Verse. 233 (AR)

٢ - ٱلْبَقَرَة

2 - Al-Baqara (AR)

لِلَّذِيْنَ يُؤْلُوْنَ مِنْ نِّسَاۗىِٕہِمْ تَرَبُّصُ اَرْبَعَۃِ اَشْہُرٍ۝۰ۚ فَاِنْ فَاۗءُوْ فَاِنَّ اللہَ غَفُوْرٌ رَّحِيْمٌ۝۲۲۶
Lillatheena yuloona min nisaihim tarabbusu arbaAAati ashhurin fain faoo fainna Allaha ghafoorun raheemun

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«للذين يؤلون من نسائهم» أي يحلفون أن لا يجامعوهن «تربص» انتظار «أربعة أشهر فإن فاءُوا» رجعوا فيها أو بعدها عن اليمين إلى الوطء «فإن الله غفور» لهم ما أتوه من ضرر المرأة بالحلف «رحيم» بهم.

226

Tafseer

الرازي

تفسير : في الآية مسائل: المسألة الأولى: آلى يؤالي إيلاء، وتألى يتألى تألياً، وائتلى يأتلي ائتلاء، والإسم منه ألية وألوة، كلاهما بالتشديد، وحكى أبو عبيدة الوة والوة والوة ثلاثة لغات، وبالجملة فالألية والقسم واليمين، والحلف، كلها عبارات عن معنى واحد، وفي الحديث حكاية عن الله تعالى: «حديث : آليت أفعل خلاف المقدرين»تفسير : وقال كثير:شعر : قليل الألايا حافظ ليمينه فإن سبقت منه الألية برت تفسير : هذا هو معنى اللفظ بحسب أصل اللغة، أما في عرف الشرع فهو اليمين على ترك الوطء، كما إذا قال: والله لا أجامعك، ولا أباضعك، ولا أقربك، ومن المفسرين من قال: في الآية حذف تقديره: للذين يؤلون أن يعتزلوا من نسائهم، إلا أنه حذف لدلالة الباقي عليه، وأنا أقول: هذا الإضمار إنما يحتاج إليه إذا حملنا لفظ الإيلاء على المعهود اللغوي، أما إذا حملناه على المتعارف في الشرع استغنينا عن هذا الإضمار. المسألة الثانية: روي أن الإيلاء في الجاهلية كان طلاقاً قال سعيد بن المسيب: كان الرجل لا يريد المرأة ولا يحب أن يتزوجها غيره فيحلف أن لا يقربها، فكان يتركها بذلك لا أيما ولا ذات بعل، والغرض منه مضارة المرأة، ثم إن أهل الإسلام كانوا يفعلون ذلك أيضاً، فأزال الله تعالى ذلك وأمهل للزوج مدة حتى يتروى ويتأمل، فإن رأى المصلحة في ترك هذه المضارة فعلها، وإن رأى المصلحة في المفارقة عن المرأة فارقها. المسألة الثالثة: قرأ عبد الله {آلوا مِن نّسَائِهِمْ } وقرأ ابن عباس رضي الله عنهما {يَقْسِمُونَ مِن نّسَائِهِمْ }. أما قوله: {مِن نّسَائِهِمْ } ففيه سؤال، وهو أنه يقال: المتعارف أن يقال: حلف فلان على كذا أو آلى على كذا، فلم أبدلت لفظة على ههنا بلفظة {مِنْ }؟. والجواب من وجهين: الأول: أن يراد لهم من نسائهم تربص أربعة أشهر، كما يقال: لي منك كذا والثاني: أنه ضمن في هذا القسم معنى البعد، فكأنه قيل: يبعدون من نسائهم مولين أو مقسمين. أما قوله تعالى: {تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ } فاعلم أن التربص التلبث والانتظار يقال: تربصت الشيء تربصاً، ويقال: ما لي على هذا الأمر ربصة، أي تلبث، وإضافة التربص إلى أربعة أشهر إضافة المصدر إلى الظرف كقوله: بينهما مسيرة يوم، أي مسيرة في يوم ومثله كثير. أما قوله: {فَإِن فَآءوا } فمعناه فإن