسى يده أديماً لكي لا يجد مس قدح له فيه رأي وتشد عيناه، فيجمع أصابعه عليها ويضمها كهيئة الضغث ثم يضرب رؤوسها بحاق راحته فأيها طلع من الربابة كان فائزاً؛ قال: وقال غيره: تكون الربابة شبه الخريطة تجمع فيها القداح ثم يؤمر الحرضة أن يجيلها، فمنها ما يعترض في الربابة فلا يخرج ومنها ما لا يعترض فيطلع، فذاك يكون فائزاً، ويقعد رجل أمين على الحرضة يقال له: الرقيب، ويقال للذي يضرب بالقداح: مفيض، والإفاضة الدفع وهو أن يدفعها دفعة واحدة إلى قدام ويجيلها ليخرج منها قدح؛ وكذلك الإفاضة من عرفة هو الدفع منها إلى جمع - انتهى. وقال في القاموس: كانوا إذا أرادوا أن ييسروا اشتروا جزوراً نسيئة ونحروه قبل أن ييسروا وقسموه ثمانية وعشرين سهماً أو عشرة أقسام، فإذا خرج واحد واحد باسم رجل رجل ظهر فوز من خرج لهم ذوات الأنصباء وغرم من خرج له الغفل - انتهى. وقال عبد الغافر الفارسي في مجمع الغرائب: الياسر هو الضارب في القداح، وهو من الميسر وهو القمار الذي كان أهل الجاهلية يفعلونه، وكانوا يتقامرون على الجزور أو غيره ويجزئونه أجزاء ويسهمون عليها مثلاً بعشرة لسبعة منها أنصباء وهي الفذ - إلى آخره، ثم يخرجون ذلك، فمن خرج سهمه من السبعة أخذ بحصته، ومن خرج له واحد من الثلاثة لم يأخذ شيئاً؛ ولهم في ذلك مذاهب ما عرفها أهل الإسلام ولم يكن أحد من أهل اللغة على ثبت في كيفية ذلك - انتهى. هذا ما قالوه في مادة يسر وقد نظمت أسماء القداح تسهيلاً لحفظها في قولي: شعر : الفــذ والتـوأم والـرقيـب والحلس والنافس يا ضريب ومسبل مع المعلى عدواً ثم منيح وسفيح وغد تفسير : وأما ما قالوه في مادة كل اسم منها فقال في القاموس: الفذ أي بفتح الفاء وتشديد الذال المعجمة: أول سهام الميسر، والتوأم أي بفتح الفوقانية المبدلة من الواو وإسكان الواو وفتح الهمزة - وزن كوكب: سهم من سهام الميسر أو ثانيها، والرقيب أمين أصحاب الميسر أو الأمين على الضريب والثالث من قداح الميسر، وقال في مادة ضرب: والضريب الموكل بالقداح أو الذي يضرب بها كالضارب والقدح الثالث؛ وقال في الجمع بين العباب والمحكم: والرقيب الحافظ ورقيب القداح الأمين على الضريب، وقيل: هو أمين أصحاب الميسر، وقيل: هو الرجل الذي يقوم خلف الحرضة في الميسر ومعناه كله سواء، وإنما قيل للعيوق: رقيب الثريا، تشبيهاً برقيب الميسر، والرقيب الثالث من قداح الميسر، وفيه ثلاثة فروض، وله غنم ثلاثة أنصباء إن فاز، وعليه غرم ثلاثة إن لم يفز؛ وقال في مادة ضرب: وضرب بالقداح والضريب الموكل بالقداح، وقيل: الذي يضرب بها، قال سيبويه: فعيل بمعنى فاعل، والضريب القدح الثالث من قداح الميسر، قال اللحياني: وهو الذي يسمى الرقيب، قال: وفيه ثلاثة فروض إلى آخر ما في الرقيب؛ وقال في القاموس: والحُرْضَة أي بضم المهملة وإسكان المهملة ثم معجمة أمين المقامرين، والحلس بكسر المهملة وإسكان اللام ثم مهملة وككتف الرابع من سهام الميسر، والنافس بنون وفاء مكسورة ومهملة اسم فاعل خامس سهام الميسر، ومسبل أي بسين مهملة وموحدة قال: بوزن محسن، السادس أو الخامس من قداح الميسر؛ وقال في مجمع البحرين: وهو المصفح أيضاً يعني بفتح الفاء، والمعلّى كمعظم سابع سهام الميسر، والمنيح كأمير أي بنون وآخره مهملة قدح بلا نصيب، والسفيح أي بوزنه وبمهملة ثم فاء وآخره مهملة قدح من الميسر لا نصيب له، والوغد أي بفتح ثم سكون المعجمة ثم مهملة الأحمق الضعيف الرذل الدنيء وقدح لا نصيب له؛ وقال صاحب الزينة: وكانوا يبتاعون الجزور ويتضمنون ثمنه ثم يضربون بالقداح عليه ثم ينحرونه ويقسمونه عشرة أجزاء على ما حكاه أكثر علماء اللغة، ثم يجيلون عليها القداح فإن خرج المعلى أخذ صاحبه سبعة أنصباء ونجا من الغرم، ثم يجيلون عليها ثانياً فإن خرج الرقيب أخذ صاحبه ثلاثة أنصباء ونجا من الغرم، ثم يجيلون عليها ثانياً فإن خرج الرقيب أخذ صاحبه ثلاثة أنصباء ونجا من الغرم ونفدت أجزاء الجزور، وغرم الباقون على عدد أنصبائهم فغرم صاحب الفذ نصيباً واحداً وصاحب التوأم نصيبين فعلى ذلك يقسمون الغرم بينهم. وذكر عن الأصمعي أنه قال: كانوا يقسمون الجزور على ثمانية وعشرين جزءاً: للفظ جزء، وللتوأم جزءان، وللرقيب ثلاثة أجزاء - فعلى هذا حتى تبلغ ثمانية وعشرين جزءاً؛ وخالفه في ذلك أكثر العلماء وخطؤوه وقالوا: إذا كان ذلك كذلك وأخذ كل قدح نصيبه لم يبق هنالك غرم فلا يكون إذاً قامر ولا مقمور، ومن أجل ذلك قالوا لأجزاء الجزور: أعشار، لأنها عشرة أجزاء، قال امرؤ القيس. شعر : وما ذرفت عيناك إلا لتضربي بسهميك في أعشار قلب مقتّل تفسير : جعل القلب بدلاً لأعشار الجزور وجعل العينين مثلاً للقدحين أي سبت قلبه ففازت به كما يفوز صاحب المعلى والرقيب؛ وقال القزاز في التاء الفوقانية من ديوانه: والتوأم أحد أقداح الميسر وهو الثاني منها، وإنما سمي توأماً بما عليه من الحظوظ، وعليه حظان وله من أنصباء الجزور نصيبان، وإن قمرت أنصباء الجزور غرم من خرج له التوأم نصيبين، وذلك أنها عشرة قداح أولها الفذ وعليه فرض وله نصيب، والثاني التوأم وعليه فرضان وله نصيبان، والثالث الرقيب وعليه ثلاثة فروض وله ثلاثة أنصباء، والرابع الحلس وعليه أربعة فروض وله أربعة أنصباء، والخامس النافس وعليه خمسة فروض وله خمسة أنصباء، والسادس المسبل وعليه ستة فروض وله ستة أنصباء، والسابع المعلى وعليه سبعة فروض وله سبعة أنصباء، ومنها ثلاثة لا حظوظ لها وهي السفيح والمنيح والوغد، وربما سموها بأسماء غير هذه لكن ذكرنا المستعمل منها هاهنا ونذكرها بأسمائها في مواضعها من الكتاب إن شاء الله تعالى؛ وهذه التي لا حظوظ لها ليس عليها فرض، ولذلك تدعى أغفالاً لأن الغفل من الدواب الذي لا سمة له. وهيئة ما يفعلون في القمار هو أن تنحر الناقة وتقسم عشرة أجزاء فتعجل إحدى الوركين جزءاً، والورك الأخرى جزء وعجزها جزء، والكاهل جزء، والزور وهو الصدر جزء، والملحا أي ما بين الكاهل والعجز من الصلب جزء، والكتفان وفيهما العضدان جزءان، والفخذان جزءان، وتقسم الرقبة والطفاطف بالسواء على تلك الأجزاء، وما بقي من عظم أو بضعة فهو الريم وأصله من الزيادة على الحمل وهي التي تسمى علاوة فيأخذ الجازر؛ وربما استثنى بائع الناقة منها شيئاً لنفسه وأكثر ما يستثنى الأطراف والرأس، فإذا صارت الجزور على هذه الهيئة أحضروا رجلاً يضرب بها بينهم يقال له الحرضة فتشد عيناه ويجعل على يديه ثوب لئلا يحس القداح ثم يؤتى بخريطة فيها القداح واسعة الأسفل ضيقة الفم قدر ما يخرج منها سهم أو سهمان والقداح فيها كفصوص النرد الطوال غير أنها مستديرة فتجعل الخريطة على يدي الحرضة، ويؤتى برجل يجعل أميناً عليه يقال له الرقيب فيقال له: جلجل القداح، فيجلجلها في الخريطة مرتين أو ثلاثاً، فإذا فعل ذلك أفاض بها وهو أن يدفعها دفعة واحدة فتندر من مخرجها ذلك الضيق، فإذا خرج قدح أخذه الرقيب، فإن كان من الثلاثة التي لا فروض عليها رده إلى الخريطة وقال: أعد، وإن كان من السبعة ذوات الحظوظ دفعه إلى صاحبه وقال له: اعتزل القوم، وذاك أن الذين يتقامرون قد أخذ كل واحد منهم قدحاً على ما يحب، فإن كان الذي خرج الفذ أخذ صاحبه جزءاً وسلم من الغرم وأعاد الحرضة الإفاضة، وإن كان الذي خرج التوأم أخذ صاحبه نصيبين واعتزل القوم وسلم من الغرم أيضاً، وكذا كل واحد منهم يأخذ ما خرج له ويعتزل القوم ويسلم من الغرم، فإذا خرج في الثانية قدح أخذ صاحبه ما خرج له وكذا الثالث يأخذ ما خرج له ويعتزل القوم ما لم يستغرق الأول والثاني أنصباء الجزور، مثل أن يخرج للأول الرقيب فيأخذ ثلاثة أنصباء، ثم يخرج للثاني المعلى فيأخذ سبعة أنصباء ويغرم الباقون ثمن الجزور. أو يخرج في الأول الفذ وفي الثاني التوأم وفي الثالث المعلى فيذهب أيضاً سائر الأنصباء ويغرم باقي القوم ثمن الجزور، وكذا ما كان مثل هذا؛ فإن زادت سهام من خرج له قدح على ما بقي من الجزور غرم له من بقي ما زاد سهمه؛ وذلك مثل أن يخرج للأول المعلى فيأخذ سبعة أنصباء ثم يخرج للثاني النافس وحظه خمسة وإنما بقي من الجزور ثلاثة فيأخذها ويغرم له الباقون خمسي الجزور، وكذا لو خرج للأول النافس وأخذ خمسة أنصباء ثم خرج للثاني الحلس فأخذ أربعة أنصباء وخرج للثالث