٢ - ٱلْبَقَرَة
2 - Al-Baqara (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
222
Tafseer
الرازي
تفسير : الحكـم السابع في المحيض في الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى جمع في هذا الموضع ستة من الأسئلة، فذكر الثلاثة الأول بغير الواو، وذكر الثلاثة الأخيرة بالواو، والسبب أن سؤالهم عن تلك الحوادث الأول وقع في أحوال متفرقة فلم يؤت فيها بحرف العطف لأن كل واحد من تلك السؤالات سؤال مبتدأ، وسألو عن المسائل الثلاثة الأخيرة في وقت واحد، فجيء بحرف الجمع لذلك، كأنه قيل: يجمعون لك بين السؤال عن الخمر والميسر، والسؤال عن كذا، والسؤال عن كذا. المسألة الثانية: روي أن اليهود والمجوس كانوا يبالغون في التباعد عن المرأة حال حيضها، والنصارى كانوا يجامعونهن، ولا يبالون بالحيض، وأن أهل الجاهلية كانوا إذا حاضت المرأة لم يؤاكلوها، ولم يشاربوها، ولم يجالسوها على فرش ولم يساكنوها في بيت كفعل اليهود والمجوس فلما نزلت هذه الآية أخذ المسلمون بظاهر الآية فأخرجوهن من بيوتهن فقال ناس من الأعراب: يا رسول الله البرد شديد، والثياب قليلة، فإن آثرناهن بالثياب هلك سائر أهل البيت، وإن استأثرناها هلكت الحيض، فقال عليه الصلاة والسلام: حديث : إنما أمرتكم أن تعتزلوا مجامعتهن إذا حضن، ولم آمركم بإخراجهن من البيوت كفعل الأعاجمتفسير : ، فلما سمع اليهود ذلك قالوا: هذا الرجل يريد أن لا يدع شيئاً من أمرنا إلا خالفنا فيه، ثم جاء عباد بن بشير، وأسيد بن حضير إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبراه بذلك وقالا: يا رسول الله أفلا ننكحهن في المحيض؟ فتغير وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ظننا أنه غضب عليهما فقاما، فجاءته هدية من لبن، فأرسل النبـي صلى الله عليه وسلم إليهما فسقاهما فعلمنا أنه لم يغضب عليهما. المسألة الثالثة: أصل الحيض في اللغة السيل يقال: حاض السيل وفاض، قال الأزهري: ومنه قيل للحوض حوض، لأن الماء يحيض إليه أي يسيل إليه، والعرب تدخل الواو على الياء والياء على الواو لأنهما من جنس واحد. إذا عرفت هذا فنقول: إن هذا البناء قد يجيء للموضع، كالمبيت، والمقيل، والمغيب، وقد يجيء أيضاً بمعنى المصدر، يقال: حاضت محيضاً، وجاء مجيئاً، وبات مبيتاً، وحكى الواحدي في «البسيط» عن ابن السكيت: إذا كان الفعل من ذوات الثلاثة، نحو: كال يكيل، وحاض يحيض، وأشباهه فإن الإسم منه مكسور، والمصدر مفتوح من ذلك مال ممالا، وهذا مميله يذهب بالكسر إلى الاسم، وبالفتح إلى المصدر، ولو فتحهما جميعاً أو كسرهما في المصدر والاسم لجاز، تقول العرب: المعاش والمعيش، والمغاب والمغيب، والمسار والمسير، فثبت أن لفظ المحيض حقيقة في موضوع الحيض، وهو أيضاً اسم لنفس الحيض وإذا ثبت هذا فاعلم أن أكثر المفسرين من الأدباء زعموا أن المراد بالمحيض ههنا الحيض، وعندي أنه ليس كذلك، إذ لو كان المراد بالمحيض ههنا الحيض لكان قوله: {فَٱعْتَزِلُواْ ٱلنّسَاء فِي ٱلْمَحِيضِ } معناه: فاعتزلوا النساء في الحيض، ويكون المراد فاعتزلوا النساء في زمان الحيض، فيكون ظاهره مانعاً من الاستمتاع بها فيما فوق السرة ودون الركبة ولما كان هذا المنع غير ثابت لزم القول بتطرق النسخ أو التخصيص إلى الآية، ومعلوم أن ذلك خلاف الأصل أما إذا حملنا المحيض على موضع الحيض كان معنى الآية: فاعتزلوا النساء في موضع الحيض، ويكون المعنى: فاعتزلوا موضع الحيض من النساء، وعلى هذا التقدير لا يتطرق إلى الآية نسخ ولا تخصيص، ومن المعلوم أن اللفظ إذا كان مشتركاً بين معنيين، وكان حمله على أحدهما يوجب محذوراً وعلى الآخر لا يوجب ذلك المحذور، فإن حمل اللفظ على المعنى الذي لا يوجب المحذور أولى، هذا إذا سلمنا أن لفظ المحيض مشترك بين الموضع وبين المصدر، مع أنا نعلم أن استعمال هذا اللفظ في موضع أكثر وأشهر منه في المصدر. فإن قيل: الدليل على أن المراد من المحيض الحيض أنه قال: {هُوَ أَذًى} أي المحيض أذى، ولو كان المراد من المحيض الموضع لما صح هذا الوصف. قلنا: بتقدير أن يكون المحيض عبارة عن الحيض، فالحيض في نفسه ليس بأذى لأن الحيض عبارة عن الدم المخصوص، والأذى كيفية مخصوصة، وهو عرض، والجسم لا يكون نفس العرض، فلا بد وأن يقولوا: المراد منه أن الحيض موصوف بكونه أذى، وإذا جاز ذلك فيجوز لنا أيضاً أن نقول: المراد أن ذلك الموضع ذو أذى، وأيضاً لم لا يجوز أن يكون المراد من المحيض الأول هو الحيض، ومن المحيض الثاني موضع الحيض، وعلى هذا التقدير يزول ما ذكرتم من الإشكال، فهذا ما عندي في هذا الموضع وبالله التوفيق. أما قوله تعالى: {قُلْ هُوَ أَذًى } فقال عطاء وقتادة والسدي: أي قذر، واعلم أن الأذى في اللغة ما يكره من كل شيء وقوله: {فَٱعْتَزِلُواْ ٱلنّسَاء فِي ٱلْمَحِيضِ } الاعتزال التنحي عن الشيء، قدم ذكر العلة وهو الأذى، ثم رتب الحكم عليه، وهو وجوب الإعتزال. فإن قيل: ليس الأذى إلا الدم وهو حاصل وقت الاستحاضة مع أن اعتزال المرأة في الاستحاضة غير واجب فقد انتقضت هذه العلة. قلنا: العلة غير منقوضة لأن دم الحيض دم فاسد يتولد من فضلة تدفعها طبيعة المرأة من طريق الرحم، ولو احتبست تلك الفضلة لمرضت المرأة، فذلك الدم جار مجرى البول والغائط، فكان أذى وقذر، أما دم الاستحاضة فليس كذلك، بل هو دم صالح يسيل من عروق تنفجر في عمق الرحم فلا يكون أذى، هذا ما عندي في هذا الباب، وهو قاعدة طيبة، وبتقريرها يتلخص ظاهر القرآن من الطعن والله أعلم بمراده. المسألة الرابعة: اعلم أن دم الحيض موصوف بصفات حقيقية ويتفرع عليه أحكام شرعية، أما الصفات الحقيقية فأمران أحدهما: المنبع ودم الحيض دم يخرج من الرحم، قال تعالى: {أية : وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ فِى أَرْحَامِهِنَّ } تفسير : [البقرة: 228] قيل في تفسيره: المراد منه الحيض والحمل، وأما دم الاستحاضة، فإنه لا يخرج من الرحم، لكن من عروق تنقطع في فم الرحم، قال عليه والسلام في صفة دم الاستحاضة: «حديث : إنه دم عرق انفجر»تفسير : وهذا الكلام يؤيد ما ذكرنا في دفع للنقض عن تعليل القرآن. والنوع الثاني: من صفات دم الحيض: الصفات التي وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم دم الحيض بها أحدها: أنه أسود والثاني: أنه ثخين، والثالث: أنه محتدم وهو المحترق من شدة حرارته، الرابعة: أنه يخرج برفق ولا يسيل سيلاناً، والخامسة: أن له رائحة كريهة بخلاف سائر الدماء وذلك لأنه من الفضلات التي تدفعها الطبيعة السادسة: أنه بحراني، وهو شديد الحمرة وقيل: ما تحصل فيه كدورة تشبيهاً له بماء البحر، فهذه الصفات هي الصفات الحقيقية. ثم من الناس من قال: دم الحيض يتميز عن دم الاستحاضة فكل دم كان موصوفاً بهذه الصفات فهو دم الحيض، وما لا يكون كذلك لا يكون دم حيض، وما اشتبه الأمر فيه فالأصل بقاء التكاليف وزوالها إنما يكون لعارض الحيض، فإذا كان غير معلوم الوجود بقيت التكاليف التي كانت واجبة على ما كان، ومن الناس من قال: هذه الصفات قد تشتبه على المكلف، فإيجاب التأمل في تلك الدماء وفي تلك الصفات يقتضي عسراً ومشقة، فالشارع قدر وقتاً مضبوطاً متى حصلت الدماء فيه كان حكمها حكم الحيض كيف كانت تلك الدماء، ومتى حصلت خارج ذلك الوقت لم يكن حكمها حكم الحيض كيف كانت صفة تلك الدماء، والمقصود من هذا إسقاط العسر والمشقة عن المكلف، ثم إن الأحكام الشرعية للحيض هي المنع من الصلاة والصوم واجتناب دخول المسجد ومس المصحف وقراءة القرآن، وتصير المرأة به بالغة، والحكم الثابت للحيض بنص القرآن إنما هو حظر الجماع على ما بينا كيفية دلالة الآية عليه. المسألة الخامسة: اختلف الناس في مدة الحيض فقال الشافعي رحمه الله تعالى: أقلها يوم وليلة، وأكثرها خمسة عشر يوماً، وهذا قول علي بن أبـي طالب وعطاء بن أبـي رباح والأوزاعي وأحمد وإسحق رضي الله عنهم، وقال أبو حنيفة والثوري: أقله ثلاثة أيام ولياليهن فإن نقص عنه فهو دم فاسد، وأكثره عشرة أيام، قال أبو بكر الرازي في أحكام القرآن: وقد كان أبو حنيفة يقول بقول عطاء: إن أقل الحيض يوم وليلة وأكثره خمسة عشر يوماً، ثم تركه وقال مالك لا تقدير لذلك في القلة والكثرة، فإن وجد ساعة فهو حيض، وإن وجد أياماً فكذلك، واحتج أبو بكر الرازي في أحكام القرآن على فساد قول مالك فقال: لو كان المقدار ساقطاً في القليل والكثير لوجب أن يكون الحيض هو الدم الموجود من المرأة فكان يلزم أن لا يوجد في الدنيا مستحاضة، لأن كل ذلك الدم يكون حيضاً على هذا المذهب وذلك باطل بإجماع الأمة، ولأنه روي أن فاطمة بنت أبـي حبيش قالت للنبـي صلى الله عليه وسلم إني أستحاض فلا أطهر، وأيضاً روي أن حمنة استحيضت سبع سنين ولم يقل النبـي صلى الله عليه وسلم لهما إن جميع ذلك حيض، بل أخبرهما أن منه ما هو حيض ومنه ما هو استحاضة، فبطل هذا القول والله أعلم. واعلم أن هذه الحجة ضعيفة لأن لقائل أن يقول: إنما يميز دم الحيض عن دم الاستحاضة بالصفات التي ذكرها رسول الله صلى الله عليه وسلم لدم الحيض، فإذا علمنا ثبوتها حكمنا بالحيض، وإذا علمنا عدمها حكمنا بعدم الحيض، وإذا ترددنا في الأمرين كان طريان الحيض مجهولاً وبقاء التكليف الذي هو الأصل معلوم والمشكوك لا يعارض المعلوم، فلا جرم حكم ببقاء التكاليف الأصلية، فبهذا الطريق يميز الحيض عن الاستحاضة وإن لم يجعل للحيض زمان معين، وحجة مالك من وجهين الأول: أن النبـي صلى الله عليه وسلم بين علامة دم الحيض وصفته بقوله: «حديث : دم الحيض هو الأسود المحتدم»تفسير : فمتى كان الدم موصوفاً بهذه الصفة كان الحيض حاصلاً، فيدخل تحت قوله تعالى: {فَٱعْتَزِلُواْ ٱلنّسَاء فِي ٱلْمَحِيضِ } وتحت قوله عليه السلام لفاطمة بنت أبـي حبيش: «حديث : إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة»تفسير : . الحجة الثانية: أنه تعالى قال في دم الحيض: {هُوَ أَذًى فَٱعْتَزِلُواْ ٱلنّسَاء فِي ٱلْمَحِيضِ } ذكر وصف كونه أذى في معرض بيان العلة لوجوب الإعتزال، وإنما كان أذى للرائحة المنكرة التي فيه، واللون الفاسد وللحدة القوية التي فيه، وإذا كان وجوب الاعتزال معللاً بهذه المعاني فعند حصول هذه المعاني وجب الاحتراز عملاً بالعلة المذكورة في كتاب الله تعالى على سبيل التصريح، وعندي أن قول مالك قوي جداً، أما الشافعي فاحتج على أبـي حنيفة وجهين: الحجة الأولى: أنه وجد دم الحيض في اليوم بليلته وفي الزائد على العشرة بدليل أنه عليه السلام وصف دم الحيض بأنه أسود محتدم، فإذا وجد ذلك فقد حصل الحيض، فيدخل تحت عموم قوله تعالى: {فَٱعْتَزِلُواْ ٱلنّسَاء فِي ٱلْمَحِيضِ } تركنا العمل بهذا الدليل في الأقل من يوم وليلة، وفي الأكثر من خمسة عشر يوماً بالاتفاق بيني وبين أبـي حنيفة، فوجب أن يبقى معمولاً به في هذه المدة. الحجة الثانية: للشافعي في جانب الزيادة ما روي أنه صلى الله عليه وسلم لما وصف النسوان بنقصان الدين، فسر ذلك بأن قال: تمكث إحداهن شطر عمرها لا تصلي، وهذا يدل على أن الحيض قد يكون خمسة عشر يوماً، لأن على هذا التقدير يكون الطهر أيضاً خمسة عشر يوماً فيكون الحيض نصف عمرها، ولو كان الحيض أقل من ذلك لما وجدت امرأة لا تصلي نصف عمرها، أجاب أبو بكر الرازي عنه من وجهين الأول: أن الشطر ليس هو النصف بل هو البعض والثاني: أنه لا يوجد في الدنيا امرأة تكون حائضاً نصف عمرها، لأن ما مضى من عمرها قبل البلوغ هو من عمرها. والجواب عن الأول: أن الشطر هو النصف، يقال: شطرت الشيء أي جعلته نصفين، ويقال في المثل: أجلب جلباً لك شطره، أي نصفه، وعن الثاني أن قوله عليه السلام: «حديث : تمكث إحداهن شطر عمرها لا تصلي»تفسير : إنما يتناول زمان هي تصلي فيه، وذلك لا يتناول إلا زمان البلوغ، واحتج أبو بكر الرازي على قول أبـي حنيفة من وجوه: الحجة الأولى:ما روى عن أبـي أمامة عن النبـي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : أقل الحيض ثلاثة أيام وأكثره عشر أيام» تفسير : قال أبو بكر: فإن صح هذا الحديث فلا معدل عنه لأحد. الحجة الثانية: ما روي عن أنس بن مالك، وعثمان بن أبـي العاص الثقفي أنهما قالا الحيض ثلاثة أيام وأربعة أيام إلى عشرة أيام وما زاد فهو استحاضة والاستدلال به من وجهين أحدهما: أن القول إذا ظهر عن الصحابـي ولم يخالفه أحد كان إجماعاً والثاني: أن التقدير مما لا سبيل إلى العقل إليه متى روى عن الصحابـي فالظاهر أنه سمعه من الرسول صلى الله عليه وسلم. الحجة الثالثة: قوله عليه السلام لحمنة بنت جحش: «حديث : تحيضي في علم الله ستاً أو سبعاً كما تحيض النساء في كل شهر» تفسير : مقتضاه أن يكون حيض جميع النساء في كل شهر هذا القدر خالفنا هذا الظاهر في الثلاثة إلى العشرة فيبقى ماعداه على الأصل. الحجة الرابعة: قوله عليه السلام في حق النساء: «حديث : ما رأيت من ناقصات عقل ودين أغلب لعقول ذوي الألباب منهن، فقيل ما نقصان دينهن؟ قال: تمكث إحداهن الأيام والليالي لا تصلي» تفسير : وهذا الخبر يدل على أن مدة الحيض ما يقع عليه اسم الأيام والليال، وأقلها ثلاثة وأكثرها عشرة لأنه لا يقال في الواحد والإثنين لفظ الأيام، ولا يقال في الزائد على العشرة أيام، بل يقال: أحد عشر يوماً أما الثلاثة إلى العشرة فيقال فيها أيام، وأيضاً قال صلى الله عليه وسلم لفاطمة بنت أبـي حبيش دعى الصلاة أيام أقرائك ولفظ الأيام مختص بالثلاثة إلى العشرة، وفي حديث أم سلمة في المرأة التي سألته أنها تهرق الدم، فقال: لتنظر عدد الليالي والأيام التي كانت تحيض من الشهر فلتترك الصلاة ذلك القدر من الشهر، ثم لتغتسل ولتصل. فإن قيل: لعل حيض تلك المرأة كان مقدراً بذلك المقدار. قلنا: إنه عليه السلام ما سألها عن قدر حيضها بل حكم عليها بهذا الحكم مطلقاً فدل على أن الحيض مطلقاً مقدر بما ينطلق عليه لفظ الأيام وأيضاً قال في حديث عدي ابن ثابت المستحاضة تدع الصلاة أيام حيضها، وذلك عام في جميع النساء. الحجة الخامسة: وهي حجة ذكرها الجبائي من شيوخ المعتزلة في «تفسيره» فقال: إن فرض الصوم والصلاة لازم يتعين للعمومات الدالة على وجوبهما ترك العمل بها في الثلاثة إلى العشرة فوجب بقاؤها على الأصل فيما دون الثلاثة وفوق العشرة وذلك لأن فيما دون الثلاثة حصل اختلاف للعلماء فأورث شبهة فلم نجعله حيضاً وما زاد على العشرة ففيه أيضاً اختلاف العلماء فأورث شبهة فلم نجعله حيضاً، فأما من الثلاثة إلى العشرة فهو متفق عليه فجعلناه حيضاً فهذا خلاصة كلام الفقهاء في هذ المسألة وبالله التوفيق. المسألة السادسة: اتفق المسلمون على حرمة الجماع في زمن الحيض، واتفقوا على حل الاستمتاع بالمرأة بما فوق السرة ودون الركبة، واختلفوا في أنه هل يجوز الاستمتاع بما دون السرة وفوق الركبة، فنقول: إن فسرنا المحيض بموضع الحيض على ما اخترناه كانت الآية دالة على تحريم الجماع فقط، فلا يكون فيها دلالة على تحريم ما وراءه، بل من يقول: إن تخصيص الشيء بالذكر يدل على أن الحكم فيما عداه بخلافه، يقول إن هذه الآية تدل على حل ما سوى الجماع، أما من يفسر المحيض بالحيض، كان تقدير الآية عنده فاعتزلوا النساء في زمان الحيض، ثم يقول ترك العمل بهذه الآية فيما فوق السرة ودون الركبة، فوجب أن يبقى الباقي على الحرمة وبالله التوفيق. أما قوله تعالى: {وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمْ ٱللَّهِ } فاعلم أن قوله: {وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ } أي ولا تجامعوهن، يقال قرب الرجل امرأته إذا جامعها، وهذا كالتأكيد لقوله تعالى: {فَٱعْتَزِلُواْ ٱلنّسَاء فِي ٱلْمَحِيضِ } ويمكن أيضاً حملها على فائدة جليلة جديدة وهي أن يكون قوله: {فَٱعْتَزِلُواْ ٱلنّسَاء فِي ٱلْمَحِيضِ } نهياً عن المباشرة في موضع الدم وقوله: {وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ } يكون نهياً عن الالتذاذ بما يقرب من ذلك الموضع. وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر، ويعقوب الحضرمي، وأبو بكر عن عاصم (حتى يطهرن) خفيفة من الطهارة، وقرأ حمزة والكسائي {يَطْهُرْنَ } بالتشديد، وكذلك حفص عن عاصم، فمن خفف فهو زوال الدم لأن يطهرن من طهرت امرأة من حيضها، وذلك إذا انقطع الحيض، فالمعنى: لا تقربوهن حتى يزول عنهن الدم، ومن قرأ: {يَطْهُرْنَ } بالتشديد فهو على معنى يتطهرن فأدغم كقوله: {أية : يأَيُّهَا ٱلْمُزَّمّلُ }تفسير : [المزمل: 1]، و {أية : يا أيها المدثر} تفسير : [المدثر: 1] أي المتزمل والمتدثر وبالله التوفيق. المسألة الثانية: أكثر فقهاء الأمصار على أن المرأة إذا انقطع حيضها لا يحل للزوج مجامعتها إلا بعد أن تغتسل من الحيض، وهذا قول مالك والأوزاعي والشافعي والثوري، والمشهور عن أبـي حنيفة أنها إن رأت الطهر دون عشرة أيام لم يقربها زوجها، وإن رأته لعشرة أيام جاز أن يقربها قبل الاغتسال، حجة الشافعي من وجهين. الحجة الأولى: أن القراءة المتواترة، حجة بالإجماع، فإذا حصلت قراءتان متواترتان وأمكن الجمع بينهما، وجب الجمع بينهما. إذا ثبت هذا فنقول: قرىء {حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ } بالتخفيف وبالتثقيل {ويطهرن} بالتخفيف عبارة عن انقطاع الدم، وبالتثقيل عبارة عن التطهر بالماء والجمع بين الأمرين ممكن، وجب دلالة هذه الآية على وجوب الأمرين، وإذا كان وجب أن لا تنتهي هذه الحرمة إلا عند حصول الأمرين. الحجة الثانية: أن قوله تعالى: {فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ } علق الإتيان على التطهر بكلمة {إِذَا } وكلمة {إِذَا } للشرط في اللغة، والمعلق على الشرط عدم عند عدم الشرط، فوجب أن لا يجوز الإتيان عند عدم التطهر، حجة أبـي حنيفة رحمه الله قوله تعالى: {وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ } نهى عن قربانهن وجعل غاية ذلك النهي أن يطهرن بمعنى ينقطع حيضهن، وإذا كان انقطاع الحيض غاية لهذا النهي وجب أن لا يبقى هذا النهي عند انقطاع الحيض، أجاب القاضي عنه بأنه لو اقتصر على قوله: {حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ } لكان ما ذكرتم لازماً، أما لما ضم إليه قوله: {فَإِذَا تَطَهَّرْنَ } صار المجموع هو الغاية وذلك بمنزلة أن يقول الرجل: لا تكلم فلاناً حتى يدخل الدار فإذا طابت نفسه بعد الدخول فكلمه، فإنه يجب أن يتعلق إباحة كلامه بالأمرين جميعاً، وإذا ثبت أنه لا بد بعد انقطاع الحيض من التطهر فقد اختلفوا في ذلك التطهر فقال الشافعي وأكثر الفقهاء: هو الاغتسال وقال بعضهم: وهو غسل الموضع، وقال عطاء وطاوس: هو أن تغسل الموضع وتتوضأ، والصحيح هو الأول لوجهين الأول: أن ظاهر قوله: {فَإِذَا تَطَهَّرْنَ } حكم عائد إلى ذات المرأة، فوجب أن يحصل هذا التطهر في كل بدنها لا في بعض من أبعاض بدنها والثاني: أن حمله على التطهر الذي يختص الحيض بوجوبه أولى من التطهر الذي يثبت في الاستحاضة كثبوته في الحيض، فهذا يوجب أن المراد به الاغتسال وإذا أمكن بوجود الماء وإن تعذر ذلك فقد أجمع القائلون بوجوب الاغتسال على أن التيمم يقوم مقامه، وإنما أثبتنا التيمم مقام الاغتسال بدلالة الإجماع، وإلا فالظاهر يقتضي أن لا يجوز قربانها إلا عند الاغتسال بالماء. المسألة الثالثة: اختلفوا في المراد بقوله تعالى: {فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ ٱللَّهُ } وفيه وجوه الأول: وهو قول ابن عباس ومجاهد وإبراهيم وقتادة وعكرمة: فأتوهن في المأتي فإنه هو الذي أمر الله به، ولا تؤتوهن في غير المأتي، وقوله: {مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ ٱللَّهُ } أي في حيث أمركم الله، كقوله: {أية : إِذَا نُودِىَ لِلصَّلَوٰةِ مِنْ يَوْمِ الجُمعة } تفسير : [الجمعة: 9] أي في يوم الجمعة. الثاني: قال الأصم والزجاج: أي فأتوهن من حيث يحل لكم غشيانهن، وذلك بأن لا يكن صائمات، ولا معتكفات، ولا محرمات الثالث: وهو قول محمد بن الحنفية فأتوهن من قبل الحلال دون الفجور، والأقرب هو القول الأول لأن لفظة {حَيْثُ } حقيقة في المكان مجاز في غيره. أما قوله: {إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلتَّوبِينَ وَيُحِبُّ ٱلْمُتَطَهّرِينَ } فالكلام في تفسير محبة الله تعالى، وفي تفسير التوبة قد تقدم فلا نعيده إلا أنا نقول: التواب هو المكثر من فعل ما يسمى توبة، وقد يقال هذا من حق الله تعالى من حيث يكثر في قبول التوبة. فإن قيل: ظاهر الآية يدل على أنه يحب تكثير التوبة مطلقاً والعقل يدل على أن التوبة لا تليق إلا بالمذنب، فمن لم يكن مذنباً وجب أن لا تحسن منه التوبة. والجواب من وجهين: الأول: أن المكلف لا يأمن البتة من التقصير، فتلزمه التوبة دفعاً لذلك التقصير المجوز الثاني: قال أبو مسلم الأصفهاني {ٱلتَّوْبَةُ } في اللغة عبارة عن الرجوع ورجوع العبد إلى الله تعالى في كل الأحوال محمود اعترض القاضي عليه بأن التوبة وإن كانت في أصل اللغة عبارة عن الرجوع، إلا أنها في عرف الشرع عبارة عن الندم على ما فعل في الماضي، والترك في الحاضر، والعزم على أن لا يفعل مثله في المستقبل فوجب حمله على هذا المعنى الشرعي دون المفهوم اللغوي، ولأبـي مسلم أن يجيب عنه فيقول: مرادي من هذا الجواب أنه إن أمكن حمل اللفظ على التوبة الشرعية، فقد صح اللفظ وسلم عن السؤال، وإن تعذر ذلك حملته على التوبة بحسب اللغة الأصلية، لئلا يتوجه الطعن والسؤال. أما قوله تعالى: {وَيُحِبُّ ٱلْمُتَطَهّرِينَ } ففيه وجوه أحدها: المراد منه التنزيه عن الذنوب والمعاصي وذلك لأن التائب هو الذي فعله ثم تركه، والمتطهر هو الذي ما فعله تنزهاً عنه، ولا ثالث لهذين القسمين، واللفظ محتمل لذلك، لأن الذنب نجاسة روحانية، ولذلك قال: {أية : إِنَّمَا ٱلْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ } تفسير : [التوبة: 28] فتركه يكون طهارة روحانية، وبهذا المعنى يوصف الله تعالى بأنه طاهر مطهر من حيث كونه منزهاً عن العيوب والقبائح، ويقال: فلان طاهر الذيل. والقول الثاني: أن المراد: لا يأتيها في زمان الحيض، وأن لا يأتيها في غير المأتى على ما قال: {فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ ٱللَّهُ } ومن قال بهذا القول قال: هذا أولى لأنه أليق بما قبل الآية ولأنه تعالى قال حكاية عن قوم لوط {أية : أَخْرِجُوهُم مّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ } تفسير : [الأعراف: 82] فكان قوله: {وَيُحِبُّ ٱلْمُتَطَهّرِينَ } ترك الإتيان في الأدبار. والقول الثالث: أنه تعالى لما أمرنا بالتطهر في قوله: {فَإِذَا تَطَهَّرْنَ } فلا جرم مدح المتطهر فقال: {وَيُحِبُّ ٱلْمُتَطَهّرِينَ } والمراد منه التطهر بالماء، وقد قال تعالى: {أية : رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُتَطَهّرِينَ } تفسير : [التوبة: 108] فقيل في التفسير: إنهم كانوا يستنجون بالماء فأثنى الله عليهم.
القرطبي
تفسير : . فيه أربع عشرة مسألة. الأُولىٰ: قوله تعالىٰ: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْمَحِيضِ} ذكر الطبريّ عن السُّدِّيّ أن السائل ثابتَ بن الدَّحْدَاح ـ وقيل: أُسيد بن حُضير وعَبّاد بن بشر؛ وهو قول الأكثرين. وسبب السؤال فيما قال قَتَادة وغيرُه: أن العرب في المدينة وما والاها كانوا قد ٱستَنُّوا بسُنّة بني إسرائيل في تجنُّب مؤاكلة الحائض ومساكنتها؛ فنزلت هذه الآية. وقال مجاهد: كانوا يتجنّبون النساء في الحيض، ويأتونهنّ في أدبارهنّ مدّةً زمن الحيض؛ فنزلت. وفي صحيح مسلم عن أنس: أن اليهود كانوا إذا حاضت المرأة فيهم لم يؤاكلوها ولم يجامعوهنَّ في البيوت؛ فسأل أصحابُ النبيّ صلى الله عليه وسلم النبيَّ صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله تعالىٰ: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَٱعْتَزِلُواْ ٱلنِّسَآءَ فِي ٱلْمَحِيضِ} إلى آخر الآية؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ٱصنعوا كلَّ شيء إلاَّ النكاح» تفسير : فبلغ ذلك اليهود، فقالوا: ما يريد هذا الرجل أن يَدَعَ من أمرنا شيئاً إلاَّ خالفنا فيه؛ فجاء أُسَيد بن حُضَيْر وعبّاد بن بشر فقالا: يا رسول الله، إن اليهود تقول كذا وكذا، أفلا نجامعهنّ؟ فتغير وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى ظننا أن قد وَجَد عليهما؛ فخرجا فٱستقبلهما هدّيةٌ من لَبَنٍ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأرسل في آثارهما فسقاهما؛ فعرفا أن لم يَجِدْ عليهما. قال علماؤنا: كانت اليهود والمجوس تجتنب الحائضّ؛ وكانت النصارى يجامعون الحُيَّض؛ فأمر الله بالقصد بين هذين. الثانية ـ قوله تعالىٰ: {عَنِ ٱلْمَحِيضِ} المحيض: الحيض وهو مصدر؛ يُقال: حاضت المرأة حَيْضاً ومَحَاضاً ومحيضاً، فهي حائض، وحائضة أيضاً؛ عن الفرّاء وأنشد:شعر : كحائِضـةٍ يُزْنَـى بهـا غيـرَ طاهِـر تفسير : ونساء حُيّض وحوائض. والحَيضة: المرّة الواحدة. والحِيضة (بالكسر) الاسم، (والجمع) الحِيَض. والحيضة أيضاً: الخرقة التي تستثفر بها المرأة. قالت عائشة رضي الله عنها: ليتني كنت حِيضَة مُلْقَاةً. وكذلك المحيضة، والجمع المحائض. وقيل: المحيض عبارة عن الزمان والمكان، وعن الحَيْض نفسه؛ وأصله في الزمان والمكان مجاز في الحيض. وقال الطبريّ: المحيض اسم للحيض، ومثله قول رُؤْبة في العيش:شعر : إليك أشكو شدّةَ المعِيشِ ومرَّ أعوام نَتَفْن رِيشي تفسير : وأصل الكلمة من السيلان والإنفجار؛ يُقال: حاض السيلُ وفاض، وحاضت الشجرةُ أي سالت رطوبتها؛ ومنه الحيض أي الحوض؛ لأن الماء يحيض إليه أي يسيل؛ والعرب تُدخل الواو على الياء والياءَ على الواو؛ لأنهما من حيّز واحد. قال ٱبن عَرَفة: المحِيض والحيض ٱجتماع الدم إلى ذلك الموضع؛ وبه سُمِّي الحوض لاجتماع الماء فيه، يُقال: حاضت المرأة وتحيّضت، ودَرَست وعَرَكت، وطَمِثَت، تحيض حَيْضاً ومَحَاضاً وَمَحِيضاً إذا سال الدم منها في أوقات معلومة. فإذا سال في غير أيام معلومة، ومن غير عِرْق المَحِيض قلتَ: ٱسْتُحِيضت، فهي مستحاضة. ٱبن العربي. ولها ثمانية أسماء: الأول ـ حائض. الثاني ـ عارك. الثالث ـ فارِك. الرابع ـ طامس. الخامس ـ دارِس. السادس ـ كابر. السابع ـ ضاحك. الثامن ـ طامث. قال مجاهد في قوله تعالىٰ: {أية : فَضَحِكَتْ}تفسير : [هود: 71] يعني حاضت. وقيل في قوله تعالىٰ: {أية : فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ} تفسير : [يوسف: 31] يعني حِضن. وسيأتي في موضعه إن شاء الله تعالىٰ. الثالثة ـ أجمع العلماء على أن للمرأة ثلاثة أحكام في رؤيتها الدَّمَ الظّاهر السائلَ من فرجها، فمن ذلك الحيضُ المعروف، ودمُه أسودُ خاثِرٌ تعلوه حُمرةٌ؛ تترك له الصَّلاةَ والصومَ؛ لا خلاف في ذلك. وقد يتصل وينقطع؛ فإن ٱتصل فالحكمُ ثابتٌ له، وإنّ ٱنقطع فرأت الدم يوماً والطّهر يوماً، أو رأت الدَّمَ يومين والطهر يومين أو يوماً فإنها تترك الصَّلاة في أيام الدّم، وتغتسل عند ٱنقطاعه وتصلّي؛ ثم تُلفِّق أيام الدّم وتُلغى أيامَ الطهر المتخللة لها، ولا تحتسب بها طهراً في عدّة ولا ٱستبراء. والحَيْضُ خِلقةٌ في النساء، وطَبعٌ معتاد معروف منهنّ. روى البخاريّ عن أبي سعيد الخدريّ قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في أضْحًى أو فِطرٍ إلى المصلّىٰ فمرّ على النساء فقال: «حديث : يا معشر النساء تصدّقْن فإني أرِيتُكنّ أكثَر أهل النار ـ فقُلْن وبمِ يا رسول الله؟ قال ـ تُكْثِرْنَ اللّعنَ وتَكْفُرنَ العشِيرَ ما رأيت من ناقصاتِ عقلٍ ودينٍ أَذْهبَ لِلُبِّ الرجلِ الحازم من إحداكنّ ـ قلن: وما نقصانُ عقلِنا وديننا يا رسول الله؟ قال: أليس شهادةُ المرأةِ مثلَ نصفِ شهادة الرجلِ ـ قلن: بلى؛ قال: فذلكِ مِن نقصان عقلها أليس إذا حاضت لم تصلّ ولم تَصُمْ ـ قلن: بلى يا رسول الله؛ قال ـ فذلِك من نقصان دينها».تفسير : وأجمع العلماء على أن الحائض تقضي الصومَ ولا تقضي الصلاةَ؛ لحديث مُعاذةَ قالت: سألت عائشة فقلت: ما بال الحائض تقضي الصومَ ولا تقضي الصلاةَ؟ قالت: أَحَرُورِيَّةٌ أنتِ؟ قلتُ: لست بحرورية، ولكني أسأل. قالت: كان يصيبنا ذلك فنُؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة؛ خرجه مسلم. فإذا ٱنقطع عنها كان طهرها منه الغسل؛ على ما يأتي. الرابعة ـ وٱختلف العلماء في مقدار الحيض؛ فقال فقهاء المدينة: إن الحيض لا يكون أكثر من خمسةَ عشَر يوماً؛ وجائز أن يكون خمسةَ عشَر يوماً فما دون، وما زاد على خمسةَ عشرَ يوماً لا يكون حيضاً وإنما هو ٱستحاضة؛ هذا مذهب مالِك وأصحابه. وقد رُوي عن مالك أنه لا وقت لقليل الحيض ولا لكثيره إلا ما يوجد في النساء؛ فكأنه ترك قوله الأوّلَ ورجع إلى عادة النساء. وقال محمد بن مسلمة: أقلّ الطهر خمسة عشر يوماً؛ وهو ٱختيار أكثر البغداديين من المالكيين، وهو قول الشافعيّ وأبي حنيفة وأصحابِهما والثوريّ؛ وهو الصحيح في الباب؛ لأن الله تعالى قد جعل عِدّة ذوات الأقراء ثلاثَ حِيَض، وجعل عدة من لا تحيض من كِبر أو صِغِر ثلاثةَ أشهر؛ فكان كلُّ قَرْءٍ عوضاً من شهر، والشهر يجمع الطُّهْرَ والحيض. فإذا قلّ الحيض كثر الطّهر، وإذا كثر الحيض قلّ الطهر، فلما كان أكثر الحيض خمسة عشر يوماً وجب أن يكون بإزائه أقلّ الطهر خمسة عشر يوماً ليكمل في الشهر الواحد حَيْض وطُهر، وهو المُتعارَف في الأغلب من خِلْقة النساء وجِبِلّتهنّ مع دلائل القرآن والسُّنّة. وقال الشافعيّ: أقلّ الحيض يومٌ وليلة، وأكثره خمسة عشر يوماً. وقد رُوي عنه مثل قولِ مالكٍ: إن ذلك مردود إلى عُرْف النساء. وقال أبو حنيفة وأصحابه: أقلّ الحيض ثلاثة أيام، وأكثره عشرة. قال ابن عبد البر: ما نقص عند هؤلاء عن ثلاثة أيام فهو ٱستحاضة، لا يمنع من الصلاة إلا عند أوّل ظهوره؛ لأنه لا يُعلم مبلغُ مدّته. ثم على المرأة قضاءُ صلاة تلك الأوقات، وكذلك ما زاد على عشرة أيام عند الكوفيين. وعند الحجازيين ما زاد على خمسةَ عشرَ يوماً فهو ٱستحاضة، وما كان أقلّ من يوم وليلة عند الشافعيّ فهو ٱستحاضة؛ وهو قول الأُوزاعيّ والطبريّ. وممن قال أقلّ الحيض يومٌ وليلةٌ وأكثره خمسةَ عشرَ يوماً عطاءُ بنُ أبي رباح وأبو ثور وأحمدُ بن حَنْبل. قال الأُوزاعيّ: وعندنا ٱمرأة تحيض غدوةً وتطهرُ عشيّةً. وقد أتينا على ما للعلماء في هذا الباب ـ من أكثر الحيض وأقلِّه وأقلِّ الطهر، وفي الاستظهار، والحجة في ذلك ـ في «المقتبس في شرح موطأ مالك بن أنس» فإن كانت بكراً مبْتَدأَةً فإنها تجلس أوّلَ ما ترى الدّمَ في قول الشافعيّ خمسة عشر يوماً، ثم تغتسل وتعيد صلاة أربعة عشر يوماً. وقال مالك: لا تقضى الصلاةَ ويُمسِك عنها زوجُها. علي بن زياد عنه: تجلس قَدْر لداتها؛ وهذا قول عطاءٍ والثوريّ وغيرِهما. ٱبن حَنْبل: تجلس يوماً وليلة، ثم تغتسل وتصلي ولا يأتيها زوجُها. أبو حنيفة وأبو يوسف: تَدَعُ الصلاة عشراً، ثم تغتسل وتصلي عشرين يوماً، ثم تترك الصلاة بعد العشرين عشراً؛ فيكون هذا حالها حتى ينقطع الدم عنها. أمّا التي لها أيام معلومة فإنها تستظهر على أيامها المعلومة بثلاثة أيام؛ عن مالك: ما لم تجاوز خمسة عشر يوماً. الشافعيّ: تغتسل إذا انقضت أيامها بغير استظهار. والثاني من الدِّماء: دم النفاس عند الولادة؛ وله أيضاً عند العلماء حدٌّ معلوم ٱختلفوا فيه؛ فقيل: شهران؛ وهو قول مالك. وقيل: أربعون يوماً؛ وهو قول الشافعيّ. وقيل غير ذلك. وطُهْرُها عند ٱنقطاعه. والغسل منه كالغسل من الجنابة. قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب: ودم الحيض والنفاس يمنعان أحد عشر شيئاً: وهي وجوب الصلاة وصحةُ فعلها وفعلُ الصوم دون وجوبه ـ وفائدة الفرق لزومُ القضاء للصوم ونفيُه في الصلاة ـ والجماع في الفرج وما دونه والعدّةُ والطلاقُ والطوافُ ومسُّ المصحف ودخولُ المسجد والاعتكافُ فيه؛ وفي قراءة القرآن روايتان. والثالث من الدماء: دَمٌ ليس بعادة ولا طَبْع منهنّ ولا خلْقة، وإنما هو عِرْق ٱنقطع، سائله دمٌ أحمرُ لا ٱنقطاع له إلا عند البُرْء منه؛ فهذا حكمه أن تكون المرأة منه طاهرة لا يمنعها من صلاة ولا صوم بإجماعٍ من العلماء وٱتفاق من الآثار المرفوعةِ إذا كان معلوماً أنه دمُ عِرقٍ لا دَمُ حيض. روى مالكٌ عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: حديث : قالت فاطمة بنت أبي حُبَيش: يا رسول الله، إني لا أطهرُ! أفأَدَعُ الصلاة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنما ذلك عِرْقٌ وليس بالحيضة إذا أقبلت الحيضة فَدِعى الصلاة فإذا ذهب قَدْرُها فاغسلي عنك الدّمَ وصَلِّي»تفسير : . وفي هذا الحديث مع صحته وقلة ألفاظه ما يفسّر لك أحكامَ الحائض والمستحاضة، وهو أصح ما رُوي في هذا الباب، وهو يردّ ما رُوي عن عُقْبة بن عامر ومكحول أن الحائض تغتسل وتتوضأ عند كل وقت صلاة، وتستقبل القبلة ذاكرة الله عزّ وجلّ جالسة. وفيه أن الحائض لا تُصلِّي، وهو إجماع من كافّة العلماء إلا طوائفَ من الخوارج يرون على الحائض الصلاة. وفيه ما يدل على أن المستحاضة لا يلزمها غيرُ ذلك الغسلِ الذي تغتسل من حيضها، ولو لزمها غيره لأمرها به، وفيه ردّ لقول من رأى ذلك عليها لكل صلاة. ولقول من رأى عليها أن تجمع بين صلاتَي النهار بغُسل واحد، وصلاتَي الليل بغسل واحد وتغتسل للصبح. ولقول من قال: تغتسل من طهر إلى طهر. ولقول سعيد بن المسيّب من طهر إلى طهر؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يأمرها بشيء من ذلك. وفيه ردّ لقول من قال بالاستظهار؛ لأن النبيّ صلى الله عليه وسلم أمرها إذا علمت أن حيضتها قد أدبرت وذهبت أن تغتسل وتصلي؛ ولم يأمرها أن تترك الصلاة ثلاثة أيام لانتظار حيض يجيء أو لا يجيء، والاحتياط إنما يكون في عمل الصلاة لا في تركها. الخامسة ـ قوله تعالى: {قُلْ هُوَ أَذًى} أي هو شيء تتأذّى به المرأة وغيرها أي برائحة دمِ الحيض. والأذى كناية عن القَذَر على الجملة. ويُطلق على القول المكروه؛ ومنه قوله تعالى: {أية : لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِٱلْمَنِّ وَٱلأَذَىٰ} تفسير : [البقرة: 264] أي بما تسمعه من المكروه. ومنه قوله تعالى: {أية : وَدَعْ أَذَاهُمْ} تفسير : [الأحزاب: 48] أي دع أَذَى المنافقين لا تجازِهم إلا أن تؤمر فيهم، وفي الحديث: «وأَميطوا عنه الأَذَى» يعني بـ «الأذى» الشَّعْرَ الذي يكون على رأس الصبيّ حين يولد، يُحلقُ عنه يوم أسْبُوعه، وهي العَقِيقة. وفي حديث الإيمان: «وأدناها إماطة الأذى عن الطريق» أي تنحيته، يعني الشوك والحجر، وما أشبه ذلك مما يتأذى به المارُّ. وقوله تعالى: {أية : وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن كَانَ بِكُمْ أَذًى مِّن مَّطَرٍ} تفسير : [النساء: 102] وسيأتي. السادسة ـ ٱستدل مَن منع وطء المستحاضة بسيلان دمِ الاستحاضة؛ فقالوا: كلُّ دم فهو أذًى؛ يجب غَسلُه من الثوب والبدن؛ فلا فرق في المباشرة بين دمِ الحيضِ والاستحاضة لأنه كلَّه رجس. وأما الصلاة فرُخْصة وردت بها السُّنّة كما يصلَّى بسلس البول، هذا قول إبراهيم النخعيّ وسليمان بن يسار والحكم بن عُيينة وعامر الشَّعْبيّ وٱبن سيرين والزهريّ. وٱختُلف فيه عن الحسن، وهو قول عائشة: لا يأتيها زوجُها؛ وبه قال ٱبن عُلَيّة والمغيرةُ بن عبد الرحمن، وكان من أعلى أصحاب مالك، وأبو مصعب، وبه كان يُفتى. وقال جمهور العلماء: المستحاضة تصوم وتُصلِّي وتطوف وتقرأ، ويأتيها زوجها. قال مالك: أَمْر أهل الفقه والعلم على هذا، وإن كان دمها كثيراً؛ رواه عنه ٱبن وهب. وكان أحمد يقول: أَحَبُّ إليّ ألاّ يطأها إلاَّ أن يطول ذلك بها. وعن ٱبن عباس في المستحاضة: لا بأس أن يصيبها زوجُها وإن كان الدم يسيل على عقبيها. وقال مالك: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إنما ذلك عِرْق وليس بالحيضة»تفسير : . فإذا لم تكن حيضة فما يمنعه أن يصيبها وهي تصلِّي! قال ٱبن عبد البر: لما حكم الله عزّ وجلّ في دم المستحاضة بأنه لا يمنع الصلاةَ وتعبد فيه بعبادة غير عبادة الحائض وجب ألاّ يُحكَم له بشيء من حكم الحيض إلا فيما أجمعوا عليه من غَسله كسائر الدماء. السابعة ـ قوله تعالى: {فَٱعْتَزِلُواْ ٱلنِّسَآءَ فِي ٱلْمَحِيضِ} أي في زمن الحيض، إن حملت المحيض على المصدر، أو في محل الحيض إن حملته على الاسم. ومقصودُ هذا النهي تركُ المجامعة. وقد ٱختلف العلماء في مباشرة الحائض وما يُستَباح منها؛ فرُوي عن ٱبن عباس وعَبيدةَ السَّلْمانيّ أنه يجب أن يعتزِل الرجلُ فِراش زوجته إذا حاضت. وهذا قولٌ شاذ خارجٌ عن قول العلماء. وإن كان عمومُ الآية يقتضيه فالسُّنّة الثابتة بخلافه؛ وقد وقَفَتْ على ٱبن عباس خالتُه ميمونةُ وقالت له: أراغب أنت عن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟! وقال مالك والشافعيّ والأُوزاعيّ وأبو حنيفة وأبو يوسف وجماعةٌ عظيمة من العلماء: له منها ما فوق الإزار؛ حديث : لقوله عليه السلام للسائل حين سأله ـ: ما يَحِلّ لي من ٱمرأتي وهي حائض؟ فقال ـ: «لِتشدّ عليها إزارَها ثم شأنَكَ بأعلاها»تفسير : وقوله عليه السلام لعائشة حين حاضت: «حديث : شُدّي على نفسِك إزارَكِ ثم عودي إلى مضجعك»تفسير : . وقال الثَّوريّ ومحمد بن الحسن وبعض أصحاب الشافعيّ: يجتنب موضعَ الدم؛ لقوله عليه السلام: «حديث : اصنعوا كلّ شيء إلا النكاح»تفسير : . وقد تقدّم. وهو قول داود، وهو الصحيح من قول الشافعيّ. وروى أبو معشر عن إبراهيم عن مسروق قال: سألت عائشة ما يحل لي من ٱمرأتي وهي حائض؟ فقالت: كلُّ شيء إلا الفرج. قال العلماء: مباشرة الحائض وهي مُتَّزرة على الاحتياط والقطع للذريعة، ولأنه لو أباح فخذَيها كان ذلك منه ذَريعة إلى موضع الدم المحرّم بإجماع فأمر بذلك ٱحتياطاً، والمحرَّمُ نفسه موضعُ الدم؛ فتتفق بذلك معاني الآثار، ولا تضادّ، وبالله التوفيق. الثامنة ـ وٱختلفوا في الذي يأتي ٱمرأتَه وهي حائض ماذا عليه، فقال مالك والشافعيّ وأبو حنيفة: يستغفر الله ولا شيء عليه؛ وهو قول ربيعةَ ويحيى ابنِ سعيد، وبه قال داود. ورُوي عن محمد بن الحسن: يتصدّق بنصف دينار. وقال أحمد: ما أحسن حديث عبد الحميد عن مِقْسم عن ٱبن عباس عن النبيّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : يتصدّق بدينار أو نصف دينار»تفسير : . أخرجه أبو داود وقال: هكذا الرواية الصحيحة؛ قال: دينار أو نصف دينار؛ وٱستحبه الطبريُّ. فإن لم يفعل فلا شيء عليه؛ وهو قول الشافعيّ ببغداد. وقالت فرقة من أهل الحديث: إن وطىء في الدّم فعليه دينار، وإن وطىء في ٱنقطاعه فنصف دينار. وقال الأُوزاعي: من وطىء ٱمرأته وهي حائض تصدّق بخُمُسيّ دينار؛ والطُّرُق لهذا كلّه في «سنن أبي داود والدَّارَقُطْنِيّ» وغيرهما. وفي كتاب الترمذي عن ٱبن عباس عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إذا كان دماً أحمرَ فدينارٌ وإن كان دماً أصفرَ فنصفُ دينار»تفسير : . قال أبو عمر: حجة من لم يوجب عليه كفّارةً إلا الإستغفار والتوبةَ ٱضطرابُ هذا الحديث عن ابن عباس، وأن مثلَه لا تقوم به حُجّة، وأن الذمة على البراءة؛ ولا يجب أن يثبت فيها شيء لمسكين ولا غيره إلا بدليل لا مدفعَ فيه ولا مَطعنَ عليه؛ وذلك معدوم في هذه المسألة. التاسعة ـ قوله تعالى: {وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ} قال ٱبن العربي: سمعت الشاشيّ في مجلس النظر يقول: إذا قيل لا تَقْرَب (بفتح الراء) كان معناه: لا تَلَبَّس بالفعل، وإن كان بضم الراء كان معناه: لا تَدْنُ منه. وقرأ نافعٌ وأبو عمرو وابنُ كثير وٱبنُ عامرٍ وعاصمٌ في رواية حفص عنه «يَطْهُرن» بسكون الطاء وضم الهاء. وقرأ حمزةُ والكسائيُّ وعاصمٌ في رواية أبي بكر والمفضَّل «يَطَّهَّرن» بتشديد الطاء والهاء وفتحهما. وفي مصحف أُبَيّ وعبد الله «يتطهرن». وفي مصحف أنِس بنِ مالكٍ «ولا تقربوا النساء في مَحِيضهنّ وٱعتزلوهن حتى يتطهرن». ورجح الطبريّ قراءةَ تشديد الطاء، وقال: هي بمعنى يغتسلن، لإجماع الجميع على أن حراماً على الرجل أن يقرب ٱمرأته بعد ٱنقطاع الدّم حتى تطهر. قال: وإنما الخلاف في الطهر ما هو؛ فقال قوم: هو الاغتسال بالماء. وقال قوم: هو وضُوء كوضوء الصلاة. وقال قوم: هو غسل الفرج؛ وذلك يُحلّها لزوجها وإن لم تغتسل من الحيضة؛ ورجّح أبو عليّ الفارسيّ قراءة تخفيف الطاء، إذ هو ثُلاثِيُّ مضادُّ لطِمث وهو ثلاثيّ. العاشرة ـ قوله تعالى: {فَإِذَا تَطَهَّرْنَ} يعني بالماء؛ وإليه ذهب مالك وجمهور العلماء، وأن الطهر الذي يَحِلّ به جماعُ الحائض الذي يذهب عنها الدّمُ هو تطهرها بالماء كطُهْر الجنب، ولا يجزىء من ذلك تيممٌ ولا غيرُه، وبه قال مالك والشافعيّ والطبريّ ومحمدُ بن مسلمة وأهل المدينة وغيرُهم. وقال يحيى ابن بكير ومحمد بن كعب القُرَظيّ: إذا طهرت الحائض وتيممت حيث لا ماءَ حلّت لزوجها وإن لم تغتسل. وقال مجاهد وعِكْرمة وطاوس: ٱنقطاع الدّمِ يحلّها لزوجها، ولكن بأن تتوضأ. وقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد: إن ٱنقطع دمها بعد مضي عشرة أيام جاز له أن يطأها قبل الغسل، وإن كان ٱنقطاعه قبل العشرة لم يجز حتى تغتسل أو يدخل عليها وقت الصلاة. وهذا تحكّم لا وجه له؛ وقد حكموا للحائض بعد ٱنقطاع دمها بحكم الحبس في العدّة وقالوا لزوجها: عليها الرجعةُ ما لم تغتسل من الحيضة الثالثة؛ فعلى قياس قولهم هذا لا يجب أن توطأ حتى تغتسل، مع موافقة أهل المدينة. ودليلُنا أن الله سبحانه علّق الحكم فيها على شرطين: أحدهما ـ ٱنقطاع الدم، وهو قوله تعالى: {حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ}. والثاني ـ الاغتسال بالماء، وهو قوله تعالى: {فَإِذَا تَطَهَّرْنَ} أي يفعلن الغسل بالماء؛ وهذا مثل قوله تعالى: {أية : وَٱبْتَلُواْ ٱلْيَتَامَىٰ حَتَّىٰ إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ}تفسير : [النساء: 6] الآية؛ فعلق الحكم وهو جواز دفع المال على شرطين: أحدهما ـ بلوغ المكلّف النِّكَاحَ. والثاني ـ إيناس الرُّشْد، وكذلك قوله تعالى في المطلقة: {أية : فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىٰ تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ} تفسير : [البقرة: 230] ثم جاءت السنة بٱشتراط العُسَيْلة؛ فوقف التحليل على الأمرين جميعاً، وهو ٱنعقاد النكاح ووجودُ الوطء. ٱحتج أبو حنيفة فقال: إن معنى الآية؛ الغايةُ في الشرط هو المذكور في الغاية قبلها؛ فيكون قولُه: {حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ} مخفّفاً هو بمعنى قوله: {يَطَّهَّرْن} مشدّداً بعينه؛ ولكنه جمع بين اللغتين في الآية؛ كما قال تعالى: {أية : فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُطَّهِّرِينَ} تفسير : [التوبة: 108]. قال الكميت:شعر : وما كانت الأنصارُ فيها أذِلَّةً ولا غُيَّباً فيها إذا الناسُ غُيَّبُ تفسير : وأيضاً فإن القراءتين كالآيتين فيجب أن يُعمل بهما. ونحن نحمل كل واحدة منهما على معنًى، فنحمل المخففة على ما إذا ٱنقطع دَمُها للأَقل؛ فإنا لا نُجوِّز وطأها حتى تغتسل، لأنه لا يؤمن عوده: ونحمل القراءة الأُخرى على ما إذا ٱنقطع دمها للأكثر فيجوز وطؤها وإن لم تغتسل. قال ٱبن العربي: وهذا أقوى ما لَهم؛ فالجواب عن الأوّل: أن ذلك ليس من كلام الفصحاء، ولا ألسن البلغاء؛ فإن ذلك يقتضي التكرار في التعداد، وإذا أمكن حمل اللفظ على فائدة مجردة لم يحمل على التكرار في كلام الناس؛ فكيف في كلام العليم الحكيم! وعن الثاني: أن كل واحدة منهما محمولة على معنى دون معنى الأُخرى؛ فيلزمهم إذا انقطع الدم ألاّ يُحكم لها بحكم الحيض قبل أن تغتسل في الرّجعة، وهم لا يقولون ذلك كما بيناه؛ فهي إذاً حائضٌ، والحائض لا يجوز وطؤها ٱتفاقاً. وأيضاً فإن ما قالوه يقتضي إباحة الوطء عند ٱنقطاع الدم للأكثر وما قلناه يقتضي الحظرَ، وإذا تعارض ما يقتضي الحظرَ وما يقتضي الإباحَة ويُغَلّب باعثاهما غُلِّب باعث الحظر؛ كما قال عليُّ وعثمانُ في الجمع بين الأُختين بِملْك اليمين، أحلتهما آية وحرمتهما أُخرى، والتحريم أولى. والله أعلم. الحادية عشرة ـ وٱختلف علماؤنا في الكتابية هل تُجبر على الاغتسال أم لا؛ فقال مالك في رواية ٱبن القاسم: نعم؛ ليحِلَّ للزوج وطؤها؛ قال الله تعالى: {وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ} يقول بالماء، ولم يخُصّ مسلمة من غيرها. ورَوى أشهبُ عن مالك أنها لا تجبر على الاغتسال من المحيض؛ لأنها غير معتقدة لذلك؛ لقوله تعالى: {أية : وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ فِيۤ أَرْحَامِهِنَّ إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ} تفسير : [البقرة: 228] وهو الحيض والحمل، وإنما خاطب الله عزّ وجلّ بذلك المؤمنات، وقال: {أية : لاَ إِكْرَاهَ فِي ٱلدِّينِ} تفسير : [البقرة: 256] وبهذا كان يقول محمود بنُ عبد الحكم. الثانية عشرة ـ وصفة غسل الحائض صفة غسلها من الجنابة، وليس عليها نَقض شعرها في ذلك؛ لما رواه مسلم حديث : عن أُمّ سَلَمة قالت قلت: يا رسول الله، إني أشُدُّ ضَفْرَ رأسي أفأنقضه لغسل الجنابة؟ قال: «لا إنما يكفيك أن تَحْثى على رأسِك ثلاثَ حَثَياتٍ ثم تُفيضين عليكِ الماءَ فَتطهرِين» وفي رواية: أفأنقضه للحيضة والجنابة؟ فقال: «لا» زاد أبو داود: «وٱغْمِزِي قرونَك عند كل حَفْنةٍ» تفسير : الثالثة عشرة ـ قوله تعالى: {فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ ٱللَّهُ} أي فجامعوهنّ. وهو أمر إباحة، وكَنَى بالإتيان عن الوطء، وهذا الأمر يُقوِّي ما قلناه من أن المراد بالتطهر الغسل بالماء؛ لأن صيغة الأمر من الله تعالى لا تقع إلا على الوجه الأكمل. والله أعلم. و «من» بمعنى في، أي في حيث أمركم الله تعالى وهو القُبُل؛ ونظيره قوله تعالى: {أية : أَرُونِي مَاذَا خَلَقُواْ مِنَ ٱلأَرْضِ} تفسير : [فاطر: 40] أي في الأرض،: وقوله: {أية : إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِن يَوْمِ ٱلْجُمُعَةِ} تفسير : [الجمعة: 9] أي في يوم الجمعة. وقيل: المعنى؛ أي من الوجه الذي أُذِن لكم فيه، أي من غير صوم وإحرام وٱعتكاف؛ قاله الأصم. وقال ٱبن عباس وأبو رزين: من قِبل الطهر لا من قبل الحيض؛ وقاله الضحاك. وقال محمد بن الحنفية: المعنى من قبل الحلال لا من قبل الزنى. الرابعة عشرة ـ قوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلتَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ ٱلْمُتَطَهِّرِينَ} ٱختلف فيه؛ فقيل: التوابون من الذنوب والشرك. والمتطهرون أي بالماء من الجنابة والأحداث؛ قاله عطاء وغيره. وقال مجاهد: من الذنوب؛ وعنه أيضاً: من إتيان النساء في أدبارهنّ. ٱبن عطية: كأنه نظر إلى قوله تعالى حكاية عن قوم لوط: {أية : أَخْرِجُوهُمْ مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ} تفسير : [الأعراف: 82]. وقيل: المتطهرون الذين لم يُذنبوا. فإن قيل: كيف قدم بالذكر الذي أذنب على من لم يذنب؛ قيل: قدَّمه لئلا يقنط التائب من الرحمة ولا يعجب المتطهر بنفسه؛ كما ذكر في آية أُخرى: {أية : فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِٱلْخَيْرَاتِ} تفسير : [فاطر: 32] على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى.
