٢ - ٱلْبَقَرَة
2 - Al-Baqara (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
221
Tafseer
الرازي
تفسير : الحكـم السـادس فيما يتعلق بالنكاح اعلم أن هذه الآية نظير قوله: {أية : وَلاَ تُمْسِكُواْ بِعِصَمِ ٱلْكَوَافِرِ }تفسير : [الممتحنة:10] وقرىء بضم التاء، أي لا تزوجوهن وعلى هذه القراءة لا يزوجونهن. واعلم أن المفسرين اختلفوا في أن هذه الآية ابتداء حكم وشرع، أو هو متعلق بما تقدم، فالأكثرون على أنه ابتداء شرع في بيان ما يحل ويحرم، وقال أبو مسلم: بل هو متعلق بقصة اليتامى، فإنه تعالى لما قال: {أية : وَإِن تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوٰنُكُمْ } تفسير : [البقرة: 220] وأراد مخالطة النكاح عطف عليه ما يبعث على الرغبة في اليتامى، وأن ذلك أولى مما كانوا يتعاطون من الرغبة في المشركات، وبين أن أمة مؤمنة خير من مشركة وإن بلغت النهاية فيما يقتضي الرغبة فيها، ليدل بذلك على ما يبعث على التزوج باليتامى، وعلى تزويج الأيتام عند البلوغ ليكون ذلك داعية لما أمر به من النظر في صلاحهم وصلاح أموالهم، وعلى الوجهين فحكم الآية لا يختلف، ثم في الآية مسائل: المسألة الأولى: روي عن ابن عباس أنه عليه الصلاة والسلام بعث مرثد بن أبـي مرثد حليفاً لبني هاشم إلى مكة ليخرج أناساً من المسلمين بها سراً، فعند قدومه جاءته امرأته يقال لها عناق خليلة له في الجاهلية، أعرضت عنه عند الإسلام، فالتمست الخلوة، فعرفها أن الإسلام يمنع من ذلك، ثم وعدها أن يستأذن الرسول صلى الله عليه وسلم ثم يتزوج بها، فلما انصرف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عرفه ما جرى في أمر عناق، وسأله هل يحل له التزوج بها فأنزل الله تعالى هذه الآية. المسألة الثانية: اختلف الناس في لفظ النكاح، فقال أكثر أصحاب الشافعي رحمه الله: إنه حقيقة في العقد، واحتجوا عليه بوجوه أحدها: قوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : لا نكاح إلا بولي وشهود» تفسير : وقف النكاح على الولي والشهود، والمتوقف على الولي والشهود هو العقد لا الوطء، والثاني: قوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : ولدت من نكاح ولم أولد من سفاح» تفسير : دل الحديث على أن النكاح كالمقابل للسفاح، ومعلوم أن السفاح مشتمل على الوطء، فلو كان النكاح اسماً للوطء لامتنع كون النكاح مقابلاً للسفاح وثالثها: قوله تعالى: {أية : وَأَنْكِحُواْ ٱلأَيَـٰمَىٰ مِنْكُمْ وَٱلصَّـٰلِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمائِكُمْ } تفسير : [النور: 32] ولا شك أن لفظ (أنكحوا) لا يمكن حمله إلا على العقد، ورابعها: قول الأعشى، أنشده الواحدي في «البسيط»:شعر : فلا تقربن من جارة إن سرها عليك حرام فانكحن أو تأيما تفسير : وقوله: {فانكحن} لا يحتمل إلا الأمر بالعقد، لأنه قال: «لا تقربن جارة» يعني مقاربتها على الطريق الذي يحرم فاعقد وتزوج وإلا فتأيم وتجنب النساء، وقال الجمهور من أصحاب أبـي حنيفة: أنه حقيقة في الوطء، واحتجوا عليه بوجوه أحدها: قوله تعالى: {فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىٰ تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ } نفي الحل ممتد إلى غاية النكاح، والنكاح الذي تنتهي به هذه الحرمة ليس هو العقد بدليل قوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : لا حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك» تفسير : فوجب أن يكون المراد منه هو الوطء وثانيها: قوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : ناكح اليد ملعون وناكح البهيمة ملعون» تفسير : أثبت النكاح مع عدم العقد وثالثها: أن النكاح في اللغة عبارة عن الضم والوطء، يقال: نكح المطر الأرض إذا وصل إليها، ونكح النعاس عينه، وفي المثل أنكحنا الفرا فسترى، وقال الشاعر:شعر : التاركين على طهر نساءهم والناكحين بشطي دجلة البقرا تفسير : وقال المتنبـي:شعر : أنكحت صم حصاها خف يعملة تعثرت بـي إليك السهل والجبلا تفسير : ومعلوم أن معنى الضم والوطء في المباشرة أتم منه في العقد، فوجب حمله عليه، ومن الناس من قال: النكاح عبارة عن الضم، ومعنى الضم حاصل في العقد وفي الوطء، فيحسن استعمال هذا اللفظ فيهما جميعاً، قال ابن جني: سألت أبا علي عن قولهم: نكح المرأة، فقال: فرقت العرب في الاستعمال فرقاً لطيفاً حتى لا يحصل الالتباس، فإذا قالوا: نكح فلان فلانة: أرادوا أنه تزوجها وعقد عليها، وإذا قالوا: نكح امرأته أو زوجته، لم يريدوا غير المجامعة، لأنه إذا ذكر أنه نكح امرأته أو زوجته فقد استغنى عن ذكر العقد، فلم تحتمل الكلمة غير المجامعة، فهذا تمام ما في هذا اللفظ من البحث، وأجمع المفسرون على أن المراد من قوله: {وَلاَ تَنْكِحُواْ } في هذه الآية أي لا تعقدوا عليهن عقد النكاح. المسألة الثالثة: اختلفوا في أن لفظ المشرك هل يتناول الكفار من أهل الكتاب، فأنكر بعضهم ذلك، والأكثرون من العلماء على أن لفظ المشرك يندرج فيه الكفار من أهل الكتاب وهو المختار، ويدل عليه وجوه أحدها: قوله تعالى: {أية : وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ عُزَيْرٌ ٱبْنُ ٱللَّهِ وَقَالَتِ ٱلنَّصَـٰرَى ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ ٱللَّهِ } تفسير : [التوبة: 30] ثم قال في آخر الآية: {أية : سُبْحَـٰنَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ } تفسير : [التوبة: 31] وهذه الآية صريحة في أن اليهودي والنصراني مشرك وثانيها: قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء } تفسير : [النساء: 48] دلت هذه الآية على أن ما سوى الشرك قد يغفره الله تعالى في الجملة فلو كان كفر اليهودي والنصراني ليس بشرك لوجب بمقتضى هذه الآية أن يغفر الله تعالى في الجملة، ولما كان ذلك باطلاً علمنا أن كفرهما شرك وثالثها: قوله تعالى: {أية : لَّقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ ٱللَّهَ ثَـٰلِثُ ثَلَـٰثَةٍ } تفسير : [المائدة: 73] فهذا التثليث إما أن يكون لاعتقادهم وجود صفات ثلاثة، أو لاعتقادهم وجود ذوات ثلاثة، والأول باطل، لأن المفهوم من كونه تعالى عالماً غير المفهوم من كونه قادراً ومن كونه حياً، وإذا كانت هذه المفهومات الثلاثة لا بد من الاعتراف بها، كان القول بإثبات صفات ثلاثة من ضرورات دين الإسلام، فكيف يمكن تكفير النصارى بسبب ذلك، ولما بطل ذلك علمنا أنه تعالى إنما كفرهم لأنهم أثبتوا ذواتاً ثلاثة قديمة مستقلة، ولذلك فإنهم جوزوا في أقنوم الكلمة أن يحل في عيسى، وجوزوا في أقنوم الحياة أن يحل في مريم ولولا أن هذه الأشياء المسماة عندهم بالأقانيم ذوات قائمة بأنفسها، لما جوزوا عليها الانتقال من ذات إلى ذات، فثبت أنهم قائلون بإثبات ذوات قائمة بالنفس قديمة أزلية وهذا شرك، وقول بإثبات الآلهة، فكانوا مشركين، وإذا ثبت دخولهم تحت اسم المشرك؛ وجب أن يكون اليهودي كذلك ضرورة أنه لا قائل بالفرق ورابعها: ما روي أنه عليه الصلاة والسلام أمر أميراً وقال: إذا لقيت عدداً من المشركين فادعهم إلى الإسلام، فإن أجابوك فاقبل منهم، وإن أبوا فادعهم إلى الجزية وعقد الذمة، فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، سمى من يقبل منه الجزية وعقد الذمة بالمشرك، فدل على أن الذمي يسمى بالمشرك وخامسها: ما احتج به أبو بكر الأصم فقال: كل من جحد رسالته فهو مشرك، من حيث إن تلك المعجزات التي ظهرت على يده كانت خارجة عن قدرة البشر، وكانوا منكرين صدورها عن الله تعالى، بل كانوا يضيفونها إلى الجن والشياطين، لأنهم كانوا يقولون فيها: إنها سحر وحصلت من الجن والشياطين، فالقوم قد أثبتوا شريكاً لله سبحانه في خلق هذه الأشياء الخارجة عن قدرة البشر، فوجب القطع بكونهم مشركين لأنه لا معنى للإله إلا من كان قادراً على خلق هذه الأشياء، واعترض القاضي فقال: إنما يلزم هذا إذا سلم اليهودي أن ما ظهر على يد محمد صلى الله عليه وسلم من الأمور الخارجة عن قدرة البشر، فعند ذلك إذا أضافه إلى غير الله تعالى كان مشركاً، أما إذا أنكر ذلك وزعم أن ما ظهر على يد محمد صلى الله عليه وسلم من جنس ما يقدر العباد عليه لم يلزم أن يكون مشركاً بسبب ذلك إلى غير الله تعالى. والجواب: أنه لا اعتبار بإقراره أن تلك المعجزات خارجة عن مقدور البشر أم لا، إنما الاعتبار يدل على أن ذلك المعجز خارج عن قدرة البشر، فمن نسب ذلك إلى غير الله تعالى كان مشركاً، كما أن إنساناً لو قال: إن خلق الجسم والحياة من جنس مقدور البشر ثم أسند خلق الحيوان والنبات إلى الأفلاك والكواكب كان مشركاً فكذا ههنا، فهذا مجموع ما يدل على أن اليهودي والنصراني يدخلان تحت اسم المشرك، واحتج من أباه بأن الله تعالى فصل بين أهل الكتاب وبين المشركين في الذكر، وذلك يدل على أن أهل الكتاب لا يدخلون تحت اسم المشرك، وإنما قلنا أنه تعالى فصل لقوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلصَّـٰبِئِينَ وَٱلنَّصَـٰرَىٰ وَٱلْمَجُوسَ وَٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ } تفسير : [الحج: 17] وقال أيضاً: {أية : مَّا يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ وَلاَ ٱلْمُشْرِكِينَ } تفسير : [البقرة: 105] وقال: {أية : لَمْ يَكُنِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ وَٱلْمُشْرِكِينَ } تفسير : [البينة: 1] ففي هذه الآيات فصل بين القسمين وعطف أحدهما على الآخر، وذلك يوجب التغاير. والجواب: أن هذا مشكل بقوله تعالى: {أية : وإِذْ أَخَذْنَا مِنَ ٱلنَّبِيّيْنَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِن نُّوحٍ } تفسير : [الأحزاب: 7] وبقوله تعالى: {مَن كَانَ عَدُوّا لّلَّهِ وَمَلـٰئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَـٰلَ } فإن قالوا إنما خص بالذكر تنبيهاً على كمال الدرجة في ذلك الوصف المذكور، قلنا: فههنا أيضاً إنما خص عبدة الأوثان في هذه الآيات بهذا الإسم تنبيهاً على كمال درجتهم في هذا الكفر، فهذا جملة ما في هذه المسألة ثم اعلم أن القائلين بأن اليهود والنصارى يندرجون تحت اسم المشرك اختلفوا على قولين فقال قوم: وقوع هذا الإسم عليهم من حيث اللغة لما بينا أن اليهود والنصارى قائلون بالشرك، وقال الجبائي والقاضي هذا الإسم من جملة الأسماء الشرعية، واحتجا على ذلك بأنه قد تواتر النقل عن الرسول عليه الصلاة والسلام أنه كان يسمى كل من كان كافراً بالمشرك، ومن كان في الكفار من لا يثبت إلهاً أصلاً أو كان شاكاً في وجوده، أو كان شاكاً في وجود الشريك، وقد كان فيهم من كان عند البعثة منكراً للبعث والقيامة، فلا جرم كان منكراً للبعثة والتكليف، وما كان يعبد شيئاً من الأوثان، والذين كانوا يعبدون الأوثان فيهم من كانوا يقولون: إنها شركاء الله في الخلق وتدبير العالم، بل كانوا يقولون: هؤلاء شفعاؤنا عند الله فثبت أن الأكثرين منهم كانوا مقرين بأن إله العالم واحد وأنه ليس له في الإلهية معين في خلق العالم وتدبيره وشريك ونظير إذا ثبت هذا ظهر أن وقوع اسم المشرك على الكافر ليس من الأسماء اللغوية، بل من الأسماء الشرعية، كالصلاة والزكاة وغيرهما، وإذا كان كذلك وجب اندراج كل كافر تحت هذا الإسم، فهذا جملة الكلام في هذه المسألة وبالله التوفيق. المسألة الرابعة: الذين قالوا: إن اسم المشرك لا يتناول إلا عبدة الأوثان قالوا: إن قوله تعالى: {وَلاَ تَنْكِحُواْ ٱلْمُشْرِكَـٰتِ } نهى عن نكاح الوثنية، أما الذين قالوا: إن اسم المشرك يتناول جميع الكفار قالوا: ظاهر قوله تعالى: {وَلاَ تَنْكِحُواْ ٱلْمُشْرِكَـٰتِ } يدل على أنه لا يجوز نكاح الكافرة أصلاً، سواء كانت من أهل الكتاب أو لا، ثم القائلون بهذا القول اختلفوا فالأكثرون من الأئمة قالوا إنه يجوز للرجل أن يتزوج بالكتابية، وعن ابن عمر ومحمد بن الحنفية والهادي وهو أحد الأئمة الزيدية أن ذلك حرام، حجة الجمهور قوله تعالى في سورة المائدة: {أية : وَٱلْمُحْصَنَـٰتُ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ } تفسير : [المائدة: 5] وسورة المائدة كلها ثابتة لم ينسخ منها شيء قط. فإن قيل: لم لا يجوز أن يكون المراد منه: من آمن بعد أن كان من أهل الكتاب؟. قلنا: هذا لا يصح من قبل أنه تعالى أو لا أحل المحصنات من المؤمنات، وهذا يدخل فيه من آمن منهن بعد الكفر، ومن كن على الإيمان من أول الأمر، ولأن قوله: {أية : مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ } تفسير : [البقرة: 101] يفيد حصول هذا الوصف في حالة الإباحة، ومما يدل على جواز ذلك ما روي أن الصحابة كانوا يتزوجون بالكتابيات، وما ظهر من أحد منهم إنكار على ذلك، فكان هذا إجماعاً على الجواز. نقل أن حذيفة تزوج بيهودية أو نصرانية، فكتب إليه عمر أن خل سبيلها، فكتب إليه: أتزعم أنها حرام؟ فقال: لا ولكنني أخاف. وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : نتزوج نساء أهل الكتاب ولا يتزوجون نساءنا» تفسير : ويدل عليه أيضاً الخبر المشهور، وهو ما روى عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه أنه عليه الصلاة والسلام قال في المجوس: «حديث : سنوا بهم سنة أهل الكتاب، غير ناكحي نسائهم ولا آكلي ذبائحهم»تفسير : ولو لم يكن نكاح نسائهم جائزاً لكان هذا الإستثناء عبثاً، واحتج القائلون بأنه لا يجوز بأمور أولها: أن لفظ المشرك يتناول الكتابية على ما بيناه فقوله: {وَلاَ تَنْكِحُواْ ٱلْمُشْرِكَـٰتِ حَتَّىٰ يُؤْمِنَّ } صريح في تحريم نكاح الكتابية، والتخصيص والنسخ خلاف الظاهر، فوجب المصير إليه، ثم قالوا: وفي الآية ما يدل على تأكيد ما ذكرناه وذلك لأنه تعالى قال في آخر الآية: {أُوْلَـٰئِكَ يَدْعُونَ إِلَى ٱلنَّارِ } والوصف إذا ذكر عقيب الحكم، وكان الوصف مناسباً للحكم فالظاهر أن ذلك الوصف علة لذلك الحكم فكأنه تعالى قال: حرمت عليكم نكاح المشركات لأنهن يدعون إلى النار وهذه العلة قائمة في الكتابية، فوجب القطع بكونها محرمة. والحجة الثانية: لهم: أن ابن عمر سئل عن هذه المسألة فتلا آية التحريم وآية التحليل، ووجه الاستدلال أن الأصل في الإبضاع الحرمة، فلما تعارض دليل الحرمة تساقطا، فوجب بقاء، حكم الأصل، وبهذا الطريق لما سئل عثمان عن الجمع بين الأختين في ملك اليمين، فقال: أحلتهما آية وحرمتهما آية، فحكمتم عند ذلك بالتحريم للسبب الذي ذكرناه فكذا ههنا. الحجة الثالثة: لهم: حكى محمد بن جرير الطبري في «تفسيره» عن ابن عباس تحريم أصناف النساء إلا المؤمنات، واحتج بقوله تعالى: {أية : وَمَن يَكْفُرْ بِٱلإيمَـٰنِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ } تفسير : [المائدة: 5] وإذا كان كذلك كانت كالمرتدة في أنه لا يجوز إيراد العقد عليها. الحجة الرابعة:التمسك بأثر عمر: حكي أن طلحة نكح يهودية، وحذيفة نصرانية، فغضب عمر رضي الله عنه عليهما غضباً شديداً، فقالا: نحن نطلق يا أمير المؤمنين فلا تغضب، فقال: إن حل طلاقهن فقد حل نكاحهن، ولكن أنتزعهن منكم. أجاب الأولون عن الحجة الأولى بأن من قال: اليهودي والنصراني لا يدخل تحت اسم المشرك فالإشكال عنه ساقط، ومن سلم ذلك قال: إن قوله تعالى: {أية : وَٱلْمُحْصَنَـٰتُ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ } تفسير : [المائدة: 5] أخص من هذه الآية، فإن صحت الرواية أن هذه الحرمة ثبتت ثم زالت جعلنا قوله: {وَٱلْمُحْصَنَـٰتُ } ناسخاً، وإن لم تثبت جعلناه مخصصاً، أقصى ما في الباب أن النسخ والتخصيص خلاف الأصل، إلا أنه لما كان لا سبيل إلا التوفيق بين الآيتين إلا بهذا الطريق وجب المصير إليه، أما قوله ثانياً أن تحريم نكاح الوثنية إنما كان لأنها تدعو إلى النار، وهذا المعنى قائم في الكتابية، قلنا: الفرق بينهما أن المشركة متظاهرة بالمخالفة والمناصبة، فلعل الزوج يحبها، ثم أنها تحمله على المقاتلة مع المسلمين، وهذا المعنى غير موجود في الذمية، لأنها مقهورة راضية بالذلة والمسكنة، فلا يفضي حصول ذلك النكاح إلى المقاتلة، أما قوله ثالثاً إن آية التحريم والتحليل قد تعارضتا، فنقول: لكن آية التحليل خاصة ومتأخرة بالإجماع، فوجب أن تكون متقدمة على آية التحريم وهذا بخلاف الآيتين في الجمع بين الأختين في ملك اليمين، لأن كل واحدة من تينك الآيتين أخص من الأخرى من وجه وأعم من وجه آخر، فلم يحصل سبب الترجيح فيه. أما قوله ههنا: {أية : وَٱلْمُحْصَنَـٰتُ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ } تفسير : [المائدة: 5] أخص من قوله: {وَلاَ تَنْكِحُواْ ٱلْمُشْرِكَـٰتِ حَتَّىٰ يُؤْمِنَّ } مطلقاً، فوجب حصول الترجيح. وأما التمسك بقوله تعالى: {أية : فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ } تفسير : [المائدة: 5]. فجوابه: أنا لما فرقنا بين الكتابية وبين المرتدة في أحكام كثيرة، فلم لا يجوز الفرق بينهما أيضاً في هذا الحكم؟. وأما التمسك بأثر عمر فقد نقلنا عنه أنه قال: ليس بحرام، وإذا حصل التعارض سقط الاستدلال والله أعلم. المسألة الخامسة: اتفق الكل على أن المراد من قوله: {حَتَّىٰ يُؤْمِنَّ } الإقرار بالشهادة والتزام أحكام الإسلام، وعند هذا احتجت الكرامية بهذه الآية على أن الإيمان عبارة عن مجرد الإقرار وقالوا إن الله تعالى جعل الإيمان ههنا غاية التحريم والذي هو غاية التحريم ههنا الإقرار، فثبت أن الإيمان في عرف الشرع عبارة عن الإقرار، واحتج أصحابنا على فساد هذا المذهب بوجوه: أحدها: أنا بينا بالدلائل الكثيرة في تفسير قوله: {أية : ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ } تفسير : [البقرة: 3] أن الإيمان عبارة عن التصديق بالقلب وثانيها: قوله تعالى: {أية : وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَبِٱلْيَوْمِ ٱلأْخِرِ وَمَا هُم } تفسير : [البقرة: 8] ولو كان الإيمان عبارة عن مجرد الإفراد لكان قوله تعالى: {مَّـا هُم بِمُؤْمِنِينَ } كذباً وثالثها: قوله: {أية : قَالَتِ ٱلأَعْرَابُ ءَامَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ } تفسير : [الحجرات: 14] ولو كان الإيمان عبارة عن مجرد الإقرار لكان قوله: {قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ } كذباً، ثم أجابوا عن تمسكهم بهذه الآية بأن التصديق الذي في القلب لا يمكن الإطلاع عليه فأقيم الإقرار باللسان مقام التصديق بالقلب. المسألة السادسة: نقل عن الحسن أنه قال: هذه الآية ناسخة لما كانوا عليه من تزويج المشركات قال القاضي: كونهم قبل نزول هذه الآية مقدمين على نكاح المشركات إن كان على سبيل العادة لا من قبل الشرع امتنع وصف هذه الآية بأنها ناسخة، لأنه ثبت في أصول الفقه أن الناسخ والمنسوخ يجب أن يكون حكمين شرعيين، أما إن كان جواز نكاح المشركة قبل نزول هذه الآية ثابتاً من قبل الشرع كانت هذه الآية ناسخة. أما قوله تعالى: {ولأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مّن مُّشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: قال أبو مسلم: اللام في قوله: {وَلامَةٌ } في إفادة التوكيد تشبه لام القسم. المسألة الثانية: الخير هو النفع الحسن: والمعنى: أن المشركة لو كانت ثابتة في المال والجمال والنسب، فالأمة المؤمنة خير منها لأن الإيمان متعلق بالدين والمال والجمال والنسب متعلق بالدنيا والدين خير من الدنيا ولأن الدين أشرف الأشياء عند كل أحد فعند التوافق في الدين تكمل المحبة فتكمل منافع الدنيا من الصحة والطاعة وحفظ الأموال والأولاد وعند الاختلاف في الدين لا تحصل المحبة، فلا يحصل شيء من منافع الدنيا من تلك المرأة، وقال بعضهم المراد ولأمة مؤمنة خير من حرة مشركة، واعلم أنه لا حاجة إلى هذا التقدير لوجهين أحدهما: أن اللفظ مطلق والثاني: أن قوله: {وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ } يدل على صفة الحرية، لأن التقدير: ولو أعجبتكم بحسنها أو مالها أو حريتها أو نسبها، فكل ذلك داخل تحت قوله: {وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ }. المسألة الثالثة: قال الجبائي: إن الآية دالة على أن القادر على طول الحرة يجوز له التزوج بالأمة على ما هو مذهب أبـي حنيفة، وذلك لأن الآية دلت على أن الواجد لطول الحرة المشركة يجوز له التزوج بالأمة لكن الواجد لطول الحرة المشركة يكون لا محالة واجداً لطول الحرة المسلمة لأن سبب التفاوت في الكفر والإيمان لا يتفاوت بقدر المال المحتاج إليه في أهبة النكاح، / فيلزم قطعاً أن يكون الواجد لطول الحرة المسلمة يجوز له نكاح الأمة، وهذا استدلال لطيف في هذه المسألة. المسألة الرابعة: في الآية إشكال وهو أن قوله: {وَلاَ تَنْكِحُواْ ٱلْمُشْرِكَـٰتِ } يقتضي حرمة نكاح المشركة، ثم قوله: {وَلأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مّن مُّشْرِكَةٍ } يقتضي جواز التزوج بالمشركة لأن لفظة أفعل تقتضي المشاركة في الصفة ولأحدهما مزية. قلنا: نكاح المشركة مشتمل على منافع الدنيا، ونكاح المؤمنة مشتمل على منافع الآخرة، والنفعان يشتركان في أصل كونهما نفعاً، إلا أن نفع الآخرة له المزية العظمى، فاندفع السؤال، والله أعلم. أما قوله تعالى: {وَلاَ تُنكِحُواْ ٱلْمُشِرِكِينَ حَتَّىٰ يُؤْمِنُواْ } فلا خلاف ههنا أن المراد به الكل وأن المؤمنة لا يحل تزويجها من الكافر ألبتة على اختلاف أنواع الكفرة. وقوله: {وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مّن مُّشْرِكٍ } فالكلام فيه على نحو ما تقدم. أما قوله: {أُوْلَـئِكَ يَدْعُونَ إِلَى ٱلنَّارِ } ففيه مسألتان: المسألة الأولى: هذه الآية نظير قوله: {أية : مَا لِى أَدْعُوكُـمْ إِلَى ٱلنَّجَوٰةِ وَتَدْعُونَنِى إِلَى ٱلنَّارِ } تفسير : [غافر: 41]. فإن قيل: فكيف يدعون إلى النار وربما لم يؤمنوا بالنار أصلاً، فكيف يدعون إليها. وجوابه: أنهم ذكروا في تأويل هذه الآية وجوهاً أحدها: أنهم يدعون إلى ما يؤدي إلى النار، فإن الظاهر أن الزوجية مظنة الألفة والمحبة والمودة، وكل ذلك يوجب الموافقة في المطالب والأغراض، وربما يؤدي ذلك إلى انتقال المسلم عن الإسلام بسبب موافقة حبيبه. فإن قيل: احتمال المحبة حاصل من الجانبين، فكما يحتمل أن يصير المسلم كافراً بسبب الألفة والمحبة، يحتمل أيضاً أن يصير الكافر مسلماً بسبب الألفة والمحبة، وإذا تعارض الإحتمالان وجب أن يتساقطا، فيبقى أصل الجواز. قلنا: إن الرجحان لهذا الجانب لأن بتقدير أن ينتقل الكافر عن كفره يستوجب المسلم به مزيد ثواب ودرجة، وبتقدير أن ينتقل المسلم عن إسلامه يستوجب العقوبة العظيمة، والإقدام على هذا العمل دائر بين أن يلحقه مزيد نفع، وبين أن يلحقه ضرر عظيم، وفي مثل هذه الصورة يجب الإحتراز عن الضرر، فلهذا السبب رجح الله تعالى جانب المنع على جانب الإطلاق. التأويل الثاني: أن في الناس من حمل قوله: {أُوْلَـئِكَ يَدْعُونَ إِلَى ٱلنَّارِ } أنهم يدعون إلى ترك المحاربة والقتال، وفي تركهما وجوب استحقاق النار والعذاب وغرض هذا القائل من هذا التأويل أن يجعل هذا فرقاً بين الذمية وبين غيرها، فإن الذمية لا تحمل زوجها على المقاتلة فظهر الفرق. التأويل الثالث: أن الولد الذي يحدث ربما دعاه الكافر إلى الكفر فيصير الولد من أهل النار، فهذا هو الدعوة إلى النار {وَٱللَّهُ يَدْعُو إِلَىٰ ٱلْجَنَّةِ } حيث أمرنا بتزويج المسلمة حتى يكون الولد مسلماً من أهل الجنة. أما قوله تعالى: {وَٱللَّهُ يَدْعُو إِلَىٰ ٱلْجَنَّةِ وَٱلْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ } ففيه قولان: القول الأول: أن المعنى وأولياء الله يدعون إلى الجنة، فكأنه قيل: أعداء الله يدعون إلى النار وأولياء الله يدعون إلى الجنة والمغفرة فلا جرم يجب على العاقل أن لا يدور حول المشركات اللواتي هن أعداء الله تعالى، وأن ينكح المؤمنات فإنهن يدعون إلى الجنة والمغفرة والثاني: أنه سبحانه لما بين هذه الأحكام وأباح بعضها وحرم بعضها، قال: {وَٱللَّهُ يَدْعُواْ إِلَى ٱلْجَنَّةِ وَٱلْمَغْفِرَةِ } لأن من تمسك بها استحق الجنة والمغفرة. أما قوله: {بِإِذْنِهِ } فالمعنى بتيسير الله وتوفيقه للعمل الذي يستحق به الجنة والمغفرة، ونظيره قوله: {أية : وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تُؤْمِنَ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ} تفسير : [يونس: 100] وقوله: {أية : وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ الله } تفسير : [آل عمران: 145] وقوله: {أية : وَمَا هُم بِضَارّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ } تفسير : [البقرة: 102] وقرأ الحسن {وَٱلْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ } بالرفع أي والمغفرة حاصلة بتيسيره. أما قوله تعالى: {وَيُبَيِنُ آيَـٰتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ } فمعناه ظاهر.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَلاَ تَنْكِحُواْ ٱلْمُشْرِكَاتِ حَتَّىٰ يُؤْمِنَّ وَلأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ} فيه سبع مسائل: الأُولى ـ قوله تعالى: {وَلاَ تَنْكِحُواْ} قراءة الجمهور بفتح التاء. وقُرئت في الشاذ بالضم؛ كأنّ المعنى أن المتزوّج لها أنكحها من نفسه. ونكح أصله الجماع، ويستعمل في التزوّج تجوّزا وٱتّساعاً، وسيأتي بيانه إن شاء الله تعالى. الثانية ـ لما أذِن الله سبحانه وتعالى في مخالطة الأيتام، وفي مخالطة النكاح بيّن أن مناكحة المشركين لا تصح. وقال مقاتل: نزلت هذه الآية في أبي مِرْثَدٍ الغَنَوِيّ، وقيل: في مرثد بن أبي مرثد، وٱسمه كنّاز بن حُصين الغنوِيّ. بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم مكةَ سِرّاً ليُخرج رجلاً من أصحابه؛ وكانت له بمكة ٱمرأةٌ يحبها في الجاهلية يقال لها «عَنَاق» فجاءته؛ فقال لها: إن الإسلام حرّم ما كان في الجاهلية؛ قالت: فتزوّجني؛ قال: حتى أستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فأتى النبيّ صلى الله عليه وسلم فٱستأذنه فنهاه عن التزوّج بها؛ لأنه كان مسلماً وهي مشركة. وسيأتي في «النور» بيانه إن شاء الله تعالى. الثالثة ـ وٱختلف العلماء في تأويل هذه الآية؛ فقالت طائفة: حرّم الله نكاح المشركات في سورة «البقرة» ثم نسخ من هذه الجملة نساءَ أهل الكتاب؛ فأحلهنّ في سورة «المائدة». ورُوى هذا القول عن ٱبن عباس، وبه قال مالك بنُ أنس وسفيانُ بن سعيد الثوريّ، وعبدُ الرحمن بنُ عمروٍ الأُوزاعيّ. وقال قتَادة وسعيد بنُ جُبير: لفظ الآية العمومُ في كل كافرة، والمراد بها الخصوص في الكتابيات؛ وبيّنت الخصوص آيةُ «المائدة» ولم يتناول العمومُ قطُّ الكتابياتِ. وهذا أحد قولي الشافعيّ، وعلى القول الأوّل يتناولهنّ العمومُ، ثم نَسخت آية «المائدة» بعضَ العموم. وهذا مذهب مالكٍ رحمه الله، ذكره ٱبن حبيب؛ وقال: ونكاح اليهودية والنصرانية وإن كان قد أحله الله تعالى مستثقَل مذموم. وقال إسحاق بنُ إبراهيم الحربيّ: ذهب قوم فجعلوا الآية التي في «البقرة» هي الناسخة، والتي في «المائدة» هي المنسوخة؛ فحرّموا نكاح كلِّ مشركة كتابية أو غير كتابية. قال النحاس: ومن الحجة لقائلِ هذا مما صح سنده ما حدّثنَاه محمد بنُ رَيّان، قال: حدّثنا محمد بنُ رُمح، قال: حدّثنا اللّيث عن نافع أن عبد الله بنَ عمر كان إذا سُئل عن نكاح الرجل النصرانيةَ أو اليهوديةَ قال: حرّم الله المشركاتِ على المؤمنين، ولا أعرف شيئاً من الإشراك أعظمَ من أن تقول المرأةُ ربُّها عيسى، أو عبدٌ من عباد الله! قال النحاس: وهذا قولٌ خارجٌ عن قول الجماعة الذين تقوم بهم الحجة؛ لأنه قد قال بتحليل نكاح نساء أهل الكتاب من الصحابة والتابعين جماعةٌ؛ منهم عثمانُ وطلحةُ وٱبنُ عباسٍ وجابرٌ وحذيفةُ. ومن التابعين سعيدُ بنُ المسيّب وسعيدُ بنُ جُبيرٍ والحسنُ ومجاهدٌ وطاوس وعكرمةُ والشَّعبيّ والضحاكُ؛ وفقهاءُ الأمصار عليه. وأيضاً فيمتنع أن تكون هذه الآيةُ من سورة «البقرة» ناسخةً للآية التي في سورة «المائدة» لأن «البقرة» من أوّل ما نزل بالمدينة، و «المائدةَ» من آخر ما نزل. وإنما الآخر يَنْسَخ الأوّلَ، وأما حديث ٱبن عمرَ فلا حجة فيه؛ لأن ٱبنَ عمرَ رحمه الله كان رجلاً متوقِّفاً، فلما سمع الآيتين، في واحدةٍ التحليلُ، وفي أُخرى التحريم ولم يبلغه النسخ توقّف؛ ولم يؤخذ عنه ذكر النسخ وإنما تُؤوّل عليه، وليس يؤخذ الناسخ والمنسوخ بالتأويل. وذكر ٱبن عطية: وقال ٱبن عباس في بعض ما رُوي عنه: إن الآيةَ عامةٌ في الوثنّيات والمجوسيّات والكتابيات، وكلّ مَنْ على غير الإسلام حرام؛ فعلى هذا هي ناسخة للآية التي في «المائدة» وينظر إلى هذا قول ٱبن عمرَ في الموطّأ: ولا أعلم إشراكاً أعظمَ من أن تقول المرأة ربّها عيسى. ورُوي عن عمر أنه فرّق بين طلحة بنِ عبيد الله وحُذيفة بن اليَمَان وبين كتابيتين وقالا: نُطَلِّقُ يا أمير المؤمنين ولا تغضَب؛ فقال: لو جاز طلاقكما لجاز نكاحكما! ولكن أُفَرِّقُ بينكما صَغْرةً قَمْأة. قال ٱبن عطية: وهذا لا يستند جيداً، وأسند منه أن عمر أراد التفريق بينهما فقال له حُذيفة: أتزعم أنها حرام فأخلي سبيلها يا أمير المؤمنين؟ فقال: لا أزعم أنها حرام، ولكني أخاف أن تعاطوا المومسات منهنّ. ورُوي عن ٱبن عباس نحوُ هذا. وذكر ٱبن المنذر جوازَ نكاحِ الكتابيات عن عمر بن الخطاب، ومَن ذكر من الصحابة والتابعين في قول النحاس. وقال في آخر كلامه: ولا يصح عن أحد من الأوائل أنه حرّم ذلك. وقال بعض العلماء: وأما الآيتان فلا تعارض بينهما؛ فإن ظاهر لفظ الشرك لا يتناول أهل الكتاب؛ لقوله تعالى: {أية : مَّا يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ وَلاَ ٱلْمُشْرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِّنْ خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ} تفسير : [البقرة: 105]، وقال: {أية : لَمْ يَكُنِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ وَٱلْمُشْرِكِينَ} تفسير : [البينة: 1] ففرّق بينهم في اللفظ؛ وظاهرُ العطف يقتضي مغايرةً بين المعطوف والمعطوف عليه، وأيضاً فاسم الشرك عمومٌ وليس بنصّ، وقوله تعالى: {أية : وَٱلْمُحْصَنَاتُ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ} تفسير : [المائدة: 5] بعد قوله: {أية : وَٱلْمُحْصَنَاتُ مِنَ ٱلْمُؤْمِنَاتِ} تفسير : [المائدة: 5] نصُّ؛ فلا تعارض بين المحتمل وبين ما لا يحتمل. فإن قيل: أراد بقوله: {وَٱلْمُحْصَنَاتُ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ} أي أُوتوا الكتاب من قبلكم وأسلموا؛ كقوله: {أية : وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ لَمَن يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ} تفسير : [آل عمران: 199] الآية. وقوله: {أية : مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ} تفسير : [آل عمران: 113] الآية. قيل له: هذا خلاف نصّ الآية في قوله: {وَٱلْمُحْصَنَاتُ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ} وخلافُ ما قاله الجمهور؛ فإنه لا يُشكِل على أحدٍ جوازُ التزويج ممن أسلم وصار من أعيان المسلمين. فإن قالوا: فقد قال الله تعالى: {أُوْلَـٰئِكَ يَدْعُونَ إِلَى ٱلنَّارِ} فجعل العلّة في تحريم نكاحهنّ الدعاء إلى النار. والجواب أن ذلك علة لقوله تعالى: {وَلأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ} لأن المشرك يدعو إلى النار؛ وهذه العلة مطّردة في جميع الكفار؛ فالمسلمُ خيرٌ من الكافر مطلقاً؛ وهذا بيّن. الرابعة ـ وأما نكاح أهل الكتاب إذا كانوا حَرْباً فلا يحِلّ؛ وسئل ٱبن عباس عن ذلك فقال: لا يَحلّ، وتَلاَ قولَ الله تعالى: {أية : قَاتِلُواْ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلاَ بِٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ} تفسير : [التوبة: 29] إلى قوله: «صَاغِرُونَ». قال المحدّث: حدّثت بذلك إبراهيم النّخعيّ فأعجبه. وكَرِه مالكٌ تزوّجَ الحربيّات، لعلة تركِ الولدِ في دار الحرب، ولتصرّفها في الخمر والخنزير. الخامسة ـ قوله تعالى: {وَلأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ} إخبارٌ بأن المؤمنةَ المملوكةَ خَيْرٌ من المشركة، وإن كانت ذاتَ الحسب والمال. {وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ} في الحسن وغير ذلك؛ هذا قول الطبريّ وغيره. ونزلت في خَنساءَ وليدةٍ سوداءَ كانت لحذيفةَ بنِ اليمان؛ فقال لها حذيفة: يا خنساءُ، قد ذُكرت في الملأ الأعلى مع سوادِك ودمامَتِك، وأنزل الله تعالى ذكرك في كتابه، فأعتقها حُذيفةُ وتزوّجها. وقال السُّدّيّ: حديث : نزلت في عبد الله بن رَواحةَ، كانت له أُمَةٌ سوداءُ فلطمها في غضب ثم نَدِم، فأتى النبيّ صلى الله عليه وسلم فأخبره؛ فقال: «ما هي يا عبدَ الله» قال: تصوم وتُصلِّي وتُحسِن الوضوءَ وتَشهد الشهادتين؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هذه مؤمنة»تفسير : . فقال ٱبن رواحة: لأَعتِقنّها ولأَتزوّجنّها؛ ففعل؛ فطعن عليه ناس من المسلمين وقالوا: نكح أَمَةً؛ وكانوا يرون أن ينكحوا إلى المشركين، وكانوا ينكحونهم رغبة في أحسابهم، فنزلت هذه الآية. والله أعلم. السادسة ـ وٱختلف العلماء في نكاح إماءِ أهلِ الكتاب؛ فقال مالكٌ: لا يجوز نكاحُ الأَمَة الكتابيّة. وقال أشهبُ في كتاب محمد، فيمن أسلم وتحته أَمَةٌ كتابية: إنه لا يُفرَّق بينهما. وقال أبو حنيفة وأصحابُه، يجوز نكاحُ إماءِ أهلِ الكتاب. قال ٱبن العربيّ: دَرَسنا الشيخُ أبو بكر الشاشيّ بمدينة السلام قال: ٱحتج أصحاب أبي حنيفة على جواز نكاح الأَمَة (الكتابية) بقوله تعالى: {وَلأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ}. ووجه الدليل من الآية أن الله سبحانه خاير بين نكاحِ الأَمَةِ المؤمنةِ والمشركةِ؛ فلولا أن نكاحَ الأَمة المشركة جائزٌ لما خاير الله تعالى بينهما؛ لأن المخايرة إنما هي بين الجائزين لا بين جائز وممتنع، ولا بين متضادّين. والجواب أن المخايرة بين الضدّين تجوز لغة وقرآناً: لأن الله سبحانه قال: {أية : أَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرّاً وَأَحْسَنُ مَقِيلاً} تفسير : [الفرقان: 24]. وقال عمر في رسالته لأبي موسى: «الرّجوعُ إلى الحقّ خيرٌ من التّمادي في الباطل». جواب آخر: قوله تعالى: {وَلأَمَةٌ} لم يُرِد به الرّقّ المملوكَ وإنما أراد به الآدمية؛ والآدميات والآدميون بأجمعهم عَبيدُ الله وإماؤه؛ قاله القاضي بالبصرة أبو العباس الجُرْجانيّ. السابعة ـ وٱختلفوا في نكاح نساءِ المجوس؛ فمنع مالكٌ والشافعيّ وأبو حنيفة والأُوزاعيُّ وإسحاقُ من ذلك. وقال ٱبن حَنْبل: لا يعجبني. ورُوي أن حُذَيفة بن اليمان تزوّج مجوسية، وأن عُمَر قال له: طلِّقها. وقال ٱبنُ القَصّار: قال بعض أصحابنا: يجب على أحد القولين أنّ لهم كتاباً أن تجوز مناكحتهم. وروى ٱبن وهبٍ عن مالكٍ أن الأَمَةَ المجوسيّة لا يجوز أن تُوطأ بِملْك اليمين، وكذلك الوثنياتُ وغيرُهن من الكافرات؛ وعلى هذا جماعة العلماء، إلا ما رواه يحيى بنُ أيوبَ عن ٱبنِ جُريج عن عطاءٍ وعمرو بنِ دينارٍ أنهما سئلا عن نكاح الإماءِ المجوسيات؛ فقالا: لا بأس بذلك. وتأوّلا قول الله عز وجل: {وَلاَ تَنْكِحُواْ ٱلْمُشْرِكَاتِ}. فهذا عندهما على عقد النكاح لا على الأَمَة المشتراة؛ واحتجّا بسَبْي أَوْطاس؛ وأن الصحابة نكحوا الإماءَ منهنّ بِملْك اليمين. قال النحاس: وهذا قول شاذّ؛ أماسَبْيُ أَوْطاس فقد يجوز أن يكون الإماءُ أسلمن فجاز نكاحهنّ، وأما الاحتجاج بقوله تعالى: {وَلاَ تَنْكِحُواْ ٱلْمُشْرِكَاتِ حَتَّىٰ يُؤْمِنَّ} فغلط؛ لأنهم حملوا النكاح على العَقْد؛ والنكاح في اللغة يقع على العَقْد وعلى الوطء؛ فلما قال: {وَلاَ تَنْكِحُواْ ٱلْمُشْرِكَـٰتِ} حَرّم كلَّ نكاح يقع على المشركات من نكاح ووطء. وقال أبو عمر بن عبد البر: وقال الأُوزاعيّ: سألت الزُّهريّ عن الرجل يشتري المجوسيَّة أيطؤها؟ فقال: إذا شهدت أن لا إلۤه إلا الله وَطِئها. وعن يونس عن ٱبن شهاب قال: لا يحلّ له أن يطأها حتى تُسلِم. قال أبو عمر: قول ٱبن شهاب لا يحل له أن يطأها حتى تُسلِم هذا ـ وهو أعلم الناس بالمغازي والسِّيَرِ ـ دليلٌ على فساد قولِ مَن زعم أن سَبْيَ أوْطاس وُطِئن ولم يُسلِمْنَ. رُوي ذلك عن طائفة منهم عطاءٌ وعمرُو بن دينارٍ قالا: لا بأس بوطء المجوسية؛ وهذا لم يلتفت إليه أحدٌ من الفقهاء بالأمصار. وقد جاء عن الحسن البصريّ ـ وهو ممن لم يكن غَزْوُه ولا غَزْوُ (أهل) ناحيتِه إلا الفُرس وما وراءهم من خُرَاسان، وليس منهم أحدٌ أهلَ كتاب ـ ما يُبيِّن لك كيف كانت السّيرة في نسائهم إذا سُيبن، قال: أخبرنا عبد الله ابنُ محمد بن أسد، قال: حدّثنا إبراهيمُ بنُ أحمد بن فراس، قال: حدّثنا عليّ بن عبد العزيز، قال: حدّثنا أبو عبيد، قال: حدّثنا هشام عن يونس عن الحسن، قال: قال رجل له: يا أبا سعيد كيف كنتم تصنعون إذا سبيتموهنّ؟ قال: كنا نوجهها إلى القبلة ونأمرها أن تُسلِم وتَشهد أن لا إلۤه إلا الله وأن محمداً رسول الله؛ ثم نأمرها أن تغتسل، وإذا أراد صاحبُها أن يصيبَها لم يُصبها حتى يستبرئَها. وعلى هذا تأويلُ جماعةِ العلماء في قول الله تعالى: {وَلاَ تَنْكِحُواْ ٱلْمُشْرِكَاتِ حَتَّىٰ يُؤْمِنَّ} أنهنّ الوثنيّاتُ والمجوسيّاتُ؛ لأن الله تعالى قد أحلّ الكتابيات بقوله: {أية : وَٱلْمُحْصَنَاتُ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ} تفسير : [المائدة: 5] يعني العفائفَ، لا من شُهر زناها من المسلمات. ومنهم من كَرِه نكاحَها ووطأَها بِملْك اليمين ما لم يكن منهنّ توبة؛ لما في ذلك من إفساد النَّسَب. قوله تعالىٰ: {وَلاَ تُنْكِحُواْ ٱلْمُشِرِكِينَ حَتَّىٰ يُؤْمِنُواْ وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ} فيه إحدى عشرة مسألة: الأُولىٰ ـ قوله تعالىٰ: {وَلاَ تُنْكِحُواْ} أي لا تزوّجوا المسلمةَ من المشرك. وأجمعت الأُمّة على أن المشرك لا يطأ المؤمنةَ بوجهٍ؛ لما في ذلك من الغضاضة على الإسلام. والقُرّاء على ضم التاء من «تنكِحوا». الثانية ـ في هذه الآية دليل بالنص على أن لا نكاح إلاَّ بوَلِيّ. قال محمد بنُ عليّ بن الحسين: النكاح بوليّ في كتاب الله؛ ثم قرأ {وَلاَ تُنْكِحُواْ ٱلْمُشِرِكِينَ}. قال ٱبن المنذر: ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : لا نكاحَ إلاَّ بوَليّ»تفسير : وقد ٱختلف أهل العلم في النكاح بغير وَلِيٍّ، فقال كثير من أهل العلم: لا نكاح إلاَّ بوليٍّ؛ رُوي هذا الحديث عن عمرَ بنِ الخطاب رضي الله عنه وعليّ بنِ أبي طالب وٱبنِ مسعود وٱبن عباس وأبي هريرة رضي الله عنهم، وبه قال سعيدُ بنُ المسيّب والحسنُ البصري وعمرُ بن عبد العزيز وجابرُ ابن زيد وسفيان الثوريُّ وٱبنُ أبي ليلى وٱبن شُبْرُمَة وٱبنُ المبارك والشافعيّ وعبيدُ الله بنُ الحسن وأحمدُ وإسحاقُ وأبو عبيد. قلت: وهو قول مالكٍ رضي الله عنهم أجمعين وأبي ثور والطبريّ. قال أبو عمر: حُجَّةُ من قال: «ولا نكاح إلاَّ بوليّ» أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ثبت عنه أنه قال: «حديث : لا نِكاح إلاَّ بوَليّ»تفسير : . روى هذا الحديثَ شعبةُ والثوريُّ عن أبي إسحاقَ عن أبي بُرْدةَ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم مُرسَلاً؛ فمن يقبل المراسيل يلزمه قَبولُه، وأما من لا يقبل المراسيل فيلزمه أيضاً؛ لأن الذين وصلوه من أهل الحفظ والثّقة. وممن وصله إسرائيلُ وأبو عَوَانة كلاهما عن أبي إسحاق عن أبي بُرْدة عن أبي موسىٰ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم. وإسرائيلُ ومَن تابعه حُفّاظ، والحافظُ تُقبل زيادته، وهذه الزيادة يعضُدها أُصول؛ قال الله عزّ وجلّ: {أية : فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ} تفسير : [البقرة: 232]. وهذه الآية نزلت في مَعْقِل بنِ يَسار إذ عَضَل أختَه عن مراجعة زوجها؛ قاله البخاريّ. ولولا أن له حقّاً في الإنكاح ما نُهِيَ عن العَضْل. قلت: ومما يدل على هذا أيضاً من الكتاب قوله: {أية : فَٱنكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ} تفسير : [النساء: 25] وقوله: {أية : وَأَنْكِحُواْ ٱلأَيَامَىٰ مِنْكُمْ} تفسير : [النور: 32] فلم يخاطب تعالىٰ بالنكاح غيرَ الرجال؛ ولو كان إلى النساء لذكرهنّ. وسيأتي بيان هذا في «النور» وقال تعالىٰ حكاية عن شعيب في قصة موسى عليهما السَّلام: «إنِّي أُرِيدُ أنْ أَنْكِحَكَ» على ما يأتي بيانه في سورة «القصص». وقال تعالىٰ: {أية : ٱلرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى ٱلنِّسَآءِ} تفسير : [النساء: 34]؛ فقد تعاضد الكتاب والسُّنّةُ على أن لا نكاح إلاَّ بوليّ. قال الطبريّ: في حديث حفصة حين تأيَّمت وعقد عمرُ عليها النكاحَ ولم تَعقِده هي إبطالُ قولِ من قال: إن للمرأة البالغة المالكة لنفسها تزويج نفسِها وعقدَ النكاح دون وَلِيِّها؛ ولو كان ذلك لها لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم لِيَدَعَ خِطبة حفصة لنفسها إذا كانت أولى بنفسها من أبيها، وخطبها إلى من لا يملك أمرها ولا العقدَ عليها؛ وفيه بيان قولِه عليه السَّلام: «حديث : الأَيِّمُ أحقُّ بنفسها من وَلِيِّهَا»تفسير : أن معنى ذلك أنها أحقّ بنفسها في أنه لا يعَقِد عليها إلاَّ برضاها، لا أنها أحقّ بنفسها في أن تَعقِد عقد النكاح على نفسها دون وَلِيِّهَا. وروى الدَّارَقُطْنِيُّ عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا تُزَوِّج المرأةُ المرأةَ ولا تُزوِّجُ المرأةُ نفسَها فإن الزانية هي التي تزوّج نفسها»تفسير : . قال: حديث صحيح. وروى أبو داود من حديث سفيان عن الزُّهريّ عن عُروةَ عن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أيُّما ٱمرأةٍ نُكحت بغير إذن وليِّها فنكاحها باطل ـ ثلاث مرّات ـ فإن دخل بها فالمهر لها بما أصاب منها فإن تشاجروا فالسلطان ولِيُّ من لا ولِيَّ له»تفسير : . وهذا الحديث صحيح. ولا ٱعتبار بقول ٱبن عُلَيّةَ عن ٱبن جريج أنه قال: سألت عنه الزهريّ فلم يعرفه، ولم يقل هذا أحد عن ٱبن جريج غير ٱبن عُلَيْةَ؛ وقد رواه جماعة عن الزُّهريّ لم يذكروا ذلك، ولو ثبت هذا عن الزهريّ لم يكن في ذلك حجةٌ؛ لأنه قد نقله عنه ثقات؛ منهم سليمان بن موسى وهو ثقةٌ إمامٌ وجعفرُ بنُ ربيعة؛ فلو نسيه الزّهريّ لم يضرّه ذلك؛ لأن النسيان لا يُعصم منه ٱبن آدم؛ قال صلى الله عليه وسلم: «حديث : نَسِيَ آدمُ فنسيت ذرّيتُه»تفسير : . وكان صلى الله عليه وسلم يَنْسَى؛ فَمن سواه أَحْرَى أن يَنْسَى، ومن حفِظ فهو حجة على من نَسِيَ؛ فإذا رَوى الخَبَر ثقةٌ فلا يضرّه نسيانُ من نَسِيَه؛ هذا لو صح ما حكى ٱبن عُلَيّة عن ٱبن جُريج، فكيف وقد أنكر أهل العلم ذلك من حكايته ولم يعرّجوا عليها. قلت: وقد أخرج هذا الحديثَ أبو حاتم محمدُ بن حِبّان التميميّ البُسْتِيّ في المسند الصحيح له ـ على التقاسيم والأنواع من غير وجود قطع في سندها، ولا ثبوتِ جِرْح في ناقلها ـ عن حفص بن غِيَاث عن ٱبن جُريج عن سليمان بن موسى عن الزّهريّ عن عُروة عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : لا نكاحَ إلاَّ بوليّ وشاهِدَي عَدْل وما كان من نكاح على غير ذلك فهو باطل فإن تشاجروا فالسلطان وَلِيُّ من لا وَلِيَّ له»تفسير : . قال أبو حاتم: لم يقل أحد في خبر ٱبن جُريج عن سليمان بن موسى عن الزُّهريّ هذا: «وشاهِدَيْ عَدْل» إلاَّ ثلاثةُ أنْفُسٍ: سُويدُ بن يحيى الأمِويّ عن حفص بن غياث وعبدُ الله بن عبد الوهاب الجمحِيّ عن خالد بن الحارث وعبدُ الرحمن بن يونس الرّقّي عن عيسى بن يونس؛ ولا يصح في الشاهدين غيرُ هذا الخبر، وإذا ثبت هذا الخبر فقد صرّح الكتابُ والسنةُ بأن لا نكاح إلاَّ بوَلِيّ؛ فلا معنى لما خالفهما. وقد كان الزُّهريّ والشَّعبيّ يقولان: إذا زوّجت المرأةُ نفسَها كفؤا بشاهدين فذلك نكاحٌ جائز. وكذلك كان أبو حنيفة يقول: إذا زوّجت المرأةُ نفسها كفؤا بشاهدين فذلك نكاحٌ جائزٌ؛ وهو قول زُفَرَ. وإن زوّجت نفسَها غير كُفْءٍ فالنكاحُ جائزٌ، وللأولياء أن يفرّقوا بينهما. قال ٱبن المنذر: وأما ما قاله النعمان فمخالف للسُّنة، خارجٌ عن قول أكثرِ أهل العلم. وبالخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم نقول. وقال أبو يوسف: لا يجوز النكاح إلاَّ بوَلِيٍّ؛ فإن سَلّم الوَلِيُّ جاز، وإن أبَىٰ أن يُسلِّم والزوج كُفْءٌ أجازه القاضي. وإنما يتمّ النكاحُ في قوله حين يجيزه القاضي؛ وهو قولُ محمدِ بن الحسن؛ وقد كان محمدُ بنُ الحسن يقول: يأمر القاضي الولِيَّ بإجازته؛ فإن لم يفعل ٱستأنف عَقْداً. ولا خلافَ بين أبي حنيفة وأصحابه أنه إذا أذن لها وليُّها فعقدت النكاحَ بنفسِها جاز. وقال الأوزاعيّ: إذا وَلَّت أمرها رجلاً فزوّجها كفؤا فالنكاح جائز، وليس للوَلِيِّ أن يفرّق بينهما؛ إلاَّ أن تكون عربية تزوّجت مَوْلًى؛ وهذا نحو مذهبِ مالك على ما يأتي. وحمل القائلون بمذهب الزُّهْريّ وأبي حنيفة والشَّعبيّ قولَه عليه السَّلام: «حديث : لا نكاح إلاَّ بوَلِيٍّ» تفسير : على الكمال لا على الوجوب؛ كما قال عليه السَّلام: «حديث : لا صلاةَ لجار المسجد إلاَّ في المسجد»:تفسير : و«حديث : لا حظَّ في الإسلام لمن ترك الصَّلاة»تفسير : . وٱستدلوا على هذا بقوله تعالىٰ: {أية : فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ} تفسير : [البقرة: 232]، وقوله تعالىٰ: {أية : فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِيۤ أَنْفُسِهِنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ} تفسير : [البقرة: 234]، وبما روى الدَّارَقُطْنِي عن سِماكِ بنِ حربٍ قال: جاء رجل إلى عليّ رضي الله عنه فقال: ٱمرأةٌ أنا وَلِيُّها تزوّجت بغير إذني؟ فقال عليّ: يُنظر فيما صنعت، فإن كانت تزوّجت كفؤا أَجَزْنا ذلك لها، وإن كانت تزوجت من ليس لها بكفء جعلنا ذلك إليك. وفي الموطّأ أن عائشة رضي الله عنها زوّجت بنت أخيها عبد الرّحمٰن وهو غائب، الحديث. وقد رواه ٱبن جُريج عن عبد الرحمٰن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها أنها أنكحت رجلاً هو المُنِذر بن الزُّبير ٱمرأةً من بني أخيها فضربت بينهم بِسترٍ، ثم تكلّمت حتى إذا لم يبق إلاَّ العقدُ أمرت رجلاً فأنكح؛ ثم قالت: ليس على النساء إنكاح. فالوجه في حديث مالكٍ أن عائشة قرّرت المهرَ وأحوالَ النكاح، وتولّى العقدَ أحدُ عَصَبَتها، ونُسِب العقد إلى عائشة لمّا كان تقريرهُ إليها. الثالثة ـ ذكر آبن خُوَيْزِ مَنْدَاد: وٱختلفت الرواية عن مالك في الأولياء، من هم؟ فقال مرّة: كل من وضع المرأة في مَنْصِب حَسَن فهو وَلِيُّها، سواءٌ كان من العَصَبة أو من ذوِي الأرحام أو الأجانبِ أو الإمامِ أو الوصِيّ. وقال مرّة: الأولياء من العَصَبة، فمن وضعها منهم في منصِب حَسَن فهو وَلِيٌّ. وقال أبو عمر: قال مالك فيما ذَكر ٱبنُ القاسم عنه: إن المرأة إذا زوّجها غيرُ وَليِّها بإذنها فإن كانت شريفةً لها في الناس حالٌ كان وليُّها بالخيار في فسخ النكاح وإقراره، وإن كانت دنِيئة كالمعتَقَةِ والسَّوْداء والسّعاية والمسلمانية، ومن لا حال لها جاز نكاحُها؛ ولا خيارَ لولِيِّها لأن كل واحدٍ كُفْءٌ لها؛ وقد رُوي عن مالك أن الشريفة والدّنيئة لا يزوّجها إلاَّ وليُّها أو السلطانُ؛ وهذا القول ٱختاره ٱبن المنذر، قال: وأما تفريق مالكٍ بين المسكينة والتي لها قَدْرٌ فغيرُ جائزِ؛ لأن النبيّ صلى الله عليه وسلم قد سوَّى بين أحكامهم في الدَّماء فقال: «حديث : المسلمون تتكافؤ دماؤهم»تفسير : . وإذا كانوا في الدّماء سواءً فهم في غير ذلك شيء واحدٌ. وقال إسماعيل بنُ إسـحاق: لما أمر الله سبحانه بالنكاح جعلَ المؤمنين بعضَهُم أولياءَ بعضٍ فقال تعالىٰ: {أية : وَٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ} تفسير : [التوبة: 71] والمؤمنون في الجملة هكذا يرث بعضهم بعضاً؛ فلو أن رجلاً مات ولا وارثَ له لكان ميراثُه لجماعةِ المسلمين؛ ولو جَنَى جنايةً لعَقَل عنه المسلمون، ثم تكون ولايةٌ أقربُ مِن ولايةٍ، وقرابةٌ أقربُ من قرابة. وإذا كانت المرأة بموضع لا سلطانَ فيه ولا وَلِيّ لها فإنها تصيِّر أمرَها إلى مَن يوثَق به من جيرانها؛ فيزوّجُها ويكون هو وليَّها في هذه الحال؛ لأن الناس لا بُدَّ لهم من التزوّيج، وإنما يعملون فيه بأحسنِ ما يمكن؛ وعلى هذا قال مالكٌ في المرأة الضعيفة الحال: إنه يزوّجها من تُسنِد أمَرها إليه، لأنها ممن تضعف عن السلطان فأشبهت من لا سلطانَ بحضرتها؛ فرجعت في الجملة إلى أن المسلمين أولياؤها؛ فأمّا إذا صيّرت أمرَها إلى رجل وتركت أولياءها فإنها أخذت الأمرَ من غير وجهه، وفعلتْ ما ينكره الحاكمُ عليها والمسلمون؛ فيفسخ ذلك النكاح من غير أن يُعلم أن حقيقته حرام؛ لما وصفنا من أن المؤمنين بعضُهم أولياءُ بعض، ولما في ذلك من الاختلاف؛ ولكن يُفسخ لتناول الأمر من غير وجهه، ولأنه أحْوطُ للفروج ولتحصينها؛ فإذا وقع الدخول وتطاول الأمر وولَدَت الأولادَ وكان صواباً لم يجز الفسخ؛ لأن الأُمور إذا تفاوتت لم يُرد منها إلاَّ الحرامُ الذي لا يُشكّ فيه، ويُشبه ما فات من ذلك بحكم الحاكم إذا حكم بحكم لم يُفسخ إلاَّ أن يكون خطأ لا شكّ فيه. وأما الشافعيّ وأصحابُه فالنكاح عندهم بغير وَلِيٍّ مفسوخٌ أبداً قبل الدخول وبعده، ولا يتوارثان إن مات أحدهما. والولِيُّ عندهم من فرائض النكاح؛ لقيام الدليل عندهم من الكتاب والسنة: قال الله تعالىٰ: {أية : وَأَنْكِحُواْ ٱلأَيَامَىٰ مِنْكُمْ} تفسير : [النور: 32] كما قال: {أية : فَٱنكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ} تفسير : [النساء: 25]، وقال مخاطباً للأولياء: «فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ». وقال عليه السَّلام: «حديث : لاَ نكاح إلاَّ بولِيٍّ»تفسير : . ولم يفرّقوا بين دَنِيّة الحال وبين الشريفة، لإجماع العلماء على أن لا فرق بينهما في الدِّماء؛ لقوله عليه السَّلام: «حديث : المسلمون تتكافؤ دماؤهم»تفسير : . وسائر الأحكام كذلك. وليس في شيء من ذلك فرق بين الرفيع والوضيع في كتاب ولا سنة. الرابعة ـ وٱختلفوا في النكاح يقع على غير وَليّ ثم يُجيزه الوليُّ قبل الدخول؛ فقال مالك وأصحابُه إلاَّ عبد الملك: ذلك جائز، إذا كانت إجازته لذلك بالقرب؛ وسواء دخل أو لم يدخل. هذا إذا عقد النكاح غيرُ وليّ ولم تَعِقده المرأةُ بنفسها؛ فإن زوّجت المرأةُ نفسَها وعقدت عُقدة النكاح من غير وليّ قريب ولا بعيد من المسلمين فإن هذا النكاح لا يُقَرّ أبداً على حال وإن تطاول وولَدَت الأولاد؛ ولكنه يُلْحق الولد إن دخل، ويسقط الحدّ؛ ولا بدّ من فسخ ذلك النكاح على كلّ حال. وقال ٱبن نافع عن مالكٍ: الفسخ فيه بغير طلاق. الخامسة ـ وٱختلف العلماء في منازل الأولياء وترتيبِهم؛ فكان مالكٌ يقول: أوّلهم البنون وإن سَفَلوا، ثم الآباء، ثم الإخوة للأب والأُم، ثم للأب، ثم بنو الإخوة للأب والأُمّ، ثم بنو الإخوة للأب، ثم الأجداد للأب وإن عَلَوْا، ثم العُمومة على ترتيب الإخوة، ثم بنوهم على ترتيب بني الإخوة وإن سَفلوا، ثم المولى ثم السلطان أو قاضيه. والوصيُّ مقدّم في إنكاح الأيتام على الأولياء، وهو خليفة الأب ووكيلهُ؛ فأشبه حاله لو كان الأب حيّاً. وقال الشافعي: لا ولايةَ لأحد مع الأب، فإن مات فالجد، ثم أبُ أبِ الجَدِّ؛ لأنهم كلهم آباء. والولاية بعد الجد للإخوة، ثم الأقرب. وقال المُزِنيُّ: قال في الجديد: من ٱنفرد بأُمٍّ كان أوْلَى بالنكاح؛ كالميراث. وقال في القديم: هما سواء. قلت: وروى المدنيّون عن مالكٍ مثلَ قولِ الشافعيّ، وأنّ الأبَ أوْلى من الابن؛ وهو أحد قولي أبي حنيفة؛ حكاه الباجيّ. ورُوي عن المغيرة أنه قال: الجَدُّ أوْلَى من الإخوة؛ والمشهور من المذهب ما قدّمناه. وقال أحمد: أحقّهم بالمرأة أن يزوّجَها أبوها؛ ثم الابن، ثم الأخ، ثم ٱبنُه، ثم العَمّ. وقال إسحاق الابن أوْلىٰ من الأب؛ كما قاله مالكٌ، وٱختاره ابنُ المنذر؛ لأن عمرَ بنَ أُمّ سلمة زوّجها بإذنها من رسول الله صلى الله عليه وسلم. قلت: أخرجه النَّسائيّ عن أُمّ سلمة وترجم له (إنكاح الابن أمَّه). قلت: وكثيراً ما يستدل بهذا علماؤنا وليس بشيء؛ والدليل على ذلك ما ثبت في الصّحاح أن عمرَ ابنَ أبي سلمة قال: كنت غلاماً في حجر رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت يدي تطيش في الصحفة؛ فقال: «حديث : يا غلامُ سَمِّ الله وكُلْ بيمينك وكُلْ مما يليك»تفسير : . وقال أبو عمر في كتاب الاستيعاب: عمر بن أبي سلمة يُكنَى أبا حفص، وُلد في السنة الثانية من الهجرة بأرض الحبشة. وقيل: إنه كان يومَ قُبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ٱبنَ تسع سنين. قلت: ومن كان سِنُّه هذا لا يصلح أن يكون ولِيّاً، ولكن ذكر أبو عمر أن لأبي سلمة من أُمّ سلمة ٱبنا آخرَ ٱسمه سلمة، وهو الذي عقَد لرسول الله صلى الله عليه وسلم على أُمّه أُمِّ سلمة، وكان سلمةُ أسنَّ من أخيه عمر بن أبي سلمة، ولا أحفظ له روايةً عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، وقد روى عنه عمرُ أخوه. السادسة ـ وٱختلفوا في الرجل يزوّج المرأةَ الأَبْعَدُ مِن الأولياء ـ كذا وقع، والأقربُ عبارةً أن يُقال: ٱختُلف في المرأة يزوّجها من أوليائها الأبعدُ والأقعد حاضر؛ فقال الشافعيّ: النكاح باطل. وقال مالكٌ: النكاح جائز. قال ٱبن عبد البر: إن لم ينكر الأقعدُ شيئاً من ذلك ولا رَدّه نَفَذَ، وإن أنكره وهي ثيّب أو بِكْرٌ بالغٌ يتيمةٌ ولا وصيّ لها فقد ٱخْتَلف قول مالكٍ وأصحابِه وجماعةٍ من أهل المدينة في ذلك؛ فقال منهم قائلون: لا يُردّ ذلك وَيَنفُذ؛ لأنه نكاح ٱنعقد بإذن ولِيٍّ من الفخِذ والعَشِيرة. ومن قال هذا منهم لا يَنْفُذُ قال: إنما جاءت الرُّتبة في الأولياء على الأفضل والأوْلىٰ، وذلك مستحب وليس بواجب. وهذا تحصيل مذهب مالكٍ عند أكثر أصحابه، وإياه ٱختار إسماعيل بن إسحاق وأتباعُه. وقيل: ينظر السلطانُ في ذلك ويسأل الوليَّ الأقرب على ما ينكره، ثم إن رأى إمضاءه أمضاه، وإن رأى أن يردّه ردّه. وقيل: بل للأقعد ردّه على كل حال، لأنه حقٌّ له. وقيل: له ردّه وإجازته ما لم يطل مكثها وتلِد الأولاد؛ وهذه كلها أقاويل أهل المدينة. السابعة ـ فلو كان الوليّ الأقرب محبوساً أو سفيهاً زوّجها من يليه من أوليائها، وعُدّ كالميت منهم؛ وكذلك إذا غاب الأقرب من أوليائها غيبة بعيدة أو غيبة لا يُرجىٰ لها أوْبَةٌ سريعةٌ زوّجها من يليه من الأولياء. وقد قيل: إذا غاب أقرب أوليائها لم يكن للذي يليه تزويجها، ويزوّجها الحاكم، والأوّل قول مالك. الثامنة ـ وإذا كان الولِيّان قد ٱستويا في القُعْدد وغاب أحدهما وفوّضت المرأة عقد نكاحها إلى الحاضر لم يكن للغائب إن قدِم نُكْرتُه. وإن كانا حاضرَيْن ففوّضت أمرها إلى أحدِهما لم يزوّجها إلاَّ بإذن صاحبه؛ فإن ٱختلفا نطر الحاكم في ذلك، وأجاز عليها رأى أحسنهما نظرا لها؛ رواه ٱبن وهب عن مالك. التاسعة ـ وأما الشهادة على النكاح فليست بركن عند مالكٍ وأصحابه؛ ويكفي من ذلك شهرتُه والإعلانُ به، وخرج عن أن يكون نكاح سِرٍّ. قال ٱبن القاسم عن مالك: لو زوّج ببيّنة، وأمرهم أن يكتموا ذلك لم يجز النكاح؛ لأنه نكاحُ سِرّ. وإن تزوّج بغير بيّنة على غير ٱستِسرار جاز، وأشهدا فيما يستقبلان. وروى ٱبن وهب عن مالك في الرجل يتزوّج المرأة بشهادة رجلين ويستكتمهما قال: يُفَرَّق بينهما بتطليقة ولا يجوز النكاح، ولها صداقها إن كان أصابها، ولا يُعاقب الشاهدان. وقال أبو حنيفة والشافعيُّ وأصحابُهما: إذا تزوّجها بشاهدين وقال لهما: ٱكتما جاز النكاح. قال أبو عمر: وهذا قول يحيى بن يحيى الليثيّ الأندلسيّ صاحبنا، قال: كل نكاح شَهِد عليه رجلان فقد خرج من حدّ السرّ؛ وأظنه حكاه عن اللَّيث بن سعد. والسِّرُّ عند الشافعيّ والكوفيين ومن تابعهم: كلّ نكاح لم يَشهد عليه رجلان فصاعداً، ويفسخ على كل حال. قلت: قولَ الشافعي أصحُّ للحديث الذي ذكرناه. وروي عن ابن عباس أنه قال: لا نكاح إلاَّ بشاهِدَيْ عَدْلٍ ووَلِيٍّ مُرِشد؛ ولا مخالف له من الصحابة فيما علمتُه. وٱحتج مالكٌ لمذهبه أن البيوع التي ذكرها الله تعالىٰ فيها الإشهادُ عند العقد؛ وقد قامت الدلالة بأن ذلك ليس من فرائض البيوع. والنكاح الذي لم يَذكر الله تعالىٰ فيه الأشهادَ أَحْرَىٰ بألاّ يكون الإشهاد فيه من شروطه وفرائضه، وإنما الغرض الإعلانُ والظهورُ لحفظ الأنساب. والإشهاد يصلح بعد العقد للتداعي والاختلافِ فيما ينعقد بين المتناكحين؛ وقد رُوي عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : أعلنوا النكاح»تفسير : . وقول مالك هذا قولُ ٱبنِ شهاب وأكثرِ أهل المدينة. العاشرة ـ قوله تعالىٰ: {وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ} أي مملوك {خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكٍ} أي حَسيِب. {وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ} أي حَسَبه وماله؛ حسب ما تقدّم. وقيل المعنى: ولرجل مؤمن، وكذا ولأَمَة مؤمنة، أي ولا ٱمرأة مؤمنة، كما بيّناه. قال صلى الله عليه وسلم: «حديث : كلُّ رجالِكم عَبيد الله وكلُّ نسائِكم إماء الله»تفسير : وقال: «حديث : لا تمنعوا إماء الله مساجدَ الله»تفسير : وقال تعالىٰ: {أية : نِعْمَ ٱلْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ}تفسير : [ص: 30، 44]. وهذا أحسن ما حمل عليه القول في هذه الآية، وبه يرتفع النزاع ويزول الخلاف؛ والله الموفق. الحادية عشرة ـ قوله تعالىٰ: {أُوْلَـٰئِكَ} إشارة للمشركين والمشركات. {يَدْعُونَ إِلَى ٱلنَّارِ} أي إلى الأعمال الموجبة للنار؛ فإن صحبتهم ومعاشرتهم توجب الانحطاط في كثير من هواهم مع تربيتهم النَّسَل. {وَٱللَّهُ يَدْعُوۤ إِلَى ٱلْجَنَّةِ} أي إلى عمل أهل الجنة. {بِإِذْنِهِ} أي بأمره؛ قاله الزّجاج.
البيضاوي
تفسير : {وَلاَ تَنْكِحُواْ ٱلْمُشْرِكَـٰتِ حَتَّىٰ يُؤْمِنَّ} أي ولا تتزوجوهن. وقرىء بالضم أي ولا تزوجوهن من المسلمين، والمشركات تعم الكتابيات لأن أهل الكتاب مشركون لقوله تعالى: {أية : وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ عُزَيْرٌ ٱبْنُ ٱللَّهِ وَقَالَتِ ٱلنَّصَـٰرَى ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ ٱللَّهِ }تفسير : [التوبة: 30] إلى قوله: {أية : سُبْحَـٰنَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ }تفسير : [التوبة: 31] ولكنها خصت عنها بقوله: {أية : وَٱلْمُحْصَنَـٰتُ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ }تفسير : [المائدة: 5] روي (أنه عليه الصلاة والسلام بعث مرثداً الغنوي إلى مكة ليخرج منها أناساً من المسلمين، فأتته عناق وكان يهواها في الجاهلية فقالت: ألا تخلو. فقال: إن الإسلام حال بيننا فقالت: هل لك أن تتزوج بي فقال نعم ولكن استأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستأمره) فنزلت {وَلأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مّن مُّشْرِكَةٍ} أي وَلامْرأة مؤمنة حرة كانت أو مملوكة، فإن الناس كلهم عبيد الله وإماؤه. {وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ} بحسنها وشمائلها، والواو للحال ولو بمعنى إن وهو كثير. {وَلاَ تُنكِحُواْ ٱلْمُشِرِكِينَ حَتَّىٰ يُؤْمِنُواْ} ولا تزوجوا منهم المؤمنات حتى يؤمنوا، وهو على عمومه. {وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مّن مُّشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ} تعليل للنهي عن مواصلتهم، وترغيب في مواصلة المؤمنين. {أُوْلَـٰئِكَ} إشارة إلى المذكورين من المشركين والمشركات. {يَدْعُونَ إِلَى ٱلنَّارِ} أي الكفر المؤدي إلى النار فلا يليق موالاتهم ومصاهرتهم. {وَٱللَّهُ} أي وأولياؤه، يعني المؤمنين حذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه تفخيماً لشأنهم. {يَدْعُو إِلَىٰ ٱلْجَنَّةِ وَٱلْمَغْفِرَةِ} أي إلى الاعتقاد والعمل الموصلين إليهما فهم الأحقاء بالمواصلة. {بِإِذْنِهِ} أي بتوفيق الله تعالى وتيسيره، أو بقضائه وإرادته. {وَيُبَيِنُ آيَـٰتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} لكي يتذكروا، أو ليكونوا بحيث يرجى منهم التذكر لما ركز في العقول من ميل الخير ومخالفة الهوى.
ابن كثير
تفسير : هذا تحريم من الله عز وجل على المؤمنين، أن يتزوجوا المشركات من عبدة الأوثان، ثم إن كان عمومها مراداً، وأنه يدخل فيها كل مشركة من كتابية ووثنية، فقد خص من ذلك نساء أهل الكتاب بقوله: {أية : وَٱلْمُحْصَنَـٰتُ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَآ ءَاتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ}تفسير : [المائدة: 5] قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: {وَلاَ تَنْكِحُواْ ٱلْمُشْرِكَـٰتِ حَتَّىٰ يُؤْمِنَّ}: استثنى الله من ذلك نساء أهل الكتاب، وهكذا قال مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير ومكحول والحسن والضحاك وزيد بن أسلم والربيع بن أنس وغيرهم. وقيل: بل المراد بذلك المشركون من عبدة الأوثان، ولم يرد أهل الكتاب بالكلية، والمعنى قريب من الأول، والله أعلم. فأما ما رواه ابن جرير: حدثني عبيد ابن آدم بن أبي إياس العسقلاني، حدثنا أبي، حدثني عبد الحميد بن بهرام الفزاري، حدثنا شهر بن حوشب، قال: سمعت عبد الله بن عباس يقول: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أصناف النساء، إلا ما كان من المؤمنات المهاجرات، وحرم كل ذات دين غير الإسلام. قال الله عز وجل: {أية : وَمَن يَكْفُرْ بِٱلإِيمَـٰنِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ}تفسير : [المائدة: 5] وقد نكح طلحة بن عبد الله يهودية، ونكح حذيفة بن اليمان نصرانية، فغضب عمر بن الخطاب غضباً شديداً حتى هم أن يسطو عليهما فقالا: نحن نطلق يا أمير المؤمنين ولا تغضب، فقال: لئن حل طلاقهن، لقد حل نكاحهن، ولكني أنتزعهن منكم صغرة قمأة، فهو حديث غريب جداً، وهذا الأثر غريب عن عمر أيضاً، قال أبو جعفر بن جرير رحمه الله بعد حكايته الإجماع على إباحة تزويج الكتابيات: وإنما كره عمر ذلك؛ لئلا يزهد الناس في المسلمات، أو لغير ذلك من المعاني. كما حدثنا أبو كريب، حدثنا ابن إدريس، حدثنا الصلت بن بهرام عن شقيق، قال: تزوج حذيفة يهودية، فكتب إليه عمر: خلّ سبيلها، فكتب إليه: أتزعم أنها حرام، فأخلي سبيلها؟ فقال: لا أزعم أنها حرام، ولكني أخاف أن تعاطوا المومسات منهن، وهذا إسناد صحيح، وروى الخلال عن محمد بن إسماعيل، عن وكيع، عن الصلت، نحوه، وقال ابن جرير: حدثني موسى بن عبد الرحمن المسروقي، حدثنا محمد بن بشر، حدثنا سفيان بن سعيد عن يزيد بن أبي زياد، عن زيد بن وهب، قال: قال عمر بن الخطاب: المسلم يتزوج النصرانية، ولا يتزوج النصراني المسلمة، قال: وهذا أصح إسناداً من الأول، ثم قال: وقد حدثنا تميم ابن المنتصر، أخبرنا إسحاق الأزرق عن شريك، عن أشعث بن سوار، عن الحسن، عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : نتزوج نساء أهل الكتاب، ولا يتزوجون نساءنا»تفسير : ثم قال: وهذا الخبر وإن كان في إسناده ما فيه، فالقول به؛ لإجماع الجميع من الأمة عليه، كذا قال ابن جرير رحمه الله. وقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن إسماعيل الأحمسي، حدثنا وكيع عن جعفر بن برقان، عن ميمون بن مهران، عن ابن عمر، أنه كره نكاح أهل الكتاب، وتأول: {وَلاَ تَنْكِحُواْ ٱلْمُشْرِكَـٰتِ حَتَّىٰ يُؤْمِنَّ}. وقال البخاري: وقال ابن عمر: لا أعلم شركاً أعظم من أن تقول: ربها عيسى، وقال أبو بكر الخلال الحنبلي: حدثنا محمد بن هارون، حدثنا إسحاق بن إبراهيم وأخبرني محمد بن علي، حدثنا صالح بن أحمد، أنهما سألا أبا عبد الله أحمد بن حنبل عن قول الله: {وَلاَ تَنْكِحُواْ ٱلْمُشْرِكَـٰتِ حَتَّىٰ يُؤْمِنَّ} قال: مشركات العرب الذين يعبدون الأصنام. وقوله: {وَلأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ} قال السدي: نزلت في عبد الله بن رواحة، كانت له أمة سوداء، فغضب عليها، فلطمها، ثم فزع فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره خبرها، فقال له: «حديث : ما هي؟»تفسير : قال: تصوم وتصلي، وتحسن الوضوء، وتشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله، فقال: «حديث : يا أبا عبد الله هذه مؤمنة»تفسير : . فقال: والذي بعثك بالحق لأعتقنها ولأتزوجنها، ففعل، فطعن عليه ناس من المسلمين وقالوا: نكح أمته، وكانوا يريدون أن ينكحوا إلى المشركين، وينكحوهم؛ رغبة في أحسابهم، فأنزل الله: {وَلأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ} {وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ} وقال عبد بن حميد: حدثنا جعفر بن عون، حدثنا عبد الرحمن بن زياد الإفريقي عن عبد الله بن يزيد، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : لا تنكحوا النساء لحسنهن، فعسى حسنهن أن يرديهن، ولا تنكحوهن على أموالهن، فعسى أموالهن أن تطغيهن، وانكحوهن على الدين، فلأمة سوداء جرداء ذات دين أفضل»تفسير : والإفريقي ضعيف، وقد ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : تنكح المرأة لأربع: لمالها ولحسبها ولجمالها ولدينها، فاظفر بذات الدين، تربت يداك»تفسير : ولمسلم عن جابر مثله، وله عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : الدنيا متاع، وخير متاع الدنيا المرأة الصالحة»تفسير : وقوله: {وَلاَ تُنكِحُواْ ٱلْمُشِرِكِينَ حَتَّىٰ يُؤْمِنُواْ} أي: لا تزوجوا الرجال المشركين النساء المؤمنات، كما قال تعالى:{أية : لاَ هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلاَ هُمْ يَحِلُّونَ}تفسير : [الممتحنة: 10] ثم قال تعالى: {وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ} أي: ولرجل مؤمن - ولو كان عبداً حبشياً - خير من مشرك، وإن كان رئيساً سرياً {أُوْلَـٰئِكَ يَدْعُونَ إِلَى ٱلنَّارِ} أي: معاشرتهم ومخالطتهم، تبعث على حب الدنيا واقتنائها وإيثارها على الدار الآخرة، وعاقبة ذلك وخيمة {وَٱللَّهُ يَدْعُوۤاْ إِلَى ٱلْجَنَّةِ وَٱلْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ} أي: بشرعه، وما أمر به، وما نهى عنه { وَيُبَيِّنُ آيَـٰتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ}.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَلاَ تَنْكِحُواْ } تتزوّجوا أيها المسلمون {ٱلْمُشْرِكَٰتِ } أي الكافرات {حَتَّىٰ يُؤْمِنَّ وَلأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مّن مُّشْرِكَةٍ } حرّة لأنّ سبب نزولها العيب على من تزوّج أمة وترغيبه في نكاح حرّة مشركة {وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ } لجمالها ومالها وهذا مخصوص بغير الكتابيات بآيةِ { أية : وَٱلْمُحْصَنَٰتُ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَٰبَ }تفسير : [5:5] {وَلاَ تُنْكِحُواْ } تزوجوا {ٱلْمُشْرِكِينَ } أي الكفار المؤمنات {حَتَّىٰ يُؤْمِنُواْ وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مّن مُّشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ } لماله وجماله {أُوْلَٰئِكَ } أي أهل الشرك {يَدْعُونَ إِلَى ٱلنَّارِ } بدعائهم إلى العمل الموجب لها فلا تليق مناكحتهم {وَٱللَّهُ يَدْعُواْ } على لسان رسله {إِلَى ٱلْجَنَّةِ وَٱلْمَغْفِرَةِ } أي العمل الموجب لهما {بِإِذْنِهِ } بإرادته فتجب إجابته بتزويج أوليائه {وَيُبَيِّنُ ءَايَٰتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ } يتعظون.
الشوكاني
تفسير : قوله: {وَلاَ تَنْكِحُواْ } قرأه الجمهور بفتح التاء، وقرىء في الشواذ بضمها؛ قيل: والمعنى: كان المتزوج لها أنكحها من نفسها. وفي هذه الآية النهي عن نكاح المشركات، فقيل: المراد بالمشركات: الوثنيات، وقيل: إنها تعم الكتابيات؛ لأن أهل الكتاب مشركون، {أية : وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ عُزَيْرٌ ٱبْنُ ٱللَّهِ وَقَالَتِ ٱلنَّصَـٰرَى ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ ٱللَّهِ } تفسير : [التوبة: 30]، وقد اختلف أهل العلم في هذه الآية، فقالت طائفة: إن الله حرم نكاح المشركات فيها، والكتابيات من الجملة، ثم جاءت آية المائدة، فخصصت الكتابيات من هذا العموم. وهذا محكي عن ابن عباس، ومالك، وسفيان بن سعيد، وعبد الرحمن بن عمر، والأوزاعي. وذهبت طائفة إلى أن هذه الآية ناسخة لآية المائدة، وأنه يحرم نكاح الكتابيات، والمشركات، وهذا أحد قولي الشافعي، وبه قال جماعة من أهل العلم. ويجاب عن قولهم: أن هذه الآية ناسخة لآية المائدة بأن سورة البقرة من أوّل ما نزل، وسورة المائدة من آخر ما نزل. والقول الأوّل هو الراجح. وقد قال به مع من تقدم عثمان بن عفان، وطلحة، وجابر، وحذيفة، وسعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير، والحسن، وطاوس، وعكرمة، والشعبي، والضحاك كما حكاه النحاس، والقرطبي. وقد حكاه ابن المنذر عن المذكورين، وزاد عمر بن الخطاب وقال: لا يصح عن أحد من الأوائل أنه حرّم ذلك. وقال بعض أهل العلم: إن لفظ المشرك لا يتناول أهل الكتاب لقوله تعالى: {أية : مَّا يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ وَلاَ ٱلْمُشْرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مّنْ خَيْرٍ رَبُّكُـمْ }تفسير : [البقرة: 105]. وقال: {أية : لَمْ يَكُنِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ وَٱلْمُشْرِكِينَ }تفسير : [البينة: 1] وعلى فرض أن لفظ المشركين يعمّ، فهذا العموم مخصوص بآية المائدة كما قدمنا. قوله: {وَلأمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ } أي: ولرقيقة مؤمنة، وقيل: المراد بالأمة: الحرة؛ لأن الناس كلهم عبيد الله، وإماؤه، والأول أولى لما سيأتي؛ لأنه الظاهر من اللفظ؛ ولأنه أبلغ، فإن تفضيل الأمة الرقيقة المؤمنة على الحرّة المشركة يستفاد منه تفضيل الحرّة المؤمنة على الحرّة المشركة بالأولى. وقوله: {وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ } أي: ولو أعجبتكم المشركة من جهة كونها ذات جمال، أو مال، أو شرف، وهذه الجملة حالية. قوله: {وَلاَ تُنكِحُواْ ٱلْمُشِرِكِينَ } أي: لا تزوجوهم بالمؤمنات {حَتَّىٰ يُؤْمِنُواْ } قال القرطبي: وأجمعت الأمة على أن المشرك لا يطأ المؤمنة بوجه؛ لما في ذلك من الغضاضة على الإسلام، وأجمع القراء على ضم التاء من تنكحوا. وقوله: {وَلَعَبْدٌ } الكلام فيه كالكلام في قوله: {وَلأمَةٌ } والترجيح كالترجيح. قوله: {أُوْلَـٰئِكَ } إشارة إلى المشركين، والمشركات {يَدْعُونَ إِلَى ٱلنَّارِ } أي: إلى الأعمال الموجبة للنار، فكان في مصاهرتهم، ومعاشرتهم، ومصاحبتهم من الخطر العظيم ما لا يجوز للمؤمنين أن يتعرضوا له، ويدخلوا فيه {وَٱللَّهُ يَدْعُو إِلَىٰ ٱلْجَنَّةِ } أي: إلى الأعمال الموجبة للجنة. وقيل: المراد: أن أولياء الله هم: المؤمنون يدعون إلى الجنة. وقوله: {بِإِذْنِهِ } أي: بأمره، قاله الزجاج، وقيل: بتيسيره، وتوفيقه، قاله صاحب الكشاف. وقد أخرج ابن أبي حاتم، وابن المنذر، عن مقاتل بن حيان قال: نزلت هذه الآية في أبي مَرْثد الغنوي استأذن النبي صلى الله عليه وسلم في عَنَاقٍ أن يتزوجها، وكانت ذات حظ من جمال، وهي مشركة، وأبو مرثد يومئذ مسلم، فقال: يا رسول الله إنها تعجبني، فأنزل الله: {وَلاَ تَنْكِحُواْ ٱلْمُشْرِكَـٰتِ }. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في سننه عن ابن عباس في قوله: {وَلاَ تَنْكِحُواْ ٱلْمُشْرِكَـٰتِ } قال: استثنى الله من ذلك نساء أهل الكتاب، فقال: {أية : وَٱلْمُحْصَنَـٰتُ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ } تفسير : [المائدة: 5]. وقد روى هذا المعنى عنه من طرق. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، والبيهقي في سننه عن سعيد بن جبير في قوله: {وَلاَ تَنْكِحُواْ ٱلْمُشْرِكَـٰتِ } يعني أهل الأوثان. وأخرج عبد بن حميد، والبيهقي عن مجاهد نحوه، وكذلك أخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، عن قتادة نحوه أيضاً. وأخرج عبد بن حميد، عن النخعي نحوه. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن أبي حاتم، عن ابن عمر أنه كره نكاح نساء أهل الكتاب، وتأوّل: {وَلاَ تَنْكِحُواْ ٱلْمُشْرِكَـٰتِ حَتَّىٰ يُؤْمِنَّ }. وأخرج البخاري عنه قال: حرّم الله نكاح المشركات على المسلمين، ولا أعرف شيئاً من الإشراك أعظم من أن تقول المرأة ربها عيسى، أو عبد من عباد الله. وأخرج الواحدي، وابن عساكر من طريق السدّي، عن أبي مالك، عن ابن عباس في قوله تعالى: {وَلأمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مّن مُّشْرِكَةٍ ولو أعجبتكم} قال نزلت في عبد الله بن رواحة، وكانت له أمة سوداء، وأنه غضب عليها فلطمها، ثم إنه فزع فأتى النبي صلى الله عليه وسلم، فأخبره خبرها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم له: حديث : ما هي يا عبد الله؟ تفسير : قال: تصوم، وتصلي، وتحسن الوضوء، وتشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، فقال: حديث : يا عبد الله هذه مؤمنة، تفسير : فقال عبد الله: فوالذي بعثك بالحق، لأعتقنها، ولأتزوجنها، ففعل، فطعن عليه ناس من المسلمين، وقالوا نكح أمَة، وكانوا يريدون أن ينكحوا إلى المشركين، وينكحوهم رغبة في أحسابهم، فأنزل الله فيهم: {وَلأمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مّن مُّشْرِكَةٍ } وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن السدي مثله. وأخرج ابن أبي حاتم، عن مقاتل بن حيان في قوله: {وَلأمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ } قال: بلغنا أنها كانت أمة لحذيفة سوداء، فأعتقها وتزوجها حذيفة. وأخرج ابن جرير، عن أبي جعفر محمد بن عليّ قال: النكاح بولى في كتاب الله، ثم قرأ: {وَلاَ تُنكِحُواْ ٱلْمُشِرِكِينَ حَتَّىٰ يُؤْمِنُواْ }.
الماوردي
تفسير : قوله تعالى:{ وَلاَ تَنكِحُوا الْمُشرِكاتِ حَتَّى يُؤمِنَّ } اختلفوا فيها على ثلاثة أقاويل: أحدها: أنها في جميع المشركات الكتابيات وغير الكتابيات، وأن حكمها غير منسوخ، فلا يجوز لمسلم أن ينكح مشركة أبداً، وذكر أن طلحة بن عبيد الله نكح يهودية، ونكح حذيفة نصرانية، فغضب عمر بن الخطاب غضباً شديداً، حتى كاد يبطش بهما، فقالا نحن نطلق يا أمير المؤمنين ولا تغضب، فقال: لئن حل طلاقهن لقد حل نكاحهن، ولكن ينزعن منكم صغرَةً قمأةً. والثاني: أنها نزلت مراداً بها مشركات العرب، ومن دان دين أهل الكتاب، وأنها ثابتة لم نسخ شيء منها، وهذا قول قتادة، وسعيد بن جبير. والثالث: أنها عامة في جميع المشركات، وقد نسخ منهن الكتابيات، بقوله تعالى في المائدة: {أية : وَالْمُحْصَنَاتِ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُم}. تفسير : وقد روى الصلت بن بهرام، عن سفيان قال: تزوج حذيفة بن اليمان يهودية، فكتب إليه عمر ابن الخطاب، خلِّ سبيلها، فكتب إليه أتزعم أنها حرام فأخلى سبيلها؟ فقال: لا أزعم أنها حرام، ولكني أخاف أن تقاطعوا المؤمنات منهن، والمراد بالنكاح التزويج، وهو حقيقة في اللغة، وإن كان مجازاً في الوطء، قال الأعشى: شعر : ولا تقربن جارةً إنّ سِرّها عليك حرام فانكحن أو تأبّدا تفسير : أي فتزوج أو تعفف. قوله تعالى: {وَلأَمَةٌ مُؤمِنَةُ خَيرٌ مِنَ مُشرِكَةٍ} يعني ولنكاح أمة مؤمنة، خير من نكاح حرة مشركة من غير أهل الكتاب وإنْ شَرُف نسبها وكَرُم أصلها، قال السدي: نزلت هذه الآية في عبد الله بن رواحة، كانت له أمة سوداء، فلطمها في غضب، ثم ندم، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره فقال: "حديث : ما هي يا عبد الله" تفسير : قال: تصوم، وتصلي، وتحسن الوضوء، وتشهد الشهادتين، فقال رسول الله: "حديث : هَذِه مُؤمِنَةٌ". تفسير : فقال ابن رواحة: لأعتقنها ولأتزوجها، ففعل فطعن عليه ناس من المسلمين، فأنزل الله تعالى هذا. {وَلَو أَعجَبَتكُم} يعني جمال المشركة وحسبها ومالها. {وَلاَ تُنكِحُوا المُشرِكِينَ حَتَّى يُؤمِنُوا} هذا على عمومه إجماعاً، لا يجوز لمسلمة أن تنكح مشرك أبداً. روى الحسن عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : نَتَزَوَّجُ نِسَاءَ أهْلِ الكِتَابِ وَلاَ يَتَزَوَّجُونَ نِسَاءَنَا"، تفسير : وفي هذا دليل على أن أولياء المرأة أحق بتزويجها من المرأة.
ابن عبد السلام
تفسير : {وَلاَ تَنكِحُواْ الْمُشْرِكَاتِ} محكم في كل مشركة كتابية، أو غير كتابية، أو خُصِّصَ منه أهل الكتاب، أو كانت عامة في كل مشركة فنسخ منها أهل الكتاب، ومراده التزويج، والنكاح: حقيقة في العقد مجاز في الوطء. {مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن} حرة {مُّشْرِكَةٍ} وإن شرف نسبها، أو نزلت في عبد الله ابن رواحة، كانت له أَمَة، فخطب عليه حرة مشركة شريفة فلم يتزوجها فأعتق أمته وتزوجها، فطعن عليه ناس من المسلمين فنزلت {وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ} بجمالها وحسبها ومالها. {وَلا تُنكِحُواْ الْمُشْرِكِينَ} هذا على عمومه إجماعاً.
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن} نزلت في أبي مرثد بن أبي مرثد الغنوي واسم أبي مرثد يسار بن حصين بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة ليخرج منها ناساً من المسلمين سراً، فلما قدمها سمعت به امرأة مشركة يقال لها عناق وكانت خليلته في الجاهلية فأتته فقالت: ألا تخلو فقال ويحك يا عناق إن الإسلام حال بيني وبين ذلك فقالت له: هل لك أن تتزوج بي؟ قال نعم ولكن أرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أستأمره فقالت: أبي تتبرم واستعانت عليه فضربوه ضرباً شديداً، ثم خلوا سبيله فلما قضى حاجته بمكة، وانصرف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلمه بما كان من أمره، وأمر عناق وما لقي بسببها وقال يا رسول الله: أيحل لي أن أتزوجها فأنزل الله تعالى هذه الآية وأصل النكاح في اللغة الوطء ثم كثر حتى قيل العقد نكاح. ومعنى الآية: ولا تنكحوا أيها المؤمنون المشركات حتى يؤمنّ أي يصدقن بالله ورسوله وهو الإقرار بالشهادتين والتزام أحكام المسلمين واختلف العلماء في حكم هذه الآية فقيل: إنها تدل على أن كل مشركة يحرم نكاحها على كل مسلم من أي أجناس الشرك كانت كالوثنية والمجوسية والنصرانية وغيرهن من أصناف المشركات، ثم استثنى الله تعالى من ذلك نكاح الحرائر الكتابيات بقوله تعالى: {أية : والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم}تفسير : [المائدة: 5] فأباح الله تعالى نكاحهن بهذه الآية قال ابن عباس في قوله تعالى: {ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن} ثم استثنى نساء أهل الكتاب فقال: {أية : والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم} تفسير : [المائدة: 5] وقيل: إن حكم الآية نزل في مشركات العرب الوثنيات خاصة ولم ينسخ منها شيء ولم يستثن وإنما حكمها عام مخصوص، قال قتادة: ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن يعني مشركات العرب اللاتي ليس فيهن كتاب يقرأنه. وبيان هذا في مسألة وهي أن لفظ الشرك على من يطلق؟ فالأكثرون من العلماء وهو القول الصحيح المختار أن لفظ الشرك يندرج فيه أهل الكتاب من اليهود والنصارى وكذلك عبدة الأصنام والمجوس وغيرهم. ويدل على أن اليهود والنصارى يطلق عليهم اسم الشرك. قوله تعالى: {أية : وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله}تفسير : [التوبة: 30] ثم قال تعالى: {أية : اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا ليعبدوا إلهاً واحداً لا إله إلاّ هو سبحانه عما يشركون}تفسير : [التوبة: 31] فهذه الآية صريحة في شرك اليهود والنصارى وقيل: كل من كفر بالنبي صلى الله عليه وسلم وإن زعم أن الله تعالى واحد فهو مشرك وذلك أن من كفر بالنبي صلى الله عليه وسلم مع صحة نبوته، وظهور معجزاته فقد زعم أن ما أتى به النبي صلى الله عليه وسلم، هو من عند غير الله فقد أشرك مع الله غيره فعلى هذا القول أيضاً يدخل فيه اليهود والنصارى لإنكارهم نبوة محمد صلى الله عليه وسلم. وقيل: إن اسم الشرك لا يتناول إلاّ عبدة الأوثان فقط والأول أصح لما تقدم من الأدلة فعلى قول من قال: إن اسم الشرك لا يتناول إلا الوثنيات تكون الآية محكمة وعلى قول الأكثرين أن اسم الشرك يتناول الوثنيات والكتابيات وغيرهن تكون الآية محكمة في حق الوثنيات منسوخة في حق الكتابيات وقوله تعالى: {ولأمة مؤمنة خير} يعني أنفع وأصلح وأفضل {من مشركة} يعني حرة {ولو أعجبتكم} يعني بجمالها ومالها ونسبها فالأمة المؤمنة خير وأفضل عند الله من الحرة المشركة، نزلت في خنساء وليدة كانت لحذيفة بن اليمان فقال: يا خنساء قد ذكرت في الملأ الأعلى على سوادك ودمامتك ثم أعتقها وتزوجها. وقيل: نزلت في عبدالله بن رواحة كانت عنده أمة سوداء فغضب عليها يوماً فلطمها، ثم فزع فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره: فقال: وما هي يا عبدالله قال: هي تشهد أن الله لا إله إلاّ الله وأنك رسول الله وتصوم رمضان وتحسن الوضوء وتصلي. فقال: هذه أمة مؤمنة. قال عبدالله: فوالذي بعثك بالحق لأعتقنها ولأتزوجنها ففعل فطعن عليه ناس من المسلمين فقالوا أتنكح أمة وعرضوا عليه حرة مشركة فأنزل الله هذه الآية: {ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا} هذا خطاب لأولياء المرأة أي لا تزوجوا المسلمة من المشركين. حرم على المؤمنات أن ينكحن مشركين من أي أصناف الشرك كان، وانعقد الإجماع على أنه لا يجوز للمسلمة أن تتزوج {ولعبد مؤمن خير من مشرك} يعني حراً {ولو أعجبكم} بحسنه وماله وجماله {أولئك يدعون إلى النار} يعني يدعون إلى الشرك الذي يؤدي إلى النار {والله يدعو إلى الجنة والمغفرة} يعني أنه تعالى بين هذه الأحكام وأباح بعضها، وحرم بعضها، فاعملوا بما أمركم به، وانتهوا عما نهاكم عنه فإن من عمل بذلك استحق الجنة والمغفرة {بإذنه} أي بتيسير الله وإرادته وتوفيقيه {ويبين آياته للناس} أي يوضح أدلته وحججه في أوامره ونواهيه وأحكامه {لعلهم يتذكرون} أي فيتعظون.
