٢ - ٱلْبَقَرَة
2 - Al-Baqara (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
223
Tafseer
الرازي
تفسير : الحكم الثامن في الآية مسائل: المسألة الأولى: ذكروا في سبب النزول وجوهاً أحدها: روي أن اليهود قالوا: من جامع امرأته في قبلها من دبرها كان ولدها أحول مخبلاً، وزعموا أن ذلك في التوراة، فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: كذبت اليهود ونزلت هذه الآية وثانيها: روي عن ابن عباس أن عمر جاء إلى النبـي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله هلكت، وحكى وقوع ذلك منه، فأنزل الله تعالى هذه الآية وثالثها: كانت الأنصار تنكر أن يأتي الرجل المرأة من دبرها في قبلها، وكانوا أخذوا ذلك من اليهود، وكانت قريش تفعل ذلك فأنكرت الأنصار ذلك عليهم، فنزلت الآية. المسألة الثانية: {حَرْثٌ لَّكُمْ } أي مزرع ومنبت للولد، وهذا على سبيل التشبيه، ففرج المرأة كالأرض، والنطفة كالبذر، والولد كالنبات الخارج، والحرث مصدر، ولهذا وحد الحرث فكان المعنى نساؤكم ذوات حرث لكم فيهن تحرثون للولد، فحذف المضاف، وأيضاً قد يسمى موضع الشيء باسم الشيء على سبيل المبالغة كقوله:شعر : فإنمـا هـي إقبـالي وإدبـار تفسير : ويقال: هذا أمر الله، أي مأموره، وهذا شهوة فلان، أي مشتهاه، فكذلك حرث الرجل محرثة. المسألة الثالثة: ذهب أكثر العلماء إلى أن المراد من الآية أن الرجل مخير بين أن يأتيها من قبلها في قبلها، وبين أن يأتيها من دبرها في قبلها، فقوله: {أَنَّىٰ شِئْتُمْ } محمول على ذلك، ونقل نافع عن ابن عمر أنه كان يقول: المراد من الآية تجويز إتيان النساء في أدبارهن، وسائر الناس كذبوا نافعاً في هذه الرواية، وهذا قول مالك، واختيار السيد المرتضى من الشيعة، والمرتضى رواه عن جعفر بن محمد الصادق رضي الله عنه، وحجة من قال: إنه لا يجوز إتيان النساء في أدبارهن من وجوه: الحجة الأولى: أن الله تعالى قال في آية المحيض: {أية : قُلْ هُوَ أَذًى فَٱعْتَزِلُواْ ٱلنّسَاء فِي ٱلْمَحِيضِ } تفسير : [البقرة: 222] جعل قيام الأذى علة لحرمة إتيان موضع الأذى، ولا معنى للأذى إلا ما يتأذى الإنسان منه وههنا يتأذى الإنسان بنتن روائح ذلك الدم وحصول هذه العلة في محل النزاع أظهر فإذا كانت تلك العلة قائمة ههنا وجب حصول الحرمة. الحجة الثانية: قوله تعالى: {أية : فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ ٱللَّهُ} تفسير : [البقرة: 222] وظاهر الأمر للوجوب، ولا يمكن أن يقال: إنه يفيد وجوب إتيانهن لأن ذلك غير واجب، فوجب حمله على أن المراد منه أن من أتى المرأة وجب أن يأتيها في ذلك الموضع الذي أمر الله تعالى به ثم هذا غير محمول على الدبر، لأن ذلك بالإجماع غير واجب فتعين أن يكون محمولاً على القبل، وذلك هو المطلوب. / الحجة الثالثة: روى خزيمة بن ثابت أن رجلاً سأل النبـي صلى الله عليه وسلم عن إتيان النساء في أدبارهن، فقال النبـي صلى الله عليه وسلم: حديث : حلال، فلما ولى الرجل دعاه فقال: كيف قلت في أي الخربتين، أو في أي الخرزتين، أو في أي الخصفتين، أو من قبلها في قبلها فنعم، أمن دبرها في قبلها فنعم، أمن دبرها في دبرها فلا، إن الله لا يستحي من الحق: «لا تؤتوا النساء في أدبارهن»تفسير : وأراد بخربتها مسلكها، وأصل الخربة عروة المزادة شبه الثقب بها، والخرزة هي التي يثقبها الخراز، كنى به عن المأتي، وكذلك الخصفة من قولهم: خصفت الجلد إذا خرزته، حجة من قال بالجواز وجوه: الحجة الأولى: التمسك بهذه الآية من وجهين الأول: أنه تعالى جعل الحرث اسماً للمرأة فقال: {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ } فهذا يدل على أن الحرث اسم للمرأة لا للموضع المعين، فلما قال بعده: {فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّىٰ شِئْتُمْ } كان المراد فأتوا نساءكم أنى شئتم فيكون هذا إطلاقاً في إتيانهن على جميع الوجوه، فيدخل فيه محل النزاع. الوجه الثاني: أن كلمة {أَنّى } معناها أين، قال الله تعالى: {أية : أَنَّىٰ لَكِ هَـٰذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ } تفسير : [الأعراف: 37] والتقدير: من أين لك هذا فصار تقدير الآية: فأتوا حرثكم أين شئتم وكلمة: أين شئتم، تدل على تعدد الأمكنة: اجلس أين شئت ويكون هذا تخييراً بين الأمكنة. إذا ثبت هذا فنقول: ظهر أنه لا يمكن حمل الآية على الإتيان من قبلها في قبلها، أو من دبرها في قبلها لأن على هذا التقدير المكان واحد، والتعداد إنما وقع في طريق الإتيان، واللفظ اللائق به أن يقال: اذهبوا إليه كيف شئتم فلما لم يكن المذكور ههنا لفظة: كيف، بل لفظة {أَنّى } ويثبت أن لفظة {أَنّى } مشعرة بالتخيير بين الأمكنة، ثبت أنه ليس المراد ما ذكرتم بل ما ذكرناه. الحجة الثانية: لهم: التمسك بعموم قوله تعالى: {أية : إِلاَّ عَلَىٰ أَزْوٰجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُهُمْ } تفسير : [المؤمنون: 6] ترك العمل به في حق الذكور لدلالة الإجماع، فوجب أن يبقى معمولاً به في حق النسوان. الحجة الثالثة: توافقنا على أنه لو قال للمرأة: دبرك على حرام ونوى الطلاق أنه يكون طلاقاً، وهذا يقتضي كون دبرها حلالاً له، هذا مجموع كلام القوم في هذا الباب. أجاب الأولون فقالوا: الذي يدل على أنه لا يجوز أن يكون المراد من هذه الآية إتيان النساء في غير المأتي وجوه الأول: أن الحرث اسم لموضع الحراثة، ومعلوم أن المراد بجميع أجزائها ليست موضعاً للحراثة، فامتنع إطلاق اسم الحرث على ذات المرأة، ويقتضي هذا الدليل أن لايطلق لفظ الحرث على ذات المرأة إلا أنا تركنا العمل بهذا الدليل في قوله: {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ } لأن الله تعالى صرح ههنا بإطلاق لفظ الحرث على ذات المرأة، فحملنا ذلك على المجاز المشهور من تسمية كل الشيء باسم جزئه، وهذه الصورة مفقودة في قوله: {فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ } فوجب حمل الحرث ههنا على موضع الحراثة على التعيين، فثبت أن الآية لا دلالة فيها إلا على إتيان النساء في المأتي. الوجه الثاني: في بيان أن هذه الآية لا يمكن أن تكون دالة على ما ذكروه لما بينا أن ما قبل هذه الآية يدل على المنع مما ذكروه من وجهين أحدهما: قوله: {أية : قُلْ هُوَ أَذًى } تفسير : [البقرة: 222] والثاني: قوله: {فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ ٱللَّهُ } فلو دلت هذه الآية على التجويز لكان ذلك جمعاً بين ما يدل على التحريم وبين ما يدل على التحليل في موضع واحد، والأصل أنه لا يجوز. الوجه الثالث: الروايات المشهورة في أن سبب نزول هذه الآية اختلافهم في أنه هل يجوز إتيانها من دبرها في قبلها، وسبب نزول الآية لا يكون خارجاً عن الآية فوجب كون الآية متناولة لهذه الصورة، ومتى حملناها على هذه الصورة لم يكن بنا حاجة إلى حملها على الصورة الأخرى فثبت بهذه الوجوه أن المراد من الآية ليس ما ذكروه، وعند هذا نبحث عن الوجوه التي تمسكوا بها على التفصيل. أما الوجه الأول: فقد بينا أن قوله: {فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ } معناه: فأتوه موضع الحرث. وأما الثاني: فإنه لما كان المراد بالحرث في قوله: {فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ } ذلك الموضع المعين لم يكن حمل {أَنَّىٰ شِئْتُمْ } على التخيير في مكان، وعند هذا يضمر فيه زيادة، وهي أن يكون المراد من {أَنَّىٰ شِئْتُمْ } فيضمر لفظة: من، لا يقال ليس حمل لفظ الحرث على حقيقته، والتزام هذا الإضمار أولى من حمل لفظ الحرث على المرأة على سبيل المجاز، حتى لا يلزمنا هذا الإضمار لأن نقول: بل هذا أولى، لأن الأصل في الإبضاع الحرمة. وأما الثالث: فجوابه: أن قوله: {أية : إِلاَّ عَلَىٰ أَزْوٰجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُهُمْ }تفسير : [المؤمنون: 6] عام، ودلائلنا خاصة، والخاص مقدم على العام. وأما الرابع: فجوابه: أن قوله: دبرك على حرام، إنما صلح أن يكون كناية عن الطلاق، لأنه محل لحل الملابسة والمضاجعة، فصار ذلك كقوله: يدك طالق، والله أعلم. المسألة الرابعة: اختلف المفسرون في تفسير قوله: {أَنَّىٰ شِئْتُمْ } والمشهور ما ذكرناه أنه يجوز للزوج أن يأتيها من قبلها في قبلها، ومن دبرها في قبلها والثاني: أن المعنى: أي وقت شئتم من أوقات الحل: يعنى إذا لم تكن أجنبية، أو محرمة، أو صائمة، أو حائضاً والثالث: أنه يجوز للرجل أن ينكحها قائمة أو باركة، أو مضطجعة، بعد أن يكون في الفرج الرابع: قال ابن عباس: المعنى إن شاء، وإن شاء لم يعزل، وهو منقول عن سعيد بن المسيب الخامس: متى شئتم من ليل أو نهار. فإن قيل: فما المختار من هذه الأقاويل؟. قلنا: قد ظهر عن المفسرين أن سبب نزول هذه الآية هو أن اليهود كانوا يقولون: من أتى المرأة من دبرها في قبلها جاء الولد أحول، فأنزل الله تعالى هذا لتكذيب قولهم، فكان الأولى حمل اللفظ عليه، وأما الأوقات فلا مدخل لها في هذا الباب، لأن {أَنّى } يكون بمعنى {مَتَىٰ } ويكون بمعنى {كَيْفَ } وأما العزل وخلافه فلا يدخل تحت {أنّى } لأن حال الجماع لا يختلف بذلك، فلا وجه لحمل الكلام إلا على ما قلنا. أما قوله: {وَقَدّمُواْ لأَنفُسِكُمْ } فمعناه: افعلوا ما تستوجبون به الجنة والكرامة ونظيره أن يقول الرجل لغيره: قدم لنفسك عملاً صالحاً، وهو كقوله: {أية : وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ ٱلزَّادِ ٱلتَّقْوَىٰ } تفسير : [البقرة: 197] ونظير لفظ التقديم ما حكى الله تعالى عن فريق من أهل النار وهو قوله: {أية : قَالُواْ بَلْ أَنتُمْ لاَ مَرْحَباً بِكُمْ أَنتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا فَبِئْسَ ٱلْقَرَارُ} تفسير : [صۤ: 60]. فإن قيل: كيف تعلق هذا الكلام بما قبله؟. قلنا: نقل عن ابن عباس أنه قال: معناه التسمية عند الجماع وهو في غاية البعد، والذي عندي فيه أن قوله: {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ } جار مجرى التنبيه على سبب إباحة الوطء، كأنه قيل: هؤلاء النسوان إنما حكم الشرع بإباحة وطئهن لكم لأجل أنهن حرث لكم أي بسبب أنه يتولد الولد منها ثم قال بعده: {فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّىٰ شِئْتُمْ } أي لما كان السبب في إباحة وطئها لكم حصول الحرث، فأتوا حرثكم، ولاتأتوا غير موضع الحرث، فكان قوله: {فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ } دليلاً على الإذن في ذلك الموضع، والمنع من غير ذلك الموضع، فلما اشتملت الآية عل الإذن في أحد الموضعين، والمنع عن الموضع الآخر، لا جرم قال: {وَقَدّمُواْ لاِنفُسِكُمْ } أي لا تكونوا في قيد قضاء الشهوة بل كونوا في قيد تقديم الطاعة، ثم إنه تعالى أكد ذلك بقوله: {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ } ثم أكده ثالثاً بقوله: {وَٱعْلَمُواْ أَنَّكُم مُّلَـٰقُوهُ } وهذه التهديدات الثلاثة المتوالية لا يليق ذكرها إلا إذا كانت مسبوقة بالنهي عن شيء لذيذ مشتهى، فثبت أن ما قبل هذه الآية دال على تحريم هذا العمل، وما بعدها أيضاً دال على تحريمه، فظهر أن المذهب الصحيح في تفسير هذه الآية ما ذهب إليه جمهور المجتهدين. أما قوله تعالى: {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعْلَمُواْ أَنَّكُم مُّلَـٰقُوهُ } فاعلم أن الكلام في التقوى قد تقدم، والكلام في تفسير لقاء الله تعالى قد تقدم في قوله: {أية : ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَـٰقُوا رَبّهِمْ } تفسير : [البقرة: 46] واعلم أنه تعالى ذكر هذه الأمور الثلاثة أولها: {وَقَدّمُواْ لأَنفُسِكُمْ } والمراد منه فعل الطاعات وثانيها: قوله: {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ } والمراد منه ترك المحظورات وثالثها: قوله: {وَٱعْلَمُواْ أَنَّكُم مُّلَـٰقُوهُ } وفيه إشارة إلى أني إنما كلفتكم بتحمل المشقة في فعل الطاعات وترك المحظورات لأجل يوم البعث والنشور والحساب، فلولا ذلك اليوم لكان تحمل المشقة في فعل الطاعات وترك المحظورات عبثاً وما أحسن هذا الترتيب، ثم قال: {وَبَشّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ } والمراد منه رعاية الترتيب المعتبر في القرآن وهو أن يجعل مع كل وعيد وعداً والمعنى وبشر المؤمنين خاصة بالثواب والكرامة فحذف ذكرهما لما أنهم كالمعلوم، فصار كقوله: {أية : وَبَشّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مّنَ ٱللَّهِ فَضْلاً كِبِيراً } تفسير : [الأحزاب: 47].
القرطبي
تفسير : فيه ست مسائل: الأُولى ـ قوله تعالى: {نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ} روى الأئمة واللفظ لمسلم عن جابر ٱبن عبد الله قال: كانت اليهود تقول: إذا أتى الرجل ٱمرأته من دُبرِها في قُبِلُها كان الولدُ أحول؛ فنزلت الآية: {نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّىٰ شِئْتُمْ} زاد في رواية عن الزّهريّ: إن شاء مُجَبِّية وإن شاء غير مُجَبِّيةٍ غير إن ذلك في صمامٍ واحد. ويُروى: في سمام واحد بالسين؛ قاله الترمذيُّ. وروى البخاريّ عن نافعٍ قال: كان ابن عمر إذا قرأ القرآن لم يتكلم حتى يفرغَ منه؛ فأخذت عليه يوماً؛ فقرأ سورة «البقرة» حتى ٱنتهى إلى مكانٍ قال: أتدري فيم أنزلت؟ قلت: لا قال: نَزلت في كذا وكذا؛ ثم مضى. وعن عبد الصمد قال: حدثني أبي قال حدّثني أيوب عن نافع عن ٱبن عمرَ: «فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ» قال: يأتيها في. قال الحُميدي: يعني الفرج. وروى أبو داود عن ٱبن عباسٍ قال: إن ٱبن عمر والله يُغفر له وهِم؛ إنما كان هذا الحيُّ من الأنصار، وهُم أهل وثنٍ، مع هذا الحيِّ من يهود، وهم أهل كتاب: وكانوا يرون لهم فضلاً عليهم في العلم؛ فكانوا يقتدون بكثير من فعلهم، وكان من أمر أهل الكتاب ألاّ يأتوا النساء إلا على حرف؛ وذلك أستر ما تكون المرأة، فكان هذا الحيُّ من الأنصار قد أخذوا بذلك من فعلهم، وكان هذا الحيُّ من قريش يَشْرَحون النساءَ شَرْحاً منكراً؛ ويتلذذون منهنّ مُقْبِلاتٍ ومدبراتٍ ومستلقياتٍ؛ فلما قدم المهاجرون المدينةَ تزوّج رجل منهم ٱمرأةً من الأنصار؛ فذهب يصنع بها ذلك فأنكرته عليه، وقالت: إنما كنا نُؤتى على حرفٍ! فاصْنع ذلك وإلا فٱجتنبني؛ حتى شَري أمرُهما؟ فبلغ ذلك النبيّ صلى الله عليه وسلم؛ فأنزل الله عز وجل: {فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّىٰ شِئْتُمْ}؛ أي مقبلاتٍ ومدبراتٍ ومستلقياتٍ، يعني بذلك موضع الولد. وروى الترمذيّ عن ٱبن عباس قال: حديث : جاء عمر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، هلكتُ! قال: «وما أهلك» قال: حوّلت رحلى الليلة؛ قال: فلم يُردَّ عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً؛ قال: فأوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية: {نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّىٰ شِئْتُمْ} «أَقْبِلْ وَأَدْبِرْ واتَّقِ الدُّبُرَ والحَيْضَةَ» تفسير : قال: هذا حديث حسن صحيح. وروى النَّسائي عن أبي النَّضْر أنه قال لنافع مولَى ٱبن عمر: قد أَكثر عليك القولُ. إنك تقول عن ٱبن عمر: أنه أفتى بأن يُؤتَى النساء في أدبارهنّ. قال نافع: لقد كذبوا عليّ! ولكن سأُخبرك كيف كان الأمر: إن ٱبن عمَر عَرض عليّ المصحفَ يوماً وأنا عنده حتى بلغ: {نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ}؛ قال نافع: هل تدري ما أمر هذه الآية؟ إنا كنا معشر قريش نُجَبِّي النساءَ، فلما دخلنا المدينة ونكحنا نساء الأنصار أردنا منهنّ ما كنا نريد من نسائنا؛ فإذا هنّ قد كرِهن ذلك وأعظمنه، وكان نساء الأنصار إنما يؤتين على جنوبهنّ؛ فأنزل الله سبحانه: {نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّىٰ شِئْتُمْ}. الثانية ـ هذه الأحاديث نصٌ في إباحة الحال والهيئات كلِّها إذا كان الوطء في موضع الحَرْث؛ أي كيف شئتم من خلفٍ ومَن قُدَّامٍ وباركةً ومستلقيةً ومضطجعةً؛ فأما الإتيان في غير المأْتى فما كان مباحاً، ولا يُباح! وذِكُر الحرثِ يدل على أن الإتيان في غيرِ المأتي محرّم. و «حرث» تشبيه؛ لأنهن مزْدَرع الذّريّة؛ فلفظ «الحرث» يعطي أن الإباحة لم تقع إلاَّ في الفرج خاصّةً إذ هو المزدرع. وأنشد ثعلب:شعر : إنما الأرحام أرض ون لنا محترثات فعلينا الزرع فيها وعلى اللَّه النبات تفسير : ففرج المرأة كالأرض، والنطفة كالبذر، والولد كالنبات، فالحرث بمعنى المحترث. ووحّد الحرث لأنه مصدر؛ كما يُقال: رجلٌ صَوْمٌ، وقومٌ صَوْمٌ. الثالثة ـ قوله تعالىٰ: {أَنَّىٰ شِئْتُمْ} معناه عند الجمهور من الصحابة والتابعين وأئمّة الفتوىٰ: من أيّ وجهٍ شئتم مقبلة ومدبرة؛ كما ذكرنا آنفاً. و «أَنَّى» تجيء سؤالاً وإخباراً عن أمرٍ له جهات؛ فهو أعمّ في اللغة من «كيف» ومن «أين» ومن «متى»؛ هذا هو الاستعمال العربي في «أَنَّى». وقد فسر الناس «أنى» في هذه الآية بهذه الألفاظ. وفسّرها سيبويه بـ «ـكيف» ومن «أين» بٱجتماعهما. وذهبت فرقة ممن فسّرها بـ «ـأين» إلى أن الوطء في الدّبر مباح؛ وممن نسب إليه هذا القول: سعيدُ بنُ المسيّب ونافعُ وٱبنُ عمرَ ومحمد بن كعبٍ القُرَظيّ وعبد الملك بن الماجشون، وحُكي ذلك عن مالكٍ في كتاب له يسمى «كتاب السر». وحذّاق أصحابِ مالكٍ ومشايخهم يُنكرون ذلك الكتاب؛ ومالكٌ أجلُّ من أن يكون له «كتابُ سِرٍّ». ووقع هذا القول في العُتْبِيّة. وذكر ٱبن العربيّ أن ٱبنَ شعبان أسند جواز هذا القولِ إلى زمرة كبيرة من الصحابة والتابعين، وإلى مالكٍ من روايات كثيرة في كتاب «جماع النّسوان وأحكام القرآن». وقال الكِيَا الطبريّ: وروي عن محمد بن كعب القُرَظِيّ أنه كان لا يرىٰ بذلك بأساً؛ ويتأوّل فيه قول الله عزّ وجلّ: {أية : أَتَأْتُونَ ٱلذُّكْرَانَ مِنَ ٱلْعَالَمِينَ وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِّنْ أَزْوَاجِكُمْ} تفسير : [الشعراء: 165، 166] وقال: فتقديره تتركون مثل ذلك من أزواجكم؛ ولو لم يُبح مثلُ ذلك من الأزواج لما صح ذلك، وليس المباح من الموضع الآخَر مِثلاً له؛ حتى يُقال: تفعلون ذلك وتتركون مثله من المباح. قال الكِيَا: وهذا فيه نظر، إذ معناه: وتذرون ما خلق لكم ربُّكم من أزواجكم مما فيه تسكينُ شهوتكم؛ ولذة الوقاع حاصلة بهما جميعاً؛ فيجوز التوبيخ على هذا المعنى. وفي قوله تعالىٰ: {أية : فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ ٱللَّهُ} تفسير : [البقرة: 222] مع قوله: {فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ} ما يدل على أن المَأْتى ٱختصاصاً، وأنه مقصور على موضع الولد. قلت: هذا هو الحقّ في المسألة. وقد ذكر أبو عمر بن عبد البر أن العلماء لم يختلفوا في الرَّتْقاء التي لا يوصل إلى وطئها أنه عيب تُردَّ به؛ إلاَّ شيئاً جاء عن عمرَ بنِ عبد العزيز من وجهٍ ليس بالقويّ أنه لا تردّ الرتقاء ولا غيرُها؛ والفقهاء كلُّهم على خلاف ذلك، لأن المسيس هو المبتغَىٰ بالنكاح، وفي إجماعهم على هذا دليل على أن الدُّبُر ليس بموضع وطء، ولو كان موضعاً للوطء ما رُدّت من لا يُوصَل إلى وطئها في الفرج. وفي إجماعهم أيضاً على أن العقِيم التي لا تلد لا ترد. والصحيح في هذه المسألة ما بيّناه. وما نسب إلى مالكٍ وأصحابِه من هذا باطل وهم مُبَرَّءون من ذلك؛ لأن إباحة الإتيان مختصة بموضع الحرث؛ لقوله تعالىٰ: {فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ}؛ ولأن الحكمة في خلق الأزواج بثّ النّسل؛ فغير موضع النسل لا يناله مِلْك النكاح، وهذا هو الحقّ. وقد قال أصحاب أبي حنيفة: إنه عندنا ولائطَ الذكر سواء في الحكم؛ ولأن القَذَر والأذَى في موضع النجو أكثرُ من دمِ الحيض، فكان أشنع. وأما صِمَام البول فغير صمام الرَّحِم. وقال ٱبن العربي في قبسه: قال لنا الشيخ الإمام فخرُ الإسلام أبو بكر محمدُ بنُ أحمد بن الحسين فقيه الوقت وإمامه: الفرج أشبه شيء بخمسة وثلاثين؛ وأخرج يده عاقداً بها. وقال: مسلك البول ما تحت الثلاثين، ومسلك الذَّكَر والفرج ما ٱشتملت عليه الخمسةُ؛ وقد حرّم الله تعالىٰ الفرجَ حال الحيِض لأجل النجاسة العارضة. فأولى أن يحرُم الدّبُر لأجل النجاسة اللازمة. وقال مالك لابن وهب وعليّ بن زياد لما أخبراه أن ناساً بمصر يتحدّثون عنه أنه يجيز ذلك؛ فنفر من ذلك؛ وبادر إلى تكذيب الناقل فقال: كذبوا عليّ، كذبوا عَلَيّ، كذبوا عَلَيّ! ثم قال: ألستم قوماً عَرَباً؟ ألم يقل الله تعالىٰ: {نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ}؟ وهل يكون الحرث إلاَّ في موضع المنبِت! وما ٱستدل به المخالف من أنّ قوله عزّ وجلّ: {أَنَّىٰ شِئْتُمْ} شامل للمسالك بحكم عمومها فلا حجة فيها، إذ هي مخصصة بما ذكرناه، وبأحاديثَ صحيحةٍ حسانٍ وشهيرةٍ رواها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ٱثنا عشر صحابياً بمُتُون مختلفة؛ كلها متواردة على تحريم إتيان النساء في الأدبار؛ ذكرها أحمد بنُ حنبل في مسنده، وأبو داود والنَّسَائيُّ والترمذيُّ وغيرُهم. وقد جمعها أبو الفرج بن الجوزيّ بطرقها في جزء سماه «تحريم المحل المكروه». ولشيخنا أبي العباس أيضاً في ذلك جزء سماه «إظهارُ إدبار، من أجاز الوطء في الأدبار». قلت: وهذا هو الحقّ المتَّبع والصحيح في المسألة، ولا ينبغي لمؤمن بالله واليوم الآخر أن يُعرِّج في هذه النازلة على زلة عالم بعد أن تصح عنه، وقد حُذِّرنا من زَلّة العالم. وقد رُوي عن ٱبن عمر خلافُ هذا، وتكفيرُ مَن فعله؛ وهذا هو اللائق به رضي الله عنه. وكذلك كذّب نافعٌ من أخبر عنه بذلك؛ كما ذكر النَّسائيّ، وقد تقدّم. وأنكر ذلك مالكٌ وٱستعظمه، وكذّب من نسب ذلك إليه. وروى الدارِمِيّ أبو محمد في مسنده عن سعيد بن يسار أبي الحُبَاب قال: قلت لابن عمر: ما تقول في الجوارى حين أحمض بهنّ؟ قال: وما التَّحْميض؟ فذكرت له الدُّبُر؛ فقال: هل يفعل ذلك أحد من المسلمين! وأسند عن خزيمةَ بن ثابت: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : أيها الناس إن الله لا يستحي من الحقّ لا تأتوا النساء في أعجازهنّ»تفسير : . ومثله عن عليّ بن طَلْق. وأسند عن أبي هريرة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : من أتى ٱمرأة في دُبُرِها لم ينظر الله تعالىٰ إليه يوم القيامة»تفسير : وروى أبو داود الطّيالِسِيّ في مسنده عن قتَادة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : تلك اللوطية الصغرى»تفسير : يعني إتيان المرأة في دبرها. ورُوي عن طاوس أنه قال: كان بدء عمل قومِ لوطٍ إتيان النساء في أدبارهنّ. قال ٱبن المنذر؛ وإذا ثبت الشيء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ٱسْتُغني به عما سواه. الرابعة ـ قوله تعالىٰ: {وَقَدِّمُواْ لأَنْفُسِكُمْ} أي قدّموا ما ينفعكم غداً؛ فحذف المفعول، وقد صُرِّح به في قوله تعالىٰ: {أية : وَمَا تُقَدِّمُواْ لأَنْفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ ٱللَّهِ}تفسير : [البقرة: 110]. فالمعنى قدّموا لأنفسكم الطاعَةَ والعملَ الصالحَ. وقيل ٱبتغاء الولد والنسل؛ لأن الولد خير الدنيا والآخرة؛ فقد يكون شفيعاً وجُنَّة. وقيل: هو التزوّج بالعفائف؛ ليكون الولد صالحاً طاهراً. وقيل: هو تقدّم الأفراط؛ كما قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : من قَدَّم ثلاثةً من الولد لم يبلغوا الحِنثَ لم تمسه النار إلاَّ تَحِلَّةَ القَسَم» تفسير : الحديث. وسيأتي في «مريم» إن شاء الله تعالىٰ. وقال ٱبن عباس وعطاء: أي قدّموا ذكر الله عند الجماع؛ كما قال عليه السَّلام: «حديث : لو أنّ أحدكم إذا أتى ٱمرأته قال بسم الله اللَّهُمَّ جنّبنا الشيطان وجنّب الشيطانَ ما رزقَتنا فإنه إن يُقَدَّر بينهما ولدٌ لم يضرّه شيطانٌ أبداً»تفسير : . أخرجه مسلم. الخامسة ـ قوله تعالىٰ: {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} تحذير {وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّكُمْ مُّلاَقُوهُ} خبر يقتضي المبالغةَ في التحذير، أي فهو مجازيكم على البِرِّ والإثم. وروى ٱبن عُيَينة عن عمرو بن دينار قال؛ سمعت سعيد بن جبير عن ٱبن عباس قال: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يخطب يقول: «حديث : إنكم ملاقو الله حُفاةً عُراةً مُشاةً غُرْلاً»تفسير : ـ ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ «وَٱتَّقُوا اللَّهَ وَٱعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاَقُوهْ». أخرجه مسلم بمعناه. السادسة ـ قوله تعالىٰ: {وَبَشِّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ} تأنيس لفاعل البر ومبتغِي سنن الهدىٰ.
البيضاوي
تفسير : {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ} مواضع حرث لكم. شبههن بها تشبيهاً لما يلقى في أرحامهن من النطف بالبذور {فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ} أي فائتوهن كما تأتون المحارث، وهو كالبيان لقوله تعالى: {فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ ٱللَّهُ} {أَنَّىٰ شِئْتُمْ} من أي جهة شئتم، روي (أن اليهود كانوا يقولون: من جامع امرأته من دبرها في قبلها كان ولدها أحول، فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت). {وَقَدّمُواْ لأَنفُسِكُمْ} ما يدخر لكم من الثواب. وقيل هو طلب الولد. وقيل التسمية عند الوطء. {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} بالاجتناب عن معاصيه. {وَٱعْلَمُواْ أَنَّكُم مُّلَـٰقُوهُ} فتزودوا ما لا تفتضحون به. {وَبَشّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ} الكاملين في الإِيمان بالكرامة والنعيم الدائم. أمر الرسول صلى الله عليه وسلم أن ينصحهم ويبشر من صدقه وامتثل أمره منهم.
المحلي و السيوطي
تفسير : {نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ } أي محل زرعكم الولد {فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ } أي محله وهو القبل {أَنَّىٰ }أي كيف {شِئْتُمْ } من قيام وقعود واضطجاعِ وإقبال وإدبار. نزل ردّاً لقول اليهود من أتى امرأته في قبلها من جهة دبرها جاء الولد أحول {وَقَدّمُواْلأَنفُسِكُمْ } العمل الصالح كالتسمية عند الجماع {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ } في أمره ونهيه {وَٱعْلَمُواْ أَنَّكُم مُّلَٰقُوهُ } بالبعث فيجازيكم بأعمالكم {وَبَشِّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ } الذين اتقوه بالجنة.
ابن عبد السلام
تفسير : {حَرْثٌ لَّكُمْ} مزدرع لنسلكم {أَنَّى شِئْتُمْ} زعمت اليهود أن من أتى امرأة من دبرها في قبلها جاء الولد أحول فأكذبهم الله تعالى بقوله {أَنَّى شِئْتُمْ} أو كيف شئتم عازلين أو غير عازلين، أو حيث شئتم من قُبُل أو دُبُر روي ذلك عن ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ وبه قال ابن أبي مُلكية، ويروى عن مالك ـ رحمه الله تعالى ـ وقد أُنكرت هذه عن ابن عمر، أو من أي وجه شئتم من دبرها في قبلها، أو من قبلها، أو قال بعض الصحابة: إني لآتي امرأتي مضطجعة، وقال آخر: إني لآتيها قائمة، وقال آخر: إني لآتيها على جنبها، وقال آخر: إني لآتيها باركة، فقال يهودي بقربهم: ما أنتم إلا أمثال البهائم، ولكنا إنما نأتيها على هيئة واحدة فنزلت.... {وَقَدِّمُواْ لأَنفُسِكُمْ} الخير، أو ذكر الله ـ تعالى ـ عند الجماع قاله ابن عباس ـ رضي الله تعالى عنهماـ.
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {نساؤكم حرث لكم} الآية (ق) عن جابر قال: كانت اليهود تقول: إذا جامعها من ورائها جاء الولد أحول فنزلت: {نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شتم} وفي رواية للترمذي كانت اليهود تقول: من أتى المرأة في قبلها من دبرها وذكر الحديث وعن ابن عباس قال: حديث : جاء عمر إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله هلكت. قال: وما أهلكك قال: حولت رحلي الليلة قال: فلم يرد عليه شيئاً فأوحى الله إلى رسوله صلى الله عليه وسلم بهذه الآية: {نساؤكم حرث لكم فاتوا حرثكم أنى شئتم} أقبل وأدبر واتق الدبر والحيضة تفسير : أخرجه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح. قوله: حولت رجلي هو كناية عن الإتيان في غير المحل المعتاد هذا ظاهره، ويجوز أن يريد به أنه أتاها في المحل المعتاد لكن من جهة ظهرها. وعن ابن عباس قال: كان هذا الحي من الأنصار وهم أهل وثن مع هذا الحي من يهود وهم أهل كتاب فكانوا يرون لهم فضلاً عليهم في العلم فكانوا يقتدون بكثير من فعلهم، وكان من شأن أهل الكتاب أن لا يأتوا النساء إلا على حرف وذلك أشق ما تكون المرأة، فكان هذا الحي من الأنصار قد أخذوا بذلك من فعلهم، وكان هذا الحي من قريش يشرحون النساء شرحاً منكراً ويتلذذون بهن مقبلات ومدبرات ومستلقيات فلما قدم المهاجرون المدينة تزوج رجل منهم امرأة من الأنصار فذهب أن يصنع بها ذلك فأنكرته عليه. وقالت: إنا كما نؤتى على حرف فاصنع ذلك وإلا فاجتنبني حتى سرى أمرهما فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله عز وجل: {نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم} أي مقبلات ومدبرات ومستلقيات يعني بذلك موضع الولد، أخرجه أبو داود والوثن الصنم. وقيل: الصورة لا جثة لها. وقوله: على حرف، الحرف الجانب وحرف كل شيء جانبه وقوله: يشرحون النساء. يقال شرح فلان جاريته إذا وطئها على قفاها وأصل الشرح البسط وقوله: سرى أمرهما أي ارتفع وعظم وتفاخم وأصله من سرى البرق إذا لج في اللمعان. عن أم سلمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في قوله تعالى: {نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم} في صمام واحد ويروى سمام بالسين أخرجه الترمذي. وقال حديث حسن وقوله تعالى: {حرث لكم} معناه مزرع لكم ومنبت للولد، وهذا على سبيل التشبيه فجعل فرج المرأة كالأرض والنطفة كالبذر والولد كالنبات الخارج {فأتوا حرثكم أنى شئتم} يعني كيف شئتم وحيث شئتم، إذا كان في القبل والمعنى كيف شئتم مقبلة ومدبرة، على كل حال إذا كان في الفرج وفي الآية دليل على تحريم إتيان النساء في أدبارهن لأن محل الحرث والزرع هو القبل لا الدبر، ويؤيد ذلك ما روي عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ملعون من أتى امرأة في دبرها" تفسير : أخرجه أبو داود. وقال سعيد بن المسيب: هذا في العزل يعني إن شئتم فاعزلوا وإن شئتم لا تعزلوا، وسئل ابن عباس عن العزل فقال: حرثك إن شئت فعطش وإن شئت فارو ويروى عنه أنه قال: تستأمر الحرة في العزل ولا تستأمر الجارية وبه قال أحمد: وكره جماعة العزل وقالوا: هو الوأد الخفي وروى نافع قال كنت أمسك على ابن عمر المصحف فقرأ هذ الآية: {نساؤكم حرث لكم} قال: تدري فيم نزلت هذه الآية؟ قلت: لا. قال: نزلت في رجل أتى امرأته في دبرها فشق ذلك عليه فنزلت هذه الآية وروى عبدالله بن الحسن أنه لقي سالم بن عبدالله بن عمر فقال له: يا عم ما حديث يحدثه نافع عن عبدالله أنه لم يكن يرى بأساً بإتيان النساء في أدبارهن فقال: كذب العبد وأخطأ إنما قال عبدالله: يؤتون في فروجهن من أدبارهن، ويحكى عن مالك إباحة ذلك وأنكره أصحابه، وأجمع جمهور العلماء على تحريم إتيان النساء في أدبارهن، وقالوا: لأن الله حرم الفرج في حال الحيض لأجل النجاسة العارضة وهو الدم فأولى أن يحرم الدبر لأجل النجاسة اللازمة ولأن الله تعالى نص على ذكر الحرث والحرث به يكون نبات الولد فلا يحل العدول عنه إلى غيره. وقوله تعالى: {وقدموا لأنفسكم} يعني الولد وقيل: قدموا التسمية والدعاء عند الجماع (ق) عن ابن عباس قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : لو أن أحدكم إذا أراد أن يأتي أهله قال بسم الله اللهم جنبنا الشيطان، وجنب الشيطان ما رزقتنا، فإنه إن يقدر بينهما ولد في ذلك لم يضره الشيطان أبداً" تفسير : وقيل: أراد به تقديم الإفراط (ق) عن أبي هريرة قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا يموت لأحد من المسليمن ثلاثة من الولد فتمسه النار إلا تحلة القسم" تفسير : قوله إلا تحلة القسم يعني قدر ما يبر الله قسمه فيه وهو قوله تعالى: {أية : وإن منكم إلا واردها}تفسير : [مريم: 71] فإذا وردها جاوزها فقد أبر الله قسمه، وقيل: قدموا لأنفسكم يعني من الخير والعمل الصالح بدليل سياق الآية {واتقوا الله} أي احذروا أن تأتوا شيئاً مما نهاكم الله عنه {واعلموا أنكم ملاقوه} أي صائرون إليه في الآخرة فيجزيكم بأعمالكم {وبشر المؤمنين} يعني بالكرامة من الله تعالى.
ابن عرفة
تفسير : قوله تعالى: {فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّىٰ شِئْتُمْ...}. قال ابن عرفة: هذا أمر، فإن قلنا: إنّ سبب نزولها ما ذكره المفسّرون عن أم سلمة من أن قريشا كانوا يأتون على النساء على هيئات مختلفة، فلما تزوجوا الأنصار أرادوا ذلك فامتنعن منه، فنزلت الآية فإن. قلنا: سبب نزولها هذا فيكون أمرا وارداً عقيب الحظر فهو للإباحة وإن قلنا كما قال الزمخشري: فيكون أمرا ابتداء للوجوب، أو الندب. قوله تعالى: {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّكُم مُّلاَقُوهُ...}. تأكيد في وجوب امتثال هذا الأمر وتحريم الوطء في (الدبر) ولذا قال: إنه شبه اللّواط. وفي نوازل الشعبي ضرب سحنون فاعله (خمسين) سوطا، وفي كتاب الجامع من العتبية إجازته عن مالك وهي مكتوبة فيه (بالفور). قال ابن بزيزة في شرح الجمل: الجمهور على المنع وزعم ابن رشد أنّ (المشهور) جوازها وأسند عنه عيسى بن دينار فقال: هذا أحلى من شرب الماء البارد. ونقل أبو بكر الخطيب في تاريخ بغداد أن مالكا سئل عنه فقال: الآن كما اغتسلت منه. قوله تعالى: {وَبَشِّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ}. قال ابن عرفة: قد يتمسك بها المعتزلة في قولهم: إن مرتكب الكبيرة مخلد في النار لأن المناسب أن كان يقال وبشر المحسنين (أو بشّر المتّقين) الذين يجتنبون هذا الفعل، فما قال "وَبَشِّرَ / المُؤْمِنِينَ" دل على أن فاعل هذا الفعل غير مؤمن؟ قال: والجواب أن المراد (المؤمنين) الإيمان الكامل.
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالى: {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ...} الآية: مبيحةٌ لهيئات الإِتيان كلِّها، إِذا كان الوطء في موضع الحرثِ، ولفظة «الحَرْث» تعطي أنَّ الإِباحة لم تقعْ إِلا في الفَرْجِ خاصَّة؛ إِذ هو المُزْدَرَعُ. قال ابنُ العَرَبِيِّ في «أحكامه»: وفي سبب نزولِ هذه الآية رواياتٌ: الأولَىٰ: عن جابرٍ، قال: كانَتِ اليهودُ تقولُ: من أتَى ٱمْرَأَةٍ فِي قُبُلِهَا منْ دُبُرِهَا، جَاءَ الوَلَدُ أَحْوَلَ، فنزلَتِ الآية، وهذا حديثٌ صحيحٌ خرَّجه الأئمَّة. الثانية: قالتْ أمُّ سلَمَة عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ }: قال: «حديث : يَأْتِيَها مُقْبِلَةً ومُدْبِرَةً، إِذَا كَانَ فِي صِمَامٍ وَاحِدٍ» تفسير : خرَّجه مسْلم، وغيره. الثالثة: ما رَوَى الترمذيُّ حديث : أنَّ عمر جاء إِلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم فقَالَ لَهُ: هَلَكْتُ، قَالَ: «وَمَا أَهْلَكَكَ؟ قَالَ: حَوَّلْتُ البَارِحَةَ رَحْلِي، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم شَيْئاً، حتَّىٰ نزلَتْ: {نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ} أَقْبِلْ وَأَدْبِرْ، وَٱتَّقِ الدُّبُرَ» تفسير : انتهى. قال: * ع *: وَ {أَنَّىٰ شِئْتُمْ}: معناه عند جمهور العلماء: من أيِّ وجهٍ شئتم؛ مقبلةً، ومدبرةً، وعلَىٰ جَنْب. قال: * ع *: وقد ورد عَنْ رسُولِ اللَّه صلى الله عليه وسلم في مصنَّف النسائيِّ وفي غيره؛ أنه قَالَ: «حديث : إِتْيَانُ النِّسَاءِ فِي أَدْبَارِهِنَّ حَرَامٌ»تفسير : ، وورد عنْه فيه، أنَّه قال: «حديث : مَلْعُونٌ مَنْ أَتَى ٱمْرَأَةً فِي دُبُرَهَا»تفسير : ، وورد عنه، أنَّه قال: «حديث : مَنْ أَتَى ٱمْرَأَةً فِي دُبُرِهَا فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَىٰ قَلْبِ مُحَمَّدٍ»تفسير : ، وهذا هو الحقُّ المتَّبع، ولا ينبغي لمؤمنٍ باللَّه أن يعرج بهذه النازلة علَىٰ زَلَّة عالِمٍ بعد أنْ تصحَّ عنْه، واللَّه المرشِدُ لا ربَّ غيره. وقوله جلَّت قُدْرته: {وَقَدِّمُواْ لأَنفُسِكُمْ }. قال السُّدِّيُّ: معناه: قدِّموا الأجْر في تجنُّب ما نُهِيتُمْ عنْه، وٱمتثالِ ما أُمِرْتُمْ به - {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ }: تحذيرٌ - {وَٱعْلَمُواْ أَنَّكُم مُّلَـٰقُوهُ}: خبرٌ يقتضي المبالغَةَ في التحْذير، أي: فهو مجازيكُمْ علَى البِرِّ والإِثم {وَبَشِّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ}: تأنيسٌ لفاعلي البرِّ، ومِتَّبِعِي سُنَن الهدَىٰ.