المعلى أخذ النصيب الذي بقي وغرم له الباقون ثلاثة أخماس الجزور، وعلى هذا سائر قمارهم، إذا تدبرته علمت كيف يجري جميعه ويغرم القوم ما يلزمهم على قدر سهامهم الباقية يفرضون ما لزمهم على عدد ما في أنصبائهم من الفرض، وقد ذكر أن الجزور تجزأ على عدد ما في القداح من الفروض وهي ثمانية وعشرون جزءاً، ولا معنى لهذا القول لأنه يلزم أن لا يكون في هذا قمار ولا فوز ولا خيبة إذ كل واحد يختار لنفسه ما أحب من السهام ثم يأخذ ما خرج له ثم لا تفرغ أجزاء الجزور إلا بفراغ القداح، فلا معنى للتقامر عليها، والأول أصح ويدل عليه شعر العرب، وذلك لأن الرجل ربما أخذ في الميسر قدحين فيفوز بأجزاء الجزور، مثل أن يأخذ المعلى والرقيب فإذا ضرب له الحرضة خرج له أحدهما ففاز بحظه ثم إذا ضرب الثانية خرج له الآخر فيفوز بسائر الجزور، ولو كان السهام والأنصباء على ما ذكروا لم يفز صاحب سهمين بسائر الأنصباء إذ لا تذهب الأنصباء إلا بفراغ القداح، ومما يدل على فوز صاحب السهمين بالكل قول امرىء القيس: شعر : وما ذرفت عيناك إلا لتضربي بسهميك في أعشار قلب مقتل تفسير : يقول: تضرب بسهميها المعلى والرقيب فتحوز القلب كله، ومن هذا قول كثير ووصف ناقة هزلها السير حتى أذهب لحمها: شعر : وتؤبن من نص الهواجر والسرى بقدحين فازا من قداح المقعقع تفسير : يقول: هذه الناقة هزلها السير حتى لم يبق من لحمها شيء فكأنه ضرب عليها بالقداح ففاز منها قدحان فاستوليا على أعشارها وهو الرقيب والمعلى - انتهى. هكذا ذكر شرح قول كثير ورأيت على حاشية نسخة من كتابه ما لعله أليق، وذلك لأنه قال أي يظن بها فضل على الإبل في سيرها بعد نص الهواجر والسرى لصبرها وكرمها وشدتها كفضل رجل فاز قدحه مرتين على قداح أصحابه؛ والمقعقع هو الذي يجيل القداح - انتهى. وهو أقرب مما قاله لأن قوله: تؤبن بقدحين فازا، ظاهر في أن القدحين لها وأنها هي الفائزة؛ والله سبحانه وتعالى الموفق - هذا. وقوله: لا معنى للتقامر عليها، على تقدير التجزئة بثمانية وعشرين ليس كذلك بل تظهر ثمرته في التفاوت في الأنصباء، وذلك بأن تكون السهام وهي القداح عشرة، فإنه لما قال: إن الأجزاء تكون ثمانية وعشرين، لم يقل: إنها على عدد السهام، حتى تكون السهام ثمانية وعشرين، بل قال: إنها على عدد الفروض التي في السهام، وقد علم أنها عشرة؛ وقد صرح صاحب الزينة وغيره عن الأصمعي كما مضى وهو ممن قال بهذا القول، فحينئذ من خرج له المعلى مثلاً أخذ سبعة أنصباء من ثمانية وعشرين فيكون أكثر حظاً ممن خرج له ما عليه ستة فروض فما دونها للضربات؛ وقوله: إن الرجل ربما أخذ قدحين - إلى آخره، يبين وجهاً آخر من التفاوت، وهو أن الرجل ربما خرج له سهم واحد لاعتراض السهام وتحرفها عن سنن الاستقامة حال الخروج، وربما خرج له سهمان أو ثلاثة في إفاضة واحدة لاستقامة السهام واعتدالها للخروج ففاز بمعظم الجزور، وذلك بأن يكون الرجال أقل من السهام، وربما خرج له أكثر من ذلك مع الوفاء للثمن بينهم على السواء، وهذا الوجه يتأتى أيضاً بتقدير أن تكون السهام والرجال على عدد الأجزاء، لانحصار العد فيمن خرج له سهام سواء كان على عددهم أو أكثر وانحصار الغرم فيمن لم يخرج له سهم على تقدير أن يخرج لغيره عدد من السهام؛ وبتقدير أن لا يخرج لكل واحد واحد يكون قماراً أيضاً، لأن كل واحد منهم غير واثق بالفوز ويكون فائدة ذلك حينئذ للفقراء، ومن قال: إن من خرج له شيء من السهام الثلاثة الأغفال يغرم، كان القمار عنده لازماً في كل صورة بكل تقدير. وقال في الكشاف: إنهم كانوا يعطون الأنصباء للفقراء ولا يأخذون منها شيئاً، وقد تقدم نقل ذلك عن صاحب الزينة والله سبحانه وتعالى أعلم. ولما ذكر ما يذهب ضياء الروح وقوام البدن وذم النفقة فيهما اقتضى الحال السؤال عما يمدح الإنفاق فيه فقال عاطفاً على السؤال عن المقتضي لتبذير المال {ويسئلونك ماذا ينفقون} وأشعر تكرير السؤال عنها بتكرير الواردات المقتضية لذلك، فأنبأ ذلك بعظم شأنها لأنها أعظم دعائم الجهاد وساق ذلك سبحانه وتعالى على طريق العطف لأنه لما تقدم السؤال عنه والجواب في قوله: {أية : قل ما أنفقتم من خير فللوالدين} تفسير : [البقرة: 215]، منع من توقع سؤال آخر، وأما اليتامى والمحيض فلم يتقدم ما يوجب توقع السؤال عن السؤال عنهما أصلاً، وادعاء أن سبب العطف النزول جملة وسبب القطع النزول مفرقاً مع كونه غير شاف للغلة بعدم بيان الحكمة يرده ما ورد أن آخر آية نزلت {أية : واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله}تفسير : [البقرة: 281] وهي بالواو أخرجه البيهقي في الدلائل والواحدي من وجهين في مقدمة أسباب النزول وترجم لها البخاري في الصحيح ومن تتبع أسباب النزول وجد كثيراً من ذلك. وقال الحرالي: في العطف إنباء بتأكد التلدد مرتين كما في قصة بني إسرائيل، لكن ربما تخوفت هذه الأمة من ثالثتها فوقع ضمهم عن السؤال في الثالثة لتقاصر ما يقع في هذه الأمة عما وقع في بني إسرائيل بوجه ما، وقال سبحانه وتعالى في الجواب: {قل العفو} وهو ما سمحت به النفس من غير كلفة قال: فكأنه ألزم النفس نفقة العفو وحرضها على نفقة ما تنازع فيه ولم يلزمها ذلك لئلا يشق عليها لما يريده بهذه الأمة من اليسر، فصار المنفق على ثلاث رتب: رتبة حق مفروض لا بد منه وهي الصدقة المفروضة التي إمساكها هلكة في الدنيا والآخرة، وفي مقابلته عفو لا ينبغي الاستمساك به لسماح النفس بفساده فمن أمسكه تكلف إمساكه، وفيما بينهما ما تنازع النفس إمساكه فيقع لها المجاهدة في إنفاقه وهو متجرها الذي تشتري به الآخرة من دنياها "حديث : قالت امرأة للنبي صلى الله عليه وسلم: ما يحل لنا من أموال أزواجنا - تسأل عن الإنفاق منها، قال: الرُطْب - بضم الراء وسكون الطاء - تأكلينه وتهدينه" تفسير : لأنه من العفو الذي يضر إمساكه بفساده؛ لأن الرطب هو ما إذا أبقي ين يوم إلى يوم تغير كالعنب والبطيخ وفي معناه الطبائخ وسائر الأشياء التي تتغير بمبيتها - انتهى. وفي تخصيص المنفق بالعفو منع لمتعاطي الخمر قبل حرمتها من التصرف، إذ كان الأغلب أن تكون تصرفاته لا على هذا الوجه، لأن حالة السكر غير معتد بها والتصرف فيها يعقب في الأغلب عند الإفاقة أسفاً وكذا الميسر بل هو أغلظ. ولعل تأخير بيان أن المحثوث عليه من النفقة إنما هو الفضل إلى هذا المحل ليحمل أهل الدين الرغبة فيه مع ما كانوا فيه من الضيق على الإيثار على النفس من غير أمر به رحمة لهم، ومن أعظم الملوحات إلى ذلك أن في بعض الآيات الذاكرة له فيما سلف {أية : وآتى المال على حبه}تفسير : [البقرة: 177]. قال الأصبهاني: قال أهل التفسير: كان الرجل بعد نزول هذه الآية إذا كان له ذهب أو فضة أو زرع أو ضرع ينظر ما يكفيه وعياله لنفقة سنة أمسكه وتصدق بسائره، فإن كان ممن يعمل بيده أمسك ما يكفيه وعياله يومه ذلك وتصدق بالباقي حتى نزلت آية الزكاة فنسختها هذه الآية. لما بيّن الأحكام الماضية في هذه السورة أحسن بيان وفصل ما قص من جميع ما أراد أبدع تفصيل لا سيما أمر النفقة فإنها بينها مع أول السورة إلى هنا في أنواع من البيان على غاية الحكمة والإتقان كان موضع سؤال: هي يبين لنا ربنا غير هذا من الآيات كهذا البيان؟ فقال: {كذلك} أي مثل ما مضى من هذا البيان العلي الرتبة البعيد المنال عن منازل الأرذال {يبين الله} الذي له جميع صفات الكمال {لكم} جميع {الآيات} قال الحرالي: فجمعها لأنها آيات من جهات مختلفات لما يرجع لأمر القلب وللنفس وللجسم ولحال المرء مع غيره - انتهى. وأفرد الخطاب أولاً وجمع ثانياً إعلاماً بعظمة هذا القول للإقبال به على الرأس، وإيماء إلى أنه صلى الله عليه وسلم قد امتلأ علماً من قبل هذا بحيث لا يحتاج إلى زيادة وأن هذا البيان إنما هو للأتباع يتفهمونه على مقادير أفهامهم وهممهم، ويجوز أن يكون الكلام تم بكذلك أي البيان ثم استأنف ما بعده فيكون البيان مذكوراً مرتين: مرة في خطابه تلويحاً، وأخرى في خطابهم تصريحاً؛ أو يقال: أشار إلى علو الخطاب بالإفراد وإلى عمومه بالجمع انتهى {لعلكم تتفكرون} أي لتكونوا على حالة يرجى لكم معها التفكر، وهو طلب الفكر وهو يد النفس التي تنال بها المعلومات كما تنال بيد الجسم المحسوسات - قاله الحرالي.
