Verse. 226 (AR)

٢ - ٱلْبَقَرَة

2 - Al-Baqara (AR)

يَسْــَٔـلُوْنَكَ عَنِ الْخَــمْرِ وَالْمَيْسِرِ۝۰ۭ قُلْ فِيْہِمَاۗ اِثْمٌ كَبِيْرٌ وَّمَنَافِعُ لِلنَّاسِ۝۰ۡوَاِثْـمُہُمَاۗ اَكْبَرُ مِنْ نَّفْعِہِمَا۝۰ۭ وَيَسْــَٔـلُوْنَكَ مَاذَا يُنْفِقُوْنَ۝۰ۥۭ قُلِ الْعَفْوَ۝۰ۭ كَذٰلِكَ يُـبَيِّنُ اللہُ لَكُمُ الْاٰيٰتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُوْنَ۝۲۱۹ۙ
Yasaloonaka AAani alkhamri waalmaysiri qul feehima ithmun kabeerun wamanafiAAu lilnnasi waithmuhuma akbaru min nafAAihima wayasaloonaka matha yunfiqoona quli alAAafwa kathalika yubayyinu Allahu lakumu alayati laAAallakum tatafakkaroona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«يسألونك عن الخمر والميسر» القمار ما حكمهما «قل» لهم «فيهما» أي في تعاطيهما «إثم كبير» عظيم وفي قراءة بالمثلثة لما يحصل بسببهما من المخاصمة والمشاتمة وقول الفحش «ومنافع للناس» باللذة والفرح في الخمر وإصابة المال بلا كد في الميسر «وإثمهما» أي ما ينشأ عنهما من المفاسد «أكبر» أعظم «من نفعهما» ولما نزلت شربها قوم وامتنع عنها آخرون إلى أن حرمتها آية المائدة «ويسألونك ماذا ينفقون» أي ما قدره «قل» أنفقوا «العفو» أي الفاضل عن الحاجة ولا تنفقوا ما تحتاجون إليه وتضيعوا أنفسكم وفي قراءة بالرفع بتقدير هو «كذلك» أي كما بين لكم ما ذكر «يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون».

219

Tafseer

الرازي

تفسير : الحكـم الثالث في الخمر اعلم أن قوله: {يَسْـئَلُونَكَ عَنِ ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ } ليس فيه بيان أنهم عن أي شيء سألوا، فإنه يحتمل أنهم سألوا عن حقيقته وماهيته، ويحتمل أنهم سألوا عن حل الانتفاع به، ويحتمل أنهم سألوا عن حل شربه وحرمته إلا أنه تعالى لما أجاب بذكر الحرمة دل تخصيص الجواب على أن ذلك السؤال كان وقعاً عن الحل والحرمة. وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قالوا: نزلت في الخمر أربع آيات، نزل بمكة قوله تعالى: {أية : وَمِن ثَمَرٰتِ ٱلنَّخِيلِ وَٱلأَعْنَـٰبِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا } تفسير : [النحل: 67] وكان المسلمون يشربونها وهي حلال لهم، ثم إن عمر ومعاذاً ونفراً من الصحابة قالوا: يا رسول الله أفتنا في الخمر، فإنها مذهبة للعقل، مسلبة للمال، فنزل فيها قوله تعالى: {قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَـٰفِعُ لِلنَّاسِ } فشربها قوم وتركها آخرون، ثم دعا عبد الرحمن بن عوف ناساً منهم، فشربوا وسكروا، فقام بعضهم يصلي فقرأ: قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون، فنزلت: {أية : لاَ تَقْرَبُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَنتُمْ سُكَـٰرَىٰ } تفسير : [النساء: 43] فقل من شربها، ثم اجتمع قوم من الأنصار وفيهم سعد بن أبـي وقاص، فلما سكروا افتخروا وتناشدوا الأشعار حتى أنشد سعد شعراً فيه هجاء للأنصار، فضربه أنصاري بلحى بعير فشجه شجة موضحة، فشكا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عمر: اللهم بين لنا في الخمر بياناً شافياً فنزل: {إِنَّمَا ٱلْخَمْرُ وَٱلْمَيْسِرُ } إلى قوله: {أية : فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ } تفسير : [المائدة: 91] فقال عمر: انتهينا يا رب، قال القفال رحمه الله: والحكمة في وقوع التحريم على هذا الترتيب أن الله تعالى علم أن القوم قد كانوا ألفوا شرب الخمر، وكان انتفاعهم بذلك كثيراً، فعلم أنه لو منعهم دفعة واحدة لشق ذلك عليهم، فلا جرم استعمل في التحريم هذا التدريج، وهذا الرفق، ومن الناس من قال بأن الله حرم الخمر والميسر بهذه الآية، ثم نزل قوله تعالى: {لاَ تَقْرَبُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَنتُمْ سُكَـٰرَىٰ } فاقتضى ذلك تحريم شرب الخمر وقت الصلاة، لأن شارب الخمر لا يمكنه أن يصلي إلا مع السكر، فكان المنع من ذلك منعاً من الشرب ضمناً، ثم نزلت آية المائدة فكانت في غاية القوة في التحريم، وعن الربيع بن أنس أن هذه الآية نزلت بعد تحريم الخمر. المسألة الثانية: اعلم أن عندنا أن هذه الآية دالة على تحريم الخمر فنفتقر إلى بيان أن الخمر ما هو؟ ثم إلى بيان أن هذه الآية دالة على تحريم شرب الخمر. أما المقام الأول: في بيان أن الخمر ما هو؟ قال الشافعي رحمه الله: كل شراب مسكر فهو خمر، وقال أبو حنيفة: الخمر عبارة عن عصير العنب الشديد الذي قذف بالزبد، حجة الشافعي على قوله وجوه أحدها: ما روى أبو داود في «سننه»: عن الشعبـي عن ابن عمر رضي الله عنهما، قال: نزل تحريم الخمر يوم نزل وهي من خمسة: من العنب، والتمر، والحنطة، والشعير، والذرة، والخمر ما خامر العقل، وجه الاستدلال به من ثلاثة أوجه أحدها: أن عمر رضي الله عنه أخبر أن الخمر حرمت يوم حرمت وهي تتخذ من الحنطة والشعير، كما أنها كانت تتخذ من العنب والتمر، وهذا يدل على أنهم كانوا يسمونها كلها خمراً وثانيها: أنه قال: حرمت الخمر يوم حرمت، وهي تتخذ من هذه الأشياء الخمس، وهذا كالتصريح بأن تحريم الخمر يتناول تحريم هذه الأنواع الخمسة وثالثها: أن عمر رضي الله عنه ألحق بها كل ما خامر العقل من شراب، ولا شك أن عمر كان عالماً باللغة، وروايته أن الخمر اسم لكل ما خامر العقل فغيره. الحجة الثانية: روى أبو داود عن النعمان بن بشير رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن من العنب خمراً، وإن من التمر خمراً، وإن من العسل خمراً، وإن من البر خمراً، وإن من الشعير خمراً»تفسير : والاستدلال به من وجهين أحدهما: أن هذا صريح في أن هذه الأشياء داخلة تحت اسم الخمر فتكون داخلة تحت الآية الدالة على تحريم الخمر والثاني: أنه ليس مقصود الشارع تعليم اللغات، فوجب أن يكون مراده من ذلك بيان أن الحكم الثابت في الخمر ثابت فيها، أو الحكم المشهور الذي اختص به الخمر هو حرمة الشرب، فوجب أن يكون ثابتاً في هذه الأشربة، قال الخطابـي رحمه الله: وتخصيص الخمر بهذه الأشياء الخمسة ليس لأجل أن الخمر لا يكون إلا من هذه الخمسة بأعيانها، وإنما جرى ذكرها خصوصاً لكونها معهودة في ذلك الزمان، فكل ما كان في معناها من ذرة أو سلت أو عصارة شجرة، فحكمها حكم هذه الخمسة، كما أن تخصيص الأشياء الستة بالذكر في خبر الربا لا يمنع من ثبوت حكم الربا في غيرها. الحجة الثالثة: روى أبو داود أيضاً عن نافع عن ابن عمر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : كل مسكر خمر، وكل مسكر حرام» تفسير : قال الخطابـي: قوله عليه السلام «حديث : كل مسكر خمر»تفسير : دل على وجهين أحدهما: أن الخمر اسم لكل ما وجد منه السكر من الأشربة كلها، والمقصود منه أن الآية لما دلت على تحريم الخمر، وكان مسمى الخمر مجهولاً للقوم حسن من الشارع أن يقال: مراد الله تعالى من هذه اللفظة هذا إما على سبيل أن هذا هو مسماه في اللغة العربية، أو على سبيل أن يضع اسماً شرعياً على سبيل الاحداث كما في الصلاة والصوم وغيرهما. والوجه الآخر: أن يكون معناه أنه كالخمر في الحرمة، وذلك لأن قوله هذا خمر فحقيقة هذا اللفظ يفيد كونه في نفسه خمراً فإن قام دليل على أن ذلك ممتنع وجب حمله مجازاً على المشابهة في الحكم، الذي هو خاصية ذلك الشيء. الحجة الرابعة: روى أبو داود عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البتع، فقال: «حديث : كل شراب أسكر فهو حرام»تفسير : قال الخطابـي: البتع شراب يتخذ من العسل، وفيه إبطال كل تأويل يذكره أصحاب تحليل الأنبذة، وإفساد لقول من قال: إن القليل من المسكر مباح، لأنه عليه السلام سئل عن نوع واحد من الأنبذة فأجاب عنه بتحريم الجنس، فيدخل فيه القليل والكثير منها، ولو كان هناك تفصيل في شيء من أنواعه ومقاديره لذكره ولم يهمله. الحجة الخامسة: روى أبو داود عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ما أسكر كثيره فقليله حرام»تفسير : . الحجة السادسة: روي أيضاً عن القاسم عن عائشة، قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : كل مسكر حرام وما أسكر منه الفرق فملء الكف منه حرام»تفسير : قال الخطابـي: «الفرق» مكيال يسع ستة عشر رطلاً، وفيه أبين البيان أن الحرمة شاملة لجميع أجزاء الشراب. الحجة السابعة: روى أبو داود عن شهر بن حوشب، عن أم سلمة، قالت: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كل مسكر ومفتر، قال الخطابـي: المفتر كل شراب يورث الفتور والخدر في الأعضاء، وهذا لا شك أنه متناول لجميع أنواع الأشربة، فهذه الأحاديث كلها دالة على أن كل مسكر فهو خمر، وهو حرام. النوع الثاني: من الدلائل على أن كل مسكر خمر التمسك بالاشتقاقات، قال أهل اللغة: أصل هذا الحرف التغطية، سمي الخمار خماراً لأنه يغطي رأس المرأة، والخمر ما واراك من شجر وغيره، من وهدة وأكمة، وخمرت رأس الإناء أي غطيته، والخامر هو الذي يكتم شهادته، قال ابن الأنباري: سميت خمراً لأنها تخامر العقل، أي تخالطه، يقال: خامره الداء إذا خالطه، وأنشد لكثير:شعر : هنيئاً مريئاً غير داء مخامر تفسير : ويقال خامر السقام كبده، وهذا الذي ذكره راجع إلى الأول، لأن الشيء إذا خالط الشيء صار بمنزلة الساتر له، فهذه الاشتقاقات دالة على أن الخمر ما يكون ساتراً للعقل، كما سميت مسكراً لأنها تسكر العقل أي تحجزه، وكأنها سميت بالمصدر من خمره خمراً إذا ستره للمبالغة، ويرجع حاصله إلى أن الخمر هو السكر، لأن السكر يغطي العقل، ويمنع من وصول نوره إلى الأعضاء، فهذه الاشتقاقات من أقوى الدلائل على أن مسمى الخمر هو المسكر، فكيف إذا انضافت الأحاديث الكثيرة إليه لا يقال هذا إثبات للغة بالقياس، وهو غير جائز، لأنا نقول: ليس هذا إثباتاً للغة بالقياس، بل هو تعيين المسمى بواسطة هذه الاشتقاقات، كما أن أصحاب أبـي حنيفة رحمهم الله يقولون إن مسمى النكاح هو الوطء ويثبتونه بالاشتقاقات، ومسمى الصوم هو الإمساك، ويثبتونه بالاشتقاقات. النوع الثالث: من الدلائل الدالة على أن الخمر هو المسكر، أن الأمة مجمعة على أن الآيات الواردة في الخمر ثلاثة واثنان منها وردا بلفظ الخمر أحدهما: هذه الآية والثانية: آية المائدة والثالثة: وردت في السكر وهو قوله: {أية : لاَ تَقْرَبُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَنتُمْ سُكَـٰرَىٰ } تفسير : [النساء: 43] وهذا يدل على أن المراد من الخمر هو المسكر. النوع الرابع: من الحجة أن سبب تحريم الخمر هو أن عمر ومعاذاً قالا: يا رسول الله إن الخمر مسلبة للعقل، مذهبة للمال، فبين لنا فيه، فهما إنما طلبا الفتوى من الله ورسوله بسبب كون الخمر مذهبة للعقل، فوجب أن يكون كل ما كان مساوياً للخمر في هذا المعنى إما أن يكون خمراً وإما أن يكون مساوياً للخمر في هذا الحكم. النوع الخامس: من الحجة أن الله علل تحريم الخمر بقوله تعالى: {أية : إِنَّمَا يُرِيدُ ٱلشَّيْطَـٰنُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ ٱلْعَدَاوَةَ وَٱلْبَغْضَاء فِى ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ وَعَنِ ٱلصَّلَوٰةِ } تفسير : [المائدة: 91] ولا شك أن هذه الأفعال معللة بالسكر، وهذا التعليل يقيني، فعلى هذا تكون هذه الآية نصاً في أن حرمة الخمر معللة بكونها مسكرة، فإما أن يجب القطع بأن كل مسكر خمر، وإن لم يكن كذلك فلا بد من ثبوت هذا الحكم في كل مسكر، وكل من أنصف وترك العناد، علم أن هذه الوجوه ظاهرة جلية في إثبات هذا المطلوب حجة أبـي حنيفة رحمه الله من وجوه أحدها: قوله تعالى: {أية : وَمِن ثَمَرٰتِ ٱلنَّخِيلِ وَٱلأَعْنَـٰبِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا } تفسير : [النحل: 67] من الله تعالى علينا باتخاذ السكر والرزق الحسن، وما نحن فيه سكر ورزق حسن، فوجب أن يكون مباحاً لأن المنة لا تكون إلا بالمباح. والحجة الثانية: ما روى ابن عباس أنه عليه الصلاة والسلام أتى السقاية عام حجة الوداع فاستند إليها، وقال: اسقوني، فقال العباس: ألا أسقيك مما ننبذه في بيوتنا؟ فقال: ما تسقي الناس، فجاءه بقدح من نبيذ فشمه، فقطب وجهه ورده، فقال العباس: يا رسول الله أفسدت على أهل مكة شرابهم، فقال: ردوا علي القدح، فردوه عليه، فدعا بماء من زمزم وصب عليه وشرب، وقال: إذا اغتلمت عليكم هذه الأشربة فاقطعوا متنها بالماء. وجه الاستدلال به أن التقطيب لا يكون إلا من الشديد، ولأن المزج بالماء كان لقطع الشدة بالنص، ولأن اغتلام الشراب شدته، كاغتلام البعير سكره. الحجة الثالثة: التمسك بآثار الصحابة. والجواب عن الأول: أن قوله تعالى: {تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا } نكرة في الإثبات، فلم قلتم: إن ذلك السكر والرزق الحسن هو هذا النبيذ؟ ثم أجمع المفسرون على أن تلك الآية كانت نازلة قبل هذه الآيات الثلاث الدالة على تحريم الخمر، فكانت هذه الثلاثة إما ناسخة، أو مخصصة لها. وأما الحديث فلعل ذلك النبيذ كان ماءً نبذت تمرات فيه لتذهب الملوحة فتغير طعم الماء قليلاً إلى الحموضة، وطبعه عليه السلام كان في غاية اللطافة، فلم يحتمل طبعه الكريم ذلك الطعم، فلذلك قطب وجهه، وأيضاً كان المراد بصب الماء فيه إزالة ذلك القذر من الحموضة أو الرائحة، وبالجملة فكل عاقل يعلم أن الإعراض عن تلك الدلائل التي ذكرناها بهذا القدر من الاستدلال الضعيف غير جائز. وأما آثار الصحابة فهي متدافعة متعارضة، فوجب تركها والرجوع إلى ظاهر كتاب الله وسنة الرسول عليه السلام، فهذا هو الكلام في حقيقة الخمر. المقام الثاني: في بيان أن هذه الآية دالة على تحريم الخمر وبيانه من وجوه الأول: أن الآية دالة على أن الخمر مشتملة على الإثم، والإثم حرام لقوله تعالى: {أية : قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبّيَ ٱلْفَوٰحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَٱلإِثْمَ وَٱلْبَغْىَ } تفسير : [الأعراف: 33] فكان مجموع هاتين الآيتين دليلاً على تحريم الخمر الثاني: أن الإثم قد يراد به العقاب، وقد يراد به ما يستحق به العقاب من الذنوب، وأيهما كان فلا يصح أن يوصف به إلا المحرم الثالث: أنه تعالى قال: {وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا } صرح برجحان الإثم والعقاب، وذلك يوجب التحريم. فإن قيل: الآية لا تدل على أن شرب الخمر إثم، بل تدل على أن فيه إثماً، فهب أن ذلك الإثم حرام فلم قلتم: إن شرب الخمر لما حصل فيه ذلك الإثم وجب أن يكون حراماً؟. قلنا: لأن السؤال كان واقعاً عن مطلق الخمر، فلما بين تعالى أن فيه إثماً، كان المراد أن ذلك الإثم لازم له على جميع التقديرات، فكان شرب الخمر مستلزماً لهذه الملازمة المحرمة، ومستلزم المحرم محرم، فوجب أن يكون الشرب محرماً، ومنهم من قال: هذه الآية لا تدل على حرمة الخمر، واحتج عليه بوجوه أحدها: أنه تعالى أثبت فيها منافع للناس، والمحرم لا يكون فيه منفعة والثاني: لو دلت هذه الآية على حرمتها فلم لم يقنعوا بها حتى نزلت آية المائدة وآية تحريم الصلاة؟ الثالث: أنه تعالى أخبر أن فيهما إثماً كبيراً فمقتضاه أن ذلك الإثم الكبير يكون حاصلاً ما داما موجودين، فلو كان ذلك الإثم الكبير سبباً لحرمتها لوجب القول بثبوت حرمتها في سائر الشرائع. والجواب عن الأول: أن حصول النفع العاجل فيه في الدنيا لا يمنع كونه محرماً، ومتى كان كذلك لم يكن حصول النفع فيهما مانعاً من حرمتهما لأن صدق الخاص يوجب صدق العام. والجواب عن الثاني: أنا روينا عن ابن عباس أنها نزلت في تحريم الخمر، والتوقف الذي ذكرته غير مروى عنهم، وقد يجوز أن يطلب الكبار من الصحابة نزول ما هو آكد من هذه الآية في التحريم، كما التمس إبراهيم صلوات الله عليه مشاهدة إحياء الموتى ليزداد سكوناً وطمأنينة. والجواب عن الثالث: أن قوله: {فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ } إخبار عن الحال لا عن الماضي، وعندنا أن الله تعالى علم أن شرب الخمر مفسدة لهم في ذلك الزمان، وعلم أنه ما كان مفسدة للذين كانوا قبل هذه الأمة فهذا تمام الكلام في هذا الباب. المسألة الثالثة: في حقيقة الميسر فنقول: الميسر القمار، مصدر من يسر كالموعد والمرجع من فعلهما، يقال يسرته إذا قمرته، واختلفوا في اشتقاقه على وجوه أحدها: قال مقاتل: اشتقاقه من اليسر لأنه أخذ لمال الرجل بيسر وسهولة من غير كد ولا تعب، كانوا يقولون: يسروا لنا ثمن الجزور، أو من اليسار لأنه سبب يساره، وعن ابن عباس: كان الرجل في الجاهلية يخاطر على أهله وماله وثانيها: قال ابن قتيبة: الميسر من التجزئة والاقتسام، يقال: يسروا الشيء، أي اقتسموه، فالجزور نفسه يسمى ميسراً لأنه يجزأ أجزاء، فكأنه موضع التجزئة، والياسر الجازر، لأنه يجزىء لحم الجزور، ثم يقال للضاربين بالقداح والمتقامرين على الجزور: إنهم ياسرون لأنهم بسبب ذلك الفعل يجزؤن لحم الجزور وثالثها: قال الواحدي: إنه من قولهم: يسر لي هذا الشيء ييسر يسرا وميسراً إذا وجب، والياسر الواجب بسبب القداح، هذا هو الكلام في اشتقاق هذه اللفظة. وأما صفة الميسر فقال صاحب «الكشاف»: كانت لهم عشرة قداح، وهي الأزلام والأقلام الفذ، والتوأم، والرقيب، والحلس، بفتح الحاء وكسر اللام، وقيل بكسر الحاء وسكون اللام، والمسبل، والمعلى، والنافس، والمنيح، والسفيح، والوغد، لكل واحد منها نصيب معلوم من جزور ينحرونها ويجزؤونها عشرة أجزاء، وقيل: ثمانية وعشرين جزءاً إلا ثلاثة، وهي: المنيح والسفيح، والوعد، ولبعضهم في هذا المعنى شعر:شعر : لي في الدنيا سهـــام ليس فيهـــن ربيــــح وأساميهـــــن وغــــد وسفيـــــح ومنيـــــح تفسير : فللفذ سهم، وللتوأم سهمان، وللرقيب ثلاثة، وللحلس أربعة، وللنافس خمسة، وللمسبل ستة، وللمعلى سبعة، يجعلونها في الربابة، وهي الخريطة ويضعونها على يد عدل، ثم يجلجلها ويدخل يده فيخرج باسم رجل رجل قدحاً منها فمن خرج له قدح من ذوات الأنصباء أخذ النصب الموسوم به ذلك القدح، ومن خرج له قدح لا نصيب له لم يأخذ شيئاً، وغرم ثمن الجزور كله، وكانوا يدفعون تلك الأنصباء إلى الفقراء، ولا يأكلون منها، ويفتخرون بذلك ويذمون من لم يدخل فيه ويسمونه البرم. المسألة الرابعة: اختلفوا في أن الميسر هل هو اسم لذلك القمار المعين، أو هو اسم لجميع أنواع القمار، روي عن النبـي صلى الله عليه وسلم: «حديث : إياكم وهاتين الكعبتين فإنهما من ميسر العجم» تفسير : وعن ابن سيرين ومجاهد وعطاء: كل شيء فيه خطر فهو من الميسر، حتى لعب الصبيان بالجوز، وأما الشطرنج فروي عن علي عليه السلام أنه قال: النرد والشطرنج من الميسر، وقال الشافعي رضي الله عنه: إذا خلا الشطرنج عن الرهان، واللسان عن الطغيان والصلاة عن النسيان، لم يكن حراماً، وهو خارج عن الميسر، لأن الميسر ما يوجب دفع المال، أو أخذ مال، وهذا ليس كذلك، فلا يكون قماراً ولا ميسراً، والله أعلم، أما السبق في الخف والحافر فبالاتفاق ليس من الميسر، وشرحه مذكور في كتاب السبق والرمي من كتب الفقه. المسألة الخامسة: الإثم الكبير، فيه أمور أحدها: أن عقل الإنسان أشرف صفاته، والخمر عدو العقل، وكل ما كان عدو الأشرف فهو أخس، فيلزم أن يكون شرب الخمر أخس الأمور، وتقريره أن العقل إنما سمي عقلاً لأنه يجري مجرى عقال الناقة، فإن الإنسان إذا دعاه طبعه إلى فعل قبيح، كان عقله مانعاً له من الإقدام عليه، فإذا شرب الخمر بقي الطبع الداعي إلى فعل القبائح خالياً عن العقل المانع منها، والتقريب بعد ذلك معلوم، ذكر ابن أبـي الدنيا أنه مر على سكران وهو يبول في يده ويمسح به وجهه كهيئة المتوضىء، ويقول: الحمد لله الذي جعل الإسلام نوراً والماء طهوراً، وعن العباس بن مرداس أنه قيل له في الجاهلية: لم لا تشرب الخمر فإنها تزيد في جراءتك؟ فقال ما أنا بآخذ جهلي بيدي فأدخله جوفي، ولا أرضى أن أصبح سيد قوم وأمسى سفيههم وثانيها: ما ذكره الله تعالى من إيقاع العداوة والبغضاء والصد عن ذكر الله وعن الصلاة وثالثها: أن هذه المعصية من خواصها أن الإنسان كلما كان اشتغاله بها أكثر، ومواظبته عليها أتم كان الميل إليها أكثر وقوة النفس عليها أقوى. بخلاف سائر المعاصي، مثل الزاني إذا فعل مرة واحدة فترت رغبته في ذلك العمل، وكلما كان فعله لذلك العمل أكثر كان فتوره أكثر ونفرته أتم، بخلاف الشرب، فإنه كلما كان إقدامه عليه أكثر، كان نشاطه أكثر، ورغبته فيه أتم. فإذا واظب الإنسان عليه صار الإنسان غرقاً في اللذات البدنية، معرضاً عن تذكر الآخرة والمعاد، حتى يصير من الذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم، وبالجملة فالخمر يزيل العقل، وإذا زال العقل حصلت القبائح بأسرها ولذلك قال عليه الصلاة والسلام: «حديث : الخمر أم الخبائث»تفسير : وأما الميسر فالإثم فيه أنه يفضي إلى العداوة، وأيضاً لما يجري بينهم من الشتم والمنازعة وأنه أكل مال بالباطل وذلك أيضاً يورث العداوة، لأن صاحبه إذا أخذ ماله مجاناً أبغضه جداً، وهو أيضاً يشغل عن ذكر الله وعن الصلاة، وأما المنافع المذكورة في قوله تعالى: {وَمَنَـٰفِعُ لِلنَّاسِ } فمنافع الخمر أنهم كانوا يتغالون بها إذا جلبوها من النواحي، وكان المشتري إذا ترك المماكسة في الثمن كانوا يعدون ذلك فضيلة ومكرمة، فكان تكثر أرباحهم بذلك السبب، ومنها أنه يقوي الضعيف ويهضم الطعام ويعين على الباه، ويسلي المحزون، ويشجع الجبان، ويسخي البخيل ويصفي اللون، وينعش الحرارة الغريزية ويزيد في الهمة والاستعلاء ومن منافع الميسر: التوسعة على ذوي الحاجة لأن من قمر لم يأكل من الجزور، وإنما كان يفرقه في المحتاجين وذكر الواقدي أن الواحد منهم كان ربما قمر في المجلس الواحد مائة بعير، فيحصل له مال من غير كد وتعب، ثم يصرفه إلى المحتاجين، فيكتسب منه المدح والثناء. المسألة السادسة: قرأ حمزة والكسائي {كَثِيرٍ } بالثاء المنقوطة من فوق والباقون بالباء المنقوطة من تحت حجة حمزة والكسائي، أن الله وصف أنواعاً كثيرة من الإثم في الخمر والميسر وهو قوله: {أية : إِنَّمَا يُرِيدُ ٱلشَّيْطَـٰنُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ ٱلْعَدَاوَةَ وَٱلْبَغْضَاء فِى ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ } تفسير : [المائدة: 91] فذكر أعداداً من الذنوب فيهما ولأن النبـي صلى الله عليه وسلم لعن عشرة بسبب الخمر، وذلك يدل على كثرة الإثم فيهما، ولأن الإثم في هذه الآية كالمضاد للمنافع لأنه قال: فيهما إثم ومنافع، وكما أن المنافع أعداد كثيرة فكذا الإثم فصار التقدير كأنه قال: فيهما مضار كثيرة ومنافع كثيرة حجة الباقين أن المبالغة في تعظيم الذنب إنما تكون بالكبر لا بكونه كثيراً يدل عليه قوله تعالى: {أية : كَبَـٰئِرَ ٱلإثْمِ } تفسير : [النجم: 32]، {أية : كَبَائِرَ مَا تُنهَوْنَ عَنْهُ } تفسير : [النساء: 31]، {أية : إِنَّهُ كَانَ حُوباً كَبِيراً } تفسير : [النساء: 2] وأيضاً القراء اتفقوا على قوله: {وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ } بالباء المنقوطة من تحت، وذلك يرجح ما قلناه. الحكـم الرابـع فـي الإنفـاق قوله تعالى: {وَيَسْئَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ ٱلْعَفْوَ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلأَيَٰتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (219)}. اعلم أن هذا السؤال قد تقدم ذكره فأجيب عنه بذكر المصرف وأعيد ههنا فأجيب عنه بذكر الكمية، قال القفال: قد يقول الرجل لآخر يسأله عن مذهب رجل وخلقه ما فلان هذا؟ فيقول: هو رجل من مذهبه كذا، ومن خلقه كذا إذا عرفت هذا فنقول: كان الناس لما رأوا الله ورسوله يحضان على الإنفاق ويدلان على عظيم ثوابه، سألوا عن مقدار ما كلفوا به، هل هو كل المال أو بعضه، فأعلمهم الله أن العفو مقبول، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قال الواحدي رحمه الله: أصل العفو في اللغة الزيادة، قال تعالى: {أية : خُذِ ٱلْعَفْوَ } تفسير : [الأعراف: 199] أي الزيادة، وقال أيضاً: {أية : حَتَّىٰ عَفَواْ } تفسير : [الأعراف: 95] أي زادوا على ما كانوا عليه من العدد قال القفال: العفو ما سهل وتيسر مما يكون فاضلاً عن الكفاية يقال: خذ ما عفا لك، أي ما تيسر ويشبه أن يكون العفو عن الذنب راجعاً إلى التيسر والتسهيل، قال عليه الصلاة والسلام: «حديث : عفوت لكم عن صدقة الخيل والرقيق فهاتوا ربع عشر أموالكم» تفسير : معناه التخفيف بإسقاط زكاة الخيل والرقيق، ويقال: أعفى فلان فلاناً بحقه إذا أوصله إليه من غير إلحاح في المطالبة، وهو راجع إلى التخفيف ويقال: أعطاه كذا عفواً صفواً، إذا لم يكدر عليه بالأذى، ويقال: خذ من الناس ما عفا لك أي ما تيسر، ومنه قوله تعالى: {أية : خُذِ ٱلْعَفْوَ } تفسير : [الأعراف: 199] أي ما سهل لك من الناس، ويقال للأرض السهلة: العفو وإذا كان العفو هو التيسير فالغالب أن ذلك إنما يكون فيما يفضل عن حاجة الإنسان في نفسه وعياله ومن تلزمه مؤنتهم فقول من قال: العفو هو الزيادة راجع إلى التفسير الذي ذكرناه وجملة التأويل أن الله تعالى أدب الناس في الإنفاق فقال تعالى لنبيه عليه الصلاة والسلام: {أية : وَءاتِ ذَا ٱلْقُرْبَىٰ حَقَّهُ وَٱلْمِسْكِينَ وَٱبْنَ ٱلسَّبِيلِ وَلاَ تُبَذّرْ تَبْذِيرًا إِنَّ ٱلْمُبَذِّرِينَ كَانُواْ إِخْوٰنَ ٱلشَّيَـٰطِينِ } تفسير : [الإسراء: 26، 27] وقال: {أية : وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ ٱلْبَسْطِ }تفسير : [الإسراء: 29] وقال: {أية : وَٱلَّذِينَ إِذَا أَنفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ } تفسير : [الفرقان: 67] وقال صلى الله عليه وسلم:«حديث : إذا كان عند أحدكم شيء فليبدأ بنفسه، ثم بمن يعول وهكذا وهكذا» تفسير : وقال عليه الصلاة والسلام: «حديث : خير الصدقة ما أبقت غنى ولا يلام على كفاف» تفسير : وعن جابر بن عبد الله قال بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ جاءه رجل بمثل البيضة من ذهب فقال: يا رسول الله خذها صدقة فوالله لا أملك غيرها، فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم أتاه من بين يديه، فقال: هاتها مغضباً فأخذها منه، ثم حذفه بها حيث لو أصابته لأوجعته، ثم قال: حديث : يأتيني أحدكم بماله لا يملك غيره، ثم يجلس يتكفف الناس إنما الصدقة عن ظهر غنى خذها فلا حاجة لنا فيها تفسير : ، وعن النبـي صلى الله عليه وسلم أنه كان يحبس لأهله قوت سنة، وقال الحكماء: الفضيلة بين طرفي الإفراط والتفريط، فالإنفاق الكثير هو التبذير، والتقليل جداً هو التقتير، والعدل هو الفضيلة وهو المراد من قوله: {قُلِ ٱلْعَفْوَ } ومدار شرع محمد صلى الله عليه وسلم على رعاية هذه الدقيقة فشرع اليهود مبناه على الخشونة التامة، وشرع النصارى على المسامحة التامة، وشرع محمد صلى الله عليه وسلم متوسط في كل هذه الأمور، فلذلك كان أكمل من الكل. المسألة الثانية: قرأ أبو عمرو (العفو) بضم الواو والباقون بالنصب، فمن رفع جعل (ذَا) بمعنى (الذى) وينفقون صلته كأنه قال: ما الذي ينفقون؟ فقال: هو العفو ومن نصب كان التقدير: ما ينفقون وجوابه: ينفقون العفو. المسألة الثالثة: اختلفوا في أن المراد بهذا الإنفاق هو الإنفاق الواجب أو التطوع، أما القائلون بأنه هو الإنفاق الواجب، فلهم قولان الأول: قول أبـي مسلم يجوز أن يكون العفو هو الزكاة فجاء ذكرها ههنا على سبيل الإجمال، وأما تفاصيلها فمذكورة في السنة الثاني: أن هذا كان قبل نزول آية الصدقات فالناس كانوا مأمورين بأن يأخذوا من مكاسبهم ما يكفيهم في عامهم، ثم ينفقوا الباقي، ثم صار هذا منسوخاً بآية الزكاة فعلى هذا التقدير تكون الآية منسوخة. القول الثاني: أن المراد من هذا الإنفاق هو الإنفاق على سبيل التطوع وهو الصدقة واحتج هذا القائل بأنه لو كان مفروضاً لبين الله تعالى مقداره فلما لم يبين بل فوضه إلى رأي المخاطب علمنا أنه ليس بفرض. وأجيب عنه: بأنه لا يبعد أن يوجب الله شيئاً على سبيل الإجمال، ثم يذكر تفصيله وبيانه بطريق آخر. أما قوله: {كَذٰلِكَ يُبيّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلآيَـٰتِ } فمعناه أني بينت لكم الأمر فيما سألتم عنه من وجوه الإنفاق ومصارفه فهكذا أبين لكم في مستأنف أيامكم جميع ما تحتاجون. وقوله: {لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ فِى ٱلدُّنُيَا وَٱلأَخِرَةِ } فيه وجوه الأول: قال الحسن: فيه تقديم وتأخير، والتقدير: كذلك يبين الله لكم الآيات في الدنيا والآخرة لعلكم تتفكرون والثاني: {كَذٰلِكَ يُبيّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلآيَـٰتِ } فيعرفكم أن الخمر والميسر فيهما منافع في الدنيا ومضار في الآخرة فإذا تفكرتم في أحوال الدنيا والآخرة علمتم أنه لا بد من ترجيح الآخرة على الدنيا الثالث: يعرفكم أن إنفاق المال في وجوه الخير لأجل الآخرة وإمساكه لأجل الدنيا فتتفكرون في أمر الدنيا والآخرة وتعلمون أنه لا بد من ترجيح الآخرة على الدنيا. واعلم أنه لما أمكن إجراء الكلام على ظاهره كما قررناه في هذين الوجهين ففرض التقديم والتأخير على ما قاله الحسن يكون عدولاً عن الظاهر لا لدليل وأنه لا يجوز.

القرطبي

تفسير : قوله تعالىٰ: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا}. فيه تسع مسائل: الأُولىٰ ـ قوله تعالىٰ: {يَسْأَلُونَكَ} السائلون هم المؤمنون؛ كما تقدّم. والخمر مأخوذة من خَمَر إذا ستر؛ ومنه خمار المرأة. وكلُّ شيء غطَّى شيئاً فقد خَمَره؛ ومنه «حديث : خَمِّروا آنِيَتَكُم» تفسير : فٱلخمر تَخْمُر العقَل، أي تُغطّيه وتستره؛ ومن ذلك الشجر الملتف يُقال له: الخَمَر (بفتح الميم) لأنه يغطِّي ما تحته ويستره؛ يُقال منه: أَخْمَرتِ الأرْضُ كثُر خَمَرُها؛ قال الشاعر:شعر : ألاَ يَا زيدُ والضّحاكَ سِيرَا فقد جاوزتما خَمَر الطَّريقِ تفسير : أي سيرَا مُدِلّين فقد جاوزتما الوَهْدة التي يستتر بها الذّئبُ وغيرُه. وقال العَجّاج يصف جيشاً يمشي برايات وجيوش غير مُستخْفٍ:شعر : في لامع العِقْبان لا يمشِي الخَمَرْ يُوجِّه الأرضَ ويَسْتاقُ الشَّجَرْ تفسير : ومنه قولهم: دخل في غُّمار الناس وخُّمارهم؛ أي هو في مكان خاف. فلما كانت الخمر تستر العقل وتغطّيه سُمْيت بذلك. وقيل: إنما سميت الخمر خمراً لأنها تُركت حتى أدركت؛ كما يُقال: قد ٱختمر العجين، أي بلغ إدراكه. وخُمِر الرأي، أي تُرك حتى يتبيّن فيه الوجه. وقيل: إنما سُمِّيت الخمر خمراً لأنها تخالط العقل، من المخامرة وهي المخالطة؛ ومنه قولهم: دخلت في خُّمار الناس، أي ٱختلطت بهم. فالمعاني الثلاثة متقاربة؛ فالخمر تُركت وخُمِرت حتى أدركت، ثم خالطت العقل، ثم خمرته؛ والأصل الستر. والخمر: ماء العنب الذي غَلَىٰ أو طُبخ؛ وما خامر العقل من غيره فهو في حُكمه، لأن إجماع العلماء أن القِمار كله حرام. وإنما ذُكر المَيْسِر من بينه فجُعل كلّه قياساً على الميسر؛ والميسر إنما كان قمِاراً في الجُزُر خاصّة؛ فكذلك كلّ ما كان كالخمر فهو بمنزلتها. الثانية ـ والجمهور من الأُمّة على أنّ ما أسكر كثيره من غير خمر العنب فمحرّم قليله وكثيره، والحدّ في ذلك واجب. وقال أبو حنيفة والثوريّ وٱبن أبي لَيْلَىٰ وٱبن شُبْرُمَةَ وجماعة من فقهاء الكوفة: ما أسكر كثيره من غير خمر العنب فهو حلال، وإذا سَكِر منه أحد دون أن يتعمّد الوصولَ إلى حدّ السُّكر فلا حدّ عليه؛ وهذا ضعيف يردّه النظر والخبر، على ما يأتي بيانه في «المائدة والنحل» إن شاء الله تعالىٰ. الثالثة ـ قال بعض المفسرين: إنّ الله تعالىٰ لم يَدَعْ شيئاً من الكرامة والبِرِّ إلاَّ أعطاه هذه الأُمة، ومن كرامته وإحسانه أنه لم يوجب عليهم الشرائعَ دفعة واحدة، ولكن أوجب عليهم مرّة بعد مرّة؛ فكذلك تحريم الخمر. وهذه الآية أوّل ما نزل في أمر الخمر، ثم بعده: {أية : لاَ تَقْرَبُواْ ٱلصَّلاَةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَىٰ} تفسير : [النساء: 43] ثم قوله: {أية : إِنَّمَا يُرِيدُ ٱلشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ ٱلْعَدَاوَةَ وَٱلْبَغْضَآءَ فِي ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ وَعَنِ ٱلصَّلاَةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ} تفسير : [المائدة: 91] ثم قوله: {أية : إِنَّمَا ٱلْخَمْرُ وَٱلْمَيْسِرُ وَٱلأَنصَابُ وَٱلأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ ٱلشَّيْطَانِ فَٱجْتَنِبُوهُ}تفسير : [المائدة؛ 90] على ما يأتي بيانه في «المائدة». الرابعة ـ قوله تعالىٰ: {وَٱلْمَيْسِرِ} الميسر: قِمار العرب بالأَزلام. قال ٱبن عباس: كان الرجل في الجاهلية يخاطر الرجلَ على أهله وماله فأيّهما قَمَر صاحبَه ذهب بماله وأهله؛ فنزلت الآية. وقال مجاهد ومحمد بن سِيرِين والحسن وٱبن المسيّب وعطاء وقَتادة ومعاوية بن صالح وطاوس وعليّ بن أبي طالب رضي الله عنه وٱبن عباس أيضاً: كل شيء فيه قمار من نَرْد وَشِطْرَنْج فهو المَيْسِر، حتى لعب الصِّبيان بالجَوْز والكِعَاب؛ إلاَّ ما أبيح من الرِّهان في الخيل والقُرْعة في إفراز الحقوق؛ على ما يأتي. وقال مالك: الْمَيْسِر مَيْسِران: مَيْسِر اللهو، وميسر القِمار؛ فمن مَيْسر اللّهوِ النَّرْد والشَّطْرنج والملاهي كلها. وميسر القمار. ما يتخاطر الناس عليه. قال علي بن أبي طالب: الشَّطْرنج مَيْسر العجم. وكلّ ما قوِمر به فهو مَيسر عند مالك وغيره من العلماء. وسيأتي في «يونس» زيادة بيان لهذا الباب إن شاء الله تعالىٰ. والميسر مأخوذ من اليَسَر، وهو وجوب الشيء لصاحبه؛ يُقال: يَسَر لي كذا إذا وجب فهو يَيْسِر يَسراً ومَيْسراً. والياسر: اللاعب بالقِداح، وقد يَسَر يَيْسِر؛ قال الشاعر: شعر : فأعِنهُمُ وَٱيْسِرْ بما يَسَرُوا به وإذا هُمُ نَزلُوا بضَنْكٍ فَأَنْزِلِ تفسير : وقال الأزهري: الميسر: الجزور الذي كانوا يتقامرون عليه؛ سُمِّي ميسراً لأنه يُجَزَّأ أجزاء؛ فكأنه موضع التجزئة، وكُّل شيء جَزَّأته فقد يَسَرته. والياسِر: الجازر؛ لأنه يُجزّىء لحم الجَزُور. قال: وهذا الأصل في الياسر؛ ثم يُقال للضاربين بالقِداح والمتقامِرين على الجزور: ياسِرون؛ لأنهم جازرون إذ كانوا سبباً لذلك. وفي الصِّحاح: ويَسَر القومُ الجزورَ أي ٱجتزروها وٱقتسموا أعضاءها. قال سُحَيم بن وَثِيل اليربوعيّ:شعر : أقولُ لهم بالشِّعب إذ يَيْسِرُونني ألم تَيْأسُوا أني ٱبنُ فَارِسِ زَهْدَمِ تفسير : كان قد وقع عليه سِباء فضُرب عليه بالسهام. ويُقال: يَسَر القومُ إذا قامروا. ورجل يَسَرٌ ويَاسِرٌ بمعنىً. والجمع أيسار؛ قال النابغة: شعر : أني أُتَمِّم أَيْسارِي وأَمنحُهم مَثْنَى الأيادِي وأَكْسُوا الجَفْنَةَ الأدَمَا تفسير : وقـال طَرفَــة: شعر : وهمُ أَيْسارُ لقمانَ إذا أَغْلَتِ الشَّتْوَةُ أَبْدَاءَ الجُزُرْ تفسير : وكان من تطوّع بنحرها ممدوحاً عندهم؛ قال الشاعر: شعر : وناجية نحرتُ لقومِ صدقٍ وما ناديتُ أيْسارَ الجَزورِ تفسير : الخامسة ـ رَوىٰ مالك في الموطّأ عن داود بن حُصين أنه سمع سعيد بن المسيّب يقول: كان مِن مَيْسر أهل الجاهلية بيع اللحم بالشاة والشاتين؛ وهذا محمول عند مالك وجمهور أصحابه في الجنس الواحد، حيوانه بلحمه؛ وهو عنده من باب المُزَابنة والغَرَر والقِمار، لأنه لا يُدْرَى هل في الحيوان مثل اللحم الذي أعطى أو أقل أو أكثر، وبيع اللحم باللحم لا يجوز متفاضلاً؛ فكان بيع الحيوان باللحم كبيع اللحم المُغيَّب في جلده إذا كانا من جنس واحد، والجنس الواحد عنده الإبل والبقر والغنم والظِّباء والوُعُول وسائر الوحوش، وذوات الأربع المأكولات كلها عنده جنس واحد، لا يجوز بيع شيء من حيوان هذا الصنف والجنس كله بشيء واحد من لحمه بوجه من الوجوه؛ لأنه عنده من باب المُزَابنة، كبيع الزبيب بالعنب والزيتون بالزيت والشِّيرَج بالسَّمسم، ونحو ذلك. والطير عنده كله جنس واحد، وكذلك الحيتان من سمك وغيره. ورُوي عنه أن الجراد وحده صِنف. وقال الشافعي وأصحابه واللّيث بن سعد: لا يجوز بيع اللحم بالحيوان على حال من الأحوال من جنس واحد كان أم من جنسين مختلفين؛ على عموم الحديث. ورُوي عن ٱبن عباس أن جزوراً نُحرت على عهد أبي بكر الصِّدِّيق فقُسمت على عشرة أجزاء؛ فقال رجل: أعطوني جزءاً منها بشاةٍ، فقال أبو بكر: لا يصلح هذا. قال الشافعيّ: ولست أعلم لأبي بكر في ذلك مخالفاً من الصحابة. قال أبو عمر: قد رُوي عن ٱبن عباس أنه أجاز بيع الشاة باللحم؛ وليس بالقويّ. وذكر عبد الرزاق عن الثوريّ عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيّب أنه كَرِه أن يُباع حيّ بميت؛ يعني الشاة المذبوحة بالقائمة. قال سفيان: ونحن لا نرى به بأساً. قال المُزنيّ: إن لم يصح الحديث في بيع الحيوان باللحم فالقياس أنه جائز، وإن صح بطل القياس وٱتُّبع الأثر. قال أبو عمر: وللكوفيين في أنه جائز بيع اللحم بالحيوان حجج كثيرة من جهة القياس والاعتبار؛ إلاَّ أنه إذا صح الأثر بطل القياس والنظر. وروى مالك عن زيد بن أسلم عن سعيد بن المسيّب: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الحيوان باللحم. قال أبو عمر؛ ولا أعلمه يتصل عن النبيّ صلى الله عليه وسلم من وجه ثابت، وأحسن أسانيدِه مرسَلُ سعيدِ بن المسيّب على ما ذكره مالك في موطئه، وإليه ذهب الشافعيّ؛ وأصله أنه لا يقبل المراسيل إلاَّ أنه زعم أنه ٱفتقد مراسيل سعيد فوجدها أو أكثرها صحاحاً. فكَرِه بيع أنواع الحيوان بأنواع اللحوم على ظاهر الحديث وعمومه؛ لأنه لم يأت أثر يَخُصّه ولا إجماع. ولا يجوز عنده أن يُخَص النّصُّ بالقياس. والحيوان عنده ٱسم لكل ما يعيش في البرّ والماء وإن ٱختلفت أجناسه؛ كالطعام الذي هو ٱسم لكل مأكول أو مشروب؛ فٱعلم. السادسة ـ قوله تعالىٰ: {قُلْ فِيهِمَآ} يعني الخمر والميسر {إِثْمٌ كَبِيرٌ} إثمُ الخمر ما يصدر عن الشارب من المخاصمة والمشاتمة وقول الفُحش والزُّور، وزوال العقل الذي يعرف به ما يجب لخالقه، وتعطيل الصلوات والتعوّق عن ذكر الله، إلى غير ذلك. رَوى النَّسائيّ عن عثمان رضي الله عنه قال: ٱجتنبوا الخمر فإنها أُمُّ الخبائث، إنه كان رجل ممن كان قبلكم تَعبَّد فعِلقته امرأة غَويّة، فأرسلت إليه جاريتها فقالت له: إنا ندعوك للشهادة؛ فٱنطلق مع جاريتها فطفِقت كلّما دخل باباً أغلقته دونه، حتى أفضى إلى ٱمرأة وَضِيئة عندها غلام وبَاطِيَةُ خمر؛ فقالت: إني والله ما دعوتك للشهادة، ولكن دعوتك لتقع عليّ، أو تشرب من هذه الخمر كأساً، أو تقتل هذا الغلام. قال: فٱسقيني من هذه الخمر كأساً؛ فسقته كأساً. قال: زيدوني؛ فلم يَرِم حتى وقع عليها، وقتل النفس؛ فٱجتنبوا الخمر، فإنها والله لا يجتمع الإيمان وإدمان الخمر؛ إلاَّ ليوشك أن يُخرج أحدُهما صاحبه؛ وذكره أبو عمر في الاستيعاب. ورُوي أن الأعشىٰ لما توجه إلى المدينة ليُسلم فلقيَه بعض المشركين في الطريق فقالوا له: أين تذهب؟ فأخبرهم بأنه يريد محمداً صلى الله عليه وسلم؛ فقالوا: لا تصل إليه، فإنه يأمرك بالصَّلاة؛ فقال: إنّ خدمة الربّ واجبة. فقالوا: إنه يأمرك بإعطاء المال إلى الفقراء. فقال: اصطناع المعروف واجب. فقيل له: إنه ينهى عن الزنى. فقال: هو فحش وقبيح في العقل، وقد صرت شيخاً فلا أحتاج إليه. فقيل له: إنه ينهى عن شرب الخمر. فقال: أما هذا فإني لا أصبر عليه! فرجع، وقال: أشرب الخمر سنة ثم أرجع إليه؛ فلم يصل إلى منزله حتى سقط عن البعير فٱنكسرت عنقه فمات. وكان قيس بن عاصم المِنْقريّ شَرَّاباً لها في الجاهلية ثم حرّمها على نفسه؛ وكان سبب ذلك أنه غمز عُكْنَة ابنته وهو سكران، وسبّ أبويه، ورأى القمر فتكلم بشيء، وأعطى الخمّار كثيراً من ماله؛ فلما أفاق أخبر بذلك فحرّمها على نفسه؛ وفيها يقول:شعر : رأيتُ الخمرَ صالحةً وفيها خصالٌ تُفِسد الرجلَ الحليما فلا واللَّه أشربُها صحيحاً ولا أشفَى بها أبداً سقيما ولا أعطي بها ثمناً حياتي ولا أدعو لها أبداً نديما فإنّ الخمر تفضح شاربيها وتجنيهم بها الأمر العظيما تفسير : قال أبو عمر: وروى ٱبن الأعرابيّ عن المفضَّل الضِّبيّ أن هذه الأبيات لأبي مِحْجن الثَّقفيّ قالها في تركه الخمر، وهو القائل رضي الله عنه:شعر : إذا مُتُّ فٱدِفنّي إلى جَنْب كَرْمةٍ تروّي عظامِي بعد موتي عُروقُها ولا تَدْفِنَنِّي بالفَلاَة فإنّني أخاف إذا ما مِتُّ أنْ لا أذُوقُها تفسير : وجلده عمر الحدّ عليها مراراً، ونفاه إلى جزيرة في البحر؛ فلحق بسعد فكتب إليه عمر أن يحبسه فحبسه؛ وكان أحد الشجعان البُهَم؛ فلما كان من أمره في حرب القادسية ما هو معروف حلّ قيوده وقال: لا نجلدك على الخمر أبداً. قال أبو مِحْجن: وأنا والله لا أشربها أبداً؛ فلم يشربها بعد ذلك. وفي رواية: قد كنت أشربها إذ يقام عليّ الحدّ (وأطهر منها)، وأما إذ بَهْرَجْتَنِي فوالله لا أشربها أبداً. وذكر الهيثم بن عدِيّ أنه أخبره من رأى قبر أبي مِحجن بأذرَبيجان، أو قال: في نواحي جُرْجان، وقد نبتت عليه ثلاث أُصول كَرْم وقد طالت وأثمرت، وهي معروشة على قبره؛ ومكتوب على القبر «هذا قبر أبي مِحجن» قال: فجعلت أتعجب وأذكر قوله:شعر : إذا مُـتُّ فٱدفِنِّـي إلـى جَنْـب كَرْمـةٍ تفسير : ثم إن الشارب يصير ضُحْكَة للعقلاء، فيلعب ببوله وعَذِرَته، وربما يمسح وجهه، حتى رؤي بعضهم يمسح وجهه ببوله ويقول: اللَّهُمَّ ٱجعلني من التوّابين وٱجعلني من المتطهرين ورؤي بعضهم والكلب يلحس وجهه وهو يقول له: أكرمك الله. وأما القِمار فيورث العداوة والبغضاء؛ لأنه أكل مال الغير بٱلباطل. السابعة ـ قوله تعالىٰ: {وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ} أما في الخمر فربح التجارة؛ فإنهم كانوا يجلبونها من الشام برخص فيبيعونها في الحجاز بربح؛ وكانوا لا يرون المماكسة فيها؛ فيشتري طالب الخمرِ الخمَر بالثمن الغالي. هذا أصح ما قيل في منفعتها، وقد قيل في منافعها: إنها تهضم الطعام، وتقوّي الضعف، وتعين على الباه، وتسخي البخيل، وتشجع الجبان، وتصفي اللونَ، إلى غير ذلك من اللذة بها. وقد قال حسّان بن ثابت رضي الله عنه:شعر : ونَشربُها فتتركُنا ملوكاً وَأُسْداً ما يُنَهْنهنا اللقاءُ تفسير : إلى غير ذلك من أفراحها. وقال آخر:شعر : فإذا شَرِبتُ فإنني رَبُّ الخَوَرْنَقِ والسَّدِير وإذا صَحوْتُ فإنني ربُّ الشُّوَيهةِ والبَعِيرِ تفسير : ومنفعة الميسر مصير الشيء إلى الإنسان في القمار بغير كدّ ولا تعب؛ فكانوا يشترون الجزور ويضربون بسهامهم، فمن خرج سهمه أَخذ نصيبه من اللحم ولا يكون عليه من الثمن شيء، ومن بقي سهمه آخراً كان عليه ثمن الجزور كله ولا يكون له من اللحم شيء، وقيل: منفعته التوسعة على المحاويج، فإن من قمر منهم كان لا يأكل من الجزور وكان يفرّقه في المحتاجين. وسهام الميسر أحد عشر سهماً؛ منها سبعة لها حظوظ وفيها فروض على عدد الحظوظ، وهي: «الفذّ» وفيه علامة واحدة وله نصيب وعليه نصيب إن خاب. الثاني ـ «التَّوْأَم» وفيه علامتان وله وعليه نصيبان. الثالث ـ «الرّقِيب» وفيه ثلاث علامات على ما ذكرنا. الرابع ـ «الحِلْس» وله أربع. الخامس ـ «النافِز» والنافِس أيضاً وله خمس. السادس ـ «المُسْبِل» وله ست. السابع ـ «المُعَلَّى» وله سبع. فذلك ثمانية وعشرون فرضاً، وأنصباء الجزور كذلك في قول الأصمعيّ. وبقي من السهام أربعة، وهي الأغفال لا فروض لها ولا أنصباء، وهي: «المُصَدَّر» و «المُضَعَّف» و «المَنِيح» و «السَّفِيح». وقيل: الباقية الأغفال الثلاثة: «السّفيح» و «المَنيح» و «الوَغْد» تزاد هذه الثلاثة لتكثر السهام على الذي يُجيلها فلا يجد إلى الميل مع أحد سبيلاً. ويسمى المجيلُ المفيض والضاربَ والضرِيبَ والجمع الضُّرَباء. وقيل: يُجعل خلفه رقيب لئلا يحابي أحداً، ثم يجثو الضريب على ركبتيه، ويلتحف بثوب ويخرج رأسه ويدخل يده في الرِّبابة فيخرج. وكانت عادة العرب أن تضرب الجزور بهذه السهام في الشَّتوة وضيق الوقت وكَلَب البَرْد على الفقراء؛ يُشتَرى الجَزورُ ويضمن الأيسار ثمنها ويرضى صاحبها من حقه؛ وكانوا يفتخرون بذلك ويذمون من لم يفعل ذلك منهم، ويسمّونه «البَرَمَ» قال متمِّم بن نُويرة:شعر : ولا بَرَماً تُهدِى النساءُ لِعرْسه إذا القَشْعُ مِن بَرْدِ الشتاءِ تَقَعْقعا تفسير : ثم تنحر وتقسم على عشرة أقسام. قال ٱبن عطية: وأخطأ الأصمعيّ في قسمة الجزور، فذكر أنها على قدر حظوظ السهام ثمانية وعشرون قسماً، وليس كذلك؛ ثم يضرب على العشرة فمن فاز سهمه بأن يخرج من الرِّبابة متقدّماً أخذ أنصباءه وأعطاها الفقراء. والرِّبابة (بكسر الراء): شبيهة بالكنانة تُجمع فيها سهام الميسر؛ وربما سَمَّوْا جميع السهام ربابة؛ قال أبو ذؤيب يصف الحِمار وأتُنَه:شعر : وكأنهن رِبابة وكأنه يَسَرٌ يُفيض على القِداح ويَصْدَعُ تفسير : والرِّبابة أيضاً: العهد والميثاق؛ قال الشاعر:شعر : وكنتُ ٱمْرَأً أَفضتْ إليكَ رِبَابَتِي وَقَبْلكَ رَبَّتنِي فضِعتُ رُبُوبُ تفسير : وفي أحْيان ربما تقامروا لأنفسهم ثم يغرم الثمن من لم يفز سهمه؛ كما تقدّم. ويعيش بهذه السّيرة فقراء الحيّ؛ ومنه قول الأعشىٰ: شعر : المطعِمو ٱلضيف إذا ما شتَوْا وٱلجاعِلو القوتِ على الياسِرِ تفسير : ومنه قول الآخر:شعر : بأيديهمُ مَقُرومةٌ وَمَغَالِق يعودُ بأرزاق العُفاة مَنِيحُها تفسير : و «المنيح» في هذا البيت المستمنَح؛ لأنهم كانوا يستعيرون السّهم الذي قد ٱمْلس وكثر فوزه، فذلك المنيح الممدوح، وأما المنيح الذي هو أحد الأغفال فذلك إنما يوصف بالكرّ، وإياه أراد الأخطل بقوله:شعر : ولقد عَطَفْنَ على فَزارةَ عَطْفةً كَرَّ المَنِيحِ وَجُلْنَ ثَمَّ مَجالاَ تفسير : وفي الصحاح: «والمَنِيح سهم من سهام الميسر ممالا نصيب له إلاَّ أن يُمنحَ صاحبُه شيئاً». ومن الميسر قولُ لَبيد:شعر : إذا يَسَروا لم يُورِث اليُسْرُ بينهمْ فواحشَ يُنعَى ذِكُرها بالمَصايِفِ تفسير : فهذا كله نفع الميسر، إلاَّ أنه أكل المال بالباطل. الثامنة ـ قوله تعالىٰ: {وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا} أعلم الله جلّ وعزّ أن الإثم أكبر من النّفع، وأعْود بالضرر في الآخرة؛ فٱلإثم الكبير بعد التحريم، والمنافع قبل التحريم. وقرأ حمزة والكسائيّ «كثير» بالثاء المثلثة؛ وحجتهما أن النبيّ صلى الله عليه وسلم لعن الخمر ولعن معها عشرة: بائعَها ومبتاعها والمشتراة له وعاصرها والمعصورةَ له وساقيها وشاربها وحاملها والمحمولةَ له وآكلَ ثمنها. وأيضاً فَجمْعُ المنافع يحسن معه جمع الآثامِ. و «كثير» بالثاء المثلثة يعطي ذلك. وقرأ باقي القُرّاء وجمهورُ الناس «كبير» بالباء الموحدة، وحجتهم أن الذنب في القِمار وشرب الخمر من الكبائر؛ فوصفه بالكبير أليق. وأيضاً فآتفاقهم على «أكبر» حجة لـ «ـكبير» بالباء بواحدة. وأجمعوا على رفض «أكثر» بالثاء المثلثة، إلاَّ في مصحف عبد الله ٱبن مسعود فإن فيه «قل فيهما إثم كثير» «وإثمهما أكثر» بالثاء مثلثّة في الحرفين. التاسعة ـ قال قوم من أهل النظر: حُرِّمت الخمر بهذه الآية؛ لأن الله تعالىٰ قد قال: {أية : قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ ٱلْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَٱلإِثْمَ}تفسير : [الأعراف: 33] فأخبر في هذه الآية أن فيها إثماً فهو حرام. قال ٱبن عطية: ليس هذا النظر بجيّد، لأن الإثم الذي فيها هو الحرام، لا هي بعينها على ما يقتضيه هذا النظر. قلت: وقال بعضهم: في هذه الآية ما دل على تحريم الخمر لأنه سمّاه إثماً، وقد حرّم الإثم في آية أُخرىٰ، وهو قوله عزّ وجل: {أية : قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ ٱلْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَٱلإِثْمَ} تفسير : [الأعراف: 33] وقال بعضهم: الإثم أراد به الخمر؛ بدليل قول الشاعر: شعر : شَرِبتُ الإثم حتى ضَلَّ عَقْلِي كذاكَ الإثمُ يَذْهبُ بالعقول تفسير : قلت: وهذا أيضاً ليس بجيّد، لأن الله تعالىٰ لم يُسمّ الخمر إثماً في هذه الآية، وإنما قال: {قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ} ولم يقل: قل هما إثم كبير. وأما آية «الأعراف» وبيتُ الشعر فيأتي الكلام فيهما هناك مبيَّناً، إن شاء الله تعالىٰ. وقد قال قَتادة: إنما في هذه الآية ذَمُّ الخمر، فأما التحريم فيُعلم بآية أُخرىٰ وهي آية «المائدة» وعلى هذا أكثر المفسرين. قوله تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ ٱلْعَفْوَ كَذٰلِكَ يُبيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ} فيه ثلاث مسائل: الأُولى ـ قوله تعالى: {قُلِ ٱلْعَفْوَ} قراءة الجمهور بالنصب. وقرأ أبو عمرو وحده بالرفع. وٱختُلف فيه عن ٱبن كَثير. وبالرفع قراءة الحسنِ وقتادة وابن أبي إسحاق. قال النحاس وغيره: إن جعلت «ذا» بمعنى الذي كان الاختيار الرفع، على معنى: الذي ينفقون هو العفو؛ وجاز النصب. وإن جعلت «ما» و «ذا» شيئاً واحداً كان الاختيار النصب، على معنى: قل ينفقون العفو؛ وجاز الرفع. وحكى النحويون: ماذا تعلّمت: أنحواً أم شعراً؟ بالنصب والرفع، على أنهما جيدان حسنان؛ إلا أن التفسير في الآية على النصب. الثانية ـ قال العلماء: لما كان السؤال في الآية المتقدمة في قوله تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ} سؤالاً عن النفقة إلى مَن تُصرف؛ كما بيناه ودل عليه الجواب، والجواب خرج على وَفْق السؤال؛ كان السؤال الثاني في هذه الآية عن قدر الإنفاق؛ وهو في شأن عمرو بن الجموح ـ كما تقدّم ـ فإنه لما نزل {أية : قُلْ مَآ أَنْفَقْتُمْ مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ}تفسير : [البقرة: 215] قال: كم أُنفق؟ فنزل «قل العفو» والعفوُ: ما سهُل وتيسّر وفَضَل، ولم يَشقَّ على القلب إخراجه؛ ومنه قول الشاعر:شعر : خُذِي العفوَ منّى تستديمي مودّتي ولا تَنطِقي في سَوْرَتي حين أغضبُ تفسير : فالمعنى: أنفقوا ما فضل عن حوائجكم، ولم تُؤذوا فيه أنفسكم فتكونوا عالة؛ هذا أوْلى ما قيل في تأويل الآية، وهو معنى قول الحسنِ وقتادةَ وعطاءٍ والسُّدّي والقُرظيِّ محمدِ بنِ كعب وٱبنِ أبي ليلى وغيرهم، قالوا: العفو ما فَضَل عن العيال؛ ونحوه عن ٱبن عباس. وقال مجاهد: صدقةٌ عن ظَهْرِ غنًى، وكذا قال عليه السلام: «حديث : خير الصدقة ما أنْفقتَ عن غِنًى»تفسير : وفي حديث آخر: «حديث : خير الصدقة ما كان عن ظَهْرِ غِنًى»تفسير : . وقال قيس بن سعد: هذه الزكاة المفروضة. وقال جمهور العلماء: بل هي نفقات التطوّع. وقيل: هي منسوخة. وقال الكلبيّ: كان الرجل بعد نزول هذه الآية إذا كان له مال من ذهب أو فضة أو زرع أو ضَرْع نظر إلى ما يكفيه وعيالَه لنفقة سنة أمسكه وتصدّق بسائره، وإن كان ممن يعمل بيده أمسك ما يكفيه وعياله يوماً وتصدّق بالباقي. حتى نزلت آية الزكاة المفروضة فنسخت هذه الآية وكلَّ صدقة أمروا بها. وقال قوم: هي مُحْكَمة، وفي المال حقّ سوى الزكاة. والظاهر يدل على القول الأوّل. الثالثة ـ قوله تعالى: {كَذٰلِكَ يُبيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلآيَاتِ} قال المفضّل بن سَلمَة: أي في أمر النفقة. {لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ} فتحبسون من أموالكم ما يصلحكم في معاش الدنيا وتنفقون الباقي فيما ينفعكم في العُقبَى. وقيل: في الكلام تقديم وتأخير، أي كذلك يبيّن الله لكم الآيات في أمر الدنيا والآخرة لعلكم تتفكرون في الدنيا وزوالها وفنائها فتزهدون فيها، وفي إقبال الآخرة وبقائها فترغبون فيها.

البيضاوي

تفسير : {يَسْـئَلُونَكَ عَنِ ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ} روي أنه نزل بمكة قوله تعالى: {أية : وَمِن ثَمَرٰتِ ٱلنَّخِيلِ وَٱلأَعْنَـٰبِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا }تفسير : [النحل: 67] فأخذ المسلمون يشربونها، ثم إن عمر ومعاذاً ونفراً من الصحابة قالوا: أفتنا يا رسول الله في الخمر فإنها مذهبة للعقل مسلبة للمال، فنزلت هذه الآية فشربها قوم وتركها آخرون. ثم دعا عبد الرحمن بن عوف ناساً منهم فشربوا وسكروا، فأم أحدهم فقرأ: {قُلْ يا أَيُّهَا ٱلْكَـٰفِرُونَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ} فنزلت {أية : لاَ تَقْرَبُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَنتُمْ سُكَـٰرَىٰ }تفسير : [النساء: 43] فقل من يشربها، ثم دعا عتبان بن مالك سعد بن أبي وقاص في نفر فلما سكروا افتخروا وتناشدوا، فأنشد سعد شعراً فيه هجاء الأنصار، فضربه أنصاري بلحى بعير فشجه، فشكا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عمر رضي الله عنه: اللهم بين لنا في الخمر بياناً شافياً فنزلت {إِنَّمَا ٱلْخَمْرُ وَٱلْمَيْسِرُ} إلى قوله: {فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ} فقال عمر رضي الله عنه: انتهينا يـا رب. والـخمر في الأصل مصدر خمره إذا ستره، سمي بها عصير العنب والتمر إذا اشتد وغلا كأنه يخمر العقل، كما سمي سكراً لأنه يسكره أي يحجزه، وهي حرام مطلقاً وكذا كل ما أسكر عند أكثر العلماء. وقال أبو حنيفة رحمه الله تعالى: نقيع الزبيب والتمر إذا طبخ حتى ذهب ثلثاه ثم اشتد حل شربه ما دون السكر. {وَٱلْمَيْسِرِ} أيضاً مصدر كالموعد، سمي به القمار لأنه أخذ مال الغير بيسر أو سلب يساره، والمعنى يسألونك عن تعاطيهما لقوله تعالى: {قُلْ فِيهِمَا} أي في تعاطيهما. {إِثْمٌ كَبِيرٌ} من حيث إنه يؤدي إلى الانتكاب عن المأمور، وارتكاب المحظور. وقرأ حمزة والكسائي كثير بالثاء. {وَمَنَـٰفِعُ لِلنَّاسِ} من كسب المال والطرب والالتذاذ ومصادقة الفتيان، وفي الخمر خصوصاً تشجيع الجبان وتوفير المروءة وتقوية الطبيعة. {وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا} أي المفاسد التي تنشأ منهما أعظم من المنافع المتوقعة منهما. ولهذا قيل إنها المحرمة للخمر لأن المفسدة إذا ترجحت على المصلحة اقتضت تحريم الفعل، والأظهر أنه ليس كذلك لما مر من إبطال مذهب المعتزلة. {وَيَسْـئَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ} قيل سائله أيضاً عمرو بن الجموح سأل أولاً عن المنفق والمصرف، ثم سأل عن كيفية الإِنفاق. {قُلِ ٱلْعَفْوَ} العفو نقيض الجهد ومنه يقال للأرض السهلة، وهو أن ينفق ما تيسر له بذله ولا يبلغ منه الجهد. قال:شعر : خُذِي العَفْوَ مِنِّي تَسْتَديمي مَوَدَّتي وَلاَ تَنْطقِي فِي سَوْرَتي حِيْنَ اغْضَبُ تفسير : وروي أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم ببيضة من ذهب أصابها في بعض المغانم فقال: خذها مني صدقة، فأعرض عليه الصلاة والسلام عنه حتى كرر عليه مراراً فقال: هاتها مغضباً فأخذها فحذفها حذفاً لو أصابه لشجه ثم قال: «حديث : يأتي أحدكم بماله كله يتصدق به ويجلس يتكفف الناس، إنما الصدقة عن ظهر غنى»تفسير : وقرأ أبو عمرو برفع {ٱلْعَفْوَ}. {كَذٰلِكَ يُبيّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلآيَـٰتِ} أي مثل ما بين أن العفو أصلح من الجهد، أو ما ذكر من الأحكام، والكاف في موضع النصب صفة لمصدر محذوف أي تبييناً مثل هذا التبيين، وإنما وحد العلامة والمخاطب به جمع على تأويل القبيل والجمع، {لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ} في الدلائل والأحكام.

