٢ - ٱلْبَقَرَة
2 - Al-Baqara (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
220
Tafseer
الرازي
تفسير : الحكـم الخـامس فـي اليتامـى في الآية مسائل: المسألة الأولى: أن أهل الجاهلية كانوا قد اعتادوا الانتفاع بأموال اليتامى وربما تزوجوا باليتيمة طمعاً في مالها أو يزوجها من ابن له لئلا يخرج مالها من يده، ثم إن الله تعالى أنزل قوله: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يَأْكُلُون أَمْوٰلَ ٱلْيَتَـٰمَىٰ ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِى بُطُونِهِمْ نَاراً } تفسير : [النساء: 10] وأنزل في الآيات: {أية : وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِى ٱلْيَتَـٰمَىٰ فَٱنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مّنَ ٱلنّسَاء } تفسير : [النساء: 3] وقوله: {أية : ويستفتونك في النساء قل الله بفتيكم فيهن وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء اللآتي لا تؤتونهن ما كتب لهن وترغبون أن تنكحوهن، والمستضعفين من الولدان، وأن تقوموا لليتامى بالقسط، وما تفعلوا من خير فإن الله كان به عليماً} تفسير : [النساء: 127] وقوله: {أية : وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ ٱلْيَتِيمِ إِلاَّ بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ } تفسير : [الأنعام: 152] فعند ذلك ترك القوم مخالطة اليتامى، والمقاربة من أموالهم، والقيام بأمورهم، فعند ذلك اختلت مصالح اليتامى وساءت معيشتهم، فثقل ذلك على الناس، وبقوا متحيرين إن خالطوهم وتولوا أمر أموالهم، استعدوا للوعيد الشديد، وإن تركوا وأعرضوا عنهم، اختلت معيشة اليتامى، فتحير القوم عند ذلك. ثم ههنا يحتمل أنهم سألوا الرسول عن هذه الواقعة، يحتمل أن السؤال كان في قلبهم، وأنهم تمنوا أن يبين الله لهم كيفية الحال في هذا الباب، فأنزل الله تعالى هذه الآية، ويروى أنه لما نزلت تلك الآيات اعتزلوا أموال اليتامى، واجتنبوا مخالطتهم في كل شيء، حتى كان يوضع لليتيم طعام فيفضل منه شيء فيتركونه ولا يأكلونه حتى يفسد، وكان صاحب اليتيم يفرد له منزلاً وطعاماً وشراباً فعظم ذلك على ضعفة المسلمين، فقال عبد الله بن رواحة: يا رسول الله مالكنا منازل تسكنها الأيتام ولا كلنا يجد طعاماً وشراباً يفردهما لليتيم، فنزلت هذه الآية. المسألة الثانية: قوله: {قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ } فيه وجوه أحدها: قال القاضي: هذا الكلام يجمع النظر في صلاح مصالح اليتيم بالتقويم والتأديب وغيرهما، لكي ينشأ على علم وأدب وفضل لأن هذا الصنع أعظم تأثيراً فيه من إصلاح حاله بالتجارة، ويدخل فيه أيضاً إصلاح ماله كي لا تأكله النفقة من جهة التجارة، ويدخل فيه أيضاً معنى قوله تعالى: {أية : وَءاتُواْ ٱلْيَتَـٰمَىٰ أَمْوٰلَهُمْ وَلاَ تَتَبَدَّلُواْ ٱلْخَبِيثَ بِٱلطَّيّبِ } تفسير : [النساء: 2] ومعنى قوله: {خَيْرٌ } يتناول حال المتكفل، أي هذا العمل خير له من أن يكون مقصراً في حق اليتيم، ويتناول حال اليتيم أيضاً، أي هذا العمل خير لليتيم من حيث أنه يتضمن صلاح نفسه، وصلاح ماله، فهذه الكلمة جامعة لجميع مصالح اليتيم والولي. فإن قيل: ظاهر قوله: {قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ } لا يتناول إلا تدبير أنفسهم دون مالهم. قلنا: ليس كذلك لأن ما يؤدي إلى إصلاح ماله بالتنمية والزيادة يكون إصلاحاً له، فلا يمتنع دخوله تحت الظاهر، وهذا القول أحسن الأقوال المذكورة في هذا الموضع وثانيها: قول من قال: الخبر عائد إلى الولي، يعني إصلاح أموالهم من غير عوض ولا أجرة خير للولي وأعظم أجراً له، والثالث: أن يكون الخبر عائداً إلى اليتيم، والمعنى أن مخالطتهم بالإصلاح خير لهم من التفرد عنهم والإعراض عن مخالطتهم، والقول الأول أولى، لأن اللفظ مطلق فتخصيصه ببعض الجهات دون البعض، ترجيح من غير مرجح وهو غير جائز، فوجب حمله على الخيرات العائدة إلى الولي، وإلى اليتيم في إصلاح النفس، وإصلاح المال، وبالجملة فالمراد من الآية أن جهات المصالح مختلفة غير مضبوطة، فينبغي أن يكون عين المتكفل لمصالح اليتيم على تحصيل الخير في الدنيا والآخرة لنفسه، واليتيم في ماله وفي نفسه، فهذه كلمة جامعة لهذه الجهات بالكلية. أما قوله تعالى: {وَإِن تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوٰنُكُمْ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: المخالطة جمع يتعذر فيه التمييز، ومنه يقال للجماع: الخلاط ويقال: خولط الرجل إذا جن، والخلاط الجنون لاختلاط الأمور على صاحبه بزوال عقله. المسألة الثانية: في تفسير الآية وجوه أحدها: المراد: وإن تخالطوهم في الطعام والشراب والمسكن والخدم فإخوانكم، والمعنى: أن القوم ميزوا طعامه عن طعام أنفسهم، وشرابه عن شراب أنفسهم ومسكنه عن مسكن أنفسهم، فالله تعالى أباح لهم خلط الطعامين والشرابين، والاجتماع في المسكن الواحد، كما يفعله المرء بمال ولده، فإن هذا أدخل في حسن العشرة والمؤالفة، والمعنى وإن تخالطوهم بما لا يتضمن إفساد أموالهم فذلك جائز وثانيها: أن يكون المراد بهذه المخالطة أن ينتفعوا بأموالهم بقدر ما يكون أجره مثل ذلك العمل والقائلون بهذا القول منهم من جوز ذلك سواء كان القيم غنياً أو فقيراً، ومنهم من قال: إذا كان القيم غنياً لم يأكل من ماله لأن ذلك فرض عليه وطلب الأجرة على العمل الواجب لا يجوز، واحتجوا عليه بقوله تعالى: {وَمَن كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَن كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِٱلْمَعْرُوفِ } وأما إن كان القيم فقيراً فقالوا إنه يأكل بقدر الحاجة ويرده إذا أيسر، فإن لم يوسر تحلله من اليتيم، وروي عن عمر رضي الله عنه أنه قال: أنزلت نفسي من مال الله تعالى بمنزلة ولي اليتيم: إن استغنيت استعففت، وإن افتقرت أكلت قرضاً بالمعروف ثم قضيت، وعن مجاهد أنه إذا كان فقيراً وأكل بالمعروف فلا قضاء عليه. القول الثالث: أن يكون معنى الآية إن يخلطوا أموال اليتامى بأموال أنفسهم على سبيل الشركة بشرط رعاية جهات المصلحة والغبطة للصبـي. والقول الرابع: وهو اختيار أبـي مسلم: أن المراد بالخلط المصاهرة في النكاح، على نحو قوله: {أية : وَإِنْ خِفْتُمْ أَن لا تُقْسِطُواْ فِى ٱلْيَتَـٰمَىٰ فَٱنكِحُواْ } تفسير : [النساء: 3] وقوله عز من قائل: {أية : وَيَسْتَفْتُونَكَ فِى ٱلنّسَاءِ قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فِى ٱلْكِتَـٰبِ فِى يَتَـٰمَى ٱلنّسَاء } تفسير : [النساء: 127] قال وهذا القول راجح على غيره من وجوه أحدها: أن هذا القول خلط لليتيم نفسه والشركة خلط لماله وثانيها: أن الشركة داخلة في قوله: {قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ } والخلط من جهة النكاح، وتزويج البنات منهم لم يدخل في ذلك، فحمل الكلام في هذا الخلط أقرب وثالثها: أن قوله تعالى: {فَإِخوَانُكُمْ } يدل على أن المراد بالخلط هو هذا النوع من الخلط، لأن اليتيم لو لم يكن من أولاد المسلمين لوجب أن يتحرى صلاح أمواله كما يتحراه إذا كان مسلماً، فوجب أن تكون الإشارة بقوله: {فَإِخوَانُكُمْ } إلى نوع آخر من المخالطة ورابعها: أنه تعالى قال بعد هذه الآية: {أية : وَلاَ تَنْكِحُواْ ٱلْمُشْرِكَـٰتِ حَتَّىٰ يُؤْمِنَّ } تفسير : [البقرة: 221] فكان المعنى أن المخالطة المندوب إليها إنما هي في اليتامى الذين هم لكم إخوان بالإسلام فهم الذين ينبغي أن تناكحوهم لتأكيد الألفة، فإن كان اليتيم من المشركات فلا تفعلوا ذلك. المسألة الثالثة: قوله: {فَإِخوَانُكُمْ } أي فهم إخوانكم، قال الفراء: ولو نصبته كان صواباً، والمعنى فإخوانكم تخالطون. أما قوله: {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ ٱلْمُفْسِدَ مِنَ ٱلْمُصْلِحِ } فقيل: المفسد لأموالهم من المصلح لها، وقيل: يعلم ضمائر من أراد الإفساد والطمع في مالهم بالنكاح من المصلح، يعني: إنكم إذا أظهرتم من أنفسكم إرادة الإصلاح فإذا لم تريدوا ذلك في قلوبكم بل كان مرادكم منه غرضاً آخر فالله مطلع على ضمائركم عالم بما في قلوبكم، وهذا تهديد عظيم، والسبب أن اليتيم لا يمكنه رعاية الغبطة لنفسه، وليس له / أحد يراعيها فكأنه تعالى قال: لما لم يكن له أحد يتكفل بمصالحه فأنا ذلك المتكفل وأنا المطالب لوليه، وقيل: والله يعلم المصلح الذي يلي من أمر اليتيم ما يجوز له بسببه الانتفاع بماله ويعلم المفسد الذي لا يلي من إصلاح أمر اليتيم ما يجوز له بسببه الانتفاع بماله، فاتقوا أن تتناولوا من مال اليتيم شيئاً من غير إصلاح منكم لمالهم. أما قوله تعالى: {وَلَوْ شَاءَ ٱللَّهُ لأَعْنَتَكُمْ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: «الإعنات» الحمل على مشقة لا تطاق يقال: أعنت فلان فلاناً إذا أوقعه فيما لا يستطيع الخروج منه وتعنته تعنتاً إذا لبس عليه في سؤاله، وعنت العظم المجبور إذا انكسر بعد الجبر وأصل {ٱلْعَنَتَ } من المشقة، وأكمة عنوت إذا كانت شاقة كدوداً، ومنه قوله تعالى: {أية : عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ } تفسير : [التوبة: 128] أي شديد عليه ما شق عليكم، ويقال أعنتني في السؤال أي شدد علي وطلب عنتي وهو الإضرار وأما المفسرون فقال ابن عباس: لو شاء الله لجعل ما أصبتم من أموال اليتامى موبقاً وقال عطاء: ولو شاء الله لأدخل عليكم المشقة كما أدخلتم على أنفسكم ولضيق الأمر عليكم في مخالطتهم، وقال الزجاج: ولو شاء الله لكلفكم ما يشتد عليكم. المسألة الثانية: احتج الجبائي بهذه الآية، فقال: إنها تدل على أنه تعالى لم يكلف العبد بما لا يقدر عليه، لأن قوله: {وَلَوْ شَاءَ ٱللَّهُ لأَعْنَتَكُمْ } يدل على أنه تعالى لم يفعل الإعنات والضيق في التكليف، ولو كان مكلفاً بما لا يقدر العبد عليه لكان قد تجاوز حد الإعنات وحد الضيق. واعلم أن وجه هذا الاستدلال أن كلمة {لَوْ } تفيد انتفاء الشيء لانتفاء غيره، ثم سألوا أنفسهم بأن هذه الآية وردت في حق اليتيم، وأجابوا عنه بأن الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب وأيضاً فولى هذا اليتيم قد لا يفعل تعالى فيه قدرة الإصلاح، لأن هذا هو قولهم فيمن يختار خلاف الإصلاح وإذا كان كذلك فكيف يجوز أن يقول تعالى فيه خاصة {وَلَوْ شَاءَ ٱللَّهُ لأَعْنَتَكُمْ } مع أنه كلفه بما لا يقدر عليه، ولا سبيل له إلى فعله، وأيضاً فالإعنات لا يصح إلا فيمن يتمكن من الشيء فيشق عليه ويضيق، فأما من لا يتمكن ألبتة فذلك لا يصح فيه، وعند الخصم الولي إذا اختار الصلاح فإنه لا يمكنه فعل الفساد، وإذا لم يقدر على الفساد لا يصح أن يقال فيه {وَلَوْ شَاءَ ٱللَّهُ لأَعْنَتَكُمْ }. والجواب عنه: المعارضة بمسألة العلم والداعي والله أعلم. المسألة الثالثة: احتج الكعبـي بهذه الآية على أنه تعالى قادر على خلاف العدل، لأنه لو امتنع وصفه بالقدرة على الإعنات ما جاز أن يقول: {وَلَوْ شَاءَ ٱللَّهُ لأَعْنَتَكُمْ } وللنظام أن يجيب بأن هذا معلق على مشيئة الإعنات، فلم قلتم بأن هذه المشيئة ممكنة الثبوت في حقه تعالى، والله أعلم.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْيَتَامَىٰ} إلى قوله {حَكِيمٌ} فيه ثمان مسائل: الأُولى ـ روى أبو داود والنَّسائيّ عن ٱبن عباس قال: لما أنزل الله تعالى: {أية : وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ ٱلْيَتِيمِ إِلاَّ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} تفسير : [الأنعام: 152] و {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ ٱلْيَتَامَىٰ ظُلْماً} تفسير : [النساء: 10] الآية، ٱنطلق مَن كان عنده يتيم فعزل طعامه من طعامه وشرابَه من شرابه فجعل يُفضِل من طعامه فيحبس له، حتى يأكله أو يفسد؛ فٱشتدّ ذلك عليهم، فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْيَتَامَىٰ قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ} الآية، فخلطوا طعامَهم بطعامه وشرابَهم بشرابه؛ لفظ أبي داود. والآية متصلة بما قبلُ؛ لأنه ٱقترن بذكر الأموال الأمر بحفظ أموال اليتامى. وقيل: إن السائل عبدُ الله بن رَوَاحة. وقيل: كانت العرب تتشاءم بملابسة أموال اليتامى في مؤاكلتهم؛ فنزلت هذه الآية. الثانية ـ لما أذن الله جلّ وعزّ في مخالطة الأيتام مع قصد الإصلاح بالنظر إليهم وفيهم كان ذلك دليلاً على جواز التصرّف في مال اليتيم؛ تَصرّف الوصيّ في البيع والقسمة وغير ذلك؛ على الإطلاق لهذه الآية. فإذا كَفَل الرجلُ اليتيمَ وحازه وكان في نظره جاز عليه فعلُه وإن لم يقدّمه وَالٍ عليه؛ لأن الآية مطلقةٌ والكفالةُ وِلاية عامة. لم يُؤْثَر عن أحد من الخلفاء أنه قدّم أحداً على يتيم مع وجودهم في أزمنتهم، وإنما كانوا يقتصِرون على كونهم عندهم. الثالثة ـ تواترت الآثار في دفع مال اليتيم مضاربة والتجارة فيه، وفي جواز خلط ماله بماله؛ دلالة على جواز التصرّف في ماله بالبيع والشراء إذا وافق الصلاح، وجوازِ دفعه مضاربة، إلى غير ذلك على ما نذكره مبيّناً. وٱختلف في عمله هو قِراضاً؛ فمنعه أشهب، وقاسه على منعه من أن يبيع لهم من نفسه أو يشتَري لها. وقال غيره: إذا أخذه على جزء من الربح بنسبةِ قراضِ مثله فيه أُمضيَ؛ كشرائه شيئاً لليتيم بتعَقُّب فيكون أحسنَ لليتيم. قال محمد ابن عبد الحكم: وله أن يبيع له بالدَّين إن رأى ذلك نظراً. قال ابن كنانة: وله أن يُنفق في عُرس اليتيم ما يَصلُح من صنيع وطِيب؛ ومصلحتُه بقدر حاله وحال من يُزوَّج إليه، وبقدر كثرة ماله. قال: وكذلك في خِتانه: فإن خشى أن يُتَّهم رَفَع ذلك إلى السلطان فيأمره بالقصد؛ وكل ما فعله على وجه النّظر فهو جائز، وما فعله على وجه المحاباة وسوء النّظر فلا يجوز. ودلّ الظاهرُ على أن وَلِيَّ اليتيم يعلِّمه أمرَ الدنيا والآخرة، ويستأجرُ له ويؤاجره ممن يُعلِّمه الصناعات. وإذا وُهب لليتيم شيء فللوصيِّ أن يَقبِضَه لما فيه من الإصلاح. وسيأتي لهذا مزيد بيان في «النساء» إن شاء الله تعالى. الرابعة ـ ولِمَا ينفقه الوصيُّ والكفيلُ من مال اليتيم حالتان: حالة يمكنه الإشهاد عليه؛ فلا يُقبل قولُه إلا ببيِّنة. وحالة لا يمكنه الإشهاد عليه فقوله مقبول بغير بيّنة؛ فمهما ٱشترى من العَقَار وما جرت العادة بالتّوثق فيه لم يُقبل قوله بغير بيِّنة. قال ٱبن خُوَيْزِ مَنْدَاد: ولذلك فرّق أصحابنا بين أن يكون اليتيم في دار الوصيّ يُنفِق عليه فلا يُكلَّف الإشهادَ على نفقته وكسوته؛ لأنه يتعذر عليه الإشهاد على ما يأكله ويلبسه في كل وقت، ولكن إذا قال: أنفقت نفقة لسنة قُبِل منه؛ وبين أن يكون عند أُمّه أو حاضنته فيدّعِي الوصيُّ أنه كان يُنفق عليه، أو كان يُعطي الأُمَّ أو الحاضنةَ النفقةَ والكسوةَ فلا يُقبل قولُه على الأُم أو الحاضنة إلا ببَيّنة أنها كانت تَقبِض ذلك له مشاهرةً أو مُساناةً. الخامسة ـ واختلف العلماء في الرجل يُنكح نفسَه من يتيمته، وهل له أن يشتري لنفسه من مال يتيمه أو يتيمته؟ فقال مالك: ولاية النّكاح بالكفالة والحضانة أقوى منها بالقرابة؛ حتى قال في الأعراب الذين يُسلمون أولادهم في أيام المجاعة: إنهم ينكحونهم إنكاحهم؛ فأما إنكاح الكافل والحاضن لنفسه فيأتي في «النساء» بيانه، إن شاء الله تعالى. وأما الشراء منه فقال مالك: يشتري في مشهور الأقوال؛ وكذلك قال أبو حنيفة: له أن يشتري مال الطفل اليتيم لنفسه بأكثرَ من ثمن المِثْل، لأنه إصلاح دلّ عليه ظاهرُ القرآن. وقال الشافعيّ: لا يجوز ذلك في النّكاح ولا في البيع، لأنه لم يُذكر في الآية التّصرفُ، بل قال: {إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ} من غير أن يذكر فيه الذي يجوز له النّظر. وأبو حنيفة يقول: إذا كان الإصلاح خيراً فيجوز تزويجُه ويجوز أن يُزوّج منه. والشافعيّ لا يرى في التزويج إصلاحاً إلا من جهة دفع الحاجة، ولا حاجةَ قبل البلوغ. وأحمد بن حَنْبل يُجوِّز للوصيّ التزويجَ لأنه إصلاح. والشافعي يجوِّز للجدّ التزويجَ مع الوصيّ، وللأب في حقّ ولده الذي ماتت أُمّه لا بحكم هذه الآية. وأبو حنيفة يجوِّز للقاضي تزويجَ اليتيم بظاهر القرآن. وهذه المذاهب نشأت من هذه الآية؛ فإن ثبت كَوْن التزويج إصلاحاً فظاهر الآية يقتضي جوازه. ويجوز أن يكون معنى قوله تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْيَتَامَىٰ} أي يسألك القُوَّامُ على اليتامى الكافلون لهم؛ وذلك مُجْمَل لا يُعلم منه عَيْنُ الكافِلِ والقَيِّم وما يشترط فيه من الأوصاف. فإن قيل: يلزم تركُ مالكٍ أصلَه في التُّهمة والذَّرائع إذ جوّز له الشراءَ من يتيمه، فالجواب أن ذلك لا يلزم، وإنما يكون ذلك ذريعةً فيما يؤدّي من الأفعال المحظورة إلى محظورة منصوصٍ عليها؛ وأما هاهنا فقد أذِن الله سبحانه في صورة المخالَطة، ووَكَلَ الحاضنين في ذلك إلى أمانتهم بقوله: {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ ٱلْمُفْسِدَ مِنَ ٱلْمُصْلِحِ} وكُلُّ أمرٍ مَخُوف وَكَلَ الله سبحانه المكلَّف إلى أمانته لا يقال فيه: إنه يتذرّع إلى محظور به فيُمنَع منه؛ كما جعل الله النساءَ مؤتَمناتٍ على فروجهنّ، مع عظيم ما يترتب على قولهنّ في ذلك من الأحكام، ويرتبط به من الحِلّ والحُرْمة والأنساب؛ وإن جاز أن يَكذِبْنَ. وكان طاوس إذا سئل عن شيء من أمر اليتامى قرأ: {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ ٱلْمُفْسِدَ مِنَ ٱلْمُصْلِحِ}. وكان ٱبن سيرين أحبُّ الأشياء إليه في مال اليتيم أن يجتمع نصحاؤه فينظرون الذي هو خير له؛ ذكره البخاريّ. وفي هذا دلالة على جواز الشراء منه لنفسه؛ كما ذكرنا. والقول الآخر أنه لا ينبغي للوليّ أن يشتري مما تحت يده شيئاً؛ لما يلحقه في ذلك من التُّهمَة إلا أن يكون البيع في ذلك بيعَ سلطان في ملأ من الناسِ. وقال محمد بن عبد الحكم: لا يشتري من التركة، ولا بأس أن يَدُسّ من يشتري له منها إذا لم يُعلم أنه من قِبله. السادسة ـ قوله تعالى: {وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ} هذه المخالطة كخلط المِثْل بالمِثْل كالتمر بالتمر. وقال أبو عُبيد: مخالطة اليتامى أن يكون لأحدهم المالُ ويشقّ على كافله أن يُفرِد طعامه عنه، ولا يجد بُدًّا من خلطه بعياله فيأخذ من مال اليتيم ما يرى أنه كافيه بالتّحرّي فيجعله مع نفقة أهله؛ وهذا قد يقع فيه الزيادة والنقصان؛ فجاءت هذه الآية الناسخة بالرّخصة فيه. قال أبو عبيد: وهذا عندي أصل لما يفعله الرُّفقَاء في الأسفار فإنهم يتخارجون النفقات بينهم بالسويَّة، وقد يتفاوتون في قلّة المطعم وكثرته؛ وليس كل من قَلّ مطعمُه تطيب نفسُه بالتفضُّل على رفيقه؛ فلما كان هذا في أموال اليتامى واسعاً كان في غيرهم أوْسعَ، ولولا ذلك لخِفتُ أن يضيق فيه الأمرُ على الناس. السابعة ـ قوله تعالى: {فَإِخْوَانُكُمْ} خبر مبتدأ محذوف، أي فهم إخوانكم؛ والفاء جواب الشرط. وقوله تعالى: {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ ٱلْمُفْسِدَ مِنَ ٱلْمُصْلِحِ} تحذير، أي يعلم المفسد لأموال اليتامى من المصلح لها؛ فيجازِي كلاًّ على إصلاحه وإفساده. الثامنة ـ قوله تعالى: {وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لأَعْنَتَكُمْ} روى الحَكم عن مِقْسَم عن ٱبن عباس «ولو شاء الله لأعنتكم» قال: لو شاء لجعل ما أصبتم من أموال اليتامى مُوبِقاً. وقيل: «لأعنتكم» لأهلككم؛ عن الزجاج وأبي عبيدة. وقال القُتَبيّ: لضيّق عليكم وشدّد، ولكنه لم يشأ إلا التسهيلَ عليكم. وقيل: أي لكلّفكم ما يشتدّ عليكم أداؤه وأثَّمكم في مخالطتهم؛ كما فعل بمن كان قبلكم، ولكنه خفّف عنكم. والعَنَت: المشقّة، وقد عِنَت وأعنته غيرُه. ويقال للعظم المجبور إذا أصابه شيء فهاضه: قد أعنته، فهو عَنِت ومُعْنِت. وعَنِتَت الدابة تعنَت عنَتاً: إذا حدث في قوائمها كسر بعد جَبْر لا يمكنها معه جريٌ. وأَكَمَةٌ عَنُوت: شاقة المَصْعَد. وقال ٱبن الأنباريّ: أصل العَنَت التّشديد؛ فإذا قالت العرب: فلان يتعنَّت فلاناً ويُعْنِته فمرادها يُشدِّد عليه ويُلزِمه ما يصعب عليه أداؤه؛ ثم نقلت إلى معنى الهلاك. والأصل ما وصفنا. قوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ} أي لا يمتنع عليه شيء {حَكِيمٌ} يتصرّف في ملكه بما يريد لا حَجْرَ عليه، جلّ وتعالى عُلُوّاً كبيراً.
البيضاوي
تفسير : {فِي ٱلدُّنُيَا وَٱلاْخِرَةِ} في أمور الدارين فتأخذوا بالأصلح والأنفع فيهما، وتجتنبون عما يضركم ولا ينفعكم، أو يضركم أكثر مما ينفعكم. {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ اليَتَامَى} لما نزلت {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوٰلَ ٱلْيَتَـٰمَىٰ ظُلْماً}تفسير : [التوبة: 10] الآية اعتزلوا اليتامى ومخالطتهم والاهتمام بأمرهم فشق ذلك عليهم، فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت {قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ} أي مداخلتهم لإِصلاحهم، أو إصلاح أموالهم خير من مجانبتهم. {وَإِن تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوٰنُكُمْ} حث على المخالطة، أي أنهم إخوانكم في الدين ومن حق الأخ أن يخالط الأخ. وقيل المراد بالمخالطة المصاهرة. {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ ٱلْمُفْسِدَ مِنَ ٱلْمُصْلِحِ} وعيد ووعد لمن خالطهم لإِفساد وإصلاح، أي يعلم أمره فيجازيه عليه. {وَلَوْ شَاء ٱللَّهُ لأَعْنَتَكُمْ} أي ولو شاء الله إعناتكم لأعنتكم، أي كلفكم ما يشق عليكم، من العنت وهي المشقة ولم يجوز لكم مداخلتكم. {أَنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ} غالب يقدر على الاعنات. {حَكِيمٌ} يحكم ما تقتضيه الحكمة وتتسع له الطاقة.
المحلي و السيوطي
تفسير : {فِى } أمر {ٱلدُّنُيَا وَٱلأَخِرَةِ } فتأخذون بالأصلح لكم فيهما {وَيَسْئَلُونَك عَنِ ٱليَتَٱمَٰى } وما يلقونه من الحرج في شأنهم فإن واكلوهم يأثموا وإن عزلوا ما لهم من أموالهم وصنعوا لهم طعاماً وحدهم فَحَرَج {قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ } في أموالهم بتنميتها ومداخلتكم {خَيْرٌ } من ترك ذلك {وَإِن تُخَالِطُوهُمْ } أي تخالطوا نفقتكم بنفقتهم {فَإِخوَانُكُمْ } أي فهم إخوانكم في الدين ومن شأن الأخ أن يخالط أخاه أي فلكم ذلك {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ ٱلْمُفْسِدَ } لأموالهم بمخالطته {مِنَ ٱلْمُصْلِحِ } بها فيجازي كلاًّ منهما {وَلَوْ شَاءَ ٱللَّهُ لأَعْنَتَكُمْ } لضيق عليكم بتحريم المخالطة {إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ } غالب على أمره {حَكِيمٌ } في صنعه.
ابن عطية
تفسير : قوله قبل {في الدنيا} ابتداء آية، وقد تقدم تعلقه، وكون {تتفكرون} موقفاً يقوي تعلق {في الدنيا} بـــ {الآيات}، وقرأ طاوس "قل أصلح لهم خير"، وسبب الآية فيما قال السدي والضحاك أن العرب كانت عادتهم أن يتجنبوا مال اليتيم ولا يخالطوه في مأكل ولا مشرب ولا شيء، فكانت تلك مشقة عليهم، فسألوا عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال ابن عباس وسعيد بن المسيب: سببها أن المسلمين لما نزلت {أية : ولا تقربوا مال اليتيم} تفسير : [الأنعام: 152] الآية ونزلت {أية : إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً} تفسير : [النساء: 10] تجنبوا اليتامى وأموالهم وعزلوهم عن أنفسهم، فنزلت {وإن تخالطوهم فإخوانكم} الآية، وقيل: إن السائل عبد الله بن رواحة، وأمر الله تعالى نبيه أن يجيب بأن من قصد الإصلاح في مال اليتيم فهو خير، وما فعل بعد هذا المقصد من مخالطة وانبساط بعوض منه فلا حرج، ورفع تعالى المشقة في تجنب اليتيم ومأكله ومشربه، وأباح الخلطة في ذلك إذا قصد الإصلاح ورفق اليتيم، مثال ذلك أن يكتفي اليتيم دون خلطة بقدر ما في الشهر، فإن دعت خلطة الولي إلى أن يزاد في ذلك القدر فهي مخالطة فساد، وإن دعت إلى الحط من ذلك القدر فهي مخالطة إصلاح، وقوله تعالى: {فإخوانكم} خبر ابتداء محذوف، وقوله {والله يعلم المفسد من المصلح} تحذير، والعنت المشقة، منه عنت العزبة، وعقبة عنوت أي شاقة، وعنت البعير إذا انكسر بعد جبر، فالمعنى: لأتعبكم في تجنب أمر اليتامى، ولكنه خفف عنكم، وقال ابن عباس: المعنى لأوبقكم بما سلف من نيلكم من أموال اليتامى، و {عزيز} مقتضاه لا يرد أمره، و {حكيم} أي محكم ما ينفذه. وقوله تعالى: {ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمنّ} الآية، قرأ جمهور الناس "تَنكحوا" بفتح التاء، وقرئت في الشاذ بالضم كأن المتزوج لها أنكحها من نفسسه، ونكح أصله الجماع، ويستعمل في التزوج تجوزاً واتساعاً، وقالت طائفة: {المشركات} هنا من يشرك مع الله إلهاً آخر، فلم تدخل اليهوديات ولا النصرانيات في لفظ هذه الآية، ولا في معناها، وسببها قصة أبي مرثد كناز بن حصين مع عناق التي كانت بمكة، وقال قتادة وسعيد بن جبير: لفظ الآية العموم في كل كافرة، والمراد بها الخصوص في الكتابيات، وبينت الخصوص آية المائدة ولم يتناول قط الكتابيات، وقال ابن عباس والحسن: تناولهن العموم ثم نسخت آية سورة المائدة بعض العموم في الكتابيات، وهذا مذهب مالك رحمه الله، ذكره ابن حبيب وقال: "ونكاح اليهودية والنصرانية وإن كان قد أحله الله مستثقل مذموم"، وكره مالك رحمه الله تزوج الحربيات لعله ترك الولد في دار الحرب ولتصرفها في الخمر والخنزير، وأباح نكاح الكتابيات عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وجابر بن عبد الله وطلحة وعطاء بن أبي رباح وابن المسيب والحسن وطاوس وابن جبير والزهري الشافعي وعوام أهل المدينة والكوفة، ومنه مالك والشافعي وأبو حنيفة والأوزاعي وإسحاق نكاح المجوسية، وقال ابن حنبل: لا يعجبني، وروي أن حذيفة بن اليمان تزوج مجوسية، وقال ابن الفصار: "قال بعض أصحابنا: يجب -على أحد القولين أن لهم كتاباً- أن تجوز مناكحتهم". وقال ابن عباس في بعض ما روي عنه إن الآية عامة في الوثنيات والمجوسيات والكتابيات، وكل من كان على غير الإسلام حرام". قال القاضي أبو محمد: فعلى هذا هي ناسخة للآية التي في سورة المائدة، وينظر إلى هذا قول ابن عمر في الموطأ: "ولا أعلم إشراكاً أعظم من أن تقول المرأة: ربها عيسى"، وروي عن عمر أنه فرق بين طلحة بن عبيد الله وحذيفة بن اليمان وبين كتابيتين وقالا: نطلق يا أمير المؤمنين ولا تغضب، فقال: لو جاز طلاقكما لجاز نكاحكما، ولكن أفرق بينكما صغرة قمأة. قال القاضي أبو محمد: وهذا لا يستند جيداً، وأسند منه أن عمر أراد التفريق بينهما فقال له حذيفة: أتزعم أنها حرام فأخلي سبيلها يا أمير المؤمنين؟ فقال: لا أزعم أنها حرام، ولكني أخاف أن تعاطوا المومسات منهن، وروي عن ابن عباس نحو هذا، وقوله تعالى: {ولأمة مؤمنة} إخبار أن المؤمنة المملوكة خير من المشركة وإن كانت ذات الحسب والمال ولو أعجبتكم في الحسن وغير ذلك، هذا قول الطبري وغيره، وقال السدي: نزلت في عبد الله بن رواحة كانت له أمة سوداء فلطمها في غضب، ثم ندم فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره، وقال: هي تصوم وتصلي وتشهد الشهادتين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هذه مؤمنة. فقال ابن رواحة: لأعتقنّها ولأتزوجنّها، ففعل، فطعن عليه ناس فنزلت الآية فيه، ومالك رحمه الله لا يجوز عنده نكاح الأمة الكتابية، وقال أشهب في كتاب محمد فيمن أسلم وتحته أمة كتابية: إنه لا يفرق بينهما، وروى ابن وهب وغيره عن مالك أن المجوسية لا يجوز أن توطأ بملك اليمين، وأبو حنيفة وأصحابه يجيزون نكاح الإماء الكتابيات. وقوله تعالى: {ولا تنحكوا المشركين حتى يؤمنوا} الآية، أجمعت الأمة على أن المشرك لا يطأ المؤمنة بوجه لما في ذلك من الغضاضة على دين الإسلام، والقراء على ضم التاء من {تنكحوا}، وقال بعض العلماء: إن الولاية في النكاح نص في لفظ هذه الآية. {ولعْبد مؤمن} مملوك {خير من مشرك} حسيب ولو أعجبك حسنه وماله حسبما تقدم، وليس التفضيل هنا بلفظة {خير} من جهة الإيمان فقط لأنه لا اشتراك من جهة الإيمان، لكن الاشتراك موجود في المعاشرة والصحبة وملك العصمة وغير شيء، وهذا النظر هو على مذهب سيبويه في أن لفظة "أفعل" التي هي للتفضيل لا تصح حيث لا اشتراك. كقولك "الثلج أبرد من النار"، والنور أضوأ من الظلمة"، وقال الفراء وجماعة من الكوفيين: تصح لفظة "أفعل" حيث الاشتراك وحيث لا اشتراك، وحكى مكي عن نفطويه أن لفظة التفضيل تجيء في كلام العرب إيجاباً للأول ونفياً عن الثاني. قال القاضي أبو محمد: وتحتمل الآية عندي أن يكون ذكرالعبد والأمة عبارة عن جميع الناس حرهم ومملوكهم، وكما قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا تمنعوا إماء الله مساجد الله" تفسير : ، وكما نعتقد أن الكل عبيد الله، وكما قال تعالى: {أية : نعم العبد إنه أواب} تفسير : [ص: 30]، فكأن الكلام في هذه الآية: ولا مرأة ولرجل. وقوله تعالى: {أولئك} الإشارة إلى المشركات والمشركين، أي أنَّ صحبتهم ومعاشرتهم توجب الانحطاط في كثير من هواهم مع تربيتهم النسل، فهذا كله دعاء إلى النار مع السلامة مع أن يدعوا إلى دينه نصاً من لفظه، والله تعالى يمن بالهداية ويبين الآيات ويحض على الطاعات التي هي كلها دواع إلى الجنة، وقرأ الحسن بن أبي الحسن "والمغفرةُ" بالرفع على الابتداء، والإذن العلم والتمكين، فإن انضاف إلى ذلك أمر فهو أقوى من الإذن، لأنك إذا قلت "أذنت كذا" فليس يلزمك أنك أمرت، و {لعلهم} ترجٍّ في حق البشر، ومن تذكر عَمِلَ حسب التذكر فنجا.
