Verse. 232 (AR)

٢ - ٱلْبَقَرَة

2 - Al-Baqara (AR)

لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللہُ بِاللَّغْوِ فِيْۗ اَيْمَانِكُمْ وَلٰكِنْ يُّؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوْبُكُمْ۝۰ۭ وَاللہُ غَفُوْرٌ حَلِيْمٌ۝۲۲۵
La yuakhithukumu Allahu biallaghwi fee aymanikum walakin yuakhithukum bima kasabat quloobukum waAllahu ghafoorun haleemun

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«لا يؤاخذكم الله باللغو» الكائن «في أيمانكم» وهو ما يسبق إليه اللسان من غير قصد الحلف نحو ألا والله، وبلى و الله فلا إثم فيه ولا كفارة «ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم» أي قصدته من الأيمان إذا حنثتم «والله غفور» لما كان من اللغو «حليم» بتأخير العقوبة عن مستحقها.

225

Tafseer

الرازي

تفسير : في الآية مسألتان: المسألة الأولى: {ٱللَّغْوَ } الساقط الذي لا يعتد به، سواء كان كلاماً أو غيره، أما ورود هذه اللفظة في الكلام، فيدل عليه الآية والخبر والرواية، أما الآية فقوله تعالى: {أية : وَإِذَا سَمِعُواْ ٱللَّغْوَ أَعْرَضُواْ عَنْهُ } تفسير : [القصص: 55] وقوله: {لأية : اَ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلاَ تَأْثِيماً } تفسير : [الواقعة: 25] وقوله: {أية : لاَ تَسْمَعُواْ لِهَـٰذَا ٱلْقُرْءانِ والغوا فيه } تفسير : [فصلت: 26] وقوله: {أية : لاَّ تَسْمَعُ فِيهَا لَـٰغِيَةً } تفسير : [الغاشية: 11] أما قوله: {أية : وَإِذَا مَرُّواْ بِاللَّغْوِ مَرُّواْ كِراماً } تفسير : [الفرقان: 72] فيحتمل أن يكون المراد، وإذا مروا بالكلام الذي يكون لغواً، وأن يكون المراد، وإذا مروا بالفعل الذي يكون لغواً. وأما الخبر فقوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من قال يوم الجمعة لصاحبه صه والإمام يخطب فقد لغا». تفسير : وأما الرواية فيقال: لغا الطائر يلغو لغواً إذا صوت، ولغو الطائر تصويته، وأما ورود هذا اللفظ في غير الكلام، فهو أنه يقال لما لا يعتد به من أولاد الإبل: لغو، قال جرير:شعر : يعد الناسبون بني تميم بيوت المجد أربعة كباراً وتخرج منهم المرئى لغواً كما ألغيت في الدية الحوارا تفسير : وقال العجاج:شعر : ورب أسراب حجيج كظم عن اللغا ورفث التكلم تفسير : قال الفراء: اللغا، مصدر للغيت، و {ٱللَّغْوَ } مصدر للغوت، فهذا ما يتعلق باللغة. أما المفسرون فقد ذكروا وجوهاً الأول: قال الشافعي رضي الله عنه: إنه قول العرب: لا والله، وبلى والله، مما يؤكدون به كلامهم ولا يخطر ببالهم الحلف، ولو قيل لواحد منهم: سمعتك اليوم تحلف في المسجد الحرام ألف مرة لأنكر ذلك، ولعله قال: لا والله ألف مرة والثاني: وهو قول أبـي حنيفة رضي الله عنه: أن اللغو هو أن يحلف على شيء يعتقد أنه كان ثم بان أنه لم يكن فهذا هو اللغو، وفائدة هذا الإختلاف أن الشافعي لا يوجب الكفارة في قول الرجل لا والله وبلى والله ويوجبها فيما إذا حلف على شيء يعتقد أنه كان ثم بان أنه لم يكن، وأبو حنيفة يحكم بالضد من ذلك ومذهب الشافعي هو قول عائشة، والشعبـي، وعكرمة، وقول أبـي حنيفة هو قول ابن عباس، والحسن، ومجاهد، والنخعي والزهري، وسليمان بن يسار، وقتادة، والسدي، ومكحول، حجة الشافعي رضي الله عنه على قوله وجوه الأول: ما روت عائشة رضي الله عنها عن النبـي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : لغو اليمين قول الرجل في كلامه كلا والله، وبلى والله، ولا والله» تفسير : وروي أنه صلى الله عليه وسلم مر بقوم ينتضلون، ومعه رجل من أصحابه فرمى رجل من القوم، فقال: أصبت والله، ثم أخطأ، ثم قال الذي مع النبـي صلى الله عليه وسلم: حنث الرجل يا رسول الله، فقال صلى الله عليه وسلم: «حديث : كل أيمان الرماة لغو لا كفارة فيها ولا عقوبة» تفسير : وعن عائشة أنها قالت: أيمان اللغو ماكان في الهزل والمراء والخصومة التي لا يعقد عليها القلب، وأثر الصحابـي في تفسير كلام الله حجة. الحجة الثانية: أن قوله: {لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱلَّلغْوِ فِى أَيْمَـٰنِكُمْ وَلَـٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ } يدل على أن لغو اليمين كالمقابل المضاد لما يحصل بسبب كسب القلب، ولكن المراد من قوله: {بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ } هو الذي يقصده الإنسان على الجد ويربط قلبه به، وإذا كان كذلك وجب أن يكون اللغو الذي هو كالمقابل له أن يكون معناه ما لا يقصده الإنسان بالجد، ولا يربط قلبه به، وذلك هو قول الناس على سبيل التعود في الكلام: لا والله بلى والله، فأما إذا حلف على شيء بالجد أنه كان حاصلاً ثم ظهر أنه لم يكن فقد قصد الإنسان بذلك اليمين تصديق قول نفسه وربط قلبه بذلك، فلم يكن ذلك لغواً ألبتة بل كان ذلك حاصلاً بكسب القلب. الحجة الثالثة: أنه سبحانه ذكر قبل هذه الآية: {أية : وَلاَ تَجْعَلُواْ ٱللَّهَ عُرْضَةً لأَيْمَـٰنِكُمْ } تفسير : [البقرة: 224] وقد ذكرنا أن معناه النهي عن كثرة الحلف واليمين، وهؤلاء الذين يقولون على سبيل الاعتياد: لا والله وبلى والله لا شك أنهم يكثرون الحلف، فذكر تعالى عقيب قوله: {وَلاَ تَجْعَلُواْ ٱللَّهَ عُرْضَةً لأَيْمَـٰنِكُمْ } حال هؤلاء الذين يكثرون الحلف على سبيل الاعتياد في الكلام لا على سبيل القصد إلى الحلف، وبين أنه لا مؤاخذة عليهم، ولا كفارة، لأن إيجاب المؤاخذة والكفارة عليهم يفضي إما إلى أن يمتنعوا عن الكلام، أو يلزمهم في كل لحظة كفارة وكلاهما حرج في الدين فظهر أن تفسير اللغو بما ذكرناه هو المناسب لما قبل الآية، فأما الذي قال أبو حنيفة رضي الله عنه فإنه لا يناسب ما قبل الآية فكان تأويل الشافعي أولى، حجة أبـي حنيفة رضي الله عنه من وجوه. الحجة الأولى: قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها فليأت الذي هو خير ثم ليكفر عن يمينه»تفسير : الحديث دل على وجوب الكفارة على الحانث مطلقاً من غير فصل بين المجد والهازل. الحجة الثانية: أن اليمين معنى لا يلحقه الفسخ، فلا يعتبر فيه القصد كالطلاق والعتاق، فهاتان الحجتان يوجبان الكفارة في قول الناس: لا والله بلى والله، إذا حصل الحنث، ثم الذي يدل على أن اللغو لا يمكن تفسيره بما قال الشافعي، ويجب تفسيره بما قاله أبو حنيفة أن اليمين في اللغة عبارة عن القوة قال الشاعر:شعر : إذا ما راية رفعت لمجد تلقاها عرابة باليمين تفسير : أي بالقوة، والمقصود من اليمين تقوية جانب البر على جانب الحنث بسبب اليمين، وهذا إنما يفعل في الموضع الذي يكون قابلاً للتقوية، وهذا إنما يكون إذا وقع اليمين على فعل في المستقبل، فأما إذا وقع اليمين على الماضي فذلك لا يقبل التقوية ألبتة، فعلى هذا اليمين على الماضي تكون خالية عن الفائدة المطلوبة منها، والخالي عن المطلوب يكون لغواً، فثبت أن اللغو هو اليمين على الماضي، وأما اليمين على المستقبل فهو قابل للتقوية، فلم تكن هذه اليمين خالية عن الغرض المطلوب منها فلا تكون لغواً. القول الثالث: في تفسير يمين اللغو: هو أنه إذا حلف على ترك طاعة، أو فعل معصية، فهذا هو يمين اللغوا وهو المعصية. قال تعالى: {أية : وَإِذَا سَمِعُواْ ٱللَّغْوَ أَعْرَضُواْ عَنْهُ } تفسير : [القصص: 55] فبين أنه تعالى لا يؤاخذ بترك هذه الأيمان، ثم قال: {وَلَـٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ } أي بإقامتكم على ذلك الذي حلفتم عليه من ترك الطاعة وفعل المعصية، قالوا: وهذا التأويل مناف لقوله عليه السلام: «حديث : من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها فليأت الذي هو خير ثم ليكفر» تفسير : وهذا التأويل ضعيف من وجهين الأول: هو أن المؤاخذة المذكورة في هذه الآية صارت مفسرة في آية المائدة بقوله تعالى: {أية : وَلَـٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ ٱلأَيْمَـٰنَ فَكَفَّارَتُهُ } تفسير : [المائدة: 89] ولما كان المراد بالمؤاخذة إيجاب الكفارة وههنا الكفارة واجبة، علمنا أن المراد من الآية ليس هو هذه الصورة الثاني: أنه تعالى جعل المقابل للغو هو كسب القلب، ولا يمكن تفسيره بما ذكره من الإصرار على الشيء الذي حلفوا عليه لأن كسب القلب مشعر بالشروع في فعل جديد، فأما الاستمرار على ما كان فذلك لا يسمى كسب القلب. القول الرابع: في تفسير يمين اللغو: أنها اليمين المكفرة سميت لغواً لأن الكفارة أسقطت الإثم، فكأنه قيل: لا يؤاخذكم الله باللغو إذا كفرتم، وهذا قول الضحاك. القول الخامس: وهو قول القاضي: أن المراد به ما يقع سهواً غير مقصود إليه، والدليل عليه قوله تعالى بعد ذلك: {وَلَـٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ } أي يؤاخذكم إذا تعمدتم، ومعلوم أن المقابل للعمد هو السهو. المسألة الثانية: احتج الشافعي رضي الله عنه بهذه الآية على وجوب الكفارة في اليمين الغموس، قال: إنه تعالى ذكر ههنا {وَلَـٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ } وقال في آية المائدة: {وَلَـٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ ٱلأَيْمَـٰنَ } وعقد اليمين محتمل لأن يكون المراد منه عقد القلب به، ولأن يكون المراد به العقد الذي يضاد الحل، فلما ذكر ههنا قوله: {بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ } علمنا أن المراد من ذلك العقد هو عقد القلب، وأيضاً ذكر المؤاخذة ههنا، ولم يبين أن تلك المؤاخذة ما هي، وبينها في آية المائدة بقوله: {وَلَـٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ ٱلأَيْمَـٰنَ فَكَفَّارَتُهُ } فبين أن المؤاخذة هي الكفارة، فكل واحدة من هاتين الآيتين مجملة من وجه، مبينة من وجه آخر فصارت كل واحدة منهما مفسرة للأخرى من وجه، وحصل من كل واحدة منهما أن كل يمين ذكر على سبيل الجد وربط القلب، فالكفارة واجبة فيها، واليمين الغموس كذلك فكانت الكفارة واجبة فيها. أما قوله تعالى: {وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } فقد علمت أن: الغفور، مبالغة في ستر الذنوب، وفي إسقاط عقوبتها، وأما: الحليم، فاعلم أن الحلم في كلام العرب الأناة والسكون، يقال: ضع الهودج على أحلم الجمال، أي على أشدها تؤدة في السير، ومنه الحلم لأنه يرى في حال السكون، وحلمة الثدي، ومعنى: الحليم، في صفة الله: الذي لا يعجل بالعقوبة، بل يؤخر عقوبة الكفار والفجار.

القرطبي

تفسير : فيه أربع مسائل: الأُولىٰ ـ قوله تعالىٰ: {بِٱلَّلغْوِ} اللغو: مصدر لغا يلغو ويَلْغَى، ولَغِيَ يَلْغَى لَغاً إذا أتى بما لا يحتاج إليه في الكلام، أو بما لا خير فيه، أوبما يلغى إثمه؛ وفي الحديث: «حديث : إذا قلتَ لصاحبك والإمامُ يخطب يومَ الجمعة أَنْصِتْ فقد لَغَوْتَ»تفسير : . ولغة أبي هريرة «فقد لَغَيْتَ» وقال الشاعر:شعر : ورُبّ أسرابِ حجيجٍ كُظَّمِ عن اللَّغَا وَرَفَثِ التَّكلُّمِ تفسير : وقــال آخر:شعر : ولستَ بمأخوذ بلَغْوٍ تقولُه إذا لم تَعَمّد عاقداتِ العزائم تفسير : الثانية ـ وآختلف العلماء في اليمين التي هي لغو؛ فقال ٱبن عباس: هو قول الرجل في درج كلامه وٱستعجاله في المحاورة: لا والله، وبلى والله؛ دون قصدٍ لليمين. قال المروزِيّ: لغو اليمينِ التي ٱتفق العلماء على أنها لغو هو قول الرجل: لا والله، وبلى والله؛ في حديثه وكلامه غير معتقد لليمين ولا مريدها. وروى ٱبن وهب عن يونس عن ٱبن شهاب أن عُروة حدّثه أن عائشة زوجَ النبيّ صلى الله عليه وسلم قالت: أيمان اللغو ما كانت في المِرَاء والهزْل والمزاحة والحديثِ الذي لا ينعقد عليه القلب. وفي البخاريّ عن عائشة رضي الله عنها قالت: نزل قوله تعالىٰ: {لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱلَّلغْوِ فِيۤ أَيْمَانِكُمْ} في قول الرجل: لا والله، وبلى والله. وقيل: اللغو ما يحلف به على الظن؛ فيكون بخلافه؛ قاله مالك، حكاه ٱبن القاسم عنه، وقال به جماعة من السلف. قال أبو هريرة: إذا حلف الرجل على الشيء لا يظن إلاَّ أنه إياه؛ فإذا ليس هو، فهو اللغو، وليس فيه كفارة؛ ونحوه عن ٱبن عباس. ورُوي: أن قوماً تراجعوا القول عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم يرمون بحضرته؛ فحلف أحدهم لقد أصبتُ وأخطأتَ يا فلان؛ فإذا الأمر بخلاف ذلك؛ فقال الرجل: حَنِث يا رسول الله، فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : أيمان الرُّماة لغو لا حِنْثَ فيها ولا كفارة»تفسير : . وفي الموطأ قال مالك: أحسن ما سمعت في هذا أن اللغو حلف الإنسان على الشيء يستيقن أنه كذلك ثم يوجد بخلافه؛ فلا كفارة فيه. والذي يحلف على الشيء وهو يعلم أنه فيه آثم كاذب ليرضى به أحداً، أو يعتذر لمخلوق، أو يقتَطعَ به مالاً، فهذا أعظمُ من أن يكون فيه كفارةٌ؛ وإنما الكفارة على من حلف ألا يفعل الشيءَ المباحَ له فِعلُه ثم يفعله؛ أو أن يفعله ثم لا يفعله؛ مثل إن حلَفَ ألاَّ يبيع ثوبَه بعشرة دراهم ثم يبيعه بمثل ذلك، أو حلف ليضربنّ غلامه ثم لا يضربه. وروي عن ٱبن عباس ـ إن صح عنه ـ قال: لغو اليمين أن تحلف وأنت غضبان؛ وقاله طاوس. وروى ٱبن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : لا يمين في غضب»تفسير : أخرجه مسلم. وقال سعيد بن جبير: هو تحريم الحلال؛ فيقول: مالي عليّ حرام إن فعلت كذا، والحلال عليّ حرام؛ وقاله مكحول الدّمشقيّ؛ ومالك أيضاً، إلاَّ في الزوجة فإنه ألزم فيها التحريم إلاَّ أن يخرجها الحالف بقلبه. وقيل: هو يمين المعصية؛ قاله سعيد بن المسيب، وأبو بكر بن عبد الرّحمن وعروة وعبد الله ٱبنا الزبير؛ كالذي يقسم ليشربنّ الخمر أو ليقطعنّ الرّحِم فبِرُّه تركُ ذلك الفعل ولا كفارة عليه؛ وحجتهم حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها فليتركها فإنّ تركَها كفارتُها» تفسير : أخرجه ٱبن ماجه في سننه، وسيأتي في «المائدة» أيضاً. وقال زيد بن أسلم: لغو اليمين دعاء الرجل على نفسه: أعمى الله بصره، أذهب الله ماله، هو يهوديّ، هو مشرك، هو لِغيّةٍ إن فعل كذا. مجاهد: هما الرجلان يتبايعان فيقول أحدهما: والله لا أبيعك بكذا، ويقول الآخر: والله لا أشتريه بكذا. النخعيّ: هو الرجل يحلف ألا يفعل الشيء ثم يَنْسَىٰ فيفعله. وقال ٱبن عباس أيضاً والضحاك: إن لَغْوَ اليمين هي المكَفِّرَة، أي إذا كُفِّرت اليمينُ سقطتْ وصارت لغواً، ولا يؤاخذ الله بتكفيرها والرجوع إلى الذي هو خير. وحكى ٱبن عبد البر قولاً: أن اللغو أيمان المُكْرَه. قال ٱبن العربيّ: أما اليمين مع النسيان فلا شك في إلغائها. لأنها جاءت على خلاف قصِده؛ فهي لغو محضٌ. قلت: ويمين الْمكَره بمثابتها. وسيأتي حكم من حلف مكرها في «النحل» إن شاء الله تعالىٰ. قال ٱبن العربيّ: وأما من قال إنه يمين المعصية فباطل؛ لأن الحالف على تركِ المعصيِة تنعقد يمينه عبادة، والحالف على فعل المعصية تنعقد يمينه معصية؛ ويُقال له: لا تفعل وكفِّر؛ فإن أقدم على الفعل أثِمَ في إقدامه وبرّ في قسمه. وأما من قال: إنه دعاء الإنسان على نفسه إن لم يكن كذا فينزل به كذا؛ فهو قولٌ لَغْو، في طريق الكفارة، ولكنه مُنْعَقدٌ في القَصْد، مكروه، وربما يؤاخَذُ به؛ لأن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : لا يدعونّ أحدكم على نفسه فربما صادف ساعة لا يسأل الله أحدٌ فيها شيئاً إلاَّ أعطاه إياه»تفسير : . وأما من قال إنه يمين الغضب فإنه يردّه حلف النبيّ صلى الله عليه وسلم غاضباً ألاّ يحمل الأشعريين وحملَهم وكفَّر عن يمينه. وسيأتي في «براءة». قال ٱبن العربيّ: وأما من قال: إنه اليمين المكفرة فلا متعلق له يحكى. وضعفه ٱبن عطية أيضاً وقال: قد رفع الله عزّ وجلّ المؤاخذة بالإطلاق في ٱللغو، فحقيقتها لا إثم فيه ولا كفارة؛ والمؤاخذة في الأيمان هي بعقوبة الآخرة في اليمين الغَمُوس المَصْبُورَة، وفيما ترك تكفيره مما فيه كفارة، وبعقوبة الدنيا في إلزام الكفارة، فيضعف القول بأنها اليمين المكفرة؛ لأن المؤاخذة قد وقعت فيها؛ وتخصيص المؤاخذة بأنها في الآخرة فقط تحكم. الثالثة ـ قوله تعالىٰ: {فِيۤ أَيْمَانِكُمْ} الأيمان جمع يمين، واليمين الحلِف، وأصله أن العرب كانت إذا تحالفت أو تعاقدت أخذ الرجل يمين صاحِبه بيمينه؛ ثم كثر ذلك حتى سمي الحِلُف والعْهُد نفسه يميناً. وقيل: يمين فَعيل من اليُمْن، وهو البركة؛ سمّاها الله تعالىٰ بذلك لأنها تحفظ الحقوق. ويمين تذكّر وتؤنّث، وتجمع أيمان وأيْمُن: قال زهير:شعر : فتجمـع أيْمُـنٌ مِنّـا ومنكـم تفسير : الرابعة ـ قوله تعالىٰ: {وَلَـٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ} مثل قوله: {أية : وَلَـٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ ٱلأَيْمَانَ} تفسير : [المائدة: 89]. وهناك يأتي الكلام فيه مستوفًى، إن شاء الله تعالىٰ. وقال زيد بن أسلم: قوله تعالىٰ: {وَلَـٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ} هو في الرجل يقول: هو مشرك إن فعل، أي هذا اللغو، إلاَّ أن يعقد الإشراك بقلبه ويكسبه. و {غَفُورٌ حَلِيمٌ} صفتان لائقتان بما ذُكر من طرح المؤاخذة؛ إذ هو باب رفق وتَوْسِعَة.