ابو السعود
تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ} نزلت في أصحاب السريةِ لما ظُنَّ بهم أنهم إنْ سلِموا من الإثم فلا أجرَ لهم {وَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ وَجَـٰهَدُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} كرَّر الموصولَ مع أن المرادَ بهما واحدٌ لتفخيم شأنِ الهجرةِ والجهاد فكأنهما مستقلانِ في تحقيق الرجاء {أُوْلَـٰئِكَ} المنعوتون بالنُّعوتِ الجليلة المذكورة {يَرْجُونَ} بما لهم من مبادىءِ الفوزِ {رَّحْمَةِ ٱللَّهِ} أي ثوابه، أثبت لهم الرجاءَ دون الفوز بالمرجوِّ للإيذان بأنهم عالمون بأن العملَ غيرُ موجبٍ للأجر وإنما هو على طريق التفضُّلِ منه سبحانه لا لأن في فوزهم اشتباهاً {وَٱللَّهُ غَفُورٌ} مبالِغٌ في مغفرةِ ما فرَط من عباده خطأً {رَّحِيمٌ} يُجزِل لهم الأجرَ والثوابَ، والجملةُ اعتراضٌ محقَّقٌ لمضمون ما قبلها. {يَسْـئَلُونَكَ عَنِ ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ} تواردَتْ في شأن الخمر أربعُ آياتٍ نزلت بمكة: {أية : وَمِن ثَمَرٰتِ ٱلنَّخِيلِ وَٱلأعْنَـٰبِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا} تفسير : [النحل، الآية 67] فطفِق المسلمون يشربونها، ثم إن عمرَ، ومُعاذاً ونفراً من الصحابة رضوانُ الله تعالى عليهم أجمعين قالوا: أَفْتِنا يا رسولَ الله في الخمر فإنها مُذهبةٌ للعقل فنزلت هذه الآية، فشرِبها قومٌ وتركها آخرون، ثم دعا عبدُ الرحمٰن بنُ عَوْف ناساً منهم، فشرِبوا فسكِروا، فأما أحدُهم فقرأ: {أية : قُلْ يا أَيُّهَا ٱلْكَـٰفِرُونَ لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ} تفسير : [الكافرون، الآية: 2] فنزلت {أية : لاَ تَقْرَبُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَنتُمْ سُكَـٰرَىٰ} تفسير : [النساء، الآية: 43]، فقلَّ من يشرَبُها ثم دعا عتبانُ بن مالك سعدَ بنَ أبـي وقاصٍ في نفرٍ فلما سكِروا تفاخَروا وتناشدوا حتى أنشد سعدٌ شعراً فيه هجاءٌ للأنصار فضرَبه أنصاريٌّ بلَحْي بعيرٍ فشجه شجة موُضِحَة فشكا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: حديث : اللهم بـين لنا في الخمر بـياناً شافياً تفسير : فنزلت {أية : إِنَّمَا ٱلْخَمْرُ وَٱلْمَيْسِرُ } تفسير : [المائدة، الآية: 90] إلى قوله تعالى: {أية : فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ} تفسير : [المائدة، الآية: 91] فقال عمرُ رضي الله عنه: «انتهينا يا رب» وعن علي رضي الله عنه: «لو وقعت قطرةٌ منها في بئر فبُنيت في مكانها مَنارةٌ لم أؤذّنْ عليها ولو وقعت في بحر ثم جَفَّ فنبت فيه الكلأُ لم أَرْعَه». وعن ابن عمرَ رضي الله عنهما: «لو أدخلتُ أُصبَعي فيها لم تَتْبَعْني» وهذا هو الإيمانُ والتقىٰ حقاً رضوان الله تعالى عليهم أجمعين. والخمرُ مصدرُ خمرَه أي ستره سُمّي به من عصير العنب ما غلىٰ واشتد وقذف بالزبد لتغطيتها العقلَ والتميـيزَ كأنها نفسُ السَّتر، كما سُميت سكَراً لأنها تسكُرهما أي تحجزهما. والميسِرُ مصدرٌ ميميٌّ من يَسَر كالموعِد والمرجِع يقال: يسَرْته إذا قمَرْته، واشتقاقه إما من اليُسر لأنه أخذُ المال بـيُسرٍ من غير كدّ و(لا) تعب، وإما من اليَسار لأنه سلبٌ له، وصفتُه أنه كانت لهم عشرةُ قِداح هي الأزلامُ والأقلام: الفذُّ والتوأمُ والرقيبُ والجَلْس والنافسُ والمُسبِلُ والمعلّىٰ والمَنيح والسَفيح والوغد لكل منها نصيبٌ معلوم من جَزور ينحرونها ويُجزّئونها عشرةَ أجزاء، وقيل: ثمانيةً وعشرين إلا الثلاثة وهي المنيحُ والسفيحُ والوغدُ للفذ سهمٌ وللتوأم سهمان وللرقيب ثلاثة وللجَلْس أربعة وللنافس خمسة وللمُسبل ستة وللمعلَّى سبعة يجعلونها في الربابة وهي خريطةٌ ويضعونها على يديْ عدلٍ ثم يجلجلها ويُدخِلُ يده فيُخرِج باسم رجلٍ رجلٍ قِدْحاً قدحاً فمن خرج له قِدْحٌ من ذوات الأنصباء أخذ النصيب المعيّنَ لها ومن خرج له من تلك الثلاثة غَرِم ثمنَ الجزور مع حِرمانه وكانوا يبـيعون تلك الأنصباءَ إلى الفقراء ولا يأكلون منها ويفتخرون بذلك ويذمّون من لا يدخُل فيه ويسمّونه البرم وفي حكمه جميعُ أنواعِ القمارِ من النرْدِ والشطرنج وغيرهما وعن النبـي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : إياكـــم وهاتين اللعبتين المشؤمتين فإنهما مياسِـــرُ العجم» تفسير : وعن علي كرم الله وجهه أن النرد والشطرنج من الميسر، وعن ابن سيرين كلُّ شيء فيه خطرٌ فهو من الميسر. والمعنى يسألونك عن حُكمهما وعما في تعاطيهما. {قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ} أي في تعاطيهما ذلك لما أن الأولَ مسلبةٌ للعقول التي هي قطبُ الدين والدنيا مع كون كلَ منهما مَتلفةً للأموال {وَمَنَـٰفِعُ لِلنَّاسِ} من كسب الطرَب واللذة ومصاحبةِ الفتيان وتشجيعِ الجبان وتقوية الطبـيعة، وقرىء إثمٌ كثير بالمثلثة، وفي تقديم بـيانِ إثمِه ووصفُه بالكِبَر وتأخيرِ ذكر منافعِه مع تخصيصها بالناس من الدِلالة على غلبة الأول ما لا يخفى على ما نطقَ به قوله تعالى: {وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا} أي المفاسدُ المترتبةُ على تعاطيهما أعظمُ من الفوائد المترتبة عليه وقرىء أقربُ من نفعهما. {ويَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ} عطفٌ على يسألونك عن الخمر الخ عطفَ القصة على القصة، أي أيُّ شيءٍ ينفقونه قيل: هو عمْرو بنُ الجموح أيضاً سأل أولاً من أيّ جنسٍ ينفق من أجناس الأموال فلما بُـيّن جوازُ الإنفاق من جميع الأجناس سأل ثانياً من أي أصنافها نُنفِقُ أمن خيارها أم من غيرها أو سأل عن مقدار ما يُنفقه منه فقيل: {قُلِ ٱلْعَفْوَ} بالنصب أي ينفقون العفوَ أو أنفقوا العفوَ وقرىء بالرفع على أن ما استفهامية وذا موصولةٌ، صلتُها ينفقون أي الذي ينفقونه العفوُ قال الواحدي: أصلُ العفوِ في اللغة الزيادة، وقال القفال: العفوُ ما سُهل وتيسر مما فضَل من الكفاية وهو قول قتادةَ وعَطاءٍ والسدي، وكانت الصحابة رضوان الله تعالى عليهم أجمعين يكسِبون المالَ ويُمسكون قدرَ النفقة ويتصدقون بالفضل. ورُوي أن رجلاً أتى النبـي صلى الله عليه وسلم ببـيضة من ذهب أصابها في بعض المغانم فقال: خذها مني صدقة فأعرض عنه فكرر ذلك مراراً حتى قال عليه السلام مغضباً: هاتِها فأخذها فحذَفها عليه حَذْفاً لو أصابته لشجته ثم قال: «يأتي أحدُكم بماله كلِّه يتصدق به ويجلِس يتكفّف الناسَ إنما الصدقةُ عن ظهر غنى» {كَذٰلِكَ} إشارةٌ إلى مصدر الفعل الآتي، وما فيه من معنى البُعد للإيذان بعلو درجة المشارِ إليه في الفضل مع كمال تميّزِه وانتظامِه بسبب ذلك في سلك الأمور المشاهدة، والكافُ لتأكيد ما أفاده اسمُ الإشارة من الفخامة، وإفرادُ حرف الخطاب مع تعدد المخاطبـين باعتبار القَبـيل أو الفريق، أو لعدم القصد إلى تعيـين المخاطب كما مر، ومحلُه النصبُ على أنه نعتٌ لمصدر محذوفٍ أي مثلَ ذلك البـيان الواضحِ الذي هو عبارةٌ عما مضىٰ في أجوبة الأسئلة المارّة {يُبيّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلآيَـٰتِ} الدالةَ على الأحكام الشرعية المذكورة لا بـياناً أدنى منه، وقد مر تمامُ تحقيقِه في قوله تعالى: {أية : وَكَذٰلِكَ جَعَلْنَـٰكُمْ أُمَّةً وَسَطًا } تفسير : [البقرة، الآية 143] وتبـيـين الآياتِ تنزيلُها ظاهرةَ الفحوى، واضحةَ المدلول لا أنه تعالى يبـيّنها بعد أن كانت مشْتبهةً ملتبسةً، وصيغةُ الاستقبال لاستحضار الصورة {لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ} لكي تتفكروا فيها وتقِفوا على مقاصدها وتعملوا بما في تضاعيفها.
القشيري
تفسير : إن الذين صدقوا في قصدهم، وأخلصوا في عهدهم، ولم يرتدوا في الإرادة على أعقابهم، أولئك الذين عاشوا في رَوْحِ الرجاء إلى أن يصلوا إلى كمال البقاء ودار اللقاء.
البقلي
تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} وصف الله تعالى اهل العناية الذين صدقوا فيها عاينوا فى علم الازل من مشاهدة القدم وفيها سمعوا من خطاب الحسن بنعت تعريفه لهم جلاله وجماله وعظمته وصمديته وكبرياءه وقدرته وحكمته {هَاجَرُواْ} من الحدثان الى مشاهدة الرحمن {وَجَاهَدُواْ} فى العبودية للزوم حق الربوبية عليهم {فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} ما بين مقاديره بنعت الرضا فى مراده {أُوْلۤـٰئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ ٱللَّهِ} وصاله وقربه {وَٱللَّهُ غَفُورٌ} تقصيره فى تزكية الاشباح {رَّحِيمٌ} بهم فى تربية الارواح.