ابن عبد السلام
تفسير : {وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى} لما نزل {أية : وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ ٱلْيَتِيمِ إِلاَّ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} تفسير : [الإسراء: 34] و {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ ٱلْيَتَامَىٰ ظُلْماً} تفسير : [النساء: 10] تحرجوا من خلط طعامهم بأطعمة اليتامى فعزلوا أطعمة اليتامى حتى ربما فسدت عليهم، فنزلت {وَإِن تُخَالِطُوهُمْ} في الطعام والشراب، والسكنى، والدابة، واستخدام العبيد. {وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ} الذي يخلط ماله بمال اليتيم، ليفسد مال اليتيم. والمصلح: الذي يريد بذلك إصلاح مال اليتيم. {لأَعْنَتَكُمْ} لشدد عليكم، أو يجعل ما أصبتم من أموال اليتامى موبقاً {عَزيزٌ} في سلطانه قادر على الإعنات. {حَكِيمٌ} في تدبيره بترك الإعنات.
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {ويسألونك عن اليتامى} قال ابن عباس لما نزلت: {أية : إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً}تفسير : [النساء: 10] تحرج المسلمون من أموال اليتامى تحرجاً شديداً حتى عزلوا أموالهم وتركوا مخالطتهم، وربما كان يصنع لليتيم الطعام فيفضل منه فيتركونه ولا يأكلونه، فاشتد ذلك عليهم فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى ويسألونك عن اليتامى {قل إصلاح لهم خير} أي إصلاح أموال اليتامى من غير أخذ أجرة، ولا عوض خير لكم أي أعظم أجراً. وقيل: هو أن يوسع على اليتيم من طعام نفسه ولا يوسع من طعام اليتيم {وإن تخالطوهم} يعني في الطعام والخدمة والسكنى وهذا فيه إباحة المخالطة أي شاركوهم في أموالهم واخلطوها بأموالكم ونفقاتكم ومساكنكم وخدمكم ودوابكم، فتصيبوا من أموالهم عوضاً من قيامكم بأمورهم أو تكافئوهم على ما تصيبون من أموالهم {فإخوانكم} أي فهم إخوانكم والإخوان يعين بعضهم بعضاً ويصيب بعضهم من مال بعض على وجه الإصلاح والرضا {والله يعلم المفسد من المصلح} يعني المفسد لمال اليتيم والمصلح له، ويعلم الذي يقصد بالمخالطة الخيانة وأكل مال اليتيم بغير حق والذي يقصد الإصلاح. {ولو شاء الله لأعنتكم} أي لضيق عليكم وما أباح لكم مخالطتهم وأصل العنت الشدة والمشقة والمعنى لكلفكم في كل شيء ما يشق عليكم {إن الله عزيز حكيم} أي غالب يقدر أن يشق على عباده ويعنتهم ولكنه حكيم لا يكلف عباده إلاّ ما تتسع فيه طاقتهم.
ابن عرفة
تفسير : قوله تعالى: {وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ ٱلْيَتَامَىٰ قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ...}. ابن عرفة: تضمنت الآية أنّ للموصى في خلطه بمال اليتيم ثلاث حالات: النظر في المصلحة، والنظر في المفسدة، والنظر المطلق. والأول مستفاد من قوله: "قٌلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ". والثاني من قوله: "وَٱللَّهُ يَعْلَمُ ٱلْمُفْسِدَ مِنَ ٱلْمُصْلِحِ". والثالث من لفظ "إِخْوَانُكُمْ" فإنه يقتضي التساوي. والظاهر أن "خير" مبتدا "وإصلاح" خبر لتكون (الخبرية) محصورة فيه. ولو جعلنا "إصلاح" مبتدأ "وخير" خبرا لاحتمل أمرين: أحدهما: أن يراد أن الفساد خير لأن (المختلقات) يمكن اجتماعها في شيء واحد. والثاني: أن الكفارات خير. قوله تعالى: {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ ٱلْمُفْسِدَ مِنَ ٱلْمُصْلِحِ...}. في الآية سؤال وهو أن القاعدة في التمييز أن يميز القليل من الكثير وتقرر في الوجود وفي الشرع أن الفساد أكثر من الصلاح. قال الله عز وجل في سورة غافر: {أية : إِنَّ ٱلسَّاعَةَ لأَتِيَـةٌ لاَّ رَيْبَ فِيهَا وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ }. تفسير : قال ابن عرفة: والجواب أنه باعتبار الطلب لا باعتبار الوجود الخارجي فنبه بالآية على أنّ المطلوب تكثير الصّلاح وتقليل الفساد حتى يكون في الوجود أكثر من الفساد. قيل لابن عرفة: أو إشارة إلى عموم علم الله تعالى ما قلتموه في السؤال إنما يكون في المخلوقين لقصورهم وعجز إدراكهم، فيكون تمييز القليل من الكثير أهون عليهم من العكس. قلت: أو يجاب بأن الآية خرجت مخرج التخويف فالمناسب فيها تعلق العلم والقدرة بالمفسد ليميز من المصلح. انتهى. قوله تعالى: {وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لأَعْنَتَكُمْ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}. قال ابن عرفة: وهي حجة لأهل السنة في قوله: إن تكليف ما لا يطاق جائز غير واقع. قيل له: قد تقدم لكم أن الشرط يتركب من المحال؟ فقال: إن الآية خرجت مخرج التمدح بكمال قدرة الله تعالى والامتنان على خلقه بتيسير التكليف، والتَّمدح إنما يكون بالجائز. وهذا نظير جواب الجزري المتقدم في {أية : مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ }.
البقاعي
تفسير : ولما كان البيان من أول السؤال إلى هنا قد شفي في أمور الدارين وكفى وأوضح ثمرات كل منهما وكان العرب ينكرون الآخرة ساق ذكرها مساق ما لا نزاع فيه لكثرة ما دل عليها فقال: {في الدنيا والآخرة} أي في أمورهما فتعلموا بما فتح الله لكم سبحانه وتعالى من الأبواب وما أصل لكم من الأصول ما هو صالح وما هو أصلح وما هو شر وما هو أشر لتفعلوا الخير وتتقوا الشر فيؤول بكم ذلك إلى فوز الدارين. ولما كان العفو غير مقصور على المال بل يعم القوى البدنية والعقلية وكان النفع لليتيم من أجل ما يرشد إليه التفكر في أمور الآخرة وكان الجهاد من أسباب القتل الموجب لليتم وكانوا يلون يتاماهم فنزل التحريج الشديد في أكل أموالهم فجانبوهم واشتد ذلك عليهم سألوا عنهم فأفتاهم سبحانه وتعالى فيهم وندبهم إلى مخالطتهم على وجه الإصلاح الذي لا يكون لمن يتعاطى الخمر والميسر فقال: {ويسئلونك عن اليتامى} أي في ولايتهم لهم وعملهم في أموالهم وأكلهم منها ونحو ذلك مما يعسر حصره؛ وأمره بالجواب بقوله: {قل إصلاح لهم خير} أي من تركه، ولا يخفى الإصلاح على ذي لب فجمع بهذا الكلام اليسير المضبوط بضابط العقل الذي أقامه تعالى حجة على خلقه ما لا يكاد يعد، وفي قوله: {لهم} ما يشعر بالحث على تخصيصهم بالنظر في أحوالهم ولو أدى ذلك إلى مشقة على الولي. ولما كان ذلك قد يكون مع مجانبتهم وكانوا قد يرغبون في نكاح يتيماتهم قال: {وإن تخالطوهم} أي بنكاح أو غيره ليصير النظر في الصلاح مشتركاً بينكم وبينهم، لأن المصالح صارت كالواحدة. قال الحرالي: وهي رتبة دون الأولى، والمخالطة مفاعلة من الخلطة وهي إرسال الأشياء التي شأنها الانكفاف بعضها في بعض كأنه رفع التحاجز بين ما شأنه ذلك {فإخوانكم} جمع أخ وهو الناشىء مع أخيه من منشأ واحد على السواء بوجه ما - انتهى. أي فعليكم من مناصحتهم ما يقودكم الطبع إليه من مناصحة الإخوان ويحل لكم من الأكل من أموالهم بالمعروف وما يحل من أموال إخوانكم؛ قالت عائشة رضي الله عنها: إني لأكره أن يكون مال اليتيم عندي كالغدة حتى أخلط طعامه بطعامي وشرابه بشرابي. قالوا: وإذا كان هذا في أموال اليتامى واسعاً كان في غيرهم أوسع، وهو أصل شاهد لما يفعله الرفاق في الأسفار، يخرجون النفقات بالسوية ويتباينون في قلة المطعم وكثرته - نقله الأصبهاني. ولما كان ذلك مما قد يدخل فيه الشر الذي يظهر فاعله أنه لم يرد به إلا الخير وعكسه قال مرغباً مرهباً: {والله} أي الذي له الإحاطة بكل شيء {يعلم} أي في كل حركة وسكون. ولما كان الورع مندوباً إليه محثوثاً عليه لا سيما في أمر اليتامى فكان التحذير بهذا المقام أولى قال: {المفسد} أي الذي الفساد صفة له {من المصلح} فاتقوا الله في جميع الأمور ولا تجعلوا خلطتكم إياهم ذريعة إلى أكل أموالهم. ولما كان هذا أمراً لا يكون في بابه أمر أصلح منه ولا أيسر منّ عليهم بشرعه في قوله: {ولو شاء الله} أي بعظمة كماله {لأعنتكم} أي كلفكم في أمرهم وغيره ما يشق عليكم مشقة لا تطاق فحد لكم حدوداً وعينها يصعب لوقوف عندها وألزمكم لوازم يعسر تعاطيها، من الإعنات وهو إيقاع العنت وهو أسوأ الهلاك الذي يفحش نعته - قاله الحرالي. ثم علل ذلك بقوله: {إن الله} أي الملك الأعظم {عزيز} يقدر على ما يريد {حكيم} يحكمه بحيث لا يقدر أحد على نقض شيء منه. ولما ذكر تعالى فيما مر حلّ الجماع في ليل الصيام وأتبع ذلك من أمره ما أراد إلى أن ذكر المخالطة على وجه يشمل النكاح في سياق مانع مع الفساد داع إلى الصلاح وختم بوصف الحكمة ولما كان النكاح من معظم المخالطة في النفقة وغيرها وكان الإنسان جهولاً تولى سبحانه وتعالى بحكمته تعريفه ما يصلح له وما لا يصلح من ذلك، وأخر أمر النكاح عن بيان ما ذكر معه من الأكل والشرب في ليل الصيام لأن الضرورة إليهما أعظم، وقدمه في آية الصيام لأن النفس إليه أميل فقال عاطفاً على ما دل العطف على غير مذكور على أن تقديره: فخالطوهم وأنكحوا من تلونه من اليتيمات على وجه الإصلاح إن أردتم {ولا تنكحوا} قال الحرالي: مما منه النكاح وهو إيلاج نهد في فرج ليصيرا بذلك كالشيء الواحد - انتهى. وهذا أصله لغة، والمراد هنا العقد لأنه استعمل في العقد في الشرع وكثر استعماله فيه وغلب حتى صار حقيقة شرعية فهو في الشرع حقيقة في العقد مجاز في الجماع وفي اللغة بالعكس وسيأتي عند {أية : حتى تنكح زوجاً غيره} تفسير : [البقرة: 230] عن الفارسي قرينة يعرف بها مراد أهل اللغة {المشركات} أي الوثنيات، والأكثر على أن الكتابيات مما شملته الآية ثم خصت بآية {أية : والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم} تفسير : [المائدة: 5] {حتى يؤمن} فإن المشركات شر محض {ولأمة} رقيقة {مؤمنة} لأن نفع الإيمان أمر ديني يرجع إلى الآخرة الباقية {خير} على سبيل التنزيل {من مشركة} حرة {ولو أعجبتكم} أي المشركة لأن نفع نسبها ومالها وجمالها يرجع إلى الدنيا الدنية الفانية. قال الحرالي: فانتظمت هذه الآيات في تبيين خير الخيرين وترجيح أمر الغيب في أمر الدين والعقبى في أدنى الإماء من المؤمنات خلقاً وكوناً وظاهر صورة على حال العين في أمر العاجلة من الدنيا في أعلى الحرائر من المشركات خلقاً وظاهر صورة وشرف بيت - انتهى {ولا تنكحوا} أيها الأولياء {المشركين} أي الكفار بأي كفر كان شيئاً من المسلمات {حتى يؤمنوا} فإن الكفار شر محض {ولعبد} أي مملوك {مؤمن خير} على سبيل التنزيل {من مشرك} حر {ولو أعجبكم} أي المشرك وأفهم هذا خيرية الحرة والحر المؤمنين من باب الأولى مع التشريف العظيم لهما بترك ذكرهما إعلاماً بأن خيريتهما أمر مقطوع به لا كلام فيه وأن المفاضلة إنما هي بين من كانوا يعدونه دنيا فشرفه الإيمان ومن يعدونه شريفاً فحقره الكفران، وكذلك ذكر الموصوف بالإيمان في الموضعين ليدل على أنه وإن كان دنيا موضع التفضيل لعلو وصفه، وأثبت الوصف بالشرك في الموضعين مقتصراً عليه لأنه موضع التحقير وإن علا في العرف موصوفه. ولما كانت مخالطة أهل الشرك مظنة الفساد الذي ربما أدى إلى التهاون بالدين فربما دعا الزوج زوجته إلى الكفر فقاده الميل إلى اتباعه قال منبهاً على ذلك ومعللاً لهذا الحكم: {أولئك} أي الذين هم أهل للبعد من كل خير {يدعون إلى النار} أي الأفعال المؤدية إليها ولا بد فربما أدى الحب الزوج المسلم إلى الكفر ولا عبرة باحتمال ترك الكافر للكفر وإسلامه موافقة للزوج المسلم لأن درء المفاسد مقدم؛ وسيأتي في المائدة عند قوله تعالى: {أية : ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله} تفسير : [المائدة: 5] لذلك مزيد بيان. ولما رهب من أهل الشرك حثاً على البغض فيه رغب في الإقبال إليه سبحانه وتعالى بالإقبال على أوليائه بالحب فيه وبغير ذلك فقال: {والله} أي بعز جلاله وعظمة كماله {يدعوا} أي بما يأمر به {إلى الجنة} أي الأفعال المؤدية إليها. ولما كان ربما لا يوصل إلى الجنة إلا بعد القصاص قال: {والمغفرة} أي إلى أن يفعلوا ما يؤدي إلى أن يغفر لهم ويهذب نفوسهم بحيث يصيرون إلى حالة سنية يغفرون فيها للناس ما أتوا إليهم. ولما كان الدعاء قد يكون بالحمل على الشيء وقد يكون بالبيان بحيث يصير المدعو إليه متهيئاً للوصول إليه قال: {بإذنه} أي بتمكينه من ذلك لمن يريد سعادته {ويبين آياته} في ذلك وفي غيره {للناس} كافة من أراد سعادته وغيره {لعلهم يتذكرون *} أي ليكونوا على حالة يظهر لهم بها بما خلق لهم ربهم من الفهم وما طبع في أنفسهم من الغرائز حسن ما دعاهم إليه وقبح ما نهاهم عنه غاية الظهور بما أفهمه الإظهار. ولما كان في ذكر هذه الآية رجوع إلى تتميم ما أحل من الرفث في ليل الصيام على أحسن وجه تلاها بالسؤال عن غشيان الحائض ولما كان في النكاح شائبة للجماع تثير للسؤال عن أحواله وشائبة للانس والانتفاع تفتر عن ذلك كان نظم آية الحرث بآية العقد بطريق العطف أنسب منه بطريق الاستئناف فقال: {ويسئلونك عن المحيض} أي عن نكاح النساء فيه مخالفة لليهود. قال الحرالي: وهو مفعل من الحيض وهو معاهدة اندفاع الدم العفن الذي هو