البيضاوي
تفسير : {وَيَسْـئَلُونَكَ عَنِ ٱلْمَحِيضِ} روي (أن أهل الجاهلية كانوا لا يساكنون الحَيِّضَ ولا يؤاكلونها، كفعل اليهود والمجوس، واستمر ذلك إلى أن سأل أبو الدحداح في نفر من الصحابة عن ذلك فنزلت). والمحيض مصدر كالمجيء والمبيت، ولعله سبحانه وتعالى إنما ذكر يسألونك بغير واو ثلاثاً ثم بها ثلاثاً، لأن السؤالات الأول كانت في أوقات متفرقة والثلاثة الأخيرة كانت في وقت واحد فلذلك ذكرها بحرف الجمع. {قُلْ هُوَ أَذًى} أي الحيض شيء مستقذر مؤذ من يقربه نفرة منه. {فَٱعْتَزِلُواْ ٱلنّسَاء فِي ٱلْمَحِيضِ} فاجتنبوا مجامعتهن لقوله عليه الصلاة والسلام «حديث : إنما أمرتم أن تعتزلوا مجامعتهن إذا حضن ولم يأمركم بإخراجهن من البيوت كفعل الأعاجم».تفسير : وهو الاقتصاد بين إفراط اليهود، وتفريط النصارى فإنهم كانوا يجامعوهن ولا يبالون بالحيض. وإنما وصفه بأنه أذى ورتب الحكم عليه بالفاء إشعاراً بأنه العلة. {وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ} تأكيد للحكم وبيان لغايته، وهو أن يغتسلن بعد الانقطاع ويدل عليه صريحاً قراءة حمزة والكسائي وعاصم في رواية ابن عباس {يَطْهُرْنَ} أي يتطهرن بمعنى يغتسلن والتزاماً لقوله: {فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ} فإنه يقتضي تأخير جواز الإتيان عن الغسل. وقال أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه إذا طهرت لأكثر الحيض جاز قربانها قبل الغسل. {مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ ٱللَّهُ} أي المأتي الذي أمركم الله به وحلله لكم. {إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلتَّوَّابِينَ} من الذنوب. {وَيُحِبُّ ٱلْمُتَطَهّرِينَ} أي المتنزهين عن الفواحش والأقذار، كمجامعة الحائض والإِتيان في غير المآتي.
ابن كثير
تفسير : قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا حماد بن سلمة عن ثابت، عن أنس، أن اليهود كانت إذا حاضت المرأة منهم لم يواكلوها، ولم يجامعوها في البيوت، فسأل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله عز وجل: {وَيَسْـأَلُونَكَ عَنِ ٱلْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَٱعْتَزِلُواْ ٱلنِّسَآءَ فِي ٱلْمَحِيضِ وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ} حتى فرغ من الآية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : اصنعوا كل شيء إلا النكاح»تفسير : فبلغ ذلك اليهود، فقالوا: ما يريد هذا الرجل أن يدع من أمرنا شيئاً، إلا خالفنا فيه، فجاء أسيد بن حضير وعباد بن بشر، فقالا: يا رسول الله إن اليهود قالت: كذا وكذا، أفلا نجامعهن؟ فتغير وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ظننا أن قد وجد عليهما، فخرجا، فاستقبلهما هدية من لبن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأرسل في آثارهما، فسقاهما، فعرفا أن لم يجد عليهما، رواه مسلم من حديث حماد بن زيد بن سلمة، فقوله: {فَٱعْتَزِلُواْ ٱلنِّسَآءَ فِي ٱلْمَحِيضِ} يعني: الفرج، لقوله: «حديث : اصنعوا كل شيء إلا النكاح»تفسير : ولهذا ذهب كثير من العلماء أو أكثرهم، إلى أنه يجوز مباشرة الحائض فيما عدا الفرج، قال أبو داود أيضاً: حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد عن أيوب، عن عكرمة، عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد من الحائض شيئاً يلقي على فرجها ثوباً، وقال أبو داود أيضاً: حدثنا القعنبي، حدثنا عبد الله، يعني: ابن عمر بن غانم، عن عبد الرحمن، يعني: ابن زياد، عن عمارة بن غراب: أن عمة له حدثته أنها سألت عائشة قالت: إحدانا تحيض، وليس لها ولزوجها فراش إلا فراش واحد، قالت: أخبرك بما صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل فمضى إلى مسجده، قال أبو داود: تعني: مسجد بيتها، فما انصرف حتى غلبتني عيني، فأوجعه البرد، فقال: «حديث : ادني مني»تفسير : فقلت: إني حائض، فقال: «حديث : اكشفي عن فخذيك»تفسير : فكشفتُ فخذي، فوضع خده وصدره على فخذي، وحنيت عليه حتى دفىء ونام صلى الله عليه وسلم وقال أبو جعفر بن جرير: حدثنا ابن بشار حدثنا عبد الوهاب، حدثنا أيوب عن كتاب أبي قلابة، أن مسروقاً ركب إلى عائشة، فقال: السلام على النبي وعلى أهله، فقالت عائشة: مرحباً مرحباً، فأذنوا له، فدخل فقال: إني أريد أن أسألك عن شيء وأنا أستحي، فقالت: إنما أنا أمك وأنت ابني، فقال: ما للرجل من امرأته وهي حائض؟ فقالت له: كل شيء إلا فرجها. ورواه أيضاً عن حميد بن مسعدة، عن يزيد بن زريع، عن عيينة بن عبد الرحمن بن جوشن، عن مروان الأصفر، عن مسروق قال: قلت لعائشة: ما يحل للرجل من امرأته إذا كانت حائضاً؟ قالت: كل شيء إلا الجماع. وهذا قول ابن عباس ومجاهد والحسن وعكرمة، وروى ابن جرير أيضاً عن أبي كريب عن ابن أبي زائدة، عن حجاج، عن ميمون بن مهران، عن عائشة، قالت له: ما فوق الإزار. (قلت): ويحل مضاجعتها ومواكلتها بلا خلاف، قالت عائشة: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرني فأغسل رأسه وأنا حائض، وكان يتكىء في حجري، وأنا حائض، فيقرأ القرآن. وفي الصحيح عنها، قالت: كنت أتعرق العرق وأنا حائض، فأعطيه النبي صلى الله عليه وسلم فيضع فمه في الموضع الذي وضعت فمي فيه، وأشرب الشراب، فأناوله، فيضع فمه في الموضع الذي كنت أشرب منه. وقال أبو داود: حدثنا مسدد، حدثنا يحيى عن جابر بن صبح، سمعت خلاساً الهجري قال: سمعت عائشة تقول: كنت أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم في الشعار الواحد، وأنا حائض طامث، فإن أصابه مني شيء، غسل مكانه لم يَعْدُه، وإن أصابه - يعني ثوبه - شيء، غسل مكانه لم يعده، وصلى فيه، فأما ما رواه أبو داود: حدثنا سعيد بن عبد الجبار، حدثنا عبد العزيز، يعني: ابن محمد، عن أبي اليمان، عن أم ذرة، عن عائشة أنها قالت: كنت إذا حضت نزلت عن المثال على الحصير، فلم تقرب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم تدن منه حتى تطهر، فهو محمول على التنزه والاحتياط. وقال آخرون: إنما تحل له مباشرتها فيما عدا ما تحت الإزار، كما ثبت في الصحيحين عن ميمونة بنت الحارث الهلالية قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يباشر امرأة من نسائه أمرها فاتزرت وهي حائض، وهذا لفظ البخاري، ولهما عن عائشة نحوه، وروى الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه من حديث العلاء، عن حزام بن حكيم، عن عمه عبد الله بن سعد الأنصاري أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يحل لي من امرأتي وهي حائض؟ قال: «حديث : ما فوق الإزار»تفسير : . ولأبي داود أيضاً عن معاذ بن جبل، قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عما يحل لي من امرأتي وهي حائض؟ قال: «حديث : ما فوق الإزار، والتعفف عن ذلك أفضل»تفسير : وهو رواية عن عائشة كما تقدم وابن عباس وسعيد بن المسيب وشريح. فهذه الأحاديث وما شابهها حجة من ذهب إلى أنه يحل ما فوق الإزار منها، وهو أحد القولين في مذهب الشافعي رحمه الله، الذي رجحه كثير من العراقيين وغيرهم، ومأخذهم أنه حريم الفرج، فهو حرام؛ لئلا يتوصل إلى تعاطي ما حرم الله عز وجل الذي أجمع العلماء على تحريمه، وهو المباشرة في الفرج. ثم من فعل ذلك فقد أثم، فيستغفر الله ويتوب إليه. وهل يلزمه مع ذلك كفارة أم لا؟ فيه قولان: (أحدهما): نعم؛ لما رواه الإمام أحمد وأهل السنن عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم في الذي يأتي امرأته وهي حائض، يتصدق بدينار أو نصف دينار، وفي لفظ للترمذي: «حديث : إذا كان دماً أحمر فدينار، وإن كان دماً أصفر فنصف دينار»تفسير : وللإمام أحمد أيضاً عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل في الحائض تصاب ديناراً، فإن أصابها وقد أدبر الدم عنها ولم تغتسل، فنصف دينار. (والقول الثاني): وهو الصحيح الجديد من مذهب الشافعي وقول الجمهور أنه لا شيء في ذلك، بل يستغفر الله عز وجل؛ لأنه لم يصح عندهم رفع هذا الحديث، فإنه قد روي مرفوعاً كما تقدم، وموقوفاً، وهو الصحيح عند كثير من أئمة الحديث، فقوله تعالى: {وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ} تفسير قوله: {فَٱعْتَزِلُواْ ٱلنِّسَآءَ فِي ٱلْمَحِيضِ} ونهى عن قربانهن بالجماع ما دام الحيض موجوداً، ومفهومه حله إذا انقطع. قال الإمام أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل فيما أملاه في الطاعة: وقوله: {وَيَسْـأَلُونَكَ عَنِ ٱلْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَٱعْتَزِلُواْ ٱلنِّسَآءَ فِي ٱلْمَحِيضِ وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ} الآية، الطهر يدل على أن يقربها؛ فلما قالت ميمونة وعائشة: كانت إحدانا إذا حاضت اتزرت ودخلت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في شعاره، دل ذلك على أنه إنما أراد الجماع. وقوله: {فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ ٱللَّهُ} فيه ندب وإرشاد إلى غشيانهن بعد الاغتسال. وذهب ابن حزم إلى وجوب الجماع بعد كل حيضة؛ لقوله: {فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ ٱللَّهُ} وليس له في ذلك مستند؛ لأن هذا أمر بعد الحظر، وفيه أقوال لعلماء الأصول، منهم من يقول: إنه على الوجوب كالمطلق وهؤلاء يحتاجون إلى جواب ابن حزم، ومنهم من يقول: إنه للإباحة، ويجعلون تقدم النهي عليه قرينة صارفة له من الوجوب، وفيه نظر، والذي ينهض عليه الدليل أنه يرد عليه الحكم إلى ما كان عليه الأمر قبل النهي، فإن كان واجباً، فواجب كقوله: {أية : فَإِذَا ٱنسَلَخَ ٱلأَشْهُرُ ٱلْحُرُمُ فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ}تفسير : [التوبة: 5] أو مباحاً فمباح؛ كقوله: {أية : وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَٱصْطَـٰدُواْ}تفسير : [المائدة: 2] {أية : فَإِذَا قُضِيَتِ ٱلصَّلَوٰةُ فَٱنتَشِرُواْ فِى ٱلأَرْضِ}تفسير : [الجمعة: 10] وعلى هذا القول تجتمع الأدلة، وقد حكاه الغزالي وغيره، فاختاره بعض أئمة المتأخرين، وهو الصحيح. وقد اتفق العلماء على أن المرأة إذا انقطع حيضها لا تحل حتى تغتسل بالماء، أو تتيمم إن تعذر ذلك عليها بشرطه، إلا أن أبا حنيفة رحمه الله يقول، فيما إذا انقطع دمها لأكثر الحيض، وهو عشرة أيام عنده: إنها تحل بمجرد الانقطاع، ولا تفتقر إلى غسل، والله أعلم، وقال ابن عباس: {حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ} أي: من الدم {فَإِذَا تَطَهَّرْنَ} أي: بالماء، وكذا قال مجاهد وعكرمة والحسن ومقاتل بن حيان والليث بن سعد وغيرهم. وقوله: {مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ ٱللَّهُ} قال ابن عباس ومجاهد وغير واحد: يعني الفرج. قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: {فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ ٱللَّهُ} يقول: في الفرج، ولا تعدوه إلى غيره، فمن فعل شيئاً من ذلك فقد اعتدى. وقال ابن عباس ومجاهد وعكرمة: {مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ ٱللَّهُ} أن تعتزلوهن، وفيه دلالة حينئذ على تحريم الوطء في الدبر، كما سيأتي تقريره قريباً إن شاء الله تعالى. وقال أبو رزين وعكرمة والضحاك وغير واحد: {فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ ٱللَّهُ} يعني: طاهرات غير حيّض، ولهذا قال: {إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلتَّوَٰبِينَ} أي: من الذنب، وإن تكرر غشيانه {وَيُحِبُّ ٱلْمُتَطَهِّرِينَ} أي: المتنزهين عن الأقذار والأذى، وهو ما نهوا عنه من إتيان الحائض، أو في غير المأتي. وقوله: {نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ} قال ابن عباس: الحرث: موضع الولد {فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّىٰ شِئْتُمْ} أي: كيف شئتم مقبلة ومدبرة في صمام واحد، كما ثبت بذلك الأحاديث، قال البخاري: حدثنا أبو نعيم، حدثنا سفيان عن ابن المنكدر، قال: سمعت جابراً قال: كانت اليهود تقول: إذا جامعها من ورائها جاء الولد أحول، فنزلت: {نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّىٰ شِئْتُمْ} ورواه مسلم وأبو داود من حديث سفيان الثوري به. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا يونس بن عبد الأعلى، أخبرنا ابن وهب، أخبرني مالك بن أنس وابن جريج وسفيان بن سعيد الثوري: أن محمد بن المنكدر حدثهم: أن جابر بن عبد الله أخبره: أن اليهود قالوا للمسلمين: من أتى امرأة وهي مدبرة، جاء الولد أحول، فأنزل الله: {نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّىٰ شِئْتُمْ} قال ابن جريج في الحديث: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : مقبلة ومدبرة إذا كان ذلك في الفرج»تفسير : وفي حديث بهز بن حكيم بن معاوية بن حيدة القشيري، عن أبيه، عن جده، أنه قال: يا رسول الله نساؤنا، ما نأتي منها وما نذر؟ قال: «حديث : حرثك، ائت حرثك أنى شئت، غير أن لا تضرب الوجه، ولا تقبح، ولا تهجر إلا في البيت»تفسير : الحديث، رواه أحمد وأهل السنن. (حديث آخر) ـ قال ابن أبي حاتم: حدثنا يونس، أخبرنا ابن وهب، أخبرني ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب، عن عامر بن يحيى، عن حنش بن عبد الله، عن عبد الله بن عباس، قال: أتى ناس من حمير إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألوه عن أشياء، فقال له رجل: إني أجب النساء فكيف ترى في؟ فأنزل الله: {نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّىٰ شِئْتُمْ} ورواه الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن غيلان، حدثنا رشدين، حدثني الحسن بن ثوبان عن عامر بن يحيى المغافري عن حنش، عن ابن عباس، قال: أنزلت هذه الآية: {نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ} في أناس من الأنصار أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فسألوه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : ائتها على كل حال إذا كان في الفرج».تفسير : (حديث آخر) ـ قال أبو جعفر الطحاوي في كتابه مشكل الحديث: حدثنا أحمد بن داود بن موسى، حدثنا يعقوب بن كاسب، حدثنا عبد الله بن نافع عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري: أن رجلاً أصاب امرأة في دبرها، فأنكر الناس عليه ذلك، فأنزل الله: {نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ} الآية، ورواه ابن جرير عن يونس، عن يعقوب، ورواه الحافظ أبو يعلى الموصلي عن الحارث بن شريح، عن عبد الله بن نافع به. (حديث آخر) ـ قال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا وهيب، حدثنا عبيد الله بن عثمان بن خثيم عن عبد الله بن سابط، قال: دخلت على حفصة بنت عبد الرحمن بن أبي بكر، فقلت: إني لسائلك عن أمر، وأنا أستحي أن أسألك، قالت: فلا تستحي يا بن أخي، قال: عن إتيان النساء في أدبارهن؟ قالت: حدثتني أم سلمة أن الأنصار كانوا يجبون النساء، وكانت اليهود تقول: إنه من أجبى امرأته، كان ولده أحول، فلما قدم المهاجرون المدينة، نكحوا في نساء الأنصار، فجبوهن، فأبت امرأة أن تطيع زوجها، وقالت: لن تفعل ذلك حتى آتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخلت على أم سلمة، فذكرت لها ذلك، فقالت: اجلسي حتى يأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم استحت الأنصارية أن تسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرجت، فسألته أم سلمة، فقال: «حديث : ادعي الأنصارية» تفسير : فدعتها، فتلا عليها هذه الآية: {نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّىٰ شِئْتُمْ} «حديث : صماماً واحداً»تفسير : . ورواه الترمذي عن بندار، عن ابن مهدي، عن سفيان، عن أبي خثيم به، وقال: حسن. (قلت): وقد روي من طريق حماد بن أبي حنيفة عن أبيه، عن ابن خثيم، عن يوسف بن ماهك، عن حفصة أم المؤمنين أن امرأة أتتها، فقالت: إن زوجي يأتيني مجبية ومستقبلة، فكرهته، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «حديث : لا بأس إذا كان في صمام واحد».تفسير : (حديث آخر) ـ قال الإمام أحمد: حدثنا حسن، حدثنا يعقوب، يعني: القمي، عن جعفر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: جاء عمر بن الخطاب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله هلكت، قال: ما الذي أهلكك؟ قال: حولت رحلي البارحة، قال: فلم يرد عليه شيئاً. قال: فأوحى الله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية: {نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّىٰ شِئْتُمْ} «حديث : أقبل وأدبر واتق الدبر والحيضة»تفسير : . ورواه الترمذي عن عبد بن حميد، عن حسن بن موسى الأشيب، به، وقال: حسن غريب. وقال الحافظ أبو يعلى: حدثنا الحارث بن شريح، حدثنا عبد الله بن نافع، حدثنا هشام بن سعد عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد، قال: أثفر رجل امرأته على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: أثفر فلان امرأته، فأنزل الله عز وجل: {نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّىٰ شِئْتُمْ}. قال أبو داود: حدثنا عبد العزيز بن يحيى أبو الأصبغ، قال: حدثني محمد، يعني ابن سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن أبان بن صالح، عن مجاهد عن ابن عباس، قال: إن ابن عمر قال - والله يغفر له - أوهم، وإنما كان الحي من الأنصار، وهم أهل وثن مع هذا الحي من يهود، وهم أهل كتاب، وكانوا يرون لهم فضلاً عليهم في العلم، فكانوا يقتدون كثيراً من فعلهم، وكان من أمر أهل الكتاب لا يأتون النساء إلا على حرف، وذلك أستر ما تكون المرأة، فكان هذا الحي من الأنصار قد أخذوا بذلك من فعلهم، وكان هذا الحي من قريش يشرحون النساء شرحاً منكراً، ويتلذذون بهن مقبلات ومدبرات ومستلقيات، فلما قدم المهاجرون المدينة، تزوج رجل منهم امرأة من الأنصار، فذهب يصنع بها ذلك، فأنكرته عليه، وقالت: إنما كنا نؤتى على حرف، فاصنع ذلك، وإلا فاجتنبني، فسرى أمرهما، فبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله: {نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّىٰ شِئْتُمْ} أي: مقبلات ومدبرات ومستلقيات، يعني بذلك موضع الولد، تفرد به أبو داود، ويشهد له بالصحة ما تقدم له من الأحاديث، ولا سيما رواية أم سلمة، فإنها مشابهة لهذا السياق، وقد روى هذا الحديث الحافظ أبو القاسم الطبراني من طريق محمد بن إسحاق، عن أبان بن صالح، عن مجاهد، قال: عرضت المصحف على ابن عباس من فاتحته إلى خاتمته، أوقفه عند كل آية منه، وأسأله عنها، حتى انتهيت إلى هذه الآية: {نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّىٰ شِئْتُمْ} فقال ابن عباس: إن هذا الحي من قريش كانوا يشرحون النساء بمكة، ويتلذذون بهن، فذكر القصة بتمام سياقها، وقول ابن عباس إن ابن عمر - والله يغفر له - أوهم، كأنه يشير إلى ما رواه البخاري: حدثنا إسحاق حدثنا النضر بن شميل، أخبرنا ابن عون عن نافع، قال، كان ابن عمر إذا قرأ القرآن لم يتكلم حتى يفرغ منه، فأخذت عليه يوماً، فقرأ سورة البقرة حتى انتهى إلى مكان قال: أتدري فيم أنزلت؟ قلت: لا. قال: أنزلت في كذا وكذا، ثم مضى. وعن عبد الصمد قال: حدثني أبي، حدثنا أيوب عن نافع، عن ابن عمر: {فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّىٰ شِئْتُمْ} قال: أن يأتيها في... هكذا رواه البخاري، وقد تفرد به من هذا الوجه. وقال ابن جرير، حدثني يعقوب، حدثنا ابن علية حدثنا ابن عون عن نافع، قال: قرأت ذات يوم: {نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّىٰ شِئْتُمْ} فقال ابن عمر: أتدري فيم نزلت؟ قلت: لا. قال: نزلت في إتيان النساء في أدبارهن. وحدثني أبو قلابة، حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، حدثني أبي عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر: {فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّىٰ شِئْتُمْ} قال: في الدبر. وروي من حديث مالك عن نافع عن ابن عمر، ولا يصح. وروى النسائي عن محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، عن أبي بكر بن أبي أويس، عن سليمان بن بلال، عن زيد بن أسلم، عن ابن عمر، أن رجلاً أتى امرأته في دبرها، فوجد في نفسه من ذلك وجداً شديداً، فأنزل الله: {نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّىٰ شِئْتُمْ}. قال أبو حاتم الرازي: لو كان هذا عند زيد بن أسلم عن ابن عمر، لما أولع الناس بنافع، وهذا تعليل منه لهذا الحديث. وقد رواه عبد الله بن نافع عن داود بن قيس، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن ابن عمر، فذكره، وهذا الحديث محمول على ما تقدم، وهو أنه يأتيها في قبلها من دبرها؛ لما رواه النسائي عن علي بن عثمان النفيلي عن سعيد بن عيسى، عن الفضل بن فضالة عن عبد الله بن سليمان الطويل، عن كعب بن علقمة، عن أبي النضر، أنه أخبره أنه قال لنافع مولى ابن عمر: إنه قد أكثر عليك القول، أنك تقول عن ابن عمر: إنه أفتى أن تؤتى النساء في أدبارهن، قال: كذبوا عليّ، ولكن سأحدثك كيف كان الأمر، إن ابن عمر عرض المصحف يوماً وأنا عنده حتى بلغ: {نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّىٰ شِئْتُمْ} فقال: يا نافع هل تعلم من أمر هذه الآية؟ قلت: لا. قال، إنا كنا معشر قريش نجبي النساء، فلما دخلنا المدينة، ونكحنا نساء الأنصار، أردنا منهن مثل ما كنا نريد، فإذا هن قد كرهن ذلك، وأعظمنه، وكانت نساء الأنصار قد أخذن بحال اليهود إنما يؤتين على جنوبهن، فأنزل الله: {نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّىٰ شِئْتُمْ} وهذا إسناد صحيح، وقد رواه ابن مردويه عن الطبراني، عن الحسين بن إسحاق، عن زكريا بن يحيى الكاتب العمري، عن مفضل بن فضالة، عن عبد الله بن عياش، عن كعب بن علقمة، فذكره، وقد روينا عن ابن عمر خلاف ذلك صريحاً، وأنه لا يباح ولا يحل كما سيأتي، وإن كان قد نسب هذا القول إلى طائفة من فقهاء المدينة وغيرهم، وعزاه بعضهم إلى الإمام مالك في كتاب السر، وأكثر الناس ينكر أن يصح ذلك عن الإمام مالك رحمه الله. وقد وردت الأحاديث المروية من طرق متعددة بالزجر عن فعله وتعاطيه، فقال الحسن بن عرفة: حدثنا إسماعيل بن عياش عن سهيل بن أبي صالح، عن محمد بن المنكدر، عن جابر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : استحيوا إن الله لا يستحي من الحق، لا يحل أن تأتوا النساء في حشوشهن»تفسير : . وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرحمن، حدثنا سفيان عن عبد الله بن شداد، عن خزيمة بن ثابت، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن يأتي الرجل امرأته في دبرها. (طريق أخرى) قال أحمد: حدثنا يعقوب، سمعت أبي يحدث عن يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد، أن عبيد الله بن الحصين الوالبي حدثه أن عبد الله الواقفي، حدثه أن خزيمة بن ثابت الخطمي، حدثه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : استحيوا إن الله لا يستحي من الحق، لا تأتوا النساء في أعجازهن» تفسير : ورواه النسائي وابن ماجه من طريق عن خزيمة بن ثابت، وفي إسناده اختلاف كثير. (حديث آخر) قال أبو عيسى الترمذي والنسائي: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو خالد الأحمر عن الضحاك بن عثمان، عن مخرمة بن سليمان عن كريب، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا ينظر الله إلى رجل أتى رجلاً أو امرأة في الدبر»تفسير : ثم قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، وهكذا أخرجه ابن حبان في صحيحه، وصححه ابن حزم أيضاً، ولكن رواه النسائي أيضاً عن هناد، عن وكيع، عن الضحاك به موقوفاً. وقال عبد: أخبرنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر عن ابن طاوس، عن أبيه، أن رجلاً سأل ابن عباس عن إتيان المرأة في دبرها، قال: تسألني عن الكفر؟ إسناده صحيح، وكذا رواه النسائي من طريق ابن المبارك عن معمر به نحوه، وقال عبد أيضاً في تفسيره: حدثنا إبراهيم بن الحاكم عن أبيه عن عكرمة، قال: جاء رجل إلى ابن عباس وقال: كنت آتي أهلي في دبرها، وسمعت قول الله: {نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّىٰ شِئْتُمْ} فظننت أن ذلك لي حلال، فقال: يا لكع إنما قوله: {فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّىٰ شِئْتُمْ} قائمة وقاعدة، ومقبلة ومدبرة، في أقبالهن، لا تعدوا ذلك إلى غيره. (حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الصمد، حدثنا هَمَّام حدثنا قتادة عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : الذي يأتي امرأته في دبرها هي اللوطية الصغرى»تفسير : وقال عبد الله بن أحمد: حدثني هدبة، حدثنا همام، قال: سئل قتادة عن الذي يأتي امرأته في دبرها، فقال قتادة: أخبرنا عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : هي اللوطية الصغرى»تفسير : . قال قتادة: وحدثني عقبة بن سعيد القطان عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أبي أيوب، عن عبد الله بن عمرو بن العاص قوله، وهذا أصح، والله أعلم. وكذلك رواه عبد بن حميد عن يزيد بن هارون، عن حميد الأعرج، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو موقوفاً من قوله. (طريق أخرى) قال جعفر الفريابي: حدثنا قتيبة، حدثنا ابن لهيعة عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم، عن أبي عبد الرحمن الحبلي، عن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : سبعة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة، ولا يزكيهم، ويقول: ادخلوا النار مع الداخلين: الفاعل، والمفعول به، والناكح يده، وناكح البهيمة، وناكح المرأة في دبرها، وجامع بين المرأة وابنتها، والزاني بحليلة جاره، ومؤذي جاره حتى يلعنه»تفسير : ابن لهيعة وشيخه ضعيفان. (حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا سفيان عن عاصم، عن عيسى بن حطان، عن مسلم بن سلام، عن علي بن طلق، قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تؤتى النساء في أدبارهن، فإن الله لا يستحي من الحق، وأخرجه أحمد أيضاً عن أبي معاوية وأبي عيسى الترمذي من طريق أبي معاوية أيضاً، عن عاصم الأحول به، وفيه زيادة، وقال: هو حديث حسن، ومن الناس من يورد هذا الحديث في مسند علي بن أبي طالب كما وقع في مسند الإمام أحمد بن حنبل، والصحيح أنه علي بن طلق. (حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر عن سهيل بن أبي صالح، عن الحارث بن مخلد، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن الذي يأتي امرأته في دبرها لا ينظر الله إليه»تفسير : . وقال أحمد أيضاً: حدثنا عفان، حدثنا وهيب، حدثنا سهيل عن الحارث بن مخلد، عن أبي هريرة يرفعه، قال: «حديث : لا ينظر الله إلى رجل جامع امرأته في دبرها»تفسير : ، وكذا رواه ابن ماجه من طريق سهيل. وقال أحمد أيضاً: حدثنا وكيع عن سهيل بن أبي صالح، عن الحارث بن مخلد، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ملعون من أتى امرأته في دبرها»تفسير : ، وهكذا رواه أبو داود والنسائي من طريق وكيع به. (طريق أخرى) قال الحافظ أبو نعيم الأصبهاني: أخبرنا أحمد بن القاسم بن الريان، حدثنا أبو عبد الرحمن النسائي، حدثنا هناد ومحمد بن إسماعيل، واللفظ له، قالا: حدثنا وكيع، حدثنا سفيان عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ملعون من أتى امرأة في دبرها»تفسير : ليس هذا الحديث هكذا في سنن النسائي، وإنما الذي فيه: عن سهيل عن الحارث بن مخلد كما تقدم، قال شيخنا الحافظ أبو عبد الله الذهبي: ورواية أحمد بن القاسم بن الريان هذا الحديث بهذا السند وهم منه، وقد ضعفوه. (طريق أخرى) ـ رواها مسلم بن خالد الزنجي عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : ملعون من أتى النساء في أدبارهن»تفسير : ومسلم بن خالد فيه كلام، والله أعلم. (طريق أخرى) ـ رواها الإمام أحمد وأهل السنن من حديث حماد ابن سلمة عن حكيم الأثرم، عن أبي تميمة الهجيمي، عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : من أتى حائضاً أو امرأة في دبرها، أو كاهناً فصدقه، فقد كفر بما أنزل على محمد»تفسير : وقال الترمذي: ضعف البخاري هذا الحديث، والذي قاله البخاري في حديث الترمذي عن أبي تميمة: لا يتابع على حديثه. (طريق أخرى) - قال النسائي: حدثنا عثمان بن عبد الله، حدثنا سليمان بن عبد الرحمن من كتابه عن عبد الملك بن محمد الصنعاني، عن سعيد بن عبد العزيز، عن الزهري، عن أبي سلمة رضي الله عنه، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : استحيوا من الله حق الحياء، لا تأتوا النساء في أدبارهن»تفسير : تفرد به النسائي من هذا الوجه. قال حمزة بن محمد الكناني الحافظ: هذا حديث منكر باطل من حديث الزهري ومن حديث أبي سلمة ومن حديث سعيد، فإن كان عبد الملك سمعه من سعيد، فإنما سمعه بعد الاختلاف، وقد رواه الترمذي عن أبي سلمة أنه كان ينهى عن ذلك، فأما عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم فلا. انتهى كلامه، وقد أجاد وأحسن الانتقاد، إلا أن عبد الملك بن محمد الصنعاني لا يعرف أنه اختلط، ولم يذكر ذلك أحد غير حمزة عن الكناني، وهو ثقة، ولكن تكلم فيه دحيم وأبو حاتم وابن حبان، وقال: لا يجوز الاحتجاج به، والله أعلم. وقد تابعه زيد بن يحيى بن عبيد عن سعيد ابن عبد العزيز. وروي من طريقين آخرين عن أبي سلمة، ولا يصح منها كل شيء. (طريق أخرى) - قال النسائي: حدثنا إسحاق بن منصور، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان الثوري، عن ليث بن أبي سليم، عن مجاهد، عن أبي هريرة، قال: إتيان الرجال النساء في أدبارهن كفر، ثم رواه عن بندار عن عبد الرحمن به، قال: من أتى امرأة في دبرها وتلك كفر، هكذا رواه النسائي من طريق الثوري عن ليث، عن مجاهد، عن أبي هريرة موقوفاً، وكذا رواه من طريق علي ابن بَذِيمة عن مجاهد، عن أبي هريرة موقوفاً، ورواه بكر بن خنيس عن ليث، عن مجاهد، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : من أتى شيئاً من الرجال والنساء في الأدبار فقد كفر»تفسير : والموقوف أصح، وبكر بن خنيس ضعفه غير واحد من الأئمة، وتركه آخرون. (حديث آخر) - قال محمد بن أبان البلخي: حدثنا وكيع، حدثني زمعة بن صالح عن ابن طاوس، عن أبيه، وعن عمرو ابن دينار، عن عبيد الله بن يزيد بن الهاد، قالا: قال عمر بن الخطاب: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن الله لا يستحي من الحق، لا تأتوا النساء في أدبارهن»تفسير : وقد رواه النسائي: حدثنا سعيد بن يعقوب الطالقاني عن عثمان بن اليمان عن زمعة بن صالح، عن ابن طاوس عن أبيه، عن ابن الهاد، عن عمر، قال: لا تأتوا النساء في أدبارهن. وحدثنا إسحاق بن إبراهيم، حدثنا يزيد بن أبي حكيم عن زمعة بن صالح، عن عمرو بن دينار، عن طاوس، عن عبد الله ابن الهاد الليثي، قال: قال عمر رضي الله عنه: استحيوا من الله، فإن الله لا يستحي من الحق، لا تأتوا النساء في أدبارهن، والموقوف أصح. (حديث آخر) - قال الإمام أحمد: حدثنا غندر ومعاذ بن معاذ، قالا: حدثنا شعبة عن عاصم الأحول عن عيسى بن حطان، عن مسلم بن سلام، عن طلق بن يزيد أو يزيد بن طلق، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن الله لا يستحي من الحق، لا تأتوا النساء في أستاههن»تفسير : وكذا رواه غير واحد عن شعبة، ورواه عبد الرزاق عن معمر، عن عاصم الأحول، عن عيسى بن حطان، عن مسلم بن سلام، عن طلق بن علي، والأشبه أنه علي بن طلق كما تقدم، والله أعلم. (حديث آخر) - قال أبو بكر الأثرم في سننه: حدثنا أبو مسلم الجَذْمي، حدثنا أخو أنيس بن إبراهيم، أن أباه إبراهيم بن عبد الرحمن بن القعقاع أخبره عن أبيه أبي القعقاع، عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : محاش النساء حرام»تفسير : وقد رواه إسماعيل بن علية وسفيان الثوري وشعبة وغيرهم عن أبي عبد الله الشقري، واسمه سلمة بن تمام، ثقة، عن أبي القعقاع عن ابن مسعود موقوفاً وهو أصح. (طريق أخرى) - قال ابن عدي: حدثنا أبو عبد الله المحاملي، حدثنا سعيد بن يحيى الأموي، حدثنا محمد بن حمزة، عن زيد بن رفيع، عن أبي عبيدة، عن عبد الله، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا تأتوا النساء في أعجازهن»تفسير : محمد بن حمزة هو الجزري وشيخه فيهما مقال. وقد روي من حديث أبي بن كعب والبراء بن عازب وعقبة بن عامر وأبي ذر وغيرهم، وفي كل منها مقال لا يصح معه الحديث، والله أعلم. وقال الثوري، عن الصلت بن بهرام، عن أبي المعتمر، عن أبي جويرية، قال: سأل رجل علياً عن إتيان المرأة في دبرها، فقال: سفلت، سفل الله بك، ألم تسمع قول الله عز وجل: {أية : أَتَأْتُونَ ٱلْفَـٰحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّن ٱلْعَـٰلَمِينَ}تفسير : [الأعراف: 80]. وقد تقدم قول ابن مسعود وأبي الدرداء وأبي هريرة وابن عباس وعبد الله بن عمرو في تحريم ذلك، وهو الثابت بلا شك عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه يحرمه. قال أبو محمد عبد الرحمن بن عبد الله الدارمي في مسنده: حدثنا عبد الله بن صالح، حدثنا الليث عن الحارث بن يعقوب، عن سعيد بن يسار أبي الحباب، قال: قلت لابن عمر: ما تقول في الجواري، أيحمض لهن؟ قال: وما التحميض؟ فذكر الدبر، فقال: وهل يفعل ذلك أحد من المسلمين؟ وكذا رواه ابن وهب وقتيبة عن الليث به وهذا إسناد صحيح ونص صريح منه بتحريم ذلك. فكل ما ورد عنه مما يحتمل فهو مردود إلى هذا المحكم. قال ابن جرير: حدثني عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم، حدثنا أبو زيد أحمد بن عبد الرحمن بن أحمد بن أبي الغَمْر، حدثني عبد الرحمن بن القاسم عن مالك بن أنس، أنه قيل له: يا أبا عبد الله إن الناس يروون عن سالم بن عبد الله أنه قال: كذب العبد أو العلج على أبي عبد الله، قال مالك: أشهد علىٰ يزيد بن رومان أنه أخبرني عن سالم بن عبد الله عن ابن عمر مثل ما قال نافع. فقيل له: فإن الحارث بن يعقوب يروي عن أبي الحباب سعيد بن يسار أنه سأل ابن عمر فقال له: يا أبا عبد الرحمن إنا نشتري الجواري، أفنحمض لهن؟ فقال: وما التحميض؟ فذكر له الدبر، فقال ابن عمر: أف أف وهل يفعل ذلك مؤمن؟ أو قال: مسلم؟ فقال مالك: أشهد على ربيعة لأخبرني عن أبي الحباب عن ابن عمر مثل ما قال نافع. وروى النسائي عن الربيع بن سليمان، عن أصبغ بن الفرج الفقيه، حدثنا عبد الرحمن بن القاسم، قال: قلت لمالك: إن عندنا بمصر الليث بن سعد يحدث عن الحارث بن يعقوب عن سعيد بن يسار قال: قلت لابن عمر: إنا نشتري الجواري، أفنحمض لهن؟ قال: وما التحميض؟ قلت: نأتيهن في أدبارهن، فقال: أف أف، أو يعمل هذا مسلم؟ فقال لي مالك: فأشهد على ربيعة لحدّثني عن سعيد بن يسار، أنه سأل ابن عمر، فقال: لا بأس به. وروى النسائي أيضاً من طريق يزيد بن رومان، عن عبيد الله بن عبد الله: أن ابن عمر كان لا يرى بأساً أن يأتي الرجل المرأة في دبرها. وروى معمر بن عيسى عن مالك أن ذلك حرام. وقال أبو بكر بن زياد النيسابوري: حدثني إسماعيل ابن حسين، حدثني إسرائيل بن روح، سألت مالك بن أنس: ما تقول في إتيان النساء في أدبارهن؟ قال: ما أنتم إلا قوم عرب، هل يكون الحرث إلا موضع الزرع، لا تعدوا الفرج، قلت: يا أبا عبد الله إنهم يقولون: إنك تقول ذلك. قال: يكذبون علي، يكذبون علي. فهذا هو الثابت عنه، وهو قول أبي حنيفة والشافعي وأحمد بن حنبل وأصحابهم قاطبة، وهو قول سعيد بن المسيب وأبي سلمة وعكرمة وطاوس وعطاء وسعيد بن جبير وعروة بن الزبير ومجاهد بن جبر والحسن وغيرهم من السلف، أنهم أنكروا ذلك أشد الأنكار، ومنهم من يطلق على فعله الكفر، وهو مذهب جمهور العلماء، وقد حكي في هذا شيء عن بعض فقهاء المدينة حتى حكوه عن الإمام مالك، وفي صحته نظر، قال الطحاوي: روى أصبغ بن الفرج عن عبد الرحمن بن القاسم، قال: ما أدركت أحداً أقتدي به في ديني يشك أنه حلال، يعني: وطء المرأة في دبرها، ثم قرأ: {نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ} ثم قال: فأي شيء أبين من هذا؟ هذه حكاية الطحاوي، وقد روى الحاكم والدارقطني والخطيب البغدادي عن الإمام مالك من طرق ما يقتضي إباحة ذلك، ولكن في الأسانيد ضعف شديد، وقد استقصاها شيخنا الحافظ أبو عبد الله الذهبي في جزء جمعه في ذلك، والله أعلم. وقال الطحاوي: حكى لنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، أنه سمع الشافعي يقول: ما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم في تحليله ولا تحريمه شيء، والقياس أنه حلال. وقد روى ذلك أبو بكر الخطيب عن أبي سعيد الصيرفي عن أبي العباس الأصم: سمعت محمد بن عبد الله بن عبد الحكم سمعت الشافعي يقول، فذكره، قال أبو نصر الصباغ: كان الربيع يحلف بالله لا إله إلا هو، لقد كذب - يعني ابن عبد الحكم - على الشافعي في ذلك، لأن الشافعي نص على تحريمه في ستة كتب من كتبه، والله أعلم. وقوله: {وَقَدِّمُواْ لأَِنفُسِكُمْ} أي: من فعل الطاعات، مع امتثال ما أنهاكم عنه من ترك المحرمات، ولهذا قال: {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّكُم مُّلَـٰقُوهُ} أي: فيحاسبكم على أعمالكم جميعها {وَبَشِّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ} أي: المطيعين الله فيما أمرهم، التاركين ما عنه زجرهم. وقال ابن جرير: حدثنا القاسم، حدثنا الحسين، حدثني محمد بن عبد الله بن واقد، عن عطاء، قال: أراه عن ابن عباس {وَقَدِّمُواْ لأَِنفُسِكُمْ} قال: تقول: باسم الله، التسمية عند الجماع، وقد ثبت في صحيح البخاري عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لو أن أحدكم إذا أراد أن يأتي أهله، قال: باسم الله، اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا، فإنه إن يقدر بينهما ولد في ذلك، لن يضره الشيطان أبداً».
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ ٱلْمَحِيضِ } أي الحيض أو مكانه ماذا يُفعل بالنساء فيه؟{قُلْ هُوَ أَذًى } قذر أو محله {فَٱعْتَزِلُواْ ٱلنِّسَآءَ } اتركوا وطأهنّ {فِي ٱلْمَحِيضِ } أي وقته أو مكانه {وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ } بالجماع {حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ } بسكون الطاء وتشديدها [يطّهّرن]والهاء وفيه إدغام التاء في الأصل في الطاء أي يغتسلن بعد انقطاعه {فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ } بالجماع {مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ ٱللَّهُ } وبتجنبه في الحيض وهو القُبُل ولا تعدوه إلى غيره {إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ } يثيب ويكرم {ٱلتَّوَّابِينَ } من الذنوب {وَيُحِبُّ ٱلْمُتَطَهّرِينَ } من الأقذار.