اسماعيل حقي
تفسير : {إن الذين آمنوا} نزلت فى السرية فان الله تعالى لما فرج عنهم بالآية السابقة ما كانوا فيه من الغم الشديد بقتالهم فى الشهر الحرام طمعوا فيما عند الله من ثوابه فقالوا يا رسول الله لا عقاب علينا فيما فعلنا فهل نعطى اجرا او ثوابا ونطمع ان يكون سفرنا هذا سفر غزو وطاعة فأنزل الله تعالى هذه الآية لانهم كانوا مؤمنين مهاجرين وكانوا بسبب هذه المقاتلة مجاهدين والمعنى ثبتوا على ايمانهم فلم يرتدوا {والذين هاجروا} اى فارقوا منازلهم واهلهم {وجاهدوا} المجاهدة استفراغ ما فى الوسع اى حاربوا المشركين {فى سبيل الله} فى طاعته لاعلاء دينه {اولئك يرجون} بمالهم من مبادى الفوز {رحمة الله} اى ثوابه ولا يحبط اعمالهم كاعمال المرتدين اثبت لهم الرجاء دون الفوز بالمرجو للايذان بانهم عالمون بان العمل غير موجب للاجر وانما هو بطريق التفضل منه تعالى لا لان فى فوزهم اشتباها {والله غفور} مبالغ فى مغفرة ما فرط من عباده خطأ {رحيم} يجزل لهم الاجر والثواب. قال قتادة هؤلاء خيار هذه الامة ثم جعلهم الله اهل رجاء كما تسمعون وانه من رجا طلب ومن خاف هرب ـ روى ـ انه مر ابو عمر البيكندى يوما بسكة فرأى اقواما ارادوا اخراج شاب من المحلة لفساده وامرأة تبكى قيل انها امه فرحمها ابو عمر فشفع له اليهم وقال هبوه منى فى هذه المرة فان عاد الى فساده فشأنكم فوهبوه منه فمضى ابو عمر فلما كان بعد ايام اجتاز بتلك السكة فسمع بكاء العجوز من ورآء ذلك الباب فقال فى نفسه لعل الشاب عاد الى فساده فنفى من المحلة فدق عليها الباب وسألها عن حال الشاب فقالت انه مات فسأله عن حاله فقالت لما قرب اجله قال لا تخبرى الجيران بموتى فلقد آذيتهم فانهم سيشتموننى ولا يحضرون جنازتى فاذا دفنتنى فهذا خاتم لى مكتوب عليه بسم الله الرحمن الرحيم فادفنيه معى فاذا فرغت من دفنى فتشفعى لى الى ربى ففعلت وصيته فلما انصرفت عن رأس القبر سمعت صوته يقول انصرفى يا اماه فقد قدمت على رب كريم ونعم ما قيل ببهانه ميدهد ببها نميدهد ـ قيل ـ ان الحجاج لما احضرته الوفاة كان يقول اللهم اغفر لى فان الناس يزعمون انك لا تفعل ومات بواسط سنة خمس وتسعين وهى مدينته التى انشأها وكان يوم موته يسمى عرس العراق ولم يعلم بموته حتى اشرفت جارية من القصر وهى تبكى وتقول ألا ان مطعم الطعام ومفلق الهام قد مات ثم دفن ووقف رجل من اهل الشام على قبره فقال اللهم لا تحرمنا شفاعة الحجاج وحلف رجل من اهل العراق بالطلاق ان الحجاج فى النار فاستفتى طاووس فقال يغفر الله لمن يشاء وما اظنها الا طلقت فيقال انه استفتى الحسن البصرى فقال اذهب الى زوجتك وكن معها فان لم يكن الحجاج فى النار فما يضركما انكما فى الحرام فقد وقفت من هذا المذكور على ان الله تعالى غفور رحيم يغفر لعبده وان جاء بمثل زبد البحر ذنبا فاللازم للعباد الرجاء من الله تعالى قال الراغب وهذه المنازل الثلاثة التى هى الايمان والمهاجرة والجهاد هى المعنية بقوله {أية : اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة وجاهدوا فى سبيله} تفسير : [المائدة: 35]. ولا سبيل الى المهاجرة الا بعد الايمان ولا الى جهاد الهوى الا بعد هجران الشهوات ومن وصل الى ذلك فحق له ان يرجو رحمته واعلم ان الهجرة على قسمين. صورية وقد انقطع حكمها بفتح مكة كما قال عليه السلام"حديث : لا هجرة بعد الفتحbr>". تفسير : . ومعنوية وهى السير عن موطن النفس الى الله لفتح كعبة القلب وتخليصها من اصنام الشرك والهوى فيجرى حكمها الى يوم القيامة. وكذا الجهاد فى سبيل الله على قسمين. اصغر وهو الجهاد مع الكفار. واكبر وهو الجهاد مع النفس وانما كان هذا الجهاد اكبر لان غاية الاول اصلاح الظاهر وغاية الثانى اصلاح الباطن وهو اصعب واقوى. وايضا غاية الاول الوصول الى الجنة والرحمة. وغاية الثانى الوصول الى مشاهدة الحق والجمال المطلق. وايضا غاية الاول الشهادة. وغاية الثانى الصديقية والصديقون اعلى منزلة من الشهداء كما قال تعالى {أية : فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء} تفسير : [النساء: 69]. فقدم ذكر الصديقين على ذكر الشهداء فاذا وصل المرء الى صلاح النفس بالجهاد الاكبر الذى هو اعز من الكبريت الاحمر يرحم العباد ولا يقصد لهم الضرر ـ حكى ـ ان بعضهم جاء الى بعض المشايخ وخدمه وقال له اريد ان تعلمنى الاسم الاعظم فقال له وفيك اهلية له قال نعم قال اذهب الى باب البلد ثم اخبرنى بما جرى فيه فذهب وجلس على باب البلد فاذ بشيخ حطاب معه حطب على حمار فضربه جندى واخذ حطبه ظلما فلما رجع الرجل الى الشيخ واخبره بالقصة قال له الشيخ لو كنت تعلم الاسم الاعظم ما تصنع بالجندى قال كنت ادعو عليه بالهلاك فقال له الشيخ اعلم ان الحطاب هو الذى علمنى الاسم الاعظم واعلم ان الاسم الاعظم لا يصلح الا لمن يكون على هذه الصفة من الصبر والرحمة على الخلق والشفقة عليهم: قال السعدى قدس سره شعر : مكن تاتوانى دل خلق ريش وكرميكنى ميكنى بيخ خويش تفسير : ثم ان قلة الكلام من انفع الاشياء فى اصلاح النفس كما ان اللقمة الطيبة انفع فى اصلاح الطبيعة وصفاء القلب: قال فى المثنوى شعر : طفل جان ازشير شيطان بازكن بعد ازانش باملك انباز كن تاتو تاريك وملول وتيرهء دانكه با ديو لعين همشيرهء لقمهء كونور افزود وكمال آن بود آورده از كسب حلال روغنى كايد جراغ ما كشد آب خوانش جون جراغى راكشد
الطوسي
تفسير : النزول والاعراب: ذكر جندب بن عبد الله، وعروة بن الزبير: أن هذه الآية نزلت في قصة عبد الله بن جحش وأصحابه لما قاتلوا في رجب، وقتل واقد التميمي بن الحضرمي، ظن قوم أنهم إن سلموا من الاثم فليس لهم أجره، فأنزل الله الآية فيهم - بالوعد -. وخبر {إن الذين آمنوا} الجملة التي هي قوله: {أولئك يرجون رحمة الله} أولئك ابتداء، ويرجون خبره، والجملة خبر (إنّ). اللغة: وقوله: {والذين هاجروا} فالهجر ضد الوصل، تقول: هجره يهجره هجراً، وهجراناً: اذا قطع مواصلته. والهجر: ما لا ينبغي من الكلام، تقول: هجر المريض يهجر هجراً، لأنه قال ما لا ينبغي أن يهجر من الكلام، وما زال ذلك هجيراه أي دأبه. والهاجرة: نصف النهار، وهجر القوم تهجيراً: اذا دخلوا في الهاجرة. وسمي المهاجرون لهجرتهم قومهم، وأرضهم. وأهجرت الجارية إهجاراً: إذا شبت شباباً حسناً، فهي مهجرة، ويقال ذلك للناقة، والنخلة. والهجار: حبل يشد به يد الفحل الى إحدى رجليه لأنه يهجر بذلك التصرف وأصل الباب الهجر: قطع المواصلة. وقوله تعالى: {وجاهدوا} تقول: جهدت الرجل جهداً: إذا حملته على مشقة، وجاهدت العدوّ مجاهدة إذا حملت نفسك على المشقة في قتاله. واجتهدت رأي: اذا حملت نفسك على المشقة في بلوغ صواب الرأي. والجهاد: الأرض الصلبة، وأصل الباب الجهد: الحمل على المشقة. وقوله تعالى: {في سبيل الله} يعني قتال العدوّ، ويدخل في ذلك مجاهدة النفس. وقوله {أولئك يرجون} فالرجاء الأمل، رجا يرجو رجاءً، وترجّى ترجياً، وارتجى ارتجاء، والرجا - مقصوراً - ناحية كل شيء، ويثنى رجوان وجمعه أرجاء، ومنه أرجاء البئر نواحيه، وقوله تعالى {أية : مالكم لا ترجون لله وقاراً} تفسير : أي لا تخافون، قال أبو ذؤيب: شعر : إذا لسعته النحل لم يرج لسعها وخالفها في بيت نوب عواسل تفسير : أي لم يخف، وذلك أن الرجاء للشيء الخوف من أن لا يكون، فلذلك سمي الخوف باسم الرجاء، وأصل الباب الأمل، وهو ضد اليأس. المعنى: وفي الآية دلالة على أن من مات مصراً على كبيرة لا يرجو رحمة الله لامرين: أحدهما - أن ذلك دليل الخطاب، وذلك غير صحيح عند أكثر المحصلين. والثاني - أنه قد يجتمع - عندنا - الايمان والهجرة والجهاد مع ارتكاب الكبيرة، فلا يخرج من هذه صورته عن تناول الآية له، وإنما ذكر المؤمنين برجاء الرحمة وإن كانت هي لهم لا محالة، لأنهم لا يدرون ما يكون منهم من الاقامة على طاعة الله أو الانقلاب عنها الى معصيته، لأنهم لا يدرون كيف تكون أحوالهم في المستقبل. وقال الجبائي: لأنهم لا يعلمون أنهم أدّوا كما يجب لله عليهم، لأن هذا العلم من الواجب، وهم لا يعلمونه إلا بعلم آخر، وكذلك سبيل العلم في أنهم لا يعلمونه إلا بعلم غيره، وهذا يوجب أنهم لا يعلمون إذاً كما يجب لله عليهم. وقال ابن الأخشاد: لانه لا يتفق للعبد التوبة من كل معصية، واستدل على ذلك باجماع الأمة على أنه ليس لاحد غير النبي (صلى الله عليه وسلم). ومن شهد له عليه، فلا. ويمكن في الآية وجه آخر - على مذهبنا - وهو أن يكون رجاءهم لرخصة الله في غفران معاصيهم التي لم يتفق لهم التوبة عنها، واخترموا دونهم، فهم يرجون أن يسقط الله عقابها عنهم تفضلا. فأما الوجه الاول، فانما يصح على مذهب من يجوز أن يكفر المؤمن بعد إيمانه أو يفعل في المستقبل كبيرة يحبط ثواب إيمانه، وهذا لا يصح على مذهبنا في الموافات وما قاله الجبائي يلزم عليه وجوب ما لا نهاية له، لأنه إذا وجب عليه أن يعلم أنه فعل ما وجب عليه بعلم آخر، وذلك العلم مما وجب عليه أيضاً فيجب ذلك بعلم آخر، وفي ذلك التسلسل. وإنما ضم الى صفة الايمان غيره في اعتبار الرجاء للرحمة ترغيباً في كل خصلة من تلك الخصال، لأنها من علامات الفلاح. فأما الوعد، فعلى كل واحدة منها إذا سلمت مما يبطلها. وقال الحسن: الرجاء، والطمع ها هنا على الايمان إذا سلم العمل. وذكر الجبائي: أن هذه الآية تدل على أنه لا يجوز لأحد أن يشهد لنفسه بالجنة، لأن الرجاء لا يكون إلا مع الشك، وقد بين الله تعالى: أن صفة المؤمن الرجاء للرحمة، لا القطع عليها لا محالة. ووجه اتصال هذه الآية بما قبلها هو أنه لما ذكر في الأولى العذاب، ذكر بعدها آية الرحمة، ليكون العبد بين الخوف والرجاء إذ ذلك أو كد في الاستدعاء، وأحق بتدبير الحكماء. وكتبت "رحمة الله" بالتاء في المصحف على الوصل، والأقيس بالهاء على الوقف، كما كتب {أية : يدع الداع}تفسير : و {أية : يقضي بالحق} تفسير : {أية : واضرب لهم مثلاً}تفسير : كل ذلك على الوقف.
الجنابذي
تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} كلام مستأنف لتشريف المؤمنين ورفع الجناح عن المسلمين المقاتلين فانّه كما قيل: نزل فى السريّة الّتى قاتلوا وقتلوا فى اوّل رجب، وكثر القول فيه وعاب المشركون والمسلمون ذلك كأنّه بعد ما نزلت الآية الاولى سأل سائل: هل يكون اجر لهؤلاء المقاتلين فى رجب؟ - فقال مؤكّداً لكون المخاطبين فى الشّكّ من ذلك: {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} اى اسلموا فانّ المراد بالايمان فى أمثال المقام هو احد معانى الاسلام وقد مرّ فى اوّل السّورة معانى الاسلام والايمان مفصّلة {وَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ} كرّر الموصول اهتماماً بشأن الهجرة كأنّها اصل برأسه مثل الايمان ولا سيّما الهجرة عن مقام النّفس الّذى هو دار الشّرك حقيقة الى مقام القلب الّذى هو دار الايمان حقيقة {وَجَاهَدُواْ} لم يأت بالموصول للاشارة الى التّلازم بين الهجرة والجهاد كأنّهما شيء واحد فانّ الانسان بعد الاسلام ما لم يهجر الوطن لم يظهر مغايرته للمشركين وما لم يظهر مغايرته لم يكن قتال ومخالفة {فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} قد مضى نظيره وأنّه ظرف لغو ظرفيّة مجازيّة او حقيقيّة، او ظرف مستقر كذلك {أُوْلۤـٰئِكَ} كرّر المبتدأ باسم الاشارة البعيدة للاحضار والتّفخيم {يَرْجُونَ} قد مضى انّ عادة الملوك تأدية الوعد بأدوات التّرجّى وانّ وعد الملوك لا يتخلّف ولو كان بلفظ التّرجّى ووعيدهم كثيراً ما يتخلّف ولو كان بنحو الجزم {رَحْمَتَ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ غَفُورٌ} يغفر {مساوأهم} {رَّحِيمٌ} يغشيهم برحمته بعد الغفران.