رجعوا، والفيء في اللغة هو رجوع الشيء إلى ما كان عليه من قبل، ولهذا قيل لما تنسخه الشمس من الظل ثم يعود: فيء، وفرق أهل العربية بين الفيء والظل، فقالوا: الفيء ما كان بالعشي، لأنه الذي نسخته الشمس والظل ما كان بالغداة لأنه لم تنسخه الشمس وفي الجنة ظل وليس فيها فيء، لأنه لا شمس فيها، قال الله تعالى: {أية : وَظِلّ مَّمْدُودٍ } تفسير : [الواقعة: 30] وأنشدوا:شعر : فلا الظل من برد الضحى يستطيعه ولا الفيء من برد العشي يذوق تفسير : وقيل: فلان سريع الفيء والفيئة حكاهما الفراء عن العرب، أي سريع الرجوع عن الغضب إلى الحالة المتقدمة وقيل: لما رده الله على المسلمين من مال المشركين فيء كأنه كان لهم فرجع إليهم فقوله: {فَإِن فَآءوا } معناه فإن فرجعوا عما حلفوا عليه من ترك جماعها {فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } للزوج إذا تاب من إضراره بامرأته كما أنه غفور رحيم لكل التائبين. أما قوله تعالى: {وَإِنْ عَزَمُواْ ٱلطَّلَـٰقَ فَإِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ } فاعلم أن العزم عقد القلب على الشيء يقال عزم على الشيء يعزم عزماً وعزيمة، وعزمت عليك لتفعلن، أي أقسمت، والطلاق مصدر طلقت المرأة أطلق طلاقاً، وقال الليث: طلقت بضم اللام، وقال ابن الأعرابـي: طلقت بضم اللام من الطلاق أجود، ومعنى الطلاق هو حل عقد النكاح بما يكون حلالاً في الشرع، وأصله من الإنطلاق، وهو الذهاب، فالطلاق عبارة عن انطلاق المرأة، فهذا ما يتعلق بتفسير لفظ الآية. أما الأحكام فكثيرة ونذكر هاهنا بعض ما دلت الآية عليه في مسائل: المسألة الأولى: كل زوج يتصور منه الوقاع، وكان تصرفه معتبراً في الشرع، فإنه يصح منه الإيلاء، وهذا القيد معتبر طرداً وعكساً. أما الطرد فهو أن كل من كان كذلك صح إيلاؤه، ويتفرع عليه أحكام الأول: يصح إيلاء الذمي، وهو قول أبـي حنيفة رضي الله عنه، وقال أبو يوسف ومحمد: لا يصح إيلاؤه بالله تعالى ويصح بالطلاق والعتاق لنا قوله تعالى: {لّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نّسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ } وهذا العموم يتناول الكافر والمسلم. الحكم الثاني: قال الشافعي رضي الله عنه: مدة الإيلاء لا تختلف بالرق والحرية فهي أربعة أشهر سواء كان الزوجان حرين أو رقيقين، أو أحدهما كان حراً والآخر رقيقاً، وعند أبـي حنيفة ومالك رضي الله عنهما تتنصف بالرق، إلا أن عند أبـي حنيفة تتنصف برق المرأة، وعند مالك برق الرجل، كما قالا في الطلاق لنا إن ظاهر قوله تعالى: {لّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نّسَائِهِمْ } يتناول الكل، والتخصيص خلاف الظاهر، لأن تقدير هذه المدة إنما كان لأجل معنى يرجع إلى الجبلة والطبع، وهو قلة الصبر على مفارقة الزوج، فيستوي فيه الحر والرقيق، كالحيض، ومدة الرضاع ومدة العنة. الحكم الثالث: يصح الإيلاء في حال الرضا والغضب، وقال مالك: لا يصح إلا في حال الغضب لنا ظاهر هذه