ابن كثير

تفسير : قال الإمام أحمد: حدثنا خلف بن الوليد، حدثنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن أبي ميسرة، عن عمر أنه قال: لما أنزل تحريم الخمر، قال: اللهم بين لنا في الخمر بياناً شافياً، فنزلت هذه الآية التي في البقرة: {يَسْـأَلُونَكَ عَنِ ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ} فدعي عمر، فقرئت عليه فقال: اللهم بين لنا في الخمر بياناً شافياً، فنزلت الآية التي في النساء: {أية : يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَنتُمْ سُكَـٰرَىٰ}تفسير : [النساء: 43] فكان منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أقام الصلاة نادى: أن لا يقربن الصلاة سكران، فدعي عمر، فقرئت عليه، فقال: اللهم بين لنا في الخمر بياناً شافياً، فنزلت الآية التي في المائدة، فدعي عمر، فقرئت عليه فلما بلغ: {أية : فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ}تفسير : [المائدة: 91] قال عمر: انتهينا انتهينا. وهكذا رواه أبو داود والترمذي والنسائي من طرق عن إسرائيل عن أبي إسحاق، وكذا رواه ابن أبي حاتم وابن مردويه من طريق الثوري عن أبي إسحاق، عن أبي ميسرة، واسمه عمرو بن شرحبيل الهمداني الكوفي، عن عمر، وليس له عنه سواه، لكن قد قال أبو زرعة: لم يسمع منه، والله أعلم. وقال علي بن المديني: هذا إسناد صالح صحيح، وصححه الترمذي، وزاد ابن أبي حاتم بعد قوله: انتهينا: إنها تذهب المال وتذهب العقل، وسيأتي هذا الحديث أيضاً مع ما رواه أحمد من طريق أبي هريرة أيضاً عند قوله في سورة المائدة: {أية : إِنَّمَا ٱلْخَمْرُ وَٱلْمَيْسِرُ وَٱلأَنصَابُ وَٱلأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ ٱلشَّيْطَـٰنِ فَٱجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}تفسير : [المائدة: 90] الآيات، فقوله: {يَسْـأَلُونَكَ عَنِ ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ} أما الخمر، فكما قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه: إنه كل ما خامر العقل، كما سيأتي بيانه في سورة المائدة، وكذا الميسر، وهو القمار. وقوله: {قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَـٰفِعُ لِلنَّاسِ} أما إثمهما، فهو في الدين، وأما المنافع، فدنيوية؛ من حيث إن فيها نفع البدن، وتهضيم الطعام، وإخراج الفضلات، وتشحيذ بعض الأذهان، ولذة الشدة المطربة التي فيها، كما قال حسان بن ثابت في جاهليته:شعر : ونَشْرَبُها فَتَتْرُكُنا مُلوكاً وَأُسْداً لا يُنَهْنِهُنا اللقاءُ تفسير : وكذا بيعها والانتفاع بثمنها، وما كان يقمشه بعضهم من الميسر فينفقه على نفسه أو عياله، ولكن هذه المصالح لا توازي مضرته ومفسدته الراجحة؛ لتعلقها بالعقل والدين، ولهذا قال الله تعالى: {وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا}، ولهذا كانت هذه الآية ممهدة لتحريم الخمر على البتات، ولم تكن مصرحة، بل معرضة، ولهذا قال عمر رضي الله عنه لما قرئت عليه: اللهم بين لنا في الخمر بياناً شافياً، حتى نزل التصريح بتحريمها في سورة المائدة: {أية : يَـۤأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا ٱلْخَمْرُ وَٱلْمَيْسِرُ وَٱلأَنصَابُ وَٱلأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ ٱلشَّيْطَـٰنِ فَٱجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ إِنَّمَا يُرِيدُ ٱلشَّيْطَـٰنُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ ٱلْعَدَاوَةَ وَٱلْبَغْضَآءَ فِى ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ وَعَنِ ٱلصَّلَوٰةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ }تفسير : [المائدة: 90 ـ 91] ويأتي الكلام على ذلك في سورة المائدة إن شاء الله تعالى وبه الثقة. قال ابن عمر والشعبي ومجاهد وقتادة والربيع بن أنس وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم: إن هذه أول آية نزلت في الخمر: {يَسْـأَلُونَكَ عَنِ ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ}، ثم نزلت الآية التي في سورة النساء، ثم نزلت الآية التي في المائدة، فحرمت الخمر. قوله: {وَيَسْـأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ ٱلْعَفْوَ} قرىء بالنصب وبالرفع، وكلاهما حسن متجه قريب. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا أبان، حدثنا يحيى، أنه بلغه أن معاذ بن جبل وثعلبة أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالا: يا رسول الله إن لنا أرقاء وأهلين من أموالنا، فأنزل الله: {وَيَسْـأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ} وقال الحكم عن مقسم عن ابن عباس: {وَيَسْـأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ ٱلْعَفْوَ} قال: ما يفضل عن أهلك، كذا روي عن ابن عمر ومجاهد وعطاء وعكرمة وسعيد بن جبير ومحمد بن كعب والحسن وقتادة والقاسم وسالم وعطاء الخراساني والربيع بن أنس، وغير واحد، أنهم قالوا في قوله: {قُلِ ٱلْعَفْوَ} يعني: الفضل، وعن طاوس: اليسير من كل شيء. وعن الربيع أيضاً: أفضل مالك وأطيبه، والكل يرجع إلى الفضل. وقال عبد بن حميد في تفسيره: حدثنا هوذة بن خليفة، عن عوف، عن الحسن، في الآية: {وَيَسْـأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ ٱلْعَفْوَ} قال: ذلك ألا يجهد مالك، ثم تقعد تسأل الناس، ويدل على ذلك ما رواه ابن جرير: حدثنا علي بن مسلم، حدثنا أبو عاصم عن ابن عجلان، عن المقبري، عن أبي هريرة، قال: قال رجل: يا رسول الله عندي دينار، قال: «حديث : أنفقه على نفسك»تفسير : قال: عندي آخر، قال: «حديث : أنفقه على أهلك»تفسير : قال: عندي آخر: قال: حديث : أنفقه على ولدك تفسير : قال: عندي آخر، قال: حديث : فأنت أبصرتفسير : ؛ وقد رواه مسلم في صحيحه، وأخرجه مسلم أيضاً عن جابر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لرجل: «حديث : ابدأ بنفسك فتصدق عليها، فإن فضل شيء فلأهلك، فإن فضل شيء عن أهلك فلذي قرابتك، فإن فضل عن ذي قرابتك شيء فهكذا وهكذا»تفسير : . وعنده عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى، واليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول»تفسير : وفي الحديث أيضاً: «حديث : ابن آدم إنك إن تبذل الفضل خير لك، وإن تمسكه شر لك، ولا تلام على كفاف» تفسير : ثم قد قيل: إنها منسوخة بآية الزكاة، كما رواه علي بن أبي طلحة، والعوفي، عن ابن عباس، وقاله عطاء الخراساني والسدي، وقيل: مبينة بآية الزكاة، قاله مجاهد وغيره، وهو أوجه. وقوله: { كَذٰلِكَ يُبيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلآيَـٰتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ} أي: كما فصل لكم هذه الأحكام وبينها وأوضحها، كذلك يبين لكم سائر الآيات في أحكامه ووعده ووعيده، لعلكم تتفكرون في الدنيا والآخرة. قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: يعني في زوال الدنيا وفنائها، وإقبال الآخرة وبقائها. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا علي بن محمد الطنافسي، حدثنا أبو أسامة عن الصعق العيشي، قال: شهدت الحسن، وقرأ هذه الآية من البقرة: { لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ} قال: هي والله لمن تفكر فيها ليعلم أن الدنيا دار بلاء ثم دار فناء، وليعلم أن الآخرة دار جزاء ثم دار بقاء، وهكذا قال قتادة وابن جريج وغيرهما، وقال عبد الرزاق عن معمر عن قتادة: لتعلموا فضل الآخرة على الدنيا. وفي رواية عن قتادة: فآثروا الآخرة على الأولى. وقوله: {وَيَسْـأَلُونَكَ عَنِ ٱلْيَتَـٰمَىٰ قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ وَإِن تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَٰنُكُمْ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ ٱلْمُفْسِدَ مِنَ ٱلْمُصْلِحِ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لأَعْنَتَكُمْ} الآية، قال ابن جرير: حدثنا سفيان بن وكيع، حدثنا جرير عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: لما نزلت: {أية : وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ ٱلْيَتِيمِ إِلاَّ بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ}تفسير : [الأنعام: 152] و {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَٰلَ ٱلْيَتَـٰمَىٰ ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِى بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً}تفسير : [النساء: 10] انطلق من كان عنده يتيم، فعزل طعامه من طعامه، وشرابه من شرابه، فجعل يفضل له الشيء من طعامه، فيحبس له حتى يأكله أو يفسد، فاشتد ذلك عليهم، فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله: {وَيَسْـأَلُونَكَ عَنِ ٱلْيَتَـٰمَىٰ قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ وَإِن تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَٰنُكُمْ} فخلطوا طعامهم بطعامهم، وشرابهم بشرابهم. وهكذا رواه أبو داود والنسائي وابن أبي حاتم وابن مردويه والحاكم في مستدركه من طرق عن عطاء بن السائب به. وكذا رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، وكذا رواه السدي عن أبي مالك وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرة عن ابن مسعود بمثله، وهكذا ذكر غير واحد في سبب نزول هذه الآية كمجاهد وعطاء والشعبي وابن أبي ليلى وقتادة وغير واحد من السلف والخلف، قال وكيع بن الجراح: حدثنا هشام صاحب الدستوائي، عن حماد، عن إبراهيم، قال: قالت عائشة رضي الله عنها: إني لأكره أن يكون مال اليتيم عندي على حدة، حتى أخلط طعامه بطعامي، وشرابه بشرابي، فقوله: {قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ} أي: على حدة، {وَإِن تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَٰنُكُمْ} أي: وإن خلطتم طعامكم بطعامهم، وشرابكم بشرابهم، فلا بأس عليكم؛ لأنهم إخوانكم في الدين، ولهذا قال: {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ ٱلْمُفْسِدَ مِنَ ٱلْمُصْلِحِ} أي: يعلم مَنْ قصدُه ونيته الإفساد أو الإصلاح، وقوله: {وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لأَعْنَتَكُمْ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} أي: ولو شاء الله لضيق عليكم وأحرجكم، ولكنه وسع عليكم، وخفف عنكم، وأباح لكم مخالطتهم بالتي هي أحسن، قال تعالى: {أية : وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ ٱلْيَتِيمِ إِلاَّ بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ}تفسير : [الأنعام: 152] بل جوز الأكل منه للفقير بالمعروف، إما بشرط ضمان البدل لمن أيسر، أو مجاناً كما سيأتي بيانه في سورة النساء، إن شاء الله، وبه الثقة.

المحلي و السيوطي

تفسير : {يَسْئَلُونَكَ عَنِ ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ } القمار ما حكمهما؟{قُلْ } لهم {فِيهِمَآ } أي في تعاطيهما {إِثْمٌ كَبِيرٌ } عظيم، وفي قراءة (كثير) بالمثلثة لما يحصل بسببهما من المخاصمة والمشاتمة وقول الفحش {وَمَنَٰفِعُ لِلنَّاسِ } باللذة والفرح في الخمر وإصابة المال بلا كدّ في الميسر {وَإِثْمُهُمَآ } أي ما ينشأ عنهما من المفاسد {أَكْبَرُ } أعظم {مِن نَّفْعِهِمَا } ولما نزلت شربها قوم وامتنع آخرون إلى أن حرمتها آية (المائدة)[90:5] {وَ يَسْئَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ } أي ما قدره {قُلْ } أنفقوا {ٱلْعَفْوَ } أي الفاضل عن الحاجة ولا تنفقوا ما تحتاجون إليه وتضيعوا أنفسكم وفي قراءة بالرفع بتقدير هو {كَذٰلِكَ } أي كما بُيِّنَ لكم ما ذكر {يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلأَيَٰتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ }.

الشوكاني

تفسير : السائلون في قوله: {يَسْـئَلُونَكَ عَنِ ٱلْخَمْرِ والميسر} هم المؤمنون كما سيأتي بيانه عند ذكر سبب نزول الآية، والخمر مأخوذة من خمر إذا ستر، ومنه خمار المرأة، وكل شيء غطى شيئاً، فقد خمره، ومنه: «خمروا آنيتكم» وسمي خمراً، لأنه يخمر العقل، أي: يغطيه ويستره، ومن ذلك الشجر الملتفّ يقال: له الخمر بفتح الميم، لأنه يغطي ما تحته ويستره، يقال منه أخمرت الأرض: كثر خمرها. قال الشاعر:شعر : ألا يا زَيْدُ والضَّحَاك سِيرَا فَقَد جَاوَزْتُما خَمْر الطَّرِيقِ تفسير : أي: جاوزتما الوهد. وقيل: إنما سميت الخمر خمراً؛ لأنها تركت حتى أدركت، كما يقال قد اختمر العجين: أي: بلغ إدراكه، وخمر الرأي: أي: ترك حتى تبين فيه الوجه، وقيل: إنما سميت الخمر خمراً؛ لأنها تخالط العقل من المخامرة، وهي: المخالطة. وهذه المعاني الثلاثة متقاربة موجودة في الخمر؛ لأنها تركت حتى أدركت، ثم خالطت العقل، فخمرته: أي: سترته. والخمر: ماء العنب الذي غلا، واشتدّ، وقذف بالزَّبدَ، وما خامر العقل من غيره، فهو في حكمه كما ذهب إليه الجمهور. وقال أبو حنيفة، والثوري، وابن أبي ليلى، وابن شبرمة، وجماعة من فقهاء الكوفة: ما أسكر كثيره من غير خمر العنب، فهو حلال: أي: ما دون المسكر فيه. وذهب أبو حنيفة إلى حِل ما ذهب ثلثاه بالطبخ، والخلاف في ذلك مشهور. وقد أطلت الكلام على الخمر في شرحي للمنتقى، فليرجع إليه. والميسر مأخوذ من اليسر، وهو وجوب الشيء لصاحبه، يقال يسر لي كذا: إذا وجب، فهو ييسر يسراً، وميسراً، والياسر: اللاعب بالقداح. وقد يسر ييسر. قال الشاعر:شعر : فَأعِنهُم وَأيْسرْ كما يَسَرُوا به وإذا هُمُ نَزلوُا بضَنْك فَانْزِلِ تفسير : وقال الأزهري: الميسر: الجَزُور التي كانوا يتقامرون عليه، سمي ميسراً؛ لأنه يجزأ أجزاء، فكأنه موضع التجزئة، وكل شيء جزأته، فقد يسرته، والياسر: الجازر، قال: وهذا الأصل في الياسر، ثم يقال للضاربين بالقداح، والمتقامرين على الجزور: ياسرون، لأنهم جازرون، إذ كانوا سبياً لذلك. وقال في الصحاح: ويسر القوم الجزور: إذا اجتزروها، واقتسموا أعضاءها، ثم قال: ويقال يسر القوم: إذا قامروا، ورجل ميسر وياسر بمعنى، والجمع أيسار، قال النابغة:شعر : إني أتمِّم أيسارِى وأمْنَحُهم مَثْنَى الأيادِي وأكْسوا الحفْنَة الأدَمَا تفسير : والمراد بالميسر في الآية: قمار العرب بالأزلام، قال جماعة من السلف من الصحابة، والتابعين، ومن بعدهم: كل شيء فيه قمار من نَرْدٍ، أو شطرنج، أو غيرهما، فهو الميسر، حتى لعب الصبيان بالجوز، والكِعَاب إلا ما أبيح من الرهان في الخيل، والقرعة في إفراز الحقوق. وقال مالك: الميسر ميسران: ميسر اللهو، وميسر القمار، فمن ميسر اللهو: النرد، والشطرنج، والملاهي كلها، وميسر القمار: ما يتخاطر الناس عليه، وكل ما قومر به، فهو ميسر، وسيأتي البحث مطوّلاً في هذا في سورة المائدة عند قوله: {أية : إِنَّمَا ٱلْخَمْرُ وَٱلْمَيْسِرُ }تفسير : [المائدة: 90]. قوله: {قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ } يعني الخمر والميسر، فإثم الخمر أي: إثم تعاطيها ينشأ من فساد عقل مستعملها، فيصدر عنه ما يصدر عن فاسد العقل من المخاصمة، والمشاتمة، وقول الفحش، والزور، وتعطيل الصلوات، وسائر ما يجب عليه، وأما إثم الميسر أي: إثم تعاطيه، فما ينشأ عن ذلك من الفقر، وذهاب المال في غير طائل، والعدواة، وإيحاش الصدور. وأما منافع الخمر فربح التجارة فيها، وقيل: ما يصدر عنها من الطرب والنشاط وقوّة القلب، وثبات الجنان، وإصلاح المعدة، وقوّة الباءة، وقد أشار شعراء العرب إلى شيء من ذلك قال:شعر : وَإذَا شَرِبْتُ فَإِنَّني رَبُّ الخَوَرْنَق والسَّدِير وإذَا صَحُوْتُ فَإِنني رَبُّ الشَّوَيهةِ وَالبعير تفسير : وقال آخر: شعر : ونشر بها فتتركنا ملوكاً وأسداً ما يهنهنا اللقاء تفسير : وقال من أشار إلى ما فيها من المفاسد، والمصالح:شعر : رأيتُ الخمرَ صالحة وَفيها خِصَالُ تُفْسِدُ الرَّجُلُ الحَليما فلا والله أشْرَبْها صحيحاً ولا أشفَى بها أبداً سقيماً ولا أعْطى بها ثمناً حَيَاتي ولا أدعو لَها أبَداً نَدِيَماً تفسير : ومنافع الميسر: مصير الشيء إلى الإنسان بغير تعب، ولا كدّ، وما يحصل من السرور، والأريحية عند أن يصير له منها سهم صالح. وسهام الميسر أحد عشر، منها سبعة لها فروض على عدد ما فيها من الحظوظ: الأول: الفَذ بفتح الفاء بعدها معجمة، وفيه علامة واحدة، وله نصيب، وعليه نصيب. الثاني: التوأم بفتح المثناة الفوقية، وسكون الواو وفتح الهمزة، وفيه علامتان، وله وعليه نصيبان. الثالث: الرقيب، وفيه ثلاث علامات، وله وعليه ثلاثة أنصباء. الرابع الحلس؛ بمهملتين، الأولى مكسورة، واللام ساكنة، وفيه أربع علامات، وله وعليه أربعة أنصباء، الخامس: النافر بالنون، والفاء، والمهملة، ويقال: النافس بالسين المهملة مكان الراء، وفيه خمس علامات، وله وعليه خمسة أنصباء. السادس المُسْبَل بضم الميم، وسكون المهملة، وفتح الباء الموحدة، وفيه ست علامات، وله وعليه ستة أنصباء. السابع المعلَّى بضم الميم، وفتح المهملة، وتشديد اللام المفتوحة، وفيه سبع علامات، وله وعليه سبعة أنصباء، وهو أكثر السهام حظاً، وأعلاها قدراً، فجملة ذلك ثمانية وعشرون فرداً. والجزور تجعل ثمانية وعشرين جزءاً، هكذا قال الأصمعي، وبقي من السهام أربعة أغفالاً، لا فروض لها، وهي: المنيح، بفتح الميم، وكسر النون وسكون الياء التحتية، وبعدها مهملة، والسفيح بفتح المهملة، وكسر الفاء، وسكون الياء التحتية بعدها مهملة، والوغد بفتح الواو وسكون المعجمة بعدها مهملة، والضعف بالمعجمة بعدها مهملة ثم فاء، وإنما أدخلوا هذه الأربعة التي لا فروض لها بين ذوات الفروض لتكثر السهام على الذي يجيلها، ويضرب بها، فلا يجد إلى الميل مع أحد سبيلاً. وقد كان المجيل للسهام يلتحف بثوب، ويجِثوا على ركبتيه، ويخرج رأسه من الثوب، ثم يدخل يده في الربابة بكسر المهملة، وبعدها باء موحدة، وبعد الألف باء موحدة أيضاً، وهي الخريطة التي يجعل فيها السهام، فيخرج منها باسم كل رجل سهماً، فمن خرج له سهم له فرض أخذ فرضه، ومن خرج له سهم لا فرض له لم يأخذ شيئاً، وغرم قيمة الجزور، وكانوا يدفعون تلك الأنصباء إلى الفقراء. وقد قال ابن عطية: إن الأصمعي أخطأ في قوله: إن الجزور تقسم على ثمانية وعشرين جزءاً، وقال: إنما تقسم على عشرة أجزاء. قوله تعالى: {وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا } أخبر سبحانه بأن الخمر، والميسر، وإن كان فيهما نفع، فالإثم الذي يلحق متعاطيهما أكثر من هذا النفع؛ لأنه لا خير يساوي فساد العقل الحاصل بالخمر، فإنه ينشأ عنه من الشرور ما لا يأتي عليه الحصر، وكذلك لا خير في الميسر يساوي ما فيها من المخاطرة بالمال، والتعرض للفقر، واستجلاب العداوات المفضية إلى سفك الدماء، وهتك الحرم. وقرأ حمزة، والكسائي: «كثير» بالمثلثة. وقرأ الباقون بالباء الموحدة. وقرأ أبيّ: «وإثمهما أقرب من نفعها». قوله: {قُلِ ٱلْعَفْوَ } قرأه الجمهور بالنصب. وقرأ أبو عمرو وحده بالرفع. واختلف فيه عن ابن كثير، وبالرفع قرأه الحسن، وقتادة قال النحاس: إن جعلت "ذا" بمعنى الذي كان الاختيار الرفع على معنى: الذي ينفقون هو: العفو، وإن جعلت "ما" و"ذا" شيئاً واحداً كان الاختيار النصب على معنى: قل: ينفقون العفو، والعفو: ما سهل، وتيسر، ولم يشق على القلب، والمعنى: أنفقوا ما فضل عن حوائجكم، ولم تجهدوا فيه أنفسكم، وقيل: هو ما فضل عن نفقة العيال. وقال جمهور العلماء: هو نفقات التطوّع، وقيل: إن هذه الآية منسوخة بآية الزكاة المفروضة، وقيل: هي محكمة، وفي المال حق سوى الزكاة. قوله: {كَذٰلِكَ يُبيّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلآيَـٰتِ } أي: في أمر النفقة. وقوله: {فِى ٱلدُّنُيَا وَٱلأخِرَةِ } متعلق بقوله: {تَتَفَكَّرُونَ } أي: تتفكرون في أمرهما، فتحبسون من أموالكم ما تصلحون به معايش دنياكم، وتنفقون الباقي في الوجوه المقرّبة إلى الآخرة. وقيل: في الكلام تقديم وتأخير: أي: كذلك يبين الله لكم الآيات في الدنيا، والآخرة لعلكم تتفكرون في الدنيا، وزوالها، في الآخرة، وبقائها، فترغبون عن العاجلة إلى الآجلة. وقيل: يجوز أن يكون إشارة إلى: {وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا } أي: لتتفكروا في أمر الدنيا، والآخرة، وليس هذا بجيد. قوله: {ويسألونك عن اليتامى} هذه الآية نزلت بعد نزول قوله تعالى: {أية : وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ ٱلْيَتِيمِ }تفسير : [الأنعام: 152] وقوله: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوٰلَ ٱلْيَتَـٰمَىٰ }تفسير : [النساء: 10] وقد كان ضاق على الأولياء الأمر - كما سيأتي بيانه إن شاء الله - فنزلت هده الآية. والمراد بالإصلاح هنا: مخالطتهم على وجه الإصلاح لأموالهم، فإن ذلك أصلح من مجانبتهم وفي ذلك دليل على جواز التصرف في أموال الأيتام من الأولياء، والأوصياء بالبيع، والمضاربة والإجارة ونحو ذلك. قوله: {وَإِن تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوٰنُكُمْ } اختلف في تفسير المخالطة لهم، فقال أبو عبيدة: مخالطة اليتامى أن يكون لأحدهم المال، ويشقّ على كافله أن يفرد طعامه عنه، ولا يجد بداً من خلطه بعياله، فيأخذ من مال اليتيم ما يرى أنه كافيه بالتحري، فيجعله مع نفقة أهله، وهذا قد تقع فيه الزيادة، والنقصان، فدلت هذه الآية على الرخصة، وهي: ناسخة لما قبله. وقيل: المراد بالمخالطة: المعاشرة للأيتام. وقيل: المراد بها: المصاهرة لهم، والأولى عدم قصر المخالطة على نوع خاص، بل تشمل كل مخالطة كما يستفاد من الجملة الشرطية. وقوله: {فَإِخوَانُكُمْ } خبر لمبتدأ محذوف أي: فهم إخوانكم في الدين. وفي قوله: {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ ٱلْمُفْسِدَ مِنَ ٱلْمُصْلِحِ } تحذير للأولياء أي: لا يخفى على الله من ذلك شيء، فهو يجازي كل أحد بعمله من أصلح، فلنفسه، ومن أفسد فعلى نفسه. وقوله: {لأعْنَتَكُمْ } أي: ولو شاء لجعل ذلك شاقاً عليكم، ومتعباً لكم، وأوقعكم فيما فيه الحرج، والمشقة. وقيل العنت هنا: معناه: الهلاك. قاله أبو عبيدة، وأصل العنت المشقة. وقال ابن الأنباري: أصل العنت التشديد، ثم نقل إلى معنى الهلاك. وقوله: {عَزِيزٌ } أي: لا يمتنع عليه شيء؛ لأنه غالب لا يُغَالَب {حَكِيمٌ } يتصرف في ملكه بما تقتضيه مشيئته، وحكمته، وليس لكم أن تختاروا لأنفسكم. وقد أخرج أحمد، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وأبو داود، والترمذي وصححه، والنسائي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، والضياء في المختارة، عن عمر أنه قال: اللهم بيِّن لنا في الخمر بياناً شافياً، فإنها تذهب بالمال والعقل، فنزلت: {يَسْـئَلُونَكَ عَنِ ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ } يعني هذه الآية، فدعى عمر، فقرئت عليه فقال: اللهمّ بين لنا في الخمر بياناً شافياً، فنزلت التي في سورة النساء: {أية : يأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَنتُمْ سُكَـٰرَىٰ }تفسير : [النساء: 43] فكان منادى رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام إلى الصلاة نادى: "أن لا يقربن الصلاة" سكران، فدعى عمر، فقرئت عليه فقال: اللهمّ بين لنا في الخمر بياناً شافياً، فنزلت الآية التي في المائدة، فدعي عمر، فقرئت عليه، فلما بلغ: {أية : فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ } تفسير : [المائدة: 91] قال عمر: انتهينا انتهينا. وأخرج ابن أبي حاتم، عن أنس قال: كنا نشرب الخمر، فأنزلت: {يَسْـئَلُونَكَ عَنِ ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ } الآية، فقلنا: نشرب منها ما ينفعنا، فنزلت في المائدة: {أية : إِنَّمَا ٱلْخَمْرُ وَٱلْمَيْسِرُ }تفسير : [المائدة: 90] الآية فقالوا: اللهمّ انتهينا. وأخرج أبو عبيد، والبخاري في الأدب المفرد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عمر؛ قال الميسر القمار. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن مجاهد مثله. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن المنذر، عن ابن عباس مثله قال: كان الرجل في الجاهلية يخاطر عن أهله، وماله، فأيهما قمر صاحبه ذهب بأهله، وماله. وقوله: {قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ } يعني: ما ينقص من الدين عند شربها: {وَمَنَـٰفِعُ لِلنَّاسِ } يقول: فيما يصيبون من لذتها، وفرحها إذا شربوا: {وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا } يقول: ما يذهب من الدين، فالإثم فيه أكبر مما يصيبون من لذتها، وفرحها إذا شربوها، فأنزل الله بعد ذلك: {أية : لا تَقْرَبُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَنتُمْ سُكَـٰرَىٰ } تفسير : [النساء: 43] الآية، فكانوا لا يشربونها عند الصلاة، فإذا صلوا العشاء، شربوها، ثم إن ناساً من المسلمين شربوها فقاتل بعضهم بعضاً، وتكلموا بما لم يرض الله من القول، فأنزل الله: {أية : إِنَّمَا ٱلْخَمْرُ وَٱلْمَيْسِرُ وَٱلأنصَابُ }تفسير : الآية [المائدة: 90]، فحرّم الخمر، ونهى عنها. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عنه قال: منافعهما قبل التحريم، وإثمهما بعد ما حرّمهما. وأخرج ابن إسحاق، وابن أبي حاتم عنه؛ أن نفراً من الصحابة حين أمروا بالنفقة في سبيل الله أتوا النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا: إنا لا ندري ما هذه النفقة التي أمرنا بها في أموالنا، فما ننفق منها؟ فأنزل الله: {يسئلونك ماذا ينفقون قل العفو} وكان قبل ذلك ينفق ماله حتى ما يجد ما يتصدق به، ولا ما يأكل حتى يُتصدّق عليه. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عنه قال: العفو هو: ما لا يتبين في أموالكم، وكان هذا قبل أن تفرض الصدقة. وأخرج سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، والبيهقي في الشعب عنه في الآية قال: {ٱلْعَفْوَ } ما يفضل عن أهلك وفي لفظ قال: الفضل عن العيال. وأخرج ابن جرير عنه في قوله: {قُلِ ٱلْعَفْوَ } قال: لم تفرض فيه فريضة معلومة ثم قال: {أية : خُذِ ٱلْعَفْوَ وَأْمُرْ بِٱلْعْرُفِ }تفسير : [الأعراف: 199] ثم نزلت في الفرائض بعد ذلك مسماة. وقد ثبت في الصحيح من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى، وابدأ بمن تعول»تفسير : وثبت نحوه في الصحيح مرفوعاً من حديث حكيم بن حزام. وفي الباب أحاديث كثيرة، وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ * فِى ٱلدُّنُيَا وَٱلأخِرَةِ } قال: يعني في زوال الدنيا، وفنائها، وإقبال الآخرة، وبقائها. وأخرج أبو داود، والنسائي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والحاكم وصححه، والبيهقي في سننه عنه قال: لما أنزل الله: {أية : وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ ٱلْيَتِيمِ إِلاَّ بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ } تفسير : [الأنعام: 152] {أية : وَأَنَّ ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوٰلَ ٱلْيَتَـٰمَىٰ }تفسير : [النساء: 10] الآية، انطلق من كان عنده يتيم يعزل طعامه عن طعامه، وشرابه عن شرابه، فجعل يفصل له الشيء من طعامه، فيحبس له حتى يأكله، أو يفسد فيرمى به، فاشتد ذلك عليهم، فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله: {ويسألونك عن اليتامى} الآية. فخلطوا طعامهم بطعامهم، وشرابهم بشرابهم. وقد روى نحو ذلك، عن جماعة من التابعين. وأخرج عبد بن حميد، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {وَإِن تُخَالِطُوهُمْ } قال: المخالطة: أن يشرب من لبنك، وتشرب من لبنه، ويأكل من قصعتك، وتأكل من قصعته، ويأكل من ثمرتك، وتأكل من ثمرته: {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ ٱلْمُفْسِدَ مِنَ ٱلْمُصْلِحِ } قال: يعلم من يتعمد أكل مال اليتيم، ومن يتحرج منه، ولا يألو عن إصلاحه: {وَلَوْ شَاء ٱللَّهُ لأعْنَتَكُمْ } يقول: لو شاء ما أحلّ لكم ما أعنتكم مما لا تتعمدون. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه في قوله: {لأعْنَتَكُمْ } يقول: لأحرجكم، وضيق عليكم، ولكنه وسع، ويسر. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه في قوله: {وَلَوْ شَاء ٱللَّهُ لاعْنَتَكُمْ } قال، ولو شاء لجعل ما أصبتم من أموال اليتامى موبقاً.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ} الآية: يعني يسألك أصحابك يا محمد عن الخمر والميسر وشربها، وهذه أول آية نزلت فيها. والخمر كل ما خامر العقل فستره وغطى عليه، من قولهم خَمَّرتُ الإناء إذا غطيته، ويقال هو في خُمار الناس وغمارهم يراد به دخل في عُرضهم فاستتر بهم، ومن ذلك أُخذ خمار المرأة لأنه يسترها، ومنه قيل هو يمشي لك الخمر أي مستخفياً، قال العجاج: شعر : في لامع العِقْبان لا يأتي الخَمَرْ يُوجّهُ الأرضَ ويستاق الشّجَرْ تفسير : يعني بقوله لا يأتي الخمر أي لا يأتي مستخفياً لكن ظاهراً برايات وجيوش. فأما الميسر فهو القمار من قول القائل يَسر لي هذا الشيء يَسْراً ومَيْسِراً، فالياسر اللاعب بالقداح ثم قيل للمقامر ياسر ويَسَر كما قال الشاعر: شعر : فبت كأنني يَسَرٌ غبينٌ يقلب بعدما اختلع القداحا تفسير : {قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ} قرأ حمزة والكسائي {..... كَثِيرٌ} بالثاء. وفي إثمهما تأويلان: أحدهما: أن شارب الخمر يسكر فيؤذي الناس، وإثم الميسر: أن يقامر الرجل فيمنع الحق ويظلم، وهذا قول السدي. والثاني: أن إثم الخمر زوال عقل شاربها إذا سكر حتى يغْرُب عنه معرفة خالقه. وإثم الميسر: ما فيه من الشغل عن ذكر الله وعن الصلاة، ووقوع العداوة والبغضاء كما وصف الله تعالى: {أية : إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيطَانُ أَن يُوقِعَ بَينَكُمً الْعَدَاوَةَ والْبَغْضَاءَ فِي الْخمر والْمَيسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ} تفسير : [المائدة: 90] وهذا قول ابن عباس. وأما قوله تعالى: { وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ} فمنافع الخمر أثمانها وربح تجارتها، وما ينالونه من اللذة بشربها، كما قال حسان بن ثابت: شعر : ونشربها فتتركنا ملوكاً وأُسْداً ما ينهنهنا اللقاءُ تفسير : وكما قال آخر: شعر : فإذا شربت فإنني رَبُّ الخَورْنق والسدير وإذا صحوتُ فإنني ربُّ الشويهة والبعير تفسير : وأما منافع الميسر ففيه قولان: أحدهما: اكتساب المال من غير كدّ. والثاني: ما يصيبون من أنصباء الجزور، وذلك أنهم كانوا يتياسرون على الجزور فإذا أفلح الرجل منهم على أصحابه نحروه ثم اقتسموه أعشاراً على عدة القداح، وفي ذلك يقول أعشى بني ثعلبة: شعر : وجزور أيسار دعوت إلى الندى أوساط مقفرة أخف طلالها تفسير : وهذا قول ابن عباس ومجاهد والسدي. ثم قال تعالى: {وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعْهِمَا} فيه تأويلان: أحدهما: أن إثمهما بعد التحريم أكبر من نفعهما بعد التحريم، وهو قول ابن عباس. والثاني: أن كلاهما قبل التحريم يعني الإثم الذي يحدث من أسبابهما أكبر من نفعهما، وهو قول سعيد بن جبير. وفي قوله تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ} ستة تأويلات: أحدها: بما فضل عن الأهل، وهو قول أبن عباس. والثاني: أنه الوسط في النفقة ما لم يكن إسرافاً أو إقتاراً، وهو قول الحسن. والرابع: إن العفو أن يؤخذ منهم ما أتوا به من قليل أو كثير، وهو قول مروي عن ابن عباس أيضاً. والخامس: أنه الصدقة عن ظهر غِنى، وهو قول مجاهد. والسادس: أنه الصدقة المفروضة وهو مروي عن مجاهد أيضاً. واختلفوا في هذه النفقة التي هي العفو هل نسخت؟ فقال ابن عباس نسخت بالزكاة. وقال مجاهد هي ثابتة. واختلفوا في هذه الآية هل كان تحريم الخمر بها أو بغيرها؟ فقال قوم من أهل النظر: حرمت الخمر بهذه الآية. وقال قتادة وعليه أكثر العلماء: أنها حرمت بأية المائدة. وروى عبد الوهاب عن عوف عن أبي القُلوص زيد بن علي قال: أنزل الله عز وجل في الخمر ثلاث آيات فأول ما أنزل الله تعالى:{يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخمْرِ والْمِيِسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَاقِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا}، فشربها قوم من المسلمين أو من شاء الله منهم حتى شربها رجلان ودخلا في الصلاة وجعلا يقولان كلاماً لا يدري عوف ما هو، فأنزل الله تعالى: {يا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لاَ تَقْرَبُوا الَّصلاة وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ} فشربها من شربها منهم وجعلوا يتوقّونها عند الصلاة، حتى شربها ـ فيما زعم أبو القلوص ـ رجل فجعل ينوح على قتلى بدر، وجعل يقول: شعر : تحيي بالسلامة أم بكرٍ وهل لي بعد قومي من سلام ذريني اصطبحْ بكراَ فإني رأيت الموت نبّث عن هشام ووديني المغيرة لو فدوه بألف من رجال أو سوام وكائن بالطَويَّ طويَّ بدرٍ من الشيزي تُكَلّلُ بالسنامَ وكائن بالطَويَّ طويَّ بدر من الفتيان والحلل الكرامِ تفسير : قال: فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاء فزعاً يجر رداءه من الفزع حتى انتهى إليه، فلما عاينه الرجل ورفع رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً كان بيده ليضربه، فقال: أعوذ بالله من غضب الله وغضب رسول الله، لا أطعمها أبداً، فأنزل الله في تحريمها {أية : يَا أَيَّهَا الَّذِينَ ءَآمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيِسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأزْلاَمُ} تفسير : إلى قوله: {أية : فَهَلْ أَنْتُم مُّنْتَهُونَ} تفسير : [المائدة: 90ـ91] فقالوا: انتهينا. وروى موسى عن عمرو عن أسباط عن السدي قال: نزلت هذه الآية: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخمْرِ والْمِيِسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ} فلم يزالوا يشربونها حتى صنع عبد الرحمن بن عوف طعاماً ودعا ناساً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، منهم علي بن أبي طالب وعمر رضي الله عنهما، فشربوا حتى سكروا، فحضرت الصلاة فأمهم علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقرأ: {أية : قُلْ يَأَيُّها الْكَافِرُونَ} تفسير : [الكافرون:1] فلم يُقِمْها، فأنزل الله تعالى يشدد في الخمر {يا أيُّهَا الَّذِينَ ءَآمَنْوا لاَ تَقْرَبُوا الصَّلاَةَ} إلى قوله: {مَا تَقُولُونَ} فكانت لهم حلالاً يشربونها من صلاة الغداة حتى يرتفع النهار أو ينتصف فيقومون إلى صلاة الظهر وهم صاحون، ثم لا يشربونها حتى يصلوا العتمة، ثم يشربونها حتى ينتصف الليل، وينامون ويقومون إلى صلاة الفجر وقد أصبحوا، فلم يزالوا كذلك يشربونها حتى صنع سعد بن أبي وقاص طعاماً ودعا ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم رجل من الأنصار، فسوى لهم رأس بعير ثم دعاهم إليه، فلما أكلوا وشربوا من الخمر سكروا وأخذوا في الحديث فتكلم سعد بشيء فغضب الأنصاري فرفع لحى البعير وكسر أنف سعد، فأنزل الله تعالى نسخ الخمر وتحريمها، فقال تعالى: {أية : يَا أَيَّهَا الَّذِينَ ءَآمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيِسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأزْلاَمُ} تفسير : [المائدة: 90] إلى قوله: {فَهَلْ أَنْتُم مُّنْتَهُونَ}. قوله تعالى: { … وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ: إِصْلاَحٌ لَهُم خَيرٌ} قال المفسرون: لمّا نزلت سورة بني إسرائيل، وقوله تعالى: {وَلاَ تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِاَّلتِي هيَ أَحْسَنُ}، وفي سورة النساء: {أية : إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ اليَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِم نَاراً}، تفسير : تحرج المسلمون أن يخلطوا طعامهم بطعام من يكون عندهم من الأيتام، وكانوا يعزلون طعامهم هم طعامهم، وشرابهم عن شرابهم، حتى ربما فسد طعامهم، فشق ذلك عليهم، فشكوا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله تعالى: {وَإِنَّ تُخَالِطوهُم فَإِخْوَانَكُم}، يعني في الطعام، والشراب، والمساكنة، وركوب الدابة، واستخدام العبد قال الشعبي: فمن خالط يتيماً، فليوسع عليه، ومن خالط بأكل فلا يفعل. {وَاللَّهُ يَعْلَمُ المُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ} قال ابن زيد: الله يعلم حين تخلط مالك بماله، أتريد أن تصلح ماله أو تفسد ماله بغير حق. {وَلَو شَاءَ اللَّهُ لأَعْنَتَكُم} فيه تأويلان: أحدهما: لَشدّد عليكم، وهو قول السدي. والثاني: لجعل ما أصبتم من أموال اليتامى موبقاً، وهو قول ابن عباس. {إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} يعني عزيز في سلطانه وقدرته على الإعنات، حكيم فيما صنع من تدبيره وتركه الإعنات.

ابن عبد السلام

تفسير : {يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ} الخمر: ما خامر العقل فيستره، والميسر: القمار. {إِثْمٌ كَبِيرٌ} سكر الشارب وإيذاؤه الناس؛ وإثم الميسر بالظلم ومنع الحق، أو إثم الخمر: زوال العقل حتى لا يعرف خالقه، وإثم الميسر: صده عن ذكر الله وعن الصلاة، وإيقاع العداوة والبغضاء. {وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ} منافع أثمانها، وربح تجارتها، والالتذاذ بشربها. شعر : ونشربها فتتركنا ملوكا وأُسداً ما ينهنهنا اللقاء تفسير : ومنافع الميسر: كسب المال بغير كد، أو ما كانوا يصيبون به من أنصباء الجزور. {وَإِثْمُهُمَآ} بعد التحريم {أُكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا} قبل التحريم، أو كلاهما قبل التحريم. {الْعَفْوَ} ما فضل عن الأهل، أو ما لا يبين على من أنفقه أو تصدق به، أو الوسط من غير إسراف ولا إقتار، أو أخذ ما آتوه من قليل أو كثير، أو الصدقة عن ظهر غنى، أو الصدقة المفروضة، وهي محكمة، أو نُسخت بالزكاة، وحُرمت الخمر بهذه الآية، أو بآية "المائدة" على قول الأكثر.

النسفي

تفسير : {يَسْـئَلُونَكَ عَنِ ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ } فشربها قوم وتركها آخرون، ثم دعا عبد الرحمن بن عوف جماعة فشربوا وسكروا فأم بعضهم فقرأ «قل يا أيها الكافرون أعبد ما تعبدون» فنزل {أية : لاَ تَقْرَبُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَنتُمْ سُكَـٰرَىٰ }تفسير : [النساء: 43] فقل من يشربها، ثم دعا عتبان بن مالك جماعة فلما سكروا منها تخاصموا وتضاربوا فقال عمر: اللهم بيّن لنا في الخمر بياناً شافياً فنزل {إِنَّمَا ٱلْخَمْرُ وَٱلْمَيْسِرُ } إلى قوله {أية : فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ }تفسير : [المائدة: 91] فقال عمر: انتهينا يا رب. وعن علي رضي الله عنه: لو وقعت قطرة في بئر فبنيت مكانها منارة لم أؤذن عليها، ولو وقعت في بحر ثم جف ونبت فيه الكلأ لم أرعه. والخمر ما غلى واشتد وقذف بالزبد من عصير العنب، وسميت بمصدر خمره خمراً إذا ستره لتغطيتها العقل. والميسر القمار مصدر من يسر كالوعد من فعله يقال يسرته إذا أقمرته، واشتقاقه من اليسر لأنه أخذ مال الرجل بيسر وسهولة بلا كد وتعب، أو من اليسار كأنه سلب يساره. وصفة الميسر أنه كانت لهم عشرة أقداح سبعة منها عليها خطوط وهو الفذ وله سهم، والتوأم وله سهمان، والرقيب وله ثلاثة، والحلس وله أربعة، والنافس وله خمسة، والمسبل وله ستة، والمعلى وله سبعة، وثلاثة أغفال لا نصيب لها وهي المنيح والسفيح والوغد، فيجعلون الأقداح في خريطة ويضعونها على يد عدل ثم يجلجلها ويدخل يده ويخرج باسم رجل قدحاً قدحاً منها، فمن خرج له قدح من ذوات الأنصباء أخذ النصيب الموسوم به ذلك القدح، ومن خرج له قدح ما لا نصيب له لم يأخذ شيئاً وغرم ثمن الجزور كله، وكانوا يدفعون تلك الأنصباء إلى الفقراء ولا يأكلون منها ويفتخرون بذلك ويذمون من لم يدخل فيه، وفي حكم الميسر أنواع القمار من النرد والشطرنج وغيرهما، والمعنى يسألونك عما في تعاطيهما بدليل {قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ } بسبب التخاصم والتشاتم وقول الفحش والزور «كثير»: حمزة وعلي. {وَمَنَـٰفِعُ لِلنَّاسِ } بالتجارة في الخمر والتلذذ بشربها، وفي الميسر بارتقاق الفقراء أو نيل المال بلا كد {وَإِثْمُهُمَا } وعقاب الإثم في تعاطيهما {أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا } لأن أصحاب الشرب والقمار يقترفون فيها الآثام من وجوه كثيرة. {وَيَسْـئَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ ٱلْعَفْوَ } أي الفضل أي أنفقوا ما فضل عن قدر الحاجة، وكان التصدق بالفضل في أول الإسلام فرضاً فإذا كان الرجل صاحب زرع أمسك قوت سنة وتصدق بالفضل، وإذا كان صانعاً أمسك قوت يومه وتصدق بالفضل فنسخت بآية الزكاة. «العفو»: أبو عمرو؛ فمن نصبه جعل «ماذا» اسماً واحداً في موضع النصب بـ « ينفقون» والتقدير: قل ينفقون العفو، ومن رفعه جعل «ما» مبتدأ وخبره «ذا» مع صلته فـ «ذا» بمعنى «الذين»و«ينفقون» صلته أي ما الذي ينفقون فجاء الجواب «العفو» أي هو العفو فإعراب الجواب كإعراب السؤال ليطابق الجواب السؤال. {كَذٰلِكَ } الكاف في موضع نصب نعت لمصدر محذوف أي تبييناً مثل هذا التبيين {يُبيّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلآيَـٰتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ فِى ٱلدُّنْيَا } أي في أمر الدنيا {وَٱلآخِرَةِ } و «وفي» يتعلق بتتفكرون أي تتفكرون فيما يتعلق بالدارين فتأخذون بما أصلح لكم، أو تتفكرون في الدارين فتؤثرون أبقاهما وأكثرهما منافع، ويجوز أن يتعلق بـ «يبين» أي يبين لكم الآيات في أمر الدارين وفيما يتعلق بهما لعلكم تتفكرون. ولما نزل {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوٰلَ ٱلْيَتَـٰمَىٰ ظُلْماً }تفسير : [النساء: 10] اعتزلوا اليتامى وتركوا مخالطتهم والقيام بأموالهم وذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فنزل. { وَيَسْـئَلُونَكَ عَنِ ٱلْيَتَـٰمَىٰ قُلْ إصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ} أي مداخلتهم على وجه الإصلاح لهم ولأموالهم خير من مجانبتهم {وَإِن تُخَالِطُوهُمْ } وتعاشروهم ولم تجانبوهم {فَإِخوَانُكُمْ } فهم إخوانكم في الدين ومن حق الأخ أن يخالط أخاه {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ ٱلْمُفْسِدَ } لأموالهم {مِنَ ٱلْمُصْلِحِ } لها فيجازيه على حسب مداخلته فاحذروه ولا تتحروا غير الإصلاح {وَلَوْ شَاءَ ٱللَّهُ } إعناتكم {لأَعْنَتَكُمْ } لحملكم على العنت وهو المشقة وأحرجكم فلم يطلق لكم مداخلتهم {إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ } غالب يقدر على أن يعنت عباده ويحرجهم {حَكِيمٌ } لا يكلف إلا وسعهم وطاقتهم. ولما سأل مرثد النبي صلى الله عليه وسلم عن أن يتزوج عناق وكانت مشركة نزل {وَلاَ تَنْكِحُواْ ٱلْمُشْرِكَـٰتِ حَتَّىٰ يُؤْمِنَّ } أي لا تتزوجوهن. يقال نكح إذا تزوج وأنكح غيره زوجه {وَلأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مّن مُّشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ } ولو كان الحال أن المشركة تعجبكم وتحبونها {وَلاَ تُنكِحُواْ ٱلْمُشِرِكِينَ } ولا تزوجوهم بمسلمة كذا قاله الزجاج. وقال جامع العلوم: حذف أحد المفعولين والتقدير ولا تنكحوهن المشركين {حَتَّىٰ يُؤْمِنُواْ وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مّن مُّشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ }. ثم بين علة ذلك فقال {أُوْلَـٰئِكَ } وهو إشارة إلى المشركات والمشركين {يَدْعُونَ إِلَى ٱلنَّارِ } إلى الكفر الذي هو عمل أهل النار فحقهم أن لا يوالوا ولا يصاهروا {وَٱللَّهُ يَدْعُواْ إِلَى ٱلْجَنَّةِ وَٱلْمَغْفِرَةِ } أي وأولياء الله وهم المؤمنون يدعون إلى الجنة والمغفرة وما يوصل إليهما فهم الذين تجب موالاتهم ومصاهرتهم {بِإِذْنِهِ } بعلمه أو بأمره {وَيُبَيِنُ آيَـٰتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ } يتعظون. كانت العرب لم يؤاكلوا الحائض ولم يشاربوها ولم يساكنوها كفعل اليهود والمجوس، فسأل أبو الدحداح رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك وقال: يا رسول الله كيف نصنع بالنساء إذا حضن؟ فنزل {وَيَسْـئَلُونَكَ عَنِ ٱلْمَحِيضِ } هو مصدر يقال حاضت محيضاً كقولك «جاء مجيئاً» {قُلْ هُوَ أَذًى } أي المحيض شيء يستقذر ويؤذي من يقربه {فَٱعْتَزِلُواْ ٱلنّسَاءَ فِي ٱلْمَحِيضِ } فاجتنبوهن أي فاجتنبوا مجامعتهن. وقيل: إن النصارى كانوا يجامعونهن ولا يبالون بالحيض، واليهود كانوا يعتزلونهن في كل شيء، فأمر الله بالاقتصاد بين الأمرين. ثم عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله يجتنب ما اشتمل عليه الإزار، ومحمد رحمه الله لا يوجب إلا اعتزال الفرج. وقالت عائشة رضي الله عنها: يجتنب شعار الدم وله ما سوى ذلك. {وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ } مجامعين أو ولا تقربوا مجامعتهن {حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ } بالتشديد كوفي غير حفص أي يغتسلن وأصله «يتطهرون» فأدغم التاء في الطاء لقرب مخرجيهما. غيرهم «يطهرن» أي ينقطع دمهن، والقراءتان كآيتين فعملنا بهما وقلنا له أن يقربها في أكثر الحيض بعد انقطاع الدم وإن لم تغتسل عملاً بقراءة التخفيف، وفي أقل منه لا يقربها حتى تغتسل أو يمضي عليها وقت الصلاة عملاً بقراءة التشديد، والحمل على هذا أولى من العكس لأنه حينئذ يجب ترك العمل بإحداهما لما عرف، وعند الشافعي رحمه الله لا يقربها حتى تطهر وتتطهر دليله قوله تعالى: {فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ } فجامعوهن فجمع بينهما {مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ ٱللَّهُ } من المأتى الذي أمركم الله به وحلله لكم وهو القبل {إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلتَّوابِينَ } من ارتكاب ما نهوا عنه أو العوادين إلى الله تعالى وإن زلوا فزلوا والمحبة لمعرفته بعظم عفو الله حيث لا ييأس {وَيُحِبُّ ٱلْمُتَطَهِّرِينَ } بالماء أو المتنزهين من أدبار النساء أو من الجماع في الحيض أو من الفواحش. كان اليهود يقولون إذا أتى الرجل أهله باركة أتى الولد أحول فنزل {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ } مواضع حرث لكم وهذا مجاز شبهن بالمحارث تشبيهاً لما يلقى في أرحامهن من النطف التي منها النسل بالبذور والولد بالنبات، ووقع قوله «نساؤكم حرث لكم» بياناً وتوضيحاً لقوله: «فأتوهن من حيث أمركم الله». أي إن المأتى الذي أمركم الله به هو مكان الحرث لا مكان الفرث تنبيهاً على أن المطلوب الأصلي في الإتيان هو طلب النسل لإقضاء الشهوة فلا تأتوهن إلا من المأتي الذي نيط به هذا المطلوب {فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّىٰ شِئْتُمْ } جامعوهن متى شئتم أو كيف شئتم باركة أو مستلقية أو مضطجعة بعد أن يكون المأتي واحداً وهو موضع الحرث وهو تمثيل، أي فأتوهن كما تأتون أراضيكم التي تريدون أن تحرثوها من أي جهة شئتم لا يحظر عليكم جهة دون جهة. وقوله: «هو أذى فاعتزلوا النساء»، «من حيث أمركم الله فأتوا حرثكم أنى شئتم». من الكنايات اللطيفة والتعريضات المستحسنة، فعلى كل مسلم أن يتأدب بها ويتكلف مثلها في المحاورات والمكاتبات {وَقَدّمُواْ لأَِنفُسِكُمْ } ما يجب تقديمه من الأعمال الصالحة وما هو خلاف ما نهيتم عنه، أو هو طلب الولد أو التسمية على الوطء {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ } فلا تجترئوا على المناهي {وَٱعْلَمُواْ أَنَّكُم مُّلَـٰقُوهُ } صائرون إليه فاستعدوا للقائه {وَبَشِّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ } بالثواب يا محمد. وإنما جاء «يسألونك» ثلاث مرات بلا واو ثم مع الواو ثلاثاً لأن سؤالهم عن تلك الحوارث الأول كأنه وقع في أحوال متفرقة فلم يؤت بحرف العطف لأن كل واحد من السؤالات سؤال مبتدأ، وسألوا عن الحوادث الأخر في وقت واحد فجيء بحرف الجمع. لذلك.

الخازن

تفسير : قوله عز وجل: {يسألونك عن الخمر والميسر} الآية نزلت في عمر بن الخطاب ومعاذ بن جبل وجماعة من الأنصار أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله أفتنا في الخمر والميسر فإنهما مذهبة للعقل مسلبة للمال فأنزل الله هذه الآية: وأصل الخمر في اللغة الستر والتغطية وسميت الخمر خمراً لأنها تخامر العقل أي تخالطه. وقيل: لأنها تستره وتغطيه وجملة القول في تحريم الخمر أن الله عز وجل أنزل في الخمر أربع آيات نزلت بمكة: {أية : ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكراً} تفسير : [النحل: 67] فكان المسلمون يشربونها في أول الإسلام، وهي لهم حلال ثم نزل بالمدينة في جواب سؤال عمر ومعاذ: {يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير} فتركها قوم لقوله، إثم كبير وشربها قوم لقوله ومنافع للناس ثم إن عبد الرحمن بن عوف صنع طعاماً، ودعا إليه ناساً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأطعمهم وسقاهم الخمر وحضرت صلاة المغرب فقدموا أحدهم ليصلي بهم فقرأ: قل يا أيها الكافرون أعبد ما تعبدون بحذف حرف لا إلى آخر السورة فأنزل الله عز وجل: {أية : يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون} تفسير : [النساء: 43] فحرم الله السكر في أوقات الصلوات فكان الرجل يشربها بعد صلاة العشاء، فيصبح وقد زال سكره فيصلي الصبح، ويشربها بعد صلاة الصبح، فيصحو وقت الظهر ثم إن عتبان بن مالك اتخذ صنيعاً يعني وليمة ودعا رجالاً من المسلمين، وفيهم سعد بن أبي وقاص، وكان قد شوى لهم رأس بعير فأكلوا وشربوا الخمر حتى أخذت منهم فافتخروا عند ذلك وانتسبوا وتناشدوا الأشعار، فأنشد سعد قصيدة فيها فخر قومه وهجاء الأنصار، فأخذ رجل من الأنصار لحي البعير فضرب به رأس سعد فشجه موضحة فانطلق سعد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وشكا إليه الأنصاري فقال عمر: اللهم بين لنا في الخمر بياناً شافياً، ويروى أن حمزة بن عبدالمطلب، شرب الخمر يوماً وخرج فلقي رجلاً من الأنصار وبيده ناضح له والأنصاري يتمثل ببيتين لكعب بن مالك يمدح قومه وهما: شعر : جمعنا مع الإيواء نصراً وهجرة فلم ير حيّ مثلنا في المعاشر فأحياؤنا من خير أحياء من مضى وأمواتنا من خير أهل المقابر تفسير : فقال حمزة: أولئك المهاجرون وقال الأنصاري، بل نحن الأنصار فتنازعا فجرد حمزة سيفه وعدا على الأنصاري فهرب الأنصاري وترك ناضحه فقطعه حمزة فجاء الأنصاري مستعدياً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره بفعل حمزة فغرم له رسول الله صلى الله عليه وسلم ناضحاً فقال عمر: اللهم بين لنا في الخمر بياناً شافياً فأنزل الله تعالى الآية التي في المائدة إلى قوله {أية : فهل أنتم منتهون} تفسير : [المائدة: 91] فقال عمر: انتهينا يا رب، وذلك بعد غزوة الأحزاب بأيام والحكمة في وقوع التحريم على هذا الترتيب أن الله تعالى علم أن القوم كانوا قد ألفوا شرب الخمر وكان انتفاعهم بذلك كثيراً فعلم أنه لو منعهم من الخمر دفعه واحدة لشق ذلك عليهم فلا جرم استعمل هذا التدريج وهذا الرفق. قال أنس: حرمت الخمر ولم يكن يومئذٍ للعرب عيش أعجب منها وما حرم عليهم شيء أشد من الخمر (ق) عن أنس قال: ما كان لنا خمر غير فضيخكم وإني لقائم أسقي أبا طلحة وأبا أيوب وفلاناً وفلاناً إذ جاء رجل، فقال: حرمت الخمر فقالوا: أهرق هذه القلال يا أنس فما سألوا عنها ولا راجعوها بعد خبر هذا الرجل. الفضيخ بالضاد والخاء المعجمتين شراب يتخذ من بسر مطبوخ والمفضوخ المشدوخ والمكسور والإهراق الصب والقلال جمع قلة وهي الجرة الكبيرة. فصل: في تحريم الخمر ووعيد من شربها أجمعت الأمة على تحريم الخمر، وأنه يحد شاربها ويفسق بذلك مع اعتقاد تحريمها فإن استحل كفر بذلك ويجب قتله (ق) عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : كل مسكر خمر وكل مسكر حرام ومن شرب الخمر في الدنيا، ومات وهو يدمنها ولم يتب منها لم يشربها في الآخرة" تفسير : لفظ مسلم (م) عن جابر: "أن رجلاً قدم من جيشان وجيشان من اليمن فسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن شراب يشربونه بأرضهم من الذرة يقاله له: المزر. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أو مسكر هو؟ قال: نعم. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : كل مسكر حرام وإن على الله عهداً لمن يشرب المسكر أن يسقيه من طينة الخبال. قالوا: وما طينة الخبال يا رسول الله. قال: عرق أهل النار أو عصارة أهل النار" تفسير : وعن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : كل مسكر خمر وكل مسكر حرام ومن شرب مسكراً بخست صلاته أربعين صباحاً فإن تاب تاب الله عليه فإن عاد الرابعة كان حقاً على الله أن يسقيه من طينة الخبال. قيل: وما طينة الخبال يا رسول الله قال: صديد أهل النار" تفسير : أخرجه أبو داود. عن عبدالله بن عمرو بن العاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : من شرب الخمر فجعلها في بطنه لم تقبل منه صلاة سبعاً وإن مات فيها مات كافراً فإن أذهبت عقله عن شيء من الفرائض. وفي رواية عن القرآن لم تقبل صلاته أربعين يوماً وإن مات فيها مات كافراً" تفسير : أخرجه النسائي. عن عثمان بن عفان قال: اجتنبوا الخمر فإنها أم الخبائث فإنه والله لا يجتمع الإيمان وإدمان الخمر إلاّ يوشك أن يخرج أحدهما صاحبه أخرجه النسائي موقوفاً عليه وفيه قصة عن أنس قال لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخمر عشرة عاصرها ومعتصرها وشاربها وساقيها وحاملها والمحمولة إليه وبائعها ومبتاعها وواهبها وآكل ثمنها أخرجه الترمذي. فصل: في أحكام تتعلق بالخمر وفيه مسائل: الأولى في ماهيتها: قال الشافعي: الخمرة عبارة عن عصير العنب النيء الشديد الذي قذف بالزبد وكذلك نقيع الزبيب والتمر المتخذ من العسل والحنطة والشعير والأرز والذرة، وكل ما أسكر فهو خمر، وقال أبو حنيفة: الخمر من العنب والرطب ونقيع التمر والزبيب فإن طبخ حتى ذهب ثلثاه حل شربه والمسكر منه حرام واحتج على ذلك بما روي عن عمر بن الخطاب أنه كتب إلى بعض عماله أن ارزق المسلمين من الطلاء، ما ذهب ثلثاه وبقي ثلثه وفي رواية: أما بعد فاطبخوا شرابكم حتى يذهب منه نصيب الشيطان فإن له اثنين ولكم واحد أخرجه النسائي. الطلاء بكسر الطاء والمد الشراب المطبوخ من عصير العنب الذي ذهب ثلثاه وبقي ثلثه، واحتج أيضاً بما روي عن ابن عباس قال: حرمت الخمر بعينها قليلها وكثيرها والسكر من كل شراب أخرجه النسائي. واستدل ايضاً على أن السكر حرام لما روي عن أبي الأحوص عن القاسم بن عبدالرحمن عن أبيه عن أبي بردة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : اشربوا ولا تسكروا" تفسير : وعن عائشة نحوه أخرجه النسائي. وقال هذا حديث غير ثابت، واستدل الشافعي على أن الخمر في عدة أشياء بما روي عن ابن عمر أن عمر قال على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما بعد أيها الناس أنه نزل تحريم الخمر وهي من خمسة العنب والتمر والعسل والحنطة والشعير والخمر ما خامر العقل ثلاث، وددت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان عهد إلينا فيهن عهداً ننتهي إليه الجد والكلالة وأبواب من أبواب الربا أخرجه البخاري ومسلم (ق) عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن البتع فقال كل شراب أسكر فهو حرام. البتع شراب يتخذ من العسل كان أهل اليمن يشربونه. عن النعمان بن بشير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إن من العنب خمراً وإن من البر خمراً وإن من الشعير خمراً وإن من التمر خمراً" تفسير : أخرجه أبو داود. وزاد في رواية والذرة وإني أنهاكم عن كل مسكر وللترمذي نحوه وزاد وإن من العسل خمراً (خ) عن ابن عباس أنه سئل عن الباذق فقال: سبق حكم محمد في الباذق، فما أسكر فهو حرام عليك والشراب الحلال الطيب ليس بعد الحلال الطيب ليس بعد الحلال الطيب إلاّ الحرام الخبيث قال صاحب المطالع: الباذق بفتح الذال المعجمة هو الطلاء المطبوخ من عصير العنب كان أول من صنعه وسماه بنو أمية لينقلوه عن اسم الخمر، وكل ما أسكر فهو خمر لأن الاسم لا ينقله عن معناه الموجودة فيه. وقال ابن الأثير في النهاية الباذق الخمر تعريب باذه وهو اسم للخمر بالفارسية أي لم يكن في زمانه أو سبق. قوله: فيها وفي غيرها من جنسها. وقيل معناه سبق حكم محمد صلى الله عليه وسلم إن ما اسكر فهو حرام. عن أم سلمة قالت: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كل مسكر ومفتر أخرجه أبو داود: والمفتر كل شراب أحمى الجسد وصار فيه فتور وضعف وانكسار واستدل الشافعي على ما أسكر كثيره فقليله حرام، مما روي عن جابر بن عبدالله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : ما أسكر كثيره فقليله حرام" تفسير : أخرجه الترمذي وأبو داود. عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : كل مسكر حرام وما أسكر منه الفرق فملء الكف منه حرام" تفسير : أخرجه أبو داود والنسائي. وفي رواية له "والحسوة منه حرام" الفرق بالتحريك مكيال يسع تسعة عشر رطلاً بالبغدادي، وأجيب عن حديث عمر في الطلاء بأنه معارض بما روي عن السائب يزيد أن عمر قال: وجدت من فلان ريح شراب وزعم أنه شرب الطلاق وأنا سائل عنه فإن كان يسكر جلدته فسأل عنه فقيل له: إنه يسكر فجلده عمر الحد تاماً أخرجه مالك في الموطأ. وأما حديث ابن عباس، فموقوف عليه ومعارض بما روي عنه في الباذق، وقوله: والسكر من كل شراب قد رواه الحفاظ السكر بفتح السين. قال صاحب الغريبين: السكر خمر الأعاجم، ويقال لهم يسكر السكر وروى هذا الحديث ابن حنبل وقال فيه: والمسكر من كل شراب، وقال موسى بن هارون: وهو الصواب، وأما حديث أبي الأحوص ففيه وهمان: أحدهما في سنده حيث قال: عن أبي بردة، وإنما يرويه سماك عن القاسم عن ابن بريدة عن أبيه والوهم الثاني في متنه حيث قال: اشربوا ولا تسكروا، وإنما يرويه الناس ولا تشربوا مسكراً، ويدل على صحة هذا ما روى مسلم في صحيحه عن محارب بن دثار عن ابن بريدة عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : كنت نهيتكم عن الأشربة في ظروف الأدم فاشربوا في كل وعاء غير أن لا تشربوا مسكراً" تفسير : وقال النسائي: في حديث أبي الأحوص هذا حديث منكر غلط فيه أبو الأحوص سلام بن سليم لا يعلم أن أحداً تابعه عليه من أصحاب سماك، وأما حديث عائشة فيه فهو غير ثابت كما تقدم في قول النسائي. المسألة الثانية: في الحكم بنجاسة الخمر: الخمر وما يلحق بها نجسه العين ويدل على نجاستها قوله تعالى: {إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه} والرجس في اللغة النجس والشيء المستقذر وقوله تعالى: {فاجتنبوه} فأمر باجتنابها فكانت نجسة العين ويدل على نجاستها أيضاً أنها محرمة التناول لا للاحترام، ولأن الناس مشغوفون بها فينبغي أن يحكم بنجاستها تأكيداً للزجر عنها. المسألة الثالثة: في تحريم بيعها والانتفاع بها. أجمعت الأمة على تحريم بيع الخمر والانتفاع بها وتحريم ثمنها ويدل على ذلك ما روي عن جابر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول عام فتح مكة: "حديث : إن الله تعالى حرم بيع الخمر والانتفاع بها والميتة والخنزير والأصنام" تفسير : أخرجاه في الصحيحين مع زيادة اللفظ (ق). عن عائشة قالت خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "حديث : حرمت التجارة في الخمر" تفسير : (ق) عن ابن عباس قال بلغ عمر بن الخطاب أن فلاناً باع خمراً فقال قاتل الله فلاناً ألم يعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فجملوها فباعوها" تفسير : عن المغيرة بن شعبة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من باع الخمر فليشقص الخنازير" تفسير : أخرجه أبو داود. وقوله فليشقص الخنازير أي فليقطعها قطعاً قطعاً كما تقطع الشاة للبيع والمعنى من استحل بيع الخمر فليستحل بيع الخنازير فإنهما في التحريم سواء. عن أبي طلحة قال يا نبي الله إني اشتريت خمراً لأيتام في حجري. فقال: اهرق الخمر واكسر الدنان أخرجة الترمذي. وقال وقد روي عن أنس إن أبا طلحة كان عنده خمر لأيتام وهو أصح. فإن قلت فما وجه قوله تعالى: {ومنافع للناس} قلت: منافعها اللذة التي توجد عند شربها والفرح والطرب معها وما كانوا يصيبون من الربح في ثمنها، وذلك قبل التحريم فلما حرمت الخمر حرم ذلك كله. (فصل) وأما الميسر فهو القمار واشتقاقه من اليسر لأنه أخذ مال بسهولة من غير تعب، وكذا قال ابن عباس كان الرجل في الجاهلية يخاطر الرجل على أهله وماله فأيهما قمر صاحبه ذهب بأهله وماله فأنزل الله هذه الآية. وأصل الميسر أن أهل الثروة من العرب في الجاهلية كانوا يشترون جزوراً فينحرونها ويجزئونها ثمانية وعشرين جزءاً، ثم يسهمون عليها بعشرة قداح يقال لها: الأزلام والأقلام وأسماؤها الفذ والتوأم والرقيب والحلس والنافس والمسبل والمعلى والمنيح والسفيح والوغد وكانوا يسهمون لسبعة منها أنصاب فللفذ سهماً وللتوأم سهمين وللرقيب ثلاثة أسهم وللحلس أربعة وللنافس خمسة، وللمبسل ستة وللمعلى سبعة وثلاثة من القداح لا أنصباء لها وهي المنيح والسفيح والوغد قال بعضهم: شعر : فلي في الدنيا سهام ليس فيهن ربيح إنما سهمي وغد ومنيح وسفيح تفسير : ثم يجمعون القداح في خريطة يسمونها الريابة، ويضعونها على يد رجل عدل عندهم يسمونه المحيل والمفيض فيحيلها في الخريطة، ويخرج منها قدحاً باسم رجل منهم فأيهم خرج اسمه أخذ نصيبه على قدر ما يخرج من القداح، وإن خرج له قدح من الثلاثة التي لا أنصباء لها لم يأخذ شيئاً وغم ثمن الجزور كله وقيل: لا يأخذ ولا يغرم ويسمون ذلك القدح لغواً ثم يدفعون ذلك الجزور إلى الفقراء ولا يأكلون منه شيئاً وكانوا يفتخرون بذلك ويذمون من لا يفعله ويسمونه البرم يعني البخيل الذي لا يخرج شيئاً بين الأصحاب لبخله. وأما الحكم الآية فالمراد به جميع أنواع القمار. فكل شيء فيه قمار فهو من الميسر روي عن ابن سيرين ومجاهد وعطاء كل شيء فيه خطر يعني الرهن فهو من الميسر حتى لعب الصبيان بالجوز والكعاب وأما النرد فيحرم اللعب به سواء كان بخطر أم لا يدل على تحريمه ما روي عن بريدة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : من لعب بالنردشير فكأنما صبغ يده في دم خنزير" تفسير : أخرجه مسلم. وعن أبي موسى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من لعب بنرد أو نردشير فقد عصى الله ورسوله" تفسير : أخرجه أبو داود. وعن علي بن أبي طالب قال النرد والشطرنج من الميسر. واختلفوا في الشطرنج فمذهب أبي حنفية أنه يحرم اللعب به سواء كان برهن أو بغير رهن، ومذهب الشافعي أنه مباح بشروط ذكرها الشافعي فقال: إذا خلا الشطرنج عن الرهان واللسان عن الطغيان ويروى عن الهذيان والصلاة عن النسيان لم يكن حراماً، وهو خارج عن الميسر لأن الميسر ما يوجب دفع مال، وأخذ مال وهذا ليس كذلك وقوله تعالى: {قل فيهما} يعني في الخمر والميسر {إثم كبير} أي وزر عظيم وقيل: إن الخمر عدو للعقل فإذا غلبت على عقل الإنسان ارتكب كل قبيح ففي ذلك آثام كبيرة منها إقدامه على شرب المحرم ومنها فعل ما لا يحل فعله. وأما الإثم الكبير في الميسر فهو أكل المال الحرام بالباطل وما يجري بينهما من الشتمّ والمخاصمة والمعاداة وكل ذلك فيه آثام كثيرة {ومنافع للناس} يعني أنهم كانوا يربحون في بيع الخمر قبل تحريمها. وأما منافع الميسر فهو أخذ مال بغير كد ولا تعب. قيل ربما أن الواحد منهم كان يقمر في المجلس الواحد مائة بعير، فيحصل له المال الكثير، وربما كان يصرفه إلى المحتاجين فيكسب بذلك الثناء والمدح، وهو المنفعة {وإثمهما أكبر من نفعهما} يعني إثمهما بعد التحريم أكبر من نفعهما قبل التحريم، وقيل: إثمهما قوله تعالى: {إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون} فهذه ذنوب يترتب عليها آثام كبيرة بسبب الخمر والميسر. قوله تعالى: {ويسألونك ماذا ينفقون} وذلك أن رسول الله صلة الله عليه وسلم حضهم على الصدقة فقالوا ماذا ننفق فقال الله تعالى: {قل العفو} يعني الفضل والعفو ما فضل عن قدر الحاجة. فكانت الصحابة يكتسبون المال ويمسكون قدر النفقة. ويتصدقون بالفاضل بحكم هذه الآية ثم نسخ ذلك بآية الزكاة وقيل: هو التصدق عن ظهر غنى (ق) عن الزهري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى واليد العليا خير من اليد السفلى وابدأ بمن تعول"تفسير : وقيل: هو الوسط في الإنفاق من غير إسراف ولا إقتار وقيل: هو في صدقة التطوع إذ لو كان المراد بهذا الإنفاق الواجب لبين الله قدره فلما لم يبينه دل ذلك على أن المراد به صدقة التطوع {كذلك يبين الله لكم الآيات} أي يبين لكم الأمور التي سألتم عنها من وجوه الإنفاق ومصارفه {لعلكم تتفكرون في الدنيا والآخرة}. يعني فتأخذون ما يصلحكم في الدنيا وتنفقون الباقي فينفعكم في الآخرة. وقيل: لعلكم تتفكرون في زوال الدنيا فتزهدوا فيها وفي إقبال الآخرة وبقائها فترغبوا فيها.