البيضاوي

تفسير : {لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱلَّلغْوِ فِي أَيْمَـٰنِكُمْ} اللغو الساقط الذي لا يعتد به من كلام غيره، ولغو اليمين مالا عقد معه كما سبق به اللسان، أو تكلم به جاهلاً لمعناه كقول العرب: لا والله وبلى والله، لمجرد التأكيد لقوله: {وَلَـٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ} والمعنى لا يؤاخذكم الله بعقوبة ولا كفارة بما لا قصد معه، ولكن يؤاخذكم بهما أو بأحدهما بما قصدتم من الأيمان وواطأت فيها قلوبكم ألسنتكم. وقال أبو حنيفة: اللغو أن يحلف الرجل بناء على ظنه الكاذب، والمعنى لا يعاقبكم بما أخطأتم فيه من الأيمان، ولكن يعاقبكم بما تعمدتم الكذب فيه. {وَٱللَّهُ غَفُورٌ} حيث لم يؤاخذ باللغو {حَلِيمٌ} حيث لم يعجل بالمؤاخذة على يمين الجد تربصاً للتوبة.

المحلي و السيوطي

تفسير : {لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱلَّلغْوِ } الكائن {فِى أَيْمَٰنِكُمْ } وهو ما يسبق إليه اللسان من غير قصد الحلف نحو والله، وبلى والله فلا إثم عليه ولا كفارة {وَلَٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ } أي قصدته من الإيمان إذا حنثتم {وَٱللَّهُ غَفُورٌ } لما كان من اللغو {حَلِيمٌ } بتأخير العقوبة عن مستحقها.

ابن عطية

تفسير : {اللغو} سقط الكلام الذي لا حكم له، ويستعمل في الهجر والرفث وما لا حكم له من الأيمان، تشبيهاً بالسقط من القول، يقال منه لغا يلغو لغواً ولغى يلغي لغياً، ولغة القرآن بالواو، والمؤاخذة هي التناول بالعقوبة، واختلف العلماء في اليمين التي هي لغو، فقال ابن عباس وعائشة وعامر الشعبي وأبو صالح ومجاهد: لغو اليمين قول الرجل في درج كلامه واستعجاله في المحاورة: لا والله، وبلى والله، دون قصد لليمين، وروي أن قوماً تراجعوا القول بينهم وهم يرمون بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم، فحلف أحدهم: لقد أصبت وأخطأت يا فلان، فإذا الأمر بخلافه، فقال رجل: حنث يا رسول الله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : أيمان الرماة لغو لا إثم فيها ولا كفارة" تفسير : ، وقال أبو هريرة وابن عباس أيضاً والحسن ومالك بن أنس وجماعة من العلماء: لغو اليمين ما حلف به الرجل على يقينه فكشف الغيب خلاف ذلك. قال القاضي أبو محمد: وهذا اليقين هو غلبة ظن أطلق الفقهاء عليه لفظة اليقين تجوزاً، قال مالك: "مثله أن يرى الرجل على بعد فيعتقد أنه فلان لا يشك، فيحلف، ثم يجيء غير المحلوف عليه"، وقال سعيد بن المسيب وأبو بكر بن عبد الرحمن وعبد الله وعروة ابنا الزبير: لغو اليمين الحلف في المعاصي كالذي يحلف ليشربن الخمر أو ليقطعن الحرم، فبره ترك ذلك الفعل ولا كفارة عليه، وقال سعيد بن جبير مثله، إلا أنه قال: يكفر، فأشبه قوله بالكفارة قول من لا يراها لغواً، وقال ابن عباس أيضاً وطاوس: لغو اليمين الحلف في حال الغضب، وروى ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : لا يمين في غضب" تفسير : ، وقال مكحول الدمشقي وجماعة من العلماء: لغو اليمين أن يحرم الرجل على نفسه ما أحل الله فيقول مالي عليّ حرام إن فعلت كذا، أو الحلال عليَّ حرام، وقال بهذا القول مالك بن أنس إلا في الزوجة فإنه ألزم فيها التحريم إلا أن يخرجها الحالف بقلبه، وقال زيد بن أسلم وابنه: لغو اليمين دعاء الرجل على نفسه أعمى الله بصره، أذهب الله ماله، هو يهودي، هو مشرك، هو لغيّة إن فعل كذا، وقال ابن عباس أيضاً والضحاك: لغو اليمين هو المكفرة، أي إذا كفرت اليمين فحينئذ سقطت وصارت لغواً، ولا يؤاخذ الله بتكفيرها والرجوع إلى الذي هو خير، وقال إبراهيم النخعي: "لغو اليمن ما حنث فيه الرجل ناسياً"، وحكى ابن عبد البر قولاً إن اللغو أيمان المكره. قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: وطريقة النظر أن يتأمل لفظة اللغو ولفظة الكسب، ويحكم موقعهما في اللغة، فكسب المرء ما قصده ونواه، واللغو ما لم يتعمده أو ما حقه لهجنته أن يسقط، فيقوى على هذه الطريقة بعض الأقوال المتقدمة ويضعف بعضها، وقد رفع الله عز وجل المؤاخذة بالإطلاق في اللغو، فحقيقته ما لا إثم فيه ولا كفارة، والمؤاخذة في الأيمان هي بعقوبة الآخرة في الغموس المصبورة، وفيما ترك تكفيره مما فيه كفارة، وبعقوبة الدنيا في إلزام الكفارة، فيضعف القول بأنها اليمين المكفرة، لأن المؤاخذة قد وقعت فيها، وتخصيص المؤاخذة بأنها في الآخرة فقط تحكم. وقوله تعالى: {ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم} قال ابن عباس والنخعي وغيرهما: ما كسب القلب هي اليمين الكاذبة الغموس، فهذه فيها المؤاخذة في الآخرة، والكفارة إنما هي فيما يكون لغواً إذا كفر، وقال مالك وجماعة من العلماء: الغموس لا تكفر، هي أعظم ذنباً من ذلك، وقال الشافعي وقتادة وعطاء والربيع: اليمين الغموس تكفر، والكفارة مؤاخذة، والغموس ما قصد الرجل في الحلف به الكذب، وكذلك اليمين المصبورة: المعنى فيهما واحد، ولكن الغموس سميت بذلك لأنها غمست صاحبها في الإثم، المصبورة سميت بذلك لأنها صبرها مغالبة وقوة عليها، كما يصبر الحيوان للقتل والرمي، وقال زيد بن أسلم: قوله تعالى: {ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم} هو في الرجل يقول هو مشرك إن فعل، أي هذا لغو إلا أن يعقد الإشراك بقلبه ويسكبه، و {غفور حليم} صفتان لائقتان بما ذكر من طرح المؤاخذة، إذ هو باب رفق وتوسعة. وقوله تعالى: {للذين يؤلون من نسائهم} الآية، قرأ أبي بن كعب وابن عباس "للذين يقسمون"، و {يولون} معناه يحلفون، يقال آلى الرجل يولي إيلاء، والألية اليمين، ويقال فيها أيضاً ألوة بفتح الهمزة وبضمها وبكسرها، والتربّص التأنّي والتأخر، وكان من عادة العرب أن يحلف الرجل أن لا يطأ امرأته، يقصد بذلك الأذى عند المشارّة ونحوها، فجعل الله تعالى في ذلك هذا الحد لئلا يضر الرجال بالنساء، وبقي للحالف على هذا المعنى فسحة فيما دون الأربعة الأشهر، واختلف من المراد أن يلزمه حكم الإيلاء فقال مالك رحمه الله: "هو الرجل يغاضب امرأته فيحلف بيمين يلحق عن الحنث فيها حكم، أن لا يطأها، ضرراً منه، أكثر من أربعة أشهر، لا يقصد بذلك إصلاح ولد رضيع ونحوه"، وقال بن عطاء وغيره، وقال علي بن أبي طالب وابن عباس والحسن بن أبي الحسن: هو الرجل يحلف أن لا يطأ امرأته على وجه مغاضبة ومشارة، وسواء كان في ضمن ذلك إصلاح ولد أو لم يكن، فإن لم يكن عن غضب فليس بإيلاء. وقال ابن عباس: "لا إيلاء إلا بغضب"، وقال ابن سيرين: "سواء كانت اليمين في غضب أو غير غضب هو إيلاء". وقاله ابن مسعود والثوري ومالك والشافعي وأهل العراق، إلا أن مالكاً قال: ما لم يرد إصلاح ولد. وقال الشعبي والقاسم بن محمد وسالم بن عبد الله وابن المسيب: كل يمين حلفها الرجل أن لا يطأ امرأته أو أن لا يكلمها أو أن يضارها أو أن يغاضبها فذلك كله إيلاء، وقال ابن المسيب منهم: إلا أنه إن حلف أن لا يكلم وكان يطأ فليس بإيلاء، وإنما تكون اليمين على غير الوطء إيلاء إذا اقترن بذلك الامتناع من الوطء. قال القاضي أبو محمد: وأقوال من ذكرناه مع سعيد مسجلة محتملة ما قال سعيد ومحتملة أن فساد العشرة إيلاء، وذهب إلى هذا الاحتمال الأخير الطبري، وقال ابن عباس أيضاً: لا يسمى مولياً إلا الذي يحلف أن لا يطأ أبداً، حكاه ابن المنذر، وقال مالك والشافعي وأحمد وأبو ثور: لا يكون مولياً إلا إن زاد على الأربعة الأشهر، وقال عطاء والثوري وأصحاب الرأي: الإيلاء أن يحلف على أربعة أشهر فصاعداً، وقال قتادة والنخعي وحماد بن أبي سليمان وإسحاق وابن أبي ليلى: من حلف على قليل من الوقت أو كثير فتركها أربعة أشهر فهو مول. قال ابن المنذر: وأنكر هذا القول كثير من أهل العلم. وقوله تعالى {من نسائهم} يدخل فيه الحرائر والإماء إذا تزوجن، والعبد يلزمه الإيلاء من زوجته، وقال الشافعي وأحمد وأبو ثور: أجله أربعة أشهر، وقال مالك والزهري وعطاء بن أبي رباح وإسحاق: أجله شهران، وقال الحسن: أجله من حرة أربعة أشهر ومن أمة زوجة شهران، وقاله النخعي، وقال الشعبي: "الإيلاء من الأمة نصف الإيلاء من الحرة"، وقال مالك والشافعي وأصحاب الرأي والأوزاعي والنخعي وغيرهم: المدخول بها وغير المدخول بها سواء في لزوم الإيلاء فيهما، وقال الزهري وعطاء والثوري: لا إيلاء إلا بعد الدخول، قال مالك: "ولا إيلاء من صغيرة لم تبلغ، فإن آلى منها فبلغت لزمه الإيلاء من يوم بلوغها"، وقال عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب وأبو الدرداء وابن عمر وابن المسيب ومجاهد وطاوس ومالك والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو عبيد: إذا انقضت الأربعة الأشهر وقف: فإما فاء، وإما طلق، وإلا طلق عليه، وقال ابن مسعود وابن عباس وعثمان وعلي أيضاً وزيد بن ثابت وجابر بن زيد والحسن ومسروق بانقضاء الأربعة الأشهر دخل عليه الطلاق دون توقيت، واختلف العلماء في الطلاق الداخل على المولي، فقال عثمان وعلي وابن عباس وابن مسعود وعطاء والنخعي والأوزاعي وغيرهم: هي طلقة بائنة لا رجعة له فيها،وقال سعيد بن المسيب وأبو بكر بن عبد الرحمن ومكحول والزهري ومالك: هي رجعية، و {فاؤوا} معناه رجعوا، ومنه {أية : حتى تفيء إلى أمر الله} تفسير : [الحجرات: 9]، والفيء الظل الراجع عشياً، وقال الحسن وإبراهيم: إذا فاء المولي ووطىء فلا كفارة عليه في يمينه، لقوله تعالى {فإن فاؤوا فإن الله غفور رحيم}. قال القاضي أبو محمد: وهذا متركب على أن لغو اليمين ما حلف في معصية، وترك وطء الزوجة معصية، وقال الجمهور: إذا فاء كفر، والفيء عند ابن المسيب وابن جبير لا يكون إلا بالجماع، وإن كان مسجوناً أو في سفر مضى عليه حكم الإيلاء إلا أن يطأ ولا عذر له ولا فيء بقول، وقال مالك رحمه الله، "لا يكون الفيء إلا بالوطء أو بالتفكير في حال العذر كالغائب والمسجون"، قال ابن القاسم في المدونة: "إلا أن تكون يمينه مما لا يكفرها لأنها لا تقع عليه إلا بعد الحنث، فإن القول يكفيه ما دام معذوراً"، واختلف القول في المدونة في اليمين بالله تعالى هل يكتفى فيه بالفيء بالقول والعزم على التكفير أم لا بد، من التفكير وإلا فلا فيء، وقال الحسن وعكرمة والنخعي وغيرهم: الفيء من غير المعذور الجماع ولا بد، ومن المعذور أن يشهد أنه قد فاء بقلبه، وقال النخعي أيضاً: يصح الفيء بالقول والإشهاد فقط، ويسقط حكم الإيلاء. أرأيت إن لم ينتشر للوطء؟. وقال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: ويرجع في هذا القول إن لم يطأ إلى باب الضرر، وقرأ أبي بن كعب "فإن فاؤوا فيهن" وروي عنه "فإن فاؤوا فيها". وقوله تعالى: {وإن عزموا الطلاق} الآية، قال القائلون إن بمضي الأربعة أشهر يدخل الطلاق: عزيمة الطلاق هي ترك الفيء حتى تنصرم الأشهر، وقال القائلون لا بد من التوقيف بعد تمام الأشهر: العزيمة هي التطليق أو الإبانة وقت التوقيف حتى يطلق الحاكم، واستدل من قال بالتوقيف بقوله {سميع}، لأن هذا الإدراك إنما هو في المقولات، وقرأ ابن عباس "وإن عزموا السراح".