ابن عرفة
تفسير : قوله تعالى: {وَلاَ تَنْكِحُواْ ٱلْمُشْرِكَاتِ حَتَّىٰ يُؤْمِنَّ...}. النكاح حقيقة في الوطء مجاز في العقد، وقيل حقيقة فيهما. قال القاضي عياض في تنبيهاته: "النكاح لغة الجماع والضمّ، يقال: نكحت البُرّ في الأرض ونكحت الحصاة خفاف الإبل، ثم استعمل في الوطء وهو في الشرع يطلق على العقد لأنه بمعنى الجمع ومآله إلى الوطء. قال الزمخشري في أساس البلاغة: ومن المجاز قولهم: نكحت الحصى خفاف الإبل: فظاهره أنه حقيقة في العقد مجاز في الوطء، إلا أن يراد المجاز في الإسناد. والنهي هنا للتحريم بدليل ما عطف عليه وهو التحريم بلا خلاف، وإن كان ابن التلمساني أجاز عطف التحريم على المكروه وعكسه لكن الأغلب التساوي. قيل لابن عرفة: ما أفاد قول الله تعالى "حَتَّىٰ يُؤْمِنَّ" مع أنّ النكاح (يستقل) بدونه؟ (فأجاب) هو أصرح في دوام الانتهاء بأن الأول مفهوم صفة وهو مفهوم غاية، والقائلون بإعمال مفهوم الغاية أكثر من القائلين بإعمال مفهوم الصفة. قلت: أو يجاب بأنّه لو لم يذكر لأوهم إباحة نكاحهن إن رجعن عن الإشراك إلى دين اليهود والنّصارى فيكون في الآية حجة لما حكى ابن عطية عن ابن عباس والحسن ومالك فيما ذكره عنه ابن حبيب من أنه عام فيهم وفي الكتابيات، ثم نسخت بقوله في المائدة: {أية : وَٱلْمُحْصَنَاتُ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ }. تفسير : قوله تعالى: {خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ...}. خيْرٌ (أفعلَ من) لجواز اشتراك المتباينات في وصف ما. فالخيرية في المشركة في الدنيا فقط أما بكثرة المال أو الجمال وميل النفس إليها. وفي المؤمنة باعتبار الدنيا والأخرة واليهود والنصارى ليسوا من المشركين لقول الله عز وجل: {أية : لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ ٱلنَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ ٱلْيَهُودَ وَٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ }. تفسير : قال ابن عرفة: وأغرب ابن الخطيب: فقال: احتج من قال: بأنّهم مشركون بقول الله تعالى: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ}.تفسير : وأجمعوا على أن اليهود والنّصارى لا يغفر لهم فهم مشركون (وإلاّ لزم) منه تطرق احتمال المغفرة لهم. قوله تعالى: {وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ...}. من إثبات ما يتوهم نفيه، أو نفي ما يتوهم ثبوته مثل: {أية : وَمَآ أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ }. تفسير : قلت: وتقدم لابن عرفة في الختمة الأخرى أن هذه الآية يرد بها على ابن بشير فإنه نقل في أول كتاب الجنائز عن ابن عبد الحكم: أن الصلاة على الجنائز فرض كفاية محتجا بقول / الله تعالى: {أية : وَلاَ تُصَلِّ عَلَىٰ أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَداً وَلاَ تَقُمْ عَلَىٰ قَبْرِهِ }. تفسير : والنهي عن الصلاة على المنافقين للتحريم فضده وهو الأمر بالصلاة على المؤمنين للوجوب. وتعقبه اللّخمى بأنّه لا يكون (هذا) للوجوب إلاّ إذا كان له (ضد) واحد، وهذا له (أضداد)، وهو إما وجوب الصلاة على المؤمنين أو كراهتها، أو إباحتها (أو استحبابها). وأجاب ابن بشير: بأن النّهي إذا كان للتحريم فضده الأمر للوجوب بلا شدة، وإن كان للكراهة فضده الأمر للندب. وقال ابن عرفة: وهذا باطل بالكتاب والسنة والنظر، أما الكتاب فقول الله تعالى: "وَلاَ تَنْكِحُواْ ٱلْمُشْرِكَاتِ" فإنّ النهي عن نكاح المشركات للتحريم وضده وهو الأمر بنكاح المسلمات للنّدب على الجملة. (وإنما) يجب في بعض الأحيان على بعض الأشخاص، وأما السنة فخرج مسلم في كتاب الحج في رواية (قتادة) عن قزعة عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : لا تسافر امرأة فوق ثلاث ليال إلا مع ذي محرم ". تفسير : فهذا نهي عن السفر مع غير ذي المحرم، وهو للتحريم (وضده) وهو الأمر بالسفر مع ذي محرم مباح لا واجب. وقال القاضي أبو بكر الباقلاني في كتاب التقريب والإرشاد ما نصه: وأما النهي عن الشيء فلا بد أن يكون أمرا بضده إن كان له ضد واحد أو بعض أضداده إن كان له أضداد، ويكون أمرا بالضد على سبيل ماهو نهي عنه إما وجوبا أو ندبا. ونص القرافي في شرح التنقيحات على أن ضد الكراهة الندب. قلت: وذكرت ذلك لشيخنا المفتي الفقيه الصالح الحاج العلامة أبي العباس أحمد بن إدريس بن بلال البجائي وللفقيه أبي الحسن علي بن يحيى بن عجمي البجائي فأجابا عنه (بوجهين): الأول: قال ابن إدريس: النهي للتحريم ضده الأمر للوجوب ما لم يعارضه معارض كقولهم في الأمر بصغة افعل: إنّه للوجوب ما لم تقترن به قرينة صارفة عنه للندب وهنا قد جاء الأمر بالنكاح صريحا قال الله تعالى: {أية : فَٱنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ ٱلنِّسَآءِ}.تفسير : وفي الحديث: "حديث : من استطاع منكم الباءة فليتزوج"تفسير : . فإذا حمل الأمر الصريح على الندب لقرينة فأحرى أن يحمل على ذلك الأمر المفهوم من النهي فلا يتم للشيخ ابن عرفة بهذه الآية. قلت: وذكر بعضهم لابن عرفة معبرا عنه بأن هذا خرج بالدليل الدال على عموم وجوب النكاح. فقال ابن عرفة: أين الدليل مع قول داود بوجوب نكاح الحرة مطلقا. قال ابن عرفة: وإنّما يعترض على اللّخمي بما قال المازري فانظره؟ الجواب الثاني: قال الشيخ ابن (عجمي): إنما مفهوم الآية أن من أراد النكاح هنا يجب عليه أن ينكح المؤمنات كما أنه يحرم على من يريد النكاح هنا أن ينكح المشركات وكذا الكلام في الحديث سواء، والمفهوم هنا مفهوم الصفة وهذا لا نزاع فيه. قلت: وكلام الشيخ ابن إدريس مثل ما رد به الإمام ابن رشد في مقدماته على ابن عبد الحكم. وانظر ما تقدم لنا عن ابن الحاجب في قول الله تعالى: {أية : وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ }. تفسير : قوله تعالى: {وَٱللَّهُ يَدْعُوۤاْ إِلَى ٱلْجَنَّةِ وَٱلْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ...}. إن قلت: هلا قال: والمؤمنون يدعون إِلَى الجَنَّةِ وَالمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ. كما (أسند) للمشركين الدّعاء إلى النار. قلت: أجاب ابن عرفة بأن فيه كمال تشريف لدين الإسلام كما قال الله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ ٱللَّهَ }. تفسير : قال ابن عرفة: فإن قلت المغفرة سبب في دخول الجنة فهلا: قدمت عليها؟ فالجواب من وجوه: الأول: قال ابن عرفة: تقدم لنا الجواب عنه فإنّها إنّما أخّرت لتتناول الآية من أطاع الله ولم يعصه فإنه يدخل الجنة (دخولا أوليا) ومن أطاع الله وعصى فإنه يدخل النّار ويغفر له فيدخل الجنة، ومن أطاع الله وعصى وغفر له فإنه أيضا يدخل الجنة دخولا أوليا. الثاني: أنه قصد ذكر المغفرة بالتضمن وبالمطابقة. الثالث: أن المراد أولائك يدعون إلى النّار والمعصية، وهذا مقابل له فحذف من الأول لدلالة هذا المذكور في الثاني عليه. ورده ابن عرفة: بأنّ الآية إنما جاءت تهييجا على الطاعة، فالمناسب أن يذكر فيها (المخوفات) والدعاء للمعصية ليس بمخوف. قلت: تقول التقدير: أولئك يدعون إلى النار والعذاب. قال ابن عطية: والإذن (العلم) و (التمكين) فإن انضاف إليه أمر فهو أقوى. قال ابن عرفة: (على هذا) لا يتقرر الدعاء للمغفرة. قيل له: الإذن الكلام والكلام يصدق على الخبر وعلى الأمر؟ فقال: الأمر مثل {أية : إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَآ أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ }. تفسير : قيل له: والأمر عندنا ليس هو (عين) الإرادة لأن الإنسان قد يأمر بما لا يريد. قوله تعالى: {وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ...}. قال ابن عرفة: يستفاد منه حجة وقوع المجمل في القرآن لأن الآية دلّت على جواز تأخير البيان إلى وقت الحاجة.
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالى: {وَلاَ تَنكِحُواْ ٱلْمُشْرِكَـٰتِ حَتَّىٰ يُؤْمِنَّ} ونَكَح: أصله في الجمَاع، ويستعمل في العَقْد تجوُّزاً. قالت طائفة: المشركاتُ هنا: من يُشْرِكُ مع اللَّه إِلهاً آخرْ. وقال قتادة وابْنُ جُبَيْر: الآية عامَّة في كل كَافِرة، وخصَّصتها آية المائدة، ولم يتناوَلِ العمومُ قطُّ الكتابيَّاتِ، وقال ابنُ عبَّاس، والحسن: تناولهن العمومُ، ثم نَسَخَتْ آيةُ المائدة بَعْضَ العمومِ في الكتابيَّات، وهو مذهب مالكٍ - رحمه اللَّه - ذكره ابن حَبِيبٍ. وقوله تعالى: {وَلأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ...} الآية. هذا إِخبار من اللَّه سبحانَه أن المؤمنة المَمْلُوكة خَيْرٌ من المشركة، وإِن كانت ذاتَ الحَسَب والمَالِ، ولو أعجبتْكم في الحُسْن وغير ذلك، هذا قول الطَّبَرِيِّ وغيره. وقوله سبحانه: {وَلاَ تُنكِحُواْ ٱلْمُشِرِكِينَ حَتَّىٰ يُؤْمِنُواْ...} الآية: أجمعت الأمة علَىٰ أن المشرك لا يطأ المؤمنة بوجْهٍ؛ لما في ذلك من الغَضَاضَةِ علَىٰ دين الإِسلام. قال بعض العلماء: إِن الولايةَ في النكاحِ نصٌّ في هذه الآية، قلت: ويعني ببعض العلماءِ محمَّدَ بْنَ عليِّ بْنِ حُسَيْنٍ، قاله ابنُ العَرَبِيِّ. انتهى. ولَعَبْدٌ مُؤمنٌ مملوكٌ خَيْرٌ من مشركٍ حسيبٍ، ولو أعجبكم حُسْنُه ومالُهُ؛ حسبما تقدَّم. قال: * ع *: وتحتمل الآية عنْدي أن يكون ذكْر العَبْدِ والأمةِ عبارةً عن جميع الناسِ حُرِّهم ومملوكِهِم؛ إِذْ هم كلُّهم عبيده سُبْحَانه. وقوله تعالى: {أُوْلَـئِكَ يَدْعُونَ إِلَى ٱلنَّارِ }، أي: بصحبتهم، ومعاشرتهم، والاِنحطاطُ في كثيرٍ من أهوائهم، واللَّه عزَّ وجلَّ مُمِنٌّ بالهداية، ويبيِّنُ الآياتِ، ويحضُّ على الطاعات التي هي كلُّها دواعٍ إِلى الجنَّة، والإِذن: العلْم والتمكينُ، فإِن ٱنضافَ إِلَىٰ ذلك أمْرٌ، فهو أقوَىٰ من الإِذن؛ لأنك إِذا قلْتَ: أذنْتُ في كذا، فليس يلزمك أنَّكَ أمرْتَ، و {لَعَلَّهُمْ }: ترجٍّ في حق البشر، ومن تذَكَّر، عمل حَسَبَ التذكُّر، فنَجَا.
ابن عادل
تفسير : الجمهور على فتح تاء المضارعة، وقرأ الأعمش بضمِّها من: أنكح الرباعي، فالهمزة فيه للتَّعدية، وعلى هذا فأحد المفعولين محذوفٌ، وهو المفعول الأوَّل؛ لأنه فاعلٌ معنًى تقديره: ولا تنكحوا أنفسكم المشركات. والنِّكاح في الأصل عند العرب: لزوم الشَّيء، والإكباب عليه؛ ومنه: "نَكَحَ المَطَرُ الأَرْضَ"، حكاه ثعلبٌ عن أبي زيد، وابن الأعرابي. قال الزَّجَّاجيُّ: "النّكاح في الكلام بمعنى الوطء، والعقد جميعاً، موضوع (ن. ك. ح) على هذا التَّرتيب في كلامهم للفرد والشَّيء راكباً عليه هذا كلام العرب الصَّحيح". أصله المداخلة؛ ومنه: تناكحت الشَّجر: أي: تداخلت أغصانها؛ ويطلق النِّكاح على العقد؛ كقول الأعشى: [الطويل] شعر : 1074- وَلاَ تَقْرَبَنَّ جَارَةً إِنَّ سِرَّهَا حَرَامٌ عَلَيْكَ فَانْكِحَنْ أَوْ تَأَبَّدَا تفسير : أي: فاعْقِدْ، أو توحَّش، وتجنَّب النِّساء، ويطلق أيضاً على الوطء؛ كقوله: [البسيط] شعر : 1075- البَارِكِينَ عَلَى ظُهُورِ نِسْوَتِهِمْ والنَّاكِحِينَ بِشَطِّ دَجْلَةَ الْبَقَرَا تفسير : وحكى الفرَّاء "نُكُح المَرْأَةِ" بضمِّ النُّون على بناء "القُبُل"، و "الدُّبُر"، وهو بضعها، فمعنى قولهم: "نَكَحَها" أي أصاب ذلك الموضع، نحو: كَبَدَهُ، أي أصاب كبده، وقلَّما يقال: ناكحها، كما يقال باضعها. وقال أبو علي: فَرَّقَتِ العَرَبُ بين العَقْدِ والوَطْءِ بِفَرْقِ لَطِيفٍ، فإذا قالوا: "نَكَحَ فُلاَنٌ فُلاَنَةٌ، أو ابنةَ فلانٍ"، أرادوا عقد عليها، وإذا قالوا: نَكَحَ امرأته، أو زوجته، فلا يريدون غير المجامعة، وهل إطلاقه عليهما بطريق الحقيقة فيكون من باب الاشتراك، أو بطريق الحقيقة والمجاز؟ الظَّاهر: الثاني: فإنَّ المجاز خيرٌ من الاشتراك، وإذا قيل بالحقيقة، والمجاز فأيهما حقيقة؟ ذهب قوم إلى أنَّه حقيقةٌ في العقد واحتجوا بوجوهٍ: منها: قوله عليه الصَّلاة والسَّلام: "حديث : لاَ نِكَاحَ إلاَّ بِوَلِيٍّ وَشُهُودٍ"تفسير : ، وقَّف النِّكاح على الوليّ، والشُّهود، والمراد به العقد، وقوله ـ عليه الصلاة والسلام -: "حديث : وُلِدْتُ مِنْ نِكَاحٍ، وَلَمْ أَولَدْ مِنْ سِفَاحٍ" تفسير : فجعل النّكاح، كالمقابل للسِّفاح. ومعلومٌ أنَّ السِّفاح مشتملٌ على الوطء، فلو كان النِّكاح اسماً للوطء، لا متنع كون النِّكاح مقابلاً للسِّفاح، وقال تعالى: {أية : وَأَنْكِحُواْ ٱلأَيَٰمَىٰ مِنْكُمْ وَٱلصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمآئِكُمْ}تفسير : [النور:32] ولا يمكن حمله إلاَّ على العقد. وأيضاً قول الأعشى في البيت المتقدِّم لا يحتمل إلاَّ الأمر بالعقد؛ لأنه قال: "ولاَ تَقْرَبَنَّ جَارَةً" يعني مقاربتها على الطَّريق الَّذي يحرُمُ فاعقدْ وتزوَّج، وإلاَّ فتأيَّم، وتجنَّبِ النِّساء. وقال الرَّاغب: أصْلُ النِّكَاحِ للعقدِ، ثم اسْتُعِيرَ للجِمَاعِ، ومُحَالٌ أن يَكُونَ في الأَصْلِ للجِمَاعِ، ثم استُعِير لِلْعَقْدِ، لأنَّ أَسْمَاءَ الجِمَاعِ كلَّها كِنَايَاتٌ لاستقباحِهم ذِكْرَه؛ كاستقباحهم تَعاطِيَهُ، ومُحالٌ أن يستعيرَ مَنْ لا يَقْصِدُ فُحْشاً اسمَ مَا يَسْتَفْظِعُونَهُ لِمَا يَسْتَحْسِنُونَهُ؛ قال تعالى: {أية : فَٱنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ}تفسير : [النساء:3]. وقال آخرون: هو حقيقةٌ في الوطء، واحتجوا بوجوه: منها قوله تعالى: {أية : فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىٰ تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ}تفسير : [البقرة:230] نفي الحل ممتدٌّ إلى غاية النِّكاح، وليس هو العقد؛ ومنها قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ، ويَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ"تفسير : ؛ فوجب أن يكون هو الوطء. وأجيب بأن امرأة رفاعة، لم تفهم عند الإطلاق إلاَّ مجرَّد العقد؛ حتى قال لها عليه الصَّلاة والسَّلام: "حديث : لاَ حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ ". تفسير : ومنه: قوله عليه الصَّلاة والسَّلام: "حديث : نَاكِحُ اليَدِ مَلْعُونٌ، وَنَاكِحُ البَهِيمَةِ مَلْعُونٌ" تفسير : أثبت النِّكاح [مع عدم العقدِ. والنِّكاحُ] في اللُّغة عبارة عن الضمّ، والمداخلة كما تقدَّم في المطر، والأرض، وتناكح الشَّجر، ونكح النُّعاس عينه، وفي المثل: "نَكَحْنَا الفَرى فَسَتَرَى" والبيت المتقدم، وقوله: [البسيط] شعر : 1076- أنكحْتُ صُمَّ حَصَاهَا خُفَّ يَعْمَلَةٍ تَغَشْمَرَتْ بي إِلَيْكَ السَّهْلَ والجَبَلاَ تفسير : والضَّمُّ والوطء في المباشرة أتَمُّ منه في العقد. وأجيب بأنَّ هذه قرائن صارفةٌ له عن حقيقته. فصل في هل يتناول المشرك أهل الكتاب؟ لفظ "المُشْرِك"؛ هل يتناول أهل الكتاب؟ فالأكثرون على أنَّ الكتابة تشمل لفظ المشرك، ويدلُّ عليه وجوه: أحدها: قوله تعالى: {أية : وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ عُزَيْرٌ ٱبْنُ ٱللهِ وَقَالَتْ ٱلنَّصَارَى ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ ٱللهِ}تفسير : [التوبة:30]، ثم قال بعد ذلك: {أية : سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ}تفسير : [التوبة:31] وهذا تصريحٌ بأن اليهوديَّ، والنَّصرانيّ مشركٌ. وثانيها: قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ}تفسير : [النساء:48]، فدلت هذه الآية على أنَّ ما سوى الشّرك فقد يغفره الله تعالى في الجملة، فلو كان كفر اليهوديِّ والنَّصرانيّ ليس بشرك، لوجب أن يغفره الله تعالى في الجملة، وذلك باطلٌ، فعلمنا أنَّ كفرهما شركٌ. وثالثها: قوله تعالى: {أية : لَّقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ إِنَّ ٱللهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ}تفسير : [المائدة:73] فهذا التَّثليث إمَّا أن يكون لاعتقادهم وجود صفاتٍ ثلاثة أو لاعتقادهم وجود ذوات ثلاثة. والأول باطلٌ؛ لأن المفهوم من كونه تعالى عالماً غير المفهوم من كونه قادراً، ومن كونه حيّاً، وإذا كانت هذه المفهومات الثَّلاثة لا بدّ من الاعتراف بها كان القول بإثبات صفاتٍ ثلاثة من ضرورات دين الإسلام، فكيف يمكن تكفير النَّصارى بسبب ذلك؛ ولمَّا بطل ذلك علمنا أنَّه تعالى إنَّما كفَّرهم؛ لأنَّهم أثبتوا ذواتاً ثلاثةً قديمةً مستقلَّةً؛ وذلك لأنهم جوَّزوا في أُقنُوم الكلمة أن يحلّ في عيسى، والأُقْنُومُ عندهم عبارةٌ عن حقيقة الشَّيءِ، وجوَّزوا في أُقْنُومِ الحَيَاةِ أن يحلّ في مريم، ولولا أنَّ هذه الأشياء المسمَّاة عندهم بالأقانيم ذوات قامة بأنفسها؛ لمّا جوَّزوا عليه الانتقال من ذوات إلى ذاتٍ، فثبت أنهم قائلون بإثبات ذوات قائمة بالنَّفْس قديمة أزليَّة، وهذا شركٌ. وإذا ثبت دخولهم تحت اسم الشِّرك، فاليهود كذلك إذ لا قائل بالفرق. ورابعها: أنّه ـ عليه الصَّلاة والسَّلام ـ أمَّر أميراً، وقال: "حديث : إذا لقيت عدوّاً مِنَ المُشْرِكِينَ؛ فَادْعُهُم إلى الإِسْلاَمِ، فإنْ أَجَابُوكَ، فَاقْبَلْ مِنْهُم وَكُفَّ عَنْهُم، وَإِنْ أَبوا، فادْعُهُم إِلى الجِزْيَةِ، وَعَقْدِ الذِّمَّةِ ". تفسير : وخامسها: قال أبو بكر الأصمُّ: كلُّ من جحد الرِّسالة، والمعجزة، فهو مشركٌ؛ لأن تلك المعجزات إنَّما ظهرت عن الله تعالى، وكانوا يضيفونها إلى الجنِّ والشَّياطين، ويقولون: إنَّها سحرٌ، فقد أثبتوا لله شريكاً في خلق هذه الأشياء الخارجة عن قدرة البشر. وقال أبو الحسن بن فارس: هم المشركون؛ لأنَّهم يقولون: القرآن كلام غير الله، فقد أشركوا مع الله غير الله. فإن قيل: إنَّه تعالى فصل بين القسمين، وعطف أحدهما على الآخر في قوله: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلنَّصَارَىٰ وَٱلصَّابِئِينَ}تفسير : [البقرة:62] وقال: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلصَّابِئِينَ وَٱلنَّصَارَىٰ وَٱلْمَجُوسَ وَٱلَّذِينَ أَشْرَكُوۤاْ}تفسير : [الحج:17] وقال: {أية : مَّا يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ وَلاَ ٱلْمُشْرِكِينَ}تفسير : [البقرة:105] وذلك يوجب التَّغاير. والجواب أنَّ هذا كقوله تعالى: {أية : وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ ٱلنَّبِيِّيْنَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِن نُّوحٍ}تفسير : [الأحزاب:7] وكقوله تعالى: {أية : مَن كَانَ عَدُوّاً للَّهِ وَمَلاۤئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ}تفسير : [البقرة:98] فإن قالوا: إنَّما خصَّ بالذِّكر تنبيهاً على كمال الدَّرجة في ذلك الوصف. قلنا: وها هنا أيضاً كذلك إنَّما خصَّ عبدة الأوثان في هذه الآيات بهذا الاسم تنبيهاً على كمال درجتهم في الكفر. فصل في سبب النزول سبب نزول هذه الآية: أنَّ أبا مرثد بن أبي مرثد بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى "مَكَّة"، ليخرج منها ناساً من المسلمين سرّاً فلما قدمها سمعت به امرأة مشركةٌ يقال لها: "عنَاق"؛ وكانت خليلته في الجاهليَّة فأتته وقالت: يا أبا مرثد ألا تخلو؟ فقال لها: ويحك يا عَنَاق إنَّ الإسلام قد حال بَيْنَنَا وبَيْنَ ذلك. قالت: هل لك أن تتزوَّج بي؟ قال: نعم، ولكن أرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأستأمره. فقالت: أبي تتبرم؟ ثم استغاثت؛ فضربوه ضرباً شديداً، ثمَّ خلَّوا سبيله، فلمَّا قضى حاجته بمكَّة، وانصرف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلمه الذي كان من أمره، وأمر عناق، وقال: يا رسول الله؛ أيحلُّ لي أن أتزوَّجها؛ فأنزل الله تعالى: {وَلاَ تَنْكِحُواْ ٱلْمُشْرِكَاتِ حَتَّىٰ يُؤْمِنَّ} [البقرة:221]. فصل في الآية هل هي ابتداء حكم أو تقرير سابق واختلف المفسِّرون في هذه الآية: هل هي ابتداء حكم وشرع، أو هو متعلّقٌ بما تقدَّم؛ فالأكثرون على أنَّه ابتداء شرع في بيان ما يحلُّ، ويحرم. وقال أبو مسلم: بل هو متعلِّق بقصَّة اليتامى، فإنَّ الله تعالى لما قال: {وإنْ تُخَالِطُوهم فَإِخْوَانُكُمْ} وأراد مخالطة النِّكاح عطف عليه بما يبعث على الرَّغبة في اليتامى، وأنَّ ذلك أولى ممَّا كانوا يتعاطونه من الرَّغبة في المشركات، وبيَّن أنَّ أمةً مؤمنةً خيرٌ من مشركة، فإنها بلغت النِّهاية فيما يُفْضي إلى الرَّغبة فيها ليدلَّ بذلك على ما يبعث على التَّزوُّج بالتيامى، وعلى تزويج الأيتام عند البلوغ ليكون ذلك داعيةً لما أمر به من النَّظر في صلاحهم وصلاح أموالهم. وعلى الوجهين، فحكم الآية لا يختلف. فصل في بيان جواز نكاح الكتابيَّة الأكثرون من الأُمَّة قالوا: يجوز للرَّجل أن يتزوَّج بالكتابيَّة. وقال ابن عمر، ومحمَّد بن الحنفيَّة، والهادي - وهو أحد أئمَّة الزَّيديَّة - إنَّ ذلك حرامٌ، واستدلَّ الجمهور بقوله تعالى في سورة المائدة: {أية : وَٱلْمُحْصَنَاتُ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ}تفسير : [المائدة:5] وسورة المائدة كلها ثابتة لم ينسخ منها شيء أصلاً. فإن قيل: لم لا يجوز أن يكون المراد من آمن منهنّ بعد الكفر، ومن كان على الإيمان من أول الأمر؟ قلنا: قوله: {أية : مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ} تفسير : [آل عمران:186] يفيد حصول هذا الوصف في حال الإباحة، ويدلُّ على ذلك فعلُ الصحابة، فإنهم كانوا يتزوَّجون الكتابيَّات، ولم يظهر من أحد منهم إنكار ذلك وكان إِجماعاً على الجواز، كما نقل أنَّ حذيفة تزوَّج يهوديَّةً، أو نصرانيّة، فكتب إليه: أَتَزْعُمُ أَنَّهَا حَرَامٌ؟ فقال: لا، ولكني أخاف أن تعاطوا المومسات منهنَّ. وتزوج عثمان نائلة بنت فرافصة، وكانت نصرانيَّة؛ فأسلمت تحته، وتزوَّج طلحة بن عبيد الله يهوديَّة. وعن جابر بن عبد الله أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : نَتَزَوَّجُ نِسَاءَ أَهْلِ الكِتَابِ، وَلاَ يَتَزَوَّجُونَ نِسَاءَنَا ". تفسير : وروى عبد الرَّحمن بن عوفٍ حديث : أنَّه عليه الصَّلاة والسَّلام قال في المجوس:"سِنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الكِتَابِ غَيْرَ نَاكِحِي نِسَائهم، وَلاَ آكلي ذَبَائِحِهِمْ"" تفسير : ولو لم يكن نكاح نسائهم جائزاً، لكان هذا الاستثناء عبثاً. وقال قتادة وسعيد بن جبير: أراد بـ "المُشْرِكَاتِ" في الآية الوَثَنِيَّاتِ. واحتجَّ القائلون بعدم الجواز بوجوه: أحدها: أنَّ لفظ "المُشْرِك" يتناول الكتابيَّة على ما بيَّنَّاه، والتَّخصيص والنَّسخ خلافُ الظَّاهر. قالوا: ويؤيِّد ذلك قوله في آخر الآية: {أُوْلَـٰئِكَ يَدْعُونَ إِلَى ٱلنَّارِ} والوصف المناسب إذا ذكر عقيب الحكم أشعر بالعِلِّيَّة، وكأنه تعالى قال: حَرَّمْتُ عليكم نِكَاح المُشْرِكَاتِ؛ لأنَّهم يدعُونَ إِلَى النَّارِ وهذه العِلَّةُ قَائِمَةٌ في الكِتَابِيَّةِ، فوجب القطع بتحريمها. وثانيها: أنَّ ابن عمر لما سئل عن هذه المسألة تلا آية التَّحريم وآية التَّحليل، ووجه الاستدلال: أنَّ الأصل في الأبضاع الحرمة فلما تعارض دليلُ الحلِّ، ودليل الحرمة تساقطا؛ فوجب بقاء حكم الأصل، وبهذا الطريق لما سئل عثمان عن الجمع بين الأختين في ملك اليمين قال: أحلَّتهما آيةٌ، وحرّمتهما آية، فحكم عند ذلك بالتَّحريم للسَّبب الذي ذكرناه، فكذا هاهنا. وثالثها: حكى ابن جرير الطَّبريُّ في "تَفْسِيرِهِ" عن ابن عبَّاسٍ تحريم أصناف النِّساء إلاَّ المؤمنات، واحتجَّ بقوله: {أية : فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ}تفسير : [المائدة:5]، وإذا كان كذلك فالكتابيَّة كالمرتدَّة في أنه لا يجوز العقد عليها. ورابعها: أنَّ طلحة نكح يهوديَّة، وحذيفة نصرانيَّة، فغضب عمر عليهما غضباً شديداً، فقالا: نطلق يا أمير المؤمنين، فلا تغضب. فقال: إنَّ من أحلَّ طلاقهنَّ، فقد أحلَّ نكاحهنَّ، ولكن أنتزعهنَّ منكما. وأجيب عن الأوَّل بأنَّ من قال: الكتابيُّ لا يدخل تحت اسم المشرك، فالإشكال عنه ساقطٌ، ومن سلَّم ذلك، قال إنَّ قوله تعالى: {أية : وَٱلْمُحْصَنَاتُ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ}تفسير : [المائدة:5] أخص من هذه الآية، فإذا كانت هذه الحرمة ثاتبةً، ثم زالت كان قوله: "والمُحْصَنَاتُ" ناسخاً، وإن لم تثبت الحرمة كانت مخصَّصة، وإن كان النَّسخ والتَّخصيص خلاف الأصل إلاَّ أنَّه إنما لما كان لا سبيل إلى التَّوفيق بين الآيتين إلاَّ بهذا الطَّريق؛ وجب المصير إليه. وقولهم: إنَّ نكاح الوثنيَّة إنَّما حرِّم؛ لأنَّها تدعو إلى النَّار، وهذا المعنى موجودٌ في الكتابيَّة. قلنا: الفرق بينهما أنَّ المشركة متظاهرةٌ بالمخالفة، فلعلَّ الزَّوجَ يحبُّها، ثم إنَّها تحمله على مقاتلة المسلمين، وهذا المعنى غير موجود في الذِّمِّيَّة؛ لأنها مقهورةٌ راضيةٌ بالذِّلَّة، والمسكنة، فلا يتضمَّن نكاحها المقاتلة. وقولهم: تعارضت آية التَّحريم، وآية التَّحليل. قلنا: آية التَّحليل خاصَّة، ومتأخِّرةً بالإجماع؛ فوجب تقديمها على آية التَّحريم، بخلاف الآيتين، بالجمع بين الأختين في ملك اليمين، لأنَّ كلَّ واحدةٍ منهما أخصُّ من الأُخرى من وجهٍ، وأعمُّ من وجهٍ آخر، فلم يحصل فيه سبب التَّرجيح. وأمَّا التَّمسُّكُ بقوله: "فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُه" فجوابه: أنَّا لما فرَّقنا بين الكتابيَّة وبين المرتدَّة في أحكامٍ كثيرةٍ، فلم لا يجوز الفرق بينهما أيضاً في هذا الحكم؟ أمَّا تمسُّكهم بأثر عمر، فقد نقلنا عنه أنَّه قال: ليس بحرامٍ، وإذا حصل التَّعارض بينهما؛ سقط الاستدلال بهما، وسلم باقي الأدلَّة. فصل في نكاح الكتابيَّات قال القرطبيُّ: وأمَّا نكاحُ أهل الكتاب إذا كانوا حرباً، فلا يحلُّ. وسئل ابن عباس عن ذلك، فقال: لا تحلُّ، وتلا قوله تعالى: {أية : قَاتِلُواْ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللهِ وَلاَ بِٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ ٱللهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ ٱلْحَقِّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ حَتَّىٰ يُعْطُواْ ٱلْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ}تفسير : [التوبة:29] قال الرَّاوي: تحدَّث بذلك إبراهيم النَّخعيُّ، فأعجبه. فصل نقل عن الحسن أنَّه قال: هذه الآية ناسخةٌ لما كانوا عليه من تزويج المشركات. قال بعض العلماء: إن كان إقدامهم على نكاح المشركات من قبل العادة، لا من قبل الشَّرع؛ امتنع كون هذه الآية ناسخةً؛ لأنَّه ثبت في الأصول أنَّ النَّاسخَ والمنسوخَ يجب أن يكونا حكمين شرعيين، وإن كان جواز نكاح المشركات ثابتاً من جهة الشَّرع، كانت هذه الآية ناسخةٌ. قوله: {حَتَّىٰ يُؤْمِنَّ} "حَتَّى" بمعنى: "إلى" فقط، والفعل بعدها منصوب بإضمار "أَنْ"، أي: إلى أن يؤمنَّ، وهو مبنيٌّ على المشهور لاتصاله بنون الإناث، والأصل: يؤمنن، فأدغمت لام الفعل في نون الإناث. فصل في بيان قوله تعالى {حَتَّىٰ يُؤْمِنَّ} اتَّفق الكلُّ على المراد من قوله {حَتَّىٰ يُؤْمِنَّ} الإقرار بالشَّهادة والتزام أحكام الإسلام، وإذا كان كذلك احتجّت الكرَّاميَّة بهذه الآية على أنَّ الإيمان عبارةٌ عن مجرَّد الإقرار؛ لأنَّه غيّاً التحريم إلى الإيمان، وهو هنا الإقرار؛ فثبت أنَّ الإيمان في عرف الشَّرع عبارة عن الإقرار، وأُجيبوا بوجوهٍ: منها: قوله تعالى: {أية : وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِٱللهِ وَبِٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ}تفسير : [البقرة:8]. ومنها: قوله تعالى: {أية : قَالَتِ ٱلأَعْرَابُ ءَامَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ وَلَـٰكِن قُولُوۤاْ أَسْلَمْنَا}تفسير : [الحجرات:14]؛ ولو كان الإيمان عبارة عن مجرَّد الإقرار، لكان قوله "قُلْ لم تُؤْمِنُوا" كذباً. وأُجيبوا عن التَّمسُّك بهذه الآية بأنَّ التَّصديق الذي في القلب لا يمكن الاطِّلاع عليه، فأقيم الإقرار باللِّسان مقام التَّصديق بالقلب. قوله: {وَلأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ}. قال أبو مسلمٍ: اللام في قوله: "وَلأَمَةٌ" تشبه لام القسم في إفادة التَّوكيد. سوَّغ الابتداء بـ "أَمَة" شيئان: لام الابتداء والوصف. وَأصْل "أمة": أمَوٌ، فحذفت لامها على غير قياسٍ، وعوَّض منها تاء التَّأنيث كـ "قُلَة"، و "ثُبَة" يدلُّ على أنَّ لامها واوٌ رجوعها في الجمع؛ قال الكلابيُّ: [البسيط] شعر : 1077- أمَّا الإِمَاءُ فَلاَ يَدْعُونَنِي وَلَداً إِذَا تَدَاعَى بَنُو الإِمْوَانِ بالعَارِ تفسير : ولظُهُورها في المصدرِ أيضاً، قالوا: أَمَةٌ بيّنة الأُمُوَّة وأَقَرَّت له بالأُمُوَّة. وهل وزنها "فَعَلة" بتحريكِ العين، أو "فَعْلة" بسكونها؟ قولان، أظهرهما الأَوَّلُ، وكان قياسُها على هذا أن تُقلَبَ لامُها ألفاً لتحرُّكها وانفتاحِ ما قبلَها كفتاة وقَناة، ولكن حُذِفت على غير قياس. والثاني: قال به أبو الهيثم، فإنَّهُ زعم أنَّ جمع الأمة أَمْوٌ، وأنَّ وزنها فعلة بسكون العين، فيكون مثل نخلٍ، ونخلةٍ، فأصلها أَمْوَة، فحذفوا لامها إذْ كانت حرف لين، فلمَّا جمعوها على مثل: نخلةٍ ونَخْلٍ لزمهم أن يقولوا: أَمَة، وأَم، فكرهوا أن يجعلُوها حرفين، وكَرِهُوا أن يَرُدُّوا الواو المحذوفة لمَّا كانت آخر الاسم، فقدَّموا الواو وجعلُوه ألفاً بين الهمزة والميم، فقالوا: أام. وما زعمه ليس بشيء إذ كان يلزمُ أن يكون الإعرابُ على الميم، كما كان على لامِ "نَخْلٍ"، وراء "تَمْر"، ولكنه على التَّاءِ المحذوفةِ مقدَّرٌ كما سيأتي بيانُهُ. وجُمِعت على "إِمْوان" كما تقدَّم، وعلى إماء، والأصلُ: إمَاوٌ، نحو رقبةٍ، ورِقاب، فقُلِبَت الواو همزةً لوقوعها طرفاً بعد ألفٍ زائدةٍ ككساء. وفي الحديث: "حديث : لاَ تَمْنَعُوا إِمَاءَ اللهِ مَسَاجِدَ اللهِ" تفسير : وعلى آمٍ، قال الشَّاعر: [مجزوء الكامل] شعر : 1078- تَمْشِي بِهَا رُبْدُ النَّعَا مِ تَمَاشِيَ الآمِ الزَّوَافِرْ تفسير : والأَصْلُ "أَأْمُوٌ" بهمزتين، الأُولى مفتوحةٌ زائدةٌ، والثَّانيةُ ساكِنَةٌ هي فاءُ الكلمة نحو: أكمة، وأَأْكُم، فوقعت الواو طرفاً مضموماً ما قبلها في اسمٍ مُعربٍ ولا نظيرَ لهُ، فقُلبت الواو ياءً والضَّمَّة كَسْرةً لتصِحَّ الياءُ، فصار الاسمُ من قبيلِ المنقوصِ نحو: غازٍ وقاضٍ، ثمَّ قُلِبَت الهمزةُ الثَّانيةُ ألِفاً، لسكونها بعد أُخرى مفتوحةٍ، فتقولُ: جاءَ آمٌ، ومررت بآمٍ، ورأيت آمياً، تقدِّرُ الضَّمَّة والكسرة وتُظْهِرُ الفتحة، ونظيرُهُ في هذا القلبِ مجموعاً: "أَدْلٍ" و "أَجْرٍ" جمعُ "دَلْوٍ" و "جَرْوٍ" وهذا التَّصريف الذي ذكرناهُ يرُدُّ على أبي الهيثم قوله المتقدّم، أعني كونه زعمَ أن آمياً جمع أَمْوَة بسكونِ العينِ، وأَنَّهُ قلب، إِذ لو كان كذلك لكانَ ينبغي أَنْ يُقالَ جاء آمٌ، ومررت بآمٍ، ورأيت آماً، وجاء الآم ومررتُ بالآم، فتُعْربَ بالحركات الظاهرة. والتَّفضيلُ في قوله: {خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ}: إمَّا على سبيل الاعتقاد، لا على سبيل الوجود، وإمَّا لأنَّ نكاحَ المؤمنةِ يشتملُ على منافع أُخرويَّة، ونكاحَ المشركةِ الحُرَّة يشتملُ على منافِعَ دنْيَويّةٍ، هذا إذا التزَمنا بِأَنَّ "أَفْعَلَ" لا بدّ أن يدُلَّ على زيادةٍ ما، وإلاَّ فلا حاجة إلى هذا التأويل، كما هو مذهبُ الفرَّاءِ وجماعةٌ. وقوله: "مِّن مُّشْرِكَةٍ" يحتمِلُ أن يكُونَ "مُشْرِكَةٍ" صفةً لمحذوفٍ مدلولٍ عليه بمقابِلِهِ، أي: مِنْ حُرَّةٍ مُشْرِكَةٍ، أو مدلولٌ عليه بلفظِهِ، أي: مِنْ أَمَةٍ مشركةٍ، على حسب الخلاف في قوله: "وَلأَمَةٌ" هل المُراد المَمْلُوكةُ للآدميين، أو مطلقُ النِّسَاء، لأنهنَّ مِلكٌ لله تعالى؛ كما قال - عليه السَّلام - "حديث : لاَ تَمْنَعُوا إِمَاء اللهِ مَسَاجِدَ اللهِ"تفسير : . وكذلك الخلافُ في قوله: {وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكٍ}. وقال بعضهم وَلأَمَةٌ مؤمنةٌ خيرٌ من حُرَّةٍ مُشْرِكَةٍ ولا حاجة إلى هذا التقدير، لأن اللَّفظ مطلق. وأيضاً فقوله: "وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ" يدُلُّ على صفة الحُرِّيَّة؛ لأَنَّ التَّقدير: ولو أعجبتكم بحسنها، أو مالها، أو حرّيتها، أو نسبها، فكُلُّ ذلك داخِلٌ تحت قوله: "وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ". فصل في سبب النُّزُول نزلت هذه الآية في خنساء، وهي وليدةٌ سوداءُ، كانت لحذيفة بن اليمان، قال حذيفة: يا خنساء قد ذكرت في المَلأ الأَعلى على سوادك ودمامتك؛ فأعتقها وتزوجها. وقال السُّدِّيُّ: حديث : نزلت في عبد اللهِ بن رواحة كانت له أَمَةٌ سَوداءُ، فغضب عليها، ولطمها، ثم أتى النَّبيَّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأخبره بذلك، فقال له ـ عليه الصَّلاة والسَّلام ـ: "وَمَا هي"؟ فقال: تشهدُ ألاَّ إله إلا الله، وأنَّك رسُولُ اللهِ، وتُحسن الوضُوء وتُصَلّي فقال: "إنّ هذه مؤمنة" قال عبد اللهِ: فوالَّذي بعثك بالحق نبيّاً، لأعتقها ولأتزوجها، ففعل، فطعن عليه ناسٌ من المُسلمين، وقالوا: تنكح أمة؟! وعرضُوا عليه حُرَّةً مشركة. فأَنزلَ اللهُ هذه الآية تفسير : فصل في بيان الخيريَّة في الآية والخير هاهنا النفع الحسن، والمعنى: أَنَّ المشركة - وإِنْ كانت ثابتة في المال، والجمال، والنَّسب - فالأَمَةُ المُؤْمِنة خيرٌ منها إِلاَّ أن الإيمان يتعلَّق بالدِّين، والمال، والجمال، والنَّسب متعلّق بالدِّين والدُّنيا، ولا شكَّ أَنَّ الدِّين خيرٌ مِنَ الدنيا؛ لأنه أشرف الأشياء عند كل أحد، فإذا اتفق الدين كملت المحبة فتكمل منافع الدنيا من الصحة والطاعة وحفظ الأموال والأولاد، وعند اختلاف الدين لا يحصل شيء من ذلك. فصل في تقرير مذهب أبي حنيفة في القادر على التزوّج بأمة مع وجود الحرة قال الجبائي: دلت الآية على أن القادرعلى طول الحرة يجوز له التزوج بالأمة كمذهب أبي حنيفة؛ لأن الآية دلت على أن الواجد لطول الحرة المشركة يكون - لا محالة - واجداً لطول الحرة المسلمة لأن سبب التفاوت في الإيمان والكفر لا يتفاوت في قدر المال المحتاج إليه في أهبة النكاح فيلزم ـ قطعاً ـ أن يكون الواجد لطول الحرة المسلمة يجوز له نكاح الأَمَةِ، وهو استدلالٌ لطيف. قوله: "وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ"، وقوله: "وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ" هذه الجُمْلَةُ في مَحَلِّ نصب على الحالِ، وقد تقدَّم أنَّ "لَوْ" هذه في مثل هذا التَّركيب شرطيّةٌ بمعنى: "إِنْ" نحو: "رُدُّوا السَّائل، ولو بظَلْفٍ مُحْرَقٍ"، وأنَّ الواوَ لِلْعَطفِ على حالٍ محذوفةٍ، التَّقديرُ: خيرٌ من مشركةٍ على كُلِّ حالٍ، ولو في هذه الحال، وأنَّ هذا يكون لاستقصاءِ الأَحوالِ، وأنَّ ما بعد "لَوْ" هذه إِنَّمَا يأتِي وهو مُنافٍ لِمَا قبلَه بوجهٍ ما، فالإِعجابُ مُنافٍ لحُكْم الخَيْريَّة، ومُقْتَضٍ جوازِ النِّكَاحِ لرغبةِ النَّاكِح فيها. وقال أبو البقاء: "لَوْ" هنا بمعنى "إِنْ" وكذا كُلُّ موضع وقع بعد "لَوْ" الفعلُ الماضِي، وكان جوابُها مُتقدِّماً عليها، وكونها بمعنى "إِنْ" لا يشترط فيه تقدُّمُ جوابها؛ ألا تَرَى أنَّهم قالوا في قوله تعالى: {أية : لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافاً خَافُواْ عَلَيْهِمْ}تفسير : [النساء:9] إنَّها بمعنى: "إنْ" مع أَنَّ جوابها وهو: "خَافُوا" مُتأخِّرٌ عنها، وَقَدْ نَصَّ هو على ذلك في آيةِ النِّسَاءِ قال في خافُوا: وهو جوابُ "لَوْ" ومعناها "إنْ". فصل في نكاح الأَمَةِ الكتابيَّة قال القُرطبيُّ: اختلفوا في نكاح الأَمَةِ الكتابيَّة؛ فقال مالِكٌ: مَنْ أسلم وتحته أَمَةٌ كتابيَّةٌ أَنَّه لا يُفرَّق بينهما. وقال أبو حنيفة وأصحابه: يجوزُ نكاحُ إِماءِ أَهلِ الكِتَابِ. قال ابن العربيّ: احتجّ أصحابُ أبي حنيفة على جواز نكاح الأَمَةِ بقوله تعالى: {وَلأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ} ووجهُ الدلالة: أَنَّهُ تعالى خاير بين نكاح الأَمَة المؤْمِنة والمُشركة، فلولا أَنَّ نكاح الأَمة المشركة جائِزٌ لما خاير بينهما؛ لأَنَّ المخايرة إِنَّما هي بينَ الجائزين، لا بين جائِزٍ وممتنع، ولا بينَ متضادين. والجوابُ: أَنَّ المخايرة بين الضدَّين تجوزُ لغةً وقُرْآناً، قال تعالى: {أية : أَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرّاً وَأَحْسَنُ مَقِيلاً}تفسير : [الفرقان:24]. وقال عمر في رسالته لأبي موسى الأشعري: الرّجوع إلى الحقّ خيرٌ مِنَ التَّمَادِي في الباطل. وجوابٌ آخرُ: أنَّ قوله: "وَلأَمَةٌ" لم يُرد به الرّقَّ المَمْلُوك وإِنَّما أراد به الآدمِيَّات والآدَميين كقوله عليه الصَّلاة والسَّلام: "حديث : لاَ تَمْنَعُوا إِمَاءَ اللهِ مَسَاجِدَ اللهِ" تفسير : وكذا قوله: {وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكٍ} وقوله: {وَلاَ تُنْكِحُواْ ٱلْمُشِرِكِينَ حَتَّىٰ يُؤْمِنُواْ} هذا بالإِجماع المراد منه الكُلّ، وأَنَّ المُؤْمِنة لا يحلُّ تزويجها بكافرٍ البَتَّة على اختلاف أنواع الكُفر، والكلام في قوله: {وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكٍ} على نحو ما تقدَّمَ. فصل في نكاح المجوسيَّة قال القرطبيُّ: اختلفوا في نكاح المجوسية؛ فمنع منه مالكٌ والشَّافعيُّ، وأبو حنيفة، والأوزاعيُّ وإسحاقُ. وقال أحمد: لا يعجبني. وروي أَنَّ حُذيفة بن اليمان تزوَّجَ مجوسية، وأَنَّ عمر بن الخطَّاب قال له: طلِّقها. قال ابن القصَّار: من قال كان لهم كتاب جَوَّزَ نكاحهنَّ. قوله: {أُوْلَـٰئِكَ يَدْعُونَ إِلَى ٱلنَّارِ} وهي نظير قوله تعالى: {أية : مَا لِيۤ أَدْعُوكُـمْ إِلَى ٱلنَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِيۤ إِلَى ٱلنَّارِ}تفسير : [غافر:41]، وفي تأويلها وجوهٌ: الأوَّل: أَنَّهم يدعون إلى ما يُؤَدِّي إلى النَّارِ. فإن قيل: كيف يدعون إلى النَّارِ، ورُبَّما لم يُؤمِنُوا بالنَّار أصلاً، فكيف يدعون إليها؟! والجواب: أنَّهم يدعون إلى ما يؤدِّي إلى النَّارِ، فإنَّ الظَّاهر أن الزَّوجيّة مظنة الأُلفة والمحبة والمَودَّة، وكُلُّ ذلك يُؤَدِّي إلى انتقال المسلم عن الإِسلام بسبب موافقة حبيبه. فإن قيل: احتمالُ المحبَّة حاصِلٌ من الجانين، فكما يحتملُ أَنْ يصير المسلمُ كافراً بسبب الأُلفةِ والمحَبَّةِ يحتمل أيضاً أنْ يصير الكافِرُ مُسْلِماً بسبب الأُلفةِ والمَحبَّة، وإذا تعارض الاحتمالان، تساقطا، وبقي أصل الجوازِ. فالجواب: أَنَّ العمل إذا دار بين أن يلحقه نفع، أو بين أن يلحقه ضررٌ؛ وجب الاحترازُ عن الضَّرَرِ، فلهذا السَّبب رجَّح اللهُ جانب المنعِ. التَّأويل الثَّاني: أنَّهُم يدعون إلى ترك المحاربة والقتال، وفي تركهما وجوب استحقاق النَّار والعقاب، والغَرَضُ منه أَنْ يجعل هذا فرقاً بين الذِّمِّيَّة، وغيرها، فإنَّ الذِّمِّيَّة لا تحمل زوجها على المقاتلة. التَّأويل الثالث: أَنَّ الولد الَّذِي يحدث، ربَّما دعاهُ الكافِرُ إلى الكُفْرِ، فيصير الكافر والولد من أهلِ النَّارِ، فهذا هو الدَّعوة إلى النَّارِ، {وَٱللهُ يَدْعُوۤ إِلَى ٱلْجَنَّةِ} حيثُ أمر بالتَّزْويج بالمسلمة، حتى يكون الولد مسلماً من أهل الجَنَّة. قوله: {وَٱللهُ يَدْعُوۤ إِلَى ٱلْجَنَّةِ وَٱلْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ} فيه قولان: الأول: أَنَّ المعنى: وأولياء اللهِ يدعون إلى الجَنَّة، والمغفرة، فلا جرم أنه ينبغي للعاقل ألاَّ يقرب من مشركة، فإِنَّها من أعداء اللهِ، وأن ينكح المُؤْمنة؛ لأَنَّها تدعُو إلى الجَنَّةِ والمغفرة. الثاني: أنَّهُ سبحانه وتعالى لمَّا بيَّنَ هذه الأَحكام، وأباح بعضها، وحرَّم بعضها قال {وَٱللهُ يَدْعُوۤ إِلَى ٱلْجَنَّةِ وَٱلْمَغْفِرَةِ}؛ لأنَّ من تمسَّكَ بهما اسْتَحَقّ الجنَّةَ. و"والمَغْفِرَة" الجمهورُ على جَرِّ "المَغْفِرَةِ" عطفاً على "الجَنَّةِ" و "بِإِذْنِهِ" مُتعلِّقٌ بـ "يَدْعُو" أي: بتسهيلهِ، وتيسيره، وتوفيقه، وقيل بقضائه وإرادته. وفي غير هذه الآيةِ تقدَّمَت "المَغْفِرَة" على الجنة: {أية : سَابِقُوۤاْ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ} تفسير : [الحديد:21] و {أية : وَسَارِعُوۤاْ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ}تفسير : [آل عمران:133]، وهذا هو الأصل؛ لأنَّ المغفرة سببٌ في دُخُولِ الجَنَّةِ، وإنما أُخِّرَت هنا للمقابلة، فإنَّ قبلَها "يَدْعُو إِلى النَّارِ"، فقدَّم الجَنَّةَ ليقابِلَ بها النَّارَ لفظاً، ولتشوُّقِ النُّفوس إليها حين ذكر دعاءَ اللهِ إليها، فأتى بالأَشْرَفِ. وقرأ الحسن "وَالمَغْفِرَةُ بإذنه" على الابتداءِ والخبرِ، أي: حاصِلةٌ بإذنِهِ. ويبين آياته للناس لعلَّهم يتذكَّرُون، أي: أوامره، ونواهيه.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن أبي حاتم وابن المنذر عن مقاتل بن حبان قال "نزلت هذه الآية في أبي مرثد الغنوي، استأذن النبي صلى الله عليه وسلم في عناق أن يتزوجها وكانت ذا حظ من جمال، وهي مشركة وأبو مرثد يومئذ مسلم. فقال: يا رسول الله إنها تعجبني. فأنزل الله {ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم}". وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس في ناسخه والبيهقي في سننه عن ابن عباس في قوله {ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن} قال: استثنى الله من ذلك نساء أهل الكتاب، فقال {أية : والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب}تفسير : [المائدة: 5]. وأخرج أبو داود في ناسخه عن ابن عباس في قوله {ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن} قال: نسخ من ذلك نكاح نساء أهل الكتاب أحلهن للمسلمين وحرم المسلمات على رجالهم. وأخرج البيهقي في سننه عن ابن عباس في قوله {ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن} قال: نسخت وأحل من المشركات نساء أهل الكتاب. وأخرج ابن أبي حاتم والطبراني عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية {ولا تنكحوا المشركات} فحجز الناس عنهن حتى نزلت الآية التي بعدها {أية : والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم} تفسير : [المائدة: 5] فنكح الناس نساء أهل الكتاب. وأخرج وكيع وابن جرير وابن أبي حاتم والنحاس في ناسخه والبيهقي في سننه عن سعيد بن جبير في قوله {ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن} قال: يعني أهل الأوثان. وأخرج آدم وعبد بن حميد والبيهقي عن مجاهد {ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن} قال: نساء أهل مكة من المشركين، ثم أحل منهم نساء أهل الكتاب. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة {ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن} قال: مشركات العرب اللاتي ليس لهن كتاب. وأخرج عبد بن حميد عن حماد قال: سألت إبراهيم عن تزويج اليهودية والنصرانية، فقال: لا بأس به. فقلت: أليس الله يقول {ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن} ؟ قال: إنما ذاك المجوسيات وأهل الأوثان. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير والبيهقي عن شقيق قال: تزوج حذيفة يهودية فكتب إليه عمر خل سبيلها، فكتب إليه أتزعم أنها حرام فأخلى سبيلها؟ فقال: لا أزعم أنها حرام ولكن أخاف أن تعاطوا المومسات منهن. وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم عن ابن عمر أنه كره نكاح نساء أهل الكتاب، وتأوّل {ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن}. وأخرج البخاري والنحاس في ناسخه عن نافع عن عبد الله بن عمر كان إذا سأل عن نكاح الرجل النصرانية أو اليهودية قال: حرم الله المشركات على المسلمين، ولا أعرف شيئاً من الإِشراك أعظم من أن تقول المرأة: ربها عيسى أو عبد من عباد الله. وأما قوله تعالى: {ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم} . أخرج الواحدي وابن عباس من طريق السدي عن أبي مالك عن ابن عباس في هذه الآية {ولأمة مؤمنة خير من مشركة} قال "حديث : نزلت في عبد الله بن رواحة وكانت له أمة سوداء وأنه غضب عليها فلطمها، ثم إنه فزع فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره خبرها. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ما هي يا عبد الله؟ قال: تصوم، وتصلي، وتحسن الوضوء، وتشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسوله. فقال: يا عبد الله هذه مؤمنة. فقال عبد الله: فوالذي بعثك بالحق لأعتقها ولأتزوّجها ففعل، فطعن عليه ناس من المسلمين وقالوا: نكح أمة، وكانوا يريدون أن ينكحوا إلى المشركين وينكحوهم رغبة في أحسابهم، فأنزل الله فيهم {ولأمة مؤمنة خير من مشركة} ". تفسير : وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن السدي مثله سواء معضلاً. وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل بن حيان في قوله {ولأمة مؤمنة} قال: بلغنا أنها كانت أمة لحذيفة سوداء، فأعتقها وتزوّجها حذيفة. وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد في مسنده وابن ماجة والبيهقي في سننه عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : لا تنكحوا النساء لحسنهن، فعسى حسنهن أن يرديهن، ولا تنكحوهن على أموالهن فعسى أموالهن أن تطغيهن، وانكحوهن على الدين، فلأمة سوداء خرماء ذات دين أفضل ". تفسير : وأخرج البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة والبيهقي في سننه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : تنكح المرأة لأربع: لمالها، ولحسبها، ولجمالها، ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك ". تفسير : وأخرج مسلم والترمذي والنسائي والبيهقي عن جابر "حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: إن المرأة تنكح على دينها، ومالها، وجمالها، فعليك بذات الدين تربت يداك ". تفسير : وأخرج أحمد والبزار وأبو يعلى وابن حبان والحاكم وصححه عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : تنكح المرأة على إحدى خصال: لجمالها، ومالها، ودينها، فعليك بذات الدين والخلق تربت يمينك ". تفسير : وأخرج الطبراني في الأوسط عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : من تزوّج امرأة لعزها لم يزده الله إلا ذلاً، ومن تزوجها لمالها لم يزده إلا فقراً، ومن تزوجها لحسبها لم يزده الله إلاَّ دناءة، ومن تزوج امرأة لم يرد بها إلا أن يغض بصره ويحصن فرجه أو يصل رحمه بارك الله له فيها وبارك لها فيه ". تفسير : وأخرج البزار عن عوف بن مالك الأشجعي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : عودوا المريض، واتبعوا الجنازة، ولا عليكم أن تأتوا العرس، ولا عليكم أن لا تنكحوا المرأة من أجل حسنها فعل أن لا يأتي بخير، ولا عليكم أن لا تنكحوا المرأة لكثرة مالها فعل مالها أن لا يأتي بخير، ولكن ذوات الدين والأمانة ". تفسير : وأما قوله تعالى: {ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا} . أخرج ابن جرير عن أبي جعفر محمد بن علي قال: النكاح بوليّ في كتاب الله، ثم قرأ {ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا} . وأخرج أبو داود والترمذي وابن ماجة والحاكم وصححه والبيهقي في سننه عن أبي موسى "حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا نكاح إلا بوليّ ". تفسير : وأخرج ابن ماجة والبيهقي عن عائشة وابن عباس قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : لا نكاح إلا بوليّ، وفي حديث عائشة: والسلطان ولي من لا ولي له ". تفسير : وأخرج الشافعي وأبو داود والترمذي وحسنه والنسائي وابن ماجة والحاكم وصححه والبيهقي في سننه عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل ثلاثاً، فإن أصابها فلها المهر بما استحل من فرجها، وإن استجرأوا فالسلطان ولي من لا ولي له ". تفسير : وأخرج ابن ماجة والبيهقي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : لا تزوّج المرأة المرأة ولا تزوّج المرأة نفسها، فإن الزانية هي التي تزوّج نفسها ". تفسير : وأخرج البيهقي عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : لا نكاح إلا بوليّ وشاهدي عدل ". تفسير : وأخرج البيهقي عن عمران بن حصين قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : لا يجوز نكاح إلا بوليّ وشاهدي عدل ". تفسير : وأخرج مالك والبيهقي عن عمر بن الخطاب قال: لا تنكح المرأة إلا بإذن وليها، أو ذي الرأي من أهلها، أو السلطان. وأخرج الشافعي والبيهقي عن ابن عباس قال: لا نكاح إلا بوليّ مرشد وشاهدي عدل. وأما قوله تعالى: {ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم} . أخرج البخاري وابن ماجة عن سهل بن سعد قال "حديث : مر رجل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ما تقولون في هذا؟ قالوا: حري إن خطب أن ينكح، وإن شفع أن يشفع، وإن قال أن يستمع. قال: ثم سكت، فمر رجل من فقراء المسلمين فقال: ما تقولون في هذا؟ قالوا: حري إن خطب أن لا ينكح، وإن شفع أن لا يشفع، وإن قال لا يُستمع. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هذا خير من ملء الأرض مثل هذا ". تفسير : وأخرج الترمذي وابن ماجة والحاكم وصححه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم"حديث : إذا خطب إليكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه، إن لا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض ". تفسير : وأخرج الترمذي والبيهقي في سننه عن أبي حاتم المزني قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فانكحوه، إن لا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض. قالوا: يا رسول الله وإن كان فيه؟ قال: إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فانكحوه ثلاث مرات ". تفسير : وأخرج الحاكم وصححه عن معاذ الجهني "حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من أعطى لله، ومنع لله، وأحب لله، وأبغض لله، فقد استكمل إيمانه ".