ابن عادل
تفسير : {نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ}: مبتدأٌ وخبرٌ، ولا بدَّ من تأويلٍ، ليصحَّ الإخبار عن الجثة بالمصدر، فقيل: على المبالغة، جُعلوا نفس الفعل، وقيل: أراد بالمصدر، اسم المفعول، وقيل: على حذف مضافٍ من الأوَّل، أي: وطء نسائكم حرثٌ، أي: كحَرْثٍ، وقيل: من الثاني، أي: نساؤُكُم ذواتُ حَرْثٍ، و "لَكُمْ" في موضع رفعٍ؛ لأنه صفةٌ لـ "حَرْث"، فيتعلَّق بمحذوفٍ، وإنما أفرد الخبر، والمبتدأ جمعٌ؛ لأنه مصدرٌ والأفصح فيه الإفراد. قوله: {أَنَّىٰ شِئْتُمْ}، ظرف مكانٍ، ويستعمل شرطاً واستفهاماً بمعنى "مَتَى"، فيكون ظرف زمانٍ، ويكون بمعنى "كَيْفَ"، وبمعنى "مِنْ أَيْنَ"، وقد فسِّرت الآية الكريمة بكلٍّ من هذه الوجوهِ، وقال النحويون: "أَنَّى" لتعميم الأحوال، وقال بعضهم: إنما تجيءُ سؤالاً وإخباراً عن أمْرٍ له جهاتٌ، فَهِيَ على هذا أعمُّ مِنْ "كَيْفَ"، ومِنْ "أَيْنَ"، ومِنْ "مَتَى"، وقالوا: إذا كانت شرطيةً، فهي ظرف مكانٍ فقط، واعمل أنها مبنيةٌ؛ لتضمُّنها: إمَّا معنى حرف الشرط، والاستفهام، وهي لازمة النصبِ على الظرفية، والعامل فيها هنا قالوا: الفعل قبلها وهو: "فَأْتُوا" قال أبو حيان: وهذا لا يصحُّ؛ لأنَّها إمَّا شرطية أو استفهاميةٌ، لا جائزٌ أن تكون شرطيةً؛ لوجهين: أحدهما: من جهة المعنى، وهو أنَّها إذا كانت شرطاً، كانت ظرف مكانٍ، كما تقدَّم؛ وحينئذٍ: يقتضي الكلام الإباحة في غير القبل، وقد ثبت تحريم ذلك. والثاني: من جهة الصناعة، وهو أنَّ اسم الشرط لا يعمل فيه ما قبله؛ لأنَّ له صدر الكلام، بل يعمل فيه فعل الشرط؛ كما أنه عاملٌ في فعل الشرط الجزم، ولا جائزٌ أن تكون استفهاماً؛ لأنَّ الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله؛ لأنَّ له صدر الكلام، ولأنَّ "أَنَّى" إذا كانت استفهاميةً، اكتفت بما بعدها من فعلٍ واسم، نحو: {أية : أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ}تفسير : [الأنعام:101] {أية : أَنَّىٰ لَكِ هَـٰذَا}تفسير : [آل عمران:27] وهذه في هذه الآية مفتقرة لما قبلها كما ترى، وهذا موضع مشكل يحتاج إلى تأملٍ ونظر. ثم الذي يظهر: أنها هنا شرطيةٌ، ويكون قد حذف جوابها؛ لدلالة ما قبله عليه، تقديره: أنَّى شئتم، فأتوه، ويكون قد جعلت الأحوال فيها جَعْلَ الظروف، وأُجريت مجراها، تشبيهاً للحال بظرف المكان؛ ولذلك تقدَّر بـ "في"، كما أُجريت "كَيْفَ" الاستفهامية مجرى الشرط في قوله: {أية : يُنفِقُ كَيْفَ يَشَآءُ}تفسير : [المائدة:64] وقالوا: كيف تصنع أصنع، فالمعنى هنا ليس استفهاماً بل شرطاً؛ فيكون ثمَّ حذفٌ في قوله: "يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ"، أي: كيف يشاء يُنْفِق، وهكذا كل موضعٍ يشبهه، وسيأتي له مزيد بيانٍ، فإن قلت: قد أخرجت "أنَّى" عن الظرفية الحقيقية، وجعلتها لتعميم الأحوال مثل "كَيْفَ" وقلت: إنها مقتضيةٌ لجملةٍ أخرى كالشرط، فهل الفعل بعدها في محلِّ جزمٍ، اعتباراً بكونها شرطيةً، أو في محلِّ رفع، كما تكون كذلك بعد "كَيْفَ" التي تستعمل شرطية؟ قلت: تحتمل الأمرين، والأرجح الأول؛ لثبوت عمل الجزم؛ لأنَّ غاية ما في الباب تشبيه الأحوال بالظروف، للعلاقة المذكورة، وهو تقدير "في" في كلٍّ منهما. ولم يجزم بـ "كَيْفَ" إلا بعضهم قياساً لا سماعاً، ومعفول "شِئْتُمْ" محذوفٌ، أي: شِئْتُمْ إتيانه بعد أن يكون في المحلِّ المباح. فصل في بيان سبب النزول حديث : روى ابن عبَّاسٍ في سبب النزول؛ قال: جاء عمر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، هلكت. قال:"وَمَا الَّذِي أَهْلَكَكَ؟"قال: حَوَّلْتُ رَحْلِي البَارِحَةَ، فلم يَرُدَّ عليه شيئاً، فَأُوحي إليه: {نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّىٰ شِئْتُمْ}، يقول: أقبل، وأدبر، واتَّقِ الحَيْضَة والدُّبُرَ. تفسير : وروى جابر بن عبد الله؛ قال: كانت اليهود تقول في الذي يأتي امرأته من دبرها في قبلها: إن الولد يكون أحولاً، فنزلت هذه الآية. وروى مجاهد عن ابن عبَّاسٍ؛ قال: كان من شأن أهل الكتاب ألاَّ يأتوا النِّساء إلاَّ على حرفٍ، وذلك أستر ما تكون المرأة، وكان هذا الحيُّ من الأنصار قد أخذوا بذلك من فعلهم، وكان هذا الحيُّ من قريشٍ يتلذَّذُون منهنَّ مقبلات، ومدبراتٍ، ومستلقياتٍ، فلما قدم المهاجرون المدينة، تزوَّج رَجُلٌ منهم امرأَةً من الأنصار، وذهب يصنعُ لها ذلك فَأَنْكَرَت ذلك عليه، وقالت: إنما كُنَّا نُؤْتَى عَلَى حَرْفٍ، فَإن شِئْتَ فَاصْنَع ذَلِك وإلا فاجْتَنِبْنِي، حتى سَرَى أَمْرهَا إلى رَسُولِ الله صلى الله عيه وسلم، فَأنزلَ الله ـ عزَّ وجلَّ ـ: {نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ} يعني: موضع الولد، {فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّىٰ شِئْتُمْ} مُقْبِلاتٍ، ومُدْبِرَاتٍ ومُستلقياتٍ. فصل قال عكرمة والحسن: "أَنَّىٰ شِئْتُمْ" إنما هو الفَرْجُ. وقوله: "حَرْثٌ لَكُم" أي: مَزْرَعٌ لكم، ومنبتٌ للولد بمنزلة الأرض، وهذا دليلٌ على تحريم الأدبار؛ لأن محلَّ الحرث والزَّرع هو القبل لا الدُّبر،؛ وأنشد ثعلبٌ: [الرمل] شعر : 1082- إِنَّمَا الأَرْحَامَ أَرْضُو نَ لَنَا مُحْتَرَثَاتُ فَعَلَيْنَا الزَّرْعُ فِيهَا وَعَلَى اللهِ النَّبَاتُ تفسير : وقال سعيد بن المسيَّب: هذا في العزل، يعني: إن شئتم فاعزلوا، وإن شئتم فلا تعزلوا، سئل ابن عبَّاس عن العزل؛ فقال: حرثُكَ، فإن شئتَ فعطِّش، وإن شئت فَارْوِ. ورُوي عنه؛ أنَّه قال: تُسْتَأْمَر الحرَّة في العزل، ولا تُسْتَأْمَرُ الجارية، وكره جماعة العزل، وقالوا: هو الوَأْدُ الخفيّ. وروى مالك عن نافع؛ قال: كُنْتُ أَمْسِكُ على ابن عمر المُصْحَفَ، فقرأْتُ هذه الآية: {نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ} فقال: تدْري فيما نزلت؛ في رجلٍ أتى امْرَأَتَهُ في دبرها، فشقَّ ذلك عليه، فنزلت هذه الآية. ويُحكَى عن مالكٍ إباحة ذلك، وأنكر ذلك أصحابه. وروي عن عبد الله بن الحسن؛ أنه لقي سالم بن عبد الله، فقال له: يا أبا عمر؛ ما حُدِّثتُ بحديث نافع عن عبد الله؛ أنه لم يكن يرى بأساً بإتيان النِّساء في أدبارهنَّ، قال: كذب العبدُ وأخْطَأَ، إنما قال عبد الله: يُؤْتُونَ في فُرُوجِهِنَّ من أَدْبَارِهِنَّ، والدَّليل على تحريمِ الأدبارِ: ما روى خُزيمة بن ثابتٍ؛ حديث : أن رجلاً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن إِتيان النِّساء في أَدْبَارِهِنَّ، فقال ـ عليه الصَّلاة والسَّلام ـ: "حَلاَلٌ" فلما ولَّى الرَّجل دعاه، فقال: "كَيْفَ قُلْتَ في أَيِّ الخَرْبتين أَوْ فِي الخَرزَتَين أوْ فِي أيِّ الخَصْفَتَين، أَمِنْ قُبُلِهَا في قُبُلِهَا؟ فَنَعَمْ، أمْ مِنْ دُبُرِهَا فِي قُبُلِهَا؛ فَنَعَمْ أَمْ مِنْ دُبُرِها فِي دُبُرِهَا، فَلاَ، فإنَّ اللهَ لاَ يَسْتَحيِي مِنَ الحَقِّ، لاَ تَأْتُوا النِّسَاءَ في أَدْبَارِهِنَّ" . تفسير : وأراد بخربتها مسلكها، وأصل الخربة: عروة المزادة. شبِّه بالثّقب بها، والخرزة هي: الثقبة التي يثقبها الخرَّاز وكنَّى به عن المأْتى، وكذلك الخصفة من قولهم: خصفت الجلد إذا خرزته. وعن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ؛ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : مَلْعُونٌ مَنْ أَتَى امْرَأَةً في دُبُرِهَا" تفسير : وقال ـ تعالى ـ في آيةِ المحيض: {أية : قُلْ هُوَ أَذًى فَٱعْتَزِلُواْ ٱلنِّسَآءَ فِي ٱلْمَحِيضِ}تفسير : [البقرة:222] جعل الأذى علة لحرمة إتيان موضع الأذى، ولا معنى للأذى إلاَّ ما يتأذَّى الإنسان مه بنتن ريحِ الدَّم، وهذه العلَّة هنا أظهر؛ فوجب القول بتحريمه. وروي عن أبي هريرة، عن النَّبيّ صلى الله عليه وسلم؛ قال: "حديث : مَنْ أَتَى امْرَأَةً في دُبُرِهَا لَمْ يَنْظُرِ اللهُ إِلَيْه يَوْمَ القِيَامَةِ ". تفسير : وروى أبو داود الطَّيالسي، عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدِّه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : تِلْكَ اللوطِيَّةُ الصُّغْرَى بإِتْيَانِ المَرْأَةِ في دُبُرِهَا ". تفسير : وعن طاوس؛ قال: إنه كَانَ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ إِتْيَانُ النِّسَاء في أَدْبَارِها. واحتج من جوَّزَهُ بوجوه: الأول: التَّمسُّك بهذه الآية من وجهين: أحدهما: أنه جعل الحرث اسماً للمرأة لا للموضع المعيَّن، فلمَّا قال بعده: {فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّىٰ شِئْتُمْ} كان المراد: فأتوا نساءكم أنى شئتم، فيكون إطلاقاً في إتيانهن على جميع الوجوه. وثانيهما: كلمة "أَنَّى" معناها: أين؛ قال ـ تعالى ـ: {أية : أَنَّىٰ لَكِ هَـٰذَا}تفسير : [آل عمران:37]، معناه: من أين لك هذا، فصار تقدير الآية: فأْتُوا حَرْثَكُم أَيْنَ شِئْتُم، وكلمة "أَيْنَ" تدلُّ على تعدُّد الأمكنة؛ تقول: اجلِس أيْن شِئْتَ، فيكون تخييراً بين الأمكنة. وإذا ثبت هذا، فلا يمكن حمل الآية على الإتيان من قبلها، أو من دبرها في قُبُلِها؛ لأنه على هذا التَّقدير، يكون المكان واحداً، والتَّعدُّد إنَّما وقع في طريقِ الإتيان، فاللاَّئق به أن نقول: اذهبوا إليه كيف شئتم، فلمَّا لم يذكر كيف، بل ذكر لفظة "أَنَّى" وهي مشعرةٌ بالتَّخيير بين الأمكنة كما بيَّنَّا، ثبت أنَّ المراد ما ذكرنا. الحجة الثانية: تمسَّكوا بعموم قوله ـ تعالى ـ: {أية : إِلاَّ عَلَىٰ أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ}تفسير : [المؤمنون:6]، ترك العمل به في حقِّ الذُّكور بالإجماع، فيبقى فيما عداه على العموم. الحجة الثالثة: لو قال للمرأة: دُبُرِكِ عليَّ حَرَامٌ، ونوى الطَّلاق، أنه يكون طلاقاً، فيقتضي كون دبرها حلالاً له. والجواب عن الأوَّل: أن "الحَرْثَ" اسمٌ لموضع الحراثة، والمرأة بجميع أجزائها ليست محلاً للحراثة، فامتنع إطلاق اسم الحرث على ذات المرأة كما تقدَّم، فلما أطلق لفظ "الحَرْثِ" على ذات المرأَة، حملنا ذلك على المجاز المشهور من تسمية الشَّيء باسم جزئِه، وهذه الضَّرورة مفقودةٌ في قوله: "فَأْتُوا حَرْثَكُمْ" فوجب حَمْلُ الحرث ههنا على موضع الحراثة على التَّعيين؛ فثبت أن هذه الآية لا دلالة فيها إلاَّ على إتيان النِّساء في محلِّ الحرث، وقد قدَّمنا أن "الحَرْثَ" إنَّما يراد للزَّرع وهو الولد، وذلك لا يكون إلاَّ في المأتى. وعن الثَّاني: أنه لما ثبت أن المراد بـ "الحَرْثِ" ذلك الموضع المعيَّن لم يمكن حمل "أَنَّى شِئْتُمْ" على التَّخْيير في الأمكنة. وأما قوله: {أية : إِلاَّ عَلَىٰ أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ}تفسير : [المؤمنون:6] فإنه عامٌّ، ودلائلنا خاصَّةٌ، والخاصُّ مقدَّمٌ على العام. وقولهم: دُبُرُكِ عَلَيَّ حَرَامٌ، إنما صلح أن يكون كنايةٌ عن الطَّلاق، وإنَّه لَمَحَلُّ الملامسة والمضاجعة، وهو جزؤها، فصار ذلك كقوله: يدك طالقٌ. هذا الجواب من حيث التَّفصيل أمّا من حيث الجملة: فقد بينَّا أنَّ قوله: "قُلْ هُوَ أَذًى" يدلُّ على التَّحريم؛ لوجود العلَّة المقتضية له، فلو جوَّزنا ذلك، لكان جمعاً بين دليل التَّحريم، ودليل التَّحليل في موضع واحدٍ، والأصل أنَّه لا يجوز، وأيضاً فالرِّوايات المشهورة في كون سبب النُّزول، هو اختلافهم في أنَّهُ: هل يجوز إتيانهنّ من دُبُرِهِنّ في قبولِهِن؛ وسبب النُّزول لا يكون خارجاً عن الآية، ومتى حملنا الآية على هذه الصُّورة لم تكن الآية نزلت على ذلك السَّبب. ويمكن الجواب عن هذا: بأن الاعتبار بعموم اللَّفظ لا بخصوص السَّبب، فإن السُّؤال قد يكون خاصّاً والجواب عامّاً، وهو كثير. قوله: "وَقَدِّمُواْ" مفعوله محذوفٌ، أي: نيَّةَ الولدِ، أو نيةَ الإعفاف، وذِكْرَ اللهِ أو الخير؛ كقوله: {أية : وَمَا تُقَدِّمُواْ لأَنْفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ}تفسير : [البقرة:110]. وقال عطاء عن ابن عبَّاس: هي التَّسمية عند الجماع. قال ابن الخطيب: وهذا في غاية البُعدِ: والَّذِي عندي فيه: أن قوله: {نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ} جار مجرى التَّنبيه على إباحة الوطءِ؛ كأنه قيل: هؤلاء النِّسوان إِنَّمَا حكم الشَّرع بإباحة وطئهنَّ لكم؛ لأجل أنَّهُن حرث لكم، أي بسبب أن يتولَّد الولدُ منهن، ثم قال بعده: {فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ} دليلاً على الإِذن في ذلك الموضع، والمنْع من غير ذلك المَوضع، فلمَّا اشْتَمَلت الآيةُ على الإِذن في أحدِ الموضعين، والمنع من الموضع الآخِر، لا جرم قال: {وَقَدِّمُواْ لأَنْفُسِكُمْ} أي: لا تكُونُوا في قيد قضاء الشَّهوةِ، بل كونوا في قيد تقديم الطَّاعةِ، ثم إنه ـ تعالى ـ أكَّدَ ذلك بقوله: {وَٱتَّقُواْ ٱللهَ}، ثم أكَّدَهُ ثالثاً بقوله: {وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّكُمْ مُّلاَقُوهُ}، وهذه التَّهديدات الثَّلاثة المُتَوالية، لا يليقُ ذكرها إلاَّ إذا كانت مسبوقة بالنَّهْي عن شيءٍ لذيذ مُشْتَهى، فثبت أن ما قَبْل هذه الآية دالٌّ على تحريم هذا العملِ، وما بعدها أيضاً دالٌّ على تحريمه؛ فثبتَ أَنَّ الصَّحِيح في تفسير هذه الآيةِ، ما ذهب إليه الجمهور. قوله: "لأَنْفُسِكُمْ" مُتعلِّقٌ بـ "قَدِّمُوا"، واللامُ تحتملُ التعليل والتعديّ، والهاءُ في "مُلاَقُوهُ" يجوزُ أَنْ تعودَ على اللهِ تعالى، ولا بُد مِنْ حذفِ مضافٍ، أي: ملاقو جزائِهِ، وأَنْ تعودَ على مفعولِ "قَدِّمُوا" المحذوف. وتَقَدَّم الكلام في التَّقوَى، وتَقَدَّم أيضاً تفسير لقاء الله في قوله: {أية : ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُوا رَبِّهِمْ}تفسير : [البقرة:46]. والضميرُ في "وَبَشِّرِ" للرَّسُول عليه الصلاة والسلام لتقدُّم ذِكرِه في قوله: "يَسْأَلُونَكَ" قاله أبو البقاء، وفيه نظرٌ؛ لأنَّ ضميرَ الخطابِ والتكلُّم لا يحتاج أَنْ يُقالَ فيهما: تَقدَّمَ ذِكْرُ ما يَدُلُّ عليهما، ويجوزُ أن يكونَ لكلِّ مَنْ يَصِحُّ منه البِشارة.