ابن عرفة

تفسير : قوله تعالى: {يَسْئَلُونَكَ عَنِ ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ...}. قال ابن عرفة: قال ابن عطية، والشيخ الزمخشري: لما نزلت (هاته الآية) شربها قوم وتركها آخرون. قام بعض الشاربين فقرأ: قُلْ يا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ أسقط (لا) فنزلت: {أية : لاَ تَقْرَبُواْ ٱلصَّلوٰةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَىٰ }. تفسير : قال ابن عرفة: هذا نصّ على أنّ لفظ التأثيم في قوله عز وجلّ: "قُل فِيهمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ" غير ملزوم للتحريم لأنّ الصحابة رضي الله عنهم لم ينتهوا عنها بهذه الآية فيستفاد منه الجواب عن السؤال المورود على قول الفقهاء: إنّ اتّخاذ السترة للمصلي سنة، مع قولهم: إن تركها وصلى حيث لا يأمن المرور فمر عليه أحد أثِمَ. (قال: وكنّا أجبنا عنه بأنه إنما أثم بالتعرّض للمرور والمرور معا) لأنه لو لم يمر عليه أحد لما أثم. قال ابن عرفة: (وحكي) ابن عطية في الإثم وجوها: الأول: أن يراد في استعمالها بعد النهي إثم كبير. (ابن عرفة) ما قلناه إلا على هذا. الثاني: أن يراد خلال السّوء الّتي فيها وهي السباب والافتراء وذهاب العقل. وعن سعيد بن جبير: لما نزلت كرهها قوم (للإثم وشربها قوم) للمنافع. قال ابن عرفة: ويؤخذ (من الآية أنها إذا تعارضت مصلحة ومفسدة واستويا لا ينبغي الفعل لأن الصحابة لما نزلت) الآية لم ينتهوا كلهم عن شرب الخمر. فقال: (نعم)، بل هو من باب أحرى. قال: وهذا هو الذي ذكر فيه الأصوليون عن علي بن أبي طالب أنه قال: من شرب الخمر هذى وإذا هذى افترى فأرى عليه حد المُفتري. قلت: ذكره العلامة ابن التلمساني في المسألة الثانية من الباب التاسع. قال: وساعده عمر (وغيره). قال ابن عرفة: وهذا هو اعتبار جنس العلة في عين الحكم لأن الهذيان مظنة الافتراء باعتبار جنس المظنة في عين حد الخمر فجعله ثمانين بعد ما كان أربعين قياسا على حد القذف. قلت: وذكر ابن التلمساني هذا في المسألة (الثانية) من الباب التاسع ومثله باعتبار جنس المشقة في إسقاط قضاء الرّكعتين عن المسافر قياسا على إسقاط القضاء على الحائض. قال ابن عرفة: وجعله الأصوليون من القياس في الأسباب وقياس الكفارات من القياس في المقادير الذي لهم فيه قولان. قال: وهذا اجتهاد من الصحابة لفهمهم عن النبي صلى الله عليه وسلم (أنّ حده لشاربه) أربعين اجتهاد لا نصّ، وكذا ما ورد أنه ضربه (بالجريد) فخافوا اختلاف المجتهدين وأجمعوا على هذا الحد فكان قطعا للنزاع. ابن عطية: عن بعضهم حرمت الخمرة بهذه الآية لقوله: {أية : إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ ٱلْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَٱلإِثْمَ وَٱلْبَغْيَ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ}.تفسير : واقتضت هذه الآية أنّ الخمرة فيها الإثم فيستنتج التحريم، ثم أبطله هو بأنّ التّحريم حينئذ صار بمجموع الآيتين لا أنّه بهذه (وحدها) لأن هذه إنّما فيها الإثم فقط لا التحريم، وكذا قال القرطبي. قال ابن عرفة: والميسر من اليسر واليسار، اليسار بالنسبة إلى آخذه لأنه يحدث له يسرا، واليسار بالنسبة إلى معطيه لأنه مذهب يساره. ابن عطية: عن ابن عباس ومجاهد رضي الله عنهم وغيرهما: كل قمار ميسر من نرد وشطرنج حتى لعب الأطفال بالجوز. قال ابن عرفة: إنما ذلك إذا كان بالمخاطرة بشيء يعطيه المغلوب، فأما بغير خطار فجائز. وقد أجاز الإمام مالك في العتبية للرجل أن يشتري الكعاب لولده يلعب بها. وكان ابن عبد السلام يقول: في السّبك أنّه مركب من النّرد والشطرنج فلا يجوز (لأنه من المقامرة). قلت: وقد ذكر اللّخمي في كتاب الأشربة أنّ الخمر إنمّا حرم بالكتاب. وذكر ابن عطية في سورة المائدة أنه إنّما حرم بالسنة. ونقل لي: أن القاضي ابن عبد السلام/ أنكره وأنهم نظروه في جامع مقدمات ابن رشد فوجدوه موافقا لابن عطية ولم أجده أنا فلعله في البيان. وخرج الترمذي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: اللّهم بيّن لنا في الخمر؟ فنزلت آية البقرة. فقال: اللهم بين لنا في الخمر؟ فنزلت آية النساء. {أية : لاَ تَقْرَبُواْ ٱلصَّلوٰةَ وَأَنتُمْ سُكَارَىٰ }. تفسير : فقال: اللّهم بيّن لنا في الخمر بيان (شفاءٍ) فنزلت آية العقود إلى قوله: فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ. فقال عمر: انتهينا انتهينا. خرجه الترمذي عن أبي ميسرة عن عامر بن شرحبيل عن عمر (ب).

القمي النيسابوري

تفسير : القراءات: {إثم كبير} بالثاء المثلثة: حمزة وعلي. الباقون: بالباء. {قل العفو} بالرفع أبو عمرو. الباقون: بالنصب. {لأعنتكم} بغير همز: روى أبو ربيعة عن أصحابه. وعن حمزة وجهان في الوقف ترك الهمزة لبيان المذهب، والهمز ليدل على أصل الكلمة. الوقوف: {والميسر} ط {للناس} ز قد يجوز مع اتفاق الجملتين تنبيهاً على أن بيان الثانية أهم من الأولى {من نفعهما} ط {ينفقون} ط {العفو} ط {يتفكرون} لا لتعلق الجار. {والآخرة} ط {اليتامى} ط {خير} ط {فإخوانكم} ط {المصلح} ط {لأعنتكم} ط {حكيم} ه {يؤمنّ} ط لأجل لام الابتداء بعده {أعجبتكم} ج لوقوع العارض وإن اتفقت الجملتان {يؤمنوا} ط {أعجبكم} ط {إلى النار} ج والوصل أجوز لأن مقصود الكلام بيان تفاوت الدعوتين مع اتفاق الجملتين، ومن وقف أراد الفصل بين ذكر الحق والباطل {بإذنه} ج لأن جملة "والله يدعو" تقابل الجملة الأولى فلم يكن قوله "ويبين آياته" من تمامها إذ ليس في الجملة الأولى ذكر بيان، ومن وصل فلعطف المستقبل على المستقبل {يتذكرون} (ه). التفسير: الحكم الثالث: بيان حرمة الخمر والميسر. قالوا: نزلت في الخمر أربع آيات نزلت بمكة {أية : ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكراً ورزقاً حسناً} تفسير : [النحل: 67] فكان المسلمون يشربونها وهي لهم حلال، ثم إن عمر ومعاذاً ونفراً من أصحابه قالوا: يا رسول الله أفتنا في الخمر فإنها مذهبة للعقل مسلبة للمال فنزلت هذه الآية، فشربها قوم وتركها آخرون. ثم دعا عبد الرحمن بن عوف ناساً منهم فشربوا وسكروا، فأمّ بعضهم فقرأ: قل يا أيها الكافرون أعبد ما تعبدون. فنزلت {أية : لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون} تفسير : [النساء: 43] فقلّ من يشربها. ثم دعا عتبان بن مالك قوماً فيهم سعد ابن أبي وقاص فلما سكروا افتخروا وتناشدوا حتى أنشد سعد شعراً فيه هجاء الأنصار، فضربه أعرابي بلحي بعير فشجه موضحة، فشكا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عمر: اللهم بيِّن لنا في الخمر بياناً شافياً. فنزلت {أية : إنما الخمر والميسر} تفسير : [المائدة:90] إلى قوله {أية : فهل أنتم منتهون} تفسير : [المائدة: 91] فقال عمر: انتهينا يا رب. والحكمة في وقوع التحريم على هذا الوجه أن القوم قد ألفوا شرب الخمر وكان انتفاعهم بذلك كثيراً، فلو منعوا دفعة واحدة لشق ذلك عليهم فإن الفطام عن المألوف شديد، فلا جرم استعمل في التحريم هذا التدريج والرفق. واختلف العلماء في مفهوم الخمر فقال الشافعي: كل شراب مسكر فهو خمر. وقال أبو حنيفة: الخمر ما غلى واشتد وقذف بالزبد من عصير العنب. احتج الشافعي بما روى أبو داود في سننه عن الشعبي عن ابن عمر عن عمر قال: نزل تحريم الخمر يوم نزل وهي من خمسة: من العنب والتمر والعسل والحنطة والشعير. وهذا دليل على أن الخمر عندهم كل ما خامر العقل أي خالطه. والتركيب يدل على الستر والتغطية، ومنه خمار المرأة. وكذا ما روي عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن من العنب خمراً، وإن من التمر خمراً، وإن من العسل خمراً، وإن من البر خمراً وإن من الشعير خمراً"تفسير : ، قال الخطابي: إنما جرى ذكر هذه الأشياء خصوصاً لكونها معهودة في ذلك الزمان، وكل ما في معناها من ذرة أو سلت أو عصارة شجر فحكمها حكم هذه الخمسة. كما أن تخصيص الأشياء الستة بالذكر في خبر الربا لا يمنع من ثبوت حكم الربا في غيرها. وعن نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : كل مسكر خمر وكل خمر حرام"تفسير : فمراد الشارع أن كل مسكر فهو خمر لغة أو شرعاً فيكون حقيقة لغوية أو شرعية كالصلاة، ولئن منع ذلك فلا أقل من أن يكون معناه أنه كالخمر في الحرمة وهو المراد. وعن عائشة قالت: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البتع - وهو شراب يتخذ من العسل - فقال صلى الله عليه وسلم "حديث : كل شراب مسكر فهو حرام"تفسير : وعن أم سلمة قالت: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كل مسكر ومفتر. قال: الخطابي: والمفتر كل شراب يورث الفتور والخدر في الأعضاء. وأيضاً الآيات الواردة في الخمر منها اثنتان بلفظ الخمر وغيرهما بلفظ المسكر مثل {أية : لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى} تفسير : [النساء: 43] وفيه دليل على أن المراد بالخمر هو المسكر. وكذا في قول عمر ومعاذ "الخمر مذهبة للعقل". فإنه يوجب أن كل ما كان مساوياً للخمر في هذا المعنى إما أن يكون خمراً وإما أن يكون مساوياً للخمر في علة التحريم. وأيضاً قال تعالى {أية : إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدّكم عن ذكر الله وعن الصلاة} تفسير : [المائدة: 90] ولا شك أن هذه الأفعال معللة بالسكر فيعلم منه أن حرمة الخمر معللة بالإسكار. فإما أن يجب القطع بأن كل مسكر خمر، وإما أن يلزم الحكم بالحرمة في كل مسكر. حجة أبي حنيفة قوله تعالى {أية : تتخذون منه سكراً ورزقاً حسناً} تفسير : [النحل: 67] منّ الله علينا باتخاذ السكر والرزق الحسن، والنبيذ سكر ورزق حسن، فوجب أن يكون مباحاً لأن المنة لا تكون إلا بالمباح، وأيضاً ما روي في الصحيحين عن جابر حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استسقى فقال رجل: يا رسول الله، ألا أسقيك نبيذاً؟ قال: "بلى". فخرج يسعى فجاء بقدح فيه نبيذ فشرب. تفسير : واعلم أن المسكر حرام جنسه قل أم كثر نيئاً أو مطبوخاً لقوله صلى الله عليه وسلم "حديث : ما أسكر كثيره فقليله حرام" تفسير : وعن عائشة قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "حديث : كل مسكر حرام وما أسكر منه الفرق فملء الكف منه حرام"تفسير : قال الخطابي: الفرق مكيال يسع ستة عشر رطلاً. وفيه أبين البيان أن الحرمة شاملة لجميع أجزاء الشراب. وعن ابن عباس أنه جاء رجل فسأله عن العصير فقال: اشربه ما كان طرياً. قال: إني أطبخه وفي نفسي منه شيء. قال: أكنت شاربه قبل أن تطبخه؟ قال: لا، قال: إن النار لا تحل شيئاً وقد حرم. وقال أبو حنيفة: المطبوخ من عصير العنب إن ذهب أقل من ثلثيه فهو حرام لكن لا حد على شاربه إلا إذا سكر، وإن ذهب ثلثاه فهو حلال إلا القدر المسكر فيحرم ويتعلق بشربه الحد. يروى أن عمر بن الخطاب كتب إلى بعض عماله "أما بعد فاطبخوا شرابكم حتى يذهب منه نصيب الشيطان فإن له اثنين ولكن واحداً". ونقيع التمر والزبيب إذا اشتد فهو حرام ولكن لا حد فيه ما لم يسكر، فإن طبخ فهو حلال إلا المقدار الذي يسكر فإن ذلك حرام ويحد به، ولا يعتبر في النقيع ذهاب الثلثين. ونبيذ الحنطة والشعير والعسل وغيرها حلال نيئاً كان أو مطبوخاً، ولا يحرم منه إلا القدر المسكر. وذكروا في حد السكران عبارات فعن الشافعي: أنه الذي اختلط كلامه المنظوم وانكشف سره المكتوم. وقيل: الذي لا يفرق بين السماء والأرض وقيل: الذي يتمايل في مشيه ويهذي في كلامه. والأقرب أن الرجوع فيه إلى العادة. ثم إن قوله تعالى {يسئلونك عن الخمر والميسر} ليس فيه بيان أنهم عن أي شيء سألوا، فيحتمل أنهم سألوا عن حقيقته وماهيته، ويحتمل أنهم سألوا عن حل الانتفاع وحرمته، ويحتمل أنهم سألوا عن حل شربه وحرمته إلا أنه تعالى لما أجاب بذكر الحرمة بل تخصيص الجواب على أن ذلك السؤال كان واقعاً عن الحل والحرمة أي يسألونك عما في تعاطيهما. وأما كيفية دلالة الآية على الحرمة فهي أنها مشتملة على أن في الخمر إثماً والإثم حرام لقوله تعالى {أية : قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم} تفسير : [الأعراف: 33] ومما يؤكد هذا أن السؤال كان واقعاً عن مطلق الخمر وقد جعل الله تعالى الإثم لازماً لهذه الماهية فيلزمها الإثم على جميع التقادير من الشرب وغير ذلك من وجوه الانتفاع والاستعمال. وصرح أيضاً بأن الإثم الحاصل منها أكبر من النفع المتوهم فيها عاجلاً، وإنما لم يقنع كبار الصحابة بهذه الآية طلباً لما هو آكد في التحريم ثقة واطمئناناً كما التمس إبراهيم عليه السلام مشاهدة إحياء الموتى طلباً لمزيد الإيقان وركوناً إلى سكون النفس بالعيان. فإن قيل: لما كان الإثم لازماً لماهية الخمر من حيث هي، فلم لم تكن محرمة في سائر الشرائع؟ قلت: كم من نقص في الأديان السالفة تممه شرع خاتم النبيين! وأيضاً هذا لزوم شرعي، ويمكن أن تختلف الشرائع بحسب اختلاف الأزمان ولا سيما إذا اعتبرت مصالح الإنسان. والميسر القمار مصدر من يسر كالموعد والمرجع من فعليهما. يقال: يسرته أي قمرته مشتق من اليسار لأنه يسلب يساره. عن ابن عباس: كان الرجل في الجاهلية يخاطر على أهله وماله. أو من اليسر لأنه أخذ مال الرجل بيسر وسهولة من غير ما كدّ وتعب. وقال ابن قتيبة: الميسر من التجزئة والاقتسام يقال: يسروا الشيء إذا اقتسموه. فالجزور نفسه يسمى ميسراً لأنه يجزأ أجزاء والياسر الجازر. ثم يقال للقامر: ياسر لأنه بسبب ذلك الفعل يجزئ لحم الجزور. وقال الواحدي: يسر الشيء أي وجب، والياسر الواجب بسبب القداح. وأما صفة الميسر على ما في الكشاف فهي: إنه كانت لهم عشرة أقداح - وهي الأزلام والأقلام - أساميها: الفذ والتوأم والرقيب والحلس والنافس والمسبل والمعلى والمنيح والسفيح والوغد. لكل واحد منها نصيب معلوم من جزور ينحرونها ويجزؤنها عشرة أجزاء. وقيل: ثمانية وعشرين. لا نصيب لثلاثة وهي المنيح والسفيح والوغد، وللفذ سهم، والتوأم سهمان، وللرقيب ثلاثة، وللحلس أربعة، وللنافس خمسة، وللمسبل ستة، وللمعلى سبعة. يجعلونها في الربابة - وهي خريطة - ويضعونها على يدي عدل ثم يجلجلها ويدخل يده فيخرج باسم رجل رجل قدحاً منها. فمن خرج له قدح من ذوات الأنصباء أخذ النصيب الموسوم به ذلك القدح، ومن خرج له قدح مما لا نصيب له لم يأخذ شيئاً وغرم ثمن الجزور كله، وكانوا يدفعون تلك الأنصباء إلى الفقراء ولا يأكلون منها ويفتخرون بذلك ويذمون من لم يدخل فيه ويسمونه البرم. قال العلماء: وفي حكم الميسر سائر أنواع القمار من النرد والشطرنج وغيرهما. روي عن النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : إياكم وهاتين الكعبتين المشؤمتين فإنهما من ميسر العجم"تفسير : وعن ابن سيرين ومجاهد وعطاء: كل شيء فيه خطر فهو من الميسر حتى لعب الصبيان بالجوز. وروي أن علياً رضي الله عنه مر بقوم وهم يلعبون بالشطرنج فقال: ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون؟. إلا أن الشافعي رخص في الشطرنج إذا خلا عن الرهان، وكف اللسان عن الطغيان، وحفظ الصلاة عن النسيان. فإن الميسر ما يوجب دفع مال وأخذ مال وهذا ليس كذلك. ويحكى اللعب به عن ابن الزبير وأبي هريرة وكثير من السلف. وأما السبق في النصل والخف والحافر فجائز بالاتفاق لقوله صلى الله عليه وسلم "حديث : لا سبق إلا في نصل أو خف أو حافر"تفسير : وذلك لما فيها من التأهب للجهاد، والكلام في تفاصيلها وشروطها مذكور في كتب الفقه. {قل فيهما إثم كبير} أي إنهما من الكبائر. ومن قرأ بالثاء فمعنى الكثرة أن أصحاب الشرب والقمار يقترفون فيهما الآثام من وجوه كثيرة. أما في الخمر فلأنها عدوّ العقل الذي هو عقال الطبع وأشرف خصائص الإنسان ومقابل الأشرف يكون أخس الأشياء. حكى بعض الأدباء أنه مر على سكران وهو يبول في يده ويمسح به وجهه كهيئة المتوضئ ويقول: الحمد لله الذي جعل الإسلام نوراً والماء طهوراً. وعن العباس بن مرداس أنه قيل له في الجاهلية: لم لا تشرب الخمر فإنها تزيد في جرأتك؟ فقال: ما أنا بآخذ جهلي بيدي فأدخله في جوفي، ولا أرضى أن أصبح سيد قوم وأمسي سفيههم، ومن خواصها أن الإنسان كلما كان اشتغاله بها أكثر كان الميل إليها أتم، وقوة النفس عليها أقوى. بخلاف سائر المعاصي كالزنا وغيره، وكفى بقوله {أية : إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر الميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة} تفسير : [المائدة: 90] وبقوله صلى الله عليه وسلم "حديث : الخمر أم الخبائث"تفسير : ذماً لها وتقريراً لإثم شاربها. وقد لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبب الخمر عشرة. وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : كل مسكر حرام" "حديث : وإن على الله عهداً لمن يشرب المسكر أن يسقيه من طينة الخبال قالوا يا رسول الله وما طينة الخبال؟ قال: عرق أهل النار أو عصارة أهل النار"تفسير : وكذا الكلام في الميسر مع أن فيه أكل الأموال بالباطل. وأما المنافع المذكورة فهي أنهم كانوا يغالون بها إذا جلبوها من النواحي، وكان المشتري إذا ترك المماكسة في الثمن يعدّ ذلك فضيلة ومكرمة، وكان يكثر أرباحهم بذلك السبب قال أبو محجن: أقومها زقاً يحق بذا كم يساق إلينا تجرها ونسوقها. قال أبقراط: في الخمر عشر منافع. خمس جسمانية وخمس نفسانية. فالجسمانية أنها تجوّد الهضم وتدرّ البول وتحسن البشرة وتطيب النكهة وتزيد في الباه. والنفسانية أنها تسر النفس وتقرب الأمل وتشجع النفس وتحسن الخلق وتزيل البخل. ومن منافع الميسر التوسعة على ذوي الحاجات لأنهم كانوا يفرقونه على المساكين فيكتسبون به الثناء والمدح. ولا ريب أن منافع الخمر والميسر لكونها مظنونة عاجلة أقل من إثمهما لكونه متيقن. الحساب الدائم العذاب، والعاقل لا يختار النفع القليل الزائل بعقاب أبدي لا نهاية له. الحكم الرابع: {ويسئلونك ماذا ينفقون} وقد تقدم ذكر هذا السؤال وأجيب عنه بذكر المصرف وأعيد هنا فأجيب بذكر الكمية. وذلك أن الناس لما رأوا الله ورسوله يحضان على الإنفاق وينبهان على عظم ثوابه، سألوا عن مقدار ما كلفوا به هل هو كل المال أو بعضه؟ ومعنى العفو ما تيسر وسهل مما يكون فاضلاً عن الكفاية. ويشبه أن يكون العفو عن الذنب راجعاً إلى التيسير والتسهيل. ويقال للأرض السهلة: العفو. ومن قال إن العفو هو الزيادة، فهو أن الغالب أن ذلك إنما يكون فيما يفضل عن حاجة الإنسان في نفسه وعياله. وحاصل الأمر يرجع إلى التوسط في الإنفاق والنهي عن التبذير والتقتير وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يحبس لأهله قوت سنة. وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : خير الصدقة ما أبقت غنى ولا يلام على كفاف"تفسير : وللعلماء في هذا الإنفاق خلاف. فعن أبي مسلم: أنه يجوز أن يكون العفو هو الزكوات، ذكرها ههنا مجملة وتفصيلها في السنة، وقيل: إنه تطوع ولو كان مفروضاً لبين مقداره ولم يفوّض إلى رأي المكلف. وقيل: إن هذا كان قبل نزول آية الصدقات، وكانوا مأمورين بأن يأخذوا من مكاسبهم ما يكفيهم في عامهم وينفقون ما فضل ثم نسخ بالزكاة. {كذلك يبين الله لكم الآيات} أي كما بين لكم وجوه الإنفاق ومصارفه فهكذا يبين لكم في مستأنف أيامكم جميع ما تحتاجون إليه. {لعلكم تتفكرون في الدنيا والآخرة} فتأخذون بما هو أصلح لكم من سلوك سبيل العدالة للإنفاق وغيره، أو تتفكرون في الدارين فتؤثرون أبقاهما وأكثرهما منافع. ويجوز أن يكون إشارة إلى قوله {وإثمهما أكبر من نفعهما} أي لتتفكروا في عقاب الإثم في الآخرة والنفع في الدنيا حتى لا تختاروا الأدنى على الأعلى. ويجوز أن يتعلق بـ "يبين" أي يبين لكم الآيات في أمر الدارين وفيما يتعلق بهما لعلكم تتفكرون. الحكم الخامس: {ويسئلونك عن اليتامى} عن سعيد بن جبير قال: لما نزلت {أية : إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً} تفسير : [النساء: 10] عزلوا أموالهم عن أموالهم فنزلت. وعنه عن ابن عباس قال: لما أنزل الله تعالى {أية : ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن} تفسير : [الأنعام: 152] وقوله {أية : إن الذين يأكلون} تفسير : [النساء: 10] نطلق من كان عنده مال اليتيم فعزل طعامه من طعامه وشرابه من شرابه، وجعل يحبس له ما يفضل من طعامه حتى يأكله أو يفسد، فاشتد ذلك عليهم فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت. {قل إصلاح لهم خير} وهو كلام جامع لمصالح اليتيم والولي. أما لليتيم فلأنه يتضمن صلاح نفسه بالتقويم والتأديب، وصلاح ماله بالتبقية والتثمير لئلا تأكله النفقة عليه والزكاة منه. وأما الولي فلأن إحراز الثواب خير له من التحرز عن مال اليتيم حتى تختل مصالحه وتفسد معيشته، وقيل: الخبر عائد إلى الولي يعني إصلاح أموالهم من غير عوض ولا أجرة خير للولي وأعظم أجراً، وقيل: عائد إلى اليتيم أي مخالطتهم بالإصلاح خير لهم من التفرد عنهم والإعراض عن أمورهم، والأصوب هو القول الأول، فإن جهات المصالح مختلفة غير مضبوطة فينبغي أن يكون نظر المتكفل لأمور اليتيم على تحصيل الخير في الدنيا و الآخرة لنفسه ولليتيم في ماله ونفسه. {وإن تخالطوهم فإخوانكم} أي فهم إخوانكم في الإسلام، والمخالطة جمع يتعذر فيه التمييز. قيل: المراد وإن تخالطوهم في الطعام والشراب والمسكن والخدم بما لا يتضمن إفساد أموالهم فذلك جائز كما يفعله المرء بمال ولده ومع إخوانه في الدين، فإن هذا أدخل في حسن العشرة والمؤالفة. وقيل: المراد بهذه المخالطة أخذ مقدار أجرة المثل في ذلك العمل، وسنشرح المذاهب في ذلك إن شاء الله تعالى إذا انتهينا إلى تفسير قوله تعالى {أية : ومن كان غنياً فليستعفف ومن كان فقيراً فليأكل بالمعروف} تفسير : [النساء: 6] وقيل: المراد أن يخالطوا أموال اليتامى بأموالهم وأنفسهم على سبيل الشركة بشرط رعاية جهات المصلحة والغبطة للصبي وحمل بعضهم المخالطة على المصاهرة واختاره أبو مسلم، لأن هذا خلط اليتيم نفسه والشركة خلط لماله. وأيضاً الشركة داخلة في قوله {قل إصلاح لهم خير} والخلط من جهة النكاح وتزويج البنات منهم لم يدخل في ذلك، فحمل الكلام على هذا الخلط أقرب. وأيضاً إنه تعالى قال بعد هذه الآية {ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمنَّ} فكان المعنى إن المخالطة المندوب إليها إنما هي في اليتامى الذين هم لكم إخوان في الإسلام لتتأكد الألفة بالمناكحة، فإن كان اليتيم من المشركين فلا تفعلوا ذلك {والله يعلم المفسد} لأمورهم {من المصلح} لها، أو يعلم ضمائر من أراد الإفساد والطمع في مالهم بالنكاح من المصلح فيجاوزيه على حسب غرضه ومقصده، فأحذروه ولا تتحروا غير الإصلاح، وفيه تهديد عظيم فكأنه قال: أنا المتكفل بالحقيقة لأمر اليتيم، وأنا المطالب لوليه إن قصر. {ولو شاء الله لأعنتكم} لحملكم على العنت وهو المشقة بأن ضيق عليكم طريق المخالطة معهم. وعن ابن عباس: لو شاء الله لجعل ما أصبتم من أموال اليتامى موبقاً. وذلك أنهم كانوا في الجاهلية قد اعتادوا الانتفاع بأموال اليتامى وربما تزوجوا باليتيمة طمعاً في مالها، أو يزوجها من ابن له كيلا يخرج مالها من يده. وقد يستدل بالآية على أنه تعالى لا يكلف العبد ما لا يقدر عليه وعلى أنه تعالى قادر على خلاف العدل لأنه لو امتنع وصفه بالقدرة على الإعانات ما جاز أن يقول "ولو شاء لأعنت" ولهذا قال: {إن الله عزيز} غالب يقدر على أن يعنت عباده ويحرجهم ولكنه {حكيم} لا يكلف إلا ما يتسع فيه طاقتهم. الحكم السادس: {ولا تنكحوا المشركات} أكثر المفسرين على أن هذه الآية ابتداء شرع وحكم آخر في بيان ما يحل ويحرم. وعن أبي مسلم: أنه متعلق بقصة اليتامى ترغيباً في مخالطتهنّ دون مخالطة المشركات. عن ابن عباس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث مرثد بن أبي مرثد الغنوي - وكان حليفاً لبني هاشم - إلى مكة ليخرج منها ناساً من المسلمين، وكان يهوى امرأة في الجاهلية اسمها عناق. فأتته وقالت: ألا نخلو؟ فقال: ويحك إن الإسلام حال بيننا. فقالت: فهل لك أن تتزوّج بي؟ قال: نعم. ولكن أرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستأمره فنزلت هذه الآية. ثم العلماء اختلفوا في الآية في موضعين: الأوّل في لفظ النكاح فقال أكثر أصحاب الشافعي: إنه حقيقة في العقد لقوله صلى الله عليه وسلم "حديث : لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل"تفسير : ولا شك أن المتوقف على الولي والشاهد هو العقد لا الوطء. ولقوله صلى الله عليه وسلم أيضاً "حديث : ولدت من نكاح لا من سفاح"تفسير : ولقوله تعالى {وأنكحوا الأيامى} [النور: 32] وقال الجمهور من أصحاب أبي حنيفة: إنه حقيقة في الوطء لقوله تعالى {أية : حتى تنكح زوجاً غيره}تفسير : [البقرة: 230] والنكاح الذي ينتهي إليه الحرمة ليس هو العقد بل هو الوطء بدليل قوله صلى الله عليه وسلم "حديث : لا حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك" تفسير : وقال صلى الله عليه وسلم "حديث : ناكح اليد ملعون وناكح البهيمة ملعون"تفسير : ومن الناس من قال: النكاح عبارة عن الضم. يقال: نكح المطر الأرض إذا وصل إليها، ونكح النعاس عينيه. والضم حاصل في العقد وفي الوطء، فيحسن استعمال اللفظ فيهما جميعاً. قال ابن جني: سألت أبا علي عن قولهم "نكح المرأة" فقال: فرقت العرب بالاستعمال فرقاً لطيفاً. فإذا قالوا: نكح فلان فلانة، أرادوا أنه تزوّجها وعقد عليها. وإذا قالوا: نكح امرأته أو زوجته. لم يريدوا غير المجامعة. إلا أن المفسرين أجمعوا على أن المراد بالنكاح في هذه الآية هو العقد أي لا تعقدوا على المشركات. الثاني لفظ المشرك هل يتناول الكفار من أهل الكتاب أم لا؟ قال الأكثرون: نعم لقوله تعالى {أية : وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله} تفسير : [التوبة:30] إلى قوله سبحانه {أية : عما يشركون} تفسير : [التوبة: 31] ولقوله {أية : إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} تفسير : [النساء: 48] فلو كان كفر اليهود والنصارى غير الشرك لاحتمل أن يغفر الله لهم وذلك باطل بالاتفاق. وأيضاً النصارى قائلون بالتثليث وليس ذلك في الصفات، فإن أكثر المسلمين أيضاً يثبتون لله تعالى صفات قديمة، فإذن هو في الذات وهذا شرك محض. وروي حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم أمّر أميراً وقال: إذا لقيت عدوّاً من المشركين فادعهم إلى الإسلام، فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، وإن أبوا فادعهم إلى الجزية وعقد الذمة، فإن هم أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، سمى من يقبل الجزية وعقد الذمة بالمشرك.تفسير : وقال أبو بكر الأصم: كل من جحد رسالته فهو مشرك من حيث إن تلك المعجزات التي ظهرت على يده كانت خارجة عن حدّ البشر، وهم أنكروها وأضافوها إلى الجن والشياطين، فقد أثبتوا شريكاً لله سبحانه في خلق هذه الأشياء الخارجة عن قدرة البشر. واعترض عليه بأن اليهودي حيث لا يسلم أن ما ظهر على يد محمد صلى الله عليه وسلم هو من جنس ما لا يقدر العباد عليه، لم يلزم أن يكون مشركاً بسبب إضافة ذلك إلى غير الله. والجواب أنه لا اعتبار بإقراره، وإنما الاعتبار بالدليل، فإذا ثبت بالدليل أن ذلك المعجز خارج عن قدرة البشر، فمن أضاف ذلك إلى غير الله كان مشركاً كما لو أسند خلق الحيوان والنبات إلى الأفلاك والكواكب. احتج المخالف بأنه تعالى فصل بين أهل الكتاب والمشركين في الذكر حيث قال {أية : ما يودّ الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين} تفسير : [البقرة: 105] {أية : لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين} تفسير : [البينة: 1] والعطف يقتضي التغاير. وأجيب بأن كفر الوثني أغلظ وهذا القدر يكفي في العطف، أو لعله خص أوّلاً ثم عمم. هذا وقد سلف في تفسير قوله عز من قائل {أية : فلا تجعلوا لله أنداداً} تفسير : [البقرة: 22] أن أكثر عبدة الأوثان مقرون بأن إله العالم واحد، وأنه ليس له في الإلاهية بمعنى خلق العالم وتدبيره شريك ونظير، فظهر أن وقوع اسم المشرك عليهم ليس بحسب اللغة بل بالشرع كالصلاة والزكاة. وإذا كان كذلك فلا يبعد بل يجب اندراج كل كافر تحت هذا الاسم، لا سيما وقد تواتر النقل عن النبي صلى الله عليه وسلم بأنه يسم كل من كان كافراً بأنه مشرك. التفريع إن قيل: المشركات تشمل الحربيات والكتابيات جميعاً فالآية منسوخة أو مخصصة بقوله {أية : والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم}تفسير : [المائدة: 5] لأن سورة المائدة كلها ثابتة لم ينسخ شيء منها قط وهو قول ابن عباس والأوزاعي. لا يقال: لعل المراد من آمن بعد أن كان من أهل الكتاب لأن قوله {أية : والمحصنات من المؤمنات} تفسير : [المائدة: 5] يشمل من آمن منهنّ فيبقى قوله {أية : والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب} تفسير : [المائدة: 5] ضائعاً ولإجماع الصحابة على جواز نكاح الكتابيات نقل أن حذيفة تزوّج بيهودية أو نصرانية فكتب إليه عمر أن خل سبيلها. فكتب إليه: أتزعم أنها حرام؟ فقال: لا، ولكني أخاف. وعن جابر بن عبد الله عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : نتزوّج نساء أهل الكتاب ولا يتزوّجون نساءنا"تفسير : وعن عبد الرحمن بن عوف أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في المجوس: "حديث : سنوا بهم سنة أهل الكتاب غير ناكحي نسائهم ولا آكلي ذبائحهم"تفسير : ولو لم يكن نكاح نسائهم جائزاً لكان هذا الاستثناء خالياً عن الفائدة. وإن قيل: إن المشركات تختص بالحربيات، فالآية ثابتة وباقية على عمومها. ومن الناس من زعم أن هذه الآية ناسخة لما كانوا عليه من التزوج بالمشركات. روي هذا عن الحسن وزيف بأن رفع مباح الأصل ليس بنسخ لأن الناسخ والمنسوخ يجب أن يكونا حكمين شرعيين إلا أن يقال: إن تجويز نكاح المشركة قبل نزول الآية كان ثابتاً من قبل الشرع. قوله {حتى يؤمن} اتفق الكل على أن المراد منه الإقرار بالشهادة والتزام أحكام الإسلام، ولكن لا يدل هذا على أن الإيمان في عرف الشرع عبارة عن الإقرار فقط لما مر في تفسير قوله {أية : الذين يؤمنون بالغيب} تفسير : [البقرة: 3] أنه لا بد في الإيمان الحقيقي من التصديق القلبي، إلا أنه اكتفي ههنا بالإقرار اللساني لأنه هو أمارة الإيمان بالنسبة إلينا، فلا اطلاع لنا على صميم القلب، والسرير موكولة إلى علام الخفيات. فإن وافق سره العلن كان مؤمناً حقاً وإلا كان منافقاً جداً {ولأمة مؤمنة} هذه اللام في إفادة التوكيد تشبه لام القسم. والمراد بالأمة وكذا بالعبد في قوله {ولعبد مؤمن} أمة الله وعبده لأن الناس كلهم عبيداً لله وإماؤه أي ولا مرأة مؤمنة حرة كانت أو مملوكة {خير من مشركة ولو أعجبتكم} للمبالغة والجواب محذوف أي ولو كانت المشركة تعجبكم بمالها وجمالها ونسبها، فالمؤمنة خير منها لأن الإيمان يتعلق بالدين والمال، والجمال والنسب يتعلق بالدنيا، ورعاية الدين أولى من رعاية الدنيا إن لم يتيسر الجمع بينهما. وقد تحصل المحبة والتآلف عند التوافق في الدين فتكمل منافع الدنيا أيضاً من حسن الصحبة والعشرة وحفظ الغيب وضبط الأموال والأولاد، وأما عند اختلاف الدين فتنعكس هذه القضايا. وقد يرى أضداد ما توقع منها ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : تنكح المرأة لأربع: لمالها ولحسنها ولجمالها ولدينها فاظفر بذات الدين تربت يداك" تفسير : وقد ظن بعضهم أن المراد بالأمة ضد الحرة فقال: التقدير: ولأمة مؤمنة خير من حرة مشركة. ولهذا ذهب بعض آخر إلى أن في الآية دلالة على أن القادر على طول الحرة يجوز له التزوّج بالأمة على ما هو مذهب أبي حنيفة، لأن الآية دلت على أن الواجد لطول الحرة المشركة يكون لا محالة واجداً لطول الحرة المسلمة، لأنه بسبب التفاوت في الإيمان والكفر لا يتفاوت قدر المال المحتاج إليه في أهبة النكاح، فيلزم قطعاً أن يكون الواجد لطول الحرة المسلمة يجوز له نكاح الأمة {ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا} لا خلاف ههنا في أن المراد به الكل، وأن المؤمنة لا يحل تزويجها من الكافر على اختلاف أقسام الكفر {أولئك} المشركات والمشركون {يدعون إلى النار} أي إلى ما يؤدي إليها، فإن الزوجية مظنة الألفة والمحبة في الظاهر، وقد تحمل المودة على الاتفاق في الدين فلعل المؤمن يوافق الكافر، والاحتراز عن مظنة الارتداد أهم من الطموح إلى إسلام المشرك. فحقهم أن لا يوالوا ولا يصاهروا ولا يكون بينهم وبين المؤمنين إلا المناصبة والقتال. وقيل: المراد أنهم يدعون إلى ترك المحاربة والجهاد، وفي ترك الجهاد استحقاق النار والعذاب. وغرض هذا القائل أن يجعل هذا فرقاً بين الذمية وغيرها، فإن الذمية لا تحمل زوجها على ترك الجهاد. وقيل: إن الولد الذي يحدث ربما دعاه الكافر إلى الكفر فيصير الولد من أهل النار فهذا هو الدعوة إلى النار. {والله يدعو إلى الجنة} حيث أمر بالتزوج بالمسلمة حتى يكون الولد مسلماً من أهل الجنة، أو المراد أن أولياء الله وهم المؤمنون يدعون إلى الجنة المغفرة وما يؤدي إليهما، فهم الذين تحب موالاتهم و مصاهرتهم وأن يؤثروا على غيرهم {بإذن} بتوفيق الله وتيسيره للعمل الذي يستحق به الجنة والغفران وقرى الحسن {والمغفرة} بالرفع على الابتداء أي المغفرة كائنة بتيسيره {ويبين آياته للناس لعلهم يتذكرون} معناه واضح. وقد عرفت فيما مر أن التذكر محاولة استرجاع الصورة المحفوظة، فكان الآيات تليه على ما هو مركوز في العقول من حقيقة دين الإسلام {أية : فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون} تفسير : [الروم: 30]. التأويل: إن خمر الظاهر كما يتخذ من أجناس مختلفة كالعنب والتمر والعسل والحنطة والشعير وغيرها، فكذلك خمر الباطن من أجناس مختلفة كالغفلة والشهوة والهوى وحب الدنيا وأمثالها. وهذه تسكر النفوس والعقول الإنسانية التي هي مناط التكليف فلهذا حرمت في عالم التكليف، وأما ما يسكر القلوب والأرواح والأسرار فهو شراب الواردات في أقداح المشاهدات من ساقي تجلي الصفات إذا دارت الكؤوس انخمدت شهوات النفوس، فتسكر القلوب بالمواجيد عن المواعيد، والأرواح بالشهود عن الوجود، والأسرار بمطالعة الجمال من ملاحظة الكمال، وهذا شراب حلال لأنه فوق عالم التكليف، وإنه يمزج الكثيف باللطيف فيه{ومنافع للناس} وملاذ لأهل القرب والاستئناس. شعر : فصحوك من لفظي هو الوصل كله وسكرك من لحظي يبيح لك الشربا فمـا مـل سـاقيهـا ومـا مـل شـارب عقـار لحــاظ كـأســه يسـكـر اللبــا تفسير : قوم أسكرهم وجود الشراب وقوم أسكرهم شهود الساقي. شعر : فــأســكـــر القـــــوم دور كـــأس وكــان سـكــري مــن المـــديـــــر تفسير : الكأس والشراب والساقي و المسقي ههنا واحد كما قيل: شعر : رق الــزجــاج وراقــت الخمـــر فتشـــابهـــا وتشــاكـــل الأمــــــر فكـــأنمـــا خمـــر ولا قــــــــدح وكـــأنمـــــا قـــــدح ولا خمـــــر تفسير : وإثم الإعراض عن كؤوس الوصال في النهاية أكبر من نفع الطلب ألف سنة في البداية. أما الميسر فإثمه كبير عند ا لأخيار وإنه بعيد عن خصال الأبرار، ولكن نفعه عدم الالتفات إلى الكونين، وبذل نفوس العالمين في فردانية نقش الكعبتين. {وإثمهما أكبر من نفعهما} لأن إثمهما للعوام ونفعهما للخواص، والعوام أكثر من الخواص. وبعبارة أخرى الإثم في الخمر الظاهر والميسر الظاهر، والنفع في الخمر الباطن والميسر الباطن، وأهل الظاهر أكثر من أهل الباطن والله أعلم.

الثعالبي

تفسير : قوله تعالى: {يَسْـئَلُونَكَ عَنِ ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ...} الآية: السائلُون هم المؤمنُونَ، والخَمْر: مأخوذ من خمر، إِذا ستر؛ ومنه: خِمَارُ المَرْأة، والخَمَرُ: ما واراك من شَجَر وغيره، ومنه قولُ الشاعر: [الوافر] شعر : أَلاَ يَا زَيْدُ وَالضَّحَّاكُ سِيرَا فَقَدْ جَاوَزْتُمَا خَمَرَ الطَّرِيقِ تفسير : ولما كانت الخمر تستُرُ العَقْل، وتغطِّي عليه، سُمِّيت بذلك، وأجمعت الأمة على تحريمِ خَمْر العِنَبِ، ووجوبِ الحدِّ في القليلِ والكثيرِ منْه، وجمهورُ الأمة علَىٰ أن ما أسكر كثيرُهُ مِنْ غير خَمْرِ العِنَبِ محرَّم قليلُهُ وكثيرُهُ، والحدُّ في ذلك واجبٌ. وروي أنَّ هذه الآية أولُ تطرُّق إِلى تحريمِ الخَمْر، ثم بعده: {أية : لاَ تَقْرَبُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَنتُمْ سُكَـٰرَىٰ } تفسير : [النساء:43] ثم {إِنَّمَا يُرِيدُ ٱلشَّيْطَـٰنُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ} إلى قوله: {أية : فَهَلْ أَنتُمْ مُّنتَهُونَ }، تفسير : [المائدة:91] ثم قوله تعالى: {أية : إِنَّمَا ٱلْخَمْرُ وَٱلْمَيْسِرُ وَٱلأَنصَابُ وَٱلأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ ٱلشَّيْطَـٰنِ فَٱجْتَنِبُوهُ } تفسير : [المائدة:90] فقال رسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «حديث : حُرِّمَتِ الخَمُرْ»تفسير : ، ولم يحفَظْ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم في حدِّ الخمر إِلا أنَّه جلد أربعين، خرَّجه مسلم، وأبو داود، وروي عَنْه صلى الله عليه وسلم؛ أَنَّهُ ضرب فيها ضَرْباً مُشَاعاً، وحَزَرَهُ أبو بكر أربعين سوطاً، وعمل بذلك هو، ثُمَّ عمر ثم تهافَتَ النَّاس فيها، فشدَّد عليهم الحَدَّ، وجعله كَأخفِّ الحدود ثَمَانِينَ؛ وبه قال مالك. ويجتنبُ من المضروبِ: الوجْهُ، والفَرْجُ، والقَلْب، والدِّماغ، والخَوَاصر؛ بإِجماع. قال ابن سِيرِينَ، والحسنُ، وابْنُ عَبَّاس، وابن المُسَيَّب، وغيرهم: كلُّ قمارٍ مَيْسِرٌ؛ مِنْ نَرْدٍ وشِطْرَنْجٍ، ونحوه، حتَّى لِعْب الصِّبْيَان بالجَوْز. * ت *: وعبارةُ الداووديّ: وعن ابْنِ عُمَر: المَيْسِرُ القِمَار كلُّه، قال ابن عبَّاس: كلُّ ذلك قمارٌ؛ حتى لعِبْ الصِّبْيَان بالجَوْز، والكِعَاب. انتهى. وقوله تعالى: {قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَـٰفِعُ لِلنَّاسِ...} الآية: قال ابن عبَّاس، والرَّبيع: الإِثم فيهما بعد التحريم، والمنفعةُ قبله. وقال مجاهد: المنفعةُ بالخَمْر كسب أثمانها، وقيل: اللَّذَّة بها إِلى غير ذلك من أفراحِها، ثم أعلم اللَّه عزَّ وجلَّ؛ أنَّ الإِثم أكْبَرُ من النَّفْع، وأعود بالضَّرر في الآخرة، فهذا هو التقدمة للتحريم. وقوله تعالى: {وَيَسْئَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ ٱلْعَفْوَ} قال جمهور العلماء: هذه نفقاتُ التطوُّع، والعفُو مأخوذ من عَفَا الشَّيْء، إِذا كَثُر، فالمعنَى: أنفِقُوا ما فَضَل عن حوائجِكُم، ولم تُؤْذُوا فيه أنفُسَكم، فتكونوا عالَةً على النَّاس. وقوله تعالى: {كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلآيَـٰتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ}: الإِشارة إِلى ما تقدَّم تبيينُهُ من الخَمْر والمَيْسِر، والإِنفاق، وأخبر تعالى؛ أنه يبيِّن للمؤمنين الآياتِ التي تقودُهم إِلى الفِكْرة في الدنيا والآخرة، وذلك طريقُ النجاة لمن نفعته فكْرته. قال الداووديّ: وعن ابن عبَّاس: لعلَّكم تتفكَّرون في الدنيا والآخرةِ، يعني: في زوال الدنْيا وفنائِها، وإِقبال الآخرة وبقائِها. انتهى. قال الغَزَّالِيُّ - رحمه اللَّه - تَعَالَى: العَاقِل لا يغفُلُ عن ذكْر الآخرةِ في لَحْظة؛ فإِنها مصيره ومستقرُّه، فيكون لَهُ في كلِّ ما يراه من ماءٍ، أو نارٍ، أو غيرهما عبرةٌ؛ فإن نظر إلى سوادٍ، ذكر ظلمة اللَّحْد، وإِن نَظَر إِلى صورة مروِّعة، تذكَّر مُنْكَراً ونكيراً والزبانيةَ، وإِن سمع صوتاً هائلاً، تذكَّر نفخة الصُّور، وإِنْ رأَىٰ شيئاً حسَناً، تذكَّر نعيم الجنَّة، وإِن سمع كلمةَ ردٍّ أو قَبُولٍ، تذكَّر ما ينكشفُ لَهُ من آخر أمره بعد الحسَابِ؛ من ردٍّ أو قبول، ما أجدر أن يكون هذا هو الغالِبَ علَىٰ قَلْبِ العاقِلِ، لا يصرفُهُ عنه إِلاَّ مُهِمَّاتُ الدنيا، فإِذا نسب مدةَ مُقَامه في الدُّنْيا إِلى مدة مُقَامه في الآخِرة، ٱستحْقَرَ الدنيا إِنْ لم يكُنْ أغفل قلبه، وأعميتْ بصيرته. انتهى من «الإِحياء». وقوله تعالَىٰ: {وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ ٱلْيَتَامَىٰ قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ}: قال ابن عبَّاس، وسعيد بن المسيَّب: سبب الآية أن المسلمين لما نزلَتْ: {أية : وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ ٱلْيَتِيمِ } تفسير : [الأنعام:152] و[الإسراء:34] ونزلت: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوٰلَ ٱلْيَتَـٰمَىٰ ظُلْماً }،تفسير : [النساء:10] تجنبوا اليتامَىٰ وأموالَهم، وعزلوهم عن أنفسهم، فنزلت: {وَإِن تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَٰنُكُمْ...} الآية، وأمر اللَّه سبحانه نبيَّه؛ أن يجيب بأن من قصد الإِصلاح في مال اليتيمِ، فهو خيْرٌ، فرفع تعالى المشقَّة، وأباح الخُلْطة في ذلك إِذا قُصِدَ الإِصلاح، ورفْقُ اليتيم. وقوله سبحانه: {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ ٱلْمُفْسِدَ مِنَ ٱلْمُصْلِحِ}: تحذيرٌ. وقوله تعالى: {وَلَوْ شآءَ ٱللَّهُ لأَعْنَتَكُمْ}، أي: لأتعبكم في تجنُّب أمر اليتامَى، والعَنَتُ: المشقَّة، ومنه عَقَبَةٌ عَنُوتٌ؛ ومنه: عَنَتُ العُزْبَةِ، و {عَزِيزٌ}: مقتضاه لا يرد أمره، و {حَكِيمٌ}: أي: مُحْكِمٌ ما ينفذه.