الشوكاني
تفسير : قوله: {ٱلْمَحِيضِ } هو: الحيض، وهو مصدر، يقال: حاضت المرأة حيضاً، ومحيضاً، فهي حائض، وحائضة، كذا قال الفراء، وأنشد:شعر : كحائضة تُزْنَي بها غير طاهرة تفسير : ونساء حُيَّض، وحوائض، والحِيضة بالكسر: المرة الواحدة وقيل: الاسم، وقيل: المحيض عبارة عن الزمان، والمكان، وهو مجاز فيهما، وقال ابن جرير الطبري: المحيض اسم الحيض، ومثله قول رؤبة:شعر : إليك أشكو شدة المعيش تفسير : أي العيش، وأصل هذه الكلمة من السيلان، والانفجار يقال: حاض السيل وفاض، وحاضت الشجرة: أي: سالت رطوبتها، ومنه الحيض أي: الحوض؛ لأن الماء يحوض إليه، أي: يسيل. وقوله: {قُلْ هُوَ أَذًى } أي: قل هو شيء يتأذى به أي: برائحته. والأذى كناية عن القذر، ويطلق على القول المكروه، ومنه قوله تعالى: {أية : لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَـٰتِكُم بِٱلْمَنّ وَٱلاْذَىٰ }تفسير : [البقرة: 264]، ومنه قوله تعالى: {أية : وَدَعْ أَذَاهُمْ}تفسير : [الأحزاب: 48] وقوله: {فَٱعْتَزِلُواْ ٱلنّسَاء فِي ٱلْمَحِيضِ } أي: فاجتنبوهنّ في زمان المحيض إن حمل المحيض على المصدر، أو في محل الحيض إن حمل على الاسم. والمراد من هذا الاعتزال: ترك المجامعة لا ترك المجالسة، أو الملامسة، فإن ذلك جائز، بل يجوز الاستمتاع منها بما عدا الفرج، أو بما دون الإزار على خلاف في ذلك، وأما ما يروى عن ابن عباس، وعبيدة السلماني أنه يجب على الرجل أن يعتزل فراش زوجته إذا حاضت، فليس ذلك بشيء، ولا خلاف بين أهل العلم في تحريم وطء الحائض، وهو معلوم من ضرورة الدين. قوله: {ولاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ } قرأ نافع، وأبو عمرو، وابن كثير، وابن عامر، وعاصم في رواية حفص عنه بسكون الطاء، وضم الهاء. وقرأ حمزة، والكسائي، وعاصم في رواية أبي بكر: «يطَّهرن» بتشديد الطاء، وفتحها، وفتح الهاء، وتشديدها. وفي مصحف أبيّ، وابن مسعود: «ويتطهرن» والطهر انقطاع الحيض، والتطهر: الاغتسال. وبسبب اختلاف القراء اختلف أهل العلم، فذهب الجمهور إلى أن الحائض لا يحل وطؤها لزوجها، حتى تتطهر بالماء. وقال محمد بن كعب القرظي، ويحيـى بن بكير: إذا طهرت الحائض، وتيمّمت حيث لا ماء حلت لزوجها، وإن لم تغتسل. وقال مجاهد وعكرمة: إن انقطاع الدم يحلها لزوجها، ولكن تتوضأ. وقال أبو حنيفة، وأبو يوسف، ومحمد: إن انقطع دمها بعد مضي عشرة أيام جاز له أن يطأها قبل الغسل، وإن كان انقطاعه قبل العشر لم يجز حتى تغتسل، أو يدخل عليها، وقت الصلاة. وقد رجح ابن جرير الطبري قراءة التشديد، والأولى أن يقال: إن الله سبحانه جعل للحلّ غايتين كما تقتضيه القراءتان: إحداهما: انقطاع الدم، والأخرى: التطهر منه، والغاية الأخرى مشتملة على زيادة على الغاية الأولى، فيجب المصير إليها. وقد دلّ أن الغاية الأخرى هي المعتبرة. قوله تعالى بعد ذلك: {فَإِذَا تَطَهَّرْنَ } فإن ذلك يفيد أن المعتبر التطهر، لا مجرد انقطاع الدم. وقد تقرر أن القراءتين بمنزلة الآيتين، فكما أنه يجب الجمع بين الآيتين المشتملة إحداهما على زيادة بالعمل بتلك الزيادة، كذلك يجب الجمع بين القراءتين. قوله: {فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ ٱللَّهُ } أي: فجامعوهنّ، وكني عنه بالإتيان، والمراد: أنهم يجامعونهنّ في المأتي الذي أباحه الله، وهو: القُبُل قيل: و {مّنْ حَيْثُ } بمعنى: في حيث، كما في قوله تعالى: {أية : إذا نودى للصلاة من يوم الجمعة}تفسير : [الجمعة: 9] أي: في يوم الجمعة، وقوله: {أية : مَاذَا خَلَقُواْ مِنَ ٱلأرْضِ }تفسير : [فاطر: 4] أي: في الأرض، وقيل: إن المعنى من الوجه الذي أذن الله لكم فيه: أي: من غير صوم، وإحرام، واعتكاف، وقيل إن المعنى من قبل الطهر، لا من قبل الحيض، وقيل: من قبل الحلال، لا من قبل الزنا. قوله: {إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلتَّوابِينَ وَيُحِبُّ ٱلْمُتَطَهّرِينَ} قيل: المراد: التوابون من الذنوب، والمتطهرون من الجنابة، والأحداث. وقيل التوابون من إتيان النساء في أدبارهنّ. وقيل: من إتيانهن في الحيض، والأول أظهر. قوله: {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّىٰ شِئْتُمْ } لفظ الحرث يفيد أن الإباحة لم تقع إلا في الفرج الذي هو القبل خاصة؛ إذ هو مزدرع الذرية، كما أن الحرث مزدرع النبات. فقد شبه ما يلقى في أرحامهن من النطف التي منها النسل بما يلقى في الأرض من البذور التي منها النبات بجامع أن كل واحد منهما مادة لما يحصل منه، وهذه الجملة بيان للجملة الأولى، أعني قوله: {فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ ٱللَّهُ }. وقوله: {أَنَّىٰ شِئْتُمْ } أي: من أي جهة شئتم من خلف، وقدام، وباركة، ومستلقية، ومضطجعة، إذا كان في موضع الحرث، وأنشد ثعلب:شعر : إنما الأرحام أرضو ن لنا محترثات فعلينا الزرع فيها وعلى الله النبات تفسير : وإنما عبر سبحانه بقوله: {إِنّى } لكونها أعم في اللغة من كيف، وأين، ومتى. وأما سيبويه، ففسرها ها هنا بـ"كيف"، وقد ذهب الخلف والسلف، من الصحابة، والتابعين، والأئمة إلى ما ذكرناه من تفسير الآية، وأن إتيان الزوجة في دبرها حرام، وروي عن سعيد بن المسيب، ونافع، وابن عمر، ومحمد بن كعب القرظي، وعبد الملك بن الماجشون أنه يجوز ذلك، حكاه عنهم القرطبي في تفسير قال: وحكى ذلك عن مالك في كتاب له يسمى: «كتاب السر» وحذاق أصحاب مالك، ومشايخهم ينكرون ذلك الكتاب، ومالك أجلّ من أن يكون له كتاب سرّ، ووقع هذا القول في العُتْبِيَّة. وذكر ابن العربي أن ابن شعبان أسند جواز ذلك إلى زمرة كبيرة من الصحابة، والتابعين، وإلى مالك من روايات كثيرة في كتاب: «جماع النسوان وأحكام القرآن» وقال الطحاوي: روى أصبغ بن الفرج، عن عبد الرحمن بن القاسم، قال: ما أدركت أحداً أقتدي به في ديني شك في أنه حلال، يعني وطء المرأة في دبرها ثم قرأ: {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ } ثم قال: فأي شيء أبين من هذا. وقد روى الحاكم، والدارقطني، والخطيب البغدادي، عن مالك من طرق ما يقتضي إباحة ذلك. وفي أسانيدها ضعف. وقد روى الطحاوي عن محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، أنه سمع الشافعي يقول: ما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم في تحليله، ولا تحريمه شيء، والقياس أنه حلال. وقد روى ذلك أبو بكر الخطيب. قال ابن الصباغ: كان الربيع يحلف بالله الذي لا إلٰه إلا الله هو لقد كذب ابن عبد الحكم على الشافعي في ذلك، فإن الشافعي نص على تحريمه في ستة كتب من كتبه. قوله: {وَقَدّمُواْ لاِنفُسِكُمْ } أي: خيراً كما في قوله تعالى: {أية : وَمَا تُقَدّمُواْ لأنْفُسِكُم مّنْ خَيْرٍ * تَجِدُواْ * عَندَ ٱللَّهِ }تفسير : [البقرة: 110] وقيل: ابتغاء الولد. وقيل: التزويج بالعفائف. وقيل: غير ذلك. وقوله: {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ } فيه تحذير عن الوقوع في شيء من المحرّمات. وفي قوله: {وَٱعْلَمُواْ أَنَّكُم مُّلَـٰقُوهُ } مبالغة في التحذير. وفي قوله: {وَبَشّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ } تأنيس لمن يفعل الخير ويجتنب الشر. وقد أخرج مسلم، وأهل السنن، وغيرهم، عن أنس: «أن اليهود كانوا إذا حاضت المرأة منهم أخرجوها من البيت، ولم يؤاكلوها، ولم يشاربوها، ولم يجامعوها في البيوت، فسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فأنزل الله: {وَيَسْـئَلُونَكَ عَنِ ٱلْمَحِيضِ } الآية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : جامعوهنّ في البيوت، واصنعوا كل شيء إلا النكاح"تفسير : وأخرج النسائي، والبزار، عن جابر قال: إن اليهود قالوا: من أتى المرأة في دبرها كان ولده أحول فجاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسألوه عن ذلك، وعن إتيان الحائض، فنزلت. وأخرج ابن جرير، عن مجاهد قال: الأذي: الدم. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في سننه عن ابن عباس في قوله: {فَٱعْتَزِلُواْ ٱلنّسَاء } يقول: اعتزلوا نكاح فروجهن. وفي قوله: {وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ } قال: من الدم. وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر عن مجاهد قال: حتى ينقطع الدم. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي عن ابن عباس في قوله: {فَإِذَا تَطَهَّرْنَ } قال: بالماء. وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، عن مجاهد نحوه. وأخرج ابن جرير، عن عكرمة نحوه أيضاً. وأخرج ابن المنذر، عن مجاهد، وعطاء: أنهما قالا: إذا رأت الطهر، فلا بأس أن تستطيب بالماء، ويأتيها قبل أن تغتسل. وأخرج ابن جرير، عن ابن عباس في قوله: {فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ ٱللَّهُ } قال: يعني: أن يأتيها طاهراً غير حائض. وأخرج عبد بن حميد، عن قتادة نحوه. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، عن ابن عباس في قوله: {فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ ٱللَّهُ } قال من حيث أمركم أن تعتزلوهنّ. وأخرج ابن أبي شيبة، عن عكرمة مثله. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، والبيهقي، عن ابن عباس؛ قال: من حيث نهاكم أن تأتوهنّ وهنّ حَيض: يعني: من قبل الفرج. وأخرج ابن أبي شيبة، عن ابن الحنفية قال: {فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ ٱللَّهُ } من قبل التزويج. وأخرج عبد بن حميد، وابن أبي حاتم، عن عطاء في قوله: {يُحِبُّ ٱلتَّوبِينَ } قال: من الذنوب {وَيُحِبُّ ٱلْمُتَطَهّرِينَ } قال: بالماء. وأخرج ابن أبي حاتم، عن الأعمش قال: التوبة من الذنوب، والتطهير من الشرك. وأخرج البخاري، وأهل السنن، وغيرهم عن جابر؛ قال: كانت اليهود تقول: إذا أتى الرجل امرأته من خلفها في قبلها جاء الولد أحول، فنزلت: {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّىٰ شِئْتُمْ } إن شاء محتبية، وإن شاء غير محتبية، غير أن ذلك في صمام واحد. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، عن مُرَّة الهمداني نحوه. وقد روى هذا، عن جماعة من السلف، وصرحوا أنه السبب، ومن الراوين لذلك: عبد الله بن عمر، عند ابن عساكر، وأم سلمة، عند عبد الرزاق، وعبد بن حميد، والبيهقي في الشعب. وأخرجه أيضاً، عنها ابن أبي شيبة، وأحمد، والدارمي، وعبد بن حميد، والترمذي، وحسنه: «أنها سألت رسول الله بعض نساء الأنصار عن التحبية، فتلا عليها الآية، وقال: حديث : صماماً واحداً»تفسير : والصمام: السبيل، وأخرج أحمد، وعبد بن حميد، والترمذي وحسنه، والنسائي، والضياء في المختارة، وغيرهم، عن ابن عباس قال: جاء عمر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله هلكت قال: حديث : وما أهلكك؟ تفسير : قال: حوّلت رحلي الليلة. فلم يردّ عليه شيئاً، فأوحى الله إلى رسوله هذه الآية: {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ } يقول: أقبل، وأدبر، واتق الدُّبُرَ، والحيضة. وأخرج أحمد، عن ابن عباس مرفوعاً: أن هذه الآية نزلت في أناس من الأنصار أتوا النبي صلى الله عليه وسلم، فسألوه فقال: حديث : ائتها على كل حال إذا كان في الفرج. تفسير : وأخرج الدارمي، وأبو داود، وابن جرير، وابن المنذر، والطبراني، والحاكم وصححه، والبيهقي في سننه، عنه قال: إن ابن عمر- والله يغفر له - أوهم، إنما كان هذا الحي من الأنصار، وهم أهل وثن، مع هذا الحيّ من اليهود، وهم أهل الكتاب كانوا يرون لهم، فضلاً عليهم في العلم، فكانوا يقتدون بكثير من فعلهم، فكان من أمر أهل الكتاب لا يأتون النساء إلا على حرف، وذلك أستر ما تكون المرأة، وكان هذا الحيّ من الأنصار قد أخذوا بفعلهم، وكان هذا الحيّ من قريش يشرحون النساء شرحاً، ويتلذذون منهن مقبلات، ومدبرات، ومستلقيات، فلما قدم المهاجرون المدينة تزوج رجل منهم امرأة من الأنصار. فذهب يفعل بها ذلك، فأنكرته عليه، وقالت: إنما كنا نؤتى على حرف، فاصنع ذلك، وإلا فاجتنبني، فسرى أمرهما، فبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله الآية: {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ } يقول مقبلات، ومدبرات بعد أن يكون في الفرج، وإن كان من قبل دبرها في قبلها، زاد الطبراني: قال ابن عباس: قال ابن عمر: في دبرها، فأوهم، والله يغفر له، وإنما كان هذا الحديث على هذا. وأخرج سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، والدارمي، والبيهقي، عن ابن مسعود؛ أنه قال: محاشُّ النساء عليكم حرام. وأخرج الشافعي في الأم، وابن أبي شيبة، وأحمد، والنسائي، وابن ماجه، وابن المنذر، والبيهقي في سننه من طريق خزيمة بن ثابت؛ «أن سائلاً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن إتيان النساء في أدبارهنّ، فقال: حلال، أو لا بأس، فلما ولى دعاه فقال: حديث : كيف قلت؟ أمن دبرها في قبلها، فنعم، أم من دبرها في دبرها فلا، إن الله لا يستحيي من الحق لا تأتوا النساء في أدبارهنّ»تفسير : . وأخرج ابن عدي، والدارقطني، عن جابر بن عبد الله نحوه. وأخرج ابن أبي شيبة، والترمذي وحسنه، والنسائي، وابن حبان عن ابن عباس؛ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا ينظر الله إلى رجل أتى امرأة في الدبر»تفسير : . وأخرج أحمد، والبيهقي في سننه، عن ابن عمرو؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : الذي يأتي امرأته في دبرها هي: اللوطية الصغرى»تفسير : وأخرج أحمد، وأبو داود، والنسائي، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ملعون من أتى امرأته في دبرها».تفسير : وأخرج عبد الرزاق، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، والنسائي، والبيهقي عنه قال: إتيان الرجال، والنساء في أدبارهن كفر. وقد رواه ابن عدي، عن أبي هريرة مرفوعاً. قال ابن كثير: والموقوف أصح. وقد ورد النهي عن ذلك من طرق منها: عند البزار عن عمر مرفوعاً، وعند النسائي عنه موقوفاً، وهو أصح. وعند ابن عدي في الكامل، عن ابن مسعود مرفوعاً، وعند ابن عدي أيضاً، عن عقبة بن عامر مرفوعاً، وعند أحمد عن طلق بن يزيد، أو يزيد بن طلق مرفوعاً، وعند ابن أبي شيبة، وأحمد، والترمذي وحسنه، عن علي بن طلق مرفوعاً، وقد ثبت نحو ذلك عن جماعة من الصحابة، والتابعين مرفوعاً، وموقوفاً، وأخرج البخاري، وغيره عن نافع قال: قرأت ذات يوم: {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ } فقال ابن عمر: أتدري فيم أنزلت هذه الآية؟ قلت: لا، قال نزلت في إتيان النساء في أدبارهنّ. وأخرج البخاري عن ابن عمر أنه قال: {فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّىٰ شِئْتُمْ } قال: في الدبر. وقد روى هذا عن ابن عمر من طرق كثيرة، وفي رواية عند الدارقطني أنه قال له نافع: من دبرها في قبلها؟ فقال لا: إلا في دبرها. وأخرج ابن راهويه، وأبو يعلى، وابن جرير، والطحاوي، وابن مردويه بإسناد حسن عن أبي سعيد الخدري، أن رجلاً أصاب امرأته في دبرها، فأنكر الناس عليه ذلك، فنزلت الآية. وأخرج البيهقي في سننه عن محمد بن علي قال: كنْتُ عند محمد بن كعب القرظي، فجاءه رجل، فقال: ما تقول في إتيان المرأة في دبرها؟ فقال: هذا شيخ من قريش، فسله، يعني عبد الله بن علي بن السائب، فقال: قذر، ولو كان حلالاً. وقد روي القول بحلّ ذلك، عن محمد بن المنكدر، عند ابن جرير، وعن ابن أبي مليكة، عند ابن جرير أيضاً، وعن مالك بن أنس عند ابن جرير، والخطيب، وغيرهما، وعن الشافعي عند الطحاوي، والحاكم والخطيب. وقد قدّمنا مثل هذا. وليس في أقوال هؤلاء حجة البتة: ولا يجوز لأحد أن يعمل على أقوالهم، فإنهم لم يأتوا بدليل يدلّ على الجواز، فمن زعم منهم أنه فهم ذلك من الآية، فقد أخطأ في فهمه. وقد فسرها لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأكابر أصحابه بخلاف ما قاله هذا المخطىء في فهمه كائناً من كان، ومن زعم منهم أن سبب نزول الآية أن رجلاً أتى امرأته في دبرها، فليس في هذا ما يدل على أن الآية أحلت ذلك، ومن زعم ذلك، فقد أخطأ، بل الذي تدل عليه الآية أن ذلك حرام، فكون ذلك هو السبب لا يستلزم أن تكون الآية نازلة في تحليله، فإن الآيات النازلة على أسباب تأتي تارة بتحليل هذا، وتارة بتحريمه. وقد روي عن ابن عباس: أنه فسّر هذه الآية بغير ما تقدّم، فقال: معناها: إن شئتم، فاعزلوا، وإن شئتم، فلا تعزلوا، روى ذلك عنه ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، والضياء في المختارة. وروى نحو ذلك عن ابن عمر. أخرجه ابن أبي شيبة، وعن سعيد بن المسيب، أخرجه ابن أبي شيبة، وابن جرير.
الماوردي
تفسير : قوله تعالى: {وَيَسئَلُونَكَ عَنِ المَحِيضِ قُل هُوَ أَذَىً} قال السدي: السائل كان ثابت بن الدحداح الأنصاري، وكانت العرب ومن في صدر الإسلام من المسلمين يجتنبون مُساكنة الحُيَّض ومؤاكلتهن ومشاربتهن، فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزلت هذه الآية، وهذا قول قتادة. وقال مجاهد: كان يعتزلون الحُيَّض في الفرج، ويأتونهن في أدبارهن مدة حيضهن، فأنزلت هذه الآية، والأذى هو ما يؤذي من نتن ريحه ووزره ونجاسته. {فَاعتَزِلُوا النِسَآءَ فىِ المَحِيضِ} اختلفوا في المراد بالإعتزال على ثلاثة أقاويل: أحدها: اعتزل جميع بدنها أن يباشره بشيء من بدنه، وهذا قول عبيدة السلماني. والثاني: ما بين السرة والركبة, وهذا قول شريح. والثالث: الَفرِج وهذا قول عائشة وميمونه وحفصة وجمهور المفسرين. ثم قال تعالى: { وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطهُرنَ } فيه قراءتان: إحداهما: التخفيف وضم الهاء، وهي قراءة الجمهور، ومعناه بانقطاع الدم وهو قول مجاهد وعكرمة. والثانية: بالتشديد وفتح الهاء، قرأ بها حمزة، والكسائي وعاصم، وفي رواية أبي بكر عنه، ومعناها حتى تغتسل. ثم قال تعالى: {فَإِذَا تَطَهَّرْنَ} يعني بالماء، فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: معناه إذا اغتسلن وهو قول ابن عباس وعكرمة والحسن. والثاني: الوضوء، وهو قول مجاهد، وطاوس. والثالث: غسل الفرج. وفي قوله تعالى: {فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللهُ} أربعة تأويلات: أحدها: القُبُل الذي نهى عنه في حال الحيض، وهو قول ابن عباس. الثاني: فأتوهن من قِبَل طهرهن، لا من قِبَل حيضهن، وهذا قول عكرمة، وقتادة. والثالث: فأتوا النساء من قِبَل النكاح لا من قِبَل الفجور، وهذا قول محمد ابن الحنفية. والرابع: من حيث أحل لكم، فلا تقربوهن محرمات، ولا صائمات ولا معتكفات، وهذا قول الأصم. {إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ المُطَهَرِينَ} فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: المتطهرين بالماء، وهذا قول عطاء. والثاني: يحب المتطهرين من أدبار النساء أن يأتوها، وهذا قول مجاهد. والثالث: يحب المتطهرين من الذنوب، أن لا يعودوا فيها بعد التوبة منها، وهو محكي عن مجاهد أيضاً. قوله تعالى: {نِسَاؤُكُم حَرثٌ لَكُمْ} أي مزدرع أولادكم ومحترث نسلكم، وفي الحرث كناية عن النكاح، {فَأتُوا حَرثَكُمْ} فانكحوا مزدرع أولادكم. {أَنَّى شِئتُمْ} فيه خمسة تأويلات: أحدها: يعني كيف شئتم في الأحوال، روى عبد الله بن علي أن أناساً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، جلسوا يوماً ويهودي قريب منهم، فجعل بعضهم يقول: إني لآتي امرأتي وهي مضطجعة، ويقول الآخر إني لآتيها وهي قائمة، ويقول الآخر: إني لآتيها وهي على جنبها، ويقول الآخر إني لآتيها وهي باركة، فقال اليهودي: ما أنتم إلا أمثال البهائم ولكنا إنما نأتيها على هيئة واحدة، فأنزل الله تعالى هذه الآية وهذا قول عكرمة. والثاني: يعني من أي وجه أحببتم في قُبِلها، أو من دُبْرِها في قُبلها. روى جابر أن اليهود قالوا: إن العرب يأتون النساء من أعجازهن، فإذا فعلوا ذلك جاء الولد أحول، فَأَكْذَبَ الله حديثهم وقال: { نِسَاؤُكُم حَرثٌ لَكُمْ فَأتُوا حَرثَكُمْ أَنَّى شِئتُمْ}، وهذا قول ابن عباس، والربيع. والثالث: يعني من أين شئتم وهو قول سعيد بن المسيب وغيره. والرابع: كيف شئتم أن تعزلوا أو لا تعزلوا، وهذا قول سعيد بن المسيب. والخامس: حيث شئتم من قُبُلٍ، أو من دُبُرٍ، رواه نافع, عن ابن عمر وروى عن غيره. وروى حبيش بن عبد الله الصنعاني، عن ابن عباس أن ناساً من حِمْير أتوا النبي صلى الله عليه وسلم يسألونه عن أشياء، فقال رجل منهم: يا رسول الله: إني رجل أحب النساء، فكيف ترى في ذلك؟ فأنزل الله تعالى في سورة البقرة بيان ما سألوا عنه، فأنزل فيما سأل عنه الرجل: {نِسَاؤُكُم حَرثٌ لَكُمْ فَأتُوا حَرثَكُمْ أَنَّى شِئتُمْ}، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : مُقْبِلةً وَمُدْبِرةً إِذا كان في الفرج ". تفسير : {وَقَدمِوُاْ لأَنفُسِكم} الخير، وهو قول السدي. والثاني: وقدموا لأنفسكم ذكر الله عز وجل عند الجماع، وهو قول ابن عباس.
ابن عطية
تفسير : ذكر الطبري عن السدي أن السائل ثابت بن الدحداح، وقال قتادة وغيره: إنما سألوا لأن العرب في المدينة وما والاها كانوا قد استنوا بسنة بني إسرائيل في تجنب مؤاكلة الحائض ومساكنتها، فنزلت هذه الآية، وقال مجاهد: "كانوا يتجنبون النساء في الحيض ويأتونهن في أدبارهنّ فنزلت الآية في ذلك"، والمحيض مصدر كالحيض، ومثله المَقيل من قال يقيل، قال الراعي: [الكامل]. شعر : بُنِيَتْ مَرَافِقُهنَّ فَوْقَ مَزَلَّةٍ لا يستطيعُ بِهَا القُرَادُ مَقِيلا تفسير : قال الطبري: {المحيض} اسم الحيض، ومنه قول رؤبة في المعيش: [الرجز]. شعر : إليك أشكوا شِدَّةَ المَعِيشِ وَمَرَّ أَعْوامٍ نَتَفْنَ ريشي تفسير : و {أذى} لفظ جامع لأشياء تؤذي لأنه دم وقذر ومنتن من سبيل البول، وهذه عبارة المفسرين للفظة، وقوله تعالى: {فاعتزلوا} يريد جماعهن بما فسر من ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم من أن يشد الرجل إزار الحائض ثم شأنه بأعلاها، وهذا أصح ما ذهب إليه في الأمر، وبه قال ابن عباس وشريح وسعيد بن جبير ومالك وجماعة عظيمة من العلماء، وروي عن مجاهد أنه قال: "الذي يجب اعتزاله من الحائض الفرج وحده" وروي ذلك عن عائشة والشعبي وعكرمة، وروي أيضاً عن ابن عباس وعبيدة السلماني أنه يجب أن يعتزل الرجل فراش زوجته إذا حاضت، وهذا قول شاذ، وقد وقفت ابن عباس عليه خالته ميمونة رضي الله عنهما، وقالت له: أرغبة عن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟. وقوله تعالى: {ولا تقربوهن حتى يطهرن} قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وعاصم في رواية حفص عنه "يطْهُرْنَ" بسكون الطاء وضم الهاء، وقرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية أبي بكر والمفضل عنه "يطَّهَّرْنَ" بتشديد الطاء والهاء وفتحهما، وفي مصحف أبيّ وعبد الله {حتى يتطهرن}، وفي مصحف أنس بن مالك "ولا تقربوا النساء في محيضهن، واعتزلوهن حتى يتطهرن"، ورجح الطبري قراءة تشديد الطاء وقال: هي بمعنى يغتسلن لإجماع الجميع على أن حراماً على الرجل أن يقرب امرأته بعد انقطاع الدم حتى تطهر، قال: وإنما الاختلاف في الطهر ما هو؟ فقال قوم: هو الاغتسال بالماء. وقال قوم: هو وضوء كوضوء الصلاة. وقال قوم: هو غسل الفرج وذلك يحلها لزوجها وإن لم تغتسل من الحيضة. ورجح أبو علي الفارسي قراءة تخفيف الطاء إذ هو ثلاثي مضاد لطمثت، وهو ثلاثي. قال القاضي أبو محمد: وكل واحدة من القراءتين تحتمل أن يراد به الاغتسال بالماء وأن يراد بها انقطاع الدم وزوال أذاه، وما ذهب إليه الطبري من أن قراءة شد الطاء مضمنها الاغتسال وقراءة التخفيف مضمنها انقطاع الدم: أمر غير لازم، وكذلك ادعاؤه الإجماع، أما إنه لا خلاف في كراهة الوطء قبل الاغتسال بالماء، وقال ابن عباس والأوزاعي: من فعله تصدق بنصف دينار، ومن وطىء في الدم تصدق بدينار، وأسند أبو داود عن ابن عباس حديث : عن النبي صلى الله عليه وسلم في الذي يأتي امرأته وهي حائض قال: "يتصدق بدينار أو بنصف دينار" تفسير : ، وقال ابن عباس: "الدينار في الدم، والنصف عند انقضائه"، ووردت في الشدة في هذا الفعل آثار، وجمهور العلماء على أنه ذنب عظيم يتاب منه ولا كفارة فيه بمال، وذهب مالك رحمه الله وجمهور العلماء إلى أن الطهر الذي يحل جماع الحائض التي يذهب عنها الدم هو تطهرها بالماء كطهور الجنب، ولا يجزي من ذلك تيمم ولا غيره، وقال يحيى بن بكير وابن القرظي: إذا طهرت الحائض وتيممت حيث لا ماء حلّت لزوجها وإن لم تغتسل. وقال مجاهد وعكرمة وطاوس: انقطاع الدم يحلها لزوجها ولكن بأن تتوضأ. و {حتى} غاية لا غير، و {تقربوهن} يريد بجماع، وهذا من سد الذرائع، وقوله تعالى: {فإذا تطهرن} الآية، القراءة {تَطَهَّرْنَ} بتاء مفتوحة وهاء مشددة، والخلاف في معناه كما تقدم من التطهير بالماء أو انقطاع الدم. ومجاهد وجماعة من العلماء يقولون هنا: إنه أريد الغسل بالماء، ولا بد بقرينة الأمر بالإتيان وإن كان قربهن قبل الغسل مباحاً، لكن لا تقع صيغة الأمر من الله تعالى إلا على الوجه الأكمل، و {فآتوهن} إباحة، والمعنى {من حيث أمركم الله} باعتزالهن وهو الفرج أو من السرة إلى الركبتين: أو جميع الجسد، حسبما تقدم. هذا كله قول واحد، وقال ابن عباس وأبو رزين: المعنى من قبل الطهر لا من قبل الحيض، وقاله الضحاك. وقال محمد بن الحنفية: المعنى من قبل الحلال لا من قبل الزنا، وقيل: المعنى من قبل حال الإباحة، لا صائمات ولا محرمات ولا غير ذلك. والتوابون: الراجعون، وعرفه من الشر إلى الخير، والمتطهرون: قال عطاء وغيره: المعنى بالماء، وقال مجاهد وغيره: المعنى من الذنوب، وقال أيضاً مجاهد: المعنى من إتيان النساء في أدبارهن. قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: كأنه نظر إلى قوله تعالى حكاية عن قوم لوط {أية : أخرجوهم من قريتكم إنهم أناس يتطهرون} تفسير : [الأعراف: 82]، وقرأ طلحة بن مصرف "المطّهّرين" بشد الطاء والهاء. وقوله تعالى: {نساؤكم حرث لكم} الآية، قال جابر بن عبد الله والربيع: سببها أن اليهود قالت: إن الرجل إذا أتى المرأة من دبرها في قبلها جاء الولد أحول، وعابت على العرب ذلك، فنزلت الآية تتضمن الرد على قولهم، وقالت أم سلمة وغيرها: سببها أن قريشاً كانوا يأتون النساء في الفرج على هيئات مختلفة، فلما قدموا المدينة وتزوجوا أنصاريات أرادوا ذلك، فلم ترده نساء المدينة إذ لم تكن عادة رجالهم إلا الإتيان على هيئة واحدة وهي الانبطاح، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، وانتشر كلام الناس في ذلك، فنزلت الآية مبيحة الهيئات كلها إذا كان الوطء في موضع الحرث، و {حرث} تشبيه، لأنهنّ مزدرع الذرية، فلفظة "الحرث" تعطي أن الإباحة لم تقع إلا في الفرج خاصة، إذ هو المزدرع، وقوله {أنى شئتم} معناه عند جمهور العلماء من صحابة وتابعين وائمة: من أي وجه شئتم مقبلة ومدبرة وعلى جنب، و {أنى} إنما تجيء سؤالاً أو إخباراً عن أمر له جهات، فهي أعم في اللغة من كيف ومن أين ومن متى، هذا هو الاستعمال العربي، وقد فسر الناس {أنّى} في هذه الآية بهذه الألفاظ، وفسرها سيبويه بــ"كيف" ومن أين باجتماعهما، وذهبت فرقة ممن فسرها بــ"أين" إلى أن الوطء في الدبر جائز، روي ذلك عن عبد الله بن عمر، وروي عنه خلافه وتكفير من فعله، وهذا هو اللائق به، ورويت الإباحة أيضاً عن ابن أبي مليكة ومحمد بن المنكدر، ورواها مالك عن يزيد بن رومان عن سالم عن ابن عمر، وروي عن مالك شيء في نحوه، وهو الذي وقع في العتبية، وقد كذب ذلك على مالك، وروى بعضهم أن رجلاً فعل ذلك في عهد النبي صلى الله عليه وسلم فتكلم الناس فيه، فنزلت هذه الآية. قال القاضي أبو محمد: وقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في مصنف النسائي وفي غيره أنه قال: "حديث : إتيان النساء في أدبارهن حرام" تفسير : ، وورد عنه فيه أنه قال: "حديث : ملعون من أتى امرأة في دبرها" تفسير : ، وورد عنه أنه قال: "حديث : من أتى امرأة في دبرها فقد كفر بما أنزل على قلب محمد صلى الله عليه وسلم" تفسير : ، وهذا هو الحق المتبع، ولا ينبغي لمؤمن بالله واليوم الآخر أن يعرج في هذه النازلة على زلة عالم بعد أن تصح عنه، والله المرشد لا رب غيره. وقال السدي: معنى قوله تعالى: {وقدموا لأنفسكم} أي الأجر في تجنب ما نهيتم عنه وامتثال ما أمرتم به، وقال ابن عباس: "هي إشارة إلى ذكر الله على الجماع"، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : لو أن أحدكم إذا أتى امرأته قال: اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا، فقضي بينهما ولد لم يضره" تفسير : ، وقيل: معنى {قدموا لأنفسكم} طلب الولد، {واتقوا الله} تحذير، {واعلموا أنكم ملاقوه} خبر يقتضي المبالغة في التحذير، أي فهو مجازيكم على البر والإثم، {وبشر المؤمنين} تأنيس لفاعلي البر ومتبعي سنن الهدى. وقوله تعالى: {ولا تجعلوا لله عرضة لأيمانكم} الآية، {عرضة} فعلة بناء للمفعول، أي كثيراً ما يتعرض بما ذكر، تقول "جمل عرضة للركوب" و "فرس عرضة للجري"، ومنه قول كعب بن زهير: [البسيط]. شعر : من كل نضاخة الذفرى إذا عرقت عرضتها طامس الاعلام مجهول تفسير : ومقصد الآية: ولا تعرضوا اسم الله تعالى للأيمان به، ولا تكثروا من الأيمان فإن الحنث مع الإكثار، وفيه قلة رعي لحق الله تعالى، ثم اختلف المتأولون: فقال ابن عباس وإبراهيم النخعي ومجاهد والربيع وغيرهم: المعنى فيما تريدون الشدة فيه من ترك صلة الرحم والبر والإصلاح. قال الطبري: "التقدير لأن لا تبروا ولا تتقوا ولا تصلحوا"، وقدره المهدوي: كراهة أن تبروا، وقال بعض المتأولين: المعنى ولا تحلفوا بالله كاذبين إذا أردتم البر والتقوى والإصلاح، فلا يحتاج إلى تقدير "لا" بعد "أن"، ويحتمل أن يكون هذا التأويل في الذي يريد الإصلاح بين الناس، فيحلف حانثاً ليكمل غرضه، ويحتمل أن يكون على ما روي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: "نزلت في تكثير اليمين بالله نهياً أن يحلف الرجل به براً فكيف فاجراً"، فالمعنى: إذا أردتم لأنفسكم البر وقالت الزجاج وغيره: معنى الآية أن يكون الرجل إذا طلب منه فعل خير ونحوه اعتل بالله تعالى، فقال عليّ يمين، وهو لم يحلف، و {أن تبروا} مفعول من أجله، والبر جميع وجوه الخير. "بر الرجل" إذا تعلق به حكمها ونسبها كالحاج والمجاهد والعالم وغير ذلك. وهو مضاد للإثم، إذ هو الحكم اللاحق عن المعاصي. و {سميع} أي لأقوال العباد {عليم} بنياتهم، وهو مجاز على الجميع. وأما سبب الآية فقال ابن جريج: "نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه إذ حلف أن يقطع إنفاقه عن مسطح بن أثاثة حين تكلم مسطح في حديث الإفك"، وقيل: نزلت في أبي بكر الصديق مع ابنه عبد الرحمن في حديث الضيافة حين حلف أبو بكر أن لا يأكل الطعام، وقيل: نزلت في عبد الله بن رواحة مع بشير بن سعد حين حلف أن لا يكلمه، واليمين الحلف، وأصله أن العرب كانت إذا تحالفت أو تعاهدت أخذ الرجل يمين صاحبه بيمينه، ثم كثر ذلك حتى سمي الحلف والعهد نفسه يميناً.
ابن عبد السلام
تفسير : {وَيَسْئَلُونكَ عَنِ الْمَحِيضِ} كانوا يجتنبون مساكنة الحائض والأكل والشرب معها، فسألوا الرسول صلى الله عليه وسلم فنزلت، أو سأله ثابت بن الدحداح الأنصاري، أو كانوا يعتزلون الوطء في الفرج ويأتونهن في أدبارهن مدة الحيض فنزلت، قاله مجاهد: {أَذىً} بِنَتَنِه وقذره ونجاسته. {فَاعْتَزِلُواْ النِّسَآءَ} فلا تباشروهن بشيء من أبدانكم، أو ما بين السرة والركبة، أو الفرج وحده. {يَطْهُرْنَ} ينقطع دمهن. {تَطَهَّرْنَ} اغتسلن بالماء: بالوضوء وبالغسل، أو بغسل الفرج وحده. {مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ} في القُبُل، أو بالنكاح دون السفاح، أو من قُبُل الطهر لا من قُبُل الحيض، أو لا تقربوها صائمة ولا محرمة ولا معتكفة {الْمُتَطَهِّرينَ} بالماء، أو من أدبار النساء، أو من الذنوب بالتوبة.
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {ويسألونك عن المحيض} (م) عن أنس أن اليهود كانوا إذا حاضت المرأة فيهم لم يؤاكلوها، ولم يجامعوها في البيوت فسأل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم النبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله عز وجل: {ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض} الآية فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : اصنعوا كل شيء إلاّ النكاح" تفسير : فبلغ ذلك اليهود فقالوا ما يريد هذا الرجل أن يدع من أمرنا شيئاً إلاّ خالفنا فجاء أسيد بن حضير وعباد بن بشر فقالا: يا رسول الله إن اليهود تقول كذا وكذا أفلا نجامعهن فتغير وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ظننا أنه قد وجد عليهما فخرجا فاستقبلتهما هدية من لبن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأرسل في آثارهما فسقاهما فعرفنا أنه لم يجد عليهما الوجد الغضب، وأصل الحيض السيلان والانفجار. يقال: حاض الوادي إذا سال وفاض ماؤه {قل هو أذى} أي هو شيء قذر والأذى في اللغة ما يكره من كل شيء {فاعتزلوا النساء في المحيض} أي فاجتنبوا مجامعتهن {ولا تقربوهن} يعني بالوطء والمجامعة فهو كالتوكيد لقوله: {فاعتزلوا النساء في المحيض حتى يطهرن} يعني في الحيض والمعنى ولا تقربوهن حتى يزول عنهن الدم، وقرئ يطهرن بتشديد الطاء ومعناه حتى يغتسلن {فإذا تطهرن} أي اغتسلن من حيضهن {فأتوهن من حيث أمركم الله} قال ابن عباس: طؤوهن في الفرج ولا تعتدوا إلى غيره فإنه هو الذي أمر الله به ولا تأتوهن إلى غير المأتي وقيل: فأتوهن من الوجه الذي أمركم الله به وهو الطهر. وقيل: معناه وأتوهن من حين يحل لكم غشيانهن وذلك بأن لا يكن صائمات ولا معتكفات ولا محرمات. (فصل: في حكم هذه الآية وفيه مسائل) المسألة الأولى: أجمع المسلمون على تحريم الجماع في زمن الحيض، ومستحله كافر عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : من أتى حائضاً أو امرأة في دبرها أو كاهناً فقد كفر بما أنزل على محمد" تفسير : أخرجه الترمذي. وقال: إنما معنى هذا عند أهل العلم على التغليظ ومن فعله وهو عالم بالتحريم عزره الإمام وفي وجوب الكفارة قولان أحدهما أنه يستغفر الله ويتوب إليه وكفارة عليه وهو قول أبي حنيفة والشافعي في الجديد، والقول الثاني أنه تجب عليه الكفارة، وهو القول القديم للشافعي وبه قال أحمد بن حنبل: لما روي عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم في الرجل يقع على امرأته وهي حائض، قال: يتصدق بنصف دينار وفي رواية. قال: إذا كان دماً أحمر فدينار وإن كان دماً أصفر فنصف دينار أخرجه الترمذي. وقال: رفعه بعضهم عنه ابن عباس ووقفه بعضهم. المسألة الثانية: أجمع العلماء على جواز الاستمتاع بالمرأة الحائض بما فوق السرة ودون الركبة وجواز مضاجعتها وملامستها، ويدل على ذلك ما روي عن عائشة قالت: كانت إحدانا إذا كانت حائضاً وأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يباشرها أمرها أن تأتزر بإزار في فور حيضها، ثم يباشرها وأيكم يملك إربه كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يملك إربه وفي رواية قالت: كنت اغتسل أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم من إناء واحد وكلانا جنب وكان يأمرني فأتزر فيباشرني وأنا حائض أخرجاه في الصحيحين المراد بالمباشرة الاستمتاع بما دون الفرج، وفور كل شيء أوله وابتناؤه وقولها يملك إربه يروى بسكون الراء وهو العضو وبفتحها وهو الحاجة (م) عن عائشة قالت: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: ناوليني الخمرة من المسجد قلت: أنا حائض. قال إن حيضتك ليس في يدك. الخمرة حصير صغير مضفور من سعف النخل أو غيره بقدر الكف وقولها: من المسجد يعني ناداها من المسجد لأنه صلى الله عليه وسلم كان معتكفاً في المسجد، وعائشة في حجرتها فطلب منها الخمرة وهي حائض. المسألة الثالثة: يحرم على الحائض الصلاة والصوم ودخول المسجد وقراءة القرآن ومس المصحف وحمله، فلو أمنت الحائض من التلويث في عبور المسجد جاز في أحد الوجهين قياساً على الجنب والثاني لا لأن حدثها أغلظ، ويجب على الحائض قضاء الصوم دون الصلاة لما روي عن معاذة العدوية، قالت: سألت عائشة فقلت: ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة قالت: أحرورية أنت؟ قلت لست بحرورية ولكني أسأل قالت: كان يصيبنا ذلك فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة أخرجاه في الصحيحين. المسألة الرابعة: لا يرتفع شيء مما منعه الحيض بانقطاع الدم ما لم تغتسل، أو تتيمم عند عدم الماء إلا الصوم، فإنه إذا انقطع دمها بالليل ونوت الصوم فإنه يصح، وإن اغتسلت في النهار وذهب أبو حنيفة إلى أنه يجوز للزوج غشيانها إذا انقطع الدم لأكثر الحيض، وهو عشرة أيام عنده قبل الغسل، ومذهب الشافعي وغيره من العلماء أنه لا يجوز للزوج غشيانها ما لم تغتسل من الحيض أو تتيمم عند عدم الماء لأن الله تعالىعلق جواز وطء الحائض بشرطين: أحدهما انقطاع الدم والثاني الغسل فقال: {ولا تقربوهن حتى يطهرن} يعني من الحيض {فإذا تطهرن} يعني اغتسلن {فأتوهن من حيث أمركم الله} فدل ذلك على أن الوطء لا يحل قبل الغسل. وقوله تعالى: {إن الله يحب التوابين} يعني من الذنوب، والتواب الذي كلما أذنب جدد توبة، وقيل: التواب هو الذي لا يعود إلى الذنب {ويحب المتطهرين} يعني من الأحداث وسائر النجاسات بالماء. وقيل: المتطهرين من الشرك وقيل: هم الذين لم يصيبوا الذنوب.
