Verse. 231 (AR)

٢ - ٱلْبَقَرَة

2 - Al-Baqara (AR)

وَلَا تَجْعَلُوا اللہَ عُرْضَۃً لِّاَيْمَانِكُمْ اَنْ تَبَرُّوْا وَتَـتَّقُوْا وَتُصْلِحُوْا بَيْنَ النَّاسِ۝۰ۭ وَاللہُ سَمِيْعٌ عَلِيْمٌ۝۲۲۴
Wala tajAAaloo Allaha AAurdatan liaymanikum an tabarroo watattaqoo watuslihoo bayna alnnasi waAllahu sameeAAun AAaleemun

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ولا تجعلوا الله» أي الحلف به «عرضة» علة مانعة «لأيمانكم» أي نصيبا لها بأن تكثروا الحلف به «أن» لا «تبروا وتتقوا» فتكره اليمين على ذلك ويسن فيه الحنث ويكفِّر بخلافها على فعل. البر ونحوه فهي طاعة «وتصلحوا بين الناس» المعنى لا تمتنعوا من فعل ما ذكر من البر ونحوه إذا حلفتم عليه بل ائتوه وكفِّروا لأن سبب نزولها الامتناع من ذلك «والله سميع» لأقوالكم «عليم» بأحوالكم.

224

Tafseer

الرازي

تفسير : الحكـم التاسع في الأيمان والمفسرون أكثروا من الكلام في هذه الآية، وأجود ما ذكروه وجهان الأول: وهو الذي ذكره أبو مسلم الأصفهاني، وهو الأحسن أن قوله: {وَلاَ تَجْعَلُواْ ٱللَّهَ عُرْضَةً لأَيْمَـٰنِكُمْ } نهى عن الجراءة على الله بكثرة الحلف به، لأن من أكثر ذكر شيء في معنى من المعاني فقد جعله عرضة له يقول الرجل: قد جعلتني عرضة للومك، وقال الشاعر:شعر : ولا تجعلنـي عرضـة للـوائم تفسير : وقد ذم الله تعالى من أكثر الحلف بقوله: {أية : وَلاَ تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَّهِينٍ } تفسير : [القلم: 10] وقال تعالى: {أية : وَٱحْفَظُواْ أَيْمَـٰنَكُمْ } تفسير : [المائدة: 89] والعرب كانوا يمدحون الإنسان بالإقلال من الحلف، كما قال كثير:شعر : قليل الألا يا حافظ ليمينه وإن سبقت منه الألية برت تفسير : والحكمة في الأمر بتقليل الأيمان أن من حلف في كل قليل وكثير بالله انطلق لسانه بذلك ولا يبقى لليمين في قلبه وقع، فلا يؤمن إقدامه على اليمين الكاذبة، فيختل ما هو الغرض الأصلي في اليمين، وأيضاً كلما كان الإنسان أكثر تعظيماً لله تعالى كان أكمل في العبودية ومن كمال التعظيم أن يكون ذكر الله تعالى أجل وأعلى عنده من أن يستشهد به في غرض من الأغراض الدنيوية. وأما قوله تعالى بعد ذلك: {أَن تَبَرُّواْ } فهو علة لهذا النهي، فقوله: {أَن تَبَرُّواْ } أي إرادة أن تبروا، والمعنى: إنما نهيتكم عن هذا لما أن توقى ذلك من البر والتقوى والإصلاح، فتكونون يا معشر المؤمنين بررة أتقياء مصلحين في الأرض غير مفسدين. فإن قيل: وكيف يلزم من ترك الحلف حصول البر والتقوى والإصلاح بين الناس؟. قلنا: لأن من ترك الحلف لاعتقاده أن الله تعالى أجل وأعظم أن يستشهد باسمه العظيم في مطالب الدنيا وخسائس مطالب الحفل، فلا شك أن هذا من أعظم أبواب البر وأما معنى التقوى فظاهر أنه اتقى أن يصدر منه ما يخل بتعظيم الله، وأما الإصلاح بين الناس فمتى اعتقدوا في صدق لهجته، وبعده عن الأغراض الفاسدة فيقبلون قوله فيحصل الصلح بتوسطه. التأويل الثاني: قالوا: العرضة عبارة عن المانع، والدليل على صحة هذه اللغة أنه يقال: أردت أفعل كذا فعرض لي أمر كذا، واعترض أي تحامى ذلك فمنعني منه، واشتقاقها من الشيء الذي يوضع في عرض الطريق فيصير مانعاً للناس من السلوك والمرور ويقال: اعترض فلان على كلام فلان، وجعل كلامه معارضاً لكلام آخر، أي ذكر ما يمنعه من تثبيت كلامه، إذا عرفت أصل الاستقاق فالعرضة فعلة بمعنى المفعول، كالقبضة، والغرفة، فيكون اسماً لما يجعل معرضاً دون الشيء، ومانعاً منه، فثبت أن العرضة عبارة عن المانع، وأما اللام في قوله: {لأَيْمَـٰنِكُمْ } فهو للتعليل. إذا عرفت هذا فنقول: تقدير الآية: ولا تجعلوا ذكر الله مانعاً بسبب أيمانكم من أن تبروا أو في أن تبروا، فأسقط حرف الجر لعدم الحاجة إليه بسبب ظهوره، قالوا: وسبب نزول الآية أن الرجل كان يحلف على ترك الخيرات من صلة الرحم، أو إصلاح ذات البين، أو إحسان إلى أحد أدعيائه ثم يقول: أخاف الله أن أحنث في يميني فيترك البر إرادة البر في يمينه فقيل: لا تجعلوا ذكر الله مانعاً بسبب هذه الأيمان عن فعل البر والتقوى هذا أجود ما ذكره المفسرون وقد طولوا في كلمات أخر، ولكن لا فائدة فيها فتركناها، ثم قال في آخر الآية: {وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ } أي: إن حلفتم يسمع، وإن تركتم الحلف تعظيماً لله وإجلالاً له من أن يستشهد باسمه الكريم في الأغراض العاجلة فهو عليم عالم بما في قلوبكم ونيتكم.

القرطبي

تفسير : فيه أربع مسائل: الأُولىٰ ـ قال العلماء: لما أمر الله تعالىٰ بالإنفاق وصحبة الأيتام والنساء بجميل المعاشرة قال: لا تمتنعوا عن شيء من المكارم تعلّلا بأنا حلفنا ألا نفعل كذا؛ قال معناه ٱبن عباس والنخعيّ ومجاهد والربيع وغيرهم. قال سعيد بن جبير: هو الرجل يحلف ألا يَبرّ ولا يصِلَ ولا يُصلِح بين الناس؛ فيقال له: بَرّ؛ فيقول: قد حلفت. وقال بعض المتأولين: المعنى ولا تحلفوا بالله كاذبين إذا أردتم البِر والتقوى والإصلاح؛ فلا يحتاج إلى تقدير «لا» بعد «أن». وقيل: المعنى لا تستكثروا من اليمين بالله فإنه أهيب للقلوب؛ ولهذا قال تعالىٰ: {أية : وَٱحْفَظُوۤاْ أَيْمَانَكُمْ} تفسير : [المائدة: 89]. وذمّ من كثّر اليمين فقال تعالىٰ: {أية : وَلاَ تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَّهِينٍ} تفسير : [القلم: 10] والعرب تمتدِح بقلة الأيْمان؛ حتى قال قائلهم: شعر : قليلُ الألاَيَا حافِظٌ ليمينه وإن صدرت منه الأليّةُ بَرَّتِ تفسير : وعلى هذا «أن تبروا» معناه: أقِلّوا الأيمان لما فيه من البرّ والتقوىٰ؛ فإن الإكثار يكون معه الحِنثُ وقلة رَعْى لحق الله تعالىٰ: وهذا تأويل حسن. مالك بن أنس: بلغني أنه الحلِف بالله في كل شيء. وقيل: المعنى لا تجعلوا اليمين مبتذَلَة في كل حق وباطل. وقال الزجاج وغيره: معنى الآية أن يكون الرجل إذا طلب منه فعل خير ٱعتل بالله فقال: عليّ يمين؛ وهو لم يحلف. القتبيّ: المعنى إذا حلفتم على ألا تصِلوا أرحامكم ولا تتصدّقوا ولا تصلحوا، وعلى أشباه ذلك من أبواب البِر فكفروا اليمين. قلت: وهذا حسن لما بيناه، وهو الذي يدل عليه سبب النزول؛ على ما نبينه في المسألة بعد هذا. الثانية ـ قيل: نزلت بسبب الصدّيق إذ حلف ألا ينفق على مِسْطَح حين تكلم في عائشة رضي الله عنها؛ كما في حديث الإفك؛ وسيأتي بيانه في «النور»؛ عن ٱبن جريج. وقيل: نزلت في الصدّيق أيضاً حين حلف ألا يأكل مع الأضياف. وقيل نزلت في عبد الله بن رَوَاحة حين حلف ألا يكلم بشير بن النعمان وكان ختنه على أخته؛ والله أعلم. الثالثة ـ قوله تعالىٰ: {عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ} أي نصباً؛ عن الجوهريّ. وفلان عرضة ذاك، أي عرضة لذلك، أي مقرِن له قوِي عليه. والعُرضة: الهِمَّة. قال:شعر : هم الأنصـار عـرضتـها اللقـاء تفسير : وفلان عُرْضَةٌ للناس: لا يزالون يقعون فيه. وجعلت فلاناً عرضة لكذا أي نصبته له، وقيل: العرضة من الشدّة والقوّة؛ ومنه قولهم للمرأة: عُرْضَةٌ للنكاح؛ إذا صلحت له وقوِيت عليه؛ ولفلان عُرْضَةٌ: أي قوّة على السفر والحرب؛ قال كعب بن زهير:شعر : من كل نَضَّاخَة الذِّفْري إذا عَرِقَت عُرضَتُها طامِسُ الأعْلاِم مجهولُ تفسير : وقال عبد الله بن الزبير:شعر : فَهَذِي لأيامِ الحروب وهذه لِلَهْوِى وهذي عُرْضَةٌ لارْتِحَالنا تفسير : أي عدّة. وقال آخر:شعر : فَـلاَ تَجَعَلَنِـي عُرضـةً للَّوَائـم تفسير : وقال أوس بن حَجَر:شعر : وَأدْمَاءُ مثل الفحل يوماً عرضتُها لرحلي وفيها هِزّةٌ وتقاذُفُ تفسير : والمعنى: لا تجعلوا اليمين بالله قوّة لأنفسكم؛ وعدّة في الامتناع من البِر. الرابعة ـ قوله تعالىٰ: {أَن تَبَرُّواْ وَتَتَّقُواْ} مبتدأ وخبره محذوف، أي البر والتقوى والإصلاح أولى وأمثل؛ مثل «طاعةٌ وقول معروف» عن الزجاج والنحاس. وقيل: محله النصب، أي لا تمنعكم اليمين بالله عزّ وجلّ البِرَّ والتقوى والإصلاحَ؛ عن الزجاج أيضاً. وقيل: مفعول من أجله. وقيل؛ معناه ألاّ تبروا؛ فحذف «لا»؛ كقوله تعالىٰ: {أية : يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ}تفسير : [النساء: 176] أي لئلا تضلوا؛ قاله الطبريّ والنحاس. ووجه رابع من وجوه النصب؛ كراهة أن تبرّوا؛ ثم حذفت؛ ذكره النحاس والمهدوِيّ. وقيل: هو في موضع خفض على قول الخليل والكسائي؛ التقدير: في أن تبروا، فأضمرت «في» وخفضت بها. و {سَمِيعٌ} أي لأقوال العباد. {عَلِيمٌ } بنياتهم.

البيضاوي

تفسير : {وَلاَ تَجْعَلُواْ ٱللَّهَ عُرْضَةً لأَيْمَـٰنِكُمْ أَن تَبَرُّواْ وَتَتَّقُواْ وَتُصْلِحُواْ بَيْنَ ٱلنَّاسِ} نزلت في الصديق رضي الله تعالى عنه لما حلف أن لا ينفق على مسطح لافترائه على عائشة رضي الله تعالى عنها، أو في عبد الله بن رواحة حلف أن لا يكلم ختنه بشير بن النعمان ولا يصلح بينه وبين أخته. والعرضة فعلة بمعنى المفعول كالقبضة تطلق لما يعرض دون الشيء وللمعرض للأمر، ومعنى الآية على الأول ولا تجعلوا الله حاجزاً لما حلفتم عليه من أنواع الخير، فيكون المراد بالإِيمان الأمور المحلوف عليها، كقوله عليه الصلاة والسلام لابن سمرة «حديث : إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيراً منها، فأت الذي هو خير وكفر عن يمينك». تفسير : وأن مع صلتها عطف بيان لها، واللام صلة عرضة لما فيها من معنى الاعتراض، ويجوز أن تكون للتعليل ويتعلق أن بالفعل أو بعرضة أي ولا تجعلوا الله عرضة لأن تبروا لأجل أيمانكم به، وعلى الثاني ولا تجعلوه معرضاً لأيمانكم فتبتذلوه بكثرة الحلف به، ولذلك ذم الحلاف بقوله: {أية : وَلاَ تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَّهِينٍ }تفسير : [القلم: 10] و {أَن تَبَرُّواْ} علة للنهي أي أنهاكم عنه إرادة بركم وتقواكم وإصلاحكم بين الناس، فإن الحلاَّفَ مجترىء على الله تعالى، والمجترىء عليه لا يكون براً متقياً ولا موثوقاً به إصلاح ذات البين {وَٱللَّهُ سَمِيعٌ} لأيمانكم. {عَلِيمٌ} بنياتكم.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى: لا تجعلوا أيمانكم بالله تعالى مانعة لكم من البر وصلة الرحم إذا حلفتم على تركها، كقوله تعالى: {أية : وَلاَ يَأْتَلِ أُوْلُواْ ٱلْفَضْلِ مِنكُمْ وَٱلسَّعَةِ أَن يُؤْتُوۤاْ أُوْلِى ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْمَسَـٰكِينَ وَٱلْمُهَـٰجِرِينَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلْيَعْفُواْ وَلْيَصْفَحُوۤاْ أَلاَ تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَكُمْ}تفسير : [النور: 22] فالاستمرار على اليمين آثم لصاحبها من الخروج منها بالتكفير، كما قال البخاري: حدثنا إسحاق بن إبراهيم، أخبرنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر عن همام بن منبه، قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : نحن الآخرون السابقون يوم القيامة»تفسير : وقال رسول صلى الله عليه وسلم: «حديث : والله لأن يلجَّ أحدكم بيمينه في أهله آثم له عند الله من أن يعطي كفارته التي افترض الله عليه»تفسير : وهكذا رواه مسلم عن محمد بن رافع عن عبد الرزاق به، ورواه أحمد عنه به، ثم قال البخاري: حدثنا إسحاق بن منصور، حدثنا يحيى بن صالح، حدثنا معاوية، هو ابن سلام، عن يحيى، وهو ابن أبي كثير، عن عكرمة عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من استلجّ في أهله بيمين فهو أعظم إثماً، ليس تغني الكفارة»تفسير : وقال علي بن طلحة عن ابن عباس في قوله {وَلاَ تَجْعَلُواْ ٱللَّهَ عُرْضَةً لأَِيْمَـٰنِكُمْ} قال: لا تجعلن عرضة ليمينك أن لا تصنع الخير، ولكن كفر عن يمينك، واصنع الخير، وكذا قال مسروق والشعبي وإبراهيم النخعي ومجاهد وطاوس وسعيد بن جبير وعطاء وعكرمة ومكحول والزهري والحسن وقتادة ومقاتل ابن حيان والربيع بن أنس والضحاك وعطاء الخراساني والسدي، رحمهم الله، ويؤيد ما قاله هؤلاء الجمهور ما ثبت في الصحيحين عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إني والله إن شاء الله، لا أحلف على يمين، فأرى غيرها خيراً منها، إلا أتيت الذي هو خير، وتحللتها»تفسير : وثبت فيهما أيضاً أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعبد الرحمن بن سمرة: «حديث : يا عبد الرحمن بن سمرة لا تسأل الإمارة، فإنك إن أعطيتها من غير مسألة، أعنت عليها، وإن أعطيتها عن مسألة، وكلت إليها، إذا حلفت على يمين، فرأيت غيرها خيراً منها، فأت الذي هو خير، وكفر عن يمينك» تفسير : وروى مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : من حلف على يمين، فرأى غيرها خيراً منها، فليكفر عن يمينه، وليفعل الذي هو خير»تفسير : وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو سعيد مولى بني هاشم، حدثنا خليفة بن خياط، حدثني عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : من حلف على يمين، فرأى غيرها خيراً منها، فتركها كفارتها»تفسير : ورواه أبو داود من طريق أبي عبيد الله بن الأخنس عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ولا نذر ولا يمين فيما لا يملك ابن آدم، ولا في معصية الله، ولا في قطيعة رحم، ومن حلف على يمين، فرأى غيرها خيراً منها، فليدعها، وليأت الذي هو خير، فإن تركها كفارتها»تفسير : ثم قال أبو داود: والأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم كلها: «حديث : فليكفر عن يمينه»تفسير : وهي الصحاح. وقال ابن جرير: حدثنا علي بن سعيد الكندي، حدثنا علي بن مسهر عن حارثة بن محمد، عن عمرة، عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من حلف على يمين قطيعة رحم ومعصية، فبره أن يحنث فيها، ويرجع عن يمينه»تفسير : وهذا حديث ضعيف، لأن حارثة هذا هو ابن أبي الرجال محمد بن عبد الرحمن متروك الحديث، ضعيف عند الجميع. ثم روى ابن جرير عن ابن عباس وسعيد بن المسيب ومسروق والشعبي أنهم قالوا: لا يمين في معصية، ولا كفارة عليها. وقوله: {لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱلَّلغْوِ فِىۤ أَيْمَـٰنِكُمْ} أي: لا يعاقبكم ولا يلزمكم بما صدر منكم من الأيمان اللاغية، وهي التي لا يقصدها الحالف، بل تجري على لسانه عادة من غير تعقيد ولا تأكيد، كما ثبت في الصحيحين من حديث الزهري عن حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : من حلف فقال في حلفه: باللات والعزى، فليقل: لا إله إلا الله»تفسير : فهذا قاله لقوم حديثي عهد بجاهلية، قد أسلموا وألسنتهم قد ألفت ما كانت عليه من الحلف باللات من غير قصد، فأمروا أن يتلفظوا بكلمة الإخلاص كما تلفظوا بتلك الكلمة من غير قصد؛ لتكون هذه بهذه، ولهذا قال تعالى: {وَلَـٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ} الآية، وفي الآية الأخرى: {أية : بِمَا عَقَّدتُّمُ ٱلأَيْمَـٰنَ}تفسير : [المائدة: 89]. قال أبوداود (باب لغو اليمين): حدثنا حميد بن مسعدة الشامي، حدثنا حيان، يعني: ابن إبراهيم، حدثنا إبراهيم، يعني: الصائغ، عن عطاء في اللغو في اليمين، قال: قالت عائشة: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : اللغو في اليمين هو كلام الرجل في بيته: كلا والله، وبلى والله»تفسير : ثم قال أبو داود: رواه دواد بن الفرات عن إبراهيم الصائغ، عن عطاء عن عائشة موقوفاً، ورواه الزهري وعبد الملك ومالك بن مغول، كلهم عن عطاء عن عائشة موقوفاً أيضاً. (قلت): وكذا رواه ابن جريج وابن أبي ليلى عن عطاء عن عائشة موقوفاً، ورواه ابن جرير عن هناد عن وكيع وعبدة وأبي معاوية عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة في قوله: {لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱلَّلغْوِ فِىۤ أَيْمَـٰنِكُمْ}: لا والله، وبلى والله، ثم رواه عن محمد بن حميد عن سلمة، عن ابن إسحاق، عن هشام، عن أبيه، عنها، وبه عن ابن إسحاق عن الزهري عن القاسم، عنها، وبه عن ابن إسحاق عن ابن أبي نجيح عن عطاء، عنها، وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة في قوله: {لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱلَّلغْوِ فِىۤ أَيْمَـٰنِكُمْ} قالت: هم القوم يتدارؤون في الأمر، فيقول هذا: لا والله، بلى والله، وكلا والله، يتدارؤون في الأمر، لا تعقد عليه قلوبهم، وقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا هارون بن إسحاق الهمداني، حدثنا عبدة، يعني: ابن سليمان، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة في قول الله: {لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱلَّلغْوِ فِىۤ أَيْمَـٰنِكُمْ} قالت: هو قول الرجل: لا والله، وبلى والله. وحدثنا أبي، حدثنا أبو صالح كاتب الليث، حدثني ابن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة، قال: كانت عائشة تقول: إنما اللغو في المزاحة والهزل، وهو قول الرجل: لا والله، وبلى والله، فذاك لا كفارة فيه، إنما الكفارة فيما عقد عليه قلبه أن يفعله ثم لا يفعله، ثم قال ابن أبي حاتم: وروي عن ابن عمر وابن عباس في أحد قوليه، والشعبي وعكرمة في أحد قوليه، وعروة بن الزبير وأبي صالح والضحاك في أحد قوليه، وأبي قلابة والزهري نحو ذلك. (الوجه الثاني): قرىء على يونس بن عبد الأعلى، أخبرنا ابن وهب، أخبرني الثقة عن ابن شهاب عن عروة، عن عائشة أنها كانت تتأول هذه الآية، يعني قوله: {لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱلَّلغْوِ فِىۤ أَيْمَـٰنِكُمْ} وتقول: هو الشيء يحلف عليه أحدكم، لا يريد منه إلا الصدق، فيكون على غير ما حلف عليه، ثم قال: وروي عن أبي هريرة وابن عباس في أحد قوليه، وسليمان بن يسار وسعيد بن جبير ومجاهد في أحد قوليه، وإبراهيم النخعي في أحد قوليه، والحسن وزرارة بن أوفى وأبي مالك وعطاء الخراساني وبكر بن عبد الله، وأحد قولي عكرمة، وحبيب بن أبي ثابت والسدي ومكحول ومقاتل وطاوس وقتادة والربيع بن أنس ويحيى بن سعيد وربيعة نحو ذلك. وقال ابن جرير: حدثنا محمد بن موسى الحرشي، حدثنا عبد الله بن ميمون المرادي، حدثنا عوف الأعرابي عن الحسن بن أبي الحسن قال: مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوم ينتضلون، يعني: يرمون، ومع رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل من أصحابه، فقام رجل من القوم فقال: أصبت والله، وأخطأت والله، فقال الذي مع النبي صلى الله عليه وسلم للنبي صلى الله عليه وسلم حنث الرجل يا رسول الله قال: «حديث : كلا، أيمان الرماة لغو، لا كفارة فيها ولا عقوبة»تفسير : هذا مرسل حسن عن الحسن. وقال ابن أبي حاتم: وروي عن عائشة القولان جميعاً، حدثنا عصام بن رواد، أنبأنا آدم، حدثنا شيبان عن جابر، عن عطاء بن أبي رباح، عن عائشة، قالت: هو قوله: لا والله، وبلى والله، وهو يرى أنه صادق، ولا يكون كذلك. (أقوال أخر) ـ قال عبد الرزاق: عن هشيم عن مغيرة، عن إبراهيم: هو الرجل يحلف على الشيء، ثم ينساه. وقال زيد بن أسلم: هو قول الرجل: أعمى الله بصري إن لم أفعل كذا وكذا، أخرجني الله من مالي إن لم آتك غداً، فهو هذا. قال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا مسدد بن خالد، حدثنا خالد، حدثنا عطاء عن طاوس، عن ابن عباس، قال: لغو اليمين أن تحلف وأنت غضبان. وأخبرني أبي: حدثنا أبو الجماهر، حدثنا سعيد بن بشير، حدثني أبو بشر عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: لغو اليمين أن تحرم ما أحل الله لك، فذلك ما ليس عليك فيه كفارة، وكذا روي عن سعيد بن جبير. وقال أبو داود (باب اليمين في الغضب): حدثنا محمد بن المنهال، أنبأنا يزيد بن زريع، حدثنا حبيب المعلم عن عمرو بن شعيب، عن سعيد بن المسيب: أن أخوين من الأنصار كان بينهما ميراث، فسأل أحدهما صاحبه القسمة، فقال: إن عدت تسألني عن القسمة فكل ما لي في رتاج الكعبة، فقال له عمر: إن الكعبة غنية عن مالك، كفر عن يمينك، وكلم أخاك، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : لا يمين عليك ولا نذر في معصية الرب عز وجل، ولا في قطيعة الرحم، ولا فيما لا تملك»تفسير : . وقوله: {وَلَـٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ} قال ابن عباس ومجاهد وغير واحد: هو أن يحلف على الشيء، وهو يعلم أنه كاذب، قال مجاهد وغيره، وهي كقوله تعالى: {أية : وَلَـٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ ٱلأَيْمَـٰنَ}تفسير : [المائدة: 89] الآية. {وَٱللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ} أي: غفور لعباده، حليم عليهم.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَلاَ تَجْعَلُواْ ٱللَّهَ } أي الحلف به {عُرْضَةً } علة مانعة {لأَيْمَٰنِكُمْ } أي نُصْباً لها بأن تكثروا الحلف به {أن} لا {تَبَرُّواْ وَتَتَّقُواْ } فتُكْرَه اليمين على ذلك ويسن فيه الحنث ويكفِّر بخلافها على فعل البر ونحوه فهي طاعة {وَتُصْلِحُواْ بَيْنَ ٱلنَّاسِ } المعنى لا تمتنعوا من فعل ما ذكر من البر ونحوه إذا حلفتم عليه بل ائتوه وكفروا لأن سبب نزولها الامتناع من ذلك {وَٱللَّهُ سَمِيعٌ } لأقوالكم {عَلِيم } بأحوالكم.