في الدم بمنزلة البول والعذرة في فضلتي الطعام والشراب من الفرج {قل هو أذى} أي مؤذ للجسم والنفس لأن فيه اختلاط النطفة بركس الدم الفاسد العفن - قاله الحرالي، وقال: حتى أنه يقال إن التي توطأ وهي حائض يقع في ولدها من الآفات أنواع - انتهى. ولهذا سبب سبحانه وتعالى عنه قوله: {فاعتزلوا النساء} أي كلفوا أنفسكم ترك وقاعهن، من الاعتزال وهو طلب العزل وهو الانفراد عما شأنه الاشتراك - قاله الحرالي. {في المحيض} أي زمنه، وأظهره لئلا يلبس لو أضمر بأن الضمير لمطلق المراد بالأذى من الدم فيشمل الاستحاضة وهي دم صالح يسيل من عرق ينفجر من عنق الرحم فلا يكون أذى كالحيض الذي هو دم فاسد يتولد من طبيعة المرأة من طريق الرحم ولو احتبس لمرضت المرأة، فهو كالبول والغائط فيحل الوطء معه دون الحيض لإسقاط العسر - قاله الإمام. {ولا تقربوهن} أي في محل الإتيان بجماع ولا مباشرة في ما دون الإزار وإنما تكون المباشرة في ما علا عن الإزار {حتى} ولما كان فيه ما أشير إليه من الركس قال: {يطهرن} أي بانقطاعه وذهاب إبانه والغسل منه، والذي يدل على إرادة ذلك مع قراءة التشديد قوله تعالى: {فإذا تطهرن} أي اغتسلن، فالوطء له شرطان: الانقطاع والاغتسال وربما دلت قراءة التخفيف على جواز القربان لا الإتيان وذلك بالمباشرة فيما سفل عن الإزار {فأتوهن} أي جماعاً وخلطة مبتدئين {من حيث أمركم الله} أي الذي له صفات الكمال، وهو القبل على أي حالة كان ذلك؛ ولما دل ما في السياق من تأكيد على أن بعضهم عزم أو أحب أن يفعل بعض ما تقدم النهي عنه علل بقوله: {إن الله} مكرراً الاسم الأعظم تعظيماً للمقام ولم يضمره إعلاماً بأن هذا حكم عام لما يقع من هفوة بسبب الحيض أو غيره {يحب} أي بما له من الاختصاص بالإحاطة بالإكرام وإن كان مختصاً بالإحاطة بالجلال {التوابين} أي الرجاعين عما كانوا عزموا عليه من ذلك ومن كل ذنب أوجب لهم نقص الإنسانية ولا سيما شهوة الفرج الإلمام به، كلما وقعت منهم زلة أحدثوا لها توبة لأن ذلك من أسباب إظهاره سبحانه صفة الحلم والفعو والجود والرحمة والكرم "حديث : لو لم تذنبوا لجاء الله بقوم يذنبون فيستغفرون فيغفر لهم" تفسير : أخرجه مسلم والترمذي عن أبي أيوب رضي الله تعالى عنه. وإذا أحب من يتكرر منه التوبة بتكرار المعاصي فهو في التائب الذي لم يقع منه بعد توبته زلة إن كان ذلك يوجد أحب وفيه أرغب وبه أرحم، ولما كان ذلك مما يعز التخلص من إشراكه إما في تجاوز ما في المباشرة أو في الجماع أولاً أو آخراً أتى بصيغة المبالغة. قال الحرالي: تأنيساً لقلوب المتحرجين من معاودة الذنب بعد توبة منه، أي ومن معاودة التوبة بعد الوقوع في ذنب ثان لما يخشى العاصي من أن يكتب عليه كذبه كلما أحدث توبة وزل بعدها فيعد مستهزئاً فيسقط من عين الله ثم لا يبالي به فيوقفه ذلك عن التوبة. ولما كانت المخالطة على الوجه الذي نهى الله عنه قذره جداً أشار إلى ذلك بقوله: {ويحب} ولما كانت شهوة النكاح وشدة الشبق جديرة بأن تغلب الإنسان إلا بمزيد مجاهدة منه أظهر تاء التفعل فقال: {المتطهرين} أي الحاملين أنفسهم على ما يشق من أمر الطهارة من هذا وغيره، وهم الذين يبالغون ورعاً في البعد عن كل مشتبه فلا يواقعون حائضاً إلا بعد كمال التطهر؛ أي يفعل معهم من الإكرام فعل المحب وكذا كل ما يحتاج إلى طهارة حسية أو معنوية. ولما بين سبحانه وتعالى المأتي في الآية السابقة نوع بيان أوضحه مشيراً إلى ثمرة النكاح الناهية لكل ذي لب عن السفاح فقال: {نساؤكم} أي اللاتي هن حل لكم بعقد أو ملك يمين ولما كان إلقاء النطفة التي يكون منها النسل كإلقاء البذر الذي يكون منه الزرع شبههن بالمحارث دلالة على أن الغرض الأصيل طلب النسل فقال مسمياً موضع الحرث باسمه موقعاً اسم الجزء على الكل موحداً لأنه جنس {حرث لكم} فأوضح ذلك. قال الحرالي: ليقع الخطاب بالإشارة أي في الآية الأولى لأولي الفهم وبالتصريح أي في هذه لأولي العلم لأن الحرث كما قال بعض العلماء إنما يكون في موضع الزرع - انتهى. وفي تخصيص الحرث بالذكر وتعميم جميع الكيفيات الموصلة إليه بقوله: {فأتوا حرثكم} أي الموضع الصالح للحراثة {أنى شئتم} أي من أين وكيف إشارة إلى تحريم ما سواه لما فيه من العبث بعدم المنفعة. قال الثعلبي: الأدبار موضع الفرث لا موضع الحرث. ولما كانت هذه أموراً خفية لا يحمل على صالحها وتحجر عن فاسدها إلا محض الورع قال: {وقدموا} أي أوقعوا التقديم. ولما كان السياق للجمع وهو من شهوات النفس قال مشيراً إلى الزجر عن اتباعها كل ما تهوي: {لأنفسكم} أي من هذا العمل وغيره من كل ما يتعلق بالشهوات ما إذا عرض على من تهابونه وتعتقدون خيره افتخرتم به عنده وذلك بأن تصرفوا مثلاً هذا العمل عن محض الشهوة إلى قصد الإعفاف وطلب الولد الذي يدوم به صالح العمل فيتصل الثواب، ومن التقديم التسمية عند الجماع على ما وردت به السنة وصرح به الحبر ابن عباس رضي الله تعالى عنهما على ما نقل عنه. ولما كانت أفعال الإنسان في الشهوات تقرب من فعل من عنده شك احتيج إلى مزيد وعظ فقال: {واتقوا الله} أي اجعلوا بينكم وبين ما يكرهه الملك الأعظم من ذلك وغيره وقاية من الحلال أو المشتبه. وزاد سبحانه وتعالى في الوعظ والتحذير بالتنبيه بطلب العلم وتصوير العرض فقال: {واعلموا أنكم ملاقوه} وهو سائلكم عن جميع ما فعلتموه من دقيق وجليل وصالح وغيره فلا تقعوا فيما تستحيون منه إذا سألكم فهو أجل من كل جليل. قال الحرالي: وفيه إشعار بما يجري في أثناء ذلك من الأحكام التي لا يصل إليها أحكام حكام الدنيا مما لا يقع الفصل فيه إلا في الآخرة من حيث إن أمر ما بين الزوجين سر لا يفشى، قال عليه الصلاة والسلام: "حديث : لا يسأل الرجل فيم ضرب امرأته" تفسير : وقال: "حديث : لا أحب للمرأة أن تشكو زوجها" تفسير : فأنبأ تعالى أن أمر ما بين الزوجين مؤخر حكمه إلى لقاء الله عز وجل حفيظة على ما بين الزوجين ليبقى سراً لا يظهر أمره إلا الله تعالى، وفي إشعاره إبقاء للمروة في أن لا يحتكم الزوجان عند حاكم في الدنيا وأن يرجع كل واحد منهما إلى تقوى الله وعلمه بلقاء الله - انتهى. ولما كان هذا لا يعقله حق عقله كل أحد أشار إلى ذلك بالالتفات إلى أكمل الخلق فقال عاطفاً على ما تقديره: فأنذر المكذبين فعلاً أو قولاً، قوله تعالى: {وبشر المؤمنين} أي الذين صار لهم الإيمان وصفاً راسخاً تهيؤوا به للمراقبة، وهو إشارة إلى أن مثل هذا من باب الأمانات لا يحجز عنه إلا الإخلاص في الإيمان والتمكن فيه. ولما أذن في إتيان النساء في محل الحرث كيف ما اتفق ومنع مما سوى ذلك ومنع من محل الحرث في حال الحيض بين حكم ما إذا منع الإنسان نفسه من ذلك بالإيلاء أو بمطلق اليمين ولو على غير سبيل الإيلاء لأنه نقل عن كثير منهم شدة الميل إلى النكاح فكان يخشى المواقعة في حال المنع فتحمله شدة الورع على أن يمنع نفسه بمانع مظاهرة كما بين في سورة المجادلة أو غيرها من الأيمان فمنعهم من ذلك بقوله تعالى عادلاً عن خطاب نبيه صلى الله عليه وسلم تعظيماً لمقامه: {ولا تجعلوا الله} أي الذي لا شيء يداني جلاله وعظمته وكماله {عرضة} أي معرضاً {لأيمانكم} فيكون في موضع ما يمتهن ويبتذل فإن ذلك إذا طال حمل على الاجتراء على الكذب فجر إلى أقبح الأشياء. قال الحرالي: والعرضة ذكر الشيء وأخذه على غير قصد له ولا صمد نحوه بل له صمد غيره {أن} أي لأجل أن {تبروا} في أموال اليتامى وغيرها مما تقدم الأمر به أو النهي عنه {وتتقوا} أي تحملكم أيمانكم على البر وهو الاتساع في كل خلق جميل والتقوى وهي التوغل في خوف الله سبحانه وتعالى {وتصلحوا بين الناس} فتجعلوا الأيمان لكم ديدناً فتحلفون تارة أن تفعلوا وتارة أن لا تفعلوا لإلزام أنفسكم بتلك الأشياء فإن من لا ينقاد إلى الخير إلا بقائد من يمين أو غيرها ليس بصادق العزيمة، وفي الأمثال: فرس لا تجري إلا بمهماز بئس الفرس. ولما أرشد السياق والعطف على غير مذكور إلى أن التقدير: فالله جليل عظيم عطف عليه قوله: {والله} أي بما له من العز والعظمة {سميع} لجميع ما يكون من ذلك وغيره {عليم *} بما أسر منه وما أعلن، فاحذروه في جميع ما يأمركم به وينهاكم عنه، ويجوز أن يكون الجملة حالاً من واو {تجعلوا} فلا يكون هناك مقدر ويكون الإظهار موضع الإضمار لتعظيم المقام.
السيوطي
تفسير : أخرج أبو داود والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه والحاكم وصححه والبيهقي في سننه عن ابن عباس قال "لما أنزل الله {أية : ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن} تفسير : [الإِسراء: 34] و {أية : إن الذين يأكلون أموال اليتامى}تفسير : [النساء:10] الآيتين انطلق من كان عنده يتيم، فعزل طعامه من طعامه وشرابه من شرابه، فجعل يفضل له الشيء من طعامه فيجلس له حتى يأكله أو يفسد فيرمي به، فاشتد ذلك عليهم فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله {ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم} فخلطوا طعامهم بطعامهم وشرابهم بشرابهم". وأخرج عبد بن حميد عن عطاء قال: لما نزل في اليتيم ما نزل اجتنبهم الناس فلم يؤاكلوهم ولم يشاربوهم ولم يخالطوهم، فأنزل الله {ويسألونك عن اليتامى...} الآية. فخالطهم الناس في الطعام وفيما سوى ذلك. وأخرج عبد بن حميد وابن الأنباري والنحاس عن قتادة في قوله {ويسألونك عن اليتامى...} الآية. قال: كان أنزل قبل ذلك في سورة بني إسرائيل {أية : ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن}تفسير : [الإِسراء: 34] فكانوا لا يخالطونهم في مطعم ولا غيره، فاشتد ذلك عليهم، فأنزل الله الرخصة {وإن تخالطوهم فإخوانكم} . وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير قال: لما نزلت {أية : إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً...} تفسير : [النساء :10] الآية. أمسك الناس ولم يخالطوا الأيتام في الطعام والأموال حتى نزلت {ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير} الآية. وأخرج ابن المنذر عن سعيد بن جبير قال "حديث : كان أهل البيت يكون عندهم الأيتام في حجورهم، فيكون لليتيم الصرمة من الغنم ويكون الخادم لأهل البيت، فيبعثون خادمهم فيرعى غنم الأيتام، أو يكون لأهل اليتيم الصرمة من الغنم ويكون الخادم للأيتام، فيبعثون خادم الأيتام فيرعى غنمهم، فإذا كان الرسل وضعوا أيديهم جميعاً أو يكون الطعام للأيتام ويكون الخادم لأهل البيت، فيأمرون خادمهم فيصنع الطعام ويكون الطعام لأهل البيت، ويكون الخادم للأيتام فيأمرون خادم الأيتام أن يصنع الطعام فيضعون أيديهم جميعاً، فلما نزلت هذه الآية {إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً...} [النساء: 10] الآية. قالوا: هذه موجبة فاعتزلوهم وفرقوا ما كان من خلطتهم، فشق عليهم ذلك، فشكوا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: إن الغنم قد بقيت ليس لها راع، والطعام ليس له من يصنعه. فقال: قد سمع الله قولكم فإن شاء أجابكم. فنزلت هذه الآية {ويسألونك عن اليتامى} ونزل أيضاً {وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى...} [النساء : 3] الآية. فقصروا على أربع فقال: كما خشيتم أن لا تقسطوا في اليتامى وتحرجتم من مخالطتهم حتى سألتم عنها، فهلا سألتم عن العدل في جمع النساء ". تفسير : وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن ابن عباس {وإن تخالطوهم} قال: المخالطة أن يشرب من لبنك وتشرب من لبنه، ويأكل في قصعتك وتأكل في قصعته وتأكل من ثمرته {والله يعلم المفسد من المصلح} قال: يعلم من يتعمد أكل مال اليتيم ومن يتحرج منه ولا يألو عن اصلاحه {ولو شاء لأعنتكم} يقول: لو شاء ما أحل لكم ما أصبتم مما لا تتعمدون. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في الآية قال: إن الله لما أنزل {إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً...} الآية. كره المسلمون أن يضموا اليتامى وتحرجوا أن يخالطوهم في شيء، فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله {قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم ... ولو شاء الله لأعنتكم} يقول: لأحرجكم وضيق عليكم، ولكنه وسع ويسر. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس أنه قرأ {وإن تخالطوهم فاخوانكم في الدين} . وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في قوله {والله يعلم المفسد من المصلح} قال: الله يعلم حين تخلط مالك بماله أتريد أن تصلح ماله أو تفسده فتأكله بغير حق. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {ولو شاء الله لأعنتكم} قال لو شاء الله لجعل ما أصبتم من أموال اليتامى موبقاً. وأخرج عبد بن حميد عن قتادة {ولو شاء الله لأعنتكم} قال: لو شاء الله لأعنتكم فلم تؤدوا فريضة، ولم تقوموا بحق. وأخرج وكيع وعبد بن حميد عن الأسود قال: قالت عائشة: اخلط طعامه بطعامي وشرابه بشرابي، فإني أكره أن يكون مال اليتيم عندي كالعيرة.
ابو السعود
تفسير : وقولُه تعالى: {فِى ٱلدُّنُيَا وَٱلأخِرَةِ} متعلقٌ إما بـيُبـيْن أي يبـين لكم فيما يتعلق بالدنيا والآخرة الآيات وإما بمحذوفٍ وقع حالاً من الآيات أي يبـينها لكم كائنةً فيهما أي مبـيِّنةً لأحوالكم المتعلقةِ بهما، وإنما قدم عليه التعليلُ لمزيد الاعتناءِ بشأن التفكر، وإما بقوله تعالى: {تَتَفَكَّرُونَ} [البقرة، الآيات: 219 و266] أي تتفكرون في الأمور المتعلقة بالدنيا والآخرة في الأحكام الواردةِ في أجوبة الأسئلةِ المارّة فتختارون منها ما يصلُح لكم فيهما وتجتنبون عن غيره. وهذا التخصيصُ هو المناسبُ لمقام تعدادِ الأحكام الجزئيةِ ويجوزُ التعميمُ لجميع الأمور المتعلقة بالدنيا والآخرة بذلك حينئذ إشارةً إلى ما مر من البـيانات كلاً أو بعضاً لا إلى مصدر ما بعده فإنه حينئذ فعلٌ مستقلٌ ليس بعبارة عن تلك البـيانات والمرادُ بالآيات غيرُ ما ذكر والمعنى مثلَ ذلك البـيان الوارد في الأجوبة المذكورة يبـين الله لكم الآياتِ والدلائلَ لعلكم تتفكرون في أموركم المتعلقة بالدنيا والآخرة وتأخذون بما يصلح لكم وينفعُكم فيهما وتذرون ما يضرُّكم حسبما تقتضيه تلك الآياتُ المبـينة. {ويسألونك عن اليتامى} عطفٌ على ما قبله من نظيره رُوي أنه لما نزلت {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوٰلَ ٱلْيَتَـٰمَىٰ ظُلْماً } تفسير : [النساء، الآية 10] الآية، تحامىٰ الناسُ عن مخالطة اليتامى وتعهُّد أموالهم فشق عليهم ذلك فذكروه للنبـي صلى الله عليه وسلم فنزلت {قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ} أي التعرضُ لأحوالهم وأموالهم على طريق الإصلاح خيرٌ من مجانبتهم اتقاءً. {وَإِن تُخَالِطُوهُمْ} وتعاشِروهم على وجهٍ ينفعهم {فَإِخوَانُكُمْ} أي فهم إخوانُكم أي في الدين الذي هو أقوى من العلاقة النسبـية، ومن حقوق الأخوة ومواجبها المخالطةُ بالأصلاح والنفعِ، وقد حُمل المخالطةُ على المصاهرة {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ ٱلْمُفْسِدَ مِنَ ٱلْمُصْلِحِ} العلم بمعنى المعرفة المتعدية إلى واحد و(من) لتضمينه معنى التميـيز أي يعلم مَنْ يفسد في أمورهم عند المخالطة أو مَنْ يقصِد بمخالطته الخيانةَ والإفسادَ مُميِّز له ممن يُصلح فيها أو يقصد الإصلاح فيجازي كلاً منهما بعمله، ففيه وعدٌ ووعيد خلا أن في تقديم المفسد مزيدَ تهديدٍ وتأكيداً للوعيد {وَلَوْ شَاء ٱللَّهُ لأعْنَتَكُمْ} أي لو شاء أن يُعْنِتَكم أو يكلفَكم ما يشق عليكم من العنت وهو المشقة لفعل ولم يجوِّزْ لكم مداخلتَهم {أَنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ} غالبٌ على أمره لا يعِزُّ عليه أمر من الأمور التي من جملتها إعناتُكم فهو تعليلٌ لمضمون الشرطية، وقولُه عز وجل: {حَكِيمٌ} أي فاعل لأفعاله حسبما تقتضيه الحكمةُ الداعيةُ إلى بناء التكليف على أساس الطاقة، دليلٌ على ما تفيده كلمة «لو» من انتفاء مقدمها. {وَلاَ تَنْكِحُواْ ٱلْمُشْرِكَـٰتِ} أي لا تَتَزوجوهن وقرىء بضم التاء من الإنكاح أي لا تُزوِّجوهن من المسلمين {حَتَّىٰ يُؤْمِنَّ} والمرادُ بهن إما ما يعم الكتابـياتِ أيضاً حسبما يقتضيه عمومُ التعليلين الآتيـين لقوله تعالى: {أية : وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ عُزَيْرٌ ٱبْنُ ٱللَّهِ وَقَالَتِ ٱلنَّصَـٰرَى ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ ٱللَّهِ } تفسير : [التوبة، الآية 30] إلى قوله: {أية : سُبْحَـٰنَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ } تفسير : [التوبة، الآية 31] فالآية منسوخةٌ بقوله تعالى: {أية : وَٱلْمُحْصَنَـٰتُ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلِكُمْ } تفسير : [المائدة: الآية 5] وأما غيرُ الكتابـيات فهي ثابتة ورُوي أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم بعث مَرْثدَ بنَ أبـي مرثد الغنوي إلى مكةَ ليُخرج منها ناساً من المسلمين وكان يهوىٰ امرأةً في الجاهلية اسمُها عَنَاق فأتته فقالت: ألا تخلو؟ فقال: ويحك إن الإسلامَ حال بـيننا فقالت: هل لك أن تتزوّجَ بـي؟ قال: نعم ولكن أرجِعُ إلى النبـي صلى الله عليه وسلم فأستأمِرُه فاستأمَره فنزلت {وَلأمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ} تعليل للنهي عن مواصلتهن وترغيبٌ في مواصلة المؤمنات، صُدِّر بلام الابتداء الشبـيهةِ بلام القسم في إفادة التأكيد مبالغةً في الحمل على الانزجار، وأصلُ أمة أمو حذفت لامها على غير قياس وعوِّض منه تاء التأنيث ودليلُ كون لامِها واواً رجوعُها في الجمع، قال الكلابـي: [البسيط] شعر : أما الإماءُ فلا يدعونني ولدا إذا تداعىٰ بنو الأمواتِ بالعار تفسير : وظهورُها في المصدر يقال: هي أَمةٌ بـيِّنة الأُموَّة وأقرَّتْ له بالأموّة وقد وقعت مبتدأ لما فيها من لام الابتداء والوصف أي ولأمة مؤمنة مع ما بها من خساسة الرق وقلة الخطر {خَيْرٌ} بحسب الدين والدنيا {مّن مُّشْرِكَةٍ} أي امرأة مشركة مع مالها من شرف الحرية ورفعة الشأن {وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ} قد مر أن كلمة (لو) في أمثال هذه المواقع ليست لبـيان انتفاءِ الشيء في الماضي لانتفاء غيره فيه فلا يلاحَظَ لها جوابٌ قد حذف ثقةً بدلالة ما قبلها عليه مع انصباب المعنى على تقديره بل هي لبـيان تحقيقِ ما يفيدُه الكلام السابق من الحكم على كل حال مفروض من الأحوال المقارنة له على الإجمال بإدخالها على أبعدها منه وأشدِّها منافاةً له ليظهرَ بثبوته معه ثبوتُه مع ما عداه من الأحوال بطريق الأولوية لما أن الشيءَ متى تحقق مع المُنافي القويِّ فلأَنْ يتحققَ مع غيره أولى، ولذلك لا يُذكر معه شيء من سائر الأحوال ويُكتفىٰ عنه بذكر الواو العاطفةِ للجملة على نظيرتها المقابلة لها المتناولةِ لجميع الأحوال المغايرة لها وهذا معنى قولهم: إنها لاستقصاء الأحوالِ على وجه الإجمال كأنه قيل: لو لم تعجبْكم ولو أعجبتكم والجملةُ في حيِّز النصبِ على الحالية من مشركة إذ المآل ولأمة مؤمنة خيرٌ من امرأة مشركة حال عدمِ إعجابها إياكم بجمالها ومالِها ونسبها وغيرِ ذلك من مبادىء الإعجابِ وموجباتِ الرغبة فيها أي على كل حال، وقد اقتُصر على ذكر ما هو أشدُّ منافاةً للخيرية تنبـيهاً على أنها حيث تحققت معه فلأَنْ تتحققَ مع غيره أولى وقيل: الواوُ حاليةٌ وليس بواضح وقيل: اعتراضيةٌ وليس بسديد، والحقُّ أنها عاطفة مستتبعةٌ لما ذكر من الاعتبار اللطيف. نعم يجوز أن تكونَ الجملةُ الأولى مع عاطف عليها مستأنفةً مقرِّرةً لمضمون ما قبلها فتدبر. {وَلاَ تُنكِحُواْ ٱلْمُشِرِكِينَ} من الإنكاح والمراد بهم الكفار على الإطلاق، لما مر أي لا تُزوِّجوا منهم المؤمناتِ سواءٌ كن حرائرَ أو إماءً {حَتَّىٰ يُؤْمِنُواْ} ويتركوا ما هم فيه من الكفر {وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ} مع ما به من ذل المملوكية {خَيْرٌ مّن مُّشْرِكٍ} مع ما له من عز المالكية {وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ} بما فيه من دواعي الرغبة فيه الراجعةِ إلى ذاته وصفاته {أُوْلَـٰئِكَ} استئنافٌ مقرِّرٌ لمضمون التعليلين المارَّيْن أي أولئك المذكورون من المشركات والمشركين {يَدْعُونَ} من يقارِنُهم ويعاشِرُهم {إِلَى ٱلنَّارِ} أي إلى ما يؤدي إليها من الكفر والفسوق فلا بد من الاجتناب عن مقارنتهم ومقاربتِهم {وَٱللَّهُ يَدْعُو} بواسطة عبادِه المأمنين مَنْ يقارِنُهم {إِلَى ٱلْجَنَّةِ وَٱلْمَغْفِرَةِ} أي إلى الاعتقاد الحق والعملِ الصالحِ الموصلَيْن إليهما، وتقديمُ الجنة على المغفرة مع أن حق التخلية أن تُقدَّم على التحلية لرعاية مقابلة النار ابتداءً {بِإِذْنِهِ} متعلق بـيدعو أي يدعو ملتبساً بتوفيقه الذي من جملته إرشادُ المؤمنين لمقارِنيهم إلى الخير ونصيحتُهم إياهم فهم أحقاءُ بالمواصلة {وَيُبَيِنُ آيَـٰتِهِ} المشتملةَ على الأحكام الفائقةِ والحِكَمِ الرائقة {لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} أي لكي يتذكروا ويعلموا بما فيها فيفوزوا بما دُعوا إليه من الجنة والغفران. هذا وقد قيل: معنى {واللَّهُ يَدْعُو} [البقرة: 221] وأولياءُ الله يدْعون وهم المؤمنون على حذف المضاف وإقامةِ المضاف إليه مُقامه تشريفاً لهم. وأنت خبـيرٌ بأن الضميرَ في المعطوف على الخبر أعني قوله تعالى: {وَيُبَيّنُ ٱللَّهُ تَعَالَى} فيلزم التفكيكُ وقيل: معناه والله يدعو بأحكامه المذكورة إلى الجنة والمغفرة فإنها موصلةٌ لمن عمِل بها إليهما. وهذا وإن كان مستدعياً لاتحاد مرجِع الضميرين الكائنين في الجملتين المتعاطفتين الواقعتين خبراً للمبتدأ لكنْ يفوِّت حينئذ حسنَ المقابلة بـينه وبـين قوله تعالى: {أية : أُوْلَـٰئِكَ يَدْعُونَ إِلَى ٱلنَّارِ} تفسير : [البقرة، الآية: 121] ولعل الطريق الأسلمَ ما أوضحناه أولاً، وإيرادُ التذكرِ هٰهنا للإشعار بأنه واضحٌ لا يحتاج إلى التفكر كما في الأحكام السابقة.
الطوسي
تفسير : الاعراب والمعنى: العامل في الضرف من قوله: {في الدنيا والآخرة} يحتمل أمرين: أحدهما - "يبين" على قول الحسن. والثاني - "يتفكرون" في قول غيره. وأجاز الزجاج الوجهين معاً. وكيفية فكرهم في الدنيا والآخرة، قال قتادة: يتفكرون في أن الدنيا دار بلاء، وفناء، والآخرة دار جزاء وبقاء. اللغة: وقوله تعالى: {ويسألونك عن اليتامى}، فهو جمع يتيم، والفعل منه يتم ييتم يتماً، كقولك: نكر نكراً. وحكى الفراء: يتم ييتم يتماً، كشغل شغلا. وقوله: {وإن تخالطوهم} فالمخالطة: مجامعة يتعذر معها التمييز، كمخالطة الخل للماء، والماء للماء وما أشبه ذلك، تقول: خلط يخلط خلطاً، وخالطه خلاطاً ومخالطة، واختلاطا، وتخالطوا تخالطاً، وخلطه تخليطاً، وتخلّط تخلطاً. وأخلط الفرس: إذا قصر في جريه. واستخلط الفحل: اذا خالط ثيله حياء الناقة والخلاط: الجنون، لاختلاط الأمور على صاحبه. والخليطان: الشريكان، لاختلاط أموالهما. والخليط: القوم أمرهم واحد. والخلاط: داء في الجوف. ورجل خلط: متحبب الى الناس، لطلبه الاختلاط بهم. المعنى: ومعنى الآية الاذن لهم فيما كانوا متحرّجون منه من مخالطة الأيتام في الأموال: من المأكل، والمشرب والمسكن، ونحو ذلك، فأذن الله لهم في ذلك إذا تحرّوا الاصلاح بالتوفير على الأيتام - في قول الحسن، وغيره - وهو المروي في أخبارنا. الاعراب: وقوله: {فإخوانكم } رفع على فهم أخوانكم خالطموهم أو لم تخالطوهم، وقوله: {أية : فإن خفتم فرجالاً أو ركباناً}تفسير : نصب على فصلّوا وهو حال الصلاة خاصه لا حال معنى فأنتم رجال أو ركبان، كيف تصرفت الحال. ويجوز - في العربية - فاخوانكم على النصب على تقدير: فاخوانكم تخالطون، والوجه الرفع، لما بيناه. اللغة: وقوله: {ولو شاء الله لأعنتكم} معناه: التذكير بالنعمة في التوسعة على ما توجبه الحكمة مع القدرة على التضييق الذي فيه أعظم المشقة، والاعنات: الحمل على مشقة لا تطاق فعلا. وعنت العظم عنتاً اذا أصابه وهن أو كسر، وأعنته إعناتاً إذا عسفه بالحمل على مكروه لا يطيقه. وعنت عنتاً إذا اكتسب مأثماً، وتعنته تعنتاً إذ لبس عليه في سؤاله له. والاكمة العنوت: هي الطويلة من الآكام، وأصل الباب المشقة. المعنى: وقال البلخي: في هذه الآية دلالة على فساد قول من قال: إنه تعالى لا يقدر على الظلم، لأن الاعنات - بتكليف ما لا يجوز في الحكمة - مقدور له، إذ لو يشاء لفعله. وقال الجبائي: لو أعنتهم لكان جائزاً حسناً، لكنه تعالى وسع على العباد، لما في التوسعة من تعجيل النعمة. وفي الآية دلالة على بطلان قول المجبرة في البدل، وتكليف ما لا يطاق، أما البدل، فلأنهم يذهبون الى النهي عن الكفر الموجود في حالة بأن يكون الايمان بدلا منه، وهذا أعظم ما يكون من الاعنات، لأنه أمر له بالمحال، هو ليكن منك الايمان بدلا من الكفر الموجود في الحال، وكذلك النهي فيما لم يكن منك ما هو كائن من الكفر الموجود في الحال كل ذلك محال، وكذلك الأمر بالايمان، من لم يقدر على الايمان، فاذا لم يفعله عُذّب بأشد العذاب، وإذا لم يكلف من الممكن ما فيه مشقة وشدة، للمظاهرة على عباده بالنعمة، لم يجز أن يكلف ما ليس على قدره، لأنه أسوء تناقض المظاهرة بالنعمة. وقوله: {إن الله عزيز حكيم} أي يفعل بعزته ما يحب، لا يدفعه عنه دافع. {حكيم} ذو حكمة فيما أمركم به من أمر اليتامى وغيره.
الهواري
تفسير : قوله: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ اليَتَامَى قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ}. قال بعض المفسّرين: لما نزلت هذه الآية: (أية : وَلاَ تَقْرَبُوا مَالَ اليَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) تفسير : [الأنعام:152]، و[الإِسراء:34] [اشتدّت عليهم] فكانوا لا يخالطونهم في المال ولا في المأكل، ثم أنزل الله هذه الآية فنسختها. قال: {وَإِن تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ المُفْسِدَ مِنَ المُصْلِحِ} [فَرَخص لهم]. قال الحسن: {إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ} أي توفير لأموالهم خير، والله يعلم المفسد الذي يأكل يتيمه ولا يكافيه من المصلح. قال: {وَلَوْ شَاءَ اللهُ لأَعْنَتَكُمْ} أي لترككم في المنزلة الأولى لا تخالطونهم، فكان ذلك عليكم عنتاً شديداً والعنت الضيق. وقال بعض المفسّرين: {وَلَوْ شَاءَ اللهُ لأَعْنَتَكُمْ} أي: لجهدكم، فلم تقوموا بحق، ولم تؤدوا فريضة. وقال مجاهد: {وَإِن تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ} في الدين. ويعني بالمخالطة مخالطة اليتيم في الراعي والإِدام. قال: {وَلَوْ شَاءَ اللهُ لأَعْنَتَكُمْ} فحرّم عليكم الراعي والإِدام. قال: {إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}. قوله: {وَلاَ تَنكِحُوا المُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ} يتزوجها المسلم إذا لم يجد طولاً {خَيْرٌ مِّن مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ}. ثم نسخ منها المشركات من أهل الكتاب الحرائر في سورة المائدة، وأحل نساء أهل الكتاب فقال: (أية : وَالمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ) تفسير : [المائدة:5] والمحصنات في هذه الآية: الحرائر؛ فلا يحل تزويج الإِماء من أهل الكتاب، وتوطأ بملك اليمين، لأن الله يقول: (أية : وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ المُحَصَناتِ المُؤْمِنَاتِ فَمِن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن فَتَيَاتِكُمُ المُؤْمِنَاتِ) تفسير : [النساء: 25]. ولا توطأ الأمة من المشركات من غير أهل الكتاب حتى تسلم، ولا تنكح حرة منهن حتى تسلم. قال الحسن: إذا قالت لا إله إلا الله وطئها. قوله: {وَلاَ تُنكِحُوا المُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا} فحرّم الله أن يتزوّج المسلمةَ أحدٌ من المشركين. وهو قوله: (أية : لاَ هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلاَ هُمْ يَحلُّونَ لَهُنَّ) تفسير : [الممتحنة:10]. قوله: {وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ} تتزوجه المسلمة {خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ} قال بعض المفسّرين: ولو قال: أنا ابن فلان بن فلان {أُوْلَئِكَ} يعني المشركين، {يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللهُ يَدْعُوا إِلَى الجَنَّةِ وَالمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ} أي بأمره. {وَيُبَيِّنُ ءَايَاتِهِ} أي الحلال والحرام {لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} أي لكي يتذكّروا. قوله: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي المَحِيضِ وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ} قال الحسن: إن الشيطان أدخل على أهل الجاهلية في حيض النساء ما أدخل على المجوس؛ فكانوا لا يجالسونهن في بيت، ولا يأكلون معهن ولا يشربون. وقال بعضهم: كان أهل الجاهلية لا تساكنهم حائض ولا تؤاكلهم في إناء. قال الحسن: فلما جاء الإِسلام سأل المسلمون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فأنزل الله: {قُلْ هُوَ أَذًى}؛ أي: قذر {فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي المَحِيضِ} أي: في الدم {وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ}. {فَإِذَا تَطَهَّرْنَ} فاغتسلن {فَأْتُوهُنَّ}. ذكروا عن سعيد بن جبير قال: {فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي المَحِيضِ}، أي: في الدم {وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ} فاغتسلن {فَأْتُوهُنَّ}. ذكروا عن أبي هريرة أنه قال: الحيضة تبدأ فتكون دماً خاثراً، ثم يرق الدم فيكون صديداً، ثم يكون صفرة، فإذا رأت المرأة القصة البيضاء فهو الطهر. ذكروا عن عبد الله بن الزبير أنه قال: يا أيها الناس لا تغتروا بنسائكم، فإن المرأة لا تطهر حتى ترى القصة البيضاء. ذكروا عن عائشة أنها قالت: يكره للنساء أن ينظرن إلى أنفسهن ليلاً، وقالت: بذلك تكون الصفرة والكدرة. وذكروا عن عائشة أنها قالت: إذا أدخلت المرأة القطنة فخرجت متغيّرة فلا تصلّي حتى تطهر. ذكر بعضهم قال: إذا كانت الترية واصلة بالطهر فلا تصلي حتى تذهب. ذكروا عن عقبة بن عامر أنه كان يكره أن يطأ امرأته في اليوم الذي تطهر فيه. ذكروا عن عائشة أنها سئلت: ما يحل للرجل من امرأته إذا كانت حائضاً. فقالت: كل شيء ما خلا الفرج. غير واحد من العلماء أنهم سألوا عائشة ما يحل للرجل من امرأته إذا كانت حائضاً. قالت: كل شيء غير شعار الدم. قوله: {فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللهُ}. ذكروا عن عكرمة عن ابن عباس أنه قال: من حيث نهاكم الله، يعني قوله: {فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي المَحِيضِ}، يقول: فلا تأتوهن في الفرج وهو تفسير مجاهد. قوله: {إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ المُتَطَهِّرِينَ} أي من الذنوب. ذكر بعض أهل العلم أنه قال: التائب من الذنب كمن لا ذنب له؛ ثم تلا هذه الآية: {إنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ المُتَطَهِّرِينَ} قال: إذا أحبّ الله عبداً لم يضره ذنب.