ابن عبد السلام

تفسير : {بِاللَّغْوِ} كل كلام مذموم، لغا فلان: قال قبيحاً، فلغو اليمين: ما سبق إليه اللسان من غير قصد، كلا والله، وبلى والله، مَّر الرسول صلى الله عليه وسلم بقوم يتناضلون فرمى رجل فقال: اصبت والله، أخطأت والله، فقال رجل مع الرسول صلى الله عليه وسلم حنث الرجل فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: " حديث : كلا إن أيمان الرماة [لغو] لا كفارة ولا عقوبة " تفسير : أو الحلف على شيء ظاناً ثم تبين بخلافه، أو الحلف في حال الغضب من غير عقد ولا عزم بل صلة في الكلام وعن الرسول صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا يمين في غضب "تفسير : ، أو الحلف على معصية فلا يؤاخذ بترك المعصية ويكفِّر، وعن الرسول صلى الله عليه وسلم "حديث : من حلف على معصية فلا يمين له "تفسير : أو دعاء الحالف على نفسه، كقوله: "إن لم أفعل فأعمى الله بصري، او أخرجني من مالي، أو أنا كافر بالله، قاله زيد بن أسلم" أو اللغو: الأيمان المكفَّرة، أو ما حنث فيه ناسياً {كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ} عمدتم، أو الحلف كاذباً، أو على باطل، أو اعتقاد الشرك بالله ـ تعالى ـ والكفر، عند زيد بن أسلم. {غَفُورٌ} للغو {حَلِيمٌ} بترك معاجلة العصاة.

الخازن

تفسير : قوله تعالى: {لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم} في قول الرجل: لا والله وبلى والله أخرجه الترمذي. موقوفاً ورفعه أبو داود قال: قالت عائشة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : هو قول الرجل في يمينه كلا والله وبلى والله" تفسير : ورواه عنها أيضاً موقوفاً، وقيل: في معنى اللغو هو أن يحلف الرجل على شيء يرى أنه صادق ثم يتبين له خلاف ذلك، وبه قال أبو حنيفة" ولا كفارة فيه ولا إثم عليه عنده، قال مالك في الموطأ: أحسن ما سمعت في ذلك أن اللغو حلف الإنسان على الشيء يتيقن أنه كذا ثم يوجد بخلافه فلا كفارة فيه. قال: والذي يحلف على الشيء وهو يعلم أنه فيه آثم كاذب ليرضى به أحداً ويعتذر المخلوق أو يقطع به مالاً، فهذا أعظم من أن تكون فيه كفارة وإنما الكفارة على من حلف أن لا يفعل الشيء المباح له فعله، ثم يفعله أو أن يفعله ثم لا يفعله مثل أن يحلف لا يبيع ثوبه بعشرة دراهم، ثم يبيعه بذلك أو يحلف ليضربن غلامه، ثم لا يضربه، وفائدة الخلاف الذي بين الشافعي وأبي حنيفة في لغو اليمين أن الشافعي لا يوجب الكفارة في قول الرجل، لا والله وبلى والله ويوجبها فيما إذا حلف على شيء يعتقد أنه كان ثم بان أنه لم يكن وأبو حنيفة يحكم بضد ذلك، ومذهب الشافعي هو قول: عائشة والشعبي وعكرمة ومذهب أبي حنيفة هو قول ابن عباس والحسن ومجاهد والنخعي والزهري وسليمان بن يسار وقتادة ومكحول. وقيل: في معنى اللغو إنه اليمين في الغضب وقيل: هو ما يقع سهواً من غير قصد البتة ومعنى لا يؤاخذكم أي لا يعاتبكم الله بلغو اليمين. وقيل: {لا يؤاخذكم} أي لا يلزمكم الكفارة بلغو اليمين {ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم} يعني لكن يؤاخذكم بما عزمتم عليه وقصدتم له، وكسب القلب هو العقد والنية. (فصل في بيان حكم الآية: وفيه مسائل) المسألة الأولى: لا تنعقد اليمين إلا بالله وبأسمائه وصفاته، فأما اليمين بالله فهو كقول الرجل: والذي نفسي بيده والذي أعبده، ونحو ذلك، والحلف بأسمائه كقوله والله والرحمن والرحيم والمهيمن ونحو ذلك والحلف بصفاته كقوله وعزة الله، وقدرته وعظمته ونحوه، فإذا حلف بشيء من ذلك ثم حنث فعليه الكفارة. المسألة الثانية: لا يجوز الحلف بغير الله كقوله: والكعبة والنبي وأبي ونحو ذلك، فإذا حلف بشيء من ذلك لا تنعقد يمينه ولا كفارة عليه، ويكره الحلف به لما روى عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أدرك عمر وهو يسير في ركب وهو يحلف بأبيه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم فمن كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت" تفسير : أخرجاه في الصحيحين. المسألة الثالثة: إذا حلف على أمر في المستقبل، فحنث فعليه الكفارة وإن كان على أمر ماض ولم يكن، أو على أنه لم يكن فكان فإن كان عالماً به حال حلفه بأن يقول: والله ما فعلت وقد فعل أو لقد فعلت وما فهل فهذه اليمين الغموس، وهي من الكبائر سميت غموساً لأنهما تغمس صاحبها في الإثم وتجب فيها الكفارة عند الشافعي سواء كان عالماً أو جاهلاً، وذهب أبو حنيفة إلى أنه لا كفارة عليه، فإن كان عالماً فهي كبيرة، وإن كان جاهلاً فهي من لغو اليمين {والله غفور} يعني لعباده فيما لغوا من أيمانهم التي أخبر أنه لا يؤاخذكم عليها، ولو شاء آخذهم وألزمهم للكفارة في العاجل والعقوبة عليها في الآجل {حليم} يعني في ترك معاجلة أهل العصيان بالعقوبة، قال الحليمي في معنى الحليم: إنه الذي لا يحبس إنعامه وأفضاله عن عباده لأجل ذنوبهم، ولكنه يرزق العاصي كما يرزق المطيع ويبقيه وهو منهمك في معاصيه كما يبقى البر المتقي وقد يقيه الآفات والبلايا، وهو غافل لا يذكره فضلاً عن أن يدعوه كما يقيها الناسك الذي يدعوه ويسأله، وقال أبو سليمان الخطابي: الحليم ذو الصفح والأناة الذي لا يستفزه غضب ولا يستخفه جهل جاهل ولا عصيان عاص ولا يستحق الصافح مع العجز اسم الحليم، إنما الحليم الصفوح مع القدرة على الانتقام المتأني الذي لا يعجل بالعقوبة.

ابن عرفة

تفسير : قوله تعالى: {لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱلَّلغْوِ فِيۤ أَيْمَانِكُمْ...}. حكى ابن عطية في اللغو (خمسة) أقوال: منها قول ابن عباس ومالك: اللغو حلف الإنسان على تيقنه فتبين له خلافه. ابن عطية: وهذا اليقين هنا غلبة الظن أطلقوا عليه لفظة اليقين. قال ابن عرفة: وهذا مخالف لكلام الفقهاء كلّهم وأين هو من قول ابن الحاجب. قلت: والظاهر أن الظن كذلك بعد أن قال: اللغو هو الحلف على ما يعتقده فتبين خلافه. وقيل: ما سبق إليه اللسان بغير عقد. وفي المدونة: والغموس الحلف على تعمد الكذب أو على غير (يقين) فيدخل فيه الظّن. قيل لابن عرفة: إن الشيخ القاضي أبا العباس أحمد بن حيدرة كان يقول الظاهر أن اللغو هو قول: الرّجل: لا والله وبلى والله، لقوله تعالى في سورة العقود {أية : وَلَـٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ ٱلأَيْمَانَ}تفسير : ففسر الكسب هنا بما عقد عليه اليمين وحلف الانسان على ما يعتقده ثم يتبين له خلافه هو مما كسبت القلوب لأنه انعقد عليه (اليمين) بخلاف قوله: لا والله وبلى والله. فانه شيء جرى على اللسان من غير مواطأة القلب عليه فقال ابن عرفة: يمكن تأويل الآية على القول الآخر فإن الماضي لا يتعلق به كسب لعجز الفكر عن تلافيه والمستقبل منتظر الوقوع فيتعلق به الكسب أعني بانتظاره والتماسه وإدراكه هل هو كذلك أم لا؟ بخلاف الماضي. قوله تعالى: {وَٱللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ}. يحتمل أن يرجع "غفور" للغو اليمين و "حليم" لعدم المعاجلة بالعقوبة في اليمين الغموس.