الشوكاني

تفسير : العرضة: النصبة، قاله الجوهري. يقال جعلت فلاناً عرضة لكذا: أي: نصبة. وقيل: العرضة من الشدة، والقوّة، ومنه قولهم للمرأة: عرضة للنكاح: إذا صلحت له، وقويت عليه، ولفلان عرضة: أي: قوّة، ومنه قول كعب بن زهير:شعر : مِنْ كُلَّ نَضَّاحِة الدِّفرى إذا عَرِقَتْ عُرْضَتُها طَامِسُ الأعْلامِ مَجْهُولُ تفسير : ومثله قول أوس بن حجر:شعر : وأدْمَاءُ مِثل العجل يوماً عَرَضتُها لِرَحْلي وفيها هِزَّة وَتَقَاذُفُ تفسير : ويطلق العرضة على الهمة، ومنه قول الشاعر:شعر : هم الأنصار عرضتها اللقاء تفسير : أي: همتها، ويقال: فلان عرضة للناس لا يزالون يقعون فيه، فعلى المعنى الذي ذكره الجوهري أن العرضة: النصبة كالقبضة، والغرفة يكون ذلك اسماً لما تعرضه دون الشيء، أي تجعله حاجزاً له، ومانعاً منه، أي: لا تجعلوا الله حاجزاً، ومانعاً لما حلفتم عليه، وذلك؛ لأن الرجل كان يحلف على بعض الخير من صلة رحم، أو إحسان إلى الغير، أو إصلاح بين الناس بأن لا يفعل ذلك، ثم يمتنع من فعله معللاً لذلك الامتناع بأنه قد حلف أن لا يفعله، وهذا المعنى هو الذي ذكره الجمهور في تفسير الآية، ينهاهم الله أن يجعلوه عرضة لأيمانهم، أي: حاجزاً لما حلفوا عليه، ومانعاً منه، وسمى المحلوف عليه يميناً لتلبسه باليمين، وعلى هذا يكون قوله: {أَن تَبَرُّواْ } عطف بيان {لأيمانكم} أي: لا تجعلوا الله مانعاً للأيمان التي هي بركم، وتقواكم، وإصلاحكم بين الناس، ويتعلق قوله: {لاِيْمَـٰنِكُمْ } بقوله: {لا تجعلوا} أي: لا تجعلوا الله لأيمانكم مانعاً، وحاجزاً، ويجوز أن يتعلق بعرضة، أي: لا تجعلوه شيئاً معترضاً بينكم، وبين البرّ، وما بعده، وعلى المعنى الثاني، وهو أن العرضة: الشدة، والقوّة يكون معنى الآية: لا تجعلوا اليمين بالله قوة لأنفسكم، وعدّة في الامتناع من الخير، ولا يصح تفسير الآية على المعنى الثالث، وهو: تفسير العرضة بالهمة، وأما على المعنى الرابع، وهو من قولهم: فلان لا يزال عرضة للناس، أي: يقعون فيه، فيكون معنى الآية عليه: ولا تجعلوا الله معرضاً لأيمانكم، فتبتذلونه بكثرة الحلف به، ومنه {أية : وَٱحْفَظُواْ أَيْمَـٰنَكُمْ } تفسير : [المائدة: 89] وقد ذمّ الله المكثرين للحلف فقال: {أية : وَلاَ تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَّهِينٍ } تفسير : [القلم: 10] وقد كانت العرب تتمادح بقلة الأيمان حتى قال قائلهم:شعر : قَلِيلُ الألايَا حَافِظُ ليمينه وإن سبقت منه الألية بَرّت تفسير : وعلى هذا، فيكون قوله: {أَن تَبَرُّواْ } علة للنهي، أي: لا تجعلوا الله معرضاً لأيمانكم إرادة أن تبروا، وتتقوا، وتصلحوا؛ لأن من يكثر الحلف بالله يجتريء على الحنث، ويفجر في يمينه. وقد قيل في تفسير الآية أقوال هي راجعة إلى هذه الوجوه التي ذكرناها، فمن ذلك قول الزجاج: معنى الآية: أن يكون الرجل إذا طلب منه الفعل الذي فيه خير اعتلّ بالله، فقال عليَّ يمين، وهو لم يحلف. وقيل: معناها: لا تحلفوا بالله كاذبين إذا أردتم البرّ، والتقوى، والإصلاح. وقيل: معناها: إذا حلفتم على أن لا تصلوا أرحامكم، ولا تتصدقوا، ولا تصلحوا، وعلى أشباه ذلك من أبواب البر، فكفروا عن اليمين، وقد قيل: إن قوله: {أَن تَبَرُّواْ } مبتدأ خبره محذوف أي: البرّ، والتقوى، والإصلاح أولى. قاله الزجاج، وقيل: إنه منصوب أي: لا تمنعكم اليمين بالله البرّ، والتقوى، والإصلاح. وروى ذلك عن الزجاج أيضاً. وقيل: معناه: أن لا تبروا، فحذف لا، كقوله: {أية : يُبَيّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ } تفسير : [النساء: 176] أي: لا تضلوا. قاله ابن جرير الطبري. وقيل: هو في موضع جرّ على قول الخليل، والكسائي، والتقدير: في {أَن تَبَرُّواْ } وقوله: {سَمِيعُ } أي: لأقوال العباد: {عَلِيمٌ } بما يصدر منهم. واللغو: مصدر لغا يلغو لغواً، ولغى يلغي لغياً: إذا أتى بما لا يحتاج إليه في الكلام، أو بما لا خير فيه، وهو الساقط الذي لا يعتدّ به، فاللغو من اليمين: هو الساقط الذي لا يعتدّ به، ومنه اللغو في الدية، وهو الساقط الذي لا يعتد به من أولاد الإبل، قال جرير:شعر : ويذهب بينها المرى لغوا كما ألغيت في الدية الحوارا تفسير : وقال آخر:شعر : وَرَب أسْرَاب حَجيجٍ كُظَّم عَنِ اللَّغا وَرَفَثِ التَّكَلُّمِ تفسير : أي: لا يتكلمن بالساقط والرفث، ومعنى الآية: لا يعاقبكم الله بالساقط من أيمانكم، ولكن يعاقبكم بما كسبت قلوبكم، أي: اقترفته بالقصد إليه، وهي اليمين المعقودة، ومثله قوله تعالى: {أية : وَلَـٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ ٱلأيْمَـٰنَ }تفسير : [المائدة: 89] ومثله قول الشاعر:شعر : ولستَ بمأخوذ بِلَغوِ يقولُه إذا لم تَعَمدَّ عاقداتِ العزائِمِ تفسير : وقد اختلف أهل العلم في تفسير اللغو، فذهب ابن عباس، وعائشة، وجمهور العلماء أيضاً: أنه قول الرجل: لا والله، وبلى والله في حديثه، وكلامه، غير معتقد لليمين، ولا مريد لها. قال المروزي: هذا معنى لغو اليمين الذي اتفق عليه عامة العلماء. وقال أبو هريرة، وجماعة من السلف: هو أن يحلف الرجل على الشيء لا يظن إلا أنه إياه فإذا ليس هو ما ظنه، وإلى هذا ذهبت الحنفية، والزيدية، وبه قال مالك في الموطأ. وروي عن ابن عباس: أنه قال: لغو اليمين أن تحلف، وأنت غضبان، وبه قال طاوس، ومكحول. وروى عن مالك، وقيل: إن اللغو هو يمين المعصية، قاله سعيد بن المسيب، وأبو بكر بن عبد الرحمن، وعبد الله بن الزبير، وأخوه عروة كالذي يقسم ليشربنَّ الخمر، أو ليقطعنَّ الرحم، وقيل: لغو اليمين: هو دعاء الرجل على نفسه، كأن يقول: أعمى الله بصره، أذهب الله ماله، هو يهودي، هو مشرك. قاله زيد بن أسلم. وقال مجاهد: لغو اليمين أن يتبايع الرجلان، فيقول أحدهما: والله لا أبيعك بكذا، ويقول الآخر: والله لا أشتريه بكذا. وقال الضحاك: لغو اليمين: هي المكفرة. أي: إذا كفرت سقطت، وصارت لغواً. والراجح القول الأول لمطابقته للمعنى اللغوي، ولدلالة الأدلة عليه كما سيأتي. وقوله: {وَٱللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ } أي: حيث لم يؤاخذكم بما تقولونه بألسنتكم من دون عمد أو قصد، وآخذكم بما تعمدته قلوبكم، وتكلمت به ألسنتكم، وتلك هي اليمين المعقودة المقصودة. وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في سننه عن ابن عباس في قوله: {وَلاَ تَجْعَلُواْ ٱللَّهَ عُرْضَةً لأيْمَـٰنِكُمْ } يقول: لا تجعلني عرضة ليمينك أن لا تصنع الخير، ولكن كفر عن يمينك، واصنع الخير. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير عنه هو: أن يحلف الرجل أن لا يكلِّم قرابته أولا يتصدق، ويكون بين رجلين مغاضبة، فيحلف لا يصلح بينهما، ويقول قد حلفت، قال: يكفر عن يمينه. وأخرج ابن أبي حاتم، عن عطاء قال: جاء رجل إلى عائشة، فقال: إني نذرت إن كلمت فلاناً، فإن كل مملوك لي عتيق، وكل مال لي ستر للبيت، فقالت: لا تجعل مملوكيك عتقاء، ولا تجعل مالك ستراً للبيت، فإن الله يقول: {وَلاَ تَجْعَلُواْ ٱللَّهَ عُرْضَةً لأيْمَـٰنِكُمْ } فكفر عن يمينك، وقد ورد أن هذه الآية نزلت في أبي بكر في شأن مسطح. رواه ابن جرير، عن ابن جريج، والقصة مشهورة، وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة في الصحيحين، وغيرهما؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها، فليأت الذي هو خير، وليكفر عن يمينه»تفسير : . وثبت أيضاً في الصحيحين، وغيرهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : والله إن شاء الله لا أحلف على يمين، فأرى غيرها خيراً منها إلا أتيت الذي هو خير، وكفَّرتُ عن يميني»تفسير : . وأخرج ابن ماجه، وابن جرير عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من حلف على يمين قطيعة رحم، أو معصية، فبرُّه أن يحنث فيها، ويرجع عن يمينه»تفسير : . وأخرج أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا نذَر، ولا يمينَ، فيما لا يملك ابن آدم، ولا في معصية الله، ولا في قطيعة رحم»تفسير : وأخرج أبو داود، والحاكم، وصححه عن عمر مرفوعاً مثله. وأخرج النسائي، وابن ماجه، عن مالك الجُشَمي قال: قلت يا رسول الله يأتيني ابن عمي، فأحلف أن لا أعطيه، ولا أصله، فقال: حديث : كفر عن يمينك. تفسير : وأخرج مالك في الموطأ، وعبد الرزاق، وعبد بن حميد، والبخاري، وغيرهم عن عائشة قالت: أنزلت هذه الآية {لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱلَّلغْوِ فِى أَيْمَـٰنِكُمْ } في قول الرجل لا والله، وبلى والله، وكلا والله. وأخرج أبو داود، وابن جرير، وابن حبان، وابن مردويه، والبيهقي من طريق عطاء بن أبي رباح؛ أنه سئل عن اللغو في اليمين، فقال: قالت عائشة: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : هو كلام الرجل في بيته كلا والله، وبلى والله»تفسير : وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر عن عائشة، أنها قالت في تفسيره الآية: إن اللغو هو القوم يتدارؤون في الأمر يقول هذا: لا والله، ويقول هذا: كلا والله، يتدارون في الأمر لا تعقد عليه قلوبهم. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن عائشة أنها قالت: هو اللغو في المزاحة والهزل، وهو: قول الرجل لا والله، وبلى والله، فذاك لا كفارة فيه، وإنما الكفارة فيما عقد عليه قلبه أن يفعله، ثم لا يفعله. وأخرج ابن جرير، عن الحسن: قال: مرّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوم ينتضلون، ومع النبي صلى الله عليه وسلم رجل من أصحابه، فرمى رجل من القوم، فقال: أصبت والله، وأخطأت والله، فقال الذي مع النبي صلى الله عليه وسلم: حنث الرجل يا رسول الله، فقال: حديث : كلا، أيمان الرماة لغو لا كفارة فيها، ولا عقوبة. تفسير : وقد روى أبو الشيخ عن عائشة، وابن عباس، وابن عمر، وابن عمرو أن اللغو لا والله، وبلى والله. أخرجه سعيد بن منصور، وابن جرير، وابن المنذر عن ابن عباس. وأخرج سعيد بن منصور، وعبد بن حميد عن ابن عباس؛ أنه قال: لغو اليمين أن تحلف، وأنت غضبان. وأخرج ابن جرير، عن أبي هريرة قال: لغو اليمين حلف الإنسان على الشيء يظن أنه الذي حلف عليه، فإذا هو غير ذلك. وأخرج ابن أبي حاتم، والبيهقي عن عائشة نحوه. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس نحوه، وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس: أنها أن يحلف الرجل على تحريم ما أحلّ الله له. وأخرج عبد الرزاق، وابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير قال: هو الرجل يحلف على المعصية، وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد عن النخعي: هو أن يحلف الرجل على الشيء ثم ينسى. وأخرج ابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير في قوله: {وَٱللَّهُ غَفُورٌ } يعني إذ تجاوز عن اليمين التي حلف عليها {حَلِيمٌ } إذ لم يجعل فيها الكفارة.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {وَلاَ تَجْعَلُواْ اللَّهَ عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ} أما العرضة في كلام العرب، فهي القوة والشدة، وفيها ها هنا تأويلان: أحدهما: أن تحلف بالله تعالى في كل حق وباطل، فتتبذل اسمه، وتجعله عُرضة. والثاني: أن معنى عُرضة، أي علة يتعلل بها في بِرّه، وفيها وجهان: أحدهما: أن يمتنع من فعل الخير والإصلاح بين الناس إذا سئل، فيقول عليّ يمين أن لا أفعل ذلك، أو يحلف بالله في الحال فيعتلّ في ترك الخير باليمين، وهذا قول طاووس، وقتادة، والضحاك، وسعيد بن جبير. والثاني: أن يحلف بالله ليفعلن الخير والبر، فيقصد في فعله البر في يمينه، لا الرغبة في فعله. وفي قوله: {أَن تَبَرُّواْ} قولان: أحدهما: أن تبروا في أيمانكم. والثاني: أن تبروا في أرحامكم. {وَتَتَقُواْ وَتُصْلِحُواْ بَيْنَ النَّاسِ} هو الإصلاح المعروف {وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} سميع لأيمانكم، عليم باعتقادكم. قوله تعالى: {لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِالَّلغوِ فيِ أَيْمانِكُم} أما اللغو في كلام العرب، فهو كل كلام كان مذموماً، وفضلا لا معنى له، فهو مأخوذ من قولهم لغا فلان في كلامه إذا قال قبحاً، ومنه قوله تعالى: {أية : وَإِذَا سَمِعُواْ اللَّغْوَ أَعْرَضُواْ عَنْهُ} تفسير : [القصص:55]. فأما لغو اليمين التي لا يؤاخذ الله تعالى بها، ففيها سبعة تأويلات: أحدها: ما يسبق به اللسان من غير قصد كقوله: لا والله، وبلى والله، وهو قول عائشة، وابن عباس، وإليه ذهب الشافعي، روى عبد الله بن ميمون، عن عوف الأعرابي، عن الحسن بن أبي الحسن قال: مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوم ينضلون يعني يرمون، ومع النبي صلى الله عليه وسلم رجل من أصحابه، فرمى رجل من القوم، فقال أصاب والله، أخطأت والله، فقال الذي مع النبي صلى الله عليه وسلم: حنث الرجل يا رسول الله، فقال: "حديث : كَلاَّ أَيْمَانُ الرَُمَاةِ لَغُّوٌ وَلاَ كَفَّارَةَ وَلاَ عُقٌوبَةَ ". تفسير : والثاني: أن لغو اليمين، أن يحلف على الشيء يظن أنه كما حلف عليه، ثم يتبين أنه بخلافه، وهو قول أبي هريرة. والثالث: أن لغو اليمين أن يحلف بها صاحبها في حال الغضب على غير عقد قلب ولا عزم، ولكن صلة للكلام، وهو قول طاوس. وقد روى يحيى بن أبي كثير عن طاووس عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لاَ يَمِينَ فِي غَضَبٍ ". تفسير : والرابع: أن لغو اليمين أن يحلف بها في المعصية، فلا يكفر عنها، وهو قول سعيد بن جبير، ومسروق، والشعبي، وقد روى عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : مَنْ نَذَرَ فِيمَا لاَ يَمْلِكُ فَلاَ نَذْرَ لَهُ، وَمَنْ حَلَفَ عَلَى مَعْصِيَةٍ فَلاَ يَمِينَ لَهُ، وَمَنْ حَلَفَ عَلَى قَطِيعَةِ رَحِمٍ فَلاَ يَمِينَ لَهُ ". تفسير : والخامس: أن اللغو في اليمين، إذا دعا الحالف على نفسه، كأن يقول: إن لم أفعل كذا فأعمى الله بصري، أو قلل من مالي، أو أنا كافر بالله، وهو قول زيد بن أسلم. والسادس: أن لغو اليمين هو ما حنث فيه الحالف ناسياً، وهذا قول النخعي. ثم قوله تعالى: {وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ} فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: أن يحلف كاذباً أو على باطل، وهذا قول إبراهيم النخعي. والثاني: أن يحلف عمداً، وهذا قول مجاهد. والثالث: أنه اعتقاد الشرك بالله والكفر، وهذا قول ابن زيد. {وَاللهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ} غفور لعباده، فيما لغوا من أيمانهم، حليم في تركه مقابلة أهل حسنته بالعقوبة على معاصيهم.

ابن عبد السلام

تفسير : {عُرْضَةً} من القوة والشدة، فالعرضة أن يحلف في كل حق وباطل فيبتذل اسم الله ـ تعالى ـ ويجعله عرضة، أو العرضة: علة يعتل بها فيمتنع من فعل الخير، والإصلاح معتدلاً بأن حلفت، أو يحلف في الحال فيعتل بيمينه في ترك الخير، أو يحلف ليفعلن البر والخير فيقصد بفعله برّ يمينه دون الرغبة في فعل الخير. {أَن تَبَرُّواْ} في أيمانكم، أو تبروا أرحامكم {وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ}. {سَمِيعٌ} لأيمانكم {عَلِيمٌ} باعتقادكم.

النسفي

تفسير : {وَلاَ تَجْعَلُواْ ٱللَّهَ عُرْضَةً لأَِيْمَـٰنِكُمْ } العرضة فعلة بمعنى مفعول كالقبضة وهي اسم ما تعرضه دون الشيء من عرض العود على الإناء فيتعرض دونه ويصير حاجزاً ومانعاً منه. تقول فلان عرضة دون الخير، وكان الرجل يحلف على بعض الخيرات من صلة رحم أو إصلاح ذات بين أو إحسان إلى أحد أوعبادة ثم يقول: أخاف الله أن أحنث في يميني فيترك البرّ إرادة البر في يمينه فقيل لهم ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أي حاجزاً لما حلفتم عليه، وسمي المحلوف عليه يميناً بتلبسه باليمين كقوله عليه السلام«حديث : من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها فليكفر عن يمينه» تفسير : وقوله {أَن تَبَرُّواْ وَتَتَّقُواْ وَتُصْلِحُواْ بَيْنَ ٱلنَّاسِ } عطف بيان لأيمانكم أي للأمور المحلوف عليها التي هي البر والتقوى والإصلاح بين الناس. واللام تتعلق بالفعل أي ولا تجعلوا الله لأيمانكم برزخاً، ويجوز أن تكون اللام للتعليل ويتعلق «أن تبروا» بالفعل أو بالعرضة أي ولا تجعلوا الله لأجل أيمانكم به عرضة لأن تبروا «واللّه سميعٌ» لأيمانكم «عليمٌ» بنياتكم. {لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱلَّلغْوِ فِى أَيْمَـٰنِكُمْ } اللغو الساقط الذي لا يعتد به من كلام وغيره، ولغو اليمين الساقط الذي لا يعتد به في الأيمان وهو أن يحلف على شيء يظنه على ما حلف عليه والأمر بخلافه، والمعنى لا يعاقبكم «بلغو» اليمين الذي يحلفه أحدكم، وعند الشافعي رحمه الله هو ما يجري على لسانه من غير قصد للحلف نحو «لا والله» و «بلى والله». {وَلَـٰكِن يُؤَاخِذُكُم } ولكن يعاقبكم {بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ } بما اقترفته من إثم القصد إلى الكذب في اليمين وهو أن يحلف على ما يعلم أنه خلاف ما يقوله وهو اليمين الغموس، وتعلق الشافعي بهذا النص على وجوب الكفارة في الغموس لأن كسب القلب العزم والقصد، والمؤاخذة غير مبينة هنا وبينت في المائدة فكان البيان ثمة بياناً هنا، وقلنا: المؤاخذة هنا مطلقة. وهي في دار الجزاء والمؤاخذة ثم مقيدة بدار الابتلاء فلا يصح حمل البعض على البعض {وَٱللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ } حيث لم يؤاخذكم باللغو في «أيمانكم». {لّلَّذِينَ يُؤْلُونَ } يقسمون وهي قراءة ابن عباس رضي الله عنه و«من» في {مِن نّسَائِهِمْ } يتعلق بالجار والمجرور أي للذين كما تقول لك مني نصرة ولك مني معونة أي للمؤلين من نسائهم {تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ } أي استقر للمؤلين ترقب أربعة أشهر لا بـ «يؤلون» لأن آلى يعدّى بـ «على» يقال آلى فلان على امرأته، وقول القائل «آلى فلان من امرأته» وهم توهمه من هذه الآية. ولك أن تقول عدّي بـ «من» لما في هذا القسم من معنى البعد فكأنه قيل: يبعدون من نسائهم {فَإِن فَآءُوا } في الأشهر لقراءة عبد الله فإن فاءوا فيهن أي رجعوا إلى الوطء عن الإصرار بتركه {فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } حيث شرع الكفارة {وَإِنْ عَزَمُواْ ٱلطَّلَـٰقَ } بترك الفيء فتربصوا إلى مضي المدة {فَإِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ } لإِيلائه {عَلِيمٌ } بنيته وهو وعيد على إصرارهم وتركهم الفيئة، وعند الشافعي رحمه الله معناه فإن فاءوا وإن عزموا بعد مضي المدة لأن الفاء للتعقيب. وقلنا قوله: «فإن فاءوا». «وإن عزموا» تفصيل لقوله «للذين يؤلون» من نسائهم والتفصيل يعقب المفصل كما تقول: أنا نزيلكم هذا الشهر فإن أحمدتكم أقمت عندكم إلى آخره وإلا لم أقم إلا ريثما أتحول. {وَٱلْمُطَلَّقَـٰتُ } أراد المدخول بهن من ذوات الأقراء. {يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ } خبر في معنى الأمر وأصل الكلام ولتتربص المطلقات، وإخراج الأمر في صورة الخبر تأكيد للأمر وإشعار بأنه مما يجب أن يتلقى بالمسارعة إلى امتثاله فكأنهن امتثلن الأمر بالتربص فهو يخبر عنه موجوداً، ونحوه قولهم في الدعاء «رحمك الله» أخرج في صورة الخبر ثقة بالاستجابة كأنما وجدت الرحمة فهو يخبر عنها. وبناؤه على المبتدأ مما زاده أيضاً فضل تأكيد لأن الجملة الاسمية تدل على الدوام والثبات بخلاف الفعلية. وفي ذكر الأنفس تهييج لهن على التربص وزيادة بعث، لأن أنفس النساء طوامح إلى الرجال فأمرن أن يقمعن أنفسهن ويغلبنها على الطموح ويجبرنها على التربص. {ثَلَـٰثَةَ قُرُوءٍ} جمع قرء أو قرء وهو الحيض لقوله عليه السلام«حديث : دعي الصلاة أيام أقرائك»تفسير : وقوله «حديث : طلاق الأمة تطليقتان وعدتها حيضتان» تفسير : ولم يقل طهران. وقوله تعالى: {أية : وَٱللاَّئِى يَئِسْنَ مِنَ ٱلْمَحِيضِ مِن نّسَائِكُمْ إِنِ ٱرْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَـٰثَةُ أَشْهُرٍ }تفسير : [الطلاق: 4]. فأقام الأشهر مقام الحيض دون الأطهار، ولأن المطلوب من العدة استبراء الرحم والحيض هو الذي يستبرأ به الأرحام دون الطهر ولذلك كان الاستبراء من الأمة بالحيضة، ولأنه لو كان طهراً ــ كما قال الشافعي ــ لانقضت العدة بقرأين وبعض الثالث فانتقص العدد عن الثلاثة، لأنه إذا طلقها لآخر الطهر فذا محسوب من العدة عنده، وإذا طلقها في آخر الحيض فذا غير محسوب من العدة عندنا، والثلاث اسم خاص لعدد مخصوص لا يقع على ما دونه. ويقال أقرأت المرأة إذا حاضت وامرأة مقرىء. وانتصاب «ثلاثة» على أنه مفعول به أي يتربصن مضي ثلاثة قروء أو على الظرف أي يتربصن مدة ثلاثة قروء، وجاء المميز على جمع الكثرة دون القلة التي هي الأقراء لاشتراكهما في الجمعية اتساعاً، ولعل القروء كانت أكثر استعمالاً في جمع قرء من الأقراء فأوثر عليه تنزيلاً لقليل الاستعمال منزلة المهمل. {وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ فِى أَرْحَامِهِنَّ } من الولد أو من دم الحيض أو منهما، وذلك إذا أرادت المرأة فراق زوجها فكتمت حملها لئلا ينتظر بطلاقها أن تضع، ولئلا يشفق على الولد فيترك تسريحها، أو كتمت حيضها وقالت ــ وهي حائض ــ قد طهرت استعجالاً للطلاق، ثم عظم فعلهن فقال {إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ } لأن من آمن بالله وبعقابه لا يجترىء على مثله من العظائم {وَبُعُولَتُهُنَّ } البعول جمع بعل والتاء لاحقة لتأنيث الجمع {أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ } أي أزواجهن أولى برجعتهن، وفيه دليل أن الطلاق الرجعي لا يحرم الوطء حيث سماه زوجاً بعد الطلاق {فِي ذٰلِكَ } في مدة ذلك التربص، والمعنى أن الرجل إن أراد الرجعة وأبتها المرأة وجب إيثار قوله على قولها وكان هو أحق منها لا أن لها حقاً في الرجعة {إِنْ أَرَادُواْ} {إِصْلَـٰحاً } لما بينهم وبينهن وإحساناً إليهن ولم يريدوا مضارتهن {وَلَهُنَّ مِثْلُ ٱلَّذِى عَلَيْهِنَّ } ويجب لهن من الحق على الرجال من المهر والنفقة وحسن العشرة وترك المضارة مثل الذي يجب لهم عليهن من الأمر والنهي {بِٱلْمَعْرُوفِ } بالوجه الذي لا ينكر في الشرع وعادات الناس، فلا يكلف أحد الزوجين صاحبه ما ليس له. والمراد بالمماثلة مماثلة الواجب الواجب في كونه حسنة لا في جنس الفعل، فلا يجب عليه إذا غسلت ثيابه أو خبزت له أن يفعل نحو ذلك ولكن يقابله بما يليق بالرجال {وَلِلرّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ } زيادة في الحق وفضيلة بالقيام بأمرها وإن اشتركا في اللذة والاستمتاع أو بالإنفاق وملك النكاح {وَٱللَّهُ عَزِيزٌ } لا يعترض عليه في أموره {حَكِيمٌ } لا يأمر إلا بما هو صواب وحسن.