ابن عرفة
تفسير : قوله تعالى: {وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ ٱلْمَحِيضِ...}. قال القاضي عياض في تنبيهاته/: قيل أصله: من حاضت (السمرة) إذا خرج منها (ماء) أحمر، ولعل الشجرة إنّما شبهت بالمرأة. قال ابن عرفة: ظاهرة أنه حقيقة فيهما. وقال الزمخشري: في (أساس) البلاغة: من المجاز قولهم حاضت (السُّمرة) اذا خرج منها ماء أحمر. قال ابن عرفة: وينبغي أن ينظر الأغلب، والظاهر أنه مجاز كما قال لأن مسيس الحاجة إلى الإخبار عن حيض المرأة أشد وأكثر من الإخبار عن حيض السمرة فينبغي أن يحكم بأنّه الأسبق وحيض (الشجرة) منقول عنه. قوله تعالى: {قُلْ هُوَ أَذىً...}. (وقال تعالى: {أية : لَن يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذىً}.تفسير : والجامع أنّ الأذى هو الأمر المؤلم الذي) يقصد إماطته، وأتى هنا بالحكم مقرونا (بعلته) ونصوا على أنّ (الأصل تقديم العلة على المعلول) كهذه الآية، وكقولك: سهى فسجد، وزنا فرجم. وقد يجيء الحكم مذكورا قبلها (وإنّما) ذلك لأن العلة أصل في الأصل واعتبارها فرع في الأصل. واختلفوا في الحائض إذا طهرت من الدم ولم تتطهر بالماء فالمشهور أن وطأها حرام. وحكى القاضي عياض في الإكمال عن ابن بكير جواز وطئها ابتداء من غير كراهة. قلت: وكذا حكى ابن العربي في الأحكام وحكى غيرهما عن ابن بكير كراهة وطئها. وقرأ أبو بكر وحمزة "حَتَّىٰ يَطَّهَرْنَ" بالتشديد واختلفوا في فهم الآية على القول المشهور، فقال بعض البيانيين: فيها حرف التقابل أي حتَّى يَطهرن وَيَتَطَهَّرْنَ فَإِذَا طَهُرنَ وَتَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنّ. مثل قول الله عز وجلّ {أية : وَمَثَلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ كَمَثَلِ ٱلَّذِي يَنْعِقُ}تفسير : وقول الشاعر: شعر : وإني لَتَعْرُوني لذكراك هزة كما انتفض العصفور بَلَّله القطر تفسير : أي: وإني لتعروني لذكراك سكون ثم يزول عنِّي فأفيق وأنتفض لها كما يعتري العصفور عندما بَلَّله القطر، فإنه يسكن ثم ينتفض وكذا قوله الآخر: شعر : فإن كان شجوا فاعذروني على الهوى وإن كان داء غيره فلك العذر تفسير : أي فاعذرني فلك العذر وإن كان داء غيره فاعذرني أيضا. انظر ابن الصائغ في باب المعرب والمبني. وقال العلامة ابن رشد: في البيان والتحصيل "يَطهرن" بمعنى: يَتَطَهَّرْنَ بدليل قراءة التشديد ولو كان الأول في الدّم والثاني للماء لجاز بالاول ما لم يجز بالثاني، إذ لا يقال: لا تقم حتى يأتي زيد، فإذا أتى عمرو فافعله. وقال ابن عبد البر في الاستذكار: الحجة للمشهور أنهم جعلوها كالحيض في العدة فأوجبوا لزوجها عليها الرجعة ما لم تغتسل بالماء فإن قيل: الله تعالى قال: "حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ". وَحَتَّى غاية لما بعدها بخلاف ما قبلها؟ فالجواب: بأنه قد يقع التّحريم بشيء آخر ولا يزول بزواله لعلة أخرى (تخلفه) كقوله تعالى في المبتوتة: {أية : فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىٰ تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ}.تفسير : وليس بنكاح الزوج تحل له حتى يطلقها الزوج وتعتد منه. انتهى. قلت: ونقل صاحبنا الفقيه أبو عبد الله أحمد بن علي بن ميمون النّجار عن بعضهم أنه تعقب على ابن رشد بأن التطهير بالماء يستلزم الطّهر من الدم فصار كقوله: لا تفعل كذا حتى يأتي زيد فإذا دخل عندك زيد فافعله. لأن دخوله مستلزم لإتيانه. وهذا الكلام جائز بلا شك وذكرته لشيخنا ابن عرفة فاستحسنه وأجاب عن كلام ابن عبد البر بأنّ (المبتوتة) خرجت بالإجماع لإجماعهم على أنها لا تحل للأول حتى يطلقها الثاني ومسألتنا فيها (الخلاف). قلت: وبين الأصوليين خلاف في لزوم عكس العلة الشرعية، وأشار إليه ابن بشير في النكاح الأول، وكلام ابن عبدالبر مبني على عدم انعكاسها. قوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلتَّوَّابِينَ...}. التَّشديد لتكثير التَّوبة ودوامها، فقد تكون توبة واحدة لكنّها دائمة فمن يذكر المعصية ويندم عليها تائب، ومن يذكرها ويتشوّق لعودته إليها غير تائب لأنه مصر عليها، وتارة يقف ولا يندم ولا يتشوّق إلى العودة، واختلفوا هل تجب التوبة في كل زمن هو فيه ذاكر للمعصية، أم لا تجب على قولين؟
القمي النيسابوري
تفسير : القراءات: {حتى يطهرن} بالتشديد والأصل "يتطهرن" فأدغم التاء في الطاء: حمزة وعلي وخلف وعاصم سوى حفص. الباقون {يطهرن} بالتخفيف من الطهارة. {أنى} بالإمالة المفرطة: حمزة وعلي وخلف. وقرأ العباس بالإمالة اللطيفة كل القرآن. الباقون بالتفخيم {لا يؤاخذكم} وبابه وكل همزة تحركت وتحرك ما قبلها مثل {يؤخر} و {يؤده} وأشباه ذلك بغير همز: يزيد وورش والشموني وحمزة في الوقف. الوقوف: {عن المحيض} ط {أذى} ط لأن لكونه أذى تأثيراً بليغاً في وجوب الاعتزال {في المحيض} لا للعطف. {حتى يطهرن} ج لأن "إذا" متضمنة الشرط للفاء في جوابه مع فاء التعقيب فيها {أمركم الله} ط {المتطهرين} ه {حرث لكم} ص لأن الفاء كالجزاء أي إذا كن حرثاً فأتوهن وإلا فقد اختلف الجملتان {شئتم} ز قد يجوز لوقوع العارض. {لأنفسكم} ط {ملاقوه} ط {المؤمنين} ه {بين الناس} ط {عليم} ه {قلوبكم} ط {حليم} ه {رحيم} ه {عليم} ه. التفسير: الحكم السابع: {ويسئلونك عن المحيض} قيل: إنه تعالى جمع في هذا الموضع بين ستة أسئلة، فذكر الثلاثة الأول بغير الواو والباقية بالواو. والسبب أن سؤالهم عن تلك الحوادث وقع في أحوال متفرقة فلم يؤت بحرف العطف، لأن كل واحد من تلك السؤالات سؤال مبتدأ، وسألوا عن الوقائع الأخر في وقت واحد فجيء بحرف الجمع لذلك كأنه قيل: يجمعون لك بين السؤال عن الخمر والميسر والسؤال عن كذا وعن كذا. روي أن اليهود والمجوس كانوا يبالغون في التباعد عن المرأة حال حيضها، والنصارى كانوا يجامعونهن ولا يبالون بالحيض، وكان أهل الجاهلية إذا حاضت المرأة لم يؤاكلوها ولم يشاربوها ولم يجالسوها على فرش، ولم يساكنوها في بيت. فقال ناس من الأعراب يا رسول الله، البرد شديد والثياب قليلة. فإن آثرناهن بالثياب هلك سائر أهل البيت، وإن استأثرنا بها هلكت الحيض فنزلت الآية، فقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : إنما أمرتم أن تعتزلوا مجامعتهن إذا حضن، ولم يأمركم بإخراجهن من البيوت"تفسير : يعني أن المراد من قوله تعالى {فاعتزلوا النساء} فاعتزلوا مجامعتهن. واتفق المسلمون على حرمة الجماع في زمان الحيض، واتفقوا على حل الاستمتاع بالمرأة بما فوق السرة وتحت الركبة، واختلفوا فيما دون السرة وفوق الركبة. فالشافعي وأبو حنيفة وأبو يوسف قالوا: يجب اعتزال ما اشتمل عليه الإزار بناء على أن المحيض مصدر كالمجيء والمبيت، والتقدير: فاعتزلوا تمتع النساء في زمان الحيض. ترك العمل بالآية فيما فوق السرة وتحت الركبة للإجماع فبقي الباقي على الحرمة. وعن زيد بن أسلم أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم ما يحل لي من امرأتي وهي حائض؟ قال:حديث : لتشد عليها إزارها ثم شأنك بأعلاها، تفسير : وقيل: ما سوى الفرج حلال، لأن المراد بالمحيض موضع الحيض فالمعنى فاعتزلوا موضع الحيض من النساء، نعم المحيض الأول مصدر فيصلح عود الضمير إليه في قوله {قل هو أذى} أي الحيض شيء يستقذر ويؤذي من يقربه نفرة وكراهة على أنه يحتمل أن يكون بمعنى المكان والتقدير هو ذو أذى، وإنما قدم قوله {هو أذى} لترتب الحكم وهو وجوب الاعتزال عليه. وذلك أن دم الحيض دم فاسد يتولد من فضلة تدفعها طبيعة المرأة من طريق الرحم، حتى لو احتبست تلك الفضلة لمرضت المرأة. فذلك الدم جار مجرى البول والغائط فكان أذى وقذراً. ولا يرد عليه دم الاستحاضة حيث لا يوجب الاعتزال، لأن ذاك دم صالح يسيل من عرق يتفجر في عنق الرحم، ويؤيده ما روي في الصحيحين عن عائشة قالت: حديث : جاءت فاطمة بنت أبي حبيش فقالت: يا رسول الله إني امرأة أستحاض فلا أطهر، أفأدع الصلاة؟ فقال: لا، إنما ذلك عرق وليست بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة فإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلي. تفسير : ومعنى العرق أنه علة حدثت بها من تصدع العروق. وأصل الحيض في اللغة السيل. يقال: حاض السيل وفاض. قال الأزهري: منه قيل الحوض لأن الماء يحيض إليه أي يسيل. والواو والياء من حيز واحد. وقد ورد في الحديث لدم الحيض صفات منها السواد ويراد به أنه يعلوه حمرة متراكبة فيضرب من ذلك إلى السواد، ومنها الثخانة، ومنها المحتدم وهو المحرق من شدة حرارته، ومنها أنه ذو دفعات أي يخرج برفق ولا يسيل سيلاً، ومنها أن له رائحة كريهة، ومنها أنه بحراني وهو الشديد الحمرة. وقيل: ما يحصل فيه كدورة تشبيهاً له بماء البحر. فمن الناس من قال: إن كان الدم موصوفاً بهذه الصفات فهو الحيض وإلا فلا، وما اشتبه الأمر فيه فالأصل بقاء التكاليف، وزوالها إنما كان بعارض الحيض. فإذا كان غير معلوم الوجود بقيت التكاليف الواجبة على ما كانت. ومنهم من قال: هذه الصفات قد تشتبه على المكلف فإيجاب التأمل في تلك الدماء وفي تلك الصفات يقتضي عسراً ومشقة، فالشارع قدر وقتاً مضبوطاً متى حصلت الدماء فيه كان حكمها حكم الحيض، ومتى حصلت خارج ذلك الوقت لم يكن حكمها حكم الحيض كيف كانت صفة تلك الدماء. أما السن المحتمل للحيض فأصح الوجوه أنها تسع سنين فإن رأت الصبية دماً قبل استكمال التسع فهو دم فساد. قال الشافعي: وأعجل من سمعت من النساء يحضن نساء تهامة يحضن لتسع سنين. وقيل: إن أول وقت الإمكان يدخل بالطعن في السنة التاسعة. وقيل: بمضي ستة أشهر من السنة التاسعة. والاعتبار على الوجوه بالسنين القمرية تقريباً على الأظهر لا تحديداً، حتى لو كان بين رؤية الدم وبين استكمال التسع على الوجه الأصح ما لا يسع حيضاً وطهراً، كان ذلك الدم حيضاً وإلا فلا، وأقل مدة الحيض عند الشافعي يوم وليلة، وعند أبي حنيفة ثلاثة أيام، وعن مالك لا حد لأقله. وأما أكثر الحيض فهو خمسة عشر يوماً وليلة لقول علي رضي الله عنه وكرم الله وجهه: ما زاد على خمسة عشر فهو استحاضة. وعن عطاء: رأيت من تحيض يوماً ومن تحيض خمسة عشر يوماً. وأما الطهر فأكثره لا حد له. فقد لا ترى المرأة الدم في عمرها إلا مرة واحدة، وأقله خمسة عشر يوماً، وقال أحمد أقله ثلاثة عشر. وقال مالك: ما أعلم بين الحيضتين وقتاً يعتمد عليه لنا الرجوع إلى الوجود، وقد ثبت ذلك من عادات النساء، وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : تمكث إحداهن شطر دهرها لا تصلي"تفسير : أشعر ذلك بأقل الطهر وأكثر الحيض. وغالب عادات النساء في الحيض ست أو سبع، وفي الطهر باقي الشهر. "حديث : قال صلى الله عليه وسلم لحمنة بنت جحش: تحيضي في علم الله ستاً أو سبعاً كما تحيض النساء ويطهرن"تفسير : . ومعنى: "في علم الله"، أي مما علمك الله من عادتك أو من غالب عادات النساء. ويحرم في الحيض عشرة أشياء: الصلاة والصوم والاعتكاف والمكث في المسجد و الطواف ومس المصحف وقراءة القرآن والسجود والغشيان بنص القرآن والطلاق في حق بعضهن ثم إن أكثر فقهاء الأمصار على أن المرأة إذا انقطع حيضها لا يحل مجامعتها إلا بعد أن تغتسل عن الحيض، وهذا قول مالك والأوزاعي والشافعي والثوري. والمشهور عن أبي حنيفة أنها إن رأت الطهر دون عشرة أيام لم يقربها زوجها حتى تغتسل ويمضي عليها وقت صلاة، وإن رأته عشرة أيام جاز له أن يقربها قبل الاغتسال. حجة الشافعي أن القراءة المتواترة حجة بالإجماع فإذا حصلت قراءتان متواترتان وجب الجمع بينهما ما أمكن. فمن قرأ "يطهرن" بالتخفيف فانتهاء الحرمة عنده انقطاع الدم، ومن قرأ "يطهرن" بالتثقيل فالنهاية تطهرها بالماء، والجمع بين الأمرين ممكن بأن يكون النهاية حصول الشيئين. ومعنى قوله {ولا تقربوهن} أي لا تجامعوهن وهذا كالتأكيد لقوله {فاعتزلوا} ويحتمل أن يكون ذلك نهياً عن المباشرة في موضع الدم وهذا نهي عن الالتذاذ بما يقرب من ذلك الموضع. وأيضاً قوله {فإذا تطهرن فأتوهن} تعليق للإتيان على التطهر بكلمة "إذا"، فوجب أن لا يجوز الإتيان عند عدم التطهر. والمراد بالتطهر الاغتسال؛ لأن هذا الحكم عائد إلى ذات المرأة، فوجب أن يحصل في كل بدنها لا في بعض من أبعاض بدنها. وعن عطاء وطاوس هو أن تغسل الموضع وتتوضأ. وقال بعضهم: غسل الموضع. ثم القائلون بوجوب الاغتسال أجمعوا على أن التيمم يقوم مقامه عند إعواز الماء {من حيث أمركم الله} أي من المأتى الذي أمركم به وحلله لكم وهو القبل. عن ابن عباس ومجاهد وإبراهيم وقتادة وعكرمة. وقال الأصم والزجاج: فأتوهن من حيث يحل لكم غشيانهن وذلك بأن لا يكنّ صائمات ولا معتكفات ولا محرمات. وعن محمد ابن الحنفية: فأتوهن من قبل الحلال دون الفجور. {إن الله يحب التوابين} مما عسى أن يبدر عنهم من ارتكاب ما نهوا عنه من ذلك بمجامعة الحائض والطاهرة قبل الغسل وإتيان الدبر {ويحب المتطهرين} المتنزهين عن تلك الفواحش. فالتائب هو الذي فعله ثم تركه، والمتطهر هو الذي ما فعله تنزهاً عنه لأن الذنب كأنه نجاسة روحانية حكمية {أية : إنما المشركون نجس} تفسير : [التوبة: 28] أو يحب التوابين الذين يطهرون أنفسهم بطهرة التوبة من كل ذنب، ويحب المتطهرين من جميع الأقذار والأوزار. الحكم الثامن {نساؤكم حرث لكم} وإنه جار مجرى البيان والتوضيح لقوله {فأتوهن من حيث أمركم الله} دلالة على أن الغرض الأصلي في الإتيان هو طلب النسل لا قضاء الشهوة فينبغي أن يؤتى المأتي الذي هو مكان الحرث، وعن جابر رضي الله عنه قال: كانت اليهود تقول: إذا جامعها من ورائها جاء الولد أحول فنزلت هذه الآية. وعن ابن عباس: "حديث : جاء عمر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله هلكت. قال: وما أهلكك؟ قال: حوّلت رحلي الليلة. قال: فلم يرد عليَّ شيئاً. فأوحى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية"تفسير : . وتحويل الرحل قيل: ظاهره الكناية عن الإتيان في غير المحل المعتاد. وقيل: إنه الإتيان في المحل المعتاد لكن من جهة ظهرها. وعنه كانت الأنصار تنكر أن يأتي الرجل المرأة مجبية أي في قبلها من دبرها وكانوا أخذوا ذلك من اليهود وكانت قريش تفعل ذلك ولما قدم المهاجرون المدينة تزوج رجل منهم امرأة من الأنصار فذهب يصنع بها ذلك فأنكرته فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت {نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم} أي مقبلات ومدبرات ومستكفيات بعد أن يتقى الدبر والحيضة، وذلك أن قوله {حرث لكم} أي مزرع ومنبت للولد وهذا على سبيل التشبيه. ففرج المرأة كالأرض، والنطفة كالبذر، والولد كالنبات، وإنما وحد الحرث لأنه مصدر أقيم مقام المضاف أي هن مواضع حرث فأتوهن كما تأتون أراضيكم التي تريدون أن تحرثوها من أي جهة شئتم، لا تحظر عليكم جهة دون جهة، بعد أن يكون المأتي واحداً وهو موضع الحرث أعني القبل دون الدبر، هذا ما عليه أكثر العلماء ويؤيده قوله عز من قائل {قل هو أذى فاعتزلوا} جعل ثبوت الأذى علة للاعتزال ولا معنى للأذى، إلا ما يتأذى الإنسان منه بنتن وتلوث وتنفر طبع، والأذى في الدبر حاصل أبداً فالاعتزال عنه أولى بالوجوب. فمعنى {أنى شئتم} كيف شئتم من قبلها قائمة أو باركة أو مضطجعة. وقيل: "أنى" بمعنى "متى" أي فأتوا حرثكم أي وقت شئتم من أوقات الحل يعني إذا لم تكن أجنبية أو محرمة أو صائمة أو حائضاً. وعن ابن عباس: المعنى إن شاء عزل وإن شاء لم يعزل. وقيل: متى شئتم من ليل أو نهار والأصح الأول وعن مالك والشيعة تجويز إتيان النساء في أدبارهن ويحكى أن نافعاً نقل عن ابن عمر مثل ذلك واحتجوا بأن الحرث اسم المرأة لا الموضع المعين وبأن قوله {أنى شئتم} معناه من أين شئتم كقوله {أية : أنى لك هذا} تفسير : [مريم: 37] أي من أين. وكلمة "أين" تدل على تعدد الأمكنة فيلزم أن يكون المأتي بها متعدداً. وبقوله {أية : إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم}تفسير : [المؤمنون: 6] ترك العمل بعمومه في حق الذكور لدلالة الإجماع فوجب أن يبقى معمولاً به في حق الإناث. ولا يخفى ضعف هذه الحجج ولو سلم مساواتها دلائل الحرمة في القوة فالاجتناب أحوط، وكيف لا وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : ملعون من أتى امرأة في دبرها"تفسير : ولو لم يكن فيه إلا فوات غرض التوالد والتناسل الذي به بقاء النوع الإنساني الذي هو أشرف أنواع الكائنات لكفى به منقصة وذماً، وإذا كان لزنا لكونه مزيلاً للنسب محرماً، وكذا الخمر لكونها رافعة للعقل، والقتل لكونه مفنياً للشخص، فلأن يحرم هذا الفعل لكونه متضمناً لفناء النوع أولى كاللواط وإتيان البهيمة والاستمناء ولهذا عقبه بقوله {وقدموا لأنفسكم} أي افعلوا ما تستوجبون به الجنة والكرامة كقول الرجل لغيره "قدم لنفسك عملاً صالحاً" وذلك أن الآية اشتملت على الإذن في أحد الموضعين والمنع عن الموضع الآخر فكأنه قيل: لا تكونوا في قيد قضاء الشهوة وإنما يجب أن تكونوا في ربقة الإخلاص وتقديم الطاعة، ثم إنه أكد ذلك بقوله {واتقوا الله} ثم زاد التأكيد بقوله {واعلموا أنكم ملاقوه} وهذه التهديدات الثلاثة المتوالية لا تحسن إلا إذا كانت مسبوقة بالنهي عن مشتهي. فقوله {وقدموا لأنفسكم} تحريض على فعل الطاعات ويندرج فيه ابتغاء لولد والتسمية عند الوقاع وغير ذلك من بآداب الخلوة، وقوله {واتقوا الله} زجر عن المحظورات والمنكرات، وقوله {واعلموا أنكم ملاقوه} تذكير ليوم البعث والحساب الذي لولاه لضاع فعل الطاعات وترك المنهيات وما أحسن هذا الترتيب! ثم قال {وبشر المؤمنين} كيلا يخلو الوعيد من الوعد. ولم يذكر المبشر به وهو الثواب والكرامة ونحوهما إما لأنه كالمعلوم من نحو قوله {أية : وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلاً كبيراً} تفسير : [الأحزاب: 47] {أية : وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن لهم جنات} تفسير : [البقرة: 25] وإما لأن الغرض نفس البشارة مثل "فلان يعطى". الحكم التاسع: {ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم} وهو نهي عن الجراءة على الله بكثرة الحلف، فإن من أكثر ذكر شيء في معنى من المعاني فقد جعله عرضة أي معرضاً له قال: فلا تجعلوني عرضة للوائم. وقد ذم الله تعالى من أكثر الحلف بقوله {أية : ولا تطع كل حلاف مهين} تفسير : [القلم: 10] والحكمة فيه أن من حلف في كل قليل وكثير بالله انطلق لسانه بذلك فلا يؤمن إقدامه على الأيمان الكاذبة. وأيضاً كلما كان الإنسان أكثر تعظيماً لله كان أكمل في العبودية، ومن كمال التعظيم أن يكون ذكر الله تعالى أجل وأعلى عنده من أن يبتذله ويستشهد به في غرض من الأغراض الدنيوية. وقوله {أن تبروا} علة النهي اي إرادة أن تبروا وتتقوا وتصّلحوا بين الناس لأن الخلاف مجترئ على الله غير معظم له فلا يكون براً متقياً، فإذا ترك الحلف لاعتقاده أن الله أعظم وأجل من أن يستشهد باسمه العظيم في مطالب الدنيا اعتقد الناس في صدق لهجته وبعده من الأغراض الفاسدة فعدوه براً متخذاً من الإخلال بواجب حق الله فيدخلونه في وساطاتهم وإصلاح ذات بينهم. ومعنى آخر وهو أن تكون العرضة "فعلة" بمعنى "مفعول" كالقبضة والغرفة فيكون اسماً للشيء الذي يوضع في عرض الطريق فيصير مانع الناس من السلوك، ومنه "عرض العود على الإناء" وتقول "فلان عرضة دون الخير". وذلك أن الرجل كان يحلف على بعض الخيرات من صلة لرحم أو إصلاح أو إحسان أو عبادة ثم يقول: أخاف الله أن أحنث في يميني. فيترك البر إرادة البر في يمينه فقيل: {ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم} أي حاجزاً لما حلفتم عليه. وسمي المحلوف عليه يميناً لتلبسه باليمين كما "حديث : قال النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الرحمن بن سمرة: إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيراً منها فأت الذي هو خير وكفر عن يمينك" تفسير : أي على شيء مما يحلف عليه. فيكون قوله {أن تبروا} عطف بيان {لأيمانكم} أي للأمور المحلوف عليها التي هي البر والتقوى أو الإصلاح بين الناس، وعلى هذا فاللام في {لأيمانكم} إما أن تتعلق بالفعل أي ولا تجعلوا الله لأيمانكم برزخاً وحاجزاً، وإما أن تعلق بـ {عرضة} لما فيها من معنى الاعتراض بمعنى لا تجعلوا شيئاً يعترض البر. ويجوز أن تكون اللام للتعليل ويتعلق {أن تبروا} بالعرضة أي لا تجعلوا الله لأجل أيمانكم به عرضة لأن تبروا {والله سميع} إن حلفتم به {عليم} بنياتكم إن تركتم الحلف إجلالاً لذكره، واليمين في الأصل عبارة عن القوة فسمي الحلف بذلك لأن المقصود بها تقوية جانب البر على جانب الحنث. اللغو الساقط الذي لا يعتد به من كلام وغيره ولهذا قيل: لما لا يعتد به ولا يخطر من أولاد الإبل في الدية "لغو" وهو في الأصل مصدر لغا يلغو. قال صلى الله عليه وسلم "حديث : من قال يوم الجمعة لصاحبه صه والإمام يخطب فقد لغا"تفسير : واختلف الفقهاء في اللغو من اليمين فذهب الشافعي - وهو قول عائشة والشعبي وعكرمة - أنه قول العرب "لا والله" و "بلى والله" مما يؤكدون به كلامهم ولا يخطر ببالهم الحلف. فلو قيل لواحد منهم: سمعتك اليوم تحلف في المسجد الحرام لا ننكر ذلك ولعله قال: لا والله ألف مرة. ومذهب أبي حنيفة وهو قول ابن عباس والحسن ومجاهد والنخعي والزهري وسليمان بن يسار وقتادة والسدي ومكحول - أن اللغو هو أن يحلف على شيء يعتقد أنه كان ثم بان أنه لم يكن. وفائدة الخلاف أن الشافعي لا يوجب الكفارة في قول الرجل "لا والله" و "بلى والله" ويوجبها فيما إذا حلف على شيء يعتقد أنه كان ثم بان أنه لم يكن، وأبو حنيفة يحكم بالضد من ذلك. حجة الشافعي أن الآية تدل على أن لغو اليمين كالمقابل المضاد لما يحصل بسبب كسب القلب، لكن المراد من قوله {بما كسبت قلوبكم} هو الذي يقصده الإنسان على سبيل الجد ويربط به قلبه فيكون اللغو ما تعوّده الناس في الكلام "لا والله" و "بلى والله" فأما إذا حلف على شيء أنه كان حاصلاً جداً ثم ظهر أنه لم يكن فقد قصد الإنسان بذلك اليمين المتصل تصديق قوله وربط قلبه بذلك فلم يكن لغواً ألبتة، وأيضاً إنه سبحانه ذكر قبل هذه الآية النهي عن كثرة الحلف فذكر عقيب ذلك حال هؤلاء الذين يكثرون الحلف على سبيل الاعتياد في الكلام على سبيل القصد إلى الحلف، وبيّن أنه لا مؤاخذة عليهم ولا كفارة لأن إيجاب الكفارة والمؤاخذة عليهم يفضي إما إلى أن يمنعوا عن الكلام أو يلزمهم في كل لحظة كفارة وكلاهما حرج في الدين، فظهر أن تفسير اللغو بما ذكرنا هو المناسب ويؤده ما روت عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : لغو اليمين قول الرجل بين كلامه لا والله وبلى والله" تفسير : وروي "حديث : أنه صلى الله عليه وسلم مر بقوم ينتضلون ومعه رجل من أصحابه فرمى رجل من القوم فقال: أصبت والله ثم أخطأ فقال الذي مع النبي صلى الله عليه وسلم: حنث الرجل يا رسول الله، فقال صلى الله عليه وسلم: كل أيمان الرماة لغو لا كفارة فيها ولا عقوبة"تفسير : وعن عائشة أنها قالت: أيمان اللغو ما كان في الهزل والمراء والخصومة التي لا يعقد عليها القلب. وأثر الصحابي في تفسير كلام الله حجة. وقال أبو حنيفة: اليمين معنى لا يلحقه الفسخ فلا يعتبر فيه القصد كالطلاق والعتاق. وأيضاً إنه صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها فليأت الذي هو خير ثم ليكفر عن يمينه"تفسير : أوجب الكفارة على الحانث مطلقاً من غير فصل بين المجد والهازل. وقيل: إن يمين اللغو هو الحلف على ترك طاعة أو فعل معصية، فبين الله تعالى أنه لا يؤاخذ بترك هذه الأيمان {ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم} أي بإقامتكم على ذلك الذي حلفتم عليه من ترك الطاعة وفعل المعصية وعن الضحاك أن اللغو هي اليمين المكفرة كأنه قيل: لا يؤاخذكم الله بإثم الحلف إذا كفرتم. وقيل: هي ما يقع سهواً، والمراد بما كسبت قلوبكم هو العمد، واختاره القاضي أبو بكر. ثم إن الشافعي قال: معنى لا يؤاخذكم لا يلزمكم الكفارة بلغو اليمين الذي لا قصد معه، ولكن يلزمكم الكفارة بما نوت قلوبكم وقصدت من الأيمان ولم يكن كسب اللسان وحده. وقال أبو حنيفة: معناه لا يعاقبكم بلغو اليمين الذي يحلفه أحدكم بالظن، ولكن يعاقبكم بما اقترفته قلوبكم من إثم القصد أي الكذب في اليمين، وهو أن يحلف على ما يعلم أنه خلاف ما يقوله وهو اليمين الغموس. وقال مالك في الموطأ: أحسن ما سمعت في ذلك أن اللغو حلف الإنسان على الشيء يستيقن أنه كذلك ثم يوجد بخلافه فلا كفارة. قال: والذي يحلف على شيء وهو يعلم أنه فيه آثم كاذب ليرضي به أحداً أو يعتذر لمخلوق أو بقتطع به مالاً فهذا لا أعلم أن يكون فيه كفارة، وإنما الكفارة على من حلف أن لا يفعل الشيء المباح الذي له فعله ثم يفعله، أو أن يفعله ثم لا يفعله مثل: أن حلف ألا يبيع ثوبه بعشرة دراهم ثم يبيع بذلك، أو يحلف ليضربن غلامه ثم لا يضربه. {والله غفور رحيم} حيث لم يؤاخذكم باللغو في أيمانكم وأخر عقوبتكم بما كسبت قلوبكم لعلكم تتفكرون أو تتوبون عنها. الحكم العاشر: {للذين يؤلون من نسائهم} يقال في اللغة: آلى يؤلي إيلاء وأئتلى ائتلاء وتألى تألياً. والإلية والقسم واليمين والحلف كلها واحد. وفي الحديث القدسي "حديث : آليت أن أفعل"تفسير : خلاف المقدرين والإيلاء في الشرع هو الحلف على الامتناع من وطء لزوجة مطلقاً أو مدة تزيد على أربعة أشهر. وكان الإيلاء طلاقاً في الجاهلية فغيّر الشرع حكمه. قال سعيد بن المسيب. كان الرجل لا يريد المرأة ولا يحب أن يتزوجها غيره، فيحلف أن لا يقربها وكان يتركها بذلك لا أيماً ولا ذات بعل، والغرض منه مضارة المرأة. ثم إن أهل الإسلام كانوا يفعلون ذلك أيضاً فأزال الله تعالى ذلك وأمهل الزوج مدة حتى يتروى ويتأمل. فإن رأى المصلحة في ترك هذه المضارة فعلها، وإن رأى المصلحة في المفارقة عن المرأة فارقها. ثم المتعارف أن يقال: آليت على كذا وإنما عدي ههنا بمن لأنه أريد لهم من نسائهم تربص أربعة أشهر كما يقال: "لي منك كذا" أو ضمن في هذا القسم المصوص معنى البعد فكأنه قيل: يبعدون من نسائهم أو يعتزلون مولين أو مقسمين. والتربص التلبث والانتظار وإضافته إلى أربعة أشهر إضافة المصدر إلى الظرف كقوله "بينهما يوم" أي مسيرة في يوم {فإن فاؤا} فإن رجعوا عما حلفوا عليه من ترك جماعها {فإن الله غفور رحيم} يغفر للمولين ما عسى يقدمون عليه من طلب الضرار بالإيلاء وهو الغالب، وإن كان من الجائز كونه على رضا منهن إشفاقاً منهن على الولد من القتل أو لغير ذلك من الأسباب {وإن عزموا الطلاق} بان عقدوا القلب على حل رابطة النكاح {فإن الله سميع عليم} وعيد على إصرارهم وتركهم الفيئة التي هي مثل التوبة. واعلم أن الإيلاء له أركان أربعة. الحالف والمحلوف به والمحلوف عليه ومدة هي ظرف المحلوف عليه. الركن الأول: الحالف وهو كل زوج يتصور منه الوقاع وكان تصرفه معتبراً في الشرع، فيصح إيلاء الذمي لعموم قوله {للذين يؤلون} وبه قال أبو حنيفة. وقال أبو يوسف ومحمد: لا يصح إيلاؤه بالله تعالى ويصح بالطلاق والعتاق، وأيضاً لا فرق عندنا بين الحر والرقيق في الحد. وعند أبي حنيفة يتنصف برق المرأة، وعند مالك برق الرجل كما قالا في الطلاق لنا أن التخصيص خلاف الظاهر، ولأن تقدير هذه المدة إن كان لأجل معنى يرجع إلى الجبلة والطبع وهو قلة الصبر على مفارقة الزوج فيستوي فيه الحر والرقيق كالحيض ومدة الرضاع ومدة العنة. ويصح الإيلاء في حالتي الرضا و الغضب بعموم الآية. وقال مالك: لا يصح إلا في حال الغضب. وأيضاً يصح الإيلاء من المرأة سواء كانت في صلب النكاح أو كانت مطلقة طلقة رجعية، لأن الرجعية يصدق عليه أنها من نسائه بدليل أنه لو قال: نسائي طوالق. وقع الطلاق عليها فتدخل تحت ظاهر قوله {يؤلون من نسائهم} ولهذا لو قال لأجنبية: والله لا أجامعك لم يكن مولياً. وإيلاء الخصي صحيح لأنه يجامع كما يجامع الفحل غير أنه لا ينزل. ومن جُبّ جميع ذكره لم يصح إيلاؤه على الأظهر لأنه لا يتحقق منه قصد الإيلاء لامتناع الأمر في نفسه. وكذا الأشل ومن بقي من ذكره بعد الجب ما دون قدر الحشفة. فإن آلى ثم جب فالأصح ثبوت الخيار لها فإن لم تفسخ بقي الإيلاء على الأظهر لأن العجز عارض وقد قصد الإضرار في الابتداء وإذا كانت المرأة رتقاء أو قرناء فالحكم كما في الجب ولا يصح إيلاء الصبي والمجنون بحال. الركن الثاني: المحلوف به وهو إما الله تعالى وصفاته أو غيره. فإن حلف بالله كان مولياً، ثم إن جامعها في مدة الإيلاء خرج عن الإيلاء. وهل يجب عليه كفارة اليمين؟ الجديد وقول أبي حنيفة أنه يجب عليه كفارة اليمين، لأن الدلائل الدالة على وجوب الكفارة عند الحنث باليمين عامة، وأي فرق بين أو يقول: والله لا أقربك" ثم يقربها وبين أن يقول: "والله لا أكلمك" ثم يكلمها. وإنما ترك ذكر الكفارة في الآية لأنها مبنية في سائر المواضع من القرآن وعلى لسان الرسول. وقوله تعالى {فإن الله غفور رحيم} يدل على عدم العقاب وأنه لا ينافي الكفارة كالتائب عن الزنا أو القتال لا عقاب عليه، ومع ذلك يجب عليه الحد والقصاص. وأما إن كان الحلف في الإيلاء بغير الله كما إذا قال: إن وطئتك فللَّه علي عتق رقبة أو صدقة أو حج أو صوم أو صلاة. فهل يكون مولياً؟ الجديد وهو قول أبي حنيفة ومالك وجماعة من العلماء أنه يكون مولياً لأن العتق والطلاق المعلقين بالوطء يحصلان لو وطئ فيكون ما يلزمه الوطء مانعاً له من الوطء، ويكون هو بتعليقه بالوطء مضراً بها فيثبت لها المطالبة كما في اليمين بالله تعالى حتى يضيق الأمر عليه بعد مضي أربعة أشهر ليفيء أو يطلق. ولا يخفى أنه لو كان المعلق به إلزام قربة في الذمة فعليه ما في نذر اللجاج. وفيه أقوال أصحها أن عليه كفارة اليمين، والثاني عليه الوفاء بما سمى، والثالث التخيير بين كفارة اليمين وبين الوفاء. الركن الثالث: المحلوف عليه وهو الجماع وهذا من صرائح ألفاظه، وكذا النيك والوطء والإصابة ومن كناياتها المباضعة والملامسة والمباشرة فلا تعمل إلا بالنية. الركن الرابع: المدة. فعن ابن عباس أنه لا يكون مولياً حتى يحلف أن لا يطأها أبداً، وعن الحسن وإسحاق أنه مول وإن حلف يوماً. وهذان المذهبان في غاية البعد. وعن أبي حنيفة والثوري أنه لا يكون مولياً حتى يحلف على أن لا يطأها أربعة أشهر أو فيما زاد. وعن مالك وأحمد و الشافعي أنه لا يكون مولياً حتى تزيد المدة على أربعة أشهر. فعند الشافعي إذا آلى منها أكثر من أربعة أشهر أجل لأربعة أشهر. وهذه المدة تكون حقاً للزوج فإذا مضت طالبت المرأة الزوج بالفيئة أو الطلاق، فإن امتنع الزوج منهما طلقها الحاكم عليه. وعند أبي حنيفة إذا مضت أربعة أشهر يقع الطلاق بنفسه، حجة الشافعي أن الفاء في قوله {فإن فاؤا} تقتضي كون ما بعدها من حكمي الفيئة والطلاق مشروعاً متراخياً عن انقضاء الأشهر الأربعة. وأيضاً قوله {وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم} صريح في أن وقوع الطلاق وإنما يكون بإيقاع الزوج، وفي أن الزوج لا بد أن يصدر عنه شيء يكون مسموعاً وما ذاك إلا إيقاع الطلاق. أجاب أبو حنيفة بأن قوله {فإن فاؤا} تفصيل للحكم المتقدم كما تقول: "أنا نزيلكم هذا الشهر. فإن حمدتكم أقمت عندكم إلى آخره وإلا لم أقم وأتحول" وأيضاً الإيلاء طلاق في نفسه، فالطلاق إشارة إليه. وأيضاً الغالب أن العازم للطلاق والضرار وترك الفيئة لا يخلو من مقاولة ودمدمة وحديث نفس، فذلك الذي يسمعه الله كما يسمع وسوسة الشيطان. واستدل على صحة مذهبه في أن الفيئة لا بد أن تقع في الأشهر بقراءة عبد الله بن مسعود فإن {فاؤا فيهن} ورد بأنها شاذة فلا معول عليها والرجوع إلى الحق أولى الله حسبي. التأويل: كما أن النساء محيضاً في الظاهر وهو سبب نقصان إيمانهن يمنعهن عن الصلاة والصيام فكذا للرجال محيض في الباطن وهو سبب نقصان إيمانهم يمنعهم عن حقيقة الصلاة وهي المناجاة، وعن حقيقة الصوم وهي الإمساك عن مشتهيات النفوس. وكما أن المحيض هو غلبة الدم فكذلك الهوى هو غلبة دواعي الصفات البشرية والحاجات الإنسانية، فكلما غلب الهوى تكدر الصفا وحصل الأذى. وقد قيل: قطرة من الهوى تكدر بحراً من الصفا. ولذلك نودي من سرادقات الجلال: يا قلوب الرجال اعتزلوا نساء النفوس في محيض غلبات الهوى {حتى يطهرن} يفرغن من قضاء الحوائج الضرورية للإنسان من المأكول والمشروب والمنكوح {فإذا تطهرن} بماء التوبة والإنابة ورجعن إلى الحضرة في طلب القربة {فأتوهن من حيث أمركم الله} يعني عند ظهور شواهد الحق لزهوق باطل النفس واضمحلال هواها {إن الله يحب التوابين} عن أوصاف الوجود {ويحب المتطهرين} بأخلاق المعبود بل يحب التوابين عن بقاء الوجود ويحب المتطهرين ببقاء الشهود {نساؤكم حرث لكم} الرجال البالغون الواصلون إلى عالم الحقيقة المتصرفون فيما سوى الله بتصرف الحقّ فهم رجال وما دون الله نساؤهم وهم الأنبياء والأولياء القائمون بالله الداعون إلى الله بإذنه. فكما أن الدنيا مزرعة الآخرة لقوم، فالدنيا والآخرة مزرعتهم ومحرثهم يحرثون فيها أنى شاءوا وكيف شاءوا {أية : وما تشاءون إلا أن يشاء الله} تفسير : [التكوير: 29] فقد فنيت مشيئتهم في مشيئته تعالى وبقيت قدرة تصرفهم بتقويته {لا يؤاخذكم الله} القلب كالأرض للزراعة، والجوارح كآلات الحراثة، والأعمال والأقوال كالبذر. فالبذر ما لم يقع في الأرض المرتبة للزراعة لا ينبت وإن كان فيها آلة من آلات الحراثة. أما إن كان لما يجري على الظواهر من الخبر أدنى أثر في القلب ولو كان مثقال ذرة فإن الله تعالى من كمال فضله وكرمه لا يضيعه بل يضاعفه، وإن كان ما يجري عليه في الظاهر شراً فإن لم يكن له أثر في القلب كان لغواً ولا يؤاخذه، وإن كان له أثر في القلب فهو بصدد المؤاخذة وإن شاء الله غفره. {للذين يؤلون من نسائهم} من وقع له من أهل القصد وقفة أو فترة في أثناء السلوك من ملالة النفس أو نفرة الطبع فعلى الشيخ والأصحاب أن لا يفارقوه في الحقيقة ويعاونوه بالهمم العلية ويتربصوا أربعة أشهر للرجوع لأن هذه مدة تعلق الروح بالجنين كما جاء في الحديث "حديث : إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوماً نطفة ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك" تفسير : إلى آخره {فإن فاءوا} الفيئة إلى صدق الطلب ورعاية حق الصحبة ونفخ فيه روح الإرادة مرة أخرى لاحظوه بعين القبول، فإن هذا ربيع لا يرعاه إلا المهزولون، وربع لا يسكنه إلا المعزولون، بل شراب لا يذوقه إلا العارفون، وغناء لا يطرب عليه إلا العاشقون {وإن عزموا الطلاق} لعزمه على طلاق منكوحة المواصلة {فإن الله سميع} لمقالتهم {عليم} بحالتهم وهو حسبي.
الثعالبي
تفسير : قوله تعالى: {وَيَسْـئَلُونَكَ عَنِ ٱلْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى } قال الطبريُّ عن السُّدِّيِّ: إنَّ السائلَ ثابتُ بْنُ الدَّحْدَاحِ، وقال قتادةُ وغيره: إِنما سألوه؛ لأنَّ العرب في المدينةِ وما والاها، كانُوا قد ٱسْتَنُّوا بسُنَّة بني إِسرائيل في تجنُّب مواكلة الحائِضِ، ومساكَنَتِها، فنزلَتِ الآية. وقوله تعالى: {فَٱعْتَزِلُواْ ٱلنِّسَآء فِي ٱلْمَحِيضِ} يريدُ: جماعَهُنَّ بما فَسَّر من ذلك رسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم مِنْ أنْ تشدَّ الحائِضُ إِزارها، ثُمَّ شأنُه بأعلاها. قال أحمدُ بن نَصْرِ الداووديّ: روي أنَّ رَسُولَ اللَّه صلى الله عليه وسلم قَالَ: «حديث : ٱتَّقُوا النِّسَاءَ فِي المَحِيضِ؛ فَإِنَّ الجُذَامَ يَكُونُ مِنْ أَوْلاَدِ المَحِيضِ» تفسير : انتهى. قوله تعالى: {وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ}، وقرأ حمزة وغيره «يَطَّهَّرْنَ»؛ بتشديد الطاء والهاء، وفتحهما، وكلُّ واحدة من القراءَتَيْنِ يحتملُ أنْ يراد بها الاِغتسالُ بالماء، وأن يراد بها انقطاعُ الدمِ، وزوالُ أذاه، قال ابنُ العربيُّ في «أحكامه»: سمعْتُ أبا بَكْرٍ الشَّاشِيَّ يقولُ: إِذا قيل: لا تَقْرَبْ؛ بفتح الراء، كان معناه: لا تَلْتَبِسْ بالفعلِ، وإِذا كان بضم الراء، كان معناه لا تَدْن منه. انتهى. وجمهورُ العلماء علَىٰ أنَّ وطأها في الدَّمِ ذنْبٌ عظيمٌ يتاب منْه، ولا كفَّارة فيه بمالٍ، وجمهُورهم علَىٰ أن الطُّهْر الذي يُحِلُّ جماعَ الحائِض، هو بالماءِ؛ كطهر الجُنُب، ولا يجزىء من ذلك تَيَمُّمٌ ولا غيره. وقوله تعالى: {فَإِذَا تَطَهَّرْنَ...} الآية: الخلافُ فيها كما تقدَّم، وقال مجاهدٌ وجماعةٌ: {تَطَهَّرْنَ }، أي: ٱغتسلْنَ بالماء بقرينةِ الأمر بالإِتيان؛ لأنَّ صيغة الأمْرِ من اللَّهِ تعالَىٰ لا تقعُ إِلا على الوَجْه الأكمل، و {فَـأْتُوهُنَّ }: أمر بعد الحَظْر يقتضي الإِباحة، والمعنَىٰ: من حيثُ أمركم اللَّه بٱعتزالهنَّ، وهو الفَرْج، أو من السُّرَّة إِلى الرُّكْبة؛ على الخلاف في ذلك، وقال ابن عبَّاس: المعنى: من قِبَلِ الطُّهْرِ، لا من قِبَلِ الحَيض، وقيل: المعنى مِنْ قِبَلِ حالِ الإِباحة، لا صائماتٍ ولا مُحْرِماتٍ، ولا غيرَ ذلك، والتَّوَّابُون: الرجَّاعون، وعُرْفُهُ من الشَّرِّ إِلى الخير، والمُتَطَهِّرْونَ: قال عطاءٌ وغيره: المعنَىٰ: بالماء، وقال مجاهد وغيره: المعنى: من الذنوب.
ابن عادل
تفسير : "المحيض" فعل من الحيضِ، ويُرادُ به المصدرُ، والزمانُ، والمكانُ، تقولُ: حاضِت المرأَةُ تحيضُ، حَيضاً ومَحِيضاً، ومَحاضاً، فَبَنَوْه على مَفْعلٍ ومَفْعَل بالكَسرِ والفتحِ. واعلم أنَّ في المَفْعَل مِنْ يَفْعِل بكسر العينِ ثلاثة مذاهب: أحدها: أَنَّهُ كالصَّحيح، فتُفْتَحُ عينهُ مراداً به المصدرُ، وتُكسَرُ مراداً به الزَّمانُ والمكانُ. والثَّاني: أَنْ يُتَخَيَّر بين الفتح والكسر في المصدرِ خاصَّةً، كما جاء هنا: المَحيضُ والمحَاضُ، ووجهُ هذا القول: أنَّهُ كثُر هذان الوجهان: أعني، الكسر، والفتح فاقْتَاسا. والثالث: أَنْ يُقْتَصَرَ على السَّماعِ، فيما سُمِع فيه الكَسرُ، أو الفتحُ، لا يَتَعَدَّى. فالمحيضُ المُرادُ به المَصْدَرُ ليس بمقيسِ على المذهبين الأول والثالث، مقيسٌ على الثاني. ويقال: امرأَةٌ حائِضٌ ولا يقال: "حائِضَةٌ" إلا قليلاً، أنشد الفرَّاء: [الطويل] شعر : 1079-........................ كَحَائِضَةٍ يُزْنَى بِهَا غَيْر طَاهِرِ تفسير : وَالمَعْرُوفُ أَنَّ النَّحويين فَرَّقوا بين حائضٍ، وحائضةٍ: فالمُجرَّدُ من تاء التَّأنيث بمعنى النَّسَب، أي: ذاتُ حيضٍ، وإِنْ لم يكن عليها حَيْضٌ، والملتبسُ بالتَّاءِ لِمَنْ عليها الحَيْضُ في الحال، فيُحتمل أن يكونَ مرادُ الشاعر ذلك، وهكذا كُلُّ صفةٍ مختصةٍ بالمُؤَنّثِ نحو: طَامِث ومُرْضِع وشبههما. قال القرطبيُّ: ويقال: نساءٌ حيض، وحوائض، والحَيضةُ: المرأَةُ الواحدة. والحِيضةُ بالكَسْر، الاسم والجمع الحيض، والحيضة أيضاً: الخرقةُ التي تَسْتَثْفِرُ بها المَرْأَةُ، قالت عَائِشَةُ: لَيْتَنِي كُنُتُ حِيْضَةٌ مُلْقَاةً" وكذلك المَحِيضَةُ، والجمع: المَحائص. وأصلُ الحَيض السَّيَلانُ، والانفجِارُ، يُقالُ: حَاضَ السَّيلُ وَفَاضَ، قال الفَرَّاءُ: "حَاضَتِ الشَّجَرَةُ، أي: سال صَمْغُها"، قال الأَزهرِيُّ: "وَمِنْ هَذَا قيل لِلْحَوضِ: حَيْضٌ؛ لأَنَّ المَاءَ يسيلُ إليه" والعربُ تُدْخِلُ الواو على اليَاءِ، وَالياءَ على الواوِ؛ لأَنَّهُما من حَيِّز واحدٍ، وهو الهواءُ. ويقالُ: حاضت المرأةُ وتحيَّضَتْ، ودَرَسَتْ، وعَرَكت، وطَمِثت فهي حائضٌ، ودارِسٌ، وعارِكٌ، وَطَامِثٌ، وطَامِسٌ، وكَابِرٌ، وَضَاحِكٌ. قال تعالى: {أية : فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ}تفسير : [يوسف:31] أي: حضن، وقال تعالى: {أية : فَضَحِكَتْ}تفسير : [هود:71]. قال مجاهد: أي: حاضَتْ ونافس أيضاً، والظَّاهر أن المحيض مصدرٌ كالحيضِ، ومثله: "المَقِيلُ" مِنْ قال يقِيلُ؛ قال الرَّاعِي: [الكامل] شعر : 1080- بُنِيَتْ مَرَافِقُهُنَّ فَوْقَ مَزَلَّةٍ لاَ يَسْتَطِيعُ بِهَا القُرَادُ مَقِيلاَ تفسير : وكذلك قال الطَّبريُّ: "إِنَّ المَحِيضَ اسْم كالمَعِيشِ: اسمُ العَيْشِ"؛ وأنشد لرؤبة: [الرجز] شعر : 1081- إِلَيْكَ أَشْكُو شِدَّةَ المَعِيشِ وَمَرَّ أَعْوَامٍ نَتَفْنَ رِيشِي تفسير : وقيل: المَحيضُ في الآية المُرادُ به: اسمُ موضعِ الدَّم، وعلى هذا فهو مقيسٌ اتِّفاقاً، ويؤيِّد الأَوَّل قوله: {قُلْ هُوَ أَذًى}. وقد يُجَابُ عنه بأنَّ ثَمَّ حذف مضافٍ، أي: هو ذُو أَذى، ويؤيِّدُ الثَّاني قوله: {فَٱعْتَزِلُواْ ٱلنِّسَآءَ فِي ٱلْمَحِيضِ}. ومن حَمَلَه على المَصْدَرِ قَدَّر هنا حَذْفَ مُضَافٍ، أي: فاعْتَزِلُوا وَطْءَ النِّسَاءِ في زَمَانِ الحَيْضِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ المَحِيضُ الأَوَّلُ مَصْدَراً والثَّاني مكاناً. حكى الواحديُّ في "البَسيط" عن ابن السَّكِّيت: إذا كان الفعلُ من ذوات الثلاثة نحو: كَالَ يكيلُ، وحاضَ يحيض وأشباهه، فإِنَّ الاسم منه مكسور والمصدر مفتوح، مِنْ ذلك مالَ ممالاً، وهذا مميله يذهب بالكسر إلى الاسم، وبالفتح إلى المصدر، ولو فتحهما جميعاً، أو كسرهما جميعاً في المصدرِ والاسمِ لجازَ، تقول: المَعَاشُ، والمَعِيشُ، والمَغَابُ، والمَغِيبُ، والمَسَارُ والمَسِيرُ فثبت أَنَّ لفظ المحيض حقيقةٌ في موضع الحيض، وأيضاً هو اسمٌ لنفس الحيضِ. قال ابن الخطيب: وعندي أَنَّهُ ليس كذلك؛ إذ لو كان المُرادُ بالمحيض هنا الحيض، لكان قوله تعالى {فَٱعْتَزِلُواْ ٱلنِّسَآءَ فِي ٱلْمَحِيضِ} معناه: فاعتزلوا النِّساء في الحيض، ويكونُ المُرادُ: فاعتزلوا النساء في زمن الحيض، يكون ظاهره مانعاً من الاستمتاع بهنَّ فيما فوق السُّرَّة، ودون الرّكبة، ولما كان هذا المنعُ غير ثابت لزم القول بتطرُّق النَّسخ، والتَّخصيص إلى الآية، وهو خلاف الأصل، أما إذا حملنا المحيض على موضع الحيض؛ كان معنى الآية: فاعتزلوا النِّسَاءَ في موضع الحيض من النِّسَاء، وعلى هذا التَّقدير لا يتطرَّقُ إلى الآية نسخٌ، ولا تخصِيصٌ. ومن المعلوم أَنَّ اللَّفْظ إذا كان مشتركاً بين معنيين وكان حمله على أحدهما يوجب محذوراً، وعلى الآخر لا يوجب ذلك المحذور، فإِنَّ حمل اللَّفظ على المعنى الَّذِي لا يُوجِبُ المحذورَ، أولى إذا سلَّمنا أَنَّ لفظ المحيض مشتركٌ بين الموضع، وبين المصَدرِ. فإن قيل: الدَّليلُ على أَنَّ المُراد من المحيض الحيضُ قوله: {قُلْ هُوَ أَذًى}، ولو كانَ المُرَادُ الموضع لما صَحَّ هذا الوَصْفُ. قلنا: بتقدير أَنْ يكون المحيض عبارة عن الحَيض، فالحيض نفسُهُ ليس بِأَذى لأن "الحَيْضَ" عبارةٌ عن الدَّمِ المخصوص، و "الأَذَى" كيفيَّةٌ مخصوصَةٌ وهو عرض، والجسم لا يكُونُ نفس العرض فَلا بُدَّ أَنْ يقُولُوا: المرادُ منه أَنَّ الحيض موصوف بكونه أذى، وإذا جاز ذلك فيجُوزُ لنا أيضاً أن نقول: إِنَّ المراد منه أنَّ ذلك المَوْضع ذو أذًى، وأيضاً لم لا يجوزُ أَنْ يكون المراد بالمحيض الأَوَّل الحيض، وبالمحيض الثَّاني موضع الحيضِ كَمَا تقدَّمَ وعلى هذا فيزولُ الإِشكالُ. فصل في بيان مغالاة اليهود وغيرهم في أمر الحيض "حديث : عن أنس بن مالك أَنَّ اليهُود، والمَجُوس كانُوا يبالغون في التَّباعد عن المرأَةِ حال حيضها، والنَّصارَى كانوا يجامعوهنّ ولا يبالون بالحيض، وأَنَّ أَهْلَ الجاهِليَّةِ كانُوا يقولُونَ مثل قولِ اليَهُودِ، والمَجُوسِ، وكانوا إذا حَاضَتِ المرأَةُ؛ لم يُؤَاكِلُوها، ولم يُشارِبُوها، ولم يُجَالِسُوها على فراشٍ، ولم يساكنوها في بيتٍ كفعل اليهود والمجوس، فسئل رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن ذلك، فأنزل الله هذه الآية، فأخذ المُسْلِمُون بظاهر الآية، فأخرجوهنّ من بيوتهن، فقال ناسٌ من الأَعْراب: يا رسُول اللهِ البردُ شديدٌ، والثِّيابُ قَلِيلةٌ، فإِنْ آثرناهن بالثِّيابِ، هلك سائِرُ أهل البيت، وإن اسْتَأْثَرْنَاهَا هلكت الحيض، فقال عليه الصّلاة والسّلام: إِنَّمَا أَمَرْتُكُم أَنْ تَعْتَزِلُوا مُجَامَعَتهنَّ إِذَا حِضْن ولَمْ آمُرُكُم بإِخْرَاجِهِنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ كَفِعْلِ الأَعاجِمِ" فلمَّا سمع اليهُودُ ذلك قالوا: هذا الرَّجُلُ يُرِيدُ أَلاَّ يدع شيئاً من أمرنا، إلاَّ خالفنا فيه. فَجاء أُسيِّد بن حُضيرٍ وعباد بن بشر إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقالا: يا رسُول اللهِ إِنَّ اليهُود تقول كذا وكذا، أفلا ننكحهنّ في المحيض، فتغير وجه رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ حتَّى ظننا أَنَّه غضب عليهما، فخرجا؛ فَجَاءَتْهُ هديَّةٌ مِنْ لَبَنِ، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهما فسقاهما فعلمنا أنه لم يغضب عليهما . تفسير : فصل في مجيء "يسألونك" بحرف الواو وجاء: "وَيَسْأَلُونَكَ" ثلاثَ مرَّاتٍ بحرفِ العطفِ بعد قوله: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْخَمْرِ} وهي: {وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ}، {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْيَتَامَىٰ} {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْمَحِيضِ} وجاء "يَسْأَلُونَكَ" أربع مراتٍ من غيرِ عطفٍ: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلأَهِلَّةِ} {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ} {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الحَرَامِ} {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الخَمْرِ}. فما الفرقُ؟ والجوابُ: أَنَّ السُّؤالات الأَواخر وقعَتْ في وقتٍ واحدٍ، فجُمِع بينها بحرفِ الجمعِ، وهو الواوُ، أَمَّا السّؤالاتُ الأُوَلُ فوقعَتْ في أوقاتٍ متفرقةٍ، فلذلك استؤْنِفَتْ كلُّ جملةٍ، وجيء بها وحدها. وقوله: "هو أَذًى" فيه وجهان: أحدهما: قاله أبو البقاء: "أَنْ يكُونَ ضمير الوطءِ الممنوع" وكأنه يقول: إِنَّ السِّياق يدلُّ عليه، وإِنْ لم يَجْرِ له ذِكْرٌ. الثَّاني: أَنْ يعود على المحيض، قال أبو البقاء: "ويكون التَّقدير: هو سببُ أَذًى" وفيه نظرٌ؛ فإنَّهم فَسَّروا الأَذَى هنا بالشَّيء القَذِر، فإذا أَرَدْنا بالمَحِيضِ نَفْسَ الدَّمِ، كان شيئاً مُسْتَقْذَراً، فلا حاجة إلى تقديرِ حَذْفِ مضافٍ. فصل في المراد من "الأذى" قال عطاءٌ، وقتادةٌ، والسُّدِّيُّ: هو أَذًى، أي: قذر واعلم أَنَّ الأَذَى في اللُّغة ما يكره مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، ويحتمل أن يَكُونَ قوله: "هُوَ أَذًى"، أي: سببُ الأَذَى قالوا: لأَنَّ من جَامَعَ في الحَيْض، قد يحصُلُ له في ذكره وأنثييه تفتيح وقروح. وقوله: {فَٱعْتَزِلُواْ ٱلنِّسَآءَ فِي ٱلْمَحِيضِ}. الاعتزالُ: التَّنَحِّي عن الشَّيْءِ، وأَرَاد به هاهنا: تَرْكَ الوَطءِ، وقدَّم ذكر العِلَّة، وهي الأذى، ثم رَتَّبَ الحُكْم، وهو وجوب الاعتزال. فإن قيل: المرادُ بـ "الأذى" هو الدَّمُ، وهو حاصِلٌ في وقت الاستحاضة مع أن اعتزال المرأة وقت الاستحاضة، غير واجب، فانتقضت هذه العِلَّةُ. والجواب: أَنَّ دم الحيض دَمٌ فاسِدٌ يتولّد من فضلة تدفعها طبيعة المرأة من عمق الرَّحم، ولو احْتَبَسَتْ تلك الفضلةُ لمرضت المرأةُ، فذلك الدَّمُ جارٍ مجرى البَوْلِ، والغائط، فكان أَذًى وقذراً، وأَمَّا دمُ الاستحاضة، فليس كذلك، بل هو دَمٌ صالحٌ يسير من عروق تنفجر من عمق الرَّحِمِ، فلا يكونُ أذى، قال ـ عليه الصَّلاة والسَّلام ـ لما سئل عن الاستحاضة فقال: "حديث : إِنَّ ذَلكَ دَمُ عِرْق، ولَيْسَ بِالحَيْضَةِ ". تفسير : قال ابن الخطيب: وهذا جوابٌ طبّيٌّ مُخَلِّصٌ ظاهر القرآن مِنَ الطَّعن. فصل في بيان صفات دم الحيض اعلم أَنَّ الحيضِ موصوفٌ بصفاتٍ حقيقيةٍ، ويتفرَّعُ عليه أحكام شرعيّة فالصِّفاتُ نوعان: الأول: المنبعُ؛ فدم الحيض يخرجُ من الرَّحم، قال تعالى: {أية : وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ ٱللهُ فِيۤ أَرْحَامِهِنَّ}تفسير : [البقرة:228] قيل في تفسيره إنَّ المراد منه الحيض والحمل، وأَمَّا دم الاستحاضة، فإِنَّهُ لا يخرجُ من الرَّحم، لكن من عروق تنقطع من فم الرَّحم، "حديث : قال عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ في صفة دم الاستحاضة: إِنَّهُ دَمُ عِرْقٍ انْفَجَرَ"تفسير : ، وهذا يؤيّدُ ما تقدَّمَ في الجواب. النوع الثاني: من صفات دم الحيضِ التي وصفه بها رسول اللهِ ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهي سِتّ: أحدها: إنه أسود. الثاني: أنه ثخين. الثالث: محتدم وهو المحترقُ من شدَّةِ حرارته. الرَّابع: أنه يخرُجُ برفق لا يسيلُ سيلاناً. الخامس: أنَّ له رائحة كريهة بخلاف سائر الدماء؛ وذلك لأنه من الفضلات التي تدفعها الطبيعة. والسادس: أنه بحراني وهو الشَّدِيدُ الحمرة، وقيل ما تحصُلُ فيه كدورة تشبيهاً له بماء البحر. فهذه صفاته الحقيقيّة، ثم مِنَ النَّاسِ من قال: إِنَّ دَمَ الحَيْضِ يتميَّزُ عن دمِ الاستحاضة، فكلُّ دم موصوف بهذه الصِّفَات، فهو دَمْ حَيْضِ وما لا فلا، وما اشتبه الأمرُ فيه فالأَصْلُ بقاء التَّكليف، ولا يزول إلا بعارض الحيض، فإذا لم يُعلمْ وجوده؛ بقيت التَّكَاليفُ على ما كانت وقال آخرون: هذه الصِّفَاتُ قد تشتَبِهُ على المُكَلّف، فإيجاب التأمل من تلك الدِّمَاء يقتضي عسراً ومشقة فقدر الشارع وقتاً مضبوطاً، متى حصلت فيه الدِّمَاءُ كان حُكمُها حُكم الحَيْض كيفما كانت صفةُ تلك الدِّماء قَصْداً إلى إسقاط العُسْرِ والمَشَقَّةِ. فصل اختلف العُلَماءُ في مُدَّةِ الحيضِ، فقال عليُّ بن أبي طالب - رضي الهُ عنه -: أقلُّه يوم ولَيْلَة، وأكثرُهُ خمسة عشر يوماً، وهو قولُ عطاء بن أَبي رباحٍ، والأوزاعيِّ، والشَّافِعِيّ، وأحمد، وإسحاق. وقال أبو حنيفة، والثَّورِيّ: أقلّه ثلاثة أيَّام ولياليهن، فإِنْ نقص عنه، فهو دمٌ فاسد؛ وأكثره عشرةُ أيَّامِ. قال أبو بكر الرَّازِيُّ في "أحكام القُرْآن": وقد كان أبُو حنيفة يقولُ بقول عطاءِ، ثم تركه. وقال مَالِكٌ: لا تقديرَ له في القِلَّةِ، والكثرة، فإن وُجِدَ ساعةً، فهو حيض، وإن وجد أيّاماً، فكذلك. واحتجَّ أبُو بكر الرازيُّ في "أَحْكَامِ القُرْآنِ" على فساد قول مالكٍ بأنه: لو كان التَّقْدير ساقطاً في القليل، والكثِير، لوجب أَنْ يكُونَ الحيض هو الدّم الموجود من المرأة فيلزم ألاَّ يوجد في الدنيا مستحاضة لأن كل ذلك الدم يكون حيضاً على المذهب، وذلك باطِلٌ بالإجماع ولأنه روي أَنّ فاطمة بنت أبي حبيش قالت للنّبيّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ "إِنِّي أُسْتَحَاضُ فَلا أَطْهُرُ" وروي أَنّ حمنة استحيضت سبع سنين ولم يقل النَّبيُّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ لهما إن ذلك حيض بل أخبرهما أَنّ منه ما هو حيضٌ، ومنه ما هو استحاضةٌ، فبطل هذا القول ويمكن الجواب عنه بأن نقُولَ: إِنَّما يتميَّزُ دم الحيض عن دم الاستحاضة بالصِّفات التي قدّمناها لدم الحيضِ، فإذا عدمت؛ حكمنا بدم الحيض، وإِنْ تَرَدَّدْنا فيهما، كان طريانُ الحيض مجهولاً، وبقاء التّكليف الَّذِي هو الأَصلُ معلوم، والمشكوك لا يارض المعلوم، فلا جَرَمَ قلنا ببقاء التَّكاليف، فبهذا الطّريق يميز الحيض عن الاستحاضة وإن لم يجعل للحيض زماناً معيّناً. واحتجَّ مالكٌ ـ رضي اللهُ عنه ـ بوجهين: الأول: أَنَّ النَّبيَّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ بيَّنَ علامة دم الحيض، وصفته كما قدمنا في قوله: "حديث : دَمُ الحَيْضِ هُوَ الأَسْوَدُ المُحْتَدمُ" تفسير : وإذا كان الدَّمُ موصوفاً بهذه الصِّفَةِ، كان الحيضُ حاصِلاً، فيدخلُ تحت قوله: {فَٱعْتَزِلُواْ ٱلنِّسَآءَ فِي ٱلْمَحِيضِ}. الثاني: قوله في دم الحيض "هُو أَذى"، ذكر كونهُ أَذًى في معرض العِلَّة، لوجوب الاعتزال، وإِنَّما كان "أَذًى" للرَّائِحَة المنكرة التي فيه، واللون الفاسد وللحدةِ القوية الَّتي فيه، وإذا كان وجُوبُ الاعتزال معللاً بهذه المعاني، وجب الاحتراز عملاً بالعِلَّةِ المذكورة في كِتابِ الله. واحتجّ الشَّافعيُّ على أبي حنيفة بوجهين: الأول: أنه وجد دم الحيض في اليوم بليلته، وفي الزَّائد عن العشرة لأنه ـ عليه الصَّلاة والسَّلام ـ وصف دم الحيض بأنه أسود محتدم، فإذا وجد ذلك، فقد حصل الحيض فيدخل تحت قوله: {فَٱعْتَزِلُواْ ٱلنِّسَآءَ فِي ٱلْمَحِيضِ} تركنا العمل بهذا الدّليل في الأقلّ من يوم وليلة وفي الأكثر من خمسة عشر يوماً باتِّفاق بيني وبينك يا أبا حنيفة؛ فوجب أن يبقى معمولاً به في هذه المدَّة. الثاني: أنَّه ـ عليه الصَّلاة والسَّلام ـ بيّن نقصان دينها: بأنها تمكث شطر عمرها لا تصلّي، وهذا يدلُّ على أنَّ الحيضة قد تكون خمسة عشر يوماً؛ لأن على هذا التقدير يكون الطهر خمسة عشر يوماً؛ فيكون الحيض نصف عمرها، ولو كان أقلّ من ذلك لم تكن تاركة للصَّلاة نصف عمرها. أجاب أبو بكر الرَّازيُّ عنه بوجهين: الأوَّل: أن الشَّطر ليس هو النِّصف، بل هو البعض. والثاني: أنه لا يوجد في الدُّنيا امرأة تكون حائضاً نصف عمرها، لأن ما مضى من عمرها قبل البلوغ هو من عمرها. والجواب عن الأول: أنَّ الشَّطر هو النِّصف، يقال: شطرت الشَّيء أي جعلته نصفين، ويقال في المثل: "احْلُبْ حَلْباً لَكَ شَطْرُهُ" أي نصفه. وعن الثاني: أن قوله ـ عليه الصَّلاة والسَّلام ـ: "حديث : تَمْكُثُ إِحْدَاكُنَّ شَطْرَ عُمْرِهَا لاَ تُصَلِّي" تفسير : إنّما يتناول زماناً هي تصلّي فيه، وذلك لا يتناول إلا زمان البلوغ. واحتجَّ أبو بكر الرازي على قول أبي حنيفة بوجوه: الأول: ما روى أبو أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : أَقَلّ الحَيْضِ ثَلاثَة أَيَّامٍ، وَأَكْثَرُهُ عَشْرَةُ أَيَّام" تفسير : فإن صحَّ هذا الحديث، فلا معدل عنه لأحد. الثاني: روي عن أنس بن مالك، وعثمان بن أبي العاص الثَّقفيّ أنهما قالا: "الحيضُ ثلاثةُ أيَّامٍ، وأربعة أيَّامٍ إلى عَشَرَةِ أيَّام، وما زاد فهو اسْتِحَاضَة" وهذا قول صحابي لم يخالفه أحدٌ، فكان إجماعاً، ولأنَّه إذا ورد قول عن صحابي فيما لا سبيل للعقل إليه، فالظَّاهر أنَّه سمع من النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم. الثالث: "حديث : قوله ـ عليه الصَّلاة والسَّلام ـ لحمنة بنت جحش: تحيضي في علم الله ستّاً، أو سَبْعاً، كما تَحِيضُ النِّسَاء في كُلِّ شَهْرٍ" تفسير : فقوله: "حديث : كَمَا تَحِيضُ النِّسَاءُ في كُلِّ شَهْرٍ" تفسير : مقتضاه أن يكون حيض النِّسَاء في كلِّ شهر هذا القدر، خالفنا هذا الظَّاهر في الثَّلاثة إلى العشرة، فيبقى ما عداه على الأصل. الرابع: قول عليه الصَّلاة والسَّلام: "حديث : مَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ أَغْلَبَ لِعُقُولِ ذَوِي الأَلْبَابِ مِنْهُنَّ" فقيل: ما نقصان دينهن؟ قال: "تَمْكُثُ إِحْدَاهُنَّ الأَيَّامَ واللَّيَالِي لاَ تُصَلِّي ". تفسير : فهذا يدلُّ على أنَّ مدَّة الحيض ما يقع عليه اسم الأيّام، واللَّيالي، وأقلّها ثلاثة أيَّام وأكثرها عشرة؛ لأنَّه لا يقال في الواحد، والاثنين لفظ الأيَّام، ولا يقال في الزَّائد على العشرة أيَّام؛ بل يقال أحد عشر يوماً، أما الثَّلاثة إلى العشرة، فيقال فيها أيَّامٌ. وأيضاً "حديث : قوله ـ عليه الصَّلاة والسَّلام ـ لفاطمة بنت أبي حبيش: دَعِي الصَّلاةَ أيَّامَ أَقْرَائِك" تفسير : فلفظ الأيَّام مختصّ بالثَّلاثة إلى العشرة. وفي "حديث : حديث أُمِّ سلمة في المرأة التي سألته أنَّها تهرق الدَّم فقال: لِتَنْظُر عَدَدَ الأَيَّامِ، واللَّيَالِي الَّتِي كَانَتْ تَحِيضُ مِنَ الشَّهْرِ، ثُمَّ لِتَغْتَسِل ولتصلِّ ". تفسير : فإن قيل: لعلَّ حيض تلك المرأة كان مقدّراً بذلك المقدار قلنا: إنَّه ـ عليه الصَّلاة والسَّلام ـ ما سألها عن قدر حيضها، بل حكم عليه بذلك الحكم مطلقاً، فدلّ هذا على أنَّ الحيض مطلقاً مقدّر بما ينطلق عليه لفظ الأيَّام. وأيضاً قال في حديث عديِّ بن ثابتٍ: "المُسْتَحَاضَةُ تَدَعُ الصَّلاَةَ أَيَّامَ حَيْضِهَا" وذلك عامٌّ في جميع النِّساء. الخامس: قال الجبَّائي في "تَفْسِيرِهِ" إنّ فرض الصِّيام والصَّلاة لازم لعموم الأدلَّة، فعلى الوجوب ترك العمل بها في الثَّلاثَةَ إلى العشرة بالإجماع، وما دون الثَّلاثة وفوق العشرة حصل فيه اختلاف العلماء، فأورث شبهة، فلم نجعله حيضاً، فوجب بقاء التَّكليف على أصله. فصل في حرمة جماع الحائض اتَّفق المسلمون على حرمة الجماع في زمن الحيض، واختلفوا في وجوب الكفَّارة على من جامع فيه، فذهب أكثرهم إلى أنَّه لا كفَّارة عليه فليستغفر الله ويتوب، وذهب قومٌ إلى وجوب الكفَّارة عليه؛ منهم: قتادة والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق، لما "حديث : روى ابن عبَّاس أن النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قال في رجلٍ جامع امرأته وهي حائضٌ إنْ كَانَ الدَّمُ عَبِيطاً؛ فَلْيَتَصَدّق بِدينَار، وإِنْ كَانَ صُفْرَةً، فَنِصْفُ دِينَارٍ" تفسير : وروي موقوفاً على ابن عبَّاس. واتَّفقوا على أنَّ جلّ الاستمتاع فيما فوق السُّرَّة، ودون الرُّكبة [واختلفوا بأنّه هل يجوز الاستمتاع بها فيما دون السُّرة، وفوق الرُّكبة؟] قال ابن الخطيب: إن فسَّرنا المحيض بموضع الحيض، كانت الآية دالّة على تحريم الجماع فقط، فلا يكون فيها دلالة على تحريم غيره، بل نقول: إنّ تخصيص الشَّيءِ بالذّكر يدلُّ على أنَّ الحُكْمَ فيما عداه بخلافه، وإن فسَّرنا المحيض بالمحيض، كان تقدير الآية فاعتزلوا النِّساء في زمان المحيض، وترك العمل بها فيما فوق السُّرَّة ودون الرُّكبة؛ فوجب أن يبقى الباقي على الحرمة. قوله: {وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ}، أي: لا تجامعوهنّ. قال ابن العربيّ: سمعت الشّاشيَّ يقول: إذا قيل "لا تَقْرَب" ـ بفتح الرَّاء ـ كان معناه: لا تَتَلَبَّسْ بالفعل، وإذا كان بضمّ الرَّاء كان معناه: لا تَدْنُ منه، وهذا كالتأكيد لقوله تعالى: {فَٱعْتَزِلُواْ ٱلنِّسَآءَ فِي ٱلْمَحِيضِ} فهذا نهيٌ عن المباشرة في موضع الدَّم، وقوله: "وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ" نهي عن الالتذاذ بما يقرب من ذلك الموضع. "حتّى" هنا بمعنى "إلى" والفعل بعدها منصوب بإضمار أنْ، وهو مبنيٌّ لاتصاله بنون الإناث. وقرأ حمزة والكسائيُّ، وأبو بكرٍ بتشديد الطَّاء والهاء، والأصل: يتطهَّرن، فأُدغم. والباقون: "يَطْهُرْنَ" مضارع طَهُرَ، قالوا: وقراءة التَّشديد معناها يغتسلن، وقراءة التَّخفيف معناها ينقطع دمهنَّ. ورجَّح الطَّبري قراءة التَّشديد وقال: "هي بِمَعْنَى يَغْتَسِلْنَ لإجماع الجميع على تَحْرِيم قُرْبَان الرَّجُل امرأته بعد انقطاع الدَّم حتَّى تطهر، وإنما الخلاف في الطهر ما هو؟ هل هو الغسل أو الوضوء، أو غسل الفرج فقط؟". قال ابن عطيَّة: "وكلُّ واحدة من القراءتين تحتمل أن يراد بها الاغتسال بالماء، وأن يراد بها انقطاع الدَّم وزوال أذاه". قال: "وَمَا ذَهَبَ إليه الطَّبريُّ مِنْ أنَّ قِرَاءَةَ التَّشْدِيد مُضَمَّنُها الاغتسال، وقراءة التَّخفيف مُضَمَّنُها انْقِطَاعُ الدَّمِ أمرٌ غيرُ لاَزِم، وكذلك ادِّعَاؤهُ الإجماع" وفي رد ابن عطيَّة عليه نظرٌ؛ إذ لو حملنا القراءتين على معنى واحدٍ لزم التِّكرار. ورجَّح الفارسيُّ قراءة التَّخفيف؛ لأنها من الثلاثي المضادِّ لطمث وهو ثلاثي. فصل في ورود لفظ الطهور في القرآن قال أبو العبَّاس المقري: ورد لفظ "الطُّهُورِ" في القرآن بإزاء تسعة معانٍ: الأول: انقطاع الدَّم، قال تعالى: {وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ} [البقرة:222]، أي: حتى ينقطع الدَّم. الثاني: الاستنجاء بالماء؛ قال تعالى: {أية : فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ}تفسير : [التوبة:108]، أي: يستنجون بالماء. الثالث: الاغتسال، قال تعالى: {فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ} [البقرة:222] أي: اغْتَسَلْنَ. الرابع: التَّنظيف من الأدناس، قال تعالى: {أية : وَلَهُمْ فِيهَآ أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ}تفسير : [البقرة:25]. الخامس: التَّطهُّر من الذُّنوب؛ قال تعالى: {أية : لاَّ يَمَسُّهُ إِلاَّ ٱلْمُطَهَّرُونَ}تفسير : [الواقعة:79]، ومثله: {أية : خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ}تفسير : [التوبة:103]. السادس: التَّطهير من الشّرك، قال تعالى: {أية : وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّآئِفِينَ}تفسير : [الحج:26]، أي: طهره من الشرك. السابع: الطهور الطيب، قال تعالى: {أية : ذٰلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ}تفسير : [الأحزاب:53] أي أطيب. الثامن: الطهور الحلّ، قال تعالى: {أية : هَـٰؤُلاۤءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ}تفسير : [هود:78]، أي: أحل. التاسع: التطهر من الرّجس، قال تعالى: {أية : وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيـراً}تفسير : [الأحزاب:33]، أي: من الآثام والرِّجس. فصل في بيان النَّهي عن الإتيان هل بعد انقطاع الدم أو الاغتسال. استدلّ أبو حنيفة ـ رضي الله عنه ـ بقوله تعالى: {وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ} بأنه نهيٌ عن قربانهن إلى غاية، وهي أن يطهرن، أي ينقطع حيضهنّ، وإذا كان انقطاع الحيض غايةً للنَّهي؛ وجب أن يزول النَّهي عند انقطاع الحيض. وأجيب بأنَّه لو اقتصر على قوله "حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ"، لكان ما ذكرتم لازماً أما إذا انضم إليه قوله: {فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ} صار المجموع هو الغاية، وذلك بمنزلة أن يقول الرَّجل: لا تكلِّم زيداً حتى يدخل الدَّار، فإذا طابت نفسه بعد الدُّخول، فكلّمه، فإنّه يجب أن يتعلّق إباحة كلامه بالأمرين جميعاً. فإن قيل: يحمل قوله: "فَإِذَا تَطَهَّرْنَ" على غسل الموضع، فإنَّه يجب غسله بإجماع، فالجواب أنَّ ظاهر قوله: "فَإِذَا تَطَهَّرْنَ" حكم عائد إلى ذات المرأة، فوجب أن يكون هذا التَّطهير في كلّ بدنها لا في بعض بدنها، وأيضاً فنحمله على التَّطهير الثَّابت في المستحاضة لثبوته في الحيض، والمراد به الاغتسال، إذا أمكن وجود الماء. فصل في هل تجبر الكتابيَّة على الاغتسال من الحيض اختلفوا في الكتابيَّة؛ هل تجبر على الغسل؟ فقيل تجبر لقوله تعالى: {فَإِذَا تَطَهَّرْنَ} يعني بالماء، ولم يخص مسلمة من غيرها. وقيل: لا تجبر؛ لأنها لا تعتقد ذلك، وقال تعالى: {أية : وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ ٱللهُ فِيۤ أَرْحَامِهِنَّ إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِٱللهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ}تفسير : [البقرة:228] وهو الحيض والحمل، وهذا خطاب للمؤمنات. وقال: {أية : لاَ إِكْرَاهَ فِي ٱلدِّينِ}تفسير : [البقرة:256]. قوله: "فَإِذَا تَطَهَّرْنَ" يعني اغتسلن، "فَأْتُوهُنَّ" أي: فجامعوهنّ. قوله: {مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ ٱللهُ} في "مِنْ" قولان: أحدهما: أنَّها لابتداء الغاية، أي: من الجهة الَّتي تنتهي إلى موضع الحيض. والثاني: أن تكون بمعنى "في"، أي: في المكان الذي نهيتم عنه في الحيض. قال ابن عبَّاس، ومجاهد وإبراهيم، وقتادة وعكرمة: فأتوهنّ في المأْتى؛ فإنَّه هو الذي أمر الله به ولا تأتوهنّ في غير المأْتى؛ لقوله: {مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ ٱللهُ} أي: في حيث أمركم الله؛ كقوله: {أية : إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَٰوةِ مِن يَوْمِ ٱلْجُمُعَةِ}تفسير : [الجمعة:9]، أي: في يوم الجمعة، وقوله: {أية : مَاذَا خَلَقُواْ مِنَ ٱلأَرْضِ}تفسير : [فاطر:40]، أي: في الأرض. ورجَّح هذا بعضهم، وفي الكلام حذفٌ، تقديره: "أَمَرَكُم اللهُ بالإِتيَان منه" يعني: أنَّ المفعول الثَّاني حذف للدلالة عليه. قال الأصمُّ والزَّجَّاج: فأتوهنَّ بحيث يحلُّ لكم غشيانهنَّ، وذلك بأن لا يكنَّ صائماتٍ، ولا معتكفاتٍ، ولا محرماتٍ. وقال محمَّد بن الحنفيَّة: فأتوهنّ من قبل الحلال دون الفُجُور. والأقرب: قول ابن عباس، ومن تابعه؛ لأن لفظة "حَيْثُ" حقيقة في الكلِّ، مجاز في غيرها. فصل قال أبو العبَّاس المقري: ترد "مِنْ" بمعنى "في" كهذه الآية، وتكون زائدة؛ كقوله تعالى: {أية : يَغْفِرْ لَكُمْ مِّن ذُنُوبِكُمْ}تفسير : [نوح:4]، وقوله: {أية : شَرَعَ لَكُم مِّنَ ٱلدِّينِ}تفسير : [الشورى:13] أي: الدِّين، وقوله: {أية : رَبِّ قَدْ ءَاتَيْتَنِي مِنَ ٱلْمُلْكِ}تفسير : [يوسف:101]، أي الملك. وبمعنى "البَاءِ"؛ قال تعالى: {أية : يُلْقِي ٱلرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ}تفسير : [غافر:15] أي: بأمره، وقوله: {أية : يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ ٱللهِ}تفسير : [الرعد:11]، أي: بأمر الله، وقوله: {أية : وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلْمُعْصِرَاتِ}تفسير : [النبأ:14]، أي: بالمعصرات، وبمعنى "عَلَى"؛ قال تعالى: {أية : وَنَصَرْنَاهُ مِنَ ٱلْقَوْمِ}تفسير : [الأنبياء:77]، أي: على القوم. قال القرطبيُّ: عبَّر عن الوطء هنا بالإتيان. قوله: {إِنَّ ٱللهَ يُحِبُّ ٱلتَّوَّابِينَ} التَّوَّاب: هو المكثر من فعل ما يسمَّى توبةً، وقد يقال: هذا في حقِّ الله ـ تعالى ـ؛ من حيث إنه يكثر من قبول التَّوبة. فإن قيل: ظاهر الآية يدلُّ على أنَّه يحبُّ تكثير التَّوبة مطلقاً، والعقل يدلُّ على أن التَّوبة لا تليق إلاَّ بالمذنب، فمن لم يكن مذنباً، لا تجب منه التَّوبة. فالجواب من وجهين: الأول: أن المكلَّف لا يأمن البتَّة من التَّقصير. والثاني: قال أبو مسلمٍ: التَّوبة في اللُّغة عبارة عن الرُّجوع، ورجوع العبد إلى الله في كلِّ الأحوال محمودٌ. واعترضه القاضي: بأن التَّوبة ـ وإن كانت في أصل اللغة الرُّجوع ـ إلا أنها في عرف الشَّرع عبارةٌ عن النَّدَم على الفعل الماضي، والتَّرك في الحاضر، والعزم على ألاَّ يفعل مثله في المستقبل؛ فوجب حمله على المعنى الشَّرعيِّ دون اللُّغويّ. ولأبي مسلم أن يجيب: بأنّ مرادي من هذا الجواب، أنّه إن أمكن حمل اللَّفظ على التَّوبة الشَّرعيَّة، فقد صحَّ اللَّفظ، وإن تعذَّر ذلك، حملناه على التَّوبة بحسب اللُّغة الأصليَّة. قوله: {وَيُحِبُّ ٱلْمُتَطَهِّرِينَ} فيه وجوه: أحدها: المراد منه التَّنزُّه عن الذُّنوب والمعاصي، قاله مجاهد. فإن قيل: كيف قدَّم ذكر المذنب على من لم يُذنب؟ فالجواب: قدَّمه لئلا يقنط التَّائب من الرَّحمة، ولا يعجب المتطهِّر بنفسه؛ كقوله في آيةٍ أخرى: {أية : فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِٱلْخَيْرَاتِ}تفسير : [فاطر:32]، قاله القرطبي. الثاني: قال عطاء ومقاتل بن سليمان والكلبيّ: "يُحِبُّ التَّوَّابِينَ من الذُّنُوبِ، والمتَطَهِّرِين بالمَاءِ من الأَحْدَاثِ والنَّجَاسَاتِ". الثالث: قال مقاتل بن حيَّان: يحب التَّوَّابين من الذُّنُوب، والمتطهِّرين من الشِّرك. الرابع: قال سعيد بن جبير: التَّوَّابين من الشِّرك، والمتطهِّرين من الذُّنوب. الخامس: أن المراد ألا يأتيها في زمان الحيض، وألاَّ يأتيها في غير المأتى على ما قال: {فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ ٱللهُ}. قال بعضهم: وهذا أولى؛ لأنه أليق بنظم الآية، ولأنَّه ـ تعالى ـ قال حكاية عن قوم لوطٍ: {أية : أَخْرِجُوهُمْ مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ}تفسير : [الأعراف:82]، فكان قوله: {وَيُحِبُّ ٱلْمُتَطَهِّرِينَ} ترك الإتيان في الأدبار. السادس: أنَّه ـ تعالى ـ لمَّا أمرهنّ بالتَّطهير في قوله: {فَإِذَا تَطَهَّرْنَ}، فلا حرم مدح التَّطهير، فقال: {وَيُحِبُّ ٱلْمُتَطَهِّرِينَ} والمراد منه التَّطهير بالماء؛ قال ـ تعالى ـ: {أية : رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ وَٱللهُ يُحِبُّ ٱلْمُطَّهِّرِينَ}تفسير : [التوبة:108]، قيل في التَّفسير: إنهم كانوا يستنجون بالماء، وكرَّر قوله "يُحِبُّ"؛ دلالةً على اختلاف المقتضي للمحبَّة، فتختلف المحبَّة.
السيوطي
تفسير : أخرج أحمد وعبد بن حميد والدارمي ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وأبو يعلى وابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس في ناسخه وابن حبان والبيهقي في سننه عن أنس "أن اليهود كانوا إذا حاضت المرأة منهم أخرجوها من البيت، ولم يؤاكلوها، ولم يشاربوها، ولم يجامعوها في البيوت. فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فأنزل الله {ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض...} الآية. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : جامعوهن في البيوت، واصنعوا كل شيء إلا النكاح. فبلغ اليهود فقالوا: ما يريد هذا الرجل أن يدع من أمرنا شيئاً إلا خالفنا فيه! فجاء أسيد بن حضير، وعباد بن بشر، فقالا: يا رسول الله إن اليهود قالت كذا وكذا أفلا نجامعهن؟ فتغير وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ظننا أن قد وجد عليهما، فخرجا فاستقبلهما هدية من لبن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأرسل في أثرهما فسقاهما، فعرفا أنه لم يجد عليهما ". تفسير : وأخرج النسائي والبزار واللفظ له عن جابر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى {ويسألونك عن المحيض} قال "حديث : أن اليهود قالوا: من أتى المرأة من دبرها كان ولده أحول، وكان نساء الأنصار لا يدعن أزواجهن يأتونهن من أدبارهن، فجاؤوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألوه عن إتيان الرجل امرأته وهي حائض؟ فأنزل الله {ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهرن} بالاغتسال {فأتوهن من حيث أمركم الله} . {نساؤكم حرث لكم} إنما الحرث موضع الولد ". تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس. أن القرآن أنزل في شأن الحائض، والمسلمون يخرجونهن من بيوتهن كفعل العجم، فاستفتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك، فأنزل الله {ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض} فظن المؤمنون أن الاعتزال كما كانوا يفعلون بخروجهن من بيوتهن حتى قرأ آخر الآية ففهم المؤمنون ما الإعتزال، إذ قال الله {ولا تقربوهن حتى يطهرن} . وأخرج ابن جرير عن السدي في قوله {ويسألونك عن المحيض} قال: الذي سأل عن ذلك ثابت بن الدحداح. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن مقاتل بن حيان في قوله {ويسألونك عن المحيض} قال: أنزلت في ثابت بن الدحداح. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة قال: كان أهل الجاهلية لا تساكنهم حائض في بيت ولم يؤاكلوهم في إناء، فأنزل الله الآية في ذلك، فحرم فرجها ما دامت حائضاً، وأحل ما سوى ذلك. وأخرج البخاري ومسلم عن عائشة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها وقد حاضت: "حديث : إن هذا أمر كتبه الله على بنات آدم ". تفسير : وأخرج عبد الرزاق في المصنف وسعيد بن منصور ومسدد في مسنده عن ابن مسعود قال: كان نساء بني إسرائيل يصلين مع الرجال في الصف، فاتخذن قوالب يتطاولن بها لتنظر إحداهن إلى صديقها، فألقى الله عليهن الحيض ومنعهن المساجد، وفي لفظ: فألقى عليهن الحيض فأخرن قال ابن مسعود: فأخروهن من حيث أخرهن الله. وأخرج عبد الرزاق عن عائشة قالت: كن نساء بني إسرائيل يتخذن أرجلاً من خشب يتشوفن للرجال في المساجد، فحرم الله عليهن وسلطت عليهن الحيضة. وأخرج أحمد والبيهقي في سننه عن يزيد بن بابنوس قال: قلت لعائشة: ما تقولين في العراك؟ قالت الحيض تعنون؟ قلنا: نعم. قالت: سموه كما سماه الله. وأخرج الطبراني والدارقطني عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : أقل الحيض ثلاث، وأكثره عشر ". تفسير : وأخرج الطبراني في الأوسط عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : الحائض تنتظر ما بينها وبين عشر، فإن رأت الطهر فهي طاهر، وإن جاوزت العشر فهي مستحاضة ". تفسير : وأخرج أبو يعلى والدارقطني عن أنس بن مالك قال: لتنتظر الحائض خمساً، سبعاً، ثمانياً، تسعاً، عشراً، فإذا مضت العشر فهي مستحاضة. وأخرج الدارقطني عن أنس قال: الحيض ثلاث وأربع وخمس وست وسبع وثمان وتسع وعشر. وأخرج الدارقطني عن ابن مسعود قال: الحيض ثلاث وأربع وخمس وست وسبع وثمان وتسع وعشر، فإن زاد فهي إستحاضة. وأخرج الدارقطني عن أنس قال: أدنى الحيض ثلاث، وأقصاه عشر. وأخرج الدارقطني عن واثلة بن الأسقع قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أقل الحيض ثلاثة أيام، وأكثره عشر أيام ". تفسير : وأخرج الدارقطني عن أنس قال: لا يكون الحيض أكثر من عشرة. وأخرج الدارقطني عن عطاء بن أبي رباح قال: أدنى وقت الحائض يوم. وأخرج الدارقطني عن عطاء قال: أكثر الحيض خمسة عشر. وأخرج الدارقطني عن شريك، وحسين بن صالح قال: أكثر الحيض خمسة عشر. وأخرج الطبراني عن شريك قال: عندنا امرأة تحيض خمسة عشر من الشهر حيضاً مستقيماً صحيحاً. وأخرج الدارقطني عن الأوزاعي قال: عندنا امرأة تحيض غدوة وتطهر عشية. وأما قوله تعالى: {قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض} . أخرج ابن جرير عن مجاهد في قوله {قل هو أذى} قال: الأذى الدم. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن قتادة في قوله {قل هو أذى} قال: هو قذر. وأخرج ابن المنذر عن أبي إسحق الطالقاني عن محمد بن حمير عن فلان بن السري "حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: اتقوا النساء في المحيض فإن الجذم يكون من أولاد الحيض ". تفسير : وأخرج أبو العباس السراج في مسنده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : من أتى امرأته وهي حائض، فجاء ولده أجذم فلا يلومن إلا نفسه ". تفسير : وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس في ناسخه والبيهقي في سننه عن ابن عباس في قوله {فاعتزلوا النساء} يقول: اعتزلوا نكاح فروجهن. وأخرج أبو داود والبيهقي عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد من الحائض شيئاً ألقى على فرجها ثوباً ثم صنع ما أراد". وأخرج عبد الرزاق وابن جرير والنحاس في ناسخه والبيهقي عن عائشة أنها سئلت ما للرجل من امرأته وهي حائض؟ فقالت: كل شيء إلا فرجها. وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم وأبو داود وابن ماجة عن عائشة قالت "كانت إحدانا إذا كانت حائضاً فأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يباشرها أمرها أن تتزر في فور حيضتها ثم يباشرها. قالت: وأيكم يملك أربه كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يملك أربه؟ ". وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم وأبو داود والبيهقي عن ميمونة قالت "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يباشر امرأة من نسائه أمرها فاتزرت وهي حائض". وأخرج ابن أبي شيبة وأبو داود والنسائي عن ميمونة "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يباشر المرأة من نسائه وهي حائض، إذا كان عليها إزار إلى أنصاف الفخذين أو الركبتين محتجزة به". وأخرج أبو داود والنسائي والبيهقي عن عائشة قالت "كنت أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم نبيت في الشعار الواحد وأنا حائض طامث، فإن أصابه مني شيء غسل مكانه لم يعده، وإن أصاب ثوبه مني شيء غسل مكانه لم يعده وصلى فيه". وأخرج أبو داود عن عمارة بن غراب "حديث : أن عمة له حدثته أنها سألت عائشة قالت: إحدانا تحيض وليس لها ولزوجها إلا فراش واحد؟ قالت: أخبرك ما صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم، دخل فمضى إلى مسجده فلم ينصرف حتى غلبتني عيني وأوجعه البرد، فقال: أدني مني. فقلت: إني حائض. فقال: وإن اكشفي عن فخذيك، فكشفت عن فخذي، فوضع خده وصدره على فخذي وحنيت عليه حتى دفىء ونام ". تفسير : وأخرج البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة عن عائشة قالت "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا حضت يأمرني أن أتزر ثم يباشرني". وأخرج مالك عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن "حديث : أن عائشة رضي الله عنها كانت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مضطجعة في ثوب واحد، وإنها وثبت وثبة شديدة فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما لك لعلك نفست - يعني الحيضة -؟ قالت: نعم. فقال: شدي عليك إزارك ثم عودي إلى مضجعك ". تفسير : وأخرج البخاري ومسلم والنسائي عن أم سلمة قالت "بينا أنا مع النبي صلى الله عليه وسلم مضطجعة في خميصة إذ حضت، فانسللت فأخذت ثياب حيضتي، فقال: أنفست؟ قلت: نعم. فدعاني فاضطجعت معه في الخميلة". وأخرج ابن ماجة عن أم سلمة قالت "حديث : كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في لحافه فوجدت ما تجد النساء من الحيضة، فانسللت من اللحاف فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنفست؟ قلت: وجدت ما تجد النساء من الحيضة. قال: ذاك ما كتب على بنات آدم. قالت: فانسللت فأصلحت من شأني ثم رجعت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تعالي فادخلي معي في اللحاف. قالت: فدخلت معه ". تفسير : وأخرج ابن ماجة عن معاوية بن أبي سفيان أنه سأل أم حبيبة: كيف كنت تصنعين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحيض؟ قالت: كانت إحدانا في فورها أول ما تحيض تشد عليها إزار إلى أنصاف فخذيها، ثم تضطجع مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأخرج أبو داود وابن ماجة عن عبد الله بن سعد الأنصاري "حديث : أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يحل لي من امرأتي وهي حائض؟ فقال: لك ما فوق الإِزار ". تفسير : وأخرج الترمذي وصححه عن عبد الله بن سعد قال "حديث : سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن مؤاكلة الحائض؟ فقال: واكلها ". تفسير : وأخرج أحمد وأبو داود عن معاذ بن جبل قال "حديث : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عما يحل للرجل من امرأته وهي حائض؟ قال: ما فوق الإِزار، والتعفيف عن ذلك أفضل ". تفسير : وأخرج مالك والبيهقي عن زيد بن أسلم "حديث : أن رجلاً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ماذا يحل لي من امرأتي وهي حائض؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: لتشد عليها إزارها، ثم شأنك بأعلاها ". تفسير : وأخرج مالك والشافعي والبيهقي عن نافع عن عبد الله بن عمر أرسل إلى عائشة يسألها هل يباشر الرجل امرأته وهي حائض؟ فقالت: لتشد إزارها على أسفلها، ثم ليباشرها إن شاء. وأخرج البيهقي عن عائشة "حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل ما يحل للرجل من المرأة الحائض؟ قال: ما فوق الإِزار ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وأبو يعلى عن عمر قال "حديث : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يحل للرجل من امرأته وهي حائض؟ قال: ما فوق الإِزار ". تفسير : وأخرج الطبراني عن ابن عباس "حديث : أن رجلاً قال: يا رسول الله ما لي من امرأتي وهي حائض؟ قال: تشد إزارها ثم شأنك بها ". تفسير : وأخرج الطبراني عن عبادة "حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل ما يحل للرجل من امرأته وهي حائض؟ قال: ما فوق الإِزار، وما تحت الإِزار منها حرام ". تفسير : وأخرج الطبراني في الأوسط عن أم سلمة قالت "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتقي سورة الدم ثلاثاً، ثم يباشر بعد ذلك". وأخرج ابن جرير عن مسروق قال: قلت لعائشة: ما يحل للرجل من امرأته إذا كانت حائضاً؟ قالت: كل شيء إلا الجماع. وأخرج ابن أبي شيبة عن الحسن قال: لا بأس أن يلعب على بطنها وبين فخذيها. أما قوله تعالى {ولا تقربوهن حتى يطهرن} . أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس في ناسخه والبيهقي في سننه عن ابن عباس في قوله {ولا تقربوهن حتى يطهرن} قال: من الدم. وأخرج عبد الرزاق في المصنف وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والنحاس عن مجاهد في قوله {ولا تقربوهن حتى يطهرن} قال: حتى ينقطع الدم. وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وعبد بن حميد والترمذي والنسائي وابن ماجة والبيهقي في سننه عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "حديث : من أتى حائضاً أو امرأة في دبرها أو كاهناً، فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة والحاكم وصححه والبيهقي عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم في الذي يأتي امرأته وهي حائض قال: "حديث : يتصدق بدينار أو بنصف دينار ". تفسير : وأخرج أبو داود والحاكم عن ابن عباس قال: إذا أصابها في الدم فدينار، وإذا أصابها في انقطاع الدم فنصف دينار. وأخرج الترمذي عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : إذا كان دماً أحمر فدينار، وإذا كان دماً أصفر فنصف دينار ". تفسير : وأخرج أبو داود عن ابن عباس عن أن النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : أمره أن يتصدق بخمسي دينار ". تفسير : وأخرج الطبراني عن ابن عباس قال "جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أصبت امرأتي وهي حائض، فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعتق نسمة، وقيمة النسمة يومئذ دينار". أما قوله تعالى {فإذا تطهرن} . أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس في ناسخه والبيهقي عن ابن عباس في قوله {فإذا تطهرن} قال: بالماء. وأخرج سفيان بن عيينة وعبد الرزاق في المصنف وابن جرير وابن المنذر والنحاس عن مجاهد في قوله {فإذا تطهرن} قال: إذا اغتسلن، ولا تحل لزوجها حتى تغتسل. وأخرج ابن جرير عن عكرمة. مثله. وأخرج ابن جرير من وجه آخر عن طاوس قالا: إذا طهرت أمرها بالوضوء، وأصاب منها. وأخرج ابن المنذر من وجه آخر عن مجاهد وعطاء قالا: إذا رأت الطهر فلا بأس أن تستطيب بالماء، ويأتيها قبل أن تغتسل. وأخرج البيهقي في سننه عن أبي هريرة قال: "حديث : جاء أعرابي فقال: يا رسول الله إنَّا نكون بالرمل أربعة أشهر فيكون فينا النفساء والحائض والجنب، فما ترى؟ قال: "عليكم بالصعيد" ". تفسير : وأخرج البخاري ومسلم والنسائي عن عائشة "حديث : أن امرأة سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن غسلها من المحيض، فأمرها كيف أن تغتسل قال: خذي فرصة من مسك فتطهري بها. قالت: كيف أتطهر بها؟ قال: تطهري بها. قالت: كيف؟ قال: سبحان الله.! تطهري بها. فاجتذبتها فقلت: تتبعي أثر الدم ". تفسير : أما قوله تعالى: {فأتوهن من حيث أمركم الله} . وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله {فأتوهن من حيث أمركم الله} قال: يعني أن يأتيها طاهراً غير حائض. وأخرج عبد بن حميد عن قتادة {فأتوهن من حيث أمركم الله} قال: طواهر غير حيض. وأخرج الدارمي وابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس في قوله {فأتوهن من حيث أمركم الله} قال: من حيث أمركم أن تعتزلوهن. وأخرج ابن أبي شيبة عن عكرمة. مثله. وأخرج ابن جرير وابن المنذر والبيهقي في سننه عن ابن عباس {فأتوهن من حيث أمركم الله} يقول: في الفرج ولا تعدوه إلى غيره. وأخرج وكيع وابن أبي شيبة عن مجاهد {فأتوهن من حيث أمركم الله} قال: حيث نهاكم الله أن تأتوهن وهن حيض، يعني من قبل الفرج. وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي رزين {فأتوهن من حيث أمركم الله} قال: من قبل الطهر، ولا تأتوهن من قبل الحيض. وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن الحنفية {فأتوهن من حيث أمركم الله} قال: من قبل التزويج، من قبل الحلال. وأخرج عبد الرزاق في المصنف عن مجاهد {فأتوهن من حيث أمركم الله} قال: من حيث يخرج الدم، فإن لم يأتها من حيث أمر فليس من التوّابين ولا من المتطهرين. أما قوله تعالى: {إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين} . أخرج وكيع وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن عطاء في قوله {إن الله يحب التوابين} من الذنوب {ويحب المتطهرين} قال: بالماء. وأخرج ابن أبي حاتم عن الأعمش في قوله {إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين} قال: التوبة من الذنوب، والتطهر من الشرك. وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد قال: من أتى امرأته في دبرها فليس من المتطهرين. وأخرج وكيع وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن أبي العالية: أن رأى رجلاً يتوضأ، فلما فرغ قال: اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين. قال: إن الطهور بالماء حسن، ولكنهم المتطهرون من الذنوب. وأخرج الترمذي عن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : من توضأ فأحسن الوضوء، ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله، اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين، فتحت له ثمانية أبواب الجنة يدخل من أيها شاء ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن علي بن أبي طالب. أنه كان إذا فرغ من وضوئه قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، رب اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين. وأخرج ابن أبي شيبة عن الضحاك قال: كان حذيفة إذا تطهر قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين. وأخرج القشيري في الرسالة وابن النجار عن أنس"حديث : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: التائب من الذنب كمن لا ذنب له، وإذا أحب الله عبده لم يضره ذنب، ثم تلا {إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين} قيل: يا رسول الله وما علامة التوبة؟ قال: الندامة ". تفسير : وأخرج وكيع وعبد بن حميد وابن أبي حاتم والبيهقي في الشعب عن الشعبي قال: التائب من الذنب كمن لا ذنب له، ثم قرأ {إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين} . وأخرج ابن أبي شيبة والترمذي وابن المنذر والبيهقي في الشعب عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوّابون ". تفسير : وأخرج أحمد في الزهد عن قتادة قال: أوحى الله إلى نبي من أنبياء بني إسرائيل إن كان بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون. وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم عن ابن عباس. أنه قيل له أصب الماء على رأسي وأنا محرم؟ قال: لا بأس {إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين} .
ابو السعود
تفسير : {وَيَسْـئَلُونَكَ عَنِ ٱلْمَحِيضِ} عطفٌ على ما تقدم من مثله ولعل حكايةَ هذه الأسئلة الثلاثةِ بالعطف لوقوع الكلِّ عند السؤال عن الخمر، وحكاية ما عداها بغير عطف لوقوع كلٍّ من ذلك في وقت على حِدَة والمحيض مصدر من حاضت المرأة كالمجيء والمبـيت. روي أن أهل الجاهلية كانوا لا يساكنون الحُيَّضَ ولا يؤاكلونهن كدأب اليهودِ والمجوسِ واستمر الناسُ على ذلك إلى أن سأل عن ذلك أبو الدحداحِ في نفر من الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين فنزلت. {قُلْ هُوَ أَذًى} أي شيء يُستقذرُ منه ويؤذي من يقرَبُه نفرةً منه وكراهةً له {فَٱعْتَزِلُواْ ٱلنّسَاء فِي ٱلْمَحِيضِ} أي فاجتنبوا مجامعتَهن في حالة المحيض. قيل: أخذ المسلمون بظاهر الاعتزال فأخرجوهن من بـيوتهم فقال ناسٌ من الأعراب: يا رسولَ الله البردُ شديدٌ والثيابُ قليلة فإن آثرناهن هلك سائرُ أهل البـيت وإن استأثرنا بها هلكت الحُيَّض فقال صلى الله عليه وسلم: «حديث : إنما أُمِرْتم أن تعتزلوا مجامعتهن إذا حِضْنَ ولم يأمركم بإخراجهن من البـيوت كفعل الأعاجم» تفسير : وقيل: إن النصارى كانوا يجامعونهن ولا يبالون بالحيض، واليهودُ كانوا يفرِّطون في الاعتزال فأُمر المسلمون بالاقتصاد بـين الأمرَيْن {وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ} تأكيدٌ لحكم الاعتزال وتنبـيه على أن المراد به عدمُ قربانهن لا عدمُ القربِ منهن وبـيانٌ لغايته وهو انقطاعُ الدم عند أبـي حنيفة رحمه الله فإن كان كذلك في أكثر المدة حلَّ القُربان كما انقطع وإلا فلا بدَّ من الاغتسال أو من مُضيِّ وقت صلاة وعند الشافعي رحمه الله أن يغتسلن بعد الانقطاع كما تُفصح عنه القراءة بالتشديد وينبىء عنهه قوله عز وجل: {فَإِذَا تَطَهَّرْنَ} فإن التطهرَ هو الاغتسال {فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ ٱللَّهُ} من المأْتىٰ الذي حلله لكم وهو القُبُل {إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلتَّوبِينَ} مما عسى يبدُر منهم من ارتكاب بعض ما نُهوا عنه ومن سائر الذنوب {وَيُحِبُّ ٱلْمُتَطَهّرِينَ} المتنزِّهين عن الفواحش والأقذار، وفي ذكر التوبة إشعارٌ بمِساس الحاجة إليها بارتكاب بعضِ الناسِ لما نُهوا عنه، وتكريرُ الفعل لمزيد العناية بأمر التطهر.
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَٱعْتَزِلُواْ ٱلنِّسَآءَ فِي ٱلْمَحِيضِ وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ ٱللَّهُ}. ليس كل ما يكون موجب الاستحياء والنفور مما هو باختيار العبد، فقد يكون من النقائص ما ليس للعبد فيه كسب، وهو ابتداءً حكمُ الحق، فمن ذلك ما كتب الله على بنات آدم من تلك الحالة، ثم أُمِرْنَ باعتزال المُصَلَّى في أوان تلك الحالة، فالمصلِّى مناجٍ ربَّه، فَيُحيِّن عن محل المناجاة حكماً من الله لا جُرْماً لهن. وفي هذا إشارة فيقال: إنهن - وإنْ مُنِعْنَ عن الصلاة التي هي حضور بالبدن فلم يحجبن عن استدامة الذكر بالقلب واللسان، وذلك تعرض بساط القرب، قال صلى الله عليه وسلم مخبراً عنه تعالى: "حديث : أنا جليس من ذكرني ". تفسير : قوله جلّ ذكره: {إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلتَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ ٱلْمُتَطَهِّرِينَ}. يقال يحب التوابين من الذنوب، والمتطهرين من العيوب. ويقال التوابين من الزلة، والمتطهرين من التوهم أن نجاتهم بالتوبة. ويقال التوّابين من ارتكاب المحظورات، والمتطهرين من المساكنات والملاحظات. ويقال التوّابين بماء الاستغفار والمتطهرين بصوب ماء الخجل بنعت الانكسار. ويقال التوَّابين من الزلة، والمتطهرين من الغفلة. ويقال التوَّابين من شهود التوبة، والمتطهرين من توهم أن شيئاً بالزلة بل الحكم ابتداء من الله تعالى.
البقلي
تفسير : {إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلتَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ ٱلْمُتَطَهِّرِينَ} اى يحب التوابين عن وقوفهم فى المقامات ويحب المتطهرين بنور المعرفة عن غبار الكائنات وايضاً التوابين عن طلبهم ادراك بطنان القدم بالعقول الناقصة والعلوم المحدثة والمطهرين عن روية مقدارهم عند صدمة قهر الكبرياء وسلطان العظمة وقال بعضهم ارجعين اليه فى كل خطرة من قلبه وكل حركة من جوارحه وقيل يجب التوابين من الزلة ويحب المتطهرين من التوهم وقيل يحب التوابين من الذنوب والمتطهرين من العيوب وقال ابن عطاء يحب التوابين من افعالهمُ المتطهرين من احواهرم وهم قائمون مع الله بلا علاقة ولا سبب وقال جعفر يحب التوابين من سوالاتهم والمتطهرين من ارادتهم وقال محمد بن على التوابين من توبتهم والمتطهرين من اردتهم وقال ايضا التوابين من توبتهم المتطهرين من طهارتهم وقال ابو يزيد التوبة من الذنب واحد ومن الطاعة الف وقال النصر ايادى ان الله اثنى عليك وجعل لك قيمة حين قال ان الله يحب التوابين ويحب المتطهرين وقال الجنيد دخلت على السرى وعليه هَمَّ فقال دخل على فتى من البغداديين فسالنى عن شرح التوبة فاجبته فقال لى وما حقيقتها فقلت ان لا تنسى ما من اجله تبت فقال الغلام ليس هو هكذا قال الجنيد فقلت صدق الفتى فقال وكيف هذا قال الجنيد اذا كنت في حالال الجفا فيتقلبى الى حال الصفا فذكرى الجفاء عند الصفا وحشة.
اسماعيل حقي
تفسير : {ويسألونك} لعل حكاية الاسئلة الثلاثة بالواو وحكاية ما عداها بغير عطف انهم سألوا عن هذه الحوادث فى وقت واحد فكأنه قيل يجمعون لك بين السؤال عن الخمر والميسر والسؤال عن الانفاق والسؤال عن كذا وعن كذا بخلاف ما عداها فانهم سألوها فى اوقات متفرقة {عن المحيض} مصدر كالمجيئ والمبيت والحيض هو اللوث الخارج من الرحم فى وقت معتاد والسؤال فيه نوع ابها الا انه تبين بالجواب ان سؤالهم كان عن مخالطة النساء فى حالة الحيض {قل هو أذى} اى الحيض شىء مستقذر مؤذ من يقربه نفرة منه وكراهة له ـ روى ـ ان اهل الجاهلية كانوا لا يساكنون الحيض ولا يؤاكلوهن كدأب المجوس واليهود واستمر الناس على ذلك الى ان سأل عن ذلك ابو الدحداح فى نفر من الصحابة فقال يا رسول الله كيف نصنع بالنساء اذا حضن أنقربهن ام لا فنزلت {فاعتزلوا النساء فى المحيض} المحيض هنا اسم لمكان ظهور الحيض وهو الفرج اى فاجتنبوا مجامعتهن لما روى ان المسلمين اخذوا بظاهر الاعتزال فأخرجوهن من بيوتهم فقال ناس من الاعراب يا رسول الله البرد شديد والثياب قليلة فان آثرناهن هلك سائر اهل البيت وان استأثرنا بها هلكت الحيض فقال صلى الله عليه وسلم "حديث : انما امرتم ان تعتزلوا مجامعتهن اذا حضن ولم يأمركم باخراجهن من البيوت كفعل الاعاجم" تفسير : وهو الاقتصاد بين افراط اليهود وتفريط النصارى فانهم كانوا يجامعوهن ولا يبالون بالحيض {ولا تقربوهن} بالجماع {حتى يطهرن} من الحيض او ينقطع دمهن فذهب ابو حنيفة رحمه الله الى ان له ان يقربها اذا كانت ايامها عشرة بعد انقطاع الدم وان لم تغتسل وفى اقل الحيض لا يقربها حتى تغتسل او يمضى عليها وقت صلاة {فإذا تطهرن} اى اغتسلن فان التطهر هو الاغتسال {فائتوهن من حيث امركم الله} اى من المأتى الذى حلله لكم وهو القبل {إن الله يحب التوابين} من الذنوب {ويحب المتطهرين} المتنزهين عن الفواحش والاقذار كمجامعة الحائض والاتيان فى غير المأتى.
ابن عجيبة
تفسير : قلت: المحيض: مصدر، كالمقيل والمعيش والمجيء، وهو الحيض. يقول الحقّ جلّ جلاله: {ويسألونك} يا محمد {عن} قرب النساء بالجماع في زمن {المحيض قل} لهم: {هو أذى}، أي: مُضِرٍّ، أو مُنتن مستقذر، لا يَرضى ذو همة أن يقربه، {فاعتزلوا} مجامعة {النساء في} زمن {المحيض ولا تقربوهن} بالجماع في المحل {حتى يطهرن} من الدم، بانقطاعه، ويغتسلن بالماء، {فإذا تطهرن} بالماء {فأتوهن من حيث أمركم الله} وهو الفرج، الذي أمركم باجتنابه في الحيض؛ إذ هو محل زراعة النطفة. فمن غلبته نفسه حتى وطئء في الحيض، أو النفاس، فليبادر إلى التوبة، {إن الله يحب التوابين} كلما أذنبوا تابوا. ولا تجب كفارة على الواطئ، على المشهور. وقال ابن عباس والأوزاعي: (من وطئ قبل الغسل تصدق بنصف دينار، ومن وطئ في حال سيلان الدم تصدق بدينار). رواه أبو داود حديثاً. ومن صبر وتنزَّه عن ذلك فإن الله {يحب المتطهرين} من الذنوب والعيوب كلها، وإنما أعاد العامل؛ لأن محبته للمتنزهين أكثر. قال البيضاوي: رُوِيَ أن أهل الجاهلية كانوا لا يُسَاكنون الحائض؛ ولا يُؤاكلونها، كفعل اليهود والمجوس، واستمر ذلك إلى أنْ سأل أبو الدحْداح، في نفر من الصحابة، عن ذلك، فنزلت. ولعله سبحانه - إنما ذكر "إنما يسألونك" من غير واو، ثلاثاً، ثم بها ثلاثاً؛ لأن السؤالات الأُوَل كانت في أوقات متفرقة، والثلاثة الأخيرة كانت في وقت واحد؛ فلذلك ذكرها بحرف الجمع. هـ. ثم بيَّن الحق تعالى كيفية إتيان النساء بعد الطُهر، فقال: {نساؤكم حرث لكم}، أي: مواضع حرثكم، شبه ما يلقى في أرحامهن من النطف، بالبذر، والأرحام أرض لها، {فأتوا حرثكم} أي: محل حرثكم، وهو الفرج، {أنى شئتم} أي: من أي جهة شئتم. رُوِيَ أن اليهود كانوا يقولون: مَنْ جامع امرأته مِنْ خَلْفهَا في قُبُلِهَا جَاء الولُد أَحْولَ، فذُكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت. وقيل: إنَّ قُريشاً كانوا يأتون النساء من قُدَّام، مستلقية، والأنصار كانوا يأتوهن من خلف، باركة، فتزوج رجل من المهاجرين امراة من الأنصار، فأراد أن يفعل عادته، فامتنعت، وأرادت عادتها، فاختصما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزلت الآية بالتخيير للرجل، مع الإتيان في المحل، وأما الإتيان في الدُّبُر فحرام، ملعونٌ فاعله، وقال في القوت: {فأتوا حرثكم أنى شئتم} أي: في أي وقت شئتم، ومن أي مكان شئتم، مع اتحاد المحل. هـ. ثم حذَّر الحق تعالى من متابعة شهوة النساء، والغفلة عن الله، فقال: {وقدموا لأنفسكم} ما تجدون ثوابه مُدخراً عنده، وهو ذكر الله في مظان الغفلة، قيل: التسمية قبل الوطء وقيل: طلب الولد، والتحقيق: أنه الحضور مع الحق عند هيجان الشهوة، قال بعض العارفين: إني لا أغيب عن الله ولو في حالة الجماع. هـ. وهذا شأن أهل الجمع، لا يفترقون عن الحضرة ساعة. وهذه التقوى التي أمر الله بها بقوله: {واتقوا الله} أي: لا تغيبكم عنه شهوةُ النساء، {واعلموا أنكم ملاقوه} فترون وبال الغفلة وجزاء اليقظة، {وبشر المؤمنين} بالقرب من رب العالمين. الإشارة: إذا سُئلت - أيها العارف - عن النفس في حال جنابتها بالغفلة، وحال تلبسها بنجاسة حب الدنيا، فقل: هي أذى، أي: قذر ونجس، من قَرُب منها لطَّخته بنجاستها، فلا يحل القرب منه، أو الصحبة معها، حتى تطهر من جنابة الغفلة باليقظة، ومن نجاسة حب الدنيا بالزهد، ورفع الهمة عنها، فإذا تطهرت فاتها، وردها إلى حضرة مولاها، كما أمرك الله، {إن الله يحب التوابين}، وقد تابت ورجعت إلى مولاها، {ويحب المتطهرين}، وقد تطهرت من جنابة الغفلة، وتنزهت عن نجاسة الدنيا برفع الهمة، فصارت لك أرضاً لزراعة حقوق العبودية، ومَنْبَتا لبذر شهود عظمة الربوبية، فأتوا حرثكم - أيها العارفون - أنى شئتم، أي: ازرعوا في أرض نفوسكم من أوصاف العبودية ما شئتم، وفي أي وقت شئتم. فبقدر ما تزرعون من العبودية تحصدون من الحرية. وبقدر ما تزرع فيها من الذل تحصده من العز، وبقدر ما تزرع فيها من الفقر تحصده من الغنى، وبقدر ما تزرع فيها من التواضع تحصده من الشرف والرفعة. والحاصل: بقدر ما تزرع فيها من السفليات تحصد ضده من العلويات. قال تعالى:{أية : وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُواْ فِى الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِنَّ لَهُمْ فِى الأَرْضِ}تفسير : [القصص: 5، 6]. فإذا تركتها هَمَلاً، أنبتت لك الشوك والحنظل، {وقدموا لأنفسكم} من أوصاف العبودية ما تجدونه أمامكم من مشاهدة الربوبية، واتقوا الله فلا تشهدوا معه سواه، واعلموا أنكم ملاقوه حين تغيبون عن وجودكم وتفقدونه، وبشر المؤمنين الموقنين بشهود رب العالمين. ولما تكلم الحقّ جلّ جلاله على بعض أحكام النكاح، أراد أن يتكلم على الإيلاء، وهو الحلف على عدم مس المرأة وجماعها، وقدّم على ذلك النهي عن كثرة الحلف؛ لأنه هو السبب في الوقوع في الإيلاء.
الطوسي
تفسير : القراءة: قرأ أهل الكوفة إلا حفصا {حتى يطهرن} بتشديد الطاء والهاء. الباقون بالتخفيف. المعنى: قيل: إنما سألوا عن المحيض، لأنهم كانوا على تجنب أمور: من مواكلة الحائض، ومشاربتها حتى كانوا لا يجالسونها في بيت واحد، فاستعلموا ذلك، أواجب هو أم لا؟ في قول قتادة، والربيع، والحسن، وقال مجاهد: كانوا على استجازة إتيانهن في الأدبار أيام الحيض، فلما سألوا عنه، بين تحريمه، والأول - عندنا - أقوى. اللغة: والمحيض مصدر حاضت المرأة تحيض حيضاً ومحيضاً، فهي حائض. والمرة حيضة وجمعه حيض وحيضات. ونساء حيض. والمستحاضة: التي عليها الدم فلا رواق وأصل الباب الحيض: مجيء الدم لأنثى على عادة معروفة. أحكام الحيض، والاستحاضة: وصفة الحيض: هو الدم الغليظ الأسود الذي يخرج بحرارة. وأقل الحيض ثلاثة أيام، وأكثره عشرة؛ وهو قول الحسن، وأهل العراق. وقال الشافعي، وأكثر أهل المدينة: أقل الحيض يوم وليلة، وأكثره خمسة عشر يوماً. وحكي أن قوماً قالوا: ليس له وقت محدود: إنما هو ما رأت دم الحيض. وأقل الطهر عشرة أيام، وخالف الجميع وقالوا: خمسة عشر يوماً. والاستحاضة: دم رقيق أصفر بارد. وحكم الاستحاضة حكم الطهر في جميع الاحكام إلا في تجديد الوضوء - عند كل صلاة - ووجوب الغسل عليها على بعض الوجوه - عندنا -. وقوله: {أذى} معناه: قذر ونجس - في قول قتادة والسدي -. وقوله: {فاعتزلوا النساء في المحيض} معناه: اجتنبوا الجماع في الفرج، وبه قال ابن عباس، وعائشة، والحسن، وقتادة، ومجاهد. وما فوق المئزر أو دونه، عن شريح، وسعيد بن المسيب. وعندنا: لا يحرم منها غير موضع الدم فقط. ومن وطىء الحائض في أول الحيض، كان عليه دينار، وإن كان في وسطه، فنصف دينار، وفي آخره ربع دينار. وقال ابن عباس: عليه دينار، ولم يفصل. وقال الحسن: يلزمه رقبة أو بدنة أو عشرون صاعاً. اللغة: ويقال: عزله يعزله عزلا، واعتزل اعتزالاً، وعزّله تعزيلا. والأعزل: الذي لا سلاح معه. وعزلا المزادة: مخرج الماء من أحد جوانبها، والجمع عزال. وكل شيء نحيّته عن موضع، فقد عزلته عنه، ومنه عزل الوالي. وأنت عن هذا بمعزل: أي منتحى. والأعزل من السماكين: الذي نزل به القمر. والمعزال من الناس: الذي لا ينزل مع القوم في السفر، لكنه ينزل ناحية، وأصل الباب الاعتزال، وهو التنحي عن الشيء. المعنى: وقوله: {حتى يطهرن} بالتخفيف معناه: ينقطع الدم عنهن. وبالتشديد معناه: يغتسلن - في قول الحسن، والفراء - وقال مجاهد، وطاووس: معنى تطهرّن: توضأن، وهو مذهبنا. والفرق بين (طهرت) و (طهرّت) أن فُعل لا يتعدّى، لأن ما كان على هذا البناء لا يتعدّى، وليس كذلك فّعل. ومن قرأ بالتشديد قال: كان أصله {يتطهرن} فأدغمت التاء في الطاء. وعندنا يجوز وطىء المرأة إذا انقطع دمها، وطهرت وإن لم تغتسل إذا غسلت فرجها. وفيه خلاف، فمن قال: لا يجوز وطؤها إلا بعد الطهر من الدم، والاغتسال: تعلق بالقراءة بالتشديد، فانها تفيد الاغتسال، ومن قال: يجوز، تعلق بالقراءة بالتخفيف وأنها لا تفيد الاغتسال. وهو الصحيح. ويمكن في قراءة التشديد أن تحمل على أن المراد به توضأن على ما حكيناه عن طاووس، وغيره. ومن استعمل قراءة التشديد يحتاج أن يحذف القراءة بالتخفيف أو يقدر محذوفاً تقديره حتى يطهرن ويتطهرن، وعلى ما قلناه لا يحتاج اليه. وقوله: {فإذا تطهرن} معناه: اغتسلنا، وعلى ما قلناه: حتى يتوضأن. وقوله: {فأتوهن من حيث أمركم الله} صورته صورة الأمر، ومعناه الاباحة، كقوله: {أية : فإذا حللتم فاصطادوا}تفسير : {أية : فإذا قضيت الصلاة فانتشروا}تفسير : وقوله: {من حيث أمركم الله} معناه من حيث أمركم الله بتجنبه في حال الحيض، وهو الفرج، على قول ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، والربيع. وقال السدي، والضحاك: من قبل الطّهر دون الحيض. وعن ابن الحنفية من قبل النكاح دون الفجور، والأول أليق بالظاهر. ويحتمل أن يكون من حيث أباح الله لكم دون ما حرمه عليكم من إتيانها وهي صائمة أو محرمة أو معتكفة، ذكره الزجاج. وقال الفراء: لو أراد الفرج لقال في حيث، فلما قال: {من حيث} علمنا أنه أراد من الجهة الذي أمركم الله بها. وقال غيره: إنما قال: {من حيث} ولم يقل في حيث، لأن (من) لابتداء الغاية في الفعل، نحو قولك: اأت زيداً من مأتاه أي من الوجه الذي يؤتى منه. وقوله: {يحبّ التوابين ويحب المتطهرين} قال عطا: المتطهرين بالماء. وقال مجاهد: المتطهرين من الذنوب، والأول مروي في سبب نزول هذه الآية، والمعنى يتناول الأمرين. وإنما قال: {المتطهرين} ولم يقل المتطهرات، لأن المؤنث يدخل في المذكر، لتغليبه عليه.