القشيري
تفسير : صلة حبل الدين والتمسك بعصمة المسلمين أتم من الرضا بأن تنتهي إلى أحدٍ يسلك إلى الكفر، ولئن كانت رخصة الشريعة حاصلة في فعله فإشارة الحقيقة مانعة من حيث التبرئة عن اختياره، هذا في الكتابيات اللاتي يجوز مواصلتهن، فأما أهل الشِرْك فحرامٌ مواصلتهم قطعاً، وأوجهُ مباينتهم في هذا الباب حُكْمٌ جَزْمٌ.
اسماعيل حقي
تفسير : {ولا تنكحوا} بفتح التاء اى لا تتزوجوا {المشركات} اى الحربيات فان الكتابيات وان كانت من المشركات الا انه يجوز تزوجها عند الجمهور استدلالا بقوله تعالى فى سورة المائدة {أية : والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم} تفسير : [المائدة: 5]. وسورة المائدة كلها ثابتة لم ينسخ منها شىء اصلا {حتى يؤمن} اى يصدقن بالله وبمحمد صلى الله تعالى عليه وسلم ـ روى ـ انه عليه السلام بعث مرثدا الغنوى الى مكة ليخرج منها اناسا من المسلمين سرا فاتته عتاق وكان يهواها فى الجاهلية فقالت ألا تخلو فقال ان الاسلام حال بيننا فقالت هل لك ان تتزوج بى فقال نعم ولكن استأمر رسول الله عليه السلام فاستأمره فنزلت {ولأمة مؤمنة} مع ما بها من خساسة الرق وقلة الخطر {خير} بحسب الدين والدنيا {من مشركة} اى امرأة مشركة مع مالها من شرف الحرية ورفعة الشأن {ولو اعجبتكم} تلك المشركة بجمالها ومالها ونسبها وبغير ذلك من مبادى الاعجاب وموجبات الرغبة والواو للحال ومعنى كونها للحال كونها عاطفة لمدخولها على حال محذوفة قبلها والتقدير خير من مشركة على كل حال ولو فى هذه الحالة والمقصود من مثل هذا التركيب استقصاء الاحوال. وفى تفسير الكواشى لو هنا بمعنى ان وكذا كل موضع وليها الفعل الماضى وكان جوابها مقدما عليها والمعنى وان كانت المشركة تعجبكم وتحبونها فان المؤمنة خير لكم {ولا تنكحوا} بضم التاء من الانكاح {المشركين} اى الكفار اعم من الوثنى وغيره اى لا تزوجوا منهم المؤمنات سواء كن حرائر ام اماء {حتى يؤمنوا} ويتركوا ما هم عليه من الكفر. قال ابن الشيخ فى حواشيه اى لا تزوجوهم الصغيرات من بناتكم ومن فى حكمهن ممن هو تحت ولايتكم ولا تزوج البالغات من المؤمنات منهم انفسهم فقوله ولا تنكحوا من قبيل تغليب الذكور على الاناث ولا خلاف فى هذا الحكم فان المشرك هنا باق على عمومه ولا يحل تزويج المؤمنة من الكافر البتة على اختلاف انواع الكفر {ولعبد مؤمن} مع ما به من ذل المملوكية {خير من مشرك} مع ما به من عز المالكية {ولو اعجبكم} بماله وجماله وخصاله {اولئك} المذكورون من المشركين والمشركات {يدعون} من يقارنهم ويعاشرهم {الى النار} اى الى ما يؤدى اليها من الكفر والفسوق فلا بد من الاجتناب عن مقارنتهم ومقاربتهم {والله} اى واولياؤه يعنى المؤمنين حذف المضاف واقام المضاف اليه مقامه تفخيما لشأنهم {يدعوا الى الجنة والمغفرة} اى الى الاعتقاد الحق والعمل الصالح الموصلين اليهما فهم الاحقاء بالمواصلة {باذنه} متعلق بيدعو اى يدعو ملتبسا بتوفيقه الذى من جملته ارشاد المؤمنين لمقارنيهم الى الخير ونصيحتهم اياهم {ويبين آياته} المشتملة على الاحكام الفائقة والحكم الرائقة {للناس لعلهم يتذكرون} اى لكى يتذكروا ويعملوا بما فيه فيفوزوا بما دعوا اليه من الجنة والغفران وايراد التذكر ههنا للاشعار بانه واضع لا يحتاج الى التفكر كما فى الاحكام السابقة ففى الآية نهى عن مواصلة الكفار وترغيب فى مواصلة المؤمنين ولا ينبغى للمؤمن ان تعجبه المشركة بمالها وجمالها فان من المسلمات من تدفع التعجب. وفى المحيط مسلم رأى نصرانية سمينة وتمنى ان يكون هو نصرانيا حتى يتزوجها يكفر وهذا من حماقته فان السمان الحسنة كثيرة فى الملة الحنيفية ولكن علة الضم هى الجنسية كما قال تعالى {أية : الزانى لا ينكح إلا زانية أو مشركة} تفسير : [النور: 3]. وميل الطباع القذرة الى الدنيا العذرة قال تعالى {أية : الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات والطيبات للطيبين}تفسير : [النور: 26]: ونعم ما قيل شعر : همه مرغان كندبا جنس يرواز كبوتر با كبوتر بازباباز تفسير : ومن بلاغات الزمخشرى لا ترض لمجالستك الا اهل مجانستك اى لا ترض ان يكون لك جليس من غير جنسك فان العذاب الشديد ليس الا هو. قال فى اسئلة الحكم واما اختلاف الاخلاق فمن تعارف الارواح بعضها ببعض فى عالم الارواح قبل تلاقى الاشباح فى عالم الشهادة فمن تعارف روحه بروح صالح صلح بتعارفه الازلى فمن هنا اختلاف الاخلاق صلاحها وفسادها فلا بد من مناسبة اما من الجهة الجسمانية او من الجهة الروحانية فالجهة الجسمانية راجعة الى قابلية الطين والطبيعة الروحانية راجعة الى المناسبة الروحانية السابقة انتهى. قال الامام السخاوى فى المقاصد الحسنة عند قوله عليه السلام "حديث : الارواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف" تفسير : سبب ورود هذا الحديث حديث : ما روته عائشة رضى الله عنها ان امرأة كانت بمكة تدخل على نساء قريش تضحكهن فلما هاجرن ووسع الله تعالىدخلت المدينة قالت عائشة فدخلت على فقلت لها فلانة الى من قدمت قالت اليكن قلت فأين نزلت قالت على فلانة امرأة كانت تضحك بالمدينة قالت عائشة ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال "فلانة المضحكة عندكم" قالت عائشة نعم قال "فعلى من نزلت" قالت على فلانة المضحكة قال "الحمد لله ان الارواح" تفسير : الخ: قال بعضهم شعر : بينى وبينك فى المحبة نسبة مستورة عن سر هذا العالم نحن اللذان تحاببت ارواحنا من قبل خلق الله طينة آدم تفسير : انتهى كلام السخاوى: قال الحسين الكاشفى شعر : جاذب هر جنس راهم جنس دان جنس برجنس است عاشق جاودان تفسير : وفى المثنوى شعر : تلخ باتلخان يقين ملحق شود كىدم باطل قرين حق شود طيبات آمد بسوى طيبين مر خبيثين را خبيثا تست هين تفسير : واعلم انه ركز فى العقول الميل الى الخير ومخالفة الشر فللعاقل ان يتذكر فان من كان بصيرا بنفسه ومتأملا فى حاله ينقطع عن اخوانه الداعين الى خلاف الحق ويصيخ الى داعى الهوى وقد قال بعض كتار العجم (الله بسى باقى هوس) قال تعالى {أية : إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا} تفسير : [الكهف: 7]. والمقربون قد فروا الى الله تعالى من جميع ما فى ارض الوجود ولم يلتفتوا الى شىء سوى وجهه الكريم ولم يريدوا من المولى غير المولى فكانوا احسن نية وعملا وهذا صراط مستقيم اللهم الهمنا رشدنا واعذنا من شر نفسنا انك انت المجيب.
ابن عجيبة
تفسير : قلت: بدأ الحقّ جلّ جلاله بذكر محل النكاح، وسيأتي في سورة النساء تمامه في قوله:{أية : حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ...}تفسير : [النِّساء: 23] الآية. يقول الحقّ جلّ جلاله: ولا تتزوجوا النساء {المشركات حتى يؤمن}، ونكاحهن حرام، بخلاف الكتابيات، كما في سورة المائدة. ونكاح أمة سوداء {مؤمنة خير من} نحكاح {مشركة ولو أعجبتكم} حُسناً وحسباً ومالاً، أو: ولا مرأةٌ مؤمنة أمة كانت أو حُرة خَيْرٌ من مشركة؛ إذ النساء كلهم إماء الله. رُوِيَ أنه عليه الصلاة والسلام - بعث مَرْثَداً الغَنَوي إلى مكة ليُخرج منها نَاساً من المسلمين فأَتتْه امرأة يقال لها: عناق، وكان يهواها في الجاهلية - فقالت: ألا تخلو؟ فقال: إن الإسلام حال بيننا، فقالت: هل لك أنْ تتَزَوج بي؟ فقال: نعم، ولكن أستشير رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستشاره، فنزلت الآية. البيضاوي. ولا تُزوجوا {المشركين} وليَّتَكم، وهو حرام مطلقاً؛ إذ الرجال قوامون على النساء، ولا تَسلُّطَ للكافر على المسلمة، فلا تُنكحوهم {حتى يؤمنوا}، {ولعبد} أسود مملوك {مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم} حسباً ومالاً؛ إذ لا حسب مع الكفر، وإنما حرَّم نكاح أهل الكفر؛ لأنهم {يدعو إلى} الكفر، وهو سبب {النار}، والصحبة توجب عقد المحبة، والطباع تُسْرق، فلا يَؤمنُ جانب الكفر أن يغلب على الإيمان، {والله} تعالى إنما {يدعو إلى} سبب {المغفرة} والتطهير من لَوث الكفر والمعاصي {بإذنه} وقدرته، فلا يأمر إلا بما يقوى عقد الإيمان واليقين، ويُنهض إلى الطاعات، وهو صحبة أهل الإيمان واليقين، {ويُبين آياته} الدالّة على جمع عباده إليه {لعلهم يتذكرون} فيها، ويتعظون بتذكيرها ووعظها. الإشارة: لا ينبغي للفقير أن يعقد مع نفسه عقد الصحبة والمودة، أو ينظر إليها بعين الشفقة والرحمة، ما دامت مشركة بشهود السّوى، أو مائلة بطبعها إلى الهوى، ولأن تكون عندك نفس مؤمنة بعلم التويد، خير من نفس مشركة برؤية الغير، ولو أعجبتك في الطاعة، وظهور الاستقامة، فقد تُظْهر الطاعة والخدمة، وتُبطن مالها فيها من الحظوظ والمتعة، فليتهمها ما دامت مشركة، فإذا آمنت ووحدت الله تعالى، فلم تر معه سواه، فلا بأس بعقد النكاح معها، فإنها لا تأمره إلا بما يقوي شهودها وتوحيدها. وكذلك لا ينبغي أن يعقد نكاح نفسه، ويدفعها لمن يشهد السّوى، شيخاً أو أخاً، ولو أعجبك طاعته واجتهاده، ولأن تصحب جاهلاً لا يرضى عن نفسه، خير من أن تصحب عالماً يرضى عن نفسه، أولئك أهل النفوس - يدعون إلى نار الشهوات والحظوظ العاجلة أو الآجلة، والله يدعو إلى التطهير من شهود الأغيار، والدخول في حضرة الأسرار، وهذا لا يكون إلا للعارفين الأبرار؛ الذين تطهروا من الأكدار، وتخلصوا من شهود الأغيار، كذلك يُبين الله آياته الناس - الدالّة على وحدانيته - لعلهم يتعظون فينزجرون عن متابعة الهوى، أو رؤية وجود السوى. وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق. ولما بيَّن الحقُ تعالى ما يحرم في النكاح أصالَةً، بيَّن ما يحرم فيه عُروضاً.
الطوسي
تفسير : اللغة: نكح ينكح نكحاً ونكاحاً: إذا تزوج، وأنكح غيره إنكاحاً: إذا زوّجه وتناكحوا تناكحاً، وناكحه مناكحة قال الاعشى: شعر : ولا تقربنّ جارة إن سرّها عليك حرام فانكحن أو تأبدا تفسير : أي تعفف وأصل الباب التزويج. المعنى: وهذه الآية على عمومها - عندنا - في تحريم مناكحة الكفار، وليست منسوخة ولا مخصوصة. وقال ابن عباس في رواية شهر بن حوشب عنه قال: فرق عمر بين طلحة وحذيفة وبين إمرأتيهما اللتين كانتا عندهما وقال غيره عن ابن عباس، وإليه ذهب الحسن، ومجاهد والربيع: هي عامة إلا أنها نسخت بقوله: {والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب}، وقال قتادة، وسعيد بن جبير: هي على الخصوص، وإنما اختير ما قلناه لأنه لا دليل على نسخها، ولا على خصوصها، وسنبين وجه الآية في المائدة اذا انتهينا إليها. فأما المجوسية، فلا يجوز نكاحها إجماعاً. والذي لا يجوز: أن يتزوج مسلمة إجماعاً، وامراحاً واجباراً. وقوله {ولأمة مؤمنة خير من مشركة} فالأمة: المملوكة. يقال أقرت بالأموة أي بالعبودية وأميت فلانة، وتأميتها اذا جعلتها أمة قال الراجز: شعر : يرضون بالتعبيد والتآمي تفسير : وجمع أمة إماء وأآم وأصل الباب العبوديه، وأصل أمة فعلة بدلالة قولهم أماء واآم في الجمع نحو أكمة وأكام واآكم. والفرق بين {ولو أعجبكم} وبين إن أعجبكم: أن لو للماضي وإن للمستقبل وكلاهما يصح في معنى الآية، ولا يجوز نكاح الوثنية إجماعاً، لأنها تدعو الى النار كما حكاه الله تعالى، وهذه العلة بعينها قائمة في الذمية من اليهودية والنصارى، فيجب أن لا يجوز نكاحها. وفي الآية دلالة على جواز نكاح الأمة المؤمنة مع وجود الطول، لقوله {ولأمة مؤمنة خير من مشركة} فأما الآية التي في النساء، وهي قوله: {أية : ومن لم يستطع منكم طولاً}تفسير : فإنما هي على التنزيه دون التحريم، ومتى أسلم الزوجان معاً ثبتا على النكاح - بلا خلاف - وبه قال الحسن. وإن أسلمت قبله طرفة عين، فقد وقعت الفرقة - عند الحسن، وكثير من الفقهاء، وعندنا ينتظر عدتها فان أسلم الزوج بنينا أن الفرقة لم تحصل، ورجعت إليه، وإن لم يسلم بنينا أن الفرقة وقعت حين الاسلام غير أنه لا يمكن من الخلو بها. فان أسلم الزوج وكانت ذمية استباح وطؤها بلا خلاف. وإن كانت وثنية انتظر إسلامها ما دامت في العدة، فان أسلمت ثبت عقده عليها، وإن لم تسلم بانت منه. فان قيل: كيف قيل للكافر الموحد مشرك: قيل فيه قولان: أحدهما - أن كفره نعمة الله بمنزلة الاشراك في العبادة في عظم الجرم. والآخر ذكره الزجاج - وهو الأقوى -، لأنه اذا كفر بالنبي (صلى الله عليه وسلم) فقد أشرك فيما لا يكون إلا من عند الله، وهو القرآن بزعمه أنه من عند غيره. وقوله {بإذنه} معناه أحد أمرين: أحدهما - باعلامه. والآخر - بأمره، وهو قول الحسن، وأبي علي وغيرهما.
الجنابذي
تفسير : {وَلاَ تَنْكِحُواْ ٱلْمُشْرِكَاتِ} عطف باعتبار المعنى فانّ قوله تعالى: {قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ} وقوله تعالى: {وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ} معناه: أصلحوا لهم وخالطوهم نحو مخالطة الاخوة ووجه المناسبة أنّهم كانوا يتكفّلون اليتيمة ويخالطونها فى بيوتهم للنّكاح ان كانت ذات مالٍ، وان لم تكن ذات مالٍ أعرضوا عنها، وربّما كانت تجتمع عند الرّجل عدّة نساءٍ من اليتامى لم يكن يقوم بحقوقهنّ فقال تعالى بطريق العموم: ولا تنكحوا المشركات من اليتامى وغيرهنّ {حَتَّىٰ يُؤْمِنَّ} ولا منافاة بين هذه الآية وبين آية احلال الكتابيّات حتّى يكون احداهما ناسخة للاخرى {وَلأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ} بجمالها او مالها او حسبها او نسبها {وَلاَ تُنْكِحُواْ ٱلْمُشِرِكِينَ حَتَّىٰ يُؤْمِنُواْ وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُوْلَـٰئِكَ} المشركون والمشركات {يَدْعُونَ إِلَى ٱلنَّارِ} اى الى الشّرك المؤدّى الى النّار فحقّهم عدم المخالطة والمصاهرة {وَٱللَّهُ يَدْعُوۤاْ إِلَى ٱلْجَنَّةِ وَٱلْمَغْفِرَةِ} حقّ العبارة ان يقول: والمؤمنون والمؤمنات يدعون الى الجنّة لكنّه عدل عنه اشعاراً بانّ دعاء المؤمنين دعاء الله. تحقيق تكيّف النّفوس من مجاورها اعلم انّ نفس الانسان قبل ان تستكمل وتتمكّن فى شيءٍ من السّعادة والشّقاوة قابلة محضة تتأثّر من كلّ ما تجاوره كالمرآة الصّافية الّتى ينطبع فيها كلّ ما يواجهها والمسلم والمسلمة والمؤمن والمؤمنة بواسطة الاتّصال بالنّبىّ (ص) والولىّ (ع) بالبيعة العامّة او الخاصّة ينطبع فى نفس كلّ منهم فعليّة ما من النّبىّ (ص) او الولىّ (ع) وكلّ من يجاوره يتأثّر ممّا انطبع فيه والمشرك والمشركة سواء كان الشّرك بالله او بالرّسالة او بالولاية ينطبع من الشّيطان فعليّة ما فى نفس كلّ منهما وكلّ من يجاوره يتأثّر ممّا انطبع فيه وينطبع فيه شيءٌ ما منه، ومنه يعلم وجه خيريّة العبد المسلم والامة المسلمة من المشرك والمشركة فانّهما مظهران للنّبىّ (ص) وهما مظهران للشّيطان، ويعلم ايضاً وجه العدول الى قوله تعالى: {الله يدعو الى الجنّة} فانّ فعليّة النّبىّ (ص) بما هو نبىٌّ فعليّة من الله ويظهر وجه نسبة الدّعوة الى المشركين بطريق العموم وتأدية الفعل بالمضارع الدّالّ على الاستمرار مع انّ اكثر المشركين لا يدعون احداً ومن يدعو لا يدعو مستمرّاً، وهكذا الحال فى جانب المسلمين لانّ هذا التأثّر والانطباع لا يكون باللّسان والاستماع بل قد يكون اللّسان والسّماع معدّين له {بِإِذْنِهِ} اى باباحته وترخيصه وهو متعلّق بيدعو وبه وبيدعون على سبيل التّنازع والمقصود انّ دعاء المشركين والمسلمين ليس بدون اذن الله تعالى وترخيصه لانّ جعله تعالى النّفوس بحيث تنطبع فيها فعليّة مجاورها وفعليّة الشّيء بحيث تؤثّر فيما تجاوره انّما هو بجعله تعالى وجعله اذنه التّكوينىّ {وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ} عطف على يدعو يعنى انّ هذه الدّعوة التّكوينيّة من آيات حكمته وقدرته تعالى وتأثّر المجاور وظهور تلك الدّعوة فيه بيان للآيات، او المراد انّه يبيّن احكامه الشرعيّة بلسان أنبيائه (ص) وأوصيائهم (ع) {لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} بدقائق الحكم المودعة فى الآيات بسبب ظهور آية الشّرك من المشرك والمشركة وآية الاسلام من المسلم والمسلمة فيهم او بسماع الآيات والاحكام من الانبياء عليهم السّلام.
الأعقم
تفسير : قوله تعالى: {ولا تنكحوا المشركات} الآية، قيل: نزلت في مرثد بن ابي مرثد بعثه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) الى مكة ليخرج ناساً منها من المسلمين وكان رجلاً قوياً شجاعاً فرأته إمرأة تسمَّى عناق من اصحاب الرايات الى نفسها فأبى وقال لها: ان الله تعالى حرم الزنا، قالت: فانكحني، قال: حتى أستأذن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فنزلت الآية وهي تدل على تحريم نكاح المشركة {ولا تنكحوا المشركين} الآية تدل على تحريم تزويج الكفار بالمسلمة والاجماع على ذلك {ويسألونك عن المحيض قل هو أذى} الآية، قيل: كانوا في الجاهلية يجتنبون مواكلة الحائض ومشاربتها ومجالستها كفعل اليهود والمجوس فسألوا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عن ذلك فنزلت الآية، وقيل: كانوا يأتون النساء في أدبارهن أيام الحيض فلما سألوا عنه بيّن تحريمه، قوله تعالى: {نساؤكم حرث لكم} الآية نزلت في اليهود لما قالوا: إذا أتى الرجل المرأة من خلفها في قبلها خرج الولد أحول فذكر ذلك لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فكذبهم الله ونزلت الآية: {فأتوا حرثكم أنّى شئتم} جامعوا كيف شئتم من حيث امركم الله عبَّر بالحرث عن الفرج مجازاً والنطفة بالبذر والولد بالزرع والآية تدل على أنّ للرجل أن يأتي المرأة في قبلها كيف شاء وتدل على بطلان من أباح اتيان النساء في أدبارهن على ما يحكى عن مالك لأنه ليس بموضع حرث وقد وردت السنَّة بتحريمه وتعظيم الأمر فيه {وقدموا لأنفسكم} ما يجب تقديمه من الأعمال الصالحة، وقيل: هو طلب الولد، وقيل: التسميَة عند الوطء.
اطفيش
تفسير : {وَلا تَنكِحُوا المشُرِكَاتِ حتَّى يؤمِنَّ}: أى لا تتزوجوا أيها المؤمنون النساء المشركات حرائر أو إيماء حتى يؤمن، والآية بلفظها تشمل الكتابيات، لأن أهل الكتاب الذين بلغهم أمر النبى ولم يتبعوه مشركون، ولو عملوا بالتوراة والإنجيل، بل لا يتصور أن يكونوا عالمين عاملين بها مع عدم اتباعه صلى الله عليه وسلم، لأنه صل الله عليه وسلم مذكورٌ فيهما، مأمور فيهما باتباعه، والإيمان به، وبنسخ ما ينسخ على يديه، وكذلك من لم يبلغه أمره صلى الله عليه وسلم منهم، وقال: عزير ابن الله، أو قال المسيح ابن الله، وقد قال الله جلا جلاله:{أية : وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله}تفسير : إلى قوله تعالى:{أية : سبحانه عما يشركون}تفسير : ولكن خصت من عموم المشركات فى هذه الآية النساء الحرائر المحصنات الكتابيات لآية المائدة:{أية : والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب}تفسير : فهن حلال لمن يتزوجهن من المؤمنين، وهذا تخصيص من عموم والعمل بالخاص لا نسخ عموم، وسورة المائدة ثابتة كلها لم ينسخ منها شئ، وقال جابر بن عبد الله، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : تزوجوا نساء أهل الكتاب ولا تزوجونهم نساءنا"تفسير : وكانت الصحابة كابن مسعود يتزوجون نساء أهل الكتاب الحرائر المحصنات، ولم يظهر من أحد منهم إنكار لذلك، فكان إجماعاً على الجواز، وكره عمر بن الخطاب تزوجهن كراهة تنزيه لا تحريم، إذ كثرت المؤمنات، وزعم بعض العلماء أنه لا يجور تزوجهن، لأن لفظ المشركات يتناولهن، والتخصيص والنسخ خلاف الأصل، ولعله ممن يعمل بالعام لا بالخاص وهو خطأ، ثم إن قتادة وسعيد بن جبير قالا: الآية عامة فى كل كافرة وخصصتها آية المائدة ولم يتناول العموم قط الكتابيات، أى لم يتناولهن العموم فى المعنى، فضلا عن (أن) يقال: آية المائدة ناسخة لهذا العموم، ولو تناولهن لفظاً لقوله بالتخصيص، وقال ابن عباس والحسن ومالك: يتناولهن العموم ثم نسخت آية المائدة بعض العموم، وهو عموم الكتابيات، وزعمت طائفة أنه يجوز تزوج كل كافرة تقول لا إله إلا الله، ولا تجعل مع الله إلهاً آخر، وهذا خطأ، وعن الحسن، إذا قالت الكتابية لا إله الله فطأها، ولا يجوز عند الجمهور منا تسرى إماء الكتابيات حتى يؤمن، وأجازه ابن عباس والشيخ هود رحمهم الله، وليس كذلك، لأنه صلى الله عليه وسلم انتظر بتسرى إحدى الأمتين مارية وأختها أن تسلم فسبقت بالإسلام مارية فتسراها، وهما كتابيتان، وروى أنه صلى الله عليه وسلم بعث مرثد بن أبى مرثد الغنوى وقيل يكنى أبا مرثد الغنوى، واسمه يسار بن حصين حليف حمزة بن عبد الله وقد شهد بدراً إلى مكة ليُخِرجَ منها سرا ناساً من المسلمين يعذبهم المشركون فيها على الإسلام، وكان صلى الله عليه وسلم لا يزال يبعث فى ذلك، وروى أنه بعثه ليأتى بحاطب بن أبى بلتعة حليف الزبير بن العوام، وكان يعرب بمكة على الإسلام، فأتته عناق، إذ دخل مكة فقالت ألا تخلوا، وكان يهواها فى الجاهلية، فقال: إن الإسلام قد حال بيننا، فقالت: هل لك أن تتزوج بى فقال: نعم، ولكن أستأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستأمره فنزلت الآية، ويروى أنها كانت ذات جمال ومال، وكان يأتيها، ولما أسلم أعرض عنها وكره مع ذلك أن يتزوجها، ودخل مكة ليلا متقنعاً فعرفته عناق، فقالت له: مرحباً مرحباً فدعته إلى نفسها فقال: ويحك فإنك حرام على. وقد أسلمت والإسلام حجزنى عنك، ولكن أتزوجك إن شئت فقالت: إنى أتبرز، أى أذهب لقضاء حاجة الإنسان، فلما خرجت هتفت به: يا أهل الأبطح هلموا إلى هذا الذى جاءكم مرثد يذهب بأصحابه فأقبلوا فى طلبه فاختفى فى جبل فكفهم الله عنه، فانطلق إلى حاطب فأخرجه وهو مقيد فكسر عنه قيده عند العقبة، ثم انطلق به إلى المدينة يحمله عقبة ويعدو به عقبة، ثم أوصله فى ستة أيام، فذكر لحمزة بن عبد المطلب أمر عناق، فقال مرثد: أريد أن أتزوجها فما ترى؟ فقال: أرى أن تستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت الآية، وقيل: قال لها أرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أستأمره، فقالت: أبى تتبرح؟ واستغاثت عليه فضربوه ضرباً شديداً ثم خلوا سبيله، وقضى حاجته ثم انصرف إلى المدينة فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت، وقرأ الأعمش بضم تاء تنكحوا، أى لا تزوجوا المشركات للموحدين لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن. {ولأمَةٌ مؤمِنةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْركَةٍ ولَوْ أَعْجَبَتْكُم}: أى إن الأمة المملوكة المؤمنة خير من مشركة حرة شريفة النسب ذات مال وجمال وجود، ولو أعجبتكم المشركة بذلك. قيل: نزلت فى وليدة سوداء تسمى خنساء كانت لحذيفة بن اليمانى، قال حذيفة لها: لا أراك قد ذكرت فى الملأ الأعلى، ولما نزلت الآية أعتقها وتزوجها، وقيل: لا نزلت الآية فقال لها: يا خنساء قد ذكرت فى الملأ الأعلى سوادك ودمامتك، ثم أعتقها وتزوجها. وقيل نزلت فى مَنْ عاب مَنْ يتزوج أمة ورغب فى تزوج حرة مشركة، قالوا: حديث : كانت عند عبد الله بن رواحة أمة سوداء فغضب عليها يوماً فلطمها، ثم فزع فأتى النبى صلى الله عليه وسلم فأخبره فقال: "وما هى يا عبد الله؟" فقال: هى تشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، وتصوم رمضان وتحسن الوضوء، وتصلى. فقال: "هذه أمة مؤمنة" قال عبد الله: والذى بعثك بالحق لأعتقنها ولأتزوجها، ففعل، فطعن عليه ناس من المسلمين، فقالوا: أتنكح أمة: وعرضوا عليه حرة مشركة، فأنزل الله هذه الآيةتفسير : ، والواو للحال، وصاحب الحال ضمير مشركة أو منعوتة المحذوف، أى امرأة وهى معجبة، أى حال كونها معجبة لكم فيفهم بالأولى، حكم ما إذا لم تعجبهم وليس كما قيل إن معنى الحال فى مثل العطف على حال محذوف، أى: لم تعجبكم ولو أعجبتكم، بل هذا وجه آخر تكون الواو فيه عاطفة. قال السعد: وأما الواو الداخلة على الشرط المدلول على جوابه بما قبله من الكلام، وذلك إذا كان ضد الشرط لمذكور أولى باللزوم لذلك الكلام السابق الذى هو كالعوض عن الجزاء من ذلك الشرط، كقوله: أكرمه وإن شتمنى، واطلبوا العلم ولو بالصين، فذهب صاحب الكشاف إلى أنها للحال، والعامل فيها ما تقدم من الكلام، وعليه الجمهور، وقال الجيزى: إنها للعطف على محذوف هو ضد الشرط المذكور، أى أكرمه إن لم يشتمنى وإن شتمنى، واطلبوا العلم لو لم يكن بالصين ولو كان بالصين، وقال بعض المحققين من النحاة: إنها اعتراضية، ويعنى بالجملة الاعتراضية ما يتوسط بين أجزاء الكلام متعلقاً به معنى مستأنفاً لفظاً على طريق الالتفات كقوله: فأنت طلاق والطلاق إليه، وقوله: شعر : نرى كل من فيها وحاشاك فانيا تفسير : وقد تجئ بعد تمام الكلام كقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أنا سيد ولد آدم ولا فخر ". تفسير : {ولا تُنكِحُوا المشْرِكينَ}: ولو كتابيين. {حتَّى يُؤمِنُوا}: وتنكحوا بضم التاء من أنكح أى لا تصيروا المشركين أزواجاً للمؤمنات، أى لا تزوجوهم المؤمنات يا أولياؤهن وساداتهن وكل من يلون تزويجها من النساء ولو بوكالة، ولا تزوج البالغة نفسها فضلا عن أن يقال إن الذكور غلبوا فى الآية على الإناث، وإن المعنى لا يزوج الأولياء الصغار من الإناث، ولا تزوج البالغات أنفسهن بالمشركين، لأن المرأة لا تزوج نفسها، بل وليها أو من يقوم مقامه بوكالة، وإن لم يكن أو غاب فنحو إمام أو من توكل، إلا أن يراد لا ترضى ولا تدخل فى ذلك بإجازة أو كلام، وذلك أنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا نكاح إلا بولى ". تفسير : {ولعَبْدٌ مؤْمنٌ خَيرٌ مِن مُشْركٍ}: حر شريف ذى مال وجمال. {وَلَوْ أعْجَبَكُم}: ذلك المشرك بشرفه وماله وحريته، ويجوز أن يكون المراد بالأمة المؤمنة المرأة المؤمنة حرة أو أمة، وبالعبد المؤمن الرجل المؤمن حراً أو عبداً، لأن الناس كلهم عبيداً لله، وإماء له، وأكد النهى عن المشركات، ورغب فى المؤمنات بتعليله بقوله: {ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم}، والنهى عن المشركين بتعليله، ورغَّب فى المؤمنين بقوله: {ولعبد مؤمن خير من مشرك}، والتعليلان معنويان، إذ ليس فى اللفظ أداة التعليل وأكد أيضاً بالجملة الإسمية ولام الابتداء فى الموضعين، وزاد تعليلا جملياً مؤكداً مستأنفا لذلك كله بقوله: {أولئِكَ يَدعُونَ إلَى النَّار}: أى المشركين والمشركات يدعون إلى النار، أى إلى ما يؤدى إليها وهو الشرك والذنوب، فكيف تليق موالاتهم ومصاهرتهم. وإنما فسر الدعاء إلى النار بالدعاء إلى موجبها، لأن المشرك لا يدعو إلى حقيقة النار، ولأنه قد لا يؤمن بها فكيف يدعو إليها. {واللّهُ يَدْعُوا إلى الجنَّةِ وَالمغْفِرَةِ بإذْنِهِ}: أى وأولياء الله المؤمنين والمؤمنات يدعون إلى الجنة والمغفرة بإذنه، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه تعظيما لشأنهم باستثمار أنما يدعو الله إليه هو نفس ما يدعو إليه المؤمنون، ودل على هذا المضاف ذكر مقابله فى قوله: {أولئك يدعون إلى النار}، بقرينة أن الكلام فى المقارنة بمن يليق ومن لا يليق، والمؤمن والمؤمنة هما اللائقان بالمقارنة بالنكاح، والمراد أيضاً بالدعاء إلى الجنة والمغفرة الدعاء إلى ما يوجبها بمقتضى الوعد، والتفضل من الإيمان والعمل الصالح، وعدم الإصرار، فالمؤمن والمؤمنة هما الأحقان بالمصاهرة والمواصلة لدعائهما إلى ذلك، وأما المشركون فترائى نارهم عن الحرب فقط، وبإذنه متعلق بيدعو أو بالمغفرة، أى بإرادته وقضائه، أو بتوفيقه وتيسيره، وقرأ الحسن برفع المغفرة فهو مبتدأ وبإذنه خبر. {ويُبيِّن آياتهِ}: الحلال والحرام وغير ذلك. {للنَّاس لَعلَّهُم يتَذكَّرونَ}: هذا تعليل، أى ليتذكروا أو ترجية أى دعاهم إلى الرجاء والطمع فى النجاة بأن يعملوا بحسب ما يذكرون به، فينجوا من النار، ويفوزوا بالجنَّة والمغفرة.