ابن عادل

تفسير : قوله: {عَنِ ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ} لا بدّ فيه من حذف مضاف إذ السُّؤال عن ذاتي الخمر والميسر غير مرادٍ، والتَّقدير: عن حكم الخمر والميسر. الخمر: هو المعتصر من العِنَبِ إذا غلى، وقذف بالزَّبد، ويطلق على ما غلى، وقذف بالزَّبد من غير ماء العنب مجازاً. وفي تسميتها "خَمْراً" أربعة أقوال: أشهرها: أنَّها سمِّيت بذلك؛ لأنها تخمر العقل، أي: تستره، ومنه: خمار المرأة لستره وجهها، والخمر: ما واراك من شجر، وغيره من وهدةٍ، وأكمة، والخامر هو الذي يكتم شهادته؛ [و: "خَامِري حضَاجِرُ، أتاك ما تُحَاذِرُ" يُضْرَبُ للأحمق، وحَضَاجِرُ: علمٌ للضبع، أي: استتر عن النَّاس، ودخل في خمار النَّاس، وغمارهم]. ومنه يقال: "أخمرت الأَرْضُ" كثر خمرها - بفتح الميم - الشَّجَرُ الملتفُّ. قال: [الوافر] شعر : 1065- أَلاَ يَا زَيْدُ وَالضَّحَّاكَ سِيرا فَقَدْ جَاوَزْتُمَا خَمَرَ الطَّرِيقِ تفسير : أي: ما يستركما من شجرٍ وغيره، وقال العجَّاج يصف مسير جيش طاهر بن أبان: [الرجز] شعر : 1066-في لاَمِعِ العِقْبَانِ لاَ يَمْشِي الخَمَرْ تفسير : والثاني: لأنَّها تغطَّى حتّى تدرك وتشتدَّ، فهو من التَّغطية ومنه "خَمِّروا آنيتكم". والثالث: - قال ابن الأنباري من المخالطة - لأنَّها تخامر العقل، أي: تخالطه، يقال: خامره الدَّاء، أي: خالطه. وأنشد لكثير: [الطويل] شعر : 1067- هَنِيئاً مَرِيئاً غَيْرَ دَاءٍ مُخَامِرٍ ........................... تفسير : ويقال: خَامَرَ السّقام كبده. فهذه الاشتقاقات دالَّة على أن الخمر ما يكون ساتراً للعقل، كما سمِّيت مسكراً؛ لأنَّها تسكر العقل أي: تحجزه. والرابع: لأنَّها تترك حتى تدرك، ومنه: "اخْتَمَرَ العَجِينُ" أي: بلغ إدراكه، وخمر الرَّأي، أي: تركه، حتَّى ظهر له فيه وجه الصَّواب، وهي أقوال متقاربةٌ. وعلى هذه الأقوال تكون الخمر في الأصل مصدراً مراداً به اسم الفاعل واسم المفعول. فصل قال أبو حنيفة: الخمرُ: هو ما كان من عصير العنب وغيره. حجّة أبي حنيفة: قوله تعالى: {أية : وَمِن ثَمَرَاتِ ٱلنَّخِيلِ وَٱلأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً}تفسير : [النحل:67] فمنَّ الله تعالى علينا باتخاذ السَّكر، والرِّزق الحسن؛ فوجب أن يكون مباحاً؛ لأنَّ المنَّة لا تكون إلاَّ بالمباح. حديث : وروى ابن عبَّاس أنَّه - عليه السَّلام - أتى السِّقاية عام حجَّة الوداع، فاستند إليها وقال: اسقوني، فقال العبَّاس: لنسقينَّك ممَّا ننبذُهُ في بيوتنا؟ فقال: "مِمّا يُسْقَى النَّاسُ" فجاءه بقدح من نبيذ؛ فشمَّه فقطب وجهه وردَّه، فقال العبَّاس: يا رسول الله أفسدت على أهل مكَّة شرابهم. فقال: "رَدُّوا عَلَيَّ القَدَحَ" فردُّوه عليه؛ فدعا بماء زمزم؛ فصبّ عليه وشَرِبَ وقال: "إِذَا اغْتَلَمَتْ عَلَيْكُمْ هَذِهِ الأَشْرِبَة فَاقْطَعُوا نتنها بالمَاءِ" . تفسير : وجه الاستدلال به: أن التقطيب لا يكون إلاَّ من الشَّديد، ولأن المزج بالماء كان لقطع الشدَّة بالنَّصِّ، ولأنَّ اغتلام الشَّراب شدَّته، كاغتلام البعير سكره. وأيضاً وردت عند الصَّحابة فيه آثارٌ؛ روي أنَّ عمر بن الخطَّاب - رضي الله عنه - كتب إلى بعض عماله أن أرزاق المسلمين من الطِّلاء ما ذهب ثلثاه، وبقي ثلثه، ورأى أبو عبيدة، ومعاذٌ: شرب الطِّلاء على الثُّلث. وحجَّة القائلين بأنَّ الخمر من عصير العنب وغيره ما روى أبو داود عن عمر - رضي الله عنه - قال: "نَزَلَ تحريمُ الخَمْرِ يَوْمَ نَزَلَ وهي من خمسة من العِنَبِ، والتَّمْرِ، والحِنْطَةِ، والشَّعِيرِ، والذُّرَةِ". والخمر ما خامر العقل. وفي "الصَّحيحين" عن عمر أنَّه قال على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألا إنّ الخرم قد حرِّمت، وهي من خمسة: من العنب، والتَّمر، والعسل، والحنطة، والشعير والخمر ما خامر العقل. وروى أبو داود عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وَكُلُّ خَمْرٍ حَرَامٌ" تفسير : وفي "الصَّحِيحَيْنِ" حديث : أنه عليه السَّلام سُئِلَ عن البِتع، فقال: "كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ، فَهُوَ حَرَامٌ" تفسير : والبِتع شراب يتخذ من العسل. قال الخطابيُّ: والدَّلالة من وجهين: أحدهما: أنَّ الآية لما دلَّت على تحريم الخمر، وكان مسمَّى الخمر مجهولاً من القوم، حسن من الشَّارع أن يقال: مراد الله تعالى من هذه اللَّفظة هذا، ويكون على سبيل إحداث لغةٍ، كما في الصَّلاة والصَّومِ وغيرهما. والوجه الآخر: أن يكون معناه: أنَّه كالخمر في الحرمة؛ لأن قوله هذا خمر، فإن كان حقيقةً؛ فحصل المدّعي، وإن كان مجازاً؛ فيكون حكمه كحكمه؛ لأنَّا بيَّنا أنَّ الشَّارع ليس مقصوده تعليم اللُّغات على تعليم الأحكام، وحديث البتع يبطل كلَّ تأويلٍ ذكره أصحاب تحليل الأنبذة، وإفساد قول من قال: إنَّ القليل من المسكر من الأنبذة مباحٌ؛ لأنَّه - عليه السَّلام - سُئِلَ عن نوع واحدٍ من الأنبذة، وأجاب بتحريم الجنس، فدخل فيه القليل والكثير، ولو كان ثمَّ تفصيلٌ في شيءٍ من أنواعه ومقاديره لذكره ولم يهمله، وقال - عليه الصَّلاة والسَّلام -: "حديث : مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ"تفسير : ، وقال: "حديث : مَا أَسْكَرَ الفرق منه فمسك الكف منه حرام ". تفسير : قال الخطابي: "الفَرقُ": مِكْيَالٌ يَسَعُ ستَّة عشَرَ رطلاً وروى أبو داود عن أُمِّ سلمة قالت: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كلِّ مسكرٍ ومفترٍ. قال الخطَّابيُّ: "المفترُ" كلّ شرابٍ يورث الفتور، والخدر في الأعضاء. واستدلُّوا أيضاً بالاشتقاق المتقدّم وأيضاً بقوله تعالى: {أية : إِنَّمَا يُرِيدُ ٱلشَّيْطَٰنُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ ٱلْعَدَاوَةَ وَٱلْبَغْضَآءَ فِي ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ ٱللهِ وَعَنِ ٱلصَّلَٰوةِ}تفسير : [المائدة:91]. وهذه العلَّة موجودة في الأنبذة؛ لأنَّها مظنّته. وأيضاً فإنّ عمر، ومعاذ قالا: يا رسول الله، إنَّ الخمر مسلبةٌ للعقل مذهبة للمال؛ وهذه العلَّة موجودة في الأنبذة. والجواب عن دلائل أبي حنيفة: أنَّ قوله {أية : تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً}تفسير : [النحل:67] نكرة في سياق الإثبات، فلم قلتم إنّ ذلك السُّكر هو هذا النَّبيذ. ثمَّ أجمع المفسِّرون على أنَّ هذه الآية قبل الآيات الدَّالَّة على تحريم الخمر، فتكون ناسخةً، أو مخصّصة. وأمَّا حديث النَّبيذ فلعلَّه كان ماءًا نبذت فيه تمراتٌ؛ لتذهب ملوحته فتغيَّر طعم الماء قليلاً إلى الحموضة، وطبعه - عليه الصَّلاة والسَّلام - كان في غاية اللَّطافة، فلم يحتمل طبعه الكريم ذلك الطَّعم؛ فلذلك قطَّب وجهه، وإنما صبَّ الماء فيه؛ إزالة لتلك الحموضة، أو الرائحة. وأمَّا آثارُ الصَّحابة، فمتدافعة متعارضة. فصل في عدد الآيات التي نزلت بمكة في تحريم الخمر قالوا: نزل في الخمر آربع آيات بمكَّة: قوله: {أية : وَمِن ثَمَرَاتِ ٱلنَّخِيلِ وَٱلأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً}تفسير : [النحل:67] وكان المسلمون يشربونها، وهي لهم حلالٌ، ثم إن عمر ومعاذاً ونفراً من الصَّحابة قالوا: يا رسول الله، أفتنا في الخمر، فإنَّها مذهبةٌ للعقل مسلبةٌ للمال، فنزل قول تعالى: {فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ}[البقرة:219] ولما نزلت هذه الآية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إنَّ اللهَ تَقَدَّمَ في الخَمْر"، تفسير : فتركها قومٌ لقوله (إثْمٌ كبيرٌ) وشربها قوم لقوله (ومنافع للناس). إلى أن صنع عبد الرحمن بن عوف طعاماً، فدعا ناساً من أصحاب النَّبي صلى الله عليه وسلم وأتاهم بخمرٍ، فشربوا، وسكروا، وحضرت صلاة المغرب؛ فتقدَّم بعضهم ليصلِّي بهم فقرأ: "قُلْ يَا أَيُّهَا الكَافِرُونَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ" هكذا إلى آخر السورة بحذف "لا"، فأنزل الله تعالى: {أية : لاَ تَقْرَبُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَىٰ}تفسير : [النساء:43] فحرَّم السُّكر في أوقات الصلاة، فلما نزلت هذه الآية، تركها قومٌ، وقالوا: لا خير في شيءٍ يحول بيننا وبين الصَّلاة وتركها قوم في أوقات الصَّلاة، وشربوها في غير وقت الصَّلاة، حتَّى كان الرَّجل يشرب بعد صلاة العِشاء، فيصبح، وقد زال عنه السُّكر، ويشرب بعد صلاة الصُّبح، فيصحو إذا جاء وقت الظُّهر، واتخذ عُتبان بن مالك صِبْغاً ودعا رجالاً من المسلمين، فيهم سعد بن أبي وقاص وكان قد شوى لهم رأس بعيرٍ، فأكلوا منه، وشربوا الخمر، حتى أخذت منهم، ثمَّ إنّهم افتخروا عند ذلك، وانتسبوا، وتناشدوا، فأنشد سعد قصيدةً فيها هجاءٌ للأنصار، وفخر لقومه، فأخذ رجلٌ من الأنصار لحي بعيرٍ، فضرب به رأس سعدٍ؛ فشجَّه موضّحةٌ فانطلق سعد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وشكى إليه الأنصاريَّ، فقال عمر: اللَّهُمَّ بيِّن لنا في الخمر بياناً شافياً؛ فأنزل الله تعالى: {أية : إِنَّمَا ٱلْخَمْرُ وَٱلْمَيْسِرُ وَٱلأَنصَابُ وَٱلأَزْلاَمُ رِجْسٌ}تفسير : [المائدة:90] إلى قوله: {أية : فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ}تفسير : [المائدة:91] وذلك بعد غزوة الأحزاب بأَيَّام، فقال عمر: انتهينا يا ربّ. قال ابن الخطيب: والحكمة في وقوع التَّحريم على هذا التَّرتيب أنَّ الله تعالى علم أنَّ القوم كانوا قد أَلِفُوا شرب الخمر، وكان انتفاعهم بذلك كثيراً، فعلم أنَّه لو منعهم دفعةً واحدةً لشقّ ذلك عليهم، فلا جرم درَّجهم في التَّحريم رفقاً بهم، ومن الناس من قال: إن الله حرم الخمر والميسر بهذه الآية، ثم نزل قوله: {أية : لاَ تَقْرَبُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَىٰ}تفسير : [النساء:43] فاقتضى ذلك تحريم شربها؛ لأنَّ شارب الخمر لا يمكنه أن يصلِّي مع السُّكر، فكان المنع من ذلك منعاً من الشّرب ضمناً، ثم نزلت آية المائدة، فكانت في غاية القوَّة في التَّحريم. وعن الرَّبيع بن أنس أنَّ هذه الآية نزلت بعد تحريم الخمر. فصل قال أنسٌ: حُرمت عليهم الخمر، ولم يكن يومئذ للعرب عيشٌ أعجب منها، وما حرِّم عليهم شيءٌ أشدّ من الخمر. وقال أنس بن مالك: ما كان لنا خمر غير فضيخكم فإنّي لقائم أسقي أبا طلحة وفلاناً، وفلاناً، إذ جاء رجلٌ فقال: حرمت الخمر. قالوا: أهرق هذه القلال يا أنس؛ قال: فما سألوا عنها، ولا راجعوها بعد خبر الرَّجل. واختلف الفقهاء في الخمر على ما تقدَّم؛ فقال قومٌ: هو عصير العنب والرُّطب الَّذي اشتدّ وغلا من غير عمل النَّار فيه، واتَّفقت الأُمَّة على أنَّ هذا الخمر نجس يحدُّ شاربها، ويُفَسَّقُ، ويكفر مستحلها، وذهب سفيان الثَّوريُّ، وأبو حنيفة، وجماعة إلى أنَّ التَّحريم لا يتعدّى هذا ولا يحرم ما يتّخذ من غيرها، كالحنطة، والشَّعير، والذُّرة، والعسل، والفانيذِ إلاَّ أن يسكر منه فيحرم، وقال: إذا طبخ عَصِيرُ العِنَبِ والرُّطب، حتّى ذهب نصفه، فهو حلالٌ، ولكنه يكره، وإن طبخ، حتَّى يذهب ثلثاه قالوا: هو حلالٌ مباحٌ شربه إلاَّ أنَّ السُّكر منه حرامٌ. وقال قومٌ: إذا طُبخَ صار العَصِيرُ أدْنَى طبخ، صار حَلاَلاً، وهو قول إسماعيل بن علية، وذهب أكثر أهل العلم إلى أنَّ كل شراب أسكر كثيره، فهو خمر قليله حرام يحدّ شاربه، وقد تقدَّم ما أجابوا به. والمَيْسِرُ: القِمَارُ، مفعل من اليُسْرِ، يقال: يَسَرَ يَيْسِرُ؛ قال علقمة: [البسيط] شعر : 1068- لَو يَيْسِرُونَ بِخَيْلٍ قَدْ يَسَرْتُ بِهَا وَكُلُّ مَا يَسَرَ الأَقْوَامُ مَغْرُومُ تفسير : وقال آخر: [الطويل] شعر : 1069- أَقُولُ لَهُمْ بِالشِّعْبِ إذْ يَيْسِرُونَنِي أَلَمْ تَيْئَسُوا أَنِّي ابْنُ فَارِس زَهْدَمِ تفسير : وفي اشتقاقه أربعة أقوال: أحدها: من اليُسْر وهو السُّهولة؛ لأنَّ أخذه سهل من غير كدر ولا تعب قاله مقاتل. والثاني: من اليَسَار، وهو الغنى؛ لأنَّه يسلبه يساره. قال ابن عباسٌ: كان الرَّجُلُ في الجاهليَّة يخاطرُ الرَّجُلَ على أهله وماله فأيهما قَمَر صاحبه؛ ذهب بأهله، وماله، فنزلت الآية. الثالث: قال الواحديُّ: إنه من قولهم: يَسُرَ لي هذا الشَّيء يَيْسِرُ يُسْراً وميسراً، إذا وجب، واليَاسِرُ الوَاجِبُ بسبب القِدَاحِ. وحكاه الطبريُّ عن مجاهدٍ، ورد ابن عطيَّة عليه. الرابع: من يسر إذا جزر، واليَاسِرُ الجَازِرُ، وهو الذي يجزّئ الجَزُور أجزاءً. قال ابن عطيَّة: "وسُمِّيت الجَزُور التي يُسْتَهَمُ عليها مَيْسِراً؛ لأنَّها موضع اليُسْرِ، ثمَّ سُمِّيت السِّهَامُ مَيْسراً للمُجَاوَرَةِ" واليَسَرُ: الذي يدخل في الضَّرْبِ بالقِدَاح، ويجمع على أيسار، وقيل: بل "يُسَّر" مع يَاسِر كَحَارِس وحُرَّسٍ وأَحْرَاسٍ. وللميسر كيفيَّةٌ، وتُسمّى سِهَامُهُ القِدَاحَ والأزلامَ والأقلامَ. وقيل: هي عَشَرَةُ أقْدَاح، وقيل: أَحَدَ عَشَرَ، لسبعةٍ منها حُظُوظٌ، وعلى كُلٍّ منها خُطُوطٌ، فالخطُّ يقدِّر الحَظَّ، وتلك القِدَاحُ هي: الفَذُّ وله سهمٌ واحدٌ، والتَّوءَمُ وله اثنان، والرَّقيبُ وله ثلاثةٌ، والحِلْسُ وله أربعةٌ، والنَّافسُ وله خمسةٌ، والمُسْبلُ وله ستّةٌ، والمُعَلَّى وله سبعةٌ، وثلاثةٌ أغفالٌ لا خُطُوطَ عليها، وهي المنيحُ، والسَّفيحُ، والوغْدُ. وأنشد فيها بعضهم: [الرمل] شعر : 1070- لِيَ في الدُّنْيَا سِهَامٌ لَيْسَ فِيهِنَّ رَبِيحُ وَأَسَامِيهِنَّ وَغْدٌ وَسَفِيحٌ وَمَنِيحُ تفسير : ومن زاد رابعاً سمَّاه المضعَّف، وإنَّما كثروا بهذه الأغفال ليختلط على الحرضة، وهو الضَّارب، فلا يميل مع أحد، وهو رجلٌ عدلٌ عندهم، فيجثو، ويلتحف بثوبٍ، ويخرج رأسه، فيجعل تلك القداح في خريطة وتسمى الرِّبابة بكسر الرَّاء مشبَّهة بالكتابة فيها سهامُ المَيْسِرِ، وربَّما يسمُّون جميع السِّهام ربابة، ثمَّ يخلخلها ويدخل يده فيها، ويخرج باسم رجُلٍ رجلٍ قِدحاً فمن خرج على اسمه قدحٌ: فإن كان من ذوات السِّهام؛ فاز بذلك النَّصيب، وأخذه، وإن كان من الأغفال غرِّم من الجزور؛ ولا يأخذ شيئاً. وقال بعضهم: لا يأخذ شيئاً، ولا يغرم، ويكون ذلك القدح لغزاً. وكانوا يفعلون هذا في الشَّتوة، وضيق العيش، ويقسِّمونه على الفقراء ولا يأكلون منه شيئاً، ويفتخرون بذلك، ويسمُّون من لم يدخل معهم فيه: البَرم ويذمونه، والجَزورُ تقسم عند الجمهور على عدد القداح، فتقسم على عشرة أجزاء، وعند الأصمعي على عدد خطوط القداح، فتقسّم على ثمانية وعشرين جزءاً. وخطَّأ ابن عطية الأصمعيَّ في ذلك، وهذا عجيبٌ منه؛ لأنَّه يحتمل أنَّ العرب كانت تقسِّمها مرَّةً على عشرةٍ، ومرَّةً على ثمانية وعشرينَ. فهذا أصل القمار التي كانت تفعله العرب. واختلفوا في الميسر؛ هل هو اسم لذلك القمار المعيَّن أو اسم الجميع أنواع القمار، فقال بعض العلماء: المراد من الآية جميع أنواع القمار قال عليه الصلاة والسلام: "حديث : إيَّاكُم وَهَاتَيْنِ الكَعْبَتَيْنِ المُوسومتين فَإِنَّها مِنَ مَيْسِرِ العَجَمِ ". تفسير : وعن ابن سِيرِينَ: ومجاهد، وعطاءٍ، وطاوسٍ، كلُّ شيءٍ فيه قمارٌ فهو الميسر، حتَّى لعب الصِّبيان بالجوز، والكعاب. وروي عن عليّ - رضي الله عنه - في النرد، والشِّطرنج: أنَّه من المَيْسر. وقال الشَّافعيُّ - رضي الله عنه -: إذا خلا الشِّطرنجُ عن الرهان واللِّسان عن الطُّغيان، والصَّلاة عن النِّسيان؛ لم يكن حراماً، وهو خارج عن الميسر؛ لأنَّ الميسر ما يوجب دفع مال، أو أخذ مالٍ، وهذا ليس كذلك، فلا يكون قماراً ولا ميسراً. وأمّا السَّبقُ في الخفِّ، والحافر، والنُّشابِ، فخصّ بدليلٍ. قوله: {فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ} الجَارُّ خبر مقدّم، و "إثْمٌ" مبتدأ مؤخَّرٌ، وتقديم الخبر هنا ليس بواجبٍ، وإن كان المبتدأ نكرةً، لأنَّ هنا مسوغاً آخر، وهو الوصف، أو العطف، ولا بدّ من حذف مضافٍ أيضاً، أي: في تعاطيهما إثمٌ؛ لأنَّ الإثم ليس في ذاتها. وقرأ حمزة والكسائيُّ: "كثيرٌ" بالثَّاء المثَّلثة، والباقون بالباء ثانية الحروف. ووجه قراءة الجمهور واضحٌ، وهو أنَّ الإثم يوصف بالكبر مبالغة في تعظيم الذَّنب، ومنه آية {أية : إِنَّهُ كَانَ حُوباً كَبِيراً}تفسير : [النساء:2]. وسمِّيت الموبقات: "الكبَائِر"، ومنه قوله تعالى: {أية : يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ ٱلإِثْمِ}تفسير : [الشورى:37]، و {أية : كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ}تفسير : [النساء:31] وشرب الخمر، والقمار من الكبائر، فناسب وصف إثمهما بالكبر، وقد أجمعت السَّبعة على قوله: {وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا} بالباء الموَّحدة، وهذه توافقها لفظاً. وأمَّا وجه قراءة الأخوين: فإمَّا باعتبار الآثمين من الشَّاربين، والمقامرين، فلكلِّ واحد إثمٌ، وإمّا باعتبار ما يترتّب [على تعاطيهما من توالي العقاب، وتضعيفه، وإمّا باعتبار ما يترتَّب] على شربهما ممَّا يصدر من شربها من الأقوال السَّيئة والأفعال القبيحة. وإمّا باعتبار ما يترتَّب على تعاطيهما من توالي العقاب، وتضعيفه. وإمَّا باعتبار من يزاولها من لدن كانت عنباً إلى أن شربت، فقد لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الخمر، ولعن معها عشرةً: بائعها، ومبتاعها وغيرهما، فناسب ذلك أن يوصف إثمها بالكثرة. وأيضاً فإن قوله: "إثْم"، مقابلٌ لـ "مَنَافِع"، و "منافع" جمعٌ، فناسب أن توصف مقابلةً بمعنى الجمعيَّة، وهو الكثرة. وهذا الذي ينبغي أن يفعله الإنسان في القرآن، وهو أن يذكر لكلِّ قراءةٍ توجيهاً من غير تعرُّضٍ لتضعيف القراءة الأخرى كما فعل بعضهم، وقد تقدَّم فصلٌ صالحٌ من ذلك في قراءتي: "مَلِك"، و {أية : مَـٰلِكِ}تفسير : [الفاتحة:3]. وقال أبو البقاء: الأَحْسَنُ القِرَاءَةُ بالبَاء، لأنه يقال: إثمٌ كبيرٌ وصغيرٌ، ويقال في الفواحش العظام: "الكَبَائِرُ"، وفيما دون ذلك "الصَّغَائِرُ" وقد قرئ بالثَّاء وهو جيدٌ في المعنى؛ لأنَّ الكثرة كبرٌ، والكثير كبيرٌ، كما أنَّ الصَّغير حقيرٌ ويسيرٌ. وقرأ عبد الله - وكذلك هي في مصحفه -: "وإثمهما أَكْثَرُ" بالمثلَّثة، وكذلك الأولى في قراءته، ومصحفه. فصل دلَّ قوله تعالى: {فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ} على تحريم الخمر كقوله تعالى: {أية : إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ ٱلْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ}تفسير : [الأعراف:33] والإثم يستحق به؛ فدلَّ مجموع الآيتين على التَّحريم، وأيضاً فإنَّ الإثم قد يراد به العقاب وقد يراد به: ما يستحق به العقاب من الذُّنوب، وأيُّهما كان، فلا يصحُّ أن يوصف به إلاَّ المحرّم. وأيضاً قد قال تعالى: {وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا} فَصَرَّحَ بِرُجْحَانِ الإِثْمِ، وذلك يوجب التَّحْرِيمَ. فإن قيل: لا تدلُّ الآية على أنَّ شرب الخمر حرامٌ، بل تدلُّ على أنَّ فيه إثماً، فهَبْ أنَّ ذلك الإثم حرامٌ، فلم قلتم إن شرب الخمر لما حصل فيه ذلك الإثم؛ وجب أن يكون حراماً؟ فالجواب أنَّ السُّؤال كان واقعاً عن مطلق الخمر، فلمَّا بين تعالى أنَّ فيه إثماً، كان المراد أنَّ ذلك الإثم لازمٌ له على جميع التَّقديرات، فكان شرب الخمر مستلزماً لهذه الملازمة المحرَّمة، ومستلزم المحرَّم محرَّمٌ؛ فوجب أن يكون الشُّرب محرّماً. فإن قيل هذه الآية لا تدلُّ على حرمة الخمر لوجوهٍ: أحدها: أنَّه تعالى أثبت فيها منافع للنَّاس والمحرّم لا يكون فيه منفعةٌ. الثاني: لو دلَّت الآية على حرمتها، فلم لم يقنعوا بها حتّى نزلت آية المائدة وآية تحريم الصّلاة؟ الثالث: أنَّه أخبر أنَّ فيها إثمٌ كبيرٌ، فمقتضاه أنَّ ذلك الكبير ملازماً لها ما دامت موجودة، ولو كان ذلك سبباً لحرمتها؛ لوجب القول بثبوت حرمتها في سائر الشَّرائع. فالجواب عن الأوَّل: أنَّ حصول النَّفع فيها ليس مانعاً من حرمتها؛ لأن صدق الخاصّ يوجب صدق العامّ. وعلى الثاني: أنّا روينا عن ابن عباس أنَّها نزلت في تحريم الخمر والتّوقف الذي ذكروه، غير مرويٍّ عنهم، وقد يجوز بطلب الكبار من الصَّحابة نزول ما هو أكبر من هذه الآية في التَّحريم كما التَمَسَ إبراهيم - صلوات الله عليه - مشاهدة إحياء الموتى، ليزداد سكوناً، وطمأنينة. وعن الثالث: أنَّ قوله {فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ} إخبار عن الحال لا عن الماضي فعلم تعالى أنَّ شُرْبَ الخَمْرِ مفسدةٌ لهم، وليس مَفْسَدَةٌ للَّذِينَ من قبلهم. فصل في بيان الإثم الكبير في الآية الإثم الكبير في الخمر أمورٌ: أحدها: أنَّه مزيلٌ للعقل الذي هو أشرف صفات الإنسان، وإذا كان الخمر عَدُوّاً، لا شرفاً؛ فيلزم أن يكون أخسَّ الأمور؛ وذلك لأن العقل إنَّما سمِّي عقلاً أخذاً من عقال النَّاقة، فإنَّ الإنسان إذا دعاه طبعه إلى فعل قبيح، كان عقله مانعاً من الإقدام عليه، فإذا شرب الخمر بقي طبعه الدَّاعي إلى فعل القبائح خالياً عن العقل العاقل له عن فعل القبيح. ذكر ابن أبي الدنيا: أنَّه مرَّ على سكران، وهو يبول في يده، ويمسح به وجهه كهيئة المتوضِّئ، ويقول: الحمد لله، الذي جعل الإسلام نوراً، والماء طهوراً. وعن العبَّاس بن مرداس أنَّه قيل له في الجاهليَّة: لم لا تشرب الخمر؛ فإنها تزيد في جراءتك؟ فقال: ما أنا بآخذ جهلي بيدي، فأدخله في جوفي، ولا أرضى أن أصبح سيِّد قوم، وأمسي سفيههم. وثانيها: ما ذكره الله - تعالى - من إيقاع العداوة، والبغضاء، والصَّدّ عن ذكر الله، وعن الصَّلاة. وثالثها: أنَّ هذه المعصية من خواصّها أنَّ الإنسان إذا اشتغل بها وواظب عليها، كان ميله ونفسه عليها أقوى، بخلاف سائر المعاصي، فإنَّ الزَّاني مثلاً إذ فعل مرَّةً واحدةً فترت رغبته، وكلَّما زاد فعله؛ كان فتوره أكثر؛ بخلاف الشّرب فإنَّه كلَّما كان إقدامه عليه أكثر كان نشاطه إليها ورغبته فيه أكثر، فإذا واظب عليه؛ صار غارقاً في اللَّذَّات البدنيَّة معرضاً عن تذكر الآخرة، حتّى يدخل في الّذين نسوا الله، فأنساهم أنفسهم. وبالجملة إذا زال العقل؛ حصلت القبائح بأسرها، وكذلك قال عليه الصلاة والسلام: "حديث : اجْتَنِبُوا الخَمْرَ فَإِنَّها أُمُّ الخَبَائِثِ" تفسير : . ويصدر عن الشَّارب المخاصمة، والمشاتمة وقول الفحش والزُّور. وأما الإثم الكبير في الميسر، فإنَّه يفضي إلى العداوة أيضاً لما يجري بينهم من الشَّتم، والمنازعة؛ لأنَّه أكل مال بالباطل، وذلك يورث العداوة؛ لأنَّ صاحبه إذا أخذ ماله مجَّاناً؛ أبغضه جدّاً، وهو يشغل عن ذكر الله، وعن الصَّلاة أيضاً. وأمَّا المنافع المذكورة فيهما، فمنافع الخمر أنَّهم كانوا يتغالون بها إذا جلبوها من النَّواحي، وكان المشتري، إذا ترك المماكسة في الثَّمن؛ كانوا يعدُّون ذلك فضيلةً، ومكرمةً، وكانت تكثر أرباحهم بذلك السَّبب، ومنها أنَّها تقوِّي الضَّعيف، وتهضم الطَّعام، وتعين على الباءة وتسلي المحزون، وتشجِّع الجبان، وتُسخي البخيل، وتصفي اللَّون وتُنعش الحرارة الغريزيَّة، وتزيد من الهمَّة، والاستعلاء. ومن منافع الميسر: التَّوسعة على ذوي الحاجات؛ لأنَّ من قمر لم يأكل من الجزور شيئاً وإنما يفرّقه في المحتاجين؛ وذكر الواقديُّ أنَّ الواحد كان ربَّما يحصل له في المجلس الواحد مائة بعيرٍ، فيحصل له مالٌ من غير كدٍّ، ولا تعبٍ، ثم يصرفه إلى المحتاجين، فيكتسب فيه الثَّناء، والمدح، وكانوا يشترون الجزور، ويضربون سهامهم، فمن خرج سهمه؛ أخذ نصيبه من اللَّحم، ولا يكون عليه شيء من الثَّمن، ومن بقي سهمه آخراً، كان عليه ثمن الجزور كلِّه، ولا يكون له من اللَّحم شيءٌ. قوله تعالى: {وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا} قرأ أُبَيّ: "أقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِمَا". وإثمهما ونفعهما مصدران مضافان إلى الفاعل، لأنَّ الخمر والميسر سببان فيهما، فهما فاعلان، ويجوز أن تكون الإضافة باعتبار أنهما محلُّهما. وقوله: {أية : يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ}تفسير : [البقرة:215] قد تقدَّم الكلام عليه. وقرأ أبو عمرو: "قُلِ العَفْوُ" رفعاً والباقون نصباً. فالرَّفع على أنَّ "مَا" استفهاميةٌ، و "ذَا" موصولةٌ، فوقع جوابها مرفوعاً خبراً لمبتدأ محذوفٍ، مناسبةً بين الجواب والسُّؤال والتَّقدير: إنفاقكم العفو. والنَّصيب على أنَّهما بمنزلةٍ واحدةٍ، فيكون مفعولاً مقدّماً، تقديره: أيَّ شيءٍ ينفقون؟ فوقع جوابها منصوباً بفعل مقدَّرٍ للمناسبة أيضاً، والتَّقدير: أنفقوا العفو. وهذا هو الأحسن، أعني أن يعتقد في حال الرَّفع كون "ذا" موصولةً، وفي حال النَّصب كونها ملغاةً. وفي غير الأحسن يجوز أن يقال بكونها ملغاةً مع رفع جوابها، وموصولةً مع نصبه. وقد تقدم الكلام عليها مستوفى وإنما اختصرت القول هنا؛ لأني قد استوفيت الكلام عليها عند قوله تعالى: {أية : مَاذَآ أَرَادَ ٱللهُ بِهَـٰذَا مَثَلاً}تفسير : [البقرة:26]. فصل اعلم أنَّ هذا السُّؤال، قد تقدَّم، وأجيب بذكر المصرف، وهنا أجيب بذكر الكميَّة. قال الواحدي رحمه الله: أصل العفو في اللُّغة الزِّيادة، قال الله تعالى: {أية : خُذِ ٱلْعَفْوَ}تفسير : [الأعراف:199]، أي: الزِّيادة وقال: {أية : حَتَّىٰ عَفَوْاْ}تفسير : [الأعراف:95]. وقال القفَّال: العفو ما سهل وتيسّر ممَّا فضل عن الكفاية، وهو قول قتادة، وعطاء، والسُّدِّي، وكانت الصَّحابة يكتسبون المال، ويمسكون قدر النَّفقة، ويتصدَّقون بالفضل. قال القرطبيُّ: فالجواب خرج على وفق السُّؤال، فإنَّ السُّؤال الثَّاني في هذه الآية على قدر الإنفاق، وهو في شأن عمرو بن الجموح فإنَّه لما نزل: {أية : قُلْ مَآ أَنْفَقْتُمْ مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ}تفسير : [البقرة:215] قال: كم أنفق؛ فنزل "قُل العَفْوَ". والعَفْوُ: ما سهل، وتيسَّر وفضل، ولم يشقَّ على القلب إخراجه؛ قال الشَّاعر: [الطويل] شعر : 1071- خُذِي العَفْوَ مِنِّي تَسْتَدِيمِي مَوَدَّتِي وَلاَ تَنْطقِي في سَوْرَتي حِينَ أَغْضَبُ تفسير : وقال طاوس: ما يَسُر، والعفو اليسر من كل شيءٍ، ومنه قول تعالى: {أية : خُذِ ٱلْعَفْوَ} تفسير : [الأعراف:199] أي الميسور من أخلاق النَّاس. قال ابن الخطيب: ويشبه أن يكون العفو عن الذَّنب راجع إلى التَّيسير، والتَّسهيل، قال - عليه الصَّلاة والسَّلام -: "حديث : عَفَوْتُ لَكُمْ عَنْ صَدَقَةِ الخَيْلِ، والرَّقِيقِ، فَهَاتوا عشْرَ أَمْوَالِكُمْ" تفسير : معناه: التَّخفيف بإسقاط زكاة الخيل والرَّقيق، ويُقال: أعفى فلانٌ فلاناً بحقِّه: إذا أوصله إليه من غير إلحاح في المطالبة، ويقال: أعطاه كذا عفواً صفواً: إذا لم يكدِّره عليه بالأذى، ويقال: خذ من النَّاس ما عُفِيَ لك، أي: ما تيسَّر، ومنه قوله تعالى: {أية : خُذِ ٱلْعَفْوَ وَأْمُرْ بِٱلْعُرْفِ}تفسير : [الأعراف:199] وجملة التأويل: أنَّ الله ـ تعالى ـ أدَّب النَّاس في الإنفاق، فقال: {أية : وَءَاتِ ذَا ٱلْقُرْبَىٰ حَقَّهُ وَٱلْمِسْكِينَ وَٱبْنَ ٱلسَّبِيلِ وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيراً إِنَّ ٱلْمُبَذِّرِينَ كَانُوۤاْ إِخْوَانَ ٱلشَّيَٰطِينِ}تفسير : [الإسراء:26، 27] وقال: {أية : وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ ٱلْبَسْطِ}تفسير : [الإسراء:29] وقال: {أية : وَٱلَّذِينَ إِذَآ أَنفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ}تفسير : [الفرقان:67] وقال عليه الصَّلاة والسَّلام: "حديث : خَيْرُ الصَّدَقَةِ مَا أَنْفَقْتَ عَن غِنى، وَلا تُلاَمُ عَلَى كَفَافٍ ". تفسير : وعن جابر بن عبد الله قال: "حديث : بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاءه رجلٌ بمثل البيضة من ذهب فقال: يا رسول الله؛ خذها صدقةً، فوالله ما أملك غيرها، فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أتاه من بين يديه، فقال: هاتها مغضباً؛ فأخذها منه، ثمَّ حذفه بها، لو أصابته لأوجعته ثم قال: يَأْتِينِي أَحَدُكُم بِمالِهِ لاَ يَمْلِكُ غَيْرَهُ، ثُمَّ يَتَكَفَّفُ النَّاسَ، إِنَّمَا الصَّدَقَةُ عن ظَهْرِ غِنَى، خُذْهَا، فَلاَ حَاجَةَ لَنَا فِيها" تفسير : . وكان عليه الصَّلاة والسَّلام يحبس لأهله قُوتَ سَنَةٍ. وقال الحكماء الفضيلةُ بين طرفي الإفراط والتَّفريط. وقال عمرو بن دينار: الوسط من غير إسراف ولا إقتار. فصل في ورد العفو في القرآن قال أبو العباس المقرئ: ورد لفظ "العَفْوِ" في القرآن بإزاء ثلاثة معانٍ: الأول: العفو: الفضل من الأموال قال تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ ٱلْعَفْوَ} يعني الفضل من المال. الثاني: "العفو" الترك؛ قال تعالى: {أية : إَلاَّ أَن يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَاْ ٱلَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ ٱلنِّكَاحِ}تفسير : [البقرة:237] أي يتركوا، ومثله: {أية : فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ}تفسير : [الشورى:40]، أي: ترك مظلمته. الثالث: العفو بعينه، قال تعالى: {أية : وَلَقَدْ عَفَا ٱللهُ عَنْهُمْ}تفسير : [آل عمران:155]. فصل واختلفوا في هذا الإنفاق؛ هل المراد به الواجب، أو التطوُّع على قولين: الأول: قال أبو مسلم: يجوز أن يكون العفو هو الزَّكوات وذكرها هاهنا على سبيل الإجمال في السَّنة الأولى؛ لأنَّ هذه الآية قبل نزول آية الصَّدقات، وأنزل تفاصيلها في السَّنة الثَّانية فالنَّاس كانوا مأمورين بأن يأخذوا من مكاسبهم، ما يكفيهم في عامهم، ثمَّ ينفقون الباقي، ثمَّ صار هذا منسوخاً بآية الزَّكاة. القول الثاني: أنَّ المراد به صدقة التَّطوُّع. قالوا: لأنَّه لو كان مفروضاً لبين الله مقداره، فلمَّا لم يبيِّنه، وفوَّضه إلى رأي المخاطب؛ علمنا أنَّه ليس بفرضٍ. وأجيب، بأنه لا يبعد أن يوجب الله - تعالى - شيئاً على سبيل الإجمال، ثمَّ يذكر تفصيله وبيانه. قوله تعالى: {كَذٰلِكَ يُبيِّنُ} الكاف في محلِّ نصبٍ: إمَّا نعتاً لمصدرٍ محذوفٍ، أي: تبييناً مثل ذلك التَّبيين يبيِّن لكم، وإمَّا حالاً من المصدر المعرفة، أي: يبيِّن التبيين مماثلاً ذلك التَّبيين. والمشار إليه يبيِّن حال المنفق، أو يبيِّن حكم الخمر، والميسر، والمنفق المذكور بعدهما. وأبعد من خصَّ اسم الإشارة ببيان حكم الخمر، والميسر، وأبعد منه من جعله إشارةً إلى جميع ما سبق في السُّورة من الأحكام. و "لَكُمْ" متعلِّق بـ "يُبَيِّن". وفي اللاَّم وجهان، أظهرهما أنَّها للتبليغ كالتي في: قلت لك. والثاني: أنها للتَّعليل وهو بعيدٌ. والكاف في "كَذَلِكَ" تحتمل وجهين: أحدهما: أن تكون للنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم أو للسامع، فتكون على أصلها من مخاطبة المفرد. والثاني: أن تكون خطاباً للجماعة، فيكون ذلك ممَّا خوطب به الجمع بخطاب المفرد، ويؤيِّده قوله "لَكُمْ، و "لَعَلَّكُمْ"، وهي لغةٌ للعرب، يخاطبون في اسم الإشارة بالكاف مطلقاً، وبعضهم يستغني عن الميم بضمَّةِ الكاف؛ قال: [الرجز] شعر : 1072- وَإِنَّمَا الهَالِكُ ثُمَّ التَّالِكُ ذُو حَيْرَةٍ ضَاقَتْ بِهِ المَسَالِكُ كَيْفَ يَكُونُ النَّوْكُ إِلاَّ ذَلِكُ تفسير : فصل قوله تعالى: {فِي ٱلدُّنْيَا}: فيه خسمة أوجهٍ: أظهرها: أن يتعلَّق بيتفكّرون على معنى: يتفكَّرون في أمرهما، فيأخذون ما هو الأصلح، ويؤثرون ما هو أبقى نفعاً. والثاني: أن يتعلَّق بـ "يبيِّن"، ويروى معناه عن الحسن، وحينئذٍ يحتمل أن يقدَّر مضاف، أي: في أمر الدُّنيا والآخرة، ويحتمل ألاَّ يقدَّر، لأنَّ بيان الآيات، وهي العلامات يظهر فيها. وجعل بعضهم قول الحسن من التَّقديم، والتأخير، أي: ليس لذلك يبيِّن الله لكم الآيات في أمر الدنيا والآخرة لعلَّكم تتفكَّرون في الدنيا وزوالها وفنائها، فتزهدون فيها، وفي إقبال الآخرة، ووقوعها، فترغبون فيها. ثم قال: ولا حَاجَةَ لِذَلِكَ، لحَمْلِ الكَلاَمِ على ظاهره، يعني من تعلُّق في الدُّنيا بـ "تَتَفَكَّرُونَ". وهذا ليس من التَّقديم والتَّأخير في شيء؛ لأنَّ جملة التَّرجِّي جاريةٌ مجرى العلَّة فهي متعلِّقةٌ بالفعل معنى، وتقديم أحد المعمولات على الآخر، لا يقال فيه تقديم وتأخير ويحتمل أن تكون اعتراضيةً، فلا تقديم، ولا تأخير. والثالث: أن تتعلَّق بنفس "الآيَاتِ" لما فيها من معنى الفعل، وهو ظاهر قول مكي فيما فهمه عنه ابن عطيَّة. قال مكِّيٌّ: "معنى الآية أنه يبيِّن للمؤمنين آياتٍ في الدُّنيا، والآخرة يدلُّ عليها، وعلى منزلتها لعلَّهم يتفكَّرون في تلك الآياتِ" قال ابن عطيَّة: "فقوله: في الدنيا: يتعلَّق على هذا التَّأويل بالآيات" وما قاله عنه ليس بظاهرٍ؛ لأنَّ شرحه الآية لا يقتضي تعلُّق الجار بالآيات. ثمَّ إنْ عَنَى ابن عطية بالتعلّق التعلُّق الاصطلاحي، فقال أبو حيان "فو فَاسِدٌ، لأنَّ "الآيَاتِ" لا تَعْمَلُ شيئاً ألْبَتَّةَ، ولا يَتَعَلَّقُ بها ظَرْفٌ، ولا مَجْرُورٌ" وقال شِهَابُ الدِّين: وهذا من الشَّيخ فيه نظرٌ، فإنَّ الظُّروف تتعلَّق بروائح الأفعال، ولا شكّ أنَّ معنى الآيات العلامات الظَّاهرة، فيتعلَّق بها الظَّرف على هذا. وإن عنى التَّعلُّق المعنويَّ، وهو كون الجارِّ من تمام معنى: "الآيَاتِ"، فذلك لا يكون إلاّ إذا جعلنا الجارَّ حالاً من "الآيَات"، ولذلك قدَّرها مكِّيٌّ نكرة فقال: "يبيِّن لهم آياتٍ في الدُّنْيَا" ليعلم أنَّها واقعةٌ موقع الصِّفة لآيات، ولا فرق في المعنى بين الصِّفة والحال، فيما نحن بصدده، فعلى هذا تتعلَّق بمحذوفٍ لوقوعها صفةٌ. الرابع: أن تكون حالاً من "الآيَاتِ" كما تقدَّم تقريره الآن. الخامس: أن تكون صلةً للآيات، فتتعلَّق بمحذوفٍ أيضاً، وذلك مذهب الكوفيين، فإنَّهم يجعلون من الموصولات الاسم المعرَّف بأل؛ وأنشدوا: [الطويل] شعر : 1073- لَعَمْرِي لأَنْتَ البَيْتُ أُكْرِمُ أَهْلَهُ وَأَقْعُدُ في أَفْيَائِهِ بِالأصَائِلِ تفسير : فـ "البيت" عندهم موصولٌ. وجوابهم مذكور في غير هذا الكتاب. والتَّفكُّر: تفعل من الفكر، والفكر: الذِّهن، فمعنى تفكَّر في كذا: أجال ذهنه فيه وردَّده. قوله تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْيَتَامَىٰ قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ}. قال ابن عبَّاس: إنَّ أهل الجاهليَّة كانوا قد اعتادوا الانتفاع بأموال اليتامى، وربَّما تزوَّجوا باليتيمة طمعاً في مالها أو يزوجها من ابن له لئلاَّ يخرج مالها عن يده، فلمَّا نزل قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ ٱلْيَتَامَىٰ ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً}تفسير : [النساء:10] وقوله: {أية : وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ ٱلْيَتِيمِ إِلاَّ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} تفسير : [الأنعام:152]، وقوله: {أية : وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي ٱلنِّسَآءِ قُلِ ٱللهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فِي ٱلْكِتَابِ فِي يَتَامَى ٱلنِّسَآءِ ٱلَّلاتِي لاَ تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ وَٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلْوِلْدَانِ وَأَن تَقُومُواْ لِلْيَتَامَىٰ بِٱلْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ ٱللهَ كَانَ بِهِ عَلِيماً}تفسير : [النساء:127] فعند ذلك ترك القوم مخالطة اليتامى، والمقاربة من أموالهم والقيام بأمورهم، وتحرَّج المسلمون من أموال اليتامى تحرُّجاً شديداً، وعزلوا أموال اليتامى عن أموالهم، حتَّى كان يصنع لليتيم طعاماً، فيفضل منه شيءٌ، فيتركونه، ولا يأكلونه حتَّى يفسد، وكان صاحب اليتيم يفرد له منزلاً، وطعاماً، وشراباً، فعظم ذلك على ضعفة المسلمين، فقال عبد الله بن رواحة: يا رسول الله ما كلُّنا يجد منازل يسكنها الأيتام، ولا كلُّنا يجد طعاماً، وشراباً، يفردهما لليتيم فنزلت هذه الآية. قوله: {إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ}، "إصْلاَحٌ" مبتدأ، وسوَّغ الابتداء به أحد شيئين: إمَّا وصفه بقوله: "لَهُم"، وإمَّا تخصيصه بعمله فيه، و "خيرٌ" خبره. و "إصْلاَحٌ" مصدرٌ حذف فاعله، تقديره: إصلاحكم لهم، فالخبريَّة للجانبين أعني جانب المصلح، والمصلح له، وهذا أولى من تخصيص أحد الجانبين بالإصلاح كما فعل بعضهم. قال أبو البقاء: "فَيَجُوزُ أن يَكُونَ التَّقْدِيرُ: خيرٌ لكم، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ: خَيْرٌ لَهُم"، أي: إصلاحهم نافع لكم. قال بعض العلماء: هذه الكلمة تجمع النَّظر في إصلاح اليتيم بالتَّقويم والتَّأديب وغيرهما لكي ينشأ على علمٍ وأدبٍ وفضلٍ، والنَّظر في إصلاح حاله، وتجمع أيضاً النَّظر في حال الولي، أي: هذا العمل خير له من أن يكون مقصّراً في حقّ اليتيم. وقال بعضهم: الخير عائد إلى الولي، يعني إصلاح مالهم من غير عوض، ولا أجرة، خير للولي، وأعظم أجراً. وقال آخرون: الخير عائدٌ إلى اليتيم، والمعنى: أنَّ مخالطتهم بالإصلاح خيرٌ لهم من التَّفرُّد عنهم، والإعراض عن مخالطتهم. فصل في هل يتصرف في مال اليتيم قال القرطبيُّ لما أذن الله عزَّ وجلَّ في مخالطة الأيتام مع قصد الإصلاح بالنَّظر إليهم وفيهم، كان ذلك دليلاً على جواز التَّصرف في مال اليتيم تصرف الوصيّ في البيع، والقسمة، وغير ذلك على الإطلاق لهذه الآية، فإذا كفل الرَّجل اليتيم، وحازه، وكان في نظره، جاز عليه فعله وإن لم يقدّمه والٍ عليه؛ لأنَّ الآية مطلقة والكفالة ولاية عامَّة، ولم يؤثر عن أحدٍ من الخلفاء أنَّه قدّم أحداً على يتيم مع وجودهم في أزمنتهم، وإنَّما كانوا يقتصرون على كونهم عندهم. قوله: {وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ} المخالطة: الممازجة، وقيل: جمع يتعذر فيه التّمييز ومنه يقال للجماع: الخلاط، ويقال: خولط الرجل إذا جُنَّ، والخلاط: الجنون؛ لاختلاط الأمر على صاحبه بزوال عقله. قوله: "فَإِخْوَانُكم" الفاء جواب الشّرط، و "إِخْوَانُكم" خبر مبتدأ محذوف، أي: فهم إخوانكم. والجملة في محلِّ جزم جواب الشَّرط، والجمهور على الرَّفع، وقرأ أبو مجلز: "فَإِخْوَانَكُمْ" نصباً بفعل مقدَّر، أي: فقد خالطتم إخوانكم، والجملة الفعليَّة أيضاً في محلِّ جزمٍ، وكأن هذه القراءة لم يطَّلع عليها الفراء وأبو البقاء فإن الفراء [قال] ولو نصب كان صواباً، وقال أبو البقاء: "وَيَجُوزُ النَّصْبُ في الكَلاَم، أي: فقد خالطتُم إخوانَكم". فصل في بيان وجوه المخالطة في هذه المخالطة وجوه: أحدها: المراد بالمخالطة في الطَّعام، والشَّراب، والسُّكنى، والخدم؛ لأن القوم ميَّزوا طعامهم، وشرابهم، ومسكنهم عن طعام اليتيم، وشرابه، وسكنه فأمرهم الله تعالى بخلط الطَّعامين والشَّرابين، والاجتماع في السَّكن الواحد كما يفعله المرء بمال ولده، فإنَّ هذا أدخل في حسن العشرة والمؤالفة. الثاني: المراد بهذه المخالطة أن ينتفعوا بأموالهم بقدر ما يكون أجرة المثل في ذلك العمل. والقائلون بهذا القول، منهم من جوَّز ذلك سواء كان القيم غنيّاً، أو فقيراً، ومنهم من قال إن كان القيم غنياً لم يأكل من ماله؛ لأن ذلك فرض عليك وطلب الأجرة على العمل الواجب لا يجوز، واحتجوا بقوله: {أية : وَمَن كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَن كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِٱلْمَعْرُوفِ}تفسير : [النساء:6] وإن كان القيِّم فقيراً قالوا: يأكل بقدر الحاجة، ويرده إذا أيسر فإن لم يوسر تحلله من اليتيم. وروي عن عمر أنَّه قال: أنزلت نفسي من مال الله بمنزلة وليّ اليتيم إن استغنيت استعففت، وإن افتقرت أكلت قرضاً بالمعروف ثمَّ قضيت. وعن مجاهد: إذا كان فقيراً، وأكل بالمعروف، فلا قضاء عليه. الثالث: أنَّ المراد بهذه "المُخَالَطَةِ" المصاهرة بالنِّكاح، وهو اختيار أبي مسلم قال: لقوله: {أية : وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي ٱلْيَتَامَىٰ فَٱنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ}تفسير : [النساء:3] وقوله: {أية : وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي ٱلنِّسَآءِ قُلِ ٱللهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فِي ٱلْكِتَابِ فِي يَتَامَى ٱلنِّسَآءِ}تفسير : [النساء:127] وهذا القول راجحٌ على غيره من وجوه: أحدها: أنَّ هذا خلط لليتيم نفسه، والشّركة خلط لماله. وثانيها: أنَّ الشَّركة داخلةٌ في قوله: {قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ}، والخلط من جهة النّكاح، وتزويج البَنَات منهم لم يدخل في ذلك فحمل الكلام على هذا الخلط أقرب. وثالثها: أن قوله تعالى "فَإِخْوَانُكُم" يدلُّ على أنَّ المراد هو هذا النَّوع؛ لأنَّ اليتيم لو لم يكن من أولاد المسلمين لوجب أن يتحرى إصلاح أمواله كما يتحراه إذا كان مسلماً؛ فوجب أن تكون الإشارة بقوله: "فَإِخْوَانُكُم" إلى نوع آخر من المخالطة. ورابعها: أنَّ المخالطة المندوب إليها هي في اليتامى الذين هم إخوان لكم بالإسلام، فهم الذين ينبغي أن تناكحوهم، ليتأكد الاختلاط فإن كان اليتيم من المشركين، فلا تفعلوا ذلك. قال القرطبيُّ: ما ينفقه الوصيُّ والكفيل له حالتان: حالة لا يمكنه الإشهاد عليها، فقوله مقبولٌ بغير بيِّنة. وحالة يمكنه الإشهاد فمهما اشترى من العقار، وما جرت العادة بالتَّوثق فيه، لم يقبل قوله بغير بيّنة. وفرّق أصحابنا بين أن يكون اليتيم في دار الوصيّ، وينفق عليه فلا يكلف الإشهاد على نفقته، وكسوته، لأنَّه يتعذر عليه الإشهاد على ما يأكله، ويلبسه في كلِّ وقت، ولكن إذا قال: انفقت نفقةً لسنةٍ، قبل منه، وبين أن يكون عند أُمّه، أو حاضنته فيدعي الوصي أنَّه كان ينفق عليه، أو كان يعطي الأمَّ أو الحاضنة فلا يقبل منه إلاَّ بيِّنَةٍ أنَّها كانت تقبض ذلك له مشاهرة أو مساناة. فصل قال أبو عبيد: هذه الآية عندي أصل لما يفعله الرُّفقاء في الأسفار، فإنَّهم يتقاسمون النَّفقات بينهم بالسَّويَّة، وقد يتفاوتون في قلَّة المطعم، وكثرته، وليس كلّ من قلَّ مطعمه تطيب نفسه بالتَّفضُّل على رفيقه، فلمَّا كان هذا في أموال اليتامى واسعاً؛ كان في غيرهم أوسع، ولولا ذلك لخفت أن يضيَّق فيه الأمر على النَّاس. قوله تعالى: {وَٱللهُ يَعْلَمُ ٱلْمُفْسِدَ مِنَ ٱلْمُصْلِحِ}؛ أي: المفسد لأموالهم من المصلح لها، يعني: الذي يقصد بالمخالطة الخيانة، وإفساد مال اليتيم، وأكله بغير حقّ من الذي يقصد الإصلاح. وقيل: "يَعْلَمُ" ضمير من أراد الإفساد، والطَّمع في مالهم بالنِّكاح من المصلح، يعني: إنَّكم إذا أظهرتم من أنفسكم إرادة الإصلاح، فإذا لم تريدوا ذلك بقلوبكم، بل كان المراد منه عرضاً آخر [فالله مطَّلع] على ضمائركم عالمٌ بما في قلوبكم، وهذا تهديدٌ عظيمٌ؛ وذلك لأنَّ اليتيم لا يمكنه رعاية الغبطة لنفسه، وليس له أحدٌ يراعيها، فكأنَّه تعالى قال: لما لم يَكُنْ أَحَدٌ يَتَكَفَّلُ بمصالحه، فَأَنَا مُتَكَفِّلٌ به، وأنا المُطَالِبُ لوليّه بذلك. تقدم الكلام في قوله: {يَعْلَمُ ٱلْمُفْسِدَ مِنَ ٱلْمُصْلِحِ} في قوله: {أية : إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ ٱلرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ}تفسير : [البقرة:143]، والمفسد والمصلح جنسان هنا، وليس الألف واللام لتعريف المعهود، وهذا هو الظَّاهر. وقد يجوز أن تكون للعهد أيضاً. وفي قوله: "تُخَالِطُوهُمْ" التفاتٌ من ضمير الغيبة في قوله: "وَيَسْأَلُونَكَ" إلى الخطاب لينبِّه السَّامع إلى ما يلقى إليه. ووقع جواب السُّؤال بجملتين. إحداهما من مبتدأ، وخبر، وأبرزت ثبوتية منكَّرة المبتدإ لتدلَّ على تناوله كلَّ إصلاح على طريق البدليَّة، ولو أُضيفت لعمَّ، أو لكان معهوداً في إصلاح خاص، وكلاهما غير مرادٍ، أمَّا العموم، فلا يمكن، وأمَّا المعهود فلا يتناول غيره؛ فلذلك أُوثر التَّنكير الدَّالُّ على عموم البدل، وأُخبر عنه بـ "خَيْر" الدَّالِّ على تحصيل الثَّواب، ليتبادر المسلم إليه. والآخر من شرطٍ، وجزاءٍ، دالّ على جواز الوقوع لا على طلبه وندبيَّته. قوله: {وَلَوْ شَآءَ ٱللهُ} مفعول "شَاءَ" محذوف، أي: إعناتكم. وجواب لو: "لأعنَتَكم". [والمشهور قطع همزة "لأَعْنَتَكُم"]؛ لأنَّها همزة قطعٍ. وقرأ البزيُّ عن ابن كثير في المشهور بتخفيفها بين بين، وليس من أصله ذلك، وروي سقوطها ألبتَّة، وهي كقراءة: {أية : فَلاۤ إِثْمَ عَلَيْهِ}تفسير : [البقرة:173] شذوذاً وتوجيهاً. ونسب بعضهم هذه القراءة إلى وهم الرَّاوي، باعتبار أنه اعتقد في سماعه التَّخفيف إسقاطاً، لكنَّ الصَّحيح ثبوتها شاذةً. و "العنت": المشَقَّة و "الإعْنَات" الحمل على مشقَّةٍ لا تطاق، يقال: أعْنَتَ فلانٌ فلاناً، إذا أوقعه فيما لا يستطيع الخروج منه، وتعنُّته تعنُّتاً: إذا لبَّس عليه في سؤاله، وعنت العظم المجبور: إذا انكسر بعد الجبر، وأكمةٌ عنوتٌ: إذا كانت شاقَّةً كدوداً، وعنت الدَّابَّة تَعَنَّت عَنَتاً: إذا حدث في قوائمها كسرٌ بعد جبرٍ، لا يمكنها معه الجري. قال ابن الأنباريِّ: أصل العنت الشِّدَّةُ؛ تقول العرب: فلان يتعنت فلاناً، ويعنته إذا شدّد عليه، وألزمه ما يصعب عليه أداؤه. وقال تعالى: {أية : عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ}تفسير : [التوبة:128]، أي: شديدٌ عليه ما شقّ عليكم. ويقال: أعنتني في السُّؤال، أي: شدّد علي وطلب عنتي وهو الإضرارُ. قال ابن عباس: لو شاء الله لجعل ما أصبتم من أموال اليتامى موبقاً لكم. وقال عطاءٌ: ولو شاء الله لأدخل عليكم المشقَّة كما أدخلتم على أنفسكم، ولضيَّق الأمر عليكم في مخالطتهم. وقال الزَّجَّاج: ولو شاء الله لكلفكم ما شقَّ عليكم. والعزيز الذي يأمر بعزة سهل على العبد، أو شقَّ. والحكيم الذي يتصرّف في ملكه بما يريده لا حجَّة عليه، أو يضيع الأشياء في مواضعها. فصل في بيان التكليف بما لا يطاق احتجَّ الجبَّائيُّ بهذه الآية على أنَّه تعالى لم يكلِّف العبد ما لا يقدر عليه؛ لأنَّ قوله: {وَلَوْ شَآءَ ٱللهُ لأَعْنَتَكُمْ} يدلُّ على أنَّه لم يفعل الإعنات، ولا ضيق في التَّكليف، ولو كلَّف العبد ما لا يقدر عليه؛ لكان قد تجاوز حدّ الإعنات، والتَّضييق؛ لأنَّ كلمة "لَوْ" تفيد امتناع الشَّيء لامتناع غيره. فإن قيل: الآية وردت في حقّ اليتيم. قلنا: الاعتبار بعموم اللَّفظ، لا بخصوص السَّبب. واحتجَّ الكعبي بهذه الآية على أنَّه تعالى قادرٌ على خلاف العدل؛ لأنه لو امتنع وصفه بالقدرة على الإعنات، لم يجز أن يقول: {وَلَوْ شَآءَ ٱللهُ لأَعْنَتَكُمْ}، وللنِّظَّام أن يجيب بأنَّ هذا معلَّق على مشيئة الإعناتِ، فلم قلتم بأنَّ هذه المشيئة ممكنةٌ الثُّبوت في حقِّه تعالى.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن أبي شيبة وأحمد وعبد بن حميد وأبو داود والترمذي وصححه والنسائي وأبو يعلى وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس في ناسخه وأبو الشيخ وابن مردويه والحاكم وصححه والبيهقي والضياء المقدسي في المختارة عن عمر‏.‏ أنه قال‏:‏ اللهم بين لنا في الخمر بياناً شافياً فإنها تذهب المال والعقل، فنزلت ‏{‏يسألونك عن الخمر والميسر‏} ‏ التي في سورة البقرة، فدعي عمر فقرئت عليه فقال‏:‏ اللهم بين لنا في الخمر بياناً شافياً، فنزلت الآية التي في سورة النساء ‏{أية : ‏يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى‏} ‏تفسير : [‏النساء: 43] فكان منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أقام الصلاة نادى أن لا يقربن الصلاة سكران، فدعي عمر فقرئت عليه فقال‏:‏ اللهم بين لنا في الخمر بياناً شافياً، فنزلت الآية التي في المائدة، فدعي عمر فقرئت عليه، فلما بلغ ‏{أية : ‏فهل أنتم منتهون‏}‏ تفسير : ‏[‏المائدة:91‏]‏ قال عمر‏:‏ انتهينا انتهينا‏. ‏وأخرج ابن أبي حاتم عن أنس قال‏:‏ كنا نشرب الخمر، فأنزلت ‏ {‏يسألونك عن الخمر والميسر‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏.‏ فقلنا‏:‏ نشرب منها ما ينفعنا‏.‏ فأنزلت في المائدة ‏{أية : ‏إنما الخمر والميسر‏}تفسير : ‏[‏المائدة: 90‏].‏ الآية‏.‏ فقالوا‏:‏ اللهم قد انتهينا‏.‏ وأخرج الخطيب في تاريخه عن عائشة قال ‏"‏لما نزلت سورة البقرة، نزل فيها تحريم الخمر فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك‏"‏‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن المسيب قال‏:‏ إنما سميت الخمر لأنها صفاء صفوها وسفل كدرها‏. وأخرج أبو عبيد والبخاري في الأدب المفرد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عمر قال‏:‏ الميسر القمار‏. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد قال‏:‏ الميسر القمار، وإنما سمي الميسر لقولهم أيسر جزوراً، كقولك ضع كذا وكذا‏. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس في ناسخه عن ابن عباس في قوله ‏{‏يسألونك عن الخمر والميسر‏}‏ قال‏:‏ الميسر القمار، كان الرجل في الجاهلية يخاطر عن أهله وماله، فأيهما قهر صاحبه ذهب بأهله وماله‏.‏ وفي قوله ‏ {‏قل فيهما إثم كبير‏}‏ يعني ما ينقص من الدين عند شربها ‏{‏ومنافع للناس‏}‏ يقول‏:‏ فيما يصيبون من لذتها وفرحها إذا شربوها ‏ {‏وإثمهما أكبر من نفعهما‏} ‏ يقول‏:‏ ما يذهب من الدين والاثم فيه أكبر مما يصيبون من لذتها وفرحها إذا شربوها، فأنزل الله بعد ذلك ‏{‏أية : لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ تفسير : [النساء: 43‏] الآية‏.‏ فكانوا لا يشربونها عند الصلاة فإذا صلوا العشاء شربوها، فما يأتي الظهر حتى يذهب عنهم السكر، ثم إن ناساً من المسلمين شربوها فقاتل بعضهم بعضاً، وتكلموا بما لا يرضي الله من القول‏.‏ فأنزل الله {أية : ‏إنما الخمر والميسر والأنصاب‏}‏ ‏تفسير : [‏المائدة: 90‏]‏ الآية‏.‏ فحرم الخمر ونهى عنها‏. وأخرج ابن أبي حاتم والبيهقي عن ابن عباس في قوله ‏ {‏يسألونك عن الخمر‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏.‏ قال‏:‏ نسخها ‏{أية : ‏إنما الخمر والميسر‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ تفسير : ‏[‏المائده: 90‏]‏ الآية‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في قوله ‏{‏قل فيهما إثم كبير‏}‏ قال‏:‏ هذا أول ما عيبت به الخمر ‏ {‏ومنافع للناس‏} ‏ قال‏:‏ ثمنها وما يصيبون من السرور‏. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ‏ {‏قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس‏} ‏ قال‏:‏ منافعهما قبل التحريم، وإثمهما بعدما حرما‏. وأما قوله تعالى‏:‏ ‏ {‏ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو‏}‏ ‏.‏ أخرج ابن إسحق وابن أبي حاتم عن ابن عباس ‏"‏أن نفراً من الصحابة حين أمروا بالنفقة في سبيل الله أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا‏:‏ إنا لا ندري ما هذه النفقة التي أمرنا بها في أموالنا، فما ننفق منها‏؟‏ فأنزل الله ‏{‏ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو‏} ‏ وكان قبل ذلك ينفق ماله حتى لا يجد ما يتصدق به، ولا ما لا يأكل حتى يتصدق عليه‏"‏‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم من طريق أبان عن يحيى ‏"‏أنه بلغه أن معاذ بن جبل، وثعلبة، أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالا‏:‏ يا رسول الله إن لنا ارقاء وأهلين، فما ننفق من من أموالنا‏؟‏ فأنزل الله ‏{‏ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو‏}‏ ‏"‏‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس في ناسخه عن ابن عباس في قوله ‏ {‏ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو‏}‏ قال‏:‏ هو ما لا يتبين في أموالكم، وكان هذا قبل أن تفرض الصدقة‏. وأخرج وكيع وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس في ناسخه والطبراني والبيهقي في شعب الإِيمان عن ابن عباس في قوله ‏ {‏ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو‏} قال‏:‏ ما يفضل عن أهلك، وفي لفظ قال‏:‏ الفضل من العيال‏. وأخرج ابن المنذر عن عطاء بن دينار الهذلي‏.‏ أن عبد الملك بن مروان كتب إلى سعيد بن جبير يسأله عن العفو‏.‏ فقال‏:‏ العفو على ثلاثة أنحاء‏:‏ نحو تجاوز عن الذنب، ونحو في القصد في النفقة ‏ {‏ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو‏}‏ ، ونحو في الاحسان فيما بين الناس ‏{أية : ‏إلا أن يعفون أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح‏}تفسير : ‏ ‏[‏البقرة: 237‏]. وأخرج عبد بن حميد عن الحسن في قوله ‏ {‏قل العفو‏}‏ قال‏:‏ ذلك أن لا تجد مالك ثم تقعد تسأل الناس‏. وأخرج عبد بن حميد عن عطاء في قوله ‏{‏قل العفو‏}‏ قال‏:‏ الفضل‏. وأخرج عبد بن حميد من طريق بن أبي نجيح عن طاوس قال‏:‏ العفو اليسر من كل شيء، قال‏:‏ وكان مجاهد يقول ‏ {‏العفو‏}‏ الصدقة المفروضة‏. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله ‏ {‏قل العفو‏} ‏ قال‏:‏ لم تفرض فيه فريضة معلومة، ثم قال ‏{‏أية : خذ العفو وأمر بالعرف‏}‏ ‏تفسير : [‏الأعراف: 199‏]‏ ثم نزلت الفرائض بعد ذلك مسماة‏. وأخرج ابن جرير عن السدي في قوله ‏ {‏قل العفو‏}‏ قال‏:‏ هذا نسخته الزكاة‏.‏ وأخرج البخاري والنسائي عن أبي هريرة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏حديث : أفضل الصدقة ما ترك غنى، واليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول تقول المرأة‏:‏ إما أن تطعمني وأما أن تطلقني، ويقول العبد، اطعمني واستعملني، ويقول الابن‏:‏ اطعمني إلى من تدعني‏‏ "‏‏. تفسير : وأخرج ابن خزيمة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ‏"‏حديث : خير الصدقة ما أبقت غنى، واليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعود تقول المرأة‏:‏ انفق عليّ أو طلقني، ويقول مملوكك‏:‏ انفق علي أو بعني‏.‏ ويقول ولدك‏:‏ إلى من تكلني ‏"‏‏. تفسير : وأخرج البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي عن أبي هريرة‏ ‏"حديث : ‏أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏: خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى، وابدأ بمن تعول‏ "‏‏. تفسير : وأخرج أبو داود والنسائي وابن جرير وابن حبان والحاكم وصححه عن أبي هريرة قال‏:‏ حديث : أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصدقة فقال رجل‏:‏ يا رسول الله عندي دينار‏.‏ قال‏: تصدق به على نفسك‏.‏ قال‏:‏ عندي آخر‏.‏ قال‏: تصدق به على ولدك، قال‏:‏ عندي آخر‏.‏ قال‏: تصدق به على زوجتك‏.‏ قال‏:‏ عندي آخر‏.‏ قال‏: تصدق به على خادمك‏.‏ قال‏:‏ عندي آخر‏.‏ قال‏:‏ أنت أبصر‏ "‏‏. تفسير : وأخرج ابن سعد وأبو داود والحاكم وصححه عن جابر بن عبد الله قال ‏"‏حديث : كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاء رجل، وفي لفظ‏:‏ قدم أبو حصين السلمي بمثل بيضة الحمامة من ذهب فقال‏:‏ يا رسول الله صلى الله عليه وسلم أصبت هذه من معدن فخذها فهي صدقة ما أملك غيرها، فاعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم أتاه من خلفه، فأخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم فحذفه بها، فلو أصابته لأوجعته أو لعقرته‏.‏ فقال‏:‏ يأتي أحدكم بما يملك فيقول هذه صدقة ثم يقعد يستكف الناس، خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى وابدأ بمن تعول‏ "‏‏. تفسير : وأخرج البخاري ومسلم عن حكيم بن حزام عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ‏"حديث : ‏اليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول، وخير الصدقة ما كان عن ظهر غنى، ومن يستعف يعفه الله، ومن يستغن يغنه الله‏ "‏‏. تفسير : وأخرج مسلم والنسائي عن جابر ‏"‏حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لرجل‏:‏ ابدأ بنفسك فتصدق عليها، فإن فضل شيء فلأهلك، فإن فضل شيء عن أهلك فلذي قرابتك، فإن فضل عن ذي قرابتك شيء، فهكذا وهكذا‏ "‏‏. تفسير : وأخرج أبو يعلى والحاكم وصححه عن عبد الله بن مسعود قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏حديث : الأيدي ثلاث‏.‏ فيد الله العليا، ويد المعطي التي تليها، ويد السائل السفلى إلى يوم القيامة، فاستعفف عن السؤال وعن المسألة ما استطعت، فإن أعطيت خيراً فليُرَ عليك، وابدأ بمن تعول، وارضخ من الفضل، ولا تلام على الكفاف‏ "‏‏. تفسير : وأخرج أبو داود وابن حبان والحاكم عن مالك بن نضلة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏حديث : الأيدي ثلاث‏.‏ فيد الله العليا، ويد المعطي التي تليها، ويد السائل السفلى، فاعط الفضل ولا تعجز عن نفسك‏ "‏‏. تفسير : وأخرج أحمد وأبو داود والنسائي والحاكم وصححه عن أبي سعيد الخدري قال ‏"حديث : ‏دخل رجل المسجد، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم الناس أن يطرحوا أثواباً فطرحوا فأمر له منها بثوبين، ثم حث على الصدقة فجاء فطرح أحد الثوبين، فصاح به وقال‏:‏ خذ ثوبك‏ "‏‏. تفسير : وأخرج أبو داود والنسائي والحاكم وصححه عن عبد الله بن عمرو قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏حديث : كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يقوت‏‏ "‏‏. تفسير : وأخرج البزار عن سعد بن أبي وقاص قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"حديث : ‏اليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول "‏‏. تفسير : وأخرج أحمد ومسلم والترمذي عن أبي أمامة ‏"حديث : ‏أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ يا ابن آدم إنك ان تبذل الفضل خير لك، وان تمسكه شر لك، ولا تلام على كفاف، وابدأ بمن تعول، واليد العليا خير من اليد السفلى ‏"‏‏. تفسير : وأخرج ابن عدي والبيهقي في الشعب عن عبد الرحمن بن عوف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ‏"‏حديث : يا ابن عوف إنك من الأغنياء ولن تدخل الجنة إلا زحفاً، فاقرض الله يطلق لك قدميك‏. قال‏:‏ وما الذي أقرض يا رسول الله‏؟‏ قال‏: تبرأ مما أمسيت فيه‏.‏ قال‏:‏ أمن كله أجمع يا رسول الله‏؟‏ قال‏: نعم‏.‏ فخرج وهو يهم بذلك، فأتاه جبريل فقال‏:‏ مر ابن عوف فليضف الضيف، وليطعم المساكين، وليعط السائل، وليبدأ بمن يعول، فإنه إذا فعل ذلك كان تزكية مما هو فيه‏ "‏‏. تفسير : وأخرج البيهقي في الشعب عن ركب المصري قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"حديث : ‏طوبى لمن تواضع من غير منقصة، وذل في نفسه من غير مسكنة، وانفق مالاً جمعه في غير معصية، ورحم أهل الذلة والمسكنة، وخالط أهل العفة والحكمة، طوبى لمن ذل في نفسه، وطاب كسبه، وصلحت سريرته، وكرمت علانتيه، وعزل عن الناس شره، وأنفق الفضل من ماله، وأمسك الفضل من قوله‏ "‏‏. تفسير : وأخرج البزار عن أبي ذر قال‏:‏ قلت يا رسول الله‏‏ "‏حديث : ما تقول في الصلاة‏؟‏ قال‏: تمام العمل‏.‏ قلت‏:‏ يا رسول الله أسألك عن الصدقة‏؟‏ قال‏: شيء عجيب، قلت‏:‏ يا رسول الله تركت أفضل عمل في نفسي أو خيره قال‏:‏ ما هو‏؟‏ قلت‏:‏ الصوم‏.‏ قال‏: خير وليس هناك‏. قلت‏:‏ يا رسول الله وأي الصدقة‏؟‏ قال‏: تمرة‏. قلت‏:‏ فإن لم أفعل‏؟‏ قال‏:‏ بكلمة طيبة‏.‏ قلت‏:‏ فإن لم أفعل‏؟‏ قال‏: تريد أن لا تدع فيك من الخير شيئا‏‏ً "‏‏. تفسير : وأخرج أحمد ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة من طريق أبي قلابة عن أبي أسماء عن ثوبان قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏حديث : أفضل دينار ينفقه الرجل على أصحابه في سبيل الله، قال أبو قلابة‏:‏ وبدأ بالعيال، ثم قال أبو قلابة‏:‏ وأي رجل أعظم أجراً من رجل ينفق على عيال صغار يعفهم أو ينفعهم الله به ويعينهم‏؟‏ ‏"‏‏. تفسير : وأخرج مسلم والنسائي عن أبي هريرة قال‏:‏ قال رسول الله‏"حديث : ‏دينار انفقته في سبيل الله، ودينار أنفقته في رقبة، ودينار تصدقت به على مسكين، ودينار انفقته على أهلك، أعظمها أجراً الذي أنفقته على أهلك‏ "‏‏. تفسير : وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان عن كدير الضبي قال‏:‏ ‏"حديث : ‏أتى أعرابي النبي صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ نبئني بعمل يدخلني الجنة ويباعدني عن النار‏.‏ قال‏:‏ تقول العدل، وتعطي الفضل، قال‏:‏ هذا شديد لا أستطيع أن أقول العدل كل ساعة، ولا أن أعطي فضل مالي‏.‏ قال: فاطعم الطعام، وأفش السلام، قال‏:‏ هذا شديد والله‏!‏ قال‏:‏ هل لك من إبل‏؟قال‏:‏ نعم‏.‏ قال‏: انظر بعيراً من ابلك وسقاء فاسق أهل بيت لا يشربون إلاَّ غبا فلعلك أن لا يهلك بعيرك، ولا ينخرق سقاؤك، حتى تجب لك الجنة‏. قال‏:‏ فانطلق يكبر، ثم أنه استشهد بعد‏ . تفسير : وأخرج ابن سعد عن طارق بن عبد الله قال‏:‏ ‏"‏حديث : أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو يخطب، فسمعت من قوله‏:‏ تصدقوا فإن الصدقة خير لكم، واليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول، أمك وأباك وأختك وأخاك، ثمَّ أدناك فأدناك‏ "‏‏. تفسير : وأخرج مسلم عن خيثمة قال‏:‏ كنا جلوساً مع عبد الله بن عمرو إذ جاءه قهرمان له، فدخل فقال‏:‏ أعطيت الرقيق قوتهم‏؟‏ قال‏:‏ لا‏.‏ قال‏:‏ فانطلق فاعطهم، وقال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏حديث : كفى بالمرء إثماً أن يحبس عمن يملك قوته‏ "‏‏. تفسير : أما قوله تعالى‏:‏ ‏{‏كذلك يبين الله لكم الآيات‏}‏ الآية. أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة عن ابن عباس في قوله ‏ {‏كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون‏}‏ في الدنيا والآخرة، يعني في زوال الدنيا وفنائها، واقبال الآخرة وبقائها‏.‏ وأخرج عبد الرزاق عن قتادة في قوله ‏ {‏لعلكم تتفكرون‏}‏ في الدنيا والآخرة‏.‏ يعني في زوال الدنيا وفنائها وإقبال الآخرة وبقائها. وأخرج عبد الرزاق عن قتادة في قوله {لعلكم تتفكرون} في الدنيا والآخرة. قال: لتعلموا فضل الآخرة على الدنيا. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن الصعق بن حزن التميمي قال‏:‏ شهدت الحسن وقرأ هذه الآية من البقرة ‏{‏لعلكم تتفكرون‏}‏ في الدنيا والآخرة‏.‏ قال‏:‏ هي والله لمن تفكرها، ليعلمن أن الدنيا دار بلاء، ثم دار فناء، وليعلمن أن الآخرة دار جزاء، ثم دار بقاء‏. وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في الآية قال‏:‏ من تفكر في الدنيا عرف فضل احداهما على الأخرى، عرف أن الدنيا دار بلاء، ثم دار فناء، وأن الآخرة دار بقاء، ثم دار جزاء، فكونوا ممن يصرم حاجة الدنيا لحاجة الآخرة‏.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ}. أى: فى تناولهما، ومنافع للناس فى تركهما. قوله تعالى: {كَذٰلِكَ يُبيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ} [الآية: 219-220]. أنهما على فكر وخدعة، ألا ترى أن طاوسًا وسالمًا قرءا: { أية : إِنَّ أَصْحَابَ ٱلْجَنَّةِ ٱليَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ } تفسير : [يس: 55] فقال: لو علموا عمن شُغلوا ما هنَّاهم ما اشتغلوا به. وقال بعضهم: وقد تغير قومٌ بالحضرة وهم لا يعلمون. قوله تعالى: {وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ ٱلزَّادِ ٱلتَّقْوَىٰ} [الآية: 197]. هذا خطابٌ للخاص لأنه لا زاد للعارف سوى معروفه، ولا للمحبوب سوى حبيبه وأنشد: شعر : وإذا نحن أدلجنا وأنت أمامنا كفى لمطايانا بذكراك هاديا تفسير : وقيل: تزودوا فإن خير الزاد الثقة به. قوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلتَّوَّابِينَ} [الآية: 222]. المقيمين على توبتهم والمتطهرين من جميع ما تابوا منه. وقال بعضهم: يحب التوابين من تقصير طاعاتهم، ويحب المتطهرين من أحوالهم وهم القائمون مع الله بلا علاقة ولا سبب. وقال جعفر: يحب التوابين من سوء إرادتهم ويحب المتطهرين من إرادتهم. وقال محمد بن على: التوابين من توبتهم والمتطهرين من طهارتهم. وقال أبو يزيد رحمة الله عليه: التوبة من الذنب واحدٌ ومن الطاعة ألفٌ وقال القاسم: إن الله يحب التوابين إن دامت توبتهم، ويحب المتطهرين إن دامت طهارتهم ليكون العبد على وجلٍ. سمعت النصرآباذى يقول: إن الله أثنى عليكم وجعل لكم قيمة حين قال: {إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلتَّوَّابِينَ}. قوله تعالى: {وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي ٱلْمَسَاجِدِ} [الآية: 187]. قال الواسطى: الاعتكاف حبس النفس وزم الجوارح ومراعاة الوقت ثم أينما كنت فأنت معتكف. وقال بعضهم: أهلُ الصفوة معتكفون بأسرارهم عند الحق لا يؤثرُ عليهم من حدثان الحوادث شئ لاستغراقهم فى المشاهدة.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَٰفِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا}. الخمر ما خامر العقول، وكما أن الخمر حرام بعينها فالسُكْر حرام بقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : حُرِّمت الخمر بعينها، والسُكْر من كل شراب"تفسير : ، فمن سَكِرَ من شراب الغفلة استحق ما يستحق شارب الخمر من حيث الإشارات، فكما أنَّ السكران ممنوع من الصلاة فصاحب السُكْر بالغفلة محجوب عن المواصلات وأوضح شواهد الوجود، فمَنْ لم يُصَدِّقُ فَلْيُجَرِّب. ومعنى القمار موجود في أكثر معاملات أهل الغفلة إذا سلكوا طريق الحِيَل والخداع والكذب في المقال. وبذلُ الصدقِ والإنصاف عزيزٌ. قوله جلّ ذكره: {وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ ٱلْعَفْوَ كَذٰلِكَ يُبيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلأيَٰتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ}. قيل العفوُ ما فضل عن حاجتك، وهذا للخواص يخرجون من فاضل أموالهم عن قدر كفاياتهم، فأمَّا خواص الخواص فطريقهم الإيثار وهو أن يُؤثِر به غيرَه على نفسه وبه فاقة إلى ما يخرج وإن كان صاحبه الذي يؤثِر به غيباً. قوله جلّ ذكره: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْيَتَامَىٰ قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ}. إصلاح حالهم بما يكون فيه تأديبهم أتَمّ من إصلاح مالهم، ثم الصبر على الاحتمال عنهم مع بذل النصح، و (مفارقة المال مَنْ مِنْ إرشادهم خير من الترخص بأن يقول إنه لا يتوجه على فرضيهم). قوله جلّ ذكره: {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ ٱلْمُفْسِدَ مِنَ ٱلْمُصْلِحِ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لأَعْنَتَكُمْ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}. فيُعاملُ كلاً على سواكن قلبه من القُصُود لا على ظواهر كَسْبِه من جميع الفنون.

البقلي

تفسير : {يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ} الخمر حب ما سوى الله لان زيغ بصر السر عن مشاهدة الحضرة الى الكون بنعت استحسانه حجاب العقل الكل اذا خامر النفس سر القلب باشره الغفلة وسكرت بادراك هواها وحظوظها وسقطت عن مباشرة العبودية وبتاثيرها احتجبت الروح عن ماعئنه الاخرة وبقيت فى حجاب النفس عن الاوصال والمقام والمشاهدة والميسر حبل الشيطان والنفس مع القلب فاذا مال القلب الى شهوة النفس فقد فامرها واصر مقمورا مسلوب الايمان والعرفان {قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ} ان ظلمة الخمر تطفى نور العقل ويقوى طرب الانفس الامارة فاذا خمد نور العقل وارتفعت ظلمة الجهل تفسد النفس مقام الايمان وتخربه وهو القلب واذا كان القلب خرابا ومنبح الايمان مضمحلا فهو قريب من الكفر والكفر اخرا الاثم واللعب بالنرد وامثال ذلك كانه تبعد الاوثان لان في الاشتغال به اشتباه نور الايمان تمثال النرد والشطرنج وتخييل الفهم صرو الخيال وهذا اول اسباب الشرك لانهما اما جميع الخبائث {وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ} اى معرفة أفاتهما وسؤ عاقبة من يشغل بها وايضا فى زوالهما منافع للناس وقيل فيها اثم كبير فى تناولهما منافع للناس فى تركهما {وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ ٱلْعَفْوَ} العفو عند العارفين ما سوى الحق من الكونين يعنى اتركوا الى ما شغلكم عنى وان كان لكم فيها خصاصة حتى يكون لكم ذخرا فى جميع انفساسكم عوضا لما ترككتم فالخواص ينفقون ما يحبون طلبا لمرضاته وتركا لمرادهم لان الحق سبحانه لا يزيد اوليائه شهوة الكونين والعالمين غيره على احالهم وصونا لاسرارهم والعوام ينفقون زوائد اموالهم حصنا لها وحرصا بها {كَذٰلِكَ يُبيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ} اى لعكم تقطعون بواديها بالجنحة الافكار ليخلص قلوبكم عن وجودهما انوار الفعال الحق وحسن صنعته القديم وبه تبصرون فيها نور صفاته لتبلغوا به مشاهدة حسن جلال ذاته وايضا لعلكم تبصرون بيعن التفكر على صورة الدنيا لباس قهره خلع به اعدائه لحتجبوا بزهرة الدنيا عن معرفته وعلى صورة الاخرة لباس لطفه ابتلاء به اولياءه ولنهتبرهم بلذة الاخرة حتى يظهر صدق دعواهم فى محتبه عن زعونات بشريتهم وقيل لعلكم تتفكرون فى الدنيا والاخرة اى انهما والاشتغال بهما مما يقطعان عن الحق وقيل انهما على مكر وخديعة الا ترى ان --- وسالما قران اصحاب الجنة اليوم فى شغل فاكهون فقال لو علموا عن من مأواهم ما اشتغلوا به.