الهواري
تفسير : قوله: {إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أُوْلَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللهِ} أي يطمعون في رحمة الله، يعني الجنة {وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} قال الحسن: هو على الإِيجاب، يقول: يفعل ذلك بهم. [قال بعض المفسّرين] ذكر في الآية الأولى قصة قتل ابن الحضرمي، وما قال المشركون، وما أنزل الله في ذلك، ثم أثنى الله على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أحسن الثناء فقال: {إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُوا}... إلى آخر الآية. قوله: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الخَمْرِ وَالمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا}. والميسر: القمار كله. قوله: {فِيهمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ} كانوا إذا شربوا الخمر فسكروا عدا بعضهم على بعض. وكانوا يتقامرون حتى لا يبقى لأحدهم شيء. فكانوا يتوارثون العداوة. قوله: {وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ}: أي ما كانوا ينتفعون به من شربها وبيعها ومن القمار قبل أن يحرمهما الله. قال بعضهم: بلغنا أن رسول الله لما نزلت هذه الآية قال: "حديث : إن الله يقرّب في تحريم الخمر".تفسير : ثم أنزل الله بعد ذلك في الخمر آية هي أشد منها: (أية : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لاَ تَقْرَبُوا الصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ) تفسير : [النساء:43] فكانوا يشربونها حتى إذا حضرت الصلاة أمسكوا. وكان السكر عليهم منها حراماً، وأحل لهم ما سوى ذلك. ثم أنزل الله تحريمها في سورة المائدة: (أية : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِنَّمَا الخَمْرُ وَالمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) تفسير : [المائدة:90] فجاء تحريمها في هذه الآية، قليلها وكثيرها، ما أسكر منها وما لم يسكر. ذكر بعضهم عن أنس بن مالك أنه سئل عن خليط البسر والتمر، فقال: أهرقناه مع الخمر حين حرمت. ذكروا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: حديث : إن الخمر من هاتين الشجرتين العنبة والنخلة . تفسير : ذكروا أن عمر بن الخطاب قال: إن هذه الأنبذة تنبذ من خمسة أشياء: التمر والزبيب والبر والشعير والعسل. فما عتقتم فخمّرتم فهو خمر. والعامة عندنا على أن ما عتق من الأنبذة كلها فازداد جودة في إنائه كلما ترك فيه فلا خير فيه. وكل نبيذ له حد ينتهي إليه ثم يفسد فلا بأس به إذا كان في سقاء. قوله: {وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ} يعني الصدقة. {قُلِ العَفْوَ}، كان هذا قبل أن تنزل آية الزكاة. وكان الحسن يقول: {قُلِ العَفْوَ} قل: الفضل، أي ما فضل عن نفقتك ونفقة عيالك. ثم يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى، وابدأ بمن تعول، واليد العليا خير من اليد السفلى، ولا يلوم الله على الكفاف تفسير : . وكذلك ذكروا عن الحسن عن النبي عليه السلام. وقال الكلبي في قوله: {قُلِ العَفْوَ}: كان الرجل حين نزلت هذه الآية إن كان من أصحاب الذهب والفضة أمسك منه ما يكفيه سنةً، ويتصدق بسائره، فنسخ ذلك في آية الزكاة. ذكروا عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : إذا كان أحدكم فقيراً فليبدأ بنفسه، ثم ليبدأ مع نفسه بمن يعول، ثم يبدأ بقرابته، فإن فضل شيء فهاهنا وهاهنا وهاهنا، وما بين يديه، وعن يمينه وعن يساره، ومن خلفه . تفسير : قوله: {كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ} قال بعض المفسّرين: أي: لعلكم تتفكرون أن الدنيا دار بلاء وفناء، وأن الآخرة دار جزاء وبقاء.
اطفيش
تفسير : {إنَّ الَّذينَ آمنُوا والَّذينَ هَاجَرُوا}: أوطانهم وأحبابهم. {وجَاهدُوا فى سَبِيلِ الله أولئك يرْجُون رَحْمتَ الله}: ثوابه على إيمانهم ومهاجرتهم وجهادهم وأعمالهم. {واللّهُ غفُورٌ رَحيمٌ}: لمن تاب وعبد الله وأصحابه مغفور لهم ما فعلوه خطأ وقلة حوطة، فجرد لهم الأجر والثواب، وإنما شكوا فى السلامة من الإثم ولم يقطعوا بها، لأنه لم يصرح لهم بها، وقيل إنهم علموا بها، وإنا لما فرج عنهم ما كانوا فيه من الغم الشديد بقتالهم فى الشهر الحرام، طُمَعَوا فيما عند الله من ثوابه، فقالوا يا رسول الله: لا عقاب علينا فيما فعلنا، فهل نعطى أجرا وثوابا على أن يكون ذلك منا عزواً وطاعة؟ فنزلت الآية مبشرة بأنهم مؤمنون مهاجرون، وأن ذلك القتال منهم جهاد فى سبيل الله، وقدم الإيمان لأنه أصل الأعمال. ثم الهجرة ثم الجهاد على ترتيب ذلك فى الواقع، وأفرد الإيمان بموصول والهجرة والجهاد بمؤصول، لأنه أصل مستقل فى أرجاء الرحمة، وهما ثمرته وفرعه قد يصح بدونهما، ولا يصحان بدونه، فلم يجمع ذلك كله بموصول واحد، ولأن إفرادهما بموصول تعظيم لشأنهما لإشعاره باستقلالهما واستتباع الرجاء، والمراد بالموصولين الجنس، فيدخل فيه عبد الله بن جحش وأصحابه، أو يراد عبد الله بن جحش وأصحابه فيعلم حكم غيرهم بالمقايسة لوجود العلة وهى الإيمان، والمهاجرة والجهاد. قال عروة بن الزبير: لما عنف المسلمون عبد الله بن جحش وأصحابه شق ذلك عليهم، فتداركهم الله بهذه الآية، فأزال الله الوحشة، ثم حكمها باق أبدا فى حال القتال فى الأشهر الحرم، والمفاعلة فى هاجروا وجاهدوا للمبالغة، أى بلغوا مجهودهم فى الهجرة، والقتال والرجاء أبدا معه خوف، ويقارنه علم وإن لم يقارنه فذلك أمنية، والعمل لا يوجب الثواب لعلع فيه خللا، ولعله يختم لصاحبه بالسوء والعياذ بالله، فلذلك قال: {يرجون} وأيضاً الثواب غير واجب على العمل عقلا، إذ كل نعمة من الله فضل بل نفس العمل نعمة من الله، فالإنسان بمجرد عقله يطمع. {يسألوُنَكَ عَن الخَمْر والميْسِرِ}: روى أنه نزل بمكة قوله تعالى:{أية : ومن ثمرات النخيل} تفسير : الآية، فكان المسلمون يشربون الخمر، وقيل كانوا يشربونها قبل الآية، ثم إن عمر ومعاذا فى نفر من الصحابة قالوا: أفتنا يا رسول الله فى الخمر، فإنها مذهبه للعقل مسلبة للمال، فنزل قوله تعالى: {يَسْألُونَكَ عَن الخَمْرِ} الآية فشربها قوم وتركها آخرون، ثم دعا عبد الرحمن ابن عوف ناساً من المسلمين فشربوا وسكروا، وصلى أحدهم بهم إماماً فقرأ: {قل يَا أيها الْكَافِرُونَ أعبد ما تعبدون} فنزل الله {أية : لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون}،تفسير : فقل من يشربها، وقالوا لا خير فى شئ يحول بيننا وبين الصلاة، وحرم السكر فى وقت الصلاة، وإن شربت قبل وقت الصلاة فعل السكر يمتد إليه فكان من يشربها يشرب مقداراً لا يسكر أو يشرب بعد صلاة العتمة، فيصحوا قبل الفجر، أو يشرب بعد صلاة الفجر فيصحو قبل صلاة الظهر، وروى حديث : أنه لما نزل: {يسألونك عن الخمر} قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إن الله يقارب فى تحريم الخمر"تفسير : ثم نزل أشد منها وهى قوله تعالى:{أية : يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى}تفسير : فحرم السكر فقط، وحل ما دونه، وهذا فى وقت الصلاة وغيره، على أن المراد بالصلاة مواضعها كالمسجد، ثم دعى عتبان بن مالك سعد بن أبى وقاص فى نفر، فلما سكروا افتخروا وتناشدوا، فأنشد سعد شعراً فيه هجاء الأنصار، فضربه أنصارى بلحى بعير فشجه، فشكا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عمر: اللهم بين لنا فى الخمر بيانا شافياً. فنزل:{أية : إنما الخمر والميسر}تفسير : إلى قوله:{أية : فهل أنتم منتهون} تفسير : فقال عمر: انتهينا يا رب. قال الفخر: علم الله أن القوم قد ألفوا شرب الخمر، وأنه يشق عليهم منها دفعة، فدرجهم فى التحريم رفقاً بهم، ويروى أنه شربها حمزة بن عبد المطلب حتى سكر فلقيه رجل من الأنصار، ومعه ناضح، أى جمل يسقى عليه النخل والشجرة أو الحرث، يتمثل ببيتين لعكب بن مالك فى مدح قومه: شعر : جمعنا مع الإيواء نصرا وهجرة ولم نر حيا مثلنا فى المعاشر فأحياؤنا من خير أحياء من مضى وأمواتنا من خير أهل المقابر تفسير : فقال حمزة: أولئك المهاجرون، فقال الأنصارى بل نحن، فتنازعا حتى جرد حمزة سيفه، ومشى إلى الأنصارى، فهرب منه وترك ناضحه، فظفر به حمزه فقطعه، وجاء الأنصارى مشتكيا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال عمر: إن الخمر متلفة للمال مذهبة للعقل. فغرم له النبى صلى الله عليه وسلم ناضحة، فنزل: {يسألونك عن الخمر والميسر} الآية فامتنع قوم من شربها، وبقى قوم حتى دعى محمد بن عبد الرحمن الزهرى قوماً فأطعمهم وسقاهم الخمر حتى سكروا، وحضر وقت الصلاة فقدموا رجلا يقال له أبو بكر بن جعونة، وكان حليفا للأنصار، فصلى بهم، وقرأ فى صلاته: {قل يا أيها الكافرون أعبد ما تعبدون} وبلغ ذلك النبى صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى:{أية : يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى}،تفسير : فقال عمر: إن الله ليقرب فى تحريمها، وأنه سيحرمها، وقد مر أنه صلى الله عليه وسلم قال ذلك، فلعل عمر قال ذلك عنه صلى الله عليه وسلم، أو اتفق لهما جميعا، فكانوا يشربونها بعد صلاة العتمة وبعد صلاة الفجر، حتى عمل سعد بن أبى وقاص الزهرى وليمة على رأس جزور، ودعى أناسا من المهاجرين والأنصار، وأكلوا وشربوا وسكروا، وعمد واحد من الأنصار إلى الحى جزور فضرب به أنف سعد، فجاء سعد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله:{أية : إنما الخمر والميسر والأنصاب}تفسير : إلى قوله:{أية : لعلكم تفلحون}،تفسير : وموضع التحريم: {أية : فهل أنتم منتهون}تفسير : لأن المعنى فانتهوا كقوله تعالى:{أية : أتصبرون}تفسير : أى اصبروا، وقوله تعالى:{أية : قوم فرعون ألا يتقون}تفسير : أى اتقوا، وقيل موضع التحريم: {فاجتنبوه لعلكم تفلحون}، والخمر فى الأصل مصدر خمره إذا ستره، فسمى عصير التمر والعنب خمراً لأنه يخمر العقل، أى يستره، كما سمى سكراً، لأنه يسكره أى يحجزه، من قولك سكرت النهر إذا سددته ومنعته من جرى الماء، والتسمية بالمصدر مبالغة فأما ما (كان) من عصير العنب والتمر - تمر النخل إذا غلى واشتد من غير نار - فاتفقت الأمة على أنه خمر نجس يحد شاربه، ويفسق