السيوطي
تفسير : أخرج وكيع وابن أبي شيبة وعبد بن حميد والبخاري وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن جرير وأبو نعيم في الحلية والبيهقي في سننه عن جابر قال: كانت اليهود تقول: إذا أتى الرجل امرأته من خلفها في قبلها ثم حملت جاء الولد أحول. فنزلت {نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم} إن محنية، وإن شاء غير محنية غير أن ذلك في صمام واحد. وأخرج سعيد بن منصور والدارمي وابن المنذر وابن أبي حاتم عن جابر. أن اليهود قالوا للمسلمين: من أتى امرأته وهي مدبرة جاء الولد أحول. فأنزل الله {نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم} فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : مقبلة ومدبرة إذا كان ذلك في الفرج ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف وعبد بن حميد وابن جرير عن مرة الهمذاني "أن بعض اليهود لقي بعض المسلمين فقال له: تأتون النساء وراءهن كأنه كره الإِبراك، فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزلت {نساؤكم حرث لكم...} الآية. فرخص الله للمسلمين أن يأتوا النساء في الفروج كيف شاؤوا وأنى شاؤوا، من بين أيديهن ومن خلفهن". وأخرج ابن أبي شيبة عن مرة قال: كانت اليهود يسخرون من المسلمين في إتيانهم النساء، فأنزل الله {نساؤكم حرث لكم...} الآية. وأخرج ابن عساكر عن جابر بن عبد الله قال: كانت الأنصار تأتي نساءها مضاجعة، وكانت قريش تشرح شرحاً كثيراً، فتزوّج رجل من قريش امرأة من الأنصار، فأراد أن يأتيها فقالت: لا، إلا كما يفعل. فأخبر بذلك رسول الله، فأنزل {فأتوا حرثكم أنى شئتم} أي قائماً، وقاعداً، ومضطجعاً، بعد أن يكون في صمام واحد. وأخرج ابن جرير من طريق سعيد بن أبي هلال "أن عبد الله بن علي حدثه: أنه بلغه أن ناساً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم جلسوا يوماً ورجل من اليهود قريب منهم، فجعل بعضهم يقول: إني لآتي امرأتي وهي مضطجعة. ويقول الآخر: إني لآتيها وهي قائمة، ويقول الآخر: إني لآتيها وهي باركة فقال اليهودي: ما أنتم إلا أمثال البهائم، ولكنا إنما نأتيها على هيئة واحدة. فأنزل الله {نساؤكم حرث لكم...} الآية". وأخرج وكيع وابن أبي شيبة والدارمي عن الحسن قال: كانت اليهود لا يألون ما شدد على المسلمين، كانوا يقولون: يا أصحاب محمد أنه - والله - ما يحل لكم أن تأتوا نساءكم إلا من وجه واحد، فأنزل الله {نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم} فخلى الله بين المؤمنين وبين حاجتهم. وأخرج عبد بن حميد عن الحسن. أن اليهود كانوا قوماً حسداً فقالوا: يا أصحاب محمد أنه - والله - ما لكم أن تأتوا النساء إلا من وجه واحد، فكذبهم الله، فأنزل الله {نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم} فخلى بين الرجال وبين نسائهم يتفكه الرجل من امرأته، يأتيها إن شاء من قبل قبلها وإن شاء من قبل دبرها، غير أن المسلك واحد. وأخرج عبد بن حميد عن الحسن قال: قالت اليهود للمسلمين: إنكم تأتون نساءكم كما تأتي البهائم بعضها بعضاً يبركوهن، فأنزل الله {نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم} ولا بأس أن يغشى الرجل المرأة كيف شاء إذا أتاها في الفرج. وأخرج عبد بن حميد عن قتادة {نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم} قال: ذلك أن اليهود عرضوا بالمؤمنين في نسائهم وعيروهم، فأنزل الله في ذلك وأكذب اليهود، وخلى بين المؤمنين وبين حوائجهم في نسائهم. وأخرج ابن عساكر من طريق محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان قال: كان عبد الله بن عمر يحدثنا: أن النساء كن يؤتين في أقبالهن وهن موليات. فقالت اليهود: من جاء امرأته وهي مولية جاء ولده أحول. فأنزل الله {نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم} . وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد والبيهقي في الشعب من طريق صفية بنت شيبة عن أم سلمة قالت "حديث : لما قدم المهاجرون المدينة أرادوا أن يأتوا النساء من أدبارهن في فروجهن فأنكرن ذلك، فجئن إلى أم سلمة فذكرن ذلك لها، فسألت النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال {نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم} صماماً واحداً ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد الدارمي وعبد بن حميد والترمذي وحسنه وابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن عبد الرحمن بن سابط قال "حديث : سألت حفصة بنت عبد الرحمن فقلت لها: إني أريد أن أسألك عن شيء، وأنا أستحي أن أسألك عنه. قالت: سل ابن أخي عما بدا لك. قال: أسألك عن إتيان النساء في أدبارهن؟ فقالت: حدثتني أم سلمة قالت: كانت الأنصار لا تجبي، وكانت المهاجرون تجبي، وكانت اليهود تقول: إنه من جبى امرأته كان الولد أحول، فلما قدم المهاجرون المدينة نكحوا في نساء الأنصار فجبوهن، فأبت امرأة أن تطيع زوجها وقالت: لن تفعل ذلك حتى نسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتت أم سلمة فذكرت لها ذلك، فقالت: اجلسي حتى يأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم استحيت الأنصارية أن تسأله، فخرجت فذكرت ذلك أم سلمة للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: ادعوها لي. فدعيت، فتلا عليها هذه الآية {نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم}صماماً واحداً. قال: والصمام السبيل الواحد ". تفسير : وأخرج في مسند أبي حنيفة عن حفصة أم المؤمنين "حديث : أن امرأة أتتها فقالت: إن زوجي يأتيني مجبأة ومستقبلة فكرهته، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: لا بأس إذا كان في صمام واحد ". تفسير : وأخرج أحمد وعبد بن حميد والترمذي وحسنه والنسائي وأبو يعلى وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان والطبراني والخرائطي في مساوىء الأخلاق والبيهقي في سننه والضياء في المختارة عن ابن عباس قال حديث : "جاء عمر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله هلكت. قال: وما أهلكك؟ قال: حوّلت رحلي الليلة. فلم يرد عليه شيئاً، فأوحى الله إلى رسوله هذه الآية {نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم} يقول: أقبل وأدبر واتق الدبر والحيضة" . تفسير : وأخرج أحمد عن ابن عباس قال "حديث : نزلت هذه الآية {نساؤكم حرث لكم} في أناس من الأنصار، أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فسألوه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ائتها على كل حال إذا كان في الفرج ". تفسير : وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني والخرائطي عن ابن عباس قال "حديث : أتى ناس من حمير إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألوه عن أشياء فقال له رجل: إني أحب النساء وأحب أن آتي مجبأة فكيف ترى في ذلك؟ فأنزل الله في سورة البقرة بيان ما سألوا عنه، وأنزل فيما سأل عنه الرجل {نساؤكم حرث لكم...} الآية. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ائتها مقبلة ومدبرة إذا كان ذلك في الفرج ". تفسير : وأخرج ابن راهويه والدارمي وأبو داود وابن جرير وابن المنذر والطبراني والحاكم وصححه والبيهقي في سننه من طريق مجاهد عن ابن عباس قال "إن ابن عمر - والله يغفر له - أوهم إنما كان هذا الحي من الأنصار، وهم أهل وثن مع هذا الحي من اليهود، وهم أهل كتاب كانوا يرون لهم فضلاً عليهم في العلم، فكانوا يقتدون بكثير من فعلهم، فكان من أمر أهل الكتاب لا يأتون النساء إلا على حرف وذلك استر ما تكون المرأة، فكان هذا الحي من الأنصار قد أخذوا بذلك من فعلهم، وكان هذا الحي من قريش يشرحون النساء شرحاً ويتلذذون منهن مقبلات ومدبرات ومستلقيات، فلما قدم المهاجرون المدينة تزوّج رجل منهم امرأة من الأنصار، فذهب يصنع بها ذلك، فأنكرته عليه وقالت: إنما كنا نؤتى على حرف واحد فاصنع ذلك وإلا فاجتنبني، فسرى أمرهما فبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله {نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم} يقول: مقبلات ومدبرات بعد أن يكون في الفرج، وإنما كانت من قبل دبرها في قبلها. زاد الطبراني قال ابن عباس: قال ابن عمرو: في دبرها فأوهم ابن عمر - والله يغفر له - وإنما كان الحديث على هذا". وأخرج عبد بن حميد والدارمي عن مجاهد قال: كانوا يجتنبون النساء في المحيض ويأتونهن في أدبارهن، فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فأنزل الله {ويسألونك عن المحيض قل هو أذى} إلى قوله {من حيث أمركم الله} في الفرج، ولا تعدوه. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال: بينا أنا ومجاهد جالسان عند ابن عباس إذ أتاه رجل فقال: ألا تشفيني من آية المحيض؟ قال: بلى، فاقرأ {ويسألونك عن المحيض} إلى قوله {فأتوهن من حيث أمركم الله} فقال ابن عباس: من حيث جاء الدم من ثم أمرت أن تأتي فقال: كيف بالآية {نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم} فقال: أي ويحك وفي الدبر من حرث...! لو كان ما تقول حقاً لكان المحيض منسوخاً إذا شغل من ههنا جئت من ههنا، ولكن {أنى شئتم} من الليل والنهار. وأخرج ابن أبي شيبة عن مجاهد {فأتوا حرثكم أنى شئتم} قال: ظهر البطن كيف شئت إلا في دبر والحيض. وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي صالح {فأتوا حرثكم أنى شئتم} قال: إن شئت فأتها مستلقية، وإن شئت فمحرفة، وإن شئت فباركة. وأخرج ابن أبي شيبة عن سعيد بن جبير {فأتوا حرثكم أنى شئتم} قال: يأتيها من بين يديها ومن خلفها ما لم يكن في الدبر. وأخرج ابن أبي شيبة عن مجاهد {فأتوا حرثكم أنى شئتم} قال: ائتوا النساء في أقبالهن على كل نحو. وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة قال: جاء رجل إلى ابن عباس فقال: كنت آتي أهلي في دبرها، وسمعت قول الله {نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم} فظننت أن ذلك لي حلال. فقال: يا لكع، إنما قوله {أنى شئتم} قائمة، وقاعدة، ومقبلة، ومدبرة، في أقبالهن لا تعد ذلك إلى غيره. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس {فأتوا حرثكم} قال: منبت الولد. وأخرج سعيد بن منصور والبيهقي في سننه عن ابن عباس قال: ائت حرثك من حيث نباته. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس {فأتوا حرثكم أنى شئتم} قال: يأتيها كيف شاء ما لم يكن يأتيها في دبرها، أو في الحيض. وأخرج ابن جرير والبيهقي في سننه عن ابن عباس {فأتوا حرثكم أنى شئتم} يعني بالحرث الفرج. يقول: تأتيه كيف شئت مستقبلة، ومستدبرة، وعلى أي ذلك أردت بعد أن لا تجاوز الفرج إلى غيره، وهو قوله {من حيث أمركم الله} . وأخرج ابن جرير عن ابن عباس أنه كان يكره أن تؤتى المرأة في دبرها، ويقول: إنما الحرث من القبل الذي يكون منه النسل والحيض، ويقول: إنما أنزلت هذه الآية {نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم} يقول: من أي وجه شئتم. وأخرج الدارمي والخرائطي في مساوىء الأخلاق عن ابن عباس {فأتوا حرثكم أنى شئتم} قال: يأتيها قائمة، وقاعدة، ومن بين يديها، ومن خلفها، وكيف يشاء بعد أن يكون في المأتى. وأخرج البيهقي في سننه عن مجاهد قال: سألت ابن عباس عن هذه الآية {نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم} فقال: ائتها من حيث يكون الحيض والولد. وأخرج البيهقي عن ابن عباس في الآية قال: تؤتى مقبلة ومدبرة في الفرج. وأخرج ابن أبي شيبة والخرائطي في مساوىء الأخلاق عن عكرمة قال: يأتيها كيف شاء قائماً، وقاعداً، وعلى كل حال، ما لم يكن في دبرها. وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد والدارمي والبيهقي عن أبي القعقاع الحرمي قال: جاء رجل إلى عبدالله بن مسعود فقال: آتي امرأتي كيف شئت؟ قال: نعم. قال: وحيث شئت؟ قال: نعم. قال: وأنّى شئت؟ قال: نعم. ففطن له رجل فقال: إنه يريد أن يأتيها في مقعدتها! فقال: لا، محاش النساء عليكم حرام. وأخرج أحمد وعبد بن حميد وأبو داود والنسائي عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال: حديث : قلت يا نبي الله نساؤنا ما نأتي منهن وما نذر؟ قال: حرثكم ائت حرثك أنى شئت، غير أن لا تضرب الوجه ولا تقبح، ولا تهجر إلا في البيت، واطعم إذا طعمت، واكس إذا اكتسيت، كيف وقد أفضى بعضكم إلى بعض إلا بما حل عليها . تفسير : وأخرج الشافعي في الأم وابن أبي شيبة وأحمد والنسائي وابن ماجة وابن المنذر والبيهقي في سننه من طرف عن خزيمة بن ثابت "حديث : أن سائلاً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن اتيان النساء في أدبارهن، فقال: حلال. أو قال: لا بأس. فلما ولى دعاه فقال: كيف قلت من دبرها في قبلها فنعم، وأما من دبرها في دبرها فلا إن الله لا يستحي من الحق، لا تأتوا النساء في أدبارهن ". تفسير : وأخرج الحسن بن عرفة في جزئه وابن عدي والدارقطني عن جابر بن عبدالله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : استحيوا إن الله لا يستحي من الحق، لا يحل مأتى النساء في حشوشهن ". تفسير : وأخرج ابن عدي عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : اتقوا محاشي النساء ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة والترمذي وحسنه والنسائي وابن حبان عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : لا ينظر الله إلى رجل أتى رجلاً أو امرأة في الدبر ". تفسير : وأخرج أبو داود والطيالسي وأحمد والبيهقي في سننه عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده "حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: الذي يأتي امرأته في دبرها هي اللوطية الصغرى ". تفسير : وأخرج النسائي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : استحيوا من الله حق الحياء، لا تأتوا النساء في أدبارهن ". تفسير : وأخرج أحمد وأبو داود والنسائي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : ملعون من أتى امرأة في دبرها ". تفسير : وأخرج ابن عدي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : من أتى شيئاً من الرجال أو النساء في الادبار فقد كفر ". تفسير : وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد والنسائي والبيهقي عن أبي هريرة قال "اتيان الرجال والنساء في أدبارهن كفر. قال الحافظ ابن كثير: هذا الموقوف أصح". وأخرج وكيع في مصنفه والبزار عن عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إن الله لا يستحي من الحق، لا تأتوا النساء في أدبارهن ". تفسير : وأخرج النسائي عن عمر بن الخطاب قال: استحيوا من الله، فإن الله لا يستحي من الحق، لا تأتوا النساء في أدبارهن. قال الحافظ ابن كثير: هذا الموقوف أصح". وأخرج ابن عدي في الكامل عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : لا تأتوا النساء في أعجازهن ". تفسير : وأخرج ابن وهب وابن عدي عن عقبة بن عامر "حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ملعون من أتى النساء في محاشهن ". تفسير : وأخرج أحمد عن طلق بن يزيد أو يزيد بن طلق عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إن الله لا يستحي من الحق، لا تأتوا النساء في أستاههن ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن عطاء قال "حديث : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تؤتى النساء في أعجازهن. وقال: إن الله لا يستحي من الحق ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والترمذي وحسنه والبيهقي عن علي بن طلق، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : لا تأتوا النساء في أستاههن، فإن الله لا يستحي من الحق ". تفسير : وأخرج عبد الرزاق في المصنف وابن أبي شيبة وأحمد وعبد بن حميد وأبو داود والنسائي وابن ماجة والبيهقي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إن الذي يأتي امرأته في دبرها لا ينظر الله إليه يوم القيامة ". تفسير : وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد والنسائي والبيهقي في الشعب عن طاوس قال: سئل ابن عباس عن الذي يأتي امرأته في دبرها فقال: هذا يسألني عن الكفر. وأخرج عبد الرزاق والبيهقي في الشعب عن عكرمة: أن عمر بن الخطاب ضرب رجلاً في مثل ذلك. وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد والبيهقي عن أبي الدرداء: أنه سئل عن إتيان النساء في أدبارهن فقال: وهل يفعل ذلك إلا كافر؟. وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد والبيهقي عن عبدالله بن عمرو في الذي يأتي المرأة في دبرها قال: هي اللوطية الصغرى. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد والبيهقي عن الزهري قال: سألت ابن المسيب وأبا سلمة بن عبد الرحمن عن ذلك، فكرهاه ونهياني عنه. وأخرج عبدالله بن أحمد والبيهقي عن قتادة في الذي يأتي امرأته في دبرها قال: حدثني عقبة بن وشاح أن أبا الدرداء قال: لا يفعل ذلك إلا كافر. قال: وحدثني عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "حديث : تلك اللوطية الصغرى ". تفسير : وأخرج البيهقي في الشعب وضعفه عن أبي بن كعب قال: أشياء تكون في آخر هذه الأمة عند اقتراب الساعة، فمنها نكاح الرجل امرأته أو أمته في دبرها، فذلك مما حرم الله ورسوله ويمقت الله عليه ورسوله، ومنها نكاح المرأة المرأة وذلك مما حرم الله ورسوله، وليس لهؤلاء صلاة ما أقاموا على هذا حتى يتوبوا إلى الله توبة نصوحاً. قال زر: قلت لأبي بن كعب وما التوبة النصوح؟ قال: سألت عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال "حديث : هو الندم على الذنب حين يفرط منك، فتستغفر الله بندامتك عند الحافر، ثم لا تعود إليه أبداً ". تفسير : وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد قال: من أتى امرأته في دبرها فهو من المرأة مثله من الرجل، ثم تلا {أية : ويسألونك عن المحيض}تفسير : [البقرة: 242] إلى قوله {فأتوهن من حيث أمركم الله} أن تعتزلوهن في المحيض في الفروج، ثم تلا {نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم} قال: إن شئت قائمة، وقاعدة، ومقبلة، ومدبرة، في الفرج. وأخرج عبد بن حميد عن قتادة قال: سئل طاوس عن اتيان النساء في أدبارهن، فقال: ذلك كفر ما بدأ قوم لوط إلا ذاك، أتوا النساء في أدبارهن، وأتى الرجال الرجال. وأخرج أبو بكر الأشرم في سننه، وأبو بشر الدولابي في الكنى، عن ابن مسعود قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : محاشي النساء عليكم حرام ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة والدارمي والبيهقي في سننه عن ابن مسعود قال "محاشي النساء عليكم حرام. قال ابن كثير: هذا الموقوف أصح. قال الحفاظ: في جميع الأحاديث المرفوعة في هذا الباب وعدتها نحو عشرين حديثاً كلها ضعيفة لا يصح منها شيء، والموقوف منها هو الصحيح. وقال الحافظ ابن حجر في ذلك: منكر لا يصح من وجه، كما صرح بذلك البخاري، والبزار، والنسائي، وغير واحد". وأخرج النسائي والطبراني وابن مردويه عن أبي النضر. أنه قال لنافع مولى ابن عمر: إنه قد أكثر عليك القول إنك تقول عن ابن عمر: إنه أفتى أن يؤتى النساء في أدبارهن؟ قال: كذبوا علي، ولكن سأحدثك كيف كان الأمر: إن ابن عمر عرض المصحف يوماً وأنا عنده حتى بلغ {نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم} فقال: يا نافع هل تعلم من أمر هذه الآية؟ قلت: لا. قال: إنَّا كنا معشر قريش نجبي النساء، فلما دخلنا المدينة ونكحنا نساء الأنصار أردنا منهن ما كنا نريد، فإذا هن قد كرهن ذلك وأعظمنه، وكانت نساء الأنصار قد أخذت بحال اليهود إنما يؤتين على جنوبهن، فأنزل الله {نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم} . وأخرج الدارمي عن سعيد بن يسار أبي الحباب قال: قلت لابن عمر: ما تقول في الجواري نحمض لهن؟ قال: وما التحميض؟ فذكر الدبر. فقال: وهل يفعل ذلك أحد من المسلمين؟ وأخرج البيهقي في سننه من طريق عكرمة عن ابن عباس. أنه كان يعيب النكاح في الدبر عيباً شديداً. وأخرج الواحدي من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال "نزلت هذه الآية في المهاجرين لما قدموا المدينة، ذكروا إتيان النساء فيما بينهم وبين الأنصار، واليهود من بين أيديهن ومن خلفهن إذا كان المأتى واحداً في الفرج، فعابت اليهود ذلك إلا من بين أيديهن خاصة، وقالوا: إنا نجد في كتاب الله أن كل إتيان تؤتى النساء غير مستلقيات دنس عند الله، ومنه يكون الحول والخبل، فذكر المسلمون ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: إنا كنا في الجاهلية وبعدما أسلمنا نأتي النساء كيف شئنا، وإن اليهود عابت علينا، فأكذب الله اليهود ونزلت {نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم} يقول: الفرج مزرعة الولد، فأتوا حرثكم أنى شئتم، من بين يديها ومن خلفها في الفرج". ذكر القول الثاني في الآية أخرج اسحق بن راهويه في مسنده وتفسيره والبخاري وابن جرير عن نافع قال: قرأت ذات يوم {نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم} قال: ابن عمر أتدري فيم أنزلت هذه الآية؟ قلت: لا. قال: نزلت في إتيان النساء في أدبارهن. وأخرج البخاري وابن جرير عن ابن عمر {فأتوا حرثكم أنى شئتم} قال: في الدبر. وأخرج الخطيب في رواة مالك من طريق النضر بن عبدالله الأزدي عن مالك عن نافع عن ابن عمر في قوله {نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم} قال: إن شاء في قبلها وإن شاء في دبرها. وأخرج الحسن بن سفيان في مسنده والطبراني في الأوسط والحاكم وأبو نعيم في المستخرج بسند حسن عن ابن عمر قال: إنما نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم {نساؤكم حرث لكم...} الآية. رخصة في إتيان الدبر. وأخرج ابن جرير والطبراني في الأوسط وابن مردويه وابن النجار بسند حسن عن ابن عمر "أن رجلاً أصاب امرأته في دبرها زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنكر ذلك الناس وقالوا: اثفروها. فأنزل الله {نساؤكم حرث لكم...} الآية". وأخرج الخطيب في رواة مالك من طريق أحمد بن الحكم العبدي عن مالك عن نافع عن ابن عمر قال "جاءت امرأة من الأنصار إلى النبي صلى الله عليه وسلم تشكو زوجها، فأنزل الله {نساؤكم حرث لكم...} الآية". وأخرج النسائي وابن جرير من طريق زيد بن أسلم عن ابن عمر. أن رجلاً أتى امرأته في دبرها، فوجد في نفسه من ذلك وجداً شديداً، فأنزل الله {نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم} . وأخرج الدارقطني في غرائب مالك من طريق أبي بشر الدولابي، نبأنا أبو الحرث أحمد بن سعيد، نبأنا أبو ثابت محمد بن عبيدالله المدني، حدثني عبد العزيز محمد الدراوردي، عن عبدالله بن عمر بن حفص، وابن أبي ذئب، ومالك بن أنس، فرقهم كلهم عن نافع قال: قال لي ابن عمر: امسك على المصحف يا نافع، فقرأ حتى أتى على {نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم} قال لي: أتدري يا نافع فيم نزلت هذه الآية؟ قلت: لا. قال: نزلت في رجل من الأنصار أصاب امرأته في دبرها، فاعظم الناس ذلك، فأنزل الله {نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم...} الآية. قلت له: من دبرها في قبلها؟ قال: لا إلا في دبرها. وقال الرفا في فوائده تخريج الدارقطني، نبأنا أبو أحمد بن عبدوس، نبأنا علي بن الجعد، نبأنا ابن أبي ذئب، عن نافع، عن ابن عمر قال: وقع رجل على امرأته في دبرها، فأنزل الله {نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم} قال: فقلت لابن أبي ذئب ما تقول أنت في هذا؟ قال: ما أقول فيه بعد هذا!. وأخرج الطبراني وابن مردويه وأحمد بن أسامة التجيبي في فوائده عن نافع قال: قرأ ابن عمر هذه السور، فمر بهذه الآية {نساؤكم حرث لكم} الآية. فقال: تدري فيم أنزلت هذه الآية؟ قال: لا. قال: في رجال كانوا يأتون النساء في أدبارهن. وأخرج الدارقطني ودعلج كلاهما في غرائب مالك من طريق أبي مصعب واسحق بن محمد القروي كلاهما عن نافع عن ابن عمر "أنه قال: يا نافع أمسك على المصحف، فقرأ حتى بلغ {نساؤكم حرث لكم...} الآية. فقال: يا نافع أتدري فيم أنزلت هذه الآية؟ قلت: لا. قال: نزلت في رجل من الأنصار، أصاب امرأته في دبرها فوجد في نفسه من ذلك، فسأل النبي صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله الآية، قال الدارقطني: هذا ثابت عن مالك، وقال ابن عبد البر: الرواية عن ابن عمر بهذا المعنى صحيحة معروفة عنه مشهورة". وأخرج ابن راهويه وأبو يعلى وابن جرير والطحاوي في مشكل الآثار وابن مردويه بسند حسن عن أبي سعيد الخدري "أن رجلاً أصاب امرأته في دبرها فأنكر الناس عليه ذلك، فأنزلت {نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم}. وأخرج النسائي والطحاوي وابن جرير والدارقطني من طريق عبد الرحمن بن القاسم عن مالك بن أنس. أنه قيل له: يا أبا عبد الله إن الناس يروون عن سالم بن عبدالله أنه قال: كذب العبد أو العلج على أبي. فقال مالك: أشهد على يزيد بن رومان أنه أخبرني عن سالم بن عبدالله عن ابن عمر مثل ما قال نافع. فقيل له: فإن الحارث بن يعقوب يروي عن أبي الحباب سعيد بن يسار أنه سأل ابن عمر فقال: يا أبا عبد الرحمن إنا نشتري الجواري أفنحمض لهن؟ قال: وما التحميض؟ فذكر له الدبر. فقال ابن عمر: أف أف أيفعل ذلك مؤمن؟!.. أو قال: مسلم. فقال مالك: أشهد على ربيعة أخبرني عن أبي الحباب عن ابن عمر مثل ما قال نافع. قال الدارقطني: هذا محفوظ عن مالك صحيح. وأخرج النسائي من طريق يزيد بن رومان عن عبيدالله بن عبدالله بن عمر. أن عبدالله بن عمر كان لا يرى بأساً أن يأتي الرجل المرأة في دبرها. وأخرج البيهقي في سننه عن محمد بن علي قال: كنت عند محمد بن كعب القرظي فجاءه رجل فقال: ما تقول في إتيان المرأة في دبرها؟ فقال: هذا شيخ من قريش فسله يعني عبدالله بن علي بن السائب. فقال: قذر، ولو كان حلالاً. وأخرج ابن جرير عن الدراوردي قال: قيل لزيد بن أسلم: إن محمد بن المنكدر نهى عن إتيان النساء في أدبارهن. فقال زيد: أشهد على محمد لأخبرني أنه يفعله. وأخرج ابن جرير عن ابن أبي مليكة. أنه سأل عن إتيان المرأة في دبرها فقال: قد أردته من جارية لي البارحة، فاعتاصت علي فاستعنت بدهن. وأخرج الخطيب في رواة مالك عن أبي سليمان الجرجاني قال: سألت مالك بن أنس عن وطء الحلائل في الدبر فقال لي: الساعة غسلت رأسي منه. وأخرج ابن جرير في كتاب النكاح من طريق ابن وهب عن مالك: أنه مباح. وأخرج الطحاوي من طريق أصبغ بن الفرج عن عبدالله بن القاسم قال: ما أدركت أحداً اقتدى به في ديني يشك في أنه حلال، يعني وطء المرأة في دبرها، ثم قرأ {نساؤكم حرث لكم} ثم قال: فأي شيء أبين من هذا. وأخرج الطحاوي والحاكم في مناقب الشافعي والخطيب عن محمد بن عبدالله بن عبد الحكم أن الشافعي سأل عنه فقال: ما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم في تحليله ولا تحريمه شيء، والقياس أنه حلال. وأخرج الحاكم عن ابن عبد الحكم. أن الشافعي ناظر محمد بن الحسن في ذلك، فاحتج عليه ابن الحسن بأن الحرث إنما يكون في الفرج، فقال له فيكون ما سوى الفرج محرماً، فالتزمه فقال: أرأيت لو وطئها بين ساقيها أو في أعكانها أفي ذلك حرث؟ قال: لا. قال: أفيحرم؟ قال: لا. قال: فكيف تحتج بما لا تقول به؟ قال الحاكم: لعل الشافعي كان يقول ذلك في القديم، وأما في الجديد فصرح بالتحريم. ذكر القول الثالث في الآية أخرج وكيع وابن أبي شيبة وابن منيع وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وابن مردويه والضياء في المختارة عن زائدة بن عمير قال: سألت ابن عباس عن العزل فقال: إنكم قد أكثرتم، فإن كان قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً فهو كما قال، وإن لم يكن قال فيه شيئاً قال: أنا أقول {نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم} فإن شئتم فاعزلوا، وإن شئتم فلا تفعلوا. وأخرج وكيع وابن أبي شيبة عن أبي ذراع قال: سألت ابن عمر عن قول الله {فأتوا حرثكم أنى شئتم} قال: إن شاء عزل، وإن شاء غير العزل. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير عن سعيد بن المسيب في قوله {نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم} قال: إن شئت فاعزل، وإن شئت فلا تعزل. وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة والبيهقي عن جابر قال: كنا نعزل والقرآن ينزل، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم ينهنا عنه. وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة ومسلم وأبو داود والبيهقي عن جابر "حديث : أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن لي جارية وأنا أطوف عليها، وأنا أكره أن تحمل، فقال: اعزل عنها إن شئت فإنها سيأتيها ما قدر لها، فذهب الرجل فلم يلبث يسيراً، ثم جاء فقال: يا رسول الله إن الجارية قد حملت. فقال: قد أخبرتك أنه سيأتيها ما قدر لها ". تفسير : وأخرج مالك وعبد الرزاق وابن أبي شيبة والبخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة والبيهقي عن أبي سعيد قال "حديث : سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن العزل فقال: أو تفعلون...؟ لا عليكم أن لا تفعلوا فإنما هو القدر، ما من نسمة كائنة إلى يوم القيامة إلا وهي كائنة ". تفسير : وأخرج مسلم والبيهقي عن أبي سعيد قال "حديث : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن العزل، فقال: ما من كل الماء يكون الولد، وإذا أراد الله خلق شيء لم يمنعه شيء ". تفسير : وأخرج عبد الرزاق والترمذي وصححه والنسائي عن جابر قال "حديث : قلنا يا رسول الله: إنا كنا نعزل، فزعمت اليهود أنها الموءودة الصغرى. فقال: كذبت اليهود إن الله إذا أراد أن يخلقه لم يمنعه ". تفسير : وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وأبو داود والبيهقي عن أبي سعيد الخدري "حديث : أن رجلاً قال: يا رسول الله إن لي جارية، وأنا أعزل عنها، وأنا أكره أن تحمل، وأنا أريد ما أراد الرجال، وإن اليهود تحدث أن العزل هو الموءودة الصغرى. قال: كذبت يهود، لو أراد الله أن يخلقه ما استطعت أن تصرفه . تفسير : وأخرج البزار والبيهقي عن أبي هريرة قال "حديث : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن العزل، قال: إن اليهود تزعم أن العزل هي الموءودة الصغرى. قال: كذبت اليهود ". تفسير : وأخرج مالك وعبد الرزاق والبيهقي عن زيد بن ثابت أنه سئل عن العزل فقال: هو حرثك ان شئت سقيته وإن شئت أعطشته. وأخرج عبد الرزاق والبيهقي عن ابن عباس. أن سئل عن العزل فقال: ما كان ابن آدم ليقتل نفساً قضى الله خلقها، هو حرثك ان شئت عطشته وان شئت سقيته. وأخرج ابن ماجة والبيهقي عن ابن عمر قال "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعزل عن الحرة إلا بإذنها". وأخرج البيهقي عن ابن عمر قال: تعزل عن الأمة، وتستأمر الحرة. وأخرج عبد الرزاق والبيهقي عن ابن عباس قال: تستأمر الحرة في العزل، ولا تستأمر الأمة. وأخرج أحمد وأبو داود والنسائي والبيهقي عن ابن مسعود قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكره عشر خلال: التختم بالذهب، وجر الإِزار، والصفرة يعني الخلوق، وتغيير الشيب، والرقى إلا بالمعوّذات، وعقد التمائم، والضرب بالكعاب، والتبرج بالزينة لغير محلها، وعزل الماء عن محله، وإفساد الصبي عشر محرمة". ذكر القول الرابع في الآية أخرج عبد بن حميد عن ابن الحنفية في قوله {فأتوا حرثكم أنى شئتم} قال: إذا شئتم. وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله {وقدموا لأنفسكم} قال: الولد. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس {وقدموا لأنفسكم} قال: التسمية عند الجماع يقول: بسم الله. وأخرج عبد الرزاق في المصنف وابن أبي شيبة وأحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة والبيهقي عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : لو أن أحدكم إذا أتى أهله قال: بسم الله، اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا، فقضى بينهما ولد لم يضره الشيطان أبداً ". تفسير : وأخرج عبد الرزاق والعقيلي في الضعفاء عن سلمان قال "أمرنا خليلي أبو القاسم صلى الله عليه وسلم أن لا نتخذ من المتاع إلا أثاثاً كأثاث المسافر، ولا نتخذ من السباء إلا ما ينكح أو ينكح، وأمرنا إذا دخل أحدنا على أهله أن يصلي ويأمر أهله أن تصلي خلفه ويدعو، ويأمرها تؤمن". وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة عن أبي وائل قال: جاء رجل إلى عبدالله بن مسعود فقال له: إني تزوجت جارية بكراً، وإني قد خشيت أن تعركني. فقال عبدالله: إن الألف من الله، وإن العرك من الشيطان، ليكره إليه ما أحل الله له، فإذا أدخلت عليك فمرها أن تصلي خلفك ركعتين، وقل: اللهم بارك في أهلي وبارك لهم فيّ وارزقني منهم وارزقهم مني، اللهم اجمع بيننا ما جمعت، وفرق بيننا ما فرقت إلى خير. وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة عن أبي سعيد مولى بني أسد قال: "تزوجت امرأة، فدعوت أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فيهم أبو ذر، وابن مسعود، فعلموني وقالوا: إذا دخل عليك أهلك فصل ركعتين ومرها فلتصل خلفك، وخذ بناصيتها وسل الله خيرها وتعوذ به من شرها، ثم شأنك وشأن أهلك". وأخرج عبد الرزاق عن الحسن قال: يقال إذا آتى الرجل أهله فليقل: بسم الله، اللهم بارك لنا فيما رزقتنا ولا تجعل للشيطان نصيباً فيما رزقتنا. قال: فكان يرجى إن حملت أن يكون ولداً صالحاً. وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي وائل قال: اثنتان لا يذكر الله العبد فيهما. إذا أتى الرجل أهله يبدأ فيسمي الله، وإذا كان في الخلاء. وأخرج ابن أبي شيبة والخرائطي في مكارم الأخلاق عن علقمة. أن ابن مسعود كان إذا غشي امرأته، فأنزل قال: اللهم لا تجعل للشيطان فيما رزقتنا نصيباً. وأخرج الخرائطي عن عطاء في قوله {وقدموا لأنفسكم} قال: التسمية عند الجماع.
ابو السعود
تفسير : {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ} أي مواضعُ حرثٍ لكم شُبِّهن بها لما بـين ما يُلقىٰ في أرحامهن وبـين البذورِ من المشابهة من حيث إن كلاً منهما مادةٌ لما يحصُل منه {فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ} لما عبّر عنهن بالحرث عبّر عن مجامعتهن بالإتيان وهو بـيانٌ لقوله تعالى: {أية : فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ ٱللَّهُ} تفسير : [البقرة، الآية: 222] {أَنَّىٰ شِئْتُمْ} من أيِّ جهة شئتم. روي أن اليهود كانوا يزعُمون أن مَنْ أتى امرأتَه في قبُلها من دبرها يأتي ولده أحول فذُكِر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت {وَقَدّمُواْ لأِنفُسِكُمْ} أي ما يُدخَّر لكم من الثواب وقيل: هو طلبُ الولد وقيل: هو التسمية عند المباشرة {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} بالاجتناب عن معاصيه التي من جملتها ما عُدَّ من الأمور {وَٱعْلَمُواْ أَنَّكُم مُّلَـٰقُوهُ} فتعرَّضوا لتحصيل ما تنتفعون به حينئذ واجتنبوا اقترافَ ما تُفتَضَحون به {وَبَشّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ} الذين تلقَّوا ما خوطبوا به من الأوامر والنواهي بحسب القَبول والامتثال بما يقصُر عنه البـيان من الكرامة والنعيم المقيم، أو بكل ما يُبشَّر به من الأمور التي تُسرُّ بها القلوب وتَقَرُّ بها العيونُ، وفيه مع ما في تلوين الخطاب وجعلِ المبشِّرِ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم من المبالغة في تشريف المؤمنين ما لا يخفى {وَلاَ تَجْعَلُواْ ٱللَّهَ عُرْضَةً لأِيْمَـٰنِكُمْ} قيل: نزلت في عبد اللَّه بنِ رَواحةَ حين حلَف أن لا يكلم خَتَنه بشرَ بنَ النعمان ولا يُصلِحَ بـينه وبـين أخته، وقيل: في الصديق رضي الله عنه حين حلف أن لا يُنفِقَ على مِسْطَحٍ لخوضه في حديث الأفك والعُرضة فُعلة بمعنى مفعول كالقُبضة والغرفة تطلق على ما يعرض دون الشيء قيصيرُ حاجزاً عنه كما يقال: فلان عُرضة للخير وعلى المَعْرِض للأمر كما في قوله: شعر : فــلا تجعلونــي عُرضــة لِلَّوائــمِ تفسير : فالمعنى على الوجه الأول لا تجعلوا الله مانعاً من الأمور الحسنة التي تحلِفون على تركها وعبر عنها بالإيمان لملابستها بها كما في قوله عليه السلام لعبد اللَّه بنِ سَمُرةَ: «حديث : إذا حَلَفتَ على يمينٍ فرأيتَ غيرَها خيراً منها فأتِ الذي هو خيرٌ وكفِّر عن يمينك» تفسير : وقوله تعالى: {أَن تَبَرُّواْ وَتَتَّقُواْ وَتُصْلِحُواْ بَيْنَ ٱلنَّاسِ} عطفُ بـيانٍ لأَيْمانكم أو بدلٌ منها لما عرفت أنها عبارةٌ عن الأمور المحلوف عليها، واللام في لأيمانكم متعلقة بالفعل أو بعُرضةً لما فيها من معنى الاعتراض أي لا تجعلوا الله لبِرِّكم وتقواكم وإصلاحكم بـين الناس عُرضةً أي برزخاً حاجزاً بأن تحلِفوا به تعالى على تركها أو لا تجعلوه تعالى عرضة أي شيئاً يَعترِض الأمورَ المذكورة ويحجُزُها بما ذُكر من الحَلِف به تعالى على تركها، وقد جُوِّز أن تكون اللامُ للتعليل ويتعلق أن تبروا الخ بالفعل أو بعرضة فيكون الأيمانُ بمعناها، وأنت خبـير بأنه يؤدي إلى الفصل بـين العامل ومعموله بأجنبـي وعلى الوجه الثاني لا تجعلوا الله مَعْرِضاً لأيمانكم تبتذلونه بكثرة الحلف به ولذلك ذُمَّ من نزلت فيه {أية : وَلاَ تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَّهِينٍ } تفسير : [القلم، الآية 10] بأشنعِ المذامِّ وجُعل الحلاّفُ مقدمتَها و{أَن تَبَرُّواْ} [البقرة، الآية: 224] حينئذ علة للنهي أي إرادةَ أن تبرّوا وتتقوا وتصلحوا، لأن الحلافَ مجترِىءٌ على الله سبحانه غيرُ معظِّمٍ له فلا يكون بَرَّاً متقياً ثقةً بـين الناس فيكون بمعزل من التوسط في إصلاح ذاتِ البـين {وَٱللَّهُ سَمِيعٌ} يسمع أَيْمانكم {عَلِيمٌ} يعلم نياتِكم فحافظوا على ما كُلفتموه.
القشيري
تفسير : لمَّا كانت النفوس بوصف الغيبة عن الحقيقة أباح لها السكون إلى أشكالها إذا كان على وصف الإذن، فلمَّا كانت القلوب في محل الحضور حرم عليها المساكنة إلى جميع الأغيار والمخلوقات. {وَقَدِّمُواْ لأَنْفُسِكُمْ} من الأعمال الصالحة ما ينفعكم يوم إفلاسكم، لذلك قال: {وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّكُمْ مُّلاَقُوهُ} فانظروا لأنفسكم بتقديم ما يسركم وجدانه عند ربكم.
البقلي
تفسير : {نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ} من الاية علم الله عباده ادب المباشرة بشرط التقوى وصدق النية فى شروعه فى مطالبة النفس حتى لا ينسوه فى جميع احالهم ويكون صحبتهم لله باجراء الشهوة وقال الواسطى وموانيه صادقة فى جماعكم وعفة فيما حرم عليكم فان ركوب الشهوة من غير نيةٍ صادقةٍ غفلةٌ عظيمةٌ.