اسماعيل حقي

تفسير : {يسألونك} قال ابن عباس رضى الله عنهما ما رأيت قوما كانوا خيرا من اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ما سألوه الا عن ثلاث عشرة مسألة كلها فى القرآن ما كانوا يسألونه الا عما ينفعهم وينفع المسلمين {عن الخمر} اى عن حكم تعاطيها بقرينة الجواب لان الحل والحرمة والاثم والطاعة انما هى من عوارض افعال المكلفين ولا اثم فى ذوات الاشياء واعيانها ويدخل فى تعاطى الخمر البيع والشراء وغيرهما مما يدخل تحت التصرف على خلاف الشرع. والخمر مصدر خمره اى ستره سمى به من عصير العنب ما غلى واشتد وقذف بالزبد لتغطيتها العقل والتمييز كأنها نفس الستر كما سميت سكرا لانها تسكرهما اى تحجزهما {و} عن تعاطى {الميسر} مصدر ميمى من يسر كالموعد والمرجع يقال يسرته اذا قمرته واشتقاقه اما من اليسر لانه اخذ المال بيسر من غير كد وتعب واما من اليسار لانه سلب له ويدخل فيه جميع انواع القمار والشطرنج وغيرهما حتى لعب الصبيان بالجوز والكعاب {قل فيهما} اى فى تعاطى الخمر والميسر واستعمالهما {إثم كبير} لما ان الاول مسلبة للعقول التى هى قطب الدين والدنيا مع كون كل منهما متلفة للاموال {ومنافع للناس} من كسب الطرب والمغالاة بثمن الخمر اذا جلبوها من الاطراف وفيها تقوية الضعيف وهضم الطعام والاعانة على الباءة اى الجماع وتسلية المحزون وتشجيع الجبان وتسخية البخيل وتصفية اللون وانطاق الفتى العى وتهييج الهمة. ومنافع الميسر اصابة المال من غير كد ولا تعب وانتفاع الفقراء بلحم الجزور فانهم كانوا يفرقونها على المحتاجين. قال الواقدى وربما قمر الواحد منهم فى مجلس مائة بعير فيصيب مالا عظيما بلا نصب ولا ثمن ثم يعطيه المحتاجين فيكتسب المدح والثناء {وإثمهما اكبر من نفعهما} وفى الخمر ايقاع العداوة والبغضاء والصد عن ذكر الله وعن الصلاة وهى تسفه الحليم ويصير شاربها بحيث يلعب ببوله وعذرته وقيئه كما ذكر ابن ابى الدنيا انه مر على سكران وهو يبول فى يده ويمسح به وجهه كهيئة المتوضىء ويقول الحمد الله الذى جعل الاسلام نورا والماء طهورا. وفى الميسر انه اذا ذهب ماله من غير عوض ساءه ذلك فعادى صاحبه وقصده بالسوء. قال المفسرون تواردت فى الخمر اربع آيات نزلت بمكة {أية : ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا} تفسير : [النحل: 67] فطفق المسلمون يشربونها وهى لهم حلال يومئذ ثم ان عمر ومعاذا ونفرا من الصحابة رضى الله تعالى عنهم قالوا افتنا يا رسول الله فى الخمر فانها مذهبة للعقل فنزلت {يسألونك عن الخمر والميسر} الآية فشربها قوم وقالوا نأخذ منفعتها ونترك اثمها وتركها آخرون وقالوا لا حاجة لنا فيما فيه اثم كبير ثم ان عبد الرحمن بن عوف رضى الله عنه دعا ناسا منهم فشربوا وسكروا قام احدهم فقرأ قل يا ايها الكافرون اعبد ما تعبدون الى آخر السورة بدون لا فى لا اعبد فنزلت {أية : لا تقربوا الصلوة وأنتم سكارى} تفسير : [النساء: 43] الآية. فقل من يشربها وقالوا لا خير فى شىء يحول بيننا وبين الصلاة وشربها قوم فى غير حين الصلاة حتى كان الرجل يشربها بعد صلاة العشاء فيصبح وقد زال عنه السكر ويشرب بعد الصبح فيصحوا اذا جاء وقت الظهر ثم اتخذ عتبان بن مالك ضيافة ودعا رجالا من المسلمين فيهم سعد بن ابى وقاص رضى الله عنه وكان قد شوى لهم رأس بعير فأكلوا منه وشربوا الخمر حتى سكروا منها ثم انهم افتخروا عند ذلك وانتسبوا وتناشدوا الاشعار فانشد سعد قصيدة فيها هجاء الانصار وفخر لقومه فاخذ رجل لحى البعير فضرب به رأس سعد فشجه موضحة فانطلق سعد الى رسول الله وشكا اليه الانصارى فقال عمر اللهم بين لنا فى الخمر بيانا شافيا فنزل {أية : إنما الخمر والميسر} تفسير : [المائدة: 90]. فى المائدة الى قوله {أية : فهل أنتم منتهون} تفسير : [المائدة: 91]. فقال عمر انتهينا يا رب. وحرمت الخمر فى السنة الثالثة من الهجرة بعد غزوة الاحزاب بايام. قال القفال والحكمة فى وقوع التحريم على هذا الترتيب انه تعالى علم ان القوم كانوا ألفوا شرب الخمر وكان انتفاعهم به كثيرا وعلم انه لو منعهم دفعة واحدة لشق عليهم فلا جرم استعمل فى التحريم هذا التدريج وهذا الرفق ثم لما نزل التحريم اريقت الخمر. قال ابن عمر رضى الله عنهما خرجنا بالحباب الى الطريق فمنا من كسر حبه ومنا من غسله بالماء والطين ولقد غودرت ازقة المدينة بعد ذلك حينا كلما مطرت استبان فيها لون الخمر وفاحت منها ريحها وحرمت الخمر ولم يكن يومئذ للعرب عيش اعجب منها وما حرم الله عليهم شيأ اشد من الخمر ـ روى ـ ان جبريل عليه السلام قال للنبى عليه السلام ان الله تعالى شكر لجعفر الطيار رضى الله عنه اربع خصال كان عليها فى الجاهلية وهو عليها فى الاسلام فسأل النبى عليه الصلاة والسلام جعفرا عن ذلك فقال يا رسول الله لولا ان الله اطلعك عليها لما اخبرتك بها ما شربت الخمر قط لانى رأيتها تزيل العقل وانا الى ان ازيد فيه احوج منى الى ان ازيله. وما عبدت صنما قط لانى رأيته لا يضر ولا ينفع. وما زنيت قط لغيرتى على اهلى. وما كذبت قط لانى رأيته دناءة. قال عمرو ابن الادهم من اكابر سادة بنى تميم ذاما للخمر لو كان العقل يشترى ما كان شىء انفس منه فالعجب لمن يشترى الحمق بماله فيدخله فى رأسه فيقىء فى جيبه ويسلح فى ذيله. وعن على رضى الله عنه لو وقعت قطرة فى بئر فبنيت فى مكانها منارة لم اوذن عليها ولو وقعت فى بحر ثم جف فنبت فيه الكلأ لم ارعه. وعن ابن عمر رضى الله عنهما لو ادخلت اصبعى فيها لم تتبعنى وهذا هو الايمان والتقى حقا فينبغى للمسلم ان لا يخطر بباله شرب الخمر فضلا عن شربها وينقطع شاربها فانه اذا خالط شارب الخمر يخاف عليه ان يصيبه من عثاره: قال الحسين الواعظ الكاشى شعر : ترار حمان همى كويدكه اى مؤمن مخورباده ترا ترسا همى كويدكه درصفرا مخور حلوا نمى مانى زنا باكى براى كفته رحمان بمانى شهد وشكررا براى كفته ترسا تفسير : وعن بعض الصحابة انه قال من زوج ابنته لشارب الخمر فكأنما ساقها الى الزنى معناه ان شارب الخمر يقع منه الطلاق وهو لا يشعر. فالذى يجب على الولى ان لا يزوج ابنته ولا اخته من فاسق ولا ممن يتعاطى المنكرات. واعلم ان خل الخمر حلال ولو بعلاج كالقاء الماء الحار او الملح او الخبز ولا يكره تخليلها وفى الحديث "حديث : خير خلكم خل خمركم" تفسير : هذا هو البيان فى الخمر. واما الميسر فهو القمار والياسر القامر وكان اصل الميسر فى الجزور وذلك ان اهل الثروة من العرب كانوا يشترون جزور او يضمنون ثمنه ولا يؤدونه ليظهر بالقمار انه على من يجب فينحرونها ويجزئونها عشرة اجزاء وقيل ثمانية وعشرين ثم يسهمون عليها بعشرة قداح يقال لها الازلام والاقلام سبعة منها لها انصباء الفذ وله نصيب واحد والتوأم وله نصيبان والرقيب وله ثلاثة والحلس وله اربعة والنافس وله خمسة والمسبل وله ستة والمعلى وله سبعة وثلاثة منها لا انصباء لها وهى المنيح والسفيح والوغد ثم يجعلون القداح فى خريطة تسمى الربابة ويضعونها على يدى عدل عندهم يسمى المجيل والمفيض ثم يجيلها ويجلجلها اى يحركها باليد ويدخل يده فيخرج باسم رجل رجل قدحا قدحا فمن خرج له قدح من ذات الانصباء اخذ النصيب المعين له ومن خرج له قدح مما لا نصيب له وهو الثلاثة لم يأخذ شيأ وغرم ثمن الجزور وكانوا يدفعون تلك الانصباء الى الفقراء ولا يأكلون منها ويفتخرون بذلك ويذمون من لا يدخل فيه ويسمونه البرم وهو اللئيم العديم المروءة والكرم فهذا اصل القمار الذى كانت العرب تفعله فنهى المسلمون عنه. واختلف فى الميسر هل هو اسم لذلك القمار المعين او هو اسم لجميع انواع القمار. فقال بعض العلماء المراد من الآية جميع انواع القمار من النرد والشطرنج وغيرهما. وروى أن رجلا خاطر رجلا على ان يأكل كذا كذا بيضة على كذا كذا من المال فقال على رضى الله عنه هذا قمار. وعن ابن سيرين كل شىء فيه خطر فهو من الميسر وعن النبى عليه السلام "حديث : اياكم وهاتين الكعبتين المشئومتين فانهما من مياسر العجم" تفسير : يريدان النرد والشطرنج ميسر يشير به الى انهما حرام. واما السبق فى الخف والحافر والنشاب فخص بدليل: قال السعدى قدس سره شعر : كهل كشتى و همجنان طفلى شيخ بودىو همجنان شابى توببازى نشسته درجب وراست ميرسد نير جرخ برتابى جاى كريه است برمصيبت بير كه توكودك هنوز لعابى تفسير : والاشارة فى الآية ان خمر الظاهر كما يتخذ من اجناس مختلفة من العنب والتمر والزبيب والحبوب كالحنطة والشعير والذرة فكذلك خمر الباطل من اجناس مختلفة كالغفلة والشهوة والهوى وحب الدنيا وامثالها وهذه خمور تسكر منها النفوس والعقول الانسانية وفيها اثم كبير ولهذا كل مسكر حرام وما يسكر كثيره فقليله حرام. ومنها ما يسكر القلوب والارواح والاسرار فهو شراب الواردات فى اقداح المشاهدات من ساقى تجلى الصفات فاذا دارت على النفوس وانخمدت شهواتها وسكرت القلوب بالمواجيد عن المواحيد والارواح بالشهود عن الوجود والاسرار بلحظ الجمال عن ملاحظة الكمال فهذا شراب نافع للناس حلال فالعجب كل العجب ان قوما اسكرهم وجود الشراب وقوما اسكرهم شهود الساقى كقولهم شعر : فاسكر القوم دور كأس وكان سكرى من المدير تفسير : وفى المثنوى شعر : ما اكر قلاش اكر ديوانه ايم مست آن ساقى و آن بيمانه ايم مست مى هشيار كردد ازدبور مست حق نايد بخود ازنفخ صور جرعه جون ريخت ساقئ الست برسراين شوره خاك زير دست جوش كرد آن خاك وما زان جوششيم جرعه ديكر كه بس بى كوششيم تفسير : واتم الاعراض عن كؤس الوصال فى النهاية اكبر من نفع الطلب الف سنة فى البداية وكما ان سكران الخمر ممنوع من الصلاة فسكران الغفلة والهوى محجوب عن المواصلات واما اثم الميسر فهو ان آثار القمار هى شعار اكثر الديار فى سلوك طريق الحيل والخداع بالفعل والكذب والفحش فى المقال وانه كبير عند الاخيار بعيد عن خصال الابرار واما نفعه فعدم الالتفات الى الكونين وبزل نقوش العالمين فى فردانية نقش الكعبتين واثمهما اكبر من نفعهما لان اثمهما للعوام ونفعهما للخواص والعوام اكثر من الخواص وقليل ما هم كذا فى التأويلات النجمية قدست نفسه الزكية {ويسألونك ماذا ينفقون} هو كما يصلح سؤالا عن جنس المنفق يصلح سؤالا عن كميته وقدره فانه لما نزل قوله تعالى {أية : قل ما أنفقتم من خير فللوالدين} تفسير : [البقرة: 215]. قال عمرو بن الجموح ما انفق فنزل قوله { قل العفو} اى انفقوا العفو وهو نقيض الجهد وهو المشقة ونقيضه اليسر والسهولة فكأنه قيل قل انفق ما سهل وتيسر ولم يشق عليك انفاقه فالعفو من المال ما يسهل انفاقه والجهد من المال ما يعسر انفاقه والقدر المنفق انما يكون انفاقه سهلا اذا كان فاضلا عن حاجة نفسه وعياله ومن عليه مؤونته {كذلك} اى مثل ما بين ان العفو اصلح من الجهد والكاف فى محل النصب صفة لمصدر محذوف اى تبيينا مثل هذا التبيين وافراد حرف الخطاب مع تعدد المخاطبين باعتبار القبيل او الفريق او القوم مما هو مفرد اللفظ ومجموع المعنى {يبين الله لكم الآيات} الدالة على الاحكام الشرعية لا بيانا ادنى منه وتبيين الآيات تنزيلها مبينة الفحوى واضحة المدلول لا انه تبيينها بعد ان كانت مشتهبة وملتبسة {لعلكم تتفكرون فى الدنيا والآخرة} اى لكى تتفكروا فى امور الدارين فتأخذوا بما هو اصلح لكم واسهل فى الدنيا وانفع فى العقبى وتتجنبوا عما يضركم فى العقبى. قال البغوى يبين الله لكم الآيات فى امر الدنيا والآخرة لعلكم تتفكرون فى زوال الدنيا وفنائها فتزهدوا وفى اقبال الآخرة وبقائها فترغبوا فيها وهذه الآية ترغب فى التصدق لكن بشرط ان يكون ذلك من فضل المال وعفوه وعن النبى عليه السلام حديث : ان رجلا اتاه ببيضة من ذهب اصابها فى بعض المغازى فقال يا رسول الله خذها منى صدقة فوالله لقد اصبحت ما املك غيرها فاعرض عنه رسول الله فاتاه من الجانب الايمن فقاله مثله فاعرض عنه ثم اتاه من الجانب الايسر فاعرض عنه فقال "هاتها" مغضبا فاخذها منه فحذفها حذفا لو اصابه لشجه او عقره ثم قال "يجيئ احدكم بماله كله يتصدق به ويجلس يتكفف الناس انما الصدقة عن ظهر غنى خذها فلا حاجة لنا فيهاbr>". تفسير : وفى لفظ العفو اشارة الى ان ما يعطيه المرء ينبغى ان يعفو اثره عن قلبه عند الانفاق يعنى بطيب القلب لان اصل العفو المحو والطمس ثم الاخراج عن فاضل الاموال على قدر الكفاية طريقة الخواص. فاما خاص الخاص فطريقهم الايثار وهو ان يؤثر غيره على نفسه وبه فاقه الى ما يخرج وان كان صاحبه الذى يؤثر به غنيا قال الله تعالى {أية : ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة} تفسير : [الحشر: 9]. وعن عمر بن الخطاب رضى الله تعالى عنه قال حديث : امرنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ان نتصدق ووافق ذلك مالا عندى فقلت اليوم اسبق ابا بكر رضى الله عنه فجئت بنصف مالى فتصدقت به فقال لى رسول الله "ما ابقيت لاهلك يا عمر" قلت نصف مالى يا رسول الله ثم قال لابى بكر "ما ابقيت لاهلك" قال ابقيت لهم الله ورسواله فقلت لا اسابقك بشىء بعدها روى ان النبى عليه السلام قال عند ذلك "ما بينكما ما بين كلاميكماbr>". تفسير : ومنه يعرف فضل ابى بكر على عمر لكن الفاضلية من وجه لا تنافى المفضولية من وجه آخر فان الكامل ليس يلزمه ان يكون كاملا فى جميع الامور وانما التقدم والتأخر بالنظر الى العلم بالله. قال حضرة الشيخ الشهير بافتاده افندى قدس سره كان ابو بكر غالب المعرفة وعمر غالب الشريعة وعثمان غالب الطريقة وعلى غالب الحقيقة وان كانوا كاملين فى المراتب الاربع انتهى كلامه: قال الحسين الواعظ الكاشى شعر : مايه توفيق كرم كردن است كنج يقين ترك درم كردن است زادره مرك زنان دادن است زندكى عشق زجان دادن است تفسير : فسخاوة العوام اعطاى المال وسخاوة الخواص بذل الروح وهو قليل شعر : هست جوانمرد درم صد هزار كار جو باجان فتد آنست كار تفسير : وحث النبى عليه السلام اصحابه على الصدقة فجعل الناس يتصدقون وكان ابو امامة الباهلى جالسا بين يديه عليه السلام وهو يحرك شفتيه فقال له النبى عليه السلام "حديث : ماذا تقول حيث تحرك شفتيكbr>". تفسير : قال انى ارى الناس يتصدقون وليس معى شىء اتصدق به فاقول فى نفسى سبحان الله والحمد لله ولا اله الا الله والله اكبر فقال صلى الله تعالى عليه وسلم "حديث : هؤلاء الكلمات خير لك من مد ذهبا تتصدق به على المساكين". شعر : تازنده ايم ذكر لبش در زبان ماست يا دش انيس ومونس جان وروان ماست تفسير : ـ يروى ـ ان اول من قال سبحان الله جبريل عليه السلام وذلك انه لما خلقه الله وقع نظره على العرش وعظمته فقال سبحان الله فمن قالها نال ثواب جبريل. واول من قال الحمد لله آدم الصفى عليه الصلاة والسلام حين نفخ فيه الروح فمن قالها نال نصيبا من فضل آدم. واول من قال لا اله الا الله نوح النجى عليه السلام حين مشاهدة الطوفان وشدة البلاء فمن قالها اخذ حظا وافرا من ثواب نوح. واول من قال الله اكبر ابراهيم الخليل عليه السلام حين شاهد فداء اسماعيل وهو الكبش فمن قالها نال فيضا من فيض ابراهيم اللهم اجعلنا من الذاكرين الشاكرين آمين يا رب العالمين {ويسألونك عن اليتامى} اى عن مخالطتهم لان السؤال عن الشىء ينصرف الى ما هو معظم المقصود منه وهو ههنا المخالطة والكفالة وذلك بعد نزول قوله تعالى {أية : إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما} تفسير : [النساء: 10]. فتركوا مخالطتهم ومؤاكلتهم حتى لو كان عند رجل يتيم يجعل له بيتا على حدة وطعاما على حدة وعزلوا اموال اليتامى عن اموالهم وكان يصنع لليتيم طعام فيفضل منه شىء فيتركونه ولا يأكلونه حتى يفسد فاشتد ذلك عليهم فقال عبد الله بن رواحة يا رسول الله ما لكلنا منازل يسكنها اليتامى ولا كلنا نجد طعاما وشرابا نفردهما لليتيم فزلت هذه الآية {قل اصلاح لهم} اى مداخلتهم على وجه الاصلاح لهم ولاموالهم {خير} من مجانبتهم وترك الخلطة والنظر عليهم. واصلاح مصدر حذف فاعله تقديره واصلاحكم لهم خير للجانبين اى جانبى المصلح والمصلح له اما الاول فلما فيه من الثواب واما الثانى فلما فيه من توافر اموال اليتامى والتزايد {وان تخالطوهم} وتعاشروهم على وجه ينفعهم {فاخوانكم} اى فهم اخوانكم فى الدين الذى هو اقوى من العلاقة النسبية ومن حق الاخ ان يخالط الاخ بالاصلاح والنفع. قال ابن عباس رضى الله عنهما المخالطة ان تأكل من تمره ولبنه وقصعته وهو يأكل من تمرك ولبنك وقصعتك وهذا اذا اصاب من مال اليتيم بقدر عمله له او دونه فلا يزيد على اجر مثله وقد قال تعالى {أية : ومن كان غنيا فليستعفف ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف} تفسير : [النساء: 6]. وقد تكون المخالطة بخلط المال وتناول الكل منه وهو منهى شرعا. قال ابو عبيد هذه الآية عندى اصل لما يفعله الرفقاء فى الاسفار فانهم يتخارجون النفقات بينهم بالسوية وقد يتفاوتون فى قلة المطعم وكثرته وليس كل من قل مطعمه تطيب نفسه بالتفضل على رفيقه فلما كان هذا فى اموال اليتامى واسعا كان فى غيرهم اوسع ولولا ذلك لخفت ان يضيق فيه الامر على الناس وقد حملت المخالطة على المصاهرة وهو ان يكون ابنا فيزوجه ابنته او تكون بنتا فيزوجها ابنه فتتأكد الالفة ويخلطه بنفسه وبعشيرته ايناسا لوحشته وازالة لوحدته وهو مروى عن الحسن {والله يعلم} بمعنى المعرفة المتعدية الى واحد {المفسد} لمال اليتيم {من المصلح} لماله اى لا يخفى على الله من داخلهم بافساد واصلاح فيجازيه على حسب مداخلته فاحذروه ولا تتحروا غير الاصلاح وفى تقديم المفسد مزيد تهديد ومن لتضمين العلم معنى التمييز اى يعلم من يفسد فى امورهم عند المخالطة مميزا له ممن يصلح فيها {ولو شاء الله} اعناتكم وهو الحمل على ولا يطيقه {لاعنتكم} لحملكم على العنت وهو المشقة فلم يطلق لكم مداخلتهم يقال عنت فلان اذا وقع فى امر يخاف منه التلف {إن الله عزيز} غالب يقدر على الاعنات {حكيم} يحكم ما تقتضيه الحكمة وتسع له الطاقة وهو دليل على ما يفيده كلمة لو من انتفاء مقدمها. واعلم ان مخالطة الايتام من اخلاق الكرام وفى الترحم عليهم فوائد جمة قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم "حديث : من وضع يده على رأس يتيم ترحما عليه كانت له بكل شعرة تمر عليها يده حسنةbr>". تفسير : وفى الحديث "حديث : ثلاثة فى ظل عرش الله يوم القيامة امرأة مات عنها زوجها وترك عليها يتامى صغارا فخطبت فلم تتزوج وقالت اقيم على اليتامى حتى يغنيهم الله او يموتbr>". تفسير : يعنى اليتيم "حديث : او هى ورجل له مال صنع طعاما فاطاب صنيعه واحسن نفقته فدعا اليه اليتيم والمسكين وواصل الرحم يوسع له فى رزقه ويمد له فى اجله ويكون تحت ظل عرشهbr>". تفسير : قال الله تعالى (يا موسى كن لليتيم كالاب الرحيم وكن للارامل كالزوج الشفيق وكن للغريب كالاخ الرفيق اكن لك كذلك): قال الحافظ شعر : تميار غريبان سبب ذكر جميلست جانا مكراين قاعده درشهر شمانيست تفسير : وفى الحديث "حديث : انا وكافل اليتيمbr>". تفسير : اى القائم بمصالحه سواء كان من مال نفسه ام من مال اليتيم وسواء كان اليتيم قريبا ام لا "حديث : كهاتين فى الجنةbr>". تفسير : واشار بالسبابة والوسطى يعنى ان كافل اليتيم يكون فى الجنة مع حضرة النبى عليه الصلاة والسلام لا ان درجته تبلغ درجته: قال الشيخ سعدى قدس سره شعر : جو بينى يتيمى سرافكنده ييش مده بوسه برروى فرزند خويش ألا تانكريد كه عرش عظيم بلرزد همى جون بكريد يتيم تفسير : ويجتنب كل الاجتناب عن اخلال حق من حقوقه واكل حبة من ماله وعن ظلمه وقهره ـ يحكى ـ ان رستم بن زال بارز مع اسنفديار فلم يقدر عليه مع زيادة قوته وكان اسفنديار يجرحه فى كل حمل دون رستم وكان بدن اسفنديار كجلد السمك لا يعمل فيه شىء ثم ان رستم تشاور مع ابيه زال فى ذلك فقال له ابوه انك لا تقدر عليه الا ان تعمل سهما ذا فقارين وتصيب به عينى اسفنديار ففعل ذلك فرمى فاصاب فغلب عليه بذلك فيحكى فى سبب ذلك ان اسفنديار كان قد ضرب فى شبيبته يتيما بغصن ففقأ به عينه وابكاه ثم ان اليتيم اخذ ذلك الغصن وغرسه فلما صار شجرا اخذ رستم غصنا من اغصانه ونحت منه سهمه الذى اصاب به عينى اسنفديار. ويؤدب اليتيم الذى فى حجره كتأديبه ولده فانه مسئول عنه يوم القيامة ويصلح حاله. والتأديب على انواع. منها الوعيد. ومنها الضرب. ومنها حبس المنافع والعطية والبر فان بين النفوس تفاوتا فنفس تخضع بالغلظة والشدة ولو استعملت معها الرفق والبر لافسدها ونفس بالعكس وقد جعل الله الحدود والتعزير لتأديب العباد على قدر ما يأتون من المنكر فادب الاحرار الى السلطان وادب المماليك والاولاد الى السادات والآباء وهو مأجور على التأديب ومسئول عنه قال الله تعالى {أية : قوا أنفسكم وأهليكم نارا} تفسير : [التحريم: 6]. وفى الحديث "حديث : كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيتهbr>". تفسير : وفى قوله تعالى {وإن تخالطوهم فإخوانكم} [البقرة: 220]. اشارة الى ان المرء ينبغى ان يتعود الاكل مع الناس فان شر الناس من اكل وحده وفى الحديث "حديث : ان من احب الطعام الى الله ما كثرت عليه الايدىbr>". تفسير : ذكره فى العوارف وذكر فى المصابيح حديث : ان اصحاب النبى عليه السلام قالوا يا رسول الله انا نأكل ولا نشبع قال "لعلكم تفترقون" قالوا نعم قال "فاجتمعوا على طعامكم واذكروا اسم الله تعالىbr>". تفسير : ومن اللطائف ما يحكى انه قيل لجمين صاحب النوادر أتغديت عند فلان قال لا ولكن مررت ببابه وهو يتغدى فقيل كيف علمت قال رأيت غلمانه بايديهم قسى البنادق يرمون الطير فى الهواء قيل لبخيل من اشجع الناس فقال من يسمع وقع اضراس الناس فلا تنشق مرارته وفى الحديث "حديث : من اضاف مؤمنا فكأنما اضاف آدم ومن اضاف اثنين فكانما اضاف آدم وحواء" تفسير : كذا فى الرسالة العلية لحسين الواعظ.

ابن عجيبة

تفسير : {يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا...} قلت: الخمر في اللغة: ما يستر الشيء ويغطيه، ومنه: خمار المرأة، وسُمِّي الخمر خمراً لستره العقلَ. وفي الاصطلاح: ما غَيّب العقل دون الحواس مع النَّشْوة والطرَب. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"حديث : كُلُّ مُسْكرٍ خَمْرٍ وكُلُّ خَمْر، حَرَامٌ ". تفسير : والميسر: قال ابن عباس والحسن: كل قمار ميسر، من شطرنج ونرْد ونحوه، حتى لَعِب الصبيان بالجَوْز والكِعَاب، إذا كان بالفُلوس، وسمي ميسراً ليُسْر صاحبه بالمال الذي يأخذه، وأما إذا كان بغير عِوض، إنما هو لَعِبٍّ فقط، فلا بأس. قاله ابن عرفة. يقول الحقّ جلّ جلاله: {يسألونك عن} حكم {الخمر والميسر قل} لهم: {فيهما إثم كبير} أي: عظيم لما في المسير من أكل أموال الناس بالباطل، وما ينشأ عنه من العداوة والشحناء، وما في الخمر من إذهاب العقل والسباب والافتراء والإذاية، والتعدّي الذي يكون من شاربه. وقرأ حمزة والكسائي: {كثير} بالمثلثة، أي: آثام كثيرة؛ لقوله عليه الصلاة والسلام:"حديث : لَعَنَ اللّهُ الخَمْرَ، وَبَائِعِهَا، وَمُبْتَاعَهَا، والمُشتَرَاة لَهُ، وعَاصَرَهَا، والمَعْصُورَةَ لَه، وسَاقِيها، وشَاربهَا، وحَامِلهَا، والْمْحمُولة لَهُ، وآكل ثَمِنِها"تفسير : . فهذه آثام، وفيها {منافعٍ للناس} أي: منافع دنيوية؛ ككسب المال بلا تعب، وإطعام الفقراء من كسبه، كما كانت تصنع العرب في الميسر، وفي الخمر اللذة والنشوة، كما قال حسان رضي الله عنه: شعر : ونَشْرَبُها فَتَتْرُكنا مُلوكاً وأُسداً لا يُنهْنِهُنا اللقَاءُ تفسير : {وإثمهما أكثر من نفعهما}؛ لأن منفعتهما دنيوية، وعقوبة إثمهما أُخروية، وهذه الآية نزلت قبل التحريم. رُويَ أنه لما نزل بمكة قوله تعالى:{أية : وَمِن ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقًاً حَسَناً}تفسير : [النّحل: 67]، أخذ المسلمون يشربونها، ثم إن عمرَ ومعاذاً في نفر من الصحابة، قالوا: أفْتنا يا رسول الله في الخمر؛ فإنها مُذهبة للعقل، فنزلت هذه الآية، فشربها قوم وتركها آخرون، ثم دعا عبدُ الرحمن بن عوف ناساً إلى داره، فشربوا وسكروا، ثم قام يصلي بهم فقرأ:{أية : قُلْ يَأَيُّهَا الْكَافِرُونَ لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ }تفسير : [الكافِرون: 1، 2]؛ من غير نفي، فنزلت:{أية : ... لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى...}تفسير : [النِّساء: 43] فاجتنبُوها في أوقات الصلاة. ثم دعا عتبانُ بنُ مالك سعدَ بن أبي وقاص في جماعة، فلما سكروا افتخروا وتناشدوا، فأنشد سعدُ شعراً فيه هجاء الأنصار، فضربه أنصاري بلحى بعير فشجَّه، فشكى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال عمر: اللهم بيِّن لنا في الخمر بياناً شافياً. فنزلت{أية : إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ...}تفسير : إلى قوله:{أية : ... فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ}تفسير : [المَائدة: 90، 91] فقال عمر: انتهينا يا رب هـ. ولما شربها بعض الناس بعد التحريم، كان - عليه الصلاة والسلام - يضرب فيها بالنعال والجريد، ضرباً غير محدود، وضرب أبو بكر وعمر أربعين، وأول من حد فيها ثمانين سيدنا عثمان، لما تهافت الناس فيها. والله تعالى أعلم. الإشارة: اعلم أن الحق تعالى جعل للعقل نوراً يُميز بين الحق والباطل، بين الضار والنافع، وبين الصانع والمصنوع، ثم إن هذا النور قد يتغطى بالظلمة الطينية؛ وهي نشوة الخمر الحسية. وقد يتغطى أيضاً بالأنوار الباهرة من الحضرة الأزلية إذا فاجأته، فيغيب عن الإحساس في مشاهدة الأنوار المعنوية، وهي أسرار الذات الأزلية، فلا يرى إلا أسرار المعاني القديمة، وينكر الحوادث الحسية، فسمي الصوفية هذه الغيبة خمرة؛ لمشاركتها للخمر في غيبوبة العقل، وتغنوا بها في أشعارهم ومواجيدهم، قال الفارض رضي الله عنه: شعر : شَرِبْنَا على ذِكْر الحبيبِ مُدامَةً سَكرنَا بها من قبل أن يُخلَقَ الكَرْمُ تفسير : ثم قال: شعر : على نفسه فَليبْكِ مَن ضاع عُمْرُه وليسَ لهُ منها نَصِيبٌ ولا سَهْمُ تفسير : وقلت في عينيتي: شعر : وَلِي لَوْعَةٌ بالرَّاحِ إِذْ فِيه رَاحِتِي وَرَوْحِي ورَيْحَانِي، وخيرٌ واسِعُ سَكرْنَا فهِمْنَا في بَهاءِ جَمَالِه فَغِبْنا عَن الإحساسِ، والنُورُ ساطعُ تفسير : والميسر في طريق الإشارة: هو الغني الذي يحصل بهذه الخمرة، وهو الغني بالله عن كل ما سواه (قل فيهما إثم كبير) أي: في تعاطيهما حرج كبير، ومنافع للناس بعد تعاطيهما، فيهما إثم كبير عند طالب الأجور، ومنافع للناس لمن طلب الحضور ورفع الستور. وأنشدوا: شعر : لَوْ كَان لي مُسْعدٌ يُسعِدُني لمَا انتظرتُ لشُربِ الراحِ إفطارا فالراحُ شيءٌ شَريفٌ أنتَ شَاربُه، فاشْرَب، ولو حَمَّلَتْكَ الراحُ أوْزارا يا مَنْ يلومُ على صَهْبَاءَ صافيةٍ خُذ الجِنَانَ، ودَعْنِي أَسكنُ النَارا تفسير : وقال ابن الفارض: شعر : وقالُوا: شَرِبْتَ الإثَم! كلاّ، وإنما شرِبْتُ التي في ترْكِها عنديَ الإثْمُ تفسير : وقال آخر: شعر : طابَ شُرْبُ المُدامِ في الخَلَواتْ اسْقِني يا نديمُ بالآنِيَاتْ شعر : خْمْرَةٌ تركُها علينا حرَامٌ، ليسَ فيها إثمٌ ولا شُبُهَاتْ عُتِّقَتْ في الدَّنان مِنْ قَبْلِ آدمْ أصلُها طيّبٌ من الطَّيِّبَاتْ أَفْتِ لي أيُّهَأ الفقيهُ وقلْ لي: هل يجوزُ شُرْبُها على عَرَفاتْ؟ تفسير : فيهما إثم كبير عند أهل الحجاب، ونفع كبير عند ذوي الألباب، يعني: في الخمرة الأزلية والغنى بالله، وقوله تعالى: {وإثمهما أكبر من نفعهما}: خطاب على قدر ما يفهم الناس، لأن إثمهما ظاهر للعوام، وهو ما يظهر على النشوان من خراب الظاهر، وصدور الأحوال الغريبة، ونفعهما خاص عند خوصا الخواص، لا يفهمه إلا الخواص، بل يجب كتمه عن غير أهله، وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق. ثم وقع سؤال ثالث عن قدر المنفق، فأشار إليه الحقّ جلّ جلاله بقوله: {... وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ ٱلْعَفْوَ كَذٰلِكَ يُبيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ...} قلت: {العفو}: ضد الجهد، وهو السهل، ويقال للأرض السهلة: عفو، والمراد: أن يُنفق ما تيسر بذله، ولا يبلغ به الجَهد، وهو خبر، أو مفعول، أي: هو العفو، أو ينفقون العفو. يقول الحقّ جلّ جلاله: {ويسألونك} ما القدر الذي ينفقونه؟ {قل} لهم: هو {العفو} أي: السهل الذي لا مشقة في إعطائه، ولا ضرر على المعطي في فقده، رُوِي أن رجلاً أتى النبيّ صلى الله عليه وسلم بقدر بَيْضة من الذهب، فقال: خُذها عني صَدقَة، فأعرض عنه، حتى كَرَّر مِرَاراً، فقال: هاتها، مُغْضَبَا، فحذفها حذفاً لو أصابه لشجَّه، فقال:"حديث : يأتي أحدكم بماله كله يتصدّق به، ويجلس يتكفَّفُ الناس، إنما الصدقةُ عن ظَهْرِ غِنَى"تفسير : . قاله البيضاوي مختصراً. قلت: وهذا يختلف باختلاف اليقين؛ فقد تصدّق الصدِّيقُ رضي الله عنه بماله كله، وعمر رضي الله عنه بنصف ماله، فأقرهما ورَدّ فعلَ غيرهما، فدلَّ ذلك على أن العفو يختلف باختلاف الأشخاص، على حسب اليقين. {كذلك يبن الله لكم الآيات} أي: مثل هذا التبيين الذي ذكرنا، {يُبين} لكم الآيات، حتى لا يترك إشكالاً ولا وهماً، {لعلكم تتفكرون} بعقولكم، وتأخذون بما يعود نفعه عليهكم، فتتفكرون {في الدنيا} وسرعة ذهابها وتقلبها بأهلها، إذا أقبلت كانت فتنة، وإذا أدبرت كانت حسرة، لا يفي طالبُها بمقصوده منها ولو ملكها بحذافيرها، ضيقة الزمان والمكان، عمارتها إلى الخراب، وشأنها إلى انقلاب، سريعة الزوال، وشيكة الانتقال، فتزهدون فيها وترفعون همتكم عنها. وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم:"حديث : مَالِي وللدنيا، إنما مَثَلي ومثلُ الدنيا كرجلٍ سَافَرَ في يوم صَائِفٍ، فاسْتَظَلَّ تحت شَجَرةٍ، ثم رَاحَ وَتَرَكَها"تفسير : . وفي صحف إبراهيم عليه السلام: "عجبت لمن أيقن بالموت كيف يفرح، عجبت لمن أيقن بالنار كيف يضحك، عجبت لمن أيقن بالقدر كيف ينصب - أي: يتعب - عجبت لمن رأى الدنيا وتقلبها بأهلها كيف يطمئن إليها". وأنشدوا: شعر : ألا إنَّما الدنيا كأحْلاَمِ نَائِم وكُلُّ نعيمٍ ليسَ فيها بِدَائِم تَذَكَّرْ إذا ما نِلْتَ بالأمس لَذَّةً فأفْنَيْتَها هل أنتَ إلا كَحَالِمِ تفسير : وتتفكرون في {الآخرة} ودوام نعيمها، وسعة فضائها، وبهجة منظرها؛ فترغبون في الوصول إليه، وتتأهبون للقائها، فتؤثرونها على هذه الدار الفانية. قال بعض الحكماء: لو كانت الدنيا من ذهب يفنى، والآخرة من طين يبقى، لكان ينبغي للعاقل أن يختار ما يبقى على ما يفنى، لا سيما والأمر بالعكس، الدنيا من طين يفنى، والآخرة من ذهب يبقى، فلا يختار هذه الدار إلاَّ أحمق خسيس الهمة، وبالله التوفيق. الإشارة: كما نهى الحقّ جلّ جلاله عن السرف في الأموال، نهى عن السرف في الأحوال، فالسرف، من حيث هو، يؤدي إلى الملل والانقطاع، "أحبُ العملِ إلى اللّهِ ما دَامَ عليه صاحبُه، وإنْ قَلَ" كما في الحديث،حديث : والله ما رأينا أحداً أسرف في الأحوال إلا مَلَّ، وضعف حالهتفسير : ، وفي الحديث:"حديث : لاَ يكْن أحَدُكُم كالمُنْبَتِّ - أي: المنقطع - لا أرضاً قطع، ولا ظَهْراً أبقى"تفسير : . وقال في المباحث: شعر : فاحْتلْ على النفس فَرُبَّ حِيله أنفعُ في النُّصْرة مِن قَبِيله تفسير : فلا يزال يُسايس نفسه شيئاً فشيئاً حتى يملكها، ويظفر بها، فإذا ظفر بها كانت له شبكة يصطاد بها العلوم والمعارف، فتتفكر في الدنيا فتراها فانية فترحل عنها، ثم تتفكر في الآخرة فتراها باقية، فإذا رامت السُّكْنَى فيها رأتْها كَوْناً مخلوقاً فرحلت إلى خالقها، فكشف الحقّ عنها الحجاب، وأدخلها مع الأحباب، وأدخلها مع الأحباب، فغابت عن الكونين في شهود المكون، فلم يبق لها دنيا ولا آخرة، بل هي الآن في بهجة ونضرة {إلى ربها ناظرة}، حققنا الله بهذا المقام العلي. آمين. ثم سألوا أيضاً عن مخالطة اليتامى، فأجابهم الحقّ تعالى بقوله: {... وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْيَتَامَىٰ قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ ٱلْمُفْسِدَ مِنَ ٱلْمُصْلِحِ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لأَعْنَتَكُمْ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} قلت: العنت: التعب والمشقة، أعنتكم: أتعبكم. يقول الحقّ جلّ جلاله: {ويسألونك عن} مخالطة {اليتامى} أي: خَلْط مال اليتامى بمال الوصيّ، أو القائم به، فيأكلون جميعاً، {قل} لهم: يفعلون ما هو {إصلاح} لليتيم وأحفظ لماله، فإنْ كان خلط مال اليتيم مع مال الوصي أحفظُ لماله، وأوفر، فهو خير، فإنما هم إخوانكم في الدين، وإن كان عزلُ ما لهم عن مالكم، وأكله وحده، اوفر لماله، فاعتزالهم خير، {والله يعلم} من قصدُه الإفساد، ممن قصده الإصلاح، فيعامل كل واحد بقصده، {ولو شاء الله} لأمركم بعزلهم وحفظ مالهم مطلقاً، فيُحرجكم، ويشق عليكم، {إن الله عزيز} غالب، لا يعجزه شيء، {حكيم} لا يفعل شيئاً إلا لحكمة ومصلحة. ولما نزل قوله تعالى:{أية : إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً...}تفسير : [النِّساء: 10] الآية، تحرَّج الصحابة من مخالطة اليتامى، فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزلت الآية. الإشارة: كل من لا شيخ له في طريق القوم فهو يتيم، لا أبَ له، فإن ادعى شيئاً من الخصوصية سُمي عندهم لقيطاً أو دعياً، أي؛ منسوباً إلى غير أبيه، وما زالت الأشياخ تُحذِّر من مخالطة العوام، ومن مخالطة المتفقرة الجاهلة، أعني: الذين لا شيخ لهم يصلح للتربية، حتى قالوا: مخالطتهم سُم قاتل. وقال بعضهم: يجتنب المريد مخالطة ثلاثة أصناف من الناس: المتفقرة الجاهلين، والقراء المداهنين، والجبابرة المتكبرين. قلت: وكذلك الفروعية المتجمدين على ظاهر الشريعة، فصُحبتهم أقبحُ من الجميع، ومن ابتلى بمخالطة العوام فلينصحهم، ويرشدهم إلى مصالح دينهم، إنما هم إخوان في الدين، والله يعلم المفسد من المصلح، فمن خالطهم طمعاً في مالهم أو جاههم، أفسده الله، ومن خالطهم نُصحاً وإرشاداً أصلحه الله، ولو شاء الله لأمر الفقراء باعتزالهم بالكلية، وفي ذلك حرج ومشقة، ومِنْ حكمته تعالى أن جعلهم حجاباً لأهل الحجاب، ومدخلاً لذوي الألباب، حجاباً للضعفاء، ومدخلاً ومشهداً للأقوياء. والله تعالى أعلم. ولمّا فرغ الحق جلّ جلاله من ذكر بعضَ أمر الجهاد وما يتعلق به، شَرَع يتكلم على النكاح.

الطوسي

تفسير : القراءة: قرأ أهل الكوفة إلا عاصم {إثم كثير} بالثاء. الباقون بالباء، وقرأ أبو عمرو وحده {قل العفو} بالرفع. الباقون بالنصب. اللغة: قال أكثر المفسرين: الخمر عصير العنب إذا اشتدّ. وقال جمهور أهل المدينة: ما أسكر كثيره فهو خمر، وهو الظاهر في رواياتنا. وأما اشتقاقه في اللغة: تقول خمرت لدابة أخمرها خمراً إذا سقيتها الخمر، وخمرت العجين والطين أخمره خمراً: إذا تركتة فلم تستعمله حتى يجود. وأخمر القوم إخماراً: اذا تواروا في الشجر. ويقال لما سترك من شجر: خمرى، مقصوراً، واختمرت المرأة، وخمرت إذا لبست الخمار: وهي المقنعة. وخامره الحزن مخامرة إذا خالطه. وخمر الأناء وغيره تخمراً: إذا غطّيته، واستخمرت فلاناً: اذا استعبدته. والخمار بخار يعقبه شرب الخمر. والمخامرة: المقاربة. والخمر: ما وارك من الشجر، وغيره. والخمر: شبيه بالسجادة. والمخمرة من الغنم: سوداء ورأسها أبيض. ودخل في خمار الناس: إذا دخل في جماعة، فخفي فيهم، وأصل الباب الستر. والميسر: قال ابن عباس، وعبد الله بن مسعود، والحسن، ومجاهد، وقتادة، وابن سيرين: هو القمار كله وهو الظاهر في رواياتنا. واشتق الميسر من اليسر، وهو وجوب الشيء لصاحبه، من قولهم: يسر لي هذا الشيء: إذا وجب لي، فهو تيسر لي يسراً، وميسراً، والياسر: الواجب بقداح وجب لك أو غير ذلك. وقيل للمقامر: ياسر، ويسر، قال النابغة: شعر : أو ياسر ذهب القداح بوفره أسف تآكله الصديق مخلّع تفسير : يعنى القامر. وقيل أخذ من التجزءة، لأن كل شيء جزّأته، فقد يسرته، والياسر: الجازر. والميسر: الجزور. وقيل الميسر مأخوذ من اليسر، وهو تسهل الشيء، لأنهم - كانوا - مشتركون في الجزور، ليسهل أمرها إلا أنه المعنى الجهة: القمار. المعنى: وقوله: {قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس} فالنفع التي في الخمر: ما كانوا يأخذونه في أثمانها، وربح تجارتها، وما فيها من اللذة بتناولها: أي فلا تغترّوا بالنفع فيها، فالضرر أكثر منه. وقال الحسن، وغيره: هذه الآية تدل على تحريم الخمر، لأنه ذكر أن فيها إثماً، وقد حرم الله الاثم بقوله: {أية : قل إنما حرّم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والأثم}تفسير : على أنه قد وصفها بأن فيها إثماً كبيراً والكبير يحرم بلا خلاف. وقال قوم: المعنى وإثمهما بعد تحريمهما أكبر من نفعهما قبل تحريمهما. وقال آخرون: المعنى إن الاثم بشرب هذه، والقمار بها أكبر وأعظم، لأنهم كانوا إذا استكروا وثب بعضهم على بعض، وقاتل بعضهم بعضاً. وقال قتادة: لا تدل الآية على تحريمهما، وإنما تدل الآية التي في المائدة في قوله: {أية : إنما الخمر والميسر}تفسير : الى آخرها. ووجهه قتادة على أنه قد يكثر فيهما {إثم كبير}. وقوله: {يسألونك ماذا ينفقون} قال السدي: نسخته آية الزكاة. وقال مجاهد: هو فرض ثابت. وقال قوم: هو أدب من الله ثابت غير منسوخ، وهو الأقوى، لأنه لا دليل على نسخها. و "العفو" هنا قيل في معناه ثلاثة أقوال: قال ابن عباس، وقتادة: هو ما فضل عن الغنى. وقال الحسن، وعطا: هو الوسط من غير إسراف ولا إقتار. وقال مجاهد: هو الصدقة المفروضة. وروي عن أبي جعفر (ع) أن العفو: ما فضل عن قوت السنة، فنسخ ذلك بآية الزكاة. وروي عن أبي عبد الله (ع) أن العفو ها هنا: الوسط. والعفو مأخوذ من الزيادة ومنه قوله: {أية : حتى عفوا} تفسير : أي حتى زادوا على ما كانوا عليه من العدد قال الشاعر: شعر : ولكنا نُعضُّ السيف منها باسبق عافيات الشحم كوم تفسير : أي زايدات الشحم. وقال قوم: هو مأخوذ من الترك من قوله: {أية : فمن عفي له من أخيه شيء}تفسير : أي ترك له، فيكون العفو المتروك غنى عنه، ومن رفع معناه ما الذي ينفقون، وفي الأول كأنه قال: أي شيء ينفقون، فقالوا: العفو. وإنما وحد الكاف في كذلك، وإن كان الخطاب لجماعة، لأحد أمرين: أحدهما - في تقدير كذلك أيها السائل. والثاني - أن يكون الخطاب للنبي (صلى الله عليه وسلم) ويدخل فيه الأمة، كما قال: {أية : يا أيها النبي إذا طلقتم النساء}. تفسير : وقوله: {لعلكم تتفكرون} أي لكي تتفكروا، وهي لام الغرض. وفي ذلك دلالة على أن الله تعالى أراد منهم التفكر سواء تفكروا أو لم يتفكروا.

الجنابذي

تفسير : {يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ} استئناف لابداء حكم آخر من احكام الرّسالة {قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ} وقرئ كثير بالثاء المثلّثة {وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ} لمّا اتى بالاثم مفرداً وبالمنافع جمعاً توهّم انّ نفعهما غالب على اثمهما فرفع ذلك التوهّم بقوله تعالى: {وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا}. تحقيق مراتب كمال الانسان اعلم انّ الانسان قبل هبوط آدم (ع) فى العالم الصّغير وبعث الرّسول الباطنىّ كافر محض لا يعرف مبدأً ولا معاداً وبعد بعث الرّسول الباطنىّ يظهر له اقرار فطرىّ بأنّ له مبدأً مسخّراً له لكنّه امّا لا يستشعر بهذا الاقرار اصلاً ويحتاج الى منبّهٍ خارجىٍّ ينبّهه على فطرته، او يستشعر استشعاراً ضعيفاً مغلوباً فى غفلاته وهذا فى قليل من النّاس وقد يستشعر استشعاراً قويّاً يحمله على الطّلب ولا يدعه حتّى يوصله الى مطلوبه، مثل الكبريتيّة تكاد تشتعل ولو لم تمسسها نارٌ وهذا فى غاية النّدرة؛ والقسمان الاوّلان امّا يبقون فى كفرهم الصّراح ولا يتنبّهون من المنبّهات الخارجيّة والرّسل الالهيّة وليس لهم همٌّ الاّ قضاء شهواتهم ومقتضيات نفوسهم، وهؤلاء عامّة النّاس سواء دعاهم رسول خارجىّ او نوّابهم الى الله اوّلاً وسواء قبلوا الدّعوة الظّاهرة وبايعوا البيعة العامّة اولا؛ غاية الامر انّ من قبل الدّعوة الظّاهرة ودخل فى الاسلام ان مات فى حال حياة الرّسول او نائبه الّذى بايعه كان ناجياً نجاةً ما وكلّ هؤلاء مرجون لامر الله، لكنّ البايعين ليسوا مرجين لأمر الله بحسب اوّل درجات النّجاة بل بحسب كمال درجات النّجاة او يتنبّهون فيطلبون من يدلّهم على مبدئهم فامّا لا يصلون او يصلون، والواصل الى الدّليل امّا يعمل بمقتضى دلالة الدّليل او لا يعمل، والعامل امّا يبقى فى الكفر بحسب الحال او يتجاوز الى الشّرك الحالىّ او الى الشّرك الشّهودىّ او يتجاوز الى التّوحيد الشّهودىّ والتحقّقىّ وفى هذا الحال ان لم يبق له اشارة الى التّوحيد ولا توحيد كان عبداً لله وهو آخر مقامات العبوديّة وتماميّة الفقر وحينئذٍ يحصل له بداية مقامات الرّبوبيّة ان ابقاه الله تعالى بعنايته وان بقى على هذه الحالة ولم يبقه الله بعد فنائه لم يكن له عين ولا اثر فلم يكن له اسم ولا رسم ولا حكم؛ وهذا احد مصاديق الحديث القدسىّ: "حديث : انّ اوليائى تحت قبابى لا يعرفهم غيرى"تفسير : ، واحد مصاديق الولىّ والامام (ع) كما نبيّنه. تحقيق الولىّ والنّبىّ والرّسول والامام وان ابقاه الله بعنايته بعد فنائه وتفضّل عليه بالصّحو بعد المحو صار وليّاً لله وهذه الولاية روح النّبوّة والرّسالة ومقدّمة عليهما وهى الامامة الّتى تكون قبل النّبوّة والرّسالة، فان تفضّل عليه وأرجعه الى مملكته وأحيى له اهل مملكته بالحياة الثّانية الاخرويّة وهذه هى الرّجعة الّتى لا بدّ منها لكلّ احد اختياراً فى حال الحياة او اضطراراً بعد المماة وهى الرّجعة فى العالم الصّغير صار نبيّاً او خليفةً للنّبىّ، وللنبوّة وخلافتها مراتب ودرجات لا يحصيها الاّ الله، وتطلق الامامة عليهما او على خلافة النّبوّة وهى النّبوّة الّتى هى روح الرّسالة ومقدّمة عليها فان وجده الله اهلاً لاصلاح مملكته بان لم يكن مفرطاً ولا مفرّطاً فى الحقوق وأرجعه الى الخلق لاصلاحهم صار رسولاً او خليفته وتطلق الامامة عليهما او على خلافة الرّسالة ومراتب الرّسالة وخلافتها ايضاً لا تحصى وهذه الاربعة أمّهات مراتب الكمال ولكلّ من هذه حكم واسم غير ما للاخرى. فانّ الاولى تسمّى بالعبوديّة لخروج السّالك فى تلك المرتبة من انانيّته ومالكيّته وحرّيّته من اسر نفسه، وبالولاية لظهور ولاية الله وسلطانه هنالك الولاية لله مولاهم الحقّ ومحبّته الخالصة ونصرة الله له وقربه منه، وبالامامة لوقوعه امام السّالكين، وبالفقر لظهور افتقاره الذّاتىّ حينئذٍ وغير ذلك من الاوصاف والثّانية تسمّى بالامامة لوقوع العبد فيها امام الكلّ ايضاً، ولكونها امام النّبوّة والرّسالة وبمقام التّحديث والتّكليم لتحديث الملائكة للعبد فيها من غير رؤيتهم نوماً ويقظة، وبالولاية لما ذكر فى المقام الاوّل وغير ذلك من الاسماء كالصّحو بعد المحو والبقاء بعد الفناء والبقاء بالله، والثّالثة تسمّى بالنّبوّة لكون العبد فيها خبيراً من الله ومخبراً عنه والعبد فى تلك المرتبة يسمع صوت الملك فى النّوم واليقظة ويرى فى المنام شخصه ولا يرى فى اليقظة ويسمّى فى تلك المرتبة اخبار الملائكة وتلقّى العلوم من دون اخبار الملائكة بالوحى والالهام لا بالتّحديث والتّكليم للفرق بينهما وبين سابقتها، بانّه ليس فى السّابقة الاّ التّحديث من دون مشاهدة الملك المحدّث من الله، والرّابعة تسمّى بالرّسالة لرسالة العبد فيها من الله الى الخلق وفيها يرى العبد ويسمع من الملائكة يقظة ونوماً ويسمّى ما به رسالته الى الخلق شريعة وسنّة ومن هاهنا يعلم وجه ما ورد فى اخبار كثيرة من الفرق بين الرّسول والنّبىّ (ص) والمحدّث او الامام: بأنّ الرّسول يسمع من الملك ويرى شخصه فى المنام ويعاينه فى اليقظة، والنّبىّ يسمع ويرى فى المنام ولا يعاين، فانّ المحدّث كما علمت هو الّذى يبقى بعد فنائه من غير رجوع الى مملكته ومن غير احياءٍ لاهل مملكته بالحياة الملكيّة الاخرويّة حتى يصير اهل مملكته اسناخاً للملائكة فلم يكن له مدرك ملكى حتّى يدرك شيئاً منهم لكنّ السّامعة لقوّة تجرّدها وموافقتها لذات الانسان كأنّها لا تنفكّ عنه فاذا استشعر بذاته بعد صحوه استشعر بالسّامعة ايضاً وحييت بحياته الاخرويّة، واذا استشعر بالسّامعة سمع بقدر استشعاره من الملك والنّبىّ هو الّذى رجع بعد حياته الى مملكته واحيى الله تعالى له اهل مملكته بالحياة الثّانية الاخرويّة المناسبة لاهل الآخرة من الملائكة من وجهتهم الاخرويّة لا من وجهتهم الدّنيويّة فيرى فى المنام يعنى بالوجهة الاخرويّة للباصرة ويسمع فى النّوم واليقظة لقوّة تجرّد السّامعة ومناسبتها لاهل الآخرة ولا يعاين ولا يلامس، والرّسول هو الّذى رجع بعد رجوعه الى مملكته الى خارج مملكته لاصلاح اهل العالم الكبير ولا بدّ ان يكون اهل مملكته مناسبين لاهل الآخرة من الوجهة الاخرويّة والوجهة الدّنيويّة حتّى يتمّ له الدّعوة بالوجهة الدّنيويّة فيسمع ويرى ويشمّ ويذوق ويلامس فى النّوم واليقظة، ولا يذهب عليك انّ المراد بالرّسالة اعمّ من الرّسالة وخلافتها، والمراد بالنّبوّة أعمّ من النّبوّة وخلافتها حتّى يشكل عليك ما ورد من الائمّة (ع) انّ الملائكة يطأون بسطنا، ويلاعبون اطفالنا، ويصافحوننا، ونلتقط زغب الملائكة، وانّهم يزورون فى ليلة القدر ولىّ الامر، بل نقول: انّ السّالك النّاقص قد يطرأ عليه تلك الحالات من الافاقة والرّجوع الى مملكته والى مملكة الخارج بل التّكميل لا يتمّ الاّ بطروّ تلك الاحوال، فالنّبىّ والرّسول لا بدّ لهما من حفظ مراتب كلّ من اهل الملك الصّغير او الكبير ومراعاة حقوقهم وابقاء كلّ بحيث يرجع الى الله والنّهى عن تضييع الحقوق وتعطيلها وافناء اهلها ومنعهم عن السّير الى الله والامر بما يوجب حفظ الحقوق وما يعين على السّير المزبور. والانسان خلق ذا مراتب عديدة وفى كلّ مرتبة منها له جنود وكلّ منها فى بقائه محتاج الى اشياء ففى مرتبته النباتيّة والحيوانيّة يحتاج قواه النباتيّة والحيوانيّة وبقاء بدنه وبقاء نفسه النباتيّة والحيوانيّة والانسانيّة الى المأكول والمشروب والملبوس والمسكن والمركوب والمنكوح، وفى التّوانى فى كلّ منها تضييع لحقّ ذى حقّ او افناء لذى حقّ، وفى الافراط فيها تعطيل لحقّها ولحقّ المراتب الاخر ايضاً فالرّسول لا بدّ ان ينهى عن لطرفين ويأمر بالوسط فيها مثل قوله تعالى: {كلوا} فانّه امر بالأكل ونهى عن تركه، {ولا تسرفوا} فانّه نهى عن الافراط، وهكذا الحال فى الجميع ولمّا كان الانسان بالفطرة جاذباً لما يحتاج اليه دافعاً لمن منعه عنه فلو لم يكن قانون يرجع الكلّ اليه فى الجذب والدّفع وقع التّدافع بينهم بحيث يكون تضييع الحقوق وافناء ذوى الحقوق اكثر من ترك الجذب والدّفع فلا بدّ ان يؤسّس الرّسول (ص) قانوناً يكون ميزاناً للجذب والدّفع، وان يؤسّس لتأديب من خرج من ذلك القانون قانوناً وان يمنع عن جذب ما فى يد الغير بلا عوضٍ وبما فيه خديعة النّاس فانّها من رذائل النّفس المانعة عن سيرها الى الله، وبما فيه ذلّة النّفس مثل التملّق والسّؤال والسّرقة وغير ذلك ممّا فيه رذيلة من الرّذائل، وبما فيه تعطيل الارض عن التعمير وبما فيه افناء المال رأساً، والقمار فيه خديعة {النّاس} وتعطيل الارض وافناء المال من احد الطّرفين رأساً بلا عوضٍ، وفى مرتبة الانسانيّة خلق ذا قوّة عاقلة مدبّرة لامور أهل مملكته مسخّرة للواهمة المسخّرة للخيال المسخّر للمدارك والقوى الشّوقيّة المسخّرة للقوى المحرّكة المسخّرة للاعصاب والاوتار والعضلات والاعضاء فهو محتاج الى بقاء العاقلة بهذه الكيفيّة حتّى يحفظ الحقوق فالرّسول (ع) لا بدّ ان يأمر بما يحفظ هذه الكيفيّة بحيث يؤدّى بالانسان الى السّلوك الى الله وينهى عمّا يزيل تلك الكيفيّة، والمسكرات تماماً لمّا كانت مزيلة لتسخير العاقلة كان شأن الرّسول (ع) النّهى عنها كما ورد: انّه لم يكن شريعة من لدن آدم (ع) الاّ كانت ناهيةً عن الخمر، وفى زوال تدبير العاقلة وتسخيرها مفاسد عديدة ولذا سمّيت الخمر بأمّ الخبائث ولكن فيها منافع عديدة من تسمين البدن وتحليل الغذاء وجلاء الاعضاء وتفتيح السّدد وتشحيذ الذّهن وصفاء القلب وتهييج الحبّ والشّوق وتشجيع النّفس ومنع الشّحّ عنها وغير ذلك. بيان حرمة شرب دخان الافيون وامّا شرب دخان الافيون الّذى شاع فى زماننا فانّ فيه ازالة التدبير العاقلة وتسخيرها تدريجاً بحيث لا يعودان، بخلاف ازالة الخمر فانّ عاقلة السّكران بالخمر بعد الافاقة فى غاية التّدبير وسائر القوى فيه فى غاية القوّة والسّرعة فى امتثال امر العاقلة، وبشرب دخان الافيون ينبو العاقلة عن التّدبير ذاتاً وينبو الواهمة الّتى خلقت مدركة للمعانى الجزئيّة لان تدرك الالام واللّذّات الاخرويّة لتحرّك الشّوقيّة للتحريك الى الآخرة عن ادراك المعانى، والمتخيّلة الّتى خلقت متصرّفة فى المعانى والصور بضمّ بعضها الى بعض لاستتمام الجذب والدّفع فى معاشه ومعاده والخيال الّذى خلق حافظاً للصّور لحسن تدبير المعاش وتحصيل المعاد وحسن المعاملة مع العباد، والشوقيّة الّتى هى مركب سيره الى الآخرة ومعينة امره فى الدّنيا والمحرّكة الّتى هى مركب الشوقيّة والاعصاب الّتى هى مركب المحرّكة وفى نُبُوّ كلٍّ تعطيل لحقوق كثيرة؛ على انّ فيه اضراراً بالبدن واتلافاً للمال، واضرار البدن محسوس لكلّ احد بحيث يعرفون بسيماهم لا يحتاجون الى معرّف وسببه انّ دخان الافيون بكيفيّته ضدّ للحياة وانّه مطفئٌ للحرارة الغريزيّة مجفّف للرطوبة الغريزيّة مسدّد لمسامّ الاعضاء الّتى تنشف الرّطوبات الغريبة والرطوبة الغريزيّة معينة ومبقية للحرارة الغريزيّة الّتى هي معينة للحياة ومبقية لها والرطوبة الغريبة مفنية للحرارة الغريزيّة وانّ الله تعالى بحكمته جعل جزء الرئة جسماً متخلخلاً ذا مسامّ لينشف الرّطوبات الحاصلة فى فضاء الصّدر من الابخرة المتصاعدة من المعدة والكبد والقلب حتّى لا تجتمع تلك الرّطوبات فتتعفّن فتصير سبباً للبرسام والخراج وذات الجنب وذات الصّدر وذات الكبد وذات الرئة، ودخان الافيون يجعل الرئة متكاثفة ومسامّها ضيّقة فلا تنشف الرّطوبات كما ينبغى فيحدث الامراض المذكورة، ولقد شاهدنا كثيراً من المبتلين به قد ابتلوا بهذه الامراض وهلكوا، ففى دخان التّرياق مفاسد الخمر موجودة وفيه مضارّ اُخر عوض المنافع الّتى ذكرت فى الخمر فهو أشدّ حرمة بوجوه عديدة من الخمر فلعنة الله عليه وعلى شاربه. والاثم قد يطلق على ارتكاب المنهىّ وهو الاثم الشرعىّ وقد يطلق على ما فيه منقصة النّفس وهو المراد هاهنا لانّ الآية من مقدّمات النّهى لا انّها نزلت بعد النّهى عن الخمر والميسر وقد بينّا وجه منقصة النّفس الانسانيّة بارتكابهما، وشأن نزول الآية والاخبار الواردة فيها مذكورة فى المفصّلات من أرادها فليرجع اليها. {وَيَسْأَلُونَكَ} اتى باداة الوصل لمناسبته مع سابقه بخلاف {يسألونك عن الخمر والميسر} {مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ ٱلْعَفْوَ} والعفو ترك تعرّض المسيء بالسّوء، او الصّفح وتطهير القلب من الحقد عليه، وأطيب المال وخياره، وفضله وزيادته عن الحاجة، والمعروف والوسط بين الاقتار والاسراف، والميسور لا المجهود، وما يفضل عن قوت السّنة، والكلّ مناسب يجوز ارادته هاهنا {كَذٰلِكَ} التّبيين للمنفق بحيث لا يفسد مال المنفق ولا نفسه {يُبيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ} متعلّق بقوله تتفكّرون اى فى امر الدّنيا وشأنها فانّ فى مثل هذه الآيات والاحكام الشرعيّة حفظاً للدّنيا من وجهٍ وطرحاً لها من وجهٍ وتوجّهاً الى الدّنيا بوجهٍ والى الآخرة بوجهٍ ولكن يستفاد من كلّ ما ورد فى امر الدّنيا وتحصيلها وحفظها انّ المراد منه ليس الاّ استكمال الآخرة باستبقاء الدّنيا فشرع لكم الاحكام القالبيّة بحيث اعتبر فيها الدّنيا تقدمة للآخرة واخذها تقدمة لطرحها والآخرة اصلاً ومقصودة لعلّكم تتفكّرون فى امرهما فلا تتعلّقون بالدّنيا ولا تغفلون عن الآخرة، او لعلّكم تتفكّرون فى دنيا الاحكام وآخرتها يعنى فى جهتها الدّنيويّة وجهتها الاخرويّة حتّى تعلموا انّ جهتها الدّنيويّة ليست منظوراً اليها الاّ مقدّمة لجهتها الاخرويّة، او الظرف متعلّق بقوله يبيّن {لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ} جملة معترضة اى يبيّن الله لكم الآيات والاحكام فى امر الدّنيا وفى امر الآخرة. {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْيَتَامَىٰ} اى عن امر اليتامى والقيام بأمرهم وأموالهم ومخالطتهم فانّه ليس المقصود السّؤال عن ذوات اليتامى فانّه كما قيل وروى بعد نزول قوله: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ ٱلْيَتَامَىٰ ظُلْماً} تفسير : [النساء:10]، وقوله تعالى: {أية : وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ ٱلْيَتِيمِ إِلاَّ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} تفسير : [الأنعام:152] اشتدّ ذلك على من كان عنده يتيمٌ فسألوا رسول الله (ص) عن ذلك فقال الله تعالى له (ص) {قُلْ} يا محمّد {إِصْلاَحٌ لَّهُمْ} بحفظ نفوسهم وتربيتهم وتكميلهم وحفظ أموالهم وتنميتها وتوفيرها {خَيْرٌ} من الاهمال والاعراض حتّى يهلك نفوسهم ويتلف اموالهم {وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ} فى المسكن والمعاشرة او فى المأكول والمشروب او فى الاموال {فَإِخْوَانُكُمْ} فى الدّين اى فهم اخوانكم ومن حقّ الاخ على الاخ المخالطة وعدم الفرق بينه وبين نفسه بل ترجيحه على نفسه فى حفظ النّفس والمال والأكل والشّرب، فاحذروا من الخيانة وترجيح أنفسكم عليهم وافسادهم فى أنفسهم وأموالهم فان خنتم او أصلحتم فلكم الجزاء على حسبه {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ ٱلْمُفْسِدَ مِنَ ٱلْمُصْلِحِ} فلا يعزب شيءٌ عن علمه حتّى لم تجزوا بحسبه وقد ورد السّؤال كثيراً عن امر الايتام ومخالطتهم والدّخول على من عنده ايتام واكل الغذاء معهم وخدمة خادم الايتام لهم وغير ذلك وكانوا يجيبون بما حاصله انّه ان كان فيه صلاح الايتام فلا بأس والاّ فلا، بل الانسان على نفسه بصيرةٌ فيعلم قصده ونيّته من المخالطة والدّخول والأكل وغير ذلك {وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لأَعْنَتَكُمْ} فى امر الايتام بعدم التّرخيص فى المخالطة والامر بحفظ اموالهم وأنفسهم مع المداقّة فى امرهما {إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ} لا يمنعه مانع ممّا يشاء وممّا يحكم {حَكِيمٌ} لا يفعل الاّ ما اقتضته الحكمة واستعداد النّفوس واستحقاقها والجملة استئناف بيانىّ تعليل لتلازم الجزاء للشّرط ولرفع المقدم كأنّه قال: لو شاء الله لاعنتكم لأنّه عزيزٌ لا يمنع من مراده ولكنّه لم يشأ لانّه حكيم لا يفعل ما فيه مشقّة الانفس من غير استحقاق.

اطفيش

تفسير : {يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ} نزل فى مكة، ومن ثمرات النخيل. الخ، وكان المسلمون يشربون الخمر حلالا، وقال فى لمدينة عمر ومعاذ وجماعة من الأنصار: يا رسول الله، أفتنا فى الخمر والميسر، يذهبان العقل والمال، فنزل: يسئلونك عن الخمر والميسر، فتركهما قوم لقوله تعالى: {قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ} وبقى عليهما قوم لقوله تعالى {وَمَنَٰفِعُ لِلنَّاسِ} ثم أطعم عبدالرحمن بن عوف ناساً من أصحابه صلى الله عليه وسلم، وسقاهم الخمر، وصلى أحدهم بهم المغرب، وقرأ، يأيها الكافرون أعبد ما تعبدون، فنزل: لا تقربوا الصلاة، الآية، فكانوا يشربونها حين يصبحون قبل وقت الصلاة، وأطعم عثمان بن مالك رجالا، فيهم سعد بن أبى وقاص أس بعير مشويا وسقاهم خمرا، فافتخروا وأنشدوا وتسابوا، وأنشأ أحدهم قصيدة فى مدح قومه وهجاء الأنصار، فثج رجل من الأنصار رأس سعد بلحيى بعير موضحة، فشكاه سعد إليه صلى الله عليه وسلم، فقال عمر: انهينا يا ربنا، وذلك بعد الأحزاب بأيام، والتدريج ليركوا ما ألفوا، والحمر ما اشتد من عصير العنب لعة، وألحق بحكمه كل ما أسكر، وما أسكر كثيره فقليله حرام، وما أسكر الفرق منه فملء الكاف منه حرام، وتسميته خمراً فى حقيقة اللغة أو مجاز، وسميت خمراً لأنها تخمر العقل، أى تغطيه، كخمار المرأة، لما يستر وجهها أو رأسها، وكالخامر، وهو كاتم الشهادة، أو لأن أصلها يغطى حتى يشتد، أو لأنها تخالط العقل، يقال: خامره داء أى خالطه، أو لأن أصلها يترك حتى يدرك، كما يقال: اختمر العجين، أى بلغ إدراكه، أو لتغير ريحها، واللفظ فى الأصل مصدر، وليس بمعنى اسم الفاعل، ولا بمعنى اسم مفعول، ولا باقيا على المعنى المصدرى، بل هو اسم لذلك المائع المسكر، كما روى البخارى ومسلم وأبو داود والترمذى والنسائى وكل مسكر خمر، ورووا أن الخمر ما خامر العقل، وهى ما اشتد ثم سكن، وقيل: ما اشتد فهو خمر ولو أخذ قبل السكون؛ وقيل: إن سكن بنحو ماء صب فيه فهو حلال، وكل مفتر حرام، وعن ابن عمر، لو أدخلت أصبعى فيها لم تتبعنى، يعنى يقطعها، وعن على، لو وقعت قطرة من خمر فى بئر فبنيت فى مكانها منا ة لم أؤذن عليها. ولو وقعت فى بحر ثم جف، فنيت فيه الكلأ لم أرعه دابتى. والميسر أنواع: المخاطرة، كاللعب بالكعب والجوز والنرد والشطرنج وإلقاء السهام على أنه من خرج سهمه نحر حزوراً أو غيرها فتؤكل أو يحضر كذا طعاما ما يؤكل، سمى لأنه أخذ مال بيسير من الثلاثى، أو هو من أيسر صار ذا يسر بمال غيره، أو من أيسر بمعنى سلب اليسار عن من أخذ ماله فبنى بحذف الزائد، أو من أيسروا الشىء إذا اقتسموه، أو من يسر بمعنى وجب، بسبب القد تجعل الأزلام والأقلام الفذ والترأم، والرقيب والحالس والنافس والمسبل، والمعلى والمنيح، والسفيح، والوغد فى خريطة تكون بيد عدل يجلجلها، ثم يدخل يده فيخرج قدحا فيه اسم رجل، وكل من خرج اسمه فله نصيب من جزور مقسومة على ثمانية وعشرين، ومن خرج له قدح لا تصيب له لم يأخذ شيئاً، وغرم ثمن الجزور، ولا يأكل من أنصبائهم، بل كل الجزور للفقراء واللاتى لا نصيب لهن المنيح والسفيح والوغد {وَإِثْمُهُمَآ} من تضييع المال ووقوع الفتنة والشتم وقول الفحش والضرب والزنا وترك الصلاة والصوم {أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا} وهو تصفية اللون وزوال الهم وهضم الطعام، وتقوية الجماع والفرح والحمل على الشجاعة، والكرم إلا أنه يعقب الضعف ويثقب العظم، {وَيَسْئَلُونَكَ} سأله معاذ بن جبل وثعلبة وغيرهما، وقيل عمرو بن الجموح سأله فيما مضى، عن نوع ما ينفق وعلى من ينفق، وسأله، هناكم ينفق، وكان الرجل ينفق ماله كله حتى لا يجد ما يأكل هو وعياله {مَاذَا يُنْفِقُونَ} أى أقليلا أو كثيراً بدليل قوله {قُلِ الْعَفْوَ} أى ما تيسر بلا مشقة، كالفاضل من الحاجة من نفقة العيال. روى البزار حديث : أن رجلا أتى النبى صلى الله عليه وسلم بمثل بيضة الحمامة من ذهب، أى بمثل بيضة من ذهب، أصابها فى بعض المغازى، وفى رواية أبى داود وابن حبان ورواية للبزار، فى المغانم، وعلى كلن أعرض عنه صلى الله عليه وسلم حتى كرر مراراً، من يمينه ثم من يساره، ثم من خلفه، فقال هاتها مغضبا، فأخذها فحذفها حذفا، لو أصابه لشجه، أو لعقرته، أو لأوجعته، ثم قال: يأتى أحدكم بماله كله يتصدق به ويجلس يتكفف الناس، إنما الصدقة عن ظهر غنىتفسير : ، علم صلى الله عليه وسلم أنه ليس له إلا ذلك، وعلم أنه لا يصبر عن السؤال بكفه، أو أرشد إلى الأصلح، فحصل الجمع بينه وبين قوله: خير الصدقة جهد المقل، أى إذا كان يصبر ولا يتكفف، كما قيل عن أبى بكر فى أحيان جميع ما ملك غير بيته وما يستره، وعنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : خير الصدقة ما أبقت غنى، واليد العليا خير من السفى وابدأ بمن تعول" تفسير : تقول المرأة، أنفق على أو طلقنى، ويقول مملوكك، أنفق على أو بعنى، ويقول ولدك، إلى من تكلنى {كَذَٰلِكَ} أى كما بين لكم أن الأصلح صدقة العفو، أو مع ما مر من الأحكام من قوله: {أية : يسئلونك ماذا ينفقون قل ما أنفقتم من خير} تفسير : [البقرة: 215]. إلى هنا {يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الأَيَٰتِ} سائر الآيات التى تنزل بعد، أو مطلقاً، أى من شأنه التبيين، والمراد يأتى بها بينة أو الأمر، والكاف الأولى لرسول الله صلى الله عليه وسلم، أو لمن يصلح مطلقاً، وفى هذا الوجه الجمع ما صدقا، والثانية للمؤمنين، كما يقول الأمير لنائبه، أقول لك، افعلوا كذا، أى قل لهم افعلوا، أو أراد بالأولى الفريق {لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ}.