الخازن

تفسير : قوله عز وجل: {ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم} نزلت في عبدالله بن رواحة كان بينه وبين ختنه بشير بن النعمان شيء، فحلف عبدالله لا يدخل عليه ولا يكلمه ولا يصلح بينه وبين خصم له فكان إذا قيل له: فيه يقول: قد حلفت بالله أن لا أفعل فلا يحل لي إلا أن تبر يميني فأنزل الله هذه الآية، وقيل: نزلت في أبي بكر الصديق حين حلف ألا ينفق على مسطح حين خاض في حديث الإفك والعرضة ما يجعل معرضاً للشيء، وقيل: العرضة الشدة والقوة وكل ما يعترض فيمنع عن الشيء، فهو عرضة، والمعنى: ولا تجعلوا الحلف بالله سبباً مانعاً لكم من البر والتقوى يدعى أحدكم إلى بر وصلة رحم فيقول قد حلفت بالله لا أفعله فيعتل بيمينه في ترك البر والإصلاح {أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس} قيل معناه لا تحلفوا بالله أن لا تبروا ولا تتقوا ولا تصلحوا بين الناس. (م) عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها فليأتها وليكفر عن يمينه" تفسير : وقيل: معناه لا تكثروا الحلف بالله وإن كنتم بارين متقين مصلحين فإن كثرة الحلف بالله ضرب من الجراءة عليه {والله سميع} أي لحلفكم {عليم} يعني بنياتكم. قوله عز وجل: {ولا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم} اللغو كل ساقط مطرح من الكلام، وما لا يعتد به، وهو الذي يورد لا عن روية وفكر. واللغو في اليمين هو الذي لا عقد معه كقول القائل: لا والله بلى والله على سبق اللسان من غير قصد ونية وبه قال الشافعي: ويعضده ما روي عن عائشة قالت نزل قوله تعالى: {لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم}

ابن عرفة

تفسير : قوله تعالى: {وَلاَ تَجْعَلُواْ ٱللَّهَ عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ...}. قيل: أي مانعا من أيمانكم. وأطلق اليمين على المحلوف عليه مجازا، أي لا تجعلوه مانعا من فعل ما حلفتم عليه، وقيل أي لا تكثروا الحلف به وإن كان ذلك تعظيما له خشية أن يفضي بكم ذلك إلى التهاون وعدم التعظيم فأحرى فيما عداها. قال ابن عرفة: وعلى الوجه الأول يكون في الآية عندي دليل على أنّ الاسم غير المسمّى لأن الجعل لا يتعلق بالذات الكريمة، وإنّما يتعلق بالألفاظ الدّالة عليها بخلاف قولك: جعلت زيدا حائلا بيني وبين كذا. وكذلك أيضا على الثاني لأن الحلف إنّما هو بالألفاظ لا بالذات. قال ابن عرفة: وقول الله تعالى: {أَن تَبَرُّواْ وَتَتَّقُواْ...}. قيل إرادة البرّ، وقيل أي إرادة أن تكونوا أبرارا فعلى الأول تكون ترقيا، لأن التقوى أخص من البر، والإصلاح بين الناس أخص.

الثعالبي

تفسير : قوله تعالى: {وَلاَ تَجْعَلُواْ ٱللَّهَ عُرْضَةً لأَيْمَـٰنِكُمْ...} الآية: مقصد الآيةِ: ولا تُعرِّضوا اسم اللَّهِ تعالَىٰ، فتكثروا الأيمان به، فإِن الحِنْثَ يقع مع الإِكثار، وفيه قِلَّة رَعْيٍ لحقِّ اللَّه تعالى. وقال الزجَّاج وغيره: معنى الآيةِ: أنْ يكون الإِنسان، إِذا طُلِبَ منه فعْلُ خيرٍ ونحوه، ٱعتلَّ باللَّه، وقال: عليَّ يمينٌ، وهو لم يحلفْ. وقوله: {عُرْضَةً}، قال ابن العربيِّ في «أحكامه»: ٱعْلَمْ أنَّ بناء عرض في كلامِ العربِ يتصرَّف علَىٰ معانٍ مرجعُها إِلى المَنْع؛ لأنَّ كلَّ شيء عرضٌ، فقد منع، ويقال لما عرض في السَّمَاء من السحَابِ عَارِضٌ؛ لأنه يمنع من رؤيتها، ومن رؤية البدْرَيْن، والكواكبِ. انتهى. و {أَن تَبَرُّواْ }: مفعولٌ من أجله، والبِرُّ: جميع وجوه البرِّ، وهو ضِدُّ الإِثم - و {سَمِيعٌ}، أي: لأقوالِ العبادِ - {عَلِيمٌ}: بنياتهمْ، وهو مُجَازٍ على الجميع، واليمين: الحَلِفُ، وأصله أنَّ العَرَب كانت إِذا تحالَفَت، أو تعاهَدَت، أخذ الرجل يمينَ صاحبه بيمينه، ثم كَثُر ذلك حتَّىٰ سمي الحلف والعَهْد نفسه يميناً. وقوله تعالى: {لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱلَّلغْوِ فِي أَيْمَـٰنِكُمْ}: اللَّغْو: سَقَطُ الكلامِ الَّذي لا حُكْم لَه. قال ابنُ عَبَّاس، وعائشَةُ، والشَّعْبِيُّ، وأبو صالِحٍ، ومجاهد: لَغْو اليمينِ: قولُ الرجلِ في دَرْجِ كلامِهِ وٱستعجالِهِ في المحاورة: لا واللَّهِ، وبَلَىٰ وَاللَّهِ، دون قصدٍ لليمينِ، وقد أسنده البخاريُّ عن عائشة. وقال أبو هريرة، والحَسَن، ومالكٌ، وجماعة: لغو اليمين: ما حلف به الرجُلُ على يقينه، فكشف الغيبُ خلافَ ذلك. * ع *: وهذا اليقينُ هو غلبة الظَّنِّ. وقال زيدُ بْنُ أسْلَمَ: لغو اليمينِ: هو دعاءُ الرجلِ على نَفْسه. وقال الضَّحَّاك: هي اليمينُ المكفَّرة. وحكى ابنُ عبد البَرِّ قَولاً؛ أن اللغو أيمانُ المُكْرَهِ. قال: * ع *: وطريقةُ النَّظَر أن تتأمَّل لفظة اللغْو، ولفظة الكَسْب، ويُحَكَّم موقعهما في اللغة، فكَسْب المرء ما قَصَده، ونواه، واللَّغْوُ: ما لم يتعمَّده، أو ما حقُّه لهجنته أن يسقط، فيقوَّى على هذه الطريقة بعْض الأقوال المتقدِّمة، ويضعَّف بعضها، وقد رفع اللَّه عز وجَلَّ المؤاخذة بالإِطلاق في اللَّغْو، فحقيقته: ما لا إِثم فيه، ولا كفارة، والمؤاخذةُ في الأيمان هي بعقوبةِ الآخِرَةِ في الغَمُوس المَصْبُورة، وفيما تُرِكَ تكفيره ممَّا فيه كفَّارة، وبعقوبة الدنيا في إِلزام الكفَّارة، فيضعَّف القول بأنها اليمين المكفَّرة؛ لأن المؤاخذة قد وَقَعَتْ فيها، وتخصيصُ المؤاخذة؛ بأنها في الآخرة فقَطْ تحكُّم. * ت *: والقولُ الأوَّل أرجح، وعليه عَوَّل اللَّخْميُّ وغيره. وقوله تعالى: {وَلَـٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ}. قال ابن عبَّاس وغيره: ما كسب القلْبُ هي اليمينُ الكاذبة الغموسُ، فهذه فيها المؤاخذة في الآخرةِ، أي: ولا تكفّر. * ع *: وسمِّيت الغَمُوسَ؛ لأنها غَمَسَتْ صاحِبَها في الإِثم، و {غَفُورٌ حَلِيمٌ}: صفتان لائقتان بما ذكر من طَرْح المؤاخذة، إِذ هو بابُ رفْقٍ وتوسعة.