اطفيش
تفسير : {وَلاَ تَنْكِحُواْ} لا تتزوجوا أيها المؤمنون {الْمُشْرِكَٰتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ} ولو كتابيات ذميات، جروا على تحريم الكتابيات الذميات كغيرهن، ثم نزل نسخ تحريمهن بقوله تعالى: "أية : وَالْمُحْصَنَٰتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَٰبَ" تفسير : [المائدة: 5] وبقيت الكتابيات المحاربات وسائر المشركات على التحريم ولو اقترنت الآيتان لقلت، إن ذلك تخصيص للعموم، كما شهر فى المذهب وعند الشافعية، من أن ذلك من تخصيص العام، ومن جواز تأخير دليل الخصوص فى العموم، ولو كانت مقارنة بين العام والخاص، ولك أن تقول، لا نسخ ولا تخصيص، بل المشركات فى الآية غير الكتابيات، لأنه كثر فى القرآن مقابلة المشركات بالكتابيات، كقوله تعالى: "أية : لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَٰبِ وَالْمُشْرِكِينَ"تفسير : [البينة: 1]، ولو كان أهل الكتاب أيضاً مشركين لقوله سبحانه عما يشركون، وأجاز بعض قومنا نكاح الحربيات الكتابيات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب، وليس بشىء، ونص ابن عباس على المنع، وهو الصحيح {وَلأَمَةُ} وزنه فعة بحذف اللام، وأصله أهو بفتح الميم وإسكانها، قولان، احتار الأكثرون الفتح، وتجمع على إماء بوزن فعال، بكسر الفاء وهو الأكثر، وعلى ءام بوزن أفح بفتح الهمزة وإسكان الفاء وكسر العين، وأصله أفعل بفتح الهمزة وإسكان الفاء وضم العين، وهكذا أ امو بفتح الهمزة الأولى وإسكان الثانية وضم الميم، قلبت الثانية ألفاء وضمة الميم كسرة والواو ياء، حذفت للتنوين بعدها، وقلبت الواو ياء، لئلا يختم اسم عربى معرب بواو ساكنة قبلها ضمة لازمة، فيقال ءام، جرا ورفعا وءاميا نصبا {مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ} حرة {وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ} لجمالها ومالها وعزتها ونسبها، فكيف الحرة المؤمنة، ولا خير فى المشركة، إلا أن المشاركة باعتبار الاعتقاد لا الوجود، واسم التفضيل لا يخرج عن التفضيل مع وجود من، والمشاركة هنا موجودة، ففى كل من الأمة المسلمة والمشركة الحرة تمتع بالأنوثة، وفى المشركة الحرية، وفى الأمة الإيمان، وكل ذلك حسن، ففضل الله حسن الإيمان على حسن الحرية، وخيرية الحرة المؤمنة على المشركة الحرة معلوم بالأولى، ولا حاجة إلى أن الأمة مملوكة الله الشاملة للحرة، ولا تعسف فى ذلك، بل التعسف فى دعوى أن الأمة بمعنى مملوكة الله، لأن هذا ولو كثر استعماله حقيقة أو مجازا، ولكن فى مقام الوعظ ونحوه، لا فى مقام الأحكام كما هنا. روى حديث : عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث مرثدا الغنوى إلى مكة، ليخرج منها ناسا من المسلمين سرا، وكان يهوى امرأة فى الجاهلية، اسمها عناق، فأَتته، فقالت له: ألا تخلو؟ فقال، ويحك، إن الإسلام حال بينى وبينك وحرم الزنا، فقالت: هل لك أن تتزوج بى؟ فقال: نعم، ولكن أرجع إلى النبى صلى الله عليه وسلم فأستأمره، فقالت: أبى تتبرم، فصرخت عليه، فعذبوه، ثم خلوه، فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزل. ولا تنكحوا المشركات: كذا قيل . تفسير : والصحيح عندهم أن قصته هذه نزل فيها: "أية : الزَّانِى لاَ يَنكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً" تفسير : [النور: 3] كما أخرجه أبو داود والترمذى والنسائى من حديث ابن عمر، ولا مانع من نزول الآيتين فى القصة. ونزله قوله تعالى: ولأمة مؤمنة. الخ فى تزوج حذيفة بن اليمانى، أو عبدالله ابن رواحة أمة بعد عتقها وعاب عليه بعض المؤمنين، كانت لحذيفة وليدة اسمها خنساء، فقال: يا خنساء، ذكرت فى الملأ الأعلى على سوادك ودمامتك، ثم أعتقها وتزوجها. وروى أنه غضب عبدالله بن رواحة على أمة سوداء، فلطمها، فأتى النبى صلى الله عليه وسلم فأخبره، فقال: وما هى يا عبدالله؟ قال: تشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، وتصوم رمضان، وتحسن الوضوء، وتصلى، فقال: هذه مؤمنة. قال عبدالله: فوالذى بعثك بالحق لأعتقنها ولأتزوجنها، ففعل، فطعن عليه ناس من المسلمين، وقالوا: تنكح أمة؟ وعرضوا عليه حرة مشركة، فنزل قوله تعالى: {ولا تَنكحوا المشركات حتى يؤمن ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم} قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا تنكحوا النساء لحسنهن فعسى حسنهن أن يرديهن، ولا تنكحوهن على أموالهن فعسى أموالهن أن تطفيهن، وانكحوهن على الدين، فلأمة سوداء خرماء ذات دين أفضل ". تفسير : وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : تنكح المرأة لأربع، لمالها، ولحسبها، ولجمالها، ولدينها فاظفر بذات الدين تربت يداك ". تفسير : وقال الإمامية من الروافض وبعض من الزيدية، إن هذه الآية ناسخة لقوله تعالى: "أية : وَالْمُحْصَنَٰتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَٰبَ مِن قَبْلِكُمْ" تفسير : [المائدة: 5] والصحيح أنه تخصيص من هذه الآية العامة، بل وقع كثيراً فى القرآن التعبير بلفظ الشرك فى مقابلة أهل الكتاب مع أنهم مشركون أيضا {وَلاَ تُنْكِحُواْ الْمُشْرِكِينَ} لا تصيروهم ولو أهل كتاب أزواجا للمؤمنات {حَتَّى يُؤْمِنُواْ وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ} فكيف الحر المؤمن، وهذا أولى من أن يقال أراد عبدالله حرًّا أو مملوكا كما مر، والتنكير هنا وفى قوله، ولأمة... الخ للعموم فى الإثبات، كذا قيل، قلت: لا إلا أن يراد العموم البدلى، والتفضيل هنا على حد ما مر فى قوله تعالى {ولأمة مؤمنة...} الخ، ولا يصح ما قيل فيهما أعظم في خيريتهما من المشرك والمشرك فى شريتهما {خَيْرٌ مِّنْ مُّشْرِكٍ} حر ولو كتابيا {وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ} لمرتبته فى المال والعز والنسب ونحو ذلك، وعلل ذلك بقوله {أُوْلَئِكَ} إشارة إلى المشركات والمشركين، لأن المراد بمشرك ومشركة العموم، إما شموليا، وإما بدليا، والبدلى يجوز معه صيغ الجموع، لأن ما صدقه العموم، ولا تغليب فى أولئك، لأنه وضع للذكور، وللإناث، ولهما معا {يَدْعُونَ} الواو تغليل للذكور {إِلَى النَّارِ} إلى الشرك وما دونه مما يوجب النار أو يدعون إليها بدعائهم إلى ذلك فلا تتزوجوا نساءهم، ولا تزوجوهم نساءكم، لأنهم أهل لأن تقصوهم لا أن تنفعوهم ولئلا تكسبوا منهم سوءا {وَاللهُ يَدْعُواْ إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ} أى أولياءه من النبى صلى الله عليه وسلم والمؤمنين والمؤمنات يدعون إلى الجنة والمغفرة بالدعاء إلى موجبهما، أو يدعو إلى موجبهما، وقدرنا أولياءه لتتم المقابلة، لقوله تعالى، أولئك، مخلوق لمخلوق ولو لم يقدر لجاز، وفى ذكر لفظ الجلالة نيابة عن ذكرهم إعظام لهم إذ جعل دعوتهم دعوة لله، كما جعل محاربتهم محاربة لله، فى قوله تعالى: يحاربون الله، ويدل لمراعاتهم قوله {بِإِذْنِهِ} إذ لا معنى لقولك، الله يدعو بإذن الله، وأيضا مراعاتهم أنسب بقوله أولئك يدعون إلى النار، ويصح، الله يدعو بإذن الله، بمعنى بقضائه وإرادته وتوفيقه، وقدم الجنة لمقابلة النار قبلها ابتداء، ولأنها نفس المراد الذى يتنافس فيه، ولو كان تحلية، والمغفرة تخلية مقدمة بالزمان، وقدمت على الجنسة فى قوله، سارعوا... الخ مراعاة لحق تقديم التخلية على التحلية، ولحق تقدم زمانها {وَيُبَيِّنُ ءَايَٰتِهِ لِلنَّاسِ} ينزلها بينة واضحة، كقولك، وسع فم البئر، تريد ابتدعها واسعة الفم، وأدر جيب القميص، وذلك غالب، وفى القرآن متشابه ومجمل، وكل تفصيله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأردت بالإجمال مثل الصلاة والزكاة، وقد يدخل فى البيان، إذ لم يتشابه {لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} فيعملون بمقتضى الآيات، ويتعظون على المعاصى، ويعرفون قبحها، فينالون المغفرة والجنة، والصحيح أن استعمال لعل فى ترجى المخاطب أو فى التعليل مجاز.
الالوسي
تفسير : {وَلاَ تَنْكِحُواْ ٱلْمُشْرِكَـٰتِ حَتَّىٰ يُؤْمِنَّ} روى الواحدي وغيره عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث رجلاً من غنى يقال له مرثد بن أبـي مرثد حليفاً لبني هاشم إلى مكة ليخرج أناساً من المسلمين بها أسرى فلما قدمها سمعت به امرأة يقال لها عناق وكانت خليلة له في الجاهلية فلما أسلم أعرض عنها فأتته فقالت: ويحك يا مرثد ألا تخلو فقال لها: إن الإسلام قد حال بيني وبينك وحرمه علينا ولكن إن شئت تزوجتك فقالت: نعم فقال: إذا رجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم استأذنته في ذلك ثم تزوجتك فقالت له: أبـي تتبرم؟ ثم استعانت عليه فضربوه ضرباً وجيعاً ثم خلوا سبيله فلما قضى/ حاجته بمكة انصرف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم راجعاً وأعلمه الذي كان من أمره وأمر عناق وما لقي بسببها فقال: يا رسول الله أيحل أن أتزوجها ـ وفي رواية ـ أنها تعجبني فنزلت» وتعقب ذلك السيوطي بأن هذا ليس سبباً لنزول هذه الآية وإنما هو سبب في نزول آية النور [3] {أية : ٱلزَّانِى لاَ يَنكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً } تفسير : وروى السدي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن هذه نزلت في عبد الله بن رواحة وكانت له أمة سوداء وأنه غضب عليها فلطمها ثم إنه فزع فأتى النبـي صلى الله عليه وسلم فأخبره خبرها فقال له النبـي صلى الله عليه وسلم: «حديث : ما هي يا عبد الله؟ فقال: هي يا رسول الله تصوم وتصلي وتحسن الوضوء وتشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسوله فقال: يا عبد الله هي مؤمنة قال عبد الله: فوالذي بعثك بالحق نبياً لأعتقنها ولأتزوجنها ففعل فطعن عليه ناس من المسلمين فقالوا: نكح أمة وكانوا يريدون أن ينكحوا إلى المشركين وينكحوهم رغبة في أنسابهم فأنزل الله تعالى: {وَلاَ تَنْكِحُواْ } الآية»تفسير : وقرىء بفتح ـ التاء ـ وبضمها وهو المروي عن الأعمش أي لا تتزوجوهن أو لا تزوجوهن من المسلمين وحمل كثير من أهل العلم المشركات على ما عدا الكتابيات فيجوز نكاح الكتابيات عنده لقوله تعالى: {أية : لَمْ يَكُنِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ وَٱلْمُشْرِكِينَ } تفسير : [البينة: 1] و {أية : مَّا يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ وَلاَ ٱلْمُشْرِكِينَ }تفسير : [البقرة: 105] والعطف يقتضي المغايرة؛ وأخرج ابن حميد عن قتادة المراد بالمشركات مشركات العرب التي ليس لهن كتاب، وعن حماد قال: سألت إبراهيم عن تزويج اليهودية والنصرانية. فقال: لا بأس به فقلت: أليس الله تعالى يقول: {وَلاَ تَنْكِحُواْ ٱلْمُشْرِكَـٰتِ}؟ فقال: إنما ذلك المجوسيات وأهل الأوثان، وذهب البعض إلى أنها تعم الكتابيات قيل: لأن من جحد نبوة نبينا عليه الصلاة والسلام فقد أنكر معجزته وأضافها إلى غيره تعالى وهذا هو الشرك بعينه ولأن الشرك وقع في مقابلة الإيمان فيما بعد ولأنه تعالى أطلق الشرك على أهل الكتاب لقوله: {أية : وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ عُزَيْرٌ ٱبْنُ ٱللَّهِ وَقَالَتِ ٱلنَّصَـٰرَى ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ ٱللَّهِ }تفسير : إلى قوله سبحانه: {أية : عَمَّا يُشْرِكُونَ }تفسير : [التوبة: 30-31] وأخرج البخاري والنحاس في «ناسخه» عن نافع عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما كان إذا سئل عن نكاح الرجل النصرانية أو اليهودية قال: حرم الله تعالى المشركات على المسلمين ولا أعرف شيئاً من الإشراك أعظم من أن تقول المرأة ربها عيسى أو عبد من عباد الله تعالى، وإلى هذا ذهب الإمامية وبعض الزيدية، وجعلوا آية المائدة [5] {أية : وَٱلْمُحْصَنَـٰتُ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ }تفسير : منسوخة بهذه الآية نسخ الخاص بالعام وتلك وإن تأخرت تلاوة مقدمة نزولاً والإطباق على أن سورة المائدة لم ينسخ منها شيء ممنوع ففي «الإتقان» ومن المائدة [2] قوله تعالى: {أية : وَلاَ ٱلشَّهْرَ ٱلْحَرَامَ }تفسير : منسوخ بإباحة القتال فيه وقوله تعالى: {أية : فَإِن جَاءوكَ فَٱحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ }تفسير : [المائدة: 42] منسوخ بقوله سبحانه: {أية : وَأَنِ ٱحْكُم بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ ٱللَّهُ }تفسير : [المائدة: 49] وقوله تعالى: {أية : أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ}تفسير : [المائدة: 106] منسوخ بقوله عز شأنه: {أية : وَأَشْهِدُواْ ذَوِى عَدْلٍ مّنْكُمْ }تفسير : [الطلاق: 2] والمشهور الذي عليه العمل أن هذه الآية قد نسخت بما في المائدة على ما يقتضيه الظاهر، فقد أخرج أبو داود في «ناسخه» عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال في: {وَلاَ تَنْكِحُواْ ٱلْمُشْرِكَـٰتِ} نسخ من ذلك نكاح نساء أهل الكتاب أحلهن للمسلمين وحرم المسلمات على رجالهم، وعن الحسن ومجاهد مثل ذلك وهو الذي ذهب إليه الحنفية والشافعية يقولون بالتخصيص دون النسخ، ومبنى الخلاف أن قصر العام بكلام مستقل تخصيص عند الشافعي رضي الله تعالى عنه ونسخ عندنا. {وَلأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مّن مُّشْرِكَةٍ} تعليل للنهي وترغيب في مواصلة المؤمنات صدر بلام الابتداء الشبيهة بلام القسم في إفادة التأكيد مبالغة في الحمل على الانزجار، وأصل أمة أمو حذفت لامها على غير قياس وعوض عنها هاء التأنيث ويدل على أن لامها واو رجوعها في الجمع كقوله:شعر : أما الإماء فلا يدعونني ولداً إذا تداعى بنو الأموان بالعار تفسير : وظهورها في المصدر يقال: هي أمة بينة الأموّة وأقرّت له بالأموّة، وهل وزنها فعلة ـ بسكون العين ـ أو فعلة ـ بفتحها ـ؟ قولان اختار الأكثرون ثانيهما، وتجمع على آم وهو في الاستعمال دون إماء وأصله أأمو ـ بهمزتين ـ الأولى: مفتوحة زائدة، والثانية: ساكنة هي فاء الكلمة، فوقعت ـ الواو ـ طرفاً مضموماً ما قبلها في اسم معرب ولا نظير له فقلبت ـ ياءاً والضمة قبلها كسرة لتصح الياء ـ فصار الاسم من قبيل ـ غاز وقاض ـ ثم قلبت ـ الهمزة الثانية ألفاً لسكونها بعد همزة أخرى مفتوحة ـ فصارا آم وإعرابه كقاض. والظاهر أن المراد ـ بالأمة ـ ما تقابل الحرة، وسبب النزول يؤيد ذلك لأنه العيب على من تزوّج الأمة والترغيب في نكاح حرّة مشركة، ففي الآية تفضيل الأمة المؤمنة على المشركة مطلقاً ـ ولو حرّة ـ ويعلم منه تفضيل الحرّة عليها بالطريق الأولى، ثم إنّ التفضيل يقتضي أنّ في المشركة خيراً، فإما أن يراد بالخير الانتفاع الدنيوي وهو مشترك بينهما، أو يكون على حد {أية : أَصْحَـٰبُ ٱلْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرّاً } تفسير : [الفرقان: 24] وقيل: المراد ـ بالأمة ـ المرأة حرّة كانت أو مملوكة فإن الناس كلهم عبيد الله تعالى وإماؤه، ولا تحمل على الرقيقة لأنه لا بدّ من تقدير الموصوف في (مشركة) فإنّ قدر (أمة) بقرينة السياق لم يفد خيرية الأمة المؤمنة على الحرّة المشركة، وإن قدر حرّة أو امرأة كان خلاف الظاهر، والمذكور في سبب النزول التزوّج ـ بالأمة ـ بعد عتقها. والأمة بعد العتق حرّة. ولا يطلق عليها أمة إلا باعتبار مجاز الكون. والحق أن الأمة بمعنى ـ الرقيقة ـ كما هو المتبادر، وأن الموصوف المقدر لـ (مشركة) عام. ـ وكونه خلاف الظاهر ـ خلاف الظاهر. وعلى تقدير التسليم هو مشترك الإلزام، ولعل ارتكاب ذلك آخراً أهون من ارتكابه أوّل وهلة إذ هو من قبيل نزع الخف قبل الوصول إلى الماء ـ وما في سبب النزول مؤيد لا دليل عليه ـ وقد قيل فيه: إنّ عبد الله نكح أمة ـ إن حقاً وإن كذباً ـ فالمعنى: ولأمة مؤمنة مع ما فيها من خساسة الرق وقلة الخطر خير مما اتصفت بالشرك مع ما لها من شرف الحرّية ورفعة الشأن. {وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ} لجمالها ومالها وسائر ما يوجب الرغبة فيها، أخرج سعيد بن منصور وابن ماجه عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما عن النبـي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : لا تنكحوا النساء لحسنهن، فعسى حسنهنّ أن يرديهن، ولا تنكحوهن على أموالهن فعسى أموالهنّ أن تطغيهن، وانكحوهنّ على الدين فلأمة سوداء خرماء ذات دين أفضل»تفسير : وأخرج الشيخان عن أبـي هريرة رضي الله تعالى عنه عن النبـي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : تنكح المرأة لأربع: لمالها ولحسبها ولجمالها ولدينها فاظفر بذات الدين تربت يداك»تفسير : والواو للحال ـ ولو لمجرّد الفرض ـ مجرّدة عن معنى الشرط ولذا لا تحتاج إلى الجزاء والتقدير مفروضاً إعجابها لكن بالحسن ونحوه، وقال الجرمي: الواو للعطف على مقدّر أي لم تعجبكم ولو أعجبتكم وجواب الشرط محذوف دل عليه الجملة السابقة، وقال الرضي: إنها اعتراضية تقع في وسط الكلام وآخره، وعلى التقادير إثبات الحكم في نقيض الشرط بطريق الأولى ليثبت في جميع التقادير. واستدل بعضهم بالآية على جواز نكاح الأمة المؤمنة مع وجود طَوْل الحرّة، واعترضه إلكيا بأنه ليس في الآية نكاح الإماء وإنما ذلك للتنفير عن نكاح الحرّة المشركة لأنّ العرب كانوا بطباعهم نافرين عن نكاح الأمة فقيل لهم: إذا نفرتم عن الأمة فالمشركة أولى ـ وفيه تأمّل ـ وفي «البحر» أن مفهوم الصفة يقتضي أن لا يجوز نكاح الأمة الكافرة/ كتابية أو غيرها؛ وأمّا وطؤها بملك اليمين فيجوز مطلقاً. {وَلاَ تُنكِحُواْ ٱلْمُشِرِكِينَ حَتَّىٰ يُؤْمِنُواْ} أي لا تزوّجوا الكفار من المؤمنات سواء كان الكافر كتابياً أو غيره وسواء كانت ـ المؤمنة أمة ـ أو حرّة، فـ {تُنكِحُواْ} بضم التاء لا غير، ولا يمكن الفتح ـ وإلا لوجب ـ ولا ينكحن المشركين، واستدل بها على اعتبار الولي في النكاح مطلقاً وهو خلاف مذهبنا، وفي دلالة الآية على ذلك خفاء لأنّ المراد النهي عن إيقاع هذا الفعل والتمكين منه، وكل المسلمين أولياء في ذلك. {وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ} مع ما فيه من ذل المملوكية. {خَيْرٌ مّن مُّشْرِكٍ} مع ما ينسب إليه من عز المالكية {وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ} بما فيه من دواعي الرغبة {أُوْلَـٰئِكَ} أي المذكورون من المشركين والمشركات {يَدْعُونَ إِلَى ٱلنَّارِ} أي الكفر المؤدي إليها إما بالقول أو بالمحبة والمخالطة فلا تليق مناكحتهم، فإن قيل: كما أن الكفار يدعون المؤمنين إلى النار كذلك المؤمنون يدعونهم إلى الجنة بأحد الأمرين، أجيب بأنّ المقصود من الآية أنّ المؤمن يجب أن يكون حذراً عما يضره في الآخرة وأن لا يحوم حول حمى ذلك ويجتنب عما فيه الاحتمال مع أن النفس والشيطان يعاونان على ما يؤدّي إلى النار، وقد ألفت الطباع في الجاهلية ذلك ـ قاله بعض المحققين ـ والجملة الخ معللة لخيرية المؤمنين والمؤمنات من المشركين والمشركات {وَٱللَّهُ يَدْعُو} بواسطة المؤمنين من يقاربهم {إِلَى ٱلْجَنَّةِ وَٱلْمَغْفِرَةِ} أي إلى الاعتقاد الحق والعمل الصالح الموصلين إليهما وتقديم الجنة على المغفرة مع قولهم: التخلية أولى بالتقديم على التحلية لرعاية مقابلة النار ابتداءاً {بِإِذْنِهِ} متعلق بـ {يَدْعُو} أي: يدعو إلى ذلك متلبساً بتوفيقه الذي من جملته إرشاد المؤمنين لمقاربيهم إلى الخير فهم أحقاء بالمواصلة. {وَيُبَيِنُ آيَـٰتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} لكي يتعظوا أو يستحضروا معلوماتهم بناءاً على أنّ معرفة الله تعالى مركوزة في العقول، والجملة تذييل للنصح والإرشاد، والواو اعتراضية أو عاطفة، وفصلت الآية السابقة بـ {أية : تَتَفَكَّرُونَ} تفسير : [البقرة: 219] لأنها كانت لبيان الأحكام والمصالح والمنافع والرغبة فيها التي هي محل تصرف العقل والتبيين للمؤمنين فناسب التفكر، وهذه الآية بـ {يَتَذَكَّرُونَ} لأنها تذييل للإخبار بالدعوة إلى الجنة والنار التي لا سبيل إلى معرفتها إلا النقل والتبيين لجميع الناس فناسب التذكر. ومن الناس من قدّر في الآية مضافاً أي فريق الله أو أولياؤه وهم المؤمنون فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه تشريفاً لهم، واعترض بأن الضمير في المعطوف على الخبر لله تعالى فيلزم التفكيك مع عدم الداعي لذلك، وأجيب بأن الداعي كون هذه الجملة معللة للخيرية السابقة ولا يظهر التعليل بدون التقدير، وكذا لا تظهر الملائمة لقوله سبحانه: {بِإِذْنِهِ} بدون ذلك فإن تقييد دعوته تعالى (بإذنه) ليس فيه حينئذ كثير فائدة بأي تفسير فسر ـ الإذن ـ وأمر التفكيك سهل لأنه بعد إقامة المضاف إليه مقام المضاف للتشريف بجعل فعل الأوّل فعلا للثاني صورة فتتناسب الضمائر ـ كما في «الكشف» ولا يخفى ما فيه ـ وعلى العلات هو أولى مما قيل: إن المراد: والله يدعو على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم إلى ذلك فتجب إجابته بتزويج أوليائه لأنه وإن كان مستدعياً لاتحاد المرجع في الجملتين المتعاطفتين الواقعتين خبراً، لكن يفوت التعليل وحسن المقابلة بينه وبين {أُوْلَٰـئِكَ يَدْعُونَ إِلَى ٱلنَّارِ} وكذا لطافة التقييد كما لا يخفى.
سيد قطب
تفسير : نحن في هذا الدرس مع جانب من دستور الأسرة. جانب من التنظيم للقاعدة الركينة التي تقوم عليها الجماعة المسلمة، ويقوم عليها المجتمع الإسلامي. هذه القاعدة التي أحاطها الإسلام برعاية ملحوظة، واستغرق تنظيمها وحمايتها وتطهيرها من فوضى الجاهلية جهداً كبيراً، نراه متناثراً في سور شتى من القرآن، محيطاً بكل المقوّمات اللازمة لإقامة هذه القاعدة الأساسية الكبرى. إن النظام الاجتماعي الإسلامي نظام أسرة - بما أنه نظام رباني للإنسان، ملحوظ فيه كل خصائص الفطرة الإنسانية وحاجاتها ومقوماتها. وينبثق نظام الأسرة في الإسلام من معين الفطرة وأصل الخلقة، وقاعدة التكوين الأولي للأحياء جميعاً وللمخلوقات كافة.. تبدو هذه النظرة واضحة في قوله تعالى: {أية : ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون}. تفسير : ومن قوله سبحانه: {أية : سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ومن أنفسهم ومما لا يعلمون }.. تفسير : ثم تتدرج النظرة الإسلامية للإنسان فتذكر النفس الأولى التي كان منها الزوجان، ثم الذرية، ثم البشرية جميعاً: {أية : يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة، وخلق منها زوجها، وبث منهما رجالاً كثيراً ونساء، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام. إن الله كان عليكم رقيباً}.. {أية : يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا }.. تفسير : ثم تكشف عن جاذبية الفطرة بين الجنسين، لا لتجمع بين مطلق الذكران ومطلق الإناث، ولكن لتتجه إلى إقامة الأسر والبيوت: {أية : ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة}. {أية : هن لباس لكم وأنتم لباس لهن}.. تفسير : {نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم وقدموا لأنفسكم واتقو الله واعلموا أنكم ملاقوه. وبشر المؤمنين}.. {أية : والله جعل لكم من بيوتكم سكناً }.. تفسير : فهي الفطرة تعمل، وهي الأسرة تلبي هذه الفطرة. العميقة في أصل الكون وفي بنية الإنسان. ومن ثم كان نظام الأسرة في الإسلام هو النظام الطبيعي الفطري المنبثق من أصل التكوين الإنساني. بل من أصل تكوين الأشياء كلها في الكون. على طريقة الإسلام في ربط النظام الذي يقيمه للإنسان بالنظام الذي أقامه الله للكون كله ومن بينه هذا الإنسان.. والأسرة هي المحضن الطبيعي الذي يتولى حماية الفراخ الناشئة ورعايتها؛ وتنمية أجسادها وعقولها وأرواحها؛ وفي ظله تتلقى مشاعر الحب والرحمة والتكافل، وتنطبع بالطابع الذي يلازمها مدى الحياة؛ وعلى هديه ونوره تتفتح للحياة، وتفسر الحياة، وتتعامل مع الحياة. والطفل الإنساني هو أطول الأحياء طفولة. تمتد طفولته أكثر من أي طفل آخر للأحياء الأخرى. ذلك أن مرحلة الطفولة هي فترة إعداد وتهيؤ وتدريب للدور المطلوب من كل حي باقي حياته. ولما كانت وظيفة الإنسان هي أكبر وظيفة، ودوره في الأرض هو أضخم دور.. امتدت طفولته فترة أطول، ليحسن إعداده وتدريبه للمستقبل.. ومن ثم كانت حاجته لملازمة أبويه أشد من حاجة أي طفل لحيوان آخر. وكانت الأسرة المستقرة الهادئة ألزم للنظام الإنساني، وألصق بفطرة الإنسان وتكوينه ودوره في هذه الحياة. وقد أثبتت التجارب العملية أن أي جهاز آخر غير جهاز الأسرة لا يعوض عنها، ولا يقوم مقامها، بل لا يخلو من أضرار مفسدة لتكوين الطفل وتربيته، وبخاصة نظام المحاضن الجماعية التي أرادت بعض المذاهب المصطنعة المتعسفة أن تستعيض بها عن نظام الأسرة في ثورتها الجامحة الشاردة المتعسفة ضد النظام الفطري الصالح القويم الذي جعله الله للإنسان. أو التي اضطرت بعض الدول الأوربية اضطراراً لإقامتها بسبب فقدان عدد كبير من الأطفال لأهليهم في الحرب الوحشية المتبربرة التي تخوضها الجاهلية الغربية المنطلقة من قيود التصور الديني، والتي لا تفرق بين المسالمين والمحاربين في هذه الأيام! أو التي اضطروا إليها بسبب النظام المشؤوم الذي يضطر الأمهات إلى العمل، تحت تأثير التصورات الجاهلية الشائهة للنظام الاجتماعي والاقتصادي المناسب للإنسان. هذه اللعنة التي تحرم الأطفال حنان الأمهات ورعايتهن في ظل الأسرة، لتقذف بهؤلاء المساكين إلى المحاضن، التي يصطدم نظامها بفطرة الطفل وتكوينه النفسي، فيملأ نفسه بالعقد والاضطرابات.. وأعجب العجب أن انحراف التصورات الجاهلية ينتهي بناس من المعاصرين إلى أن يعتبروا نظام العمل للمرأة تقدماً وتحرراً وانطلاقاً من الرجعية! وهو هو هذا النظام الملعون، الذي يضحي بالصحة النفسية لأغلى ذخيرة على وجه الأرض.. الأطفال.. رصيد المستقبل البشري.. وفي مقابل ماذا؟ في مقابل زيادة في دخل الأسرة. أو في مقابل إعالة الأم، التي بلغ من جحود الجاهلية الغربية والشرقية المعاصرة وفساد نظمها الاجتماعية والاقتصادية أن تنكل عن إعالة المرأة التي لا تنفق جهدها في العمل، بدل أن تنفقه في رعاية أعز رصيد إنساني وأغلى ذخيرة على وجه هذه الأرض. ومن ثم نجد النظام الاجتماعي الإسلامي، الذي أراد الله به أن يدخل المسلمون في السلم، وأن يستمتعوا في ظله بالسلام الشامل.. يقوم على أساس الأسرة، ويبذل لها من العناية ما يتفق مع دورها الخطير.. ومن ثم نجد في سور شتى من القرآن الكريم تنظيمات قرآنية للجوانب والمقومات التي يقوم عليها هذا النظام. وهذه السورة واحدة منها.. والآيات الواردة في هذه السورة تتناول بعض أحكام الزواج والمعاشرة. والإيلاء والطلاق والعدة والنفقة والمتعة. والرضاعة والحضانة.. ولكن هذه الأحكام لا تذكر مجردة - كما اعتاد الناس أن يجدوها في كتب الفقه والقانون -.. كلا! إنها تجيء في جو يشعر القلب البشري أنه يواجه قاعدة كبرى من قواعد المنهج الإلهي للحياة البشرية؛ وأصلاً كبيراً من أصول العقيدة التي ينبثق منها النظام الإسلامي. وأن هذا الأصل موصول بالله سبحانه مباشرة. موصول بإرادته وحكمته ومشيئته في الناس، ومنهجه لإقامة الحياة على النحو الذي قدره وأراده لبني الإنسان. ومن ثم فهو موصول بغضبه ورضاه، وعقابه وثوابه، وموصول بالعقيدة وجوداً وعدماً في حقيقة الحال! ومنذ اللحظة الأولى يشعر الإنسان بخطر هذا الأمر وخطورته؛ كما يشعر أن كل صغيرة وكبيرة فيه تنال عناية الله ورقابته، وأن كل صغيرة وكبيرة فيه مقصودة كذلك قصداً لأمر عظيم في ميزان الله. وأن الله يتولى بذاته - سبحانه - تنظيم حياة هذا الكائن، والإشراف المباشر على تنشئة الجماعة المسلمة تنشئة خاصة تحت عينه، وإعدادها - بهذه النشأة - للدور العظيم الذي قدره لها في الوجود. وأن الاعتداء على هذا المنهج يغضب الله ويستحق منه شديد العقاب. إن هذه الأحكام تذكر بدقة وتفصيل.. لا يبدأ حكم جديد حتى يكون قد فرغ من الحكم السابق وملابساته. ثم تجيء التعقيبات الموحية بعد كل حكم، وأحياناً في ثنايا الأحكام، منبئة بضخامة هذا الأمر وخطورته، تلاحق الضمير الإنساني ملاحقة موقظة محيية موحية. وبخاصة عند التوجيهات التي يناط تنفيذها بتقوى القلب وحساسية الضمير، لأن الاحتيال على النصوص والأحكام ممكن بغير هذا الوازع الحارس المستيقظ. الحكم الأول يتضمن النهي عن زواج المسلم بمشركة، وعن تزويج المشرك من مسلمة. والتعقيب: {أولئك يدعون إلى النار، والله يدعو إلى الجنة والمغفرة بإذنه، ويبين آياته للناس لعلهم يتذكرون}.. والحكم الثاني يتعلق بالنهي عن مباشرة النساء في المحيض.. وتتوالى التعليقات في هذا الأمر فترفع أمر المباشرة وأمر العلاقات بين الجنسين عن أن تكون شهوة جسد تقضى في لحظة، إلى أن تكون وظيفة إنسانية ذات أهداف اعلى من تلك اللحظة وأكبر، بل أعلى من أهداف الإنسان الذاتية. فهي تتعلق بإرادة الخالق في تطهير خلقه بعبادته وتقواه: {فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله. إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين. نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم، وقدموا لأنفسكم واتقوا الله واعلموا أنكم ملاقوه. وبشر المؤمنين}.. والحكم الثالث حكم الإيمان بصفة عامة - تمهيداً للحديث عن الإيلاء والطلاق - ويربط حكم الإيمان بالله وتقواه، ويجيء التعقيب مرة: {والله سميع عليم}.. ومرة: {والله غفور حليم}. والحكم الرابع حكم الإيلاء.. والتعقيب: {فإن فاءوا فإن الله غفور رحيم. وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم}.. والحكم الخامس حكم عدة المطلقة وترد فيه تعقيبات شتى: {ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن. إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر}.. {والله عزيز حكيم}.. والحكم السادس حكم عدد الطلقات. ثم حكم استرداد شيء من المهر والنفقة في حالة الطلاق، وترد فيه التعقيبات التالية: {ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئاً، إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله، فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به} {تلك حدود الله فلا تعتدوها، ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون}..{فإن طلقها فلا جناح عليهما أن يتراجعا، إن ظنا أن يقيما حدود الله، وتلك حدود الله يبينها لقوم يعلمون}.. والحكم السابع حكم الإمساك بمعروف أو التسريح بإحسان بعد الطلاق. ويرد فيه: {ولا تمسكوهن ضراراً لتعتدوا، ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه؛ ولا تتخذوا آيات الله هزوا؛ واذكروا نعمة الله عليكم، وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم به؛ واتقوا الله واعلموا أن الله بكل شيء عليم}.. {ذلك يوعظ به من كان منكم يؤمن بالله واليوم الآخر. ذلكم أزكى لكم وأطهر. والله يعلم وأنتم لا تعلمون}.. والحكم الثامن حكم الرضاعة والاسترضاع والأجر. ويعقب على أحكامه المفصلة في كل حالة من حالاته بقوله: {واتقوا الله، واعلموا أن الله بما تعملون بصير}.. والحكم التاسع خاص بعدة المتوفى عنها زوجها. ويعقب عليه بقوله: {فإذا بلغن أجلهن فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف والله بما تعملون خبير}.. والحكم العاشر حكم التعريض بخطبة النساء في أثناء العدة. ويرد فيه: {علم الله أنكم ستذكرونهن. ولكن لا تواعدوهن سراً، إلا أن تقولوا قولاً معروفاً. ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله، واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه، واعلموا أن الله غفور حليم}.. والحكم الحادي عشر حكم المطلقة قبل الدخول في حالة ما إذا فرض لها مهر وفي حالة ما إذا لم يفرض. ويجيء فيه من اللمسات الوجدانية: {وأن تعفوا أقرب للتقوى. ولا تنسوا الفضل بينكم. إن الله بما تعملون بصير}.. والحكم الثاني عشر حكم المتعة للمتوفى عنها زوجها وللمطلقة. ويرد فيه: {وللمطلقات متاع بالمعروف حقاً على المتقين}.. والتعقيب العام على هذه الأحكام: {كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تعقلون}.. إنها العبادة.. عبادة الله في الزواج، وعبادته في المباشرة والإنسال. وعبادته في الطلاق والانفصال. وعبادته في العدة والرجعة. وعبادته في النفقة والمتعة. وعبادته في الإمساك بمعروف أو التسريح بإحسان. وعبادته في الافتداء والتعويض. وعبادته في الرضاع والفصال.. عبادة الله في كل حركة وفي كل خطرة.. ومن ثم يجيء - بين هذه الأحكام - حكم الصلاة في الخوف والأمن: {حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين. فإن خفتم فرجالاً أو ركباناً، فإذا أمنتم فاذكروا الله كما علمكم ما لم تكونوا تعلمون}.. يجيء هذا الحكم في ثنايا تلك الأحكام؛ وقبل أن ينتهي منها السياق. وتندمج عبادة الصلاة في عبادات الحياة، الاندماج الذي ينبثق من طبيعة الإسلام، ومن غاية الوجود الإنساني في التصور الإسلامي. ويبدو السياق موحياً هذا الإيحاء اللطيف.. إن هذه عبادات. وطاعة الله فيها من جنس طاعته في الصلاة. والحياة وحدة والطاعات فيها جملة. والأمر كله من الله. وهو منهج الله للحياة.. والظاهرة الملحوظة في هذه الأحكام أنها في الوقت الذي تمثل العبادة، وتنشىء جو العبادة وتلقي ظلال العبادة.. لا تغفل ملابسة واحدة من ملابسات الحياة الواقعية، وملابسات فطرة الإنسان وتكوينه، وملابسات ضروراته الواقعة في حياته هذه على الأرض. إن الإسلام يشرع لناس من البشر، لا لجماعة من الملائكة، ولا لأطياف مهومة في الرؤي المجنحة! ومن ثم لا ينسى - وهو يرفعهم إلى جو العبادة بتشريعاته وتوجيهاته - أنهم بشر، وأنها عبادة من بشر.. بشر فيهم ميول ونزعات، وفيهم نقص وضعف، وفيهم ضرورات وانفعالات، ولهم عواطف ومشاعر، وإشراقات وكثافات.. والإسلام يلاحظها كلها؛ ويقودها جملة في طريق العبادة النظيف، إلى مشرق النور الوضيء، في غير ما تعسف ولا اصطناع. ويقيم نظامه كله على أساس أن هذا الإنسان إنسان! ومن ثم يقرر الإسلام جواز الإيلاء. وهو العزم على الامتناع عن المباشرة فترة من الوقت. ولكن يقيده بألا يزيد على أربعة أشهر. ويقرر الطلاق ويشرّع له، وينظم أحكامه ومخلفاته. في الوقت الذي يبذل كل ذلك الجهد لتوطيد أركان البيت، وتوثيق أواصر الأسرة، ورفع هذه الرابطة إلى مستوى العبادة.. إنه التوازن الذي يجعل مثاليات هذا النظام كلها مثاليات واقعية رفيعة. في طاقة الإنسان. ومقصود بها هذا الإنسان. إنه التيسير على الفطرة. التيسير الحكيم على الرجل والمرأة على السواء. إذا لم يقدر لتلك المنشأة العظيمة النجاح؛ وإذا لم تستمتع تلك الخلية الأولى بالاستقرار. فالله الخبير البصير، الذي يعلم من أمر الناس ما لا يعلمون، لم يرد أن يجعل هذه الرابطة بين الجنسين قيداً وسجناً لا سبيل إلى الفكاك منه، مهما اختنقت فيه الأنفاس، ونبت فيه الشوك، وغشاه الظلام. لقد أرادها مثابة وسكناً؛ فإذا لم تتحقق هذه الغاية - بسبب ما هو واقع من أمر الفطر والطبائع - فأولى بهما أن يتفرقا؛ وأن يحاولا هذه المحاولة مرة أخرى. وذلك بعد استنفاد جميع الوسائل لإنقاذ هذه المؤسسة الكريمة؛ ومع إيجاد الضمانات التشريعية والشعورية كي لا يضار زوج ولا زوجة ولا رضيع ولا جنين. وهذا هو النظام الرباني الذي يشرعه الله للإنسان.. وحين يوازن الإنسان بين أسس هذا النظام الذي يريده الله للبشر، والمجتمع النظيف المتوازن الذي يرف فيه السلام وبين ما كان قائماً وقتها في الحياة البشرية يجد النقلة بعيدة بعيدة.. كذلك تحتفظ هذه النقلة بمكانها السامق الرفيع حين يقاس إليها حاضر البشرية اليوم في المجتمعات الجاهلية التي تزعم أنها تقدمية في الغرب وفي الشرق سواء، ويحس مدى الكرامة والنظافة والسلام الذي أراده الله للبشر، وهو يشرع لهم هذا المنهج. وترى المرأة - بصفة خاصة - مدى رعاية الله لها وكرامته.. حتى لأستيقن أنه ما من امرأة سوية تدرك هذه الرعاية الظاهرة في هذا المنهج إلا وينبثق في قلبها حب الله!!! والأن نواجه النصوص القرآنية بالتفصيل: {ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن، ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم؛ ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا. ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم. أولئك يدعون إلى النار. والله يدعو إلى الجنة والمغفرة بإذنه؛ ويبين آياته للناس لعلهم يتذكرون}.. النكاح - وهو الزواج - أعمق وأقوى وأدوم رابطة تصل بين اثنين من بني الإنسان؛ وتشمل أوسع الاستجابات التي يتبادلها فردان. فلا بد إذن من توحد القلوب، والتقائها في عقدة لا تحل. ولكي تتوحد القلوب يجب أن يتوحد ما تنعقد عليه، وما تتجه إليه. والعقيدة الدينية هي أعمق وأشمل ما يعمر النفوس، ويؤثر فيها، ويكيف مشاعرها، ويحدد تأثراتها واستجاباتها، ويعين طريقها في الحياة كلها. وإن كان الكثيرون يخدعهم أحيانا كمون العقيدة أو ركودها. فيتوهمون أنها شعور عارض يمكن الاستغناء عنه ببعض الفلسفات الفكرية، أو بعض المذاهب الاجتماعية. وهذا وهم وقلة خبرة بحقيقة النفس الإنسانية، ومقوماتها الحقيقية. وتجاهل لواقع هذه النفس وطبيعتها. ولقد كانت النشأة الأولى للجماعة المسلمة في مكة لا تسمح في أول الأمر بالانفصال الاجتماعي الكامل الحاسم، كالانفصال الشعوري الاعتقادي الذي تم في نفوس المسلمين، لأن الأوضاع الاجتماعية تحتاج إلى زمن وإلى تنظيمات متريثة. فلما أن أراد الله للجماعة المسلمة أن تستقل في المدينة، وتتميز شخصيتها الاجتماعية كما تميزت شخصيتها الاعتقادية. بدأ التنظيم الجديد يأخذ طريقه، ونزلت هذه الآية. نزلت تحرم إنشاء أي نكاح جديد بين المسلمين والمشركين - فأما ما كان قائماً بالفعل من الزيجات فقد ظل إلى السنة السادسة للهجرة حين نزلت في الحديبية آية سورة الممتحنة: {أية : يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن. الله أعلم بإيمانهن. فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار. لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن}... {أية : ولا تمسكوا بعصم الكوافر...}... تفسير : فانتهت آخر الارتباطات بين هؤلاء وهؤلاء. لقد بات حراماً أن ينكح المسلم مشركة. وأن ينكح المشرك مسلمة. حرام أن يربط الزواج بين قلبين لا يجتمعان على عقيدة. إنه في هذه الحالة رباط زائف واه ضعيف. إنهما لا يلتقيان في الله، ولا تقوم على منهجه عقدة الحياة. والله الذي كرم الإنسان ورفعه على الحيوان يريد لهذه الصلة ألا تكون ميلاً حيوانياً، ولا اندفاعاً شهوانياً. إنما يريد أن يرفعها حتى يصلها بالله في علاه؛ ويربط بينها وبين مشيئته ومنهجه في نمو الحياة وطهارة الحياة. ومن هنا جاء ذلك النص الحاسم الجازم: {ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن}.. فإذا آمنّ فقد زالت العقبة الفاصلة؛ وقد التقى القلبان في الله؛ وسلمت الآصرة الإنسانية بين الاثنين مما كان يعّوقها ويفسدها. سلمت تلك الآصرة، وقويت بتلك العقدة الجديدة: عقدة العقيدة. {ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم}.. فهذا الإعجاب المستمد من الغريزة وحدها، لا تشترك فيه مشاعر الإنسان العليا، ولا يرتفع عن حكم الجوارح والحواس. وجمال القلب أعمق وأغلى، حتى لو كانت المسلمة أمة غير حرة. فإن نسبها إلى الإسلام يرفعها عن المشركة ذات الحسب. إنه نسب في الله وهو أعلى الأنساب. {ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا. ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم}.. القضية نفسها تتكرر في الصورة الأخرى، توكيداً لها وتدقيقاً في بيانها والعلة في الأولى هي العلة في الثانية: {أولئك يدعون إلى النار، والله يدعو إلى الجنة والمغفرة بإذنه. ويبين آياته للناس لعلهم يتذكرون}.. إن الطريقين مختلفان، والدعوتين مختلفتان، فكيف يلتقي الفريقان في وحدة تقوم عليها الحياة؟ إن طريق المشركين والمشركات إلى النار، ودعوتهم إلى النار. وطريق المؤمنين والمؤمنات هو طريق الله. والله يدعو إلى الجنة والمغفرة بإذنه.. فما أبعد دعوتهم إذن من دعوة الله! ولكن أويدعو أولئك المشركون والمشركات إلى النار؟ ومن الذي يدعو نفسه أو غيره إلى النار؟! ولكنها الحقيقة الأخيرة يختصر السياق إليها الطريق! ويبرزها من أولها دعوة إلى النار، بما أن مآلها إلى النار. والله يحذر من هذه الدعوة المردية {ويبين آياته للناس لعلهم يتذكرون}.. فمن لم يتذكر، واستجاب لتلك الدعوة فهو الملوم! هنا نتذكر أن الله لم يحرم زواج المسلم من كتابية - مع اختلاف العقيدة - ولكن الأمر هنا يختلف. إن المسلم والكتابية يلتقيان في أصل العقيدة في الله. وإن اختلفت التفصيلات التشريعية.. وهناك خلاف فقهي في حالة الكتابية التي تعتقد أن الله ثالث ثلاثة، أو أن الله هو المسيح بن مريم، أو أن العزير ابن الله.. أهي مشركة محرمة. أم تعتبر من أهل الكتاب وتدخل في النص الذي في المائدة: {أية : اليوم أحل لكم الطيبات}.. {أية : والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم}.. تفسير : والجمهور على أنها تدخل في هذا النص.. ولكني أميل إلى اعتبار الرأي القائل بالتحريم في هذه الحالة. وقد رواه البخاري عن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: قال ابن عمر: "لا أعلم شركاً أعظم من أن تقول ربها عيسى".. فأما الأمر في زواج الكتابي من مسلمة فهو محظور؛ لأنه يختلف في واقعه عن زواج المسلم بكتابية - غير مشركة - ومن هنا يختلف في حكمه.. إن الأطفال يدعون لآبائهم بحكم الشريعة الإسلامية. كما أن الزوجة هي التي تتنقل إلى أسرة الزوج وقومه وأرضه بحكم الواقع. فإذا تزوج المسلم من الكتابية (غير المشركة) انتقلت هي إلى قومه، ودعي أبناؤه منها باسمه، فكان الإسلام هو الذي يهيمن ويظلل جو المحصن. ويقع العكس حين تتزوج المسلمة من كتابي، فتعيش بعيداً عن قومها، وقد يفتنها ضعفها ووحدتها هنالك عن إسلامها كما أن أبناءها يدعون إلى زوجها، ويدينون بدين غير دينها. والإسلام يجب أن يهيمن دائماً. على أن هناك اعتبارات عملية قد تجعل المباح من زواج المسلم بكتابية مكروهاً. وهذا ما رآه عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أمام بعض الاعتبارات: قال ابن كثير في التفسير: "قال أبو جعفر بن جرير رحمه الله - بعد حكايته الإجماع على إباحة تزويج الكتابيات - وإنما كره عمر ذلك لئلا يزهد الناس في المسلمات، أو لغير ذلك من المعاني".. وروي أن حذيفة تزوج يهودية فكتب إليه عمر: خل سبيلها. فكتب إليه: أتزعم أنها حرام فأخلي سبيلها؟ فقال: لا أزعم أنها حرام ولكن أخاف أن تعاظلوا المؤمنات منهن. وفي رواية أخرى أنه قال: المسلم يتزوج النصرانية. والمسلمة؟ ونحن نرى اليوم أن هذه الزيجات شر على البيت المسلم.. فالذي لا يمكن إنكاره واقعياً أن الزوجة اليهودية أو المسيحية أو اللادينية تصبغ بيتها وأطفالها بصبغتها، وتخرج جيلاً أبعد ما يكون عن الإسلام. وبخاصة في هذا المجتمع الجاهلي الذي نعيش فيه، والذي لا يطلق عليه الإسلام إلا تجوزاً في حقيقة الأمر. والذي لا يمسك من الإسلام إلا بخيوط واهية شكلية تقضي عليها القضاء الأخير زوجة تجيء من هناك! {ويسألونك عن المحيض. قل هو أذى. فاعتزلوا النساء في المحيض؛ ولا تقربوهن حتى يطهرن. فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله. إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين. نساؤكم حرث لكم. فأتوا حرثكم أنى شئتم، وقدموا لأنفسكم، واتقوا الله، واعلموا أنكم ملاقوه، وبشر المؤمنين}.. وهذه لفتة أخرى إلى تلك العلاقة ترفعها إلى الله؛ وتسمو بأهدافها عن لذة الجسد حتى في أشد أجزائها علاقة بالجسد.. في المباشرة.. إن المباشرة في تلك العلاقة وسيلة لا غاية. وسيلة لتحقيق هدف أعمق في طبيعة الحياة. هدف النسل وامتداد الحياة، ووصلها كلها بعد ذلك بالله. والمباشرة في المحيض قد تحقق اللذة الحيوانية - مع ما ينشأ عنها من أذى ومن أضرار صحية مؤكدة للرجل والمرأة سواء - ولكنها لا تحقق الهدف الأسمى. فضلا على انصراف الفطرة السليمة النظيفة عنها في تلك الفترة. لأن الفطرة السليمة يحكمها من الداخل ذات القانون الذي يحكم الحياة. فتنصرف بطبعها - وفق هذا القانون - عن المباشرة في حالة ليس من الممكن أن يصح فيها غرس، ولا أن تنبت منها حياة. والمباشرة في الطهر تحقق اللذة الطبيعية، وتحقق معها الغاية الفطرية. ومن ثم جاء ذلك النهي إجابة عن ذلك السؤال: {ويسألونك عن المحيض. قل: هو أذى. فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن}.. وليست المسألة بعد ذلك فوضى، ولا وفق الأهواء والانحرافات. إنما هي مقيدة بأمر الله؛ فهي وظيفة ناشئة عن أمر وتكليف، مقيدة بكيفية وحدود: {فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله}.. في منبت الإخصاب دون سواه. فليس الهدف هو مطلق الشهوة، إنما الغرض هو امتداد الحياة. وابتغاء ما كتب الله. فالله يكتب الحلال ويفرضه؛ والمسلم يبتغي هذا الحلال الذي كتبه له ربه، ولا ينشىء هو نفسه ما يبتغيه. والله يفرض ما يفرض ليطهر عباده، ويحب الذين يتوبون حين يخطئون ويعودون إليه مستغفرين: {إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين}.. وفي هذا الظل يصور لوناً من ألوان العلاقة الزوجية يناسبه ويتسق مع خطوطه: {نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم}.. وفي هذا التعبير الدقيق ما فيه من إشارات إلى طبيعة تلك العلاقة في هذا الجانب، وإلى أهدافها واتجاهاتها نعم! إن هذا الجانب لا يستغرق سائر العلاقات بين الزوج وزوجه. وقد جاء وصفها وذكرها في مواضع أخرى مناسبة للسياق في تلك المواضع. كقوله تعالى: {أية : هن لباس لكم وأنتم لباس لهن}.. تفسير : وقوله: {أية : ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة} تفسير : فكل من هذه التعبيرات يصور جانباً من جوانب تلك العلاقة العميقة الكبيرة في موضعه المناسب. أما مناسبة السياق هنا فيتسق معها التعبير بالحرث. لأنها مناسبة إخصاب وتوالد ونماء. وما دام حرثاً فأتوه بالطريقة التي تشاءون. ولكن في موضع الإخصاب الذي يحقق غاية الحرث: {فأتوا حرثكم أنى شئتم}.. وفي الوقت ذاته تذكروا الغاية والهدف، واتجهوا إلى الله فيه بالعبادة والتقوى؛ فيكون عملاً صالحاً تقدمونه لأنفسكم. واستيقنوا من لقاء الله، الذي يجزيكم بما قدمتم: {وقدموا لأنفسكم. واتقوا الله. واعلموا أنكم ملاقوه}.. ثم يختم الآية بتبشير المؤمنين بالحسنى عند لقاء الله، وفي هذا الذي يقدمونه من الحرث، فكل عمل للمؤمن خير، وهو يتجه فيه إلى الله: {وبشر المؤمنين}.. هنا نطلع على سماحة الإسلام، الذي يقبل الإنسان كما هو، بميوله وضروراته؛ لا يحاول أن يحطم فطرته باسم التسامي والتطهر؛ ولا يحاول أن يستقذر ضروراته التي لا يد له فيها؛ إنما هو مكلف إياها في الحقيقة لحساب الحياة وامتدادها ونمائها! إنما يحاول فقط أن يقرر إنسانيته ويرفعها، ويصله بالله وهو يلبي دوافع الجسد. يحاول أن يخلط دوافع الجسد بمشاعر إنسانية أولاً، وبمشاعر دينية أخيراً؛ فيربط بين نزوة الجسد العارضة وغايات الإنسانية الدائمة ورفرفة الوجدان الديني اللطيف؛ ويمزج بينها جميعا في لحظة واحدة، وحركة واحدة، واتجاه واحد، ذلك المزج القائم في كيان الإنسان ذاته، خليفة الله في أرضه، المستحق لهذه الخلافة بما ركب في طبيعته من قوى وبما أودع في كيانه من طاقات.. وهذا المنهج في معاملة الإنسان هو الذي يلاحظ الفطرة كلها لأنه من صنع خالق هذه الفطرة. وكل منهج آخر يخالف عنه في قليل أو كثير يصطدم بالفطرة فيخفق، ويشقى الإنسان فرداً وجماعة. والله يعلم وأنتم لا تعلمون.. ثم ينتقل السياق من الحديث عن حكم المباشرة في فترة الحيض، إلى الحديث عن حكم الإيلاء.. أي الحلف بالهجران والامتناع عن المباشرة.. وبهذه المناسبة يلم بالحلف ذاته فيجعل الحديث عنه مقدمة للحديث عن الإيلاء. {ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس، والله سميع عليم، لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم، ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم، والله غفور حليم. للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر. فإن فاءوا فإن الله غفور رحيم، وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم}.. التفسير المروي في قوله تعالى: {ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم..} عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: لا تجعلن عرضة يمينك ألا تصنع الخير، ولكن كفر عن يمينك واصنع الخير. وكذا قال مسروق والشعبي وإبراهيم النخعي ومجاهد وطاووس وسعيد بن جبير وعطاء وعكرمة ومكحول والزهري والحسن وقتادة ومقاتل بن حيان والربيع بن أنس والضحاك وعطاء الخراساني والسدي - رحمهم الله -كما نقل ابن كثير. ومما يستشهد به لهذا التفسير ما رواه مسلم - بإسناده - عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "حديث : من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها فليكفر عن يمينه، وليفعل الذي هو خير" تفسير : ..وما رواه البخاري - بإسناده - عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "حديث : والله لأن يلج أحدكم بيمينه في أهله آثم له عند الله من أن يعطي كفارته التي افترض الله عليه ".. تفسير : وعلى هذا يكون معناها: لا تجعلوا الحلف بالله مانعاً لكم من عمل البر والتقوى والإصلاح بين الناس. فإذا حلفتم ألا تفعلوا، فكفروا عن إيمانكم وأتوا الخير. فتحقيق البر والتقوى والإصلاح أولى من المحافظة على اليمين. وذلك كالذي وقع من أبي بكر - رضي الله عنه - حين أقسم لا يبر مسطحاً قريبه الذي شارك في حادثة الإفك - فأنزل الله الآية التي في سورة النور: {أية : ولا يأتل أولو الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربي والمساكين والمهاجرين في سبيل الله، وليعفوا وليصفحوا. ألا تحبون أن يغفر الله لكم؟