الالوسي

تفسير : {يَسْـئَلُونَكَ عَنِ ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ} قال الواحدي: نزلت في عمر بن الخطاب ومعاذ بن جبل ونفر من الأنصار أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: أفتنا في الخمر والميسر فإنهما مذهبة للعقل ومسلبة للمال فأنزل الله تعالى هذه الآية وفي بعض الروايات «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم المدينة وهم يشربون الخمر ويأكلون الميسر فسألوه عن ذلك فأنزل الله تعالى هذه الآية فقال قوم: ما حرما علينا فكانوا يشربون الخمر إلى أن صنع عبد الرحمن بن عوف طعاماً فدعا أناساً من الصحابة وأتاهم بخمر فشربوا وسكروا وحضرت صلاة المغرب فقدموا علياً كرم الله تعالى وجهه فقرأ {أية : قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلْكَافِرُونَ}تفسير : [الكافرون: 1] الخ بحذف (لا) فأنزل الله تعالى: {أية : لاَ تَقْرَبُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَأَنتُمْ سُكَـٰرَىٰ }تفسير : [النساء: 43] فقلّ من يشربها ثم اتخذ عتبان بن مالك صنيعاً ودعا رجالاً من المسلمين فيهم سعد بن أبـي وقاص وكان قد شوى لهم رأس بعير فأكلوا منه وشربوا الخمر حتى أخذت منهم ثم إنهم افتخروا عند ذلك/ وتناشدوا الأشعار فأنشد سعد ما فيه هجاء الأنصار وفخر لقومه فأخذ رجل من الأنصار لحي البعير فضرب به رأس سعد فشجه موضحة فانطلق سعد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وشكا إليه الأنصار فقال: اللهم بين لنا رأيك في الخمر بياناً شافياً فأنزل الله تعالى: {أية : إِنَّمَا ٱلْخَمْرُ وَٱلْمَيْسِرُ }تفسير : إلى قوله تعالى: {أية : فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ } تفسير : [المائدة: 90ـ91] وذلك بعد غزوة الأحزاب بأيام فقال عمر رضي الله تعالى عنه: انتهينا يا رب. وعن علي كرم الله تعالى وجهه لو وقعت قطرة منها في بئر فبنيت في مكانها منارة لم أؤذن عليها ولو وقعت في بحر ثم جف فنبت فيه الكلأ لم أرعه دابتي. وعن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما لو أدخلت أصبعي فيها لم تتبعني ـ وهذا هو الإيمان والتقى حقاً ـ. والخمر عند الإمام أبـي حنيفة رضي الله تعالى عنه التي من ماء العنب إذا غلى واشتد وقذف بالزبد وسميت بذلك لأنها تخمر العقل أي تستره ومنه خمار المرأة لستره وجهها، والخامر وهو من يكتم الشهادة، وقيل: لأنها تغطى حتى تشتد، ومنه «خمروا آنيتكم» أي غطوها، وقيل: لأنها تخالط العقل وخامره داء خالطه؛ وقيل: لأنها تترك حتى تدرك، ومنه اختمر العجين أي بلغ إدراكه وهي أقوال متقاربة، وعليها فالخمر مصدر يراد به اسم الفاعل أو المفعول ويجوز أن يبقى على مصدريته للمبالغة، وذهب الإمامان إلى عدم اشتراط القذف ويكفي الاشتداد لأن المعنى المحرم يحصل به، وللإمام أن الغليان بداية الشدة وكمالها بقذف الزبد وسكونه إذ به يتميز الصافي من الكدر وأحكام الشرع قطعية فتناط بالنهاية كالحد وإكفار المستحل وحرمة البيع، وأخذ بعضهم بقولهما في حرمة الشرب احتياطاً. ثم إطلاق الخمر على غير ما ذكر مجاز عندنا وهو المعروف عند أهل اللغة، ومن الناس من قال هو حقيقة في كل مسكر لما أخرج الشيخان وأبو داود والترمذي والنسائي: «حديث : كل مسكر خمر»تفسير : . وأخرج أبو داود نزل تحريم الخمر يوم نزل وهو من خمسة من العنب والتمر والحنطة والشعير والذرة، والخمر ما خامر العقل، وأخرج مسلم عن أبـي هريرة «حديث : الخمر من هاتين الشجرتين، ـ وأشار إلى الكرم والنخلة»تفسير : ـ وأخرج البخاري عن أنس «حرّمت الخمر حين حرمت وما يتخذ من خمر الأعناب إلا قليل، وعامة خمرنا البسر والتمر» ويمكن أن يجاب أن المقصود من ذلك كله بيان الحكم، وتعليم أن ما أسكر حرام ـ كالخمر ـ وهو الذي يقتضيه منصب الإرشاد ـ لا تعليم اللغات العربية ـ سيما والمخاطبون في الغاية القصوى من معرفتها؛ وما يقال: إنه مشتق من مخامرة العقل، وهي موجودة في كل مسكر لا يقتضي العموم، ولا ينافي كون الاسم خاصاً فيما تقدّم فإن النجم مشتق من الظهور، ثم هو اسم خاص للنجم المعروف ـ لا لكل ما ظهر ـ وهذا كثير النظير، وتوسط بعضهم فقال: إن الخمر حقيقة في لغة العرب في التي من ماء العنب إذا صار مسكراً، وإذا استعمل في غيره كان مجازاً إلا أنّ الشارع جعله حقيقة في كل مسكر شابه موضوعه اللغوي، فهو في ذلك حقيقة شرعية كالصلاة والصوم والزكاة في معانيها المعروفة شرعاً، والخلاف قوي ولقوّته ووقوع الإجماع على تسمية المتخذ من العنب خمراً دون المسكر من غيره أكفروا مستحل الأوّل، ولم يكفروا مستحل الثاني بل قالوا: إن عين الأوّل حرام غير معلول بالسكر ولا موقوف عليه، ومن أنكر حرمة العين وقال: إنّ السكر منه حرام لأنه به يحصل الفساد فقد كفر لجحوده الكتاب إذ سماه رجساً فيه والرجس محرّم العين فيحرم كثيره وإن لم يسكر ـ وكذا قليله ولو قطرة ـ ويحدّ شاربه مطلقاً، وفي الخبر «حديث : حرّمت الخمر لعينها»تفسير : وفي رواية «حديث : بعينها قليلها وكثيرها سواء»تفسير : والسكر من كل شراب، وقالوا: إنّ الطبخ لا يؤثر لأنه للمنع من ثبوت الحرمة ـ لا لرفعها بعد ثبوتها ـ إلا أنه لا يحد فيه ما لم يسكر منه بناءاً على أنّ الحدّ/ بالقليل النيئ خاصة ـ وهذا قد طبخ ـ وأمّا غير ذلك فالعصير إذا طبخ حتى يذهب أقل من ثلثيه وهو المطبوخ أدنى طبخة ـ ويسمى الباذق ـ والمنصف وهو ما ذهب نصفه بالطبخ فحرام عندنا إذا غلى واشتدّ وقذف بالزبد أو إذا اشتدّ على الاختلاف، وقال الأوزاعي وأكثر المعتزلة: إنه مباح لأنه مشروب طيب ـ وليس بخمر ـ ولنا أنه رقيق ملد مطرب، ولذا يجتمع عليه الفساق فيحرم شربه رفعاً للفساد المتعلق به، وأمّا نقيع التمر وهو السكر ـ وهو النيء من ماء التمر ـ فحرام مكروه، وقال شريك: إنه مباح للامتنان ولا يكون بالمحرّم، ويرده إجماع الصحابة، والآية محمولة على الابتداء كما أجمع عليه المفسرون، وقيل: أراد بها التوبيخ أي: (أتتخذون منه سكراً وتدعون رزقاً حسناً) وأمّا نقيع الزبيب ـ وهو النيئ من ماء الزبيب ـ فحرام إذا اشتدّ وغلى، وفيه خلاف الأوزاعي، ونبيذ الزبيب والتمر إذا طبخ كل واحد منهما أدنى طبخة حلال، وإن اشتدّ إذا شرب منه ما يغلب على ظنه أنه لا يسكر من غير لهو ولا طرب عند أبـي حنيفة وأبـي يوسف، وعند محمد والشافعي حرام، ونبيذ العسل والتين والحنطة والذرة والشعير وعصير العنب إذا طبخ وذهب ثلثاه حلال عند الإمام الأول والثاني، وعند محمد والشافعي حرام أيضاً، وأفتى المتأخرون بقول محمد في سائر الأشربة، وذكر ابن وهبان أنه مروي عن الكل ونظم ذلك فقال:شعر : وفي عصرنا فاختير حد وأوقعوا طلاقاً لمن من مسكر الحب يسكر وعن كلهم يروى وأفتى محمد بتحريم ما قد ـ قلّ ـ وهو المحرر تفسير : وعندي أنّ الحق الذي لا ينبغي العدول عنه أنّ الشراب المتخذ مما عدا العنب كيف كان وبأي اسم سمي متى كان بحيث يسكر من لم يتعوّده حرام ـ وقليله ككثيره ـ ويحدّ شاربه ويقع طلاقه ونجاسته غليظة. وفي الصحيحين أنه صلى الله عليه وسلم سئل عن النقيع ـ وهو نبيذ العسل ـ فقال: «حديث : كل شراب أسكر فهو حرام» تفسير : وروى أبو داود «حديث : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كل مسكر ومفتر» تفسير : وصح «حديث : ما أسكر كثيره فقليله حرام»تفسير : وفي حديث آخر: «حديث : ما أسكر الفرق منه فملء الكف منه حرام» تفسير : والأحاديث متظافرة على ذلك، ولعمري إنّ اجتماع الفساق في زماننا على شرب المسكرات مما عدا الخمر ورغبتهم فيها فوق اجتماعهم على شرب الخمر ورغبتهم فيه بكثير، وقد وضعوا لها أسماء ـ كالعنبرية والإكسير ـ ونحوهما ظناً منهم أنّ هذه الأسماء تخرجها من الحرمة وتبيح شربها للأمّة ـ وهيهات هيهات ـ الأمر وراء ما يظنون، فإنا لله وإنا إليه راجعون، نعم حرمة هذه الأشربة دون حرمة الخمر حتى لا يكفر مستحلها كما قدّمنا لأنها اجتهادية، ولو ذهب ذاهب إلى القول بالتكفير لم يبق في يده من الناس اليوم إلا قليل. والميسر مصدر ميمي من ـ يسر ـ كالموعد والمرجع يقال: يسرته إذا قمرته واشتقاقه إمّا من ـ اليسر ـ لأنه أخذ المال بيسر وسهولة، أو من ـ اليسار ـ لأنه سلب له، وقيل: من يسروا الشيء إذا اقتسموه، وسمي المقامر ـ ياسراً ـ لأنه بسبب ذلك الفعل يجزىء لحم الجزور، وقال الواحدي: من يسر الشيء إذا وجب، والياسر الواجب بسبب القدح، وصفته أنه كانت لهم عشرة أقداح هي: الأزلام والأقلام الفذ والتوأم والرقيب والحلس والنافس والمسبل والمعلى والمنيح والسفيح والوغد لكل واحد منها نصيب معلوم من جزور ينحرونها ويجزءونها ثمانية وعشرين إلا الثلاثة وهو المنيح والسفيح والوغد، للفذ سهم، وللتوأم سهمان، وللرقيب ثلاثة، وللحلس أربعة، وللنافس خمسة، وللمسبل ستة وللمعلى سبعة يجعلونها في الربابة ـ وهي خريطة ـ ويضعونها على يدي عدل ثم/ يجلجلها ويدخل يده فيخرج باسم رجل رجل قدحاً منها، فمن خرج له قدح من ذوات الأنصباء أخذ النصيب الموسوم به ذلك القدح، ومن خرج له قدح مما لا نصيب له لم يأخذ شيئاً وغرم ثمن الجزور كله مع حرمانه، وكانوا يدفعون تلك الأنصباء إلى الفقراء ولا يأكلون منها، ويفتخرون بذلك ويذمّون من لم يدخل فيه ويسمونه البرم. ونقل الأزهري كيفية أخرى لذلك ولم يذكر ـ الوغد ـ في الأسماء بل ذكر غيره، والذي اعتمده الزمخشري وكثيرون ما ذكرناه، وقد نظم بعضهم هذه الأسماء فقال:شعر : كل سهام الياسرين عشرة فأودعوها صحفاً منشره لها فروض ولها نصيب الفذ والتوأم والرقيب والحلس يتلوهنّ ثم النافس وبعده مسبلهن السادس ثم المعلى كاسمه المعلى صاحبه في الياسرين الأعلى والوغد والسفيح والمنيح غفل فما فيما يرى ربيح تفسير : وفي حكم ذلك جميع أنواع القمار من النرد والشطرنج وغيرهما حتى أدخلوا فيه لعب الصبيان بالجوز والكعاب والقرعة في غير القسمة وجميع أنواع المخاطرة والرهان، وعن ابن سيرين ـ كل شيء فيه خطر فهو من الميسر ـ ومعنى الآية يسألونك عما في تعاطي هذين الأمرين، ودل على التقدير بقوله تعالى: {قُلْ فِيهِمَا} إذ المراد في تعاطيهما بلا ريب {إِثْمٌ كَبِيرٌ} من حيث إن تناولهما مؤدّ إلى ما يوجب ـ الإثم ـ وهو ترك المأمور، وفعل المحظور {وَمَنَـٰفِعُ لِلنَّاسِ} من اللذة والفرح وهضم الطعام وتصفية اللون وتقوية الباه وتشجيع الجبان وتسخية البخيل وإعانة الضعيف، وهي باقية قبل التحريم وبعده، وسلبها بعد التحريم مما لا يعقل ولا يدل عليه دليل، وخبر «حديث : ما جعل الله تعالى شفاء أمّتي فيما حرّم عليها»تفسير : لا دليل فيه عند التحقيق كما لا يخفى. {وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا} أي المفاسد التي تنشأ منها أعظم من المنافع المتوقعة فيهما، فمن مفاسد الخمر إزالة العقل الذي هو أشرف صفات الإنسان، وإذا كانت عدوّة للأشرف لزم أن تكون أخس الأمور لأن العقل إنما سمي عقلاً لأنه يعقل ـ أي يمنع صاحبه عن القبائح التي يميل إليها بطبعه ـ فإذا شرب زال ذلك العقل المانع عن القبائح وتمكن إلفها ـ وهو الطبع ـ فارتكبها وأكثر منها، وربما كان ضحكة للصبيان حتى يرتد إليه عقله. ذكر ابن أبـي الدنيا أنه مرّ بسكران وهو يبول بيده ويغسل به وجهه كهيأة المتوضىء ويقول: الحمد لله الذي جعل الإسلام نوراً والماء طهوراً. وعن العباس بن مرداس أنه قيل له في الجاهلية: ألا تشرب الخمر فإنها تزيد في حرارتك؟ فقال: ما أنا بآخذ جهلي بيدي فأدخله جوفي، ولا أرضى أن أصبح سيد قوم وأمسي سفيههم، ومنها صدّها عن ذكر الله تعالى وعن الصلاة وإيقاعها العداوة والبغضاء غالباً. وربما يقع القتل بين الشاربين في مجلس الشرب، ومنها أن الإنسان إذا ألفها اشتد ميله إليها وكاد يستحيل مفارقته لها وتركه إياها، وربما أورثت فيه أمراضاً كانت سبباً لهلاكه، وقد ذكَر الأطباء لها مضار بدنية كثيرة كما لا يخفى على من راجع «كتب الطب»، وبالجملة لو لم يكن فيها سوى إزالة العقل والخروج عن حد الاستقامة لكفي فإنه إذا اختل العقل حصلت الخبائث بأسرها، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: «حديث : اجتنبوا الخمر فإنها أم الخبائث»تفسير : ولم يثبت أن الأنبياء عليهم السلام شربوها في وقت أصلاً. ومن مفاسد الميسر أن فيه أكل الأموال بالباطل وأنه يدعو كثيراً/ من المقامرين إلى السرقة وتلف النفس وإضاعة العيال وارتكاب الأمور القبيحة والرذائل الشنيعة والعداوة الكامنة والظاهرة، وهذا أمر مشاهد لا ينكره إلا من أعماه الله تعالى وأصمه، ولدلالة الآية على أعظمية المفاسد ذهب بعض العلماء إلى أنها هي المحرمة للخمر فإن المفسدة إذا ترجحت على المصلحة اقتضت تحريم الفعل وزاد بعضهم على ذلك بأن فيها الإخبار بأن فيها الإثم الكبير، والإثم إما العقاب أو سببه، وكل منهما لا يوصف به إلا المحرم، والحق أن الآية ليست نصاً في التحريم كما قال قتادة، إذ للقائل أن يقول: الإثم بمعنى المفسدة، وليس رجحان المفسدة مقتضياً لتحريم الفعل بل لرجحانه، ومن هنا شربها كبار الصحابة رضي الله تعالى عنهم بعد نزولها، وقالوا: إنما نشرب ما ينفعنا، ولم يمتنعوا حتى نزلت آية المائدة فهي المحرمة من وجوه كما سيأتي إن شاء الله تعالى، وقرىء (إثم كثير) بالمثلثة، وفي تقديم الإثم ووصفه بالكبر أو الكثرة وتأخير ذكر المنافع مع تخصيصها بالناس من الدلالة على غلبة الأول ما لا يخفى، وقرأ أبـيّ (وإثمهما أقرب من نفعهما). {وَيَسْـئَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ} أخرج ابن إسحق عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه أن نفراً من الصحابة أمروا بالنفقة في سبيل الله تعالى أتوا النبـي صلى الله عليه وسلم فقالوا: إنا لا ندري ما هذه النفقة التي أمرنا بها في أموالنا فما ننفق منها فنزلت، وكان قبل ذلك ينفق الرجال ماله حتى ما يجد ما يتصدق، ولا ما يأكل حتى يتصدق عليه، وأخرج ابن أبـي حاتم من طريق أبان عن يحيـى أنه بلغه أن معاذ بن جبل وثعلبة أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالا: يا رسول الله إن لنا أرقاء وأهلين فما ننفق من أموالنا فأنزل الله تعالى هذه الآية، وهي معطوفة على {يَسْـئَلُونَكَ} قبلها عطف القصة على القصة، وقيل: نزلت في عمرو بن الجموح كنظيرتها، وكأنه سئل أولاً عن المنفق والمصرف ثم سئل عن كيفية الإنفاق بقرينة الجواب فالمعنى يسألونك عن صفة ما ينفقونه {قُلِ ٱلْعَفْوَ} أي صفته أن يكون عفواً فكلمة {مَا} للسؤال عن الوصف كما يقال ما زيد؟ فيقال كريم إلا أنه قليل في الاستعمال وأصل العفو نقيض الجهد، ولذا يقال ـ للأرض الممهدة السهلة الوطء ـ عفو، والمراد به ما لا يتبين في الأموال، وفي رواية عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما الفضل من العيال، وعن الحسن ما لا يجهد، أخرج الشيخان وأبو داود والنسائي عن أبـي هريرة عن النبـي صلى الله عليه وسلم: «حديث : خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى وابدأ بمن تعول»تفسير : وأخرج ابن خزيمة عنه أيضاً أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : خير الصدقة ما أبقت غنى واليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول تقول المرأة أنفق عليّ أو طلقني، ويقول مملوكك أنفق عليّ أو بعني، ويقول ولدك إلى من تكلني»تفسير : وأخرج ابن سعد عن جابر قال: قدم أبُو حصين السلمي بمثل بيضة الحمامة من ذهب فقال: «حديث : يا رسول الله أصبت هذه من معدن فخذها فهي صدقة ما أملك غيرها فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أتاه من قبل ركنه الأيمن فقال له مثل ذلك فأعرض عنه ثم أتاه من ركنه الأيسر فأعرض عنه ثم أتاه من خلفه فأخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم فحذفه بها فلو أصابته لأوجعته أو لعقرته فقال: يأتي أحدكم بما يملك فيقول: هذه صدقة ثم يقعد يتكفف الناس خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى وابدأ بمن تعول»تفسير : . وقرأ أبو عمرو بالرفع بتقدير المتبدأ على أن {مَاذَا يُنفِقُونَ} مبتدأ وخبر، والباقون بالنصب بتقدير الفعل، و (ماذا) مفعول {يُنفِقُونَ} ليطابق الجواب السؤال. {كَذٰلِكَ يُبيّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلآيَـٰتِ} أي مثل ما بين أن العفو أصلح من الجهد لأنه أبقى للمان وأكثر نفعاً في الآخرة فالمشار إليه ما يفهم من قوله سبحانه: {قُلِ ٱلْعَفْوَ} وإيراد صيغة البعيد مع قربه لكونه/ معنى متقدم الذكر، ويجوز أن يكون المشار إليه جميع ما ذكر من قوله سبحانه: {يَسْـئَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ} إذ لا مخصص مع كون التعميم أفيد والقرب إنما يرجح القريب على ما سواه فقط وجعل المشار إليه قوله عز شأنه: {وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا} على ما فيه لا يخفى بعده، والكاف في موضع النصب صفة لمحذوف، واللام في (الآيات) للجنس أي يبين لكم الآيات المشتملة على الأحكام تبييناً مثل هذا التبيين إما بإنزالها واضحة الدلالة، أو بإزالة إجمالها بآية أخرى أو ببيان من قبل الرسول صلى الله عليه وسلم وكان مقتضى الظاهر أن يقال ـ كذلك ـ على طبق (لكم) لكنه وحد بتأويل نحو القبيلة، أو الجمع مما هو مفرد اللفظ جمع المعنى روماً للتخفيف لكثرة لحوق علامة الخطاب باسم الإشارة، وقيل: إن الإفراد للإيذان بأن المراد به كل من يتلقى الكلام كما في قوله تعالى: {أية : ثُمَّ عَفَوْنَا عَنكُمِ مّن بَعْدِ ذٰلِكَ } تفسير : [البقرة: 52] وفيه أنه يلزم تعدد الخطاب في كلام واحد من غير عطف وذا لا يجوز كما نص عليه الرضي {لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ} أي في الآيات فتستنبطوا الأحكام منها وتفهموا المصالح والمنافع المنوطة بها وبهذا التقدير حسن كون ترجي التفكر غاية لتبيين الآيات.

ابن عاشور

تفسير : استئناف لإبطال عملين غالبين على الناس في الجاهلية وهما شرب الخمر والميسر وهذا من عداد الأحكام التي بينها في هاته السورة مما يرجع إلى إصلاح الأحوال التي كان عليها الناس في الجاهلية، والمشروع في بيانها من قوله تعالى: { أية : يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى يَسْـأَلُونَكَ عَنِ ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَـٰفِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا } تفسير : [البقرة: 178] إلى آخر السورة، عدا ما تخلل ذلك من الآداب والزواجر والبشائر والمواعظ والأمثال والقصص؛ على عادة القرآن في تفنن أساليبه تنشيطاً للمخاطبين والسامعين والقارئين ومن بلغ، وقد تناسقت في هذه الآية. والسائلون هم المسلمون؛ قال الواحدي: نزلت في عمر بن الخطاب ومعاذ بن جبل ونفر من الأنصار أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله أفتنا في الخمر فإنها مذهبة للعقل متلفة للمال، فنزلت هذه الآية، قال في «الكشاف»: فلما نزلت هذه الآية ترك الخمر قوم وشربها آخرون ثم نزلت بعدها آية المائدة (90): { أية : يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر }. تفسير : وشرب الخمر عمل متأصل في البشر قديماً لم تحرمه شريعة من الشرائع لا القدر المسكر بله ما دونه، وأما ما يذكره علماء الإسلام أن الإسكار حرام في الشرائع كلها فكلام لا شاهد لهم عليه بل الشواهد على ضده متوافرة، وإنما جرأهم على هذا القول ما قعدوه في أصول الفقه من أن الكليات التشريعية وهي حفظ الدين والنفس والعقل والنسب والمال والعرض هي مما اتفقت عليه الشرائع، وهذا القول وإن كنا نساعد عليه فإن معناه عندي أن الشرائع كلها نظرت إلى حفظ هاته الأمور في تشريعاتها، وأما أن تكون مراعاة باطراد في غير شريعة الإسلام فلا أحسب ذلك يتم، على أن مراعاتها درجات، ولا حاجة إلى البحث في هذا بيد أن كتب أهل الكتاب ليس فيها تحريم الخمر ولا التنزيه عن شربها، وفي التوراة التي بيد اليهود أن نوحاً شرب الخمر حتى سكر، وأن لوطاً شرب الخمر حتى سكر سكراً أفضى بزعمهم إلى أمر شنيع، والأخير من الأكاذيب؛ لأن النبوءة تستلزم العصمة، والشرائع وإن اختلفت في إباحة أشياء فهنالك ما يستحيل على الأنبياء مما يؤدي إلى نقصهم في أنظار العقلاء، والذي يجب اعتقاده: أن شرب الخمر لا يأتيه الأنبياء؛ لا يشربها شاربوها إلا للطرب واللهو والسكر، وكل ذلك مما يتنزه عنه الأنبياء ولأنها يشربونها لقصد التقوى لقلة هذا القصد من شربها. وفي سفر اللاويين من التوراة وكلم الله هارون قائلاً: خمراً ومسكراً لا تشرب أنت وبنوك معك عند دخولكم إلى خيمة الاجتماع لكي لا تموتوا. فرضاً دهرياً في أجيالكم وللتمييز بين المقدس والمحلَّل وبين النجس والطاهر. وشيوع شرب الخمر في الجاهلية معلوم لمن علم أدبهم وتاريخهم فقد كانت الخمر قوام أود حياتهم، وقصارى لذَّاتهم ومسرة زمانهم وملهى أوقاتهم، قال طرفة: شعر : ولولا ثلاثٌ هُنَّ من عِيشة الفتى وجدك لم أحفل متى قام عُوَّدِي فمنهن سبقي العاذلات بشَربة كُمَيْتٍ متى ما تُعْلَ بالماءِ تُزْبِدِ تفسير : وعن أنس بن مالك: حرمت الخمر ولم يكن يومئذٍ للعرب عيش أعجب منها، وما حرم عليهم شيء أشد عليهم من الخمر. فلا جرَم أن جاء الإسلام في تحريمها بطريقة التدريج فأقر حقبةً إباحة شربها وحسبكم في هذا الامتنانُ بذلك في قوله تعالى: { أية : ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكراً ورزقاً حسناً } تفسير : [النحل: 67] على تفسير من فسر السَّكَر بالخمر. وقيل السَّكَر: هو النبيذ غير المسكر، والأظهر التفسير الأول. وآية سورة النحل نزلت بمكة، واتفق أهل الأثر على أن تحريم الخمر وقع في المدينة بعد غزوة الأحزاب بأيام، أي في آخر سنة أربع أو سنة خمس على الخلاف في عام غزوة الأحزاب. والصحيح الأول، فقد امتن الله على الناس بأن اتخذوا سكراً من الثمرات التي خلقها لهم، ثم إن الله لم يهمل رحمته بالناس حتى في حملهم على مصالحهم فجاءهم في ذلك بالتدريج، فقيل: إن آية سورة البقرة هذه هي أول آية آذنت بما في الخمر من علة التحريم، وأن سبب نزولها ما تقدم، فيكون وصفها بما فيها من الإثم والمنفعة تنبيهاً لهم، إذ كانوا لا يذكرون إلاّ محاسنها فيكون تهيئة لهم إلى ما سيرد من التحريم، قال البغوي: إنه لما نزلت هذه الآية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « حديث : إن الله تَقَدَّم في تحريم الخمر » تفسير : أي ابتدأَ يُهيىء تحريمها يقال: تقدمت إليك في كذا أي عرضتُ عليك، وفي «تفسير ابن كثير»: أنها ممهدة لتحريم الخمر على البتات ولم تكن مصرحة بل معرضة أي معرضة بالكف عن شربها تنزهاً. وجمهور المفسرين على أن هذه الآية نزلت قبل آية سورة النساء وقبل آية سورة المائدة، وهذا رأي عمر بن الخطاب كما روى أبو داود، وروَى أيضاَ عن ابن عباس أنّه رأى أن آية المائدة نسخت { أية : يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى } تفسير : [النساء: 43]، ونسخت آية {يسألونك عن الخمر والميسر}، ونُسب لابن عمر والشعبي ومجاهد وقتادة والربيع بن أنس وعبد الرحمٰن بن زين بن أسلم. وذهب بعض المفسرين إلى أن آية البقرة هذه ثبت بها تحريم الخمر فتكون هذه الآية عندهم نازلة بعد آية سورة النساء {يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى} وإذ كانت سورة البقرة قد نزلت قبل سورة النساء وسورة المائدة، فيجيء على قول هؤلاء أن هذه الآية نزلت بعد نزول سورة البقرة وأنها وضعت هنا إلحاقاً بالقضايا التي حكى سؤالهم عنها. وأن معنى {فيهما إثم كبير} في تعاطيهما بشرب أحدهما واللعب بالآخر ذنب عظيم، وهذا هو الأظهر من الآية؛ إذ وُصف الإثم فيها بوصف كبير فلا تكون آية سورة العقود إلاّ مؤكدة للتحريم ونصاً عليه؛ لأن ما في آيتنا هذه من ذكر المنافع ما قد يتأوّله المتأوّلون بالعذر في شربها، وقد روي في بعض الآثار أنّ ناساً شربوا الخمر بعد نزول هذه الآية فصلّى رجلان فجعلا يهجران كلاماً لا يُدْرَى ما هو، وشرِبها رجل من المسلمين فجعل ينوح على قتلى بدر من المشركين، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فجاءه فزعاً ورفع شيئاً كان بيده ليضربه فقال الرجل: أعوذ بالله من غضب الله ورسوله وآلى: لا أطعمها أبداً، فأنزل الله تحريمها بآية سورة المائدة. والخمر اسم مشتق من مصدر خَمَر الشيءَ يخمرُه من باب نصر إذا ستَره، سمي به عصير العنب إذا غلَى واشتد وقذف بالزبد فصار مسكراً؛ لأنه يَستر العقل عن تصرفه الخَلْقي تسمية مجازية وهي إما تسمية بالمصدر، أو هو اسم جاء على زِنة المصدر وقيل: هو اسم لكل مشروب مسكر سواء كان عصير عنب أوْ عصير غيره أو ماء نبذ فيه زبيب أو تمر أو غيرهما من الأنبذة وتُرك حتى يختمر ويُزبد، واستظهره صاحب «القاموس». والحق أن الخمر كل شراب مسكر إلا أنه غلب على عصير العنب المسكر؛ لأنهم كانوا يتنافسون فيه، وأن غيره يطلق عليه خَمر ونبيذ وفضيخ، وقد وردت أخبار صحيحة تدل على أن معظم شراب العرب يوم تحريم الخمر من فضيخ التمر، وأن أشربة أهل المدينة يومئذ خمسة غير عصير العنب، وهي من التمر والزبيب والعسل والذرة والشعير وبعضها يسمى الفضيخ، والنقيع، والسُّكَرْكَةَ، والبِتْع. وما ورد في بعض الآثار عن ابن عمر: نزل تحريم الخمر وبالمدينة خمسة أشربة ما فيها شراب العنب، معناه ليس معدوداً في الخمسة شرابُ العنب لقلة وجوده وليسر المراد أن شراب العنب لا يوجد بالمدينة. وقد كان شراب العنب يجلب إلى الحجاز ونجد من اليمن والطائف والشام قال عَمرو ابن كلثوم: شعر : ولا تُبِقي خُمور الأَنْدَرِين وأندرين بلد من بلاد الشام تفسير : وقد انبنى على الخلاف في مسمى الخمر في كلام العرب خلاف في الأحكام، فقد أجمع العلماء كلهم على أن خمر العنب حرام كثيرها إجماعاً وقليلها عند معظم العلماء ويحد شارب الكثير منها عند الجمهور وفي القليل خلاف كما سيأتي في سورة المائدة إن شاء الله تعالى، ثم اختلفوا فيما عداها فقال الجمهور: كل شراب أسكر كثيره فقليله حرام وحكمه كحكم الخمر في كل شيء أخذاً بمسمى الخمر عندهم، وبالقياس الجلي الواضح أن حكمة التحريم هي الإسكار وهو ثابت لجميعها وهذا هو الصواب. وقال أبو حنيفة وأبو يوسف وسفيان الثوري: يختص شراب العنب بتلك الأحكام أما ما عداه فلا يحرم منه إلا القدر المسكر، هكذا ينقل المخالفون عن أبي حنيفة، وكان العلماء في القديم ينقلون ذلك مطلقاً حتى ربما أوهم نقلهم أنه لا يرى على من سكر بغير الخمر شيئاً، ويزيد ذلك إيهاماً قاعدة أن المأذون فيه شرعاً لا يتقيد بالسلامة وربما عضدوا ذلك بمنقول قصص وحوادث كقول أبي نواس: شعر : أباح العراقي النبيذ وشربه وقال: حَرامان؛ المدامة والسَّكْرُ تفسير : ولكن الذي استقر عليه الحنفية هو أن الأشربة المسكرة قسمان، أحدهما محرم شربه وهو أربعة: (الخمر) وهو النيء من عصير العنب إذا غلَى واشتد وقذَف بالزبد، (والطِلاء) بكسر الطاء وبالمد وهو عصير العنب إذا طبخ حتى ذهب أقل من ثلثيه ثم ترك حتى صار مسكراً، (والسَّكَر) بفتح السين والكاف وهو النيء من ماء الرطب أي من الماء الحار المصبوب على الرطب ثم يصير مسكراً، (والنقيع) وهو النيء من نبيذ الزبيب، وهذه الأربعة حرام قليلها وكثيرها ونجسة العين لكن الخمر يكفر مستحلها ويحد شارب القليل والكثير منها، وأما الثلاثة الباقية فلا يكفر مستحلها ولا يحد شاربها إلا إذا سكر. القسم الثاني الأشربة الحلال شربها وهي نبيذ التمر والزبيب إذا طبخ ولو أدنى طبخة، ونبيذ الخليطين منهما إذا طبخ أدنى طبخة، ونبيذ العسل والتين والبُرّ والشعير والذُّرة طُبخ أم لم يطبخ. والمثلث وهو ما طبخ من ماء العنب حتى ذهب ثلثاه وبقي ثلثه، فهذه الأربعة يحل شربها؛ إذا لم يقصد به اللهو والطرب بل التقوي على العبادة (كذا) أو إصلاح هضم الطعام أو التداوي وإلا حرمت ولا يحد شاربها إلا إذا سكر. وهذا التفصيل دليله القياس، لأن هذه الأشربة لم يبق فيها الإسكار المعتاد، وأما الحد فلا وجه للتفصيل فيه لأنه إن كان على السكر فالجميع سواء في الإسكار، على أنه يلزم ألاّ يكون الحد إلا عند حصول السكر وليس في الآثار ما يشهد لغير ذلك، وإن كان الحد لسد الذريعة فلا أرى أن قاعدة سد الذريعة تبلغ إلى حد مرتكب الذريعة قبل حصول المتذرع إليه. وتَمسكُّ الحنفية لهذا التفصيل بأن الأنبذة شربها الصحابة هو تمسك أوهى مما قبله، إذ الصحابة يحاشون عن شرب المسكرات وإنما شربوا الأنبذة قبل اختمارها، واسم النبيذ يطلق على الحلو والمختمر فصار اللفظ غير منضبط، وقد خالف محمد بن الحسن إمامه في ذلك فوافق الجمهور. وربما ذكر بعضهم في الاستدلال أن الخمر حقيقة في شراب العنب النيء مجاز في غيره من الأنبذة والشراب المطبوخ، وقد جاء في الآية لفظ الخمر فيحمل على حقيقته وإلحاقُ غيره به إثبات اللغة بالقياس، وهذا باطل، لأن الخلاف في كون الخمر حقيقة في شراب العنب أو في الأعم خلاف في التسمية اللغوية والإطلاق، فبقطع النظر عنه كيف يظن المجتهد بأن الله تعالى يحرم خصوص شراب العنب ويترك غيره مما يساويه في سائر الصفات المؤثرة في الأحكام. فإن قالوا: إن الصفة التي ذكرت في القرآن قد سوينا فيها جميع الأشربة وذلك بتحريم القدر المسكر وبقيت للخمر أحكام ثبتت بالسنة كتحريم القليل والحد عليه أو على السُّكر فتلك هي محل النظر، قلنا: هذا مصادرة لأننا استدللنا عليهم بأنه لا يظن بالشارع أن يفرق في الأحكام بين أشياء متماثلة في الصفات، على أنه قد ثبت في «الصحيح» ثبوتاً لا يدع للشك في النفوس مجالاً أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « حديث : إن الخمر من العصير والزبيب والتمر والحنطة والشعير والذرة » تفسير : رواه النعمان بن بشير وهو في «سنن أبي داود» وقال: « حديث : الخمر من هاتين الشجرتين النخلة والعنبة » تفسير : رواه أبو هريرة وهو في «سنن أبي داود»، وقال: « حديث : كل مسكر خمر وكل مسكر حرام » تفسير : رواه ابن عمر في «سنن الترمذي»، وقال أنس: لقد حُرِّمت الخمر وما نجد شراب العنب إلا قليلاً، وعامة شرابنا فضيخ التمر. كما في «سنن الترمذي». وأما التوسع في الخمر بعد الطبخ، فهو تشويه للفقه ولطخ، وماذا يفيد الطبخ إن كان الإسكار لم يزل موجوداً. وصف الله الخمر بأن فيها إثماً كبيراً ومنافع. والإثم: معصية الله بفعل ما فيه فساد ولا يرضى الله، وأشار الراغب إلى أن في اشتقاق الإثم معنى الإبطاء عن الخير، وقال ابن العربي في تفسير سورة الأعراف: الإثم عبارة عن الذم الوارد في الفعل، فكأنه يشير إلى أن الإثم ضد الثواب، وظاهر اصطلاح الشريعة أن الإثم هو الفعل المذموم في الشرع، فهو ضد القربة فيكون معنى {فيهما إثم كبير} أنهما يتسبب منهما ما هو إثم في حال العربدة وحال الربح والخسارة من التشاجر. وإطلاق الكبير على الإثم مجاز، لأنه ليس من الأجسام، فالمراد من الكبير: الشديد في نوعه كما تقدم آنفاً. وجيء بفي الدالة على الظرفية لإفادة شدة تعلق الإثم والمنفعة بهما؛ لأن الظرفية أشد أنواع التعلق، وهي هنا ظرفية مجازية شائعة في كلام العرب، وجعلت الظرفية متعلقة بذات الخمر والميسر للمبالغة، والمراد في استعمالهما المعتاد. واختير التعبير بالإثم للدلالة على أنه يعود على متعاطي شربها بالعقوبة في الدنيا والآخرة. وقرأ الجمهور {إثم كبير} بموحَّدَة بعد الكاف وقرأه حمزة والكسائي (كثير) بالثاء المثلثة، وهو مجازاً استعير وصف الكثير للشديد تشبيهاً لقوة الكيفية بوفرة العدد. والمنافع: جمع منفعة، وهي اسم على وزن مَفعلة وأصله يحتمل أن يكون مصدراً ميمياً قصد منه قوة النفع، لأن المصدر الميمي أبلغ من جهة زيادة المبنى. ويحتمل أن يكون اسم مكان دالاً على كثرة ما فيه كقولهم مَسْبَعة ومَقْبَرة أي يكثر فيهما النفع من قبيل قولهم مَصْلَحة ومَفْسَدة، فالمنفعة على كل حال أبلغ من النفع. والإثم الذي في الخمر نشأ عما يترتب على شربها تارة من الإفراط فيه والعربدة من تشاجر يجر إلى البغضاء والصد عن سبيل الله وعن الصلاة، وفيها ذهاب العقل والتعرض للسخرية، وفيها ذهاب المال في شربها، وفي الإنفاق على الندامى حتى كانوا ربما رهنوا ثيابهم عند الخمارين قال عُمارة بن الوليد بن المغيرة المخزومي: شعر : ولسنا بشَرْبٍ أمَّ عمرو إذَا انْتَشَوْا ثِيابُ الندامَى عندهم كالمغانم ولكننا يا أمَّ عمرو نديمنا بمنزلة الريَّان ليس بعائم تفسير : وقال عنترة:شعر : وإذا سَكِرْتُ فإنني مُستهلك مالي وعِرضي وافِرٌ لم يُكْلَمِ تفسير : وكانوا يشترون الخمر بأثمان غالية ويعدون المماكسة في ثمنها عيباً، قال لبيد: شعر : أُغْلِي السِّبَاءَ بكل أَدْكَنَ عَاتِقٍ أَوْ جَوْنَةٍ قُدِحَتْ وفُضَّ خِتَامُها تفسير : ومن آثامها ما قرره الأطباء المتأخرون أنها تورث المدمنين عليها أضراراً في الكبد والرئتين والقلب وضعفاً في النَّسل، وقد انفرد الإسلام عن جميع الشرائع بتحريمها، لأجل ما فيها من المضار في المروءة حرمها بعض العرب على أنفسهم في الجاهلية، فممن حرمها على نفسه في الجاهلية قَيْس بن عاصم المِنْقَري بسبب أنه شرب يوماً حتى سكر فجذب ابنته وتناول ثوبها، ورأى القمر فتكلم معه كلاماً، فلما أخبر بذلك حين صحا آلى لا يذوق خمراً ما عاش وقال: شعر : رأيتُ الخمرَ صالحة وفيها خصال تُفسد الرجلَ الحليما فلا واللَّه أَشْرَبُها صَحِيحا ولا أُشْفَى بها أَبدا سَقيما ولا أعطي بها ثَمنا حياتي ولا أَدعو لها أبداً نديماً فإنَّ الخمر تفضح شاربيها وتُجنيهم بها الأمر العظيما تفسير : وفي «أمالي القالي» نسبة البيتين الأولين لصفوان بن أمية، ومنهم عامر بن الظَّرِب العَدْواني، ومنهم عفيف بن معد يكرب الكندي عم الأشعث بن قيس، وصفوان بن أمية الكناني، وأسلوم البالي، وسويد بن عدي الطائي، (وأدرك الإسلام) وأسد بن كُرْز القَسْري البَجَلي الذي كان يلقب في الجاهلية برب بجيلة، وعثمان بن عفان، وأبو بكر الصديق، وعباس بن مرداس، وعثمان بن مظعون، وأمية بن أبي الصلت، وعبد الله بن جُدْعان. وأما المنافع فمنها منافع بدنية وهي ما تكسبه من قوة بدن الضعيف في بعض الأحوال وما فيها من منافع التجارة فقد كانت تجارة الطائف واليمن من الخمر، وفيها منافع من اللذة والطرب، قال طرفة: شعر : ولولا ثلاث هُنَّ من عيشة الفتى وجدك لم أَحفل متى قام عُوَّدِي فمنهن سَبْقِي العاذِلات بشَرْبَة كُمَيْتٍ متى ما تُعْلَ بالمَاء تُزْبِد تفسير : وذهب بعض علمائنا إلى أن المنافع مالية فقط فراراً من الاعتراف بمنافع بدنية للخمر وهو جحود للموجود ومن العجيب أن بعضهم زعم أن في الخمر منافع بدنية ولكنها بالتحريم زالت. وذُكر في هذه الآية الميسر عطفاً على الخمر ومخبراً عنهما بأخبار متحدة فما قيل في مقتضى هذه الآية من تحريم الخمر أو من التنزيه عن شربها يقال مثله في الميسر، وقد بان أن الميسر قرين الخمر في التمكن من نفوس العرب يومئذ وهو أكبر لهو يَلْهُون به، وكثيراً ما يأتونه وقت الشراب إذا أعوزهم اللحم للشِّواء عند شرب الخمر، فهم يتوسلون لنحر الجَزور ساعتئذ بوسائل قد تبلغ بهم إلى الاعتداء على جزر الناس بالنحر كما في قصة حمزة، إذ نحر شارفاً لعليّ بن أبي طالب حين كان حمزة مع شَرْب فغنته قينته مغرية إياه بهذا الشارف: شعر : ألا يا حَمْزَ للشُّرُف النِّوَاءِ وهُنَّ معقَّلاتٌ بالفِناء تفسير : فقام إليها فشق بطنها وأخرج الكبد فشواه في قصة شهيرة، وقال طرفةُ يذكر اعتداءه على ناقة من إبل أبيه في حال سُكره: شعر : فَمَرَّتْ كَهَاةٌ ذات خَيْفٍ جُلاَلَةٌ عَقِيلةُ شَيْخٍ كالوَبيل يَلَنْدَدِ يقول وقد تَرَّ الوَظيفَ وساقَها أَلَسْتَ ترى أن قد أتيتَ بمُؤْيِدِ وقال ألا ماذا ترون بشارب شديد علينا بغيه متعمِّدِ تفسير : فلا جرم أن كان الميسر أيسر عليهم لاقتناء اللحم للشرب ولذلك كثر في كلامهم قرنه بالشُّرب، قال سبرة بن عمرو الفقعسي يذكر الإبل: شعر : نُحَابي بها أَكْفَاءَنَا ونُهِينها ونَشْرَبُ في أثمانها ونُقَامِرُ تفسير : وذكر لبيد الخمر ثم ذكر الميسر في معلقته فقال:شعر : أغلى السِّباءَ بكل أَدْكَنَ عَاتِقٍ أَوْ جَوْنَةٍ قُدِحَتْ وفُضَّ خِتَامُها تفسير : ثم قال:شعر : وجَزُورِ أَيْسَارٍ دَعَوْتُ لِحَتْفِها بمَغَالِقٍ مُتَشَابِهٍ أَجْسَامُها تفسير : وذكرهما عنترة في بيت واحد فقال يذكر محاسن قرنه الذي صرعه في الحرب: شعر : رَبِذٍ يَدَاهُ بالقِدَاحِ إذَا شَتَا هَتَّاكِ غَايَاتِ التِّجار مُلَوَّمَ تفسير : فلأجل هذا قُرن في هذه الآية ذكر الخمر بذكر الميسر، ولأجله اقترنا في سؤال السائلين عنهما إن كان ثمة سؤال. والميسر: اسم جنس على وزن مَفْعِل مشتق من اليُسر، وهو ضد العسر والشدة، أو من اليسار وهو ضد الإعسار، كأنهم صاغوه على هذا الوزن مراعاة لزنة اسم المكان من يَسر يَيْسِر وهو مكان مجازي جعلوا ذلك التقامر بمنزلة الظرف الذي فيه اليسار أو اليسر، لأنه يفضي إلى رفاهة العيش وإزالة صعوبة زمن المَحْل وكَلَب الشِّتَاء، وقال صاحب «الكشاف»: هو مصدر كالمَوْعد، وفيه أنه لو كان مصدراً لكان مفتوح السين؛ إذ المصدر الذي على وزن المفعِل لا يكون إلا مفتوح العين ما عدا ما شذ، ولم يذكروا الميسر في الشاذ، إلا أن يجاب بأن العرب وضعوا هذا الاسم على وزن المصدر الشاذ ليعلم أنه الآن ليس بمصدر. والميسر: قمار كان للعرب في الجاهلية، وهو من القمار القديم المتوغل في القدم كان لعادٍ من قبل، وأول من ورد ذكر لعب الميسر عنه في كلام العرب هو لقمان بن عَاد ويقال لقمان العادي، والظاهر أنه ولد عاد بن عوص بن إرم بن سام، وهو غير لقمان الحكيم، والعرب تزعم أن لقمان كان أكثر الناس لعباً بالميسر حتى قالوا في المثل «أيسرُ من لقمان» وزعموا أنه كان له ثمانية أيسار لا يفارقونه هم من سادة عاد وأشرافهم، ولذلك يشبِّهون أهلَ الميسر إذا كانوا من أشراف القوم بأَيْسار لقمان قال طرفة بن العبد: شعر : وهُمُ أَيْسَار لقُمْانَ إذا أَغْلَتِ الشَّتْوة أَبْدَاءَ الجُزُرْ تفسير : أراد التشبيه البليغ. وصفة الميسر أنهم كانوا يجعلون عشرة قِداح جمع قِدْح بكسر القاف وهو السهم الذي هو أصغر من النبل ومن السهم فهو سهم صغير مثل السهام التي تلعب بها الصبيان وليس في رأسه سنان وكانوا يسمونها الخِطاء جمع حَظْوَة وهي السهم الصغير وكلها من قصَب النبْعِ، وهذه القداح هي: الفذ، والتَّوْأم، والرَّقِيبُ، والحِلْس، والنَّافِس، والمُسْبل، والمُعَلَّى، والسَّفيح، والمنيح، والوَغْد، وقيل النافسُ هو الرابع والحِلس خامس، فالسبعة الأوَل لها حظوظ من واحد إلى سبعة على ترتيبها، والثلاثة الأخيرة لا حظوظ لها وتسمى أَغفالاً جمع غُفْل بضم الغين وسكون الفاء وهو الذي أغفل من العَلامة، وهذه العَلامات خُطُوط من واحد إلى سبعة (كأرقام الحساب الروماني إلى الأربعة)، وقد خطُّوا العلامات على القِداح ذات العلامات بالشلط في القصَبة أو بالحرق بالنار فتسمى العلامة حينئذ قَرْمَة، وهذه العلامات توضع في أسافل القداح. فإذا أرادوا التقامر اشتَرَوْا جزوراً بثمن مؤجل إلى ما بعد التقامر وقسموه أَبْدَاءً أي أجزَاء إلى ثمانية وعشرين جُزءاً أو إلى عشرة أجزاء على اختلاف بين الأصمعي وأبي عُبيدة، والظاهر أن للعرب في ذلك طريقتين فلذلك اختلف الأصمعي وأبو عبيدة، ثم يضعون تلك القِداح في خريطة من جِلْد تسمى الرِّبابة بكسر الراء هي مثل كنانة النبال وهي واسعة لها مخرج ضيق يضيق عن أن يخرج منه قِدحان أو ثلاثة، ووكلوا بهذه الربابة رجلاً يُدعى عندهم الحُرْضة والضَّرِيب والمُجيل، وكانوا يُغْشُون عينيه بمِغْمَضَة، ويجعلون على يديه خِرقة بيضاء يسمونها المِجْوَل يعصبونها على يديه أو جلدةً رقيقة يسمونها السُّلْفة بضم السين وسكون اللام، ويلتحق هذا الحُرْضة بثوب يُخْرِج رأسه منه ثم يجثو على ركبتيه ويضع الربابة بين يديه، ويقوم وراءَه رجل يسمى الرقيب أو الوكيل هو الأمين على الحُرْضة وعلى الأَيسار كي لا يحتال أحد على أحد وهو الذي يأمر الحُرْضة بابتداء الميسر، يجلسون والأيسارَ حول الحرضة جُثياً على رُكَبهم، قال دريد بن الصمة: شعر : دَفَعْتُ إلى المُجيل وقد تَجَاثَوْا على الرُّكبات مطلع كل شمس تفسير : ثم يقول الرقيب للحرْضة جَلْجِلْ القِداح أي حركها فيخضخضها في الرِبابة كي تختلط ثم يفيضها أي يدفعها إلى جهة مَخرج القِداح من الربابة دَفْعة واحدة على اسم واحد من الأيسار فيخرج قِدح فيتقدم الوكيل فيأخذه وينظره فإن كان من ذوات الأنصباء دفعه إلى صاحبه وقال له قم فاعتزِلْ فيقوم ويعتزل إلى جهة ثم تعاد الجلجلة، وقد اغتفروا إذا خرج أول القداح غُفْلاً ألا يحسب في غُرم ولا في غُنْم بل يُرد إلى الربابة وتعاد الإحالة وهكذا ومن خَرَجت لهم القداح الأغفال يدفعون ثمن الجزور. فأما على الوصف الذي وصفَ الأصمعي أن الجزور يقسم إلى ثمانية وعشرين جزءا فظاهر أن لجميع أهل القدح القامرة شيئاً من أَبْداء الجزور لأن مجموع ما على القداح الرابحة من العلامات ثمانية وعشرون، وعلى أهل القداح الخاسرة غرم ثمنه. وأما على الوصف الذي وصف أبو عبيدة أن الجزور يقسم إلى عشرة أبداء فذلك يقتضي أن ليس كل المتقامرين برابح، لأن الربح يكون بمقدار عشرة سهام مما رقمت به القداح وحينئذ إذا نفدت الأجزاء انقطعت الإفاضة وغرم أهل السهام الأغفال ثمن الجزور ولم يكن لمن خرجت له سهام ذات حظوظ بعد الذين استوفوا أبداء الجزور شيءٌ إذ ليس في الميسر أكثر من جزور واحد قال لبيد: شعر : وجَزُورِ أَيْسَارٍ دَعَوْتُ لِحَتْفِها تفسير : البيت وإذْ لا غنم في الميسر إلا من اللحم لا من الدراهم أو غيرها، ولعل كلاً من وصفي الأصمعي وأبي عبيدة كان طريقة للعرب في الميسر بحسب ما يصطلح عليه أهل الميسر، وإذا لم يجمع العدد الكافي من المتياسرين أَخَذ بعض من حضر سهمين أو ثلاثة فكثر بذلك ربحه أو غُرمه وإنما يفعل هذا أهلُ الكرم واليسار لأنه معرض لخسارة عظيمة، إذ لم يفز قدحه، ويقال في هذا الذي يأخذ أكثر من سهم مُتَمِّمَ الأيسار قال النابغة: شعر : إني أُتَمِّمُ أيْساري وأمنحُهم مثنى الأيادِي وأَكْسُو الجفنة الأدُما تفسير : ويسمُّون هذا الإتمام بمثْنى الأيادي كما قال النابغة، لأنه يقصد منه تكرير المعروف عند الربح فالأيادي بمعنى النعم، وكانوا يعطون أجر الرقيب والحرضة والجَزّار من لحم الجزور فأما أجر الرقيب فيعطاه من أول القسمة وأفضل اللحم ويسمونه بدءا، وأما الحرضة فيعطى لحماً دون ذلك وأما الجزار فيعطى مما يبقى بعد القسم من عظم أو نصف عظم ويسمونه الريم. ومن يحضر الميسر من غير المتياسرين يسمون الأعران جمع عرن بوزن كتف وهم يحضرون طمعاً في اللحم، والذي لا يحب الميسر ولا يحضره لفقره سمي البرم بالتحريك. وأصل المقصد من الميسر هو المقصد من القمار كله وهو الربح واللهو يدل لذلك تمدحهم وتفاخرهم بإعطاء ربح الميسر للفقراء، لأنه لو كان هذا الإعطاء مطرداً لكل من يلعب الميسر لما كان تمدح به قال الأعشى: شعر : المُطْعِمُو الضيفِ إذا ما شَتَوْا والجاعِلُو القُوتِ على اليَاسِر تفسير : ثم إن كرامهم أرادوا أن يظهروا الترفع عن الطمع في مال القمار فصاروا يجعلون الربح للفقراء واليتامَى ومَن يُلم بساحتهم من أضيافهم وجيرتهم، قال لبيد: شعر : أَدْعُو بهن لعَاقِرٍ أو مُطْفِلٍ بُذِلَتْ لجيرانِ الجميع لِحَامُها فالضَّيفُ والجارُ الجَنيب كأنما هبَطا تَبالَةَ مخصِبا أَهْضَامُها تفسير : فصار الميسر عندهم من شعار أهل الجود كما تقدم في أبيات لبيد، وقال عنترة كما تقدم: شعر : رَبِذٍ يَداه بالقِداح إذا شَتَا هَتَّاكِ غَايَات التِّجار ملوح تفسير : أي خفيف اليد في الميسر لكثرة ما لعب الميسر في الشتاء لنفع الفقراء، وقال عُمير ابن الجَعد: شعر : يَسِرٍ إذا كان الشتاءُ ومُطْعمٍ للَّحْم غير كُبُنَّةٍ عَلْفُوفِ تفسير : الكُبُنَّة بضمتين المنقبض القليل المعروف والعلفوف كعصفور الجافي. فالمنافع في الميسر خاصة وعامة وهي دنيوية كلها، والإثم الذي فيه هو ما يوقعه من العداوة والبغضاء ومن إضاعة الوقت والاعتياد بالكسل والبطالة واللهو والصد عن ذكر الله وعن الصلاة وعن التفقه في الدين وعن التجارة ونحوها مما به قوام المدنِيَّة وتلك آثام لها آثارها الضارة في الآخرة، ولهذه الاعتبارات ألحق الفقهاء بالميسر كل لعب فيه قمار كالنّرد، وعن النبي صلى الله عليه وسلم « حديث : إيَّاكم وهاتين الكعبتين فإنهما من ميسر العجم » تفسير : يريد النرد، وعن علي: النرد والشطرنج من الميسر، وعلى هذا جمهور الفقهاء ومالك وأبو حنيفة وقال الشافعي: إذا خلا الشطرنج عن الرهان واللسانُ عن الطغيان والصلاة عن النسيان لم يكن حراماً وهو خارج عن الميسر لأن الميسر ما يوجب دفع المال وأخذه وهذا ليس كذلك وهو وجيه والمسألة مبسوطة في الفقه. والناس مراد به العموم لاختلاف المنافع، ولأنه لما وقع الإخبار بواسطة (في) المفيدة الظرفية لم يكن في الكلام ما يقتضي أن كل فرد من أفراد الناس ينتقع بالخمر والميسر، بل الكلام يقتضي أن هاته المنافع موجودة في الخمر والميسر لمن شاء أن ينتفع كقوله تعالى: { أية : فيه شفاء للناس } تفسير : [النحل: 69]. وليس المراد بالناس طائفة لعدم صلوحية أل هنا للعهد ولو أريد طائفة لما صح إلا أن يقال ومنافع الشاربين والياسرين كما قال: { أية : وأنهار من خمر لذة للشاربين } تفسير : [محمد: 15]. فإن قلت: ما الوجه في ذكر منافع الخمر والميسر مع أن سياق التحريم والتمهيد إليه يقتضي تناسي المنافع، قلت إن كانت الآية نازلة لتحريم الخمر والميسر فالفائدة في ذكر المنافع هي بيان حكمة التشريع ليعتاد المسلمون مراعاة علل الأشياء، لأن الله جعل هذا الدين ديناً دائماً وأودعه أمة أراد أن يكون منها مشرِّعون لمختلف ومتجددِ الحوادث، فلذلك أشار لعلل الأحكام في غير موضع كقوله تعالى: { أية : أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا } تفسير : [الحجرات: 12] ونحو ذلك، وتخصيص التنصيص على العلل ببعض الأحكام في بعض الآيات إنما هو في مواضع خفاء العلل، فإن الخمر قد اشتهر بينهم نفعها، والميسر قد اتخذوه ذريعة لنفع الفقراء فوجب بيان ما فيهما من المفاسد إنباء بحكمة التحريم، وفائدة أخرى وهي تأنيس المكلفين فطامهم عن أكبر لذائذهم تذكيراً لهم بأن ربهم لا يريد إلاَّ صلاحَهم دون نكايتهم كقوله: { أية : كتب عليكم القتال وهو كره لكم } تفسير : [البقرة: 216] وقوله: { أية : كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم } تفسير : [البقرة: 183]. وهنالك أيضاً فائدة أخرى وهي عذرهم عما سلف منهم حتى لا يستكينوا لهذا التحريم والتنديد على المفاسد كقوله: { أية : علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم } تفسير : [البقرة: 187]. كان سؤالهم عن الخمر والميسر حاصلاً مع سؤالهم {ماذا ينفقون}، فعطفت الآية التي فيها جَوابُ سؤالهم {ماذا ينفقون} على آية الجواب عن سؤال الخمر والميسر، ولذلك خولف الأسلوب الذي سلف في الآيات المختلفة بجمل {يسألونك} بدون عطف فجيء بهذه معطوفة بالواو على التي قبلها. ومناسبة التركيب أن النهي عن الخمر والميسر يتوقع منه تعطل إنفاق عظيم كان ينتفع به المحاويج، فبينت لهم الآية وجه الإنفاق الحق. روى ابن أبي حاتم أن السائل عن هذا معاذ ابن جبل وثعلبة بن غَنَمَة، وقيل هو رجوع إلى الجواب عن سؤال عمرو بن الجموح الذي قيل إنه المجاب عنه بقوله تعالى: { أية : يسألونك ماذا ينفقون قل ما أنفقتم من خير فللوالدين } تفسير : [البقرة: 215] إلخ، وعليه فالجواب عن سؤاله موزع على الموضعين ليقع الجواب في كل مكان بما يناسبه. ولإظهار ما يدفع توقعهم تعطيل نفع المحاويج وصلت هذه الآية بالتي قبلها بواو العطف. والعفو: مصدر عَفَا يعفو إذا زاد ونَمَى قال تعالى: { أية : ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة حتى عفوا } تفسير : [الأعراف: 95]، وهو هنا ما زاد على حاجة المرء من المال أي فَضلَ بعد نفقته ونفقة عياله بمعتاد أمثاله، فالمعنى أن المرء ليس مطالباً بارتكاب المآثم لينفق على المحاويج، وإنما ينفق عليهم مما استفضله من ماله وهذا أمر بإنفاق لا يشق عليهم وهذا أفضل الإنفاق، لأن مقصد الشريعة من الإنفاق إقامة مصالح ضعفاء المسلمين ولا يحصل منه مقدار له بال إلا بتعميمه ودوامه لتستمر منه مقادير متماثلة في سائر الأوقات وإنما يحصل التعميم والدوام بالإنفاق من الفاضل عن حاجات المنفقين فحينئذ لا يشق عليهم فلا يتركه واحد منهم ولا يخلون به في وقت من أوقاتهم، وهذه حكمة بالغة وأصل اقتصادي عمراني، وفي الحديث: « حديث : خيرُ الصدقة ما كان عن ظَهْرِ غنى وابدأ بمن تَعول » تفسير : فإن البداءة بمن يعول ضرب من الإنفاق، لأنه إن تركهم في خصاصة احتاجوا إلى الأخذ من أموال الفقراء، وفي الحديث: « حديث : إنك أنْ تَدَع ورثتَك أغنياء خير من أن تَدَعهم عالة يتكففون الناس » تفسير : أي يمدون أكفهم للسؤال، فتبين أن المنفق بإنفاقه على من ينفق عليه يخفف عن الفقراء بتقليل عدد الداخلين فيهم، ولذلك جاء في الحديث: « حديث : وإنك لا تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت عليها حتى اللقمة تجعلها في في امرأتك » تفسير : . ولهذا أمر في هذه الآية بإنفاق العفو، لأنها لعموم المنفقين، فلا تنافي أن ينفق أحد من ماله المحتاج هو إليه أو جميع ماله إذا صبَر على ذلك ولم يكن له من تجب عليه هو نفقته. وآل في العفو للجنس المعروف للسامعين، والعفو مقول عليه بالتشكيك؛ لأنه يتبع تعيينَ ما يحتاجه المنفق والناسُ في ذلك متفاوتون، وجعل الله العفو كلَّه منفقاً ترغيباً في الإنفاق وهذا دليل على أن المراد من الإنفاق هنا الإنفاق المتطوع به، إذ قد تضافرت أدلة الشريعة وانعقد إجماع العلماء على أنه لا يجب على المسلم إنفاق إلا النفقات الواجبة وإلا الزكوات وهي قد تكون من بعض ما يفضل من أموال أهل الثروة إلا ما شذ به أبو ذَر، إذ كان يرى كنز المال حراماً وينادي به في الشام فشكاه معاوية لعثمان فأمر عثمان بإرجاعه من الشام إلى المدينة ثم إسكانه بالربذة بطلب منه، وقد اجتهد عثمان ليسد باب فتنة، وعن قيس بن سعد أن هذه الآية في الزكاة المفروضة، وعلى قوله يكون (أل) في العفو للعهد الخارجي وهو نماء المال المقدر بالنصاب. وقرأ الجمهور (قل العفو) بنصب العفو على تقدير كونه مفعولاً لفعل دل عليه {ماذا ينفقون}، وهذه القراءة مبنية على اعتبار ذا بعد (ما) الاستفهامية ملغاة فتكون (ما) الاستفهامية مفعولاً مقدماً لينفقون فناسب أن يجيء مفسر (ما) في جواب السؤال منصوباً كمفسره. وقرأ ابن كثير في إحدى روايتين عنه وأبو عمرو ويعقوب بالرفع على أنه خبر مبتدأ تقديره هو العفو، وهذه القراءة مبنية على جعل ذا بعد ما موصولة أي يسألونك عن الذي ينفقونه، لأنها إذا كانت موصولة كانت مبتدأ إذ لا تعمل فيها صلتها وكانت ما الاستفهامية خبراً عن ما الموصولة، وكان مفسرها في الجواب وهو العفو فناسب أن يجاء به مرفوعاً كمفسره ليطابق الجوابُ السؤال في الاعتبارين وكلا الوجهين اعتبار عربي فصيح. وقوله: {كذلك يبين الله لكم الآيات}، أي كذلك البيان يبين الله لكم الآيات، فالكاف للتشبيه واقعة موقع المفعول المطلق المبيِّن لنوع {يُبَيِّن}، وقد تقدم القول في وجوه هذه الإشارة في قوله تعالى: { أية : وكذلك جعلناكم أمة وسطا } تفسير : [البقرة: 143]. أو الإشارة راجعة إلى البيان الواقع في قوله تعالى: {قل فيهما إثم كبير} إلى قوله {العفو}، وقرن اسم الإشارة بعلامة البعد تعظيماً لشأن المشار إليه لكماله في البيان، إذ هو بيان للحكم مع بيان علته حتى تتلقاه الأمة بطيب نفس، وحتى يلحقوا به نظائره، وبيان لقاعدة الإنفاق بما لا يشذ عن أحد من المنفقين، ولكون الكاف لم يقصد بها الخطاب بل مجرد البعد الاعتباري للتعظيم لم يؤت بها على مقتضى الظاهر من خطاب الجماعة فلم يقل كذلكم على نحو قوله: {يبين الله لكم}. واللام في {لكم} للتعليل والأجل وهو امتنان وتشريف بهذه الفضيلة لإشعاره بأن البيان على هذا الأسلوب مما اختصت به هاته الأمة ليتلقوا التكاليف على بصيرة بمنزلة الموعظة التي تلقى إلى كامل العقل موضحة بالعواقب، لأن الله أراد لهاته الأمة أن يكون علماؤها مشرعين. وبين فائدة هذا البيان على هذا الأسلوب بقوله: {لعلكم تتفكرون في الدنيا والآخرة} أي ليحصل للأمة تفكر وعلم في أمور الدنيا وأمور الآخرة، لأن التفكر مظروف في الدنيا والآخرة، فتقدير المضاف لازم بقرينة قوله {والآخرة} إذ لا معنى لوقوع التفكر يوم القيامة فلو اقتصر على بيان الحظر والوجوب والثواب والعقاب لكان بيانا للتفكر في أمور الآخرة خاصة ولو اقتصر على بيان المنافع والمضار بأن قيل: قل فيهما نفع وضر لكان بياناً للتفكر في أمور الدنيا خاصة، ولكن ذكر المصالح والمفاسد والثواب والعقاب تذكير بمصلحتي الدارين، وفي هذا تنويه بشأن إصلاح أمور الأمة في الدنيا، ووقع في كلام لعلي بن أبي طالب وقد ذم رجل الدنيا عنده فقال له: «الدنيا دار صدق لمن صدقها ودار نجاة لمن فهم عنها ودار غنى لمن تزود منها ومهبط وحي الله ومصلى ملائكته ومسجد أنبيائه فمن ذا الذي يذمها وقد آذنت ببينها الخ». ولا يخفى أن الذي يصلح للتفكر هو الحكم المنوط بالعلة وهو حكم الخمر والميسر ثم ما نشأ عنه قوله: {ويسئلونك ماذا ينفقون قل العفو}. ويجوز أن تكون الإشارة بقوله {كذلك لكون الإنفاق من العفو وهو ضعيف، لأن ذلك البيان لا يظهر فيه كمال الامتنان حتى يجعل نموذجاً لجليل البيانات الإلهية وحتى يكون محل كمال الامتنان وحتى تكون غايته التفكر في الدنيا والآخرة، ولا يعجبكم كونه أقرب لاسم الإشارة، لأن التعليق بمثل هاته الأمور اللفظية في نكت الإعجاز إضاعة للألباب وتعلق بالقشور. وقوله: {لعلكم تتفكرون} غاية هذا البيان وحكمته، والقول في لعل تقدم. وقوله {في الدنيا والآخرة} يتعلق بتتفكرون لا بيبين، لأن البيان واقع في الدنيا فقط. والمعنى ليحصل لكم فكر أي علم في شؤون الدنيا والآخرة، وما سوى هذا تكلف. عطف تبيين معاملة اليتامى على تبيين الإنفاق لتعلق الأمرين بحكم تحريم الميسر أو التنزيه عنه فإن الميسر كان باباً واسعاً للإنفاق على المحاويج وعلى اليتامى، وقد ذكر لبيد إطعام اليتامى بعد ذكر إطعام لحوم جزور الميسر فقال: شعر : ويُكَلِّلُون إذَا الرياحُ تَنَاوَحَتْ خُلْجاً تَمُدُّ شوَارعا أَيْتَامُها تفسير : أي تمد أيدياً كالرماح الشوارع في اليبس أي قلة اللحم على عظام الأيدي فكان تحريم الميسر مما يثير سؤالا عن سد هذا الباب على اليتامى وفيه صلاح عظيم لهم وكان ذلك السؤال مناسبة حسنة للتخلص إلى الوصاية باليتامى وذكر مجمل أحوالهم في جملة إصلاح الأحوال التي كانوا عليها قبل الإسلام، فكان هذا وجه عطف هذه الجملة على التي قبلها بواو العطف لاتصال بعض هذه الأسئلة ببعض كما تقدم في قوله: {ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو}. وقد روي أن السائل عن اليتامى عبد الله بن رواحة، وأخرج أبو داود عن ابن عباس لما نزل قول الله عز وجل: { أية : ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن } تفسير : [الإسراء: 34] { أية : إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما } تفسير : [النساء: 10] الآيات انطلق من كان عنده يتيم فعزل طعامه من طعامه وشرابه من شرابه، فجعل يفضل من طعامه فيحبس له حتى يأكله أو يفسد فاشتد ذلك عليهم فذكر ذلك لرسول الله فأنزل الله {ويسألونك عن اليتامى} الآية مع أن سورة النساء نزلت بعد سورة البقرة، فلعل ذكر آية النساء وهم من الراوي وإنما أراد أنه لما نزلت الآيات المحذرة من مال اليتيم مثل آية سورة الإسراء (34) { أية : ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن } تفسير : ففي تفسير الطبري بسنده إلى ابن عباس: لما نزلت: {ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن} عزلوا أموال اليتامى فذكروا ذلك لرسول الله فنزلت {وإن تخالطوهم} أو أن مراد الراوي لما سمع الناس آية سورة النساء تجنبوا النظر في اليتامى فذكروا بآية البقرة إن كان السائل عن آية البقرة غير المتجنب حين نزول آية النساء وأياً ما كان فقد ثبت أن النظر في مصالح الأيتام من أهم مقاصد الشريعة في حفظ النظام فقد كان العرب في الجاهلية كسائر الأمم في حال البساطة يكون المال بيد كبير العائلة فقلما تجد لصغير مالاً، وكان جمهور أموالهم حاصلاً من اكتسابهم لقلة أهل الثروة فيهم، فكان جمهور العرب إما زارعاً أو غارساً أو مغيراً أو صائداً، وكل هذه الأعمال تنقطع بموت مباشريها، فإذا مات كبير العائلة وترك أبناء صغاراً لم يستطيعوا أن يكتسبوا كما اكتسب آباؤهم إلا أبناء أهل الثروة، والثروة عندهم هي الأنعام والحوائط إذ لم يكن العرب أهل ذهب وفضة وإن الأنعام لا تصلح إلا بمن يرعاها فإنها عروض زائلة وإن الغروس كذلك ولم يكن في ثروة العرب ملك الأرض إذ الأرض لم تكن مفيدة إلا للعامل فيها، على أن من يتولى أمر اليتيم يستضعفه ويستحل ماله فينتفع به لنفسه، وكرم العربي وسرفه وشربه وميسره لا تغادر له مالاً وإن كثر. وتغلُّب ذلك على مِلاك شهوات أصحابه فلا يستطيعون تركه يدفعهم إلى تطلب إرضاء نهمتهم بكل وسيلة فلا جرم أن يصبح اليتيم بينهم فقيراً مدحوراً، وزد إلى ذلك أن أهل الجاهلية قد تأصل فيهم الكبر على الضعيف وتوقير القوى فلما عدم اليتيم ناصره ومن يذب عند كان بحيث يعرض للمهانة والإضاعة ويتخذ كالعبد لوليه، من أجل ذلك كله صار وصف اليتيم عندهم ملازماً لمعنى الخصاصة والإهمال والذل، وبه يظهر معنى امتنان الله تعالى على نبيه أن حفظه في حال اليتم مما ينال اليتامى في قوله: { أية : ألم يجدك يتيماً فآوى } تفسير : [الضحى: 6]. فلما جاء الإسلام أمرَهم بإصلاح حال اليتامى في أموالهم وسائر أحوالهم حتى قيل إن أولياء اليتامى تركوا التصرف في أموالهم واعتزلوا اليتامى ومخالطتهم فنزلت هذه الآية. والإصلاح جعل الشيء صالحاً أي ذا صلاح والصلاح ضد الفساد، وهو كون شيء بحيث يحصل به منتهى ما يطلب لأجله، فصلاح الرجل صدور الأفعال والأقوال الحسنة منه، وصلاح الثمرة كونها بحيث ينتفع بأكلها دون ضر، وصلاح المال نماؤه المقصود منه، وصلاح الحال كونها بحيث تترتب عليها الآثار الحسنة. و{إصلاح لهم}مبتدأ ووصفه، واللام للتعليل أو الاختصاص. ووصف الإصلاح بــــ{لهم}دون الإضافة إذ لم يقل إصلاحهم لئلا يتوهم قصره على إصلاح ذواتهم لأن أصل إضافة المصدر أن تكون لذات الفاعل أو ذات المفعول فلا تكون على معنى الحرف، ولأن الإضافة لما كانت من طرق التعريف كانت ظاهرة في عهد المضاف فعدل عنها لئلا يتوهم أن المراد إصلاح معين كما عدل عنها في قوله: { أية : ايتوني بأخ لكم من أبيكم } تفسير : [يوسف: 59] ولم يقل بأخيكم ليوهمهم أنه لم يرد أخاً معهوداً عنده، والمقصود هنا جميع الإصلاح لا خصوص إصلاح ذواتهم فيشمل إصلاح ذواتهم وهو في الدرجة الأولى ويتضمن ذلك إصلاح عقائدهم وأخلاقهم بالتعليم الصحيح والآداب الإسلامية ومعرفة أحوال العالم، ويتضمن إصلاح أمزجتهم بالمحافظة عليهم من المهلكات والأخطار والأمراض وبمداواتهم، ودفع الأضرار عنهم بكفاية مؤنهم من الطعام واللباس والمسكن بحسب معتاد أمثالهم دون تقتير ولا سرف، ويشمل إصلاح أموالهم بتنميتها وتعهدها وحفظها. ولقد أبدع هذا التعبير، فإنه لو قيل إصلاحهم لتوهم قصره على ذواتهم فيحتاج في دلالة الآية على إصلاح الأموال إلى القياس ولو قيل قل تدبيرهم خير لتبادر إلى تدبير المال فاحتيج في دلالتها على إصلاح ذواتهم إلى فحوى الخطاب. و {خير} في الآية يحتمل أن يكون أفعل تفضيل إن كان خطاباً للذين حملهم الخوف من أكل أموال اليتامى على اعتزال أمورهم وترك التصرف في أموالهم بعلة الخوف من سوء التصرف فيها كما يقال: شعر : إن السلامة من سلمى وجارتها أن لا تحل على حالٍ بواديها تفسير : فالمعنى إصلاح أمورهم خير من إهمالهم أي أفضل ثواباً وأبعد عن العقاب، أي خير في حصول غرضكم المقصود من إهمالهم فإنه ينجر منه إثم الإضاعة ولا يحصل فيه ثواب السعي والنصيحة، ويحتمل أن يكون صفة مقابل الشر إن كان خطاباً لتغيير الأحوال التي كانوا عليها قبل الإسلام، فالمعنى إصلاحهم في أموالهم وأبدانهم وترك إضاعتهم في الأمرين كما تقدم خير، وهو تعريض بأن ما كانوا عليه في معاملتهم ليس بخير بل هو شر، فيكون مراداً من الآية على هذا: التشريع والتعريض إذ التعريض يجامع المعنى الأصلي، لأنه من باب الكناية والكناية تقع مع إرادة المعنى الأصلي. وجملة {وإن تخالطوهم فإخوانكم} عطف على جملة {إصلاح لهم خير} والمخالطة مفاعلة من الخلط وهو جمع الأشياء جمعاً يتعذر معه تمييز بعضها عن بعض فيما تراد له، فمنه خلط الماء بالماء والقمح والشعير وخلط الناس ومنه اختلط الحابل بالنابل، وهو هنا مجاز في شدة الملابسة والمصاحبة والمراد بذلك ما زاد على إصلاح المال والتربية عن بعد فيشمل المصاحبة والمشاركة والكفالة والمصاهرة إذ الكل من أنواع المخالطة. وقوله {فإخوانكم} جواب الشرط ولذلك قرن بالفاء لأن الجملة الاسمية غير صالحة لمباشرة أداة الشرط ولذلك فــــ (إخوانكم) خبر مبتدأ محذوف تقديره فهم إخوانكم، وهو على معنى التشبيه البليغ، والمراد بالأخوة أخوة الإسلام التي تقتضي المشاورة والرفق والنصح. ونقل الفخر عن الفراء «لو نصبته كان صواباً بتقدير فإخوانكم تخالطون» وهو تقدير سمج، ووجود الفاء في الجواب ينادي على أن الجواب جملة اسمية محضة، وبعد فمحمل كلام الفراء على إرادة جواز تركيب مثله في الكلام العربي لا على أن يقرأ به، ولعل الفراء كان جريئاً على إساغة قراءة القرآن بما يسوغ في الكلام العربي دون اشتراط صحة الرواية. والمقصود من هذه الجملة الحث على مخالطتهم لأنه لما جعلهم إخواناً كان من المتأكد مخالطتهم والوصاية بهم في هاته المخالطة، لأنهم لما كانوا إخواناً وجب بذل النصح لهم كما يبذل للأخ وفي الحديث « حديث : حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه »، تفسير : ويتضمن ذلك التعريض بإبطال ما كانوا عليه من احتقار اليتامى والترفع عن مخالطتهم ومصاهرتهم. قال تعالى: { أية : وترغبون أن تنكحوهن } تفسير : [النساء: 127] أي عن أن تنكحوهن لأن الأخوة تتضمن معنى المساواة فيبطل الترفع. وقوله: {والله يعلم المفسد من المصلح} وعد ووعيد، لأن المقصود من الأخبار بعلم الله الإخبار بترتب آثار العلم عليه، وفي هذا إشارة إلى أن ما فعله بعض المسلمين من تجنب التصرف في أموال اليتامى تنزه لا طائل تحته لأن الله يعلم المتصرف بصلاح والمتصرف بغير صلاح وفيه أيضاً ترضية لولاة الأيتام فيما ينالهم من كراهية بعض محاجيرهم وضربهم على أيديهم في التصرف المالي وما يلاقون في ذلك من الخصاصة، فإن المقصد الأعظم هو إرضاء الله تعالى لا إرضاء المخلوقات، وكان المسلمون يومئذٍ لا يهتمون إلاّ بمرضاة الله تعالى وكانوا يحاسبون أنفسهم على مقاصدهم، وفي هذه إشارة إلى أنه ليس من المصلحة أن يعرض الناس عن النظر في أموال اليتامى اتقاء لألسنة السوء، وتهمة الظن بالإثم فلو تمالأ الناس على ذلك وقاية لأعراضهم لضاعت اليتامى، وليس هذا من شأن المسلمين فإن على الصلاح والفساد دلائل ووراء المتصرفين عدالة القضاة وولاة الأمور يجازون المصلح بالثناء والحمد العلن ويجازون المفسد بالبعد بينه وبين اليتامى وبالتغريم بما أفاته بدون نظر. و(مِن) في قوله: {من المصلح} تفيد معنى الفصل والتمييز وهو معنى أثبته لها ابن مالك في «التسهيل» قائلاً «وللفصْل» وقال في «الشرح»: «وأشرت بذكر الفصل إلى دخولها على ثاني المتضادين نحو {والله يعلم المفسد من المصلح} و { أية : حتى يميز الخبيث من الطيب } تفسير : [آل عمران: 179] اهــــ وهو معنى رشيق لا غنى عن إثباته وقد أشار إليه في «الكشاف» عند قوله تعالى: {أتأتون الذكران من العالمين} في سورة الشعراء وجعله وجهاً ثانياً فقال: {أو أتأتون أنتم من بين من عداكم من العالمين} الذكران يعني أنكم يا قوم لوط وحدكم مختصون بهذه الفاحشة اهــــ فجعل معنى (مِن) معنى من بين، وهو لا يتقوم إلاّ على إثبات معنى الفصل، وهو معنى متوسط بين معنى من الابتلاء ومعنى البدلية حين لا يصلح متعلق المجرور لمعنى الابتدائية المحض ولا لمعنى البدلية المحض فحدث معنى وسط، وبحث فيه ابن هشام في «مغني اللبيب» أن الفصل حاصل من فعل {يميز} ومن فعل {يعلم} واستظهر أن من للابتداء أو بمعنى عن. وقوله: {ولو شاء الله لأعنتكم} تذييل لما دل عليه قوله: {قل إصلاح لهم خير} على ما تقدم. والعنت: المشقة والصعوبة الشديدة أي ولو شاء الله لكلفكم ما فيه العنت وهو أن يحرم عليكم مخالطة اليتامى فتجدوا ذلك شاقاً عليكم وعنتاً، لأن تجنب المرء مخالطة أقاربه من إخوة وأبناء عم ورؤيته إياهم مضيعة أمورهم لا يحفل بهم أحد يشق على الناس في الجبلة وهم وإن فعلوا ذلك حذراً وتنزهاً فليس كل ما يبتدىء المرء فعله يستطيع الدوام عليه. وحذف مفعول المشيئة لإغناء ما بعده عنه، وهذا حذف شائع في مفعول المشيئة فلا يكادون يذكرونه. وقد مضى القول فيه عند قوله تعالى: { أية : ولو شاء الله بذهب بسمعهم } تفسير : [البقرة: 20]. وقوله: {إن الله عزيز حكيم} تذييل لما اقتضاه شرط (لو) من الإمكان وامتناع الوقوع أي إن الله عزيز غالب قادر فلو شاء لكلفكم العنت، لكنه حكيم يضع الأشياء مواضعها فلذا لم يكلفكموه. وفي جمع الصفتين إشارة إلى أن تصرفات الله تعالى تجري على ما تقتضيه صفاته كلها وبذلك تندفع إشكالات عظيمة فيما يعبَّر عنه بالقضاء والقدر.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ}. لم يبين هنا ما هذا الإثم الكبير؟ ولكنه بين في آية أخرى أنه إيقاع العداوة والبغضاء بينهم، والصد عن ذكر الله، وعن الصلاة، وهي قوله: {أية : إِنَّمَا يُرِيدُ ٱلشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ ٱلْعَدَاوَةَ وَٱلْبَغْضَآءَ فِي ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ وَعَنِ ٱلصَّلاَةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ} تفسير : [المائدة: 91].