ابن عادل

تفسير : اللامُ في قوله {لأَيْمَانِكُمْ} تحتملُ وجهين: أحدهما: أن تكونَ مقويةً لتعديةِ "عُرْضَةً"، تقديره: ولا تجعلوا اللهَ معدَّى ومَرْصَداً لحَلْفِكُمْ. والثاني: أن تكونَ للتعيلِ، فتتعلَّقَ بفعلِ النهيِ، أي: لا تَجْعَلُوهُ عُرْضَةً لأجْلِ أَيْمَانِكُمْ. قوله: {أَن تَبَرُّواْ} فيه ستةُ أوجهٍ: أحدها:ـ وهو قول الزجاج، والتِّبريزي، وغيرهما ـ: أنها في محلِّ رفع بالابتداءِ، والخبرُ محذوفٌ، تقديرُه: أَنْ تَبَرُّوا وتتقُوا وتُصْلِحُوا خَيْرٌ لكُمْ مِنْ أَن تجعلُوه عُرْضَةً لأَيْمانكم، أو بِرُّكُمْ أولى وأمثَلُ، وهذا ضعيفٌ؛ لأنه يؤدِّي إلى انقطاعِ هذه الجملةِ عمَّا قبلها، والظاهرُ تعلُّقُها به. الثاني: أنَّها في محلِّ نصبٍ على أنها مفعولٌ من أجله، وهذا قولُ الجمهورِ، ثم اختلفوا في تقديرِه: فقيل: إرادةَ أنْ تَبَرُّوا وقيلَ: كراهةَ أن تَبَرُّوا، قاله المهدويُّ، وقيل: لِتَرْكِ أَنْ تَبَرُّوا، قاله المبرِّدُ، وقيل: لئَلاَّ تَبَرُّوا، قاله أبو عبيدة والطَّبريُّ؛ وأنشدا: [الطويل] شعر : 1083-... فَلاَ واللهِ تَهْبِطُ تَلْعَةً ........................ تفسير : أي: لا تَهْبِطُ، فحذف "لاَ" ومثلُه: {أية : يُبَيِّنُ ٱللهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ}تفسير : [النساء:176]، أي: لئلا تضِلُّوا، وتقديرُ الإِرادة هو الوجهُ، وذلك أن التقاديرَ التي ذكرناها بعد تقدير الإِرادة لا يظهرُ معناها؛ لمَا فيه من تعليل امتناعِ الحَلْفِ بانتفاء البِرِّ، بل وقوع الحَلْفِ مُعَلَّلٌ بانتفاء البِرِّ، ولا ينعقد منهما شرطٌ وجزاءٌ، لو قلتَ في معنى هذا النهي وعلَّتِه، "إِنْ حَلَفْتَ بالله، بَرَرْتَ" لم يصحَّ، بخلافِ تقديرِ الإِرادة؛ فإنه يُعَلَّل امتناع الحَلْفِ بإرادة وجودِ البِرِّ، وينعقدُ منهما شرطٌ وجزاءٌ تقول: إِنْ حَلَفْتَ، لم تَبَرَّ، وإنْ لم تَحْلِفْ، بَرَرْتَ. الثالث: أنَّها على إسقاط حرف الجرِّ، أي: في أَنْ تَبَرُّوا؛ وحينئذٍ: يَجِيء فيها القولان: قولُ سيبويه والفراء فتكون في محلِّ نصبٍ، وقولُ الخليل والكسائيّ، فتكونُ في محلِّ جرٍّ، وقال الزمخشري: ويتعلَّقُ "أَنْ تَبَرُّوا" بالفعل أو بالعُرْضَةِ، أي: "ولا تَجْعَلُوا اللهَ لأَجْلِ أَيْمَانِكُمْ عُرْضَةً لأنْ تَبَرُّوا". قال أبو حيان: وهذا التقديرُ لا يصحُّ للفصل بين العامل ومعمولهِ بأجنبيٍّ، وذلك أنَّ "لأَيْمَانِكُمْ" عنده متعلقٌ بـ "تَجْعَلُوا"، فوقع فاصلاً بين "عُرْضَةً" التي هي العاملُ وبين "أَنْ تَبَرُّوا" الذي هو معموله وهو أجنبيٌّ منهما، ونظيرُ ما أجازه أن تقولَ: "امْرُرْ وَاضْرِبْ بِزَيْدَ هِنْداً"، وهو غيرُ جائزٍ، ونَصُّوا على أنه لا يجوزُ: "جَاءَني رَجُلٌ ذُو فَرَسٍ رَاكِبٌ أَبْلَقَ" أي رجلٌ ذُو فَرَسٍ أَبْلَقَ راكِبٌ لِما فيه من الفصلِ بالأجنبيِّ. الرابع: أنها في محلِّ جَرٍّ؛ عطفَ بيانٍ لـ "أَيْمَانِكُمْ"، أي: للأمورِ المَحْلُوفِ عليها التي هي البِرُّ والتقوَى والإِصلاح كما في الحديث. قال أبو حيان: "وهو ضعيفٌ لما فيه من جَعْلِ الأيمانِ بمعنى المَحْلُوفِ عليه"، والظاهرُ أنها هي الأقسام التي يُقْسَمُ بها، ولا حاجةَ إلى تأويلها بما ذُكِرَ من كَوْنها بمعنى المَحْلُوفِ عليه؛ إذ لم تَدْعُ إليه ضرورةٌ، وهذا بخلافِ الحديثِ، وهو قوله - صلى الله عليه وسلم - "حديث : إِذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَيْتَ غَيْرَهَا خَيْراً مِنْهَا" تفسير : فإنه لا بد من تأويله فيه بالمحلوف عليه، ولا ضرورة تدعو إلى ذلك في الآية الكريمة. الخامسُ: أَنْ تكونَ في محلِّ جرٍّ على البدلِ من "لأَيْمَانِكُمْ"؛ بالتأويل الذي ذكره الزمخشريُّ، وهذا أَوْلَى من وجهِ عطفِ البيانِ؛ فإنَّ عَطْفَ البيانِ أكثرُ ما يكونُ في الأعلام. السادس ـ وهو الظاهرُ -: أنَّها على إسقاطِ حرفِ الجر، لا على ذلك الوجه المتقدِّم، بل الحرفُ غيرُ الحرفِ، والمتعلِّقُ غيرُ المتعلِّقِ، والتقديرُ: "لإِقْسَامِكُمْ عَلَى أَنْ تَبَرُّوا" فـ "عَلَى" متعلقٌ بإِقْسَامِكُمْ، والمعنى: وَلاَ تَجْعَلوا الله مُعَرَّضاً ومُتَبَدَّلاً لإِقْسَامكُمْ على البِرِّ والتقْوَى والإِصْلاَح الَّتي هي أوصافٌ جميلةٌ؛ خَوْفاً من الحِنْثِ، فكيف بالإِقسامِ علَى ما ليس فيه بِرٌّ ولا تَقْوَى!!! والعُرْضَةُ في اشتقاقها ثلاثةُ أقوال: أحدها: أنها "فُعْلَة" بمعنى "مَفْعُول"؛ من العَرضِ؛ كالقُطْبَةِ والغُرْفَة، ومعنى الآية على هذا: لاَ تَجْعَلُوهُ مُعَرَّضاً للحَلْفِ من قولهم: فُلاَنٌ عُرْضَةٌ لكَذَا، أي: مُعَرَّضٌ، قال كعبٌ: [البسيط] شعر : 1084- مِنْ كُلِّ نَضَّاخَةِ الذِّفْرَى إِذَا عَرِقَتْ عُرْضَتُهَا طَامِسُ الأَعْلاَمِ مَجْهُولُ تفسير : وقال حبيبٌ: [الطويل] شعر : 1085- مَتَى كَانَ سَمْعِي عُرْضَةً لِلَّوائِمِ وَكِيْفَ صَفَتْ لِلْعَاذِلِينَ عَزَائِمِي تفسير : وقال حسَّانُ: [الوافر] شعر : 1086-.......................... هُمُ الأَنصَارُ عُرْضَتُهَا اللِّقَاءُ تفسير : وقال أوسٌ: [الطويل] شعر : 1087- وأَدْمَاءَ مِثْلَ الفَحْلِ يَوْماً عَرَضْتُهَا لِرَحْلِي وَفِيهَا هِزَّةٌ وَتَقَاذُفُ تفسير : فهذا كلُّه بمعنى مُعَرَّضٌ لكذا. والثاني: أنها اسمُ ما تَعْرِضُه على الشيءِ، فيكونُ من: عَرَضَ العُودَ على الإِناءِ، فيعترضُ دونَه، ويصيرُ حاجزاً ومانعاً، ومعنى الآية علَى هذا النَّهيُ عن أَنْ يَحْلِفُوا باللهِ علَى أنَّهم لا يَبَرُّونَ ولاَ يَتَّقُونَ، ويقُولُون: لا نَقْدِرُ أَنْ نَفْعَلَ ذلك لأَجْلِ حَلْفِنَا. والثالث: أنَّها من العُرْضَة، وهي القوة، يقال: "جَمَلٌ عُرْضَةٌ للسَّفَرِ"، أي: قويٌّ عليه؛ وقال ابن الزَّبير: [الطويل] شعر : 1088- فَهَذِي لأَيَّامِ الحُرُوبِ وَهَذِهِ لِلَهْوِي وَهَذِي عُرْضَةٌ لارْتحَالِنَا تفسير : أي قوةٌ وعُدَّةٌ. ثم قيل لكُلِّ ما صَلُح لِشَيء فهو عُرْضَة له، حتى قالوا للمرأَةِ: هي عُرْضَةٌ للنِّكاح إذا صَلُحَتْ له ومعنى الآية على هذا: لا تَجْعَلُوا اليمينَ بالله تعالى قوةً لأنفسكم في الامتناعِ عن البرِّ. والأَيْمَانُ: جمعُ يَمِينٍ: وأصلُها العُضْوُ، واستُعْمِلَتْ في الحَلْفِ مجازاً لما جَرَتْ عادةُ المتعاقِدِينَ بتصافُح أَيْمانهم، واشتقاقُها من اليُمْن، واليمينُ أيضاً: اسمٌ للجهةِ التي تكونُ من ناحيةِ هذا العُضْو، فينتصبُ على الظرف، وكذلك اليسارُ، تقول: زَيْدٌ يَمِينُ عَمْروٍ، وبَكرٌ يَسَارهُ، وتُجْمَعُ اليمينُ على "أَيْمُنٍ وأَيْمَانٍ" وهل المرادُ بالأَيْمان في الآية القَسَمُ نفسُه، أو المُقْسَمُ عليه؟ قولان، الأولُ أَوْلَى. وقد تقدَّمَ تجويزُ الزمخشريِّ أن يكونَ المرادُ به المحلوفَ عليه واستدلالُه بالحديث والجوابُ عنه. فصل ذكر المُفسِّرون في هذه الآية أقوالاً كثيرة، وأجودها وجهان: أحدهما: ما ذكره أبو مسلم الأصفهاني، وهو أنَّ قوله: {وَلاَ تَجْعَلُواْ ٱللهَ عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ} نهي عن الجُرأَة على اللهِ بكثَرةِ الحَلْفِ به؛ وذلك لأنه من أَكْثَرَ ذِكْر شيءٍ في معنًى من المعاني، فقد جعلهُ عُرْضَة له، فيقُول الرَّجُل: قد جَعَلْتَنِي عُرْضَة للَوْمك؛ قال الشَّاعر: [الطويل] شعر : 1089-........................ وَلاَ تَجْعَلُوني عُرْضَةَ للَّوَائِمِ تفسير : وقد ذَمَّ الله تعالى مِنْ أكثر من الحَلْفِ بقوله: {أية : وَلاَ تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَّهِينٍ}تفسير : [القلم:10]، وقال تعالى: {أية : وَٱحْفَظُوۤاْ أَيْمَانَكُمْ}تفسير : [المائدة:89] والعرب كانوا يَمْدَحُون الإنسان بالإقلال من الحلف؛ كما قال كثير: [الطويل] شعر : 1090- قَلِيلُ الأَلاَيَا حافِظٌ لِيَمِينِهِ وَإِنْ سَبَقَتْ مِنْهُ الأَلِيَّةُ بَرَّتِ تفسير : والحِكْمَة في الأَمْرِ بتقليل الأَيمانِ؛ أن من حَلَف في كُلِّ قَلِيلٍ وكثِيرٍ باللهِ، انْطَلق لِسَانهُ بذلك، ولا يبقَى لليمِين في قَلْبِهِ وقْعٌ، فلا يُؤْمَنُ إقْدَامه على الأَيْمَانِ الكَاذِبَةِ، فيخْتَلُّ ما هو الغَرَضُ من اليمين، وأيضاً كُلَّمَا كان الإنسان أَكْثَرَ تعظِيماً لله ـ تعالى ـ، كان أكمل في العُبُوديَّة، ومن كمال التَّعظيم أن يكُون ذِكْر الله - تعالى - أَجَلَّ وأَعْلَى عِنْدَه، من أَنْ يَسْتشْهِد به في غرضٍ من الأَغراض الدُّنْيَويَّة. فإن قيل: كيف يَلْزَم من تَرْك الحَلْفِ حُصُول البِرِّ والتٌّقْوى، والإصْلاَح بين النَّاسِ؟ فالجواب: أَنَّ من تَرَك الحَلْف؛ لاعْتِقَادِه أَنّ الله أَعْظَم وأَجَلَّ من أَنْ يُسْتَشْهَد باسمِه المُعَظَّم في طَلَب الدُّنْيَا، وخَسَائِس مطالب الحَلْفِ، ولا شك أن هذا من أَعْظَمِ أَبْوَابِ البِرّ. فصل في سبب النزول نزلت هذه الآيةُ في عبد الله بن رواحة؛ كان بينه وبَيْنَ خَتَنِهِ على أَخِيه بشير بن النُّعْمان شيء، فحلف عبد الله ألاّ يَدْخُلَ عليه، ولا يُكَلِّمَهُ، ولا يُصْلِح بَيْنَه وبين خصمهِ، وإذا قيل لهُ فيه، قال: قد حَلَفْتُ بالله ألاَّ أفْعَل، فلا يَحِلُّ لي إلاَّ أنْ تَبَرَّ يميني فأنْزَل الله هذه الآية. وقال ابن جريج: نزلت في أبي بكر الصِّدِّيق، حين حلف ألاَّ ينفق على مسطح حين خاض في حديث الإفْك، ومعنى الآية: لا تجعلوا الحلف باللهِ شيئاً مانعاً لكم من البرِّ والتَّقوَى، يُدعى أَحدكم إلى صلة الرَّحم أو بِرِّ، فيقول: حلفتُ بالله ألاّ أفعله، فيعتل بيمينه في ترك البِرّ. قوله: {وَٱللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} خَتَم بهاتَيْن الصفتَيْن؛ لتقدُّم مناسبتهما؛ فإنَّ الحَلْفَ متعلِّقٌ بالسَّمْع، وإرادة البِرِّ من فِعْلِ القلْبِ متعلقةٌ بالعِلْم، وقَدَّم السميع؛ لتقدُّم متعلِّقِه، وهو الحَلْفُ. قوله تعالى: {لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ ٱللهُ بِٱلَّلغْوِ فِيۤ أَيْمَانِكُمْ}. واللَّغْوُ: مصدرُ لَغَا يَلْغُو، يقال: لَغَا يَلْغُو لَغْواً، مثل غَزَا يَغْزُو غَزْواً، ولغِيَ يَلْغَى لَغًى مثل لَقِيَ يَلْقَى لقًى إذا أتى بما لا يُحْتاجُ إليه من الكلام، أو بما لا خير فيه، أو بِما يلغى إثمه؛ كقوله - عليه الصّلاة والسّلام - "حديث : إِذَا قُلْتَ لِصَاحِبِكَ يَوْمَ الْجُمعَةِ: أَنْصِتْ فَقَدْ لَغَوْتَ ". تفسير : ومن الثاني قوله تعالى: {أية : وَٱلْغَوْاْ فِيهِ}تفسير : [فصلت:26]. قال الفرَّاء: اللَّغا مصدر للغَيت. قال أبو العبَّاس المقري: ورد لفظ "اللَّغو" في القرآن على ثلاثة أوجه: الأول: بمعنى اليمين بغير عقديَّةٍ كهذه الآية. الثاني: بمعنى الشَّتيمة؛ قال تعالى: {أية : وَإِذَا مَرُّواْ بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً}تفسير : [الفرقان:72]، أي: لم يجيبوهم؛ ومثله: {أية : وَإِذَا سَمِعُواْ ٱللَّغْوَ أَعْرَضُواْ عَنْهُ}تفسير : [القصص:55]. الثالث: بمعنى الحلف عند شُرْب الخمر؛ قال تعالى: {أية : يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْساً لاَّ لَغْوٌ فِيهَا}تفسير : [الطور:23]، أي: لا يحلف بعضهم على بعض. فصل والباء في "بِاللَّغْوِ" متعلِّق بـ "يؤاخذكم" والباء معناها السَّببيّة، كقوله: {أية : فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنبِهِ}تفسير : [العنكبوت:40]، {أية : وَلَوْ يُؤَاخِذُ ٱللهُ ٱلنَّاسَ بِظُلْمِهِمْ}تفسير : [النحل:61]. واختلف في اللَّغْوِ: فقيل: ما سبق به اللسانُ مِنْ غيرِ قصدٍ، قاله الفرَّاء، ومنه قول الفرزدق: [الطويل] شعر : 1091- وَلَسْتَ بِمَأْخُوذٍ بِلَغْوٍ تَقُولُهُ إِذَا لَمْ تُعَمِّدْ عَاقِدَاتِ العَزَائِمِ تفسير : ويُحْكَى أن الحسن سُئِلَ عن اللَّغو وعن المَسبيَّة ذات زوجٍ، فنهض الفرزدق، وقال: أَلَمْ تَسْمَعْ مَا قُلْتُ، وأَنْشَد البيت: [الطويل] شعر : وَلَسْتَ بمَأْخُوذٍ...................... ....................... تفسير : وقوله: [الطويل] شعر : 1092- وَذَاتِ حَلِيلٍ أَنْكَحَتْهَا رِمَاحُنَا حَلاَلٌ لِمَنْ يَبْنِي بِهَا لَمْ تُطَلَّقِ تفسير : فقال الحسن: "ما أَذْكَاكَ لَوْلاَ حِنْثُك"، وقد يُطْلَقُ على كلِّ كلامٍ قبيحٍ "لَغْوٌ". قال تعالى: {أية : وَإِذَا مَرُّواْ بِاللَّغْوِ}تفسير : [الفرقان:72]، {أية : لاَّ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً}تفسير : [مريم:62]؛ وقال العجاج: [الرجز] شعر : 1093- وَرَبِّ أَسْرَابِ حَجِيجٍ كُظَّمِ عِنِ اللَّغَا وَرَفَثَ التَّكَلُّمِ تفسير : وقيل: ما يُطرحُ من الكلام؛ استغناءً عنه، مأخوذٌ من قولهم لِما لا يُعْتَدُّ به من أولاد الإِبل في الدِّيَة "لَغْوٌ"؛ قال جريرٌ: [الوافر] شعر : 1094- وَيَهْلكُ وَسْطَهَا المَرْئيُّ لَغْواً كَمَا أَلْغَيْتَ فِي الدِّيَةِ الحُوَارَا تفسير : وقيل: "اللَّغو" السَّاقط الذي لا يُعتدُّ به سواء كان كلاماً أو غيره، فأَمَّا وروده في الكلام؛ فكقوله تعالى: {أية : وَإِذَا سَمِعُواْ ٱللَّغْوَ أَعْرَضُواْ عَنْهُ}تفسير : [القصص:55] وقوله: {أية : لاَ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً} تفسير : [الواقعة:25]، وقوله: {أية : لاَ تَسْمَعُواْ لِهَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ وَٱلْغَوْاْ فِيهِ} تفسير : [فصلت:26]، {أية : لاَّ تَسْمَعُ فِيهَا لاَغِيَةً}تفسير : [الغاشية:11] وقال عليه الصّلاة والسّلام: "حديث : إِذَا قُلْتَ لِصَاحِبِكَ يَوْمَ الجُمعَةِ والإِمَامُ يَخْطُبُ: أَنْصِتْ فَقَدْ لَغَوْتَ " تفسير : وأما قوله: {أية : وَإِذَا مَرُّواْ بِاللَّغْوِ}تفسير : [الفرقان:72] فيحتمل أن يكون المُرادُ وإذا مَرُّوا بالكلام الَّذي يكون لغواً، وأن يكون المُرادُ: وإذا مَرُّوا بالفعل الَّذِي يكون لغواً، وأَمَّا ورود هذه اللَّفظة في غير الكلام، فكما ورد فيما لا يعتدُّ به من الدِّية في أولاد الإِبل. وقيل: هو ما لا يُفهم، من قولهم: "لَغَا الطَّائِرُ"، أي: صوَّتَ، واللَّغو، ما لَهجَ به الإنسانُ، واللغةُ مأخوذةٌ من هذا. وقال الراغب: ولَغِيَ بكذا: أي لَهِجَ به لَهَجَ العُصْفُورِ بِلَغَاهُ، ومنه قيل للكلام الذي تَلْهَجُ به فرقةٌ "لُغَة"؛ لجعلها مشتقةً من لَغِيَ بكذا، أي: أُولِعَ به، وقال ابن عيسى - وقد ذكر أن اللَّغوَ ما لا يفيدُ -: "ومنه اللغةُ؛ لأنَّها عند غيرِ أهلِها لَغْوٌ"، وقد غَلَّطوه في ذلك. قوله: {فِيۤ أَيْمَانِكُمْ} فيه ثلاثة أوجهٍ: أحدها: أن يتعلَّق بالفعلِ قبله. الثاني: أَنْ يتعلَّقَ بنفسِ المصدرِ قبله؛ كقولك: "لَغَا فِي يمينه". الثالث: أن يتعلَّق بمحذوفٍ على أنه حال من اللَّغْوِ، وتعرفه من حيث المعنى؛ أنك لو جعلتَه صلةً لموصولٍ، ووصفْتَ به اللغو، لصحَّ المعنى، أي: اللغو الذي في أَيْمَانِكُمْ. وسُمِّي الحَلفُ يَميناً؛ لأن العرب كانوا إذا تَحَالَفُوا وضع أحدهم يمينه في يمين الآخر. وقيل: لأَنَّه يحفظ الشَّيء كما تحفظ اليد اليمنى الشَّيء. فصل في تفسير اللغو ذكر المفسِّرون في "اللَّغو" وجوهاً: أحدها: قال الشَّافعيُّ وغيره: هو قول الرَّجل في عرض حديثه: "لاَ واللهِ" و "بَلَى واللهِ" من غير قصدٍ إليهما، وهو قول عائشة، وإليه ذهب الشَّعبي وعكرمة، لِمَا رَوَت عائشة؛ قالت: سَبَبُ نُزُولِ هَذِه الآية: قول الرَّجُل فِي عُرْضِ حديثه: (لاَ واللهِ) و (بَلَى واللهِ) أخرجه البُخاريّ، ويروى عن عائشة: أيمان اللَّغو ما كان في الهزل والمراء والخُصُومة، والحديث الَّذي لا ينعقِدُ عليه القلبُ. وقال آخرون: هو أن يحلف على شيءٍ يرى أنَّه صادِقٌ، ثم تَبَيَّن أنه خلاف ذلك، وهو قول ابن عبَّاس والحسن، ومجاهد، وسليمان بن يسار، والزُّهري، والسُّدِّيّ، وإبراهيم النَّخعي، وقتادة: ومكحول، وبه قال أبو حنيفة. وفائدة الخلاف: أَنَّ الشَّافعيُّ لا يوجب الكفَّارة في قول الرجل: "لاَ واللهِ" و "بَلَى واللهِ"، ويوجبها، فيما إذا حلف على شيءٍ يعتقد أَنَّهُ كان، ثم بان أَنَّه لم يكن، وأَبو حنيفة يحكم بالضِّدِّ من ذلك. وقال سعيد بن جبير: هو اليمين في المعصية، لا يؤاخذه الله بالحَنْثِ فيها، بل يحنث ويُكَفِّر. وقال مسروق: ليس عليه كفَّارة، أنُكفِّرُ خطوات الشَّيطان؟ وقال الشَّعبيُّ: الرَّجل يحلف على المعصية كفَّارته أن يتوب منها، وكُلُّ يمين لا يحلُّ لك أن تَفِي بها، فليس فيها كفَّارة، ولو أَمرته بالكفَّارة، لأمرته أَنْ يُتمَّ على قوله. هذا هو اللَّغو؛ لأن اللَّغو هو المعصية؛ قال تعالى: {أية : وَإِذَا سَمِعُواْ ٱللَّغْوَ أَعْرَضُواْ عَنْهُ}تفسير : [القصص:55]. وقال عليٌّ: هو اليمين في الغضب، وبه قال طاوس. وقال الضَّحَّاك: اللَّغو هو اليمين المُكفِّرة، سُمِّيت لغواً، لأن الكَفَّارة أسقطتِ الإثم؛ كأنه قيل: لا يُؤاخذكُم اللهُ بِاللَّغْوِ في أيمانِكُم، إِذْ كَفَّرْتُم. وقال زيد بن أسلم: هو دُعاء الرَّجُل على نفسه؛ كقوله: "أَعْمَى الله بَصَرِي إن لَمْ أَفْعَلْ كَذَا، أَخْرَجَنِي اللهُ من مَالِي إِنْ لَمْ آتِكَ غداً" أو يقول: هُوَ كَافِرٌ إن فَعَلَ كَذَا، فهذا كُلُّه لَغْوٌ لا يُؤَاخذُه الله به، ولو آخَذَ اللهُ به، لعَجَّلَ لهم العُقُوبة؛ قال تعالى: {أية : وَيَدْعُ ٱلإِنْسَانُ بِٱلشَّرِّ دُعَآءَهُ بِٱلْخَيْرِ}تفسير : [الإسراء:11]، {أية : وَلَوْ يُعَجِّلُ ٱللهُ لِلنَّاسِ ٱلشَّرَّ ٱسْتِعْجَالَهُمْ بِٱلْخَيْرِ}تفسير : [يونس:11]. وقال القاضي: هو كُلُّ ما يقع سهواً من غير قصدٍ؛ لقوله تعالى بعد ذلك: {وَلَـٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ}، أي: يؤاخذكم إذا تعمَّدتم، ومعلوم أنَّ المقابل للعمد هو السَّهو، حُجَّة الشَّافعي ـ رضي الله عنه ـ ما روت عائشة ـ رضي الله عنها ـ؛ أَنَّ النَّبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: "حديث : لَغْوُ اليَمِينِ قَوْلُ الرَّجُلِ فِي قَلْبِهِ: كَلاَّ واللهِ، بَلَى واللهِ، لاَ وَاللهِ ". تفسير : وروي أنَّهُ - صلى الله عليه وسلم - "حديث : مرَّ بقوم ينتضلون، ومعه رجلٌ من أصحابه، فرمى رجلٌ من القوم، فقال: أصبت واللهِ، ثم أخطأ فقال الَّذي مع النَّبي عليه الصلاة والسلام: حَنَثَ الرَّجُل يا رَسُولَ اللهِ، فقال النَّبيُّ - عليه الصلاة والسلام -: كُلُّ أَيْمَان الرُّمَاةِ لَغْوٌ لاَ كَفَّارَةَ فِيهَا، وَلاَ عُقُوبَةَ ". تفسير : وأيضاً فقوله: {وَلَـٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ} هو الَّذي يقصد الإنسانُ على سبيل الجِدِّ، ويربط قلبه به، وإذا كان كذلك، وجب أَنْ يكُونَ اللَّغْو كالمقابل له، ويكُون معناه: ما لا يقصدُ الإنسان بالجِدِّ، ولا يربط قلبه به، وذلك هو قول القائل في عرض حديثه: لا والله، وبلى والله مِنْ غير قصدٍ على سبيل العادة. وأيضاً: فَإِنَّه قال قبل هذه الآية: {وَلاَ تَجْعَلُواْ ٱللهَ عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ} وتقدَّم أنَّ معناه: النَّهي عن كثرة الحلفِ، والَّذِين يقولُون على سبيل العادة لاَ والله، وبلى والله، لا شك أنَّهم يكثرون الحَلْفَ واليمين، فلمَّا ذكرهم اللهُ - تعالى - عقيب قوله: {وَلاَ تَجْعَلُواْ ٱللهَ عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ}، وبين أنَّه لا مؤاخذة عليهم، ولا كفارة، فإيجاب مؤاخذتهم يقتضي إِمَّا أَنْ يمتنعوا عن الكلام، أو يلزمهم فِي كُلِّ لحظَةٍ كفَّارة، وكلاهُما حرجٌ في الدِّين. واحتجَّ أبو حنيفة بوجوه: الأول: قوله ـ عليه الصَّلاة والسَّلام -: "حديث : مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْراً مِنْهَا فَلْيَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَلْيُكَفِّرُ عَنْ يَمِينِهِ"تفسير : ، فأوجب الكفَّارة على الحانِثِ مُطْلقاً، ولم يفصل بين الجَدِّ والهزل. الثاني: أَنَّ اليمين معنى لا يلحقه الفسخ، فلا يعتبر فيه القصد كالطَّلاق والعتاق، وهاتان الحُجَّتان توجبان الكَفَّارة في قول النَّاس لا واللهِ، وبَلَى والله، إذا حصل الحَنثُ. ويؤيِّد ما قلناه: أَنَّ اليمين في اللغة عبارةٌ عن القُوَّة؛ قال الشَّاعر: [الوافر] شعر : 1095- إِذَا مَا رَيَةٌ رُفِعَتْ لِمَجْدٍ تَلَقَّاهَا عَرَابَةُ بِالْيَمِينِ تفسير : أي: بالقوَّة، والمقصود من اليمين: تقوية جانب البِرِّ على جانب الحنث بسب اليمين، وإنَّما يفعل هذا في الموضع الَّذي يكون قابلاً للتَّقوية، وهذا إذا وقع اليمين على فعل في المستقبل، فأمَّا إذا وقع اليمين على الماضي فذلك لا يقبل التَّقوية ألبتَّة فعلى هذا فاليمين على الماضي تكون خالية عن الفائدة فأمَّا اليمين على المستقبل، فإنه قابلٌ للتَّقوية. قوله: {وَلَـٰكِن يُؤَاخِذُكُم} وقعت هنا "َلَكِنْ" بين نقيضين؛ باعتبار وجود اليمين؛ لأنَّها لا تَخْلُو: إمَّا ألاَّ يقصدها القلبُ: بل جرتْ على اللسانِ، وهي اللَّغْوُ، وإمَّا أن يقصِدَها، وهي المنعقدةُ. قوله تعالى: {بِمَا كَسَبَتْ} متعلِّقٌ بالفعلِ قبله، والباءُ للسببية كما تقدَّم، و "مَا" يجوزُ فيها ثلاثةُ أوجه: أظهرها: أنها مصدريةٌ لتُقابل المصدر، وهو اللَّغو، أي: لا يؤاخذكم باللغوِ، ولكن بالكسب. والثاني: أنها بمعنى "الذي"، ولا بُدَّ من عائدٍ محذوفٍ، أي: كَسَبَتْهُ؛ ويرجِّحُ هذا أنها بمعنى "الَّذِي" أكثرُ منها مصدريةً. والثالثُ: أن تكونَ نكرةً موصوفةً، والعائدُ أيضاً محذوفٌ، وهو ضعيفٌ، وفي هذا الكلام حَذْفٌ، تقديره: ولكنْ يُؤاخِذكُمْ في أَيْمَانِكُمْ بما كَسَبَتْ قلوبُكُمْ؛ فحذف لدلالةِ ما قبله عليه. فصل قوله: {يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ}، أي: عزمتُم وقصدتُم إلى اليمين، وكَسبُ القَلْب: العقدُ والنِّيَّة. وقال زيد بن أسلم في قوله: "وَلكِم يُؤَاخِذُكم بما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ" هو في الرَّجل يقول: هو مشركٌ إن فعل أي: هذا اللَّغو إلاَّ أن يعقد الشِّرك بقلبه ويكسبه. واعلم أنَّ اليمين لا تنعقد إلاَّ باللهِ تعالى أو اسم من أسمائِهِ، أو صفةٍ من صفاته، فاليمين باللهِ أَنْ يقول: والَّذي أعبده، والَّذِي أصلِّي له؛ والَّذِي نفسي بيده، ونحو ذلك. واليمين بأسمائه؛ كقوله: واللهِ؛ والرَّحْمنِ ونحوه. واليمين بصفاته؛ كقوله: وعزَّة اللهِ؛ وعظمةِ اللهِ؛ وجلال اللهِ؛ وقدرة اللهِ، ونحوها. فإذا حلف بشيءٍ منها على أمرٍ في المستقبل فحنث، وجبت عليه الكفَّارة، وإذا حلف على أمرٍ ماضٍ أَنه كان ولم يكُن وقد كان، إِنْ كان عالِماً به حال اليمين، فهو اليمين الغموس وهو من الكبائر، وتجبُ فيه الكفَّارة عند الشَّافعيِّ، عالماً كان أو جاهلاً. وقال أصحاب الرَّأي: إِنْ كان عالِماً، فهو كبيرةٌ، ولا كفَّارة لها كسائر الكبائر، وإِنْ كان جاهلاً، فهو يمين اللَّغو عندهم. واحتجَّ الشَّافعيُّ بهذه الآية على وجوب الكفَّارة في اليمين الغموس؛ قال: "لأَنَّه - تعالى - ذكر ههنا المؤاخذة بكسب القلب، وقال في آيةِ المائدة: {أية : وَلَـٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ ٱلأَيْمَانَ}تفسير : [المائدة:89]، وعقد اليمين محتمل لأن يكون المراد به العقد الَّذي مضادُّه الحِلّ، فلما ذكر ههنا قوله: {بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ} علمنا أن المراد من ذلك العقد هو عقد القلب، وأيضاً ذكر المُؤاخذة، ولم يبيِّن تلك المُؤاخذة ما هِيَ، وَبيَّنَها في آية المائِدَة بقوله: {أية : وَلَـٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ ٱلأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ}تفسير : [المائدة:89]، فتبيَّن أن المُؤَاخَذَة هي الكَفَّارَة، فكل مُؤَاخَذَةٍ من هاتين الآيتين مجملةٌ من وجهٍ، مبيَّنَةٌ من وجهٍ آخر، فصارت كل واحدةٍ منهما مُفسَّرة للأُخرى من وجهٍ، وحصل من كُلِّ واحدةٍ منهما أَنَّ كُلَّ يمينٍ ذكر على سبيل الجِدِّ وربط القلب به، فالكفَّارة واجبةٌ فيها، ويمين الغموس كذلك، فكانت الكفَّارة واجبةٌ فيها. فصل في كراهية الحلف بغير الله ومن حلف بغير اللهِ مثل أن قال: والكعبة، وبيت اللهِ، ونبيِّ الله؛ أو حلف بأبيه ونحو ذلك، فلا يكون يميناً، ولا تجب فيه الكفَّارة إذا حنث، وهو يمين مكروهٌ؛ قال الشَّافعيُّ: وأخشى أن تكون معصية. روى مالكٌ عن نافعٍ، عن ابن عمر؛ أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أدرك عمر بن الخطَّاب، وهو يسير في ركب وهو يحلف بأبيه؛ فقال رسولُ الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ "حديث : إِنَّ اللهَ يَنْهَاكُم أَنْ تَحْلفُوا بآبَائِكُم، فَمَنْ كَانَ حَالِفاً فَلْيَحْلِفْ بِاللهِ أَوْ لِيَصْمُتْ ". تفسير : قوله تعالى: {وَٱللهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ} قد تقدَّم أن "الغَفُور" مبالغةٌ في ستر الذُّنوب، وفي إسقاط عقوبتها. وأمَّا "الحليم" فاعلم أن الحلم في كلام العرب الأناة، والسُّكون مع القُدرة والقُوَّة، ويقال ضع الهودج على أحلم الجمال، أي: على أشدِّها قوَّةً في السَّير، ومنه الحِلْم، لأَنَّه يرى في حال السُّكُون، وحلمة الثَّدي؛ والحليمُ مِنْ حَلُم - بالضم - يَحْلُمُ إذا عَفَا مع قُدْرَة، وأمَّا حَلِمَ الأديمُ فبالكسر يَحْلَمُ بالفتح، فسد وتثقَّب؛ وقال [الوافر] شعر : 1096- فَإِنَّكَ وَالْكِتَابَ إِلَى عَلِيٍّ كَدَابِغَةٍ وَقَدْ حَلِمَ الأَدِيمُ تفسير : وأمَّا "حَلَمَ"، أي: رأى في نومِه، فبالفتح، ومصدرُ الأولِ "الحِلْم" بالكسر؛ قال الجعديُّ: [الطويل] شعر : 1097- وَلاَ خَيْرَ فِي حِلْمٍ إِذَا لَمْ تَكُن لَهُ بَوَادِرُ تَحْمِي صَفْوَهُ أَنْ يُكَدَّرَا تفسير : ومصدرُ الثاني "الحَلِّمُ" بفتح اللام ومصدرُ الثالث: "الحُلُم" و "الحُلْم" بضم الحاءِ مع ضمِّ اللام وسكونها.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في مسنده عن ابن عباس ‏ {‏ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم‏} ‏ يقول‏:‏ لا تجعلني عرضة ليمينك أن لا تصنع الخير، ولكن كفر عن يمينك واصنع الخير‏. وأخرج عبد الحميد وابن جرير عن ابن عباس في الآية قال‏:‏ هو أن يحلف الرجل أن لا يكلم قرابته، أو لا يتصدق، أو يكون بين رجلين مغاضبة فيحلف لا يصلح بينهما، ويقول قد حلفت‏.‏ قال‏:‏ يكفر عن يمينه‏. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال‏:‏ كان الرجل يحلف على الشيء من البر والتقوى لا يفعله، فنهى الله عن ذلك‏. وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في الآية قال‏:‏ هو الرجل يحلف لا يصل رحمه، ولا يصلح بين الناس، فأنزل الله ‏{‏ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم‏}‏ ‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء قال‏:‏ جاء رجل إلى عائشة فقال‏:‏ إني نذرت إن كلمت فلاناً فإن كل مملوك لي عتيق، وكل مال لي ستر للبيت‏.‏ فقالت‏:‏ لا تجعل مملوكيك عتقاء، ولا تجعل مالك ستراً للبيت، فإن الله يقول ‏{‏ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبروا وتتقوا‏.‏‏.‏‏.‏‏} ‏ الآية‏.‏ فكفر عن يمينك‏. وأخرج ابن جرير عن عائشة في الآية قالت‏:‏ لا تحلفوا بالله وإن نذرتم‏. وأخرج عبد الرزاق عن طاوس في قوله ‏ {‏ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم‏} قال‏:‏ هو الرجل يحلف على الأمر الذي لا يصلح ثم يعتل بيمينه، يقول الله ‏{‏أن تبروا وتتقوا‏} ‏ هو خير من أن تمضي على ما لا يصلح‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال‏:‏ كان الرجل يريد الصلح بين اثنين فيغضبه أحدهما أو يتهمه، فيحلف أن لا يتكلم بينهما في الصلح، فنزلت الآية‏. وأخرج ابن جرير عن ابن جريج قال‏:‏ حدثت أن قوله ‏ {‏ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم‏.‏‏.‏‏.‏‏} ‏ الآية نزلت في أبي بكر في شأن مسطح‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله ‏{‏والله سميع‏} يعني اليمين التي حلفوا عليها {‏عليم‏} ‏ يعني عالم بها، كان هذا قبل أن تنزل كفارة اليمين‏. وأخرج أحمد والبخاري ومسلم وابن ماجة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ‏"حديث : ‏لأن يلج أحدكم في يمينه في أهله، أتم له عند الله من أن يعطي كفارته التي افترض عليه‏ "‏‏. تفسير : وأخرج أحمد وأبو داود وابن ماجة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏"‏حديث : لا نذر ولا يمين فيما لا يملك ابن آدم، ولا في معصية الله، ولا في قطيعة الرحم، ومن حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها فليدعها وليأت الذي هو خير، فإن تركها كفارتها‏ ". تفسير : وأخرج ابن ماجة وابن جرير عن عائشة قالت‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"حديث : ‏من حلف على يمين قطيعة رحم أو معصية، فبره أن يحنث فيها ويرجع عن يمينه‏ "‏‏. تفسير : وأخرج مالك ومسلم والترمذي والنسائي عن أبي هريرة ‏"حديث : ‏أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها، فليكفر عن يمينه وليفعل الذي هو خير‏ "‏‏. تفسير : وأخرج البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة عن أبي موسى الأشعري قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"حديث : ‏إني - والله إن شاء الله - لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيراً منها إلا أتيت الذي هو خير، وتحللتها‏ "‏‏. تفسير : وأخرج مسلم والنسائي وابن ماجة عن عدي بن حاتم قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏حديث : من حلف على يمين فرأى غيرها خيرها خيراً منها، فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه‏ "‏‏. تفسير : وأخرج البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن عبد الرحمن بن سمرة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏حديث : لا تسأل الامارة، فإنك إن اعطيتها عن غير مسألة أعنت عليها، وإن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها، وإذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيراً منها فأت الذي هو خير وكفر عن يمينك‏ "‏‏. تفسير : وأخرج أبو داود والحاكم وصححه عن سعيد بن المسيب‏.‏ أن أخوين من الأنصار كان بينهما ميراث، فسأل أحدهما صاحبه القسمة فقال‏:‏ إن عدت تسألني القسمة لم أكلمك أبداً، وكل ما لي في رتاج الكعبة‏.‏ فقال له عمر‏:‏ إنَّ الكعبة لغنية عن مالك، كفر عن يمينك وكلم أخاك، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏"حديث : ‏لا يمين ولا نذر في معصية الرب، ولا في قطعية الرحم، وفيما لا تملك‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج النسائي وابن ماجة عن مالك الجشمي قال ‏"‏حديث : قلت‏:‏ يا رسول الله يأتيني ابن عمي فاحلف أن لا أعطيه ولا أصله‏؟‏ قال‏:‏ كفر عن يمينك‏ "‏‏.