اطفيش
تفسير : {فى الدنيا والآخرة}: أى فى أمور الدنيا والآخرة، فتأخذوا بالأصلح الأسهل الأنفع فى العقبى، وتجتنبوا ما يضركم فيهما، وفى متعلق يتفكرون، أو ويبين، ولعل للتعليل. وقيل: المعنى لعلكم تتفكرون فى أن الدنيا دار بلاء وفناء، وأن الآخرة دال إقبال وبقاء وجزاء، وهو مروى عن ابن عباس رضى الله عنه، قال الغزالى: العاقل لا يغفل عن ذكر الآخرة فى لحظة فإنها مصيره ومستقره، فيكون له فى كل ما يراه من ماء أو نار أو غيرهما عبرة، فأن نظر إلى سواد ذكر ظلمة اللحد، وإن نظر إلى صورة مروعة تذكر منكراً ونكيراً والزبانية، وإن سمع صوتاً هائلا تذكر نفخة الصور، وإن رأى شيئاً حسناً تذكر نعيم الجنة، وإن سمع كلمة رد أو قبول تذكر ما ينكشف من أمره بعد الحساب من رد أو قبول، وما أجدر أن يكون هذا هو الغالب على قلب العاقل لا يصرف عنه إلى أمر الدنيا، فإذا نسب مدة المقام فى الدنيا إلى مدة المقام فى الآخرة، استحقر الدنيا إن لم يكن أغفل قلبه وأعميت بصيرته. {ويَسْألُونك عَن اليَتَامَى}: قال ابن عباس وابن المسيب: لما نزلت:أية : إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً}تفسير : الآية، و{أية : ولا تقربوا مال اليتيم}تفسير : الآية. اعتزلوا اليتامى وتحاموهم، وتركوا مخالطتهم والقيام بأموالهم والاهتمام بمصالحهم، حتى كان يوضع لليتيم طعام فيفضل منه شئ فيتركونه ولا يأكلونه حتى يفسد، وكان صاحب اليتيم يفرد له منزلا وطعاماً وشراباً، فعظم ذلك على ضعفاء المسلمين، حتى قال عبد الله بن رواحة: يا رسول الله ما ملكنا منازل تسكنها الأيتام، ولا كلنا يجد طعاماً وشراباً يفردهما لليتيم، فنزلت الآية، أى يسألونك عن مخالطة أموال اليتامى. {قُلْ إصْلاحٌ لَهُمْ خَيْر}: إصلاح مبتدأ ولهم متعلق به وهو المسبوغ وخير خبر أى إصلاح أموالهم بتناولها ووضعها فى الموضع الأصلح لها، وبالتجر لهم فيها، وبيع ما يخلف فساده أو أكله، وتفويض مثله أو أجود، ومواكلتهم باعتبار الصلاح لهم خير من مجانبتهم ففى الحديث: "حديث : اتجروا فى أموال اليتامى لا تأكله الزكاة، ومن لهُ يتيم زكا ماله خيراً من أن يتركه بلا زكاة"تفسير : لأن الزكاة تنميه وتطهره، وقد قيل أيضاً: يتصدق عنه بالقليل من ماله نفعاً له دنيا وأخرى، ففى الآية رفع للمشقة عمن عنده يتيم، ونفع لليتامى، وقرأ طاووس: {قل إصلاح إليهم}، أى إيصال الصلاح إليهم خير. {وإنْ تُخَالِطُوهُم فإخْوانُكُم}: أى فهم إخوانكم، ومن حق الأخر أن يخالط الأخ ويشفق له، ويراعى له المصالح، ففى ذلك حث على مخالطتهم فى أموالهم نظرا للأصلح لهم، سماهم بإخوان فى الدين. وقيل: المراد بالمخالطة المصاهرة بالنكاح، لأن المخالطة بالنكاح أقوى من المخالطة فى المطعوم والمشروب والمسكن، فحمل لفظ المخالطة عليها أولى، فيدخل المخالطة بالمال بالأولى. قال أبو عبيد: هذه الآية عندى أصل لما يفعله الرفقاء فى الأسفار، فإنهم يتحارجون النفقات بينهم بالسوية، وقد يتعاونون فى قلة المطعم وكثرته، وليس كل من قل مطعمه تطيب نفسه بالتفضل على رفيقه، ولما كان هذا فى أموال التيامى واسعاً كان فى غيرهم أوسع، ولولا ذلك لخفت أن يضيق فيه الأمر على الناس. قلت: وفى وصف يتامى المسلمين بأنهم إخوان لنا فى دين الله، دليل على أنهم فى الولاية، وأنهم مثابون على أعمالهم، وإن الزكاة تخرج من أموالهم، وكذا سائر أطفال المسلمين. {واللّهُ يعْلَم المفْسِدَ}: فى أموالهم بالمخالطة أو فى أحوالهم مطلقاً، ومنها المخالطة فى أموالهم بالإفساد. {مِنَ المصْلِح}: فى أموالهم بالمخالطة، أو فى أحواله مطلقاً، ومنها المخالطة فى أموالهم بالإصلاح، وذلك وعيد للمفسد ووعيد للمصلح يجارى على الإصلاح والإفساد. {وَلوْ شَاءَ اللّهُ}: إعتاتكم، أى إلقاءكم فى العنت وهو المشقة وتكليفكم بما يشق. {لأعْنَتَكُم}: أى كلفكم بالمشقة بأن يحرم عليكم مخالطة اليتامى فى أموالهم مع إيجاب القيام بهم، وقرئ بتليين همزة أعنت، وقرئ بحذفها بحركتها شذوذا أو بعد نقل فتحها لللام بعد إسقاط فتحه اللام، ونسب أبو عمرو الدانى التليين إلى البرى، برواية أبى ربيعة عنه. {إنَّ اللّهَ عِزِيزٌ}: غالب لا يرد عن الإعنات لو شاءه. {حَكِيمٌ}: فى صنعه، وعن بعض المفسرين:{أية : ولو شاء الله لأعنتكم}تفسير : أى أجهدكم فلم تقوموا بحق، ولم تؤدوا فريضة، وعن مجاهد وأن تخالطوهم فى الرعى والإدام، ولو شاء الله لحرم عليكم الرعى والإدام، ولعل هذا منه تمثيل.
اطفيش
تفسير : {فِى الدُّنْيَا وَالأَخِرَةِ} فى أمورها، فتأخذون ما يصلح لكم ولا يضركم، أو فى أيهما أحق فتجدونه الآخرة ويجوز أن يتعلق بيبين ويتفكر فى قوله فى الدنيا، والتكرار بالتنازع لا ركة فيه {وَيَسْئَلُونَكَ} نزل، إن الذين يأكلون أموال اليتامى... الآية، ولا تقربوا مال اليتم... إلخ، فتركوا تعهد أموالهم ومؤاكلتهم حتى إنهم ليصنعون طعاماً لليتيم م ماله، وإن فضلت فضلة لم يأكلوها ولم يبيعوها، إذ لا تشترى أيضاً لذلك، ولأنها لا تصلح للبيع، ويجبسونها ليأكلها حتى تفسد، فيريقوها، ويجعلون لطعامه قدراً وحطباً وغير ذلك على حدة، وتضرر بذلك اليتامى، وشق على قوامهم، فنزل قوله تعالى ويسئلونك {عَنِ الْيَتَٰمَى} إلخ، أى عن خلطة أموالهم، رواه أبو داود والنسائى والحاكم، وصححه من حديث ابن عباس رضى الله تعالى عنهما {قُلْ إِصْلاَحٌ} مبتدأ خبره خير {لَّهُمْ} متعلق بإصلاح، أو نعته، أى إصلاح أموالهم {خَيْرٌ} لكم ثوابا ولهم نفعا، أو أفضل من تركها، وفى تركها، تحرجا، ثواب على نيتكم، أو الإصلاح لهم أن يوسعوا فى أموال أنفسهم لليتامى، أو أن يخالطوهم فى الطعام والخدمة والسكنى، بأموالكم وأموالهم، وخدمكم ودوابكم، فتصيبوا من أموالهم، أو تصلحوا أموالهم بلا أجرة ولا عوض. قال الزجاج: كانوا يتزوجون من اليتامى الموسرات ويأكلون أموالهن، فشدد عليهم فى أمر اليتامى تشديداً، خافوا معه التزوج باليتامى ومخالطتهم، فأعلمهم الله أن الإصلاح خير الأشياء، وأن مخالطتهم بالتزوج مع تحرى الإصلاح جائزة {وَإِن تُخَالِطُوهُمْ} بالمال والمصاهرة فهذا خير لكم فى الدارين، أو، فلكم ذلك {فَإِخْوَنُكُمْ} فهم إخوانكم، أى لأنهم إخوانكم فى الدين، ومن حق الأخ مراعاة الأصلح له والصبر {وَاللهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ} لأموالهم، بالأكل والتضييع ولغيرها، وفى شأن غيرهم، ولا يخفى عليه من أراد الخطلة للخيانة، ومن الخيانة أن يتسلفها تنمية لمال نفسه، واتجاراً بها لنفسه بلا حاجة، بل يتجر بها لليتيم بالمضاربة وغيرها بنفسه أو بعيره، وإن ضاعت بلا تقصير فى تجره لم تلزمه، لأنه صلى الله عليه وسلم أمر بالتجر بها {مِنَ الْمُصْلِحِ} لأموالهم، وفى شأن غيرهم، وذلك وعيد للمفسد ووعد للمصلح {وَلَوْ شَآءَ اللهُ} إعناتكم {لأَعْنَتَكُمْ} ألقاكم فى العنت، أى المشقة، بتحريم المخالطة، ولو مانعة، فالله لم يعنتنا، فيجز لنا مراعاه صلاحهم، حتى إنه ليجوز لنا فداء أموالهم ببعضها، ولو بنصف أو أكثر من جائر أو أمر متلف، وإجبارهم على كسب لائق بهم، ولهم غلته، وشراء عقار لهم إن لم يخف عيه جائراً أو خراباً أو خراجاً لا تبقى معه لهم فائدة، وإطعامهم الرقائق، وإلباسهم بحسب أموالهم وخلط أموال يتامى بحفظ وإصلاح {إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} لا يكون مغلوبا ولا غير متقن للأمر.
الالوسي
تفسير : {فِى ٱلدُّنُيَا وَٱلاْخِرَةِ} أي في أمورهما فتأخذون بالأصلح منهما وتجتنبون عما يضركم ولا ينفعكم أو يضركم أكثر مما ينفعكم، والجار بعد تقدير المضاف متعلق بـ {أية : تَتَفَكَّرُونَ }تفسير : [البقرة: 219] بعد تقييده بالأول، وقيل: يجوز أن يتعلق بـ {أية : يُبِينُ}تفسير : [البقرة: 219] أي يبين لكم الآيات فيما يتعلق بأمور الدنيا والآخرة لعلكم تتفكرون وقدم التفكر للاهتمام، وفيه أنه خلاف ظاهر النظم مع أن ترجي أصل التفكر ليس غاية لعموم التبيين فلا بد من عموم التفكر فيكون المراد ـ لعلكم تتفكرون في أمور الدنيا والآخرة ـ وفي التكرار ركاكة، وقيل: متعلق بمحذوف وقع حالاً من الآيات أي يبينها لكم كائنة فيهما أي مبينة لأحوالكم المتعلقة بهما ولا يخفى ما فيه، ومن الناس من لم يقدر ـ ليتفكرون ـ متعلقاً وجعل المذكور متعلقاً بها أي بين الله لكم الآيات لتتفكروا في الدنيا وزوالها والآخرة وبقائها فتعلموا فضل الآخرة على الدنيا وهو المروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه وقتادة والحسن. {وَيَسْـئَلُونَكَ عَنِ ٱلْيَتَـٰمَىٰ} عطف على ما قبله من نظيره، أخرج أبو داود والنسائي وابن جرير وجماعة عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال لما أنزل الله تعالى: {أية : وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ ٱلْيَتِيمِ إِلاَّ بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ }تفسير : [الأنعام: 152] و {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوٰلَ ٱلْيَتَـٰمَىٰ }تفسير : [النساء: 10] الآية انطلق من كان عنده يتيم فعزل طعامه من طعامه وشرابه من شرابه فجعل يفضل له الشيء من طعامه فيحبس له حتى يأكله أو يفسد فيرمى به فاشتد ذلك عليهم فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت، والمعنى ـ يسألونك عن القيام بأمر اليتامى، أو التصرف في أموالهم، أو عن أمرهم وكيف يكونون معهم ـ {قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ} أي مداخلتهم مداخلة يترتب عليها إصلاحهم أو إصلاح أموالهم بالتنمية والحفظ خير من مجانبتهم، وفي الاحتمال الأول إقامة غاية الشيء مقامه. {وَإِن تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوٰنُكُمْ} عطف على سابقه والمقصود الحث على المخالطة المشروطة بالإصلاح مطلقاً أي إن تخالطوهم في الطعام والشراب والمسكن والمصاهرة تؤدوا اللائق بكم لأنهم إخوانكم أي في الدين؛ وبذلك قرأ ابن عباس رضي الله تعالى عنه، وأخرج عبد بن حميد عنه المخالطة أن يشرب من لبنك وتشرب من لبنه ويأكل في قصعتك وتأكل في قصعته ويأكل من تمرتك وتأكل من تمرته، واختار أبو مسلم الأصفهاني أن المراد بالمخالطة المصاهرة، وأيد بما نقله الزجاج أنهم كانوا يظلمون اليتامى فيتزوجون منهم العشرة ويأكلون أموالهم فشدد عليهم في أمر اليتامى تشديداً خافوا معه التزوج بهم/ فنزلت هذه الآية فأعلمهم سبحانه أن الإصلاح لهم خير الأشياء وأن مخالطتهم في التزويج مع تحري الإصلاح جائزة وبأن فيه على هذا الوجه تأسيساً إذ المخالطة بالشركة فهمت مما قبل وبأن المصاهرة مخالطة مع اليتيم نفسه بخلاف ما عداها وبأن المناسبة حينئذٍ لقوله تعالى: {فَإِخوَانُكُمْ} ظاهرة لأنها المشروطة بالإسلام فإن اليتيم إذا كان مشركاً يجب تحري الإصلاح في مخالطته فيما عدا المصاهرة وبأنه ينتظم على ذلك النهي الآتي بما قبله كأنه قيل: المخالطة المندوبة إنما هي في اليتامى الذين هم إخوانكم فإن كان اليتيم من المشركات فلا تفعلوا ذلك، ولا يخفى أن ما نقله الزجاج أضعف من الزجاج إذ لم يثبت ذلك في أسباب النزول في كتاب يعول عليه، والزجاج وأمثاله ليسوا من فرسان هذا الشأن وبأن التأسيس لا ينافي الحث على المخالطة لما أن القوم تجنبوا عنها كل التجنب وأن إطلاق المخالطة أظهر من تخصيصها بخلط نفسه وأن المناسبة والانتظام حاصلان بدخول المصاهرة في مطلق المخالطة. {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ ٱلْمُفْسِدَ} في أمورهم بالمخالطة {مِنَ ٱلْمُصْلِحِ} لها بها فيجازي كلاً حسب فعله أو نيته ففي الآية وعيد ووعدهم، وقدم المفسد اهتماماً بإدخال الروع عليه وأل في الموضعين للعهد، وقيل: للاستغراق ويدخل المعهود دخولاً أولياً، وكلمة {مِنَ} للفضل وضمن (يعلم) معنى يميز فلذا عداه بها {وَلَوْ شَاء ٱللَّهُ لأَعْنَتَكُمْ} أي لضيق عليكم ولم يجوز لكم مخالطتهم، أو لجعل ما أصبتم من أموال اليتامى موبقاً ـ قاله ابن عباس رضي الله تعالى عنه ـ وأصل الإعنات الحمل على مشقة لا تطاق ثقلاً، ويقال: عنت العظم عنتاً إذا أصابه وهن أو كسر بعد جبر، وحذف مفعول المشيئة لدلالة الجواب عليه، وفي ذلك إشعار بكمال لطفه سبحانه ورحمته حيث لم يعلق مشيئته بما يشق علينا في اللفظ أيضاً، وفي الجملة تذكير بإحسانه تعالى على أوصياء اليتامى. {أَنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ} غالب على أمره لا يعجزه أمر من الأمور التي من جملتها إعناتكم {حَكِيمٌ} فاعل لأفعاله حسبما تقتضيه الحكمة وتتسع له الطاقة التي هي أساس التكليف، وهذه الجملة تذييل وتأكيد لما تقدم من حكم النفي والإثبات ـ أي ولو شاء لأعنتكم لكونه غالباً ـ لكنه لم يشأ لكونه حكيماً. وفي الآية ـ كما قال إلكيا ـ دليل لمن جوز خلط مال الولي بمال اليتيم والتصرف فيه بالبيع والشراء ودفعه مضاربة إذا وافق الإصلاح، وفيها دلالة على جواز الاجتهاد في أحكام الحوادث لأن الإصلاح الذي تضمنته الآية إنما يعلم من الاجتهاد وغلبة الظن وفيها دلالة على أنه لا بأس بتأديب اليتيم وضربه بالرفق لإصلاحه ووجه مناسبتها لما قبلها أنه سبحانه لما ذكر السؤال عن الخمر والميسر وكان في تركها مراعاة لتنمية المال ناسب ذلك النظر في حال اليتيم فالجامع بين الآيتين أن في ترك الخمر والميسر إصلاح أحوالهم أنفسهم، وفي النظر في أحوال اليتامى إصلاحاً لغيرهم ممن هو عاجز أن يصلح نفسه فمن ترك ذلك وفعل هذا فقد جمع بين النفع لنفسه ولغيره.