ويشرك مستحله، كذا قيل، وفى الاتفاق على نجسه نظر: فزعم سفيان الثورى وأبو حنيفة وجماعة إلى أن التحريم لا يتعداهما إلى ما اتخذ من غيرهما كالحنطة والشعير والذرة والعسل، إلا أن يسكر، وقال: إذا طبخ عصير العنب والرطب حتى ذهب نصفه فهو حلال مكروه، وإن طبخ حتى ذهب ثلثاه فهو حلال مباح، إلا أن السكر منه حرام، فبشرب ما دون السكر إن لم يقصد اللهو والطرب، ومذهب أكثر العلماء وهو مذهبنا ومذهب الشافعى: إن كل شراب أسكر كثيره فهو خمر فيحرم قليله وكثيره ما يحد شاربه، لقول عمر رضى الله عنه: نزل تحريم الخمر يوم نزل وهو من خمسة أشياء: من العنب والتمر والحنطة والشعير والذرة، والخمر ما خمر العقل يعنى أنهم كانوا يتخذونها قبل تحريمها من الأشياء الخمسة، وأن كل ما خمر فهو خمر داخل فى التحريم، وفى رواية أن عمر قال على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألا إن الخمر قد حرمت وهى من خمسة: من العنب والتمر والعسل والحنطة والشعير، والخمر ما خامر العقل. وعن ابن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : كل مسكر خمر وكل خمر حرام"تفسير : ، وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما أسكر الفرق منه فالكف منه حرام"تفسير : . والفرق: مكيال يسع ستة عشر رطلا، وعن أم سلمة نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كل مسكر ومُفَتِّرِّ، أى ما يوقع الفتور فى الأعضاء، وصنف أبو على الجبائى من المعتزلة، صنف عدة كتب فى تحليل النبيذ، فلما كبر سنه قيل: لو شربت منه ما تقوى به فأبى، فقيل: قد صنفت فى تحليله. فقال: تناولته الدعارة فقبح فى المروءة، أى تناوله الفسقة دون الصلحاء فقبح فى المروءة، التشبه بهم، ومثله ما روى عن بعض أصحاب أبى حنيفة: لأن أقول مراراً النبيذ حلال أحب إلى من أن أقول مرة هو حرام، ولأن آخِّر من السماء فأتقطع قطعاً أحب إلىَّ من أن أتناول منه قطرة.. وعن على: لو وقعت قطرة من الخمر فبنيت مكانها منارة لم أأَذِّن عليها ولو وقعت فى بحر ثم جف ونبت الكلأ لم أرعه. وعن عمر: لو أدخلت أصبعى فيه لم تتبعنى، وعنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : الخمر من هاتين الشجرتين: العنبة والنخلة"تفسير : يقول إن غالبها منهما أو أشدها منهما أو أن اسمهما لما اتخذ منهما وغيره يسمى عليهما بالقياس ولا بأس بنبيذ فى سقاء إذا انتهى فسد، وأما ما يزداد جودة كل ما ترك فحرام، وعن الحسن عن أنس: نزل تحريم الخمر ورجال من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فى بيت أبى طلحة، فلما سمعوا نداء المنادى بتحريم الخمر قالوا: يا أنس اكفى القلل. فقال بعضهم: حتى نأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فننظر ما الذى حرم علينا. فقالوا: لا والله لا نسمع هذا الصوت بعد هذه المرة فأهريقوها، قال أنس: كانت خمرهم يومئذ من بسر وتمر، وعن الحسين: كانت عندهم خمر بالمدينة يشربونها، فلما حرمت أهراقوها فى المدينة، فما ذهب ريحها من طرف المدينة ستة أشهر، وروىحديث : أنه قال رجل: يا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ألا نبيعها؟ فقال صلى الله عليه وسلم: "الخمر حرام، وهى ملعونة، وملعون الشارب والساقى والدال والعاصر والمعتصر والبائع والمشترى والحامل والمحمولة إليه وأكل الثمن"تفسير : ولم يحفظ عن النبى صلى الله عليه وسلم فى حد الخمر إلا أنه جلد أربعين، وروى أنه صلى الله عليه وسلم: ضربت فيها ضرباً مشاعاً وحزره أبو بكر أربعين سوطا، ثم تهافت الناس فيها فشدد الله عليهم الحد، وجعله كأخف الحدود ثمانين، ويجتنب من المضروب الوجه والقلب والدماغ والخصيتان، والميسر: القمار وهو مصدر، يقال يسرته إذا قمرته، سمى به القمار لأنه أخذ مال يسير لا بكد وتعب، فهو من اليسر بمعنى السهولة وهو قول مقاتل، وقيل: مشتق من اليسار، وهو الغنى، لأنه يسلب بيساره قال ابن عباس رضى الله عنهما: كان الرجل فى الجاهلية يقامر الرجل على أهله وماله، فأيهما قمر صاحبه ذهب بأهله وماله، فنزلت الآية، ولا بد للميسر من قدح وهو السهم، وقداحه عشر لسبعة منها أنصباء على كل واحد أربعة خطوط، فذلك ثمانية وعشرون، وإن شاءوا زادوا فى بعض، ونقصوا عن بعض، مثل أن يجعل فى واحد اثنين وفى آخر ستة، والنصيب بقدر الخط والثلاثة غفل لا خط فيها، فلا نصيب لها، وتسمى أقلاماً وأزلاما، فالسبعة: الفذ والقوام والرقيب والحلس - بفتح الحاء وكسر اللام - وقيل بكسر الحاء وسكون اللام، والنافس والمسبل والمعلا، والثلاثة: السفيح والمنيح والوغد، يقتسمون الجزور بعد نحرها سبعة أجزاء، عدد القداح عند الجمهور، وقال الأصمعى: ثمانية وعشرين عدد الخطوط، ولعل بعض العرب يفعله، وبعضا يفعل ذلك، وظاهر كلام بعض أن على الفذ خطا واحداً، وله سهم، وعلى التوام خطين وله سهمان، وعلى الرقيب ثلاثة خطوط وله ثلاثة أسهم، وعلى الحلس أربعة خطوط وله أربعة أسهم، وعلى النافس خمس خطوط وله خمسة أسهم، وعلى المسبل ستة خطوط وله ستة أسهم، وعلى المعلا سبعة خطوط وله سبعة أسهم وهو الصحيح، وإذا أرادوا أن يشتروا جزوراً نسيئة ونحروها وقسموها عشرة أو ثمانية وعشرين أو سبعة أقوال، ولعل ذلك باختلاف العرب فى فعلها، ويجمعون القداح العشرة فى خريطة تسمى الربابة، ويجعلونها فى يد عدل، ويحركها فيدخل يده ويخرج باسم كل رجل قدحاً، فمن خرج له قدح من ذوات الأنصباء أخذ النصيب الموسوم به ذلك القدح، ومن خرج له قدح لا نصيب له لم يأخذ شيئا وغرم ثمن الجزور، ومن خرج له قدح ولم يبق له شئ من الأقسام العشرة، كما إذا خرج أولا المعلى، ثم الرقيب، فلصاحب المعلى سبعة أعشار، ولصاحب الرقيب ثلاثة، ولا يبقى لمن بعده شئ فلا غنم ولا غرم عليه، وكذا إن خرج أولا المعلى، فله سبعة ثم المسبل فليس له إلا ما بقى وهو ثلاثة، وأصحاب الميسر ثلاثة أقسام فائزون بنصيب من الجزور، ومحرومون بلا غنم، ومحرومون غارمون، وإن قسمت الجزور ثمانية وعشرين جزءاً فهم قسمان: غانم وغارم، ومن عادتهم أن يدفع الغانمون ما غنموه إلى الفقراء ولا يأكلون منه، ويفخرون بذلك، ويذمون من لا يدخل ويسمونه الوغد - وهو اللئيم عديم المروءة والكرم. واختلف فى الميسر، فقيل اسم لذلك خاصة، وأما فى المعنى والحرمة فكل ما أشبه ذلك حرام، وقيل اسم له ونحوه. قال ابن سيرين والحسن وابن المسيب ومجاهد وعطاء وطاووس: وكل قمار ميسر من نرد وشطرنج ونحوه، حتى لعب الصبيان بالجوز والكعاب، وهو قول ابن عباس وابن عمر، قال ابن سيرين: كل شئ فيه قهر فهو من الميسر، حديث : وعنه صلى الله عليه وسلم فى النرد والشطرنج: "إياكم وهاتين اللعبتين فإنهما من ميسر العجم"تفسير : يشير إلى ما ذكر من الأقداح من الجزور ميسر العرب، وأما السبق فى الخف والحافر والنشاب فجائز بالحديث والأثر وعن الشافعى: إذا خلا الشطرنج عن البرهان واللسان عن الطغيان والصلاة عن النسيان لم يكن حراماً، لأن الميسر ما يوجب دفع مال وأخذ مال، وهذا ليس كذلك، وتقدم الكلام على أن الحل والحرمة والإثم والطاعة من عوارض أفعال المكلفين ولا إثم فى ذوات الأشياء وأعيانها، فالمعنى ويسألك المؤمنون عن تناول الخمر والميسر أحرام أو حلال لا عن حقيقتهما. {قُلْ فِيهِما}: أى فى تناولهما. {إثْمٌ كبيرٌ}: وقرأ حمزة والكسائى كثير بثاء مثلثة وقرأ أبى أقرب وذلك من شرب الخمر، يؤدى إلى الإعراض عن الحق، فشار بها يشتم غيره ويخاصم ويضرب ويفحش ويزور. قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : اجتنبوا الخمر فإنها أم الخبائث"تفسير : ، ومر ابن أبى الدنيا على سكران أن يبول فى يده ويغسل به وجه كهيئة المتوضئ، ويقول الحمد لله الذى جعل الإسلام نوراً والماء طهوراً، وقيل فى الجاهلية لابن مرداش لم لا تشرب الخمر فإنها تزيد فى جراءتك؟ فقال: ما أنا بآخذ جهلى بيدى فأدخله فى جوفى، ولا أرضى أن أصبح سيد قومى وأمسى سفيههم. وأنهم كانوا يتقامرون حتى لا يبقى لأحدهم شئ ويتوارثون العداوة فى ذلك والمشاتمة، لأخذ ماله بلا عوض، وبلا رضاً من نفسه، وفيه وفى الخمر شغل عن ذكر الله وعن الصلاة، وقد ذكر الله فى سورة المائدة ذلك الإثم لقوله:{أية : إنما يريد الشيطان أَن يوقع بينكم العداوة والبغضاء}،تفسير : إلى قوله:{أية : وعن الصلاة}. تفسير : {ومَنَافِع للناسِ}: ككسب الأموال: بالخمر واللذة بشربها، وتقوية الضعيف وهضم الطعام، والإعانة على الباه وتسلية المخزون، وتشجيع للجبان، وتسخية البخيل، وتصفية اللون، وتنعيش الحرارة الغزيزة والزيادة فى الصحة، والمؤمن يكفيه إيمانه فى ذلك كله، ويستغنى فى خبثها، وكالتوسعة للفقراء المحتاجين بالميسر، لأن نصيب الغانم منها عائد إليهم حتى إنه قد يحصل للواحد فى المجلس الواحد مائة بعير، يفرقها للفقراء ويكسب المدح والثناء. {وإثْمُهما أكْبرُ مِنْ نَفْعِهِما}: أى الذنب الذى يحصل بهما كالاشتغال عن الصلاة والذكر بهما، والضرب والشتم فى الخمر أكبر من النفع الذى يحصل بهما، لأنه الذنب يضر بالآخرة ولو قصد بهما أمر الدنيا كالشجاعة فى الحرب والسخاء، ونفع الفقراء، فإنه لا عذر فى الاشتغال عن الصلاة والذكر، ولا عذر فيما فعل السكران، ولو قيل تحريم الخمر فإنه يعنف ويغرم، وقيل الإثم للفساد فإما أن يراد أن المفاسد الدينية التى تحصل منهما أكبر المنافع الدنيوية الحاصلة بها، وإما أن يراد ما فيهما من الجناية كالضرب والشتم المؤديين إلى غرم الأموال، وكالعداوة المورثة بالقمار فقيل إن الخمر حرمت بقوله: {وإثمهما أكبر من نفعهما} لأن المفسدة إذا ترجحت على المصلحة اقتضت تحريم الفعل، وفى هذا القول تلويح بأن التحسين والتقبيح عقليان، وهو مذهب المعتزلة، وهو باطل، وعن ابن عباس والربيع: الإثم فيهما بعد التحريم يعنيان الذنب والنفع قبله. {وَيَسْألْونكَ ماذَا يُنْفِقُونَ}: قيل حثهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على الصدقة فقالوا: ماذا ننفق، وقيل سأل عمر وبن الجموح رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما الذى أنفق؟ أقليلا أنفق أم كثيراً؟ فكأنه قال: ما مقدار ما ينفقون؟ سأل هنالك عن نفس ما ينفق وعمن ينفق عليه، وهنا عن كميته واللفظ واحد، ويعلم ما سأل عنه فى ذلك من الجواب فى الموضعين، فإن الجواب بالعفو وما هو تيسر دليل على أن السؤال عن الكمية هنا، ولو كان كثيراً ما يجاب بغير ما سئل عنه لعلة، وإنما يجمع مع أن السائل واحد، لأن غيره راض بسؤاله مصغ إلى الجواب، ومحتاج إلى ما احتاج إليه من السؤال، وربما أنفقوا أيضاً فقدموا للسؤال قبل أن ينزل آية الزكاة. قال القرطبى: لما نزل فى سؤال عمرو بن الجموح:{أية : قل ما أنفقتم من خير فللوالدين}،تفسير : قال أيضاً: كم أنفق؟ فنزل قوله تعالى: {قُلِ العَفْوَ}: أى قل أنفقوا العفو وهو ما تيسر، بأن فضل عن الحاجة، فكان سهلا لا مشقة فى إنفاقه، فكأنه قال أنفقوا ما سهل وتيسر، ولم يشق عليكم إنفاقه، ولا تنفقوا ما تحتاجون إليه، فتضيعوا أنفسكم، قال الشاعر يخاطب زوجته: شعر : خذى العفو منى تستديمى مودتى ولا تنطقى فى سورتى حين أغضب فإنى رأيت الحب فى الصدر والأذى إذا اجتمعا لم يلبث الحب يذهب تفسير : أى خذى من أخلاقى ما يكون سهلا، ولا تنطقى فى حدتى وشدة غضبى. وعن ابن عباس رضى الله عنهما: العفو من المال ما فضل عن حاجة العيال، كما يقال للأرض السهلة عفو، وأصل العفو الزيادة أو الكثرة، وهو ما زاد عن حاجة العيال. وروىحديث : أن رجلا أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ببيضة من ذهب أصابها فى بعض الغنائم فقال: خذها منى صدقة، فأعرض عنه، فأتاه من الجانب الإيمن فقال مثل ذلك، فأعرض عنه، ثم أتاه من الجانب الأيسر فأعرض عنه، فقال: هاتها مغضبا فأخذها فحذفها حذفاً لو أصابه لشجه أو عقره، ثم قال: "يأتى أحدكم بماله كله يتصدق به ويجلس يتكفف الناس، إنما الصدقة عن ظهر غنى"تفسير : والحذف: بالحاء المهملة الرمى، والتكفف: السؤال بالكف، أو سؤال الكفاف، وظهر الغنى: التمكن على الصدقة بحسب الغنى، وذكر الظهر؛ ليدل على الاستظهار عليها بالغناء، فكان الرجل بعد نزول هذه الآية يأخذ من كسبه ومن ماله وما يكفيه فى عامه وينفق باقيه إلى أن فرضت الزكاة فنسخت هذه الآية، وعن الحسن عنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى وابدأ بمن تعول ولا يلوم الله على الكفاف"تفسير : ، وعن جابر بن عبد الله عنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : إذا كان أحدكم فقيراً فلبيدأ بنفسه ثم بمن يعول، ثم قرابته، فإن فضل شئ فها هنا وهنا"تفسير : يشير إلى يمينه ويساره وأمامه وخلفه، وقيل: العفو ما زاد على ألف درهم بنفقه ويمسك الألف أو قيمتها ذهباً، وقيل: يمسك ثلث ماله وإن كان أهل ثمار أمسك ما يكفيه عامه، وإن كان يكسب أمسك ما يكفيه يومه، فشق ذلك فنزلة (الآية) الزكاة، وعن ابن عباس: العفو القليل الذى لا يتبين خروجه من المال، ومثله عن طاووس، وقال الحسن وعطاء: ما ليس إسرافاً ولا إقتارا، وعن مجاهد: العفو الصدقة عن ظهر غنى وقال قتادة: العفو أفضل المال وأطيبه، وقال الربيع: العفو ما طاب، من المال، وقيل: العفو ما لا إسراف فيه ولا إقتار، وقيل: لو كانت الآية فى الزكاة لبينت فيها وليس كذلك لجواز إن تبينه السنة، وأجاز أبو مسلم أن يكون العفو الزكاة، ذكرت إجمالا فى السنة الأولى، فكانوا يصدقون ما يفضل عن العام، ذلك تفويض فيها إلى رأيهم ثم فصلت فى الثانية وأجير أن تكون الزكاة ذكرت إجمالا فى الآية، وذكرت فى غيرها تفصيلا، وفى وقت إجمال الآية يعملون بالتفصيل، وقرأ أبو عمر وبرفع العفو، أى هو العفو. {كَذلِكَ}: متعلق بما بعد، أو نعتاً لمصدر محذوف، أى تبييناً ثابتاً كذلك أو تبييناً مثل ذلك، والإشارة إلى المذكور من البيان فى قوله تعالى: {قُلْ فِيهِمَا إثمْ كَبِيرٌ}، وقوله تعالى: {قل العفو} والخطاب للنبى صلى الله عليه وسلم، أو لكل من يصلح له، ولا مانع من خطاب الواحد من جماعة هو منها قد خوطبت أيضاً، أو الجماعة المخاطبة بعد أيضاً لتأويلها بالواحد كالقبيل والجمع والفرق، وما ذكرته صحيح، لأن خطابه صلى الله عليه وسلم خطاب للجميع، ولأن خطاب من يصلح خطاب للجميع على سبيل الشمول البدلى وكأنه قيل: {يُبيِّن لكُم الآيَات}: تبييناً مثل ذلك التبيين الواقع فى جواب سؤالهم عن الخمر والميسر، وجواب سؤالهم عن الخمر والميسر، وجواب سؤالهم عن كم ينفقون. {لَعَلَكُم تَتَفكَّرُون}: فى الدلائل والأحكام.
اطفيش
تفسير : {إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ} أوطانهم، أى فيه، أى فى سبيل الله {وَجَٰهَدُواْ} لمغوا جهدهم فى قتال أهل الشرك {فِى سَبِيلِ} أى لسبيل، أى لإعلاء سبيل {اللهِ} أى دينه، هم السرية، والأولى العموم، فيدخلون به، وكل من الإيمان والمهاجرة والجهاد فى سبيل الله صفات لهم، ولكن أعاد لفظ الذين إعظاماً لشان الهجرة والجهاد كأنهما مستقلان برجاء رحمة الله لهم ظنوا هم أو غيرهم أنهم آثمون فى القتل والأسر والغنم، وأنهم إن لم يأثتمو فلا أجر لهجرتهم وجهادهم، فأخبرهم الله أنهم أهل للرجاء للرحمة، وأهل للرحمة والغفران، تفضلا من الله حل وعلا، كما قال {أُوْلَٰئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ رَبِّهِمْ} إنعامه {وَاللهُ غَفَورٌ رَّحِيمٌ} لكل أحد إلا من هرب بالإصرار.
الالوسي
تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ} أخرج ابن أبـي حاتم والطبراني في «الكبير» من حديث جندب بن عبد الله أنها نزلت في السرية لما ظن بهم أنهم إن سلموا من الإثم فليس لهم أجر. {وَٱلَّذِينَ هَـٰجَرُواْ} أي فارقوا أوطانهم، وأصله من الهجر ضد الوصل. {وَجَـٰهَدُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} لإعلاء دينه وإنما كرر الموصول مع أن المراد بهما واحد لتفخيم شأن الهجرة والجهاد فكأنهما وإن كانا مشروطين بالإيمان في الواقع مستقلان في تحقق الرجاء، وقدم الهجرة على الجهاد لتقدمها عليه في الوقوع تقدم الإيمان عليهما. {أُوْلَـٰئِكَ} المنعوتون بالنعوت الجليلة {يَرْجُونَ رَحْمَتَ ٱللَّهِ} أي يؤملون تعلق رحمته سبحانه بهم أو ثوابه على أعمالهم، ومنها تلك الغزاة في الشهر الحرام، واقتصر البعض عليها بناءاً على ما رواه الزهري أنه لما فرج الله تعالى عن أهل تلك السرية ما كانوا فيه من غم طمعوا فيما عند الله تعالى من ثوابه فقالوا: يا نبـي الله أنطمع أن تكون غزوة نعطي فيها أجر المهاجرين في سبيل الله تعالى فأنزل الله تعالى هذه الآية، ولا يخفى أن العموم أعم نفعاً وأثبت لهم الرجاء دون الفوز بالمرجو للإشارة إلى أن العمل غير موجب إذ لا استحقاق به ولا يدل دلالة قطعية على تحقق الثواب إذ لا علاقة عقلية بينهما وإنما هو تفضل منه تعالى سيما والعبرة بالخواتيم فلعله يحدث بعد ذلك ما يوجب الحبوط ولقد وقع ذلك والعياذ بالله تعالى كثيراً فلا ينبغي الاتكال على العمل {وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} تذييل لما تقدم وتأكيد له ولم يذكر المغفرة فيما تقدم لأن رجاء الرحمة يدل عليها وقدم وصف المغفرة لأن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح.
ابن عاشور
تفسير : قال الفخر: في تعلق هذه الآية بما قبلها وجهان، أحدهما: أن عبد الله بن جحش قال: يا رسول الله هب أنه لا عقاب علينا فيما فعلنا، فهل نطمع منه أجراً أو ثواباً؟ فنزلت هذه الآية؛ لأن عبد الله كان مؤمناً ومهاجراً وكان بسبب هذه المقاتلة مجاهداً (يعني فتحققت فيه الأوصاف الثلاثة). الثاني: أنه تعالى لما أوجب الجهاد بقوله: { أية : كُتب عليكم القتال } تفسير : [البقرة: 216] أَتبع ذلك بذكر من يقول به اهـ، والذي يظهر لي أن تعقيب ما قبلها بها من باب تعقيب الإنذار بالبشارة وتنزيه للمؤمنين من احتمال ارتدادهم فإن المهاجرين لم يرتد منهم أحد. وهذه الجملة معترضة بين آيات التشريع. و (الذين هاجروا) هم الذين خرجوا من مكة إلى المدينة فراراً بدينهم، مشتق من الهَجْر وهو الفراق، وإنما اشتق منه وزن المفاعلة للدلالة على أنه هجر نشأ عن عداوة من الجانبين فكل من المنتقِل والمنتقَل عنه قد هجر الآخر وطلب بُعده، أو المفاعلة للمبالغة كقولهم: عافاك الله فيدل على أنه هجر قوماً هَجراً شديداً، قال عبدة بن الطيب: شعر : إنَّ التي ضَرَبَتْ بيتاً مُهاجَرَةً بكوفةِ الجند غَالت وُدَّها غول تفسير : والمجاهدة مفاعلة مشتقة من الجَهْد وهو المشقة وهي القتال لما فيه من بذل الجهد كالمفاعلة للمبالغة، وقيل: لأنه يضم جُهده إلى جُهد آخر في نصر الدين مثل المساعدة وهي ضم الرجل ساعده إلى ساعد آخر للإعانة والقوة، فالمفاعلة بمعنى الضم والتكرير، وقيل: لأن المجاهِد يبذل جهده في قتال من يبذل جهده كذلك لقتاله فهي مفاعلة حقيقية. و(في) للتعليل. و(سبيل الله) ما يوصل إلى رضاه وإقامةِ دينه، والجهاد والمجاهدة من المصطلحات القرآنية الإسلامية. وكرر الموصول لتعظيم الهجرة والجهاد كأنهما مستقلان في تحقيق الرجاء. وجيء باسم الإشارة للدلالة على أن رجاءهم رحمةَ الله لأجل إيمانهم وهجرتهم وجهادهم، فتأكد بذلك ما يدل عليه الموصول من الإيماء إلى وجه بناءِ الخبر، وإنما احتيج لتأكيده لأن الصلتين لما كانتا مما اشتهر بهما المسلمون وطائفة منهم صارتا كاللقب؛ إذ يطلق على المسلمين يومئذٍ في لسان الشرع اسم الذين آمنوا كما يطلق على مسلمي قريش يومئذٍ اسم المهاجرين فأكد قَصدُ الدلالة على وجه بناء الخبر من الموصول. والرجاء: ترقب الخير مع تغليب ظن حصوله، فإن وعد الله وإن كان لا يخلف فضلاً منه وصدقاً، ولكن الخواتم مجهولة ومصادفة العمل لمراد الله قد تفوت لموانع لا يدريها المكلف ولئلا يتكلوا في الاعتماد على العمل.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 218- وإن الذين آمنوا إيماناً صادقاً دفعهم إلى الهجرة لنصرة الدين والجهاد لإعلاء كلمته فأولئك ينتظرون عظيم ثواب الله لهم، وإن قصروا فى شئ، لأن الله غفور يغفر الذنوب، رحيم يرحم عباده بالهداية والثواب. 219- ويسألونك - يا محمد - عن حكم الخمر والقمار، فقل: إن فيهما ضرراً كبيراً من إفساد الصحة وذهاب العقل والمال وإثارة البغضاء والعدوان بين الناس، وفيهما منافع كالتسلية والربح السهل وبعض المنافع الصحية والربح السهل، ولكن ضررهما أكبر من نفعهما فاجتنبوهما. ويسألونك عمَّا ينفقون، فأجبهم أن ينفقوا فى ذات الله السهل اليسير الذى لا يشق عليكم إنفاقه، كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون فيما يعود عليكم من مصالح الدنيا والآخرة.