التستري

تفسير : وسئل عن قوله: {وَلاَ تَجْعَلُواْ ٱللَّهَ عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ أَن تَبَرُّواْ}[224] ما هذا البر؟ فقال: يعني أن لا تصلوا القرابة لعلة اليمين. فقيل له: لقد قال:{أية : لَّيْسَ ٱلْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ}تفسير : [البقرة:177].

القشيري

تفسير : نزهوا ذكْرَ ربكم عن ابتذاله بأي حظ من الحظوظ. ويقال لا تجعلوا ذكر الله شركاً يُصْطَاد به حطام الدنيا.

اسماعيل حقي

تفسير : {ولا تجعلوا الله عرضة لايمانكم ان تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس} روى ان بشير ابن نعمان الانصارى كان قد طلق زوجته التى هى اخت عبد الله بن رواحة واراد ان يتزوجها بعد ذلك وكان عبد الله قد حلف على ان لا يدخل على بشير ولا يكلمه ولا يصلح بينه وبين اخته فاذا قيل له فى ذلك قال قد حلفت بالله ان لا افعل ولا يحل لى الا ان لا احفظ يمينى وابر فيه فانزل الله تعالى هذه الآية. والعرضة فعلة بمعنى المعروض جعل اسما لما يعرض دون الشىء اى يجعل قدامه بحيث يصير حاجزا ومانعا منه من عرض العود على الاناء اى جعل العود على الاناء وستره به بحيث يكون حاجزا وحائلا بين الاناء وما يتوجه اليه والمعنى لا تجعلوا ذكر الله والحلف به مانعا لما حلفتم عليه من انواع الخير كالبر والاتقاء والاصلاح فان الحلف بالله لا يمنع ذلك فيكون لفظ الايمان مجازا مرسلا عن الخيرات المحلوف عليها سمى المحلوف عليه يمينا لتعلق اليمين به واللام فى لأيمانكم متعلق بقوله عرضة تعلق المفعولية لا تعلق العلية لان العرضة ما عرضته دون الشىء فاعترضه اى ما تجعله انت قدام شىء آخر فيقع قدامه فيكون المعنى لا تجعلوا الحلف بالله شيأ عرض او وقع قدام المحلوف عليه الذى هو البر والخير ويصير مانعا من الاتيان به وان تبروا عطف بيان لايمانكم اى للامور المحلوف عليها التى هى البر والتقوى والاصلاح {والله سميع} لايمانكم {عليم} بنياتكم حتى ان تركتم الحلف تعظيما لله واجلالا له من ان تستشهدوا باسمه الكريم فى الاغراض العاجلة يعلم ما فى قلوبكم ونيتكم فحافظوا على ما كلفتموه وفى المثنوى شعر : ازبى آن كفت حق خودرا سميع تاببندى لب زكفتار شنيع ازبى آن كفت حق خودرا بصير كه بود ديدويت هردم نذير امبى آن كفت حق خودرا عليم تانينديشى فسادى توزبيم تفسير : والآية عامة فى كل من كان يحلف بالله ان لا يحسن لاحد ولا يتقى من العصيان فيعمل ما اشتهت نفسه وان لا يصلح بين الناس اذا وقع فيهم العداوة والبغضاء فكانه قال تعالى كل ذلك خير وطاعة لا يمنعها حلفكم فان حلفتم عليها فلتكفروا عن حلفكم ولتفعلوا تلك الخيرات من البر والتقوى والاصلاح بين الناس ولا تقولوا نحن حلفنا بالله فنخاف من اليمين به ان نفعله فنحنث فى يميننا فالحنث اولى من البر فيما يتعلق بالبر والتقوى والاصلاح قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم "حديث : من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا فليكفر عن يمينه ثم ليفعل الذى هو خيرbr>". تفسير : والكفارة قبل اليمين غير جائزة وبعد الحنث واجبة اتفاقا. ولا تجوز قبل الحنث بعين اليمين عند اسحق رحمه الله. وفى الشرعة ولا يروج سلعته اى متاعه بالحلف لا صادقا ولا كاذبا لانه ان كان كاذبا فقد جاء باليمين الغموس وهى من الكبائر التى تزر الديار بلاقع وان كان صادقا قد جعل الله عرضة لايمانه واساء فيه اذ الدنيا اخس من ان يقصد تروجها بذكر الله من غير ضرورة ومن حلف بالله فى كل قليل وكثير انطلق لسانه بذلك ولا يبقى اليمين فى قلبه فلا يؤمن اقدامه على الايمان الكاذبة فيختل ما هو الغرض الاصلى من اليمين وفى الخبر "حديث : ويل للتاجر من بلى والله ولا والله ". تفسير : وفى بستان العارفين ويكره ان يصل على النبى عليه السلام فى عرض السلعة فيقول صلى الله على محمد ما اجود هذا وقال عليه السلام "حديث : التجار هم الفجار" قيل ولم يا رسول الله وقد أحل الله البيع فقال "لانهم يحلفون ويأثمون ويتحدثون فيكذبونbr>". تفسير : ولا يحلف على الله بشىء نحو ان يقول والله ليفعلن الله كذا ولو اقسم ولى الله مثل القسم المذكور لايره الله وصدقه فى يمينه كرامة له. وكان ابو حفص رحمه الله يمشى ذات يوم فاستقبله رستاقى مدهوش فقال له ابو حفص ما اصابك قال ضل حمارى ولا املك غيره فوقف ابو حفص وقال وعزتك لا اخطو خطوة ما لم ترد حماره فظهر الحمار فى الوقت كذا فى شرح المشارق.

ابن عجيبة

تفسير : قل: العرضة: فُعلة، بمعنى مفعولة: أي: معرضاً منصوباً، لأيمانكم تحلفون به كثيراً، فيصير اسم الجلالة مبتذلاً بينكم. و {أن تبروا}: مفعول من أجله. يقول الحقّ جلّ جلاله: {ولا تجعلوا الله} أي: اسم الجلالة، معرضاً {لأيمانكم}، فتتبذلونه بكثرة الحلف، فتمتنعون من فعل الخير بسبب الحلف، كراهة {أن تبروا} أي: تفعلوا فعل البر، وهو الإحسان، وكراهة أن {تتقوا} أن تجعلوا بينكم وبين الله وقاية بفعل المعروف، وذلك أن يحلف الرجل ألا يصل رحمه، أو لا يسلم على فلان، او لا يضمن أحداً، أو لا يبيع بدين، أو لا يسلف أحداً، أو لا يتصدق، فهذه الأمور كلها بر وتقوى، نهى الله تعالى عن الحلف على عدم فعلها، أو يحلف ألا يصلح بين الناس، فيجب على الحالف على ذلك أن يحنث، ويكفر عن يمينه. ولذلك قال - عليه الصلاة والسلام -:"حديث : إنِّي لأَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ فَأَرَى خيْراً منْهَا، فأكفر عن يميني، وآتي الَّذِي هُوَ خَيْرٌ"تفسير : . وقال لابن سَمُرَة: "حديث : إذا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ، فَرأيْتَ غَيرهَا خَيْراً مِنْهَا، فاتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ، وَكَفّرْ عَنْ يمِينِك ". تفسير : أو يقول الحقّ جلّ جلاله {ولا تجعلوا لله} معرضاً لأيمناكم، تحلفون به كثيراً، نهيتكم عن ذلك، إرَادَةَ أنْ تكونوا أبراراً متقين، مصلحين {بين الناس}؛ فإن الحالف مجترئ على الله، والمجترئ لا يكون برّاً متقياً، ولا موثوقاً به في إصلاح ذات البين، {والله سميع} لأيمانكم، {عليم} بنياتكم. ثم رفع الحق تعالى الحرج عن يمين اللغو الذي لا قصد فيه - فقال: {لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم}، وهو ما يجري على اللسان من غير قصد، كقول الرجل في مجرى كلامه: لا والله وبلى والله، قاله ابن عباس وعائشة - رضي الله عنهما -، وبه قال الشافعي. وقال أبو هريرة والحسنُ وابنُ عباس - في أحد قوليه -: هو أن يحلف على ما يعتقد فيظهر خلافه. وبه قال مالك رضي الله عنه، والأول ألْيَق بقوله تعالى: {ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم} أي: بما عقدت عليه قلوبكم، {والله غفور}؛ حيث لم يؤاخذكم باللغو، {حليم}؛ حيث لم يعجل بالمؤاخذة على يمين الجدّ، تربصاً للتوبة. الإشارة: يقول الحقّ جلّ جلاله: {لا تجعلوا الله عُرضة لأيمانكم}، لكن اجعلوه عرضة لتعظيم قلوبكم ومشاهدة لأسراركم، فإني ما أظهرت اسمي لتبتذلوه في الأيمان والجدال، وإنما اسمي لتتلقَّوْه بالتعظيم والإجلال، فمن عظَّم اسمي فقد عظَّم ذاتي، ومن عظم ذاتي جعلته عظيماً في أرضي وعند أهل سمواتي، وجعلته برّاً تقيّاً، من أهل محبتي وودادي، وداعياً يدعو إلى معرفتي، ويصلح بيني وبين عبادي، فمن حلمي ورأفتي: أني لا أؤاخذ بما يجري على اللسان، وإنما أؤاخذ بما يقصده الجَنَان. تنبيه: كثرة الحلف مذموم يدل على الخفة والطيش، وعدم الحلف بالكلية تعسف، وخيرُ الأمور أوساطها، كان عليه الصلاة والسلام يحلف في بعض أحيانه، يقول:"حديث : لاَ وَمُقَلِّبِ الْقُلُوبِ"، "حديث : وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ"تفسير : . والله تعالى أعلم.

الطوسي

تفسير : المعنى: قيل في معنى قوله: {ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم} ثلاثة أقوال: أحدها - أن العرضة: علة، كأنه قال لا تجعلوا اليمين بالله علة مانعة من البرّ، والتقوى: من حيث تتعمدوا، لتعتلوا بها، وتقولوا: قد حلفنا بالله، ولم تحلفوا به، وهذا قول الحسن، وطاووس، وقتادة، وأصله - في هذا الوجه - الاعتراض به بينكم وبين البرّ والتقوى، للامتناع منهما، لأنه قد يكون المعترض بين الشيئين مانعاً من وصول أحدهما الى الآخرة، فالعلة مانعة كهذا المعترض. وقيل: العرضة: المعترض، قال الشاعر: شعر : لا تجعليني عرضة اللوائم تفسير : الثاني - {عرضة}: حجة، كأنه قال لا تجعلوا اليمين بالله حجة في المنع {أن تبروا وتتقوا} بأن تكونوا قد سلف منكم يمين ثم يظهر أن غيرها خير منها، فافعلوا الذي هو خير، ولا تحتجوا بما سلف من اليمين، وهو قول ابن عباس، ومجاهد، والربيع، والأصل في هذا القول والأول واحد، لأنه منع من جهة الاعتراض بعلة أو حجة. وقال بعضهم: إن أصل عرضة: قوة، فكأنه قيل: ولا تجعلوا الحلف بالله قوة لأيمانكم في ألاّ تبرّوا وأنشد لكعب بن زهير: شعر : من كل نضّاحة الذّفرى إذا عرقت عُرضتها طامس الاعلام مجهول تفسير : وعلى هذا يكون الأصل العرض، لأن بالقوة يتصرف في العرض والطول، فالقوة: عرضة لذلك. الثالث - بمعنى: ولا تجعلوا اليمين بالله مبتذلة في كل حق وباطل، لأن تبرّوا في الحلف بها، واتقوا المآثم فيها، وهو المروي عن عائشة، لأنها قالت: لا تحلفوا به وإن بررتم، وبه قال الجبائي، وهو المروي عن أئمتنا (ع) وأصله على هذا معترض بالبذل: لا تبذل يمينك في كل حق وباطل. فأما في الأصل، فمعترض بالمنع أي لا يعترض بها مانعاً من البرّ، والتقوى، فتقدير الأول: لا تجعل الله مانعاً من البرّ والتقوى باعتراضك به حالفاً، وتقدير الثاني - لا تجعل الله مما تحلف به دائماً باعتراضك بالحلف في كل حق وباطل، لأن تكون من البررة، والأتقياء. اللغة: واليمين، والقسم، والحلف واحد. واليمنية: ضرب من برود اليمن. وأخذ يمنة، ويسرة. ويُمن ييمن يميناً، فهو ميمون. ويمن، فهو ميمن: إذا أتى باليمن، والبركة. وتيمن به تيمناً، وتيامن تيامناً. واليمين خلاف الشمال، وأصل الباب اليمن، والبركة. المعنى: وقوله: {أن تبروا} قيل في معناه ثلاثة أقوال: أحدها - {أن تبروا}: لأن تبروا على معنى الأثبات. الثاني - أن يكون على معنى لدفع أن تبروا، أو لترك أن تبروا - في قول أبي العباس. الثالث - على تقدير: ألاّ تبروا، وحذفت (لا) لأنه في معنى القسم كما قال امرؤ القيس: شعر : فقلت يمين الله أبرح قاعداً ولو قطعوا رأسي لديك وأوصالي تفسير : أي لا أبرح، هذا قول أبي عبيد، وأنكر أبو العباس هذا، لأنه لما كان معه (أن)، بطل أن يكون جواباً للقسم، وإنما يجوز (والله أقم في القسم بمعنى لا أقوم، لأنه لو كان إثباتاً، لقال لأقومن، باللام والنون. والمعنى في قول أبي العباس، وأبي عبيد واحد، والتقدير مختلف، فحمله أبو العباس على ما له نظير من حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، وأنكر قياسه على ما يشبهه. الاعراب: وفي موضع أن تبروا ثلاثة أقوال: قال الخليل، والكسائي: موضعه الخفض بحذف اللام مع أن خاصة. الثاني - قال سيبويه وأكثر النحويين: إن موضعه النصب، لأنه لما حذف المضاف وصل الفعل وهو القياس. الثالث - قال قوم: موضعه الرفع على {أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس} أولى، وحذف، لأنه معلوم المعنى، أجاز ذلك الزجاج وإنما حذف اللام جاز مع (أن)، ولم يجز مع المصدر، لأن (أن) يصلح معها الماضي، والمستقبل، نحو قولك جئتك أن ضربت زيداً، وجئتك أن تضرب زيداً، والمصدر ليس كذلك، كقولك: جئتك لضرب زيد، فمعنى ذلك: أنه لما وصل بالفعل، احتمل الحذف كما يحتمل (الذي) وإذا وصل بالفعل من حذف ضمير المفعول، ما لا يحتمله الألف واللام إذا وصل بالاسم، نحو الذي ضربت زيد: يريد ضربته. فأما الضاربه أنا زيد، فلا يحسن إلا بالهاء، وذلك لأن الفعل أثقل، فهو بالحذف أولى. ويجوز أن يكون لما صلح للأمرين كثير في الاستعمال، فكان بالحذف أولى مما قل منه. وقال الزجاج إنما جاز حذف اللام مع (أن)، ولم يجز مع المصدر، لأن (أن) إذا وصلت، دل بما بعدها على الاستقبال، والمعنى تقول: جئتك أن ضربت زيداً، وجئتك أن تضرب زيداً، فلذلك جاز حذف اللام، فاذا قلت. جئتك ضرب زيد، لم يدل الضرب على مضي ولا إستقبال. المعنى: فاذا حلف لا يعطي من معروفه، ثم رأى أن برّه خيراً، أعطاه، ونقض يمينه. وعندنا لا كفارة عليه، وإنما جاز ذلك، لأنه لا يخلو من أن يكون حلف يميناً جائزة أو غيره جائزة، فان كانت جائزة، فهي مقيدة بأن لا يرى ما هو خير، فليس في هذا مناقضة للجائزة، وإن كانت غير جائزة، فنقضها غير مكروه. وقوله: {والله سميع عليم} معناه: أنه سميع ليمينه، عليم بنيته فيه، وفي ذلك تذكير، وتحذير.

الجنابذي

تفسير : {وَلاَ تَجْعَلُواْ ٱللَّهَ عُرْضَةً} معرضاً {لأَيْمَانِكُمْ} جمع اليمين بمعنى الحلف يعنى لا تكثروا الحلف بالله صادقاً او كاذباً او لغواً تأكيداً للكلام او لا تجعلوا الله حاجزاً عن اعمال الخير لاجل ايمانكم على تركها وكلاهما مرويّان {أَن تَبَرُّواْ} لان لا تبرّوا او كراهة ان تبرّوا او ارادة ان تبرّوا او لان تبرّوا او على ان تبرّوا او فى ان تبرّوا اى فى حقّ البرّ، او هو بدل عن الايمان على ان يكون المراد بها الامور المحلوف عليها {وَتَتَّقُواْ وَتُصْلِحُواْ بَيْنَ ٱلنَّاسِ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} يسمع ما تتفوّهون به من الايمان بالله يعلم سرائركم فيؤاخذكم ان كان ايمانكم كاذبةً ونيّاتكم غير صادقة.

الأعقم

تفسير : قوله تعالى: {ولا تجعلوا الله عرضة لايمانكم} قيل: نزلت في عبدالله بن رواحة الأنصاري حلف ان لا يدخل على أخيه بشر لشيء بينهما ولا يصلح بينه وبين خصم له وكان يقول حلفتُ بالله فلا أفعل فنزلت الآية، وقيل: نزلت في أبي بكر حين حلف ان لا ينفق على مسطح بن أثاثة حين خاض في الافك، أي لا تجعلوا اليمين بالله حجة في المنع من البر والتقوى، وقيل: لا تجعلوا اليمين عذراً وعلةً وتقولوا حلفنا بالله ولم تحلفو {ان تبروا} بمعنى ان لا تبروا فحذف، قال امرئ القيس: شعر : فقلت يمين الله أبرح قاعداً ولو قطعوا رأس لديك وأوصالي تفسير : وقيل: هو من البر يعني ينهاكم عن كثرة الايمان لما في توقي ذلك من البر والتقوى والاصلاح واتقوا الآثام في الأيمان {وتصلحوا بين الناس} يعني اذا عرفتم بقلة الأيمان تصلحوا بقولكم، ثم بيّن الله اقسام الأيمان فقال تعالى: {لا يؤاخذكم الله باللغو في ايمانكم} قيل: اللغو ان يحلف وهو يرى انه صادق، وعن ابن عباس والحسن ومجاهد وهو قول العترة (عليهم السلام) وح وأصحابه، وقيل: ما يصله بكلام من غير قصد كقوله لا والله بلى والله عن عائشة وهو قول الشافعي، وقيل: هو يمين العصيان عن سعيد بن جبير وروي نحوه عن أمير المؤمنين (عليه السلام) غير انه قال: "يحنث ويكفر"، وقيل: هو اليمين في المعصيَة، وقيل: هو ان يحلف ثم يحنث ناسياً لا يؤاخذ به {ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم} أي عَزَمْتُم وقصدتم وفيه حذف أي من أيمانكم {والله غفور} يغفر الذنوب {حليم} يمهل ولا يعجل بالعقوبة {للذين يؤلون من نسائهم} قيل: كان الإيلاء طلاق الجاهليَّة وفي ابتداء الإسلام كان الرجل لا يريد المرأة ويكره ان يتزوجها غيره ويحلف ان لا يقربها فنزلت الآية وجعل حده {اربعة اشهر} وفيه حذف أي يعتزلون عن وطء النساء فحذف لدلالة الثاني عليه {وان عزموا الطلاق} فتربصوا الى مضي المدة {فان الله سميع عليم} هذا وعيد على اصرارهم وتركهم الفيئة، وعلى قول الشافعي: معناه فإن فاؤوا وان عزموا بعد مُضِي المدة، قوله: {تربص اربعة أشهرٍ} التوقف والتلبث في اربعة اشهر فكل يمين يمتنع به من الجماع اربعة اشهر فما فوقها فهي ايلاء وما كان دون اربعة اشهر فليس بايلاء، وقيل: الايلاء الحلف على الامتناع من الجماع على جهتي الغضب والضرار عن علي (عليه السلام) وابن عباس وهو الظاهر، وعن سعيد بن المسيَب هو الجماع من الضرار نحو ان يحلف ان لا يكلمها {فان فاءوا} رجعوا الى امر الله تعالى بالفيء وهو الجماع في أربعة أشهر ويدل قوله: {فان فاءوا} على حق لها عليه يجب رفع الايلاء لأجله {والمطلقات} روي عن مقاتل انه كان الرجل في ابتداء الإسلام اذا طلق إمرأته فهو أحق برجعتها ما لم تضع ولدها ففسخ ذلك بآية الطلاق وذكر القاضي ان الآية نزلت وكانوا يطلقون فاذا شارفت انقضاء العدة راجعها ضراراً بذلك في طلاق بعد طلاق فنزلت الآية وبيّن ثلاثة أحكام أحدها حدّ الطلاق والثاني في تحريم المراجعة على وجه الضرار والثالث وقت المراجعة {الطلاق مرتان} قيل: كان الرجل في الجاهليَّة يطلق إمرأته ثم يراجعها قبل إنقضاء عدتها ولو طلقها الف مرة ولم يكن للطلاق حد فذكر ذلك لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فنزلت الآية وجعل حد الطلاق ثلاثاً، واما الثالثة فقيل: هي في قوله تعالى: {أية : فان طلقها} تفسير : [البقرة: 230] وقيل: هي قوله تعالى: {فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ولا يحل لكم أن تأخذوا مما اتيتموهن شيئاً إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله فإن خفتم ألا يقيما حدود الله} الآية وسبب نزولهاحديث : ان إمرأة ثابت بن قيس جميلة اتت الى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقالت: يا رسول الله ما افقد على ثابت في دينٍ ولا خُلقٍ ولكن لا أطيقه بغضاً فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): "أتريدين حديقته" قالت: نعم وأزيد فقال: "أما الزيادة فلا" تفسير : وطلقها بإذن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وكان أول خلع في الإسلام {حدود الله} أوامره ونواهيه وهو نشوز الزوجة بغضاً للزوج.