الجنابذي
تفسير : {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْمَحِيضِ} من حيث المجامعة بقرينة الجواب؛ كانوا يجتنبون النّساء فى الشّرائع السّابقة حال الحيض أشدّ اجتناباً من هذه الشّريعة على ما نقل، والانسانيّة تكره مضاجعتهنّ فى تلك الحالة فكانوا يسألون بعد بعثته (ص) عن ذلك {قُلْ هُوَ أَذًى} للانسانيّة من حيث استقذاره ولنفس الانسان من حيث تأثّرها وغلبة الحيوانيّة عليها حتّى تستلذّ المضاجعة ولا تكرهها حينئذٍ، ولبدن الرّجال من حيث تأثّر الالة من اثر الدّم وكيفيّته حتّى يورث بعض الامراض ولبدن النّساء بوجهٍ {فَٱعْتَزِلُواْ ٱلنِّسَآءَ فِي ٱلْمَحِيضِ} كناية عن ترك المجامعة كما انّ المجامعة والمضاجعة والمقاربة كلّها كنايات عن النّكاح {وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ} من الدّم بالانقطاع وقرئ {يطّهّرن} بالتّشديد من التّطهّر فيكون المراد التطهّر بالاغتسال او الوضوء او غسل الفرج {فَإِذَا تَطَهَّرْنَ} ان قرئ الاوّل بالتّخفيف كان حكم حالة الدّم وحكم ما بعد الاغتسال او الوضوء او غسل الفرج منصوصاً وحكمهنّ بعد انقطاع الدّم وقبل ذلك مجملاً، وان قرئ الاوّل بالتّشديد كان حكم ما بعد ذلك اباحة المقاربة وحكم ما قبله الاعتزال وجوباً او استحباباً وكيف كان فالآية مجملة محتاجة الى البيان {فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ ٱللَّهُ} اى من مكانٍ وثقبةٍ أمركم الله بالاتيان منه ولا تأتوهنّ من مكانٍ لم يأمركم الله بالاتيان منه، فعلى هذا كانت الآية دالّة بمنطوقها على اباحة الاتيان من الفروج وبمفهومها على عدم اباحة الاتيان من غير الفروج، او المعنى فأتوهنّ من حيثيّة امره تعالى لا من حيثيّة محض الشبق او نهيه، او من حيث أمره يعنى غاية امره مثل الاستيلاد واستفراغ البدن وفراغ البال من الخطرات الناشئة من امتلاء الاوعية الإستئناس وسكون النّفس والمقصود من هذا القيد ان يكون النّظر فى المضاجعة الى نفس أمره او غاية أمره من دون غفلةٍ عنه تعالى فانّ المضاجعة مع الغفلة لا تكون الاّ بشركة الشّيطان او استقلاله؛ وعلى هذا فالآية تدلّ بمفهومها على النّهى عن اتيان المحرّمات بالذّات او بالعرض وعن الاتيان من الادبار وعن الاتيان مع الغفلة عن الامر وغاياته، وقوله تعالى {إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلتَّوَّابِينَ} يدلّ على هذا فانّ التّوّاب من كان كثير المراجعة الى الله فى الكثرات فكأنّه قال: كونوا كثيرى النّظر الى الامر وكثيرى الرّجوع فى جميع أحوالكم اليه تعالى والى أمره حتّى فى أخسّ أحوالكم الّذى هو اتيان النّساء لانّ الله يحبّ كثيرى الرّجوع الى الله والى امره {وَيُحِبُّ ٱلْمُتَطَهِّرِينَ} من الاقذار الجسمانيّة بالماء فانّ الطّهارة الكاملة من الاقذار لا تحصل الاّ بالماء ومن الادناس النّفسانيّة والفضلات الشّيطانيّة بماء الامر الالهىّ، نسب الى الصّادق (ع) انّه قال: كان النّاس يستنجون بالكرسف والاحجار ثمّ احدث الوضوء وهو خلق كريم فأمر به رسول الله (ص) وصنعه فأنزل الله فى كتابه انّ الله يحبّ التّوّابين ويحبّ المتطهّرين، وعنه (ع) انّ الآية نزلت فى رجل من الانصار اكل الدّباء فلان بطنه فتطهّر بالماء ولم يكن ديدنهم قبل ذلك التّطهير بالماء.
اطفيش
تفسير : {وَيسألَونك عَنِ المَحِيضِ قُلْ هُوَ أذْى}: قال السدى: السائل ثابت بن الدحداح أبو الدحداح، وسأل أيضاً غيره من الصحابة،حديث : سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المحيض، ولفظ السؤال فيه نوع إبهام أنه تبين بقوله: {قل هو أذى فاعتزلوا النساء فى المحيض}، بواسطة قوله صلى الله عليه وسلم "إنما أمرتم بعزل الفروج"تفسير : أن السؤال كان عن مخالطة النساء حال الحيض، وكأنه قيل ويسألونك عن المحيض ما يفعل النساء معه؟ فحذف ويسألونك عن خلطة المحيض، أو خلطة الحيض أو خلطة زمانه، أو خلطة مكانه، وصحة إضافة الخلطة أو زمانه أو مكانه للملابسة، وإلا فالمخالط المرأة ذات الحيض، فأقرب من ذلك أن يقدر ويسألونك عن مخالطة صاحبة المحيض، فقد ظهر لك أن المحيض مصدر ميمى أو إسم مكان ميمى، أو إسم زمان ميمى، ومكان الحيض هو فرجها، وزمانه هو الزمن الذى جاءها فيه، فإن المضارع الذى عينه مكسورة معتلة قيل تكسر عينه فى اسم الزمان واسم المكان، وتفتح فى المصدر قياساً فيما لم يرد فيه السماع، وقيل تفتح عينه فى الزمان والمكان، وتكسر فى المصدر، وقيل يخير فى الفتح والكسر فى المصدر، وتفتح فى غيره، والقول باستعمال القياس ولو فيما ورد فيه السماع مردود، وجاءت السؤالات الثلاث الأولى بلا واو، لأنهن فى أوقات متفرقة، والثلاث الأواخر بالواو، لأنهن فى وقت واحد، وجئ بحرف الجمع، كأنه قيل يجمعون لك بين السؤال عن الخمر والميسر، والسؤال عن الإنفاق، والسؤال عن المحيض، فأمره الله أن يجيب بأنه أذى، وهو جواب صحيح، ولو قدرنا عن مخالطة المحيض أو عن صاحبة المحيض، لأن التكلم عن الحيض أو عن الدم بأنه أذى تكلم على صاحبه، والأذى الشئ المستقذر المؤذى، من يقربه أو يقدر مضاف، أى محل أذى إذا فسرنا المحيض بالفرج، فذلك المحل مستقذر بالدم مؤذ، وقيل الأذى الدم، وكفى الجواب بأنه الدم، لأن الدم مستقذر، وهذا القول على أن المحيض الفرج، فيقدر مضاف، أى هو محل أذى، أى محل دم، وقيل الأذى المرض، أى المحيض وهو الفرج حين الحيض محل أثر المرض، ويجوز على هذا القول أن يفسر المحيض بالحيض الذى هو المعنى المصدرى، وهو السيلان، أى خروج الدم مرض، وكفى هذا فى الجواب لأن المرض ينفر عنه. {فاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِى المحِيضِ}: أى اجتنبوا وطء النساء وقت الحيض، أو فى مكان الحيض وهو الفرج، أو موضع الإزار، وجاز لكم الوطء فميا دون ذلك وقت الحيض، ووصف المحيض بأنه أذى، ورتب الحكم الذى هو ترك وطئهن عليه بالفاء ليفيد أن الأذى العلة فى المنع، وذلك أن دم الحيض دم فاسد يتولد من فضلة تدفعها طبيعة المرأة من عمق الرحم، ولو احتبست تلك الفضلة لمرضت، وهو جار فى مجرى البول والغائط، فكان أذى مثلها، بخلاف دم الاستحاضة، فدم صالح يسيل من عرق ينفجر فى فم الرحم، وليس من مجرى البول والغائط، روىحديث : أن أهل الجاهلية وأعراب المدينة وأهلها خصوصاً لمجاورتهم اليهود، إذا حاضت المرأة يؤاكلوها ولم يشاربوها ولم يجالسوها على فراش واحد، ولم يساكنوها فى بيت كفعل اليهود والمجوس، فلما نزلت الآية أخذ المسلمون يظاهر اعتزالهن فأخرجوهن من بيوتهم، فقال أناس من أعراب المدينة، يا رسول الله البرد شديد، والثياب قليلة، فإن آثرناهن هلك سائر أهل البيت، وإن استأثرنا بها هلكت الحُيَّض. فقال صلى الله عليه وسلم: "إنما أمرت أن تعتزلوا مجامعتهن إذا حضن، ولم يأمركم بإخراجهن من البيوت كفعل الأعاجم"تفسير : وقرأ عليهم الآية، يشير إلى أن تفسيرها عزل مجامعتهن، وكانت النصارى - والعياذ بالله - تجامع نساءها ولا تبالى بالحيض، فأمر الله المؤمنين بالاقتصاد اختياراً لهم بين إفراط اليهود والمجوس، وتفريض النصارى، فكان أمرهم بين ذلك قواماً، رأى المسلمون اليهود يفعلون ذلك فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزل: {يسألونك عن المحيض}، فقال صلى الله عليه وسلم: "صنعوا كل شئ إلا النكاح"، فبلغ ذلك اليهود فقالوا ما يريد هذا الرجل، إن يدع من أمرنا شيئاً إلا خالفنا، فجاء أسيد بن حصين وعباد بن بشير فقال: يا رسول الله إن اليهود قالوا كذا وكذا فلا تجامعوهن. فتغير وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأرسل فى أثرهما فعلمنا أنه لم يجد عليهما، أى لم يغضب عليهما، بل لقول اليهود، ولو كان قولهما أيضاً غير صواب، وكان أبو حنيفة وأبو يوسف يعتزلان جماع الحائض فى الفرج، وفيما بين الركبة والسرة، ويبيحانه فى غير ذلك، ومحمد بن يوسف لا يوجب إلا اعتزال الفرج، لقول عائشة لابن عمر وقد سألها، هل يباشر الرجل امرأته وهى حائض؟ قالت: نعم تشد إزارها على أسفلها ثم ليباشرها إن شاء، ويروى أن أسفلها الفرج فقط، وعن عائشة رضى الله عنها: كانت إحدانا إذا كانت حائضاً وأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يباشرها أمرها أن تتزر فى فور حيضها ثم يباشرها، وأيكم يملك أربه كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يملك أربه وفى رواية: كنت أغتسل ورسول الله من إناء واحد، وكلانا جنب، وكان يأمرنى فآتزر فيباشرنى وأنا حائض. وفور الشئ: أوله: والأرْب بسكون الراء العضو، وبفتحها الحاجة، واحتج أبو حنيفة بما روى زيد بن أسلم أن رجلا سأل النبى صلى الله عليه وسلم: ما يحل لى من امرأتى وهى حائض؟ قال: "لتشد إزارها عليها ثم شأنك بأعلاها" يرى أن المراد تحريم موضع الإزار وهو من السرة إلى الركبة، ويروى عن عائشة رضى الله عنها يجتنب شعار الدم، وله ما سوى ذلك، واحتج به محمد بن الحسن، يرى أن شعار الدم كناية عن الفرج، فإنه يطلق عليه ويطلق على الخرقة التى تجعل على فرجها، وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: شعار الدم الذى يلى شعرها، وهو الإزار، وموضعه ما بين السرة والركبة إلحاقاً بالفرج، لأن الدم قد يلحق ذلك، ويدل لما قال محمد بن الحسن ما رواه الشيخ هود: أن عائشة سئلت ما يحل للرجل من امرأة إذا كانت حائضاً؟ فقالت: كل شئ ما خلا الفرج، فإذا ثبت هذا التصريح فالتفسر به الحديث المذكور عنها من اجتناب شعار الدم، ولفظه عند الشيخ هود عن غير واحد من العلماء أنهم سألوا عائشة: ما يحل للرجل من امرأته إذا كانت حائضاً؟ فقالت: كل شئ غير شعار الدم، ولتصريح عائشة بذلك يترجح تفسير المحيض بالفرج فيفهم أن غير الفرج محرم بالآية، فيتبادر الحل فى غير الفرج، ولو كان المحيض لقباً، ومفهوم اللقب ضعيف، لأنا نبقى ما عدا الفرج على أصله وهو الإباحة استصحابا للأصل. واختلف العلماء فيمن جامع امرأته حائضاً فى الفرج، فقيل تحرم، وصححه بعض، ولزمه كفارة الجماع فى الحيض أيضا، وهو دينار، وقيل لا تحرم عليه ولا كفارة عليه، ونسب لجمهور الأمة فيستغفر الله ويتوب، ونسب للشافعى فى الجديد، وأبى حنيفة، وقيل: تجب الكفارة وهى ما روى فى حديث ابن عباس رضى الله عنهما حديث : أن النبى صلى الله عليه وسلم قال فى رجل جامع امرأته وهى حائض: "إنه كان إن الدم غبيطا فليتصدق بدينار وإن كان فيه صفرة فنصف دينار"تفسير : وهو قول الشافعى فى القديم وأحمد. وفروع المسألة فى الفقه. ويروى هذا الحديث فى بعض الطرق موقوفاً عن ابن عباس، واتفقوا على جواز جماعها فوق السرة وتحت الركبة، والجماع فى الفرج كبيرة لقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من جامع امرأته وهى فى حيضها فقد ركب ذنباً عظيماً"تفسير : . قال الداودى: روى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : اتقوا النساء فى المحيض فإن الجذام يكون من أولاد المحيض"تفسير : ولفظه عند صاحب الوضع رحمه الله: "حديث : وطأ امرأته وهى حائض فقضى بينهما ولد فأصابه جذام فلا يلومن إلا نفسه ومن احتجم يوم السبت أو الأربعاء وأصابه وضح فلا يلومن إلا نفسه"تفسير : وعن أبى هريرة عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم: "حديث : من أتى حائضاً أو امرأة فى دبرها أو كاهنا فقد كفر بما أنزل على محمد"تفسير : أى كفر نفاق ولم يؤد شكر ما نزل، وشبه نفاقه بشرك من أنكر ما أنزل الله. {ولا تَقْربوهُنَّ حتَّى يطْهُرنَ}: تأكيد لقوله: {فاعتزلوا النساء فى المحيض}، وبيان لغايته فإنه نهى عن المباشرة فى موضع الدم، والقربان فى {ولا تقربوهن} كناية عن الجماع، ومعنى يطهرن ينقطع الدم، وترى القصة البيضاء، أو تتطهر بالجفوف إن كان لا تأتيها القصة البيضاء، أو تبلغ الغاية وتنتظر. وفروع ذلك فى الفقه. وعن أبى هريرة:حديث : أن الحيضة تبدأ فتكون دماً خاثراً، ثم يرق الدم فيكون صديداً، ثم يكون صفرة، فإذا رأت المرأة القصة البيضاء فهو الطهرتفسير : . وعن عبد الله بن الزبير: أيها الناس لا تغتروا بنسائكم فإن المرأة لا تطهر حتى ترى القصة البيضاء. وعن عائشة:حديث : يكره للنساء أن ينظرن إلى أنفسهن ليلا فقد تكون الصفرة والكدرةتفسير : . وعن عائشة: حديث : إذا أدخلت المرأة القطنة فخرجت متغيرة فلا تصلى حتى تطهرتفسير : . ويروى غير مرفوع: حديث : إذا كانت التربة خر الحيض فلا تصلى حتى تطهر . تفسير : وعن عقبة بن عامر أنه يكره أن يطأ امرأته فى اليوم الذى تطهر فيه، وعن أبى بكر العربى: سمعت أبا بكر الشاشى يقول: لا تقرب بفتح الراء بمعنى لا تفعل وبضمها بمعنى لا تدن من الفعل. وقرأ أبو بكر وحمزة والكسائى بفتح الطاء والهاء وتشديدهما، وكذا عن ابن عباس، وأصله يتطهرن أبدلت التاء طاء وسكنت فأدغمت فى الطاء، ومعناه فى هذه القراءة يغتسلن بعد انقطاع الدم بالقصة أو بعد الحكم بالطهر. {فإذا تَطهَّرن}: بالماء أو بالتيمم عند عدم الماء، أو عدم استطاعة استعماله بعد انقطاع الدم بالقصة، أو بعد الحكم بالطهر. {فأتُوهنَّ}: للجماع من الإتيان بمعنى المجئ أو كناية عن الجماع، أى فطؤوهن وهو إباحة بعد حصر، وأصل فأتوهن بكسر الهمزة وإسكان فالهمزة همزة وصل لا تثبت فى الدرج، وسقطت من الخط أيضاً كما سقطت من اللفظ لوقوعها بعد الفاء، فإن فاء الجواب أو العطف أو غير ذلك وواو العطب أو الحال أو غير ذلك، ينزلان منزلة الجزء من الكلمة بعدهما، وهمزة الوصل لا تكون وسطا، والفاء هنا للجواب وأما الياء فيدل من همزة أتى التى هى فاء الكلمة، أبدلت الهمزة ياءاً لسكونها بعد كسرة الهمزة ولما حذفت الهمزة الأولى الوصلية عادت الهمزة التى هى فاء الكلمة، قلبت ألفاً لسكونها بعد فتحة، كما قال فى الدرر اللوامع. {مِنْ حَيْثُ أمَركُم الله}: وهو القبل الذى هو محل الحرث، فالآية أفادت تحريم الدبر، وأنه لا وطء حتى تغتسل، أو تتيمم لعذر، وذلك واجب للصلاة، فإن لم تغتسل أو تتيمم حتى خرج وقت الصلاة حل له وطئها إلا أن نسيت فيجتنبها قدر الغسل. وطابقه بعد التذكر فقط، وإن قامت بعد الوقت للنسيان تركها حتى تغتسل وتصلى إن اشتغلت بالصلاة، وإن لم تشتغل بها بعد الغسل وطئها. وقال أبو حنيفة: إن طهرت لأكثر الحيض جار قربها، يعنى إن طهرت على عشرة أيام، روى عن خلف بن أيوب وأنه أرسل إبنه من بلخ إلى بغداد للتعلم، وأنفق عليه خمسين ألف درهم، لما رجع قال له: ما تعلمت؟ قال: تعلمت أن رمان الغسل هو من الطهر، فى حق صاحب العشرة، ومن الحيض فى حق صاحب ما دونها، فقال: ما ضيعت سفرك وذلك مذهب أبى حنيفة، يرى له أن يقربها بعد العشرة قبل الغسل بعد انقطاع الدم، ويمنعه من قربانها حتى تغتسل، أو يمضى وقت صلاة فإن طهرت قبل عشرة، ومذهبنا ومذهب الشافعى ومالك وجمهور الأمة أنه لا يحل له وطئها قبل الغسل طهرت قبل العشرة أو بعدها، إلا أن أمضى وقت الصلاة وهو الصحيح، لأنه تعالى لو قال: {حتى يطهرن} لكنه قد قال: {فإذا تطهرن} أن اغتسلن، فإما أن نقول يطهرن بالتخفيف بمعنى يرين الطهر أو يحكم لهن بالطهر، فيقدر محذوف هكذا حتى يطهرن ويتطهرن فإذا تطهرن كقولك لا تكرم زيداً حتى يركب ويجئ فإذا جاء فأكرمه أو يقدر هكذا فإذا تطهرن بعد الطهر كقولك: لا تكلمه حتى يدخل، فاذا طالب نفسه بعد الدخول فكلمه، أو يستغنى عن التقدير بالفاء فى قوله: {فإذا تطهرن} وإما أن نقول يطهرن بالتخفيف بمعنى يغتسلن، ويدل له قراءة حتى يطهرن بالتشديد، فإنها بمعنى الغسل. وعن ابن عباس: معنى قوله: {من حيث أمركم الله} من جهة الطهر، وقيل المعنى من جهة حال الإباحة، لا صائمات أو محرمات بحج أو عمرة، أو معتكفات أو نحو ذلك، وقيل المراد جميع ذلك. وعن عكرمة عن ابن عباس: {من حيث أمركم الله} من حيث نهاكم الله، وهو الفرج، أى فأتوهن فى الموضع الذى نهيتم عنه حال الحيض وهو الفرج، وقيل من حيث نهاكم الله، وهو السرة والركبة وما بينهما على الخلف فى قوله: {عن المحيض} هو ما بينهما معهما أو الفرج تفسير الأمر بالنهى أن النهى عن الشئ أمر بضده على ما مر، وكأنه قيل من حيث أمركم بالتجنب وهو الفرج، أو هو السرة والركبة وما بينهما. {إنَّ اللّهَ يُحبُّ التَّوابِينَ}: من الذنوب التى فعلوها كالجماع فى الدبر أو فى الحيض لمن فعله فى الفرج، أو هو موضع الإزار قبل الغسل. {ويُحِبُّ المُتَطَهِّرينَ}: المتنزهين عن الذنوب كجماع الدبر، والحيض المذكورين، وكالجماع قبل الغسل، فالحب الأول لمن فعل ذنباً وتاب توبة نصوحاً، والثانى لمن لا يفعله بل يتباعد عنه، ويجتمعان أيضاً فى الواحد، وهو من يتوب عما فعل ويتباعد عما لم يفعل، وكل من التواب والمتطهر صفة مبالغة، أما الأول فلانه أخو مفعال وفعول، وأما الثانى فلأن التفعل فيه للاجتهاد، وقيل التوابين من الذنوب المتطهرين منها ومن كل ما لا ينبغى، وكل مكروه ومن الأقذار كالبول والغائط وجماع الحائض، فإن فيه مع القذر ذنباً. وعن عطاء المتطهرين بالماء من الحدث والنجس، وعن مجاهد من الذنوب، وقيل التوابين من الكبائر والمتطهرين من الصغائر، فلعظم الكبائر عبر فيها بما يدل عن الخروج، فإن التوبة فرع الخروج، لأن معناها الرجوع، فذو الكبيرة خارج عن الإيمان الكامل، بحيث يستحق اسم كفر النفاق، ولكون الصغائر لا يخرج بهن عن الإيمان عبر فيها بالتطهر الذى هو فرع التلطخ بشئ منفر يبقى معه الفاعل غير خارج، لكن يطالب بالتطهر منه، وقيل التوابين من الأفعال المتطهرين من الأقوال، وكان صاحب هذا القول اعتبر أن لفظ التوبة ليس موضوعاً فى اللغة للحذر، فعبر به فى الفعل ومادة التفعل موضوعة فى اللغة لمعان منها الحذر والتوقى، فعبر به فى القول، لأن منه ما هو كالفعل وهو القول الذى هو كفر كالغيبة والنميمة، ومنه ما هو أشد كالقول بديانة محرمة، والأمر بما لا يجوز وتصويبه، وأن هذا النوع من القول أشد من الفعل، لأنه يؤخذ على قائله فيعظم الذنب فناسب المبالغة بالتوقى والحذر، كما يحذر عن السم، وقيل التوابين من الصغائر والذنوب التى هى كبائر المتطهرين من الإجرام التى هى ما يستعظم من الكبائر وتوجيه هذا كتوجيه ما قبله، وقيل التوابين من الذنوب الصغائر والكبائر المتطهرين مما يكره أو لا ينبغى، وتوجيهه كتوجيه القول بالتوابين من الكبائر والمتطهرين من الصغائر، هذا ما ظهر لى فى تفسير الأقوال المذكورة فى الوضع والله أعلم. والحب فة قلب والله منزه عنه، فيحمل حبه على لازم الحب القلبى وهو الإنعام والإثابة، وكانت اليهود تقول من أتى امرأة فى قلبها من دبرها جاء ولده أحول، فأنزل الله تعالى رداً عليهم قوله: {نِسَاؤءكُم حَرثٌ لكُمْ فأتوا حَرْثكُم أنِّى شِئْتُم}.
اطفيش
تفسير : {وَيَسْئَلُونَكَ} كانت الأسئلة الثلاثة بالعطف لوقوعهن فى وقت واحد فى العرف، وهو وقت السؤال عن الخمر والميسر، وغير الثلاثة بلا عطف، لوقوع كل فى وقت غير الآخر، فكل واحد منقطع عما قبله بالوقت مستأنف {عَنِ الْمَحِيضِ} عن الحيض، مصدر ميمى شذوذا، والقياس محاض، وقيل قياسا، لوروده كالمجىء والمبيت، أو زمان الحيض أو مكانه، وهو الفرج، قياساً، أو نفس الدم، وقيل، إذا كان الفعل يائى العين كسر مفعل منه مكاناً أو زماناً، وفتح مصدرا، وقيل بجواز الفتح والكسر فى الثلاثة، أو يسألونك عن ذوات المحيض، أو عن الحائضات مجازا، أو نفس ذلك الدم، وما يفعلون معهن زمانه وفى الفرج {قُلْ هُوَ} أى الحيض الذى ذكره بلفظ المحيض، أو بتقدير ذوات، أو الحيض المعلوم من لفظ المحيض بالمعانى الأخرى {أَذًى} أو الدم المعبر عنه بالمحيض ذو أذى، وذلك مضر لمن يقربه، أو هو نفس الضر مبالغة، أو الأذى الخبث، شبه بما يؤذى لجامع الكراهية، روى مسلم والترمذى عن أنس، حديث : أن اليهود وبعض المسلمين كانوا إذا حاضت المرأة عندهم لم يؤاكلوها ولم يجامعوها فى البيوت، أى لم يساكنوها، فسأل الصحابة، أى أبو الدحداح ومن معه، النبى صلى الله عليه وسلم، فنزلت فقال صلى الله عليه وسلم، افعلوا كل شىء إلا النكاحتفسير : ، وكذلك كانت الجاهلية والمجوس والمسلمون فى المدينة. قبل نزول الآية {فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِى الْمَحِيضِ} أى جماعهن فى زمان الحيض، أو موضع الحيض، وهو الفجر فقط، لقوله صلى الله عليه وسلم: إنما أمرتم بعزل الفروج، ويجوز بين السرة والركبة، ويكره ما يدعو للفرج، فقوله صلى الله عليه وسلم: يحل من الحائض ما فوق الإزار، وقوله جامع زوجتك فوق الإزار، وقوله لسائله، لتشد عليها إزارها ثم شأنك بأعلاها، تحذير وسد للذريعة، بدليل قوله: إنما أمرتم بعزل الفروج وبدليل الآية فإن المراد فيها النهى عن الجماع المعتاد، فغير المعتاد مما لم يرد تحريمه جائز، وهو جماعها فى غير القبل وغير الدبر فجاز، ولو فى فمها، ومنع بعض جماعها فى فمها قياسا على الدبر، وبعض منع الإمناء فيه، والتحقيق الجواز لأنه فوق الإزار، وحرم بعض ما بين السرة والركبة للأحاديث، وقد علمت أن المراد بها التحذير من مواقعة الفرج لا التحريم، وجماع الحائض فى القبل يورث الجذام للولد، كما فى الخبر، {وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ} للجماع، وهو مؤكد لما قبله، قد يحمل الإنسان مشقة عن لذة يسيرة فأمروا بالاعتزال أولا، ونهوا عن القرب ثانيا، فجمع بين الأمر والنهى تأكيدا، والنهى عن القرب إلى الفعل أقوى من النهى عن الفعل، وما يؤدى إلى الجماع فى الفرج قرب، غير أن الشرع أجاز الوطء فى غير الفم، وقد بان لك ألا تقربوهن ليس نفس اعتزلوا.. الخ فى المعنى، فلذلك صح عطفه، ولا سيما أنه قيد بقوله {حَتَّى يَطْهُرْنَ} إن لم يجعل قيدا لاعتزلوا. أى يطهرن بالقَصة البيضاء، أو ببلوغ أقصى الوقت والانتظار، ويتطهرن بالماء أو بالتيمم إن لم يجدن الماء، أو استعماله، إلا تعد عندنا القصة البيضاء، وعند مالك التيبس، فالمبتدئة عندنا تتم أقصى الحيض، وهو عشرة أيام، إن لم ترها، وتنتظر للدم يومين، ولغيره يوما وليلة، وهكذا إلى ثلاث حيضات، وبعدهن تأخذ بالتيبس إن رأته فى العشرة، ومن يجيئها التيبس ثم بعد ذلك القصة أخذت بها وألغته، ومن كانت تراها ثم كانت لا ترها ثلاث حيضات أخذت بالتيبس، وإن رجعت إليها القصة رجعت إليها. {فَإِذَا تَطَهَّرْنَ} بالماء أو بالتيمم بعد الطهر، أو خرج وقت الصلاة ولم يتطهرن تضييعا، ويجوز تفسير يطهرن بيتطهرن بالماء، وإنما ذلك فى الوقت وما يلتحق به وهو ضعيف {فَأْتُوهُنَّ} كناية عن الجماع، وقال أبو حنيفة: يحل الجماع بانقطاع الدم لأكثر الحيض، وإلا فلا بد من الاغتسال، أو مضى وقت صلاة بعد الانقطاع، والأمر هنا للإباسة {مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللهُ} لا تأتوهن فى حال الحيض، وهو القبل، وفى الصوم والاعتكاف، والإحرام منكم أو منهن، وإن فعلت ذلك بغير إذن منه وفى غير واجب فله نقضه عنها بالجماع، والأفضل اجتناب نقضه، فإذا جاء فى القبل فأولى أن يجوز فى سائر الجسد غير الدبر، وذلك أن الاعتزال عن الجماع كما بينه الحديث، وبين جواز غير الفرج، والمعروف الجائز قبل هو القبل بالتزويج أو بالتسرى، فلا يجوز الدبر من المرأة ولا من الطفل إذ لا يكون زوجا لرجل أو لطفل آخر، وجاء الحديث بتحريم الوطء فى الدبر والحيض واللواط {إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ} من الذنوب، أى يثيبهم، أو يمدحهم، أو ينعم عليهم، أو لا يعذبهم ونحو ذلك من لوازم الحب، قال جابر بن عبدالله: جاء رجل إلى النبى صلى الله عليه وسلم فقال: حديث : يا رسول الله، أصبت امرأتى وهى حائض، فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعتق نسمةتفسير : ، وقيمة النسمة حينئذ دينار، قلت: وتمسكوا بهذا فجعلوا على المجامع فى الحيض دينارا، ثم إنه سموه دينار الفراش، وقيل، إنه أمر بالنسمة، فإن وجدت بأقل أجزت، أو بأكثر وجب الأكثر، وقالوا فى الدم الأصفر نصف دينار، وقيل، وقيل {وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ} المتنزهين عن جماع الحائض والدبر، وقدم التوبة لأنها تخلية، وهى أحق ما تقدم، وينبنى عليها التطهر وتستجلبه، وتسلى التائب بأنه كالمتطهر لا لوم عليه، ولئلا يقنط، ولا يعجب من لم يذنب، وكرر يحب تأكيدا، إذ لو لم يتكرر لكفى الأول فى أن علة الحب التوبة والتطهر، وصيغة الثواب والمتطهر إرشاد لتحصيل المبالغة فى التوبة والطهارة، فلا ينافى أن التائب والطاهر محبوبان الله أيضا.
الالوسي
تفسير : {وَيَسْـئَلُونَكَ عَنِ ٱلْمَحِيضِ} أخرج الإمام أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وغيرهم عن أنس رضي الله تعالى عنهم «حديث : أن اليهود كانوا إذا/ حاضت المرأة منهم أخرجوها من البيت ولم يؤاكلوها ولم يشاربوها ولم يجامعوها في البيوت، فسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك؟ فأنزل الله هذه الآية فقال صلى الله عليه وسلم: «جامعوهنّ في البيوت واصنعوا كل شيء إلا النكاح» تفسير : وعن السدي ـ إن الذي سأل عن ذلك ثابت بن الدحداح رضي الله تعالى عنه ـ والجملة معطوفة على ما تقدم من مثلها، ووجه مناسبتها له أنه لما نهى عن مناكحة الكفار ورغب في مناكحة أهل الإيمان بين حكماً عظيماً من أحكام النكاح، وهو حكم النكاح في الحيض، ولعل حكاية هذه الأسئلة الثلاثة بالعطف لوقوع الكل في وقت واحد عرفي، وهو وقت السؤال عن الخمر والميسر فكأنه قيل: يجمعون لكل بين السؤال عنهما والسؤال عن كذا وكذا؛ وحكاية ما عداها بغير عطف لكونها كانت في أوقات متفرقة فكان كل واحد سؤالاً مبتدأ؛ ولم يقصد الجمع بينهما بل الإخبار عن كل واحد على حدة، فلهذا لم يورد الواو بينها. وقال صاحب «الانتصاف» في بيان العطف والترك: إن أول المعطوفات عين الأول من المجردة، ولكن وقع جوابه أولاً بالمصرف لأنه الأهم، وإن كان المسؤول عنه إنما هو المنفق لا جهة مصرفه ثم لما لم يكن في الجواب الأول تصريح بالمسؤول عنه أعيد السؤال ليجابوا عن المسؤول عنه صريحاً، وهو العفو الفاضل فتعين إذاً عطفه ليرتبط بالأوّل، وأما السؤال الثاني من المقرونة فقد وقع عن أحوال اليتامى، وهل يجوز مخالطتهم في النفقة والسكنى فكان له مناسبة مع النفقة باعتبار أنهم إذا خالطوهم أنفقوا عليهم فلذا عطف على سؤال الإنفاق، وأما السؤال الثالث فلما كان مشتملاً على اعتزال الحيض ناسب عطفه على ما قبله لما فيه من بيان ما كانوا يفعلونه من اعتزال اليتامى، وإذا اعتبرت الأسئلة المجردة من الواو لم تجد بينها مداناة ولا مناسبة ألبتة إذ الأول منها عن النفقة والثاني عن القتال في الشهر الحرام، والثالث عن الخمر والميسر وبينها من التباين والتقاطع ما لا يخفى فذكرت كذلك مرسلة متقاطعة غير مربوطة بعضها ببعض، وهذا من بدائع البيان الذي لا تجده إلا في الكتاب العزيز ا هـ. ولا أرى القلب يطمئن به كما لا يخفى على من أحاط خبراً بما ذكرناه فتدبر. والمحيض كما قال الزجاج وعليه الكثير مصدر حاضت المرأة تحيض حيضاً ومحاضاً فهو كالمجيء والمبيت وأصله السيلان يقال: حاض السيل وفاض قال الأزهري: ومنه قيل: للحوض حوض لأن الماء يحيض إليه أي يسيل، والعرب تدخل الواو على الياء لأنهما من جنس واحد، وقيل: إنه هنا اسم مكان، ونسب إلى ابن عباس رضي الله تعالى عنهما. وحكى الواحدي عن ابن السكيت أنه إذا كان الفعل من ذوات الثلاثة نحو كال يكيل، وحاض يحيض فاسم المكان منه مكسور، والمصدر منه مفتوح، وحكى غيره عن غيره التخيير في مثله بل قيل: إن الكسر والفتح جائزان في اسم الزمان والمكان والمصدر وعلى ما نسب للترجمان، واختاره الإمام يحتاج إلى الحذف في قوله تعالى: {قُلْ هُوَ أَذَىً} أي موضع أذى وكذا يحتاج إلى اعتبار الزمان في قوله سبحانه: {فَٱعْتَزِلُواْ ٱلنّسَاء فِي ٱلْمَحِيضِ} لركاكة قولنا: فاعتزلوا في موضع الحيض، وإن اختاره الإمام وقال: إن المعنى ـ اعتزلوا مواضع الحيض. والأذى ـ مصدر من ـ أذاه يؤذيه إذاً وإذاءاً، ولا يقال في المشهور إيذاء وحمله على المحيض للمبالغة، والمعنى المقصود منه المستقذر وبه فسره قتادة، واستعمل فيه بطريق الكناية، والمراد من اعتزال النساء اجتناب مجامعتهن كما يفهمه آخر الآية، وإنما أسند الفعل إلى الذات للمبالغة كما في قوله تعالى: {أية : حُرّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَـٰتُكُمْ }تفسير : [النساء: 23] ووضع الظاهر موضع المضمر لكمال العناية بشأنه بحيث لا يتوهم غيره أصلاً، وقد يقال لا وضع، وحديث الإعادة أغلبـي بل يعتبر ما أشرنا إلى اعتباره فيما أشرنا/ إلى عدم اعتباره لضعف النسبة، وقوة الداعي إلى التقدير وعدمه أولى، وإنما وصف بأنه أذى ورتب الحكم عليه بالفاء ولم يكتف في الجواب بالأمر للاشعار بأنه العلة والحكم المعلل أوقع في النفس. {وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ } تقرير للحكم السابق لأن الأمر بالاعتزال يلزمه النهي عن القربان وبالعكس فيكون كل منهما مقرراً وإن تغايرا بالمفهوم فلذا عطف أحدهما على الآخر؛ وفيه بيان لغايته فإن تقييد الاعتزال بقوله سبحانه وتعالى: {فِي ٱلْمَحِيضِ} وترتبه على كونه أذى يفيد تخصيص الحرمة بذلك الوقت، ويفهم منه عقلاً انقطاعها بعده، ولا يدل عليه اللفظ صريحاً بخلاف {حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ} والغاية انقطاع الدم عند الإمام أبـي حنيفة رضي الله تعالى عنه فإن كان الانقطاع لأكثر مدة الحيض حل القربان بمجرد الإنقطاع، وإن كان لأقل منها لم يحل إلا بالاغتسال أو ما هو في حكمه من مضي وقت صلاة، وعند الشافعية هي الاغتسال بعد الانقطاع قالوا: ويدل عليه صريحاً قراءَة حمزة. والكسائي وعاصم في رواية ابن عياش {يَطَّهَرنَ} بالتشديد أي: يتطهرن والمراد به يغتسلن لا لأن الاغتسال معنى حقيقي للتطهير كما يوهمه بعض عباراتهم ـ لأنّ استعماله فيما عدا الاغتسال شائع في الكلام المجيد والأحاديث على ما لا يخفى على المتتبع ـ بل لأن صيغة المبالغة يستفاد منها الطهارة الكاملة، والطهارة الكاملة للنساء عن المحيض هو الاغتسال فلما دلت قراءة التشديد على أن غاية حرمة القربان هو الاغتسال والأصل في القراءات التوافق حملت قراءة التخفيف عليها بل قد يدعى أن الطهر يدل على الاغتسال أيضاً بحسب اللغة ففي «القاموس» «طهرت المرأة انقطع دمها واغتسلت من الحيض كتطهرت». وأيضاً قوله تعالى: {فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ} يدل التزاما على أن الغاية هي الاغتسال لأنه يقتضي تأخر جواز الإتيان عن الغسل فهو يقوي كون المراد بقراءة التخفيف الغسل لا الانقطاع وربما يكون قرينة على التجوز في الطهر بحمله على الاغتسال إن لم يسلم ما تقدم وعلى فرض عدم تسليم هذا وذاك والرجوع إلى القول بأن قراءة التخفيف من الطهر وهو حقيقة في انقطاع الدم لا غير ولا تجوز ولا قرينة، وقراءة التشديد من التطهر، ويستفاد منه الاغتسال يقال أيضاً في وجه الجمع كما في «الكشف»: إن القراءة بالتشديد لبيان الغاية الكاملة والتخفيف لبيان الناقصة، وحتى في الأفعال نظير إلى في أنه لا يقتضي دخول ما بعدها فتكون الكاملة ألبتة، وبيانه أن الغاية الكاملة ما يكون غاية بجميع أجزائه وهي الخارجة عن المغيا، والناقصة ما تكون غاية باعتبار آخرها وحتى الداخلة على الأسماء تقتضي دخول ما بعدها لولا الغاية والداخلة على الأفعال مثل إلى لا تقتضي كون ما بعدها جزءاً لما قبلها فانقطاع الدم غاية للحرمة باعتبار آخره فيكون وقت الانقطاع داخلاً فيها والاغتسال غاية لها باعتبار أوله فلا تعارض بين القراءتين، ولعل فائدة بيان الغايتين بيان مراتب حرمة القربان فإنها أشد قبل الانقطاع مما بعده، ولما رأى ساداتنا الحنفية أن هٰهنا قراءتين التخفيف والتشديد وأن مؤدى الأولى انتهاء الحرمة العارضة على الحل بانقطاع الدم مطلقاً فإذا انتهت الحرمة العارضة حلت بالضرورة وإن مؤدى الثانية عدم انتهائها عنده بل بعد الاغتسال، ورأوا أن الطهر إذا نسب إلى المرأة لا يدل على الاغتسال لغة بل معناه فيها انقطاع الدم وهو المروي عن ابن عباس ومجاهد، وفي «تاج البيهقي» طهرت خلاف طمثت، وفي «شمس العلوم» امرأة طاهر بغير ـ هاء ـ انقطع دمها وفي «الأساس»: «امرأة طاهر ونساء طواهر (طهرن من الحيض)»، ولا يعارض ذلك ما في «القاموس» لجواز أن يكون بياناً للاستعمال ولو مجازاً على ما هو طريقته في كثير من الألفاظ وأن الحمل على الاغتسال مجازاً من غير قرينة معينة له مما لا يصح واعتبار {فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ} قرينة بناءاً على ما ذكروا ليس بشيء وما ذكروه في وجه/ الدلالة من الاقتضاء فيه بحث لأن ـ الفاء ـ الداخلة على الجملة التي لا تصلح أن تكون شرطاً كالجملة الإنشائية لمجرد الربط كما نص عليه ابن هشام في «المغني» ومثل له بقوله تعالى: {أية : قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِي }تفسير : [آل عمران: 31] ولو سلم فاللازم تأخر جواز الإتيان عن الغسل في الجملة لا مطلقاً حتى يكون قرينة على أن المراد بقراءة التخفيف أيضاً الغسل وأن القول بأن إحدى الغايتين داخلة في الحكم والأخرى خارجة خلاف المتبادر احتاجوا للجمع بجعل كل منهما آية مستقلة فحملوا الأولى على الانقطاع بأكثر المدة، والثانية لتمام العادة التي ليست أكثر مدة الحيض كما حمل إبراهيم النخعي قراءة النصب والجرّ في {أية : أَرْجُلِكُمْ} تفسير : [المائدة: 6] على حالة التخفيف وعدمه وهو المناسب لأن في توقف قربانها في الانقطاع للأكثر على الغسل إنزالها حائضاً حكماً وهو مناف لحكم الشرع لوجوب الصلاة عليها المستلزم لإنزاله إياها طاهراً حكماً بخلاف تمام العدة فإن الشرع لم يقطع عليها بالطهر بل يجوز الحيض بعده، ولذا لو زادت ولم يجاوز العشرة كان الكل حيضاً بالاتفاق بقي أن مقتضى الثانية ثبوت الحرمة قبل الغسل فرفع الحرمة قبله بمضي أول وقت الصلاة أعني أدناه الواقع آخراً، واعتبار الغسل حكماً على ما قالوا معارضة النص بالمعنى، والجواب أن القراءة الثانية خص منها صورة الانقطاع للعشرة بقراءة التخفيف فجاز أن يخص ثانياً بالمعنى كما قاله بعض المحققين ولا يخفى ما في مذهب الإمام من التيسير، والاحتياط لا يخفى. وحكي عن الأوزاعي أن حل الإتيان موقوف على التطهر وفسره بغسل موضع الحيض وقد يقال لتنقية المحل تطهير، فقد أخرج البخاري ومسلم والنسائي عن عائشة رضي الله تعالى عنها: «حديث : أن امرأة سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن غسلها من المحيض فأمرها قبل أن تغتسل قالت: خذي فرصة من مسك فتطهري بها قالت: كيف أتطهر بها؟ قال: تطهري بها قالت: كيف؟ قال: سبحان الله تطهري بها فاجتذبتها إليَّ ّفقلت: تتبعي بها أثر الدم» تفسير : وذهب طاوس ومجاهد في رواية عنه أن غسل الموضع مع الوضوء كاف في حل الإتيان ـ وإليه ذهب الإمامية ـ ولا يخفى أنه ليس شيء من ذلك طهارة كاملة للنساء وإنما هي طهارة كاملة لأعضائهن وهو خلاف المتبادر في الآية وإنما المتبادر هو الأول وما في الحديث وإن كان أمراً بالتطهر لتلك المرأة لكن المراد بذلك المبالغة في تطهير الموضع إلا أنه لأمر ما لم يصرح به صلى الله عليه وسلم وإطلاق التطهير على تنقية المحل مما لا ننكره وإنما ننكر إطلاق (يطهرن) على من طهرن مواضع حيضهن ودون إثباته حيض الرجال. واستدل بالآية على أنه لا يحرم الاستمتاع بالحائض بما بين السرة والركبة وإنما يحرم الوطء، وسئلت عائشة رضي الله تعالى عنها فيما أخرجه ابن جرير ما يحل للرجل من امرأته إذا كانت حائضاً؟ قالت: كل شيء إلا الجماع؛ وذهب جماعة إلى حرمة الاستمتاع بما بين السرة والركبة استدلالاً بما أخرجه مالك عن زيد بن أسلم «حديث : أن رجلاً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ماذا يحل لي من امرأتي وهي حائض؟ فقال له صلى الله عليه وسلم: لتشد عليها إزارها ثم شأنك بأعلاها» تفسير : وكأنه من باب سد الذرائع في الجملة، ولهذا ورد فيما أخرجه الإمام أحمد، والتعفف عن ذلك أفضل والأمر في الآية للإباحة على حد {أية : إِذَا حَلَلْتُمْ فَٱصْطَـٰدُواْ } تفسير : [المائدة: 2] ففيها إباحة الإتيان لكنه مقيد بقوله سبحانه: {مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ ٱللَّهُ} أي من المكان الذي أمركم الله تعالى بتجنبه لعارض الأذى وهو الفرج ولا تعدوا غيره قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة والربيع وقال الزجاج: معناه من الجهات التي يحل فيها أن تقرب المرأة ولا تقربوهن من حيث لا يحل كما إذا كن صائمات أو محرمات أو معتكفات وأيد بأنه لو أراد الفرج لكانت/ ـ في ـ أظهر فيه من ـ من ـ لأن الإتيان بمعنى الجماع يتعدى بها غالباً لا بمن، ولعله في حيز المنع عند أهل القول الأول. {إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلتَّوٰبِينَ} مما عسى يندر منهم من ارتكاب بعض الذنوب كالإتيان في الحيض المورث للجذام في الولد كما ورد في الخبر، والمستدعي عقاب الله تعالى فقد أخرج الإمام أحمد والترمذي والنسائي عن أبـي هريرة رضي الله تعالى عنه عن النبـي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : من أتى حائضاً فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم» تفسير : وهو جار مجرى الترهيب فلا يعارض ما أخرجه الطبراني عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: «جاء رجل إلى النبـي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أصبت امرأتي وهي حائض فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعتق نسمة» وقيمة النسمة حينئذ دينار، وهذا إذا كان الاتيان في أول الحيض والدم أحمر أما إذا كان في آخره والدم أصفر فينبغي أن يتصدق بنصف دينار كما دلت عليه الآثار {وَيُحِبُّ ٱلْمُتَطَهّرِينَ} أي المتنزهين عن الفواحش والأقذار كمجامعة الحائض والاتيان لا من حيث أمر الله تعالى وحمل التطهر على التنزه هو الذي تقتضيه البلاغة وهو مجاز على ما في «الأساس» و «شمس العلوم»، وعن عطاء حمله على التطهر بالماء والجملتان تذييل مستقل لما تقدم.