الآية. الحكم الرابع: يصح الإيلاء من المرأة سواء كانت في صلب النكاح، أو كانت مطلقة طلقة رجعية، بدليل أن الرجعية يصدق عليها أنها من نسائه، بدليل أنه لو قال: نسائي طوالق، وقع الطلاق عليها، وإذا ثبت أنها من نسائه دخلت تحت الآية لظاهر قوله: {لّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نّسَائِهِمْ }. أما عكس هذه القضية. وهو أن من لا يتصور منه الوقاع لا يصح إيلاؤه، ففيه حكمان: الحكم الأول: إيلاء الخصي صحيح، لأنه يجامع كما يجامع الفحل، إنما المفقود في حقه الإنزال وذلك لا أثر له: ولأنه داخل تحت عموم الآية. الحكم الثاني: المجبوب إن بقي منه ما يمكنه أن يجامع به صح إيلاؤه وإن لم يبق ففيه قولان أحدهما: أنه لا يصح إيلاؤه وهو قول أبـي حنيفة رضي الله عنه والثاني: أنه يصح لعموم هذه الآية، لأن قصد المضارة باليمين قد حصل منه. القيد الثاني: أن يكون زوجاً، فلو قال لأجنبية: والله لا أجامعك ثم نكحها لم يكن مؤلياً لأن قوله تعالى: {لّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نّسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ } يفيد أن هذا الحكم لهم لا لغيرهم، كقوله: {أية : لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِىَ دِينِ } تفسير : [الكافرون: 6] أي لكم لا لغيركم. المسألة الثانية: المحلوف به والحلف إما أن يكون بالله أو بغيره، فإن كان بالله كان مولياً ثم إن جامعها في مدة الإيلاء خرج عن الإيلاء، وهل تجب كفارة اليمين فيه قولان: الجديد وهو الأصح، وقول أبـي حنيفة رضي الله عنه أنه تجب كفارة اليمين، والقديم أنه إذا فاء بعد مضي المدة أو في خلال المدة فلا كفارة عليه، حجة القول: والله لا أقربك ثم يقربها، وبين أن يقول: والله لا أكلمك ثم يكلمها وحجة القول القديم قوله تعالى: {فَإِن فَآءوا فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } والاستدلال به من وجهين أحدهما: أن الكفارة لو كانت واجبة لذكرها الله ههنا، لأن الحاجة ههنا داعية إلى معرفتها، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز والثاني: أنه تعالى كما لم يذكر وجوب الكفارة نبه على سقوطها بقوله: {فَإِن فَآءوا فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } والغفران يوجب ترك المؤاخذة وللأولين أن يجيبوا فيقولوا: إنما ترك الكفارة ههنا لأنه تعالى بينها في القرآن وعلى لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم في سائر المواضع. أما قوله: {غَفُورٌ رَّحِيمٌ } فهو يدل على عدم العقاب، لكن عدم العقاب لا ينافي وجوب الفعل، كما أن التائب عن الزنا والقتل لا عقاب عليه، ومع ذلك يجب عليه الحد والقصاص، وأما إن كان الحلف في الإيلاء بغير الله كما إذا قال: إن وطئتك فعبدي حر، أو أنت طالق، أو ضرتك طالق، أو ألزم أمراً في الذمة، فقال: إن وطئتك فلله علي عتق رقبة، أو صدقة، أو صوم، أو حج، أو صلاة، فهل يكون مولياً للشافعي رضي الله عنه فيه قولان: قال في القديم: لا يكون مولياً، وبه قال أحمد في ظاهر الرواية دليله أن الإيلاء معهود في الجاهلية، ثم قد ثبت أن معهود الجاهلية في هذا الباب هو الحلف بالله، وأيضاً روي أنه صلى الله عليه وسلم قال: من حلف فليحلف بالله، فمطلق الحلف يفهم منه الحلف بالله، وقال في الجديد، وهو قول أبـي حنيفة ومالك وجماعة العلماء رحمهم الله أنه يكون مولياً لأن لفظ الإيلاء يتناول الكل، وعلق القولين فيمينه منعقدة فإن كان قد علق به عتقاً أو طلاقاً، فإذا وطئها يقع ذلك المتعلق، وإن كان المعلق به التزام قربة في الذمة فعليه ما في نذر اللجاج، وفيه أقوال أصحها: أن عليه كفارة اليمين والثاني: عليه الوفاء بما سمى، والثالث: أنه يتخير بين كفارة اليمين وبين الوفاء بما سمى، وفائدة هذين القولين أنا إن قلنا إنه يكون مولياً فبعد مضي أربعة أشهر يضيق الأمر عليه حتى يفيء أو يطلق وإن قلنا: لا يكون مولياً لا يضيق عليه الأمر. المسألة الثالثة: اختلفوا في مقدار مدة الإيلاء على أقوال فالأول: قول ابن عباس أنه لا يكون مولياً حتى يحلف على أن لا يطأها أبداً والثاني: قول الحسن البصري وإسحق: إن أي مدة حلف عليها كان مولياً وإن كانت يوماً، وهذان المذهبان في غاية التباعد والثالث: قول أبـي حنيفة والثوري أنه لا يكون مولياً حتى يحلف على أنه لا يطأها أربعة أشهر أو فيما زاد والرابع: قول الشافعي وأحمد ومالك رضي الله عنهم: إنه لا يكون موالياً حتى تزيد المدة على أربعة أشهر وفائدة الخلاف بين أبـي حنيفة والشافعي رضي الله عنهما أنه إذا آلى منها أكثر من أربعة أشهر أجل أربعة، وهذه المدة تكون حقاً للزوج، فإذا مضت تطالب المرأة الزوج بالفيئة أو بالطلاق، فإن امتنع الزوج منهما طلقها الحاكم عليه، وعن أبـي حنيفة: إذا مضت أربعة أشهر يقع الطلاق بنفسه، حجة الشافعي من وجوه: الحجة الأولى: أن الفاء في قوله: {فَإن فَآءوا فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ، وَإِنْ عَزَمُواْ ٱلطَّلَـٰقَ فَإِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ } تقتضي كون هذين الحكمين مشروعين متراخياً عن انقضاء الأربعة أشهر. فإن قيل: ما ذكرتموه ممنوع لأن قوله: {فَإن فاؤا... وَإِنْ عَزَمُواْ ٱلطَّلَـٰقَ } تفصيل لقوله: {للَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نّسَائِهِمْ } والتفصيل يعقب المفصل، كما تقول: أنا أنزل عندكم هذا الشهر فإن أكرمتموني بقيت معكم وإلا ترحلت عنكم. قلنا: هذا ضعيف لأن قوله: {لّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نّسَائِهِمْ تَرَبُّصُ } هذه المدة يدل على الأمرين والفاء في قوله: {فَان فاءوا } ورد عقيب ذكرهما، فيكون هذا الحكم مشروعاً عقيب الإيلاء، وعقيب حصول التربص في هذه المدة بخلاف المثال الذي ذكره وهو قوله: أنا أنزل عندكم فإن أكرمتموني بقيت وإلا ترحلت، لأن هناك الفاء متأخرة عن ذلك النزول، أما ههنا فالفاء مذكورة عقيب ذكر الإيلاء وذكر التربص، فلا بد وأن يكون ما دخل الفاء عليه