الواحدي
تفسير : {ويسألونك عن اليتامى} كانت العرب في الجاهليَّة يُشدِّدون في أمر اليتيم ولا يُؤاكلونه، وكانوا يتشاءمون بملابسة أموالهم، فلمَّا جاء الإِسلام سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية، وقوله: {قل إصلاح لهم خير} يعني: الإِصلاح لأموالهم من غير أجرةٍ خيرٌ وأعظم أجراً {وإن تخالطوهم} تشاركوهم في أموالهم وتخلطوها بأموالكم فتصيبوا من أموالهم عوضاً عن قيامكم بأمورهم {فإخوانكم} أَيْ: فهم إخوانكم، والإِخوانُ يُعين بعضهم بعضاً، ويُصيب بعضهم من مال بعضٍ، {والله يعلم المفسد} لأموالهم {من المصلح} لها، فاتقَّوا الله في مال اليتيم، ولا تجعلوا مخالطتكم إيَّاهم ذريعةً إلى إفساد أموالهم وأكلها بغير حقٍّ {ولو شاء الله لأعنتكم} لضيَّق عليكم وآثمكم في مخالطتكم. ومعناه: التَّذكير بالنِّعمة في التَّوسعة {إنَّ الله عزيزٌ} في ملكه {حكيم} فيما أمر به. {ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمنَّ} نزلت في أبي مرثد الغنويِّ، كانت له خليلةٌ مشركةٌ، فلمَّا أسلم سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أيحلُّ له أن يتزوَّج بها؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية، والمشركات ها هنا عامَّة في كلِّ مَنْ كفرت بالنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم. حرَّم الله تعالى بهذه الآية نكاحهنَّ، ثمَّ استثنى الحرائر الكتابيات بالآية التي في المائدة، فبقي نكاح الأَمَة الكتابية على التَّحريم {ولأَمةٌ مؤمنةٌ} نزلت في عبد الله بن رواحة كانت له أَمَةٌ مؤمنةٌ فأعتقها وتزوَّجها، فطعن عليه ناسٌ، وعرضوا عليه حُرَّةً مشركةً، فنزلت هذه الآية، وقوله: {ولو أعجبتكم} المشركة بمالها وجمالها {ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا} لا يجوز تزويج المسلمة من المشرك بحالٍ {أولئك} أَي: المشركون {يدعون إلى النَّار} أَي: الأعمال الموجبة للنَّار {والله يدعو إلى الجنة والمغفرة} أَيْ: العمل الموجب للجنَّة والمغفرة {بإذنه} بأمره. يعني: إنَّه بأوامره يدعوكم.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 220- ويسألونك بشأن اليتامى والذى يوجبه الإسلام حيالهم، فقل: إن الخير لكم ولهم فى إصلاحهم، وأن تضمُّوهم إلى بيوتكم، وأن تخالطوهم بقصد الإصلاح لا الفساد، فهم إخوانكم فى الدنيا يستدعون منكم هذه المخالطة، والله يعلم المفسد من المصلح منكم فاحذروا. ولو شاء الله لشق عليكم، فألزمكم رعاية اليتامى من غير مخالطة لهم، أو تركهم من غير بيان الواجب لهم، فيربون على بغض الجماعة ويكون ذلك إفساداً لجماعتكم وإعناتاً لكم، إذ إن قهرهم وذلهم يجعل منهم المبغضين للجماعة المفسدين فيها، وإن الله عزيز غالب على أمره، ولكنه حكيم لا يشرع إلا ما فيه مصلحتكم. 221- وإذا كانت مخالطة اليتامى لا حرج فيها فإن الحرج فى مخالطة أهل الشرك، فلا ينكح المؤمن مشركة لا تدين بكتاب سماوى، ولا يحمل المرء منكم على زواج المشركة مالها وجمالها وحسبها ونسبها. فالمؤمنة التى وقع عليها الرق خير من المشركة الحرة ذات المال والجمال والحسب والنسب، ولا يزوج المرء منكم من له عليه ولاية من النساء مشركاً لا يؤمن بالكتب السماوية، ولا يبعث أحدكم على إيثار المشرك غناه وشرفه، فخير منه العبد المؤمن، فأولئك المشركون يجتذبون عشراءهم إلى المعصية والشرك فيستوجبون النار. والله إذ يدعوكم إلى اعتزال المشركين فى النكاح يدعوكم إلى ما فيه صلاحكم ورشادكم لتنالوا الجنة والمغفرة، وتسيروا فى طريق الخير بتيسيره، والله يبين شرائعه وهديه للناس لعلهم يعرفون صلاحهم ورشادهم. 222- ويسألونك عن إتيان الزوجات زمن المحيض، فأجبهم: أن المحيض أذى فامتنعوا عن إتيانهن مدته، ولا تأتوهن حتى يطهرن، فإذا تطهرن فأتوهن فى المكان الطبيعى، ومن كان وقع منه شئ من ذلك فليتب، فإن الله يحب من عباده كثرة التوبة والطهارة من الأقذار والفحش.
القطان
تفسير : العنت: المشقة. لأعنتكم: لأوقعكم في مشقة. ويسألونك يا محمد بشأن اليتامى وما يوجبه الاسلام حيالهم، فقل: الخير لكم ولهم في اصلاحهم، فضموهم الى بيوتكم، وخالطوهم بقصد الاصلاح، فهو اخوانكم. ان اليتيم طفل فقد أباه، والعائلَ الذي يرعاه، فما احوجه الى عناية رؤوم تنتشلُه وتجعل له متنفّساً يسرّي به عن نفسه! وما أحوجه الى تشريع حكيم، ووصية من رب رحيم تحفظ عليه نفسه، وله مالَه، وتعدّه كي يكون رجلاً عاملا في الحياة. ولقد كان بعض الاوصياء يخلطون طعام اليتامى بطعامهم، وأموالهم بأموالهم للتجارة فيها جميعا، وكان الغبن يقع احيانا على اليتامى، فنزلت الآيات في التخويف من أكل أموال الأيتام. مثل {وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ ٱلْيَتِيمِ إِلاَّ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}. وآية {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ ٱلْيَتَامَىٰ}تفسير : [النساء:10]. عندئذ تحرّج الأتقياء حتى عزلوا طعام اليتامى عن طعامهم، فكان الرجل يكون في حجره اليتيم، يقدِّم له الطعام من ماله فاذا فضّل شيء منه بقي له حتى يعاود، أو يفسد فيُطرح. وهذا تشدد ليس من طبيعة الاسلام، فجاء القرآن هنا ليرد المسلمين الى الاعتدال واليسر. فالاصلاح لليتامى خير من اعتزالهم، والمخالطة لا حرج فيها اذا حققت الخير لليتيم. والله يعلم المفسد من المصلح، فليس المعوَّل عليه هو ظاهر العمل وشكله، بل النيَّةُ فيه وثمرته. ولو شاء الله لشقَّ عليكم فألزمكم رعاية اليتامى من غير ان تخالطوهم لكنهم اذ ذاك ينشأون على بعض الجماعة. ويكون ذلك افسادا لجماعتكم وإعناتاً لكم.. والله لا يريد إحراج المسلمين ولا المشقة عليهم فيما يكلفهم. وهو عزيز غالب على امره، حكيم لا يشرّع الا ما فيه مصلحتكم. والحكمة في وصل السؤال عن اليتامى بالسؤال عن الانفاق، وبالسؤال عن الخمر والميسر، ان السؤالين الأولين بيّنا حال طائفتين من الناس في بذلهم وانفاقهم، فناسبَ ان يذكر بعدها السؤال عن طائفة هي أحق الناس للإنفاق عليها، واصلاح شؤونها، وهم اليتامى. وكأن الله تعالى يذكّرنا بأنه حين مخالطتهم واصلاح امورهم يجب ان تكون النفقة من العفو الزائد على حاجتنا من أموالنا، ولا ينبغي ان نعكس ذلك ونطمع في أموالهم.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلآخِرَةِ} {وَيَسْأَلُونَكَ} {ٱلْيَتَامَىٰ} {فَإِخْوَانُكُمْ} (220) - وَلَمَّا أَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى قَوْلَهُ: {وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ ٱلْيَتِيمِ إِلاَّ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} وقوله: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ ٱلْيَتَامَىٰ ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً}، انْطَلَقَ مَنْ كَانَ عِنْدَهُ يَتِيمٌ فَعَزَلَ طَعَامَهُ مِنْ طَعَامِهِ، وَشَرَابَهُ مِنْ شَرَابِهِ فَجَعَلَ يَفضُلُ لَهُ الشَّيءُ مِنْ طَعَامِهِ فَيَحْبِسُهُ لَهُ حَتَّى يَأكُلَهُ أَوْ يَفْسُدَ. فَاْشتَدَّ ذلِكَ عَلَى المُسْلِمِينَ، فَذَكَرُوهُ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَأَنْزَلَ اللهُ هذِهِ الآيَةَ. وَمَعْنَاهَا: إِنَّ عَزْلَ مَالِهِمْ خَيْرٌ، وَمُخَالَطَتَهُمْ خَيْرٌ، لأَنَّهُمْ إِخْوَانٌ فِي الدِّينِ، وَاللهُ يَعْلَمُ نَوَايَا النَّاسِ، مِنْ يَقْصُدُ الإِفْسَادَ مِنْهُمْ، وَمَنْ يَقْصُدُ الإِصْلاَحَ. وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَضَيَّقَ عَلَى النَّاسِ، وَلأَحْرَجَهُمْ، وَلَكِنَّهُ وَاسِعٌ فَوسَّعَ عَلَيهِمْ، وَخَفَّفَ عَنْهُمْ، وَأَبَاحَ لَهُمْ مُخَالَطَةَ اليَتَامَى بِالتِي هِيَ أَحْسَنُ، وَمُعَامَلَتَهُمْ مُعَامَلَةَ الإِخْوَةِ، وَعَفَا عَمَّا جَرَى العُرْفُ بِهِ مِنَ المُسَامَحَةِ فِيهِ، إِذْ أنَّ ذلِكَ لا يَسْتَغْنِي عَنْهُ الخُلَطَاءُ، وَوَكَّلَ ذلِكَ إلى ضَمَائِرِهِمْ. وَاللهُ مُرَاقِبٌ لأِعْمَالِ النَّاسِ لاَ يَخْفَى عَليهِ مِنْهُمْ خَافِيةٌ، فَالمُهِمُّ فِي الأمرِ أنْ تَكُونَ نِيَّةُ الإِنْسَانِ مُنْصَرِفَةً إِلَى الخَيْرِ، وَإِلَى الحِفَاظِ عَلَى مَصْلَحَةِ اليَتِيمِ، وَمُرَاقَبةِ اللهِ فِي السِّرِّ وَالعَلَنِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : إن الحق يبدأ هذه الآية بقوله: {فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ} [البقرة: 220] وكأنه يقول لنا: إياك أن تعتقدوا أن كل تكليف من الله جزاؤه في الآخرة فقط، أبداً. إن الجزاء سيصيبكم في الدنيا أيضاً. وتأمل سيرة المستقيمين الملتزمين بمنهج دينهم ومنهج الأخلاق في حياتهم تجدهم قد أخذوا جزاءهم في الدنيا رضاً وسعادة وأمناً حتى أنك تجد الناس تتساءل: كيف ربى فلان أولاده، وكيف علمهم برغم أن مرتبه بسيط؟ هم لا يعلمون أن يد الله معه بالبركة في كل حركات حياته. فلا تظن أن الجزاء مقصور على الآخرة فقط، بل يعجل الله الجزاء في الدنيا، أما الآخرة فهي زيادة ونحن نأخذ متاع الآخرة بفضل الله. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لن يدخل أحدكم الجنة بعمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله، قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته ". تفسير : وأحب أن يتأمل كل منا أحوال الناس المستقيمين في منهج الحياة، ويرى كيف يعيشون وكيف ينفقون على أولادهم، ويتأمل البشر والرضا الذي يتمتعون به، وكيف تخلو حياتهم من المشاكل والعقد النفسية. وكأنه سبحانه وتعالى يلفتنا إلى أن كل ما جاء في المنهج القويم، إنما جاء لينظم لنا حركة الحياة ويخرجنا من أهواء النفوس. ونقول بعد استكمال الحق الكلام عن الحج وهو الركن الخامس من أركان الإسلام، يبين لنا صنفين من المجتمع: أما الصنف الأول فهو الصنف المنافق الذي لا ينسجم منطقه مع واقع قلبه ونفسه: {أية : وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَيُشْهِدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ ٱلْخِصَامِ * وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي ٱلأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ ٱلْحَرْثَ وَٱلنَّسْلَ وَٱللَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلفَسَادَ}تفسير : [البقرة: 204-205]. وليت هذا الصنف حين يتنبه إلى ذلك يرتدع ويرجع، لا، إنه إذا قيل له من ناصح محب مشفق: "اتق الله" أخذته العزة بالإثم!!. والصنف الآخر في المجتمع هو من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله، ويتمثل ذلك في أنه إما أن يبيع نفسه في القتال فيكون شهيداً، وإما أن يستبقيها استبقاءً يكون فيه الخير لمنهج الله. فقال سبحانه: {أية : وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ٱبْتِغَآءَ مَرْضَاتِ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ رَؤُوفٌ بِٱلْعِبَادِ}تفسير : [البقرة: 207]. ثم تكلم الحق عن الدخول في السلم كافة، والدخول في السلم أي الإسلام يطلب منا أن ندخل جميعاً في كل أنواع السلم في الحياة، سِلْمٌ مع نفسك فلا تتعارض ملكاتك، فلا تقول قولاً يناقض قلبك، وسِلْمٌ مع المجتمع الذي تعيش فيه، وسلم مع الكون الذي يخدمك جماداً ونباتاً وحيواناً، وسلم مع أمتك التي تعيش فيها، فقال سبحانه: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱدْخُلُواْ فِي ٱلسِّلْمِ كَآفَّةً وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ ٱلشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ}تفسير : [البقرة: 208]. كل ذلك يدلنا على أن الحق حين خلق الخلق، وضع لهم المنهج الذي يضمن لهم السلامة والأمن في كل أطوار هذه الحياة، فإن رأيت خللاً أو اضطراباً في الكون، أو رأيت خوفاً أو قلقاً فاعلم أن منهجاً من مناهج الإسلام قد عُطل. والحق سبحانه وتعالى حينما يأمرنا أن ندخل في السلم كافة فهو سبحانه يحذرنا أننا إن زللنا من المنهج فإن الله عزيز حكيم فلا يغلبه أحد، ولا يقدر عليه أحد، فهو القادر القوي الذي يُجري كل شيء بحكمة، فلا تظنوا أنكم بذلك تسيئون إلى الله بالزلل عن منهجه، وإنما تسيئون إلى أنفسكم وإلى أبناء جنسكم؛ لأن الله لا يُغلب. وينبهنا الحق سبحانه تنبيهاً آخر، إنه يلفتنا إلى أننا لا نملك أمر الساعة، فالساعة تأتي بغته ومفاجئة، صاخة طامة، مرجفة مزلزلة. فاحذروا أن تصيبكم هذه الرجفة وأنتم في غفلة عنها. وكل ذلك لندخل أيضاً في السلام في اليوم الآخر، وكأن الحق سبحانه يلفتنا إلى أن كلمات القرآن ليست مجرد كلمات نظرية، ولكنها كلمات الحكيم الخبير التي حكمت تاريخ الأمم التي سبقت دعوة محمد صلى الله عليه وسلم. فكم من آيات أرسلها الحق إلى بني إسرائيل فتلكأوا وكان منهم ما كان، وشقوا هم، وشقي بهم المجتمع، إذن فالكلام ليس كلاماً نظرياً. ويريد الله لنا أن ننظر بعمق إلى أمور الحياة، وألا ننظر إلى سطحيات الأمور، فيجب ألا تخدعنا زينة الحياة الدنيا عن الحياة الآخرة؛ لأن الحياة الدنيا أَمَدُها قصير، وعلينا أن نقيس عمر الدنيا بأعمارنا منها، وأعمارنا فيها قصيرة؛ لأن منا من يموت كبيراً ومنا من يموت صغيراً. ويبين لنا الحق سبحانه أنه لم يترك خلقه هملاً، وإنما أرسل لهم رسُلاً يبينون لهم منهج الله، فكان الناس أمة واحدة مجتمعة على الحق إلى أن تحركت الأهواء في نفوسهم، ومع ذلك رحمهم الله فلم يسلمهم إلى الأهواء، بل استمر موكب الرسالات في البشر، وكلما غلبتهم الأهواء وطمّ الفساد، أرسل الحق برحمته رسولاً لينبه إلى أن جاء الرسول الخاتم الذي ميزه الله بخلود منهجه، وجعل القيم في أمته. وصارت الأمة المحمدية هي حاملة أمانة حراسة المنهج الذي يصون حركة الحياة في الأرض؛ لأن الحق سبحانه لم يأمن أمة سواها، ولذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء. ثم نبهنا الله من بعد ذلك إلى أن نهاية الإنسان إلى نعيم الله في الجنة لن يأتي سهلاً ميسوراً، بل هو طريق محفوف بالمكارة، فيجب أن تنبهوا أنفسكم وتروضوها