}.. تفسير : فرجع أبو بكر عن يمينه وكفر عنها. على أن الله كان أرأف بالناس، فلم يجعل الكفارة إلا في اليمين المعقودة، التي يقصد إليها الحالف قصداً، وينوي ما وراءها مما حلف عليه. فأما ما جرى به اللسان عفواً ولغواً من غير قصد، فقد أعفاهم منه ولم يوجب فيه الكفارة: {لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم، ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم. والله غفور حليم}.. وقد روى أبو داود - بإسناده - عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "حديث : اللغو في اليمين هو كلام الرجل في بيته: كلا والله. وبلى والله" تفسير : .. ورواه ابن جرير عن طريق عروة موقوفاً على عائشة: "حديث : لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم.. لا والله وبلى والله"تفسير : .. وفي حديث مرسل - عن الحسن بن أبي الحسن - قال: "حديث : مر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقوم ينتضلون - يعني يرمون - ومع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رجل من أصحابه. فقام رجل من القوم فقال: أصبت والله وأخطأت والله. فقال الذي مع النبي - صلى الله عليه وسلم - للنبي - صلى الله عليه وسلم - حنث الرجل يا رسول الله. قال: كلا. أيمان الرماة لغو لا كفارة فيها ولا عقوبة ". تفسير : وورد عن ابن عباس - رضي الله عنهما - لغو اليمين أن تحلف وأنت غضبان.. كما روي عنه: لغو اليمين أن تحرم ما أحل الله، فذلك ليس عليكم فيه كفارة.. وعن سعيد بن المسيب "حديث : أن أخوين من الأنصار كان بينهما ميراث. فسأل أحدهما صاحبه القسمة. فقال: إن عدت تسألني عن القسمة فكل ما لي في رتاج الكعبة! فقال له عمر: إن الكعبة غنية عن مالك! كفر عن يمينك وكلم أخاك. سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول:لا يمين عليك ولا نذر في معصية الرب عز وجل، ولا في قطيعة الرحم، ولا فيما لا تملك ".. تفسير : والذي يخلص من هذه الآثار أن اليمين التي لا تنعقد النية على ما وراءها، إنما يلغو بها اللسان، لا كفارة فيها. وأن اليمين التي ينوي الحالف الأخذ أو الترك لما حلف عليه هي التي تنعقد. وهي التي تستوجب الكفارة عند الحنث بها. وإنه يجب الحنث بها إن كان مؤداها الامتناع عن فعل خير أو الإقدام على فعل شر. فأما إذا حلف الإنسان على شيء وهو يعلم أنه كاذب، فبعض الآراء أنه لا تقوم لها كفارة أي لا يكفر عنها شيء. قال الإمام مالك في الموطأ: أحسن ما سمعت في ذلك أن اللغو حلف الإنسان على الشيء يستيقن أنه كذلك ثم يوجد بخلافه فلا كفارة فيه. والذي يحلف على الشيء وهو يعلم أنه فيه آثم كاذب ليرضي به أحداً، ويقتطع به مالاً، فهذا أعظم من أن تكون له كفارة. ويعقب السياق على حكم العدول عن اليمين إلى ما فيه البر والخير بقوله: {والله سميع عليم}.. ليوحي إلى القلب بأن الله - سبحانه - يسمع ما يقال ويعلم أين هو الخير. ومن ثم يحكم هذا الحكم. ويعقب على حكم يمين اللغو واليمين المعقودة التي ينويها القلب بقوله: {والله غفور حليم}.. ليلوح للقلب بحلم الله عن مؤاخذة العباد بكل ما يفلت من ألسنتهم، ومغفرته كذلك - بعد التوبة - لما تأثم به قلوبهم. بهذا وذلك يربط الأمر بالله، ويعلق القلوب بالاتجاه إليه في كل ما تكسب وكل ما تقول. وعند الانتهاء من تقرير القاعدة الكلية في الحلف، يأخذ في الحديث عن يمين الإيلاء: وهي أن يحلف الزوج ألا يباشر زوجته. إما لأجل غير محدود، وإما لأجل طويل معين: {للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر. فإن فاءوا فإن الله غفور رحيم. وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم}.. إن هناك حالات نفسية واقعة، تلم بنفوس بعض الأزواج، بسبب من الأسباب في أثناء الحياة الزوجية وملابساتها الواقعية الكثيرة، تدفعهم إلى الإيلاء بعدم المباشرة، وفي هذا الهجران ما فيه من إيذاء لنفس الزوجة؛ ومن إضرار بها نفسيا وعصبياً؛ ومن إهدار لكرامتها كأنثى؛ ومن تعطيل للحياة الزوجية؛ ومن جفوة تمزق أوصال العشرة، وتحطم بنيان الأسرة حين تطول عن أمد معقول. ولم يعمد الإسلام إلى تحريم هذا الإيلاء منذ البداية، لأنه قد يكون علاجاً نافعاً في بعض الحالات للزوجة الشامسة المستكبرة المختالة بفتنتها وقدرتها على إغراء الرجل وإذلاله أو إعناته. كما قد يكون فرصة للتنفيس عن عارض سأم، أو ثورة غضب، تعود بعده الحياة أنشط وأقوى.. ولكنه لم يترك الرجل مطلق الإرادة كذلك، لأنه قد يكون باغياً في بعض الحالات يريد اعنات المرأة وإذلالها؛ أو يريد إيذاءها لتبقى معلقة، لا تستمتع بحياة زوجية معه، ولا تنطلق من عقالها هذا لتجد حياة زوجية أخرى. فتوفيقاً بين الاحتمالات المتعددة، ومواجهة للملابسات الواقعية في الحياة. جعل هنالك حداً أقصى للإيلاء. لا يتجاوز أربعة أشهر. وهذا التحديد قد يكون منظوراً فيه إلى أقصى مدى الاحتمال، كي لا تفسد نفس المرأة، فتتطلع تحت ضغط حاجتها الفطرية إلى غير رجلها الهاجر. وقد روي أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - خرج من الليل يعس. أي يتحسس حاجات الناس وأحوالهم متخفياً. فسمع امرأة تقول: شعر : تطاول هذا الليل وأسود جانبه وأرقني إلا خليل ألاعبه فوالله، لولا الله إني أراقبه لحرك من هذا السرير جوانبه تفسير : فسأل عمر ابنته حفصة - رضي الله عنها - كم أكثر ما تصبر المرأة عن زوجها؟ فقالت: ستة أشهر - أو أربعة أشهر - فقال عمر: لا أحبس أحداً من الجياش أكثر من ذلك.. وعزم على ألا يغيب المجاهدون من الجند أكثر من هذه الفترة.. وعلى أية حال فإن الطبائع تختلف في مثل هذه الأمور. ولكن أربعة أشهر مدة كافية ليختبر الرجل نفسه ومشاعره. فإما أن يفيء ويعود إلى استئناف حياة زوجية صحيحة، ويرجع إلى زوجه وعشه، وإما أن يظل في نفرته وعدم قابليته. وفي هذه الحالة ينبغي أن تفك هذه العقدة؛ وأن ترد إلى الزوجة حريتها بالطلاق. فإما طلق وإما طلقها عليه القاضي. وذلك ليحاول كل منهما أن يبدأ حياة زوجية جديدة مع شخص جديد. فذلك أكرم للزوجة وأعف وأصون؛ وأروح للرجل كذلك وأجدى؛ وأقرب إلى العدل والجد في هذه العلاقة التي أراد الله بها امتداد الحياة لا تجميد الحياة. والآن وقد انتهى السياق إلى الطلاق، فإنه يأخذ في تفصيل أحكام الطلاق؛ وما يتبعه من العدة والفدية والنفقة والمتعة.. إلى آخر الآثار المترتبة على الطلاق.. ويبدأ بحكم العدة والرجعة: {والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء، ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن - إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر - وبعولتهن أحق بردهن في ذلك - إن أرادوا إصلاحاً - ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة، والله عزيز حكيم}.. يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء - أي ثلاث حيضات أو ثلاثة أطهار من الحيضات على خلاف. يتربصن بأنفسهن.. لقد وقفت أمام هذا التعبير اللطيف التصوير لحالة نفسية دقيقة.. إن المعنى الذهني المقصود هو أن ينتظرن دون زواج جديد حتى تنقضي ثلاث حيضات، أو حتى يطهرن منها.. ولكن التعبير القرآني يلقي ظلالاً أخرى بجانب ذلك المعنى الذهني.. إنه يلقي ظلال الرغبة الدافعة إلى استئناف حياة زوجية جديدة. رغبة الأنفس التي يدعوهن إلى التربص بها، والإمساك بزمامها، مع التحفز، والتوفز. الذي يصاحب صورة التربص. وهي حالة طبيعية، تدفع إليها رغبة المرأة في أن تثبت لنفسها ولغيرها أن إخفاقها في حياة الزوجية لم يكن لعجز فيها أو نقص، وأنها قادرة على أن تجتذب رجلاً آخر، وأن تنشىء حياة جديدة.. هذا الدافع لا يوجد بطبيعته في نفس الرجل، لأنه هو الذي طلق؛ بينما يوجد بعنف في نفس المرأة لأنها هي التي وقع عليها الطلاق.. وهكذا يصور القرآن الحالة النفسية من خلال التعبير؛ كما يلحظ هذه الحالة ويحسب لها حساباً.. يتربصن بأنفسهن هذه الفترة كي يتبين براءة أرحامهن من آثار الزوجية السابقة؛ قبل أن يصرن إلى زيجات جديدة: {ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن، إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر}.. لا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن من حمل أو من حيض.. ويلمس قلوبهن بذكر الله الذي يخلق ما في أرحامهن، ويستجيش كذلك شعور الإيمان بالله واليوم الآخر. فشرط هذا الإيمان ألا يكتمن ما خلق الله في أرحامهن.. وذكر اليوم الآخر بصفة خاصة له وزنه هنا. فهناك الجزاء.. هناك العوض عما قد يفوت بالتربص، وهناك العقاب لو كتمن ما خلق الله في أرحامهن، وهو يعلمه لأنه هو الذي خلقه، فلا يخفى عليه شيء منه.. فلا يجوز كتمانه عليه - سبحانه - تحت تأثير أي رغبة أو هوى أو غرض من شتى الأغراض التي تعرض لنفوسهن. هذا من جهة. ومن الجهة الأخرى، فإنه لا بد من فترة معقولة يختبر فيها الزوجان عواطفهما بعد الفرقة. فقد يكون في قلوبهما رمق من ود يستعاد، وعواطف تستجاش، ومعان غلبت عليها نزوة أو غلطة أو كبرياء! فإذا سكن الغضب، وهدأت الشرة، واطمأنت النفس، استصغرت تلك الأسباب التي دفعت إلى الفراق، وبرزت معان أخرى واعتبارات جديدة، وعاودها الحنين إلى استئناف الحياة، أو عاودها التجمل رعاية لواجب من الواجبات. والطلاق أبغض الحلال إلى الله، وهو عملية بتر لا يلجأ إليها إلا حين يخيب كل علاج.. (وفي مواضع أخرى من القرآن تذكر المحاولات التي ينبغي أن تسبق إيقاع الطلاق. كما أن إيقاع الطلاق ينبغي أن يكون في فترة طهر لم يقع فيها وطء. وهذا من شأنه أن يوجد مهلة بين اعتزام الطلاق وإيقاعه في أغلب الحالات. إذ ينتظر الزوج حتى تجيء فترة الطهر ثم يوقع الطلاق.. إلى آخر تلك المحاولات).. والطلقة الأولى تجربة يعلم منها الزوجان حقيقة مشاعرهما. فإذا اتضح لهما في أثناء العدة أن استئناف الحياة مستطاع، فالطريق مفتوح: {وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن أرادوا إصلاحاً}.. في ذلك.. أي في فترة الانتظار والتربص وهي فترة العدة.. إن أرادوا إصلاحاً بهذا الرد؛ ولم يكن القصد هو اعنات الزوجة، وإعادة تقييدها في حياة محفوفة بالأشواك، انتقاما منها، أو استكباراً، واستنكافاً أن تنكح زوجا آخر. {ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف}.. وللمطلقات من الحقوق في هذه الحالة مثل الذي عليهن من الواجبات، فهن مكلفات أن يتربصن وألا يكتمن ما خلق الله في أرحامهن، وأزواجهن مكلفون بأن تكون نيتهم في الرجعة طيبة لا ضرر فيها عليهن ولا ضرار. وذلك إلى ما سيأتي من أمر النفقة في مقابل الاحتباس للعدة. {وللرجال عليهن درجة}.. أحسب أنها مقيدة في هذا السياق بحق الرجال في ردهن إلى عصمتهم في فترة العدة. وقد جعل هذا الحق في يد الرجل لأنه هو الذي طلق؛ وليس من المعقول أن يطلق هو فيعطي حق المراجعة لها هي! فتذهب إليه. وترده إلى عصمتها! فهو حق تفرضه طبيعة الموقف. وهي درجة مقيدة في هذا الموضع، وليست مطلقة الدلالة كما يفهمها الكثيرون، ويستشهدون بها في غير موضعها. ثم يجيء التعقيب: {والله عزيز حكيم}.. مشعراً بقوة الله الذي يفرض هذه الأحكام وحكمته في فرضها على الناس. وفيه ما يرد القلوب عن الزيغ والانحراف تحت شتى المؤثرات والملابسات. والحكم التالي يختص بعدد الطلقات، وحق المطلقة في تملك الصداق، وحرمة استرداد شيء منه عند الطلاق، إلا في حالة واحدة: حالة المرأة الكارهة التي تخشى أن ترتكب معصية لو بقيت مقيدة بهذا الزواج المكروه. وهي حالة الخلع التي تشتري فيها المرأة حريتها بفدية تدفعها: {الطلاق مرتان. فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان. ولا يحل لكم أن تاخذوا مما آتيتموهن شيئاً. إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله. فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به. تلك حدود الله فلا تعتدوها. ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون}.. الطلاق الذي يجوز بعده استئناف الحياة مرتان. فإذا تجاوزهما المتجاوز لم يكن إلى العودة من سبيل إلا بشرط تنص عليه الآية التالية في السياق. وهو أن تنكح زوجاً غيره، ثم يطلقها الزوج الآخر طلاقاً طبيعياً لسبب من الأسباب، ولا يراجعها فتبين منه.. وعندئذ فقط يجوز لزوجها الأول أن ينكحها من جديد، إذا ارتضته زوجاً من جديد. وقد ورد في سبب نزول هذا القيد، أنه في أول العهد بالإسلام كان الطلاق غير محدد بعدد من المرات. فكان للرجل أن يراجع مطلقته في عدتها، ثم يطلقها ويراجعها. هكذا ما شاء.. ثم إن رجلاً من الأنصار اختلف مع زوجته فوجد عليها في نفسه، فقال: والله لا آويك ولا أفارقك. قالت: وكيف ذلك؟ قال: أطلقك، فإذا دنا أجلك راجعتك. فذكرت ذلك للرسول - صلى الله عليه وسلم - فأنزل الله عز وجل: {الطلاق مرتان}.. وحكمة المنهج الرباني الذي أخذ به الجماعة المسلمة مطردة في تنزيل الأحكام عند بروز الحاجة إليها.. حتى استوفى المنهج أصوله كلها على هذا النحو. ولم يبق إلا التفريعات التي تلاحق الحالات الطارئة، وتنشىء حلولاً مستمدة من تلك الأصول الشاملة. وهذا التقييد جعل الطلاق محصوراً مقيداً؛ لا سبيل إلى العبث باستخدامه طويلاً. فإذا وقعت الطلقة الأولى كان للزوج في فترة العدة أن يراجع زوجه بدون حاجة إلى أي إجراء آخر. فأما إذا ترك العدة تمضي فإنها تبين منه؛ ولا يملك ردها إلا بعقد ومهر جديدين. فإذا هو راجعها في العدة أو إذا هو أعاد زواجها في حالة البينونة الصغرى كانت له عليها طلقة أخرى كالطلقة الأولى بجميع أحكامها. فأما إذا طلقها الثالثة فقد بانت منه بينونة كبرى بمجرد إيقاعها فلا رجعة فيها في عدة، ولا عودة بعدها إلا أن ينكحها زوجا آخر. ثم يقع لسبب طبيعي أن يطلقها. فتبين منه لأنه لم يراجعها. أو لأنه استوفى عليها عدد مرات الطلاق. فحينئذ فقط يمكن أن تعود إلى زوجها الأول. إن الطلقة الأولى محك وتجربة كما بينا. فأما الثانية فهي تجربة أخرى وامتحان أخير. فإن صلحت الحياة بعدها فذاك. وإلا فالطلقة الثالثة دليل على فساد أصيل في حياة الزوجية لا تصلح معه حياة. وعلى أية حال فما يجوز أن يكون الطلاق إلا علاجاً أخيراً لعلة لا يجدي فيها سواه. فإذا وقعت الطلقتان: فإما إمساك للزوجة بالمعروف، واستئناف حياة رضية رخية؛ وإما تسريح لها بإحسان لا عنت فيه ولا إيذاء. وهو الطلقة الثالثة التي تمضي بعدها الزوجة إلى خط في الحياة جديد.. وهذا هو التشريع الواقعي الذي يواجه الحالات الواقعة بالحلول العملية؛ ولا يستنكرها حيث لا يجدي الاستنكار، ولا يعيد خلق بني الإنسان على نحو آخر غير الذي فطرهم الله عليه. ولا يهملها كذلك حيث لا يجدي الإهمال! ولا يحل للرجل أن يسترد شيئاً من صداق أو نفقة أنفقها في أثناء الحياة الزوجية في مقابل تسريح المرأة إذا لم تصلح حياته معها. ما لم تجد هي أنها كارهة لا تطيق عشرته لسبب يخص مشاعرها الشخصية؛ وتحس أن كراهيتها له، أو نفورها منه، سيقودها إلى الخروج عن حدود الله في حسن العشرة، أو العفة، أو الأدب. فهنا يجوز لها أن تطلب الطلاق منه؛ وأن تعوضه عن تحطيم عشه بلا سبب متعمد منه؛ برد الصداق الذي أمهرها إياه، أو بنفقاته عليها كلها أو بعضها لتعصم نفسها من معصية الله وتعدِّي حدوده، وظلم نفسها وغيرها في هذه الحال. وهكذا يراعي الإسلام جميع الحالات الواقعية التي تعرض للناس؛ ويراعي مشاعر القلوب الجادة التي لا حيلة للإنسان فيها؛ ولا يقسر الزوجة على حياة تنفر منها؛ وفي الوقت ذاته لا يضيع على الرجل ما أنفق بلا ذنب جناه. ولكي نتصور حيوية هذا النص ومداه، يحسن أن نراجع سابقة واقعية من تطبيقه على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تكشف عن مدى الجد والتقدير والقصد والعدل في هذا المنهج الرباني القويم. روى الإمام مالك في كتابه: الموطأ.. "حديث : أن حبيبة بنت سهل الأنصاري كانت تحت ثابت بن قيس بن شماس. وأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خرج في الصبح، فوجد حبيبة بنت سهل عند بابه في الغلس. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"من هذه؟" قالت: أنا حبيبة بنت سهل! فقال: "ما شأنك؟" فقالت: لا أنا ولا ثابت بن قيس - لزوجها - فلما جاء زوجها ثابت بن قيس قال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "هذه حبيبة بنت سهل قد ذكرت ما شاء الله أن تذكر".. فقالت حبيبة: يا رسول الله كل ما أعطاني عندي. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "خذ منها" فأخذ منها وجلست في أهلها ". تفسير : وروى البخاري - بإسناده - عن ابن عباس رضي الله عنهما - "حديث : أن امرأة ثابت بن قيس بن شماس أتت النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت: يا رسول الله. ما اعيب عليه في خلق ولا دين، ولكن أكره الكفر في الإسلام. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "أتردين عليه حديقته؟" (وكان قد أمهرها حديقة) قالت: نعم. قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: اقبل الحديقة وطلقها تطليقة ".. تفسير : وفي رواية أكثر تفصيلاً رواها ابن جرير - بإسناد - "حديث : عن أبي جرير أنه سأل عكرمة: هل كان للخلع أصل؟ قال: كان ابن عباس يقول: إن أول خلع كان في الإسلام في أخت عبد الله بن أبي. إنها أتت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالت: يا رسول الله، لا يجمع رأسي ورأسه شيء أبداً. إني رفعت جانب الخباء فرأيته قد أقبل في عدة، فإذا هو أشدهم سواداً وأقصرهم قامة وأقبحهم وجهاً فقال زوجها: يا رسول الله إني قد أعطيتها أفضل مالي: حديقة لي فإن ردت عليّ حديقتي. قال: ما تقولين؟ قالت: نعم وإن شاء زدته. قال: ففرق بينهما.. " تفسير : ومجموعة هذه الروايات تصور الحالة النفسية التي قبلها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وواجهها مواجهة من يدرك أنها حالة قاهرة لا جدوى من استنكارها وقسر المرأة على العشرة؛ وأن لا خير في عشرة هذه المشاعر تسودها. فاختار لها الحل من المنهج الرباني الذي يواجه الفطرة البشرية مواجهة صريحة عملية واقعية؛ ويعامل النفس الإنسانية معاملة المدرك لما يعتمل فيها من مشاعر حقيقية. ولما كان مرد الجد أو العبث، والصدق أو الاحتيال، في هذه الأحوال.. هو تقوى الله، وخوف عقابه. جاء التعقيب يحذر من اعتداء حدود الله: {تلك حدود الله فلا تعتدوها. ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون}.. ونقف هنا وقفة عابرة أمام اختلاف لطيف في تعبيرين قرآنيين في معنى واحد، حسب اختلاف الملابستين: في مناسبة سبقت في هذه السورة عند الحديث عن الصوم. ورد تعقيب: {تلك حدود الله فلا تقربوها}.. وهنا في هذه المناسبة ورد تعقيب: {تلك حدود الله فلا تعتدوها}.. في الأولى تحذير من القرب. وفي الثانية تحذير من الاعتداء.. فلماذا كان الاختلاف؟ في المناسبة الأولى كان الحديث عن محظورات مشتهاة: {أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم.. هن لباس لكم وأنتم لباس لهن.. علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم، فتاب عليكم وعفا عنكم، فالأن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم. وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر. ثم أتموا الصيام إلى الليل، ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد.. تلك حدود الله فلا تقربوها}.. والمحظورات المشتهاة شديدة الجاذبية. فمن الخير أن يكون التحذير من مجرد الاقتراب من حدود الله فيها، اتقاء لضعف الإرادة أمام جاذبيتها إذا اقترب الإنسان من مجالها ووقع في نطاق حبائلها! أما هنا فالمجال مجال مكروهات واصطدامات وخلافات. فالخشية هنا هي الخشية من تعدي الحدود في دفعة من دفعات الخلاف؛ وتجاوزها وعدم الوقوف عندها. فجاء التحذير من التعدي لا من المقاربة. بسبب اختلاف المناسبة.. وهي دقة في التعبير عن المقتضيات المختلفة عجيبة! ثم نمضي مع السياق في أحكام الطلاق: {فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجاً غيره. فإن طلقها فلا جناح عليهما أن يتراجعا.. إن ظنا أن يقيما حدود الله. وتلك حدود الله يبينها لقوم يعلمون}.. إن الطلقة الثالثة - كما تبين - دليل على فساد أصيل في هذه الحياة لا سبيل إلى إصلاحه من قريب - إن كان الزوج جاداً عامداً في الطلاق - وفي هذه الحالة يحسن أن ينصرف كلاهما إلى التماس شريك جديد. فأما إن كانت تلك الطلقات عبثاً أو تسرعاً أو رعونة، فالأمر إذن يستوجب وضع حد للعبث بهذا الحق، الذي قرر ليكون صمام أمن، وليكون علاجاً اضطرارياً لعلة مستعصية، لا ليكون موضعاً للعبث والتسرع والسفاهة. ويجب حينئذ أن تنتهي هذه الحياة التي لا تجد من الزوج احتراماً لها، واحتراساً من المساس بها. وقد يقول قائل: وما ذنب المرأة تهدد حياتها وأمنها واستقرارها بسبب كلمة تخرج من فم رجل عابث؟ ولكننا نواجه واقعاً في حياة البشر. فكيف يا ترى يكون العلاج، إن لم نأخذ بهذا العلاج؟ تراه يكون بأن نرغم مثل هذا الرجل على معاشرة زوجة لا يحترم علاقته بها ولا يوقرها؟ فنقول له مثلاً: إننا لا نعتمد طلاقك هذا ولا نعترف به ولا نقره! وهذه هي امرأتك على ذمتك فهيا وأمسكها!.. كلا إن في هذا من المهانة للزوجة وللعلاقة الزوجية ما لا يرضاه الإسلام، الذي يحترم المرأة ويحترم علاقة الزوجية ويرفعها إلى درجة العبادة لله.. إنما تكون عقوبته أن نحرمه زوجه التي عبث بحرمة علاقاتها معه؛ وأن نكلفه مهراً وعقداً جديدين أن تركها تبين منه في الطلقتين الأوليين؛ وأن نحرمها عليه في الطلقة الثالثة تحريماً كاملاً - إلا أن تنكح زوجاً غيره - وقد خسر صداقها وخسر نفقته عليها؛ ونكلفه بعد ذلك نفقة عدة في جميع الحالات.. والمهم أن ننظر إلى واقع النفس البشرية؛ وواقع الحياة العملية؛ لا أن نهوم في رؤى مجنحة ليست لها أقدام تثبت بها على الأرض، في عالم الحياة! فإذا سارت الحياة في طريقها فتزوجت بعد الطلقة الثالثة زوجاً آخر. ثم طلقها هذا الزوج الآخر.. فلا جناح عليها وعلى زوجها الأول أن يتراجعا.. ولكن بشرط: {إن ظنا أن يقيما حدود الله}.. فليست المسألة هوى يطاع، وشهوة تستجاب. وليسا متروكين لأنفسهما وشهواتهما ونزواتهما في تجمع أو افتراق. إنما هي حدود الله تقام. وهي إطار الحياة الذي إن أفلتت منه لم تعد الحياة التي يريدها ويرضى عنها الله. {وتلك حدود الله يبينها لقوم يعلمون}.. فمن رحمته بالعباد أنه لم يترك حدوده غامضة ولا مجهولة. إنما هو يبينها في هذا القرآن. يبينها لقوم يعلمون فالذين يعلمون حق العلم هم الذين يعلمونها ويقفون عندها؛ وإلا فهو الجهل الذميم، وهي الجاهلية العمياء! بعد ذلك يجيء التوجيه الإلهي للأزواج المطلقين. توجيههم إلى المعروف واليسر والحسنى بعد الطلاق في جميع الأحوال: {وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف، ولا تمسكوهن ضراراً لتعتدوا؛ ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه. ولا تتخذوا آيات الله هزواً؛ واذكروا نعمة الله عليكم، وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم به؛ واتقوا الله واعلموا أن الله بكل شيء عليم. {وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن إذا تراضوا بينهم بالمعروف، ذلك يوعظ به من كان منكم يؤمن بالله واليوم الآخر. ذلكم أزكى لكم وأطهر. والله يعلم وأنتم لا تعلمون}.. إن المعروف والجميل والحسنى يجب أن تسود جو هذه الحياة. سواء اتصلت حبالها أو انفصمت عراها. ولا يجوز أن تكون نية الإيذاء والإعنات عنصراً من عناصرها. ولا يحقق هذا المستوى الرفيع من السماحة في حالة الانفصال والطلاق التي تتأزم فيها النفوس، إلا عنصر أعلى من ملابسات الحياة الأرضية. عنصر يرفع النفوس عن الإحن والضغن، ويوسع من آفاق الحياة ويمدها وراء الحاضر الواقع الصغير.. هو عنصر الإيمان بالله. والإيمان باليوم الآخر. وتذكر نعمة الله في شتى صورها ابتداء من نعمة الإيمان - أرفع النعم - إلى نعمة الصحة والرزق واستحضار تقوى الله والرجاء في العوض منه عن الزوجية الفاشلة والنفقة الضائعة.. وهذا العنصر الذي تستحضره الآيتان اللتان تتحدثان هنا عن إيثار المعروف والجميل والحسنى، سواء اتصلت حبال الحياة الزوجية أو انفصمت عراها. ولقد كانت المرأة في الجاهلية تلاقي من العنت ما يتفق وغلظ الجاهلية وانحرافها. كانت تلقى هذا العنت طفلة توأد في بعض الأحيان، أو تعيش في هون ومشقة وإذلال! وكانت تلقاه زوجة هي قطعة من المتاع للرجل، أغلى منها الناقة والفرس وأعز! وكانت تلقاه مطلقة. تعضل فتمنع من الزواج حتى يسمح مطلقها ويأذن! أو يعضلها أهلها دون العودة إلى مطلقها، إن أرادا أن يتراجعا.. وكانت النظرة إليها بصفة عامة نظرة هابطة زرية شأنها في هذا شأن سائر الجاهليات السائدة في الأرض في ذلك الأوان. ثم جاء الإسلام.. جاء ينسم على حياة المرأة هذه النسمات الرخية التي نرى هنا نماذج منها. وجاء يرفع النظرة إليها فيقرر أنها والرجل نفس واحدة من خلقة بارئها.. وجاء يرتفع بالعلاقات الزوجية إلى مرتبة العبادة عند الإحسان فيها.. هذا ولم تطلب المرأة شيئا من هذا ولا كانت تعرفه. ولم يطلب الرجل شيئاً من هذا ولا كان يتصوره. إنما هي الكرامة التي أفاضها الله من رحمته للجنسين جميعاً، على الحياة الإنسانية جميعاً.. {وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف. ولا تمسكوهن ضراراً لتعتدوا}.. والمقصود ببلوغ الأجل هنا هو قرب انتهاء العدة التي قررها في آية سابقة. فإذا قرب الأجل فإما رجعة على نية الاصلاح - والمعاملة بالمعروف - وهذا هو الإمساك بالمعروف.. وإما ترك الأجل يمضي فتبين الزوجة - وهذا هو التسريح بإحسان، بدون إيذاء ولا طلب فدية من الزوجة وبدون عضل لها عن الزواج بمن تشاء.. {ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا}.. وذلك كالذي روي عن الأنصاري الذي قال لامرأته: والله لا آويك ولا أفارقك! فهذا هو الإمساك بغير إحسان. إمساك الضرار الذي لا ترضاه سماحة الإسلام. وهو الإمساك الذي تكرر النهي عنه في هذا السياق؛ لأنه فيما يبدو كان شائعاً في البيئة العربية: ويمكن أن يشيع في أية بيئة لم يهذبها الإسلام، ولم يرفعها الإيمان.. وهنا يستجيش القرآن أنبل المشاعر؛ كما يستجيش عاطفة الحياء من الله، وشعور الخوف منه في آن. ويحشد هذه المؤثرات كلها ليخلص النفوس من أوضاع الجاهلية وآثارها؛ ويرتفع بها إلى المستوى الكريم الذي يأخذ بيدها إليه: {ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه. ولا تتخذوا آيات الله هزواً. واذكروا نعمة الله عليكم وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم به. واتقوا الله واعلموا أن الله بكل شيء عليم}.. إن الذي يمسك المطلقة ضراراً واعتداء يظلم نفسه فهي أخته. من نفسه. فإذا ظلمها فقد ظلم نفسه. وهو يظلم نفسه بإيرادها مورد المعصية، والجموح بها عن طريق الطاعة.. وهذه هي اللمسة الأولى. وآيات الله التي بينها في العشرة والطلاق واضحة مستقيمة جادة، تقصد إلى تنظيم هذه الحياة وإقامتها على الجد والصدق؛ فإذا هو استغلها في الحاق الإضرار والأذى بالمرأة، متلاعباً بالرخص التي جعلها الله متنفساً وصمام أمن، واستخدم حق الرجعة الذي جعله الله فرصة لاستعادة الحياة الزوجية وإصلاحها، في إمساك المراة لإيذائها وإشقائها.. إذا فعل شيئاً من هذا فقد اتخذ آيات الله هزواً - وذلك كالذي نراه في مجتمعنا الجاهلي الذي يدعى الإسلام في هذه الأيام، من استخدام الرخص الفقهية وسيلة للتحايل والإيذاء والفساد. ومن استخدام حق الطلاق ذاته أسوأ استخدام - وويل لمن يستهزيء بآيات الله دون حياء من الله. ويستجيش وجدان الحياء والاعتراف بالنعمة. وهو يذكرهم بنعمة الله عليهم وما أنزل عليهم من الكتاب والحكمة يعظهم به.. وتذكير المسلمين يومذاك بنعمة الله عليهم كان يستجيش معاني ضخمة واقعة في حياتهم، شاملة لهذه الحياة.. وأول ما كان يخطر على بالهم من نعمة الله عليهم، هو وجودهم ذاته كأمة.. فماذا كان أولئك العرب والأعراب قبل أن يأتيهم الإسلام؟ أنهم لم يكونوا شيئاً مذكوراً. لم تكن الدنيا تعرفهم ولا تحس بهم. كانوا فرقاً ومزقاً لا وزن لها ولا قيمة. لم يكن لديهم شيء يعطونه للبشرية فتعرفهم به. بل لم يكن لديهم شيء يعطونه لأنفسهم فيغنيهم. لم يكن لديهم شيء على الإطلاق. لا مادي ولا معنوي.. كانوا فقراء يعيشون في شظف. إلا قلة منهم تعيش في ترف، ولكنه ترف غليظ ساذج هابط أشبه شيء بترف الأوابد التي تكثر في أوكارها الفرائس! وكانوا كذلك فقراء العقل والروح والضمير. عقيدتهم مهلهلة ساذجة سخيفة. وتصورهم للحياة بدائي قبلي محدود. واهتماماتهم في الحياة لا تتعدى الغارات الخاطفة، والثارات الحادة، واللهو والشراب والقمار، والمتاع الساذج الصغير على كل حال! ومن هذه الوهدة المغلقة أطلقهم الإسلام. بل أنشأهم إنشاء. أنشأهم ومنحهم الوجود الكبير، الذي تعرفهم به الإنسانية كلها. أعطاهم ما يعطونه لهذه الإنسانية. أعطاهم العقيدة الضخمة الشاملة التي تفسر الوجود كما لم تفسره عقيدة قط؛ والتي تمكنهم من قيادة البشرية قيادة راشدة رفيعة. وأعطاهم الشخصية المميزة بهذه العقيدة التي تجعل لهم وجوداً بين الأمم والدول، ولم يكن لهم قبلها أدنى وجود. وأعطاهم القوة التي تعرفهم بها الدنيا وتحسب لهم معها حساباً، وكانوا قبلها خدماً للإمبراطوريات من حولهم، أو مهملين لا يحس بهم أحد. وأعطاهم الثروة كذلك بما فتح عليهم في كل وجهة.. وأكثر من هذا أعطاهم السلام، سلام النفس. وسلام البيت وسلام المجتمع الذي يعيشون فيه. أعطاهم طمأنينة القلب وراحة الضمير والاستقرار على المنهج والطريق.. وأعطاهم الاستعلاء الذي ينظرون به إلى قطعان البشرية الضالة في أرجاء الجاهلية المترامية الأطراف في الأرض؛ فيحسون أن الله آتاهم ما لم يؤت أحداً من العالمين.. فإذا ذكرهم الله بالنعمة هنا، فهم يذكرون شيئاً حاضراً في حياتهم لا يحتاج إلى طول تذكر. وهم هم أنفسهم الذين عاشوا في الجاهلية ثم عاشوا في الإسلام في جيل واحد. وشهدوا هذه النقلة البعيدة التي لا تحققها إلا خارقة فوق تصور البشر.. وهم يذكرون هذه النعمة ممثلة فيما أنزل الله عليهم من الكتاب والحكمة يعظهم به.. والقرآن يقول لهم: {وما أنزل عليكم}.. بضمير المخاطب؛ ليشعروا بضخامة الإنعام وغزارة الفيض ولصوق النعمة بأشخاصهم، والله ينزل عليهم هذه الآيات، التي يتألف منها المنهج الرباني، ومنه دستور الأسرة قاعدة الحياة.. ثم يلمس قلوبهم اللمسة الأخيرة في هذه الآية، وهو يخوفهم الله ويذكرهم أنه بكل شيء عليم: {واتقوا الله، واعلموا أن الله بكل شيء عليم}.. فيستجيش شعور الخوف والحذر، بعد شعور الحياء والشكر.. ويأخذ النفس من أقطارها، ليقودها في طريق السماحة والرفق والتجمل.. كذلك ينهاهم أن يعضلوا المطلقة - حين توفي العدة - ويمنعوها أن تتراجع مع زوجها إذا تراضيا بالمعروف: {وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن إذا تراضوا بينهم بالمعروف}.. وقد أورد الترمذي عن معقل بن يسار، أنه زوج أخته رجلاً من المسلمين على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فكانت عنده ما كانت. ثم طلقها تطليقة لم يراجعها، حتى انقضت عدتها؛ فهويها وهويته؛ ثم خطبها مع الخطاب. فقال له: يا لكع ابن لكع! أكرمتك بها وزوجتكها، فطلقتها. والله لا ترجع إليك أبداً آخر ما عليك. قال: فعلم الله حاجته إليها وحاجتها إلى بعلها، فأنزل الله: {وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن} إلى قوله: {وأنتم لا تعلمون}.. فلما سمعها معقل قال: سمع لربي وطاعة. ثم دعاه، فقال: أزوجك وأكرمك.. وهذه الاستجابة الحانية من الله - سبحانه - لحاجات القلوب التي علم من صدقها ما علم، تكشف عن جانب من رحمة الله بعباده.. أما الآية بعمومها فيبدو فيها التيسير الذي أراده الله بالعباد، والتربية التي أخذ بها المنهج القرآني الجماعة المسلمة، والنعمة التي أفاضها عليها بهذا المنهج القويم، الذي يواجه الواقع من حياة الناس في جميع الأحوال. وهنا كذلك يستجيش الوجدان والضمير بعد النهي والتحذير: {ذلك يوعظ به من كان منكم يؤمن بالله واليوم الآخر. ذلكم أزكى لكم وأطهر. والله يعلم وأنتم لا تعلمون}.. والإيمان بالله واليوم الآخر هو الذي يجعل هذه الموعظة تبلغ إلى القلوب. حين تتعلق هذه القلوب بعالم أرحب من هذه الأرض؛ وحين تتطلع إلى الله ورضاه فيما تأخذ وما تدع.. والشعور بأن الله يريد ما هو أزكى وما هو أطهر من شأنه أن يستحث المؤمن للاستجابة، واغتنام الزكاة والطهر. لنفسه وللمجتمع من حوله. ولمس القلب بأن الذي يختار له هذا الطريق هو الله الذي يعلم ما لا يعلمه الناس من شأنه أن يسارع به إلى الاستجابة كذلك في رضى وفي استسلام. وهكذا يرفع الأمر كله إلى أفق العبادة، ويعلقه بعروة الله، ويطهره من شوائب الأرض، وأدران الحياة، وملابسات الشد والجذب التي تلازم جو الطلاق والفراق.. والحكم التالي يتعلق برضاع الأطفال بعد الطلاق.. إن دستور الأسرة لا بد أن يتضمن بياناً عن تلك العلاقة التي لا تنفصم بين الزوجين بعد الطلاق. علاقة النسل الذي ساهم كلاهما فيه، وارتبط كلاهما به؛ فإذا تعذرت الحياة بين الوالدين فإن الفراخ الزغب لا بد لها من ضمانات دقيقة مفصلة، تستوفي كل حالة من الحالات: {والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة. وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف. لا تكلف نفس إلا وسعها. لا تضار والدة بولدها ولا مولود له بولده. وعلى الوارث مثل ذلك. فإن أرادا فصالاً عن تراض منهما وتشاور فلا جناح عليهما. وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم فلا جناح عليكم - إذا سلمتم ما آتيتم بالمعروف - واتقوا الله، واعلموا أن الله بما تعملون بصير}.. إن على الوالدة المطلقة واجباً تجاه طفلها الرضيع. واجباً يفرضه الله عليها ولا يتركها فيه لفطرتها وعاطفتها التي قد تفسدها الخلافات الزوجية، فيقع الغرم على هذا الصغير. إذن يكفله الله ويفرض له في عنق أمه. فالله أولى بالناس من أنفسهم، وأبر منهم وأرحم من والديهم. والله يفرض للمولود على أمه أن ترضعه حولين كاملين؛ لأنه سبحانه يعلم أن هذه الفترة هي المثلى من جميع الوجوه الصحية والنفسية للطفل.. {لمن أراد أن يتم الرضاعة} وتثبت البحوث الصحية والنفسية اليوم أن فترة عامين ضرورية لينمو الطفل نمواً سليماً من الوجهتين الصحية والنفسية. ولكن نعمة الله على الجماعة المسلمة لم تنتظر بهم حتى يعلموا هذا من تجاربهم. فالرصيد الإنساني من ذخيرة الطفولة لم يكن ليترك يأكله الجهل كل هذا الأمد الطويل، والله رحيم بعباده. وبخاصة بهؤلاء الصغار الضعاف المحتاجين للعطف والرعاية. وللوالدة في مقابل ما فرضه الله عليها حق على والد الطفل: أن يرزقها ويكسوها بالمعروف والمحاسنة؛ فكلاهما شريك في التبعة؛ وكلاهما مسؤول تجاه هذا الصغير الرضيع، هي تمده باللبن والحضانة وأبوه يمدها بالغذاء والكساء لترعاه ; وكل منهما يؤدي واجبه في حدود طاقته: {لا تكلف نفس إلا وسعها}.. ولا ينبغي أن يتخذ أحد الوالدين من الطفل سبباً لمضارة الآخر: {لا تضار والدة بولدها، ولا مولود له بولده}.. فلا يستغل الأب عواطف الأم وحنانها ولهفتها على طفلها، ليهددها فيه أو تقبل رضاعة بلا مقابل. ولا تستغل هي عطف الأب على ابنه وحبه له لتثقل كاهله بمطالبها.. والواجبات الملقاة على الوالد تنتقل في حالة وفاته إلى وارثه الراشد: {وعلى الوارث مثل ذلك}.. فهو المكلف أن يرزق الأم المرضع ويكسوها بالمعروف والحسنى. تحقيقاً للتكافل العائلي الذي يتحقق طرفه بالإرث، ويتحقق طرفه الآخر باحتمال تبعات المورث. وهكذا لا يضيع الطفل إن مات والده. فحقه مكفول وحق أمه في جميع الحالات. وعندما يستوفى هذا الاحتياط.. يعود إلى استكمال حالات الرضاعة.. {فإن أرادا فصالاً عن تراض منهما وتشاور فلا جناح عليهما}.. فإذا شاء الوالد والوالدة، أو الوالدة والوارث، أن يفطما الطفل قبل استيفاء العامين؛ لأنهما يريان مصلحة للطفل في ذلك الفطام، لسبب صحي أو سواه فلا جناح عليهما، إذا تم هذا بالرضى بينهما، وبالتشاور في مصلحة الرضيع الموكول اليهما رعايته، المفروض عليهما حمايته. كذلك إذا رغب الوالد في أن يحضر لطفله مرضعاً مأجورة، حين تتحقق مصلحة الطفل في هذه الرضاعة، فله ذلك على شرط أن يوفي المرضع أجرها، وأن يحسن معاملتها: {وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم فلا جناح عليكم إذا سلمتم ما آتيتم بالمعروف}.. فذلك ضمان لأن تكون للطفل ناصحة، وله راعية وواعية. وفي النهاية يربط الأمر كله بذلك الرباط الإلهي.. بالتقوى.. بذلك الشعور العميق اللطيف الذي يكل إليه ما لا سبيل لتحقيقه إلا به: {واتقوا الله واعلموا أن الله بما تعملون بصير}.. فهذا هو الضمان الأكيد في النهاية. وهذا هو الضمان الوحيد. وبعد استيفاء التشريع للمطلقات وللآثار المتخلفة عن الطلاق يأخذ في بيان حكم المتوفى عنها زوجها.. عدتها. وخطبتها بعد انقضاء العدة. والتعريض بالخطبة في أثنائها: {والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشراً فإذا بلغن أجلهن فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف. والله بما تعملون خبير}. {ولا جناح عليكم فيما عرّضتم به من خطبة النساء أو أكننتم في أنفسكم. علم الله أنكم ستذكرونهن. ولكن لا تواعدوهن سراً، إلا أن تقولوا قولاً معروفاً. ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله. واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه. واعلموا أن الله غفور حليم}.. والمتوفى عنها زوجها كانت تلقى الكثير من العنت من الأهل وقرابة الزوج والمجتمع كله.. وعند العرب كانت إذا مات زوجها دخلت مكاناً رديئاً ولبست شر ثيابها ولم تمس طيباً ولا شيئاً مدة سنة، ثم تخرج فتقوم بعدة شعائر جاهلية سخيفة تتفق مع سخف الجاهلية، من أخذ بعرة وقذفها ومن ركوب دابة: حمار أو شاة... إلخ.. فلما جاء الإسلام خفف عنها هذا العنت، بل رفعه كله عن كاهلها؛ ولم يجمع عليها بين فقدان الزوج واضطهاد الأهل بعده.. وإغلاق السبيل في وجهها دون حياة شريفة، وحياة عائلية مطمئنة. جعل عدتها أربعة أشهر وعشر ليال - ما لم تكن حاملاً فعدتها عدة الحامل - وهي أطول قليلاً من عدة المطلقة. تستبرىء فيها رحمها، ولا تجرح أهل الزوج في عواطفهم بخروجها لتوها. وفي أثناء هذه العدة تلبس ثيابا محتشمة ولا تتزين للخطاب. فأما بعد هذه العدة فلا سبيل لأحد عليها. سواء من أهلها أو من أهل الزوج. ولها مطلق حريتها فيما تتخذه لنفسها من سلوك شريف في حدود المعروف من سنة الله وشريعته، فلها أن تأخذ زينتها المباحة للمسلمات، ولها أن تتلقى خطبة الخطاب، ولها أن تزوج نفسها ممن ترتضي. لا تقف في سبيلها عادة بالية، ولا كبرياء زائفة. وليس عليها من رقيب إلا الله: {والله بما تعملون خبير}.. هذا شأن المرأة.. ثم يلتفت السياق إلى الرجال الراغبين فيها في فترة العدة؛ فيوجههم توجيهاً قائماً على أدب النفس، وأدب الاجتماع، ورعاية المشاعر والعواطف، مع رعاية الحاجات والمصالح: {ولا جناح عليكم فيما عرّضتم به من خطبة النساء أو أكننتم في أنفسكم}.. إن المرأة في عدتها ما تزال معلقة بذكرى لم تمت، وبمشاعر أسرة الميت، ومرتبطة كذلك بما قد يكون في رحمها من حمل لم يتبين، أو حمل تبين والعدة معلقة بوضعه.. وكل هذه الاعتبارات تمنع الحديث عن حياة زوجية جديدة. لأن هذا الحديث لم يحن موعده، ولأنه يجرح مشاعر، ويخدش ذكريات. ومع رعاية هذه الاعتبارات فقد أبيح التعريض - لا التصريح - بخطبة النساء. أبيحت الإشارة البعيدة التي تلمح منها المرأة أن هذا الرجل يريدها زوجة بعد انقضاء عدتها. وقد روي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أن التعريض مثل أن يقول: "حديث : إني أريد التزويج. وإن النساء لمن حاجتي. ولوددت أنه تيسر لي امرأة صالحة ". تفسير : كذلك أبيحت الرغبة المكنونة التي لا يصرح بها لا تصريحاً ولا تلميحاً. لأن الله يعلم أن هذه الرغبة لا سلطان لإرادة البشر عليها: {علم الله أنكم ستذكرونهن}.. وقد أباحها الله لأنها تتعلق بميل فطري حلال في أصله، مباح في ذاته، والملابسات وحدها هي التي تدعو إلى تأجيل اتخاذ الخطوة العملية فيه. والإسلام يلحظ ألا يحطم الميول الفطرية إنما يهذبها، ولا يكبت النوازع البشرية إنما يضبطها. ومن ثم ينهى فقط عما يخالف نظافة الشعور، وطهارة الضمير: {ولكن لا تواعدوهن سراً}.. لا جناح في أن تعرضوا بالخطبة، أو أن تكنوا في أنفسكم الرغبة، ولكن المحظور هو المواعدة سراً على الزواج قبل انقضاء العدة. ففي هذا مجانبة لأدب النفس، ومخالسة لذكرى الزوج، وقلة استحياء من الله الذي جعل العدة فاصلاً بين عهدين من الحياة. {إلا أن تقولوا قولاً معروفاً}.. لا نكر فيه ولا فحش، ولا مخالفة لحدود الله التي بينها في هذا الموقف الدقيق: {ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله}.. ولم يقل: ولا تعقدوا النكاح.. إنما قال: {ولا تعزموا عقدة النكاح}.. زيادة في التحرج.. فالعزيمة التي تنشئ العقدة هي المنهي عنها.. وذلك من نحو قوله تعالى: {تلك حدود الله فلا تقربوها}.. توحي بمعنى في غاية اللطف والدقة. {واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه}.. وهنا يربط بين التشريع وخشية الله المطلع على السرائر. فللهواجس المستكنة وللمشاعر المكنونة هنا قيمتها في العلاقات بين رجل وامرأة. تلك العلاقات الشديدة الحساسية، العالقة بالقلوب، الغائرة في الضمائر. وخشية الله، والحذر مما يحيك في الصدور أن يطلع عليه الله هي الضمانة الأخيرة، مع التشريع، لتنفيذ التشريع. فإذا هز الضمير البشري هزة الخوف والحذر، فصحا وارتعش رعشة التقوى والتحرج، عاد فسكب فيه الطمأنينة لله، والثقة بعفو الله، وحلمه وغفرانه: {واعلموا أن الله غفور حليم}.. غفور يغفر خطيئة القلب الشاعر بالله، الحذر من مكنونات القلوب. حليم لا يعجل بالعقوبة فلعل عبده الخاطىء أن يتوب. ثم يجيء حكم المطلقة قبل الدخول. وهي حالة جديدة غير حالات الطلاق بالمدخول بهن التي استوفاها من قبل. وهي حالة كثيرة الوقوع. فيبين ما على الزوجين فيها وما لهما: {لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن وتفرضوا لهن فريضة. ومتعوهن - على الموسع قدره وعلى المقتر قدره - متاعاً بالمعروف حقاً على المحسنين. وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم. إلا أن يعفون أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح. وأن تعفوا أقرب للتقوى. ولا تنسوا الفضل بينكم. إن الله بما تعملون بصير}.. والحالة الأولى: هي حالة المطلقة قبل الدخول، ولم يكن قد فرض لها مهر معلوم. والمهر فريضة، فالواجب في هذه الحالة على الزوج المطلق أن يمتعها. أي أن يمنحها عطية حسبما يستطيع. ولهذا العمل قيمته النفسية بجانب كونه نوعاً من التعويض.. إن انفصام هذه العقدة من قبل ابتدائها ينشىء جفوة ممضة في نفس المرأة، ويجعل الفراق طعنة عداء وخصومة. ولكن التمتيع يذهب بهذا الجو المكفهر، وينسم فيه نسمات من الود والمعذرة؛ ويخلع على الطلاق جو الأسف والأسى. فهي محاولة فاشلة إذن وليست ضربة مسددة! ولهذا يوصي أن يكون المتاع بالمعروف استبقاء للمودة الإنسانية، واحتفاظاً بالذكرى الكريمة. وفي الوقت نفسه لا يكلف الزوج ما لا يطيق، فعلى الغني بقدر غناه، وعلى الفقير في حدود ما يستطيع: {على الموسع قدره وعلى المقتر قدره}.. ويلوّح بالمعروف والإحسان فيندّي بهما جفاف القلوب واكفهرار الجو المحيط: {متاعاً بالمعروف حقاً على المحسنين}.. والحالة الثانية: أن يكون قد فرض مهراً معلوماً وفي هذه الحالة يجب نصف المهر المعلوم. هذا هو القانون. ولكن القرآن يدع الأمر بعد ذلك للسماحة والفضل واليسر. فللزوجة - ولوليها إن كانت صغيرة - أن تعفو وتترك ما يفرضه القانون. والتنازل في هذه الحالة هو تنازل الإنسان الراضي القادر العفّو السمح. الذي يعف عن مال رجل قد انفصمت منه عروته. ومع هذا فإن القرآن يظل يلاحق هذه القلوب كي تصفو وترف وتخلو من كل شائبة: {وأن تعفوا أقرب للتقوى. ولا تنسوا الفضل بينكم. إن الله بما تعملون بصير}.. يلاحقها باستجاشة شعور التقوى. ويلاحقها باستجاشة شعور السماحة والتفضل. ويلاحقها باستجاشة شعور مراقبة الله.. ليسود التجمل والتفضل جو هذه العلاقة ناجحة كانت أم خائبة. ولتبقى القلوب نقية خالصة صافية. موصولة بالله في كل حال. وفي هذا الجو الذي يربط القلوب بالله، ويجعل الإحسان والمعروف في العشرة عبادة لله، يدس حديثاً عن الصلاة - أكبر عبادات الإسلام - ولم ينته بعد من هذه الأحكام. وقد بقي منها حكم المتوفى عنها زوجها وحقها في وصية تسمح لها بالبقاء في بيته والعيش من ماله، وحكم المتاع للمطلقات بصفة عامة - يدس الحديث عن الصلاة في هذا الجو، فيوحي بأن الطاعة لله في كل هذا عبادة كعبادة الصلاة، ومن جنسها، وهو إيحاء لطيف من إيحاءات القرآن. وهو يتسق مع التصور الإسلامي لغاية الوجود الإنساني في قوله تعالى: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون}. واعتبار العبادة غير مقصورة على الشعائر، بل شاملة لكل نشاط، الاتجاه فيه إلى الله، والغاية منه طاعة الله: {حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين. فإن خفتم فرجالاً أو ركباناً. فإذا أمنتم فاذكروا الله كما علمكم ما لم تكونوا تعلمون}.. والأمر هنا بالمحافظة على الصلوات، يعني إقامتها في أوقاتها، وإقامتها صحيحة الأركان، مستوفية الشرائط. أما الصلاة الوسطى فالأرجح من مجموع الروايات أنها صلاة العصر لقوله - صلى الله عليه وسلم - يوم الأحزاب: "حديث : شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر. ملأ الله قلوبهم وبيوتهم ناراً" تفسير : ..وتخصيصها بالذكر ربما لأن وقتها يجيء بعد نومة القيلولة، وقد تفوت المصلي.. والأمر بالقنوت، الأرجح أنه يعني الخشوع لله والتفرغ لذكره في الصلاة، وقد كانوا يتكلمون في أثناء الصلاة فيما يعرض لهم من حاجات عاجلة. حتى نزلت هذه الآية فعلموا منها أن لا شغل في الصلاة بغير ذكر الله والخشوع له والتجرد لذكره. فأما إذا كان الخوف الذي لا يدع مجالاً لإقامة الصلاة تجاه القبلة. فإن الصلاة تؤدى ولا تتوقف. يتجه الراكب على الدابة والراجل المشغول بالقتال ودفع الخطر حيث يقتضيه حاله، ويومىء إيماءة خفيفة للركوع والسجود. وهذه غير صلاة الخوف التي بين كيفيتها في سورة النساء. فالمبينة في سورة النساء تتم في حالة ما إذا كان الموقف يسمح بإقامة صف من المصلين يصلي ركعة خلف الإمام بينما يقف وراءه صف يحرسه. ثم يجيء الصف الثاني فيصلي ركعة بينما الصف الأول الذي صلى أولاً يحرسه.. أما إذا زاد الخوف وكانت الموقعة والمسايفة فعلاً، فتكون الصلاة المشار إليها هنا في سورة البقرة. وهذا الأمر عجيب حقاً. وهو يكشف عن مدى الأهمية البالغة التي ينظر الله بها إلى الصلاة، ويوحي بها لقلوب المسلمين. إنها عدة في الخوف والشدة. فلا تترك في ساعة الخوف البالغ، وهي العدة. ومن ثم يؤديها المحارب في الميدان، والسيف في يده، والسيف على رأسه. يؤديها فهي سلاح للمؤمن كالسيف الذي في يده. وهي جنة له كالدرع التي تقيه. يؤديها فيتصل بربه أحوج ما يكون للإتصال به، وأقرب ما يكون إليه والمخافة من حوله.. إن هذا الدين عجيب. إنه منهج العبادة. العبادة في شتى صورها والصلاة عنوانها، وعن طريق العبادة يصل بالإنسان إلى أرفع درجاته. وعن طريق العبادة يثبته في الشدة، ويهذبه في الرخاء. وعن طريق العبادة يدخله في السلم كافة ويفيض عليه السلام والاطمئنان.. ومن ثم هذه العناية بالصلاة والسيوف في الأيدي وفي الرقاب! فإذا كان الأمن فالصلاة المعروفة التي علمها الله للمسلمين، وذكر الله جزاء ما علمهم ما لم يكونوا يعلمون: {فإذا أمنتم فاذكروا الله كما علمكم ما لم تكونوا تعلمون}.. وماذا كان البشر يعلمون لولا أن علمهم الله؟ ولولا أنه يعلمهم في كل يوم وفي كل لحظة طوال الحياة؟! وتؤدي هذه اللمسة دورها في مجال الحديث عن أحكام الزواج والطلاق؛ وفي تقرير التصور الإسلامي لقاعدة الإسلام الكبرى. وهي العبادة ممثلة في كل طاعة. ثم يعود السياق إلى ختام الأحكام: {والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً: وصية لأزواجهم متاعاً إلى الحول غير إخراج. فإن خرجن فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن من معروف والله عزيز حكيم. وللمطلقات متاع بالمعروف حقاً على المتقين.. كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تعقلون}.. والآية الأولى تقرر حق المتوفى عنها زوجها في وصية منه تسمح لها بالبقاء في بيته والعيش من ماله، مدة حول كامل، لا تخرج ولا تتزوج إن رأت من مشاعرها أو من الملابسات المحيطة بها ما يدعوها إلى البقاء.. وذلك مع حريتها في أن تخرج بعد أربعة أشهر وعشر ليال كالذي قررته آية سابقة. فالعدة فريضة عليها. والبقاء حولاً حق لها.. وبعضهم يرى أن هذه الآية منسوخة بتلك. ولا ضرورة لافتراض النسخ، لاختلاف الجهة كما رأينا. فهذه تقرر حقاً لها إن شاءت استعملته. وتلك تقرر حقاً عليها لا مفر منه: {فإن خرجن فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن من معروف}.. وكلمة {عليكم} توحي بمعنى الجماعة المتضامنة المسؤولة عن كل ما يقع فيها. فالجماعة هي التي يناط بها أمر هذه العقيدة وأمر هذه الشريعة وأمر كل فرد وكل فعل في محيطها. وهي التي يكون عليها جناح فيما يفعل أفرادها أو لا يكون.. ولهذا الإيحاء قيمته في إدراك حقيقة الجماعة المسلمة وتبعاتها، وفي ضرورة قيام هذه الجماعة لتقوم على شريعة الله وتحرسها من خروج أي فرد عليها. فهي المسؤولة في النهاية عن الأفراد في الصغيرة والكبيرة. والخطاب يوجه إليها بهذه الصفة لتقرير هذه الحقيقة في حسها وفي حس كل فرد فيها.. والتعقيب: {والله عزيز حكيم}.. للفت القلوب إلى قوة الله. وحكمته فيما يفرض وما يوجه. وفيه معنى التهديد والتحذير.. والآية الثانية تقرر حق المتاع للمطلقات عامة، وتعلق الأمر كله بالتقوى: {وللمطلقات متاع بالمعروف حقاً على المتقين}. وبعضهم يرى أنها منسوخة كذلك بالأحكام السابقة.. ولا حاجة لافتراض النسخ. فالمتاع غير النفقة.. ومما يتمشى مع الإيحاءات القرآنية في هذا المجال تقرير المتعة لكل مطلقة. المدخول بها وغير المدخول بها. المفروض لها مهر وغير المفروض لها. لما في المتعة من تندية لجفاف جو الطلاق، وترضية للنفوس الموحشة بالفراق. وفي الآية استجاشة لشعور التقوى، وتعليق الأمر به. وهي الضمان الأكيد والضمان الوحيد. والآية الثالثة تعقيب على الأحكام السابقة جميعاً: {كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تعقلون}.. كذلك.. كهذا البيان الذي سلف في هذه الأحكام.. وهو بيان محكم دقيق موح مؤثر.. كذلك يبين الله لكم آياته عسى أن تقودكم إلى التعقل والتدبر فيها، وفي الحكمة الكامنة وراءها، وفي الرحمة المتمثلة في ثناياها، وفي النعمة التي تتجلى فيها. نعمة التيسير والسماحة، مع الحسم والصرامة، ونعمة السلام الذي يفيض منها على الحياة. ولو تعقل الناس وتدبروا هذا المنهج الإلهي لكان لهم معه شأن.. هو شأن الطاعة والاستسلام والرضى والقبول.. والسلام الفائض في الأرواح والعقول..