واقعاً عقيب هذين الأمرين، وهذا كلام ظاهر. الحجة الثانية: للشافعي رضي الله عنه أن قوله: {وَإِنْ عَزَمُواْ ٱلطَّلَـٰقَ } صريح في أن وقوع الطلاق إنما يكون بإيقاع الزوج، وعلى قول أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه يقع الطلاق بمضي المدة لا بإيقاع الزوج. فإن قيل: الإيلاء الطلاق في نفسه. فالمراد من قوله: {وَإِنْ عَزَمُواْ ٱلطَّلَـٰقَ } الإيلاء المتقدم. قلنا: هذا بعيد لأن قوله: {وَإِنْ عَزَمُواْ ٱلطَّلَـٰقَ } لا بد وأن يكون معناه: وإن عزم الذين يؤلون الطلاق، فجعل المؤلى عازماً، وهذا يقتضي أن يكون الإيلاء والعزم قد اجتمعا، وأما الطلاق فهو متعلق العزم، ومتعلق العزم متأخر عن العزم، فإذاً الطلاق متأخر عن العزم لا محالة، والإيلاء إما أن يكون مقارناً للعزم أو متقدماً، وهذا يفيد القطع بأن الطلاق في هذه الآية مغاير لذلك الإيلاء وهذا كلام ظاهر. الحجة الثالثة: أن قوله تعالى: {وَإِنْ عَزَمُواْ ٱلطَّلَـٰقَ فَإِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ } يقتضي أن يصدر من الزوج شيء يكون مسموعاً، وما ذاك إلا أن نقول تقدير الآية فإن عزموا الطلاق وطلقوا فإن الله سميع لكلامهم، عليم بما في قلوبهم. فإن قيل: لم لا يجوز أن يكون المراد إن الله سميع لذلك الإيلاء. قلنا: هذا يبعد لأن هذا التهديد لم يحصل على نفس الإيلاء، بل إنما حصل على شيء حصل بعد الإيلاء، وهو كلام غيره حتى يكون {فَإِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ } تهديداً عليه. الحجة الرابعة: أن قوله تعالى: {فَان فاءوا وَإِنْ عَزَمُواْ } ظاهره التخيير بين الأمرين، وذلك يقتضي أن يكون وقت ثبوتهما واحداً، وعلى قول أبـي حنيفة ليس الأمر كذلك. الحجة الخامسة: أن الإيلاء في نفسه ليس بطلاق، بل هو حلف على الامتناع من الجماع مدة مخصوصة إلا أن الشرع ضرب مقداراً معلوماً من الزمان، وذلك لأن الرجل قد يترك جماع المرأة مدة من الزمان لا بسبب المضارة، وهذا إنما يكون إذا كان الزمان قصيراً، فأما ترك الجماع زماناً طويلاً فلا يكون إلا عند قصد المضارة، ولما كان الطول والقصر في هذا الباب أمراً غير مضبوط، بين تعالى حداً فاصلاً بين القصير والطويل، فعند حصول هذه تبين قصد المضارة، وذلك لا يوجب ألبتة وقوع الطلاق، بل اللائق بحكمة الشرع عند ظهور قصد المضارة أنه يؤمر إما بترك المضارة أو بتخليصها من قيد الإيلاء، وهذا المعنى معتبر في الشرع كما قلنا في ضرب الأجل في مدة العنين وغيره حجة أبـي حنيفة رضي الله عنه أن عبد الله بن مسعود قرأ، فإن فاؤا فيهن. والجواب الصحيح: أن القراءة الشاذة مردودة لأن كل ما كان قرآناً وجب أن يثبت بالتواتر فحيث لم يثبت بالتواتر قطعنا أنه ليس بقرآن وأولى الناس بهذا أبو حنيفة، فإنه بهذا الحرف تمسك في أن التسمية ليست من القرآن، وأيضاً فقد بينا أن الآية مشتملة على أمور ثلاثة دلت على أن هذه الفيئة لا تكون في المدة، فالقراءة الشاذة لما كانت مخالفة لها وجب القطع بفسادها.