وتدربوها على تحمل هذه المكاره، وتوطنوها على تحملها لتلك المشاق. كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"حديث : حُفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات ". تفسير : ويمتن الحق من بعد ذلك على خلقه أنه أهدى للإنسان الخليفة في الأرض عقلاً يفكر به، وطاقة تنفذ تخطيط العقل، وكوناً مادياً أمامه يتفاعل معه في الحركة: فالعقل يخطط، والطاقة تنفذ في المادة المخلوقة المسخرة لله. إذن فكل أدوات الحركة موجودة لله، وليس لك أيها الإنسان أن تخلق شيئاً فيها إلا أن تُُُوجه طاقات مخلوقة للعمل في مادة مخلوقة، فأنت لا توجد شيئاً. وبعد ذلك يطلب الحق منك أيها المسلم أن تحافظ على حركة الحياة، بأن تقدر للعاجز عن هذه الحركة نصيباً من حركتك؛ لذلك فعليك أن تتحرك في الحياة حركة تسعك، وتسع من تعول، وتسع العاجز عن الحركة. وبذلك تؤمّن السماء كل عاجز عن الحركة بحرية المتحركين من إخوانه المؤمنين، وهو سبحانه يطمئنك بأنك إذا فعلت ذلك وأَمَّنْتَ العاجز، فهو - جل وعلا - يؤمنك حين يطرأ عليك العجز. لقد جعل الله سبحانه حالة الحياة دولاً بين الناس، فلا يوجد قوم قادرون دائماً ولا قوم عاجزون دائماً، بل يجعل الحق من القادرين بالأمس عاجزين اليوم؛ ومن العاجزين بالأمس قادرين اليوم؛ حتى تتوزع الحركة في الوجود. وحتى يعلم كل منا أن الله يطلب منك حين تقدر؛ ليعطيك حين تعجز. لذلك طلب منا أن ننفق، والنفقة على الغير لا تتأتى إلا بعد استيفاء الإنسان ضروريات حياته، فكأن الحق يقول لك: إن عليك أن تتحرك في الحياة حركة تسعك وتسع أن تنفق على من تعول، وإلا لو تحركت حركة على قدرك فقد لا تجد ما تنفقه. وبعد ذلك يكلفنا سبحانه بأن كل مؤمن عليه أن يأخذ مسئولية الإنفاق على الدوائر القريبة منه؛ ليتحمل كل موجود في الحياة مسئولية قطاع من المجتمع مربوط به رباطا نَسَبِيّاً؛ كالوالدين والأقربين. وأن نجعل الضعفاء من الأيتام مشاعاً على المجتمع مطلوبين من الجميع. سواءٌ كانت تربطهم بنا قرابة أو لا تربطنا بهم قرابة، فهم جميعاً أقاربنا؛ لأن الله كلفنا بأن نرعاهم. ولكن هل يمكن أن يستقر منهج الله دون أن يعاديه أحد؟ طبعاً لا؛ لذلك ينبهنا الحق إلى أننا سنجد أقواماً لا يسعدهم أن يطبق منهج الله في الوجود؛ لأنهم لا يعيشون إلا على مظالم الناس، هؤلاء قوم سيسوؤهم أن يُطبق منهج الله، فلتنتبهوا لهؤلاء؛ ولذلك فرض الحق سبحانه القتال حتى نمنع الفتنة بالكفر من الأرض؛ لأن الكفر يعدد الآلهة في الكون وسيتبع كل إنسان الهوى، ويصبح إلهه هواه وستتعدد الآلهة بتعدد الأهواء، ولذلك كتب الله على المؤمنين القتال وقال: {أية : وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ} تفسير : [البقرة: 216]، كل ذلك ليضمن لنا الغاية التي يريدها، وهي الدخول في السلم والسلام والإسلام كافة. وبعد ذلك يطلب منا أن نجاهد بأموالنا وأنفسنا وأن نهجر أوطاننا وأهلنا إن احتاجت إلى ذلك الحركة الإيمانية فقال: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أُوْلۤـٰئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}تفسير : [البقرة: 218]. ويلفتنا الحق بعد ذلك إلى قمة الجهاز التخطيطي في الإنسان ليحميه ويجعله جهازاً سليماً قادراً على التخطيط بصفاء وحكمة وقوة، وهو العقل، ويلفتنا بضرورة أن نمنع عن العقل كل ما يخمره أي يستره عن الحركة نمنع عنه الخمر لماذا؟ ليظل العقل كما يريده الله أداة الاختيار بين البدائل. وما دام العقل هو الذي يخطط للطاقة الموجودة في الإنسان لتعمل في المادة الموجودة في الكون، فيجب أن يظل هذا العقل المخطط سليماً، فلا يحاول الإنسان أن يستره، ولا يقل أحد: "إني أستره من فرط زيادة المشكلات"، لا: لأن المشكلات لا تريد عقلاً واحداً منك فقط، ولكنها تريد عقلين، فلا تأتي للعقل الواحد لتطمسه بالخمر، فمواجهة المشكلات تقتضي أن نخطط تخطيطاً قوياً. وبعد ذلك يحذرنا الحق أن نأخذ من حركة الآخرين بغير عرق وبغير جهد، فيحذرنا من الميسر وهو الرزق السهل، والتحذير من الميسر إنما جاء ليضمن لكل إنسان أن يتحرك في الحياة حركة سليمة لا خداع فيها. وكأن كل ما تقدم هو من إشراقات قوله تعالى الحق: {فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ} [البقرة: 220] ومن بعد ذلك يقول الحق سبحانه وتعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْيَتَامَىٰ قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ ٱلْمُفْسِدَ مِنَ ٱلْمُصْلِحِ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لأَعْنَتَكُمْ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [البقرة: 220]. ونعرف أن اليتامى قد لا يدخلون في دائرة المحتاجين لكن الله ينبهنا إلى أن المسألة في اليتيم ليست مسألة احتياج إلى الاقتيات، ولكنه في حاجة إلى أن يعوضه بالتكافل الإيماني عما فقده من الأب، وذلك يمنع الحقد على الأطفال الذين لم يمت آباؤهم. وحين يجد اليتيم أن كل المؤمنين آباء له فيشعر بالتكافل الذي يعوضه حنان الأب ولا يعاني من نظرة الأسى التي ينظر بها إلى أقرانه المتميزين عليه بوجود آبائهم، وبذلك نخلع منه الحقد. وكان المسلمون القدامى يخلطون أموالهم بأموال اليتامى ليسهلوا على أنفسهم، وعلى أمر حركة اليتيم مئونة العمل، فلو أن يتيماً دخل تحت وصاية إنسان، وأراد هذا الإنسان أن يجعل لليتيم القاصر حياة مستقلة وإدارة مستقلة ومسكناً مستقلاً في الحياة لشق ذلك على نفس الرجل، ولذلك أذن الله أن يخلط الوصي ماله بمال اليتيم، وأن يجعل حركة هذا المال من ماله، بما لا يوجد عند الوصي مشقة ولما نزل قوله تعالى: {أية : وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ ٱلْيَتِيمِ إِلاَّ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}تفسير : [الأنعام: 152]. وتحرج الناس، وتساءلوا كيف يعاملون اليتيم خصوصاً أن الحق سبحانه وتعالى قال: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ ٱلْيَتَامَىٰ ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً}تفسير : [النساء: 10]. وكف الناس أيديهم عن أمر اليتامى، وأراد الحق سبحانه وتعالى أن يسهل الأمر، فأنزل القول الحق: {قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ} [البقرة: 220] والمخالطة تكون على أساس أن اليتامى إخوانكم واحذروا جيداً أن يكون في هذا الخلط شيء لا يكون فيه إصلاح لليتيم. وإياكم أن تفهموا أن الشكلية الاجتماعية تكفي الوصي في أن يكون مشرفاً على مال اليتيم دون حساب؛ لأن الله يعلم المفسد من المصلح. فلا يحاول أحد أن يقول أمام الناس: إنه قد فتح بيته لليتيم وإنه يرعى اليتيم بينما الأمر على غير ذلك؛ لأن الله يعلم المفسد من المصلح. ويقول الحق: {وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لأَعْنَتَكُمْ} [البقرة: 220] والإعنات هو أن توقع غيرك وتدخله في أمر فيه مشقة، فلو لم يبح الله لكم مخالطتهم لأصابتكم مشقة فيسر الله للمؤمنين من الأوصياء أن يخالطوا اليتامى، ومعنى المخالطة: هو أن يُوحِّد الوصي حركة اليتيم مع حركته، وأن يوحد معاش اليتيم مع معاشه، بدلاً من أن يكون لليتيم على سبيل المثال أدوات طعام مستقلة، وقد كان هذا هو الحاصل. وكان يفسد ما يتبقى من الطعام؛ فلم تكن هناك وسائل صيانة وحفظ الأطعمة مثل الثلاجات، وكان ذلك ضرراً باليتيم، وضرراً أيضا بمن يشرف عليه. لكن حين قال: {وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ} [البقرة: 220]، فكان ذلك توفيراً للمشقة على الأوصياء. فالمخالطة هي المعاشرة التي لا يتعثر فيه التمييز. وقد درسنا في طفولتنا درسا بعنوان "الخلط والمزج" فالخلط هو أن تخلط على سبيل المثال حبوب الفول مع حبوب العدس، أو حبوب الأرز مع حبات البندق. وعندما تأتي لتمييز صنف من آخر، فأنت تستطيع ذلك، وتستطيع أن تفصل الصنفين بعضاً عن بعض بالغربال؛ ولذلك فالمخالطة تكون بين الحبوب ونحوها. أما المزج فهو في السوائل. والحق سبحانه يرشدنا أن نخالط اليتامى لا أن نمزج مالهم بمالنا؛ لأن اليتيم سيصل يوماً إلى سن الرشد، وسيكون على الوصي أن يفصل ماله عن مال اليتيم. ويتابع الحق: {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ ٱلْمُفْسِدَ مِنَ ٱلْمُصْلِحِ} [البقرة: 220] لأن الوصي قد يدعي أمام الناس أنه يرعى حق اليتيم، وأنه يقوم بمصالحه ويحترم ماله، لكن الأمر قد يختلف في النية وهو سبحانه لم يكل الأمر إلى ظواهر فهم المجتمع لسلوك الوصي مع اليتيم وعن المخالطة، بل نسب ذلك كله إلى رقابته سبحانه، وذلك حتى يحتاط الإنسان ويعرف أن رقابة الله فوق كل رقابة، ولو شاء الحق لأعنت الأوصياء وجعلهم يعملون لليتيم وحده، ويفصلون بين حياة اليتيم ومعاشهم. وفي ذلك مشقة شديدة على النفس. وحتى نفهم معنى العنت بدقة فلنقرأ قول الحق سبحانه: {أية : لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِٱلْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ}تفسير : [التوبة: 128]. لقد جاءكم أيها المؤمنون رسول منكم، عربي ومن قريش يبلغكم رسالة الله سبحانه وتعالى: يحرص عليكم كيلا تقعوا في مشقة أو تعيشوا في ضنك الكفر، حريص على أن تكونوا من المهتدين. فالرسول صلى الله عليه وسلم لم يأتي من جنس الملائكة، ولكن جاء من جنس البشر، فلا يقولن أحد: إنه لا يصلح أسوة لي. إنه نشأ في مكة التي تعيش بها قريش، وتاريخه معروف لقومه: بدليل أنهم خلعوا عليه أول الأوصاف المطلوبة والواجبة للرسالة وهي الأمانة، فالحق جاء به من البشر وليس بغريب عليهم، وبمجرد أن أخبر بالوحي وجد أناساً آمنوا به قبل أن يقرأ قرآنا، وقبل أن يأتيهم بتحدٍ. حديث : فعندما جاءه المَلَكُ جبريلُ عليه السلام في غار حراء، فقال: اقرأ. قال: ما أنا بقارئ. فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد، [أي ضمني وعصرني، والحكمة فيه شغله عن الالتفات ليكون قلبه حاضراً] ثم أرسلني فقال: اقرأ، قلت: ما أنا بقارئ فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني وقال: اقرأ. فقلت: ما أنا بقارئ. فأخذني الثالثة فغطني ثم أرسلني فقال: {ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ ٱلإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * ٱقْرَأْ وَرَبُّكَ ٱلأَكْرَمُ * ٱلَّذِى عَلَّمَ بِٱلْقَلَمِ * عَلَّمَ ٱلإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} فرجع بها رسول الله صلى الله عليه وسلم يرجف فؤاده فدخل على خديجة بنت خويلد رضي الله عنها فقال لها: "زملوني. زملوني". فزملوه حتى ذهب عنه الرَّوْعُ، فقال لخديجة وأخبرها الخبر: "لقد خشيت على نفسي" لكن خديجة رضي الله عنها بحسن استنباطها تقول: "كلا والله لا يخزيك الله أبدا إنك لتصل الرحم وتحمل الكل وتكسب المعدوم وتقري الضيف وتعين على نوائب الحق" . تفسير : إن خديجة رضوان الله عليها تستنبط أن من فيه هذه الخصال إنما هو مهيأ للرسالة.{أية : لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ}تفسير : [التوبة: 128]. أي محب لكم يشق عليه ويتعبه ما يشق عليكم ويتعبكم؛ ولذلك كان الرسول صلى الله عليه وسلم مشغولاً بأمته. ويروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "أمتي. أمتي. أمتي". والحق سبحانه وتعالى يعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مشغول بأمته. حديث : عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي صلى الله عليه وسلم تلا قول الله عز وجل في إبراهيم {رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِّنَ ٱلنَّاسِ فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي ..} الآية. وقال عيسى عليه السلام: {إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ} فرفع يديه وقال: اللهم أمتي أمتي وبكى. فقال الله عز وجل: "يا جبريل اذهب إلى محمد وربك أعلم فسله ما يبكيك. فأتاه جبريل عليه الصلاة والسلام فسأله فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم بما قال وهو أعلم فقال الله: يا جبريل اذهب إلى محمد فقل: إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوؤك" . تفسير : إننا عندما نتأمل دقة الجواب النبوي نعرف أن الرسول الكريم مشغول بأمته، ولكنه ينظر إلى نفسه على أنه أخ لكل مؤمن. والأخ قد يتغير على أخيه؛ لذلك لم يشأ الرسول الكريم أن يُخرج أمر المسلمين من يد الله ورحمته وهو الخالق الكريم إلى أمره هو صلى الله عليه وسلم. إن الرسول يعرف أن الله أرحم بخلقه من أي إنسان، حتى الرسول نفسه. نقول ذلك في معرض حديثنا عن العنت الذي يمكن أن يصاحب الإنسان إن لم يرع حق الله في مال اليتيم؛ لأن الله عزيز حكيم، وهو الحق الذي يَغْلب ولا يَغلبه أحد. ونرى في قول الحق: {إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [البقرة: 220] أن صفة العزة متآزرة بصفة الحكمة. وبعد ذلك يدخل معنا الحق سبحانه وتعالى في مسألة جديدة لو نظرنا إليها لوجدناها أساس أي حركة في الحياة وفي المجتمع، إنها مسألة الزواج. ويريد سبحانه أن يضمن الاستقرار والسعادة للكائن الذين كرمه وجعله خليفة في الأرض، وجعل كل الأجناس مسخرة لخدمته. إن الحق يريد أن يصدر ذلك الكائن عن ينبوع منهجي واحد؛ لأن الأهواء المتضاربة هي التي تفسد حركة الحياة، فأراد أن يصدر المجموع الإنساني كله عن ينبوع عقدي واحد، وأراد أن يحمي ذلك الينبوع من أن يتعثر بتعدد النزعات والأهواء، لذلك ينبهنا الحق إلى هذا الموقف. إنه سبحانه يريد سلامة الوعاء الذي سيوجد ذلك الإنسان، من بعد الزواج، فبالزواج ينجب الإنسان وتستمر الحياة بالتكاثر. ولذلك لابد من الدقة في اختيار الينبوع الذي يأتي منه النسل. فهو سبحانه يقول: {وَلاَ تَنْكِحُواْ ٱلْمُشْرِكَاتِ حَتَّىٰ يُؤْمِنَّ وَلأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقولهُ تعالى: {لأَعْنَتَكُمْ} معناه لأَهْلَككم. ويقال: لَشَدَّدَ عليكم.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):