اسماعيل حقي
تفسير : {نساؤكم حرث لكم} اى مواضع حرث لكم شبهن بها لما بين ما يلقى فى أرحامهن من النطف وبين البذور من المشابهة من حيث ان كلا منهما مادة لما يحصل منه. والفرق بين الحرث والزرع ان الحرث القاء البذر وتهيئة الارض والزرع مراعاته وانباته ولهذا قال تعالى {أية : أفرأيتم ما تحرثون ءانتم تزرعونه أم نحن الزارعون} تفسير : [الواقعة: 63-64]. فأثبت لهم الحرث ونفى عنهم الزرع {فائتوا حرثكم} لما عبر عنهن بالحرث عبر عن مجامعتهن بالاتيان {أنى شئتم} أنى هنا بمعنى كيف اى كيف شئتم ومن أى شق وجهة اردتم بعد ان يكون المأتى واحدا وهو موضع الحرث لان الدبر ليس موضع الحرث فلم يمكن حمل قوله أنى شئتم على التخيير فى الامكنة حتى يجوز اتيان النساء فى ادبارهن فيكون محمولا على التخيير فى الكيفيات ويدل على هذا ما روى فى سبب نزول الآية من ان اليهود كانوا يزعمون ان من اتى امرأته فى قبلها من دبرها يأتى ولده احول فذكر ذلك لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فنزلت الآية ردا عليهم ببيان ان المقصود من عقد النكاح هو اتيان موضع الحراثة على أى كيفية كانت وفى الحديث "حديث : ملعون من اى امرأته فى دبرهاbr>". تفسير : وهو اللواطة الصغرى والاتيان فى دبر الذكر اكبر لواطة منه. قال الامام من قبل غلاما بشهوة فكأنما زنى بامه سبعين مرة ومن زنى مع امه مرة فكأنما زنى بسبعين بكرا ومن زنى مع البكر مرة فكانما زنى بسبعين الف امرأة وحكم اللواطة التعزير والحبس فى السجن حتى يتوب وعندهما يحد حد الزنى فيجلد ان لم يكن محصنا ويرجم ان كان محصنا {وقدموا لأنفسكم} من الاعمال الصالحة ما يكون الثواب الموعود له ذخيرة محفوظة لكم عند الله ليوم احتياجكم اليه ولا تكونوا فى قربانهن على قيد قضاء الشهوة بل كونوا فى قيد تقديم الطاعة مع ملاحظة الحكم المقصود من شرع النكاح وهو الولد {واتقوا الله} بالاجتناب عن معاصيه التى من جملتها ما عد من الامور {واعلموا أنكم ملاقوه} الهاء راجع الى الله تعالى فلا بد من حذف مضاف اى ملاقوا جزائه فتزودوا ما لا تفضحون به {وبشر} يا محمد {المؤمنين} الذين تلقوا ما خوطبوا به من الاوامر والنواهى بحسن القبول والامتثال بما يقصر عنه البيان من الكرامة والنعيم المقيم شعر : درامان خانه ايمان بنشين ايمن باش كرامان بايدت البته مروزين مأمن تفسير : فالعلامة فى ذلك ان الذى يكون ايمانه عطاء يمنعه ايمانه من الذنوب ويرغبه فى الطاعات والذى هو عارية لا يمنعه من الذنوب ولا يرغبه فى الطاعات اى لا يحثه على الطاعات لانه لا تدبير له فى مكان هو فيه عارية اى لا يستقر الايمان فى مكان هو فيه عارية وفى قوله تعالى {واعلموا انكم ملاقوه} اشارة الى ان على المرء ان يتذكر مرجعه ومصيره ويتدارك ما ينتفع به فى معاده من الاعمال الصالحة واقل المرتبة العمل للآخرة. واما اعلى المراتب وافضل المقاصد والمطالب فالله تعالى كما قال تعالى {أية : قل الله ثم ذرهم فى خوضهم يلعبون} تفسير : [الأنعام: 91]. وذلك لان العمل لله تعالى لا لطلب الجنة ولا لخوف النار. وفى التأويلات النجمية كما ان للنساء محيضا فى الظاهر وهو سبب نقصان ايمانهن لمنعهن عن الصلاة والصوم فكذلك للرجال محيض فى الباطن هو سبب نقصان ايمانهم لمنعهم عن حقيقة الصلاة وهى المناجاة وعن حقيقة الصوم وهى الامساك عن مشتهيات النفس وكما ان المحيض هو سيلان الدم من الفرج فكذلك الهوى هو غلبات دواعى الصفات البشرية والحاجات الانسانية فكلما غلب الهوى تكدر الصفا وحصل الاذى وقد قيل قطرة من الهوى تكدر بحرا من الصفا فحينئذ منعت النفس عن الصلاة والصوم فى الحقيقة وان كانت مشغولة بهما. وطبقات المؤمنين ثلاث العوام والخواص وخاص الخاص. اما العوام فلما كانوا اهل الغيبة عن الحقيقة ابيح لهم السكون الى اشكالهم اذا كان على وصف الاذن وقيل لهم {نساؤكم حرث لكم فائتوا حرثكم} انى شئتم واما الخواص فلما كانوا بوصف الحضور يلزم عليهم المساكنة الى امثالهم وقيل لهم {أية : قل الله ثم ذرهم} تفسير : [الأنعام: 91]. فهم سلكوا مسالك التفريد حتى وصلوا الى كعبة التوحيد. واما خاص الخاص فهم الرجال البالغون الواصلون الى عالم الحقيقة المتصرفون فيما سوى الله بخلافة الحق فهم رجال الله وما دون الله نساؤهم فقيل لهم {نساؤكم حرث لكم فائتوا حرثكم انى شئتم} فهم الانبياء وخواص الاولياء فكما ان الدنيا مزرعة الآخرة لقوم فالدنيا والآخرة مزرعتهم ومحرثهم يحرثون فيها انى شاؤوا وكيف شاؤا وما يشاؤن الا ان يشاء الله فقد فنيت مشيئتهم فى مشيئة الله وبقيت قدرة تصرفهم بتقويته فيقدمون لانفسهم لا بانفسهم بل هو المقدم لما يقدمون وهو المؤخر لما يؤخرون ثم قال {واتقوا الله واعلموا انكم ملاقوه} يعنى يا خواص الاولياء المتصرفين فى حرث الدنيا والآخرة اتقوا الله بالله فانكم ملاقوا الله لا يحجبكم عنه شىء {وبشر المؤمنين} بأنهم ملاقوا الله ايضا ان اتقوا الله بالله يعنى مرتبة الخواص الاولياء ميسرة للمؤمنين اذا سعوا فى طلبها حق سعيها: قال الحافظ شعر : جمال يا رندارد نقاب وبرده ولى غبار ره بنشان تانظر توانى كرد
الطوسي
تفسير : قيل في معنى قوله: {حرث لكم} قولان: أحدهما - أن معناه: مزرع أولادكم، كأنه قيل: محترث لكم، في قول ابن عباس، والسدي، وإنما الحرث: الزرع في الاصل. والقول الثاني: نساؤكم ذو حرث لكم، فأتوا موضع حرثكم أنى شئتم، ذكره الزجاج. وقيل: الحرث كناية عن النكاح على وجه التشبيه. وقوله: {أنى شئتم} معناه: من أين شئتم - في قول قتادة، والربيع - وقال مجاهد: معناه كيف شئتم. وقال الضحاك معناه متى شئتم، وهذا خطأ عند جميع المفسرين، وأهل اللغة، لأن (أنى) لا يكون إلا بمعنى من أين، كما قال: {أية : أنى لك هذا قالت هو من عند الله}.تفسير : وقال بعضهم: معناه من أي وجه واستشهد بقول الكميت بن زيد: شعر : أنى ومن أين آبك الطرب من حيث لا صبوة ولا ريب تفسير : وهذا لا شاهد فيه، لأنه يجوز أن يكون أتى به، لاختلاف اللفظين، كما يقولون: متى كان هذا وأي وقت كان، ويجوز أن يكون بمعنى كيف. وتأول مالك، فقال: {أنى شئتم} تفيد جواز الاتيان في الدبر، ورواه عن نافع عن أبي عمرو، وحكاه زيد بن أسلم عن محمد بن المنكدر، وروي من طرق جماعة عن ابن عمر، وبه قال أكثر أصحابنا، وخالف في ذلك جميع الفقهاء، والمفسرين، وقالوا: هذا لا يجوز من وجوه: أحدها - أن الدبر ليس بحرث، لأنه لا يكون فيه الولد. وهذا ليس بشيء لأنه لا يمتنع أن تسمى النساء حرثاً، لانه يكون منهنّ الولد، ثم يبيح الوطىء فيما لا يكون منه الولد، يدل على ذلك أنه لا خلاف أنه يجوز الوطىء بين الفخذين وإن لم يكن هناك ولد. وثانيها - قالوا: قال الله: {فأتوهن من حيث أمركم الله} وهو الفرج، والاجماع على أن الآية الثانية ليست بناسخة للأولى. وهذا أيضاً لا دلالة فيه، لأن قوله: {من حيث أمركم الله} معناه: من حيث أباح الله لكم، أو من الجهة التي شرعها لكم، على ما حكيناه عن الزجاج، ويدخل في ذلك الموضعان معاً. وثالثها - قالوا: إن معناه: من أين شئتم: أي اأتوا الفرج من أين شئتم، وليس في ذلك إباحة لغير الفرج. وهذا ايضاً ضعيف، لأنا لا نسلم أن معناه الفرج، بل عندنا معناه: اأتوا النساء، أو اأتوا الحرث من أين شئتم، ويدخل فيه جميع ذلك. ورابعها - قالوا: قوله في المحيض {قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض} فاذا حرم للاذى في الدم، والأذى بالنجو أعظم منه. وهذا أيضاً ليس بشيء، لأن هذا حمل الشيء على غيره من غير علة، على أنه لا يمتنع أن يكون المراد بقوله: {قل هو أذى} غير النجاسة، بل المراد أن في ذلك مفسدة، ولا يجوز أن يحمل على غيره إلا بدليل يوجب العلم على أن الأذى بمعنى النجاسة حاصل في البول، ودم الاستحاضة ومع هذا، فليس بمنهي عن الوطىء في الفرج. ويقال: أن هذه الآية نزلت رّداً على اليهود، وأن الرجل إذا أتى المرأة من خلف في قبلها خرج الولد أحول، فأكذبهم الله في ذلك، ذكره ابن عباس، وجابر، ورواه أيضاً أصحابنا. وقال الحسن: أنكر اليهود إتيان المرأة قائمة، وباركة، فأنزل الله إباحته بعد أن يكون في الفرج، وهو السبب الذي روي، ولا يمنع أن يكون ما ذكرناه مباحاً، لأن غاية ما في السبب أن تطابقه الاية، فأما أن لا تتعداه، فلا يجب عند أكثر المحصلين. وقوله: {وقدموا لأنفسكم} أي قدموا الأعمال الصالحة التي أمر الله بها عباده، ورغبهم فيها، فتكون ذخراً عند الله. ووجه اتصال قوله: {وقدموا لأنفسكم} بما قبله: أنه لما قدم الأمر بعد أشياء قيل: {قدموا لأنفسكم} بالطاعة فيما أمرتم به، واتقوا مجاوزة الحدّ فيما بين لكم، وفي ذلك الحث على العمل بالواجب الذي عرفوه، والتحذير من مخالفة ما ألزموه. وقوله: {وبشر المؤمنين} فالبشارة: الدلالة على ما يظهر به السرور في بشر الوجه. وقوله: {أنكم ملاقوه} أي اتقوا من معاصيه التي نهاكم عنها، واتقوا عذابه، واعلموا أنكم ملاقوا عذابه إن عصيتموه، وملاقوا ثوابه إن أطعتموه، وإنما أضافه اليه على ضرب من المجاز، كما يقول القائل لغيره: ستلقى ما عملت، وإنما يريد جزاء ما عملت، فيسمي الجزاء باسم الشيء.
الجنابذي
تفسير : {نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ} الحرث له معانٍ لكنّ المناسب هاهنا معنى الزّرع، وحمل المعنى على الذّات بأحد الوجوه الّتى ذكرت فى حمل المعنى على الذّات، والمقصود المبالغة فى كونهنّ محلّ الزّراعة بحيث كأنهنّ لا شأن لهنّ الاّ الزّرع {فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ} من حيث كونهنّ حرثاً لكم وبعدما ذكر عند قوله تعالى: {فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ ٱللَّهُ} من مفهوم المخالفة واعتبار حيثيّة وصف العنوان هاهنا لا يبقى شكّ لاحدٍ فى عدم اباحة الادبار او كون حكمه من المجملات لا انّ اباحته مستنبطة من الآية {أَنَّىٰ شِئْتُمْ} كيف شئتم، او فى اىّ ساعةٍ شئتم، او فى اىّ مكانٍ شئتم، وامّا معنى من اىّ مكانٍ شئتم وارادة الثّقبتين منه فيجوز استعمال انّى شئتم فيه لكن ينافيه تعليق الاتيان على عنوان الحرث ولو سلّم عدم المنافاة بسبب عدم اعتبار حيثيّة العنوان فى الحكم كانت الآية بالنّسبة الى الادبار مجملةً متشابهة فالاستدلال على الاحلال بهذه الآية ليس فى محلّه، نسب الى الرّضا (ع) انّه قال: انّ اليهود كانت تقول: اذا اتى الرّجل المرأة من خلفها خرج ولده احول فأنزل الله تعالى {نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّىٰ شِئْتُمْ} من خلف وقدّام خلافاً لقول اليهود ولم يعن فى ادبارهنّ، فقوله من خلف وقدّام اشارة الى جعله (ع) {أنّى شئتم} بمعنى من انّى شئتم لكن نفى ارادة الادبار، وقيل أنكرت اليهود الوطئ اذا كانت المرأة قائمة او قاعدة فردّ الله عليهم {وَقَدِّمُواْ} امر الله على امر الشّيطان او على امر النّفس او على العمل فى اتيان النّساء او فى كلّ عمل {لأَنْفُسِكُمْ} اى لانتفاع أنفسكم الّتى هى مقابلة عقولكم وطبائعكم والمقصود انّكم اذا قدّمتم فى اتيان النّساء الامر الالهىّ واتيتموهنّ من جهة الامر كان انتفاعه للانفس المقتضية لمخالفة الامر والغفلة عنه او لانتفاع ذواتكم فانّه اذا كان الفاعل والمفعول واحداً فى غير باب علم يتخلّل الانفس بين الفعل ومفعوله او المعنى قدّموا أنفسكم بزيادة لام التّقوية يعنى قدّموا ذواتكم على الشّيطان او على النّفوس المقتضية لمخالفة الرّحمن فى الاعمال ولا سيّما الاعمال الموافقة للنّفوس كاتيان النّساء حتّى لا تغلب عليكم فتلهيكم عن أمره او يكون قدّموا بمعنى تقدّموا اى تقدّموا على الشّيطان او على الانفس لانتفاع انفسكم او ذواتكم {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} فى تقديم أمر الشّيطان او امر النّفس او تقدّم واحد منها عليكم {وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّكُمْ مُّلاَقُوهُ} فى الآخرة او فى الحال الحاضر ولذا أتى باسم الفاعل المتبادر منه الزّمان الحاضر يعنى اذا علمتم انّكم فى حال العمل ملاقو الله او فى حال الجزاء ملاقوه اجتنبتم القبيح وتقديم الشّيطان وهوى النّفس {وَبَشِّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ} صرف الخطاب منهم اليه (ص) لانّه اهل التّبشير او الخطاب عامّ وهذا الكلام أمر ونهى ووعد ووعيد.
الهواري
تفسير : قوله: {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ} أي: كيف شئتم. ذكر جابر بن عبد الله قال: قالت اليهود إن الرجل إذا أتى امرأته من خلفها جاء ولده أحول؛ فأنزل الله {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ} أي: كيف شئتم: من بين يديها، وإن شئتم من خلفها، غير أن السبيل موضع الولد. ذكروا عن الحسن أنه قال: قالت اليهود: يا أصحاب محمد، إنه لا يحل لكم أن تأتوا النساء إلا من وجه واحد، فأنزل الله: {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ} أي كيف شئتم: من بين يديها: وإن شئتم من خلفها في فرجها. ذكروا عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : الذي يأتي امرأته في دبرها هي اللوطية الصغرى . تفسير : ذكروا عن ابن مسعود أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : لا تأتوا النساء في موضع حشوشهن . تفسير : ذكروا عن رجل من أصحاب النبي أنه سأله رجل عن الذي يأتي إمرأته في دبرها فقال: أفّ، أيريد أن يعمل عمل قوم لوط. قوله: {وَقَدِّمُوا لأَِنفُسِكُمْ} يعني الولد. ذكروا عن أبي ذر أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: حديث : ما من مسلمين يموت لهما ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث إلا أدخلهم الله الجنة بفضل رحمته إياهم . تفسير : ذكروا عن ابن عمر أنه قال: لولا أن أصيب ولداً فيموت قبلي فأؤجر فيه أو يبقى بعدي فيدعو لي ما باليت ألا أصيب ولداً. ذكروا عن الحسن أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : لأن أقدم سقطاً أحب إليّ من أن أخلف مائة فارس كلهم يجاهد في سبيل الله . تفسير : قوله: {وَاتَّقُوا اللهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُم مُّلاَقُوهُ وَبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ} أي بالجنة. قوله: {وَلاَ تَجْعَلُوا اللهَ عُرْضَةً لأَِيْمَانِكُمْ أَن تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}. قال الحسن: كان الرجل يقال له: لم لا تبر أباك أو أخاك أو قرابتك، أو تفعل كذا، لخير، فيقول: قد حلفت بالله لا أبره، ولا أصله، ولا أصلح الذي بيني وبينه، يعتل بالله، فأنزل الله: لا تعتلوا بالله فتجعلوه عرضة لأيمانكم، يعني الحلف. وقال بعض المفسّرين: لا تعتلوا بالله؛ أن يقول أحدكم: أنه لا يصل رحماً، ولا يسعى في صلاح، ولا يتصدق من ماله. ذكروا عن إبراهيم أنه قال: سمعت رجالاً من أهل العلم يقولون في هذه الآية: {وَلاَ تَجْعَلُوا اللهَ عُرْضَةً لأَِيْمَانِكُمْ أَن تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ} أي لا يحلف على معصية الله وقطيعة الرحم. فإن فعل فما أوجب الله من الكفارة. ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : يا عبد الرحمن بن سمرة لا تسأل الإِمارة، فإنك إن تعطها عن مسألة تُكَلْ إليها، وإن تعطها عن غير مسألة تُعَن عليها. وإذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيراً منها فأت الذي هو خير، وكفر عن يمينك . تفسير : ذكروا عن الحسن أنه قال: من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه إلا طلاقاً أو عتاقاً. ذكروا عن الحسن أنه كان يقول في الرجل يقول: عليّ المشي إلى بيت الله إن كلمت أبي أو أمي أو كل معصية، أن يكفر عن يمينه.
اطفيش
تفسير : {نِسَاؤكُم حَرثٌ لكُمْ فأتوا حَرْثكُم أنَّى شِئْتُم}. رواه جابر بن عبد الله، والذى ذكر ابن وصاف عن جابر: أن اليهود قالوا: من أتى امرأته مجنبة جاء ولده أحول، فنزلت الآية. وقال الحسن: سبب نزولها أنهم قالوا: يا أصحاب محمد إنه لا يحل لكم أن تأتوا النساء إلا من وجه واحد، وهو استلقاؤها على ظهرها أو نحو ذلك، لا من جنب ولا من دبر فى قبل. وروى الترمذىحديث : أن عمر بن الخطاب جاء النبى صلى الله عليه وسلم فقال له: هلكت.. فقال: "ما هلاكك؟" قال: حولت البارحة رجلى يعنى أتاها من دبرها فى قبلها، فلم يرد عليه النبى صلى الله عليه وسلم شيئاً حتى نزلت: {نساؤكم حرث لكم} "أقبل وأدبر واتق الدبر"تفسير : ، قال نافع: كنت أمسك على ابن عمر المصحف فقرأ هذه الآية: {نساؤكم حرث لكم}، قال: أتدرى فيم نزلت هذه الآية، قلت: لا. قال: نزلت فى رجل أتى إمرأته من دبرها فى قبلها، فشق ذلك فنزلت الآية، ومعنى كونهن حرثاً مواضع حرث، فالحرث مصدر على حذف مضاف، وقيل الحرث اسم للمرأة فصاعداً تسمية بالمصدر قال الشاعر: شعر : إذا أكل الجراد حروث قوم فحرثى همه أكل الجراد تفسير : أى فامرأتى، كأنه يصفها بحب أكل الجراد أو أراد أن يلغز، وكأنه ذكر الضمير فى همه مراعاة للفظ الحرث، لأن لفظه مذكر، شبهت النساء بمواضع الحرث، ووجه الشبه أن الولد ينبت من النطفة الملقاة فى الرحم، كما ينبت النبات بإلقاء البذر فى الأرض، وزعم بعض العلماء ولكنه زل أنه يجوز إتيان النساء فى أدبارهن مستدلا بهذه الآية، زاعماً أن الله سبحانه وتعالى سمى المرأة حرثاً، فالحرث إسماً لها كلها لا لقبلها فقط، وأن الله سبحانه وتعالى خير الرجال بقوله: {أنى شئتم} بين أن يأتوها فى أقبالهن، أو فى أدبارهن، لأن أنى هنا بمعنى أين، وذلك يدل على تعدد المكان، وذلك خطأ فاحش، لأن الله سبحانه وتعالى أخبر بأنهن حرث، فيقدر مضاف، أى محل حرث فتؤتى للحرث، والحرث إنما هو فى القبل لأنها لا تلد من الدبر، فيقدر مضاف آخر، أى فروج نسائكم محل حرث، والفرج الذى هو محل حرث هو القبل فقط، فلك تقدير أقبال نسائكم محل حرث لكم، وأنى لتعدد الأمكنة التى يتوصل منها إلى القبل، أى فآتونهن فى أقبالهن من أدبارهن من جوانبهن، أو من أمامها أو لتعدد الأحوال أى مستدبرات أو مستقبلات أو مجانبات وقائمات وقاعدات، أو ممتدات على الأرض، أو منحنيات كالراكعة والساجدة كما يأتى الإنسان أرضه للحرث من أى موضع شاء، وعلى أى حال شاء وقوله: {فأتوا حرثكم أنى شئتم} كالبيان لقوله: {فأتوهن من حيث أمركم الله} أى الموضع الذى أمرتم بإتيانه هو مكان الحرث ودليل على أن المراد الأصل الوطء طلب الولد لا قضاء وطر، فأتوهن من حيث يلدن، فعنه صلى الله عليه وسلم:"حديث : لا يكون الحرث إلا من حيث يكون النبات"تفسير : . وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا ينظر الله إلى رجل أتى رجلا أو امرأة فى دبرها"تفسير : ، وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : ملعون من أتى امرأته فى دبرها"تفسير : وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : اتقوا محاش النساء"تفسير : أى أدبارهن، وعن ابن مسعود عنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا تأتوا النساء فى مواضع حشوشهن"تفسير : ، وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : الذى يأتى امرأته فى دبرها فقط لاط اللواطة الصغرى"تفسير : ، وعلة تحريم الدبر أن فيه قطع النسل، وفيه النجس لازماً وقد حرم فى القبل حال الحيض، وفيه النجس العارض، وهو الدم كذا قيل، وسأل رجل صحابياً عن الذى يأتى امرأته فى دبرها، فقال: أن تريد أن تعمل عمل قوم لوط؟؟ وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : من أتى امرأته فى دبرها فقد كفر بما انزل على قلب محمد صلى الله عليه وسلم"تفسير : . وعن سعيد بن المسيب: الآية فى العزل، يعنى يجامع ويلق النطفة خارجاً، أجاز ذلك، وسئل ابن عباس عن العزل فقال: حرثك إن شئت فعطش وإن شئت فأرو، والصحيح أنه لا يجور إلا بإذنها إن كانت حرة، وبه قال أحمد، وقيل: العزل الوأد الخفى، أى دفن الصبية حية. {وقَدِّمُوا لأنْفُسِكُم}: التسمية عند الجماع فى قلبه أو سراً قبل الكشف، وعن ابن عباس عن النبى صلى الله عليه وسلم: "حديث : لو أن أحدكم إذا أراد أن يأتى أهله قال باسم الله اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا فإنه إن قدر بينهم ولد لم يضره الشيطان أبداً"تفسير : وقيل: طلب الولد بالجماع، وقيل ما يدخر لكم من الثواب بالعمل الصالح، أى قدموا لأنفسكم التسمية أو نية الولد لتكثير أمة محمد صلى الله عليه وسلم، والانتفاع بها فى الآخرة، أو قدموا من الأعمال ما تثابون عليه، كالمفعول محذوف، وعن السدى قدموا الأجر فى تجنب ما نهيتم عنه، وامتثال ما أمرتم به، وعن أبى ذر رضى الله عنه سمعت رسول الله يقول: "حديث : ما من مسلمين يموت لهما ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحلم إلا أدخلهما الله الجنة بفضل رحمته"تفسير : وعن عمر: لولا أن أصيب ولدا فيموت فأوجر فيه أو يبقى بعدى فيدعو لى ما بالبت إلا أصيب ولدا. وعن الحسن: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لئن قدم سقطا أحب إلى من أن أخلف مائة فارس كلهم يجاهدون فى سبيل الله ". تفسير : {واتَّقُوا اللّهَ}: لا تتعدوا مناهيه ولا تقصروا فى أمره. {واعْلموا أنَّكُمْ مُلاقُوه}: فيجازيكم على أعمالكم فلا تعملوا ما تفتضحون به وذلك بعد البعث. {وَبشِّرِ المؤْمنِينَ}: بالجنة ورضى جزاء على تقواهم وإيمانهم.