البقاعي

تفسير : ولما تقدم إليهم سبحانه وتعالى في هذا وكانت ألسنتهم قد مرنت على الأيمان من غير قصد بحيث صاروا لا يقدرون على ترك ذلك إلا برياضة كبيرة ومعالجة طويلة وكان مما رحم الله به هذه الأمة العفو عما أخطأت به ولم تتعمده قال في جواب من كأنه سأل عن ذلك: {لا يؤاخذكم} أي لا يعاقبكم، وحقيقته يعاملكم معاملة من يناظر شخصاً في أن كلاًّ منهما يريد أخذ الآخر بذنب أسلفه إليه {الله} فكرر في الإطلاق والعفو الاسم الأعظم الذي ذكره في التقييد والمنع إيذاناً بأن عظمته لا تمنع من المغفرة {باللغو} وهو ما تسبق إليه الألسنة من القول على غير عزم قصد إليه - قاله الحرالي. {في أيمانكم} فإن ذلك لا يدل على الامتهان بل ربما دل على المحبة والتعظيم. ولما بين ما أطلقه بين ما منعه فقال: {ولكن يؤاخذكم} والعبارة صالحة للإثم والكفارة. ولما كان الحامل على اليمين في الأغلب المنافع الدنيوية التي هي الرزق وكان الكسب يطلق على طلب الرزق وعلى القصد والإصابة عبر به فقال: {بما كسبت} أي تعمدت {قلوبكم} فاجتمع فيه مع اللفظ النية. قال الحرالي: فيكون ذلك عزماً باطناً وقولاً ظاهراً فيؤاخذ باجتماعهما، ففي جملته ترفيع لمن لا يحلف بالله في عزم ولا لغو، وذلك هو الذي حفظ حرمة الحلف بالله، وفي مقابلته من يحلف على الخير أن لا يفعله - انتهى. ولم يبين هنا الكفارة صريحاً إشارة إلى أنهم ينبغي أن يكونوا أتقى من أن يمنعوا من شيء فيقارفوه، وأشار إليها في الإيلاء كما يأتي. ولما كان ذكر المؤاخذة قطعاً لقلوب الخائفين سكنها بقوله مظهراً موضع الإضمار إشارة إلى أن رحمته سبقت غضبه: {والله} أي مع ما له من العظمة {غفور} أي ستور لذنوب عباده إذا تابوا. ولما كان السياق للمؤاخذة التي هي معالجة كل من المتناظرين لصاحبه بالأخذ كان الحلم أنسب الأشياء لذلك فقال {حليم} لا يعاجلهم بالأخذ، والحلم احتمال الأعلى للأذى من الأدنى، وهو أيضاً رفع المؤاخذة عن مستحقها بجناية في حق مستعظم - قاله الحرالي. ولما كان الإيلاء حلفاً مقيداً وبين حكم مطلق اليمين قبله لتقدم المطلق على المقيد بانفكاكه عنه بينه دليلاً على حلمه حيث لم يؤاخذهم به فقد كانوا يضارون به النساء في الجاهلية بأن يحلفوا على عدم الوطء أبداً فتكون المرأة لا أيماً ولا ذات بعل وجعل لهم فيه مرجعاً يرجعون إليه فقال في جواب من كأنه سأل عنه لما أشعر به ما تقدم: {للذين يؤلون} أي يحلفون حلفاً مبتدئاً {من نسائهم} في صلب النكاح أو علقة الرجعة بما أفادته الإضافة بأن لا يجامعوهن أبداً أو فوق أربعة أشهر فالتعدية بمن تدل على أخذ في البعد عنهن. قال الحرالي: والإيلاء تأكيد الحلف وتشديده سواء كانوا أحراراً أو عبيداً أو بعضاً وبعضاً في حال الرضى أو الغضب محبوباً كان أو لا لأن المضارة حاصلة بيمينه {تربص} أي إمهال وتمكث يتحمل فيه الصبر الذي هو مقلوب لفظه - انتهى. {أربعة أشهر} ينتظر فيها رجوعهم إليهن حلماً من الله سبحانه وتعالى حيث لم يجعل الأمر بتاحين الحلف بفراق أو وفاق. قال الحرالي: ولما كان لتخلص المرأة من الزوج أجل عدة كان أجلها مع أمد هذا التربص كأنه - والله سبحانه وتعالى أعلم - هو القدر الذي تصبر المرأة عن زوجها، يذكر أن عمر رضي الله تعالى عنه سأل النساء عن قدر ما تصبر المرأة عن الزوج، فأخبرنه أنها تصبر ستة أشهر، فجعل ذلك أمد البعوث فكان التربص والعدة قدر ما تصبره المرأة عن زوجها، وقطع سبحانه وتعالى بذلك ضرار الجاهلية في الإيلاء إلى غير حد - انتهى وفيه تصرف. ولما كان حالهم بعد ذلك مردداً بين تعالى قسميه فقال مفصلاً له {فإن فاؤوا} أي رجعوا في الأشهر، وأعقبها عن المفاصلة إلى المواصلة، من الفيء وهو الرجوع إلى ما كان منه الانبعاث {فإن الله} يغفر لهم ما قارفوه في ذلك من إثم ويرحمهم بإنجاح مقاصدهم لأنه {غفور رحيم} له هاتان الصفتان ينظر بهما إلى من يستحقهما فيغفر ما في ذلك من جناية منهما أو من أحدهما إن شاء ويعامل بعد ذلك بالإكرام. قال الحرالي: وفي مورد هذا الخطاب بإسناده للأزواج ما يظافر معنى إجراء أمور النكاح على سترة وإعراض عن حكم الحكام من حيث جعل التربص له والفيء منه، فكأن الحكم من الحاكم إنما يقع على من هتك حرمة ستر أحكام الأزواج التي يجب أن تجري بين الزوجين من وراء ستر كما هو سر النكاح الذي هو سبب جمعهما ليكون حكم السر سراً وحكم الجهر جهراً - انتهى. ولما كان الحال في مدة الإيلاء شبيهاً بحال الطلاق وليس به قال مبيناً أن الطلاق لا يقع بمجرد مضي الأربعة الأشهر بل إما أن يفيء أو يطلق فإن أبى طلق عليه الحاكم: {وإن عزموا الطلاق} فأوقع عليه العزم من غير حرف جر بمعنى أنهم تركوا ما كانوا فيه من الذبذبة وجعلوا الطلاق عزيمة واقعاً من غير مجمجة ولا ستر، والعزم الإجماع على إنفاذ الفعل، والطلاق هو في المعنى بمنزلة إطلاق الشيء من اليد الذي يمكن أخذه بعد إطلاقه - قاله الحرالي. ولما كان المطلق ربما ندم فحمله العشق على إنكار الطلاق رهبه بقوله: {فإن الله} أي الملك الذي له الجلال والإكرام {سميع} أي لعبارتهم عنه. قال الحرالي: في إشارته إعلام بأن الطلاق لا بد له من ظاهر لفظ يقع مسموعاً - انتهى. {عليم} أي به وبنيتهم فيه. قال الحرالي: وفيه تهديد بما يقع في الأنفس والبواطن من المضارة والمضاجرة بين الأزواج في أمور لا تأخذها الأحكام ولا يمكن أن يصل إلى علمها الحكام فجعلهم أمناء على أنفسهم فيما بطن وظهر، ولذلك رأى العلماء أن الطلاق أمانة في أيدي الرجال كما أن العدد والاستبراء أمانة في أيدي النساء، فلذلك انتظمت آية تربص المرأة في عدتها بآية تربص الزوج في إيلائه - انتهى. وبقي من أحكام الإيلاء قسم ثالث ترك التصريح به إشارة إلى أنهم ينبغي أن يكونوا في غاية النزاهة عنه وهو الإصرار على الإضرار، وأشار بصفتي المغفرة والرحمة لفاعل ضده إلى أن مرتكبه يعامل بضدهما مما حكمه معروف في الفقه والله الموفق. ولما ختم آيتي الإيلاء بالطلاق بين عدته فقال: - وقال الحرالي: لما ذكر تربص الزوج - سبحانه وتعالى في أمر الطلاق الذي هو أمانته ذكر تربص المرأة في أمر العدة التي هي أمانتها؛ انتهى - فقال: {والمطلقات} أي المدخول بهن بما أفهمه الإيلاء من أن الكلام فيهن غير الحوامل لأن عدتهن بالولادة وغير ذوات الأشهر لصغر أن كبر. ولما أريد التأكيد لأمرهن بالعدة سبق بعد تأكيده ببنائه على المبتدأ في صيغة الخبر الذي من شأنه أن يكون قد وجد وانقضى إيماء إلى المسارعة إلى امتثاله فقيل: {يتربصن} أي ينتظرن اعتداداً. ولما كانت النفس داعية إلى الشهوات لا سيما أنفس النساء إلى الرجال وكان التربص عاماً في النفس بالعقد لزوج آخر وفي التعرض له باكتحال وتزين وتعريض بكلام مع البينونة وبغير ذلك خص الأول معبراً لها بالنفس هزاً إلى الاحتياط في كمال التربص والاستحياء مما يوهم الاستعجال فقال: {بأنفسهن} فلا يطمعنها في مواصلة رجل قبل انقضاء العدة. ولما كان القرء مشتركاً بين الطهر والحيض وكان الأقراء مشتركاً بين جمع كل منهما وكان الطهر مختصاً عند جمع من أهل اللغة بأن يجمع على قروء كان مذكراً يؤنث عدده وكانت الحيضة مؤنثة يذكر عددها دل على أن المراد الإظهار بما يخصه من الجمع وبتأنيث عدده فقال ذاكراً ظرف التربص: {ثلاثة قروء} أي جموع من الدم وسيأتي في أول سورة الحجر أن هذه المادة بأي ترتيب كان تدور على الجمع وأن المراد بالقروء الأطهار لأنها زمن جمع الدم حقيقة، وأما زمن الحيض فإنما يسمى بذلك لأنه سبب تحقق الجمع، والمشهور من كلام أهل اللغة أن جمع القرء بمعنى الطهر أقراء وقروء، وأن جمعه إذا أطلق على الحيض أقراء فقط؛ وذلك لأن المادة لما كانت للجمع كانت أيام الطهر هي المتحققة بذلك وكان جمع الكثرة أعرف في الجمع كان بالطهر أولى. وقال الحرالي: قروء جمع قرء وهو الحد الفاصل بين الطهر والحيض الذي يقبل الإضافة إلى كل واحد منهما، ولذلك ما تعارضت في تفسير لغته تفاسير اللغويين واختلف في معناه أقوال العلماء لخفاء معناه بما هو حد بين الحالين كالحد الفاصل بين الظل والشمس فالقروء الحدود، وذلك حين تطلق المرأة لقبل عدتها في طهر لم تمس فيه ليطلقها على ظهور براءة من علقتهما لئلا يطلق ما لم تنطلق عنه، فإذا انتهى الطهر وابتدأ الحيض كان ما بينهما قرءاً لأن القرء استكمال جمع الحيض حين يتعفن فما لم ينته إلى الخروج لم يتم قرءاً، فإذا طهرت الطهر الثاني وانتهى إلى الحيض كانا قرءين، فإذا طهرت الطهر الثالث وانتهى إلى الحيض شاهد كمال القرء كان ثلاثة أقراء، فلذلك يعرب معناه عن حل المرأة عند رؤيتها الدم من الحيضة الثالثة لتمام عدة الأقراء الثلاثة، فيوافق معنى من يفسر القرء بالطهر ويكون أقرب من تفسيره بالحيض فأمد الطهر ظاهراً هو أمد الاستقراء للدم باطناً فيبعد تفسيره بالحيض عما هو تحقيقه من معنى الحد بعداً ما - انتهى. ولما كان النكاح أشهى ما إلى الحيوان وكان حبك للشيء يعمي ويصم وكان النساء أرغب في ذلك مع ما بهن من النقص في العقل والدين فكان ذلك ربما حملهن على كتم ولد لإرادة زوج آخر تقصيراً للعدة وإلحاقاً للولد به، أو حيض لرغبة في رجعة المطلق قال سبحانه وتعالى: {ولا يحل لهن} أي المطلقات {أن يكتمن ما خلق الله} أي الذي له الأمر كله من ولد أو دم {في أرحامهن} جمع رحم. قال الحرالي: وهو ما يشتمل على الولد من أعضاء التناسل يكون فيه تخلقه من كونه نطفة إلى كونه خلقا آخر - انتهى. وليس فيه دليل على أن الحمل يعلم، إنما تعلم أماراته. ولما كان معنى هذا الإخبار النهي ليكون نافياً للحل بلفظه مثبتاً للحرمة بمعناه تأكيداً له فكان التقدير: ولا يكتمن، قال مرغباً في الامتثال مرهباً من ضده: {إن كنّ يؤمن بالله} أي الذي له جميع العظمة {واليوم الآخر} الذي تظهر فيه عظمته أتم ظهور ويدين فيه العباد بما فعلوا، أي فإن كتمن شيئاً من ذلك دل على عدم الإيمان. وقال الحرالي: ففي إشعاره إثبات نوع نفاق على الكاتمة ما في رحمها؛ انتهى - وفيه تصرف. ولما كان الرجعي أخف الطلاق بين الرجعة تنبيهاً على أنه إن كان ولا بد من الطلاق فليكن رجعياً فقال تعالى: {وبعولتهن} أي أزواجهن، جمع بعل. قال الحرالي: وهو الرجل المتهيىء لنكاح الأنثى المتأتي له ذلك، يقال على الزوج والسيد - انتهى. ولما كان للمطلقة حق في نفسها قال: {أحق بردهن} أي إلى ما كان لهم عليهن من العصمة لإبطال التربص فله حرمة الاستمتاع من المطلقات بإرادة السراح {في ذلك} أي في أيام الأقراء فإذا انقضت صارت أحق بنفسها منه بها لانقضاء حقه والكلام في الرجعية بدليل الآية التي بعدها. ولما أثبت الحق لهم وكان منهم من يقصد الضرر قيده بقوله: {إن أرادوا} أي بالرجعة {إصلاحاً} وهذا تنبيه على أنه إن لم يرد الإصلاح وأرادت هي السراح كان في باطن الأمر زانياً. قال الحرالي: الإصلاح لخلل ما بينهما أحق في علم الله وحكمته من افتتاح وصلة ثانية لأن تذكر الماضي يخل بالحاضر، مما حذر النبي صلى الله عليه وسلم نكاح اللفوت وهي التي لها ولد من زوج سابق، فلذلك كان الأحق إصلاح الأول دون استفتاح وصلة لثان - انتهى. ولما اخرج أمر الرجعة عنهن جبرهن بقوله: {ولهن} أي من الحقوق {مثل الذي عليهن} أي في كونه حسنة في نفسه على ما يليق بملك منهما لا في النوع، فكما للرجال الرجعة قهراً فلهن العشرة بالجميل، وكما لهم حبسهن فلهن ما يزيل الوحشة بمن يؤنس ونحو ذلك. ولما كان كل منهما قد يجور على صاحبه قال: {بالمعروف} أي من حال كل منهما. قال الحرالي: والمعروف ما أقره الشرع وقبله العقل ووافقه كرم الطبع - انتهى. ولما ذكر الرجعة له بصيغة الأحق وبين الحق من الجانبين بين فضل الرجال بقوله: {وللرجال} أعم من أن يكونوا بعولة {عليهن} أي أزواجهم {درجة} أي فضل من جهات لا يخفى كالإنفاق والمهر لأن الدرجة المرقى إلى العلو. وقال الحرالي: لما أوثروا به من رصانة العقل وتمام الدين - انتهى. فالرجل يزيد على المرأة بدرجة من ثلاث لأن كل امرأتين بمنزلة رجل. ولما أعز سبحانه وتعالى الرجل وصف نفسه بالعزة مبتدئاً بالاسم الأعظم الدال على كل كمال فقال عطفاً على ما تقديره: لأن الله أعزهم عليهن بحكمته: {والله} أي الذي له كمال العظمة {عزيز} إشارة إلى أنه أعز بل لا عزيز إلا هو ليخشى كل من أعاره ثوب عزة سطوته؛ وقال: {حكيم} تنبيهاً على أنه ما فعل ذلك إلا لحكمة بالغة تسلية للنساء وإن ما أوجده بعزته وأتقنه بحكمته لا يمكن نقضه. ولما ذكر الرجعة ولم يبين لها غاية تنتهي بها فكانت الآية كالمجمل عرض سؤال: هل هي ممتدة كما كانوا يفعلون في الجاهلية متى راجعها في العدة له أن يطلقها ما دام يفعل ذلك ولو ألف مرة أو منقطعة؟ فقال: {الطلاق} أي المحدث عنه وهو الذي تملك فيه الرجعة. قال الحرالي: لما كان الطلاق لما يتهيأ رده قصره الحق تعالى على المرتين اللتين يمكن فيهما تلافي النكاح بالرجعة - انتهى. وقال تعالى: {مرتان} دون طلقتان تنبيهاً - على أنه ينبغي أن تكون مرة بعد مرة كل طلقة في مرة لا أن يجمعهما في مرة. ولما كان له بعد الثانية في العدة حالان إعمال وإهمال وكان الإعمال إما بالرجعة وإما بالطلاق بدأ بالإعمال لأنه الأولى بالبيان لأنه أقرب إلى أن يؤذي به وأخر الإهمال إلى أن تنقضي العدة لأنه مع فهمه من آية الأقراء سيصرح به في قوله في الآية الآتية {أية : أو سرحوهن بمعروف} تفسير : [البقرة: 231] فقال معقباً بالفاء {فإمساك} أي إن راجعها في عدة الثانية. قال الحرالي: هو من المسك وهو إحاطة تحبس الشيء، ومنه المسك - بالفتح - للجلد {بمعروف} قال الحرالي فصرفهم بذلك عن ضرار الجاهلية الذي كانوا عليه بتكرير الطلاق إلى غير حد فجعل له حداً يقطع قصد الضرار - انتهى {أو تسريح} أي إن طلقها الثالثة، ولا يملك بعد هذا التسريح عليها الرجعة لما كان عليه حال أهل الجاهلية. قال الحرالي: سمى الثالثة تسريحاً لأنه إرسال لغير معنى الأخذ كتسريح الشيء الذي لا يراد إرجاعه. وقال أيضاً: هو إطلاق الشيء على وجه لا يتهيأ للعود، فمن أرسل البازي مثلاً ليسترده فهو مطلق، ومن أرسله لا ليسترجعه فهو مسرح انتهى. ويجوز أن يراد بالتسريح عدم المراجعة من الثانية لا أنه طلقة ثالثة، ولما كان مقصود النكاح حسن الصحبة وكانت من الرجل الإمتاع بالنفس والمال وكان الطلاق منعاً للإمتاع بالنفس قال: {بإحسان} تعريضاً بالجبر بالملل لئلا يجتمع منعان: منع النفس وذات اليد - أفاده الحرالي وقال: ففيه بوجه ما تعريض بما صرحت به آية المتعة الآتية - انتهى. ومن ذلك بذل الصداق كاملاً وأن لا يشاححها في شيء لها فيه حق مع طيب المقال وكرم الفعال. ولما كان سبحانه وتعالى قد خيره بين شيئين: الرجعة والتسريح الموصوفين وكانت الرجعة أقرب إلى الخير بدأ بها ولكنها لما كانت قد تكون لأجل الافتداء بما أعطيته المرأة وكان أخذه أو شيئاً منه مشاركاً للسراح في أنه يقطع عليه ما كان له من ملك الرجعة ولا يملك بعد هذا التسريح عليها الرجعة كما كان عليه حال أهل الجاهلية وكان الافتداء قد يكون في الأولى لم يفرعها بالقابل قال مشيراً إلى أن من إحسان التسريح سماح الزوج بما أعطاها عاطفاً على ما تقديره: فلا يحل لكم مضارتهن: {ولا يحل لكم} أي أيها المطلقون أو المتوسطون من الحكام وغيرهم لأنهم لما كانوا آمرين عدوا آخذين {أن تأخذوا} إحساناً في السراح {مما آتيتموهن} من صداق وغيره {شيئاً} أي بدون مخالفة. قال الحرالي: لأن إيتاء الرجل للمرأة إيتاء نحلة لإظهار مزية الدرجة لا في مقابلة الانتفاع فلذلك أمضاه ولم يرجع منه شيئاً ولذلك لزم في النكاح الصداق لتظهر مزية الرجل بذات اليد كما ظهرت في ذات النفس - انتهى. ولما كان إسناد الخوف إلى ضمير الجمع ربما ألبس قال: {إلا أن يخافا} نصاً على المراد بالإسناد إلى الزوجين، وعبر عن الظن بالخوف تحذيراً من عذاب الله، وعبر في هذا الاستثناء إن قلنا إنه منقطع بأداة المتصل تنفيراً من الأخذ ومعنى البناء للمفعول في قراءة حمزة وأبي جعفر ويعقوب إلا أن يحصل لهما أمر من حظ أو شهوة يضطرهما إلى الخوف من التقصير في الحدود، ولا مفهوم للتقييد بالخوف لأنه لا يتصور من عاقل أن يفتدي بمال من غير أمر محوج ومتى حصل المحوج كان الخوف ومتى خاف أحدهما خافا لأنه متى خالفه الآخر حصل التشاجر المثير للحظوظ المقتضية للإقدام على ما لا يسوغ والله سبحانه وتعالى أعلم {ألا يقيما} أي في الاجتماع {حدود الله} العظيم فيفعل كل منهما ما وجب عليه من الحق. قال الحرالي: وفي إشعاره أن الفداء في حكم الكتاب مما أخذت الزوجة من زوجها لا من غير ذلك من مالها، والحدود جمع حد وهو النهاية في المتصرف المانع من الزيادة عليه - انتهى. ثم زاد الأمر بياناً لأنه في مقام التحديد فقال مسنداً إلى ضمير الجمع حثاً على التحقق ليحل الفداء حلاً نافياً لجميع الحرج: {فإن خفتم} أي أيها المتوسطون بينهما من الحكام وغيرهم من الأئمة بما ترون منهما وما يخبرانكم به عن أنفسهما {ألا يقيما حدود الله} وتكرير الاسم الأعظم يدل على رفعة زائدة لهذا المقام، وتعظيم كبير لهذه لأحكام، وحث عظيم على التقيد في هذه الرسوم بالمراعاة والالتزام، وذلك لأن كل إنسان مجبول على تقديم نفسه على غيره، والشرع كله مبني على العدل الذي هو الإنصاف ومحبة المرء لغيره ما يحب لنفسه {فلا جناح} أي ميل بإثم {عليهما} وسوغ ذلك أن الظن شبهة فإنك لا تخاف ما لا تظنه {فيما افتدت به} أي لا على الزوج بالأخذ ولا عليها بالإعطاء سواء كان ذلك مما آتاها أو من غيره أكثر منه أو لا لأن الخلع عقد معاوضة فكما جاز لها أن تمتنع من أول العقد حتى ترضى ولو بأكثر من مهر المثل فكذا في الخلع يجوز له أن لا يرضى إلا بما في نفسه كائناً ما كان ويكون ذلك عما كان يملكه عليها من الرجعة، فإذا أخذه بانت المرأة فصارت أحق بنفسها فلا سبيل عليها إلا بإذنها. ولما كانت أحكام النساء تارة بالمرافقة وتارة بالمفارقة وكانت مبنية على الشهوات تارة على البهيمية وتارة على السبعية وكان سبحانه وتعالى قد حد فيها حدوداً تكون بها المصالح وتزول المفاسد منع سبحانه وتعالى من تعدى تلك الحدود أي الأحكام التي بينها في ذلك ولم يذكر قربانها كما مضى في آية الصوم فقال: {تلك} أي الأحكام العظيمة التي تولى الله بيانها من أحكام الطلاق والرجعة والخلع وغيرها {حدود الله} أي شرائع الملك الأعظم الذي له جميع العزة من الأوامر والنواهي التي بينها فصارت كالحدود المعروفة في الأراضي. ولما كانت شرائع الله ملائمة للفطرة الأولى السليمة عن نوازع النقائص وجواذب الرذائل أشار إلى ذلك سبحانه بصيغة الافتعال في قوله: {فلا تعتدوها} أي لا تتكلفوا مجاوزتها، وفيه أيضاً إشارة إلى العفو عن المجاوزة من غير تعمد. ولما أكد الأمر تارة بالبيان وتارة بالنهي زاد في التأكيد بالتهديد فقال عاطفاً على ما تقديره: فمن تعدى شيئاً منها فقد ظلم: {ومن يتعد} أي يتجاوز {حدود الله} أي المحيط بصفات الكمال التي بينها وأكد أمرها وزاد تعظيمها بتكرير اسمه الأعظم. قال الحرالي: ففيه ترجية فيما يقع من تعدي الحدود من دون ذلك من حدود أهل العلم ووجوه السنن وفي إعلامه إيذان بأن وقوع الحساب يوم الجزاء على حدود القرآن التي لا مندوحة لأحد بوجه من وجوه السعة في مخالفتها ولذلك تتحقق التقوى والولاية مع الأخذ بمختلفات السنن ومختلفات أقوال العلماء - انتهى. وإليه يرشد الحصر في قوله: {فأولئك} أي المستحقون للابعاد {هم الظالمون} أي العريقون في الظلم بوضع الأشياء في غير مواضعها فكأنهم يمشون في الظلام. قال الحرالي: وفي إشعاره تصنيف الحدود ثلاثة أصناف: حد الله سبحانه وتعالى، وحد النبي صلى الله عليه وسلم، وحد العالم؛ قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما جاء من الله فهو الحق، وما جاء مني فهو السنة، وما جاء من أصحابي فهو السعة"تفسير : فأبرأ العباد من الظلم من حافظ على أن لا يخرج عن حدود العلماء ليكون أبعد أن يخرج من حدود السنة ليكون أبعد أن يخرج من حدود الكتاب، فالظالم المنتهي ظلمه الخارج عن الحدود الثلاثة: حد العالم، وحد السنة، وحد الله - انتهى. ولما بين قسمي الطلاق البائن - وكان نظر الطلاق إلى العدد أشد من نظره إلى العوض قدم قسمه في قوله {أو تسريح بإحسان} ثم فرع عليه فقال موحداً لئلا يفهم الحكم على الجمع أن الجمع قيد في الحكم وأفهم التكرير للجمع شدة الذم لما كانوا يفعلون في الجاهلية من غير هذه الأحكام:

السيوطي

تفسير : أخرج مالك في الموطأ ووكيع والشافعي في الأم وعبد الرزاق والبخاري ومسلم وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في سننه من طرق عن عائشة قالت‏:‏ أنزلت هذه الآية ‏{‏لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم‏}‏ في قول الرجل‏:‏ لا والله، وبلى والله، وكلا والله، زاد ابن جرير‏:‏ يصل بها كلامه‏. وأخرج أبو داود وابن جرير وابن حبان وابن مردويه والبيهقي من طريق عطاء بن أبي رباح‏ ‏"حديث : ‏أنه سئل عن اللغو في اليمين فقال‏:‏ قالت عائشة‏:‏ إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏: هو كلام الرجل في يمينه، كلا والله، وبلى والله‏‏ "‏‏. تفسير : وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن عائشة ‏{‏لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم‏} ‏ قالت‏:‏ هو القوم يتدارؤون في الأمر، يقول هذا‏:‏ لا والله، ويقول هذا‏:‏ كلا والله، يتدارؤون في الأمر لا تعقد عليه قلوبهم‏. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن عائشة قالت‏:‏ إنما اللغو في المزاحة والهزل، وهو قول الرجل‏:‏ لا والله، وبلى والله، فذاك لا كفارة فيه، إن الكفارة فيما عقد عليه قلبه أن يفعله ثم لا يفعله‏. وأخرج ابن جرير عن الحسن قال ‏"حديث : ‏مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوم ينتضلون، ومع النبي صلى الله عليه وسلم رجل من أصحابه، فرمى رجل من القوم فقال‏:‏ أصبت والله، أخطأت والله، فقال الذي مع النبي صلى الله عليه وسلم‏: حنث الرجل يا رسول الله‏.‏ فقال‏:‏ كلا، أيمان الرماة لغو لا كفارة فيها ولا عقوبة‏ "‏‏. تفسير : وأخرج أبو الشيخ من طريق عطاء عن عائشة وابن عباس وابن عمرو‏.‏ أنهم كانوا يقولون‏:‏ اللغو لا والله، وبلى والله‏. وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر والبيهقي من طريق عكرمة عن ابن عباس قال‏:‏ لغو اليمين لا والله، وبلى والله‏. وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي من طريق طاوس عن ابن عباس قال‏:‏ لغو اليمين أن تحلف وأنت غضبان‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم والبيهقي عن عائشة‏.‏ أنها كانت تتأول هذه الآية ‏ {‏لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم‏}‏ وتقول‏:‏ هو الشيء يحلف عليه أحدكم لا يريد منه إلا الصدق فيكون على غير ما حلف عليه‏. وأخرج ابن جرير عن أبي هريرة قال‏:‏ لغو اليمين حلف الإِنسان على الشيء يظن أنه الذي حلف عليه فإذا هو غير ذلك‏.‏ وأخرج ابن جرير من طريق عطية العوفي عن ابن عباس قال‏:‏ اللغو أن يحلف الرجل على الشيء يراه حقاً وليس بحق‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن المنذر من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله ‏{‏لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم‏}‏ قال‏:‏ هذا في الرجل يحلف على أمر اضرار أن يفعله أو لا يفعله فيرى الذي هو خير منه، فأمر الله أن يكفر يمينه ويأتي الذي هو خير‏.‏ قال‏:‏ ومن اللغو أيضاً أن يحلف الرجل على أمر لا يرى فيه الصدق وقد أخطأ في ظنه، فهذا الذي عليه الكفارة ولا إثم فيه‏. وأخرج ابن أبي حاتم من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس ‏ {‏لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم‏} ‏ قال‏:‏ لغو اليمين أن تحرم ما أحل الله لك، فذلك ما ليس عليك فيه كفارة ‏{‏ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم‏} ‏ قال‏:‏ ما تعمدت قلوبكم فيه المأثم، فهذا عليك فيه الكفارة‏. وأخرج وكيع وعبد الرزاق وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله ‏{‏لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم‏} ‏ قال‏:‏ هو الرجل يحلف على المعصية يعني أن لا يصلي ولا يصنع الخير‏. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن إبراهيم النخعي ‏ {‏لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم‏}‏ قال‏ هو الرجل يحلف على الشيء ثم ينسى، فلا يؤاخذه الله به ولكن يكفّر‏. وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ من طريق قتادة عن سليمان بن يسار ‏{‏لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم‏}‏ قال‏:‏ الخطأ غير العمد‏. وأخرج عبد بن حميد عن أبي قلابة في قول الرجل‏:‏ لا والله، وبلى والله‏.‏ قال‏:‏ إنها لمن لغة العرب، ليست بيمين‏. وأخرج عبد بن حميد عن إبراهيم ‏ {‏لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم‏}‏ قال‏:‏ هو الرجل يحلف على الشيء يرى أنه صادق وهو كاذب، فذاك اللغو لا يؤاخذكم به {‏ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم‏}‏ قال‏:‏ يحلف على الشيء وهو يعلم أنه كاذب، فذاك الذي لا يؤاخذ به‏. وأخرج ابن المنذر عن الضحاك قال‏:‏ كان قوم حلفوا على تحريم الحلال فقالوا‏:‏ أما إذ حلفنا وحرمنا على أنفسنا فإنه ينبغي لنا أن نبر‏.‏ فقال الله ‏{أية : ‏أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس‏}تفسير : ‏[البقر: 224‏] ولم يجعل لها كفارة، فأنزل الله {أية : ‏يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك‏}تفسير : [التحريم: 1‏] الى قوله تعالى {أية : قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم}تفسير : ‏[التحريم: 2‏] فأمر النبي عليه السلام بالكفارة لتحريم ما حرم على نفسه الجارية التي كان حرمها على نفسه، أمره أن يكفر يمينه ويعاود جاريته، ثم أنزل الله ‏{‏لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم‏}‏‏ . وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله ‏ {‏والله غفور‏} ‏ يعني إذا جاوز اليمين التي حلف عليها ‏ {‏حليم‏} ‏ إذ لم يجعل فيها الكفارة، ثم نزلت الكفارة‏.

ابو السعود

تفسير : {لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱلَّلغْوِ فِى أَيْمَـٰنِكُمْ} اللغوُ ما سقط من الكلام عن درجة الاعتبارِ والمرادُ به في الأيمان ما لا عقدَ معه ولا قصْدَ كما ينبىء عنه قوله تعالى: {أية : وَلَـٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ ٱلأيْمَـٰنَ } تفسير : [المائدة، الآية 89] وهو المعنيُّ بقوله عز وجل: {وَلَـٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ} وقد اختُلف فيه فعندنا هو أن يحلِف على شيءٍ يظنُّه على ما حلف عليه ثم يظهرُ خلافُه فإنه لا قصْدَ فيه إلى الكذبَ وعند الشافعي رحمه الله هو قولُ العرب لا والله وبلى والله مما يؤكِّدون به كلامَهم من غير إخطار الحلِف بالبال فالمعنى على الأول لا يؤاخذُكم الله أي لا يعاقبُكم بلغو اليمين الذي يحلِفه أحدُكم ظاناً أنه صادقٌ فيه ولكن يعاقبُكم بما اقترفتْه قلوبُكم من إثم القصْد إلى الكذب في اليمين وذلك في الغَموس، وعلى الثاني لا يلزمُكم الكفارةُ بما لا قصدَ معه إلى اليمين ولكن يلزمُكُموها بما نوَتْ قلوبُكم وقصَدَتْ به اليمينَ ولم يكن كسبَ اللسان فقط {وَٱللَّهُ غَفُورٌ} حيث لم يؤاخذْكم باللغو مع كونه ناشئاً من عدم التثبّت وقلةِ المبالاة {حَلِيمٌ} حيث لم يعجَلْ بالمؤاخذة، والجملةُ اعتراض مقرِّرٌ لمضمون قوله تعالى: لا يؤاخذكم الخ وفيه إيذانٌ بأن المرادَ بالمؤاخذة المعاقبة لا إيجابُ الكفارة إذ هي التي يتعلق بها المغفرةُ والحِلْمُ دونه. {لّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نّسَائِهِمْ} الإيلاءُ الحلِفُ وحقُّه أن يستعمل بعلى واستعمالُه بمن لتضمينه معنى البُعد أي للذين يحلِفون متباعدين من نسائهم ويُحتمل أن يراد لهم من نسائهم {تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ} كقولك: لي منك كذا وقرىء آلَوْا من نسائهم وقرىء يُقسمون من نسائهم والإيلاءُ من المرأة أن يقول: والله لا أقرَبُك أربعةَ أشهرٍ فصاعداً على التقيـيد بالأشهر، أو لا أقربك على الإطلاق، ولا يكون فيما دون ذلك وحكمه أنه إن فاء إليها في المدة بالوطء إن أمكن أو بالقول إن عجِز عنه صح الفيءُ وحنِث القادرُ ولزِمَتْه كفارةُ اليمين، ولا كفارةَ على العاجز، وإن مضت الأشهرُ الأربعةُ بانت بتطليقه والتربُّص الانتظارُ والتوقف أضيف إلى الظرف اتساعاً أي لهم أن ينتظروا في هذه المدة من غير مطالبة بفيء أو طلاق {فَإِن فَآءوا} أي رَجَعوا عن اليمين بالحِنْث، والفاء للتفصيل كما إذا قلت أنا نزيلُكم هذا الشهرَ فإن حمِدتُكم أقمتُ عندكم إلى آخره وإلا لم ألبَثْ إلا ريثما أتحوّل {فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} يغفرُ للمُولي بفيئته التي هي كتَوْبته إثرَ حنثه عند تكفيره أو ما قصَد بالإيلاء من ضرار المرأة. {وَإِنْ عَزَمُواْ ٱلطَّلَـٰقَ} وأجمعوا عليه {فَإِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ} بما جرى منهم من الطلاق وما يتعلق به من الدمدمة والمقاولةِ التي لا تخلو عنها الحالُ عادة {عَلِيمٌ} بنياتهم وفيه من الوعيد على الإصرار وترك الفَيئة ما لا يخفى.

القشيري

تفسير : ما جرى به اللسان على مقتضى السهو فليس له كثير خطرٍ في الخير والشر، ولكن ما انطوت عليه الضمائر، واحتوت عليه السرائر، من قصود صحيحة، وعزائم قوية فذلك الذي يؤخذ به إن كان خيراً فجزاءٌ جميل، وإن كان شراً فعناءٌ طويل.

اسماعيل حقي

تفسير : {لا يؤاخذكم الله باللغو} اللغو ما سقط من الكلام عن درجة الاعتبار يقال لغا لغوا اذا قال باطلا {فى ايمانكم} جمع يمين وهو الحلف وسميت بها لمعنيين. احدهما انها من اليمين التى هى اليد اليمنى وكانوا اذا تحالفوا فى العهود تصافحوا بالايمان فسميت بذلك. والثانى ان اليمين هى القوة قال تعالى {أية : لأخذنا منه باليمين} تفسير : [الحاقة: 45]. وسميت به لان الحالف يتقوى بيمينه على حفظ ما حلف عليه من فعل او ترك والمراد باللغو فى الايمان ما لا عقد معه ولا قصد وهو ان يحلف الرجل بالله على شىء يظن انه صادق فيه وليس كذلك سواء كان الذى يحلف عليه ماضيا او غيره فليس له اثم ولا كفارة هذا عند ابى حنيفة واما عند الشافعى فلغو اليمين ما سبق اليه اللسان بلا قصد الحلف نحو لا والله وبلى والله مما يوكدون به كلامهم من غير اخطار الحلف بالبال ولو قيل لواحد منهم سمعتك تحلف فى المسجد الحرام لانكر ذلك ولعله قال لا والله الف مرة. وفى الآية معنيان احدهما لا يعاقبكم الله باللغو فى ايمانكم ظنا انكم صادقون فيه {ولكن يؤاخذكم} المؤاخذة مفاعلة من الاخذ وهى المعاقبة ههنا {بما كسبت قلوبكم} انطوت عليه واقترفت قلوبكم من قصد الاثم بالكذب فى اليمين وهو ان يحلف الرجل على ما يعلم انه خلاف ما يقوله وهى اليمين الغموس وسميت بالغموس لانغماس صاحبها فى الاثم بها. وثانيهما لا تلزمكم الكفارة بلغو اليمين الذى لا قصد معه ولكن تلزمكم الكفارة بما نوت قلوبكم وقصدت من اليمين لا بكسب اللسان وحده. وفى التيسير ان هذه الآية فى مؤاخذة الآخرة فاما المؤاخذة المذكورة فى قوله تعالى {أية : ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان} تفسير : [المائدة: 89]. فهى المؤاخذة بالكفارة لكنها فى اليمين المعقودة فالآيتان فى مؤاخذتين مختلفتين {والله غفور} حيث لم يؤاخذكم باللغو مع كونه ناشئا عن قلة المبالاة {حليم} حيث لم يعجل بالمؤاخذة وفيه ايذان بان المؤاخذة المعاقبة لا ايجاب الكفارة اذ هى التى تتعلق بها المغفرة والحلم دونه. والفرق بين الحليم والصبور انه الذى لا يشمئز من الامر ثم لا يستفزه غضب ولا يعتريه غيظ ولا يحمله على المسارعة الى الانتقام مع غاية الاقتدار عجلة وطيش كما قال الله تعالى {أية : ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دابة} تفسير : [النحل: 61]. وحظ العبد من وصف الحليم ظاهر فالحلم من محاسن خصال العباد وفى الحديث "حديث : ان الرجل المسلم ليدرك بالحلم مرتبة الصائم القائمbr>". تفسير : : قال الحسين الواعظ الكاشفى شعر : علم باحلم حال روى بود علم بى حلم خاك كوى بود بردبارى جوزينت خردست هركرا حلم نيست زيور يست تفسير : ثم انه قال قال العلماء اذا حلف بشىء فحنث ان كان مستقبلا فعليه كفارة وهو اليمين المنعقدة وان كان ماضيا فان كان الحالف عالما بالواقع وحلف على خلافه فاليمين كبيرة ولا كفارة عند ابى حنيفة فى الكبائر وعند الشافعى تجب الكفارة فيه وهو اليمين الغموس وان كان الحالف جاهلا بالواقع ويرى انه صادق فيه وليس كذلك فلا كفارة فيه وهو يمين اللغو عند ابى حنيفة واليمين الغموس عند الشافعى ويحكم فيه بالكفارة واليمين بالله او باسم من اسمائه او بصفة من صفاته فاليمين بالله ان يقول والذى اصلى له والذى نفسى بيده واليمين باسمائه كقوله والله والرحمن ونحوه واليمين بصفته كقوله وعزة الله وعظمته وجلال الله وقدرته ونحوها ومن حلف بغير الله مثل ان قال والكعبة وبيت الله ونبى الله او حلف بابيه ونحوه فلا يكون يمينا ولا تجب به الكفارة اذا خالف وهى يمين مكروهة قال الشافعى واخشى ان تكون معصية وفى الحديث "حديث : من حلف بغير الله فقد أشرك باللهbr>". تفسير : معناه من حلف بغير الله تعالى معتقدا تعظيم ذلك الغير فقد أشرك المحلوف به مع الله فى التعظيم المختص به ولو لم يكن على قصد التعظيم والاعتقاد به فلا بأس به كقوله لا وابى ونحو ذلك كما جرت به العادة. قال على الرازى اخاف الكفر على من قال بحياتى وبحياتك وما اشبهه ولولا ان العامة يقولونه ولا يعلمونه لقلت انه الشرك لانه لا يمين الا بالله ولا يحلف بالبراءة من الاسلام فمن فعل ذلك صادقا لن يرجع الى الاسلام سالما وان كان كاذبا خيف عليه الكفر وفى الحديث "حديث : من حلف بملة غير الاسلام كاذبا فهو كما قالbr>". تفسير : وظاهر الحديث يدل على ان المسلم ان قال ان افعل كذا فانا يهودى ففعل يكفر وبه عمل الشافعى وقال الحنفية لا يكفر فحملوا الحديث على التهديد واما ان علقه بالماضى كقوله ان فعلت كذا فانا يهودى وقد فعل فقد اختلفت الحنفية والصحيح انه لا يكفر ان كان يعلم انه يمين وان كان عنده انه يكفر بالحلف يكفر لانه رضى بالكفر وهو محمل الحديث عند الاكثر. وفى الفتاوى البزازية والفتوى على انه يمين يلزم عليه الكفارة. والاشارة فى الآية ان ما يجرى على الظواهر من غير قصد ونية فى البواطن ليس له كثير خطر فى الخير والشر ولا زيادة اثر ولو كان له اثر فى الخير لما عاب على قوم {أية : يقولون بألسنتهم ما ليس فى قلوبهم} تفسير : [الفتح: 11]. وكذا ما يجرى على اللسان بنية القلب بلا فعل الجوارح لو كان مؤثرا فى القبول لما عاب قوما بقوله {أية : كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون} تفسير : [الصف: 3]. ولو كان له اثر فى البر لما وسع على قوم بقوله {لا يؤاخذكم الله باللغو فى أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم} [البقرة: 225]. وما عفا عن قوم بقوله {أية : إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان} تفسير : [النحل: 106]. وذلك لان القلب كالارض للزراعة والجوارح كالآلات للحراثة والاعمال والاقوال كالبذر فالبذر ما لم يقع فى الارض المربية للزراعة لا ينبت وان كان فى آلة من آلات الحراثة فافهم جدا. واما ان كان لما يجرى على الظواهر من الخير ادنى آثار فى القلب ولو كان مثقال ذرة فان الله من كمال فضله وكرمه لا يضيعه حتى يكون القليل كثيرا والصغير عظيما وان كان لما يجرى على الظواهر من الشر ادنى اثر فى القلب فان الله تعالى من غاية لطفه واحسانه لا يؤاخذ العبد به بل يحلم عنه ويتوب عليه ويغفر له كما قال {والله غفور حليم} كذا فى التأويلات النجمية.