القطان
تفسير : بعد ان ذكر الله حكم المرتدين، بين لنا هنا جزاء المؤمنين المهاجرين والمجاهدين في سبيله فقال تعالى: ان المؤمنين الذين ثبتوا على ايمانهم او هاجروا فراراً بدينهم، لإعلاء كلمة الله، ولينصروا الله ورسوله ـ هم الذين يرجون رحمة الله وينتظرون عظيم ثوابه. وهم جديرون بـأن ينالوا ذلك، والله واسع المغفرة للتائبين، عظيم الرحمة بالمؤمنين.
د. أسعد حومد
تفسير : {آمَنُواْ} {وَجَاهَدُواْ} {أُوْلۤـٰئِكَ} {رَحْمَةَ} (218) - يَعِدُ اللهُ تَعَالَى المُؤْمِنينَ الذِينَ دَفَعَهُمْ إِيمَانُهُمُ الصَّادِقُ إِلى الهِجْرَةِ، وَإِلى الجِهَادِ مَعَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم، لِنَصْرِ دِينِ اللهِ، وَرَدِّ أَذَى الكُفَّارِ، وَإِلى الصَّبْرِ عَلَى مَا يُصِيبُهُمْ مِنْ أَذَى المُشْرِكِينَ فِي سَبيلِ عَقِيدَتِهِمْ وَإِيمَانِهِم، بِإِحْدَى الحُسْنَيَيْنِ: النَّصْرِ أَوِ الشَّهَادَةِ، وَهؤُلاءِ المُؤْمِنُونَ الصَّابِرُونَ هُمُ الذينَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ رَبِّهِمْ، وَاللهُ تَعَالَى لا يُخَيِّبُ رَجَاءَهُمْ، وَهُوَ وَاسِعُ المَغْفِرَةِ للتَّائِبِينَ المُسْتَغْفِرِينَ، عَظِيمُ الرَّحْمَةِ بِالمُؤْمِنِينَ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : إن الآية قد عددت ثلاثة أصناف: الصنف الأول هم الذين آمنوا، والصنف الثاني هم الذين هاجروا، والصنف الثالث هم الذين جاهدوا. إن الذين آمنوا إيماناً خالصاً لوجه الله، وهاجروا لنصرة الدين، وجاهدوا من أجل أن تعلو كلمة الإسلام هؤلاء قد فعلوا كل ذلك وهم يرجون رحمة الله. ولقائل أن يقول: أليست الرحمة مسألة متيقنة عندهم؟ ونقول: ليس للعبد عند الله أمر متيقن؛ لأنك قد لا تفطن إلى بعض ذنوبك التي لم تُحسن التوبة منها، ولا التوبة عنها. وعليك أن تضع ذلك في بالك دائماً، وأن تتيقن من استحضار نية الإخلاص لله في كل عمل تقوم به؛ فقد تحدثك نفسك بشيء قد يفسد عليك عملك، وكذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو سيد الخلق وسيد الموصولين بربهم يقول: "حديث : اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع وعمل لا يُرفع ودعاء لا يُسمع ". تفسير : إن الرسول الكريم وهو سيد المحتسبين في كل أعماله يعلمنا أن النفس قد تخالط صاحبها بشيء يفسد الطاعة. وعلى المسلم أن يظل في محل الرجاء. والمؤمن الذي يثق في ربه لا يقول: إن على الله واجباً أن يعمل لي كذا؛ لأن أصل عبادتك لله سبق أن دُفع ثمنها، وما تناله من بعد ذلك هو فضل من الله عليك، مدفوع ثمنها لك إيجاداً من عدم وإمداداً من عُدْم، ومدفوع ثمنها بأن متعك الله بكل هذه الأشياء، فلو قارنت بين ما طلبه الله منك - على فرض أنك لا تستفيد منه - فقد أفدت ممّا قدم لك أوّلا، وكل خير يأتيك من بعد ذلك هو من فضل الله عليك، والفضل يُرجى ولا يُتيقن. وعظمة الحق سبحانه وتعالى في أنك تدعوه خوفاً وطمعاً. ويقول هذا المثل - ولله المثل الأعلى - إن من عظمتك أمام والدك أنك تجد لك أباً تخاف منه، وترغب أن يحقق لك بعضاً من أحلامك، ولو اختلت واحدة من الاثنتين لاختلت الأبوة والبنوة. كذلك عظمة الرب يُرغب ويُرهب: إن رغبت فيه ولم ترهبه فأنت ناقص الإيمان، وإن رهبت ولم ترغب فإيمانك ناقص أيضاً، لذلك لابد من تلازم الاثنين: الرهبة والرغبة. ولو تبصّر الإنسان ما فرضه الله عليه من تكاليف إيمانية لوجد أنه يفيد من هذه التكاليف أضعافاً مضاعفة. فكل ما يجازي به الله عباده إنّما هو الفضل، وهو الزيادة. وكل رزق للإنسان إنما هو محض الفضل. ومحض الفضل يُرجى ولا يُتيقن. وها هو ذا الحق يقول: {أية : ٱدْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ * وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي ٱلأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا وَٱدْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً إِنَّ رَحْمَتَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ ٱلْمُحْسِنِينَ }تفسير : [الأعراف: 55-56]. إن الدنيا كلها مسخرة تحت قهر الرحمن ومشيئته وتسخيره، وله تمام التصرف في كل الكائنات وهو الخالق البديع، لذلك فليدع الإنسان الله بخشوع وخضوع في السر والعلانية، والحق لا يحب من يعتدي بالقول أو الرياء أو الإيذاء. إن الإيمان يجب أن يكون خالصاً لله، فلا يفسد الإنسان الأرض بالشرك أو المعصية؛ لأن الحق قد وضع المنهج الحق لصلاح الدنيا وهو القرآن، ورسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورحمة الله قريبة من المطيعين للحق جل وعلا. إن عظمة الرب في أنه يُرغب ويُرهب؛ إن رغبت فيه ولم ترهبه فعملك غير مقبول، وإن رهبته ولم ترغبه فعملك غير مقبول. إن الرغب والرهب مطلوبان معاً، لذلك فالمؤمن المجاهد في سبيل الله يرجو رحمة الله. والحق يقول: {أُوْلـٰئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ ٱللَّهِ} [البقرة: 218] ما هي الرحمة؟ الرحمة ألا تبتلى بالألم من أول الأمر، والحق سبحانه وتعالى يقول: {أية : وَنُنَزِّلُ مِنَ ٱلْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَآءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ}تفسير : [الإسراء: 82]. الشفاء هو أن تكون مصاباً بداء ويبرئك الله منه، لكن الرحمة، هي ألا يأتي الداء أصلاً {وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [البقرة: 218]. والله سبحانه وتعالى يعلم عن عباده أن أحداً منهم قد لا يبرأ من أن يكون له ذنب. فلو حاسبنا بالمعايير المضبوطة تماماً فلسوف يتعب الإنسان منا، ولذلك أحب أن أقول - دائماً - مع إخواني هذا الدعاء: "اللهم بالفضل لا بالعدل وبالإحسان لا بالميزان وبالخير لا بالحساب". أي عاملنا بالفضل لا بالعدل، وبإحسانك لا بالميزان، لأن الميزان يتعبنا. ولقد علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن دخول الجنة لا يكون بالأعمال وحدها، ولكن بفضل الله ورحمته ومغفرته. إن الرسول الكريم يقول: "حديث : لن يدخل أحدكم الجنة بعمله. فقالوا: ولا أنت يا رسول الله، قال: ولا أنا حتى يتغمدني الله برحمته ". تفسير : إذن فالمؤمن يرجو الله ولا يشترط على الله، إن المؤمن يتجه بعمله خالصاً لله يرجو التقبل والمغفرة والرحمة، وكل ذلك من فضل الله. ويأتي الحق لسؤال آخر: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ ...}.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : هذه الأعمال الثلاثة، هي عنوان السعادة وقطب رحى العبودية، وبها يعرف ما مع الإنسان، من الربح والخسران، فأما الإيمان، فلا تسأل عن فضيلته، وكيف تسأل عن شيء هو الفاصل بين أهل السعادة وأهل الشقاوة، وأهل الجنة من أهل النار؟ وهو الذي إذا كان مع العبد، قبلت أعمال الخير منه، وإذا عدم منه لم يقبل له صرف ولا عدل، ولا فرض، ولا نفل. وأما الهجرة: فهي مفارقة المحبوب المألوف، لرضا الله تعالى، فيترك المهاجر وطنه وأمواله، وأهله، وخلانه، تقربا إلى الله ونصرة لدينه. وأما الجهاد: فهو بذل الجهد في مقارعة الأعداء، والسعي التام في نصرة دين الله، وقمع دين الشيطان، وهو ذروة الأعمال الصالحة، وجزاؤه، أفضل الجزاء، وهو السبب الأكبر، لتوسيع دائرة الإسلام وخذلان عباد الأصنام، وأمن المسلمين على أنفسهم وأموالهم وأولادهم. فمن قام بهذه الأعمال الثلاثة على لأوائها ومشقتها كان لغيرها أشد قياما به وتكميلا. فحقيق بهؤلاء أن يكونوا هم الراجون رحمة الله، لأنهم أتوا بالسبب الموجب للرحمة، وفي هذا دليل على أن الرجاء لا يكون إلا بعد القيام بأسباب السعادة، وأما الرجاء المقارن للكسل، وعدم القيام بالأسباب، فهذا عجز وتمن وغرور، وهو دال على ضعف همة صاحبه، ونقص عقله، بمنزلة من يرجو وجود ولد بلا نكاح، ووجود الغلة بلا بذر وسقي، ونحو ذلك. وفي قوله: { أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ } إشارة إلى أن العبد ولو أتى من الأعمال بما أتى به لا ينبغي له أن يعتمد عليها، ويعول عليها، بل يرجو رحمة ربه، ويرجو قبول أعماله ومغفرة ذنوبه، وستر عيوبه. ولهذا قال: { وَاللَّهُ غَفُورٌ } أي: لمن تاب توبة نصوحا { رَحِيمٌ } وسعت رحمته كل شيء، وعم جوده وإحسانه كل حي. وفي هذا دليل على أن من قام بهذه الأعمال المذكورة، حصل له مغفرة الله، إذ الحسنات يذهبن السيئات وحصلت له رحمة الله. وإذا حصلت له المغفرة، اندفعت عنه عقوبات الدنيا والآخرة، التي هي آثار الذنوب، التي قد غفرت واضمحلت آثارها، وإذا حصلت له الرحمة، حصل على كل خير في الدنيا والآخرة؛ بل أعمالهم المذكورة من رحمة الله بهم، فلولا توفيقه إياهم، لم يريدوها، ولولا إقدارهم عليها، لم يقدروا عليها، ولولا إحسانه لم يتمها ويقبلها منهم، فله الفضل أولا وآخرا، وهو الذي منّ بالسبب والمسبب.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):