اطفيش
تفسير : {نِسَآؤُكُمْ} بالنكاح أو بالتسرى {حَرْثُ لَّكُمْ} موضع الحرث، فالوطء للتوالد بقصد إقامة الدين وصون النفس عن الفحش بالذات، ولقضاء الوطر بالعرض، فيحرم نكاح الدبر إذ لا ولادة منه، فمن جامع فى الدبر زوجه أو سريته عمدا كفر، ولزمته خمسة دنانير، وقيل ثلاثة للفقراء المتولين، فإن فعل ذلك بدبر طفل ولو برضى منه، أو بأمة، أو بالغة راضية، أو بحرة بالغة بقهر، أو بمجنونة ولو برضى لزمه ذلك، ولزمه أيضاً نصف عشر دية المرأة، ولسيد الأمة نصف عشر قيمتها {فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ} موضعه من نسائكم، وهو القبل، والكلام فى الموضعين هو على تقدير مضاف، ويجوز أن يراد التجوز والتشبيه البليغ، أى كمواضع الحرث، وكونهن كتلك المواضع متفرع على كون النطف كالبذور، ويجوز أن يكون ذلك استعارة تصريحية أو تمثيلية، وإذا علمت أن المراد الموضع الشبيه بموضع الحرث علمت أن المراد القبل، لأنه لا ولادة من الدبر {أَنَّى} كلمة تتضمن معنى من والمكان، أى من أين، أو بمعنى كيف {شِئْتُمْ} من قيام أو قعود، أو اضطجاع من قدام أو من خلف أو من جانب فى كل ذلك، أو تكونون فوقهن، أو يكن فوقكم، وهو مكروه، وقيل أيضا، متى شئتم، ومعنى قوله من أين شئتم من أى موضع، لا فى أى موضع، والآية نزلت ردّاً على اليهود، قالوا: من جاء امرأته من خلفها جاء الولد أحول، ولا ينافى سبب النزول هذا تفسير أنى بكيف، ولا يخالف المقصود، لأن ذلك كله كيفيات، {وَقَدِّمُواْ لأَنْفُسِكُمْ} ما ينفعكم من العمل الصالح وترك المعاصى، وطلب الولد والتسمية عند أول الوطء، وفى حالة بالقلب والدعاء، وقصد المرأة العفيفة، فإن الطفل الميت فرط لأبيه، والولد الصالح يحرى أجرى لأبيه، بقصد أبيه لوجوده، وبقصد الولد لأبيه بالعمل، وعنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : من قال، باسم الله عند الجماع فأتاه ولد فله حسنات بعدد أنفاس ذلك الولد وعدد عقبه إلى يوم القيامة"تفسير : ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لو أن أحدكم إذا أتى أهله قال: باسم الله، اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا فقضى بينهما ولد لم يضره الشيطان"تفسير : ، وعنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث، صدقة جارية، وعلم ينتفع به، وولد صالح يدعو له" تفسير : {وَاتَّقُواْ اللهَ} بترك المعاصى، ومنها الجماع فى الدبر والحيض {واعْلَمُواْ أَنَّكُمْ مُّلَٰقُوهُ} بالبعث للجزاء على الطاعة والمعاصى فترغبوا جداً فى الطاعة وعن المعصية {وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} المتقين له بالجنة، وما لا يعلمه إلا الله فيها وقبلها.
الالوسي
تفسير : {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ} أخرج البخاري وجماعة عن جابر قال: «كانت اليهود تقول إذا أتى الرجل امرأته من خلفها في قبلها ثم حملت جاء الولد أحول فنزلت» والحرث إلقاء البذر في الأرض وهو غير الزرع لأنه إنباته يرشدك إلى ذلك قوله تعالى: {أية : أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ * أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ ٱلزَّارِعُونَ}تفسير : [الواقعة: 63ـ64] قال الجوهري: الحرث الزرع والحارث الزارع وعلى كل تقدير هو خبر عما قبله إما بحذف المضاف أي مواضع حرث، أو التجوز والتشبيه البليغ أي كمواضع ذلك وتشبيههن بتلك المواضع متفرع على تشبيه النطف بالبذور من حيث إن كلاً منهما مادة لما يحصل منه ولا يحسن بدونه فهو تشبيه يكنى به عن تشبيه آخر. {فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ} أي ما هو كالحرث ففيه استعارة تصريحية ويحتمل أن يبقى الحرث على حقيقته والكلام تمثيل شبه حال إتيانهم النساء في المأتي بحال إتيانهم المحارث في عدم الاختصاص بجهة دون جهة ثم أطلق لفظ المشبه به على المشبه، والأول أظهر وأوفق لتفريع حكم الإتيان على تشبيههن بالحرث تشبيهاً بليغاً، وهذه الجملة مبينة لقوله تعالى: {أية : فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ ٱللَّهُ }تفسير : [البقرة: 222] لما فيه من الإجمال من حيث المتعلق، والفاء جزائية، وما قبلها علة لما بعدها، وقدم عليه اهتماماً بشأن العلة وليحصل الحكم معللا فيكون أوقع، ويحتمل أن يكون المجموع كالبيان لما تقدم، والفاء للعطف وعطف الإنشاء على الإخبار جائز بعاطف سوى الواو {إِنّىٰ شِئْتُمْ} قال قتادة والربيع: من أين شئتم وقال مجاهد: كيف شئتم، وقال الضحاك: متى شئتم، ومجيء {أَنّىٰ} بمعنى ـ أين ـ وكيف ومتى مما أثبته الجم الغفير، وتلزمها على الأول ـ من ـ ظاهرة أو مقدرة، وهي شرطية حذف جوابها لدلالة الجملة السابقة عليه، واختار بعض المحققين كونها هنا بمعنى من أين أي من أي جهة ليدخل فيه بيان النزول، والقول بأن الآية حينئذ تكون دليلاً على جواز الإتيان من الأدبار ناشىء من عدم التدبر في أن ـ من ـ لازمة إذ ذاك فيصير المعنى من أي مكان لا في أي مكان فيجوز أن يكون المستفاد حينئذ تعميم الجهات من القدام والخلف والفوق والتحت واليمين والشمال لا تعميم مواضع الاتيان فلا دليل في الآية لمن جوز إتيان المرأة في دبرها كابن عمر، والأخبار عنه في ذلك صحيحة مشهورة، والروايات عنه بخلافها على خلافها، وكابن أبـي مليكة وعبد الله بن القاسم حتى قال فيما أخرجه الطحاوي عنه: ما أدركت أحداً اقتدي به في ديني يشك في أنه حلال، وكمالك بن أنس حتى أخرج الخطيب عن أبي سلمان الجوزجاني أنه سأله عن ذلك فقال له: / الساعة غسلت رأس ذكري منه، وكبعض الإمامية لا كلهم كما يظنه بعض الناس ممن لا خبرة له بمذهبهم، وكسحنون من المالكية، والباقي من أصحاب مالك ينكرون رواية الحل عنه ولا يقولون به، ويا ليت شعري كيف يستدل بالآية على الجواز مع ما ذكرناه فيها، ومع قيام الاحتمال كيف ينتهض الاستدلال لا سيما وقد تقدم قبل وجوب الاعتزال في المحيض وعلل بأنه أذى مستقذر تنفر الطباع السليمة عنه، وهو يقتضي وجوب الاعتزال عن الإتيان في الأدبار لاشتراك العلة، ولا يقاس ما في المحاش من الفضلة بدم الاستحاضة ومن قاس فقد أخطأت إسته الحفرة لظهور الاستقذار. والنفرة مما في المحاش دون دم الاستحاضة، وهو دم انفجار العرق كدم الجرح؛ وعلى فرض تسليم أن {أَنّىٰ} تدل على تعميم مواضع الاتيان كما هو الشائع يجاب بأن التقييد بمواضع الحرث يدفع ذلك فقد أخرج ابن جرير وابن أبـي حاتم عن سعيد بن جبير قال: بينا أنا ومجاهد جالسان عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما إذ أتاه رجل فقال: ألا تشفيني من آية المحيض قال: بلى فقرأ {أية : وَيَسْـئَلُونَكَ عَنِ ٱلْمَحِيضِ} تفسير : [البقرة: 222] إلى {أية : فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ ٱللَّهُ }تفسير : [البقرة: 222] فقال ابن عباس: من حيث جاء الدم من ثم أمرت أن تأتي فقال: كيف بالآية {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ إِنّىٰ شِئْتُمْ}؟ فقال: ويحك، وفي الدبر من حرث لو كان ما تقول حقاً لكان المحيض منسوخاً إذا شغل من هٰهنا جئت من هٰهنا ولكن أنَّىٰ شئتم من الليل والنهار، وما قيل: من أنه لو كان في الآية تعين الفرج لكونه موضع الحرث للزم تحريم الوطء بين الساقين وفي الاعكان لأنها ليست موضع حرث كالمحاش، مدفوع بأن الإمناء فيها عدا الضمامين لا يعد في العرف جماعاً ووطءاً والله تعالى قد حرم الوطء والجماع في غير موضع الحرث لا الاستمناء فحرمة الاستمناء بين الساقين وفي الأعكان لم تعلم من الآية إلا أن يعد ذلك إيتاءً وجماعاً وأنى به، ولا أظنك في مرية من هذا وبه يعلم ما في مناظرة الإمام الشافعي والإمام محمد بن الحسن، فقد أخرج الحاكم عن [ابن] عبد الحكم أن الشافعي ناظر محمداً في هذه المسألة فاحتج عليه ابن الحسن بأن الحرث إنما يكون في الفرج فقال له أفيكون ما سوى الفرج محرماً فالتزمه؟ فقال أرأيت لو وطئها بين ساقيها أو في في أعكانها أو في ذلك حرث؟ قال: لا قال: أفيحرم؟ قال: لا قال: فكيف تحتج بما لا تقول به، وكأنه من هنا قال الشافعي فيما حكاه عنه الطحاوي. والحاكم. والخطيب لما سئل عن ذلك: ما صح عن النبـي صلى الله عليه وسلم في تحليله ولا تحريمه شيء والقياس أنه حلال وهذا خلاف ما نعرف من مذهب الشافعي فإن رواية التحريم عنه مشهورة فلعله كان يقول ذلك في القديم ورجع عنه في الجديد لما صح عنده من الأخبار أو ظهر له من الآية. {وَقَدّمُواْ لأَنفُسِكُمْ} ما يصلح للتقديم من العمل الصالح ومنه التسمية عند الجماع وطلب الولد المؤمن، فقد أخرج الشيخان. وغيرهما عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«حديث : لو أن أحدكم إذا أتى أهله قال بسم الله اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا فقضي بينهما ولد لم يضره الشيطان أبداً» تفسير : وصح عن أبـي هريرة رضي الله تعالى عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث صدقة جارية وعلم ينتفع به وولد صالح يدعو له»تفسير : وعن عطاء تخصيص المفعول بالتسمية. وعن مجاهد بالدعاء عند الجماع، وعن بعضهم بطلب الولد وعن آخرين بتزوج العفائف والتعميم أولى. {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} فيما أمركم به ونهاكم عنه. {وَٱعْلَمُواْ أَنَّكُم مُّلَـٰقُوهُ} بالبعث فيجازيكم بأعمالكم فتزودوا ما ينفعكم؛ والضمير المجرور راجع إلى الله تعالى بحذف مضاف أو بدونه ورجوعه إلى ما قدمتم أو إلى الجزاء المفهوم منه بعيد والأوامر معطوفة على قوله تعالى: {فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ} وفائدتها الإرشاد العام بعد الإرشاد الخاص وكون الجملة السابقة مبينة لا يقتضي أن يكون/ المعطوف عليها كذلك {وَبَشّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ} الذين تلقوا ما خوطبوا به بالقبول والامتثال بما لا تحيط به عبارة من الكرامة والنعيم، وحمل بعضهم المؤمنين على الكاملين في الإيمان بناءاً على أن الخطابات السابقة كانت للمؤمنين مطلقاً فلو كانت هذه البشارة لهم كان مقتضى الظاهر وبشرهم فلما وضع المظهر موضع المضمر علم أن المراد غير السابقين وهم المؤمنون الكاملون ولا يخفى أنه يجوز أن يكون العدول إلى الظاهر للدلالة على العلية ولكونه فاصلة فلا يتم ما ذكره والواو للعطف، {وَبَشّرِ} عطف على {أية : قُلْ} تفسير : [البقرة: 222] المذكور سابقاً أو على (قل) مقدرة قبل قدموا وهي معطوفة على المذكورة. ومن باب الإشارة: {يَسْأَلُونَكَ} عن خمر الهوى وحب الدنيا وميسر احتيال النفس بواسطة قداحها التي هي حواسها العشرة المودعة في ربابة البدن لنيل شيء من جزور اللذات والشهوات {قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ} الحجاب والبعد عن الحضرة {وَمَنَـٰفِعُ لِلنَّاسِ} في باب المعاش وتحصيل اللذة النفسانية والفرح بالذهول عن المعايب والخطرات المشوشة والهموم المكدرة {وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا} لأن فوات الوصال في حضائر الجمال لا يقابله شيء، ولا يقوم مقامه ـ وصال سعدي ولامي ـ ولفرق عند الأبرار بين السكر من المدير والسكر من المدار:شعر : وأسكر القوم ورود كأس وكان سكرى من المدير تفسير : وهذا هو السكر الحلال لكنه فوق عالم التكليف ووراء هذا العالم الكثيف وهو سكر أرواح لا أشباح وسكر رضوان لا حميا دنان:شعر : وما مل ساقيها ولا مل شارب عقار لحاظ كأسها يسكر اللبا تفسير : {وَيَسْـئَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ ٱلْعَفْوَ} وهو ما سوى الحق من الكونين {كَذٰلِكَ يُبيّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلآيَـٰتِ} المنزلة من سماء الأرواح {أية : لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ } تفسير : [البقرة: 219] {أية : فِى ٱلدُّنُيَا وَٱلأَخِرَةِ }تفسير : [البقرة: 220] وتقطعون بواديهما بأجنحة السير والسلوك إلى ملك الملوك {وَيَسْـئَلُونَكَ عَنِ ٱلْمَحِيضِ} وهو غلبة دواعي الصفات البشرية والحاجات الإنسانية {قُلْ هُوَ أَذًى} تنفر القلوب الصافية عنه {فَٱعْتَزِلُواْ} بقلوبكم نساء النفوس في محيض غلبات الهوى {حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ} ويفرغن من قضاء الحوائج الضرورية {فَإِذَا تَطَهَّرْنَ} بماء الإنابة ورجعن إلى الحضرة في طلب القربة {فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ ٱللَّهُ} أي عند ظهور شواهد الحق لزهوق باطل النفس واضمحلال هواها {إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلتَّوٰبِينَ} عن أوصاف الوجود {أية : وَيُحِبُّ ٱلْمُتَطَهّرِينَ } تفسير : [البقرة: 222] بنور المعرفة عن غبار الكائنات، أو يحب التوابين من سؤالاتهم ويحب المتطهرين من إراداتهم نساؤكم وهي النفوس التي غدت لباساً لكم وغدوتم لباساً لهن موضع حرثكم للآخرة {فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ} متى شئتم الحراثة لمعادكم {وَقَدّمُواْ لأَنفُسِكُمْ} ما ينفعها ويكمل نشأتها {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} من النظر إلى ما سواه {وَٱعْلَمُواْ أَنَّكُم مُّلَـٰقُوهُ} بالفناء فيه إذا اتقيتم {وَبَشّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ} بما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.