اطفيش

تفسير : {وَلاَ تَجْعَلُوا اللّهَ عُرضَةً لأيْمَانِكُم أَنْ تبروا وتَتَّقُوا وتُصْلحُوا بَيْنَ النَّاسِ}: أى لا تجعلوا الله مانعاً لما حلفتم عليه من البر والاتقاء والإصلاح بين الناس، وذلك أنهم كانوا يحلفون ألا يبروا فلاناً أو فلانه، ولا يفعلوا كذا مما هو اتقاء سخط الله، أو لا يتركوا كذا مما ترك اتقاء لسخط الله أو لا يصلحوا بين فلان وفلان، فإذا قيل لهم بروا فلاناً أو اتقوا كذا أو أصلحوا، امتنعوا وقالوا: حلفنا بالله ألا نفعل ذلك، فكأنه قيل لا تجعلوا ذكر الله والحلف به مانعاً لما حلفتم عليه من أنواع الخير من البر والاتقاء والصلاح، فإن الحلف بالله تعالى لا يمنع ذلك، فالعرضة فى الأصل فعلة بمعنى مفعول، من قولك عرضت العود على الإناء، أى جعلته عليه يمنع من خلوص الشئ إلى داخله، فذلك العود معروض على الإناء، ثم نقل فى الآية لفظ عرضة إلى معنى فاعل، أى لا تجعلوا الله عارضاً، أى مانعاً، وإنما لم اجعله من أول الأمر بمعنى عارض، لأن قاعدة فعله بضم فإسكان معنى مفعول، والأمر متعلقاً بعرضة وهى للتقوية، وفيها طرف قوى من التعدية وذلك أن عرضة بمعنى عارض، والأيمان الأمور والمحلوف عليها، سميت أيماناً لتعلق الحلف بها كقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خير منها فأت الذى هو خير وكفر عن يمينك"تفسير : . فاليمين الأولى بمعنى المحلوف عليه، ويجوز أن تكون اللام للتعليل، فتعلق بتجعلوا، أى لا تجعلوا الله لأجل أيمانكم وكثرة حلفكم به مانعاً لإيقاع أنواع الخير، والأيمان على هذا المعنى القسم لا بمعنى المحلوف عليها، وقوله: {إن تبروا} على التعليق بعرضه، وكون الأيمان بمعنى الأمور المحلوف عليها يكون عطف بيان فى التأويل على أيمانكم لأن البر والاتقاء والإصلاح هى نفس الأمور المحلوف عليها فبينت بذلك، وإن جعلنا اللام للتعليل معلقة بتجعلوا فإن تبروا على تقدير حرف جر، وهذا الحرف المقدر يتعلق بتجعلوا، أو بعرضة، وتعليقه هنا بعرضة أولى، أى لا تجعلوا الله عرضة لأن تبروا لأجل أيمانكم، وصح تعليق اللامين بالجعل لاختلاف معناهما، لأن المقدرة ليست للتعليل، ويجوز أن يكون عرضة بمعنى معروض، من قولك عرضت الشئ بمعنى جعلت الشئ مقدماً، وعلى هذا فاللام فى {لأيمانكم} متعلق بعرضة، والأيمان على حقيقتها واللام المقدرة فى {أن تبروا} متعلقة على هذا بلا الناهية لا بالجعل، أى كفوا لأجل أن توقعوا البر عن جعل الله عرضة لأيمانكم متهاوناً به لكثرة الحلف، كما ذم الخلاف فى قوله تعالى:{أية : ولا تطع كل حلاّف}تفسير : فإن الحلاّف مجترئ على الله، والمعنى أنكم تحلفون بالله على ترك الخير من صلة الرحم وإصلاح ذات البين ونحوهما، ثم تقولون نخاف أن نحنث فى أيماننا فتتركون إرادة البر وأنا أنهاكم عن ذلك إرادة بركم واتقاءكم وإصلاح بين الناس، فإن هذه الأمور إنما تكون ممن يجتنب كثرة الحلف بالله تعالى إعظاماً له أن يكذب فى يمينه به، وأن يشهد به فى أمر الدنيا، وقال الزجاج وغيره: معنى الآية أن يكون الإنسان إذا طلب منه فعل الخير اعتل بالله تعالى وقال: قد حلفت على ألا أفعل ذلك، وهو لم يحلف. و{تبروا} هنا منزل منزلة اللام لعدم تعلق المعنى بالمبرور ومنصوب تتقوا محذوف، أى تتقوا الله أو عقابه أو عصيانه، وكذا تصلحوا بين الناس الفساد أو ما فسد. {واللّهُ سميعٌ}: لأقوالكم من يمين وغيرها. {عَلِيمٌ}: بأحوالكم وأفعالكم ونياتكم فيجارى تارك الحلف إعظاماً لله تعالى، والآية نزلت فى أبى بكر الصديق رضى الله عنه حين حلف لا ينفق على مصطح لافترائه على عائشة رضى الله عنها مثل قوله تعالى: {ولا يأتل أولوا الفضل منكم}، الآية. وقيل نزلت فى عبد الله بن رواحة حلف ألا يكلم زوج أخته بشير بن النعمان، إذ طلقها ألا يصلح بينهما وألا يدخل عليه، وقد أراد بشير أن يتزوجها بعد ذلك، فإذا قيل له فى ذلك قال: حلفت بالله ألا أفعل ولا يحل لى إلا أن أحفظ يمينى وأبر فيه.

اطفيش

تفسير : {وَلاَ تَجْعَلُواْ اللهَ} بالحلف به {عُرْضَةً} شيئاً معترضاً مانعاً، فعرضة بمعنى فاعلا {لأَيْمَٰنِكُمْ} للأمور المحلوف عليها، سماها يميناً للتسبب، متعلق بعرضة بمعنى الاعتراض أولى من أن تعلق تجعلوا {أَن تَبَرُّواْ} بأن لا تبروا، فحذف حرف الجر ولا النافية، والباء متعلقة بعرضة، بمعنى مانعا، والبر الإمسان بالطاعة لا بالوفاء باليمين، يحلفون ألا يفعلوا كذا من الخير لفلان أو لكذا فلا يجوز هذا الحلف ولو قليلا، أو أن تبروا بيان للأيمان، بمعنى تلك الأمور، أو بدل للتقرير، وأولى من ذلك أن يكون المعنى، لا تجعلوا الله تقع عليه الأيمان الكثيرة، فإن ذلك جرأة، بأن يحلفوا صدقاً أو كذباً، على حقير أو جليل، كما تقع الرمية على الغرض المنصوب لها، تعالى الله من شبه الخلق، والمراد لفظ الجلالة، أو أسماؤه، والأيمان على ظاهره، لا بمعنى المحلوف عليه. وعرضة بمعنى مفعول، فالمراد إرادة أن تبروا، أو لتبروا فى زعمكم بالوفاء باليمين على ألا تفعلوا الخير {وَتَتَّقُواْ وَتُصْلِحُواْ بَيْنَ النَّاسِ} لا تمتعوا من فعل البر والتقوى والإصلاح بين الناس لحلفكم ألا تفعلوا ذلك، بل افعلوه، وكفروه أيمانكم، قال صلى الله عليه وسلم لابن سمرة: "حديث : إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرا منها فائت الذى هو خير، وكفر عن يمينك"تفسير : ، نزلت الآية فى عبدالله بن رواحة: إذا حلف ألا يتكلم لزوج أخته بشير بن النعمان، ولا يصلح بينهما، ولا يدخل عليه، فإذا قيل له افعل. قال، قد حلفت ولا أنقض اليمين، وفى الصديق إذ حلف ألا ينفق على مسطح لافترائه على عائشة، وكان فقيرا {وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} لا يخفى عنه قول ولا حال ولا شىء ما.

الالوسي

تفسير : {وَلاَ تَجْعَلُواْ ٱللَّهَ عُرْضَةً لأَيْمَـٰنِكُمْ} أخرج ابن جرير عن ابن جريج أنها نزلت في الصديق رضي الله تعالى عنه لما حلف أن لا ينفق على مسطح بن خالته وكان من الفقراء المهاجرين لما وقع في إفك عائشة رضي الله تعالى عنها، وقال الكلبـي: نزلت في عبد الله بن رواحة حين حلف على ختنه بشير بن النعمان أن لا يدخل عليه أبداً ولا يكلمه ولا يصلح بينه وبين امرأته بعد أن كان قد طلقها وأراد الرجوع إليها والصلح معها، والعرضة فعلة بمعنى المفعول كالقبضة والغرفة وهي هنا من عرض الشيء من باب نصر أو ضرب جعله معترضاً أو من عرضه للبيع عرضاً من باب ضرب إذا قدمه لذلك، ونصبه/ له والمعنى على الأول لا تجعلوا الله حاجزاً لما حلفتم عليه وتركتموه من أنواع الخير فيكون المراد بالأيمان الأمور المحلوف عليها وعبر عنها بالأيمان لتعلقها بها أو لأن اليمين بمعنى الحلف تقول حلفت يميناً كما تقول حلفت حلفاً فسمي المفعول بالمصدر كما في قوله صلى الله عليه وسلم فيما أخرجه مسلم وغيره: «حديث : من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها فليكفر عن يمينه وليفعل الذي هو خير»تفسير : ، وقيل: (على) في الحديث زائدة لتضمن معنى الاستعلاء. وقوله تعالى {أَن تَبَرُّواْ وَتَتَّقُواْ وَتُصْلِحُواْ بَيْنَ ٱلنَّاسِ} عطف بيان (لأيمانكم) وهو غير الاعلام كثير وفيها أكثر، وقيل: بدل وضعف بأن المبدل منه لا يكون مقصوداً بالنسبة بل تمهيد وتوطئة للبدل وهٰهنا ليس واللام صلة عرضة، وفيها معنى الاعتراض أو بتجعلوا والأول أولى وإن كان المآل واحداً، وجوز أن تكون الأيمان على حقيقتها واللام للتعليل و (أن تبروا) في تقدير لأن ويكون صلة للفعل أو لعرضة، والمعنى: لا تجعلوا الله تعالى حاجزاً لأجل حلفكم به عن البر والتقوى والاصلاح، وعلى الثاني ولا تجعلوا الله نصباً لأيمانكم فتبتذلوه بكثرة الحلف به في كل حق وباطل لأن في ذلك نوع جرأة على الله تعالى وهو التفسير المأثور عن عائشة رضي الله تعالى عنها، وبه قال الجبائي وأبو مسلم وروته الإمامية عن الأئمة الطاهرين، ويكون (أن تبروا) علة للنهي على معنى أنهيكم عنه طلب بركم وتقواكم وإصلاحكم إذ الحلاف مجترىء على الله تعالى والمجترىء عليه بمعزل عن الاتصاف بتلك الصفات ويؤول إلى لا تكثروا الحلف بالله تعالى لتكونوا بارين متقين ويعتمد عليكم الناس فتصلحوا بينهم، وتقدير الطلب ونحوه لازم إن كان {أَن تَبَرُّواْ} في موضع النصب ليتحقق شرط حذف اللام وهو المقارنة لأن المقارنة للنهـي ليس هو البر والتقوى والإصلاح بل طلبها وإن كان في موضع الجر بناءاً على أن حذف حرف الجر من (أن) وإن قياسي فليس بلازم وإنما قدروه لتوضيح المعنى والمراد به طلب الله تعالى لا طلب العبد، وإن أريد ذلك كان علة للكف المستفاد من النهي كأنه قيل: كفوا أنفسكم من جعله سبحانه عرضة وطلب العبد صالح للكف {وَٱللَّهُ سَمِيعٌ} لأقوالكم وأيمانكم {عَلِيمٌ} بأحوالكم ونياتكم فحافظوا على ما كلفتموه، ومناسبة الآية لما قبلها أنه تعالى لما أمرهم بالتقوى نهاهم عن ابتذال اسمه المنافي لها أو نهاهم عن أن يكون اسمه العظيم حاجزاً لها ومانعاً منها.

ابن عاشور

تفسير : جملة معطوفة على جملة { أية : نساؤكم حرث لكم } تفسير : [البقرة: 223] عطف تشريع على تشريع فالمناسبة بين الجملتين تعلق مضمونيهما بأحكام معاشرة الأزواج مع كون مضمون الجملة الأولى منعاً من قربان الأزواج في حالة الحيض، وكون مضمون هذه الجملة تمهيداً لجملة { أية : للذين يؤلون من نسائهم } تفسير : [البقرة: 226]، فوقع هذا التمهيد موقع الاعتراض بين جملة {نساؤكم حرث لكم}، وجملة {للذين يؤلون من نسائهم} وسلك فيه طريق العطف لأنه نهي عطف على نهي في قوله: { أية : ولا تقربوهن حتى يطهرن } تفسير : [البقرة: 222].w وقال التفتازاني: الأظهر أنه معطوف على مقدر أي امتثلوا ما أمرت به ولا تجعلوا الله عرضة اهـ. وفيه تكلف وخلو عن إبداء المناسبة، وجوز التفتازاني أن يكون معطوفاً على الأوامر السابقة وهي { أية : وقدموا } تفسير : [البقرة: 223] { أية : واتقوا } تفسير : [البقرة: 223] { أية : واعلموا أنكم ملٰقوه } تفسير : [البقرة: 223] اهـ أي فالمناسبة أنه لما أمرهم باستحضار يوم لقائه بين لهم شيئاً من التقوى دقيق المسلك شديد الخفاء وهو التقوى باحترام الاسم المعظم؛ فإن التقوى من الأحداث التي إذا تعلقت بالأسماء كان مفادها التعلق بمسمى الاسم لا بلفظه، لأن الأحكام اللفظية إنما تجري على المدلولات إلا إذا قام دليل على تعلقها بالأسماء مثل سميته محمداً، فجىء بهذه الآية لبيان ما يترتب على تعظيم اسم الله واتقائه في حرمة أسمائه عند الحنث مع بيان ما رخص فيه من الحنث، أو لبيان التحذير من تعريض اسمه تعالى للاستخفاف بكثرة الحلف حتى لا يضطر إلى الحنث على الوجهين الآتيين، وبعد هذا التوجيه كله فهو يمنع منه أن مجيء قوله تعالى: { أية : واتقوا الله واعلموا أنكم ملاقوه } تفسير : [البقرة: 223] مجيء التذييل للأحكام السابقة مانع من اعتبار أن يعطف عليه حكم معتد به، لأنه يطول به التذييل وشأن التذييل الإيجاز. وقال عبد الحكيم: معطوف على جملة { أية : قل } تفسير : [البقرة: 222] بتقدير قل أي: وقل لا تجعلوا الله عرضة أو على قوله: { أية : وقدموا } تفسير : [البقرة: 223] إن جعل قوله: {وقدموا} من جملة مقول {قل}. وذكر جمع من المفسرين عن ابن جريج أنها نزلت حين حلف أبو بكر الصديق ألا ينفق على قريبه مِسطح بن أثاثة لمشاركته الذين تكلموا بخبر الإفك عن عائشة رضي الله عنها، وقال الواحدي عن الكلبي: نزلت في عبد الله بن رواحة حلف ألا يكلِّم خَتَنه على أخته بشير بن النعمان ولا يدخل بيته ولا يصلح بينه وبين امرأته، وأياً ما كان فواو العطف لا بد أن تربط هذه الجملة بشيء من الكلام الذي قبلها. وتعليق الجعل بالذات هنا هو على معنى التعليق بالاسم، فالتقدير: ولا تجعلوا اسم الله، وحذف لكثرة الاستعمال في مثله عند قيام القرينة لظهور عدم صحة تعلق الفعل بالمسمى كقول النابغة: شعر : حَلفت فلم أترك لنفسك ريبةً وليس وراءَ اللَّهِ للمرء مذهب تفسير : أي وليس بعد اسم الله للمرء مذهب للحلف. والعُرضة اسم على وزن الفُعلة وهو وزن دال على المفعول كالقُبْضة والمُسْكة والهُزْأَة، وهو مشتق من عَرَضَه إذا وضعه على العُرْض أي الجانب، ومعنى العَرض هنا جعل الشيء حاجزاً من قولهم عَرض العود على الإناء فنشأ عن ذلك إطلاق العُرضة على الحاجز المتعرض، وهو إطلاق شائع يساوي المعنى الحقيقي، وأطلقت على ما يكثر جَمْع الناس حوله فكأنه يعترضهم عن الانصراف وأنشد في «الكشاف»: شعر : ولا تَجْعَلُوني عُرْضَةً للَّوَائِم تفسير : والآية تحتمل المعنيين. واللام في قوله: {لأيمانكم} لام التعدية تتعلق بعُرضة لما فيها من معنى الفعل: أي تجعلوا اسم الله معرَّضا لأيمانكم فتحلفوا به على الامتناع من البر والتقوى والإصلاح ثم تقولوا سبقتْ منا يمين، ويجوز أن تكون اللام للتعليل: أي لا تجعلوا الله عرضة لأجل أيمانكم الصادرة على ألا تَبَروا. والأَيمان جمع يمين وهو الحلف سمي الحلف يميناً أخذاً من اليمين التي هي إحدى اليدين وهي اليد التي يفعل بها الإنسان معظم أفعاله، وهي اشتقت من اليمن وهو البركة، لأن اليد اليمنى يتيسر بها الفعل أحسن من اليد الأخرى، وسمي الحلف يميناً لأن العرب كان من عادتهم إذا تحالفوا أن يمسك المتحالفان أحدهما باليد اليمنى من الآخر قال تعالى: { أية : إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم } تفسير : [الفتح: 10] فكانوا يقولون أعطى يمينه، إذا أكد العهد. وشاع ذلك في كلامهم قال كعب بن زهير: شعر : حتى وضعت يمينى لا أنازعه في كف ذي يسرات قيله القيل تفسير : ثم اختصروا فقالوا صدرت منه يمين أو حلف يميناً، فتسمية الحلف يميناً من تسمية الشيء باسم مقارنه الملازم له، أو من تسمية الشيء باسم مكانه؛ كما سَمَّوا الماء وادياً وإنما المحل في هذه التسمية على هذا الوجه محل تخييلي. ولما كان غالب أَيمانهم في العهود والحلف، وهو الذي يضع فيه المتعاهدون أيديهم بعضَها في بعض، شاع إطلاق اليمين على كل حَلِف، جرياً على غالب الأحوال؛ فأطلقت اليمين على قَسم المرء في خاصة نفسه دون عهد ولا حلف. والقصد من الحَلِف يرجع إلى قصد أن يشهد الإنسان اللَّهَ تعالى على صدقه في خبر أو وعد أو تعليق، ولذلك يقوله: {بالله} أي أخبر متلبساً بإشهاد الله، أو أعد أو أُعلِّق متلبساً بإشهاد الله على تحقيق ذلك، فمِن أجْل ذلك تضمن اليمين معنى قوياً في الصدق، لأن من أشهد بالله على باطل فقد اجترأَ عليه واستخف به، ومما يدل على أن أصل اليمين إشْهاد اللَّهِ، قوله تعالى: { أية : ويشهد الله على ما في قلبه } تفسير : [البقرة: 204] كما تقدم، وقول العرب يَعْلم الله في مقام الحلف المغلظ، ولأجله كانت الباء هي أصل حروف القسم لدلالتها على الملابسة في أصل معانيها، وكانت الواو والتاء لاحقتين بها في القسم الإنشائي دون الاستعطافي. ومعنى الآية إن كانت العرضة بمعنى الحاجز نهيُ المسلمين عن أن يجعلوا اسم الله حائلاً معنوياً دون فعل ما حلفوا على تركه من البر والتقوى والإصلاحِ بين الناس فاللاَّم للتعليل، وهي متعلقة بتجعلوا، و{أن تبروا} متعلق بعرضة على حذف اللام الجارة، المطرد حذفها مع أَنْ، أي ولا تجعلوا الله لأجل أن حلفتم به عرضة حاجزاً عن فعل البر والإصلاح والتقوى، فالآية على هذا الوجه نهي عن المحافظة على اليمين إذا كانت المحافظة عليها تمنع من فعل خير شرعي، وهو نهي تحريم أو تنزيه بحسب حكم الشيء المحلوف على تركه، ومن لوازمه التحرز حين الحلف وعدم التسرع للأيمان، إذ لا ينبغي التعرض لكثرة الترخص. وقد كانت العرب في الجاهلية تغضب فتقسم بالله وبآلهتها وبآبائها، على الامتناع من شيء، ليسدوا باليمين بابَ المراجعة أو الندامة. وفي «الكشاف» «كان الرجل يحلف على ترك الخير من صلة الرحم، أو إصلاح ذات البين، أو إحسان، ثم يقول أخاف أن أحنث في يميني، فيترك فعل البر" فتكون الآية واردة لإصلاح خلل من أحوالهم. وقد قيل إن سبب نزولها حلف أبي بكر ألا ينفق على ابن خالته مسطح بن أثاثة لأنه ممن خاضوا في الإفك. ولا تظهر لهذا القول مناسبة بموقع الآية. وقيل: نزلت في حلف عبد الله بن رواحة ألا يكلم ختنه بشير بن النعمان الأنصاري، وكان قد طلق أخت عبد الله ثم أراد الرجوع والصلح، فحلف عبد الله ألا يصلح بينهما. وإما على تقدير أن تكون العرضة بمعنى الشيء المعرض لفعل في غرض، فالمعنى لا تجعلوا اسم الله معرضاً لأن تحلفوا به في الامتناع من البر، والتقوى، والإصلاح بين الناس، فالأيمان على ظاهره، وهي الأقسام واللام متعلقة بعرضة، و{أن تبروا} مفعول الأيمان، بتقدير لا محذوفة بعد (أن) والتقدير ألا تبروا، نظير قوله تعالى: { أية : يبين الله لكم أن تضلوا } تفسير : [النساء: 176] وهو كثير فتكون الآية نهيا عن الحلف بالله على ترك الطاعات؛ لأن تعظيم الله لا ينبغي أن يكون سبباً في قطع ما أمر الله بفعله، وهذا النهي يسلتزم: أنه إن وقع الحلف على ترك البر والتقوى والإصلاح، أنه لا حرج في ذلك، وأنه يكفر عن يمينه ويفعل الخير. أو معناه: لا تجعلوا اسم الله معرضاً للحلف، كما قلنا، ويكون قوله: {أن تبروا} مفعولاً لأجله وهو علة للنهي؛ أي إنما نهيتكم لتكونوا أبراراً أتقياء مصلحين، وفي قريب من هذا، قال مالك «بلغني أنّه الحلف بالله في كل شيء» وعليه فتكون الآية نهياً عن الإسراع بالحلف لأن كثرة الحلف. تعرض الحالف للحنث. وكانت كثرة الأيمان من عادات الجاهلية، في جملة العوائد الناشئة عن الغضب ونُعر الحمق، فنهى الإسلام عن ذلك ولذلك تمدحوا بقلة الأيمان قال كثيِّر: شعر : قليل الألايى حافظ ليمينه وإن سبقت منه الأليَّةُ برَّت تفسير : وفي معنى هذا أن يكون العرضة مستعاراً لما يكثر الحلول حوله، أي لا تجعلوا اسم الله كالشيء المعرَّض للقاصدين. وليس في الآية على هذه الوجوه ما يفهم الإذن في الحلف بغير الله، لما تقرر من النهي عن الحلف بغير اسم الله وصفاته. وقوله: {والله سميع عليم} تذييل، والمراد منه العلم بالأقوال والنيات، والمقصود لازمه، وهو الوعد على الامتثال، على جميع التقادير، والعذر في الحنث على التقدير الأول، والتحذير من الحلف على التقدير الثاني. وقد دلت الآية على معنى عظيم وهو أن تعظيم الله لا ينبغي أن يجعل وسيلة لتعطيل ما يحبه الله من الخير، فإن المحافظة على البر في اليمين ترجع إلى تعظيم اسم الله تعالى، وتصديق الشهادة به على الفعل المحلوف عليه، وهذا وإن كان مقصداً جليلاً يُشكر عليه الحالف الطالب للبر؛ لكن التوسل به لقطع الخيرات مما لا يرضَى به الله تعالى، فقد تعارض أمران مرضيان لله تعالى إذا حصل أحدهما لم يحصل الآخر. والله يأمرنا أن نقدم أحد الأمرين المرضيين له، وهو ما فيه تعظيمه بطلب إرضائه، مع نفع خلقه بالبر والتقوى والإصلاح، دون الأمر الذي فيه إرضاؤه بتعظيم اسمه فقط، إذ قد علم الله تعالى أن تعظيم اسمه قد حصل عند تحرج الحالف من الحنث، فبِر اليميننِ أدبٌ مع اسم الله تعالى، والإتيانُ بالأعمال الصالحة مرضاة لله؛ فأمَرَ الله بتقديم مرضاته على الأدب مع اسمه، كما قيل: الامتثالُ مقدَّم على الأدب. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم « حديث : إني لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيراً منها إلا كفّرت عن يميني وفعلتُ الذي هو خير »، تفسير : ولأجل ذلك لما أقسم أيوب أن يضرب امرأته مائة جلدة، أمره الله أن يأخذ ضغثاً من مائة عصا فيضربها به، وقد علم الله أن هذا غيرُ مقصد أيوب؛ ولكن لما لم يرض الله من أيوب أن يضرب امرأته نهاه عن ذلك، وأمره بالتحلل محافظة على حرص أيوب على البر في يمينه، وكراهته أن يتخلف منه معتاده في تعظيم اسم ربه، فهذا وجه من التحلة، أفتى الله به نبيه. ولعل الكفّارة لم تكن مشروعة فهي من يسر الإسلام وسماحته، فقد كفانا الله ذلك إذ شرع لنا تحلّة اليمين بالكفّارة؛ ولذلك صار لا يجزىء في الإسلام أن يفعل الحالف مثل ما فعل أيوب.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: العرضة: ما يوضع مانعاً من شيء، واليمين يحلفها المؤمن أن لا يفعل خيراً. الأيمان: جمع يمين نحو والله لا أفعل كذا أو والله لأفعلنّ كذا. البُرُور: الطاعة وفعل البر. اللغو: الباطل، وما لا خير فيه. ولغو اليمين أن يحلف العبد على الشيء يظنه كذا فيتبين خلافه، أو ما يجري على لسانه من أيمان من غير إرادة الحلف. كسبت قلوبكم: ما تعمّد القلب وقصد اليمين لأجله لفلعه حتماً أو منعه. يؤلون: الإِيلاء: الحلف على عدم وطء الزوجة. التربص: الانتظار والتمهل. فاءوا: رجعوا إلى وطء نسائهم بعد الامتناع عنه باليمين. الطلاق: فك رابطة الزوجية وحلها بوقله هي طالق أو مطلقة أو طلقتك. معنى الآيات: يهنى الله تبارك وتعالى عباده المؤمنين أن يجعلوا الحلف به مانعاً من فعل الخير وذلك كأن يحلف العبد أن لا يتصدق على فلان أو أن لا يكلم فلاناً أو أن لا يصلح بين اثنين فقال تعالى ولا تجعلوا الله يريد الحلف به عرضة لأيمانكم أي مانعاً لكم من فعل خير أو ترك إثم أو إصلاح بين الناس. وأخبرهم أنه سميع لأقوالهم عليم بنياتهم وأفعالهم فليتقوه عز وجل. ثم أخبرهم أنه تعالى لا يؤاخذهم باللغو في أيمانهم وهو أن يحلف الرجل على الشيء يظنه كذا فيظهر على خلاف ما ظن، أو أن يجري على لسانه ما لا يقصده من الحلف كقوله لا، والله، بلى والله فهذا مما عفا الله عنه لعباده فلا إثم فيه ولا كفارة تجب فيه. لكن يؤاخذهم بما كسبت قلوبهم من الإِثم وذلك كأن يحلف المرء كاذباً ليأخذ حق أخيه المسلم بيمينه الكاذبة فهذه هي اليمين الغموس التي تغمس صاحبها في الإثم ثم في النار وهذه لا تنفع فيها الكفارة الموضوعة لمن حلف على أن لا يفعل أو يفعل ثم حنث، وإنما على صاحب اليمين الغموس التوبة بتكذيب نفسه والإعتراف بذنبه ورد الحق الذي أخذه بيمينه الفاجرة إلى صاحبه وبذلك يغفر الله تعالى له ويرحمه، والله غفور رحيم. وبمناسبة ذكر اليمين ذكر تعالى حكم من يولي من امرأته أي يحلف أن لا يطأها فأخبر تعالى أن على المولي تربص أربعة أشهر فإن فاء إلى امرأته أي رجع إلى وطئها فبها ونعمت، وعليه أن يكفر عن يمينه، وإن لم يفىء إلى وطئها وأصرّ على ذلك فإن على القاضي أن يوقفه أمامه ويطالبه بالفيء فإن أبى طلقها عليه. قال الله تعالى: {لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَآءُو فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} يغفر لهم ما ارتكبوه من الذنب في حق نسائهم ويرحمهم لتوبتهم. وإن عزموا الطلاق بأن أبوا أن يفيئوا طلقوا، والله سميع لأقوالهم عليهم بما في قلوبهم. فليحذروه بعدم فعل ما يكره، وترك فعل ما يحب. هداية الآيات: 1- كراهية منع الخير بسبب اليمين وعليه فمن حلف أن لا يفعل خيراً فليكفر عن يمينه وليفعل الخير لحديث الصحيح "حديث : من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها فليكفر عن يمينه وليأت الذي هو خير ". تفسير : 2- لغو اليمين معفو عنها ولها صورتان الأولى أن يجري على لسانه لفظ اليمين وهو لا يريد أن يحلف نحو لا والله، وبلى والله، والثانية أن يحلف على شيء يظنه كذا فيتبين خلافه، مثل أن يقول والله ما في جيبي درهم ولا دينار وهو ظان أو جازم أنه ليس في جيبه شيء من ذلك، ثم يجده فهذه صورة لغو اليمين. 3- اليمين المؤاخذ عليها العبد هي أن يحلف متعمداً الكذب قاصداً له من أجل الحصول على منفعة دنيوية وهي المقصودة بقوله تعالى: {وَلَـٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ} وتسمى باليمين الغموس، واليمين الفاجرة. 4- اليمين التي تجب فيها الكفارة هي التي يحلف فيها العبد أن يفعل كذا ويعجز فلا يفعل أو يحلف أن لا يفعل كذا ثم يضطر ويفعل، ولم يقل أثناء حلفه إن شاء الله، والكفارة مبيّنة في آية المائدة وهي إطعام عشرة مساكين، أو كسوتهم أو تحرير رقبة فإن لم يجد صام ثلاثة أيام. 5- بيان حكم الإِيلاء وهو أن يحلف الرجل أن لا يطأ امرأته مدة فإن كانت أقل من أربعة أشهر فله أن لا يحنث نفسه ويستمر ممتنعا عن الوطء، إلى أن تنتهي مدة الحلف إلا أن الأفضل أن يطأ ويكفر عن يمينه، وإن كانت أكثر من أربعة أشهر فإن عليه أن يفيء إلى زوجته أو تطلق عليه وإن كان ساخطا غير راض.