الطوسي

تفسير : المعنى: اختلفوا في يمين اللغو في هذه الآية، فقال ابن عباس، وعائشة، والشعبي: هو ما يجري على عادة اللسان: من لا والله، وبلى والله من غير عقد على يمين يقتطع بها مال، يظلم بها أحد، وهو المروي عن أبي جعفر، وأبي عبد الله (ع). وقال الحسن، ومجاهد، وابراهيم: هي يمين الظانّ، وهو يرى أنه حلف، فلا إثم عليه، ولا كفارة. روي أيضاً عن ابن عباس، وطاووس: أنها يمين الغضبان، لا يؤاخذ بالحنث فيها، وبه قال سعيد بن جبير، إلا أنه أوجب فيها الكفارة. وقال مسروق كل يمين ليس له الوفاء بها، فهي لغو ولا يجب فيها كفارة. وقال الضحاك: روي ايضاً عن ابن عباس: أن لغو اليمين ما يجب فيه الكفارة. وروي عن إبراهيم: أنها يمين الناسي إذا حنث. وقال زيد بن أسلم: هو قول الرجل: أعمى الله بصري، أو أهلك الله مالي، فيدعو على نفسه. اللغة: وأصل اللغو: هو الكلام الذي لا فائدة فيه، وكل يمين جرت مجرى ما لا فائدة فيه حتى صارت بمنزلة ما لم يقع، فهي لغو, ولا شيء فيها، وهو اختيار الرماني. تقول: لغا يلغو لغواً: إذا أتي بكلام. وألغى إلغاء: إذا أطرح الكلام، لأنه لا فائدة فيه. وقوله: {والغوا فيه} معناه: ارفعوا الصوت بكلام لا فائدة فيه. والحساب الذي يلغى: أي يطرح، لأنه بمنزلة كلام لا فائدة فيه. ولاغية: كلمة قبيحة فاحشة، ومنه اللغا، لأنها كلام لا فائدة فيه عند غير أهله، وهو مشتق من لغا الطائر، وهو منطقه، وقال ابن صغير المازني: شعر : باكرتم بسباء جونٍ ذارعٍ قبل الصباح وقبل لغو الطائر تفسير : المعنى: الأيمان على ضربين: أحدهما لا كفارة فيها. والثاني - يجب فيها الكفارة، فما لا كفارة فيه: هو اليمين على الماضي إذا كان كاذباً فيه، مثل أن يحلف أنه ما فعل، وكان فعل أو أن يحلف أنه فعل، وما كان فعل، فهاتان لا كفارة فيهما - عندنا - وكذلك إذا حلف على مال، ليقتطعه كاذباً، فلا كفارة عليه، ويلزمه الخروج مما حلف عليه، والتوبة، وهي اليمين الغموس، وفي هذه أيضاً خلاف، ومنها أن يحلف على أمر فعل، أو ترك، وكان خلاف ما حلف عليه أولى من المقام عليه، فليخالف، ولا كفارة عليه - عندنا - وفيه خلاف عند أكثر الفقهاء. وما فيه كفارة، فهو أن يحلف على أن يفعل، أو يترك وكان الوفاء به إمّا واجباً أو ندباً أو كان فعله، وتركه سواء، فمتى خالف كان عليه الكفارة، وقد بينا أمثلة ذلك في النهاية في الفقه. وقال الحسن: الأيمان على ثلاثة أقسام: منها أن يحلف على أمر، وهو يرى أنه على ما حلف، فهذا هو اللغو، لا عقوبة فيه، ولا كفارة. ومنها: أن يحلف على أمر، وهو يعلم أنه كاذب، فهذا آثم فاجر عليه التوبة، ولا كفارة عليه. ومنها أن يحلف: لا يفعل كذا، فيفعل، أو يحلف: ليفعلن، ولا يفعل، ففي ذلك الكفارة. وكان يقول: إذا حلف على مملوك، أو على حرّ، فقال: والله لتأكلن من هذا الطعام، فلم يأكل، فعليه الكفارة. وقال: اليمين على أربعة أوجه - في قول أكثر الفقهاء: اثنتان: لا كفارة فيها، واثنتان: فيها الكفارة، فالأول - قول الرجل: والله ما فعلت، وقد فعل، وقوله: والله لقد فعلت، وما فعل، فهاتان لا كفارة فيهما، لأنه لا حنث فيهما. والثاني - قول الحالف: والله لا فعلت، ثم يفعل. وقوله: والله لأفعلن، ثم لا يفعل، فهاتان فيهما الكفارة. وقد بينا الخلاف في خلاف الفقهاء. اللغة: والفرق بين اللغا، واللغو، أن اللغا: الذكر بالكلام القبيح. لغيت ألغي لغاً، قال العجاج: شعر : وربّ أسراب حجيج كظّم عن اللغا ورفث التكلم تفسير : وجواب اليمين على أربعة أقسام: اللام، وما، وإنّ، ولا، نحو: والله لآتينك، ووالله ما فعلت، ووالله إنه لكاذب، ووالله لا كلمته. وقوله: {والله غفور حليم} فالحلم الامهال بتأخير العقاب على الذنب، تقول: حلم حلماً، وتحلّم تحلماً، وحلّمه تحليماً. وحلم في نومه حلماً: إذا رأى الأحلام، ومنه {أية : أضغاث أحلام}.تفسير : والحلم الرؤيا في النوم، ومنه الاحتلام. والحلم: ما عظم من القردان، والواحد حلمة، لأنه كحلمة الثدي، وحلمة الثدي، لأنها تحلم المرتضع. والحلمة: شجرة السعدان، وهي من أفضل المرعى. وتحلمت الضباب: إذا سمنت لأنه يكسبها دعة كدعة الحلم. والحلام: الجدي، وأصل الباب الحلم: الأناة. وأما حلم الاديم اذا نغل فلأنه وقع فيه الحلم.

الجنابذي

تفسير : {لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱلَّلغْوِ فِيۤ أَيْمَانِكُمْ} اى بالاتيان بكلامٍ غير معتدٍّ به فى الايمان او بالخطاء فى الايمان وعلى اىّ تقدير فالظّرف لغو متعلّق باللّغو لكونه مصدراً مقتضياً لها الظّرف ولا حاجة الى جعله ظرفاً مستقرّاً حالاً من اللّغو والمراد به الايمان التّأكيديّة الّتى ليست مرادفة للنذر والعهد ولا مثبتة لحقّ او مبطلة لحقّ، وقيل: المراد باللّغو فى الايمان الخطاء فيها بان يحلف صادقاً ثمّ تبيّن انّه اخطأ وكان كاذباً فلا اثم عليه ولا كفّارة، وقيل: المراد اليمين الّتى يحلف بها الغضبان فلم يكن فيها كفّارة ان حنث، وقيل كلّ يمين ليس له الوفاء بها ولا يكون فى حقّ ولا كفّارة فيها فهى لغو {وَلَـٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ} بالّذى كسبته او بكسب قلوبكم. اعلم انّ العمل فعلاً كان او قولاً اذا لم يكن عن نيّة قلبيّة واعتقاد جازم بالغاية المترتّبة عليه كان لغواً ولا يثبت منه أثر معتدٌّ به فى القلب ولا يصدق عليه انّه كسب القلب منه شيئاً واذا كان من نيّة قلبيّة واعتقاد جازم بالغاية منه حصل صورة ذلك العمل فى مقام اجمال النّفس اوّلاً ثمّ فى مقام تفصيلها ثمّ حرّك الشوقيّة ميلاً وعزماً وارادة ثمّ حرّكت الارادة القوّة المحرّكة ثمّ حرّكت المحرّكة الاعصاب ثمّ الاوتار والعضلات والاعضاء ثمّ يحدث الفعل ثمّ ينتقل ذلك العمل من طريق الباصرة او السّامعة الى الحسّ المشترك ثمّ الى الخيال والواهمة ثمّ الى مقام اجمال النّفس، فبانتقاش الفعل مرّتين فى النّفس وآلاته يحصل اثر ثابت فيها فيصدق عليها انّها كسبت من العمل شيئاً، فمعنى قوله تعالى {وَلَـٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ} يؤاخذ على يمين تورث اثراً فى قلوبكم بسبب العزم عليها من قلوبكم وانتقاشها فيها وفى آلاتها مرّتين {وَٱللَّهُ غَفُورٌ} يغفر لغو الايمان ولا يؤاخذكم به {حَلِيمٌ} لا يعجل بمؤاخذة ما يؤاخدكم عليه ثمّ ذكر تعالى قسماً واحداً من اقسام الايمان الّتى يؤاخذ بها فقال {لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ}.

الهواري

تفسير : قوله: {لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ}. ذكروا عن عطاء أنه قال: دخلت أنا وعبيد [بن عمير] على عائشة فسألناها عن هذه الآية فقالت: هو قول الرجل: لا والله، وبلى والله. ذكروا عن الحسن أنه قال: هو الشيء تحلف عليه وأنت ترى أنه كذلك فلا يكون كذلك. ذكروا عن جعفر بن أبي وحشية أنه قال: قلت لسعيد بن جبير: قول الله {لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم}: أهو الرجل يحلف على الشيء وهو يرى أنه كذلك فلا يكون كذلك؟ فقال لا، ولكنه تحريمك في يمينك ما أحلّ الله لك، فذلك الذي لا يؤاخذك الله بتركه. قوله: {وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ} قال بعض المفسرين: ولكن يؤاخذكم بما تعمّدت قلوبكم، أي بما تعمّدت فيه المأثم، فهذا عليك فيه الكفارة. {وَاللهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ}. قوله: {لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَائِهِمْ} أي يحلفون من نسائهم {تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِن فَآؤوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاَقَ فَإِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}. قال بعضهم: كانوا في الجاهلية وفي صدر من الإِسلام يغضب أحدهم على امرأته فيحلف بالله لا يقربها كذا وكذا، فيدعها لا أيما ولا ذات بعل؛ فأراد الله أن يعصم المؤمنين عن ذلك بحدّ يحدّه لهم، فحدّ لهم أربعة أشهر. والإِيلاء الحلف. ذكروا عن الحسن عن عبد الله بن مسعود أنه قال: إذا مضت أربعة أشهر ولم يف فهي تطليقة بائنة. قال: وهو قول علي وعثمان وزيد بن ثابت وابن عباس. وقال ابن عباس: عزم الطلاق انقضاء الأربعة الأشهر. ذكروا عن ابن عمر وأهل المدينة أنهم قالوا: إذا مضت الأربعة الأشهر وقف فقيل له: إما أن تفيء وإما أن تطلق. ذكروا عن عبد الله بن مسعود أنه قال: كل يمين منعت جماعاً فهي إيلاء؛ يعني أن المولى إذا وطىء في الأربعة الأشهر كانت عليه الكفارة. فأما الذي يطأ بغير كفارة فليس بإِيلاء. وذلك أنه إذا حلف أن لا يطأها في موضع كذا وكذا كان له أن يطأها في غير ذلك الموضع، وليس عليه كفارة، وأشباه ذلك مما لا تكون فيه الكفارة. قوله: {فَإِن فَآؤوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}. ذكروا عن الحسن عن ابن عباس أنه قال: الفيء الجماع. وذكر مثل ذلك عن سعيد بن جبير. وقال إبراهيم: إذا كان له عذر من حيض أو غيره أشهد أنه قد فاء، فهو يجتزىء به. ذكروا عن الحسن مثل ذلك. وكان سعيد لا يرى الفيء إلا الوطء.