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: الخمر: كل ما خامر العقل وغطاه فأصبح شاربه لا يميز ولا يعقل، ويطلق لفظ الخمر على عصير العنب أو التمر أو الشعير وغيرها. الميسر: القمار وسمي ميسراً لأن صاحبه ينال المال بيسر وسهولة. الإِثم: كل ضار فاسد يضر بالنفس أو العقل أو البدن أو المال أو العرض. المنافع: جمع منفعة وهي ما يسرّ ولا يضر من سائر الأقوال والأفعال والموادّ. العفو: العفو هنا: ما فضل وزاد عن حاجة الإِنسان من المال. تتفكرون: فتعرفون ما ينفع في كل منهما فتعملون لدنياكم ما يصلحها، وتعملون لآخرتكم ما يسعدكم فيها، وينجيكم من عذابها. تخالطونهم: تخلطون مالهم مع مالكم ليكون سواء. لأعنتكم: العنت المشقة الشديدة يقال أعنته إذا كلّفه مشقة شديدة. معنى الآيتين: كان العرب في الجاهلية يشربون الخمور ويقامرون وجاء الإِسلام فبدأ دعوتهم إلى التوحيد والإِيمان بالبعث الآخر إذ هما الباعث القوي على الاستقامة في الحياة، ولما هاجر الرسول صلى الله عليه وسلم والعديد من أصحابه وأصبحت المدينة تمثل مجتمعاً إسلامياً وأخذت الأحكام تنزل شيئاً فشيئاً فحدث يوماً أن صلى أحد الصحابة بجماعة وهو ثملان فخلط في القراءة فنزلت آية النساء {أية : يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَأَنْتُمْ سُكَٰرَىٰ}تفسير : [الآية: 43] فكانوا لا يشربونها إلا في أوقات معينة وهنا كثرت التساؤلات حول شرب الخمر فنزلت هذه الآية {يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ} فأجابهم الله تعالى بقوله {قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَٰفِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا} فترك الكثير كلاً من شرب الخمر ولعب القمار لهذه الآية. وبقي آخرون فكان عمر يتطلع إلى منعهما منعاً باتاً ويقول: (اللهم بيّن لنا في الخمر بياناً شافياً) فاستجاب الله تعالى له ونزلت آية المائدة: {أية : يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا ٱلْخَمْرُ وَٱلْمَيْسِرُ} تفسير : [الآية: 90] إلى قوله {أية : فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ} تفسير : [الآية: 91] فقال عمر: (انتهينا ربنا) وبذلك حرمت الخمر وحرم الميسر تحريماً قطعياً كاملاً ووضع الرسول صلى الله عليه وسلم حدّ الخمر وهو الجلد. وحذر من شربها وسماها أم الخبائث وقال: "حديث : مدمن الخمر لا يكلمه الله يوم القيامة ولا يزكيه في ثلاثة نفر وهم العاقّ لوالديه، ومسبل إزاره، ومدمن شرب الخمر ". تفسير : وقوله تعالى: {فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَٰفِعُ لِلنَّاسِ} فهو كما قال تعالى فقد بيّن في سورة المائدة منشأ الإِثم وهو أنهما يسببان العداوة والبغضاء بين المسلمين ويصدان عن ذكر الله وعن الصلاة وأي إثم أكبر في زرع العداوة والبغضاء بين أفراد المسلمين، والإِعراض عن ذكر الله وتضييع الصلاة حقاً إن فيهما لإِثماً كبيراً، وأما المنافع فهي إلى جانب هذا الإِثم قليلة ومنها الربح في تجارة الخمر وصنعها، وما تكسب شاربها من النشوة والفرح والسخاء والشجاعة، وأما الميسر فمن منافعه الحصول على المال بلا كد ولا تعب وانتفاع بعض الفقراء، به إذ كانوا يقامرون على الجزور من الإِبل ثم يذبح ويعطى للفقراء والمساكين. أما قوله تعالى في الآية {وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ} فهو سؤال نشأ عن استجابتهم لقول الله تعالى: {أية : وَأَنْفِقُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} تفسير : [البقرة: 195] فأرادوا أن يعرفوا الجزء الذي ينفقونه من أموالهم في سبيل الله فأجابهم الله تبارك وتعالى بقوله: {قُلِ ٱلْعَفْوَ} أي ما زاد على حاجتكم وفضل عن نفقتكم على أنفسكم. ومن هنا قال الرسول صلى الله عليه وسلم "حديث : خيرالصدقة ما كان عن ظهر غنى" تفسير : رواه البخاري، وقوله {كَذٰلِكَ يُبيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلأيَٰتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ} أي مثل هذا البيان يبين الله لكم الشرائع والأحكام والحلال والحرام ليعدكم بذلك إلى التفكير الواعي البصير في أمر الدنيا والآخرة فتعملون لدنياكم على حسب حاجتكم إليها وتعملون لآخرتكم التي مردكم إليها وبقاؤكم فيها على حسب ذلك. وهذا ما تضمنته الآية الأولى [219] أما الآية الثانية [220] {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْيَتَامَىٰ} الآية فإنه لما نزل قوله تعالى من سورة النساء {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ ٱلْيَتَٰمَىٰ ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً} تفسير : [الآية: 10] خاف المؤمنون والمؤمنات من هذا الوعيد الشديد وفصل من كان في بيته يتيم يكفله فصل طعامه عن طعامه وشرابه عن شرابه وحصل بذلك عنت ومشقة كبيرة وتساءلوا عن المخرج فنزلت هذه الآية وبينت لهم أن المقصود هو إصلاح مال التيامى وليس هو فصله أو خلطه فقال تعالى: {قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ....} مع الخلط خير من الفصل مع عدم الإِصلاح ودفع الحرج في الخلط فقال: {وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ}، والأخ يخالط أخاه في ماله، وأعلمهم أنه تعالى يعلم المفسد لمال اليتيم من المصلح له ليكونوا دائماً على حذر، وكل هذا حماية لمال اليتيم الذي فقد والده. ثم زاد الله في منته عليهم يرفع الحرج في المخالطة فقال تعالى {وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لأَعْنَتَكُمْ } أي أبقاكم في المشقة المترتبة على فصل أموالكم عن أموال يتاماكم وقوله إن الله عزيز أي غالب على ما يريده حكيم فيما يفعله ويقضي به. هداية الآيتين: من هداية الآيتين: 1- حرم الخمر والميسر حيث نسخت هذه الآية بآية المائدة لقوله تعالى فيها فاجتنبوه وقوله فهل أنتم منتهون. 2- بيان أفضل صدقة التطوع وهي ما كانت عن ظهر غنىً وهو العفو في هذه الآية. 3- استحباب التفكر في أمر الدنيا والآخرة لإِعطاء الأولى بقدر فنائها والآخرة بحسب بقائها. 4- جواز خلط مال اليتيم بمال كافله إذا كان أربح له وأوفر وهو معنى الإِصلاح في الآية. 5- حرمة مال اليتيم، والتحذير من المساس به وخلطه إذا كان يسبب نقصاً فيه أو إفساداً.

القطان

تفسير : الخمر: كل ما اسكر من المشروبات. الميسر: القمار. الاثم: الذنب: العفو: الفضل والزيادة على الحاجة. هذه أول آية نزلت في الخمر، ثم نزلت بعدها الآية التي في سورة النساء {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ ٱلصَّلاَةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَىٰ} ثم نزلت الآية التي في المائدة. هكذا بالترتيب. روى الامام أحمد وأبو داود والترمذي عن عمر انه قال: اللهم بينْ لنا في الخمر بيانا، فنزلت هذه الآية. فدعي عمر فقرئت عليه فقال: اللهمّ بين لنا في الخمر بياناً شافيا، فنزلت الآية التي في سورة النساء {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ ٱلصَّلاَةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَىٰ}. فدعى عمر فقرئت عليه فقال: اللهم بين لنا في الخمر بياناً شافيا. فنزلت الآية التي في المائدة {يَـۤأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا ٱلْخَمْرُ وَٱلْمَيْسِرُ...} الآية فدعي عمر فقرئت عليه فلما بلغ {فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ} قال عمر: انتهينا، انتهينا. روى الشيخان عن ابن عمر ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "كل مسكر خمر، وكل مسكر حرام.. الحديث". فحرمةُ الخمر ثبتت بالإجماع، وهو المصدر الثالث. يسألونك يا محمد عن حكم الخمر والقمار، فقل ان فيهما ضرراً كبيرا من افساد الصحة وذهاب العقل والمال واثارة العداوة والبغضاء بين الناس، وفيهما منافع كالتسلية والربح اليسير السهل.. ولكن ضررهما أكبر من نفعهما فاجتنبوهما. وأصل الميسر هو الجزور الناقةُ يقسمونها الى عدة أقسام ويضربون عليها القِداح، وهي قطع من الخشب تسمّى الأزلام، وهي عشرة, وأسماؤها كما يلي: الفذ، والتوءم، والرقيب، والحلس، والمسبل، والمعلّى، والنافس، والمنيح، والسفيح، والوغد، فكان لكل واحد من السبعة الاولى نصيب معلوم. ولا شيء للثلاثة الأخيرة. وكان المعلّى اعلاها حيث له سبعة أجزاء ولذلك يضرب به المثل فيقال: "له القِدح المعلّى". هذا هو قمار العرب في الجاهلية. وقد حرّمه الله لما فيه من اكل اموال الناس بالباطل وما يجلب من المنازعات والفتنة. وهذا النص القرآني العظيم يوضح لنا ان التشريع يراعى فيه منافع العباد، فما كثرت منافعه بجوار مضاره كان مطلوبا ومباحا، وما قلّت منافعه بجوار مضاره كان منهيّاً عنه. وهو يومىء الى امر واقع في هذه الدنيا، وهو ان الاشياء يختلط خيرها بشرها، فليس هناك خير محض، ولا شر محض. فالخمر وهي ام الخبائث، فيها نفع للناس بجوار شرها الذي لا حدود له. والميسر الذي يشغل النفس ويصيبها باضطراب مستمر، فيه نفع للناس وآثام تفسد الحياة، ولقد كانت حكمة الله بالغة في تحريم الخمر على مراحل، وذلك لتعلُّق العرب بها في ذلك الزمان، ولأن تحريمها دفعة واحدة كان من الصعوبة بمكان. {وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ ٱلْعَفْوَ} ويسألونك يا محمد اي جزء من اموالهم ينفقون واياً يمسكون؟ قل أنفقوا الزائد عن حاجتكم، وفي الصحيح قال: "حديث : خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى، وابدأ بمن تعلول"تفسير : . واخرج مسلم عن جابر ان النبي قال: "حديث : ابدأ بنفسك فتصدق عليها فإن فضل شيء فلأهلك، فان فضل شيء فلذي قرابتك، فان فضل شيء عن ذي قرابتك فهكذا وهكذا ". تفسير : وكان يكره للمرء ان يتصدق بجميع ماله، ويجبّ ان يتصدق بما يزيد عن حاجته. القراءات: قرأ ابو عمرو "قل العفُو" بالضم.

د. أسعد حومد

تفسير : {يَسْأَلُونَكَ} {وَمَنَافِعُ} {وَيَسْأَلُونَكَ} {ٱلآيَاتِ} (219) - جَاءَ الرَّسُولُ صلى الله عليه وسلم المَدِينَةَ وَكَانَ النَّاسُ يَشْرَبُونَ الخَمْرَ. وَالخَمْرُ عِنْدَ الإِمَامِ الشَّافِعِيِّ هِيَ كُلُّ مَا أسْكَرَ. وَكَانَ العَرَبُ يَعْرِفُونَ لَعِبَ المَيْسِرِ (أي القِمَارِ) وَيُمَارِسُونَهُ، وَكَانوا يَجْعَلُونَهُ وَسيلةً لِمُسَاعَدَةِ الفُقَرَاء وَكَانَتِ العَرَبُ تَلْعَبُ المَيْسِرَ بِقِدَاحٍ (وَالقِدْحُ هُوَ قِطْعَةٌ مِنَ الخَشَبِ كَالقَلَمِ أوِ السَّهْمِ) وَالقِداحُ عَشَرَةٌ كُتِبَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا اسْمٌ، فَمِنْ هَذِهِ القِدَاحِ مَا يَرْبَحُ رِبْحاً عَظِيماً، وَمِنْهَا مَا يَرْبَحُ رِبْحاً مُتَوَسِّطاً، وَمِنْهَا مَا لاَ يَرْبَحُ وَهَي ثَلاَثَةُ قِدَاحٍ (المَنِيحُ وَالسَّفِيحُ وَالوَغْدُ). فَمَنْ خَرَجَ لَهُ سَهْمٌ رَابِحٌ أَخَذَ نَصِيباً مِنَ الجَزُورِ (وَهُوَ البَعِيرُ المَذْبُوحُ) يُقَابِلُ الأسْهُمَ المُخَصَّصَةَ لِقِدْحِهِ. وَمَنْ خَرَجَ لَهُ سَهْمٌ غَيْرُ رَابحٍ غَرِمَ ثَمَنَ الجَزُورِ، وَلاَ يَأْخُذُ شَيئاً. وَكَانَ المُقَامِرُونَ لاَ يَأْخُذَونَ شَيئاً مِنَ الرِّبْحِ لأنْفُسِهِمْ، وَإِنَّمَا يُوَزِّعُونَهُ عَلَى الفُقَراءِ. وَكَانَ العَرَبُ يَعِيبُونَ عَلَى مَنْ لا يُمَارِسُ القِمَارَ، وَيُسَمُّونَهُ الوَغْدَ. وَتَطَوَّرَ لَعِبُ المَيْسرِ فَشَمَلَ صُوراً أُخْرَى، وَأَصْبَحَتْ لَهُ غَايَاتٌ أُخْرَى غَيْرُ الإِنْفَاقِ عَلَى الفُقَرَاءِ، فَأَصْبَحَ المُقَامِرُ يَسَعَى وَرَاءَ نَفْعِ نَفْسِهِ. وَقَدْ سَأَلَ النَّاسُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ حُكْمِ تَنَاوُلِ الخَمْرِ وَبَيْعِها، وَعَنْ حُكْمِ لَعِبِ المَيْسِرِ، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى هذِهِ الآيَةَ. أَمّا إثمُ الخَمْرِ وَالمَيْسِرِ فَهُوَ فِي الدِّين، أمَّا المَنَافِعُ فَهِيَ دُنْيَوِيَّةٌ، وَلَكِنَّ هَذِهِ المَنَافِعَ لاَ تُوَازِي المَضَارَّ الوَاضِحَةَ لِتَعَلُّقِهَا بِالعَقْلِ وَالدِّينِ (فَإثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا). وَسَأَلَ المُسْلِمُونَ الرَّسُولَ صلى الله عليه وسلم مَاذَا يُنْفِقُونَ؟ فَأَجَابَهُمُ اللهُ تَعَالَى قَائِلاً: (العَفْوَ) أَيْ مَا يَسْهُلُ عَلَى الإِنْسَانِ إِنْفَاقُهُ مِمَّا يَفِيضُ عَنْ حَاجَةِ الإِنَسانِ، وَحَاجَةِ عِيَالِهِ وَذَوِي قُرْبَاهُ. (وَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم "حديث : خَيْرُ الصَّدَقَةِ مَا كَانَ عَنْ ظَهْرِ غِنىً، وَاليَدُ العُلْيا خَيْرٌ مِنَ اليَدِ السُّفْلى، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ"تفسير : ). وَكَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ الآيَاتِ فِي أَحْكَامِهِ وَوَعْدِهِ وَوَعِيدِهِ، لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ فِي الدُّنيا وَالآخِرَةِ وَشُؤُونِهِما مَعاً، فَتَجْتَمِعَ مَصَالِحُ الجَسَدِ وَالرُّوحِ، وَتَكُونُوا أمَّةً وَسَطاً لاَ تَتَهَالَكُ عَلَى الدُّنيا وَتَنْسَى الآخِرَةَ، وَلاَ تَنْسَى الدُّنيا لأنَّ الدُّنيا مَزْرَعَةُ الآخِرَةِ. المَيْسِرُ - القِمَارُ. العَفْوَ - مَا فَضُلَ عَنِ الحَاجَةِ.

الثعلبي

تفسير : {يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ} نزلت في عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) ومعاذ بن جبل ونفر من الأنصار أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله أفتنا في الخمر والميسر فإنها مذهبة للعقل، مسلبة للمال، فأنزل الله تعالى هذه الآية وجملة القول أن تحريم الخمر على أقوال المفسرون والحُفّاظ مختلفة وبعضها متفقة. هي أن الله أنزل في الخمر أربع آيات نزلت بمكة {أية : وَمِن ثَمَرَاتِ ٱلنَّخِيلِ وَٱلأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً} تفسير : [النحل: 67] وهو المسكر، وكان المسلمون يشربونها وهي لهم يومئذ حلال، ونزلت في مسألة عمر ومعاذ {يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ} {قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا} فلمّا نزلت هذه الآية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إنّ ربكم تقدم في تحريم الخمر" تفسير : فتركها قوم لقوله {فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ} وقالوا: لا حاجة لنا في شيء فيه إثم كبير لقوله: {وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ} وكانوا يتمتعون بمنافعها ويجتنبون آثامها إلى أن صنع عبد الرحمن بن عوف طعاماً فدعا ناساً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمامهم الخمر فشربوا وسكروا، وحضرت صلاة المغرب فقدّموا بعضهم ليصلّي بهم فقرأ (قل يا أيها الكافرون أعبد ما تعبدون) إلى آخر السورة فحذف {لاَ} فأنزل الله {أية : يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ ٱلصَّلاَةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَىٰ حَتَّىٰ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ} تفسير : [النساء: 43] فحرّم المسكر في أوقات الصلاة فقال عمر: إنّ الله يقارب في النهي عن شرب الخمرة، فلا أراه إلاّ وسيحرّمها فلمّا نزلت [حرّم الله] تركها قوم وقالوا: لا خير في شيء يحول بيننا وبين الصلاة. وكان قوم يشربونها ويجلسون في بيوتهم، وكانوا يتركونها أوقات الصلاة، ويشربونها في غير حين الصلاة إلى أن شربها رجل من المسلمين فجعل ينوح على قتلى بدر ويقول: شعر : تحيّي بالسلامةِ أُم بكر وهل لك بعد رهطك من سلام ذريني اصطبخ بكراً فإني ليت الموت يبعد عن خيام وودّ بنو المغيرة لو فدوه بألف من رجال أو سوام كأنّي بالطويّ طويّ بدر من الشيزي يكلل بالسنام كأني بالطويّ طويّ بدر من الفتيان والحلل الكرام تفسير : فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخرج مسرعاً يجرّ رداءه حتى انتهى إليه ورفع شيئاً كان بيده ليضربه، فلمّا عاينه الرجل قال: أعوذ بالله من غضب الله وغضب رسول الله، والله لا أطعمها أبداً. وكان من حمزة بن عبد المطلب ما روى الزهري عن علي بن الحسين عن أبيه عن جده (عليهم السلام) قال: كانت لي شارف من نصيبي من المغنم ودفع إليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم نثاره من الخمس، [واعدتُ رجلاً صواغاً أن يرتحل معي فنأتي بأذخر أردت أن أبيعه] من الصواغين وأستعين بثمنه على الدخول بفاطمة وعرسها. قال: فحملت شارفي عند حائط رجل من الأنصار ومضيت لأجمع الحبال والغرائر والأقتاب وجئت وقد بقر بطن شارفي واجتبَّ أسنمتهما قال: فلم أملك عيني أن بكيت ثم قلت: من فعل هذا بشارفي؟ قالوا: عمّك حمزة فعله وهذا هو في البيت معه شرب، عندهم قينة وحلفوا فقالت: شعر : ألا يا حمزُ المشرف النواء [وهنّ معقّلات بالفناء] زج السكين في اللبات منها فضرجهن حمزة بالدماء وأطعم من شراثحها كبابا مهلوجة على رهج الصلاء فأصلح من أطايبها طبيخاً لشربك من قدير أو سواء فأنت أبا عمارة المرجّى لكشف الضرّ عنّا والبلاء تفسير : فقام الى شارفيك فقتلهما، [قال علي: ] فجئت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في بيت أم سلمة معه مولاه زيد قال: [ما جاء بك] فداك أبي وأمي يا عليّ، قلت [ما فعل عمّك] بشارفيَّ وخبّرته الخبر، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فلبس نعليه ورداءه ثم انطلق يمشي واتبعته أنا وزيد فسلّم وأستأذن ودخل البيت وقال: يا حمزة ما حملك على ما فعلت بشارفيّ ابن أخيك؟ فرفع رأسه وجعل ينظر إلى يديّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى ساقيه، فصوّب النظر إليه، ثم قال: ألستم وآباؤكم عبيد لأبي، فرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم القهقرى وقال: إن غنمك وجمالك عليَّ [فغرمهما] لي رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلما أصبح غدا حمزة على رسول الله يعتذر فقال: مه يا عمّ فقد سألت الله فعفا عنك. قالوا: واتخذ عتبان بن مالك طعاماً فدعا رجالاً من المسلمين فيهم سعد بن أبي وقاص وكان قد شوى لهم رأس بعير، فأكلوا وشربوا الخمر حتى أخذت منهم، ثم إنهم افتخروا عند عتبان وانتسبوا وتناشدوا الأشعار، فأنشد سعد قصيدة فيها هجو الأنصار وفخر لقومه، فقام رجل من الأنصار وأخذ لحيي البعير فضرب به رأس سعد [فشجّه شجّةً]، فانطلق سعد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وشكا إليه الأنصاري فقال عمر (رضي الله عنه): اللهم بيّن لنا رأيك في الخمر بياناً وافياً، فأنزل الله تحريم الخمر في سورة المائدة {أية : إِنَّمَا ٱلْخَمْرُ وَٱلْمَيْسِرُ} تفسير : [90] إلى {أية : يَنتَهُونَ} تفسير : [التوبة: 12] وذلك بعد غزوة الأحزاب بأيام فقال عمر: انتهينا يا ربّ. قال أنس: حرّمت ولم يكن يومئذ للعرب عيش أعجب منها إليهم يوم حرّمت عليهم، ولم يكن شيء أثقل عليهم من تحريمها قال: فأخرجنا الحباب إلى الطريق فصببنا ما فيه، فمنّا من كسر حبّه، ومنّا من غسله بالماء والطين، ولقد [غدت] أزقة المدينة بعد ذاك الحين كلّما مطرت استبان بها لون الخمر وفاحت ريحها. فأمّا ماهية الخمر فاختلف الفقهاء فيها فقال بعضهم: هو خاص فيما اعتصر من العنبة والنخلة فغُلي بطبعه دون عمل النار فيه فإن ما سوى ذلك ليس بخمر، وهذا مذهب سفيان الثوري وأبي حنيفة وأبي يوسف وأكثر أهل الرأي، ثم اختلفوا في المطبوخ فقالوا: كل عصير طبخ حتى يذهب ثلثاه فهو حلال إلاّ أنه يكره، فإن طبخ حتى يذهب ثلثاه وبقي ثلثه فهو حلال مباح شربه وبيعه إلاّ أن المسكر منه حرام، واحتجوا في ذلك بما روى أبو كثير عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : الخمر من هاتين الشجرتين النخلة والعنبة"تفسير : . واختلفوا في المطبوخ بالمشمش (.......) روى نباتة عن سويد بن غفلة قال: كتب عمر بن الخطاب إلى بعض عماله أن رزق المسلمين من الطلاء ما ذهب ثلثاه وبقي ثلثه. وعن ابن سيرين أن عبد الله بن سويد الخطمي قال: كتب إلينا عمر بن الخطاب: أما بعد فاطبخوا شرابكم حتى يذهب منه نصيب الشيطان فإن له اثنين ولكم واحد. وعن أنس بن سيرين قال: سمعت أنس بن مالك يقول إن نوحاً عليه السلام نازعه الشيطان في عود الكرم فقال هذا: هذا لي، وقال: هذا لي فاصطلحا على أن لنوح ثلثها وللشيطان ثلثاها. ابن أُبيّ وأُبيّ عن داود قال: سألت سعيد بن المسيّب ما الرُّب الذي أحلّه عمر (رضي الله عنه)، قال: الذي يطبخ حتى يذهب ثلثاه ويبقى ثلثه. وعن قيس بن أُبيّ حدّث عن موسى الأموي أنه كان يشرب من الطلاء ما ذهب ثلثاه وبقي ثلثه. وعن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيّب قال: إذا طبخ الطلاء على الثلث فلا بأس، وبه قال المسوّر. وقال الثعلبي: والذي عندي أن هذه الأخبار وردت في ثلث غير مسكر. يدلّ عليه ما روى سويد بن نصير عن عبد الله بن عبد الملك بن الطفيل الجزري قال: كتب إلينا عمر بن عبد العزيز: لا تشربوا من الطلاء حتى يذهب ثلثاه ويبقى ثلثه، كل مسكر حرام، وقال قوم: إذا طبخ العصير أدنى طبخ فصار طلاء وهو قول إسماعيل بن علية وجماعة من أهل العراق. وروي عن عيسى بن إبراهيم أنه لا يحرّم شيئاً من الأنبذة لا النيّ منها ولا المطبوخ إلاّ شراب واحد وهو عصير العنب النيّ الشديد الذي لم يدخله (ماء وتغيّرات من) الخمر فقط. واستدلّ بما روى ابن الأحوص عن سماك عن القاسم بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي بردة بن سهل قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : اشربوا في الظروف ولا تسكروا" تفسير : قال أبو عبد الرحمن السدّي الحديث منكر، غلط فيه أبو الاحوص سلام بن سليم، لا نعلم أحداً كان يعوّل عليه من أصحاب سماك، وسماك أيضاً ليس بقوي، وكان يقبل التلقين. قال أحمد: قيل: كان أبو الأحوص غلى في هذا الحديث. خالفه شريك في إسناده ولفظه، رواه شريك عن سماك بن حرب عن أبي بريدة عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الدّيّا والحنتم والنقير والمزفت، وأجمعوا أيضاً بما أسندوا إلى سماك عن قرصافة امرأة منهم عن عائشة قال: اشربوا ولا تسكروا. قال الإمام أبو عبد الرحمن هذا غير ثابت، وقرصافة لا ندري من هي، والمشهور عن عائشة ما روى سويد بن نصر عن عبد الله عن قدامة العامري أن جسرة بنت دجاجة العامرية حدّثتنا قالت: سمعت عائشة سألها أياس عن النبيذ قالوا: ننبذ الخمر غدوة ونشربه عشيّاً، وننبذه عشيّاً ونشربه غدوة، قالت: لا أُحلّ مسكراً وإن كان خبزاً، قالوا: قالته ثلاث مرات. واعتلّوا بما روى هشيم عن ابن شبرمة قال: حدّثني الثقة عن عبد الله بن شدّاد عن ابن عباس قال: حرّمت الخمر منها، قليلها وكثيرها، والمسكر من كل شراب. وهذا أولى بالصواب لما روى سفيان عن أبي الجويرية الجرمي قال: سألت ابن عباس عن الباذق قال: ما أسكر فهو حرام، وعن شعبة عن سلمة بن كميل قال: سمعت أبا الحكم يحدّث قال: قال ابن عباس: من سرّه أن يحرّم ما حرّم الله ورسوله فليحرِّم النبيذ. واعتلّوا أيضاً بما أسندوه إلى عبد الملك بن نافع قال:" حديث : رأيت ابن عمر رأيت رجلاً جاء الى رسول الله صلى الله عليه وسلم بقدح فيها نبيذ وهو عند الركن، فدفع إليه القدح فرفعه إلى فيه فوجده شديداً فردّه الى صاحبه، فقال له رجل من القوم: يا رسول الله أحرام هو؟ قال، عليَّ بالرجل فأُتي به فأخذ منه القدح، ثم دعاهما فصبّه فيه ثم رفعه إلى فيه فصبّه، ثم دعاهما أيضاً فصبّه فيه ثم قال: أما إذا عملت فيكم هذه الأوعية فاكسروا متونها بالماء ". تفسير : قال أبو عبد الرحمن: عبد الملك بن رافع هو مشهور ولكن حدّثنيه وأخبرنا عن الزبير خلاف حكاية ما روى وهب بن هارون عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : كل مسكر حرام، وكل مسكر خمر ". تفسير : وروى ابن سيرين عن ابن عمر قال: المسكر قليله وكثيره حرام، وروى أبو عوانة عن زيد ابن عمر قال: سألت ابن عمر عن الأشربة فقال: اجتنب كلَّ شيء فيه شيء مسكر، واحتجوا أيضاً بما أسندوه إلى يحيى بن يمان عن سفيان عن منصور عن مخلد بن سعيد عن ابن مسعود قال:" حديث : عطش النبي صلى الله عليه وسلم حول الكعبة فاستسقى فأُتي بنبيذ من السقاية فشمّه وقطب وقال: "عليّ بذنوب من زمزم" فصبّه عليه ثم شرب فقال رجل: أحرام هو يا رسول الله قال: لا ". تفسير : قال أبو عبد الرحمن: هذا خبر ضعيف لأن يحيى بن يمان انفرد به دون أصحاب سفيان، ويحيى بن يمان لا يحتج بحديثه، لكثرة خطئهِ وسوء حفظه، وعن زيد بن واقد عن خالد بن الحسين قال: سمعت أبا هريرة يقول:" حديث : علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصوم في بعض الأيام التي كان يصومها، فتحيّنت فطره بنبيذ صنعته في دباء، فلمّا كان المساء جئته أحملها إليه فقلت: يا رسول الله إني علمت أنك تصوم في هذا اليوم فتحيّنت فطرك بهذا النبيذ فقال: ادنُ مني يا أبا هريرة فرفعته إليه فإذا هو [ينش] فقال: «خذ هذه واضرب بها الحائط، فإنّ هذا شراب من لا يؤمن بالله واليوم الآخر ". تفسير : واحتجّوا أيضاً بما أسندوه إلى سفيان عن يحيى بن سعيد قال: سمعت سعيد بن المسيّب يقول: تلقّت ثقيف عمر بشراب فدعا به، فلمّا قرّبه إلى فيه كرهه فخلطه بالماء فقال: هكذا فافعلوا. واحتجّوا بما أسندوه إلى أبي رافع أن عمر بن الخطاب قال: إذا خشيتم من نبيذ لشدّته فاكسره. واحتجوا بما قاله بعض أصحابنا وهو عبد الله بن المبارك معنى أكسره بالماء من قبل أن يشتدّ، ودليل هذا التأويل ما روى ابن شهاب هو سفيان بن يزيد أن عمر خرج عليهم فقال: إني وجدت من فلان ريح الشراب فزعم أنه شرب الطلا فإني سائل عما يشرب فإن كان مسكراً جلدته فجلد عمر الحدّ تامّاً. وروى إبراهيم عن ابن سيرين قال: يعد عصيراً ممن متّخذه طلا ولا يتخذه خمراً قال أبو سعيد الطلا الذي قد طبخ حتى ذهب ثلثاه وبقي ثلثه، سمّي بذلك لأنه شبيه بطلاء الإبل في ثخنه وسواده. قال عبيد بن الابرص: شعر : هي الخمرتكنى الطلاء كما الذئب يكنى أبا جعدة تفسير : قال الثعلبي: الطلاء الذي ورد فيه الرخصة إنما هو الرُّبّ فإنه إذا طبخ حتى يرجع إلى الثلث فقد ذهب سكره وشرّه وخلا شيطانه. واحتجوا أيضاً بما روى هشيم عن المغيرة عن إبراهيم أنه أُهدي له بطيخ خاثر فكان تبيّنه ويلغي فيه المسكر. وعن مغيرة عن أبي معشر عن إبراهيم قال: لا بأس بنبيذ البطيخ. عن أبي أسامة قال: سمعت ابن المبارك يقول: ما وجدت الرخصة في المسكر عن أحد صحيح إلاّ عن إبراهيم. حماد بن سلمة عن عمر عن أنس قال: كان لأُم سلمة قدح فقالت: سقيت رسول الله صلى الله عليه وسلم كل الشراب: الماء والعسل واللبن والنبيذ. وعن ابن شبرمة قال: قال طلحة بن مصرف لأهل الكوفة في النبيذ فقال: يربو فيها الصغير ويهرم فيها الكبير، قال: وكان المقداد والزبير يسقيان اللبن في العسل فقيل لطلحة: ألا نسقيهم النبيذ؟ قال: إني أكره أن يسكر مسلم في سنتي. وعن سفيان قال: ذُكر قول طلحة عند أبي إسحاق في النبيذ فقال ابن إسحاق: قد سقيته أصحاب عليّ وأصحاب عبد الله في الخوافي قبل أن يولد طلحة، وعن ابن شبرمة قال: رحم الله إبراهيم شدّد الناس في النبيذ ورخّص فيه. واحتجّوا أيضاً بما أسندوه إلى عبد الله بن بريدة عن أبيه "حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بينما هو يسير إذ حلّ بقوم فسمع لهم لغطاً فقال: ما هذا الصوت؟ قالوا: يا نبيّ الله لهم شراب يشربونه، فبعث النبي إليهم فدعاهم فقال: في أي شيء تنبذون؟ قالوا: ننبذ في النقير وفي الدباء وليس لنا ظروف، فقال: لا تشربوا إلاّ ما أوكيتم عليه، قال: فلبث بذلك ما شاء الله أن يلبث، فرجع إليهم فإذا هم قد أصابهم وباء وصفروا فقال: ما لي أراكم قد هلكتم؟ قالوا: يا نبيّ الله أرضنا وبيئة وحرّمتَ علينا إلاّ ما أوكينا عليه قال: اشربوا، وكل مسكر حرام ". تفسير : قالوا: أراد بهذا الخمر الذي يحصل منه السكر، لأن التنبّذ ذلك الطرب والنشاط ولا يحصلان إلاّ عن شراب مسكر. أبو الزبير عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينبذ له في (قدر من عفاره). قال الثعلبي: ويحتمل أنّ لهذه الأخبار وأمثالها معنيين: أحدهما أنها كانت قبل تحريم الخمر، والمعنى الآخر وهو أقربهما إلى الصواب أنهم أرادوا بالنبيذ الماء الذي ألقي فيه التمر أو الزبيب حتى أخذ من قوته وحلاوته قبل أن يشتدّ ويُسكر، يدلّ عليه ما روي عن ابن عباس" حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصنع له النبيذ فيشربه يومه والغد وبعد الغد ". تفسير : وروى الأعمش عن يحيى بن أبي عمرو عن ابن عباس قال:" حديث : كان النبي صلى الله عليه وسلم يُنبذ له نبيذ الزبيب من الليل ويُجعل في سقاء فيشربه يومه ذلك والغد وبعد الغد، فإذا كان من آخر الآنية سقاه أو شربه فإن أصبح منه شيء أراقه ". تفسير : وعن عبد الله بن الديلمي عن أبيه فيروز قال: قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت:" حديث : يا رسول الله إنّا أصحاب كرم وقد أنزل الله تحريم الخمر، فماذا نصنع؟ قال: تتخذونه زبيباً، قلت: فنصنع بالزبيب ماذا؟ قال: تنقعونه على غدائكم، وتشربونه على عشائكم، وتنقعونه على عشائكم، وتشربونه على غدائكم، قلت: أفلا نؤخّره حتى يشتدّ؟ قال: فلا تجعلوه في السلال واجعلوه في الشنان، فإنه إن تأخّر صار خمراً ". تفسير : وعن نافع عن ابن عمر أنه كان يُنبذ له في سقاء للزبيب غدوة فيشربه من الليل، ويُنبذ له عشوة فيشربه غدوة، وكان يغسل الأسقية ولا يجعل فيها نرديّاً ولا شيئاً، قال نافع: وكنّا نشربه مثل العسل. وعن بسام قال: سألت أبا جعفر عن النبيذ قال: كان عليّ بن الحسين يُنبذ له من الليل فيشربه غدوة، ويُنبذ له غدوة فيشربه من الليل. وعن عبد الله قال: سمعت سفيان وسئل عن النبيذ قال: أنبذ عشاءً وأشربه غدوة. فهذه الأخبار تدلّ على أنه نقيع الزبيب والتمر قبل أن يشتد، وبالله التوفيق. وقال مالك والشافعي وأحمد بن حنبل وأبو ثور وأكثر أهل الآثار: إن الخمر كل شراب مسكر سواء كان عصير العنب ما أُريد منها، مطبوخاً كان أو نيّاً وكل شراب مسكر فهو حرام قليله وكثيره، وعلى شاربه الحدّ إلاّ أن يتناول المطبوخ [بعد ذهاب ثلثه] فإنه لا يحدّ وشهادته لا تُرد، والذي يدلّ على حجّة هذا المذهب من اللغة أن الخمر أصله الستر، ويقال لكل شيء ستر شيئاً من شجر أو حجر أو غيرهما خمر، وقال: وخمر فلان في خمار الناس، ومنه خمار المرأة وخمرة السجادة، والخمر سُميّ بذلك لأنه يستر العقل، يدلّ عليه ما روى الشعبي عن ابن عمر قال: خطب عمر فقال: إن الخمر نزل تحريمها، وهي من خمسة أشياء: العنب والتمر والحنطة والشعير والعسل، والخمر ما خامر العقل. وقال أنس بن مالك: سُمّيت خمراً لأنهم كانوا يَدَعونها في الدّنان حتى تختمر وتتغيّر. وقال سعيد بن المسيّب: إنّما سُمّيت الخمر لأنها تُركتْ حتى صفا صفورها ورسب كدرها. وقال أنس: لقد حُرّمت الخمر وإنّما عامة خمورهم يومئذ الفضيخ قال: وما كان بالمدينة يصنعون الخمر وما عندهم من العنب ما يتخذون وإنما نسمع الخمور في بلاد الأعاجم وكنا نشرب الفضيخ من التمر والبسر، والفضيخ ما افتضخ من التمر والبسر من غير أن تمسّه النار. وفيه روي عن ابن عمر أنه قال: ليس بالفضيخ ولكنه الفضوخ، ودليلهم من السنّة ما روى نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : كل مسكر خمر، وكل خمر مسكر حرام ". تفسير : سالم بن عبد الله عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : كل مسكر خمر وما أسكر كثيره فقليله حرام ". تفسير : عن أبي عثمان عمرو بن سالم الأنصاري عن القاسم عن عائشة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ما أسكر الغرق منه فملء كفك منه حرام والغرق إناء يحمل ستة عشر رطلاً. وعن أبي الغصن الملقب بحجى قال: قال لي: هشام بن عروة: هل تشرب النبيذ؟ قلت نعم والله إني لأشربه قال: إن أبي حدّثني عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : كل مسكر حرام أوّله وآخره ". تفسير : وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إنّ من التمر لخمراً، وإنّ من العنب لخمراً، وإنّ من الزبيب لخمراً، وإنّ من العسل لخمراً، وإنّ من الحنطة لخمراً، وإنّ من الشعير لخمراً، وإنّ من الذرة لخمراً وأنا أنهاكم عن كل مسكر ". تفسير : وعن ابن سيرين قال: جاء رجل إلى ابن عمر فقال: إنّ أهلنا ينبذون لنا شراباً عشاءً فاذا أصبحنا شربناه. فقال: أنهاك عن المسكر قليله وكثيره واعبد الله عزّ وجلّ، أنا أنهاك عن المسكر قليله وكثيره وأعبد الله عزّوجل، عليك أن أهل خيبر ينبذون شراباً لهم كذا وكذا يسمّونه كذا وكذا، وأن أبيك ينبذ شراباً من كذا وكذا يسمّونه كذا وكذا وهي الخمر، حتى عدّ له أربعة أشربة آخرها العسل. وعن عكرمة قال: "حديث : دخل النبي صلى الله عليه وسلم على بعض أزواجه وقد نبذوا العصير لهم في كوز فأراقه وكسر الكوز ". تفسير : روى عبادة بن الصامت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : ليستحلّنّ ناس من أُمتي الخمر باسم يسمّونها إيّاه ". تفسير : ويُروى عنه أنه قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : أما الخمر لم تحرّم لإسمها إنّما حرّمت لما فيها، وكل شراب عاقبته الخمر فهو حرام ". تفسير : وحكي أنّ رجلاً من حكماء العرب قيل له: لم لا تشرب النبيذ؟ فقال: الله منحني عقلي صحيحاً، فكيف أدخل عليه ما يفسده. {وَٱلْمَيْسِرِ} يعني القمار قال ابن عباس: كان الرجل في الجاهلية يقامره الرجل على أهله وماله فأيهما قمر صاحبه ذهب بماله وأهله فأنزل الله تعالى هذه الآية. والميسر مفعل من قول القائل: يسر هذا الشيء إذا وجب فهو ييسر يسراً وميسراً، والياسرالرامي بقداح وجب ذلك أو مباحه أو غيرهما، ثم قيل للقمار: ميسر، وللمقامر: ياسر ويسر قال النابغة: شعر : أو ياسر ذهب القداح بوفره أسف نأكله الصديق مخلع تفسير : وقال الآخر: شعر : فبتّ كأنني يسر غبين يقلب بعدما اختلع القداحا تفسير : وقال مقاتل: سمّي ميسراً لأنهم كانوا يقولون: يسر هو لنا ثمن الجزور، وكان أصل اليسر في الجزور، وذلك أنّ أهل الثروة من العرب كانوا يشترون جزوراً فيحزّونها ويجزونها اجتزاءً. واختلفوا في عدد الأجزاء فقال أبو عمرو: عشرة وقال الأصمعي: إنما هي عشرون ثم يضمّون عليها عشرة قداح ويقال: منه الأزلام والأقلام سبعة منها لها أنصباء هي: الفذ وله نصيب واحدة، والتّوأم وله نصيبان، والرفت وله ثلاثة، والجلس وله أربعة، والنافس وله خمسة، والمسيل وله ستة، والمغلّي وله سبعة، وثلاثة منها لا أنصباء لها وهي النسيج والسفنج والوغد. ثم يجعلون القداح في خريطة تسمى الربابة، قال أبو ذؤيب: شعر : وكأنّهنّ ربابة وكأنّه يسر يفيض على القداح ويصدع تفسير : ويضعون الربابة على يد رجل عدل عندهم ويسمى المجيل والمفيض، ثم يجيلها ويخرج قدحاً منها باسم رجل منهم، فأيّهم خرج سهمه أخذ نصيبه على قدر ما يخرج، فانْ خرج له واحد من هذه الثلاثة التي لا أنصباء لها فاختلفوا فيه فكل منهم كان لا يعهد شيئاً ويغرّم ثمن الجزور كلّه. وقال بعضهم: لا يأخذ ولا يغرّم، ويكون ذلك القداح لغواً فيعاد سهمه ثانياً فهؤلاء الياسرون والايسار ثم يدفعون ذلك الجزور إلى الفقراء ولا يأكلون منه شيئاً، وكانوا يفتخرون بذلك ويذمّون من لم يفعل ذلك منهم ويسمّونه البرم، قال متمم بن نويرة: شعر : ولا برماً تهدى النساء لعرسه إذا القشع في برد الشتاء تقعقعا تفسير : فأصل هذا القمار الذي كانت العرب تفعله وإنما نهى الله تعالى في هذه الآية عن أنواع القمار كلّها. ليث عن طاوس ومجاهد وعطاء قالوا: كل شيء فيه قمار فهو الميسر حتى لعب الصبيان بالعود والكعاب. عن أبي الأحوص عن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إياكم وهاتين الكعبتين الموسومتين فإنّهما من ميسر العجم". تفسير : وعن جعفر بن محمد عن أبيه أن عليًّا كرّم الله وجهه قال في النرد والشطرنج: هي من الميسر. وعن القاسم بن محمد أنه قال: كل شيء ألهى عن ذكر الله وعن الصلاة فهو الميسر. {يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ} ووزر كبير من المخاصمة والمشاتمة وقول الفحش والزور، وزوال العقل والمنع من الصلاة واستحلال مال الغير بغير حق. قرأ أهل الكوفة إلاّ عاصم: كثير بالثاء، وقرأ الباقون بالباء واختاره أبو عبيد وأبو حاتم لقوله: وإثمهما أكبر من نفعهما، وقوله: حوباً كبيراً {وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ} وهي ما كانوا يصيبونها في الخمر من التجارة واللّذة عند شربهما يقول الأعشى: شعر : لنا من صحاها خبث نفس وكابة وذكرى هموم ما تفك أذاتها وعند العشاء طيب نفس ولذّة ومال كثير عدّة نشواتها تفسير : ومنفعة الميسر ما يصاب من القمار ويرتفق به الفقراء. {وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا} قال المفسّرون: إثم الخمر هو أن الرجل يشرب فيسكر فيؤذي الناس، وإثم الميسر أن يقامر الرجل فيمنع الحق ويظلم. وقال الضحّاك والربيع: المنافع قبل التحريم، والإثم بعد التحريم. {وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ} وذلك أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم حثّهم على الصدقة ورغّبهم فيها من غير عزم قالوا: يا رسول الله ماذا ننفق؟ وعلى من نتصدق؟ فأنزل الله تعالى {وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ} أي شيء ينفقون وللاستفهام {قُلِ ٱلْعَفْوَ} قرأ الحسن وقتادة وابن أبي إسحاق وأبو عمرو {قُلِ ٱلْعَفْوَ} بالرفع، واختاره محمد بن السدّي على معنى: الذي ينفقون هو العفو، دليله قوله: {أية : وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَّاذَآ أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُواْ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ} تفسير : [النحل: 24] وقرأ الآخرون بالنصب واختاره أبو عبيد وأبو حاتم: قل ينفقون العفو. واختلفوا في معنى العفو، فقال عبد الله بن عمرو ومحمد بن كعب وقتادة وعطاء والسدّي وابن أبي ليلى: هو ما فضل من المال عن العيال، وهي رواية مقسم عن ابن عباس. الحسن: هو أن لا تجهد مالك في النفقة ثم تقعد تسأل الناس. الوالبي عن ابن عباس: ما لا يتبيّن في أموالكم. مجاهد: صدقة عن تطهير غني. عمرو بن دينار وعطاء: الوسط من النفقة ما لم يكن إسرافاً ولا إقتاراً. الضحّاك: الطّاقة. العوفي عن ابن عباس: ما اتوك به من شيء قليلٌ أو كثير فاقبله منهم. طاووس وعطاء الخراساني: سمعنا [بشراً] قال: العفو اليسر من كل شيء. الربيع: العفو الطيب، يقول: أفضل مالك هو النفقة. وكلها متقاربة في المعنى، ومعنى العفو في اللغة الزيادة والكثرة قال الله: {حَتَّىٰ عَفَوْاْ} [الأعراف: 95] أي كثروا، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : أعفوا اللّحى"تفسير : . قال الشاعر: شعر : ولكنا يعضّ السيف منا بأسوق عافيات الشحم كوم تفسير : أي كثيرات الشحوم، والعفو ما يغمض الانسان فيه فيأخذه أو يعطيه سهلاً بلا كلف من قول العرب: عفا أي نال سهلاً من غير إكراه، ونظير هذه الآية من الأخبار ما روى أبو هريرة أن رجلاً قال: "حديث : يا رسول الله عندي خير، قال: "أنفقه على نفسك" قال: عندي آخر، قال: "انفقه على أهلك" قال: عندي آخر، قال: "أنفقه على ولدك" قال: عندي آخر، قال: "أنفقه على والديك" قال عندي آخر، قال: "أنفقه على قرابتك" قال: عندي آخر قال: "أنت أبصر ". تفسير : وروى محمود بن سهل عن عامر بن عبد الله قال: أتى رسول الله رجل ببيضة من ذهب [استلّها] من بعض المعادن فقال: يا رسول الله خذها مني صدقة، فوالله ما أمسيت أملك غيرها، فأعرض عنه، فأتاه من ركنه الأيمن فقال له مثل ذلك فأعرض عنه. فأتاه من ركنه الأيسر فقال له مثل ذلك فأعرض عنه، ثم قال له مثل ذلك فقال مغضباً: هاتها فأخذها منه وحذفه بها حذفة لو أصابه لفجّه أو عقره، ثم قال: هل يأتي أحدكم بما يملكه ليتصدق به ويجلس يكفّف الناس، أفضل الناس ما كان عن طهر غنيّ، وليبدأ أحدكم بمن يعول. قال الكلبي: فكان الرجل بعد نزول هذه الآية إذا كان له مال من ذهب أو فضة أو زرع أو ضرع نظر إلى ما يكفيه وعياله نفقة سنة أمسكه وتصدّق بسائره، وإن كان ممن يعمل بيده أمسك ما يكفيه وعياله يومه ذلك وتصدّق بالباقي، حتى نزلت آية الزكاة المفروضة فنسخت هذه الآية وكل صدقة أمروا بها قبل نزول الزكاة. {كَذٰلِكَ يُبيِّنُ ٱللَّهُ} قال الزجاج: إنما قال: كذلك على الواحد وهو يخاطب جماعة لأن الجماعة معناها القبيل كأنّه قال: أيّها القبيل يبيّن الله لكم، وجائز أن يكون خطاباً للنبيّ صلى الله عليه وسلم ؛ لأن خطابه مشتمل على خطاب أُمّته كقوله {أية : يٰأيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ} تفسير : [الطلاق: 1] وقال المفضل بن سلمة: معنى الآية {كَذٰلِكَ يُبيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلآيَاتِ} في النفقة {لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ} فتحبسون من أموالكم ما يصلحكم في معاش الدنيا، وتنفقون الباقي فيما ينفعكم في العقبى. وقال أكثر المفسّرين: معناها: يبيّن الله لكم الآيات في أمر الدنيا والآخرة لعلّكم تتفكرون في زوال الدنيا وفنائها فتزهدوا فيها، وفي إقبال الآخرة وذهابها فترغبوا فيها. {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْيَتَامَىٰ} قال الضحّاك والسدّي وابن عباس في رواية عطية: كان العرب في الجاهلية يعظّمون شأن اليتيم ويشدّدون في أمره حتى كانوا لا يؤاكلونه، ولا يركبون له دابّة، ولا يستخدمون له خادماً، وكانوا يتشاءمون بملامسة أموالهم، فلمّا جاء الاسلام سألوا عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله عزّ وجلّ هذه الآية. وقال قتادة والربيع وابن عباس في رواية سعيد بن جبير وعلي بن أبي طلحة: لمّا نزل في أمر اليتامى {أية : وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ ٱلْيَتِيمِ إِلاَّ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّىٰ يَبْلُغَ أَشُدَّهُ} تفسير : [الأنعام: 152] وقوله {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ ٱلْيَتَامَىٰ ظُلْماً} تفسير : [النساء: 10] اعتزلوا أموال اليتامى وعزلوا طعامهم من طعامهم، واجتنبوا مخالطتهم في كل شيء حتى كان يُصنع لليتيم طعام فيفضل منه شيء فيتركونه ولا يأكلونه حتى يفسد واشتدّ ذلك عليهم، وسألوا عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْيَتَامَىٰ}. {قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ} وقرأ طاووس: قلْ إصلاح إليهم خير بمعنى الاصلاح لأموالهم من غير أُجرة. ومن غير عوض عنهم خير وأعظم أجراً. {وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ} فتشاركوهم في أموالهم وتخالطوها بأموالكم في نفقاتكم ومطاعمكم ومساكنكم وخدمكم ودوابّكم، فتصيبوا من أموالهم عوضاً عن قيامكم بأُمورهم وتكافئوهم على ما تصيبون من أموالهم {فَإِخْوَانُكُمْ} أي فهم إخوانكم، وقرأ أبو مجلز: فإخوانكم نصيباً أي فخالطوا إخوانكم أو فأخوانكم تخالطون والإخوان يعين بعضهم بعضاً ونصب أعينهم. يقال: بعض على وجه الاصلاح والرضا قالت عائشة: إنّي لأكره أن يكون مال اليتيم عندي كالغرة حتى أخلط طعامه بطعامي وشرابه بشرابي. ثم قال: {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ ٱلْمُفْسِدَ مِنَ ٱلْمُصْلِحِ} لها فاتقوا الله في مال اليتامى، ولا تجعلوا مخالفتكم إيّاهم ذريعة إلى إفساد أموالهم وأكلها بغير حق {وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لأَعْنَتَكُمْ} لضيّق عليكم وآثمكم في ظلمكم إيّاهم قال ابن عباس: ولو شاء الله لجعل ما أصبتم من أموال اليتامى موبقاً. وأصل العنت الشدّة والمشقّة يقال: عقبه عنوت أي شاقه كؤود، وقال الزجاج: أصل العنت أن يحدث في رِجل البعير كسر بعد جبر حتى لا يمكنه أن يمشي. قال القطامي: شعر : فماهمُ صالحوا من ينتقى عنتي ولا همُ كدّروا الخير الذي فعلوا تفسير : {وَلاَ تَنْكِحُواْ ٱلْمُشْرِكَاتِ حَتَّىٰ يُؤْمِنَّ} الآية نزلت في عمّار بن أبي مرثد الغنوي. وقال مقاتل: هو أبو مرثد الغنوي واسمه أيمن، وقال عطاء: هو أبو مرثد عمّار بن الحصين، وكان شجاعاً قوياً، فبعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة ليخرج منها ناساً من المسلمين سرًّا، فلمّا قدمها سمعت به امرأة مشركة يقال لها عناق، وكانت خليلته في الجاهلية فأتته قالت: يا مرثد ألا تخلو؟ فقال لها: ويحك يا عناق إنّ الاسلام قد حال بيننا وبين ذلك، فقالت: فهل لك أن تتزوّج بي فقال: نعم ولكن أرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأستأمره ثم أتزوّجك، فقالت: أبيّ تتبرم، ثم استغاثت عليه فضربوه ضرباً شديداً ثم خلّوا سبيله، فلمّا قضى حاجته بمكة وانصرف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلمه الذي كان من أمره وأمر عناق وما لقي بسببها وقال: يا رسول الله أتحلّ لي أن أتزوجها؟ فأنزل الله تعالى {وَلاَ تَنْكِحُواْ ٱلْمُشْرِكَاتِ حَتَّىٰ يُؤْمِنَّ} أي لا تتزوجوا منهن حتى يؤمنّ. قال المفضل: أصل النكاح الجماع، ثم كثر ذلك حتى قيل للعقد نكاح، كما قيل: عذرة وأصلها فناء الدار لالقائهم إيّاه بها، ولذبيحة الصبي عقيقة، وأصلها الشعر الذي يولد للصبي، وهو علّة لذبحهم إيّاها عند جلّهم، ونحوها كثير، فحرّم الله نكاح المشركات عقداً ووطئاً، ثم استثنى الحرائر الكتابيات فقال: {أية : وَٱلْمُحْصَنَاتُ مِنَ ٱلْمُؤْمِنَاتِ وَٱلْمُحْصَنَاتُ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ} تفسير : [المائدة: 5]. ثم قال: {وَلأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ} بجمالها ومالها، نزلت في خنساء وكانت سوداء كانت لحذيفه بن اليمان فقال: يا خنساء قد ذكرت في الملأ الأعلى مع سوادك ودمامتك وأنزل الله عزّوجل ذكرك في كتابه فأعتقها حذيفة وتزوجها. وقال السدّيّ: نزلت في عبد الله بن رواحة وكانت له أمة سوداء فغضب عليها وآذاها، ثم فزع إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأخبره بذلك، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم وما هو يا أبا عبد الله قال: هي تشهد أن لا إله إلاّ الله وإنك رسوله وتصوم شهر رمضان وتحسن الوضوء وتصلّي فقال: هذه (مؤمنة)، قال عبد الله: فوالّذي بعثك بالحق لأُعتقنّها ولأتزوجنها، ففعل وطعن عليه ناس من المسلمين، قالوا: أتنكح أمه؟ وعرضوا عليه حرّة مشركة، وكانوا يرغبون في نكاح المشركات رجاء إسلامهنّ، فأنزل الله تعالى هذه الآية. ثم قال: {وَلاَ تُنْكِحُواْ} ولا تُزوّجوا {ٱلْمُشِرِكِينَ حَتَّىٰ يُؤْمِنُواْ وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ} بماله وحسن حاله. وعن مروان بن محمد قال: سألت مالك بن أنس عن تزويج العبد فقال: {وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكٍ}. { أُوْلَـٰئِكَ يَدْعُونَ} يعني المشركين إلى النار أي إلى الحال الموجبة للنار {وَٱللَّهُ يَدْعُوۤاْ إِلَى ٱلْجَنَّةِ وَٱلْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ} أوامره ونواهيه {لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} يتّعظون.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : والخمر - كما نعرف - مأخوذة من الستر، ويقال: "دخل فلان في خمرة" أي في أيكة من الأشجار ملتفة فاختبأ فيها. و"الخِمار" هو القناع الذي ترتديه المسلمة لستر رأسها، وهو مأخوذ أيضاً من نفس المادة. و"خامره الأمر" أي خالطه. وكل هذه المعاني مأخوذة من عملية الستر. و"الميسر" مأخوذة من اليسر؛ لأنه يظهر للناس بمكاسب يسيرة بلا تعب. والخمر والميسر من الأمور التي كانت معروفة في الجاهلية. والإسلام حين جاء ليواجه نُظُماً جاهلية واجه العقيدة بلا هوادة، ولم يجابهها ويواجهها على مراحل بل أزالها من أول الأمر، ورفع راية "لا إله إلا الله محمد رسول الله"، ثم جاء الإسلام في الأمور التي تُعتبر من العادات فبدأ يهونها؛ لأن الناس كانت تألفها، لذلك أخذها بشيء من الرفق والهوادة. وكان هذا من حكمة الشرع، فلم يجعل الأحكام في أول الأمر عملية قسرية فقد يترتب عليها الخلل في المجتمع وفي الوجود كله، وإنما أخذ الأمور بالهوادة. وإذا كانت الخمرة مأخوذة من الستر، فماذا تستر؟ إنها تستر العقل بدليل أن من يتعاطاها يغيب عن وعيه. ولا يريد الله سبحانه وتعالى للإنسان الذي كرمه الله بالعقل أن يأتي للشيء الذي كرمه به ويُسَيِّر به أمور الخلافة في الأرض ويستره ويغيِّبه، لأن من يفعل ذلك فكأنه رد على الله النعمة التي أكرمه بها، وهذا هو الحمق. ثم إن كل الذي يتعاطون الخمر يبررون فعلهم بأنهم يريدون أن ينسوا هموم الدنيا، ونسأل هؤلاء: وهل نسيان الهموم يمنع مصادرها؟ لا، ولذلك فالإسلام يطلب منك أن تعيش همومك لتواجهها بجماع عقلك، فإذا كانت هناك هموم ومشكلات فالإسلام لا يريد منك أن تنساها، لا، بل لابد أن توظف عقلك في مواجهتها، وما دام المطلوب منك أن تواجه المشكلات بعقلك فلا تأتي لمركز إدارة الأمور الحياتية وهو العقل، والذي يعينك على مواجهة المشكلات وتقهره بتغييبه عن العمل. وهل النسيان يمنع المصائب؟ إن الذي يمنع المصائب هو أن تحاول بجماع فكرك أن تجد السبيل للخروج منها، فإذا كان الأمر ليس في استطاعتك فمن الحمق أن تفكر فيه؛ لأن الله يريد منك أن تريح عقلك في مثل هذه الأمور، وإن كان الأمر له حل وفي استطاعتك حله، فأنت تحتاج للعقل بكامل قوته. والحق سبحانه وتعالى يرشدنا في هذه القضية بحكمة الحكيم، ويعطينا عطاء لنحكم نحن في الأمر قبل أن يطلب منا. إنه - سبحانه - يمتن علينا ويقول: {أية : وَمِن ثَمَرَاتِ ٱلنَّخِيلِ وَٱلأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً}تفسير : [النحل: 67]. فعندما ذكر الله "سَكَراً" مر عليها بلا تعليق. وعندما قال: "رزقاً" وصفه بأنه "حسناً" فكان يجب أن نتنبه إلى أن الله يمهد لموقف الإسلام من الخمر؛ فهو لم يصف "السكر" بأي وصف، وجعل للرزق وصفاً هو الحسن؛ فالناس عندما يستخرجون من هذه الثمرات سكراً، فهم قد أخرجوها عن الرزق الحسن، لأن هناك فرقاً بين أن تأخذ من العنب غذاءً وبين أن تخمره فتفسده وتجعله ساتراً للعقل. وبعد ذلك فهناك فرق بين تشريع ونصح. فعندما تنصح شخصاً فأنت تقول له: سأدلك على طريق الخير وأنت حر في أن تسير فيه أو لا تسير. وعندما تشرع وتضع الحكم، فأنت تأمر هذا الشخص أو ذاك بأن يفعل الأمر ولا شيء سواه. والحق سبحانه وتعالى عندما قال: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ} [البقرة: 219]، ذكر لنا المفاسد وترك لنا الحكم عليها، قال سبحانه مُبَلغّاً رسوله: {قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ} [البقرة: 219] ولو لم يقل {وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ} [البقرة: 219] لاستغرب الناس وقالوا: نحن نأخذ من الخمر منافع، ونكسب منها، وننسى بها همومنا، كانت هذه هي المنافع بالنسبة لهم، لكن الحق يوضح أن إثمهما أكبر من نفعهما، أي أن العائد من وراء تعاطيهما أقل من الضرر الحادث منهما، وهذا تقييم عادل، فلم تكن المسألة قد دخلت في نطاق التحريم، لأنها مازالت في منطقة النصح والإرشاد. وقوله تعالى: {وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا} [البقرة: 219] يجعل فيهما نوعاً من الذنب، لقد كان التدرج في الحكم أمراً مطلوباً لأنه سبحانه يعالج أمراً بإِلْفِ العادة، فيمهد سبحانه ليخرجه عن العادة. والعادة شيء يقود إلى الاعتياد؛ بحيث إذا مر وقت ولم يأت ما تعوّدَتْ عليه نفسيتُك ودمك يحدث لك اضطراب. وما دامت المسألة تقود إلى الاعتياد، فالأفضل أن تسد الباب من أوله وتمنع الاعتياد. لقد كانت بداية الحكم في أمر الخمر أن أحداً من المسلمين شرب الخمر قبل أن تُحرم نهائياً، وجاء ليصلي، فقال: "قل يا أيها الكافرون أعبد ما تعبدون" وبعدها نزل تأديب الحق بقوله: {أية : يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ ٱلصَّلاَةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَىٰ حَتَّىٰ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ ..}تفسير : [النساء: 43]. وفي ذلك تدريب لمَنْ اعتاد على الخمر ألا يقربها؛ فالإنسان الذي يصلي صدر عليه الحكم ألا يقرب الصلاة وهو سكران، فمتى يمتنع إذن؟ إنه يصحو من نومه فلا يقرب الخمر حتى يصلي الصبح، ويقترب الظهر فيستعد للصلاة، ثم العصر بعد ذلك، ويليه المغرب فالعشاء، أي لن يصبح عنده وقت ليشرب في الأوقات التي ينتظر فيها الصلاة، إذن فلا تصبح عنده فرصة إلا في آخر الليل، فإذا ما جاء الليل يشرب له كأساً ثم يغط في نومه. ويكون الوقت الذي امتنع فيه عن الخمر أطول من الوقت الذي يتعاطى فيه الخمر. ولما بدأ تعودهم على الخمر يتزعزع، حدثت بعض الخلافات والمشكلات التي دفعتهم لأن يطلبوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يوضح لهم حكماً فاصلاً في الخمر فنزل قوله تعالى: {أية : يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا ٱلْخَمْرُ وَٱلْمَيْسِرُ وَٱلأَنصَابُ وَٱلأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ ٱلشَّيْطَانِ فَٱجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * إِنَّمَا يُرِيدُ ٱلشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ ٱلْعَدَاوَةَ وَٱلْبَغْضَآءَ فِي ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ وَعَنِ ٱلصَّلاَةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ}تفسير : [المائدة: 90-91] . فقالوا: انتهينا يا رب. إذن فالحق سبحانه وتعالى أراد بتحريم الخمر أن يحفظ على الإنسان عقله؛ لأن العقل هو مناط التكليف للإنسان، وهو مناط الاختيار بين البديل، فأراد الحق أن يصون للإنسان تلك النعمة. إن هدف الدين في المقام الأول سلامة الضرورات الخمس التي لا يستغني عنها الإنسان: سلامة النفس، وسلامة العرض، وسلامة المال، وسلامة العقل، وسلامة الدين. وكل التشريعات تدور حول سلامة هذه الضرورات الخمس، ولو نظرت إلى هذه الضرورات تجد أن الحفاظ عليها يبدأ من سلامة العقل، فسلامة العقل تجعله يفكر في دينه. وسلامة العقل تجعله يفكر في حركة الحياة. وسلامة العقل تجعله يحتاط لصيانة العرض. إذن فالعقل هو أساس العملية التكليفية التي تدور حولها هذه المسألة، والحق سبحانه وتعالى يريد ألا يخمر الإنسان عقله بأي شيء مُسكر. حتى لا يحدث عدوان على هذه الضرورات الخمس. وقد جمع الله في هذه الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها بين الخمر والميسر، وهو جل وعلا يريد أن يحمي غفلة الناس. فلعب الميسر يتمثل في صورته البسيطة في اثنين يجلسان أمام بعضهما البعض، وكل واحد منهما حريص على أن يأخذ ما في جيب الآخر، فأي أخوة تبقى بين هؤلاء؟ إن كلاًّ منهما حريص على أن يعيد الآخر إلى منزله خاوي الجيوب فأي أخوة تكون بين الاثنين؟ ومن العجيب أنك ترى الذين يلعبون الميسر في صورة الأصحاب، ويحرص كل منهما على لقاء الآخر، فأي خيبة في هذه الصداقة؟! ومن العجيب أن يقر كل من الطرفين صاحبه على فعله، يأخذ ماله ويبقى على صداقته، والعجب الأكبر هو التدليس والسرقة بين الذين يتعودون على لعب الميسر. ولو لاحظت حياة هؤلاء الذين يلعبون الميسر تجدهم ينفقون ويبذرون بلا احتياط ولا ينتفعون أبداً بما يصل أيديهم من مال مهما كان كثيراً، لماذا؟ لأن المال حين يُكتسب بيسر، يُصرف منه بلا احتياط، هذا هو حال من يكسب، أما بالنسبة للخاسر فنجده يعيش في الحسرة والألم على ما فقد، وتجده في فقر دائم، وربما اضطر إلى التضحية بعرضه وشرفه، إن لم يبع ملابسه، وأعز ما يملك، ويحدث كل ذلك بأمانٍ زائفة، وآمال كاذبة يزينها الشيطان للطرفين، الذي كسب والذي خسر، فالذي كسب يتمنى زيادة ما معه من مال أكثر وأكثر، والذي خسر يأمل أن يسترد ما خسره ويكسب. وعندما يتعود الإنسان أن يكسب بدون حركة فكل شيء يهون عليه، ويعتاد أن يعيش على الكسب السهل الرخيص، وحين لا يجد من يستغفله ليلعب معه ربما سرق أو اختلس. وهذا هو حال الذين يلعبون الميسر؛ إنهم أصحاب الرذائل في المجتمع، فهم الذين يرتشون ويسرقون ويعربدون، ولا أخلاق عندهم وليس لهم صاحب ولا صديق، وبيوتهم منهارة، وأسرهم مفككة، وعليهم اللعنة حتى في هيئتهم وهندامهم. ولذلك قال الحق: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا} [البقرة: 219] وما دام الإثم أكبر من النفع، فقد رجح جانب الإثم. هذا في العملية الذاتية، أما في العملية الزمنية فقد قال سبحانه: {أية : لاَ تَقْرَبُواْ ٱلصَّلاَةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَىٰ}تفسير : [النساء: 43]. وبعد ذلك أنهى - سبحانه - المسألة بقوله الحق: {أية : يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا ٱلْخَمْرُ وَٱلْمَيْسِرُ وَٱلأَنصَابُ وَٱلأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ ٱلشَّيْطَانِ فَٱجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}تفسير : [المائدة: 90]. ثم تمضي الآية إلى سؤال آخر هو {وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ ٱلْعَفْوَ} [البقرة: 219] إنه السؤال نفسه من عمرو بن الجموح وكان الجواب عليه من قبلُ هو {أية : قُلْ مَآ أَنْفَقْتُمْ مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَٱلأَقْرَبِينَ وَٱلْيَتَامَىٰ وَٱلْمَسَاكِينِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ} تفسير : [البقرة: 215] وهنا جواب بشكل وصورة أخرى {قُلِ ٱلْعَفْوَ} [البقرة: 219] والعفو معناه الزيادة وفي ذلك يقول الحق - سبحانه وتعالى -: {أية : وَمَآ أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّبِيٍّ إِلاَّ أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِٱلْبَأْسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ * ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ ٱلسَّيِّئَةِ ٱلْحَسَنَةَ حَتَّىٰ عَفَوْاْ وَّقَالُواْ قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا ٱلضَّرَّآءُ وَٱلسَّرَّآءُ فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ}تفسير : [الأعراف: 94-95]. إن الله - جلت قدرته - يحذر وينذر لعل الناس تتذكر وتعتبر، إنه - سبحانه - لم يرسل نبيًّا إلى قوم فقابلوه بالتكذيب والنكران إلاّ أخذهم وابتلاهم بالفقر والبؤس والمرض والضر لعلهم يتوبون إلى ربهم ويتذلَّلون له - سبحانه - ليرفع عنهم ما ابتلاهم به، ثم لما لم يرجعوا ويقلعوا عما هم فيه من الكفر والعناد اختبرهم وامتحنهم بالنعم؛ بالخصب والثراء والعافية والرخاء حتى كثروا وزادت أموالهم وخيراتهم، وقالوا - وهم في ظل تلك النعم -: إن ما يصيبنا من سراء وضراء وخير وشر إنما هو سنة الكون، وعادة الدهر، فأسلافنا وآباؤنا كان يعتريهم مثل ما يصيبنا، ولما أصروا على كفرهم باغتهم الله بالعذاب، وأنزل بهم العقاب المفاجئ. قلبهم الله بين الشدة والرخاء، وعالجهم بالضر واليسر، حتى لا تكون لهم حجة على الله، ولما ظهرت خسة طبعهم وأقاموا على باطلهم أخذهم الله أخذ عزيز مقتدر. ولنتأمل قوله تعالى في ذلك:{أية : وَلَقَدْ أَرْسَلنَآ إِلَىٰ أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِٱلْبَأْسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ * فَلَوْلاۤ إِذْ جَآءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ وَلَـٰكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَانُ مَا كَانُواّ يَعْمَلُونَ * فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُواْ بِمَآ أُوتُوۤاْ أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُّبْلِسُونَ}تفسير : [الأنعام: 42-44]. أي لم نعجل بعقابهم بل تركناهم فتمادوا في المعصية حتى إذا فرحوا بما أوتوا من النعمة والثراء وكثرة العدد، "أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون" أي يائسون من رحمة الله أو نادمون متحسرون، ولا ينفعهم الندم حينئذ. فقد فاتت الفرصة وضيّعوها على أنفسهم. إن الحق ينزل هذا الأمر كعقاب وبه تكون النقلة صعبة، إنهم يتمادون فيعاقبهم الحق عقاباً صاعقاً، كالذي يرفع كائناً في الفضاء ثم يتركه ليهوي على الأرض، والعفو هنا يمكن أن يكون بمعنى أنهم ازدادوا في الطغيان. وهناك معنى آخر للعفو، فقد يأتي بمعنى الترك: {أية : فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَٱتِّبَاعٌ بِٱلْمَعْرُوفِ}تفسير : [البقرة: 178]. أي فمن ترك له أخوه شيئاً فليأخذه. إذن فالعفو تارة يكون بمعنى الزيادة، وتارة أخرى يكون بمعنى الترك، والحق هنا يقول: {وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ ٱلْعَفْوَ} [البقرة: 219] أي أن الإنفاق إنما يكون من الزائد عن الحاجة، فيكون معنى العفو هنا هو الزائد أو المتروك، وهكذا نرى أن العفو واحد في كلا الأمرين، فلا تظن أن المعاني تتضارب؛ لأن بها يتحقق المعنى المقصود في النهاية. فالعفو هو الزيادة، والعفو أيضاً يؤخذ بمعنى الصفح. إذن فالإنفاق من الزائد عن الحاجة يحقق الصفح ويحقق الرفاهية في المجتمع. فالذي يزرع أرضاً وينتج ما يكفيه هو وعياله ويزيد، فهل يترك ما يزيد عن حاجته ليفسد أم ينفق منه على قريبه أو جاره المحتاج؟ أيهما أقرب إلى العقل والمنطق؟ وكان ذلك قبل أن يشرع الحق الزكاة بنظامها المعروف. وما سر تبديلها من عفو إلى زكاة؟ لأن الحق أراد أن يقدر حركة المتحرك، فجعل حركته تخفف عنه ولا تثقل عليه. لأن حركة المتحرك تنفع المتحرك، أراد المتحرك أو لم يرد؛ ولذلك نجد "زكاة الركاز" وهي الزكاة المفروضة على ما يوجد في باطن الأرض من ثروات كالمعادن النفيسة والبترول وغيرها، لقد جعل الحق نصاب تلك الزكاة عشرين في المائة، أي الخمس بينما الذي يحرث الأرض ويبذر فيها الحب ويتركها حتى ينزل المطر فتنمو فنصاب الزكاة هو العشر على ما أنتجته زراعته. وأما الذي يزرع على ماء الري فعليه نصف العشر. والذي يتاجر كل يوم ويتعب فيذهب للمنتج يشتري منه، ثم يوفر السلعة على البائع فيشتريها، هذا نقول له: عليك اثنان ونصف في المائة (2.5) فقط. إذن فالزكاة متناسبة مع الحركة والجهد، كأن الحق يحمي الحركة الإنسانية من حمق التقنين البشري. إن المتحرك القوي يدفعه الله ليزيد من حركته لينتفع المجتمع، وأوكل الله للحاكم الذي يتبع منهج الإسلام أن يأخذ من الأثرياء ما يقيم به كرامة الفقراء. إِنْ بَخِلَ الأغنياء بفضل الله عليهم، ولم ينفقوا على الفقراء من رزق الله؛ فالمنهج الحق يحمي المال من فساد الطمع، ومن فساد الكسل، ويريد الحياة مستقيمة وآمنة للناس. فالذي ينفق من ماله على أهله يحيا وهو آمن. وكذلك من ينفق على أهله وتوابعه فتزداد دائرة الأمان، وهكذا لقد حمى الله بالزكاة طموح البشر من حمق التقنين من البشر، فالمقنن من البشر يأتي للمتحرك أكثر ويزيد عليه الأعباء، نقول له: إن هذا المتحرك إن لم يقصد أن ينفع المجتمع فالمجتمع سينتفع بجهده بالرغم عنه؛ فالإنسان الذي يملك مالاً يُلقي الله خاطراً في باله، فيقول: "ماذا لو بنيت عمارة من عشرة أدوار، وفي كل دور أربع شقق" ويحسب كم تعطيه تلك العمارة من عائد كل شهر. إن هذا الرجل لم يكن في باله إلا أن يربح، فنتركه يفكر في الربح، وعندما نراقب الفائدة التي ستعود على المجتمع منه فسنجد الفائدة تعود على المجتمع من هذا العمل، ولنا أن نحسب كم فرداً سوف يعمل في بناء تلك العمارة الجديدة؟ ابتداء من البنائين ومروراً بالنجارين والحدادين والمبيضين والسباكين وغيرهم. إن كل طبقات المجتمع الفقيرة تكون قد أفادت واستفادت من مال هذا الرجل قبل أن يدخل جيبه مليم واحد؛ لقد ألقى الله في نفسه خاطراً، فأخرج كل ما في جيبه، وألقاه في جيوب الآخرين قبل أن توجد له عمارة. وهكذا يحمي الله حركة المتحرك لأن حركته ستفيد سواه قصد إلى ذلك أو لم يقصد. أما إذا قلنا له: سنأخذ ما يزيد عن حاجتك قسراً فلا بد أن يقول لنفسه: "سأجعل حركتي على قدر حاجتي ولا أزيد إلا قليلاً". والحق عز وجل لا يريد أن يشيع هذا المنطق بين الناس، ولكن يريد لهم أن يتحركوا في الحياة بالجدية والحلال، وكلما تكثر حركتهم تقل الزكاة المفروضة عليهم، لأن الحركة لا يستفيد منها صاحبها فقط ولكن يستفيد منها المجتمع، فبعضه يسكن، وآخر يزرع، وثالث يعمل، وخير للإنسان أن يأكل من عمل يديه من أن يأكل من صدقات الناس وزكاتهم. عن المقدام بن معديكرب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : ما أكل أحد طعاماً قط خيراً من أن يأكل من عمل يده، وإن نبي الله داود عليه السلام كان يأكل من عمل يده ". تفسير : ويقول الحق من بعد ذلك: {فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْيَتَامَىٰ قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ ...}.