ابن عاشور
تفسير : هذه الجملة تذييل ثان لجملة: { أية : فأتوهن من حيث أمركم } تفسير : [البقرة: 222] قصد به الارتفاق بالمخاطبين والتأنس لهم لإشعارهم بأن منعهم من قربان النساء في مدة المحيض منع مؤقت لفائدتهم وأن الله يعلم أن نساءهم محل تعهدهم وملابستهم ليس منعهم منهن في بعض الأحوال بأمر هين عليهم لولا إرادة حفظهم من الأذى، كقول عمر بن الخطاب لما حمي الحمى «لولا المال الذي أحمل عليه في سبيل الله ما حميت عليهم من بلادهم شبراً إنها لبلادُهم» وتعتبر جملة {نساؤكم حرث} مقدِّمة لجملة {فأتوا حرثكم أنى شئتم} وفيها معنى التعليل للإذن بإتيانهن أنّى شاءوا، والعلةُ قد تجعل مقدمة فلو أوثر معنى التعليل لأخرت عن جملة {فأتوا حرثكم أنى شئتم} ولكن أوثر أن تكون مقدمة للتي بعدها لأنه أحكم نسيج نظم ولتتأتى عقبه الفاء الفصيحة. والحرث مصدر حرث الأرض إذا شقها بآلة تشق التراب ليزرع في شقوقه زريعة أو تغرس أشجار. وهو هنا مطلق على معنى اسم المفعول. وإطلاق الحرث على المحروث وأنواعه إطلاق متعدد فيطلق على الأرض المجعولة للزرع أو الغرس كما قال تعالى: { أية : وقالوا هذه أنعام وحرث حجر }تفسير : [الأنعام: 138] أي أرض زرع محجورة على الناس أن يزرعوها. وقال: { أية : والخيل المسومة والأنعام والحرث } تفسير : [آل عمران: 14] أي الجنات والحوائط والحقول. وقال: { أية : كمثل ريح فيها صر أصابت حرث قوم ظلموا أنفسهم فأهلكته } تفسير : [آل عمران: 117] أي أهلكت زرعهم. وقال: { أية : فتنادوا مصبحين أن اغدوا على حرثكم إن كنتم صارمين } تفسير : [القلم: 22] يعنون به جنتهم أي صارمين عراجين التمر. والحرث في هذه الآية مراد به المحروث بقرينة كونه مفعولاً لفعل {فأتوا حرثكم} وليس المراد به المصدر لأن المقام ينبو عنه، وتشبيه النساء بالحرث تشبيه لطيف كما شبه النسل بالزرع في قول أبي طالب في خطبته خديجة للنبي - صلى الله عليه وسلم "الحمد لله الذي جعلنا من ذرية إبراهيم وزرع إسماعيل". والفاء في {فأتوا حرثكم أنى شئتم} فاء فصيحة لابتناء ما بعدها على تقرر أن النساء حرث لهم، لا سيما إذا كانوا قد سألوا عن ذلك بلسان المقال أو بلسان الحال. وكلمة (أنى) اسم لمكان مبهم تبينه جملة مضاف هو إليها، وقد كثر استعماله مجازاً في معنى كيف بتشبيه حال الشيء بمكانه، لأن كيف اسم للحال المبهمة يبينها عاملها نحو { أية : كيف يشاء } تفسير : [آل عمران: 6] وقال في «لسان العرب»: إن (أنى) تكون بمعنى (متى)، وقد أضيف (أنى) في هذه الآية إلى جملة (شئتم) والمشيئات شتى فتأوله كثير من المفسرين على حمل (أني) على المعنى المجازي وفسره بكيف شئتم وهو تأويل الجمهور الذي عضدوه بما رووه في سبب نزول الآية وفيها روايتان. إحداهما عن جابر بن عبد الله والأخرى عن ابن عباس وتأوله الضحاك على معنى متى شئتم وتأوله جمع على معناه الحقيقي من كونه اسم مكان مبهم، فمنهم من جعلوه ظرفاً لأنه الأصل في أسماء المكان إذا لم يصرح فيها بما يصرف عن معنى الظرفية وفسروه بمعنى في أي مكان من المرأة شئتم وهو المروي في «صحيح البخاري» تفسيراً من ابن عمر، ومنهم من جعلوه اسم مكان غير ظرف وقدروا أنه مجرور بــــ(من) ففسروه من أي مكان أو جهة شئتم وهو يئول إلى تفسيره بمعنى كيف، ونسب القرطبي هذين التأويلين إلى سيبويه. فالذي يتبادر من موقع الآية وتساعد عليه معاني ألفاظها أنها تذييل وارد بعد النهي عن قربان النساء في حال الحيض. فتحمل (أنى) على معنى متى ويكون المعنى فأتوا نساءكم متى شئتم إذا تطهرن فوزانها وزان قوله تعالى: {وإذا حللتم فاصطادوا بعد قوله: { أية : غير محلى الصيد وأنتم حرم } تفسير : [المائدة: 2]. ولا مناسبة تبعث لصرف الآية عن هذا المعنى إلا أن ما طار بين علماء السلف ومن بعدهم من الخوض في محامل أخرى لهذه الآية، وما رووه من آثار في أسباب النزول يضطّرنا إلى استفصال البيان في مختلف الأقوال والمحامل مقتنعين بذلك، لما فيه من إشارة إلى اختلاف الفقهاء في معاني الآية، وإنها لمسألة جديرة بالاهتمام، على ثقل في جريانها، على الألسنة والأقلام. روى البخاري ومسلم في «صحيحهما» عن جابر بن عبد الله: أن اليهود قالوا إذا أتى الرجل امرأته مجبية جاء الولد أحول، فسأل المسلمون عن ذلك فنزلت {نساؤكم حرث لكم} الآية وأخرج أبو داود عن ابن عباس قال: كان هذا الحي من الأنصار وهم أهل وثن مع هذا الحي من اليهود وهم أهل كتاب وكانوا يرون لهم فضلاً عليهم في العلم فكانوا يقتدون بكثير من فعلهم، وكان من أمر أهل الكتاب ألا يأتوا النساء إلا على حرف وذلك أستر ما تكون المرأة، فكان هذا الحي من الأنصار قد أخذوا بذلك، وكان هذا الحي من قريش يشرحون النساء شرحاً (أي يطأونهن وهن مستلقيات عن أقفيتهن) ومقبلات ومدبرات ومستلقيات، فلما قدم المهاجرون المدينة تزوج رجل منهم امرأة من الأنصار فذهب يصنع بها ذلك فأنكرته عليه وقالت: إنما كنا نؤتَى على حرف فاصنع ذلك وإلا فاجتنبني حتى شَرِي أمرُهما (أي تفاقم اللجاج) فبلغ ذلك النبي فأنزل الله: {فأتوا حرثكم أنى شئتم} أي مقبلات كن أو مدبرات أو مستلقيات يعني بذلك في موضع الولد، وروي مثله عن أم سلمة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - في الترمذي، وما أخرجه الترمذي عن ابن عباس قال:حديث : جاء عمر إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله هلكتُ قال وما أهلكك؟ قال: حوَّلْت رحلي الليلة (يريد أنه أتى امرأته وهي مستدبرة) فلم يردَّ عليه رسول الله شيئاً فأوحى الله إلى رسوله هذه الآية: {نساؤكم حرث لكم} الآيةتفسير : . وروى البخاري عن نافع قال: كان ابن عمر إذا قرأ القرآن لم يتكلم حتى يفرغ منه فأخذت عليه المصحف يوماً فقرأ سورة البقرة حتى انتهى إلى {فأتوا حرثكم أنى شئتم} قال: تدري فيم أنزلت؟ قلت: لا قال: أنزلت في كذا وكذا وفي رواية عن نافع في البخاري «يأتيها في....» ولم يزد وهو يعني في كلتا الروايتين عنه إتيان النساء في أدبارهن كما صرح بذلك في رواية الطبري وإسحاق بن راهويه: أنزلت إتيان النساء في أدبارهن، وروى الدارقطني في «غرائب مالك» والطبري عن نافع عن عبد الله بن عمر أن رجلاً أتى امرأته في دبرها فوجد في نفسه من ذلك فأنزل الله {نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم} وقد روى أن ذلك الرجل هو عبد الله بن عمر، وعن عطاء بن يسار أن رجلاً أصاب امرأته في دبرها على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأنكر الناس عليه وقالوا: أثفرها فأنزل الله تعالى {نساؤكم حرث لكم} فعلى تأويل هؤلاء يكون قوله تعالى: {نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم}، تشبيهاً للمرأة بالحرث أي بأرض الحرث وأطلق {فأتوا حرثكم} على معنى: فاحرثوا في أي مكان شئتم. أقول: قد أجمل كلام الله تعالى هنا، وأبهم وبين المبهمات بمبهمات من جهة أخرى لاحتمال {أمركم الله} معاني ليس معنى الإيجاب والتشريع منها، إذ لم يعهد سبق تشريع من الله في هذا كما قدمناه، ثم أتبع بقوله: { أية : يحب التوابين } تفسير : [البقرة: 222] فربما أشعر بأن فعلاً في هذا البيان كان يرتكب والله يدعو إلى الانكفاف عنه وأتبع بقوله: {ويحب المتطهرين} فأشعر بأن فعلاً في هذا الشأن قد يلتبس بغيرِ التنزه والله يحب التنزه عنه، مع احتمال المحبة عنه لمعنى التفضيل والتكرمة مثل { أية : يحبون أن يتطهروا والله يحب المتطهرين } تفسير : [التوبة: 108]، واحتمالها لمعنى: ويبغض غير ذلك، ثم جاء ما هو كالدليل وهو قوله: {نساؤكم حرث لكم} فجعلن حرثاً على احتمال وجوه في الشبه؛ فقد يقال: إنه وكل للمعروف، وقد يقال: إنه جعل شائعاً في المرأة، فلذلك نيط الحكم بذات النساء كلها، ثم قال: {فأتوا حرثكم أنى شئتم} فجاء بأنى المحتملة للكيفيات وللأمكنة وهي أصل في الأمكنة ووردت في الكيفيات، وقد قيل: إنها ترد للأزمنة فاحتمل كونها أمكنة الوصول من هذا الإتيان، أو أمكنة الورود إلى مكان آخر مقصود فهي أمكنة ابتداء الإتيان أو أمكنة الاستقرار فأُجمِل في هذا كله إجمال بديع وأثنى ثناء حسن. واختلاف محامل الآية في أنظار المفسرين والفقهاء طوعُ علم المتأمل، وفيها أقوال كثيرة ومذاهب مختلفة لفقهاء الأمصار في كتب أحكام القرآن وكتب السنة، وفي دواوين الفقه، وقد اقتصرنا على الآثار التي تمت إلى الآية بسبب نزول، وتركنا ما عداه إلى أفهام العقول. {وَقَدِّمُواْ لأَِنفُسِكُمْ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّكُم مُّلَـٰقُوهُ وَبَشِّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ} عطف على جملة {فأتوا حرثكم} أو على جملة {إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين}. عطف الإنشاء على الخبر، على أن الجملة المعطوف عليها وإن كانت خبراً فالمقصود منها الأمر بالتوبة والتطهر؛ فكرر ذلك اهتماماً بالحرص على الأعمال الصالحة بعد الكلام على اللذائذ العاجلة. وحذف مفعول {وقدموا} اختصاراً لظهوره؛ لأن التقديم هنا إعداد الحسنات فإنها بمنزلة الثَّقَل الذي يقدمه المسافر. وقوله: {لأنفسكم} متعلق بــــ{قدموا}، واللام للعلة أي لأجل أنفسكم أي لنفعها، وقوله: {واتقوا الله} تحريض على امتثال الشرع بتجنب المخالفة، فيدخل تحته التخلي عن السيئات والتحلي بالواجبات والقربات، فمضمونها أعم من مضمون جملة {وقدموا لأنفسكم} فلذلك كانت هذه تذييلاً. وقوله: {واعلموا أنكم ملاقوه} يجمع التحذير والترغيب، أي فلاقوه بما يرضى به عنكم كقوله: { أية : ووجد الله عنده } تفسير : [النور: 39] وهو عطف على قوله: {واتقوا الله}. والملاقاة: مفاعلة من اللقاء وهو الحضور لدى الغير بقصد أو مصادفة. وأصل مادة لقي تقتضي الوقوع بين شيئين فكانت مفيدة معنى المفاعلة بمجردها، فلذلك كان لقي ولاقى بمعنى واحد، وإنما أمرهم الله بعلم أنهم ملاقوه مع أن المسلمين يعلمون ذلك تنزيلاً لعلمهم منزلة العدم في هذا الشأن، ليزاد من تعليمهم اهتماماً بهذا المعلوم وتنافساً فيه على أننا رأينا أن في افتتاح الجملة بكلمة: {اعلموا} اهتماماً بالخبر واستنصاتاً له وهي نقطة عظيمة سيأتي الكلام عليها عند قوله تعالى: { أية : واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه } تفسير : في سورة الأنفال (24). وقد رتبت الجمل الثلاث الأول على عكس ترتيب حصول مضامينها في الخارج؛ فإن الظاهر أن يكون الإعلام بملاقاة الله هو الحاصل أولاً ثم يعقبه الأمر بالتقوى ثم الأمر بأن يقدموا لأنفسهم، فخولف الظاهر للمبادرة بالأمر بالاستعداد ليوم الجزاء، وأعقب بالأمر بالتقوى إشعاراً بأنها هي الاستعداد ثم ذكِّروا بأنهم ملاقو الله فجاء ذلك بمنزلة التعليل. وقوله: {وبشر المؤمنين} تعقيب للتحذير بالبشارة، والمراد: المؤمنون الكاملون وهم الذين يسرون بلقاء الله كما جاء: « حديث : من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه » تفسير : ، وذِكر هذه البشارة عقب ما تقدم إشارة إلى أن امتثال الأحكام المتقدمة من كمال الإيمان، وجملة: {وبشر المؤمنين}، معطوفة على جملة: {واعلموا أنكم ملاقوه}، على الأظهر من جعل جملة: {نساؤكم حرث لكم} معطوفة على جمله، استئنافاً غير معمولة لقل هو أذى، وإذا جعلت جملة {نساؤكم} من معمول القول كانت جملة {وبشر} { أية : قل هو أذى } تفسير : [البقرة: 222] إذ لا يصح وقوعها مقولا للقول كما اختاره التفتازاني.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 223- زوجاتكم هن موضع النسل كموضع البذر ينبت النبات، فيباح لكم أن تأتوهن على أية طريقة تشاءون إذا كان ذلك فى موضع نسل، واتقوا الله أن تعصوه فى مخالطة المرأة، واعلموا أنكم ملاقوه ومسئولون عنده، والبشرى للذين يقفون عند حدوده تعالى فلا يتعدونها. 224- لا تجعلوا اسم الله معرَّضاً لكثرة الحلف به، لأن ذلك ينافى تعظيم اسم الله، وأن الامتناع عن كثرة الحلف باسم الله يؤدى إلى البر والتقوى والقدرة على الإصلاح بين الناس، إذ يكون الممتنع جليل القدر فى أعين الناس موثوقاً به بينهم فيقبل قوله، والله سميع لأقوالكم وأيمانكم، عليم بنياتكم. 225- عفا الله عنكم فى بعض الأيمان، فما جرى على الألسنة من صور الأيمان ولم يصحبه قصد ولا عقد قلب، أو كان يحلف على شئ يعتقده حصل وهو لم يحصل فإن الله لا يؤاخذ عليه، ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم من عزم على إيقاع فعل أو عدم إيقاعه. وعلى الكذب فى القول مع التوثيق باليمين، فالله غفور لمن يتوب، حليم يعفو عما لا يكتسبه القلب. 226- وهؤلاء الذين حلفوا ألا يقربوا نساءهم يُمْهَلُونَ أربعة أشهر، فإن أتوا نساءهم فى أثنائها استمر الزواج وعليهم كفارة اليمين وغفر لهم وتقبل منهم الكفارة رحمة بهم. 227- وإن لم يأتوا نساءهم فى هذه المدة كان ذلك إضراراً بالمرأة، فليس إلا الطلاق، والله سميع لأيمانهم عليم بأحوالهم ومحاسبهم على ذلك يوم القيامة.
د. أسعد حومد
تفسير : {مُّلاَقُوهُ} (223) - كَانَ اليَهُودُ يَقُولُونَ لِلأنْصَارِ: إِنَّهُ مَنْ وَاقَعَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ مُدْبِرَةٌ أَوْ مُضْطَجِعَةٌ عَلَى جَنْبِهَا جَاءَ الوَلَدُ أَحْوَلَ العَيْنَيْنِ. فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى هَذِهِ الآيَةَ مُبِيحاً فِيهَا لِلأزَوْاجِ إتْيَانَ نِسَائِهِمْ فِي مَكَانِ الحَرْثِ، وَإِنْجَابِ النَّسْلِ - وَهُوَ القُبُلُ - عَلَى أيَّةِ صُورَةٍ شَاؤُوا (عَلَى أنْ يَتَّقُوا الدُّبُرَ وَالحَيْضَةَ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم). وَيَأمُرُ اللهُ تَعَالَى المُؤْمِنينَ بأنْ يُقَدِّمُوا لأنْفُسِهِمْ مِنَ الأَفْعَالِ الصَّالِحَاتِ، وَأنْ يَتْرُكُوا المُحَرَّمَاتِ، وَأَنْ يَتَّقُوا اللهَ، وَأَنْ يَعْلَمُوا أَنَّهُمْ مُلاَقُوهُ، يَوْمَ القِيَامَةِ، فَيُحَاسِبُهُمْ عَلَى أَعْمَالِهِمْ جَمِيعِها. وَيُبَشِّرُ اللهُ تَعَالَى المُؤْمِنينَ المُطِيعينَ لَهُ فِيمَا أَمَرَهُمْ، وَالتَّارِكِينَ مَا زَجَرَهُمْ عَنْهُ بِأَنَّ لَهُمُ الثَّوَابَ الحَسَنَ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : إن الحق سبحانه وتعالى يفسح المجال للتمتع للرجل والمرأة على أي وجه من الأوجه شريطة أن يتم الإتيان في محل الإنبات. وقد جاء الحق بكلمة {حَرْثٌ} [البقرة: 223] هنا ليوضح أن الحرث يكون في مكان الإنبات. {فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ} [البقرة: 223] وما هو الحرث؟ الحرث مكان استنبات النبات، وقد قال تعالى: {أية : وَيُهْلِكَ ٱلْحَرْثَ وَٱلنَّسْلَ}تفسير : [البقرة: 205]. فأتوا المرأة في مكان الزرع، زرع الولد، أما المكان الذي لا ينبت منه الولد فلا تقربوه. وبعض الناس فهموا خطأ أن قوله: {فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّىٰ شِئْتُمْ} [البقرة: 223] معناه إتيان المرأة في أي مكان، وذلك خطأ؛ لأن قوله: {نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ} [البقرة: 223] يعني محل استنبات الزرع، والزرع بالنسبة للمرأة والرجل هو الولد، فأتها في المكان الذي ينجب الولد على أي جهة شئت. ويتابع الحق: {وَقَدِّمُواْ لأَنْفُسِكُمْ} [البقرة: 223] أي إياك أن تأخذ المسألة على أنها استمتاع جنسي فحسب، إنما يريد الحق سبحانه وتعالى بهذه اللذة الجنسية أن يحمي متاعب ما ينشأ من هذه اللذة؛ لأن الذرية التي ستأتي من أثر اللقاء الجنسي سيكون لها متاعب وتكاليف، فلو لم يربطها الله سبحانه وتعالى بهذه اللذة لزهد الناس في الجماع. ومن هنا يربط الحق سبحانه وتعالى بين كدح الآباء وشقائهم في تربية أولادهم بلذة الشهوة الجنسية حتى يضمن بقاء النوع الإنساني. ومع هذا يحذرنا الحق أن نعتبر هذه اللذة الجنسية هي الأصل في إتيان النساء فقال: {وَقَدِّمُواْ لأَنْفُسِكُمْ} [البقرة: 223]، يعني انظروا جيداً إلى هذه المسألة على ألا تكون هي الغاية، بل هي وسيلة، فلا تقلبوا الوسيلة إلى الغاية، {وَقَدِّمُواْ لأَنْفُسِكُمْ} [البقرة: 223] أي ادخروا لأنفسكم شيئاً ينفعكم في الأيام المقبلة. إذن، فالأصل في العملية الجنسية الإنجاب. {وَقَدِّمُواْ لأَنْفُسِكُمْ} [البقرة: 223] أي لا تأخذوا المتاع اللحظي العاجل على أنه هو الغاية بل خذوه لما هو آت. وكيف نقدم لأنفسنا أو ماذا نفعل؟ حتى لا نشقى بمَنْ يأتي، وعليك أن تتبين هذه العملية فقدم لنفسك شيئاً يريحك، وافعل ما علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم .. ساعة تأتي هذه النعمة وتقترب من زوجتك لابد أن تسمي الله وتقول: "اللهم جنبني الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتني"، وعندما يأتي المسلم أهله وينشأ وليده فلن يكون للشيطان عليه دخل. وقال بعض العلماء: لا يمكن أن يؤثر فيه سحر، لماذا كل ذلك؟. لأنك ساعة استنبته أي زرعته، ذكرت المُنْبِتَ وهو الله عز وجل. وما دمت ذكرت المنبت الخالق فقد جعلت لابنك حصانة أبدية. وعلى عكس ذلك ينشأ الطفل الذي ينسى والده الله عندما يباشر أهله فيقع أولاده فريسة للشياطين. {وَقَدِّمُواْ لأَنْفُسِكُمْ} [البقرة: 223] أي قدموا لها ما يريحكم وما يطيل أمد حياتكم وأعمالكم في الحياة؛ لأنك عندما تقبل على المسألة بنية إنجاب الولد، وتذكر الله وتستعيذ من الشيطان فينعم عليك الخالق بالولد الصالح، هذا الولد يدعو لك، ويعلم أولاده أن يدعوا لك، وأولاده يدعون لك، وتظل المسألة مسلسلة فلا ينقطع عملك إلى أن تقوم الساعة، وهنا تكون قدمت لنفسك أفضل ما يكون التقديم. وهب أنك رُزقت المولود ثم مات ففجعت به واسترجعت واحتسبته عند ربك، إنك تكون قد قدمته، ليغلق عليك باباً من أبواب النيران. إذن فكل أمر لابد أن تذكر فيه {وَقَدِّمُواْ لأَنْفُسِكُمْ} [البقرة: 223]. ويقول الحق: {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّكُمْ مُّلاَقُوهُ وَبَشِّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ} [البقرة: 223] معنى {ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} [البقرة: 223] أي إياكم أن تغضبوا ربكم في أي عمل من هذه الأعمال، وكن أيها المسلم في هذه التقوى على يقين من أنك ملاقي الله، ولا تشك في هذا اللقاء أبداً. وما دمت ستتقي الله وتكون على يقين أنك تلاقيه لم يبقى لك إلا أن تُبَشَّر بالجنة. وبعد ذلك يقول الحق سبحانه: {وَلاَ تَجْعَلُواْ ٱللَّهَ عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقولهُ تعالى: {أَنَّىٰ شِئْتُمْ} معناه كَيفَ شِئْتُمْ فِي المأتى ومِنْ حَيثُ يكونُ الوَلدُ.
النسائي
تفسير : قوله تعالى: {نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّىٰ شِئْتُمْ} [223] 58- أنا/ إسحاق بن إبراهيم، أنا سفيان، عن ابن المنكدر، عن جابر قال: كانت اليهود تقول في الرجل يأتي امرأته من قبل دُبُرها في قُبُلِها أن الولد يكون أحول، فنزلت {نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّىٰ شِئْتُمْ}. 59- أنا قتيبة بن سعيد، نا أبو عوانة، عن محمد بن المُنكدر، عن جابر عن عبد الله قال: قال اليهود: إذا أتى الرجل امرأته من قِبَل دُبُرها، كان الحول من ذلك، فأنزل الله تبارك وتعالى {نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ} قال: قائما، وقاعدا، وباركا بعد أن يكون في المأْتى. 60- أنا أحمد بن الخليل، نا يونس بن محمد، نا يعقوب، نا جعفر، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس قال: حديث : جاء عمر بن الخطاب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، هلَكت، قال: "وما الذي أهلكك؟" قال: حوَّلت رحلي الليلة، فلم يرد عليه شيئا، قال: فأُوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية {نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّىٰ شِئْتُمْ} تفسير : يقول: أَقْبِل، وأَدْبِر، واتق الدُّبر، والحَيْضة.
همام الصنعاني
تفسير : 264- عبد الرزاق، قال: حدثنا معمر، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله قال: كانت العرب تبرك نساءَهَا، وكانت اليهود تعيرهم، يقولُون: إ ذا وُلدَ لأحَدِهِم وَلَدٌ كانَ أحْوَل، فأنزلَ الله تعالى: {نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّىٰ شِئْتُمْ}: [الآية: 223]. 265- عبد الرزاق، قال: حدّثنا مَعْمر، عن ابن خُثَيم، عن ابن سابط، عنْ حَفْصَة بنت عبد الرحمن، عن أم سلمة، "حديث : أن امرأةً سألتها عن الرَّجُل يأتي امرأته سحيبة فسألت أم سلَمَة رسول الله، فقال: {نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّىٰ شِئْتُمْ} صَمَّاماً واحِداً ". تفسير : [266- محمد بن كثير، قال: حدثنا عبد الله بن واقدٍ، قال حدثني طلحة بن عمرو، عن عطاء، في قوله تعالى: {وَقَدِّمُواْ لأَنْفُسِكُمْ}: [الآية: 223]، قال: التسْمِية عند الجماع].
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):