القطان

تفسير : العرضة: المانع. اللغو: ما يقع من غير قصد. ولا تجعلوا الحلف بالله مانعاً لكم من عمل الخير والتقوى والاصلاح بين الناس، فاذا حلفتم الا تفعلوا، فكفّروا عن أيمانكم وأتوا الخير، لأن عمل البر أولى من المحافظة على اليمين. فالله لا يرضى ان يكون اسمه حجاباً دون الخير. وكثيرا ما يتسرع الانسان الى الحلف بالله بأن لا يفعل كذا ويكون خيرا، أو ان يفعل كذا ويكونُ شرا، فنهانا الله عن ذلك. وقد ثبت في الصحيحين عن أبي موسى الأشعري انه قال: "اني والله ان شاء الله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها الا أتيت الذي هو خير وتحللتُها"، وروى مسلم عن ابي هريرة عن رسول الله: "حديث : من حلف يمين فرأى غيرها خيرا منها فليكفِّر عن يمينه وليفعل الذي هو خير ". تفسير : ورأى بعض المفسرين في الآية معنى آخر، وهو النهي عن الجرأة على الله تعالى بكثرة الحلف به، وذلك أن مَن أكثرَ من ذكر شيء في معنى خاص فقد جعله عرضة. {لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱلَّلغْوِ فِيۤ أَيْمَانِكُمْ}: اي لا يؤاخذكم بما يقع منكم من الأيمان اثناء الكلام دون ان تقصدوا به عقد اليمين.. فلا كفارة عليكم فيه، شأن كثير من المزاح. ومِثلُه ان يحلف على الشيء يظنّه ثم يظهر خِلافه، أو يحلف وهو غضبان. ولكنْ يؤاخذكم الله بما نويتم من اليمين على ايقاع فعل أو عدم ايقاعه، وعلى الكذب في القول مع التوثيق باليمين، فهذا عليه الكفارة.. حتى لا تجعلوا اسمه الكريم عرضة للابتذال. والله غفور لمن يتوب، حليم يعفو عما لا تكتسبه القلوب.

د. أسعد حومد

تفسير : {لأَيْمَانِكُمْ} (224) - لاَ تَجْعَلُوا أيْمَانَكُمْ بِاللهِ، وَحَلْفَكُمْ بِهِ مَانِعَةً لَكُمْ مِنَ البِرِّ، وَصِلَةِ الرَّحِمِ، إذا حَلَفْتُمْ عَلَى تَرْكِها، فَالاسْتِمْرارُ عَلَى اليَمِينِ المَانِعَةِ لِلبِّر أَكْثَرُ إثماً لِصَاحِبِها مِنَ الخُرُوجِ مِنْها بِالتَّكْفِيرِ عَنِ الحِنْثِ بِاليَمينِ. وَاللهُ لا يَرْضَى أنْ يَكُونَ اسمُهُ حِجَاباً دُونَ الخَيْرِ. (وَقيلَ إِنَّ مَعْنَى الآيَةِ هُوَ: لاَ تَجْعَلُوا اسْمَ اللهِ مُعَرَّضاً لِكَثْرَةِ الحَلْفِ بِهِ، لأنَّ ذَلِكَ يَنْفِي تَعْظِيمَ اسْمِ اللهِ، وَلأنَّ التّصَوُّنَ عَنْ كَثْرةِ الحَلْفِ بِاسْمِ الله يُؤَدِّي إلى البِرِّ وَالتَّقْوَى، وَالقُدْرَةِ عَلَى الإِصْلاحِ بَيْنَ النَّاسِ، إذْ يَكُونُ المُتَصَوِّنُ جَليلَ القَدْرِ فِي أَعْيُنِ النَّاسِ فَيُقْبَلُ قَوْلُهُ). والله سَمِيعٌ لأقْوَالِ العِبَادِ وَأَيمانِهِمْ، عَلِيمٌ بأَقْوالِهِمْ وَأَحْوَالِهِمْ وَنَوَايَاهُمْ. عُرْضَةً لأيمانِكُم - مَانِعاً عَنِ الخَيرِ لحلْفِكُمْ بِهِ عَلَى تَرْكِهِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وفي الآية ثلاثة أشياء: أولاً: أن تبروا، أي أن تفعلوا البر. والبر قد يكرهه الإنسان لأنه شاق على النفس. ثانياً: أن تتقوا، أي أن تتجنبوا المعاصي، والتقوى تكون أيضاً شاقة في بعض الأحيان. ثالثاً: أن تصلحوا بين الناس، أي أن تصلحوا ذات البيْن، وقد يكون في الإصلاح بين الناس مئونة وذلك بعد أن تمتنعوا أن تجعلوا الله عرضة للقسم. وحين يقول الحق: {وَلاَ تَجْعَلُواْ ٱللَّهَ عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ} [البقرة: 224] فالعرضة هي الحجاب، وهي ما يعترض بين شيئين، "وعرضة" هي - أيضاً - الأمر الصالح لكل شيء، فيقال: "فلان عرضة لكل المهمات". أي صالح. والعرضة - كما عرفنا - هي ما اعترض بين شيئين، كأن يضع الإنسان يده على عينيه فلا يرى الضوء، هنا تكون اليد "عُرْضة" بين عيني الإنسان والشمس. إن الإنسان يحجب بذلك عن نفسه الضوء. كأن الحق يقول: "أنا لا أريد أن تجعلوا اليمين عرضة بين الإنسان وفعل الخير والبر والتقوى". فعندما يطلب منك واحد أن تبر من أساء إليك فقد تقول: "أنا أقسمت ألا أبر هذا الإنسان" إنك بذلك جعلت اليمين بالله مانعاً بينك وبين البر. ويريد الحق بذلك القول أن ينبهنا إلى أن القسم به لا يجوز في منع البر أو صلة الرحم أو إصلاح بين الناس .. ومن حلف على شيء فرأى غيره خيراً منه فليفعل الخير وليكفر عن يمينه لماذا؟ لأن المؤمن عندما يحلف على ألا يفعل خيراً فهو يضع الله مانعاً بينه وبين الخير، وبذلك يكون قد ناقض المؤمن نفسه بأن جعل المانع هو الحلف بالله. إن الله هو صاحب الأمر بالبر والتقوى والإصلاح بين الناس. لذلك فالحق يقول: {وَلاَ تَجْعَلُواْ ٱللَّهَ عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ} [البقرة: 224]. أي أن الحق يريد أن يحمي عمليات البر والتقوى والإصلاح بين الناس. إنك إن حلفت أيها المؤمن ألا تفعل هذه العمليات، فالحق يريد لك أن تحنث في هذا القسم وأن تفعل البر والتقوى والإصلاح بين الناس حتى لا تتناقض مع تشريع الله. ونحن عندما نجد المجتمع وقد صنع فيه كل فرد البر، واتقى فيه كل إنسان المعاصي، ورأى فيه كل إنسان نزاعاً بين جماعتين فأصلح هذا النزاع، أليس هذا دخولاً في السلم كافة. إذن فالحق يريد أن يستبقي للناس ينابيع الخير وألا يسدوها أمام أنفسهم. إن الحق هو الآمر بألا يجعل المؤمن اليمين مانعاً بين الإنسان والبر، أو وبين الإنسان والتقوى، أو بين الإنسان والإصلاح بين الناس. ويتساهل الإسلام في مسألة التراجع والحنث في البر فيقول السلف الصالح: "لا حنث خير من البر". إذن فالمجتمع الذي فيه صنع البر، وتقوى المعاصي، والصلح بين المتخاصمين يدخل في إطار: {أية : ٱدْخُلُواْ فِي ٱلسِّلْمِ كَآفَّةً}تفسير : [البقرة: 208]. والإنسان قد يتعلل بأي سبب حتى يبتعد عن البر أو التقوى أو الإصلاح بين الناس، بل يعمل شيئاً يريحه ويخلع عليه أنه ممتثل لأمر الله، ولنضرب لذلك مثلاً. سيدنا أبو بكر الصديق رضي الله عنه بعد أن جاء مسطح بن أثاثة واشترك مع من خاضوا في الإفك الذي اتهموا فيه أم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها. وخلاصة الأمر أن عائشة رضي الله عنها زوجة رسول الله صلى الله عليه وسلم. كانت قد خرجت مع الرسول الكريم في غزوة "بني المصطلق" وكان الأمر بالحجاب قد نزل، لذلك خرجت عائشة رضي الله عنها في هودج. وقام الرسول بغزوته وحان وقت العودة. وفقدت عائشة عقداً لها. وكانت رضي الله عنها خفيفة الوزن؛ لأن الطعام في تلك الأيام كان قليلاً. راحت عائشة رضي الله عنها تبحث عن عقدها المفقود، وعندما حملوا هودج عائشة رضي الله عنها لم يفطنوا أن عائشة ليست به. ووجدت عائشة عقدها المفقود، وكان جيش رسول الله قد ابتعد عنها. وظنت أنهم سيفتقدونها فيرجعون إليها. وكان خلف الجيش صفوان بن المعطل السلمي وعرفته عائشة وأناخ راحلته وعادت عائشة إلى المدينة. ودار حديث الإفك بوساطة عبد الله بن أُبَيّ بن سلول رأس النفاق. وكان الغم والحزن يصيبان السيدة عائشة طوال مدة كبيرة وأوضح الحق كذب هذا الحديث. وذاع ما ذاع عن أم المؤمنين عائشة وهي زوجة رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن تكون بنت أبي بكر. وأبو بكر صِديِّق رسول الله صلى الله عليه وسلم ولو أن غير عائشة حدث لها ما حدث لعائشة لكان موقف أبي بكر هو موقفه عندما جاء قريبه مسطح بن أثاثة واشترك في حديث الإفك مع من اشتركوا ثم يبرئ الله عائشة وينزل القول الذي يثبت براءة أم المؤمنين في حديث الإفك، وحين يبرئها الله يأتي أبو بكر وكان ينفق على مسطح فيقطع عنه النفقة ويقول: "والله لا أنفق عليه أبداً" لماذا؟ لأنه اشترك في حديث الإفك. والمسألة في ظاهرها ورع. لذلك سيمتنع عن النفقة على مسطح بن أثاثة لأن مسطحاً خاض في الإفك. لكن انظر إلى مقاييس الكمال والجمال والفضائل عند الله فقد أوضح الحق أن هذا طريق، وذاك طريق آخر، فيقول سبحانه وتعالى: {أية : وَلاَ يَأْتَلِ أُوْلُواْ ٱلْفَضْلِ مِنكُمْ وَٱلسَّعَةِ أَن يُؤْتُوۤاْ أُوْلِي ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْمَسَاكِينَ وَٱلْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلْيَعْفُواْ وَلْيَصْفَحُوۤاْ أَلاَ تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَكُمْ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}تفسير : [النور: 22]. فإذا كنت تحب أن يغفر الله لك، أفلا تغفر لمن فعل معك سيئة؟. وما دمت تريد أن يغفر الله لك فاغفر للناس خطأهم. قالها الحق عز وجل لأبي بكر؛ لأنه وقف موقفاً من رجل خاض في الإفك مع من خاض ومع ذلك يبلغه أن ذلك لا يصح. قوله تعالى: {وَلاَ تَجْعَلُواْ ٱللَّهَ عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ أَن تَبَرُّواْ} [البقرة: 224] لا تقل: إني حلفت بالله على ألا افعل ذلك الخير، لا افعله فالله يرضى لك أن تحنث وتكفر عن يمينك. {وَلاَ تَجْعَلُواْ ٱللَّهَ عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ أَن تَبَرُّواْ وَتَتَّقُواْ وَتُصْلِحُواْ بَيْنَ ٱلنَّاسِ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 224]. إن الله عز وجل يبلغنا: أنا لا أريد أن تجعلوا الحلف بي عُرضة، يعني حاجزاً أو مانعاً عن فعل الخير. مثلاً لو طُلب منك أن تبر شخصاً أساء إليك فلا تقل: حلفت ألا أبرّ به لأنه لا يستحق، عندها تكون قد جعلت اليمين بالله مانعاً للبر. وكأن الحق سبحانه وتعالى يريد أن يقول لك: لا، أنا متجاوز عن اليمين بي؛ إن حلفت ألا تبر أو لا تتقي أو لا تصل رحماً أو لا تصلح بين اثنيْن، أنا تسامحت في اليمين. والحديث يقول: "حديث : من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه"تفسير : وهكذا يحمي الله سبحانه وتعالى فعل البر ويحمي التقوى ويحمي عمليات الإصلاح بين الناس، ولو كنت قد حلفت بالله ألا تفعلها، لماذا؟ لأنك عندما تحلف بالله ألا تفعل، وتجعل الله سبحانه وتعالى هو المانع، فقد ناقضت التشريع نفسه؛ لأن الله هو الآمر بالبر والإصلاح والتقوى، فلا تجعل يمين البشر مانعاً من تنفيذ منهج رب البشر. {وَلاَ تَجْعَلُواْ ٱللَّهَ عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ أَن تَبَرُّواْ وَتَتَّقُواْ وَتُصْلِحُواْ بَيْنَ ٱلنَّاسِ} [البقرة: 224] إن حلفت على ترك واجب وجب أن ترجع في اليمين. احنث فيه وكَفِّر عنه، والحكم نفسه يسري على الذي يمنع ممتلكاته كالدابة أو الماكينة أو السيارة من انتفاع الناس بها بحجة أنه حلف ألا يعيرها لأحد، وذلك أمر يحدث كثيراً في الأرياف. ويختم الحق سبحانه وتعالى الآية بالقول الكريم: {وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 224]. إنه سبحانه سميع باليمين الذي حلفته، وعليم بنيتك إن كانت خيراً أو شراً فلا تتخذ اليمين حجة لأن تمنع البر والتقوى والإصلاح. والحق سبحانه وتعالى عندما يتكلم عن اليمين يعطينا أصلاً من أصول اعتبار اليمين هل هو يمين حقاً أو لغو، ومن رحمة الله أنه سبحانه وتعالى لم يأخذ إلا اليمين الذي عُقد القلب عليه، أي الذي يقصد صاحبه ألا يحنث فيه، أما لغو اليمين فقد تجاوز الله عنه. مثلاً، الأيمان الدارجة على ألسنة الناس كقولهم: "والله لو لم تفعل كذا لفعلت معك كذا"، "والله سأزورك"، "والله ما كان قصدي" أو الحلف بناءً على الظن؛ كأن تحلف بقولك: "والله حدث هذا" وأنت غير متأكد من تمام حدوثه، لكن ليس في مقصدك الكذب. أما اليمين الغموس فهي الحلف والقسم الذي تعرف كذبه وتحلف بعكس ما تعرف، كأن تكون قد شاهدت واحداً يسرق أو يقتل وتحلف بالله أنه لم يسرق أو لم يقتل. من أجل ذلك كله يحسم الله سبحانه وتعالى هذه القضية بقوله: {لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱلَّلغْوِ فِيۤ أَيْمَانِكُمْ وَلَـٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ ...}.