ابن عاشور
تفسير : كان المسلمون أيام نزول هذه السورة ما زالوا مختلطين مع المشركين بالمدينة وما هم ببعيد عن أقربائهم من أهل مكة فربما رغب بعضهم في تزوج المشركات أو رغب بعض المشركين في تزوج نساء مسلمات فبين الله الحكم في هذه الأحوال، وقد أوقع هذا البيان بحكمته في أرشق موقعه وأسعده به وهو موقع تعقيب حكم مخالطة اليتامى، فإن للمسلمين يومئذٍ أقاربَ وموالي لم يزالوا مشركين ومنهم يتامى فقَدوا آباءهم في يوم بدر وما بعده فلما ذكر الله بيان مخالطة اليتامى، وكانت المصاهرة من أعظم أحوال المخالطة تطلعت النفوس إلى حكم هاته المصاهرة بالنسبة للمشركات والمشركين، فعطف حكم ذلك على حكم اليتامى لهاته المناسبة. روى الواحدي وغيره من المفسرين أن سبب نزول هذه الآية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث أبا مَرْثَد الغَنَوي ويقال مَرْثدا بن أبي مَرْثد واسمه كنَّاز ابن حُصَين وكان حليفاً لبني هاشم فبعثه إلى مكة سراً ليخرج رجلاً من المسلمين فسمعت بقدومه امرأة يقال لها عَنَاق وكانت خليلة له في الجاهلية فأتتْه فقالت: ويحك يا مَرثد ألا تخلو؟ فقال: إن الإسلام حَرَّم ما كان في الجاهلية فقالت: فتزوجني قال: حتى أستأذن رسول الله فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فاستأذنه فنهاه عن التزوج بها، لأنها مشركة فنزلت هذه الآية بسببه. والنكاح في كلام العرب حقيقة في العقد على المرأة، ولذلك يقولون نكح فلان فلانة ويقولون نكحت فلانة فلاناً فهو حقيقة في العقد، لأن الكثرة من أمارات الحقيقة وأما استعماله في الوطء فكناية، وقيل هو حقيقة في الوطء مجاز في العقد. واختاره فقهاء الشافعية وهو قول ضعيف في اللغة، وقيل حقيقة فيهما فهو مشترك وهو أضعف. قالوا ولم يرد في القرآن إلاّ بمعنى العقد فقيل إلاّ في قوله تعالى: { أية : فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجاً غيره } تفسير : [البقرة: 230]، لأنه لا يكفي العقد في تحليل المبتوتة حتى يبني بها زوجها كما في حديث زوجة رفاعة ولكن الأصوبُ أن تلك الآية بمعنى العقد وإنما بينت السنة أنه لا بد مع العقد من الوطء وهذا هو الظاهر، والمنع في هذه الآية متعلق بالعقد بالاتفاق. والمشرك في لسان الشرع من يدين بتعدد آلهة مع الله سبحانه، والمراد به في مواضعه من القرآن مشركو العرب الذين عبدوا آلهة أخرى مع الله تعالى ويقابلهم في تقسيم الكفار أهلُ الكتاب وهم الذين آمنوا بالله ورسله وكتبه ولكنهم أنكروا رسالة محمد صلى الله عليه وسلم ونص هذه الآية تحريم تزوج المسلم المرأةَ المشركة وتحريم تزويج المسلمة الرجلَ المشركَ فهي صريحة في ذلك، وأما تزوج المسلم المرأة الكتابية وتزويج المسلمة الرجلَ الكتابي فالآية ساكتة عنه، لأن لفظ المشرك لقب لا مفهوم له إلاّ إذا جَرى على موصوف كما سنبينه عند قوله تعالى: {خير من مشرك}، وقد أذن القرآن بجواز تزوج المسلم الكتابية في قوله: { أية : والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم } تفسير : [المائدة: 5] في سورة العقود فلذلك قال جمهور العلماء بجواز تزوج المسلم الكتابية دون المشركة والمجوسية وعلى هذا الأئمة الأربعة والأوزاعي والثوري، فبقي تزويج المسلمة من الكتابي لا نص عليه ومنعه جميع المسلمين إما استناداً منهم إلى الاقتصار في مقام بيان التشريع وإما إلى أدلة من السنة ومن القياس وسنشير إليه أو من الإجماع وهو أظهر. وذهبت طوائف من أهل العلم إلى الاستدلال لفقه هذه المسألة بطريقة أخرى فقالوا أهل الكتاب صاروا مشركين لقول اليهود عزير ابن الله ولقول النصارى المسيح ابن الله وأبوة الإله تقتضي ألوهية الابن، وإلى هذا المعنى جنح عبد الله بن عمر ففي «الموطأ» عنه «لا أعلم شركاً أعظم من أن تقول المرأة ربها عيسى» ولكن هذا مسلك ضعيف جداً، لأن إدخال أهل الكتاب في معنى المشركين بعيد عن الاصطلاح الشرعي، ونزلت هذه الآية وأمثالها وهو معلوم فاش، ولأنه إذا تم في النصارى باطراد فهو لا يتم في اليهود، لأن الذين قالوا عزير ابن الله إنما هم طائفة قليلة من اليهود وهم أتباع (فنحاص) كما حكاه الفخر فإذا كانت هذه الآية تمنع أن يتزوج المسلم امرأة يهودية أو نصرانية وأن يزوج أحد من اليهود والنصارى مسلمة فإن آية سورة العقود خصصت عموم المنع بصريح قوله: { أية : والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم } تفسير : [المائدة: 5]، وقد علم الله قولهم المسيح ابن الله وقول الآخرين عزير ابن الله فبقي تزويج المسلمة إياهم مشمولاً لعموم آية البقرة، وهذا مسلك سلكه بعض الشافعية. ومن علماء الإسلام من كره تزوج الكتابية وهو قول مالك في رواية ابن حبيب وهو رواية عن عمر بن الخطاب أنه كتب إلى حذيفة بن اليمان وقد بلغه أنه تزوج يهودية أو نصرانية أن خل سبيلها، فكتب إليه حذيفة أتزعم أنها حرام؟ فقال عمر: لا ولكني أخاف أن تعاطوا المومسات منهن. وقال شذوذ من العلماء بمنع تزوج المسلم الكتابية، وزعموا أن آية سورة العقود نسختها آية سورة البقرة، ونقل ذلك عن ابن عمر وابن عباس وفي رواية ضعيفة عن عمر بن الخطاب أنه فرق بين طلحة بن عبيد الله ويهودية تزوجها وبين حذيفة بن اليمان ونصرانية تزوجها، فقالا له نُطلِّق يا أمير المؤمنين ولا تَغْضَبْ فقال: لو جاز طلاقكما لجاز نكاحكما، ولكنْ أفرق بينكما صُغْرَةً وقَماءَةً، قال ابن عطية وهذا لا يسند جيداً والأثر الآخر عن عمر أسندُ منه، وقال الطبري هو مخالف لما أجمعت عليه الأمة وقد روي عن عمر بن الخطاب من القول بخلاف ذلك ما هو أصح منه وإنما كره عمر لهما تزوجهما حذراً من أن يقتدي بهما الناس فيزهدوا في المسلمات. و{حتى يؤمن} غاية للنهي فإذا آمنَّ زال النهي ولذلك إذا أسلم المشرك ولم تسلم زوجته تبين منه إلاّ إذا أسلمت عقب إسلامه بدون تأخير. وقوله: {ولأمة مؤمنة خير من مشركة} تنبيه على دناءة المشركات وتحذير من تزوجهن ومن الاغترار بما يكون للمشركة من حسب أو جمال أو مال وهذه طرائق الإعجاب في المرأة المبالغ عليه بقوله: {ولو أعجبكم} وأن من لم يستطع تزوج حرة مؤمنة فليتزوج أمة مؤمنة خير له من أن يتزوج حرة مشركة، فالأمة هنا هي المملوكة، والمشركة الحرة بقرينة المقابلة بقوله: {ولأمة مؤمنة} فالكلام وارد مورد التناهي في تفضيل أقل أفراد هذا الصنف على أتم أفراد الصنف الآخر، فإذا كانت الأمة المؤمنة خيراً من كل مشركة فالحرة المؤمنة خير من المشركة بدلالة فحوى الخطاب التي يقتضيها السياق، ولظهور أنه لا معنى لتفضيل الأمة المؤمنة على الأمة المشركة فإنه حاصل بدلالة فحوى الخطاب لا يشك فيه المخاطبون المؤمنون ولقوله: {ولو أعجبكم} فإن الإعجاب بالحرائر دون الإماء. والمقصود من التفضيل في قوله: {خير}التفضيل في المنافع الحاصلة من المرأتين؛ فإن في تزوج الأمة المؤمنة منافع دينية وفي الحرة المشركة منافع دنيوية ومعاني الدين خير من أعراض الدنيا المنافية للدين فالمقصود منه بيان حكمة التحريم استئناساً للمسلمين. ووقع في «الكشاف» حمل الأمة على مطلق المرأة، لأن الناس كلهم إماء الله وعبيده وأصله منقول عن القاضي أبي الحسن الجرجاني كما في القرطبي وهذا باطل من جهة المعنى ومن جهة اللفظ، أما المعنى فلأنه يصير تكراراً مع قوله: {ولا تنكحوا المشركات} إذ قد علم الناس أن المشركة دون المؤمنة، ويُفيت المقصود من التنبيه على شرفِ أقلِّ أَفرادِ أحد الصنفين على أشرَف أفراد الصنف الآخر، وأما من جهة اللفظ فلأنه لم يرد في كلام العرب إطلاق الأمة على مطلق المرأة، ولا إطلاق العبد على الرجل إلاّ مقيَّدين بالإضافة إلى اسم الجلالة في قولهم يا عبدَ الله ويا أمةَ الله، وكونُ الناس إماءَ الله وعبيدَه إنما هو نظر للحقائق لا للاستعمال، فكيف يخرَّج القرآن عليه. وضمير {ولو أعجبتكم} يعود إلى المشركة، و (لو) وصلية للتنبيه على أقصى الأحوال التي هي مظنة تفضيل المشركة، فالأمة المؤمنة أفضل منها حتى في تلك الحالة وقد مضى القول في موقع لو الوصلية والواو التي قبلها والجملة التي بعدها عند قوله تعالى: { أية : أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئاً ولا يهتدون } تفسير : [البقرة: 170]. وقوله: {ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا} تحريم لتزويج المسلمة من المشرك، فإن كان المشرك محمولاً على ظاهره في لسان الشرع فالآية لم تتعرض لحكم تزويج المسلمة من الكافر الكتابي فيكون دليل تحريم ذلك الإجماعَ وهو إما مستند إلى دليل تلقاه الصحابة من النبي صلى الله عليه وسلم وتواتر بينهم، وإما مستند إلى تضافر الأدلة الشرعية كقوله تعالى: { أية : فلا ترجعوهن إلى الكفار لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن } تفسير : [الممتحنة: 10] فعلق النهي بالكفر وهو أعم من الشرك وإن كان المراد حينئذٍ المشركين، وكقوله تعالى هنا: {أولئك يدعون إلى النار} كما سنبينه. وقوله: {حتى يؤمنوا} غاية للنهي، وأخذ منه أن الكافر إذا أسلمت زوجته يفسخ النكاح بينهما ثم إذا أسلم هو كان أحق بها ما دامت في العدة. وقوله: {ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم} هو كقوله: {ولأمة مؤمنة خير من مشركة} وأن المراد به المملوك وليس المراد الحر المشرك وقد تقدم ذلك. وقوله: {أولئك يدعون إلى النار} الإشارة إلى المشركات والمشركين، إذ لا وجه لتخصيصه بالمشركين خاصة لصلوحيته للعود إلى الجميع، والواو في {يدعون} واو جماعة الرجال ووزنه يفعون، وغُلِّب فيه المذكر على المؤنث كما هو الشائع، والجملة مستأنفة استئنافاً بيانياً لتعليل النهي عن نكاح المشركات وإنكاح المشركين، ومعنى الدعاء إلى النار الدعاء إلى أسبابها فإسناد الدعاء إليهم حقيقة عقلية، ولفظ النار مجاز مرسل أطلق على أسباب الدخول إلى النار فإن ما هم عليه يجر إلى النار من غير علم، ولما كانت رابطة النكاح رابطة اتصال ومعاشرة نهي عن وقوعها مع من يدعون إلى النار خشية أن تؤثر تلك الدعوة في النفس، فإن بين الزوجين مودة وإلفاً يبعثان على إرضاء أحدهما الآخر ولما كانت هذه الدعوة من المشركين شديدة لأنهم لا يوحدون الله ولا يؤمنون بالرسل، كان البون بينهم وبين المسلمين في الدين بعيداً جداً لا يجمعهم شيء يتفقون عليه، فلم يبح الله مخالطتهم بالتزوج من كلا الجانبين. أما أهل الكتاب فيجمع بينهم وبين المسلمين اعتقاد وجود الله وانفراده بالخلق والإيمان بالأنبياء ويفرق بيننا وبين النصارى الاعتقاد ببنوة عيسى والإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم ويفرق بيننا وبين اليهود الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم وتصديق عيسى، فأباح الله تعالى للمسلم أن يتزوج الكتابية ولم يبح تزوج المسلمة من الكتابي اعتداداً بقوة تأثير الرجل على امرأته، فالمسلم يؤمن بأنبياء الكتابية وبصحة دينها قبل النسخ فيوشك أن يكون ذلك جالباً إياها إلى الإسلام، لأنها أضعف منه جانباً وأما الكافر فهو لا يؤمن بدين المسلمة ولا برسولها فيوشك أن يجرها إلى دينه، لذلك السبب وهذا كان يجيب به شيخنا الأستاذ سالم أبو حاجب عن وجه إباحة تزوج الكتابية ومنع تزوج الكتابي المسلمة. وقوله: {والله يدعوا إلى الجنة} الآية أي إن الله يدعو بهذا الدين إلى الجنة فلذلك كانت دعوة المشركين مضادة لدعوة الله تعالى، والمقصود من هذا تفظيع دعوتهم وأنها خلاف دعوة الله، والدعاء إلى الجنة والمغفرة دعاء لأسبابهما كما تقدم في قوله: {يدعون إلى النار}. والمغفرة هنا مغفرة ما كانوا عليه من الشرك. وقوله: {بإذنه} الإذن فيه إما بمعنى الأمر كما هو الشائع فيكون بإذنه ظرفاً مستقراً حالاً من (الجنة) والمغفرة أي حاصلتين بإذنه أي إرادته وتقديره بما بين من طريقهما. ومن المفسرين من حمل الإذن على التيسير والقضاء والباء على أنها ظرف لغو فرأى هذا القيد غير جزيل الفائدة فتأوَّل قوله: {والله يدعوا} بمعنى وأولياء الله يدعون وهم المؤمنون. وجملة {ويبين} معطوفة على {يدعو} يعني يدعو إلى الخير مع بيانه وإيضاحه حتى تتلقاه النفوس بمزيد القبول وتمام البصيرة فهذا كقوله: { أية : كذلك يبين الله لكم الآيات } تفسير : [البقرة: 219] ففيها معنى التذييل وإن كانت واردة بغير صيغته. ولعل مستعملة في مثله مجاز في الحصول القريب.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {وَلاَ تَنْكِحُواْ ٱلْمُشْرِكَاتِ} الآية. ظاهر عمومه شمول الكتابيات، ولكنه بين في آية أخرى أن الكتابيات لسن داخلات في هذا التحريم، وهي قوله تعالى: {أية : وَٱلْمُحْصَنَاتُ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ} تفسير : [المائدة: 5]، فإن قيل الكتابيات لا يدخلن في اسم المشركات بدليل قوله: {أية : لَمْ يَكُنِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ وَٱلْمُشْرِكِينَ}تفسير : [البينة: 1]، وقوله {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ وَٱلْمُشْرِكِينَ} تفسير : [البينة: 6]، وقوله: {أية : مَّا يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ وَلاَ ٱلْمُشْرِكِينَ} تفسير : [البقرة: 105]، والعطف يقتضي المغايرة، فالجواب أن أهل الكتاب داخلون في اسم المشركين كما صرح به تعالى في قوله: {أية : وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ عُزَيْرٌ ٱبْنُ ٱللَّهِ وَقَالَتْ ٱلنَّصَارَى ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ ٱللَّهِ ذٰلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ قَاتَلَهُمُ ٱللَّهُ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ ٱتَّخَذُوۤاْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ ٱللَّهِ وَٱلْمَسِيحَ ٱبْنَ مَرْيَمَ وَمَآ أُمِرُوۤاْ إِلاَّ لِيَعْبُدُوۤاْ إِلَـٰهاً وَاحِداً لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} تفسير : [التوبة: 30-31].
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: ولا تَنْكِحُوا: لا تتزوجوا. الأمة: خلاف الحرة. ولو أعجبتكم: أي أعجبكم حسنها وجمالها. يدعون إلى النار: بحالهم ومقالهم وأفعالهم. آياته: أحكام دينه ومسائل شرعه. معنى الآية الكريمة: ينهى الله تعالى المؤمنين أن يتزوجوا المشركات إلا أن يؤمنّ بالله ورسوله، فإن آمنّ جاز نكاحهن، وأعلمهم منفراً من نكاح المشركات مرغباً في نكاح المؤمنات فقال: ولأمة مؤمنة فضلا عن حرة خير من حرة مشركة، ولو أعجبتكم المشركة لحسنها وجمالها، كما نهاهم محرماً عليهم أن يزوجوا المؤمنات بالمشركين حتى يؤمنوا فإن آمنوا جاز لهم أن ينكحوهم بناتهم ونساءهم فقال تعالى: {وَلاَ تُنْكِحُواْ ٱلْمُشِرِكِينَ حَتَّىٰ يُؤْمِنُواْ} وقال منفراً مرغباً ولعبد مؤمن خير من حرٍ مشرك ولو أعجبهم المشرك لشرفه أو ماله أو سلطانه، وعلل لذلك بقوله. أولئك أي المشركات والمشركون يدعون إلى النار فمخالطتهم مضرة ومفسدة لا سيما بالتزوج منهم، والله عز وجل يدعوا إلى الجنة بالإيمان والعمل الصالح، وإلى المغفرة بالتوبة الصادقة فاستجيبوا له وأطيعوه فيما أمركم به ونهاكم عنه. كما أنه تعالى يبيّن آياته للناس ليعدهم للتذكر والإتعاظ فيقبلون على طاعته الموصلة إلى رضاه والجنة، ويبعدون عن معصيته المؤدية إلى سخطه والنار. هداية الآية الكريمة من هداية الآية: 1- حرمة نكاح المشركات، أما الكتابيات فقد أباحهن الله تعالى بآيات المائدة إذ قال:{أية : وَٱلْمُحْصَنَـٰتُ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلِكُمْ} تفسير : [المائدة: 5]. 2- حرمة نكاح المؤمنة الكافر مطلقاً مشركاً كان أو كتابياً. 3- شرط الولاية في نكاح المرأة لقوله تعالى ولا تنكحوا المشركين فهو هنا يخاطب أولياء النساء المؤمنات، ولذا لا يصح نكاح إلى بولي. 4- التنفير من مخالطة المشركين والترغيب في البعد عنهم لأنهم يدعون إلى الكفر بحالهم ومقالهم وأعمالهم، وبذلك هم يدعون إلى النار. 5- وجوب موالاة أهل الإِيمان ومعاداة أهل الكفر والضلال لأن الأولين يدعون إلى الجنة والآخرين يدعون إلى النار.
القطان
تفسير : هنا نقع على جانب من دستور الأسرة، الجماعة الصغيرة التي يقوم عليها المجتمع الاسلامي، والتي أحاطها الاسلام برعاية ملحوظة، واستغرق في تنظيمها وتطهيرها من فوضى الجاهلية جهداً كبيراً، نراه متناثرا في عدة سور من القرآن الكريم. وقد روي في نزول هذه الآية ان مرثد بن ابي مرثد الغنوي كان يهوى امرأة اسمها عناق في الجاهلية، وأرادت ان تتزوجه بعد ان أسلم فاستشار النبي في ذلك فنزلت هذه الآية، بمعنى: لا تتزوجوا الوثنيات حتى يؤمنّ بالله ويصدقن بالرسول الكريم، وهذا أمر قاطع. فان الأمَة المؤمنة خير من المشركة التي لا تدين بدين سماوي. ولو كانت الآخيرة جميلة يعجبكم جمالها. ولا تزوِّجوا الرجال المشركين من المؤمنات الا اذا دخلوا في الاسلام. فان العبد المؤمن خير من المشرك ولو أعجبكم شكله وعزته وماله. {أُوْلَـٰئِكَ يَدْعُونَ إِلَى ٱلنَّارِ} اي ان المشركين يدعون من يعاشرهم الى الشرك الذي يستوجب النار، فيما يدعوكم الله، من اعتزالكم المشركين في النكاح، الى ما فيه صلاحكم ورشادكم فتنالون الجنة والمغفرة. والخلاصة انه لا يجوز ان نتصل بالمشركين الذين لا يدينون بدين سماوي برابطة الصهر، لا بتزويجهم ولا بالتزوج منهم. واما الكتابيات كالنصرانيات واليهوديات فقد جاء في القرآن الكريم نص واضح على حل الزواج بهن: {وَٱلْمُحْصَنَاتُ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ}.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلْمُشْرِكَاتِ} {أُوْلَـٰئِكَ} {يَدْعُوۤ} {آيَاتِهِ} (221) - يُحَرِّمُ اللهُ تَعَالَى عَلَى المُؤْمِنينَ أَنْ يَتَزَوَّجُوا المُشْرِكَاتِ الْلَوَاتي لاَ كِتَابَ لَهُنَّ، طَمَعاً فِي مَالِهِنَّ وَجَمَالِهِنَّ وَحَسَبِهِنَّ، مَا دُمْنَ عَلَى شِرْكِهِنَّ، لأنَّ المُشْرِكَةَ لاَ دِينَ لَهَا يُحَرِّمُ عَلَيهَا الخِيَانَةَ، وَيَأْمُرُهَا بِالخَيْرِ، وَيَنْهَاهَا عَنِ الشَّرِّ، وَقَدْ تُفسِدُ عَقِيدَةَ أَوْلاَدِها. وَقيلَ: إنَّ هذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ فِي عَبْدِ اللهِ بْنِ رَواحَة، الأنْصَارِيِّ، فَقَدْ كَانَتْ عِنْدَهُ أمَةٌ سَوْدَاءُ فَغَضِبَ عَلَيهَا يَوْماً فَلَطَمَهَا، ثًمَّ جَاءَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَعْتَذِرُ، ثُمَّ قَالَ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: وَالذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ لأُعْتِقَنَّها وَلأَتَزَوَّجَنَّها. فَعَابَ عَلَيهِ أنَاسٌ مِنَ المُسْلِمِينَ ذلِكَ. وَقَالُوا: نَكَحَ أَمَتَهُ. وَكَانُوا يُفَضِّلُونَ نِكَاحَ المُشْرِكَاتِ، وَإنكَاحَ المُشْرِكِينَ بَنَاتِهِمْ طَمَعاً فِي أَحْسَابِهِمْ. فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى هذِهِ الآيَةَ. وَكَذَلِكَ مَنَعَ اللهُ المُسْلِمينَ مِنْ أَنْ يُزوِّجُوا بَنَاتِهِمْ مِنَ المُشْرِكِينَ مَا دَامُوا مُقِيمِينَ عَلَى شِرْكِهِمْ. أَمّا زَوَاجُ الكِتَابِيِّ بِمُسْلِمَةٍ فَحَرَامٌ بِنَصِّ السُّنَّةِ، وإجماعِ المُسْلِمِينَ عَلَى ذلِكَ، إِذْ يُخْشَى إذ يُزيغَها عَنْ دِينِها بِمَا لَهُ عَلَيهَا مِنْ سُلْطانٍ. وَقَالَ تَعَالَى: إِنَّ مُعَاشَرَةَ المُشْرِكِينَ تَدْعُو إلى حُبِّ الدُّنْيَا وَالافْتِتَانِ بِها، وَإلى التَّقْصِيرِ في أدَاءِ الوَاجِبَاتِ الدِّينِيةِ، وَعَاقِبةُ ذلِكَ وَخَيمَةٌ. وَاللهُ يَدْعُو إِلَى المَغْفِرَةِ بِمَا أمَرَ بِهِ فِي شَرْعِهِ، وَبِمَا نَهَى عَنْهُ. وَهُوَ يُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَ صَلاحَهُمْ وَرَشَادَهُمْ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : إن الحق يقول: {وَلاَ تَنْكِحُواْ ٱلْمُشْرِكَاتِ حَتَّىٰ يُؤْمِنَّ} [البقرة: 221]، وهذه أول لبنة في بناء الأسرة وبناء المجتمع، لأنها لو لم تكن مؤمنة، فماذا سوف يحدث؟ إنها ستشرف على تربية الطفل الوليد إشرافاً يتناسب مع إشراكها، وأنت مهمتك كأب ومرب لن تتأتى إلا بعد مدة طويلة تكون فيها المسائل قد غُرست في الوليد، فإياك أن يكون الرجل مؤمناً والمرأة مشركة؛ لأن هذا يخل بنظام الأسرة فعمل الأم مع الوليد يؤثر في أوليات تكوينه إنه يؤثر في قيمه، وتكوين أخلاقه. وهذا أمر يبدأ من لحظة أن يرى ويعي، والطفل يقضي سنواته الأولى في حضن أمه، وبعد ذلك يكبر؛ فيكون في حضن أبيه، فإذا كانت الأم مشركة والأب مؤمناً فإن الإيمان لن يلحقه إلا بعد أن يكون الشرك قد أخذ منه وتمكن وتسلط عليه. ونعرف أن الطفولة في الإنسان هي أطول أعمار الطفولة في الكائنات كلها، فهناك طفولة تمكث ساعتين اثنتين مثل طفولة الذباب، وهناك طفولة أخرى تستغرق شهراً، وأطول طفولة إنما تكون في الإنسان؛ لأن هذه الطفولة مناسبة للمهمة التي سيقوم بها الإنسان، كل الطفولات التي قبلها طفولات لها مهمة سهلة جداً، إنما الإنسان هو الذي ستأتي منه القيم، لهذا كانت طفولته طويلة؛ إنها تستمر حتى فترة بلوغ الحلم. والحق هو القائل: {أية : وَإِذَا بَلَغَ ٱلأَطْفَالُ مِنكُمُ ٱلْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُواْ كَمَا ٱسْتَأْذَنَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ}تفسير : [النور: 59]. فكأن الطفل يظل طفلاً إلى أن يبلغ الحلم، فكم سنة إذن ستمر على الطفل؟. وكم سنة سوف يتغذى هذا الطفل من ينابيع الشرك إن كانت أمه مشركة؟ إنها فترة طويلة لا يمكن له من بعد ذلك أن يكون مؤمناً غير مضطرب الملكات. وإن صلح مثل هذا الإنسان أن يكون مؤمناً فسيقوم إيمانه على القهر والقسر والولاية للأب، وسيكون مثل هذا الإيمان عملية شكلية وليست مرتكزة ولا معتمدة على أساس صادق. ونحن نعرف أن الثمرات التي ننعم نحن بأكلها لا يكون نضجها إلا حين تنضج البذرة التي تتكوّن منها شجرة جديدة، وقبل ذلك تكون مجرد فاكهة فِجة وليس لها طعم. وقد أراد الحق أن ينبهنا إلى هذا الأمر ليحرص الإنسان على أن يستبقي الثمرة إلى أن تنضج ويصير لها بذور. إن المرأة لا تكون ثمرة طيبة إلا إذا أنجبت مثلها ولداً صالحاً نافعاً، يريد الحق للنشء أن يكون غير مضطرب الإيمان؛ لذلك يقول: {وَلاَ تَنْكِحُواْ ٱلْمُشْرِكَاتِ حَتَّىٰ يُؤْمِنَّ} [البقرة: 221] أي إياكم أن تنخدعوا بالمعايير الهابطة النازلة، وعلى كلّ منكم أن يأخذ حكم الله: {وَلأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ} [البقرة: 221] لأن إعجاب الإنسان بالمرأة بصرف النظر عن الإيمان سيكون إعجاباً قصير العمر. إن عمر الاستمتاع بالجمال الحسي للمرأة إن جمعنا لحظاته فلن يزيد مجموعه عن شهر من مجموع سنوات الزواج. فكل أسبوع يتم لقاء قد يستغرق دقائق وبعدها يذبل الجمال، وتبقى القيم هي المتحكمة، ونحن نجد المرأة حين تتزوج، ثم يبطئ الحمل فإنها تعاني من القلق وكذلك أهلها. إن الرجل إن كان قد تزوجها للوسامة والقسامة والقوام والعينين، فهذا كله سيبرد ويهدأ بعد فترة، ثم توجد مقاييس أخرى لاستبقاء الحياة، وعندما يلتفت إليها الإنسان ولا يجدها فهو يغرق في الندم؛ لأنها لم تكن في باله وقت أن اختار. لذلك تريد المرأة أن تُمكن لنفسها بأن يكون عندها ولد لتربط الرجل بها، وحتى يقول المجتمع: "عليك أن تتحملها من أجل الأولاد"! فالرجل بعد الزواج يريد قيماً أخرى غير القيم الحسية التي كانت ناشئة أولاً، لذلك يحذرنا الله قائلاً: {وَلاَ تَنْكِحُواْ ٱلْمُشْرِكَاتِ حَتَّىٰ يُؤْمِنَّ} [البقرة: 221]. وجاء قوله {حَتَّىٰ يُؤْمِنَّ} [البقرة: 221] لأن الإسلام يَجُبُّ ما قبله ما دامت قد آمنت فقد انتهت المسألة. وانظروا إلى دقة قوله سبحانه: {وَلاَ تَنْكِحُواْ ٱلْمُشْرِكَاتِ حَتَّىٰ يُؤْمِنَّ وَلأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ} [البقرة: 221] أي إنّ الأمة المسلمة خير من حرة مشركة، {وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ} [البقرة: 221] لقد جاء قول الحق هنا بمقاييس الإعجاب الحسي. ليلفتنا إلى أننا لا يصح أن نهمل مقاييس خالدة ونأخذ مقاييس بائدة وزائلة. ثم يقول الحق: {وَلاَ تُنْكِحُواْ ٱلْمُشِرِكِينَ حَتَّىٰ يُؤْمِنُواْ} [البقرة: 221] وهذا هو النظير في الخطاب وهو ليس متقابلاً فهو لم يخاطب المؤمنات ألا ينكحن المشركين، إنما قال: {وَلاَ تُنْكِحُواْ ٱلْمُشِرِكِينَ حَتَّىٰ يُؤْمِنُواْ} [البقرة: 221] وتلك دقة في الأداء هنا؛ لأن الرجل له الولاية في أن يُنْكح، فيأمره بقوله: لا تُنكح، لكن المرأة ليس لها ولاية أن تُنكح نفسها. فنحن نعرف القاعدة الشرعية التي تقول: "لا نكاح إلا بولي"، وهو لم يوجه حديثه للنساء؛ لأن المرأة تتحكم فيها عاطفتها لكن وليها ينظر للأمر من مجموعة زوايا أخرى تحكم الموقف. صحيح أننا نستأذن الفتاة البكر كي نضمن أن عاطفتها ليست مصدودة عن هذا الزواج، لكن الأب أو ولي الأمر الرجل يقيس المسائل بمقاييس أخرى، فلو تركنا للفتاة مقياسها لتهدم الزواج بمجرد هدوء العاطفة، وساعة تأتي المقاييس العقلية الأخرى فلن تجد ذلك الزواج مناسباً لها فتفشل الحياة الزوجية .. لذلك يطالبنا الإسلام أن نستشير المرأة، كي لا نأتيها بواحد تكرهه، ولكن الذي يزوجها إلى ذلك الرجل هو وليها؛ لأن له المقاييس العقلية والاجتماعية والخلقية التي قد لا تنظر إليها الفتاة؛ فقد يبهرها في الشاب قوامه وحسن شكله وجاذبية حديثه، لكن عندما تدخل المسألة في حركة الحياة ودوامتها قد تجده إنساناً غير جدير بها. ولكي تكون المسألة مزيجاً من عاطفة بنت، وعقل أب، وخبرة أم، كان لابد من استشارة الفتاة، وأن يستنير الأب برأي الأم، ثم يقول الأب رأيه أخيراً، وكل زواج يأتي بهذا الأسلوب فهو زواج يحالفه التوفيق، لأن المعايير كلها مشتركة، لا يوجد معيار قد اختل؛ فالأب بنى حكماً على أساس موافقة الابنة، أما إذا رفضت الفتاة وكانت معايير الأب صحيحة، لكن الابنة ليس لها تقبل لهذا الرجل؛ لذلك فلا يصح أن يتم هذا الزواج. وكثير من الزيجات قد فشلت لأننا لم نجد من يطبق منهج الله في الدخول إلى الزواج. وحين لا يطبقون منهج الله في الدخول إلى الزواج ثم يُقَابَلون بالفشل، فهم يصرخون منادين قواعد الإسلام لتنقذهم. ونقول لهم: وهل دخلتم الزواج على دين الله؟ إنكم ما دمتم قد دخلتم الزواج بآرائكم المعزولة عن منهج الله فلتحلوا المسألة بآرائكم. فالدين ليس مسئولاً إلا عمّن يدخل بمقاييسه، لكن أن تدخل على الزواج بغير مقاييس الله ثم تريد من الله أو من القائمين على أمر الله أن يحلوا لك المشاكل فذلك ظلم منك لنفسك وللقائمين على أمر الله. وإن لم تحدث مثل هذه المشكلات لكنا قد اتهمنا منهج الله. ولقلنا: قد تركنا منهج الله وسعدنا في حياتنا. ولذلك كان لابد أن تقع المشكلات. إذن فقول الحق سبحانه وتعالى: {وَلاَ تَنْكِحُواْ ٱلْمُشْرِكَاتِ حَتَّىٰ يُؤْمِنَّ} [البقرة: 221] هذه قضية لها سبب، لكن العبرة فيها بعموم موضوعها لا بخصوص سببها، لقد كان السبب فيها هو ما رُوِيَ أنه كان هناك صحابي اسمه مرثد بن أبي مرثد الغنوي بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم على مكة ليخرج منها ناساً من المسلمين. وكان يهوى امرأة في الجاهلية اسمها "عناق" وكانت تحبه، وساعة رأته أرادت أن تخلو به فقال لها: ويحك إن الإسلام قد حال بيننا، فقالت له: تزوجني، فقال لها: أتزوجك لكن بعد أن أستأمر وأستأذن النبي صلى الله عليه وسلم، فلما استأمره نزل قوله تعالى: {وَلاَ تَنْكِحُواْ ٱلْمُشْرِكَاتِ حَتَّىٰ يُؤْمِنَّ وَلأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ} [البقرة: 221]. وقيل إن قوله تعالى: {وَلأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ} [البقرة: 221] نزلت في خنساء وليدة سوداء كانت لحذيفة بن اليمان، فقال لها حذيفة: يا خنساء قد ذكرت في الملأ الأعلى مع سوادك ودمامتك وأنزل الله ذكرك في كتابه، فأعتقها حذيفة وتزوجها. ويتابع الحق فيقول: {وَلاَ تُنْكِحُواْ ٱلْمُشِرِكِينَ حَتَّىٰ يُؤْمِنُواْ وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْْ} [البقرة: 221]. إن المقاييس واحدة في اختيار شريك الحياة، إنها الرغبة في بناء الحياة الأسرية على أساس من الخير، وغاية كل شيء هي التي تحدد قيمته، وليست الوسيلة هي التي تحدد قيمة الشيء، فقد تسير في سبيل وطريق خطر وغايته فيها خير، وقد تسير في سبيل مفروش بالورود والرياحين وغايته شر، ولذلك يقول الحق: {أُوْلَـٰئِكَ يَدْعُونَ إِلَى ٱلنَّارِ وَٱللَّهُ يَدْعُوۤاْ إِلَى ٱلْجَنَّةِ وَٱلْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} [البقرة: 221]. والذين يدعون إلى النار هم أهل الشرك. أما الله فهو يدعو إلى الجنة، والمغفرة تأتي بإذن الله أي بتيسير الله وتوفيقه. ونعرف جميعاً الحكمة التي قالها الإمام "علي" كرم الله وجهه: لا خير في خير بعده النار، ولا شر في شر بعده الجنة. وقوله الحق؛ {لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} [البقرة: 221] ترد كثيراً، هذا التذكر ماذا يفعل؟ إن التذكر يُشعرك بأن القضية كانت معلومة والغفلة هي التي طرأت، لكن الغفلة إذا تنبهت إليها، فهي تذكرك ما كنت قد نسيته من قبل، لكن إن طالت الغفلة، ونُسي الأصل فهذه هي الطامة، التي تنطمس بها المسألة. إذن فالتذكر يشمل مراحل: المرحلة الأولى: أن تعرف إن لم تكن تعرف، أو تعلم إن كنت تجهل، والمرحلة الثانية: هي أن تتذكر إن كنت ناسياً، أو توائم بين ما تعلم وبين ما تعمل؛ فالتذكر يوحي لك بأن توائم ما بين معرفتك وسلوكك حتى لا تقع في الجهل، والجهل معناه أن تعلم ما يناقض الحقيقة. لقد أراد الله أن يصون الإنسان الذي اختار الإيمان عندما حرم عليه الزواج بواحدة من أهل الشرك. إن الحق سبحانه وتعالى يريد أن يضمن لمن جعله خليفة في الأرض عقيدة واحدة يصدر عنها السلوك الإنساني؛ لأن العقائد إن توزعت حسب الأهواء فسيتوزع السلوك حسب الأهواء. وحين يتوزع السلوك تتعاند حركة الحياة ولا تتساند. فيريد الحق سبحانه وتعالى أن يضمن وحدة العقيدة بدون مؤثر يؤثر فيها؛ فشرط في بناء اللبنة الأولى للأسرة ألاّ ينكح مؤمن مشركة؛ لأن المشركة في مثل هذه الحالة ستتولى حضانة الطفل لمدة طويلة هي - كما قلنا - أطول أعمار الطفولة في الكائن الحي. ولو كان الأب مؤمناً والأم مشركة فالأب سيكون مشغولاً بحركة الحياة فتتأصل عن طريق الأم معظم القيم التي تتناقض مع الإيمان. وأراد الحق سبحانه وتعالى أيضاً ألا تتزوج المؤمنة مشركاً؛ لأنها بحكم زواجها من مشرك ستنتقل إليه وإلى بيئته المشركة وإلى أسرته. وسينشأ طفلها الوليد في بيئة شركية فتتأصل فيه الأشياء القيمية التي تناقض الإيمان. ويريد الحق سبحانه وتعالى بهذه الصيانة، أي بعدم زواج المؤمن من مشركة، وبعدم زواج المؤمنة من مشرك، أن يحمي الحاضن الأول للطفولة. وحين يحمي الحاضن الأول للطفولة يكون الينبوع الأول الذي يصدر عنه تربية عقيدة الطفل ينبوعاً واحداً، فلا يتذبذب بين عقائد متعددة. لذلك جاء قول الحق: {وَلاَ تَنْكِحُواْ ٱلْمُشْرِكَاتِ حَتَّىٰ يُؤْمِنَّ وَلأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلاَ تُنْكِحُواْ ٱلْمُشِرِكِينَ حَتَّىٰ يُؤْمِنُواْ وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُوْلَـٰئِكَ يَدْعُونَ إِلَى ٱلنَّارِ وَٱللَّهُ يَدْعُوۤاْ إِلَى ٱلْجَنَّةِ وَٱلْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} [البقرة: 221]. كل ذلك حتى يصون الحق البيئة التي ينشأ فيها الوليد الجديد. وعلينا أن نفهم أن الحق سبحانه وتعالى رخص للمؤمنين في أن ينكحوا أهل الكتاب بقوله الحق: {أية : ٱلْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ وَٱلْمُحْصَنَاتُ مِنَ ٱلْمُؤْمِنَاتِ وَٱلْمُحْصَنَاتُ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَآ آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلاَ مُتَّخِذِيۤ أَخْدَانٍ وَمَن يَكْفُرْ بِٱلإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي ٱلآخِرَةِ مِنَ ٱلْخَاسِرِينَ}تفسير : [المائدة: 5]. وقد وقف العلماء من مسألة ترخيص الحق للمؤمنين في أن يتزوجوا من أهل الكتاب موقفين: الموقف الأول: هو موقف مانع؛ لأن بعض العلماء رأى أن أهل الكتاب قد ينحرفون في معتقداتهم إلى ما يجعلهم في الشرك، وقالوا: وهل هناك شرك أكثر من أن تُدعى الربوبية لبشر؟ والموقف الثاني: أجاز بعض العلماء أن يتزوج الإنسان من كتابية ويجب عليه أن يسألها أهي تدين بألوهية أحد من البشر أم تدين بالله الواحد القهار؟ فإن كانت المسألة مجرد الخلاف في الرسول فالأمر يهون، أما إن كانت تؤمن بألوهية أحد من البشر بجانب الله فقد دخلت في الشرك وعلى المؤمن أن يحتاط. وإذا كان للرجل الولاية وله أن يتزوج بكتابية فهو غالباً ما ينقلها إلى بيئته هو وستكون البيئة المؤثرة واحدة، ووجود الولاية للأب مع الوجود في البيئة الإيمانية سيؤثر ويخفف من تأثير الأم الكتابية على أولادها، وإن كان على الإنسان أن يتيقظ إلى أنّ هناك مسالك تتلطف وتتسلل ناحية الشرك، فمن الخير أن يبتعد المسلم عن ذلك، وأن يتزوج ويعصم ويعفّ فتاة مسلمة. وحين يحمي الحق سبحانه وتعالى الحضانة الأولى للطفل فهو يريد أن يربي في الطفل عدم التوزع، وعدم التمزق، وعدم التنافر بين ملكاته. وحين نضمن للطفل التواجد والنشأة في بيئة متآلفة فهو ينشأ طفلاً سوياً. والإسلام يريد أن يحافظ على سويَّة هذا الطفل. ويقول بعض الناس: ولماذا لا توجد محاضن جماعية؟ وكأنهم بذلك يريدون أن يحلوا الإشكال. نقول لهم: إن الإشكال لم يحل عند الذين فعلوا ذلك من قبلنا، ولذلك فعندما نقرأ مؤلفاتهم مثل كتاب "أطفال بلا أسر" فسنجد أن الطفولة عندهم معذبة. ولماذا نذهب بعيداً؟ إننا عندما نتتبع كيفية النشأة الجماعية للأطفال في إسرائيل فالبحوث العلمية تؤكد على أن الأطفال يعيشون في بؤس رهيب لدرجة أن التبول اللاإرادي ينتشر بينهم حتى سن الشباب. وكيف يغيب عن بالنا أن الطفل يظل حتى تصل سنه إلى عامين أو أكثر وهو يطلب ألا يشاركه في أمه أحد، حتى وإن كان أخاً له فهو يغار منه فما بالك بأطفال متعددين تقوم امرأة ليست أمهم برعايتهم؟ ولا يغني عن حنان الأم حنانُ مائة مربية؛ فليس للمربيات جميعاً قلب الأم التي ولدت الطفل، فالحنانُ الذي تعطيه الأم ليس حناناً شكلياً ولا وظيفياً، ولكنه طبيعة حياة خلقها الله لتعطي العطاء الصحيح، لذلك لابد من إعطاء الطفل فترة يشعر فيها بأن أمه التي ولدته له وحده، ولا يشاركه فيها أحد حتى لو كان أخاً له، وتمر عليه فترة بعد أن يخرج من مهد الطفولة الأولى إلى الشارع ليجد حركة الحياة، ويجد القائمين على حركة الحياة هم الرجال وآباء أمثاله من الأطفال فيجب بعد ذلك أن يُنسب إلى أب له كيان معروف في المجتمع الخارجي. فمن مقومات تكوين الطفل أن يشعر أن له أمّاً لا يشاركه فيها أحد، وأنّ له أباً لا يشاركه فيه أحد. وإن شاركه فيهما أحدٌ فهم إخوته ويضمهم ويشملهم جميعاً حنان الأم ورعاية الأب. لقد اعترف أهل العلم بتربية الأطفال أن احتياج الطفل لأمه هو احتياج هام وأساسي للتربية لمدة عامين وبضعة من الشهور، والحق تبارك وتعالى حين أنزل على رسوله قبل أربعة عشر قرناً من الآن؛ القول الحكيم الصادق بيّن هذه الحقيقة واضحة في أجلى صورها: {أية : وَوَصَّيْنَا ٱلإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَاناً حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاَثُونَ شَهْراً حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِيۤ أَنْ أَشكُرَ نِعْمَتَكَ ٱلَّتِيۤ أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِيۤ إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ}تفسير : [الأحقاف: 15]. إن الأم هي الحاضنة الطبيعية للطفل كما أرادها الحق. إذن، فالحق يريد أن يحمي اللبنة الأولى في تكوين المجتمع وهي الأسرة في البناء العَقَدي من أن تتأثر بالشرك، ويريد أن يحفظ للأسرة كياناً سليماً. ويعالج الحق بعد ذلك قضية التواصل مع المرأة أثناء فترة الحيض فيأتي التشريع ليقنن هذه المسألة لأن الإسلام جاء وفي الجو الاجتماعي تياران: تيار يرى أن الحائض هي امرأة تعاني من قذارة، لذلك لا يمكن للزوج أن يأكل معها أو يسكن معها أو يعاشرها أو يعيش معها في بيت واحد وكذلك أبناؤه. وتيار آخر يرى المرأة في فترة الحيض امرأة عادية لا فرق بينها وبين كونها غير حائض أي تباشر حياتها الزوجية مع زوجها دون تحوط أو تحفظ. كان الحال - إذن - متأرجحاً بين الإفراط والتفريط، فجاء الإسلام ليضع حداً لهذه المسألة فيقول الحق سبحانه وتعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَٱعْتَزِلُواْ ٱلنِّسَآءَ فِي ٱلْمَحِيضِ ...}.