ابن عاشور
تفسير : عطف على جملة: { أية : ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن } تفسير : [البقرة: 221]، بمناسبة أن تحريم نكاح المشركات يؤذن بالتنزه عن أحوال المشركين وكان المشركون لا يقربون نساءهم إذا كُنَّ حُيَّضاً وكانوا يفرطون في الابتعاد منهن مدة الحيض فناسب تحديد ما يكثر وقوعه وهو من الأحوال التي يخالف فيها المشركون غيرهم، ويتساءل المسلمون عن أحق المناهج في شأنها. روي أن السائل عن هذا هو أبو الدحداح ثابت بن الدحداح الأنصاري، وروي أن السائل أُسيد بن حُضير، وروي أنه عباد بن بشر، فالسؤال حصل في مدة نزول هذه السورة فذكر فيها مع ما سيذكر من الأحكام. والباعث على السؤال أن أهل يثرب قد امتزجوا باليهود واستنوا بسنتهم في كثير من الأشياء، وكان اليهود يتباعدون عن الحائض أشد التباعد بحكم التوراة ففي الإصحاح الخامس عشر من سفر اللاويين «إذا كانت امرأة لها سيل دماً في لحمها فسبعة أيام تكون في طمثها وكل من مسها يكون نجساً إلى المساء وكل ما تضطجع عليه يكون نجساً وكل من مس فراشها يغسل ثيابه ويستحم بماء ويكون نجساً إلى المساء وإن اضطجع معها رجل فكان طمثها عليه يكون نجساً سبعة أيام». وذكر القرطبي أن النصارى لا يمتنعون من ذلك ولا أحسب ذلك صحيحاً فليس في الإنجيل ما يدل عليه، وإن من قبائل العرب من كانت الحائض عندهم مبغوضة فقد كان بنو سليح أهل بلد الحضْر، وهم من قضاعة نصارى إن حاضت المرأة أخرجوها من المدينة إلى الربض حتى تطهر وفعلوا ذلك بنصرة ابنة الضيزن ملك الحضْر، فكانت الحال مظنة حيرة المسلمين في هذا الأمر تبعث على السؤال عنه. والمحيض وهو اسم للدم الذي يسيل من رحم المرأة في أوقات منتظمة والمحيض اسم على زنة مفعل منقول من أسماء المصادر شاذاً عن قياسها لأن قياس المصدر في مثله فتح العين قال الزجاج «يقال حاضت حيضاً ومحاضاً ومحيضاً والمصدر في هذا الباب بابه المفعَل (بفتح العين) لكن المفعِل (بكسر العين) جيد» ووجه جودته مشابهته مضارعه لأن المضارع بكسر العين وهو مثل المجيء والمبيت، وعندي أنه لمَّا صار المحيض اسماً للدم السائل من المرأة عُدل به عن قياس أصله من المصدر إلى زنة اسم المكان وجيء به على زنة المكان للدلالة على أنه صار اسماً فخالفوا فيه أوزان الأحداث إشعاراً بالنقل فرقاً بين المنقول منه والمنقول إليه، ويُقال حيض وهو أصل المصدر: يقال حاضت المرأة إذا سال منها؛ كما يقال حاض السيل إذا فاض ماؤه ومنه سمي الحوض حوضاً لأنه يسيل، أبدلوا ياءه واواً وليس منقولاً من اسم المكان؛ إذ لا مناسبة للنقل منه، وإنما تكلفه من زعمه مدفوعاً بالمحافظة على قياس اسم المكان معرضاً عما في تصييره اسماً من التوسع في مخالطة قاعدة الاشتقاق. والمراد من السؤال عن المحيض السؤال عن قربان النساء في المحيض بدلالة الاقتضاء، وقد علم السائلون ما سألوا عنه والجواب أدل شيء عليه. والأذى: الضر الذي ليس بفاحش؛ كما دل عليه الاستثناء في قوله تعالى: { أية : لن يضرونكم إلا أذى } تفسير : [آل عمران: 111]، ابتدأ جوابهم عما يصنع الرجل بامرأته الحائض فبين لهم أن الحيض أذى ليكون ما يأتي من النهي عن قربان المرأة الحائض نهياً معلَّلاً فتتلقاه النفوس على بصيرة وتتهيأُ به الأمة للتشريع في أمثاله، وعبر عنه بأذى إشارة إلى إبطال ما كان من التغليط في شأنه وشأن المرأة الحائض في شريعة التوراة، وقد أثبت أنه أذى منكَّر ولم يبين جهته فتعين أن الأذى في مخالطة الرجل للحائض وهو أذى للرجل وللمرأة وللولد، فأما أذى الرجل فأوله القذارة وأيضاً فإن هذا الدم سائل من عضو التناسل للمرأة وهو يشتمل على بييضات دقيقة يكون منها تخلق الأجنة بعد انتهاء الحيض وبعد أن تختلط تلك البييضات بماء الرجل فإذا انغمس في الدم عضو التناسل في الرجل يتسرب إلى قضيبه شيء من ذلك الدم بما فيه فربما احتبس منه جزء في قناة الذكر فاستحال إلى عفونة تحدث أمراضاً معضلة فتحدث بثوراً وقروحاً لأنه دم قد فسد ويرد أي فيه أجزاء حية تفسد في القضيب فساداً مثل موت الحي فتؤول إلى تعفن. وأما أذى المرأة فلأن عضو التناسل منها حينئذ بصدد التهيؤ إلى إيجاد القوة التناسلية فإذا أزعج كان إزعاجاً في وقت اشتغاله بعمل فدخل عليه بذلك مرض وضعف، وأما الولد فإن النطفة إذا اختلطت بدم الحيض أخذت البييضات في التخلق قبل إبان صلاحيتها للتخلق النافع الذي وقته بعد الجفاف، وهذا قد عرفه العرب بالتجربة قال أبو كبير الهذلي: شعر : ومُبَرِّإٍ مِن كُلِّ غُبَّرِ حيضَةٍ وفساد مُرضعة ودَاءٍ مُعْضِلِ تفسير : (غبر الحيضة جمع غُبرة ويجمع على غبر وهي آخر الشيء، يريد لم تحمل به أمه في آخر مدة الحيض). والأطباء يقولون إن الجنين المتكون في وقت الحيض قد يجىء مجذوماً أو يصاب بالجذام من بعد. وقوله: {فاعتزلوا النساء في المحيض} تفريع الحكم على العلة، والاعتزال التباعد بمعزل وهو هنا كناية عن ترك مجامعتهن، والمجرور بفي: وقت محذوف والتقدير: في زمن المحيض وقد كثرت إنابة المصدر عن ظرف الزمان كما يقولون آتيك طلوع النجم ومَقْدَم الحاج. والنساء اسم جمع للمرأة لا واحد له من لفظه، والمراد به هنا الأزواج كما يقتضيه لفظ {اعتزلوا} المخاطب به الرجال، وإنما يعتزل من كان يخالط. وإطلاق النساء على الأزواج شائع بالإضافة كثيراً نحو: { أية : يا نساء النبي } تفسير : [الأحزاب: 30]، وبدون إضافة مع القرينة كما هنا، فالمراد اعتزلوا نساءكم أي اعتزلوا ما هو أخص الأحوال بهن وهو المجامعة. وقوله: {ولا تقربوهن حتى يطهرن} جاء النهي عن قربانهن تأكيداً للأمر باعتزالهن وتبييناً للمراد من الاعتزال وإنه ليس التباعد عن الأزواج بالأبدان كما كان عند اليهود بل هو عدم القِربان، فكان مقتضى الظاهر أن تكون جملة {ولا تقربوهن} مفصولة بدون عطف، لأنها مؤكدة لمضمون جملة {فاعتزلوا النساء في المحيض} ومبينة للاعتزال وكلا الأمرين يقتضي الفصل، ولكن خولف مقتضى الظاهر اهتماماً بهذا الحكم ليكون النهي عن القربان مقصوداً بالذات معطوفاً على التشريعات. ويكنى عن الجماع بالقربان بكسر القاف مصدر قرِب بكسر الراء ولذلك جيء فيه بالمضارع المفتوح العين الذي هو مضارع قرب كسمِع متعدياً إلى المفعول؛ فإن الجماع لم يجىء إلا فيه دون قرب بالضم القاصر يقال قرُب منه بمعنى دنا وقربه كذلك واستعماله في المجامعة، لأن فيها قرباً ولكنهم غلبوا قرب المكسور العين فيها دون قرب المضموم تفرقة في الاستعمال، كما قالوا بَعُدَ إذا تجافى مكانه وبَعِدَ كمعنى البُعد المعنوي ولذلك يدعو بلا يَبْعَدْ. وقوله: {حتى يطهرن} غاية لاعتزلوا و{لا تقربوهن}، والطهر بضم الطاء مصدر معناه النقاء من الوسخ والقذر وفعله طهر بضم الهاء، وحقيقة الطهر نقاء الذات، وأطلق في اصطلاح الشرع على النقاء المعنوي وهو طهر الحدث الذي يقدَّر حصوله للمسلم بسبب، ويُقال تطهر إذا اكتسب الطهارة بفعله حقيقة نحو { أية : يحبون أن يتطهروا } تفسير : [التوبة: 108] أو مجازاً نحو { أية : إنهم أناس يتطهرون } تفسير : [الأعراف: 82]، ويقال اطَّهر بتشديد الطاء وتشديد الهاء وهي صيغة تَطَهَّر وقع فيها إدغام التاء في الطاء قال تعالى: { أية : وإن كنتم جنباً فاطهروا } تفسير : [المائدة: 6] وصيغة التفعل في هذه المادة لمجرد المبالغة في حصول معنى الفعل ولذلك كان إطلاق بعضها في موضع بعض استعمالاً فصيحاً. قرأ الجمهور {حتى يطهرن} بصيغة الفعل المجرَّد، وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم وخلف {يطَّهَّرْن} بتشديد الطاء والهاء مفتوحتين. ولما ذُكر أن المحيض أذى عَلِم السامع أن الطهر هنا هو النقاء من ذلك الأذى فإن وصف حائض يقابل بطاهر وقد سميت الأقراء أطهاراً، وقد يراد بالتطهر الغسل بالماء كقوله تعالى: { أية : فيه رجال يحبون أن يتطهروا } تفسير : [التوبة: 108] فإن تفسيره الاستنجاء في الخلاء بالماء فإن كان الأول أفاد منع القربان إلى حصول النقاء من دم الحيض بالجفوف وكان قوله تعالى {فإذا تطهرن} بعد ذلك شرطاً ثانياً دالا على لزوم تطهر آخر وهو غسل ذلك الأذى بالماء، لأن صيغة {تطهر} تدل على طهارة مُعْمَلة، وإن كان الثاني كان قوله فإذا تطهرن تصريحاً بمفهوم الغاية ليبنى عليه قوله {فأتوهن}، وعلى الاحتمال الثاني جاء قراءة {حتى يطَّهَّرْن} بتشديد الطاء والهاء فيكون المراد الطهر المكتسب وهو الطهر بالغسل ويتعين على هذه القراءة أن يكون مراداً منه مع معناه لازمُه أيضاً وهو النقاء من الدم ليقع الغسل موقعه بدليل قوله قبله {فاعتزلوا النساء في المحيض} وبذلك كان مآل القراءتين واحداً، وقد رجح المبرد قراءة حتى يطهرن بالتشديد قال لأن الوجه أن تكون الكلمتان بمعنى واحد يراد بهما جميعاً الغسل وهذا عجيب صدوره منه فإن اختلاف المعنيين إذا لم يحصل منه تضاد أولى لتكون الكلمة الثانية مفيدة شيئاً جديداً. ورجح الطبري قراءة التشديد قائلاً: «لإجماع الأمة على أنه حرام على الرجل أن يقرب امرأته بعد انقطاع الدم عنها حتى تطهر» وهو مردود بأن لا حاجة إلى الاستدلال بدليل الإجماع ولا إلى ترجيح القراءة به، لأن اللفظ كاف في إفادة المنع من قربان الرجل امرأته حتى تطهر بدليل مفهوم الشرط في قوله: {فإذا تطهرن}. وقد دلت الآية على أن غاية اعتزال النساء في المحيض هي حصول الطهر فإن حملنا الطهر على معناه اللغوي فهو النقاء من الدم ويتعين أن يحمل التطهر في قوله: {فإذا تطهرن} على المعنى الشرعي، فيحصل من الغاية والشرط اشتراط النقاء والغسل وإلى هذا المعنى ذهب علماء المالكية ونظَّروه بقوله تعالى: { أية : وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشداً فادفعوا إليهم أموالهم } تفسير : [النساء: 6] وإن حمل الطهر في الموضعين على المعنى الشرعي لا سيما على قراءة (حتى يطَّهَّرْن) حصل من مفهوم الغاية ومن الشرط المؤكِّد له اشتراط الغسل بالماء وهو يستلزم اشتراط النقاء عادة، إذ لا فائدة في الغسل قبل ذلك. وأما اشتراط طهارة الحدث فاختلف فقهاء الإسلام في مجمل الطهر الشرعي هنا فقال قوم هو غسل محل الأذى بالماء فذلك يحل قربانها وهذا الذي تدل عليه الآية، لأن الطهر الشرعي يطلق على إزالة النجاسة وعلى رفع الحدث، والحائض اتصفت بالأمرين، والذي يمنع زوجها من قربانها هو الأذى ولا علاقة للقربان بالحدث فوجب أن يكون المراد غسل ذلك الأذى، وإن كان الطهران متلازمين بالنسبة للمرأة المسلمة فهما غير متلازمين بالنسبة للكتابية. وقال الجمهور منهم مالك والشافعي هو غسل الجنابة وكأنهم أخذوا بأكمل أفراد هذا الاسم احتياطاً، أو رجعوا فيه إلى عمل المسلمات والمظنون بالمسلمات يومئذ أنهن كن لا يتريثن في الغسل الذي يبيح لهن الصلاة فلا دليل في فعلهن على عدم إجزاء ما دُونه، وذهب مجاهد وطاووس وعكرمة إلى أن الطهر هو وضوء كوضوء الصلاة أي مع الاستنجاء بالماء وهذا شاذ. وذهب أبو حنيفة وصاحباه إلى التفصيل فقالوا: إن انقطع الدم لأقصى أمد الحيض وهو عشرة أيام عندهم جاز قربانها قبل الاغتسال أي مع غسل المحل خاصة، وإن انقطع الدم لعادة المرأة دون أقصى الحيض لم يصح أن يقربها زوجها إلا إذا اغتسلت أو مضَى عليها وقتُ صلاة، وإن انقطع لأَقَلَّ من عادتها لم يحل قربانها ولكنها تغتسل وتصلي احتياطاً ولا يقربها زوجها حتى تكمل مدة عادتها، وعللوا ذلك بأن انقطاعه لأكثر أمده انقطاع تام لا يخشى بعده رجوعه بخلاف انقطاعه لأقل من ذلك فلزم أن يتقصى أثره بالماء أو بمضي وقت صلاة، ثم أرادوا أن يجعلوا من هذه الآية دليلاً لهذا التفصيل فقال عبد الحكيم السلكوتي (حتى يطهرن) قرىء بالتخفيف والتشديد فتنزل القراءتان منزلة آيتين، ولما كانت إحداهما معارضة الأخرى من حيث اقتضاء قراءة التخفيف الطهر بمعنى النقاء واقتضاء الأخرى كونه بمعنى الغسل جمع بين القراءتين بإعمال كل في حالة مخصوصة اهــــ، وهذا مدرك ضعيف، إذ لم يعهد عدَ القراءتين بمنزلة آيتين حتى يثبت التعارض، سلمنا لكنهما وردتا في وقت واحد فيحمل مطلقهما على مقيدهما بأن نحمل الطهر بمعنى النقاء على أنه مشروط بالغسل، سلمنا العدول عن هذا التقييد فما هو الدليل الذي خص كل قراءة بحالة من هاتين دون الأخرى أو دون حالات أخَر، فما هذا إلا صنع باليد، فإن قلت لِمَ بنَوا دليلهم على تنزيل القراءتين منزلة الآيتين ولم يبنوه مثلنا على وجود (يطهُرن) و(يطَّهَّرْن) في موضعين من هذه الآية، قلت كَأَنَّ سببه أن الواقعين في الآية هما جزءا آية فلا يمكن اعتبار التعارض بين جزئي آية بل يحملان على أن أحدهما مفسر للآخر أو مقيد له. وقوله: {فأتوهن} الأمر هنا للإباحة لا محالة لوقوعه عقب النهي مثل { أية : وإذا حللتم فاصطادوا } تفسير : [المائدة: 2] عبر بالإتيان هنا وهو شهير في التكني به عن الوطء لبيان أن المراد بالقِربان المنهي عنه هو الذي المعنى الكنائي فقد عبر بالاعتزال ثم قُفِّيَ بالقربان ثم قفي بالإتيان ومع كل تعبير فائدة جديدة وحكم جديد وهذا من إبداع الإيجاز في الإطناب. وقوله: {من حيث أمركم الله} حيث اسم مكان مبهم مبنيٌ على الضم ملازمٌ الإضافة إلى جملة تحدده لِزوال إبهامها، وقد أشكل المراد من هذا الظرف على الذين تصدوا لتأويل القرآن وما أرى سبب إشكاله إلا أن المعنى قد اعتاد العرب في التعبير عنه سلوك طريق الكناية والإغماض وكان فهمه موكولاً إلى فطنهم ومعتاد تعبيرهم. فقال ابن عباس ومجاهد وقتادة والربيع أي إلا من حيث أمركم الله بأن تعتزلوهن منه مدة الحيض يعني القبل قال القرطبي (من) بمعنى في ونظره بقوله تعالى: { أية : أروني ماذا خلقوا من الأرض } تفسير : [الأحقاف: 4] وقوله: { أية : وإذا نودي للصلاة من يوم الجمعة } تفسير : [الجمعة: 9]، وعن ابن عباس وأبي رزين مسعود بن مالك والسُّدي وقتادة أن المعنى: من الصفة التي أمركم الله وهي الطهر، فحيث مجاز في الحال أو السبب و(من) لابتداء الأسباب فهي بمعنى التعليل. والذي أراه أن قوله: {من حيث أمركم الله} قد علم السامعون منه أنه أمر من الله كان قد حصل فيما قبل، وأما (حيث) فظرف مكان وقد تستعمل مجازاً في التعليل فيجوز أن المراد بأمر الله أمره الذي تضمنته الغاية بـــ(حتى) في قوله: {ولا تقربوهن حتى يطهرن} لأن غاية النهي تنتهي إلى الإباحة فالأمر هو الإذن، و(من) للابتداء المجازي، و(حيث) مستعملة في التعليل مجازاً تخييليا أي لأن الله أمركم بأن تأتوهن عند انتهاء غاية النهي بالتطهر. أو المراد بأمر الله أمره الذي به أباح التمتع بالنساء وهو عقد النكاح، فحرف (من) للتعليل والسببية، و(حيث) مستعار للمكان المجازي وهو حالة الإباحة التي قبل النهي كأنهم كانوا محجوزين عن استعمال الإباحة أو حجر عليهم الانتفاع بها ثم أذن لهم باستعمالها فشبهت حالتهم بحالة من حبس عند مكان ثم أطلق سراحه فهو يأتي منه إلى حيث يريد. وعلى هذين المعنيين لا يكون في الآية ما يؤذن بقصد تحديد الإتيان بأن يكون في مكان النسل، ويعضد هذين المعنيين تذييل الكلام بجملة: {إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين} وهو ارتفاق بالمخاطبين بأن ذلك المنع كان لمنفعتهم ليكونوا متطهرين، وأما ذكر التوابين فهو ادماج للتنويه بشأن التوبة عند ذكر ما يدل على امتثال ما أمرهم الله به من اعتزال النساء في المحيض أي إن التوبة أعظم شأناً من التطهر أي إن نية الامتثال أعظم من تحقق مصلحة التطهر لكم، لأن التوبة تطهر روحاني والتطهر جثماني. ويجوز أن يكون قوله: {من حيث أمركم الله} على حقيقة (مِن) في الابتداء وحقيقة (حيث) للمكان والمراد المكان الذي كان به أذى الحيض. وقد قيل: إن جملة {أن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين} معترضة بين جملة {فإذا تطهرن} وجملة { أية : نساؤكم حرث لكم } تفسير : [البقرة: 223]
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ ٱللَّهُ}. لم يبين هنا هذا المكان المأمور بالإتيان منه المعبر عنه بلفظه "حيث" ولكنه بين أن المراد به الإتيان في القبل في آيتين. إحداهما: هي قوله هنا: {فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ} [البقرة: 223]؛ لأن قوله: {فَأْتُواْ} أمر بالإتيان بمعنى الجماع، وقوله: {حَرْثَكُمْ} يبين أن الإتيان المأمور به إنما هو في محل الحرث، يعني بذر الولد بالنطفة، وذلك هو القبل دون الدبر كما لا يخفى؛ لأن الدبر ليس محل بذر للأولاد، كما هو ضروري. الثانية: قوله تعالى: {أية : فَٱلآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَٱبْتَغُواْ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمْ} تفسير : [البقرة: 187]، لأن المراد بما كتب الله لكم، الولد، على قول الجمهور، وهو اختيار ابن جرير، وقد نقله عن ابن عباس، ومجاهد، والحكم، وعكرمة والحسن البصري، والسدي، والربيع، والضحاك بن مزاحم. ومعلوم أن ابتغاء الولد إنما هو بالجماع في القبل. فالقبل إذن هو المأمور بالمباشرة فيه، بمعنى الجماع، فيكون معنى الآية: فالآن باشروهن، ولتكن تلك المباشرة في محل ابتغاء الولد، الذي هو القبل دون غيره، بدليل قوله: {أية : وَٱبْتَغُواْ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمْ} تفسير : [البقرة: 187] يعني الولد. ويتضح لك من هذا أن معنى قوله تعالى: {أَنَّىٰ شِئْتُمْ} [البقرة: 223] يعني أن يكون الإتيان في محل الحرث على أي حالة شاء الرجل، سواء كانت المرأة مستلقية أو باركة أو على جنب، أو غير ذلك، ويؤيد هذا ما رواه الشيخان وأبو داود والترمذي عن جابر رضي الله عنه قال: كانت اليهود تقول: إذا جامعها من ورائها جاء الولد أحول، فنزلت {نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّىٰ شِئْتُمْ} [البقرة: 223]. فظهر من هذا أن جابراً رضي الله عنه يرى أن معنى الآية، فأتوهن في القبل على أية حالة شئتم ولو كان من ورائها. والمقرر في علوم الحديث أن تفسير الصحابي الذي له تعلق بسبب النزول له حكم الرفع كما عقده صاحب طلعة الأنوار بقوله: شعر : تفسير صاحب له تعلق بالسبب الرفع له محقق تفسير : وقد قال القرطبي في تفسير قوله تعالى: {فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّىٰ شِئْتُمْ} ما نصه: وما استدل به المخالف من أن قوله عز وجل {أَنَّىٰ شِئْتُمْ} شامل للمسالك بحكم عمومها، فلا حجة فيها: إذ هي مخصصة بما ذكرناه، وبأحاديث صحيحة، حسان شهيرة، رواها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم اثنا عشر صحابياً، بمتون مختلفة، كلها متواردة على تحريم إتيان النساء في الأدبار، ذكرها أحمد بن حنبل في مسنده، وأبو داود، و النسائي، والترمذي، وغيرهم. وقد جمعها أبو الفرج بن الجوزي بطرقها في جزء سماه تحريم المحل المكروه. ولشيخنا أبي العباس أيضا في ذلك جزء سماه "إظهار إدبار من أجاز الوطء في الأدبار" قلت وهذا هو الحق المتبع، و الصحيح في المسألة. ولا ينبغي لمؤمن بالله واليوم الآخر أن يعرج في هذه النازلة على زلة عالم بعد أن تصح عنه، وقد حذرنا من زلة العالم. وقد روي عن ابن عمر خلاف هذا، وتكفير من فعله وهذا هو اللائق به رضي الله عنه، وكذلك كذّب نافع من أخبر عنه بذلك، كما ذكر النسائي وقد تقدم. وأنكر ذلك مالك واستعظمه، وكذّب من نسب ذلك إليه، وروى الدارمي في مسنده عن سعيد بن يسار أبي الحباب. قال: قلت لابن عمر: ما تقول في الجواري حين أحمض لهن؟ قال وما التحميض؟ فذكرت له الدبر. فقال: هل يفعل ذلك احد من المسلمين؟ وأسند عن خزيمة بن ثابت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : أيها الناس إن الله لا يستحي من الحق، لا تأتوا النساء في أعجازهن"تفسير : ، ومثله عن علي بن طلق. وأسند عن أبي هريرة عن النَّبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : تلك اللوطية الصغرى" تفسير : يعنى إتيان المرأة في دبرها. وروي عن طاوس أنه قال: كان بدأ عمل قوم لوط إتيان النساء في أدبارهن، قال ابن المنذر: وإذا ثبت الشيء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم استُغني به عما سواه، من القرطبي بلفظه. وقال القرطبي أيضاً ما نصه: وقال مالك لابن وهب، وعلي بن زياد، لما أخبراه أن ناساً بمصر يتحدثون عنه أنه يجيز ذلك، فنفر من ذلك وبادر إلى تكذيب الناقل، فقال: كذبوا علي، كذبوا علي، كذبوا علي، ثم قال: ألستم قوماً عرباً؟ ألم يقل الله تعالى: {نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ} [البقرة: 223] وهل يكون الحرث إلا في موضع المنبت؟ منه بلفظه أيضاً. ومما يؤيد أنه لا يجوز إتيان النساء في أدبارهن، أن الله تعالى حرم الفرج في الحيض لأجل القذر العارض له، مبيناً أن ذلك القذر هو علة المنع بقوله: {قُلْ هُوَ أَذًى فَٱعْتَزِلُواْ ٱلنِّسَآءَ فِي ٱلْمَحِيضِ} [البقرة: 222] الآية. فمن باب أولى تحريم الدبر للقذر والنجاسة اللازمة. ولا ينتقض ذلك بجواز وطء المستحاضة؛ لأن دم الاستحاضة ليس في الاستقذار كدم الحيض، ولا كنجاسة الدبر؛ لأنه دم انفجار العرق فهو كدم الجرح، ومما يؤيد منع الوطء في الدبر إطباق العلماء على أن الرتقاء التي لا يوصل إلى وطئها معيبة ترد بذلك العيب. قال ابن عبد البر: لم يختلف العلماء في ذلك، إلا شيئاً جاء عن عمر بن عبد العزيز من وجه ليس بالقوي، أن الرتقاء لا ترد بالرتق. والفقهاء كلهم على خلاف ذلك. قال القرطبي: وفي إجماعهم هذا دليل على أن الدبر ليس بموضع وطء ولو كان موضعاً للوطء ما ردت من لا يوصل إلى وطئها في الفرج. فإن قيل قد يكون رد الرتقاء لعلة عدم النسل فلا ينافي أنها توطأ في الدبر، فالجواب أن العقم لا يرد به، ولو كانت علة رد الرتقاء عدم النسل لكان العقم موجباً للرد. وقد حكى القرطبي الإجماع على أن العقم لا يرد به في تفسير قوله تعالى: {فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ} [البقرة: 223] الآية، فإذا تحققت من هذه الأدلة أن وطء المرأة في دبرها حرام. فاعلم أن من روي عنه جواز ذلك كابن عمر، وأبي سعيد وجماعات من المتقدمين، والمتأخرين، يجب حمله على أن مرادهم بالإتيان في الدبر إتيانها في الفرج من جهة الدبر، كما يبينه حديث جابر، والجمع واجب إذا أمكن، قال ابن كثير في تفسير قوله: {فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّىٰ شِئْتُمْ} [البقرة: 223] ما نصه: قال أبو محمد عبد الرحمن بن عبد الله الدارمي في مسنده: حدثنا عبد الله بن صالح، حدثنا الليث عن الحارث بن يعقوب، عن سعيد بن يسار أبي الحباب، قال: قلت لابن عمر: ما تقول في الجواري أيحمض لهن؟ قال وما التحميض؟ فذكر الدبر. فقال: وهل يفعل ذلك أحد من المسلمين؟ وكذا رواه ابن وهب، وقتيبة عن الليث. وهذا إسناد صحيح ونص صريح منه بتحريم ذلك. فكل ما ورد عنه مما يحتمل ويحتمل فهو مردود إلى هذا المحكم، منه بلفظه، وقد علمت أن قوله: {أَنَّىٰ شِئْتُمْ} [البقرة: 223] لا دليل فيه للوطء في الدبر. لأنه مرتب بالفاء التعقيبية، على قوله: {نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ} [البقرة: 223] ومعلوم أن الدبر ليس محل حرث، ولا ينتقض هذا بجواز الجماع في عكن البطن، وفي الفخذين، والساقين، ونحو ذلك مع أن الكل ليس محل حرث. لأن ذلك يسمى استمناء لا جماعاً. والكلام في الجمع. لأن المراد بالإتيان في قوله: {فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ} [البقرة: 223] الجماع والفارق موجود. لأن عكن البطن ونحوها لا قذر فيها، والدبر فيه القذر الدائم، والنجس الملازم. وقد عرفنا من قوله: {قُلْ هُوَ أَذًى فَٱعْتَزِلُواْ ٱلنِّسَآءَ} [البقرة: 222] الآية، أن الوطء في محل الأذى لا يجوز. وقال بعض العلماء: معنى قوله: {مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ ٱللَّهُ} [البقرة: 222] أي من المكان الذي أمركم الله تعالى بتجنبه. لعارض الأذى وهو الفرج ولا تعدوه إلى غيره، ويروى هذا القول عن ابن عباس ومجاهد، وقتادة، والربيع وغيرهم، وعليه فقوله: {مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ ٱللَّهُ} [البقرة: 222] يبينه {قُلْ هُوَ أَذًى فَٱعْتَزِلُواْ ٱلنِّسَآءَ} [البقرة: 222] الآية. لأن من المعلوم أن محل الأذى الذي هو الحيض إنما هو القبل، وهذا القول راجع في المعنى إلى ما ذكرنا، وهذا القول مبني على أن النهي عن الشيء أمر بضده. لأن ما نهى الله عنه فقد أمر بضده، ولذا تصح الإحالة في قوله: {أَمَرَكُمُ ٱللَّهُ} [البقرة: 222]، على النهي في قوله: {وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ} [البقرة: 222] والخلاف في النهي عن الشيء هل هو أمر بضده؟ معروف في الأصول، وقد أشار له في مراقي السعود بقوله: شعر : والنهي فيه غابر الخلاف أو أنه أمر بالائتلاف وقيل لا قطعاً كما في المختصر وهو لدى السبكي رأى ما انتصر تفسير : ومراده بغابر الخلاف: هو ما ذكر قبل هذا من الخلاف في الأمر بالشيء، هل هو عين النهي عن ضده، أو مستلزم له أو ليس عينه ولا مستلزماً له؟ يعني أن ذلك الخلاف أيضاً في النهي عن الشيء هل هو عين الأمر بضده؟ أو ضد من أضداده إن تعددت؟ أو مستلزم لذلك؟ أو ليس عينه ولا مستلزماً له؟ وزاد في النهي قولين: أحدهما: أنه أمر بالضد اتفاقاً. والثاني: أنه ليس أمراً به قطعاً، وعزا الأخير لابن الحاجب في مختصره وأشار إلى أن السبكي في جمع الجوامع ذكر أنه لم ير ذلك القول لغير ابن الحاجب. وقال الزجاج: معنى {مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ ٱللَّهُ} أي: من الجهات التي يحل فيها أن تقرب المرأة، ولا تقربوهن من حيث لا يحل، كما إذا كن صائمات، أو محرمات، أو معتكفات. وقال أبو رزين وعكرمة والضحاك وغير واحد: {مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ ٱللَّهُ} [البقرة: 222] يعني طاهرات غير حيض، والعلم عند الله تعالى.
الواحدي
تفسير : {ويسألونك عن المحيض} [ذكر المفسرون أنَّ العرب كانت إذا حاضت المرأة لم يؤاكلوها ولم يشاربوها، ولم يَسَّاكَنُوا معها في بيت، كفعل المجوس] فسأل أبو الدَّحداح رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، كيف نصنع بالنِّساء إذا حضن؟ فنزلت هذه الآية، والمحيض: الحيض {قل هو أذىً} أَيْ: قذرٌ ودمٌ {فاعتزلوا النساء في المحيض} أَيْ: مجامعتهنَّ إذا حضن {ولا تقربوهنَّ} أَيْ: ولا تجامعوهنَّ {حتى يَطْهُرْنَ} أي: يغتسلن، ومَنْ قرأ: {يَطْهُرْنَ} بالتَّخفيف، أَيْ: ينقطع عنهنَّ الدَّم، أَيْ: توجد الطَّهارة وهي الغسل {فإذا تطهَّرن} اغتسلن {فأتوهنَّ} أَيْ: جامعوهنَّ {من حيث أمركم الله} بتجنُّبه في الحيض - وهو الفرج - {إنَّ الله يحب التوابين} من الذُّنوب و {المتطهرين} بالماء من الأحداث والجنابات. {نساؤكم حرثٌ لكم} أَيْ: مزرعٌ ومنبتٌ للولد {فأتوا حرثكم أنى شئتم} أَيْ: كيف شئتم ومن أين شئتم بعد أن يكون في صِمام واحدٍ، فنزلت هذه الآية تكذيباً لليهود، وذلك أنَّ المسلمين قالوا: إِنَّا نأتي النِّساء باركاتٍ وقائماتٍ ومستلقياتٍ، ومن بين أيديهنَّ، ومن خلفهنَّ بعد أن يكون المأتي واحداً، فقالت اليهود: ما أنتم إلاَّ أمثال البهائم، لكنَّا نأتيهنَّ على هيئةٍ واحدةٍ، وإنَّا لنجد في التَّوراة أنَّ كلَّ إِتيانٍ يؤتى النِّساء غير الاستلقاء دنسٌ عند الله، فأكذب الله تعالى اليهود {وقدموا لأنفسكم} أَي: العمل لله بما يحبُّ ويرضى {واتقوا الله} فيما حدَّ لكم من الجماع وأمرِ الحائض {واعلموا أنكم ملاقوه} أَيْ: راجعون إليه {وبشر المؤمنين} الذين خافوه وحذروا معصيته. {ولا تجعلوا الله عرضةً لأيمانكم} أَيْ: لا تجعلوا اليمين بالله سبحانه علَّةً مانعةً من البرِّ والتَّقوى من حيث تتعمَّدون اليمين لتعتلُّوا بها. نزلت في عبد الله بن رواحة حلف أن لا يُكلِّم ختنه، ولا يدخل بينه وبين خصم له، جعل يقول: قد حلفتُ أَنْ لا أفعل فلا يحلُّ لي، وقوله: {أن تبروا} أَي: في أَنْ لا تبرُّوا، أو لدفع أن تبرُّوا، ويجوز أن يكون قوله: {أن تبروا} ابتداءً، وخبره محذوف على تقدير: أن تبرُّوا وتتقوا وتصلحوا بين النَّاس أولى، أَي: البرُّ والتُّقى أولى. {والله سيمعٌ عليمٌ} يسمع أيمانكم، ويعلم ما تقصدون بها. {لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم} أَيْ: ما يسبق به اللِّسان من غير عقدٍ ولا قصدٍ، ويكون كالصِّلة للكلام، وهو مِثلُ قول القائل: لا والله، وبلى واللَّهِ. وقيل: لغو اليمين: اليمينُ المكفَّرة، سمِّيت لغواً لأنَّ الكفَّارة تُسقط الإِثم منه {ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم} أَيْ: عزمتم وقصدتم، وعلى القول الثاني في لغو اليمين معناه: ولكن يؤاخذكم بعزمكم على ألا تبرُّوا وتعتلُّوا في ذلك بأيمانكم بأنَّكم حلفتم {والله غفورٌ حليم} يؤخِّر العقوبة عن الكفَّار والعُصاة. {للذين يؤلون من نسائهم} أَيْ: يحلفون أن لا يطؤوهنَّ {تربص أربعة أشهر} جعل الله تعالى الأجل في ذلك أربعة أشهر، فإذا مضت هذه المدَّة فإمَّا أن يُطلِّق أو يطأ، فإن أباهما جميعاً طلَّق عليه الحاكم {فإن فاؤوا} رجعوا عمَّا حلفوا عليه، أَيْ: بالجماع {فإنَّ الله غفورٌ رحيم} يغفر له ما قد فعل، [ولزمته كفَّارة اليمين]. {وإن عزموا الطلاق} أَيْ: طلَّقوا ولم يفيؤوا بالوطء {فإنَّ الله سميع} لما يقوله {عليمٌ} بما يفعله.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: المحيض: مكان الحيض وزمنه والحيض دم يخرج من رحم المرأة إذا خلا من الجنين. أذىً: ضرر يضر المجامع في أيامه. فاعترلوا النساء في المحيض: اتركوا جماعهن أيام الحيض. ولا تقربوهن حتى يطهرن: أي لا تجامعوهن حتى ينقطع دم الحيض. فإذا تطهرن: أي إذا انقطع دم حيضهن واغتسلن منه. فأتوهن من حيث أمركم الله: أي جامعوهن في قبلهن، وهن طاهرات متطهرات. نساؤكم حرث لكم: يريد مكان إنجاب الأولاد فشبه النساء بالحرث لأن الأرض إذا حرثت أنبتت الزرع، والمرأة إذا وطئت أنبتت الولد بإذن الله تعالى. فأتوا حرثكم أنى شئتم: إذن بجماع لمرأة مقبلة أو مدبرة إذا كان ذلك في القبل الذي هو منبت الزرع، وهي طاهرة من الحيض والنفاس. وقدموا لأنفسكم: يريد الأعمال الصالحة ومنها إرادة تحصين النفس والزوجة بالجماع وإرادة إنجاب الأولاد الصالحين الذين يوحدون الله ويدعون لوالديهم طوال حياتهم. معنى الآيتين: يخبر تعالى رسوله بأن بعض المؤمنين سألوه عن المحيض هل تساكن المرأة معه وتؤاكل وتشارب أو تهجر بالكلية حتى تطهر إذ كان هذا من عادة أهل الجاهلية، وأمره أن يقول لهم الحيض أذى يضر بالرجل المواقع فيه، وعليه فليعتزلوا النساء الحيض في الجماع فقط لا في المعاشرة والمآكلة والمشاربة، وإنما في الجماع فقط أيام سيلان الدم بل لا بأس بمباشرة الحائض في غير ما بين السرة والركبة للحديث الصحيح في هذا كما أكد هذا المنع بقوله لهم: ولا تقربوهن أي لا تجامعوهن حتى يطهرن بإنقطاع دمهن والاغتسال بعده لقوله فإذا تطهرن أي اغتسلن فأتوهن من حيث أمركم الله بإتيانهن وهو القبل لا الدبر فإنه محرم وأعلمهم تعالى أنه يحب التوابين من الذنوب المتطهرين من النجاسات والأقذار فليتوبوا وليتطهروا ليفوزوا بحب مولاهم عز وجل هذا معنى الآية الأولى: [222] أما الآية الثانية [223] وهي قوله تعالى: {نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ} فهي تضمنت جواب سؤال وهو هل يجوز جماع المرأة مدبرة بأن يأتيها الرجل من ورائها إذ حصل هذا السؤال من بعضهم فعلاً فأخبر تعالى أنه لا مانع من ذلك إذا كان في القبل وكانت المرأة طاهرة من دمي الحيض والنفاس، وسمّى المرأة حرثاً لأن رحمها ينبت فيه الولد كما ينبت الزرع في الأرض الطيبة وما دام الأمر كذلك فليأت الرجل امرأته كما شاء مقبلة أو مدبرة إذ المقصود حاصل وهو الإِحصان وطلب الولد. فقوله تعالى أنّى شئتم يريد على أي حال من إقبال أو إدبار شئتم شرط أن يكون ذلك في القبل لا الدبر. ثم وعظ تعالى عباده بقوله: وقدّموا لأنفسكم من الخير ما ينفعكم في آخرتكم واعلموا أنكم ملاقوا الله تعالى فلا تغفلوا عن ذكره وطاعته إذ هذا هو الزاد الذي ينفعكم يوم تقفون بين يدي ربكم. وأخيراً أمر رسوله أن يبشر المؤمنين بخير الدنيا والآخرة وسعادتهما من كان إِيمانه صحيحاً مثمراً التقوى والعمل الصالح. هداية الآيتين: من هداية الآيتين: 1- حرمة الجماع أثناء الحيض والنفاس لما فيه من الضرر، ولقوله تعالى {فَٱعْتَزِلُواْ ٱلنِّسَآءَ فِي ٱلْمَحِيضِ وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ}. 2- حرم وطء المرأة إذا انقطع دم حيضها أو نفاسها ولم تغتسل، لقوله تعالى: {فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ}. 3- حرمة نكاح المرأة في دبرها لقوله تعالى: {فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ ٱللَّهُ} وهو القبل. 4- وجوب التطهير من الذنوب بالتوبة، والتطهير من الأقذار والنجاسات بالماء. 5- وجوب تقديم ما أمكن من العمل الصالح ليكون زاد المسلم إلى الدار الآخرة لقوله تعالى: {وَقَدِّمُواْ لأَنْفُسِكُمْ}. 6- وجوب تقوى الله تعالى بفعل ما أمر وترك ما نهى عنه وزجر. 7- بشرى الله تعالى على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم لكل مؤمن ومؤمنة.
القطان
تفسير : الحيض: السيلان، وفي الشرع: دم يخرج من الرحم في مدة مخصوصة. الأذى: الضرر. الحرث: موضع النبت يعني الارض التي تنبت، شبهت بها النساء، لأنها منبت الولد. أنى شئتم: متى شئتم. كثرت الأسئلة عن مخالطة النساءِ أيام مجيء العادة الشهرية عندهن، وذلك بسبب احتكاك المسلمين في المدينة باليهود وبسبب العادات الموروثة من الجاهلية. فقد كان اليهود لا يقربون المرأة أثناء حيضها، ويعتبرونها نجسة. فلا يجوز للرجل ان يمس جسدها أو يقرب من فراشها، فإن فعل، يغسل ثيابه بماء ويستحم ويكون نجسا الى المساء. وان اضطجع معها وهي حائض يكون نجسا سبعة أيام. وكان العرب في الجاهلية لا يساكنون الحائض، ولا يؤاكلونها كما كانت تفعل اليهود. اما النصارى فكانت تتهاون في أمور الحيض، فكان هذا الاختلاف مدعاة للسؤال عن حكم المحيض في الاسلام فنزلت الآية... يسألونك يا محمد عن إتيان الزوجات زمن الحيض فأجبهم: إنه اذى، فامتنعوا عنه حتى يطهُرن، فاذا تطهرن فأتوهن في المكان الطبيعي، (لأنه لو كان يجوز اتيانهن في غيره لما قال تعالى: {فَٱعْتَزِلُواْ ٱلنِّسَآءَ فِي ٱلْمَحِيضِ}). ومن كان وقع منه شيء من ذلك فليتبْ الى الله فان الله يحب التوبة من عباده، وتطهُّرهم من الأقذار والفحش. وقد أثبت العلم الحديث ان الحيض فيه أذى، اذ يكون المهبل آنذاك ميدانا مفتوحاً للجراثيم. فالاتصال الجنسي في الحيض يعمل على وصول هذه الجراثيم الى المهبل، فتصيبه بمختلف الالتهابات التي قد تمتد الى الجهاز التناسلي، فتتولد مضاعفات قد تؤدي الى العقم. وتعود العدوى الى الرجل عن طريق قناته البولية، وقد تمتد الاصابة الى المثانة والحالبين بل الى قاعدة الكليتين، حتى تصاب البروستاتا والخصيتان بما قد ينتج عنه الضعف الجنسي او العقم. والمرأة اثناء الحيض تكون راغبة عن الرجل، فالاتصال الجنسي بها في ذلك الوقت قد يؤثر في أعصابها من هذه الناحية. لذلك علّمنا القرآنُ الكريم ان نعتزل المرأة في وقت الحيض. أما مخالطتها ومسها والأكل معها والنوم في فراشها فكل هذا جائز وغير ممنوع. {نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ...} لا حرج عليكم في إتيان نسائكم بأي وضع شئتم اذا كان ذلك في موضع النسل، قد بيّنا لكم ما فيه رشدكم وهدايتكم، فقدِّموا لأنفسكم الخير الذي امركم به ربكم، واتخذوا عنده به عهداً، لتجدوه حين تلقون ربكم يوم المعاد. واتقوه في معاصيه، واحذروا أن تخرجوا النساء عن كونهنّ حرثا بإضاعة مادة النسل أثناء الحيض او بوضعها في غير موضع الحرث. وبشّر المؤمنين يا محمد بالفوز يوم القيامة.
د. أسعد حومد
تفسير : {وَيَسْأَلُونَكَ} {ٱلتَّوَّابِينَ} (222) - قَالَ أنسٌ: كَانَتِ اليَهُودُ إذا حَاضَتِ المَرْأةُ مِنْهُمْ لَمْ يُؤَاكِلُوهَا، وَلَمْ يَجْتَمِعُوا مَعَهَا فِي البَيْتِ. فَسَألَ الصَّحَابَةُ الرَّسُولَ صلى الله عليه وسلم فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى هذِهِ الآيَةَ. حديث : وَسَألَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَمَّا يَحِلُّ لَهُ مِنِ امْرَأتِهِ وَهِيَ حَائِضٌ. فَقَالَ: مَا فَوْقَ الإِزَارِ وَالتَّعَفُّفُ عَنْ ذَلِكَ أَفْضَلُ"تفسير : . وَقَدِ اتَّفَقَ الفُقَهَاءُ عَلَى أنَّ المَرَأةَ إذا انْقَطَعَ حَيْضُهَا لاَ تَحِلُّ حَتَّى تَغْتَسِلَ، أوْ تَتَيمَّمَ، إِنْ تَعَذَّرَ عَلَيهَا المَاءُ بِشُرُوطِهِ. فإذا طَهُرْنَ حَلَّ وَطْؤُهُنَّ فِي مَكَانِ الحَرْثِ، بَعْدَ أنْ كَانَ اللهُ قَدْ أمَرَ بِاعْتِزَالِهِنَّ فِي المَحِيضِ، وَاللهُ يُحِبُّ التَّوَابِينَ مِنَ الذُّنُوبِ، وَإنْ تَكَرَّرَ غِشْيَانُها، وَيُحِبُّ المُتَطَهِّرِينَ عَنِ الأقْذَارِ وَالأذَى وَالفَواحِش. أذىً - قَذَرٌ يُؤْذِي.