الصابوني

تفسير : المنَاسَبَة: لمّا ذكر تعالى في الآيات السابقة أحكام القتال، وبيّن الهدف السامي من مشروعيته وهو نصرة الحق وإِعزاز الدين وحماية الأمة من أن يلتهمها العدو الخارجي، ذكر بعدها ما يتعلق بإِصلاح المجتمع الداخلي على أسس من الفضيلة والخُلق الكريم، ولا بدّ للدولة من الإِصلاح الداخلي والخارجي لتقوم دعائمها على أسسٍ متينة وتبقى صرحاً شامخاً لا تؤثر فيه الأعاصير. اللغَة: {ٱلْخَمْرِ} المسكر من الأشربة سميت خمراً لأنها تستر العقل وتغطيه ومنه خمّرتُ الإِناء أي غطيته. {ٱلْمَيْسِرِ} القمار وأصله من اليسر لأنه كسب من غير كدّ ولا تعب، وقيل من اليسار لأنه سبب الغنى. {إِثْمٌ} الإِثم: الذنب وجمعه آثام وتسمى الخمر بـ "الإِثم" لأن شربها سبب في الإِثم قال الشاعر: شعر : شربت الإِثم حتى ضلَّ عقلي كذاك الإِثم تذهب بالعقول تفسير : {ٱلْعَفْوَ} الفضل والزيادة على الحاجة. {أَعْنَتَكُمْ} أوقعكم في الحرج والمشقة، وأصل العنت: المشقة. {أَمَةٌ} الأَمَةُ: المملوكة بملك اليمين وهي تقابل الحرة وجمعها إماء. {ٱلْمَحِيضِ} مصدر بمعنى الحيض كالمعيش بمعنى العيش، وأصل الحيض: السيلان يقال: حاض السيل وفاض وحاضت الشجرة أي سالت ويقال للمرأة حائض وحائضة وأنشد الفراء: شعر : كحائضةٍ يُزنى بها غيرَ طاهر تفسير : {حَرْثٌ} الحرث: إِلقاء البذر في الأرض قاله الراغب، وقال الجوهري: الحرث: الزرع، والحارث الزارع ومعنى حرث أي مزرعٌ ومنبتٌ للولد على سبيل التشبيه. {عُرْضَةً} مانعاً وكل ما يعترض فيمنع عن الشيء فهو عُرضة ولهذا يقال للسحاب: عارض لأنه يمنع رؤية الشمس. {ٱلَّلغْو} الساقط الذي لا يعتد به سواءً كان كلاماً أو غيره ولغو الطائر: تصويته. سَبَبُ النّزول: أ - جاء جماعة من الأنصار فيهم عمر بن الخطاب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: أفتنا في الخمر والميسر فإِنهما مذهبةٌ للعقل مسلبةٌ للمال فأنزل الله {يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ... } الآية. ب - عن ابن عباس قال: لمّا أنزل الله {أية : وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ ٱلْيَتِيمِ إِلاَّ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} تفسير : [الأنعام: 152] انطلق من كان عنده مال يتيم فعزل طعامه من طعامه وشرابه من شرابه، فجعل يفضل الشيء من طعامه فيحبس له حتى يأكله أو يفسد واشتد ذلك عليهم فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْيَتَامَىٰ قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ...} الآية. ج - عن أنس أن اليهود كانت إِذا حاضت منهم امرأة أخرجوها من البيت فلم يؤاكلوها ولم يشاربوها ولم يجامعوها في البيت، فسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فأنزل الله عز وجل {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى..} الآية. التفسِير: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ} أي يسألونك يا محمد عن حكم الخمر وحكم القمار {قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ} أي قل لهم إن في تعاطي الخمر والميسر ضرراً عظيماً وإِثماً كبيراً ومنافع مادية ضئيلة {وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا} أي وضررهما أعظم من نفعهما فإِن ضياع العقل وذهاب المال وتعريض البدن للمرض في الخمر، وما يجرُّه القمار من خراب البيوت ودمار الأسر وحدوث العداوة والبغضاء بين اللاعبين، كلُّ ذلك محسوس مشاهد وإِذا قيس الضرر الفادح بالنفع التافه ظهر خطر المنكر الخبيث {وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ ٱلْعَفْوَ} أي ويسألونك ماذا ينفقون وماذا يتركون من أموالهم؟ قل لهم: أنفقوا الفاضل عن الحاجة ولا تنفقوا ما تحتاجون إِليه وتضيعوا أنفسكم {كَذٰلِكَ يُبيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلآيَاتِ} أي كما يبيّن لكم الأحكام يبيّن لكم المنافع والمضار والحلال والحرام {لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ * فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ} أي لتتفكروا في أمر الدنيا والآخرة فتعلموا أن الأولى فانية والآخرة باقية فتعملوا لما هو أصلح، والعاقل من آثر ما يبقى على ما يفنى. {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْيَتَامَىٰ قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ} أي ويسألونك يا محمد عن مخالطة اليتامى في أموالهم أيخالطونهم أم يعتزلونهم؟ فقل لهم: مداخلتهم على وجه الإِصلاح خير من اعتزالهم {وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ} أي إِذا خلطتم أموالهم بأموالكم على وجه المصلحة لهم فهم إِخوانكم في الدين، وأخوة الدين أقوى من أخوّة النسب، ومن حقوق هذه الأخوّة المخالطة بالإِصلاح والنفع {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ ٱلْمُفْسِدَ مِنَ ٱلْمُصْلِحِ} أي والله تعالى أعلم وأدرى بمن يقصد بمخالطتهم الخيانة والإِفساد لأموالهم، ويعلم كذلك من يقصد لهم الإِصلاح فيجازي كلاًّ بعمله {وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لأَعْنَتَكُمْ} أي لو شاء تعالى لأوقعكم في الحرج والمشقة وشدَّد عليكم ولكنه يسّر عليكم الدين وسهّله رحمة بكم {إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} أي هو تعالى الغالب الذي لا يمتنع عليه شيء الحكيم فيما يشرّع لعباده من الأحكام ثم قال تعالى محذراً من زواج المشركات اللواتي ليس لهن دين سماوي {وَلاَ تَنْكِحُواْ ٱلْمُشْرِكَاتِ حَتَّىٰ يُؤْمِنَّ} أي لا تتزوجوا أيها المسلمون بالمشركات من غير أهل الكتاب حتى يؤمنَّ بالله واليوم الآخر {وَلأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ} أي ولأمة مؤمنة خير وأفضل من حرة مشركة، ولو أعجبتكم المشركة بجمالها ومالها وسائر ما يوجب الرغبة فيها من حسب أو جاه أو سلطان {وَلاَ تُنْكِحُواْ ٱلْمُشِرِكِينَ حَتَّىٰ يُؤْمِنُواْ} أي ولا تزوجوا بناتكم من المشركين - وثنيّين كانوا أو أهل كتاب - حتى يؤمنوا بالله ورسوله {وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ} أي ولأن تزوجوهنَّ من عبد مؤمنٍ خير لكم من أن تزوجوهن من حرّ مشرك مهما أعجبكم في الحسب والنسب والجمال {أُوْلَـٰئِكَ يَدْعُونَ إِلَى ٱلنَّارِ} أي أولئك المذكورون من المشركين والمشركات الذين حرمت عليكم مصاهرتهم ومناكحتهم يدعونكم إلى ما يوصلكم إلى النار وهو الكفر والفسوق فحقكم ألا تتزوجوا منهم ولا تزوجوهم {وَٱللَّهُ يَدْعُوۤاْ إِلَى ٱلْجَنَّةِ وَٱلْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ} أي هو تعالى يريد بكم الخير ويدعوكم إلى ما فيه سعادتكم وهو العمل الذي يوجب الجنة ومغفرة الذنوب {وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} أي يوضح حججه وأدلته للناس ليتذكروا فيميزوا بين الخير والشر والخبيث والطيب.. ثم بيّن تعالى أحكام الحيض فقال: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى} ويسألونك يا محمد عن إتيان النساء في حالة الحيض أيحل أم يحرم؟ فقل لهم: إِنه شيء مستقذر ومعاشرتهن في هذه الحالة فيه أذى للزوجين {فَٱعْتَزِلُواْ ٱلنِّسَآءَ فِي ٱلْمَحِيضِ} أي اجتنبوا معاشرة النساء في حالة الحيض {وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ} أي لا تجامعوهن حتى ينقطع عنهن دم الحيض ويغتسلن. والمرادُ التنبيه على أن الغرض عدم المعاشرة لا عدم القرب منهن وعدم مؤاكلتهن ومجالستهن كما كان يفعل اليهود إِذا حاضت عندهم المرأة {فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ ٱللَّهُ} أي فإِذا تطهَّرن بالماء فأتوهنَّ في المكان الذي أحله الله لكم، وهو مكان النسل والولد القُبُل لا الدبر {إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلتَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ ٱلْمُتَطَهِّرِينَ} أي يحبُّ التائبين من الذنوب، المتنزهين عن الفواحش والأقذار {نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّىٰ شِئْتُمْ} أي نساؤكم مكان زرعكم وموضع نسلكم وفي أرحامهن يتكوّن الولد، فأتوهن في موضع النسل والذرية ولا تتعدوه إِلى غيره قال ابن عباس: اسق نباتك من حيث ينبت. ومعنى {أَنَّىٰ شِئْتُمْ} أي كيف شئتم قائمةً وقاعدةً ومضطجعة بعد أن يكون في مكان الحرث "الفرج" وهو ردٌّ لقول اليهود: إِذا أَتى الرجل امرأته في قُبُلها من دبرها جاء الولد أحول {وَقَدِّمُواْ لأَنْفُسِكُمْ} أي قدموا صالح الأعمال التي تكون لكم ذخراً في الآخرة {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّكُمْ مُّلاَقُوهُ} أي خافوا الله باجتناب معاصيه وأيقنوا بأن مصيركم إِليه فيجازيكم بأعمالكم {وَبَشِّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ} أي بشرهم بالفوز العظيم في جنات النعيم {وَلاَ تَجْعَلُواْ ٱللَّهَ عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ} أي لا تجعلوا الحلف بالله سبباً مانعاً عن فعل الخير فتتعللوا باليمين بأن يقول أحدكم: قد حلفتُ بالله ألاّ أفعله وأريد أن أبرّ بيميني بل افعلوا الخير وكفّروا عن أيمانكم قال ابن عباس: لا تجعلنَّ الله عرضة ليمينك أن لا تصنع الخير ولكن كفّر عن يمينك واصنع الخير {أَن تَبَرُّواْ وَتَتَّقُواْ وَتُصْلِحُواْ بَيْنَ ٱلنَّاسِ} أي لا تجعلوه تعالى سبباً مانعاً عن البر والتقوى والإِصلاح بين الناس وقد نزلت في "عبد الله بن رواحة" حين حلف ألا يكلّم ختنه "النعمان بن بشير" ولا يصلح بينه وبين أخته {وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} أي سميع لأقوالكم عليم بأحوالكم.. ثم قال تعالى: {لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱلَّلغْوِ فِيۤ أَيْمَانِكُمْ} أي لا يؤاخذكم بما جرى على لسانكم من ذكر اسم الله من غير قصد الحلف كقول أحدكم: بلى والله، ولا والله لا يقصد به اليمين {وَلَـٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ} أي يؤاخذكم بما قصدتم إِليه وعقدتم القلب عليه من الإِيمان إذا حنثتم فيها {وَٱللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ} أي واسع المغفرة لا يعاجل عباده بالعقوبة. البَلاَغَة: 1- {يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ} فيه إِيجاز بالحذف أي عن شرب الخمر وتعاطي الميسر. 2- {وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا} هذا من باب التفصيل بعد الإِجمال وهو ما يسمى في البلاغة بـ "الإِطناب". 3- {كَذٰلِكَ يُبيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلآيَاتِ} فيه تشبيه مرسلٌ مجملٌ. 4- {ٱلْمُفْسِدَ مِنَ ٱلْمُصْلِحِ} في الآية طباقٌ بين كلمة "المفسد" و "المصلح" وهو من المحسنات البديعية. 5- {يَدْعُونَ إِلَى ٱلنَّارِ وَٱللَّهُ يَدْعُوۤاْ إِلَى ٱلْجَنَّةِ} كذلك يوجد طباق بين كلمة "النار" وكلمة "الجنة". 6- {قُلْ هُوَ أَذًى} فيه تشبيه بليغ حيث حذفت أداة التشبيه ووجه الشبه فأصبح بليغاً وأصله الحيض شيء مستقذر كالأذى فحذف ذلك مبالغة على حد قولهم: عليٌ أسد. 7- {وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ} كناية عن الجماع. 8- {نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ} على حذف مضاف أي موضع حرث أو على سبيل التشبيه فالمرأة كالأرض، والنطفة كالبذر، والولد كالنبات الخارج، فالحرث بمعنى المحترث سمي به على سبيل المبالغة. الفوَائِد: الأولى: تسمى الخمر أم الخبائث لأنها سبب في كل فعل قبيح، روى النسائي عن عثمان رضي الله عنه أنه قال "اجتنبوا الخمر فإِنها أم الخبائث، إِنه كان رجل ممن قبلكم متعبد فعلقته امرأة غوية فأرسلت إِليه جاريتها فقالت له: إِنا ندعوك للشهادة فانطلق مع جاريتها، فطفقت كلما دخل باباً أغلقته دونه حتى أفضى إِلى امرأة وضيئة، عندها غلامٌ وباطية خمر فقالت: إِني ما دعوتك للشهادة ولكن دعوتك لتقع عليَّ أو تشرب من هذه الخمر كأساً أو تقتل هذا الغلام، قال فاسقيني من هذه الخمر كأساً فسقته كأساً فقال: زيدوني فزادوه فلم يبرح حتى وقع عليها وقتل النفس، فاجتنبوا الخمر فإِنها والله لا يجتمع الإِيمان وإِدمان الخمر إِلا ليوشك أن يُخرج أحدهما صاحبه". الثانية: كيف يكون في الخمر منافع مع أنها تذهب بالعقل والمال؟ والجواب أنّ المراد بالمنافع في الآية "المنافع المادية" حيث كانوا يتاجرون بها فيربحون منها الربح الفاحش ويحتمل أن يراد بالنفع تلك اللذة والنشوة المزعومة التي عبّر عنها الشاعر بقوله: شعر : ونشربها فتتركنا ملوكاً وأُسْداً ما ينهنهنا اللقاء تفسير : قال القرطبي: وشارب الخمر يصير ضُحكةً للعقلاء فيلعب ببوله وعذرته وربما يمسح وجهه حتى رُئي بعضهم يمسح وجهه ببوله ويقول: اللهمّ اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين، ورئي بعضهم والكلب يلحس وجهه وهو يقول: أكرمك الله كما أكرمتني. الثالثة: قال الزمخشري: {فَٱعْتَزِلُواْ ٱلنِّسَآءَ} {مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ ٱللَّهُ} {فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّىٰ شِئْتُمْ} من الكنايات اللطيفة والتعريضات المستحسنة، وهذه وأشباهها في كلام الله آداب حسنة، على المؤمنين أن يتعلموها ويتأدبوا بها ويتكلفوا مثلها في محاورتهم ومكاتبتهم.

الصابوني

تفسير : [12] تحريم الخمر والميسر التحليل اللفظي {ٱلْخَمْرِ}: المسكر من عصير العنب وغيره، وهي مأخوذة من خَمَر الشيء إذا ستره وغطاه، سميت خمراً لأنها تستر العقل وتغطيه، ومنه قولهم: خمّرتُ الإناء أي غطيته. قال الزجاج: الخمر في اللغة: ما ستر على العقل، يقال: دخل فلان في خمار الناس أي في الكثير الذي يستتر فيهم، وخمار المرأة قناعها، سمي خماراً لأنه يغطي رأسها. وقال ابن الأنباري: سميت خمراً لأنها تخامر العقل أي تخالطه، يقال خامره الداء إذا خالطه، وأنشد لكثير: شعر : هنيئاً مريئاً غير داءٍ مخامر تفسير : {وَٱلْمَيْسِرِ}: القمار، من اليسر وهو السهولة، لأنه كسب من غير كدّ ولا تعب، أو من اليسار (الغنى) لأنه سبب يساره. قال الأزهري: الميسر: الجزور الذي كانوا يتقامرون عليه، سمي ميسراً لأنه يجزّأ أجزاءً، وكل شيء جزّأته فقد يَسَرْته. وفي "الصحاح": ويَسر القوم الجزور إذا اقتسموا أعضاءها. والياسر: الذي يلي قسمة الجزور. {إِثْمٌ}: الإثم: الذنب وجمعه آثام، يقال: آثم وأثِم، والآثم المتحمل الإثم قال تعالى: {أية : فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ} تفسير : [البقرة: 283] أفاده الراغب. وتسمى الخمر بـ (الإثم) لأنّ شربها سبب في الإثم قال الشاعر: شعر : شربتُ الإثم حتى ضلّ عقلي كذاك الإثم تذهب بالعقول تفسير : {ٱلْعَفْوَ}: الفضل والزيادة على الحاجة. قال القفال: العفو سهُل وتيسُر مما يكون فاضلاً عن الكفاية، يقال: خذ ما عفا لك أي ما تيسّر. والمعنى: انفقوا ما فضل عن حوائجكم ولم تُجهدوا فيه أنفسكم. {لأَعْنَتَكُمْ}: أي أوقعكم في الحرج والمشقة، وأصل العنت: المشقة، يقال: أعنت فلانٌ فلاناً إذا أوقعة فيما لا يستطيع الخروج منه، وعَنت العظم: إذا انكسر بعد الجبر، وأكمةٌ عنوت: إذا كانت شاقة كدوداً، ومنه قوله تعالى: {أية : عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ} تفسير : [التوبة: 128] أي شديد عليه ما شق عليكم. قال الزجاج: ومعنى قوله تعالى: {وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لأَعْنَتَكُمْ} أي لو شاء لكلفكم ما يشتد عليكم. {عَزِيزٌ حَكِيمٌ}: {عَزِيزٌ} أي لا يمتنع عليه شيء، لأنه غالب لا يغالب {حَكِيمٌ} أي يتصرف في ملكه كيف يشاء حسب ما تقتضيه الحكمة والمصلحة. المعنى الإجمالي يقول الله جل ثناؤه ما معناه: يسألك أصحابك يا محمد عن حكم تناول الخمر، وعن حكم الميسر (القمار) قل لهم: إن في مقارفة الخمر والميسر إثماً كبيراً، وضرراً عظيماً، وفيهما نفع مادي ضئيل، وضررهما أعظم وأكبر من نفعهما، فإن ضياع العقل، وذهاب المال، وتعريض الجسد للتلف في الخمر، وما يجرُّه القمار من خراب البيوت، ودمار الأسر، والصدّ عن عبادة الله وطاعته، وحدوث العداوة والبغضاء بين اللاعبين، كل ذلك إذا قيس إلى النفع المادي التافه، ظهر الضرر الكبير الفادح في هاتين الموبقتين الخبيثتين. ويسألونك ماذا ينفقون من أموالهم، وماذا يتركون؟ قل لهم: أنفقوا الفضل والزيادة بقدر ما يسهل ويتيسر عليكم، مما يكون فاضلاً عن حاجتكم، وحاجة من تعولون، كذلك قضت حكمة الله أن يبيّن لكم المنافع والمضار، وأن يرشدكم إلى ما فيه خيركم وسعادتكم لتتفكروا في أمر الدنيا والآخرة، فتعلموا أن الأولى فانية، وأن الآخرة باقية، فتعملوا لها، والعاقل من آثر ما يبقى على ما يفنى. ويسألونك - يا محمد - عن معاملة اليتامى، أيخالطونهم أم يعتزلونهم، قل لهم: قصد إصلاح أموالهم خير من اعتزالهم، وإن خالطتموهم فهم إخوانكم في الدين، والأخ ينبغي أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه، والله رقيب مطّلع عليكم يعلم المفسد منكم من المصلح، فلا تجعلوا مخالطتكم إياهم ذريعة إلى أكل أموالهم، ولو شاء الله لأوقعكم في الحرج والمشقة، ولكنه يسّر عليكم وسهّل الدين رحمة ورأفة بكم، وهو العزيز الذي لا يمتنع عليه شيء، الحكيم فيما يشرّع لعباده من الأحكام. سبب النزول أولاً: روى الإمام أحمد وأبو داود والترمذي عن عمر بن الخطاب أنه قال: اللهم بيّن لنا في الخمر بياناً شافياً، فإنها تذهب بالمال والعقل، فنزلت هذه الآية {يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ} فُدعي عمر فقرئت عليه فقال: اللهم بيّن لنا في الخمر بياناً شافياً، فنزلت الآية في سورة النساء [43] {أية : يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَأَنْتُمْ سُكَٰرَىٰ} تفسير : فكان منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أقام الصلاة نادى: أن لا يقربنّ الصلاة سكران، فدعي عمر فقرئت عليه فقال: اللهم بيّن لنا في الخمر بياناً شافياً فنزلت في المائدة، فدعي عمر فقرئت عليه فلما بلغ {أية : فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ} تفسير : [المائدة: 91] قال عمر: انتهينا، انتهينا. ثانياً: وروى ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: لما نزلت {أية : وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ ٱلْيَتِيمِ إِلاَّ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} تفسير : [الأنعام: 152] ونزل {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ ٱلْيَتَٰمَىٰ ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً} تفسير : [النساء: 10] انطلق من كان عنده يتيم، فعزل طعامه من طعامه، وشرابه من شرابه، فجعل يفضل الشيء من طعامه، فيُحبس له حتى يأكله أو يفسد، فاشتدّ ذلك عليهم، فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله عز وجل {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْيَتَامَىٰ قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ} [البقرة: 220] فخلطوا طعامهم بطعامهم، وشرابهم بشرابهم. وجوه القراءات 1 - قرأ الجمهور (قل فيهما إثم كبير) بالباء، وقرأ حمزة والكسائي (كثير) بالثاء. قال الطبري: ولو كان الذي وصف به من ذلك الكثرة لقيل: وإثمهما أكثر من نفعهما. 2 - قرأ الجمهور (قل العفوَ) بالنصب، وقرأ أبو عمرو (قل العفوُ) بالرفع. ويكون معنى الكلام حينئذٍ: ما الذي؟ ينفقون قل: المنفقُ العفوُ. وجوه الإعراب 1 - قوله تعالى: {كَذٰلِكَ يُبيِّنُ ٱللَّهُ} قال ابن الأنباري: الكاف في (كذلك) إشارة إلى ما بيّن من الإنفاق، فكأنه قال: مثل ذلك الذي بينه لكم في الإنفاق يبيّن الآيات، ويجوز أن يكون "كذلك" ليس إشارة إلى ما قبله بل بمعنى "هكذا" قاله ابن عباس. وقال العكبري: الكاف في (كذلك) في موضع نصب نعت لمصدر محذوف أي تبييناً مثل هذا التبيين يبيّن الله لكم، وقوله (في الدنيا والآخرة) متعلقة بـ (تتفكرون) ويجوز أن تتعلق بـ (يبيّن) والمعنى: يبيّن لكم الآيات في أمر الدنيا والآخرة. 2 - قوله تعالى: {إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ} (إصلاح) مبتدأ، و(خير) خبره، وجاز الابتداء بالنكرة هنا لأنها في معنى الفعل تقديره: أصلحوهم. 3 - قوله تعالى: {فَإِخْوَانُكُمْ} مرفوع على أنه خبر لمبتدأ محذوف تقديره: هم إخوانكم. لطائف التفسير اللطيفة الأولى: "أنزل الله تعالى في الخمر أربع آيات، نزل بمكة قوله تعالى: {أية : وَمِن ثَمَرَاتِ ٱلنَّخِيلِ وَٱلأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً}تفسير : [النحل: 67] فكان المسلمون يشربونها في أول الإسلام وهي لهم حلال، ثم نزل بالمدينة قوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَٰفِعُ لِلنَّاسِ} فتركها قوم لقوله: {قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ} وشربها قوم لقوله: {وَمَنَٰفِعُ لِلنَّاسِ} ثم إن (عبد الرحمٰن بن عوف) صنع طعاماً ودعا إليه ناساً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأطعمهم وسقاهم الخمر، وحضرت صلاة المغرب فقدموا أحدهم ليصلي بهم فقرأ (قل يا أيها الكافرون. أعبد ما تعبدون) بحذف (لا) فنزل قوله تعالى: {أية : يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَأَنْتُمْ سُكَٰرَىٰ حَتَّىٰ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ} تفسير : [النساء: 43] فحرّم الله السكر في أوقات الصلاة، فكان الرجل يشربها بعد صلاة العشاء فيصبح وقد زال سكره، ثم إن (عتبان بن مالك) صنع طعاماً ودعا إليه رجالاً من المسلمين فيهم (سعد بن أبي وقاص) وكان قد شوى لهم رأس بعير، فأكلوا وشربوا الخمر حتى أخذت منهم، فافتخروا عند ذلك وتناشدوا الأشعار، فأنشد بعضهم قصيدة فيها فخر قومه وهجاء الأنصار، فأخذ رجل من الأنصار لحي بعير فضرب به رأس (سعد) فشجه، فانطلق سعد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وشكا إليه الأنصاري فأنزل الله {أية : إِنَّمَا ٱلْخَمْرُ وَٱلْمَيْسِرُ وَٱلأَنصَابُ وَٱلأَزْلاَمُ رِجْسٌ...} تفسير : إلى قوله: {أية : فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ} تفسير : [المائدة: 90-91]؟ فقال عمر: انتهينا ربنا انتهينا". اللطيفة الثانية: في تحريم الخمر بهذا الترتيب حكمة بليغة، وذلك أن القوم ألفوا شرب الخمر، وأصبحت جزءاً من حياتهم، فلو حرّمت عليهم دفعة واحدة لشقّ ذلك على نفوسهم، وربما لم يستجيبوا لذلك النهي، كما تقول السيدة عائشة رضي الله عنها "أول ما نزل من القرآن سورة من المفصّل فيها ذكر الجنة والنار، حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلالُ والحرام، ولو نزل أول ما نزل: لا تشربوا الخمر لقالوا: لا ندع الخمرة أبداً". وذلك من الخطة الحكيمة التي انتهجها الإسلام في معالجة الأمراض الاجتماعية، فقد سلك بالناس طريق (التدريج في تشريع الأحكام) فبدأ بالتنفير منه بطريق غير مباشر كما في الآية الأولى، ثم بالتنفير المباشر عن طريق المقارنة بين شيئين: شيء فيه نفع ضئيل، وشيء فيه ضرر وخطر جسيم، كما في الآية الثانية، ثم بالتحريم الجزئي في أوقات الصلاة كما في الآية الثالثة، ثم بالتحريم الكلي في جميع الأوقات كما في الآية الرابعة، فللَّه ما أدق هذا التشريع وما أحكمه؟! اللطيفة الثالثة: فإن قيل: كيف يكون في الخمر منافع، مع أنها تذهب بالمال والعقل؟ فالجواب أن المراد بالمنافع في الآية (المنافع المادية) التي كانوا يستفيدونها من تجارة الخمر، يربحون منها الربح الفاحش، كما يربحون من وراء الميسر، ومما يدل على أن النفع مادي أن الله تعالى قرنها بالميسر {يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ} ولا شك أن النفع في الميسر (مادي) بحت حيث يكون الربح لبعض المقامرين فكذلك في الخمر. قال العلامة القرطبي: "أمّا المنافع في الخمر فربح التجارة، فإنهم كانوا يجلبونها من الشام برخص، فيبيعونها في الحجاز بربح، وكانوا لا يرون المماكسة فيها، فيشتري طالب الخمر الخمر بالثمن الغالي، هذا أصح ما قيل في منافعها". ويحتمل أن يراد النفع في الخمر تلك اللذة والنشوة المزعومة التي عبرّ عنها الشاعر بقوله: شعر : ونشربها فتتركنا ملوكاً وأُسْداً ما ينهنها اللقاء تفسير : وكما قال بعض المغرمين في الخمر: شعر : لا يلذ السّكْر حتّى يأكل السكرانُ نعلَه ويرى القصعة فيلاً ويظنَّ الفيل نملة تفسير : اللطيفة الرابعة: أثمن وأغلى شيء في الإنسان عقله، فإذا فقد الإنسان العقل أصبح كالحيوان، ولهذا حرم الله الخمر وسميت بـ (أم الخبائث) لأنها سبب في كل قبيح. روى النسائي عن عثمان رضي الله عنه أنه قال: "اجتنبوا الخمر فإنها أم الخبائث، إنه كان رجل ممن كان قبلكم متعبّد فعلقته امرأة غوية، فأرسلت إليه جاريتها فقالت له: إنّا ندعوك للشهادة، فانطلق مع جاريتها، فطفقت كلما دخل باباً أغلقته دونه، حتى أفضى إلى امرأة وضيئة عندها غلام وباطيةُ خمر، فقالت: إني والله ما دعوتك للشهادة، ولكن دعوتك لتقع عليّ، أو تشرب من هذه الخمر كأساً، أو تقتل هذا الغلام، قال: فاسقيني من هذه الخمر كأساً، فسقته كأساً قال: زيدوني فزادوه، فلم يبرح حتى وقع عليها، وقتل النفس، فاجتنبوا الخمر فإنه والله لا يجتمع الإيمان وإدمان الخمر، إلا يوشك أن يُخْرجَ أحدُهما صاحبه". اللطيفة الخامسة: قال (قيس بن عاصم المِنْقري) في ذم الخمر بعد أن حرّمها على نفسه: شعر : رأيت الخمر صالحة وفيها خصالٌ تُفسد الرجل الحليما فلا والله أشربها صحيحاً ولا أشفي بها أبداً سقيماً ولا أعطي بها ثمناً حياتي ولا أدعو لها أبداً نديماً فإن الخمر تفضح شاربيها وتجنيهم بها الأمر العظيما تفسير : قال القرطبي: "وإن الشارب يصير ضُحكة للعقلاء، فيلعب ببوله وعذرته وربما يمسح وجهه، حتى رؤي بعضهم يمسح وجهه ببوله ويقول: اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين، ورؤي بعضهم والكلب يلحس وجهه وهو يقول له: أكرمك الله كما أكرمتني". اللطيفة السادسة: قال صاحب "الكشاف": في صفة الميسر الذي كانوا يتعاملون به في الجاهلية "كانت لهم عشرة أقداح وهي (الفذّ، والتوأم، والرقيب، والحِلْس، والنافس، والمسبل، والمعلَّى، والمنيح، والسفيح، والوغد) لكلّ واحد منه نصيب معلوم من جزور ينحرونها إلا لثلاثة وهي (المنيح، والسفيح، والوغد) فللفذ سهم، وللتوأم سهمان، وللرقيب ثلاثة، وللحلس أربعة، وللنافس خمسة، وللمسبل ستة، وللمعلى سبعة، يجعلونها في خريطة ويضعونها على يد عدل، ثم يجلجلها ويدخل يده فيخرج باسم رجلٍ رجلٍ قدحاً منها، فمن خرج له قدح من ذوات الأنصباء أخذ النصيب الموسوم به، ومن خرج له قدح لا نصيب له لم يأخذ شيئاً، وغرم ثمن الجزور كله، وكانوا يدفعون تلك الأنصباء إلى الفقراء ولا يأكلون منها، ويفتخرون بذلك ويذمون من لم يدخل فيه؟ الأحكام الشرعية الحكم الأول: هل الآية الكريمة دالة على تحريم الخمر؟ ذهب بعض العلماء إلى أن هذه الآية {يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ} دالة على تحريم الخمر، لأن الله تعالى ذكر فيها قوله: {قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ} وقد حرم الله الإثم بقوله: {أية : إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ ٱلْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَٱلإِثْمَ...} تفسير : [الأعراف: 33] الآية وهذا اختيار القاضي أبي يعلى. ذهب جمهور العلماء إلى أن هذه الآية تقتضي ذم الخمر دون تحريمها، بدليل أن بعض الصحابة شربوا الخمر بعد نزولها - كما مرّ في أسباب النزول - ولو فهموا التحريم لما شربها أحد منهم، وهذه الآية منسوخة بآية المائدة وهذا قول مجاهد، وقتادة، ومقاتل. قال القرطبي: "في هذه الآية ذم الخمر، فأما التحريم فيعلم بآية أخرى هي آية المائدة [الآية: 90] {أية : يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا ٱلْخَمْرُ وَٱلْمَيْسِرُ وَٱلأَنصَابُ وَٱلأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ ٱلشَّيْطَانِ} تفسير : وعلى هذا أكثر المفسدين". الحكم الثاني: ما هي الخمر وهل هي اسم لكل مسكر؟ اختلف العلماء في تعريف الخمر ما هي؟ فقال أبو حنيفة: الخمر الشراب المسكر من عصير العنب فقط، وأما المسكر من غيره كالشراب من التمر أو الشعير، فلا يسمى خمراً بل يُسمى نبيذاً. وهذا مذهب الكوفيين والنخعي، والثوري، وابن أبي ليلى. وذهب الجمهور (مالك والشافعي وأحمد) إلى أن الخمر اسم لكلّ شراب مسكر، سواءً كان من عصير العنب، أو التمر، أو الشعير أو غيره، وهو مذهب جمهور المحدثين وأهل الحجاز. حجة الكوفيين وأبي حنيفة: احتج الكوفيون وأبو حنيفة بأن الأنبذة لا تسمى خمراً، ولا يسمى خمراً إلا الشيء المشتد من عصير العنب باللغة، والسنة: أما اللغة: فقول (أبي الأسود الدؤلي) وهو حجة في اللغة: شعر : دع الخمر تشربْها الغواة فإنني رأيت أخاها مغنياً بمكانها فإن لا تكنْه أو يكنْها فإنه أخوها غذته أمه بلبانها تفسير : وأما السنة: فما روي عن أبي سعيد الخدري قال: "حديث : أُتي النبي صلى الله عليه وسلم بنشوان فقال له: أشربت خمراً؟ قال: ما شربتها منذ حرّمها الله ورسوله، قال: فماذا شربت؟ قال: الخليطين، قال: فحرّم رسول الله صلى الله عليه وسلم الخليطين ". تفسير : فنفى الشارب اسم الخمر عن (الخليطين) بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم ولم ينكره عليه. حجة الجمهور: واستدل الحجازيون وجمهور الفقهاء على أن كل مسكر خمر بما يلي: أولاً: حديث ابن عمر "حديث : كلّ مسكر خمرٌ، وكل مسكر حرامٌ ". تفسير : ثانياً: حديث أبي هريرة: "حديث : الخمر من هاتين الشجرتين وأشار إلى الكرمة والنخلة ". تفسير : ثالثاً: حديث أنس "حديث : حرمت الخمر حين حرّمت، وما يُتخذ من خمر الأعناب إلا قليل، وعامة خمرنا البُسْرُ والتمر ". تفسير : رابعاً: حديث ابن عمر (نزل تحريم الخمر يوم نزل وهي من خمسة: من العنب، والتمر، والحنطة، والشعير، والذرة، والخمرُ ما خامر العقل). خامساً: حديث أم سلمة (حديث : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كل مسكر ومفتّر ). تفسير : واستدلوا لمذهبهم على أن المسكر يسمى خمراً باللغة أيضاً وهو أن الخمر سميت خمراً لمخامرتها للعقل، وهذه الأنبذة تخامر العقل أي تستره وتغيبه فلذلك تسمى خمراً، فالخمرُ هو السكر من أي شرابٍ كان، لأن السكر يغطي العقل، ويمنع من وصول نوره إلى الأعضاء. قال الفخر الرازي: "فهذه الاشتقاقات من أقوى الدلائل على أن مسمّى الخمر هو المسكر، فكيف إذا انضافت الأحاديث الكثيرة إليه؟ لا يقال: إن هذا إثبات للغة بالقياس وهو غير جائز، لأنا نقول: ليس هذا إثباتاً للغة بالقياس بل هو تعيين المسمى بواسطة هذه الاشتقاقات. والترجيح: ونحن إذا تأملنا أدلة الفريقين - ما ذكر منها وما لم يذكر - ترجح عندنا قول الجمهور وأهل الحجاز، فالخمر حرام، وكل مسكر خمر كما قال عمر رضي الله عنه، وذلك لأن الصحابة لما سمعوا تحريم الخمر فهموا منه تحريم الأنبذة، وهم كانوا أعرف الناس بلغة العرب ومراد الشارع، وقد ثبت بالسنة المطهّرة تحريم كل مسكر ومفتّر، وثبت عن أنسٍ أنه كان ساقي القوم في منزل أبي طلحة حين حرمت الخمر، وما كان خمرهم يومئذٍ إلا الفضيخ، فحين سمعوا تحريم الخمر أهراقوا الشراب وكسروا الأواني، وما كان الفضيخ إلا من نقيع البسر، فما ذهب إليه الجمهور هو الصحيح المعوّل عليه، لا سيّما وأن المتأخرين من الأحناف أفتوا بقول محمد في سائر الأشربة وهو الحق الذي لا محيد عنه. قال العلامة الألوسي: "وعندي أن الحق الذي لا ينبغي العدول عنه، أن الشراب المتخذ مما عدا العنب كيف كان، وبأي اسم سمي، متى كان بحيث يُسكر حرام، وقليله ككثيره، ويحد شاربه، ويقع طلاقه، ونجاسته غليظة". الحكم الثالث: ما هي أنواع الميسر المحرّم؟ اتفق العلماء على تحريم ضروب القمار، وأنها من الميسر المحرّم لقوله تعالى: {قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ} فكل لعب يكون فيه ربح لفريق وخسارة لآخر هو من الميسر المحرم، سواءً كان اللعب بالنرد، أو الشطرنج أو غيرهما، ويدخل فيه في زماننا مثل (اليانصيب) سواء منه ما كان بقصد الخير (اليانصيب الخيري) أو بقصد الربح المجرد فكله ربح خبيث "وإن الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيباً". قال صاحب "الكشاف": "وفي حكم الميسر أنواع القمار، من النرد والشطرنج وغيرهما، وعن النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : إياكم وهاتين اللعبتين المشئومتين فإنهما من ميسر العجم ". تفسير : وعن علي رضي الله عنه: "أن النرد والشطرنج من الميسر". وعن ابن سيرين: "كل شيء فيه خطر فهو من الميسر". قال صاحب "روح المعاني": "وفي حكم الميسر جميع أنواع القمار من النرد، والشطرنج، وغيرهما حتى أدخلوا فيه لعب الصبيان بالجوز والكعاب، والقرعة في غير القسمة، وجميع أنواع المخاطرة والرهان". أما النرد فمحرم بالاتفاق لقوله عليه السلام: "حديث : من لعب بالنرد فقد عصى الله ورسوله ". تفسير : وأما الشطرنج: فقد أباحه الإمام الشافعي بشروط ذكرها الإمام الفخر حيث قال: "وقال الشافعي رضي الله عنه: إذا خلا الشطرنج عن الرهان، واللسان عن الطغيان، والصلاة عن النسيان، لم يكن حراماً، وهو خارج عن الميسر، لأن الميسر ما يوجب دفع المال، أو أخذ مال، وهذا ليس كذلك، فلا يكون قماراً ولا ميسراً". وأما السبق في الخيل والدواب، والرميُ بالنصَال والسهام فقد رخص فيه بشروط تعرف من كتب الفقه وليس هنا محل تفصيلها والله تعالى أعلم. خاتمة البحث: حكمة التشريع حرم الله الخمر والميسر، لما فيهما من الأضرار الفادحة، والمفاسد الكثيرة، والآثام التي تتولد من هاتين الرذيلتين سواءً في النفس أو البدن أو العقل أو المال. فمن مضار الخمر أنه يذهب العقل حتى يهذي الشارب كالمجنون، ويفقد الإنسان صحته ويخرّب عليه جهازه الهضمي، فيحدث التهابات في الحلق، وتقرحات في المعدة والأمعاء، وتمدداً في الكبد، ويعيق دورة الدم، وقد يوقفها فيموت السكّير فجأة، وقد أثبت الطب الحديث ضرر الخمر الفادح في الجسم والعقل حتى قال بعض أطباء ألمانيا: "اقفلوا لي نصف الحانات أضمن لكم الاستغناء عن نصف المستشفيات، والبيمارستانات (مستشفى الأمراض العقلية) والسجون". ويكفي الخمر شراً أنها (أم الخبائث) كما ورد في الحديث الشريف. وأما مضار الميسر فليست بأقل من مضار الخمر، فهو يورث العداوة والبغضاء بين اللاعبين، ويصد عن ذكر الله وعن الصلاة، ويفسد المجتمع بتعويد الناس على البطالة والكسل، بانتظار الربح بدون كد ولا تعب، ويهدّم الأسر ويخرّب البيوت، فكم من أسرة تشرّدت وتحطمت وافتقرت بعد أن كانت تعيش بين أحضان الثروة والغنى بسبب مقامرة أربابها، فكان في ذلك الدمار والهلاك لتلك الأسر المنكوبة، كما انتهى الأمر بالكثير من اللاعبين إلى قتل أنفسهم بالانتحار، أو الرضا بعيشة الذل والمهانة. ولا تزال الأيام تظهر من مضار الخمر والميسر ما لم يكن معروفاً من قبل، فيتجلى لنا صدق وصف الكتاب الكريم: {أية : إِنَّمَا يُرِيدُ ٱلشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ ٱلْعَدَاوَةَ وَٱلْبَغْضَآءَ فِي ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ وَعَنِ ٱلصَّلاَةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ} تفسير : [المائدة: 91]؟؟.

زيد بن علي

تفسير : وقولُه تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ} قالَ زيدُ بن علي عليهما السَّلامُ: فالمَيْسِرُ: القِمَارُ. تفسير : وقولهُ تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ ٱلْعَفْوَ} قالَ زيدُ بن علي عليهما السَّلامُ: والعَفْوُ: فَضْلُ المَالِ، ما يَفضِلُ عَن الأَهلِ والعيالِ. ولا تَجْهِدْ مَالكَ ثُمَّ تَحتاج أَنْ تَسْأَلَ النَّاسَ. تفسير : وقولهُ تعالى: {لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ} قالَ زيدُ معناه لعلَّكم تَتَفكرونَ فِي الدّنيا فتَعرِفُون فَضلَ الآخرةِ على الدّنيا.

الأندلسي

تفسير : {يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ} الخمر: هو المعتصر من العنب إذا غلا واشتد وقذف بالزبد. والميسر: القمار، مفعل من يسر ييسر وهو عشرة أقداح وهي الأزلام لسبعة منها خطوط وفيها فروض على عدة الخطوط الفذ وله سهم واحد، والتوأم له سهمان، والرقيب له ثلاثة، والحلس له أربعة، والنافس وله خمسة، والمسبل وله ستة، والمعلا وله سبعة، وثلاثة اغفال لا خطوط لها وهي المنيح والسفيح والوعد بزاد هذه لتكثر السهام وتختلط على الحرضة وهي الضارب بالقداح فلا يجد إلى الميل مع أحد سبيلاً وهو رجل عدل عندهم، ثم يبحثوا الضارب على ركبتيه ويلتحف بثوب ويخرج رأسه ويجعل تلك القداح في الربابة وهي خريطة ثم يخلخلها ويدخل يده ويخرج باسم رجل قدحاً منها، فمن خرج له قدح من ذوات الأنصباء أخذ النصيب الموسوم به ذلك القدح، ومن خرج له قدح من تلك الثلاثة لم يأخذ شيئاً وغرم ثمن الجزور كله. وكانت عادة العرب أن تضرب بهذه القداح في الشتوة وضيق العيش وكلب البرد على الفقراء فيشترون الجزور، ويضمن الانسان ثمنه، ثم تنحر ويقسم على عشرة أقسام وأيهم خرج له نصيب وأسى به الفقراء ولا يأكل منه شيئاً ويفتخرون بذلك، ويسمون من لم يدخل فيه البرم ويذمونه بذلك. سأل عمر ومعاذ رسول الله صلى الله عليه وسلم قالا يا رسول الله افتنا في الخمر والميسر فإِنها مذهبة للعقل مَسْلبة للمال. فنزلت: ولما كان الخمر والميسر من مصارف المال ومع مداومتها قل ان يبقى مال فيتصدق به أو يجاهد به سألوا عن ذلك قيل: {فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ} وهذا يدل على أن تعاطيها من الكبائر وذلك بعد التحريم. {وَمَنَٰفِعُ لِلنَّاسِ} قبل التحريم والاثم هو الذنب الذي يترتب عليه العقاب مع ما جاء في الخمر من ذهاب العقل والسباب والافتراء والتعدي والمنفعة التي فيها ما يحصل من الأرباح والاكساب وذهاب الهم وحصول الفرح. وقد ذكر الأطباء منافعها ومضارها والمنفعة التي في الميسر التوسعة على المحاويج وبعد الصيت بذلك، وقرىء كبير بالباء وبالثاء. {وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا} وهو ما يقترفون فيهما من الاثم. {وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ} تقدم هذا السؤال وأجيبوا بالمصرف وأجيبوا هنا بذكر المقدار والعفو ما فضل عما يحتاج إليه من يمونه ويسهل عليه. وقرىء {قُلِ ٱلْعَفْوَ} بالنصب على تقدير ماذا مفعولاً وبالرفع على تقديره مبتدأ وخبراً فطابق الجواب السؤال في القرآتين وإن كان يجوز عدم التطابق والرفع على إضمار مبتدأ، أي المنفق العفو، وتقدير ابن عطية: قل العفو إنفاقكم ليس بجيد، لأنه أتى بالمصدر وليس السؤال على المصدر. قال ابن عطية: ورفع العفو مع نصب ماذا جائز ضعيف وكذلك نصبه مع رفعها. "انتهى" وليس كما قال: بل هو جائز وليس بضعيف. والاشارة في {كَذٰلِكَ} إلى الأقرب من تبيينه حكم الخمر والميسر والانفاق القريب ذكره والآيات العلامات والدلائل. {لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ} ترجية للتفكر يحصل عند تبيين الآيات. {فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ} متعلق بتتفكرون، أي في أمر الدنيا والآخرة. وكانوا في الجاهلية يتحرجون من مخالطة اليتامى في مأكل ومشرب ويتجنبون أموالهم. فنزلت: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْيَتَامَىٰ قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ} والاصلاح بتعليمه وتأديبه والنظر في تنمية ماله وحفظه. وإصلاح؛ مبتدأ وهو نكرة لوجود المسوغ من كون لهم متعلقاً به أو في موضع الصفة وهو مصدر حذف فاعله وخير: خير. وخير شامل للإِصلاح المتعلق بالفاعل والمفعول والخيرية للجانبين معاً وإن إصلاحهم لليتامى خير للمصلح والمصلح يتناول حال اليتيم والكفيل. {وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ} التفات من الغيبة إلى الخطاب أي فإِخوانكم في الدين فينبغي أن تنظروا لهم كما تنظرون لإِخوانكم من النسب من الشفقة والتلطف والاصلاح لذواتهم وأموالهم. والمخالطة: من الخلط، وهو الامتزاح. والمعنى في المأكل فيجعل نفقة اليتيم مع نفقة عياله بالتحري إذ يعسر أفراد نفقته بطعامه فلا يجد بداً من خلطه بما له لعياله فرخص لهم في ذلك. وكذا: أي مخالطة يكون لليتيم فيها اصلاح من مطعم أو مسكن أو متاجرة أو مشاركة أو مضاربة أو مصاهرة أو غير ذلك. وجواب الشرط فإِخوانكم أي فهم إخوانكم. وقرىء فإِخوانكم بالنصب أي فتخالطون إخوانكم. {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ ٱلْمُفْسِدَ مِنَ ٱلْمُصْلِحِ} جملة تحذير والمعنى أنه يجازي كلاً منهما على الوصف الذي قام به. وألْ فيهما للاستغراق ومن معناها هنا الفصل وضمن يعلم معنى يميز فعدي بمن. {وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لأَعْنَتَكُمْ} أي لأحرجكم وشدد عليكم في كفالة اليتامى. وقرىء بتحقيق الهمزة وتليينها وطرحها بالقاء حركتها على اللام بعد تقدير خلو اللام من الحركة وجعل قراءة طرح الهمزة وهما أبو عبد الله نصر بن علي بن مريم وهذه الجملة تذكير بإِحسان الله وإنعامه على أوصياء اليتامى إذ أزال أعناتهم في مخالطتهم والنظر في أحوالهم وأموالهم.

الجيلاني

تفسير : {يَسْأَلُونَكَ} يا أكمل الرسل {عَنِ} حرمة {ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ} أهما من المحرمات الإلهية أم لا؟ {قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ} أمَّا في الخمر؛ فلكونه معطلاً مزيلاً للعقل الجزئي المودع في الإنسان، ليتوصل به إلى العقل الكل المتفرع إلى اسم العليم، الشامل لجميع ما كان ويكون، وهو اللوح المحفوظ والكتاب المبين وأمَّا في الميسر فلكونه متلفاً للمال الذي هو سبب تعمير البدن، الذي هو مخزن جوهر العقل المذكور الذي اختص به الإنسان، وبه استحق مرتبة الخلافة والنيابة. {وَ} فيهما {مَنَٰفِعُ لِلنَّاسِ} أي: لبعضهم من المرض الذي لا يمكنهم العلاج بدون إزالة عقولهم، والتداوي لهم منحصر في الخمر عند المتطببين، ومن استغناء بعض السفلة من الناس واسترزاقهم بالميسر {وَ} لكن {إِثْمُهُمَآ} عند أولي النهي واليقين {أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا} عندهم، بل لا نفع فيهما بالنسبة إليهم؛ إذ لا يبقى لهم رابطة مع أبدانهم ليصلحوا ويصححوا {وَيَسْأَلُونَكَ} أيضاً يا أكمل الرسل: {مَاذَا يُنفِقُونَ} من أي شيء ينفقون، على أي وجه ينفقون؟ {قُلِ} يا أكمل الرسل نيابة عنا: أنفقوا {ٱلْعَفْوَ} الفاضل من أموالكم؛ لئلا يتضرروا بالجهد، وليسهل عليكم التجاوز عنه، لا يشق عليكم إنفاقه {كَذٰلِكَ} أي: على الوجه الأحسن الأسهل {يُبيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ} جميع {ٱلأيَٰتِ} المنزلة عليكم إصلاح حالكم {لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ} [البقرة: 219] رجاء أن تتأملوا: {فِي} الآيات المتعلقة لأمور {ٱلدُّنْيَا} فتتصفوا بما فيها {وَ} أيضاً تأملوا في الآيات المتعلقة لأمور {ٱلآخِرَةِ} فتحققوا بها، وتمكنوا عليها واطمأنوا بسببها؛ ليتم لكم تهذيب الظاهر والباطن، وبعد ذلك يترتب ما يترتب {وَيَسْأَلُونَكَ} أيضاً {عَنِ} أحوال {ٱلْيَتَامَىٰ} الذين لم يبلغوا الحلم، ولا متعهد لهم من ذوي القربى {قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ} أحوالهم {خَيْرٌ} من إبقائهم في المذلة والهوان {وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ} من غاية المرحمة والإشفاق {فَإِخْوَانُكُمْ} في الدين، يجزيكم الله خيراً إن كتنتم قاصدين فيه إصلاحهم ورعايتهم، دون إفساد مالهم وعرضهم {وَٱللَّهُ} الماطلع بمقاصدكم {يَعْلَمُ ٱلْمُفْسِدَ} المبطل منكم {مِنَ ٱلْمُصْلِحِ} المحق، فيجازي كلاً منهم على مقتضى علمه {وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ} المطلع لإفسادكم وإعناتكم أن يفسد عليكم ويعنتكم {لأَعْنَتَكُمْ} أذلكم وأفسدكم أشد من إفسادكم وإعناتكم إياهم {إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ} غالب قادر على الانتقام {حَكِيمٌ} [البقرة: 220] لا ينتقم بلا موجب.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : أي: يسألك - يا أيها الرسول - المؤمنون عن أحكام الخمر والميسر، وقد كانا مستعملين في الجاهلية وأول الإسلام، فكأنه وقع فيهما إشكال، فلهذا سألوا عن حكمهما، فأمر الله تعالى نبيه، أن يبين لهم منافعهما ومضارهما، ليكون ذلك مقدمة لتحريمهما، وتحتيم تركهما. فأخبر أن إثمهما ومضارهما، وما يصدر منهما من ذهاب العقل والمال، والصد عن ذكر الله، وعن الصلاة، والعداوة، والبغضاء - أكبر مما يظنونه من نفعهما، من كسب المال بالتجارة بالخمر، وتحصيله بالقمار والطرب للنفوس، عند تعاطيهما، وكان هذا البيان زاجرا للنفوس عنهما، لأن العاقل يرجح ما ترجحت مصلحته، ويجتنب ما ترجحت مضرته، ولكن لما كانوا قد ألفوهما، وصعب التحتيم بتركهما أول وهلة، قدم هذه الآية، مقدمة للتحريم، الذي ذكره في قوله: {أية : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأنْصَابُ وَالأزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ } تفسير : إلى قوله: {أية : مُنْتَهُونَ } تفسير : وهذا من لطفه ورحمته وحكمته، ولهذا لما نزلت، قال عمر رضي الله عنه: انتهينا انتهينا. فأما الخمر: فهو كل مسكر خامر العقل وغطاه، من أي نوع كان، وأما الميسر: فهو كل المغالبات التي يكون فيها عوض من الطرفين، من النرد، والشطرنج، وكل مغالبة قولية أو فعلية، بعوض سوى مسابقة الخيل، والإبل، والسهام، فإنها مباحة، لكونها معينة على الجهاد، فلهذا رخص فيها الشارع. { وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ * فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ } . وهذا سؤال عن مقدار ما ينفقونه من أموالهم، فيسر الله لهم الأمر، وأمرهم أن ينفقوا العفو، وهو المتيسر من أموالهم، الذي لا تتعلق به حاجتهم وضرورتهم، وهذا يرجع إلى كل أحد بحسبه، من غني وفقير ومتوسط، كل له قدرة على إنفاق ما عفا من ماله، ولو شق تمرة. ولهذا أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم، أن يأخذ العفو من أخلاق الناس وصدقاتهم، ولا يكلفهم ما يشق عليهم. ذلك بأن الله تعالى لم يأمرنا بما أمرنا به حاجة منه لنا، أو تكليفا لنا [بما يشق] بل أمرنا بما فيه سعادتنا، وما يسهل علينا، وما به النفع لنا ولإخواننا فيستحق على ذلك أتم الحمد. ولما بيّن تعالى هذا البيان الشافي، وأطلع العباد على أسرار شرعه قال: { كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ } أي: الدالات على الحق، المحصلات للعلم النافع والفرقان، { لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ } أي: لكي تستعملوا أفكاركم في أسرار شرعه، وتعرفوا أن أوامره، فيها مصالح الدنيا والآخرة، وأيضا لكي تتفكروا في الدنيا وسرعة انقضائها، فترفضوها وفي الآخرة وبقائها، وأنها دار الجزاء فتعمروها. {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لأعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } لما نزل قوله تعالى: {أية : إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا } تفسير : شق ذلك على المسلمين، وعزلوا طعامهم عن طعام اليتامى، خوفا على أنفسهم من تناولها، ولو في هذه الحالة التي جرت العادة بالمشاركة فيها، وسألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فأخبرهم تعالى أن المقصود، إصلاح أموال اليتامى، بحفظها وصيانتها، والاتجار فيها وأن خلطتهم إياهم في طعام أو غيره جائز على وجه لا يضر باليتامى، لأنهم إخوانكم، ومن شأن الأخ مخالطة أخيه، والمرجع في ذلك إلى النية والعمل، فمن علم الله من نيته أنه مصلح لليتيم، وليس له طمع في ماله، فلو دخل عليه شيء من غير قصد لم يكن عليه بأس، ومن علم الله من نيته، أن قصده بالمخالطة، التوصل إلى أكلها وتناولها، فذلك الذي حرج وأثم، و "الوسائل لها أحكام المقاصد ". وفي هذه الآية، دليل على جواز أنواع المخالطات، في المآكل والمشارب، والعقود وغيرها، وهذه الرخصة، لطف من الله [تعالى] وإحسان، وتوسعة على المؤمنين، وإلا فـ { لَوْ شَاءَ اللَّهُ لأعْنَتَكُمْ } أي: شق عليكم بعدم الرخصة بذلك، فحرجتم. وشق عليكم وأثمتم، { إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ } أي: له القوة الكاملة، والقهر لكل شيء، ولكنه مع ذلك { حَكِيمٌ } لا يفعل إلا ما هو مقتضى حكمته الكاملة وعنايته التامة، فعزته لا تنافي حكمته، فلا يقال: إنه ما شاء فعل، وافق الحكمة أو خالفها، بل يقال: إن أفعاله وكذلك أحكامه، تابعة لحكمته، فلا يخلق شيئا عبثا، بل لا بد له من حكمة، عرفناها، أم لم نعرفها وكذلك لم يشرع لعباده شيئا مجردا عن الحكمة، فلا يأمر إلا بما فيه مصلحة خالصة، أو راجحة، ولا ينهى إلا عما فيه مفسدة خالصة أو راجحة، لتمام حكمته ورحمته.

همام الصنعاني

تفسير : 255- عبد الرزاق، قال: حدثنا معمر، عن قتادة، عن رجل، عن مجاهد، في قوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ}: [الآية: 219]، قال: لما نزلت هذه الآية شربها بعض الناس، وتركها بعضهم، حتى نَزَلَ تحريمها في سورَةِ المائدة: قال قتادة: {وَٱلْمَيْسِرِ}: القمار. 256- عبد الرزاق، قال: حدّثنا معمر، عن ليث، عن مجاهد، وسعيد، قالا: {وَٱلْمَيْسِرِ} القمار كُلُّهُ حتَّى الجَوْز الَّذي يَلْعَب به الصبيان. 257- عبد الرزاق، قال: حدّثنا معمر، قال: أخبرني يزيد بن أبي زياد، عن أبي الأحوص، قال: سمعت ابن مسعود، يقُول: إياكم وزجراً بالكعبين، أو قال: بالكعبتين، فإنهما من الميسر. 258- عبد الرزاق، قال: حدّثنا معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {قُلِ ٱلْعَفْوَ}: [الآية: 219]، قال: هُوَ الفضل. 259- عبد الرزاق، قال: حدثنا معمر، عن قتادة في قوله تعالى: {لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ * فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ}: [الآيا: 219-220]، قال: يقول لعلكم تتفكرون في الدنيا والآخرة، فتعرفون فضْلَ الآخرة على الدينا. 260- عبد الرزاق، قال: حدّثنا معمر، عن قتادة، لما نزلت: {أية : وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ ٱلْيَتِيمِ إِلاَّ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}تفسير : : [الإسراء: 34]، اعتزل الناس اليتامى فلم يخالطوهم في مَأْكَلٍ ولا مَشْرَبٍ ولا مَال، فشقَّ ذلِكَ علَى النَّاسِ، فسألوا النبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْيَتَامَىٰ قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ}: [الآية: 220].