الصابوني

تفسير : [15] النهي عن كثرة الحلف التحليل اللفظي {عُرْضَةً}: بضم العين أي مانعاً، وكل ما يعترض فيمنع عن الشيء فهو (عُرْضة) ولهذا يقال للسحاب: عارضٌ، لأنه يمنع رؤية السماء والشمس، واعترض فلانٌ فلاناً أي منعه من فعل ما يريد. والمعنى: لا تجعلوا الحلف بالله سبباً مانعاً لكم من البر والتقوى، إذا دعي أحدكم لبرٍ أو إصلاح يقول: قد حلفت أن لا أفعله فيتعلّل باليمين. قال الرازي: المراد النهي عن الجراءة على الله بكثرة الحلف به، لأن من أكثر من ذكر شيء فقد جعله عُرْضة له، يقول الرجل: قد جعلتني عُرْضة للومك، وقال الشاعر: شعر : فلا تجعلني عُرْضة للَّوائم تفسير : قال الجصاص: المعنى لا تعترضوا اسم الله وتبذلوه في كل شيء حقاً كان أو باطلاً، فالله ينهاكم عن كثرة الأيمان والجرأة على الله تعالى، وكذلك لا تجعلوا اليمين بالله عرضة مانعة من البر والتقوى والإصلاح. {لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱلَّلغْوِ}: قال الراغب: اللغو في الكلام ما لا يُعتد به، وهو الذي يُورد لا عن روية وفكر، فيجري مجرى (الّلغا) وهو صوت العصافير ونحوها من الطيور، وأنشد أبو عبيدة: شعر : عن الّلغا ورفث التكلم تفسير : قال الإمام الفخر: "اللغو: الساقط الذي لا يعتد به، سواء كان كلاماً أو غيره، ولغو الطائر: تصويته، ويقال لما لا يعتد به من أولاد الإبل: لغو". {يُؤْلُونَ}: أي يحلفون، والمصدر (إيلاء) والاسم منه (أليّة) والأليّة، والقسم واليمين، والحلف، كلها عبارات عن معنى واحد، قال الشاعر: شعر : فآليتُ لا أنفكّ أحْدو قصيدةً تكون وإيّاها بها مثلاً بعدي تفسير : هذا هو المعنى اللغوي، وأما في عرف الشرع فهو اليمين على ترك وطء الزوجة. {تَرَبُّصُ}: التربص في اللغة الانتظار ومنه قوله تعالى: {أية : قُلْ تَرَبَّصُواْ فَإِنِّي مَعَكُمْ مِّنَ ٱلْمُتَرَبِّصِينَ} تفسير : [الطور: 31] أي انتظروا فأنا من المنتظرين معكم قال الشاعر: شعر : تربّصْ بها ريب المنون لعلّها تُطلّقُ يوماً أو يموت حليلها تفسير : وإضافة التربص إلى الأشهر من إضافة المصدر إلى الظرف. {فَآءُو}: أي رجعوا ومنه قوله تعالى: {أية : حَتَّىٰ تَفِيۤءَ إِلَىٰ أَمْرِ} تفسير : [الحجرات: 9] أي ترجع، ومنه قيل للظل بعد الزوال (فيء) لأنه رجع بعد أن تقلص. قال الفراء: العرب تقول: فلان سريع الفيء والفيئة أي سريع الرجوع عن الغضب إلى الحالة المتقدمة. قال الشاعر: شعر : ففاءت ولم تقض الذي أقبلت له ومن حاجة الإنسان ما ليس قاضياً تفسير : ومعنى الآية: فإن رجعوا عما حلفوا عليه من ترك معاشرة نسائهم فإن الله غفور رحيم لما حدث منهم من اليمين على الظلم. المعنى الإجمالي لا تجعلوا - أيها المؤمنون - الحلف بالله حجة لكم في ترك فعل الخير، فإذا سئل أحدكم عن أمرٍ فيه برٌّ، وخير، وإصلاح، قال: قد حلفت بالله ألاّ أفعله، وأريد أن أبرّ بيميني، فلا تتعللوا باليمين بل افعلوا الخير وكفّروا عن أيمانكم، ولا تكثروا الحلف فتجعلوا الله هدفاً لأيمانكم تبتذلون اسمه المعظم في أمور دنياكم، فإن الحلاّف مجترئ على ربه فلا يكون براً ولا تقياً. لا يؤاخذكم الله بما يجري على ألسنتكم من ذكر اسم الله من غير قصد الحلف، ولكن يؤاخذكم بما قصدتم إليه وعقدتم القلب عليه من الأيمان، والله واسع المغفرة، حليم لا يعاجل عباده بالعقوبة. للذين يحلفون منكم على اعتزال نسائهم، ويقسمون على ألاّ يقربوهن للإضرار بهن، على نسوة هؤلاء الحالفين انتظار مدة أقصاها أربعة أشهر، فإن رجعوا إلى عشرة أزواجهن بالمعروف كما أمر الله، فالله يغفر لهم ما صدر منهم من إساءة، وإن صمّموا على الإيلاء من الأزواج، فقد وقعت الفرقة والطلاق بمضي تلك المدة، والله سميع لأقوالكم، عليم بنواياكم وأعمالكم. سبب النزول روي أنها نزلت في (عبد الله بن رواحة) كان بينه وبين ختنه (بشير بن النعمان) شيء فحلف عبد الله لا يدخل عليه، ولا يكلمه، ولا يصلح بينه وبين خصم له، فكان إذا قيل له فيه يقول: قد حلفت بالله أن لا أفعل، فلا يحل لي أن لا أبر بيميني، فأنزل الله {وَلاَ تَجْعَلُواْ ٱللَّهَ عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ}. لطائف التفسير اللطيفة الأولى: ذمّ الله تعالى من أكثر الحلف بقوله: {أية : وَلاَ تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَّهِينٍ} تفسير : [القلم: 10] وكان العرب يمدحون الإنسان بالإقلال من الحلف كما قال كثير: شعر : قليلُ الألايا حافظٌ ليمينه وإن سبقتْ منه الأليّةُ برّت تفسير : قال الإمام الفخر: "والحكمة في الأمر بتقليل الأيمان، أنّ من حلف في كل قليل وكثير بالله، انطلق لسانه بذلك ولا يبقى لليمين في قلبه وقع، فلا يُؤمنُ إقدامه على اليمين الكاذبة، ومن كمال التعظيم لله أن يكون ذكر الله أجل وأعلى عنده من أن يستشهد به في غرض من الأغراض الدنيوية". اللطيفة الثانية: ذكر الله العلة في هذا النهي بقوله: {أَن تَبَرُّواْ وَتَتَّقُواْ} أي إرادة أن تبروا وتتقوا، فإن قيل: كيف يلزم من ترك الحلف حصول البر والتقوى؟ فالجواب: أن من ترك الحلف لاعتقاده أن الله تعالى أجل وأعظم من أن يستشهد باسمه العظيم في مطالب الدنيا، والخسائس من أمور الحياة، فلا شك أن هذا من أعظم أبواب البر والتقوى. اللطيفة الثالثة: قال الإمام الجصاص: "قد ذكر الله تعالى اللغو في مواضع من كتابه العزيز، فكان المراد به معاني مختلفة على حسب الأحوال التي خرج عليها الكلام فقال تعالى: {أية : لاَّ تَسْمَعُ فِيهَا لاَغِيَةً} تفسير : [الغاشية: 11] يعني كلمة فاحشة قبيحة وقال: {أية : لاَ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلاَ تَأْثِيماً} تفسير : [الواقعة: 25] على هذا المعنى، وقال: {أية : وَإِذَا سَمِعُواْ ٱللَّغْوَ أَعْرَضُواْ عَنْهُ} تفسير : [القصص: 55] يعني الكفر والكلام القبيح، وقال {أية : وَٱلْغَوْاْ فِيهِ} تفسير : [فصلت: 26] يعني الكلام الذي لا يفيد شيئاً، وقال: {أية : وَإِذَا مَرُّواْ بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً} تفسير : [الفرقان: 72] يعني الباطل، ويقال: لغا في كلامه يلغو إذا أتى بكلام لا فائدة فيه". اللطيفة الرابعة: الحكمة في تحديد مدة الإيلاء بأربعة أشهر، هي أن التأديب بالهجر ينبغي ألا يتجاوز هذه المدة، فالمرأة ينفد صبرها عن غياب بعلها هذه المدة، ولا تستطيع أن تصبر أكثر منها. روي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يطوف ليلة بالمدينة فسمع امرأة تنشد هذه الأبيات: شعر : تطاول هذه الليلُ واسودّ جانبُه وأرّقني ألاّ حبيب ألاعبُه فوا اللهِ لولا الله لا شيء غيرهُ لزُعْزع من هذا السرير جوانبُه مخافة ربي والحياءُ يكفّّني وإكرام بعلي أن تُنال مراكبُه تفسير : فلما كان من الغد سأل عن المرأة أين زوجها؟ فقالوا يا أمير المؤمنين: بعثت به إلى العراق، فاستدعى نساءً فسألهن عن المرأة كم تصبر عن زوجها؟ فقلن شهراً، وشهرين، ويقلّ صبرها في ثلاثة أشهر، وينفذ صبرها في أربعة أشهر، فجعل عمر مدة غزو الرجل أربعة أشهر، فإذا مضت المدة استردّ الغازين ووجّه بقومٍ آخرين. قال القرطبي: "وهذا يقوّي اختصاص مدة الإيلاء بأربعة أشهر والله أعلم". اللطيفة الخامسة: روي أن الإيلاء في الجاهلية كان طلاقاً، قال سعيد بن المسيب: "كان الرجل لا يريد المرأة، ولا يحب أن يتزوجها غيره، فيحلف ألا يقربها فكان يتركها لا أيّما ولا ذات بعل، والغرض منه مضارة المرأة، فأزال الله تعالى ذلك الظلم، وأمهل الزوج مدة حتى يتروّى ويتأمل، فإن رأى المصلحة في ترك هذه المضارة فعلها، وإن رأى المصلحة في المفارقة عن المرأة فارقها". الأحكام الشرعية الحكم الأول: ما المراد باليمين اللغو، وهل فيه كفارة؟ دل قوله تعالى: {لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱلَّلغْوِ فِيۤ أَيْمَانِكُمْ} على أن اليمين اللغو لا إثم فيه ولا كفارة، وقد اختلف الفقهاء في تعريف هذه اليمين على أقوال: أ - قال الشافعي وأحمد: اللغو في اليمين هو: ما يجري على اللسان من غير قصد الحلف، كقول الرجل في كلامه: لا والله، وبلى والله دون قصد لليمين، وهذا التأويل منقول عن بعض السلف كعائشة، والشعبي، وعكرمة. ب - وقال أبو حنيفة ومالك: اللغو في اليمين هو: أن يحلف على شيء يظنه كما يعتقد فيكون بخلافه، وهذا التأويل منقول عن ابن عباس، والحسن، ومجاهد. قال مالك رحمه الله في "الموطأ": "أحسنُ ما سمعت في هذه أنّ اللغو حلف الإنسان على الشيء يستيقن أنه كذلك ثم يوجد الأمر بخلافه فلا كفارة فيه". وفي البخاري: عن عائشة رضي الله عنها قالت: "نزل قوله تعالى: {لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱلَّلغْوِ فِيۤ أَيْمَانِكُمْ} في قول الرجل: لا والله، وبلى والله". والصحيح أن اللغو: يشمل النوعين وهو اختيار ابن جرير الطبري فقد قال رحمه الله: "واللغو في كلام العرب: كلّ كلام كان مذموماً، وفعلٍ لا معنى له مهجوراً، فإذا كان اللغو ما وصفتُ، وكان الحالف بالله ما فعلت كذا وقد فعل، ولقد فعلت كذا وما فعل، على سبيل سبق لسانه، والقائل: والله إن هذا لفلان وهو يراه كما قال، أو والله ما هذا فلان وهو يراه ليس به، والقائل: لا يفعل كذا والله على سبيل ما وصفنا من عجلة الكلام، وسبوق اللسان، على غير تعمد حلفٍ على باطل، جميعهم حالفون من الأيمان بألسنتهم ما لم تتعمد فيه الإثم قلوبُهم، كان معلوماً أنهم لغاةٌ في أيمانهم لا تلزمهم كفارة". الحكم الثاني: ما هو الإيلاء، وما هو حكمه؟ تقدم معنا تعريف الإيلاء لغة، وأمّا شرعاً: فهو أن يحلف الرجل على ترك وطء زوجته أكثر من أربعة أشهر، كأن يقول: والله لا أقربك، أو لا أجامعك، أو أمثال هذه الكلمات. قال ابن عباس: "كان إيلاء الجاهلية السنة والسنتين وأكثر من ذلك، يقصدون بذلك إيذاء المرأة عند المساءة، فوقّت الله لهم أربعة أشهر، فمن آلى بأقل من ذلك فليس بإيلاء حكمي". واتفق العلماء على أنه لو هجرها مدة تزيد على أربعة أشهر لا يكون مؤلياً حتى يحلف لقوله تعالى: {لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ} أي يحلفون، وهجرانها ليس بيمين فلا يتعلق به وجوب الكفارة، ولا تطلق منه زوجته بالهجر. واختلفوا في المدة التي تَبِيْنُ فيها المرأة من زوجها، فقال ابن عباس: إذا مضت أربعة أشهر قبل أن يفئ بانت بتطليقة، وهذا مذهب أبي حنيفة رحمه الله. وقال مالك والشافعي وأحمد: لا تطلق بمضي المدة وإنما يؤمر الزوج بالفيئة (الرجوع عن يمينه) أو بالطلاق، فإذا امتنع الزوج منهما طلقها الحاكم عليه. حجة أبي حنيفة: أن الله تعالى حدّد المدة للفيء بأربعة أشهر، فإذا لم يرجع عن يمينه في هذه المدة فكأنه أراد طلاقها وعزم عليه، والعزيمة في الحقيقة إنما هي عقد القلب على الشيء تقول: عزمت على كذا أي عقدت قلبي على فعله فهذا هو المراد من قوله تعالى: {وَإِنْ عَزَمُواْ ٱلطَّلاَق} أي عقدوا عليه قلوبهم، ولم تشترط الآية أن يطلق بالفعل. حجة الجمهور: أن قوله تعالى: {وَإِنْ عَزَمُواْ ٱلطَّلاَق} صريح في أنّ وقوع الطلاق إنما يكون بإيقاع الزوج، فلا يكفي مضي المدة بل لا بدّ بعدها من الفيء أو الطلاق. قال الشوكاني في تفسيره "فتح القدير": "واعلم أن أهل كل مذهب قد فسّروا هذه الآية بما يطابق مذهبهم، وتكلفوا بما لم يدّل عليه اللفظ، ومعناها ظاهر واضح، وهو أن الله جعل الأجل لمن يؤلي: أي يحلف من امرأته أربعة أشهر، ثم قال مخبراً عباده بحكم هذا (المؤلي) بعد هذه المدة (فإن فاءوا) أي رجعوا إلى بقاء الزوجية واستدامة النكاح {فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} أي لا يؤخذهم بتلك اليمين بل يغفر لهم ويرحمهم {وَإِنْ عَزَمُواْ ٱلطَّلاَق} أي وقع العزم منهم عليه والقصد له {فَإِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ} لذلك منهم {عَلِيمٌ} به، فهذا معنى الآية الذي لا شك فيه ولا شبهة". الحكم الثالث: هل يشترط في اليمين أن تكون للإضرار؟ قال أبو حنيفة والشافعي وأحمد: يصح الإيلاء في حال الرضا والغضب. وقال مالك: لا يكون إيلاءً إلا إذا حلف عليها في حال غضب على وجه الإضرار. حجة مالك: ما روي عن (علي كرّم الله وجهه) أنه سئل عن رجلٍ حلف ألاّ يطأ امرأته حتى تفطم ولدها، ولم يرد الإضرار بها وإنما قصد مصلحة الولد فقال له: إنما أردتَ الخير، وإنما الإيلاء في الغضب. وما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: لا إيلاء إلاّ بغضب. حجة الجمهور: أن الآية عامة {لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ} فهي تشمل من حلف بقصد الإضرار، أو حلف بقصد المصلحة لولده، فالكل يشمله لفظ (الإيلاء). قال الشعبي: كل يمين مَنعتْ جِماعاً حتى تمضي أربعة أشهر فهي إيلاء. وقد رجّح ابن جرير الطبري الرأي الأول (رأي الجمهور) فقال: والصواب قول من قال: "كل يمين مَنعتْ الجماع أكثر من المدة التي جعل الله للمؤلي التربص بها قائلاً في غضب كان ذلك أو رضى فهو إيلاء". الحكم الرابع: ما المراد بالفيء في الآية الكريمة؟ اختلف الفقهاء في الفيء الذي عناه الله تعالى بقوله: {فَإِنْ فَآءُو فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}. فقال بعضهم: المراد بالفيء الجماع لا فيء غيره، فإذا لم يغشها وانقضت المدة بانت منه، وهو قول (سعيد بن جبير) و(الشعبي). وقال آخرون: الفيء: الجماع لمن لا عذر له، فإن كان مريضاً أو مسافراً أو مسجوناً فيكفي المراجعة باللسان أو القلب، وهذا مذهب جمهور العلماء. وقال آخرون: الفيء: المراجعة باللسان على كل حال فيكفي أن يقول: قد فئت إليها وهو قول النخعي. وأعدل الأقوال القول الثاني: وهو قول جمهور الفقهاء والله أعلم. ما ترشد إليه الآيات الكريمة 1 - عدم جواز الحلف على المنع من فعل البر والخير. 2 - من حلف على يمين ورأى الخير في خلافها فليفعل الخير وليكفّر. 3 - اليمين اللغو التي لا يقصد بها اليمين لا مؤاخذة عليها ولا كفارة فيها. 4 - الإيلاء من الزوجة بقصد الإضرار يتنافى مع وجوب المعاشرة بالمعروف. 5 - إذا لم يرجع الزوج عن يمينه في مدة أربعة شهور تطلق عليه زوجته. خاتمة البحث: حكمة التشريع أمرت الشريعة الغرّاء بالإحسان إلى الزوجة ومعاشرتها بالمعروف، وحرّمت إيذاءها والإضرار بها بشتى الصور والأشكال {أية : وَعَاشِرُوهُنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَيَجْعَلَ ٱللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً} تفسير : [النساء: 19]. ولمّا كان الإيلاء من الزوجة، وهجرها في المضاجع مدة طويلة من الزمن، لا يقصد منه إلا الإساءة إلى الزوجة والإضرار بها، بحيث تصبح المرأة معلقة، ليست بذات زوج ولا مطلّقة، وكان هذا مما يتنافى مع وجوب المعاشرة بالمعروف ولا يتفق مع تعاليم الإسلام الرشيدة، لذلك فقد أمر الباري جل وعلا بإمهال هذا الزوج مدة من الزمن أقصاها أربعة شهور، فإن عاد إلى رشده فكفّر عن يمينه، وأحسن معاملة زوجته فعاشرها بالمعروف، ودفع عنها الإساءة والظلم فهي زوجته، وإلاّ فقد طلقت منه بذلك الإصرار، وهذا من محاسن الشريعة الغراء، حيث دفعت عن كاهل المرأة الظلم ودعت إلى البر بها والإحسان، وجعلتها شريكة الرجل في الحياة السعيدة الكريمة.

زيد بن علي

تفسير : وقولهُ تعالى: {وَلاَ تَجْعَلُواْ ٱللَّهَ عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ} معناهُ لا تَنْصبوهُ نَصباً؛ وهو الرَّجلُ يَحلفُ فِي الأَمرِ فَيجْعَلَ يَمينَهُ عَرضةً.

الأندلسي

تفسير : والعرضة فعلة من العرض بمعنى المفعول كالقبضة، والمرأة عرضة للنكاح أي الله وحذرهم يوم المعاد نهاهم عن ابتذال اسمه تعالى وجعله معرضاً لما يحلفون عليه دائماً، لأن من يتقي ويحذر يجب صيانة اسمه وتنزيهه عما لا يليق من كونه يذكر في كل ما يحلف عليه من قليل أو كثير عظيم أو حقير والحنث مع الاكثار، واللام في لإِيمانكم متعلقة بعرضة أي معدا ومرصداً، أو بتجعلوا فتكون للتعليل. {أَن تَبَرُّواْ} أي إرادة أن تبروا، علل الامتناع من ابتذال اسم الله في الحلف بإِرادة وجود البر، والمعنى إنما نهيتكم عن هذا لما في توقي ذلك من البر والتقوى والاصلاح ويعقد من ذلك شرط وجزاء، أي إن امتنعت من ابتذال اسمه تعالى بَرَرْتَ واتقيت وأصلحت. وقد كثر كلام المفسرين في موضع: ان تبروا. قال الزمخشري: يتعلق أن تبروا بالفعل أو بالعرضة، أي ولا تجعلوا الله لأجل إيمانكم به عرضة لأن تبروا. "انتهى". ولا يصرح هذا التقدير لأن فيه فصلاً بين العامل والمعمول بأجنبي لأنه علق لإيمانكم بتجعلوا وعلق لأن تبروا بعرضة فقد فصل بين عرضة وبين لأن تبرروا بقوله: لإيمانكم وهو أجنبي منهما لأنه معمول عنده لتجعلوا وذلك لا يجوز ونظير ما أجازه أن تقول أمرر واضرب بزيد هذا، فهذا لا يجوز. ونصوا على أنه لا يجوز: جاءني رجل ذو فرس أبلق راكب أبلق، لما فيه من الفصل بالأجنبي. والذي يظهر لي أن إنْ تبروا في موضع نصب على إسقاط الخافض، والعامل فيه قوله: لإِيمانكم التقدير لأقسامكم على أن تبرّوا فنهوا عن ابتذال اسمه تعالى وجعله معرضاً لأقسامهم على البر والتقوى والاصلاح اللاتي هن أوصاف حسنة لما يخاف في ذلك من الحنث، فكيف إذا كانت أقساماً على ما ينافي البر والتقوى والاصلاح، وعلى هذا يكون الكلام منتظماً واقعاً كل لفظ منه مكانه الذي يليق به. وقال الزمخشري: ان تبروا وتتقوا وتصلحوا عطف بيان لإِيمانكم أي: الأمور المحلوف عليها التي هي البر والتقوى والاصلاح بين الناس. "انتهى". وهو ضعيف لأن فيه مخالفة للظاهر لأن الظاهر من الإِيمان هي الأقسام والبر والتقوى والصلاح هي المقسم عليها فهما متباينان ولا يجوز أن يكون عطف بيان على الإِيمان لكنه لما تأول الإِيمان على أنها المحلوف عليها ساغ له. وقد بينا أنه لا حاجة تدعونا إلى تأويل الايمان بالمحلوف عليها وعلى مذهبه يكون أن تبروا في موضع جر ولو ادعى أن يكون ان تبروا وما بعده بدل من إيمانكم لكان أولى لأن عطف البيان أكثر ما يكون في الاعلام. {لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱلَّلغْوِ فِيۤ أَيْمَانِكُمْ} الآية هو قول الرجل: لا والله. وبلى والله. من غير قصد لليمين. {وَلَـٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ} وهو مصدر القلب لعقد اليمين نفي المؤاخذة في لغو اليمين وأثبتها في كسب القلب وهي الكفارة في الدنيا والآخرة ان حنث. وكانت مما تكفّر. والعقوبة في الآخرة إن كانت مما لا يكفر. وفي هذه الجملة حذف دل عليه ما قبله التقدير ولكن يؤاخذكم في إيمانكم. {وَٱللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ} فيه توسعة حيث لم يؤاخذ باللغو وإشعار بالغفران والحلم عن من توعده. قال ابن عباس: كان إيلاء الجاهلية السنة والسنتين وأكبر، فوقّت الله ذلك وهو الحلف ان لا يطأها أو يمتنع من الوطء.

الجيلاني

تفسير : {وَ} من جملة الأخلاق المنزلة لكم أن {لاَ تَجْعَلُواْ} اسم {ٱللَّهَ عُرْضَةً} وجهةً ومعرضاً {لأَيْمَانِكُمْ} المتعلقة بكل دني خسيس وحقٍ وباطل؛ أي: لا تكثروا الحلف بالله في الأمور؛ إذ أنتم بشريتكم ما تخلون عن شوب الكذب والبطلان، ما لكم والتلفظ باسم الحق الحقيق الحقية لترويج الأمور المزخرفة بالباطلة {أَن تَبَرُّواْ} افعلوا الخيرات وواظبا على الطاعات، وتوجهوا إلى الله في عموم الأوقات وشمول الحالات {وَ} إن أردتم أن {تَتَّقُواْ} اجتنبوا عن المحظورات، واحذروا عن المحرمات، وارجعوا نحو ربكم بإسقاط الإضافات {وَ} إن أردتم أن {تُصْلِحُواْ بَيْنَ ٱلنَّاسِ} تلييناً لقلوبهم، ادعوهم إلى التوحيد بالحكمة والموعظة الحسنة، وجادلهم بالتي هي أقوم {وَٱللَّهُ سَمِيعٌ} لإيمانكم {عَلِيمٌ} [البقرة: 224] بنياتكم فيجازيكم على مقتضى علمه بحالكم، هذا في الأيمان المثبتة للوقائع والأحكام، المقاربة للقصد والإرادة. وأما الإيمان الجارية على ألسنة العوام بلا إثبات ونفي، بل على سبيل الاتفاق فمما يُعفى عنه، فلذلك قال سبحانه: {لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱلَّلغْوِ} الواقع {فِيۤ أَيْمَانِكُمْ} بلا قصد وإرادةٍ {وَلَـٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ} بواسطة الأيمان الكاذبة من الأمور الباطلة التي لا تطابق الواقع، فلبستم فيها وأثبتهم بها {وَٱللَّهُ غَفُورٌ} لكم لو تبتم ورجعتم إليه عما كسبتم من الآثام {حَلِيمٌ} [البقرة: 225] بالانتقام رجاء أن يتوبوا عنها. ثم قال سبحانه: {لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ} أي: يحلفون أن يمتنعوا {مِن} وقاع {نِّسَآئِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ} أي: يلزم عليم الانتظار إلى أن تنقضي مدة أربعة أشهر {فَإِنْ فَآءُو} أي: رجعوا في هذه المدة عن الحلف بأن جامعوا معهن، حنثوا {فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ} بحنثهم يتجاوز عنهم بالكفارة {رَّحِيمٌ} [البقرة: 229] لهم بإبقاء النكاح بينهم. {وَإِنْ عَزَمُواْ ٱلطَّلاَقَ} بلا حنث الحلف {فَإِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ} يسمع منهم الطلاق {عَلِيمٌ} [البقرة: 227] بنفرة قلوبهم منهن.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : المقصود من اليمين، والقسم تعظيم المقسم به، وتأكيد المقسم عليه، وكان الله تعالى قد أمر بحفظ الأيمان، وكان مقتضى ذلك حفظها في كل شيء، ولكن الله تعالى استثنى من ذلك إذا كان البر باليمين، يتضمن ترك ما هو أحب إليه، فنهى عباده أن يجعلوا أيمانهم عرضة، أي: مانعة وحائلة عن أن يبروا: أن يفعلوا خيرا، أو يتقوا شرا، أو يصلحوا بين الناس، فمن حلف على ترك واجب وجب حنثه، وحرم إقامته على يمينه، ومن حلف على ترك مستحب، استحب له الحنث، ومن حلف على فعل محرم، وجب الحنث، أو على فعل مكروه استحب الحنث، وأما المباح فينبغي فيه حفظ اليمين عن الحنث. ويستدل بهذه الآية على القاعدة المشهورة، أنه "إذا تزاحمت المصالح، قدم أهمها "فهنا تتميم اليمين مصلحة، وامتثال أوامر الله في هذه الأشياء، مصلحة أكبر من ذلك، فقدمت لذلك. ثم ختم الآية بهذين الاسمين الكريمين فقال: { وَاللَّهُ سَمِيعٌ } أي: لجميع الأصوات { عَلِيمٌ } بالمقاصد والنيات، ومنه سماعه لأقوال الحالفين، وعلمه بمقاصدهم هل هي خير أم شر، وفي ضمن ذلك التحذير من مجازاته، وأن أعمالكم ونياتكم، قد استقر علمها عنده.

همام الصنعاني

تفسير : 267- عبد الرزاق، قال: حدثنا معمر، عن قتادة في قوله تعالى: {وَلاَ تَجْعَلُواْ ٱللَّهَ عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ}: [الآية: 224]، قال: هُو الرجل يَحْلِفُ في الأمرِ الذي لا يَصْلح له، فإذا كُلِّمَ في ذلك قال: إني قد حلفت، فجَعَلَ يمينه عرضة لذلك. فأنزل الله تعالى: {وَلاَ تَجْعَلُواْ ٱللَّهَ عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ}: [الآية: 224]. 270- عبد الرزاق، قال: حدّثنا معمر، عن يحيى بن أبي كثير، عن كرمة، في قوله تعالى: {وَلاَ تَجْعَلُواْ ٱللَّهَ عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ}: [الآية: 224]، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: حديث : لا يتلجج أحدكم باليمين في أهْلِهِ فهو آثم له عِنْدَ اللهِ من الكَفَّارَةِ التي أمَرَ اللهُ بها . 276تفسير : - عبد الرزاق، قال: حدّثنا معمر، عن ابن طاوُس، عن أبيه في قوله تعالى: {وَلاَ تَجْعَلُواْ ٱللَّهَ عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ}: [الآية: 224]، قال: هو الرجل، يحلف على الأمْرِ لا يصلح ثم يعتلّ بيمينه، يقول الله تعالى: {أَن تَبَرُّواْ وَتَتَّقُواْ}: [الآية: 224]، خَيْرٌ من أن تَمْضِي عَلى ما لاَ يَصْلُحُ.