الثعلبي
تفسير : {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْمَحِيضِ} الآية عطاء بن السائب عن سعد بشير عن ابن عباس ما رأيت قوماً كانوا خيراً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما سألوا النبي عن ثلاث عشرة مسألة حتى [نزل ذكرهنّ] في القرآن: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ} {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَآ أَنْفَقْتُمْ} {وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ ٱلْعَفْوَ} {يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلأَهِلَّةِ} {يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ} {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْيَتَامَىٰ} {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْمَحِيضِ} {أية : يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلسَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي} تفسير : [الأعراف: 187] {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي} {أية : يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلأَنْفَالِ} تفسير : [الأنفال: 1] {أية : وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلرُّوحِ} تفسير : [الإسراء: 85] {أية : وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِي ٱلْقَرْنَيْنِ} تفسير : [الكهف: 83] {أية : وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْجِبَالِ} تفسير : [طه: 105]. قال المفسرون: كانت العرب في الجاهلية إذا حاضت المرأة لم يؤاكلوها ولم يشاربوها ولم يساكنوها في بيت ولم يجالسوها على فراش كفعل المجوس واليهود. فسأل أبو الدحداح ثابت بن الدحداح رسول الله عن ذلك وقال: يا رسول الله كيف نصنع بالنساء إذا حضن؟ فأنزل الله {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْمَحِيضِ} أي الحيض، وهو مصدر قولك حاضت المرأة تحيض حيضاً ومحيضاً، مثل السير والمسير، والعيش والمعيش، والكيل والمكيل. وأصل الحيض الانفجار يقال: حاضت الثمرة إذا سال منها شيء كالدم. {قُلْ هُوَ أَذًى} أي قذر، قاله قتادة والسّدّي، وقال مجاهد والكلبي: دم، والأذى ما يعمّ ويكره من شيء {فَٱعْتَزِلُواْ ٱلنِّسَآءَ فِي ٱلْمَحِيضِ} اعلم إنّ الحيض يمنع من تسعة أشياء: من الصلاة جوازاً ووجوباً ومن الصوم جوازاً ثم يلزمها قضاء الصوم ولا يلزمها قضاء الصلاة. عاصم الأحول عن معادة العدوية أن إمرأة سألت عائشة فقالت: الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة فقالت لها: أحروريّة أنت؟ فقالت: ليست بحروريّة ولكني أسأل، فقالت: كان يصيبنا ذلك على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فنؤمر بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة. عياض عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" حديث : ما رأيت ناقصات عقل ودين أذهب للبّ الرجل الحازم من إحداهنّ، فقلن له: وما نقصان عقلنا وديننا يا رسول الله؟ قال: أليس شهادة المرأة على مثل نصف شهادة الرجل فذاك من نقصان عقلها؟ أوليس إذا حاضت المرأة لم تصلِّ ولم تصمْ؟ فقلن بلى قال: فذلك من نقصان دينها ". تفسير : وتمنع أيضاً من قراءة القرآن وقد رخص فيها مالك بعض الرخصة إذا طالت المدّة احترازاً من نسيان القرآن، والفقهاء على خلافه، وتمنع من مسّ المصحف، ودخول المسجد والاعتكاف فيه، ومن الطواف بالبيت ومن الاحتساب بالعدة ومن الوطء قال الله تعالى: {فَاعْتَزِلُوا النِّسَآءَ فِي الْمَحِيضِ} فلمّا نزلت هذه الآية عمد المسلمون الى النساء الحيّض فأخرجوهنّ من البيوت واعتزلوهنّ فاذا اغتسلنّ ردّوهن الى البيت، فقدم بعض من أعراب المدينة فشكوا عزل الحيض معهم وقالوا: يا رسول الله إنّ البرد شديد والثياب قليلة فإنْ آثرناهنّ بالثياب حال بنا وأهل البيت برد، وإن آثرتا بالثياب هلكت الحيض، وليس كلنا يجد سعة لذلك فيوسع عليهم جميعاً، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنّما أُمرتم أن تعتزلوا مجامعتهنّ إذا حضن، ولم يأمركم بإخراجهن من البيوت كفعل الأعاجم، وقرأ عليهم هذه الآية. الناصري عن سعيد بن المسّيب عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من وطئ امرأته وهي حائض فقضى منهما ولد فأصابه جذام فلا يلومنّ إلاّ نفسه، ومَنِ احتجم يوم السبت والأربعاء فأصابه ضرر واضح فلا يلومنّ إلاّ نفسه ". تفسير : وإنْ جامعها أثِمَ ولزمته الكفارة، وهي ما روى ابن أبي المخارق عن مقسم عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم" حديث : أنّ رجلا جامع امرأته وهي حائض قال: إن كان دماً عبيطاً فليتصدّق بدينار، وإن كان صفرة فنصف دينار ". تفسير : ولا بأس باستخدام الحائض ومباشرة بدنها إذا كانت مؤتزرة وبالاستمتاع بها فوق الإزار. قيل لمسروق: ما يحلّ للرجل من امرأته إذا كانت حائضاً؟ قال: كل شيء إلاّ الجماع. وعن ربيعة بن عبد الرحمن" حديث : أنّ عائشة كانت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مضطجعة في ثوب واحد وأنها وثبت وثبة شديدة فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما لكِ لعلّك نفستِ يعني الحيضة قالت: نعم، قال: شدّي عليك إزارك ثم عودي لمضجعك ". تفسير : معاذ بن هشام عن أبيه عن يحيى عن أبي سلمة أنّ زينب بنت أبي سلمة حدّثت أن أم سلمة حدّثتها قالت:" حديث : بينا أنا مضطجعة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخميلة إذ حضت فانسللت فأخذت ثياب حيضتي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنفست؟ قلت: نعم، فدعاني فاضطجعت معه في الخميلة ". تفسير : عن يزيدة مولاة ميمونة زوج النبي صلى الله عليه وسلم عن ميمونة قالت:" حديث : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يباشر المرأة من نسائه وهي حائض إذا كان عليها إزار يبلغ إلى أنصاف الفخذين أو الركبتين ". تفسير : إبراهيم عن الأسود عن عائشة قالت:" حديث : كنت أغتسل أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم من إناء واحد، ونحن جنبان وكنت أُفلي رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو معتكف في المسجد وأنا حائض، وكان يأمرني إذا كنت حائضاً أن أتّزر ثم يباشرني ". تفسير : ثابت بن عبيدة عن القاسم عن عائشة" حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ناوليني الخمرة فقالت: إني حائض فقال: إنّ حيضتك ليست في يدك ". تفسير : وعن شريح قال: قيل لعائشة:" حديث : هل تأكل المرأة مع زوجها وهي طامث؟ قالت: نعم، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعوني فآكل معه وأنا حائض، وكان يأخذ العرق فيقسم عليّ فيه فأعُرّق منه، ثم أضعه فيأخذ فيعرّق منه ويضع فمه حيث وضعت فمي من العرق ويدعو بالشراب فيقسم عليّ قبله أن أشرب منه فآخذه وأشرب منه، ثم أضعه فيأخذه ويشرب منه ويضع فمه حيث وضعت فمي من القدح ". تفسير : فدلّت هذه الأخبار على أنّ المراد بالاعتزال عن الحيض جماعهنّ، وذلك أن المجوس واليهود كانوا يجتنبون الحيّض في كل شيء، وكان النصارى يجامعوهن ولا يبالون بالحيض، فأنزل الله تعالى بالاقتصاد بين هذين الأمرين، وخير الأمور أوسطها. ثابت عن أنس قال:" حديث : أنزل الله عزّ وجلّ: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْمَحِيضِ} الآية فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: افعلوا كل شيء إلاّ الجماع، فبلغ ذلك اليهود فقالوا: ما يريد هذا الرجل، لم يدعْ من أمرنا شيئاً إلاّ خالفنا فيه، فجاء أسد بن حصين وعباد بن شبر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالا: يا رسول الله إنّ اليهود قالت كذا وكذا، أفلا نجامعهنّ؟ فتغيّر وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فظنّا أن قد وجد عليهما، فخرجا فاستقبلتهما هدية من لبن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأرسل في آثارهما فسقاهما فعرفا أن لم يجد عليهما ". تفسير : {وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ} يعني لا تجامعوهنّ، {حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ} قرأ ابن محيص والأعمش وعاصم وخمرويه والكسائي يطّهّرن بتشديد الطاء والهاء ومعناه يغتسلن، دلّ عليه قراءة عبد الله حتى يتطهرنّ بالتاء على الأصل، وقرأ الباقون {يَطْهُرْنَ} مخففاً ومعناه {حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ} من حيضهنّ وينقطع الدم. واختلف الفقهاء في الحائض متى يحلّ وطؤها، فقال أبو حنيفة وصاحباه: إذا حاضت المرأة بعشرة أيام حلّ وطؤها دون أن تغتسل، فإن طهرت لما دون العشرة لم يحلّ وطؤها إلاّ بإحدى ثلاث: قلت أن تغتسل أو يمضي بها أقرب وقت الصلاة، فيحكم لها بذلك حكم الطاهرات في وجوب الصلاة في زمنها أو تيمماً عند عدم الماء. مجاهد وطاوس وعطاء: إذا طهرت الحائض من الدم وأخذ زوجها شبق، فإن غسلت فرجها وتوضأت ثم أتاها جاز. وقال الشافعي: لا يحلّ وطء الحائض إلاّ يحين انقطاع الدم والاغتسال، وهو قول سالم ابن عبد الله وسليمان بن يسار والقاسم بن محمد وابن شهاب والليث بن سعد وزفر وقال الحسن البصري: إذا وطئ الرجل امرأته بعد إنقطاع الدم قبل أن تغتسل فعليه من الكفارة مثل ما على من يطأ الحائض، فمن قرأ {حَتَّىٰ يَطّهُرْنَ} بالتشديد فهو حجّة للمبيحين، والدليل على أنّ وطأها لا يجوز ما لم تغتسل أن الله عزّوجل علّق جواز وطئها بشرطين فلا تحل قبل حصولهما، وهما: قوله عزّوجل {حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ} وقوله {فَإِذَا تَطَهَّرْنَ} أي اغتسلن دليله قوله {وَيُحِبُّ ٱلْمُتَطَهِّرِينَ} ولا يجهد الانسان على ما لا صنع له فيه، والاغتسال فعلها وانقطاع الدم ليس من فعلها، ويدلّ عليه أيضاً قوله في النساء والمائدة {أية : وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَٱطَّهَّرُواْ} تفسير : [المائدة: 6] وأطّهر وتطّهر واحد وهو الاغتسال {فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ ٱللَّهُ} أي من حيث أمركم أن تعتزلوهن منه وهو الفرج، قاله مجاهد وإبراهيم وقتادة وعكرمة. الوالبي عن ابن عباس يقول: وطأهنّ في الفرج، ولا تعدوه إلى غيره فمن فعل شيئاً من ذلك فقد اعتدى. الربيع بن عبيد: نهيتم عنه واتقوا الأدبار، وإنما قال: {مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ ٱللَّهُ} لأنّ النهي أيضاً أمر بترك المنهي عنه. وقال قوم: قوله: {فَأْتُوهُنَّ} من الوجه الذي أمركم الله أن تأتوهنّ وهو الطهر، فكأنه قال: فأتوهنّ من قبل طهرهنّ لا من قبل حيضهنّ، وهو قول ابن رزين والضحّاك ورواية عطية عن ابن عباس. ابن الحنفية: فأتوهنّ من قبل الحلال دون الفجور. ابن كيسان: لا تأتوهنّ صائمات ولا معتكفات ولا محرمات، وأتوهنّ، وأقربوهنّ وغشيانهنّ لكم حلال. الفرّاء: مثل قولك: أتيت الارض من مأتاه أي من الوجه الذي يؤتى منه. الواقدي معناه {مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ} وهو الفرج، نظيره في سورة الملائكة والأحقاف {أية : أَرُونِي مَاذَا خَلَقُواْ مِنَ ٱلأَرْضِ} تفسير : [الأحقاف: 4] أي في الأرض، وقوله {أية : إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِن يَوْمِ ٱلْجُمُعَةِ} تفسير : [الجمعة: 9] أي في يوم الجمعة. {إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلتَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ ٱلْمُتَطَهِّرِينَ} قال مجاهد عن ابن رزين والكلبي {إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلتَّوَّابِينَ} من الذنوب {ٱلْمُتَطَهِّرِينَ} من أدبار النساء أن لا يأتوها. وقال: من أتى المرأة في دبرها فليس من المتطّهرين، فإن دبر المرأة مثله من الرجل. مقاتل بن حيّان {ٱلتَّوَّابِينَ} من الذنوب {ٱلْمُتَطَهِّرِينَ} من الشرك والجهل. كنت عند أبي العالية يوماً فتوضأ وضوءاً حسناً فقلت {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ} فقال: الطهور من الماء حسن ولكنهم المتطهرون من الذنوب. سعيد بن جبير {ٱلتَّوَّابِينَ} من الشرك {ٱلْمُتَطَهِّرِينَ} من الذنوب. وعن أبي العالية أيضاً {ٱلتَّوَّابِينَ} من الكفر {ٱلْمُتَطَهِّرِينَ} بالايمان. ابن جريج عن مجاهد {ٱلتَّوَّابِينَ} من الذنوب لا يعودون لها {ٱلْمُتَطَهِّرِينَ} هنا لم يصبوها. قال الثعلبي: وسمعت أبا القاسم بن محمد بن حبيب يقول: سألت أبا الحسن علي بن عبد الرحيم القنّاد عن هذه الآية قال: {إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلتَّوَّابِينَ} من الكبائر {ٱلْمُتَطَهِّرِينَ} من الصغائر. {ٱلتَّوَّابِينَ} من الأفعال {ٱلْمُتَطَهِّرِينَ} من الأقوال. التوابين من الأقوال والأفعال والمتطهرين من العقود والإضمار. التوابين من الآثام والمتطهرين من الاجرام. التوابين من الجرائر، والمتطهرين من خبث السرائر. التوابين من الذنوب والمتطهرين من العيوب. والتواب الذي كلما أذنب تاب، نظيره قوله {أية : فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ غَفُوراً} تفسير : [الإسراء: 25]. محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : مرّ رجل ممن كان قبلكم في بني إسرائيل بجمجمة فنظر اليها فقال: أي ربّ أنت أنت، وأنا أنا، أنت العوّاد بالمغفرة، وأنا العوّاد بالذنوب، ثم خرّ ساجداً فقيل له: ارفع رأسك فأنا العوّاد بالمغفرة، وأنت العوّاد بالذنوب فرفع رأسه فغفر له ". تفسير : {نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ} الآية، جعفر بن أبي المغيرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال:" حديث : جاء عمر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يارسول الله هلكت، قال: ما الذي أهلكك؟ قال: حوّلت رحلي البارحة فلم يردّ عليّ شيئاً فأوحى الله تعالى {نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّىٰ شِئْتُمْ} يقول أقبل وأدبر واتق الدّبر والحيضة ". تفسير : محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله قال:" حديث : كان اليهود يقولون: من جامع امرأته وهي مجبيّة من دبرها في قبلها كان ولدها أحول، فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: كذبت اليهود "تفسير : فأنزل الله تعالى {نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ}. مجاهد عن ابن عباس قال: كان هذا الحي من الأنصار، وهم أهل وثن مع هذا الحي من اليهود، وهم أهل كتاب، وكانوا يرون لهم فضلاً عليهم في العلم، فكانوا يقتدون بكثير من فعلهم وكان من شأن أهل الكتاب أن لا يأتوا النساء إلاّ على حرف، وذلك أيسر ما يكون للمرأة، فكان هذا الحي من الأنصار يأخذون بذلك من فعلهم، وكان هذا الحي من قريش يشرح عن النساء شرحاً منكراً، ويتلذذون بهن مقبلات ومدبرات ومستلقيات، فلمّا قدم المهاجرون المدينة تزوج رجل منهم امرأة من الأنصار، فذهب يصنع بها ذلك فأنكرته عليه وقالت: إنما كنا نؤتى على حرف فإن شئت فاصنع وإلاّ فاجتنبني، حتى انتشر أمرهما فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله عزّ وجلّ {نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ} يعني موضع الولد قالوا: {حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ} مدبرات ومقبلات ومستلقيات. قال الحسن وقتادة والمقاتلان والكلبي تذاكر المهاجرون والأنصار واليهود إتيان النساء في مجلس لهم فقال المهاجرون: إنّا نأتيهن باركات وقايمات ومستلقيات ومن بين أيديهن ومن خلفهن، بعد أن يكون المأتي واحداً في الفرج، فعابت اليهود وقالت: ما أنتم إلاّ أمثال البهائم لكنّا نأتيها على هيئة واحدة، فإنا لنجد في التوراة أن كل إتيان يؤتى للنساء غير الاستلقاء دنس عند الله، ومنه يكون الحَوَل والخَبل، فذكر المسلمون ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: يا رسول الله إنّا كنا في جاهليتنا وبعدما أسلمنا نأتي النساء كيف شئنا، فإنّ اليهود عابت ذلك علينا وزعمت أنّا كذا وكذا، فكذّب الله عزّوجل اليهود، وأنزل رخصة لهم {نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ} أي كيف شئتم وحيث شئتم ومتى شئتم بعد أن يكون في [فرج] واحد. (أنّى) حرف استفهام ويكون سؤالاً عن الحال والمحلّ. وقال سعيد بن المسيب: هذا في العزل يعني إن شئتم فاعزلوا وإن شئتم فلا تعزلوا. يحيى بن أبي كثير عن رجل قال: قال عبد الله تستأمر الحرّة في العزل ولا تستأمر الأمة، وفي هذه الآية دليل على تحريم أدبار النساء لأنها موضع الفرث لا موضع الحرث، وإنما قال الله تعالى: {نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ} وهذا من لطف كنايات القرآن حيث عبّر بالحرث عن الفرج فقال: {نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ} أي مزرع ومنبت الولد، وأراد به المحرث المزدرع، ولكنّهن لما كنّ من أسباب الحرث جُعلن حرثاً. وقال أهل المعاني: تقدير الآية: نساؤكم كحرث لكم، كقوله تعالى: {أية : حَتَّىٰ إِذَا جَعَلَهُ نَاراً} تفسير : [الكهف: 96] أي كنار، قال الشاعر: شعر : النشر مسك والوجوه دنانير وأطراف الأكف عنم تفسير : والعرب تسمي النساء حرثاً، قال المفضل بن سلمة: أنشدني أبي: شعر : إذا أكل الجراد حروث قوم فحرثي همّه أكل الجراد تفسير : وقال الثعلبي: وأنشدني أبو القاسم الحسن بن محمد السدوسي، قال: أنشدني أبو منصور مهلهل بن علي العزّي، قال: أنشدني أبي قال: أنشدنا أحمد بن يحيى: شعر : حبّذا من حبّة الله النبات الصالحات هن النسل والمزروع بهنّ الشجرات يجعل الله لنا فيما يشاء البركات إنما الأرضون لنا محرثات فعلينا الزرع فيها وعلى الله النبات تفسير : وقد وهم بعض الفقهاء في تأويل هذه الآية وتعلق بظاهر خبر رواه وهو ما أخبرنا أبو عبد الله الحسين بن محمد بن الحسين من رواة الدينوري، حدّثنا محمد بن عيسى الهيّاني أبو بكر الطرسوسي وإسحاق الغروي عن مالك بن أنس عن نافع قال: كنت أمسك على ابن عمر المصحف فقرأ هذه الآية {نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ} قال: أتدري فيما نزلت هذه الآية؟ قلت: لا، قال: نزلت في رجل أتى امرأة في دبرها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فشقّ ذلك عليه فنزلت {نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ} الآية، وأما تأويل حديث ابن عمر فهو ما روى عطاء عن موسى بن عبد الله بن الحسن عن أبيه أنّه لقي سالم بن عبد الله، فقال: يا أبا عمر ما حدّث محدّث نافع عن عبد الله؟ قال: وما هو؟ قال: زعم أنه لم يكن يرى بأساً بإتيان النساء من أدبارهنّ، قال: كذب العبد وأخطأ، إنّما قال عبد الله: تؤتى في فروجهنّ من أدبارهنّ، الدليل على تحريم الأدبار ما روى عكرمة عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى {نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ} قال: لا يكون الحرث إلاّ حيث يكون النبات، وعن عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" حديث : إن الله لا يستحي من الحق، لا تأتوا النساء في أدبارهنّ ". تفسير : مخرمة بن سليمان عن كريب عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" حديث : ملعون من أتى امرأته في دبرها ". تفسير : {وَقَدِّمُواْ لأَنْفُسِكُمْ} يعني طلب الولد، وقيل: التزوّج بالعفائف ليكون الولد صالحاً طاهراً، وقيل: هو لذم الإفراط، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" حديث : من قدم ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث لم تمسّه النار إلاّ تحلّة القسم، فقيل: يا رسول الله اثنان، قال: واثنان، فقال: فظننا أن لو قيل واحد لقال واحد ". تفسير : شهر بن عطية عن عطاء {وَقَدِّمُواْ لأَنْفُسِكُمْ} قال: التسمية عند الجماع، وقال مجاهد {وَقَدِّمُواْ لأَنْفُسِكُمْ} يعني: إذا أتى أهله فليدعُ. سالم بن أبي الجعد عن ابن عباس قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم:" حديث : إذا أراد أحدكم أن يأتي أهله فليقل: بسم الله اللهم جنبني الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا، فإنْ قدر بينهما منهما ولد لم يضرّه شيطان ". تفسير : السدّي والكلبي يعني الخير والعمل الصالح دليله سياق الآية {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّكُمْ مُّلاَقُوهُ} ابن كيسان قدِّموا لأنفسكم في كل ما أحلّ الله لكم، وما تعبّدكم به، فإن تصديقكم الله ورسوله بكل ما أحلّه لكم وحرّم عليكم وما تعبّدتم به قدم صدق لكم عند ربّكم، واتقوا الله فيما أمركم به ونهاكم عنه، واعلموا أنّكم ملاقوه فيجزيكم بأعمالكم. {وَبَشِّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ * وَلاَ تَجْعَلُواْ ٱللَّهَ عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ} الآية، قال الكلبي: نزلت في عبد الله ابن رواحة ينهاه عن قطيعة ختنه على أخته بشير بن النعمان الأنصاري، وذلك أنه كان بينهما شيء فحلف عبد الله أن لا يدخل عليه ولا يكلّمه ولا يصلح عنه وعن خصم له، وجعل يقول: قد حلفت بالله ألاّ أفعل، فلا تحلّ لي الاّ أن يبرّ يميني، فأنزل الله هذه الآية. قال مقاتل بن حيان: نزلت هذه الآية في أبي بكر الصديق (رضي الله عنه) حين حلف ألاّ يصل ابنه عبد الرحمن حتى يسلم. ابن جريج: حُدِّثت أنها نزلت في أبي بكر الصديق حين حلف أن لا ينفق على مُسيطح حين خاض في حديث الإفك. والعرضة أصلها الشدّة والقوة، ومنه قيل للدابة التي تتخذ للسفر وتُعد له: عرضة، لقوتها عليه، يقال: عرضت ناقتي لذلك أي اتخذتها له، قال أوس بن حجر: شعر : وأدماء مثل الفحل يوماً عرضتها لرحلي وفيها هزّة وتقاذف تفسير : ثم قيل لكل ما يصلح لشيء هو عرضة له، حتى قالوا للمرأة: هي عرضة للنكاح إذا صلحت له وقويت عليه، ويقال فلان عرضة للسهر والحرب، قال حسّان: شعر : وقال الله قد يسّرتُ جنداً همُ الأنصار عرضتها اللقاء تفسير : قال المفسرون: هذا في الرجل يحلف بالله تعالى لا يصل رحماً ولا يكلّم قرابته أولا يتصدق له بالصنع خيراً، أو يصلح بين اثنين فيعصيانه أو يتهمانه أو أحدهما فيحلف بالله لا يصلح بينهما، فأمره الله أن يحنث في يمينه ويفعل ذلك سرّاً ويكفّر عن يمينه، فمعنى الآية ولا تجعلوا الله علّة ومانعاً لكم من البرّ والتقوى، يقول أحدكم: حلفت بالله فيغلّ يمينه في ترك البرّ والصلاح وهو قوله {أَن تَبَرُّواْ وَتَتَّقُواْ وَتُصْلِحُواْ بَيْنَ ٱلنَّاسِ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} معناه أن لا تبرّوا كقوله {أية : يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ} تفسير : [النساء: 176] أي لئلاّ تضلّوا، وقال امرؤ القيس: شعر : فقلت يمين الله أبرح قاعداً ولو قطّعوا رأسي لديك وأوصالي تفسير : ويبيّن هذه الآية ما روى سماك عن الحسين عن عبد الرحمن بن سمرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيراً منها، فأت الذي هو خير، وكفّر عن يمينك ". تفسير : وقال سنان بن حبيب: قلت لسعد بن حمير: إنّي عصت عليّ مولاة لي كان مسكنها معي فحلفتُ أن لا تساكنني، فقال: هذا من عمل الشيطان كفّر عن يمينك وأسكنها ثم قرأ {وَلاَ تَجْعَلُواْ ٱللَّهَ عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ}. {لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱلَّلغْوِ فِيۤ أَيْمَانِكُمْ} أصل اللغو في كلام العرب ما أسقط فلم يعتد به، قال ذو الرمّة: شعر : وتطرح بينها المرّي لغواً ما ألغيت في الماية الحوارا تفسير : يريد بالماية التي تُساق في الدية إذا وضعت ناقة منها حواراً لا يقدّمه، والمرّي منسوب إلى امرئ القيس بن زيد بن مناة بن تميم، قال المثقب العبدي: شعر : أومائة تجعل أولادها لغواً وعرض المائة الجلمد تفسير : واللغو واللغاء في الكلام ما لا خير فيه ولا معنى له، ونظيره في اللغة صفو فلان معك وصفاه، قال الله تعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ هُمْ عَنِ ٱللَّغْوِ مُّعْرِضُونَ} تفسير : [المؤمنون: 3] وقال تعالى: {أية : لاَّ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً} تفسير : [النبأ: 35] قال أُمية: شعر : فلا لغوٌ ولا تأثيم فيها وما فاهوا به لهمُ مقيم تفسير : وقال العجّاج: شعر : وربّ أسراب الحجيج الكظّم عن اللغا ورَفَث التكلّم تفسير : واختلف العلماء في لغو اليمين المذكور في هذه الآية، فقال قوم هو ما يسبق به لسان الإنسان من الايمان على سرعة وعجلة ليصل به كلامه من غير عقد ولا قصد، مثل قول القائل: لا والله وبلى والله وكلاّ والله ونحوها، فهذا لا كفارة فيه ولا إثم. هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة {لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱلَّلغْوِ فِيۤ أَيْمَانِكُمْ} قالت: قول الإنسان لا والله وبلى والله، وعلى هذا القول الشعبي وعكرمة ومجاهد في رواية الحكم، وقال الفرزدق: شعر : ولست بمأخوذ بلغو تقوله إذا لم تعمد صاغرات العزايم تفسير : وقال آخرون: لغو اليمين هو أن يحلف الإنسان على الشيء يرى أنه صادق فيه ثم يتبيّن أنه خلاف ذلك، فهو خطأ منه من غير عمد، ولا كفارة عليه ولا إثم، وهو قول الزهري والحسن وسليمان بن يسار وإبراهيم النخعي وأبي مالك وقتادة والربيع وزرارة بن أوفى ومكحول والسدي وابن عباس في رواية الوالبي، وعن أحمد برواية ابن أبي نجيح. وقال علي وطاووس: اللغو اليمين في حال الغضب والضجر من غير عزم ولا عقد، ومثله روى عطاء عن وسيم عن ابن عباس، يدلّ عليه قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا يمين في غضب"تفسير : . وقال بعضهم: هو اليمين في المعصية لا يؤاخذ به الله عزّ وجلّ في الحنث فيها، بل يحنث في يمينه ويكفّر، قاله سعيد بن جبير، وقال غيره: ليس فيه كفارة. وقال مسروق: في الرجل الذي يحلف على المعصية ليس عليه كفّارة. الكفر عن خطوات الشيطان، ومثله روى عكرمة عن ابن عباس، وقال الشعبي: في الرجل الذي يحلف على المعصية كفارته أن يتوب منها، فكل يمين لا يحل لك أن تفي بها فليس فيها كفارة، فلو أمرته بالكفارة لأمرته أن يتم على قوله، يدلّ عليه ما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : من نذر فيما لا يملك فلا نذر له، ومن حلف على معصية الله فلا يمين له ". تفسير : وروت عمرة عن عائشة، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من حلف على قطيعة رحم أو معصية فبرّه أن يحنث منها ويرجع عن يمينه ". تفسير : وروى حماد عن إبراهيم قال: لغو اليمين أن يصل الرجل كلامه بأن يحلف: والله لا آكلنّ أو لا أشربنّ، ونحو هذا لا يتعمد به اليمين ولا يريد حلفاً فليس عليه كفارة يدل عليه ما روى عوف الأعرابي عن الحسين بن أبي الحسن، قال:" حديث : مرّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوم ينتضلون ومعه رجل من أصحابه، فرمى رجل من القوم فقال: أصبت والله وأخطأت، فقال الذي مع النبي صلى الله عليه وسلم حنث الرجل، قال والله، فقال: كلا، أيمان الرماة لغو لا كفارة فيها ولا عقوبة ". تفسير : وقالت عائشة: أيمان اللغو ما كان في الهزل والمراء والخصومة، والحديث الذي لا يعقد القلب عليه. وقال زيد بن أسلم: هو دعاء الحالف على نفسه كقوله: أعمى الله بصري إن لم أفعل كذا، أخرجني من مالي إن لم أرك غداً، أو تقول: هو كافر إنْ فعل كذا، فهذا كلّه لغو إذا كان باللسان دون القلب لا يؤاخذه الله بها حتى يكون ذلك من قلبه ولو واحدة بها لهلك، يدلّ عليه قوله {أية : وَيَدْعُ ٱلإِنْسَانُ بِٱلشَّرِّ دُعَآءَهُ بِٱلْخَيْرِ وَكَانَ ٱلإِنْسَانُ عَجُولاً} تفسير : [الإسراء: 11] {أية : وَلَوْ يُعَجِّلُ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ ٱلشَّرَّ ٱسْتِعْجَالَهُمْ بِٱلْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ} تفسير : [يونس: 11]. الضحاك: هو اليمين المكفّر وسمي لغواً لأن الكفارة تُسقط منه الإثم، تقديره: لا يؤاخذكم الله بالاثم في اليمين إذا كفّرتم. المغيرة عن إبراهيم: هو الرجل يحلف على الشيء ثم ينسى فيحنث (بالله) فلا يؤاخذه الله عزّ وجلّ به، دليله قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : رُفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه ". تفسير : {وَلَـٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ} أي عزمتم وقصدتم وتعمّدتم لأن كسب القلب العقد على الشيء والنيّة. {وَٱللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ} الآية. اعلم أنّ الأيمان على وجوه: منها أن يحلف على طاعة كقوله: والله لأصلينّ أو لأصومنّ أو لأحجّنّ أو لأتصدقنّ ونحوها، فإنْ كان فرضاً عليه فالواجب عليه أن لا يحنث، فإنْ حنث فعليه الكفارة، لأنه كان فرضاً عليه فزاده تأييداً باليمين، وإنْ كان ذلك تطوعاً ففيه قولان: أحدهما أنّ عليه الكفارة بالحنث فيه، والقول الثاني: عليه بالوفاء بما قال ولا يجزيه غيره، ومنها أن يحلف على معصية وقد ذكرنا حكمه والاختلاف فيه، ومنها أن يحلف على مباح، وهو على ضربين: من ماض ومستقبل، فاليمين على المستقبل مثل أن يقول: والله لأفعلنّ كذا، والله لا أفعل كذا، فإنّ هذا إذا حنث فيه لزمته الكفارة بلا خلاف، واليمين على الماضي مثل أن يقول: والله لقد كان كذا ولم يكن، أو لم يكن كذا وقد كان، وهو عالم به فهو اليمين الغموس الذي يغمس صاحبه في الإثم لأنّه تعمد الذنوب، ويلزمه الكفارة عندنا، وقال أبو حنيفة: لا يلزمه الكفارة وتحصيله كاللغو. ثم اعلم أن المحلوف به على ضروب: ضرب منها يكون يميناً ظاهراً وباطناً، ويلزم المرء الكفارة بالحنث فيها، وهو قول الرجل: والله وبالله وتالله، فهذه أيمان صريحة ولا يعتبر فيها النية، والضرب الثاني أن يحلف بصفة من صفات الله عزّ وجلّ كقوله: وقدرة الله وعظمة الله وكلام الله وعلم الله ونحوها، فإنّ حكم هذا كحكم الضرب الأول سواء، والضرب الثالث أن يحلف بكنايات اليمين كقوله: أيم الله وحق الله وقسم الله ولعمرو الله ونحوها، فهذا يعتبر فيها النية، فإن نوى اليمين كان يميناً، وإنْ قال: لم أرد به اليمين قبلنا قوله فيه، والضرب الرابع: أن يحلف بغير الله مثل أن يقول: والكعبة والصلاة واللوح والقلم وحق محمد وأبي وحياتي ورأس فلان ونحوها، فهذا ليس بيمين، ولا يلزم الكفارة بالحنث فيه، وهو يمين مكروه فيه، قال الشافعي: والمعنى أن يكون(...). عبد الله بن دينار قال: سمعت ابن عمر يقول: كانت قريش تحلف بآبائها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من كان حالفاً فليحلف بالله، لا تحلفوا بآبائكم ". تفسير : وسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم (عمر) يقول: وأبي فنهاه عن ذلك، قال عمر: فما حلفت بهذا بعد ذاكراً ولا آثراً.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : حين تقرأ {هُوَ أَذًى} [البقرة: 222] فقد أخذت الحكم ممن يُؤمنُ على الأحكام، ولا تناقش المسألة، مهما قال الطب من تفسيرات وتعليلات وأسباب نقول له: لا، الذي خلق قال: {هُوَ أَذًى} [البقرة: 222]. والمحيض يطلق على الدم، ويراد به - أيضاً - مكان الحيض، ويراد به زمان الحيض. وقوله تعالى عن المحيض إنه أذى يهيئ الذهن لأن يتلقى حكماً في هذا الأذى، وبذلك يستعد الذهن للحظر الذي سيأتي به الحكم. وقد جاء الحكم بالحظر والمنع بعد أن سبقت حيثيته. إن الحق سبحانه وتعالى وهو الخالق أراد أن تكون عملية الحيض في المرأة عملية كيماوية ضرورية لحياتها وحياة الإنجاب. وأمر الرجال أن يعتزلوا النساء وهن حوائض؛ لأن المحيض أذى لهم. لكن هل دم الحيض أذى للرجال أو للنساء؟ إنه أذى للرجال والنساء معاً؛ لأن الآية أطلقت الأذى، ولم تحدد من المقصود به. والذي يدل على ذلك أن الحيض يعطي قذارة للرجل في مكان حساس هو موضع الإنزال عنده، فإذا وصلت إليه الميكروبات تصيبه بأمراض خطيرة. والذي يحدث أن الحق قد خلق رحم المرأة وفي مبيضيها عدد محدد معروف له وحده سبحانه وتعالى من البويضات، وعندما يفرز أحد المبيضين البويضة فقد لا يتم تلقيح البويضة، فإن بطانة الرحم المكون من أنسجة دموية تقل فيها نسبة الهرمونات التي تثبت بطانة الرحم، وعندما تقل نسبة الهرمونات يحدث الحيض. والحيض هو دم يحتوي على أنسجة غير حية، وتصبح منطقة المهبل والرحم في حالة تهيج، لأن منطقة المهبل والرحم حساسة جداً لنمو الميكروبات المسببة للإلتهابات سواء للمرأة، أو للرجل إن جامع زوجته في فترة الحيض. والحيض يصيب المرأة بأذى في قوتها وجسدها؛ بدليل أن الله رخص لها ألاّ تصوم وألاّ تصلي إذن فالمسألة منهكة ومتعبة لها، فلا يجوز أن يرهقها الرجل بأكثر مما هي عليه. إذن فقوله تعالى: {هُوَ أَذًى} [البقرة: 222] تعميم بأن الأذى يصيب الرجل والمرأة. وبعد ذلك بيّن الحق أن كلمة "أذى" حيثية تتطلب حكماً يرد، إما بالإباحة وإما بالحظر، وما دام هو أذى فلابد أن يكون حظراً. يقول عز وجل: {فَٱعْتَزِلُواْ ٱلنِّسَآءَ فِي ٱلْمَحِيضِ وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ} [البقرة: 222] والذي يقول: إنّ المحيض هو مكان الحيض يبني قوله بأن المحرم هو المباشرة الجنسية، لكن ما فوق السرة وما فوق الملابس فهو مباح، فقوله الحق: {وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ} أي لا تأتوهن في المكان الذي يأتي منه الأذى وهو دم الحيض. {حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ ٱللَّهُ} [البقرة: 222]. و"يطهرن" من الطهور مصدر طَهَر يطهر، وعندما نتأمل قوله: {فَإِذَا تَطَهَّرْنَ} [البقرة: 222] نجد أنه لم يقل: "فإذا طهرن"، فما الفرق بين "طهر" و"تطهر"؟ إنّ "يطهرن" معناها امتنع عنهن الحيض، و"تطهرن" يعني اغتسلن من الحيض؛ ولذلك نشأ خلاف بين العلماء، هل بمجرد انتهاء مدة الحيض وانقطاع الدم يمكن أن يباشر الرجل زوجته، أم لابد من الانتظار حتى تتطهر المرأة بالاغتسال؟. وخروجا من الخلاف نقول: إن قوله الحق: "تطهرن" يعني اغتسلن فلا مباشرة قبل الاغتسال. ومن عجائب ألفاظ القرآن أن الكلمات تؤثر في استنباط الحكم، ومثال ذلك قوله تعالى: {أية : إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ * لاَّ يَمَسُّهُ إِلاَّ ٱلْمُطَهَّرُونَ}تفسير : [الواقعة: 77-79]. ما المقصود إذن؟ هل المقصود أن القرآن لا يمسكه إلا الملائكة الذين طهرهم الله من الخبث، أو أن للبشر أيضاً حق الإمساك بالمصحف لأنهم يتطهرون؟ بعض العلماء قال: إن المسألة لابد أن ندخلها في عموم الطهارة، فيكون معنى "إلا المطهرون" أي الذين طهرهم مَن شرع لهم التطهير؛ ولذلك فالمسلم حين يغتسل أو يتوضأ يكون قد حدث له أمران: التطهر والطهر. فالتطهر بالفعل هو الوضوء أو الاغتسال، والطهر بتشريع من الله، فكما أن الله طهر الملائكة أصلاً فقد طهرنا معشر الإنس تشريعاً، وبذلك نفهم الآية على إطلاقها ونرفع الخلاف. وقول الحق في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها: "حتى يُطْهَرن" أي حتى يأذن الله لهن بالطهر، ثم يغتسلن استجابة لتشريع الله لهن بالتطهر. {فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ ٱللَّهُ} [البقرة: 222] يعني في الأماكن الحلال. {إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلتَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ ٱلْمُتَطَهِّرِينَ} [البقرة: 222] وأراد الحق تبارك وتعالى أن يدخل عليك أنسا، فكما أنه طلب منك أن تتطهر مادياً فهو سبحانه قبل أيضاً منك أن تتطهر معنوياً بالتوبة، لذلك جاء بالأمر حسياً ومعنوياً. وبعد ذلك جاء الحق سبحانه وتعالى بحكم جديد، هذا الحكم ينهي إشكالاً أثاره اليهود. وقد كان اليهود يثيرون أن الرجل إذا أتى امرأته من خلف ولو في قُبلها - بضم القاف - جاء الولد أحول. و "القُبل" هو مكان الإتيان، وليس معناه الإتيان في الدبر والعياذ بالله كما كان يفعل قوم لوط. ولّما كان هذا الإشكال الذي أثاره اليهود لا أساس له من الصحة فقد أراد الحق أن يرد على هذه المسألة فقال: {نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّىٰ شِئْتُمْ وَقَدِّمُواْ لأَنْفُسِكُمْ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ...}.
مجاهد بن جبر المخزومي
تفسير : أَنا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: نا آدم قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْمَحِيضِ} [الآية: 222]. قال: أُمروا أَن يعتزلوا مجامعة النساءِ في المحيض، ثم قال {فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ ٱللَّهُ} [الآية: 222]. قال: أُمروا أَن يأْتوهن إِذا تطهرن من حيث نهوا عنه في محيضهن. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد قوله: {وَلاَ تَجْعَلُواْ ٱللَّهَ عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ} [الآية: 224]. قال: أُمروا بالصلة والمعروف والإِصلاح، وإِن حلف حالف / 7و / أَلا يفعله، فليفعله وليكفر يمينه. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱلَّلغْوِ فِيۤ أَيْمَانِكُمْ} [الآية: 225] قال: هو أَن يحلف بالله ولا يعلم إِلا أَنه صادق بما حلف عليه، ثم لا يكون كذلك {وَلَـٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ} [الآية: 225] يقول: بما عقدت عليه قلوبكم.
الصابوني
تفسير : [14] اعتزال النساء في الحيض التحليل اللفظي {ٱلْمَحِيضِ} : مصدر ميمي بمعنى الحيض، كالمعيش بمعنى العيش، قال رؤبة: شعر : إليك أشكو شدة المعيش ومُرّ أعوام نتفن ريشي تفسير : أي أشكو شدة العيش، ويطلق المحيض على الزمان والمكان ويطلق على الحيض مجازاً، أفاده القرطبي. وأصل الحيض: السيلان، يقال: حاض السيل وفاض، وحاضت الشجرة أي سالت. قال الأزهري: ومنه قيل للحوض حوض، لأن الماء يحيض إليه أي يسيل. ويقال للمرأة: حائض، وحائضة كذا قال الفراء وأنشد: شعر : كحائضةٍ يُزْنى بها غير طاهر تفسير : {أَذًى}: قال عطاء: أذى: أي قذر، والأذى في اللغة ما يكره من كل شيء ومنه قوله تعالى: {أية : لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَٰتِكُم بِٱلْمَنِّ وَٱلأَذَىٰ} تفسير : [البقرة: 264]. قال في "المصباح": أذى الشيء أذى من باب تعب بمعنى قذر، وقوله تعالى: {قُلْ هُوَ أَذًى} أي مستقذر. وقال الطبري: وسمي الحيض أذى لنتن ريحه وقذره ونجاسته. {فَٱعْتَزِلُواْ}: الاعتزال التنحي عن الشيء والاجتناب له، ومنه قوله تعالى: {أية : وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ} تفسير : [مريم: 48] والمرادُ باعتزال النساء اجتناب مجامعتهن، لا ترك المجالسة أو الملامسة فإن ذلك جائز. {يَطْهُرْنَ}: بالتخفيف أي ينقطع عنهم دم الحيض، وبالتشديد (يَطّهَرْن) بمعنى يغتسلن. {حَرْثٌ}: قال الراغب: الحرث إلقاء البذر في الأرض وتهيؤها للزرع، ويسمى المحروث حرثاً قال تعالى: {أية : أَنِ ٱغْدُواْ عَلَىٰ حَرْثِكُمْ إِن كُنتُمْ صَارِمِينَ} تفسير : [القلم: 22]. وقال الجوهري: الحرث: الزرع، والحارث الزارع، ومعنى (حرثٌ) أي مزرع ومنبت للولد، والآية على حذف مضاف أي موضع حرثكم، أو على سبيل التشبيه ففرج المرأة كالأرض، والنطفة كالبذر، والولد كالنبات الخارج، فالحرث بمعنى المحترث، سمي موضع الشيء باسم الشيء على سبيل المبالغة. {أَنَّىٰ شِئْتُمْ}: أي كيف شئتم أو على أي وجهٍ شئتم مقبلة، أو مدبرة، أو قائمة، أو مضجعة بعد أن يكون المأتي في موضع الحرث. قال الطبري: وقال ابن عباس: (فاتوا حرثكم أنَّى شئتم) أي ائتها أنَّى شئت مقبلة ومدبرة، ما لم تأتها في الدبر والمحيض. وعن عكرمة: يأتيها كيف شاء، ما لم يعمل عمل قوم لوط. {وَقَدِّمُواْ لأَنْفُسِكُمْ}: أي قدموا الخير والصالح من الأعمال، لتكون زاداً لكم إلى الآخرة. {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ}: أي خافوا عذابه بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه. {وَبَشِّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ}: بالثواب والكرامة والفوز بالدرجات العلى في دار النعيم. المعنى الإجمالي يسألونك - يا محمد - عن إتيان النساء في حالة الحيض أيحل أم يحرم؟ قل لهم: إن دم الحيض دم مستقذر، ومعاشرتهن في هذه الحالة فيه أذى لكم ولهن، فاجتنبوا معاشرة النساء، ونكاحهن في حالة المحيض، ولا تقربوهن حتى ينقطع عنهن دم الحيض ويَطْهُرن، فإذا تطهّرْن بالماء فاغتسلن، فأتوهن من حيث أمركم الله، في المكان الذي أحلّه لكم وهو (القُبُل) مكان النسل والولد، ولا تأتوهنّ في المكان المحرم (الدبر) فإن الله يحب عبده التائب المتنزه عن الفواحش والأقذار. ثم أكد تعالى النهي عن إتيان النساء في غير المحل المعهود الذي أباحه للرجال فقال ما معناه: نساؤكم - أيها الناس - مكان زرعكم وموضع نسلكم، وفي أرحامهن يتكوّن الجنين والولد، فأتوا نساءكم كيف شئتم ومن أي وجهٍ أحببتم بعد أن يكون في موضع النسل والذرية، قال ابن عباس: (اسق نباتك من حيث ينبت) وقدموا - أيها الناس المؤمنون - لأنفسكم صالح الأعمال وراقبوا الله وخافوه في تصرفاتكم، واخشوا يوماً تلقون فيه ربكم فيجازي المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته وبشر المؤمنين بالكرامة والسيادة والنعيم المقيم في دار الكرامة. سبب النزول أولاً: عن أنس رضي الله عنه قال: حديث : "كانت اليهود إذا حاضت امرأة منهن لم يؤاكلوها ولم يشاربوها ولم يجامعوها في البيوت، فسئل النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك فأنزل الله {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَٱعْتَزِلُواْ ٱلنِّسَآءَ فِي ٱلْمَحِيضِ} فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يؤاكلوهن ويشاربوهن وأن يكونوا معهن في البيوت، وأن يفعلوا كل شيء إلا النكاح، فقالت اليهود: ما يريد محمد أن يدع من أمرنا شيئاً إلا خالفنا فيه، فجاء (عبّاد بن بشر) و(أُسَيْد بن خصير) إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبراه بذلك وقالا يا رسول الله: أفلا ننكحهن في المحيض؟ فتمعّر وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ظنّنا أنه غضب عليهما، فاستقبلتهما هدية من لبن فأرسل لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فسقاهما فعلما أنه لم يغضب . تفسير : ثانياً: وعن جابر رضي الله عنه قال: "كانت اليهود تقول: من أتى امرأته في قُبُلها من دُبُرها كان الولد أحول، فنزلت {نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّىٰ شِئْتُمْ}. وجوه القراءات قرأ الجمهور {وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ} بسكون الطاء وضم الهاء، وقرأ حمزة والكسائي (يَطّهّرْن) بتشديد الهاء والطاء وفتحهما، ورجّح الطبراني قراءة تشديد الطاء وقال: هي بمعنى يغتسلن. قال الفخر: "فمن خفّف فهو زوال الدم من طهرت المرأة من حيضها إذا انقطع الحيض، والمعنى: لا تقربوهنّ حتى يزول عنهن الدم، ومن قرأ بالتشديد فهو على معنى يتطهّرن". وجوه الإعراب قوله تعالى: {نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ} مبتدأ أو خبر، وقوله: {فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّىٰ شِئْتُمْ} كلمة (أنّى) تأتي في اللغة العربية بمعنى (من أين) ومنه قوله تعالى: {أية : قَالَ يٰمَرْيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَـٰذَا} تفسير : [آل عمران: 37] أي من أين، وتأتي بمعنى (متى) و(كيف) تقول: سافر أنّى شئت، واجلس أنّى أردت أي سافر متى شئت، واجلس كيف أردت، والمعنى المراد في الآية (كيف) أي أتوا حرثكم كيف شئتم قائمة أو قاعدة أو مضجعة ولا يجوز أن يكون المراد (من أين شئتم) كما فهم بعض الجهال فأباحوا إتيان المرأة في دبرها. قال القرطبي: "أنّى شئتم" معناه عند الجمهور من أي وجه شئتم مقبلة ومدبرة و(أنّى) تجيء سؤالاً وإخباراً عن أمر له جهات، فهو أعم في اللغة من (كيف) ومن (أين) ومن (متى) هذا هو الاستعمال العربي في أنّى. لطائف التفسير اللطيفة الأولى: كان اليهود يبالغون في التباعد عن المرأة حالة الحيض، فلا يؤاكلونها ولا يشاربونها ولا يساكنونها في بيت واحد، ويعتبرونها كأنها داءٌ أو رجس وقذر، وكان النصارى يفرطون في التساهل فيجامعونهن ولا يبالون بالحيض، فجاء الإسلام بالحدّ الوسط (افعلوا كلّ شيء إلا النكاح) وهذا من محاسن الشريعة الإسلامية الغراء حيث أمر المسلمين بالاقتصاد بين الأمرين. اللطيفة الثانية: لفظ (المحيض) قد يكون اسماً للحيض نفسه، وقد يكون اسماً لموضع الحيض كالمبيت والمقيل موضع البيتوتة وموضع القيلولة، ولكن في الآية الكريمة ما يشير إلى أن المراد بالمحيض هو (الحيض) لأن الجواب ورد بقوله تعالى: {قُلْ هُوَ أَذًى} وذلك صفة لنفس الحيض لا للموضع الذي فيه. أفاده العلامة الجصاص. اللطيفة الثالثة: قال ابن العربي: "سمعت الشاشي في مجلس النظر يقول: إذا قيل: لا تَقْرَب (بفتح الراء كان معناه: لا تَلْبَس بالفعل، وإن كان بضم الراء كان معناه: لا تدن منه" فلما قال تعالى: {وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ} دلّ على أن المراد النهي عن ملابسة الفعل وهو إتيانهن في حالة الحيض. اللطيفة الرابعة: روى الطبري عن مجاهد أنه قال: "عرضتُ المصحف على ابن عباس ثلاث عَرَضات، من فاتحته إلى خاتمته أوقفه عند كل آية وأسأله عنها، حتى انتهى إلى هذه الآية {نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ} فقال ابن عباس: إن هذا الحيّ من قريش كانوا يشرحون النساء بمكة، ويتلذّذون بهن مقبلات ومدبرات، فلمّا قدموا المدينة تزوجوا في الأنصار، فذهبوا ليفعلوا بهن كما كانوا يفعلون بالنساء بمكة، فأنكرن ذلك وقلن: هذا شيء لم نكن نؤتى عليه، فانتشر الحديث حتى انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى ذكره {نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّىٰ شِئْتُمْ} إن شئت فمقبلة، وإن شئت فمدبرة، وإن شئت فباركة، وإنما يعني بذلك موضع الولد للحرث". اللطيفة الخامسة: شبّه الله المرأة بالحرث، أي أنها مزرع ومنبت للولد كالأرض للنبات، وهذا التشبيه يبيّن أن الإباحة لا تكون إلا في الفرج خاصة، إذ هو مزرع الولد، وقد أنشد ثعلب. شعر : إنما الأرحام أرضو ن لنا محترثات فعلينا الزرع فيها وعلى الله النبات تفسير : فجعل رحم المرأة كالأرض، والنطفة كالبذر، والولد كالنبات الخارج. الأحكام الشرعية الحكم الأول: ما الذي يجب اعتزاله من المرأة حالة الحيض؟ اختلف أهل العلم فيما يجب اعتزاله من المرأة في حالة الحيض على أقوال: أ - الذي يجب اعتزاله جميع بدن المرأة، وهو مروي عن ابن عباس وعبيدة السلماني. ب - الذي يجب اعتزاله ما بين السرة إلى الركبة، وهذا مذهب أبي حنيفة ومالك. جـ - الذي يجب اعتزاله موضع الأذى وهو الفرج فقط، وهذا مذهب الشافعي. حجة المذهب الأول: أن الله أمر باعتزال النساء، ولم يخصص من ذلك شيئاً دون شيء، فوجب اعتزال جميع بدن المرأة لعموم الآية {فَٱعْتَزِلُواْ ٱلنِّسَآءَ فِي ٱلْمَحِيضِ}. قال القرطبي: "وهذا قول شاذ خارج عن قول العلماء، وإن كان عموم الآية يقتضيه فالسنة الثابتة بخلافة". ب - حجة المذهب الثاني: واحتج أبو حنيفة ومالك بما روي عن عائشة قالت: (حديث : كنتُ أغتسل أغتسل أنا والنبي صلى الله عليه وسلم من إناء واحد كلانا جنبٌ، وكان يأمرني فأتّزر فيباشرني وأنا حائض) تفسير : وما روي عن عن ميمونة أنها قالت: حديث : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يباشر نساءه فوق الإزار وهنّ حيّض ). تفسير : جـ - حجة المذهب الثالث: واحتج الإمام الشافعي بقوله صلى الله عليه وسلم (حديث : اصنعوا كل شيء إلا النكاح)تفسير : . وما روي عن مسروق قال: (حديث : سألت عائشة ما يحل للرجل من امرأته إذا كانت حائضاً؟ قالت: كلّ شيء إلاّ الجماع ). تفسير : وفي رواية أخرى: (حديث : إن مسروقاً ركب إلى عائشة فقال: السلام على النبي وعلى أهل بيته، فقالت عائشة: أبو عائشة مرحباً فأذنوا له، فقال: إني أريد أن أسألك عن شيء وأنا استحي، فقالت: إنما أنا أمك وأنت ابني، فقال: ما للرجل من امرأته وهي حائض؟ قالت: له كل شيء إلا فرجها ). تفسير : الترجيح: ومن استعراض الأدلة يترجح لدينا المذهب الثاني، وهو الذي اختاره ابن جرير الطبري حيث قال: "وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: إن للرجل من امرأته الحائض ما فوق المؤتزر ودونه". والعلة أن السماح بالمباشرة فيما بين السرة إلى الركبة قد تؤدي إلى المحظور، لأن من حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه، فالاحتياط أن نبعده عن منطقة الحظر وقد قالت عائشة رضي الله عنها بعد أن روت حديث المباشرة: وأيكم يملك إربه كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يملك إربه؟ ومن جهةٍ أخرى إذا اجتمع حديثان أحدهما فيه الإباحة والثاني فيه الحظر، قدّم ما فيه الحظر، كما قال علماء الأصول والله أعلم. الحكم الثاني: ما هي كفارة من أتى امرأة وهي حائض؟ أجمع العلماء على حرمة إتيان المرأة في حالة الحيض، واختلفوا فيمن فعل ذلك ماذا يجب عليه؟ فقال الجمهور: (مالك والشافعي وأبو حنيفة): يستغفر الله ولا شيء عليه سوى التوبة والاستغفار. وقال أحمد: يتصدق بدينار أو نصف دينار، لحديث ابن عباس حديث : عن النبي صلى الله عليه وسلم في الذي يأتي امرأته وهي حائض قال: يتصدق بدينار أو بنصف دينار . تفسير : وقال بعض أهل الحديث: إن وطئ في الدم فعليه دينار، وإن وطئ في انقطاعه فنصف دينار. قال القرطبي: "حجة من لم يوجب عليه كفارة إلا الاستغفار والتوبة هذا الحديث عن ابن عباس، وأن مثله لا تقوم به حجة، وأن الذمة على البراءة". الحكم الثالث: ما هي مدة الحيض، وما هو أقله وأكثره؟ اختلف الفقهاء في مدة الحيض، ومقدار أقله وأكثره على أقوال: الأول: قال أبو حنيفة والثوري: أقله ثلاثة أيام، وأكثره عشرة. الثاني: وقال الشافعي وأحمد: أقله يوم وليلة وأكثره خمسة عشر يوماً. الثالث: وقال مالك في المشهور عنه: لا وقت لقليل الحيض ولا لكثيره والعبرة بعادة النساء. حجة أبو حنيفة: حديث أبي أمامة (أقل الحيض ثلاثة أيام وأكثره عشرة أيام) قال الجصاص: "فإن صحّ هذا الحديث فلا معدل عنه لأحد". واحتج الشافعي بحديث: "تمكث إحداهنّ شطر عمرها لا تصلي) والشطر في اللغة النصف، فهذا يدل على أن الحيض قد يكون خمسة عشر يوماً. أقول: ليس في الآية ما يدل على أقل مدة الحيض ولا أكثره، وإنما هو أمر اجتهادي يرجع فيه إلى كتب الفروع، وتعرف الأدلة من الأخبار والآثار فارجع إليها هناك والله يتولاك. الحكم الرابع: متى يحل قربان المرأة؟ دلّ قوله تعالى: {وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ} على أنه لا يحل للرجل قربان المرأة في حالة الحيض حتى تطهر، وقد اختلف الفقهاء في الطهر ما هو؟ أ - فذهب أبو حنيفة: إلى أن المراد بالطهر انقطاع الدم، فإذا انقطع دم الحيض جاز للرجل أن يطأها قبل الغسل، إلاّ أنه إذا انقطع دمها لأكثر الحيض وهو (عشرة أيام) جاز وطؤها قبل الغسل، وإن كان انقطاعه قبل العشرة لم يجز حتى تغتسل أو يدخل عليها وقت صلاة. ب - وذهب الجمهور (مالك والشافعي وأحمد) إلى أن الطهر الذي يحل به الجماع، هو تطهرها بالماء كطهور الجنب، وأنها لا تحل حتى ينقطع الحيض وتغتسل بالماء. جـ - وذهب طاووس ومجاهد إلى أنه يكفي في حلّها أن تغسل فرجها وتتوضأ للصلاة. وسبب الخلاف: أن الله تعالى قال: {وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ ٱللَّهُ} الأولى بالتخفيف، والثانية بالتشديد، وكلمة (طَهُر) يستعمل فيما لا كسب فيه للإنسان وهو انقطاع دم الحيض، وأمّا (تطهّر) فيستعمل فيما يكتسبه الإنسان بفعله وهو الاغتسال بالماء. فحمل أبو حنيفة: (حتى يَطْهُرن) على انقطاع دم الحيض، وقوله: {فَإِذَا تَطَهَّرْنَ} على معنى فإذا انقطع دم الحيض، فاستعمل المشدّد بمعنى المخفّف. وقال الجمهور معنى الآية: "ولا تقربوهنّ حتّى يغتسلن، فإذا اغتسلن فأتوهن" فاستعملوا المخفّف بمعنى المشدّد، واستدلوا بقراءة حمزة والكسائي (حتّى يطهّرَن) بالتشديد في الموضعين. وقالوا: مما يدلّ على صحة قولنا أن الله عز وجل علّق الحكم فيها على شرطين: أحدهما: انقطاع الدم وهو قوله تعالى: (حتى يطهُرْن) أي ينقطع عنهن الدم. والثاني: الاغتسال بالماء، وهو قوله تعالى: (فإذا تطهّرن) أي اغتسلن. فصار المجموع هو الغاية، وهذا مثل قوله تعالى: {أية : وَٱبْتَلُواْ ٱلْيَتَامَىٰ حَتَّىٰ إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِّنْهُمْ رُشْداً} تفسير : [النساء: 6] فعلّق الحكم وهو جاز دفع الماء على شرطين: أحدهما: بلوغ النكاح، والثاني: إيناس الرشد، فلا بدّ من توفرهما معاً. الترجيح: أقول ما ذهب إليه الجمهور هو الأرجح لأن الله تعالى قد علّل ذلك بقوله: {إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلتَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ ٱلْمُتَطَهِّرِينَ} وظاهر اللفظ يدل على أن المراد به الطهارة الحسية وهي الاغتسال بالماء. وهذا الذي رجحناه هو اختيار شيخ المفسّرين الطبري، والعلاّمة ابن العربي والشوكاني والله تعالى أعلم. الحكم الخامس: ماذا يحرم على المرأة الحائض؟ اتفق العلماء على أن المرأة الحائض يحرم عليها الصلاة، والصيام، والطواف، ودخول المسجد، ومسّ المصحف، وقراءة القرآن، ولا يحل لزوجها أن يقربها حتى تطهر، وهذه الأحكام تعرف بالتفصيل من كتب الفقه، والأدلة عليها معروفة وهناك أحكام أخرى ضربنا صفحاً عنها لأنها لا تستنبط من الآية والله أعلم. ما ترشد إليه الآيات الكريمة 1 - وجوب اعتزال المرأة في حالة المحيض حتى تطهر من حيضها. 2 - إباحة إتيان المرأة بعد انقطاع الدم والاغتسال بالماء. 3 - حرمة إتيان المرأة في الدبر لأنه ليس مكاناً للحرث. 4 - جواز الاستمتاع بشتى الصور بعد أن يكون في محل نبات الولد. 5 - التحذير من مخالفة أمر الله وارتكاب ما نهى عنه تعالى وحذّر. خاتمة البحث: حكمة التشريع جعل الله تبارك وتعالى مكاناً لنسل الرجل، وأحلّ له إتيانها في جميع الأوقات إلا في بعض حالات تكون فيها المرأة متلبّسة بالعبادة كحالة الإحرام، والاعتكاف، والصيام، أو في حالة الطمث (الحيض)، وهي حالة تشبه المرض الحسيّ، لأنها حالة إلقاء (البويضة الأنثوية) التي لم تلقّح من رحم المرأة، وغالباً ما تصحبها الآلام وتكون المرأة غير مستعدة نفسياً لهذه المباشرة الجنسية، التي يقصد بها استمتاع كلٍ من الزوجين بالآخر. ودم الحيض له رائحة كريهة بخلاف سائر الدماء، وذلك لأنه من الفضلات التي تدفعها الطبيعة، وهو دم فاسد، أسود، ثخين، محتدم شديد الحمرة - كما يعرّفه الفقهاء - ورؤية الدم تنفر الطبع، وتشمئز منها النفس، فكيف إذا اجتمعت معه هذه الأوصاف الخبيثة؟! فإتيان المرأة في مثل هذه الحالة، فيه ضرر عظيم يلحق بالمرأة، كما أن فيه ضرراً على الرجل أيضاً، عبّر عنه القرآن الكريم الدقيق {قُلْ هُوَ أَذًى} وأيّ تعبير أبلغ من هذا التعبير المعجز؟! وقد أثبت (الطب الحديث) الضرر الفادح الذي يلحق بالمرأة من جراء معاشرتها وإتيانها في حالة الطمث، فكثيراً ما يختلط المني المقذوف من الرجل بهذه الدماء، ويتولد عن ذلك إلتهابات في عنق الرحم، أو في الرحم نفسه، أو يتعرض الجنين إلى التشوه إن قدّر هناك حمل، كما أن الرجل يتعرض لبعض الأضرار الجسمية، ولهذا ينصح الأطباء بالابتعاد عن المرأة في حالة (العادة الشهرية) حتى تطهر من طمثها، وفي ذلك أكبر برهان على حكمة الشريعة الغراء.
زيد بن علي
تفسير : وقولهُ تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى} معناه قَذرٌ. تفسير : وقولهُ تعالى: {وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ} معناهُ حتَّى يَنقطعَ الدَّمُ عَنهُنَّ. ويَتَطَّهَرْنَ: يَغْتَسِلْنَ بالماءِ.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يخبر تعالى عن سؤالهم عن المحيض، وهل تكون المرأة بحالها بعد الحيض، كما كانت قبل ذلك، أم تجتنب مطلقا كما يفعله اليهود؟. فأخبر تعالى أن الحيض أذى، وإذا كان أذى، فمن الحكمة أن يمنع الله تعالى عباده عن الأذى وحده، ولهذا قال: { فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ } أي: مكان الحيض، وهو الوطء في الفرج خاصة، فهذا هو المحرم إجماعا، وتخصيص الاعتزال في المحيض، يدل على أن مباشرة الحائض وملامستها، في غير الوطء في الفرج جائز. لكن قوله: { وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ } يدل على أن المباشرة فيما قرب من الفرج، وذلك فيما بين السرة والركبة، ينبغي تركه كما كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يباشر امرأته وهي حائض، أمرها أن تتزر، فيباشرها. وحد هذا الاعتزال وعدم القربان للحُيَّض { حَتَّى يَطْهُرْنَ } أي: ينقطع دمهن، فإذا انقطع الدم، زال المنع الموجود وقت جريانه، الذي كان لحله شرطان، انقطاع الدم، والاغتسال منه. فلما انقطع الدم، زال الشرط الأول وبقي الثاني، فلهذا قال: { فَإِذَا تَطَهَّرْنَ } أي: اغتسلن { فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ } أي: في القبل لا في الدبر، لأنه محل الحرث. وفيه دليل على وجوب الاغتسال للحائض، وأن انقطاع الدم، شرط لصحته. ولما كان هذا المنع لطفا منه تعالى بعباده، وصيانة عن الأذى قال تعالى: { إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ } أي: من ذنوبهم على الدوام { وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ } أي: المتنزهين عن الآثام وهذا يشمل التطهر الحسي من الأنجاس والأحداث. ففيه مشروعية الطهارة مطلقا، لأن الله يحب المتصف بها، ولهذا كانت الطهارة مطلقا، شرطا لصحة الصلاة والطواف، وجواز مس المصحف، ويشمل التطهر المعنوي عن الأخلاق الرذيلة، والصفات القبيحة، والأفعال الخسيسة. { نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ } مقبلة ومدبرة غير أنه لا يكون إلا في القبل، لكونه موضع الحرث، وهو الموضع الذي يكون منه الولد. وفيه دليل على تحريم الوطء في الدبر، لأن الله لم يبح إتيان المرأة إلا في الموضع الذي منه الحرث، وقد تكاثرت الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم في تحريم ذلك، ولعن فاعله. { وَقَدِّمُوا لأنْفُسِكُمْ } أي: من التقرب إلى الله بفعل الخيرات، ومن ذلك أن يباشر الرجل امرأته، ويجامعها على وجه القربة والاحتساب، وعلى رجاء تحصيل الذرية الذين ينفع الله بهم. { وَاتَّقُوا اللَّهَ } أي: في جميع أحوالكم، كونوا ملازمين لتقوى الله، مستعينين بذلك لعلمكم، { أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ } ومجازيكم على أعمالكم الصالحة وغيرها. ثم قال: { وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ } لم يذكر المبشر به ليدل على العموم، وأن لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة، وكل خير واندفاع كل ضير، رتب على الإيمان فهو داخل في هذه البشارة. وفيها محبة الله للمؤمنين، ومحبة ما يسرهم، واستحباب تنشيطهم وتشويقهم بما أعد الله لهم من الجزاء الدنيوي والأخروي.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 102 : 4 - سفين عن بن ابي نجيح عن مجاهد في قوله {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَٱعْتَزِلُواْ ٱلنِّسَآءَ فِي ٱلْمَحِيضِ وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ} قال، حين يطهرن من الدم. قال {فَإِذَا تَطَهَّرْنَ} قال، اغتسلن {فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ ٱللَّهُ}. [الآية 222]. 103 : 5 - سفين عن عثمن بن الأسود عن مجاهد قال، أُمروا أن لا يأتوهن من حيث نهوا عنه.
النسائي
تفسير : قوله تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَٱعْتَزِلُواْ ٱلنِّسَآءَ فِي ٱلْمَحِيضِ} [222] 57- أنا إسحاق بن إبراهيم، أنا سليمان بن حرب، حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس قال: كانت اليهود إذا حاضت المرأة منهم، لم يؤاكلوهُنَّ، ولم يُشاربوهنَّ، ولم يجامعوهنَّ في البيوت، فسألو النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فأنزل الله تعالى {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَٱعْتَزِلُواْ ٱلنِّسَآءَ فِي ٱلْمَحِيضِ} فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يؤاكلوهنَّ، وأن يشاربوهنَّ، وأن يجامعوهنَّ في البيوت، وأن يصنعوا بهنَّ كل شيء ما خلا النِّكاح.
همام الصنعاني
تفسير : 263- عبد الرزاق، قال: حدثنا معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى}: [الآية: 222]، قال: قَذَرٌ. وقوله تعالى: {فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ ٱللَّهُ}: [الآية: 222]، يقول: طُؤهنَّ غير حُيَّضٍ.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):