اطفيش

تفسير : {لا يُؤاخِذُكُم اللّهُ باللَّغْوِ فى أيمانِكُمْ}: أى بالساقط عن اعتقادكم بأن يغلط لسانه إلى ما لا يريده، أو يتعمد لفظاً ولا يقصد به حلفاً جاهلا لمعناه أو لا، كقول العرب فى التأكيد لا والله، وبلى والله، ولا يقصدون الحلف وكذا أجرى لا والله فى لسان بعض البربر وبلادنا هذه للتأكيد ولا يقصدون اليمين، ويدل لذلك المقابلة بقوله: {أية : ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان}،تفسير : وبقوله: {وَلكِنْ يُؤاخِذُكُم بمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكم}: أى بما حلفتم به من قلوبكم بألسنتكم قاصدين به حقيقة الحلف، ولغو الكلام ما سقط منه ولا يعتد به، وكذا من غير الكلام، ولذلك قيل لما لا يعتد به فى الدية، وأولاد الإبل لغو، ويدل لتفسير اللغو بما لا يعتمد اليمين فيه من القلب قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ثلاثة جدهن جد وهزلهن جد: العتاق والطلاق والنكاحتفسير : فإنهم ولو اختلفوا فى مفهوم لكن يتبادر إنما سوى الثلاثة هزله لا يكون جداً، وعن ابن عباس وعائشة والشعبى وأبى صالح ومجاهد وعطاء والشافعى: لغو اليمين قول الرجل فى درج كلامه واستعجاله فى المحاورة لا والله وبلى والله بلا قصد حلف سوى ذكر ذلك فى حق أمر مضى، أو مستقبل أو حال، وعلى ذلك فالمؤاخذة المنفية العقاب والكفارة، أى لا إثم ولا كفارة فى لفظ اليمين الذى لا قصد معه، ولكن يؤاخذكم بالعقوبة والكفارة فى اليمين المعتمدة من قلوبكم فى الكذب عما مضى أو بالعقوبة فى اليمين المعتمدة فى ترك الواجب، أو إيقاع المعصية، ولم يوجبها أبو حنيفة فى الكذب عما مضى عمداً، وبالكفارة فى اليمين المباحة إذا حنث، وقيل يحنث نفسه فى اليمين على المعصية، وتلزمه الكفارة، وتلزمه فى الحنث بطاعة لا تجب، وقال أبو حنيفة: اللغو أن يحلف فى حق أمر مضى ثم يظهر أن الأمر على خلاف ما حلف عليه، فعنده لا كفارة فى هذا، وعندنا وعند الشافعى تلزمه، ولزمت عندنا وعنده الكفارة فى القاموس، وهو الحف عمداً على خلاف ما عليه الأمر فى الماضى أو فى الحال، خلاف لأبى حنيفة، زاعماً أنه لا حنث فى ذلك والكفارة إنما تلزم فى الحنث باليمين المنعقدة، لأن اليمين مبناها على التقوية وتطلق أيضاً على نفس القوة، والتقوية إنما تفعل فيما يستقبل، والجواب أن الحالف يميناً غموسا قد قوى كذبه بالحلف، وحنث بعدم مطابقته يمينه للواقع، وعدم المطابقة هى نفس علة الكفارة فى المستقبل، وزعم أبو حنيفة أنه تلزم الكفارة من قال: لا والله، وبل والله، ولو لم ينو اليمين إذا وقع خلاف ما قال مسند لا بقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها"تفسير : الحديث. وقد مر إذ لم يذكر فيه فرقاً بين الجد والهزل، وقد مر أن حديث "حديث : ثلاثة جدهن جد"تفسير : .. إلخ، دليل على أنه لا كفارة فيه، وزعم أن كفارة الغموس التوبة، وأن التوبة هى المراد بالكفارة فى قوله فى رواية:"حديث : فليكفر بيمينه ثم ليأت الذى هو خير"تفسير : فى هذه الرواية الطاعة وغيره المعصية، وكفارة الحلف بها التوبة وهو يحمل الخصوص على العموم، فيعمل بالعام وهو خلاف الصحيح، وقيل لغو اليمين أن يحلف ألا يفعل خيراً فيجب أن يحنث نفسه فى الفرض أو يندب فى المندوب، فلا يعاقب فى الحنث فى الآخرة، بل بالكفارة فقط، وقيل لا كفارة أيضاً، وكفارته التوبة، ولكن يؤاخذكم فى الغموس بالعقاب والكفارة، وقال أبو هريرة والحسن ومالك وجماعة: لغو اليمين ما حلف به على علمه فكشف الغيب خلافه، وقال زيد بن أسلم، لغو اليمين دعاء الرجل على نفسه. وقال الضحاك: لغو اليمين هو اليمين المكفرة يحنث فيكفر فيلقى عنه الحنث بالتكفير، وكذا الحنث، فإنه قيل إثم فيكفره الكفارة، ويروى أن المؤاخذة فيما كسبت قلوبكم عقوبة الآخرة فى الغموس، ويروى عن ابن عباس فى قوله تعالى: {ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم}، هو اليمين الغموس، وعن مالك: اللغو اليمين على الكذب عمداً هو ذنب، وتلقى فيه الكفارة، ومؤاخذته أكبر منه، ويؤاخذ بها فيما عقدت أيمانهم غيره. {واللّهُ غَفُورٌ}: للغو. {حَلِيمٌ}: إذ لم يعجل بالعقوبة على اليمين الغموس تربصاً بالتوبة، ولا يعجل بالعقوبة على العصاة، ولا يقطع إنعامهُ عنهم.

اطفيش

تفسير : {لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ} لا يوجب عليكم كفارة الحنث ولا عذابا {بِالَّلغْوِ فِى أَيْمَٰنِكُمْ} هو ما يتعمد من ألفاظ اليمين بلا قصد بمين، كقولك، ولا والله، وبلى والله، وما يحلف به غلطا، مثل أن يريد أن يقول، قد قام زيد فغلظ وقال، والله لقد قام زيد، وما يحلف به لفظا ولا يدرى أنه قسم، مثل أن يقول، تالله لأقومن، ولا يدرى أن معناه، والله لأقومن، وما يحلف به وقلبه غير حاضر، بل ذاهل، وما يحلف به غضبان أو نائما أو سكران، لعله بحيث لا يعرف ما قال، ومثله، الحلف بالقلب دون اللسان، كل ذلك لغو، روى البخارى وأبو داود عن عائشة، موقوفا، نزلت فى قول الرجل، لا والله، وبلى والله، رواه أبو داود أيضا مرفوعا عنها، أنه قول الرجل فى بيته كلا والله وبلى الله، فأقول الحديث تمثيل وما ذكرته مثل لجامع عدم عزم القلب، وبدل لذلك قوله عز وجل {وَلَكِن يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ} وقوله، بما عقدتم الإيمان، أيى بعقدك الأيمان فى قلوبكم، وكسب قلوبكم لها مع ألسنتكم، وعن أبى حنيفة، اليمين على معتقده المخالف للواقع، وعن أبى حنيفة أنه يوجب الكفارة فى اللغو، وأن المؤاخذة المنفية عقاب الآخرة، ولا يوجبها فى اليمين على ظنه، وقيل اليمين على المعصية لا يؤخذ بالكفارة بل بالترك، كما روى ضعيفا، الكفارة تركها، وزعم بعض أن يمن اللغو يمين المكره، وعن ابن عباس، أن تحرم ما أحل عليك، مثل مالى علىّ حرام، وبه أخذ مالك إلا فى الزوجة، ولا يصح ذلك، وعن زيد ابن أسلم، قول الرجل، أعمى الله بصره إن لم يفعل، أو هو مشرك إن لم يفعل، ما لم يكن من قلبه {وَاللهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ} إذ لم يؤاخذكم باللغو ولا بالجد فى أيمانكم عاجلا، بل جعل لكم كفارة الحنث، وانتظركم للتوبة من اليمين على فعل المعصية أو ترك الطاعة.

الالوسي

تفسير : {لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱلَّلغْوِ فِى أَيْمَـٰنِكُمْ} اللغو الساقط الذي لا يعتد به من كلام وغيره ولغو اليمين عند الشافعي رضي الله تعالى عنه ما سبق له اللسان، وما في حكمه مما لم يقصد منه اليمين كقول العرب لا والله لا بالله لمجرد التأكيد، وهو المروي عن عائشة وابن عمر وغيرهما في أكثر الروايات، والمعنى لا يؤاخذكم أصلاً بما لا قصد لكم فيه من الأيمان. {وَلَـٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ} أي بما قصدتم من الأيمان وواطأت فيها قلوبكم ألسنتكم، ولا يعارض هذه الآية ما في المائدة [89] من قوله تعالى: {أية : لاَ يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱللَّغْوِ فِى أَيْمَـٰنِكُمْ وَلَـٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ ٱلأَيْمَـٰنَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَـٰكِينَ }تفسير : الخ بناءاً على أن مقتضى هذه المؤاخذة بالغموس لأنها من كسب القلب وتلك تقتضي عدمها لأن اللغو فيها خلاف المعقودة، وهي ما يحلف فيها على أمر في المستقبل أن يفعل ولا يفعل لوقوعه في مقابلة قوله سبحانه: {أية : بِمَا عَقَّدتُّمُ ٱلأَيْمَـٰنَ }تفسير : [المائدة:89] فيتناول الغموس وهو الحلف على أمر ماض متعمد الكذب فيه ولغويته لعدم تحقق البر فيه الذي هو فائدة اليمين الشرعية لأن الشافعي حمل {بِمَا عَقَّدتُّمُ} على كسب القلب من عقدت على كذا عزمت عليه، ولم يعكس لأن العقد مجمل يحتمل عقد القلب، ويحتمل ربط الشيء بالشيء، والكسب مفسر، ومن القواعد حمل المجمل على المفسر، وإذا حمل عليه شمل الغموس، وكان اللغو/ ما لا قصد فيه لا خلاف المعقودة إذ لا معقودة فتتحد الآيتان في المؤاخذة على الغموس وعدم المؤاخذة على اللغو إلا أنه إن كان للفعل المنفي عموم كان في الآيتين نفي المؤاخذة فيما لا قصد فيه بالعقوبة، والكفارة وإثبات المؤاخذة في الجملة بهما أو بأحداهما فيما فيه قصد، وإن لم يكن له عموم حمل المؤاخذة المطلقة في هذه الآية على المؤاخذة المقيدة بالكفار في آية المائدة بناءاً على اتحاد الحادثة والحكم، وسوق الآية لبيان الكفارة فلا تكرار، وأيد العموم بما أخرجه ابن جرير عن الحسن حديث : أنه صلى الله عليه وسلم مر بقوم ينتصلون ومعه بعض أصحابه فرمى رجل من القوم فقال: أصبت والله أخطأت والله، فقال الذي معه: حنث الرجل يا رسول الله فقال كلا أيمان الرماة لغو لا كفارة فيها ولا عقوبة. » تفسير : وذهب الإمام أبو حنيفة إلى أن اللغو هنا ما لا قصد فيه إلى الكذب بأن لا يكون فيه قصد أو يكون بظن الصدق، وحمل المؤاخذة على الأخروية بناءاً على أن دار المؤاخذة هي الآخرة وأن المطلق ينصرف إلى الكامل وقرنت هذه المؤاخذة بالكسب إذ لا عبرة للقصد وعدمه في وجوب الكفارات التي هي مؤاخذات دنيوية، ولا شك أنه بمجرد اليمين بدون الحنث لا تتحقق المؤاخذة الأخروية في المعقودة فلا يمكن إجراء ما كسبت على عمومه فلا بد من تخصيصه بالغموس فيتحصل من هذه الآية المؤاخذة الأخروية في الغموس دون الدنيوية التي هي الكفارة، وفيه خلاف الشافعي وعدم المؤاخذة الأخروية فيما عداها مما فيه قصد بظن الصدق، ومما لا قصد فيه أصلا ـ وفيه وفاق الشافعي ـ وحمل المؤاخذة في آية المائدة على الدنيوية بقرينة قوله سبحانه فيها: {أية : فَكَفَّارَتُهُ} تفسير : [المائدة: 89] الخ، وقوله تعالى: {بِمَا عَقَّدتُّمُ} على المعقودة لأنّ المتبادر من ـ العقد ـ ربط الشيء بالشيء وهو ظاهر في المعقودة فالمراد باللغو في تلك الآية ما عداها من الغموس وغيره فيتحصل منها عدم المؤاخذة الدنيوية ـ بالكفارة ـ على غير المعقودة، وهي الغموس والمؤاخذة عليه في الآخرة ـ كما علم من آية البقرة ـ والحلف بلا قصد أو به مع ظنّ الصدق لغير المؤاخذة عليهما في الآخرة كما علم منها أيضاً، والمؤاخذة الدنيوية على المعقودة التي لم يعلم حكمها في الآخرة من الآيتين لظهوره من ترتب المؤاخذة الدنيوية عليه ـ فلا تدافع بين الآيتين عنده أيضاً ـ لأن مقتضى الأولى: تحقق المؤاخذة الأخروية في الغموس، ومقتضى الثانية: عدم المؤاخذة الدنيوية فيه، ومن هذا يعلم أن ما في ـ «الهداية» ـ وشاع في كتب الأصحاب عن الإمام حيث قال: «إن الأيمان على ثلاثة أضرب يمين الغموس ويمين منعقدة ويمين لغو» وبين حكم كل وفسر الأخير «بأن يحلف على [أمر] ماض وهو يظن [أنه] كما قال والأمر بخلافه»، وثبت في بعض الروايات عن أبـي هريرة رضي الله تعالى عنه وغيره ـ ليس بشيء ـ لو كان المقصود بما في التفسير الحصر لا التمثيل للغو لأن اللائق بالنظم أن يكون (ما كسبت) مقابلاً للغو من غير واسطة بينهما، وبقصد الحصر يبقى اليمين الذي لا قصد معه واسطة بينهما غير معلوم الإسم ولا الرسم، وهو مما لا يكاد يكون كما لا يخفى على المنصف فليتدبر فإنه مما فات كثيراً من الناس. وذهب مسروق إلى أن اللغو هو الحلف على المعاصي وبره ترك ذلك الفعل ولا كفارة. وروى عن ابن عباس وطاوس أنه اليمين في حال الغضب فلا كفارة فيها. وأخرج ابن أبـي حاتم عن ابن عباس قال: لغو اليمين أن تحرّم ما أحل الله تعالى عليك بأن تقول: مالي عليَّ حرام إن فعلت كذا مثلاً ـ وبهذا أخذ مالك إلا في الزوجة ـ وأخرج ابن جرير عن زيد بن أسلم قال: هو كقول الرجل: أعمى الله بصري إن لم أفعل كذا، وكقوله: هو مشرك هو كافر إن لم يفعل كذا، فلا يؤاخذ به حتى يكون من قبله، وقيل: لغو اليمين يمين المكره ـ حكاه ابن الفرس ولم ير مسنداً ـ هذا ولم يعطف قوله تعالى:/ {لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ } الآية على ما قبله لاختلافها خبراً وإنشاءاً، وإن كانا متشاركين في كون كل منهما بياناً لحكم الأيمان. {وَٱللَّهُ غَفُورٌ} حيث يؤاخذكم باللغو {حَلِيمٌ} حيث لم يعجل بالمؤاخذة على يمين الجد؛ والجملة تذييل للجملتين السابقتين، وفائدته الامتنان على المؤمنين وشمول الإحسان لهم والحليم من حلم بالضم يحلم إذا أمهل بتأخير العقاب، وأصل الحلم الأناة، وأما حلم الأديم ـ فبالكسر يحلم بالفتح ـ إذا فسد، وأمّا حلم أي رأى في نومه ـ فبالفتح ـ ومصدر الأوّل ـ الحلم ـ بالكسر ومصدر الثاني ـ الحلم ـ بفتح اللام ومصدر الثالث ـ الحلم ـ بضم الحاء مع ضم اللام وسكونها.