الصابوني
تفسير : [13] نكاح المشركات التحليل اللفظي {تَنْكِحُواْ ٱلْمُشْرِكَاتِ}: أي لا تتزوجوا الوثنيات، والمشركة هي التي تعبد الأوثان، وليس لها دين سماوي ومثلها المشرك، وقيل: إنها تعم الكتابيات أيضاً لأن أهل الكتاب مشركون لقوله تعالى: {أية : وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ عُزَيْرٌ ٱبْنُ ٱللَّهِ وَقَالَتْ ٱلنَّصَارَى ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ ٱللَّهِ} تفسير : إلى قوله: {أية : سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} تفسير : [التوبة: 30-31]. {وَلأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ}: الأمة: المملوكة بملك اليمين وهي تقابل الحرة، وأصلها (أمو) حذفت لامها على غير قياس وعوّض عنها هاء التأنيث، وتجمع على إماء قال تعالى: {أية : وَأَنْكِحُواْ ٱلأَيَامَىٰ مِنْكُمْ وَٱلصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمائِكُمْ} تفسير : [النور: 32] وقال الشاعر: شعر : أمّا الإماء فلا يدعونني ولداً إذا تداعى بنو الأَمَوات بالعار تفسير : المعنى الإجمالي يقول الله تعالى ما معناه: لا تتزوجوا - أيها المؤمنون - المشركات حتى يؤمن بالله واليوم الآخر، ولأمة مؤمنة بالله ورسوله أفضل من حرة مشركة، وإن أعجبتكم المشركة بجمالها، ومالها، وسائر ما يوجب الرغبة فيها من حسب، أو جاه، أو سلطان. ولا تُزوِّجُوا المشركين من نسائكم المؤمنات حتى يؤمنوا بالله ورسوله، ولأن تزوجوهن من عبدٍ مؤمن خيرٌ لكم من أن تزوجوهن من حر مشرك، مهما أعجبكم في الحسب، والنسب، والشرف، فإن هؤلاء - المشركين والمشركات - الذين حرمت عليكم مناكحتهم ومصاهرتهم، يدعونكم إلى ما يؤدي بكم إلى النار، والله يدعو إلى العمل الذي يوجب الجنة، ويوضح حججه وأدلته للناس ليتذكروا فيميزوا بين الخير والشر، والخبيث والطيب. سبب النزول أولاً: روي أن هذه الآية نزلت في مرثد بن أبي مرثد الغنوي الذي كان يحمل الأسرى من مكة إلى المدينة، وكانت له في الجاهلية صلة بامرأة تسمى (عَناقاً) فأتته وقالت: ألا تخلوا؟ فقال: ويحك إن الإسلام قد حال بيننا، فقالت: فهل لك أن تتزوج بي؟ قال: نعم ولكن أرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستأمره فنزلت الآية. وتعقّب السيوطي هذه الرواية وذكر أنها ليست سبباً في نزول هذه الآية، وإنما هي سبب في نزول آية النور {أية : ٱلزَّانِي لاَ يَنكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً...} تفسير : [النور: 3]. الآية. ثانياً: وروي عن ابن عباس حديث : أن هذه الآية نزلت في (عبد الله بن رواحة) كانت له أمة سوداء، وأنه غضب عليها فلطمها، ثم إنه فزع فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره خبرها فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ما هي يا عبد الله؟ فقال: يا رسول الله: هي تصوم وتصلي وتحسن الوضوء، وتشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسوله، فقال يا عبد الله: هذه مؤمنة، فقال: والذي بعثك بالحق لأعتقنها ولأتزوجنّها ففعل، فعابه ناس من المسلمين وقالوا: نكح أمة، وكانوا يرغبون في نكاح المشركات رغبة في أحسابهنتفسير : ، فنزلت هذه الآية. وجوه الإعراب أولاً: قوله تعالى: {حَتَّىٰ يُؤْمِنَّ} حتى بمعنى (إلى أن) و(يؤمن) مبني على السكون لاتصاله بنون النسوة في محل نصب بـ (حتى) وأصله (يؤمنْنَ). ثانياً: قوله تعالى: {وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ} الواو للحال و(لو) هنا بمعنى (إن) وكذا كل موضع وليها الفعل الماضي كقوله: {أية : وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ ٱلْخَبِيثِ} تفسير : [المائدة: 100] أي وإن أعجبك والتقدير: لأمة مؤمنة خيرٌ من مشركة وإن أعجبتكم. ثالثاً: قوله تعالى: {وَلاَ تُنْكِحُواْ ٱلْمُشِرِكِينَ} بضم التاء هنا لأنه من الرباعي (أنكح) وهو يتعدى إلى مفعولين الأول (المشركين) والثاني محذوف وهو (المؤمنات) أي ولا تزوجوا المشركين المؤمنات. وأما قوله تعالى: {وَلاَ تَنْكِحُواْ ٱلْمُشْرِكَاتِ} فهو من الثلاثي (نكح) أي لا تتزوجوا المشركات وهو يتعدى إلى مفعول واحد فقط. لطائف التفسير اللطيفة الأولى: المراد بالنكاح هنا العقد بالإجماع أي لا تتزوجوا بالمشركات. قال الكرخي: المراد بالنكاح العقد لا الوطء حتى قيل: إنه لم يرد في القرآن بمعنى الوطء أصلاً، لأن القرآن يكني وهذا من لطيف ألفاظه. قال ابن جني: "سألت أبا علي عن قولهم: نكح المرأة فقال: فرّقت العرب في الاستعمال فرقاً لطيفاً حتى لا يحصل الالتباس، فإذا قالوا: نكح فلانٌ فلانةً: أرادوا أنه تزوجها وعقد عليها، وإذا قالوا: نكح امرأته أو زوجته لم يريدوا غير المجامعة، لأنه إذا ذكر امرأته أو زوجته فقد استغنى عن ذكر العقد فلم تحتمل الكلمة غير المجامعة". اللطيفة الثانية: في قوله تعالى: {خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ} إشارة لطيفة إلى أن الذي ينبغي أن يراعي في الزواج (الخلق والدين) لا الجمال والحسب، والمال، كما قال عليه الصلاة والسلام: "حديث : لا تنكحوا النساء لحسنهن فعسى حسنُهنّ أن يرديهن، ولا تنكحوهن على أموالهن فعسى أموالهن أن تطغيهن، وانكحوهنّ على الدين ولأَمةٌ سوداء خرقاء ذات دين أفضل ". تفسير : اللطيفة الثالثة: من المعلوم أن المغفرة قبل دخول الجنة، ولذلك قدمت في غير هذه الآية {أية : وَسَارِعُوۤاْ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ} تفسير : [آل عمران: 133] وإنما قدمت الجنة هنا لرعاية مقابلة النار لتكمل وتظهر المقابلة {أُوْلَـٰئِكَ يَدْعُونَ إِلَى ٱلنَّارِ وَٱللَّهُ يَدْعُوۤاْ إِلَى ٱلْجَنَّةِ وَٱلْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ}. اللطيفة الرابعة: في الآية الكريمة من المحسنّات البديعة ما يسمى بـ (المقابلة) فقد جاء بلفظ (أمة) ويقابلها (العبد) وبلفظ (مؤمنة) ويقابلها (المشركة) وبلفظ (الجنة) ويقابلها (النار) فهي مقابلة لطيفة بديعة تزيد الكلام رونقاً وجمالاً، والفرق بين (المقابلة) و(الطباق) أن المقابلة تكون بين معنيين أو أكثر متوافقة، ثم يؤتى بما يقابل ذلك على الترتيب، أما الطباق فيكون بين لفظين مثل (الأول والآخر) ومثل (أضحك وأبكى). الأحكام الشرعية الحكم الأول: هل يحرم نكاح الكتابيات؟ دل قوله تعالى: {وَلاَ تَنْكِحُواْ ٱلْمُشْرِكَاتِ حَتَّىٰ يُؤْمِنَّ} على حرمة نكاح المجوسيات والوثنيات. وأما الكتابيات فيجوز نكاحهن لقوله تعالى في سورة المائدة [الآية: 5]: {أية : وَطَعَامُ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ وَٱلْمُحْصَنَاتُ مِنَ ٱلْمُؤْمِنَاتِ وَٱلْمُحْصَنَاتُ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ..} تفسير : الآية أي العفيفات من أهل الكتاب، وهذا قول جمهور العلماء، وبه قال الأئمة الأربعة. وذهب ابن عمر رضي الله عنهما إلى تحريم نكاح الكتابيات، وكان إذا سئل عن نكاح الرجل النصرانيةَ أو اليهوديةَ قال: "حرّم الله تعالى المشركات على المسلمين، ولا أعرف شيئاً من الإشراك أعظم من أن يقول المرأة: ربّها عيسى، أو عبدٌ من عباد الله تعالى". وإلى هذا ذهب الإمامية، وبعض الزيدية وجعلوا آية المائدة منسوخة بهذه الآية نسخ الخاص بالعام. حجة الجمهور: أ - احتج الجمهور بأن لفظ (المشركات) لا يتناول أهل الكتاب لقوله تعالى: {أية : مَّا يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ وَلاَ ٱلْمُشْرِكِينَ} تفسير : [البقرة: 105] وقوله: {أية : لَمْ يَكُنِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ وَٱلْمُشْرِكِينَ} تفسير : [البينة: 1] فقد عطف المشركين على أهل الكتاب، والعطفُ يقتضي المغايرة، فظاهر لفظ (المشركات) لا يتناول الكتابيات. ب - واستدلوا بما روي عن السلف من إباحة الزواج بالكتابيات، فقد قال قتادة في تفسير الآية إن المراد بالمشركات (مشركات العرب) اللاتي ليس لهن كتاب يقرأنه. وعن حماد قال: سألت إبراهيم عن تزوج اليهودية والنصرانية فقال: لا بأس به، فقلت: أليس الله تعالى يقول: {وَلاَ تَنْكِحُواْ ٱلْمُشْرِكَاتِ}؟ فقال: إنما تلك المجوسيات وأهل الأوثان. جـ - وقالوا: لا يجوز أن تكون آية البقرة ناسخة لآية المائدة، لأن البقرة من أول ما نزل بالمدينة، والمائدة من آخر ما نزل، والقاعدة أن المتأخر ينسخ المتقدم لا العكس. د - واستدلوا بما روي أن حذيفة تزوج يهودية، فكتب إليه عمر خلّ سبيلها، فكتب إليه أتزعم أنها حرام فأخلي سبيلها؟ فقال: لا أزعم أنها حرام ولكن أخاف أن تعاطوا المومسات منهن. فدل على أن عمر فعل هذا من باب الحيطة والحذر، لا أنه حرم نكاح الكتابيات. هـ - واستدلوا بالحديث الذي رواه عبد الرحمٰن بن عوف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال في المجوس: "حديث : سنوا بهم سنّة أهل الكتاب، غير ناكحي نسائهم، ولا آكلي ذبائحهم ". تفسير : فلو لم يكن نكاح نسائهم جائزاً لم يكن لذكره فائدة. قال الطبري بعد سرده للأقوال: "وأولى الأقوال بتأويل الآية ما قاله (قتادة) من أن الله تعالى ذكره عنى بقوله: {وَلاَ تَنْكِحُواْ ٱلْمُشْرِكَاتِ} من لم يكن من أهل الكتاب من المشركات، وأن الآية عام ظاهرها، خاص باطنها، لم يُنسخ منها شيء، وأن نساء أهل الكتاب غير داخلات فيها، وذلك أن الله تعالى أحل بقوله: {أية : وَٱلْمُحْصَنَاتُ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ} تفسير : [المائدة: 5] للمؤمنين من نكاح محصناتهن مثل الذي أباح لهم من نساء المؤمنات، وقد روي عن عمر أنه قال: (المسلم يتزوج النصرانية، ولا يتزوج النصراني المسلمة) وإنما كره عمر لطلحة وحذيفة نكاح اليهودية والنصرانية، حذراً من أن يقتدي بهما الناس في ذلك فيزهدوا في المسلمات، أو لغير ذلك من المعاني فأمرهما بتخليتهما". أقول: رحم الله عمر فقد كان ينظر إلى مصالح المسلمين، ويسوسهم بالنظر والمصلحة، وما أحوجنا إلى مثل هذه السياسة الحكيمة!! الحكم الثاني: من هم المشركون الذين يحرم تزويجهم؟ دلّ قوله تعالى: {وَلاَ تُنْكِحُواْ ٱلْمُشِرِكِينَ حَتَّىٰ يُؤْمِنُواْ} على حرمة تزويج المشرك بالمسلمة، والمراد بالمشرك هنا كل كافر لا يدين بدين الإسلام، فيشمل الوثني، والمجوسي، واليهودي، والنصراني، والمرتد عن الإسلام فكل هؤلاء يحرم تزويجهم بالمسلمة، والعلة في ذلك أن الإسلام يعلو ولا يُعلى عليه. فللمسلم أن يتزوج باليهودية أو النصرانية وليس لليهودي أو النصراني أن يتزوج بالمسلمة، وقد بيَّن الباري جل وعلا السبب بقوله: {أُوْلَـٰئِكَ يَدْعُونَ إِلَى ٱلنَّارِ} أي يدعون إلى الكفر الذي هو سبب دخول نار جهنم، فالرجل له سلطة وولاية على المرأة، فربما أجبرها على ترك دينها وحملها على أن تكفر بالإسلام، والأولاد يتبعون الأب فإذا كان الأب نصرانياً أو يهودياً. ربّاهم على اليهودية أو النصرانية فيصير الولد من أهل النار. ومن ناحية أخرى فإن المسلم يعظّم موسى وعيسى عليهما السلام. ويؤمن برسالتهما ويعتقد بالتوارة والإنجيل التي أنزلها الله ولا يحمله إيمانه على إيذاء زوجته (اليهودية) أو (النصرانية) مثلاً بسبب العقيدة، لأنه يلتقي معها على الإيمان بالله، وتعظيم رسله، فلا يكون اختلاف الدين سبباً للأذى أو الاعتداء، بخلاف غير المسلم الذي لا يؤمن بالقرآن ولا برسالة نبينا محمد عليه الصلاة والسلام، فإن عدم إيمانه يدعوه إلى إيذاء المسلمة والاستخفاف بدينها. سألني طالب غير مسلم كان قد حضر عندي درس الدين في مدينة حلب: لماذا يتزوج المسلم بالنصرانية، ولا يتزوج النصراني المسلمة؟ يقصد التعريض والغمز بالمسلمين بأنهم متعصبون، فقلت له: نحن المسلمين نؤمن بنبيكم (عيسى) وكتابكم (الإنجيل) فإذا آمنتم بنبينا وكتابنا نزوجكم من بناتنا.. فمن منا المتعصب؟ فبهت الذي كفر. ما ترشد إليه الآيات الكريمة أولاً - حرمة الزواج بالمشركة الوثنية التي ليس لها كتاب سماوي. ثانياً - حرمة تزويج الكفار (وثنيين أو أهل كتاب) من النساء المسلمات. ثالثاً - إباحة الزواج من الكتابية (اليهودية أو النصرانية) إذا لم يخش الضرر على الأولاد. رابعاً - التفاوت بين الناس بالعمل الصالح، فالأَمَةُ المؤمنة أفضل من الحرة المشركة. خامساً - المشرك يجهد نفسه لحمل المؤمنة على الكفر بالله فلا يليق أن يقترن بها.
زيد بن علي
تفسير : وقولهُ تعالى: {وَلاَ تَنْكِحُواْ ٱلْمُشْرِكَاتِ حَتَّىٰ يُؤْمِنَّ} معناه مِمَّنْ لسن من أَهلِ الكِتابِ.
الأندلسي
تفسير : {وَلاَ تَنْكِحُواْ ٱلْمُشْرِكَاتِ حَتَّىٰ يُؤْمِنَّ} نزلت في عبد الله بن رواحة أعتق أمة مسلمة وتزوجها فطعن عليه ناس من المسلمين فقالوا: نكح أمة. وكانوا يريدون أن ينكحوا إلى المشركين رغبة في إحسانهم وفي أبي مرثد الغنوي أراد أن يتزوج عناق امرأة قرشية مشركة ذات جمال. وقرىء تنكحوا - بفتح التاء - ويطلق بمعنى العقد وبمعنى الوطء. وقرىء - بضمها - أي ولا تنكحوا أنفسكم المشركات. والمشركات هنا: الكفار، وهو عموم خصّ بجواز نكاح الكتابيات. وعن ابن عباس هو على عمومه فيحرم نكاح الوثنيات والمجوسيات والكتابيات وكل من على غير دين الاسلام والآية على هذه محكمة ناسخة لآية المائدة متقدمة في النزول وإن تأخرت في التلاوة وبجواز نكاح الكتابيات. قال الجمهور: {وَلأَمَةٌ} أي رقيقية. {مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ} أي. {مِّن} حرة. {مُّشْرِكَةٍ} وعموم المشركات يقتضي منع نكاح الأمة الكافرة. {وَلاَ تُنْكِحُواْ ٱلْمُشِرِكِينَ حَتَّىٰ يُؤْمِنُوا} الخطاب للأولياء أي المؤمنات. وأجمعت الأمة على أن الكافر لا يطأ المؤمنة بوجه مّا والنهي نهي تحريم ولو في الموضعين، بمعنى أن الشرطية. والواو في ولو للعطف على حال محذوفة، أي على كل حال ولو في هذه الحال المقتضية للرغبة في النكاح. {أُوْلَـٰئِكَ يَدْعُونَ إِلَى ٱلنَّارِ} إشارة إلى الصنفين المشركات والمشركين والدعاء قد يكون بالقول أو بسبب المحبة والمخالطة تسوي إلى الطباع ما يحمل على الموافقة حتى في ترك قتال قومها الكفار فيؤدي ذلك إلى النار. وهذه العلة مانعة من نكاح الكفار. وعدي يدعو بالى ويتعدى باللام ومفعول يدعو محذوف، أي يدعونكم والله يدعوكم وتباين القسمين يؤكد منع مناكحة الكفار إذ يحرم إجابة الكافر ويجب إجابة دعاء الله، ولا يحتاج إلى تقدير حذف مضاف أي وأولياء الله يدعون. كما قال الزمخشري بل حمله على الظاهر أوكد في التباعد من المشركين. وقرىء {وَٱلْمَغْفِرَةِ} وبالجر أي يدعو إلى سبب المغفرة وهو التزام الطاعة والتوبة. وبالرفع أي والمغفرة حاصلة. {بِإِذْنِهِ} وتيسيره. {وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ} أي يظهرها جليّة لكل أحد رجاء أن يحصل بظهورها تذكر واتعاظ. وفي صحيح مسلم عن أنس أن اليهود كانوا إذا حاضت المرأة منهم أخرجوها من البيت ولم يواكلوها ولم يشاربوها ولم يجامعوها فسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْمَحِيضِ} ولما تضمن ما قبل هذه الآية إيثار مناكحة أهل الإِيمان بين حكماً عظيماً من أحكام النكاح وهو النكاح زمان الحيض، والمحيض مفعل، ويراد به المصدر أي الحيض. وعن ابن عباس هو مكان الدم وهو الفرج. {قُلْ هُوَ} أي الحيض. {أَذًى} وإن قلنا أنه موضع الحيض فيكون على حذف أي موضع أذى. {فَٱعْتَزِلُواْ ٱلنِّسَآءَ} أي نكاح النساء في زمان الحيض أو في موضع الحيض. و{لا} تقربوهن كناية عن مباشرة النكاح. وقرىء {يَطْهُرْنَ} مضارع طهر أي ينقين من دم الحيض. ويطهرن مضارع أطهر وهو ظاهر في الاغتسال بالماء. "فإِذا" تطهرن أي بالماء. قال الجمهور: تغتسل اغتسال الجنابة. وقال الأوزاعي: تغتسل مكان الدم بالماء فيبيح الوطء، وبه قال أبو محمد بن حزم. {فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ ٱللَّهُ} أي من الجهة التي أمر الله وهي القبل لأنه المنهي عنه في الحيض. ولما كانت لهم حالة يرتكبونها حالة حيض النساء من مجامعة النساء وأخبر تعالى بالمنع من ذلك حالة الحيض أثنى على من امتثل أمره تعالى ورجع إلى ما شرع فقال: {إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلتَّوَّابِينَ} وأبرز ذلك في صورتين عامتين ليندرج الأزواج والزوجات في ذلك وكرر الفعل ليدل على اختلاف الجهتين من التوبة والتطهر. {نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ} في الصحيحين: إن اليهود كانت تقول في الذي يأتي امرأته في جهة دبرها في قبلها ان الولد يكون أحول. فنزلت: وكان في قوله فأتوهن من حيث أمركم الله تسويغ للإِتيان على سائر أحواله، فأكد بقوله: {أَنَّىٰ شِئْتُمْ} أي كيف شئتم أي مقبلة ومدبرة، وعلى أي شق مضطجعة ونائمة وغير ذلك من الأحوال. شبه الجماع بالحرث إذ النطفة كالبذر والرحم كالأرض والولد كالنبات. فأنى تأتي بمعنى: كيف، وبمعنى متى، وبمعنى أين. وأنى تكون استفهاماً كقوله تعالى: {أية : أَنَّىٰ لَكِ هَـٰذَا}تفسير : [آل عمران: 37]. وشرطاً لا جائز هنا أن تكون استفهاماً لأن جملتها لا تستقل بل هي محتاجة إلى ضميم وإذا كانت شرطاً فقد عدوها من ظروف المكان وهي من الجوازم ولكلاهما أعني إذا كانت استفهاماً أو شرطاً لا يعمل فيها ما قبلها، والذي يظهر أنها تكون شرطاً لافتقارها إلى جملة غير الجملة التي بعدها، وتكون قد جعلت فيها الأحوال كجعل الظروف المكانية وأجريت مجراها مستفهماً للحال بالظرف المكاني. وقد جاء نظير ذلك في لفظ كيف خرج به عن الاستفهام إلى معنى الشرط في قولهم: كيف تكون. أكون وجواب الجملة محذوف ويدل عليه ما قبله تقديره انى شئتم فاتوه. {وَقَدِّمُواْ لأَنْفُسِكُمْ} أي الأعمال الصالحة وامتثال ما أمركم به. {وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّكُمْ مُّلاَقُوهُ} أي ملاقوا جزائه على أعمالكم. {وَبَشِّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ} أي بحسن العاقبة في الآخرة وفيه تأنيس عظيم.
الجيلاني
تفسير : {وَ} من جملة الأحكام الموضوعة لإصلاحكم أن {لاَ تَنْكِحُواْ} أيها المؤمنون النساء {ٱلْمُشْرِكَاتِ} الكافرات {حَتَّىٰ يُؤْمِنَّ} لئلا يختلط ماؤكم بمهائن، وليوجد الولد على فطرة الإسلام {وَ} اعلموا أيها المؤمنون {لأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ} لكم أن تنكحوها {خَيْرٌ مِّن} حرةٍ {مُّشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ} مالها وجمالها {وَلاَ تُنْكِحُواْ} أيتها المؤمنات {ٱلْمُشِرِكِينَ} الكافرين {حَتَّىٰ يُؤْمِنُواْ وَ} اعلمن أيتها المؤمنات { لَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ} لنكاحكن {خَيْرٌ مِّن} حرٍ {مُّشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ} ماله وجماله؛ إذ لا كفاءة بين المؤمن والكافر {أُوْلَـٰئِكَ} المشركون والمشركات { يَدْعُونَ} أي: يريدون دعوتكم {إِلَى ٱلنَّارِ} المتفرعة على شركهم وكفرهم {وَٱللَّهُ} الهادي لكم إلى اختلاط المؤمنين والمؤمنات، الحافظ لمكافأتكم في النكاح والإنكاح {يَدْعُوۤاْ إِلَى ٱلْجَنَّةِ} المتفرعة على الإيمان والتوحيد {وَٱلْمَغْفِرَةِ} المسلتزمة لدفع الآثام والمعاصي {بِإِذْنِهِ} بتوفيقه وإقداره {وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ} أي: أحكامه وآدابه وأخلاقه في كتابه {لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} [البقرة: 221] رجاء أن يتذكروا ويتعظوا بها ليهتدوا إلى زلال التوحيد. {وَيَسْأَلُونَكَ} أيضاً {عَنِ ٱلْمَحِيضِ} روي أن أهل الجاهلية كانوا لم يسكانوا لحيِّض ولم يؤاكلوها كفعل اليهود والمجوس، واستمر ذلك إلى أن سألوا أبا الدحداح مع جمع من الصحابة عن ذلك فنزلت: {قُلْ هُوَ أَذًى} مؤذٍ يتأذى منه من يقربه {فَٱعْتَزِلُواْ ٱلنِّسَآءَ فِي ٱلْمَحِيضِ وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ} بالإتيان والوقاع لا بالمصاحبة والمخالطة والمؤاكلة {حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ ٱللَّهُ} قاصدين فيه حكمة إبقاء نوع الإنسان المستخلف عن الله {إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلتَّوَّابِينَ} عن الميل إلى خلاف ما أمر الله به {وَيُحِبُّ ٱلْمُتَطَهِّرِينَ} [البقرة: 222] عن الأناس الظاهرة والباطنة. {نِسَآؤُكُمْ} أيها المؤمنون {حَرْثٌ لَّكُمْ} أي: موضع حراثتكم ومحل إتيانكم {فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّىٰ شِئْتُمْ} مقبلين أو مدبرين، روي أن اليهود كانوا يقولون: من جامع امرأته من جانب دبرها كان ولده أحول، رد الله عليهم بهذه الآية {وَقَدِّمُواْ لأَنْفُسِكُمْ} أيها المستكشفون عن سرائر الأمور من الحكم والأسرار المودعة في التلذذ والنزول والانبعاث والشوق والانتعاش، وأنواع الكيفيات المستحدثة عند الوقاع لإيجاد النسل وإبقاء النوع، ولا تغفلوا عن سرائره، ولا تطمئوا بمجرد قضاء الشهوة كالحيوانات العُجم {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} عن الخيانة والخباثة، والإتيان إلى غير المآتي المأمورة في الشرع، وغير ذلك من المحظورات المسقطة لحرمات الله الواقعة في أمر الجماع والاجتماع؛ إذ هو منزلة إقدام أولي الأحلام من عظماء الأنام {وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّكُمْ} بأجمعكم {مُّلاَقُوهُ} سبحانه فتزودوا بزادٍ يليق بجانبه {وَبَشِّرِ} يا أكمل الرسل {ٱلْمُؤْمِنِينَ} [البقرة: 223] القائمين بحدود الله، المحافظين عليها دائماً، الخائفين من خشية الله، الراجين من رحمة الله بأن لهم عند ربهم روضة الرضاء وجنة التسليم.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : ثم أخبر عن نهج نكاح المشركات لعزة المؤمنات لقوله تعالى: {وَلاَ تَنْكِحُواْ ٱلْمُشْرِكَاتِ حَتَّىٰ يُؤْمِنَّ} [البقرة: 221]، والإشارة أن صلة رحم الدين والتمسك بعصمة المسلمين خير من صلة حبل الكفر والتمسك بعصم الكوافر، وإن كان فيه ما يعجبكم من مستحسنات للهوى والمشتهيات النفس، فإنها تدعو إلى النار لأنه خفت النار بالشهوات وترك ما يعجبكم به لامتثال أوامر الله تعالى، وإن لكم فيه كراهة {وَٱللَّهُ يَدْعُوۤاْ إِلَى ٱلْجَنَّةِ وَٱلْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ} [البقرة: 221]؛ لأن الجنة حفت بالمكاره: {وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ} [البقرة: 221]، أن يظهر في كل شيء آثار ألطافه مع عباده الناسين عهد الميثاق وما شاهدوا من ألطافه وعاينوا بلا واسطة: {لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} [البقرة: 221]، ما شاهدوا ويشتاقون إلى ما عاينوا أو لا يغترون بقليل فان عن كثير باق. ثم أخبر عن سؤالهم عن المحيض وجواب مقالهم بقوله تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى} [البقرة: 222]. والإشارة فيها أن لله تعالى أحكاماً موجبات للنقائص وليس فيها للعبد اختياراً ولا كسب، ولله فيها أسرار عجيبة وألطاف خفية، فمن ذلك كتب الله تعالى على بنات آدم من المحيض ولله فيه امتحان وابتلا ء مع الرجال والنساء، كما قال تعالى: {قُلْ هُوَ أَذًى} ثم امتحن الرجال بالاعتزال عن النساء، فقال تعالى: {فَٱعْتَزِلُواْ ٱلنِّسَآءَ فِي ٱلْمَحِيضِ} [البقرة: 222]، وجعل التباعد عنهن في أيام الحيض تقرباً إليه، وقال تعالى: {وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ} [البقرة: 222]، ثم جعل التقرب إليهن على شرائط الأمر ومجانبة الطبع موجباً للمحبة والوصلة، وقال تعالى: {فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ ٱللَّهُ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلتَّوَّابِينَ} [البقرة: 222]، وعن موافقة الطبع {وَيُحِبُّ ٱلْمُتَطَهِّرِينَ} [البقرة: 222]، عن مخالفة الشرع وجعل اعتزال النساء وبعدهن عن الأزواج موجباً للقربة، وإن كان في الظاهر موجباً للعبد عن مقام المناجاة لأنهن منعن عن صورة المناجاة، وهي مداومة الذكر ومراقبة القلوب وقال تعالى: "حديث : أنا جليس من ذكرني"تفسير : وجعل تطهرهن ومحافظة أنفسهن عن إتيان المنهي موجباً للمحبة والوصلة، وقال تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلتَّوَّابِينَ} [البقرة: 222]؛ أي: محافظي النفس عن المنهيات ويحب المتطهرين أي: مربي النفس بالمأمورات، فكما أن للنساء محيضاً في الظاهر، وهو سبب نقصان إيمانهن عن الصلاة والصيام، فكذلك للرجال محيض في الباطن وهو سبب نقصان إيمانهم عن حقيقة الصلاة هي المناجاة وعن حقيقة الصيام، وهو الإمساك عن مشتهيات النفوس، وهو هوى النفس كما أن المحيض هو سيلان الدم عن الفرج، فكذلك الهوى عن غَلبات دواعي الصفات البشرية والحاجات الإنسانية فكلما غلب الهوى تكدر الصفاء، وحصل الأذى وقيل: قطرة من الهوى تكدر بحراً من الصفا، فحينئذ غلبة منعت النفس عن الصلاة والصوم في الحقيقة، وإن كانت مشغولة بها في الصورة فأذى الحيض الصوري إن الحائض ممنوعة عن القرابات بالصورة لا بالمعنى، وأذى الحيض المعنوي أن الحائض ممنوع عن القربات بالمعنى لا بالصورة إذا نودي قلوب الرجال من سرادقات الجلال، فاعتزلوا النساء النفوس في المحيض غلبات الهوى حتى يطهرن أن يفرغن من قضاء الحوائج الضرورية للإنسان من المأكول والمشروب والمنكوح وغير ذلك، فإذا تطهرن بماء التوبة والاستغفار والإنابة رجعن إلى الحضرة في طلب القربة فأتوهن بالتصرف فيهن من حيث أمركم الله يعني: عند ظهور شواهد الحق بزهوق باطل النفس واضمحلال هواها، إن الله يحب التوابين عن أوصاف الوجود، ويحب المتطهرين بأخلاق المعبود بل يحب التوابين عن بقاء الشهود. ثم أخبر عن حال النساء وحرث الأولياء بقوله تعالى: {نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ} [البقرة: 223]، والإشارة فيها أن طبقات الخلق ثلاث: العوام والخواص وخاص الخواص. أما العوام: فلما كانوا أهل الغيبة عن الحقيقة أبيح لهم السكون إلى أشكالهم إذ كان على وصف الحضور يحرم عليهم المساكنة بالإذن وقيل لهم: {نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّىٰ شِئْتُمْ} [البقرة: 223]. وأما الخواص: فلما كانوا بوصف الحضور يحرم عليهم المساكنة إلى أمثالهم وقيل لهم: {أية : قُلِ ٱللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ}تفسير : [الأنعام: 91] سلكوا بقدم التجريد مسالك التفريد حتى وصلوا إلى كعبة التفريد. وأما خاص الخواص: فهم الرجال البالغون الواصلون إلى عالم الحقيقة المتصرفون في ما سوى الله تعالى بخلافة الحق فهم رجال الله، وما دون الله نساؤهم فقيل لهم {نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّىٰ شِئْتُمْ} [البقرة: 223]، فهم الأنبياء وخواص الأولياء القائمون بالله الداعون إلى الله بإذن الله، وكما أن الدنيا مزرعة الآخرة لقوم فإن الدنيا والآخرة مزرعتهم ومحرثهم يحرثون فيها أنى شاءوا وكيف شاءوا وما يشاءون إلا إن شاء الله فقد فنيت مشيئتهم في مشيئة فبقيت قدرة تصرفهم بتقويته {وَقَدِّمُواْ لأَنْفُسِكُمْ} [البقرة: 223]، فيقدمون لأنفسهم لا بأنفسهم بل هو المقدم لما يتقدمون وهو المؤخر لما يؤخرون ثم قال تعالى: {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّكُمْ مُّلاَقُوهُ} [البقرة: 223]؛ يعني: خواص الأولياء المتصرفون في حرث الدنيا والآخرة واتقوا الله بالله، وأنكم بلا قوة ولا يحجبكم عنه شيء {وَبَشِّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ} [البقرة: 223]، بأنهم ملاقوا الله أيضاً أن اتقوا الله بالله يعني: مرتبة خواص الأولياء مبشرة للمؤمنين أو تسعوا في طلبها حق سعيها. ثم أخبر عن إيمان الأيمان بقوله تعالى: {وَلاَ تَجْعَلُواْ ٱللَّهَ عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ} [البقرة: 224]، والإشارة فيها أن عظموا الله ونزهوه أن تجعلوه في معرض لك غرض خسيس وحفظ دنيء، وأن تجعلوا ذكره وسيلة لرفع الخيرات وذريعة لجلب المضرات {وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 224]، يسمع بسمع القبول إذا ذكر بالتعظيم يعلم عظم ذكره في القلوب فيجازيهم على قدر تعظيمهم إياه. ثم أخبر عن عفوه اللغو ويتجاوزه السهو بقوله تعالى: {لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱلَّلغْوِ فِيۤ أَيْمَانِكُمْ} [البقرة: 225]، والإشارة فيها أن يجري على الظواهر من غير قصد ونية في البواطن ليس له كثير خطر في الخير والشر ولا زيادة أثر، ولو كان له أثر في الخبر لما غاب على قوم يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم، وكذلك ما يجري على اللسان بنية القلب بلا فعل الجوارح، ولو كان مؤثراً في القبول لما عاب قوماً بقوله تعالى: {أية : كَبُرَ مَقْتاً عِندَ ٱللَّهِ أَن تَقُولُواْ مَا لاَ تَفْعَلُونَ}تفسير : [الصف: 3]، ولو كان له أثر في الرد لما وسع على قوله بقوله: {لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱلَّلغْوِ فِيۤ أَيْمَانِكُمْ وَلَـٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ} [البقرة: 225]، وما عفا عن قوم بقوله تعالى: {أية : إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِٱلإِيمَانِ}تفسير : [النحل: 106]، وذلك لأن القلب كالأرض للزراعة والجوارح إلا من كره، وقلبه مطمئن بالإيمان، وذلك لأن القلب كالأرض للزراعة، والجوارح كآلات الحرث، والأعمال والأقوال كالبذر، فالبذر ما لم يقع في الأرض المربية للزراعة لا ينبت، وإن كان في آلة من آلات الحراثة، فافهم جدّاً. وأما إن كان لما يجري على الظواهر من الخير، وفيه أثر في القلب، ولو كان مثقال ذرة، فإن الله تعالى من كمال فضله وكرمه لا يضيعه، كما قال الله تعالى: {أية : فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ}تفسير : [الزلزلة: 7]؛ بل يضاعفه أضعافاً مضاعفة حتى يكون القليل كثيراً والصغير عظيماً، كقوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَٰعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً}تفسير : [النساء: 40]، وأما إذا كان لما يجري على الظواهر من الشر أدنى أثر في الطلب، فإن الله تعالى من غاية لطفه وإحسانه لا يؤاخذ العبد به؛ بل يحلم عنه ويتوب عليه، ويغفر له كما قال الله: {لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ} [البقرة: 226]، الآيتين والإشارة فيهما أن يعلم العبد أن الله تعالى لا يضيع حق أحد من عباده لا على نفسه، ولا على غيره فلما تقاصر لسان الزوجة لكونها أسيرة في يد الزوج، فالله تعالى تولى الأمر بمراعة حقها، فأمر الزوج بالرجوع إليها أو تسريحها، فإذا كان حق صحبة الإشكال محفوظاً عليك حتى لو أخللت به أخذك بحكمة فحق الحق أحق بأن تجب مراعاته {فَإِنْ فَآءُو} [البقرة: 226]، ارجعوا عن تضييع حقوقه إلى إحياء ما أماتوا واستدركوا ما ضيعوا {فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ} [البقرة: 226]، يغفر بالتوبة والإناية ما صدر منهم {رَّحِيمٌ} [البقرة: 226]، يرحم عليهم بتدارك ما فات لهم، وفي تعين تربص أربعة أشهر، في الفيء إشارة عجيبة، وهي أنها مدة تعلق الروح بالجنين كما قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : أن الله خلق أحدكم في بطن أمه أربعين يوماً ما نطقه ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم بعث الملك بأربع كلمات يقول: اكتب رزقه وعمله وأجله وشقيا أم سعيداً ثم نفخ فيه الروح"،تفسير : فمن وقع له من أهل القصد وقفة أو فترة في أثناء السلوك من دلالة النفس ونفرة الطبع فعلى الشيخ، وعلى الأصحاب أن لا يفارقوه في الحقيقة، وأن يعاونوه بالهمم العلية لاستجلابه، وتربصوا أربعة أشهر الرجوع، فإن فاءوا إلى صدق الطلب ورعاية حق الصحبة، واستغفر على ما جرى منه، ونفخ فيه روح الإرادة مرة أخرى أقبلوا عليه، ويعفون عما لديه فإن هذا ربيع لا يرعاه إلا المهزولون، وربع لا يسكنه إلا المعزولون ومنهل لا يرده إلا اللاهون، وباب لا يقرعه إلا الماكثون بل هذا شراب لا يذوقه إلى العارفون وغناء لا يطرب عليه إلا العاشقون {وَإِنْ عَزَمُواْ} [البقرة: 227] بعد مضي أربعة أشهر: {ٱلطَّلاَقَ} [البقر ة: 227]، طلاق منكوحة المواصلة، وأصروا على ذنب المفارقة فلهم التمسك بعروة {أية : هَـٰذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ}تفسير : [الكهف: 78] {فَإِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ} [البقرة: 227]، بمقالتهم {عَلِيمٌ} [البقرة: 227]، بحالتهم.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : أي: { وَلا تَنْكِحُوا } النساء { الْمُشْرِكَاتِ } ما دمن على شركهن { حَتَّى يُؤْمِنَّ } لأن المؤمنة ولو بلغت من الدمامة ما بلغت خير من المشركة، ولو بلغت من الحسن ما بلغت، وهذه عامة في جميع النساء المشركات، وخصصتها آية المائدة، في إباحة نساء أهل الكتاب كما قال تعالى: {أية : وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ } . تفسير : { وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا } وهذا عام لا تخصيص فيه. ثم ذكر تعالى، الحكمة في تحريم نكاح المسلم أو المسلمة، لمن خالفهما في الدين فقال: { أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ } أي: في أقوالهم أو أفعالهم وأحوالهم، فمخالطتهم على خطر منهم، والخطر ليس من الأخطار الدنيوية، إنما هو الشقاء الأبدي. ويستفاد من تعليل الآية، النهي عن مخالطة كل مشرك ومبتدع، لأنه إذا لم يجز التزوج مع أن فيه مصالح كثيرة فالخلطة المجردة من باب أولى، وخصوصا، الخلطة التي فيها ارتفاع المشرك ونحوه على المسلم، كالخدمة ونحوها. وفي قوله: { وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ } دليل على اعتبار الولي [في النكاح]. { وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ } أي: يدعو عباده لتحصيل الجنة والمغفرة، التي من آثارها، دفع العقوبات وذلك بالدعوة إلى أسبابها من الأعمال الصالحة، والتوبة النصوح، والعلم النافع، والعمل الصالح. { وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ } أي: أحكامه وحكمها { لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ } فيوجب لهم ذلك التذكر لما نسوه، وعلم ما جهلوه، والامتثال لما ضيعوه.
همام الصنعاني
تفسير : 261- عبد الرزاق، قال: حدثنا معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {وَلاَ تَنْكِحُواْ ٱلْمُشْرِكَاتِ}: [الآية: 221]، قال: المشركات ممن ليس من أهْلِ الكِتاب، وقد تزوج حُذَيْفَةُ يهوديةً أو نصرانيةً. 262- عبد الرزاق، قال: حدَّثنا معمر عن الزهري وقتادة في قوله تعالى: {وَلاَ تَنْكِحُواْ ٱلْمُشْرِكَاتِ}: [الآية: 221]، قالا: لا يحلّ لك أن تُنْكِحَ يهودياً، ولا نصرانياً، ولا مشركاً، من غير دينكَ.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):