ابن عاشور

تفسير : استئناف بياني لأن الآية السابقة لما أفادت النهي عن التسرع بالحلف إفادة صريحة أو التزامية، كانت نفوس السامعين بحيث يهجس بها التفكر والتطلع إلى حكم اليمين التي تجري على الألسن. ومناسبته لما قبله ظاهرة لا سيما إن جعلتَ قوله: { أية : ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم } تفسير : [البقرة: 224] نهياً عن الحلف. والمؤاخذة مفاعلة من الأَخذ بمعنى العد والمحاسبة، يقال أخذه بكذا أي عده عليه ليعاتبه أو يعاقبه، قال كعب بن زهير: شعر : لا تأخُذَنِّي بأَقْوال الوْشاةِ ولم أُذْنِبْ وإِنْ كَثُرَتْ فيَّ الأَقَاوِيل تفسير : فالمفاعلة هنا للمبالغة في الأخذ؛ إذ ليس فيه حصول الفعل من الجانبين. والمؤاخذة باليمين هي الإلزام بالوفاء بها وعدم الحنث؛ ويترتب على ذلك أن يأثم إذا وقع الحنث، إلاّ ما أذن الله في كفّارته، كما في آية سورة العقود. واللغو مصدر لغا إذا قال كلاماً خَطَئاً، يقال: لغا يلغُو لغواً كسعا، ولغا يلغْى لَغْياً كسَعى. ولغة القرآن بالواو. وفي «اللسان»: «أنه لا نظير له إلاّ قولهم أسوته أسواً وأَسى أصلحتُه» وفي الكواشي: «ولغا يلغو لغواً قال باطلاً»، ويطلق اللغو أيضاً على الكلام الساقط، الذي لا يعتد به، وهو الخطأ، وهو إطلاق شائع. وقد اقتصر عليه الزمخشري في «الأساس» ولم يجعله مجازاً؛ واقتصر على التفسير به في «الكشاف» وتبعه متابعوه. و(في) للظرفية المجازية المراد بها الملابسة، وهي ظرف مستقر، صفة اللغو أو حال منه، وكذلك قدره الكواشي فيكون المعنى على جعل اللغو بمعنى المصدر، وهو الأظهر: لا يؤاخذكم الله بأن تلغوا لغواً ملابساً للأيمان، أي لا يؤاخذكم بالأيمان الصادرة صدور اللغو، أي غير المقصود من القول. فإذا جعلتَ اللغو اسماً بمعنى الكلام الساقط الخاطىء، لم تصح ظرفيته في الأيمان، لأنه من الأيمان، فالظرفية متعلقة بيؤاخذكم، والمعنى لا يؤاخذكم الله في أيمانكم باللغو، أي لا يؤاخذكم من بين أيمانكم باليمين اللغو. والأيمان جمع يمين، واليمين القسم والحلف، وهو ذكر اسم الله تعالى، أو بعض صفاته، أو بعض شؤونه العليا أو شعائره. فقد كانت العرب تحلف بالله، وبرب الكعبة، وبالهدي، وبمناسك الحج. والقسم عندهم بحرف من حروف القسم الثلاثة: الواو والباء والتاء، وربما ذكروا لفظ حلفت أو أقسمت، وربما حلفوا بدماء البدن، وربما قالوا والدماءِ، وقد يدخلون لاماً على عَمْر الله، يقال: لَعَمْرُ الله، ويقولون: عمرَك الله، ولم أر أنهم كانوا يحلفون بأسماء الأصنام. فهذا الحلف الذي يراد به التزام فعل، أو براءة من حق. وقد يحلفون بأشياء عزيزة عندهم لقصد تأكيد الخبر أو الالتزام، كقولهم وأبيك ولَعَمْرك ولعمري، ويحلفون بآبائهم، ولما جاء الإسلام نهى عن الحلف بغير الله. ومن عادة العرب في القسم أن بعض القسم يقسمون به على التزام فعل يفعله المقسِم ليُلجىء نفسه إلى عمله ولا يندم عنه، وهو من قبيل قسم النذر، فإذا أراد أحد أن يظهر عزمه على فعل لا محالة منه، ولا مطمع لأحد في صرفه عنه، أكده بالقسم، قال بلعاء بن قيس: شعر : وفارسٍ في غِمار المَوْت منغَمِس إذَا تَأَلَّى على مَكْروهَةٍ صَدَقَا تفسير : (أي إذا حلف على أن يقاتل أو يقتل أو نحو ذلك من المصاعب والأضرار ومنه سميت الحرب كريهة) فصار نطقهم باليمين مؤذناً بالغرم، وكثر ذلك في ألسنتهم في أغراض التأْكيد ونحوه، حتى صار يجري ذلك على اللسان كما تجري الكلمات الدالة على المعاني من غير إرادة الحلف، وصارت كثرته في الكلام لا تنحصر، فكثر التحرج من ذلك في الإسلام قال كثيِّر: شعر : قليل الألايى حافظ ليمينه وإن سبقت منه الأليَّة بَرَّتِ تفسير : فأشبهه جريانُ الحلف على اللسان اللغوَ من الكلام. وقد اختلف العلماء في المراد من لغو اليمين في هذه الآية، فذهب الجمهور إلى أن اللغو هو اليمين التي تجري على اللسان، لم يقصد المتكلم بها الحلف، ولكنها جرت مجرى التأكيد أو التنبيه، كقول العرب: لا والله، وبلى والله. وقول القائل: والله لقد سمعت من فلان كلاماً عجباً، وغير هذا ليس بلغو، وهذا قول عائشة، رواه عنها في «الموطأ» و«الصِّحاح»، وإليه ذهب الشعبي، وأبو قِلابة، وعكرمة، ومجاهد، وأبو صالح، وأخذ به الشافعي، والحجة له أن الله قد جعل اللغو قسيماً للتي كسبها القلب في هذه الآية، وللتي عقد عليها الحالف اليمين في قوله: { أية : ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان } تفسير : [المائدة: 89] فما عقدتم الأيمان هو ما كسبته القلوب؛ لأن ما كسبت قلوبكم مبيِّن، فيحمل عليه مجمل {ما عقدتم}، فتعين أن تكون اللغو هي التي لا قصد فيها إلى الحلف، وهي التي تجري على اللسان دون قصد، وعليه فمعنى نفي المؤاخذة نفي المؤاخذة بالإثم وبالكفارة؛ لأن نفي الفعل يعم، فاليمين التي لا قصد فيها لا إثم ولا كفارة عليها، وغيرها تلزم فيه الكفارة للخروج من الإثم بدليل آية المائدة؛ إذ فسر المؤاخذة فيها بقوله: { أية : فكفارته إطعام عشرة مساكين } تفسير : [المائدة: 89] فيكون في الغموس، وفي يمين التعليق، وفي اليمين على الظن، ثم يتبين خلافه، الكفارة في جميع ذلك. وقال مالك: «لغو اليمين أن يحلف على شيء يظنه كذلك ثم يتبيّن خلاف ظنه» قال في «الموطأ»: «وهذا أحسن ما سمعت إلى في ذلك» وهو مروي في غير «الموطأ»، عن أبي هريرة ومن قال به الحسن وإبراهيم وقتادة والسدي ومكحول وابن أبي نجيح. ووجهه من الآية: أن الله تعالى جعل المؤاخذة على كسب القلب في اليمين، ولا تكون المؤاخذة إلاّ على الحنث لا أصل القسم؛ إذ لا مؤاخذة لأجل مجرد الحلف لا سيما مع البر، فتعين أن يكون المراد من كسب القلب كسبه الحنث أي تعمده الحنث، فهو الذي فيه المؤاخذة، والمؤاخذة أجملت في هاته الآية، وبينت في آية المائدة بالكفارة، فالحالف على ظن يظهر بعد خلافه لا تعمد عنده للحنث، فهو اللغو، فلا مؤاخذة فيه، أي لا كفارة وأما قول الرجل: لا والله وبلى والله، وهو كاذب، فهو عند مالك قسم ليس بلغو، لأن اللغوية تتعلق بالحنث بعد اعتقاد الصدق، والقائل: «لا والله» كاذباً، لم يتبين حنثه له بعد اليمين، بل هو غافل عن كونه حالفاً، فإذا انتبه للحلف وجبت عليه الكفارة، لأنه حلفها حين حلفها وهو حانث. وإنما جعلنا تفسير (ما كسبت قلوبكم) كسب القلب للحنث، لأن مساق الآية في الحنث لأن قوله: { أية : ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم } تفسير : [البقرة: 224]، إما إذن في الحنث، أو نهي عن الحلف خشية الحنث، على الوجهين الماضيين، وقوله: {لا يؤاخذكم الله} بيان وتعليل لذلك، وحكم البيان حكم المبين، لأنه عينه. وقال جماعة: اللغو ما لم يقصد به الكذب، فتشمل القسمين، سواء كان بلا قصد كالتي تجري على الألسن في لا والله وبلى والله أم كان بقصد مع اعتقاد الصدق فتبين خلافه. وممن قال بهذا ابن عباس والشعبي وقال به أبو حنيفة، فقال: اللغو لا كفارة فيها ولا إثم. واحتج لذلك بأن الله تعالى جعل اللغو هنا، مقابلاً لما كسبته القلوب، ونفى المؤاخذة عن اللغو وأثبتها لما كسبه القلب، والمؤاخذة لا محالة على الحنث لا على أصل الحلف، فاللغو هي التي لا حنث فيها؛ ولم ير بين آية البقرة وآية المائدة تعارضاً حتى يحمل إحداهما على الأخرى بل قال: إن آية البقرة جعلت اللغو مقابلاً لما كسبه القلب، وأثبت المؤاخذة لما كسبه القلب أي عزمت عليه النفس، والمؤاخذة مطلقة تنصرف إلى أكمل أفرادها، وهي العقوبة الأخروية فيتعين أنه ما كسبته القلوب، أريد به الغموس؛ وجعل في آية المائدة اللغو مقابلاً للأيمان المعقودة. والعقد في الأصل: الربط، وهو معناه لغة، وقد أضافه إلى الأيمان، فدل على أنها اليمين التي فيها تعليق، وقد فسر المؤاخذة فيها بقوله: { أية : فكفارته إطعام } تفسير : [المائدة: 89] الخ، فظهر من الآيتين أن اللغو ما قابل الغموس، والمنعقدة، وهو نوعان لا محالة، وظهر حكم الغموس، وهي الحلف بتعمد الكذب، فهو الإثم، وحكم المنعقدة أنه الكفارة، فوافق مالكاً في الغموس وخالفه في أحد نوعي اللغو، وهذا تحقيق مذهبه. وفي اللغو غير هذه المذاهب مذاهب أنهاها ابن عطية إلى عشرة، لا نطيل بها. وقوله: {والله غفور حليم} تذييل لحكم نفي المؤاخذة، ومناسبة اقتران وصف الغفور بالحليم هنا دون الرحيم، لأن هذه مغفرة لذنب هو من قبيل التقصير في الأدب مع الله تعالى، فلذلك وصف الله نفسه بالحليم، لأن الحليم هو الذي لا يستفزه التقصير في جانبه، ولا يغضب للغفلة، ويقبل المعذرة.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {وَلَـٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ}. لم يصرح هنا بالمراد بما كسبته قلوبهم، ولم يذكر هنا ما يترتب على ذلك إذا حنث، ولكنه بين في سورة المائدة أن المراد بما كسبت القلوب، هو عقد اليمين بالنية والقصد، وبين أن اللازم في ذلك إذا حنث كفارة، هي: إطعام عشرة مساكين، أو كسوتهم، أو تحرير رقبة، ومن عجز عن واحد من الثلاثة فصوم ثلاثة أيام، وذلك في قوله: {أية : وَلَـٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ ٱلأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ ذٰلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ}تفسير : [المائدة: 89] الآية.

د. أسعد حومد

تفسير : {ۤ أَيْمَانِكُمْ} (225) - لا يُؤَاخِذُ اللهُ المُؤْمِنينَ وَلاَ يُعَاقِبُهُمْ عَمَّا صَدَرَ عَنْهُمْ مِنْ أيمَانٍ لاَغِيَةٍ لَمْ يُقْصَدْ بِها الحَلْفُ وَعَقْدُ اليَمِينِ، وَإِنَّمَا جَرَتْ عَلَى ألْسِنَتِهِمْ عَادَةً مِنْ غيرِ عَقْدٍ وَلاَ تَوْكِيدٍ (كَقَولِ الرَّجُلِ بَلَى وَاللهِ، وَلا وَاللهِ، فَذلكَ لاَ إِثْمَ فِيهَ وَلاَ كَفَّارَةَ) وَلكِنَّ اللهَ تَعَالَى يُؤَاخِذُ الذِي يَحْلِفُ عَلَى الشَّيءِ وَهُوَ يَقْصُدُ عَقْدَ اليَمِين، وَيَعْلَمُ أَنَّهُ كَاذِبٌ، وَاللهُ غَفُورٌ لِعِبَادِهِ التَّائِبينَ، حَليمٌ عَلَيهِمْ. بِاللَّغْوِ فِي أيْمَانِكُمْ - مَا يَجْرِي عَلَى الِلسَانِ مِمّا لاَ يُقْصَدُ بِهِ اليَمِينُ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وكان من المناسب أن تأتي هذه الآية كل ما سبق لأنه سبحانه أوضح لنا اليمين التي لا تقع وكأنه قال لنا: ارجعوا فيها واحنثوا وسأقبل رجوعكم في مقابل أن تبروا وتتقوا وتصلحوا، فإذا كان قد قبل تراجعنا عن هذا اليمين فلأن له مقابلاً في فعل الخير. وقوله الحق: {بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ} [البقرة: 225] هو المعنى نفسه لقوله تعالى: {أية : وَلَـٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ ٱلأَيْمَانَ}تفسير : [المائدة: 89]. أي الشيء المعقود في النفس والذي رسخ داخل نفسك، لكن الشيء الذي يمر على اللسان فلا يؤاخذنا الله به. {لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱلَّلغْوِ فِيۤ أَيْمَانِكُمْ} [البقرة: 225] والأيمان جمع يمين، واليمين: هو الحلف أو القسم، وسمى يميناً؛ لأنهم كانوا قديماً إذا تحالفوا ضرب كل امرئ منهم يمينه على يمين صاحبه، وذلك لأن اليمين هو الجارحة الفاعلة. وبالمناسبة، فالجارحة الفاعلة إياك أن تظن أنها تفعل بالرياضة والتدريب، وإنما هي تفعل بالخلق أي كما خلقها الله، فهي مجبرة على الفعل حسب خلقتها. ولذلك عندما تجد إنساناً ويده اليمنى لا تعمل ويزاول أعماله باليسرى فلا تحاول أن تجعله يستخدم اليمنى بدلاً من اليسرى؛ لأن محاولتك عبث لن يجدي؛ لأن السبب في أنه يستخدم اليسرى بدلاً من اليمنى سبب خلقي، فالجهاز الخاص بالتحكم في الحركة في المخ هو الذي يقر هذا الأمر: إن كان مخلوقاً في النصف الأيمن من المخ كانت اليد اليمنى هي الفاعلة، وإن كان مخلوقاً في النصف الأيسر من المخ فاليد اليسرى هي التي تعمل. لذلك تجد الذي يكتب بيده اليسرى يتقن الكتابة بها أفضل من الذي يكتب باليمنى في بعض الأحيان، ومن هنا نقول: إنه من الخطأ أن تحاول تغيير سلوك الذي يعمل بيده اليسرى بدلاً من اليمنى؛ لأن ذلك عبث لن يصل لنتيجة. وأحياناً تجد الجهاز المتحكم في حركة اليدين موجوداً في منتصف ووسط المخ فيرسل حركات متوازنة لليد اليمنى واليد اليسرى معاً، ولذلك تجد شخصاً يكتب بيديه اليمنى واليسرى معاً بالسرعة نفسها وبالإتقان نفسه، ويؤدي بهما الأعمال بتلقائية عادية، ولله في خلقه شئون، فهو يعطينا الدليل على أنه لا تحكمه قواعد، فهو قادر على أن يجعل اليد اليمنى تعمل، وقادر على أن يجعل اليد اليسرى تعمل، أو يجعلهما يعملان معاً بالقوة نفسها، أو يجعل كلتا اليدين غير قابلتين للعمل. إنها ليست عملية آلية خارجة عن إرادة لله، بل كل شيء خاضع لإرادته سبحانه. {لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱلَّلغْوِ فِيۤ أَيْمَانِكُمْ} [البقرة: 225] المقصود به الحلف، والحلف من معانيه التقوية، وهي مأخوذة من الحِلْف، وهو أن يتحالف الناس على عمل ما. ونحن عندما نتحالف على عمل فنحن نقسِّم العمل بيننا، وعندما نفعل ذلك يسهل علينا جميعاً أن نفعله. {لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱلَّلغْوِ فِيۤ أَيْمَانِكُمْ وَلَـٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَٱللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ} [البقرة: 225] والكسب عملية إرادية. لأنك ساعة تقسم بالله دون أن تقصد فهو لا يؤاخذكم، وهذا دليل على أن الله واسع حليم. ويقول الحق سبحانه وتعالى بعد ذلك: {لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقولهُ تعالى: {لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱلَّلغْوِ فِيۤ أَيْمَانِكُمْ} قالَ زيدُ بن علي عليهما السَّلامُ: فاللَّغوُ: أَنْ يَحلِفَ الرَّجلُ عَلى شَيءٍ وهو يَظُنُ أَنهُ كَذلِكَ. ويقالُ إِنَّ اللَّغوَ: هو قولُ الرَّجلِ لاَ وَالله، وبلى والله، وهو لاَ يُريدُ أَنْ يُكَلِّمَ بِهَا مَالَ أَحداً، أَو يَقْطعَ بِهَا مَالَ إِنْسانٍ.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : أي: لا يؤاخذكم بما يجري على ألسنتكم من الأيمان اللاغية، التي يتكلم بها العبد، من غير قصد منه ولا كسب قلب، ولكنها جرت على لسانه كقول الرجل في عرض كلامه: "لا والله "و "بلى والله "وكحلفه على أمر ماض، يظن صدق نفسه، وإنما المؤاخذة على ما قصده القلب. وفي هذا دليل على اعتبار المقاصد في الأقوال، كما هي معتبرة في الأفعال. { والله غفور } لمن تاب إليه، { حليم } بمن عصاه، حيث لم يعاجله بالعقوبة، بل حلم عنه وستر، وصفح مع قدرته عليه، وكونه بين يديه.

همام الصنعاني

تفسير : 268- عبد الرزاق، قال: حدثنا معمر، عن الزهري، عن عُرْوة، عن عائشة، في قوله تعالى: {لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱلَّلغْوِ فِيۤ أَيْمَانِكُمْ}: [الآية: 225]، قالت: هم القوم يَتدارأُون في الأمر، يقولون: هذا لا والله، وبلى، وكلاّ والله، يَتَدرأُونَ في الأمر لا تَعْقِد عليه قلوبهم. 269- عبد الرزاق، قال معمر، وقال الحسن، وقتادة: هو الخطأ غير العمد كقَوْلِ الرَّجُلِ: والله! إنَّ هذا لكذا وكذا، وهو يرى أنه صادق، وَلا يكون كذلِك. 271- عبد الرزاق، قال: حدّثنا الثَّوْري، عن ابن أبي نَجيح، عن مجاهد في قوله تعالى: {لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱلَّلغْوِ فِيۤ أَيْمَانِكُمْ}: [الآية: 225]، قال: هو الرجل يحلف على الشيء يرى أنَّهُ كذلِك وليس كَذَلِكَ، {أية : وَلَـٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ ٱلأَيْمَانَ}تفسير : : [المائدة: 89] قال: أنْ تَحْلِف على الشَّيْء وأنت تعمله. 272- عبد الرزاق قال: حدّثنا هشيم بن بشير، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير في قوله تعالى: {لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱلَّلغْوِ فِيۤ أَيْمَانِكُمْ}: [الآية: 225]، قال: هُوَ الرَّجُلُ يَحْلِفُ على الحرامِ، فَلاَ يُؤَخِذُه الله بتركِهِ. 273- عبد الرزاق، قال: حدّثنا هُشَيْم، عن مغيرة، عن إبراهيم قال: هو الرجل يَحْلِفُ على الشيء ثم ينساه. 274- عبد الرزاق، قال: رأيت ابن المبارك يقرأ على مَعْمَر التفسير. 275- سلمة قال: سمعت أبا عبد الرحمن المقرئ يقول: إذا مسحت برأس اليتيم، فأمسح إلى قفاه، وإذا مسحت من له أبوان فأمسحه إلى قدام.