القرطبي

تفسير : فيه أربع وعشرون مسألة: الأُولىٰ ـ قوله تعالىٰ: {لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ} «يُؤْلُونَ» معناه يحلفون، والمصدر إيْلاَءٌ وَألِيّةٌ وألْوَةٌ وإلْوَة. وقرأ أبيّ وٱبن عباس «للذين يقسمون». ومعلوم أن «يقسمون» تفسير «يؤلون» وقرىء «للذين آلوْا» يُقال: آلَى يُؤْلِي إيلاَءً، وتألّى تألِّياً، وٱئتلىٰ ٱئتلاء، أي حلف؛ ومنه {أية : وَلاَ يَأْتَلِ أُوْلُواْ ٱلْفَضْلِ مِنكُمْ} تفسير : [النور: 22]؛ وقال الشاعر:شعر : فآليتُ لا أنفكّ أحْدُو قصيدةً تكون وإياها بها مثلاً بعدِي تفسير : وقــال آخـر:شعر : قليلُ الألا يَا حافظٌ لِيَمِينِه وإن سبَقَت منه الألِيّة بَرّت تفسير : وقال ٱبن دُرَيِد:شعر : ألِيّةً بِاليَعْمَلاتِ يَرْتَمِي بها النّجَاءُ بين أجْوَازِ الْفَلاَ تفسير : قال عبد الله بن عباس: كان إيلاَءُ الجاهلية السنةَ والسنتيْن وأكثر من ذلك؛ يقصدون بذلك إيذاء المرأة عند المساءة؛ فوقت لهم أربعة أشهر، فمن آلى بأقَلّ من ذلك فليس بإيلاء حكمِيّ. قلت: وقد آلى النبيّ صلى الله عليه وسلم وطلّق، وسبب إيلائه سؤال نسائه إياه من النفقة ما ليس عنده، كذا في صحيح مسلم. وقيل: لأن زينب ردّت عليه هديتَه؛ فغضِب صلى الله عليه وسلم فآلى منهنّ؛ ذكره ٱبن ماجه. الثانية ـ ويلزم الإيلاءُ كلّ من يلزمه الطلاق؛ فالحرّ والعبد والسّكران يلزمه الإيلاَءُ. وكذلك السفيه والمولى عليه إذا كان بالغاً غير مجنون، وكذلك الخَصِيّ إذا لم يكن مَجبوباً، والشيخ إذا كان فيه بقية رَمَقٍ ونَشاطٍ. وٱختلف قول الشافعيّ في المجبوب إذا آلى؛ ففي قول: لا إيلاء له. وفي قول: يصح إيلاؤه؛ والأوّل أصح وأقرب إلى الكتاب والسنة، فإنّ الفَيْء هو الذي يُسقط اليمينَ؛ والفَيْء بالقول لا يسقطها؛ فإذا بقيت اليمين المانعة من الحنث بقي حكم الإيلاء. وإيلاء الأخْرَس بما يفهم عنه من كتابةٍ أو إشارة مفهومةٍ لازمٌ له؛ وكذلك الأعجميّ إذا آلى من نسائه. الثالثة ـ وٱختلف العلماء فيما يقع به الإيلاء من اليمين؛ فقال قوم: لا يقع الإيلاء إلا باليمين بالله تعالى وحده لقوله عليه السلام: «حديث : من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليَصْمُت»تفسير : . وبه قال الشافعيّ في الجديد. وقال ٱبن عباس: كل يَمينٍ مَنعتْ جماعاً فهي إيلاءٌ؛ وبه قال الشعبيّ والنخعيّ ومالكٌ وأهلُ الحجاز وسفيان الثوريّ وأهل العراق، والشافعيّ في القول الآخر، وأبو ثور وأبو عبيد وٱبن المنذر والقاضي أبو بكر بن العربيّ. قال ٱبن عبد البر: وكل يمين لا يقدِر صاحبها على جِماع ٱمرأته من أجلها إلاّ بأن يَحنث فهو بها مُولٍ، إذا كانت يمينه على أكثر من أربعة أشهر؛ فكلّ من حلف بالله أو بصفة من صفاته أو قال: أقسم بالله، أو أشهد بالله، أو عليّ عهدُ الله وكَفَالتُه وميثاقُه وذمّتُه فإنه يلزمه الإيلاء. فإن قال: أقسم أو أعزم ولم يذكر بـ «الله» فقيل: لا يدخل عليه الإيلاء، إلا أن يكون أراد بـ «الله» ونواه. ومن قال إنه يمينٌ يدخل عليه؛ وسيأتي بيانه في «المائدة» إن شاء الله تعالى. فإن حلف بالصيام ألا يطأ ٱمرأته فقال: إن وطِئتك فعليّ صيام شهرٍ أو سنةٍ فهو مولٍ. وكذلك كل ما يلزمه من حج أو طلاق أو عتق أو صلاة أو صدقة. والأصل في هذه الجملة عموم قوله تعالى: {لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ} ولم يفرّق؛ فإذا آلى بصدقة أو عتق عبد معين أو غير معين لزم الإيلاء. الرابعة ـ فإن حلف بالله ألا يَطأَ وٱستثنى فقال: إن شاء الله فإنه يكون مولياً؛ فإن وطئها فلا كفارة عليه في رواية ٱبن القاسم عن مالك. وقال ٱبن الماجشون في المبسوط: ليس بمول؛ وهو أصح لأن الاستثناء يُحل اليمين ويجعل الحالف كأنه لم يحلف؛ وهو مذهب فقهاء الأمصار، لأنه بيّن بالاستثناء أنه غير عازم على الفعل. ووجه ما رواه ٱبن القاسم مبنيّ على أن الاستثناء لا يحل اليمين، ولكنه يؤثِّر في إسقاط الكفارة؛ على ما يأتي بيانه في «المائدة» فلما كانت يمينه باقية منعقدة لزمه حكم الإيلاء وإن لم تجب عليه كفارة. الخامسة ـ فإن حلف بالنبيّ أو الملائكة أو الكعبة ألا يطأها؛ أو قال هو يهوديّ أو نصرانيّ أو زانٍ إن وطئها؛ فهذا ليس بمول؛ قاله مالك وغيره. قال الباجي: ومعنى ذلك عندي أنه أورده على غير وجه القسم، وأما لو أورده على أنه مولٍ بما قاله من ذلك أو غيره، ففي المبسوط: أن ٱبن القاسم سئل عن الرجل يقول لامرأته: لا مرحباً، يريد بذلك الإيلاء يكون مولياً؛ قال قال مالك: كل كلامٍ نوى به الطلاق فهو طلاق؛ وهذا والطلاق سواء. السادسة ـ وٱختلف العلماء في الإيلاء المذكور في القرآن؛ فقال ٱبن عباس: لا يكون مولياً حتى يحلف ألا يمسها أبداً. وقالت طائفة: إذا حلف ألا يقرب ٱمرأته يوماً أو أقل أو أكثر ثم لم يطأ أربعة أشهر بانت منه بالإيلاء؛ روي هذا عن ٱبن مسعود والنخعيّ وٱبن أبي ليلى والحَكَم وحمادِ بنِ أبي سليمان وقتادة، وبه قال إسحاق. قال ٱبن المنذر: وأنكر هذا القول كثير من أهل العلم. وقال الجمهور: الإيلاء هو أن يحلف ألا يطأ أكثر من أربعة أشهر؛ فإن حلف على أربعة فما دونها لا يكون مولياً؛ وكانت عندهم يميناً محضاً، لو وطىء في هذه المدة لم يكن عليه شيء كسائر الأيمان؛ هذا قول مالك والشافعيّ وأحمد وأبي ثور. وقال الثوريّ والكوفيون: الإيلاء أن يحلف على أربعة أشهر فصاعداً؛ وهو قول عطاء. قال الكوفيون: جعل الله التربص في الإيلاء أربعة أشهر كما جعل عدّة الوفاة أربعة أشهر وعشراً، وفي العدّة ثلاثة قُرُوء؛ فلا تربّص بعد. قالوا: فيجب بعد المدّة سقوط الإيلاء، ولا يسقط إلا بالفيء وهو الجماع في داخل المدّة، والطلاق بعد ٱنقضاء الأربعة الأشهر. وٱحتج مالك والشافعيّ فقالا: جعل الله للمولي أربعة أشهر؛ فهي له بكمالها لا ٱعتراض لزوجته عليه فيها؛ كما أن الديْن المؤجَّل لا يستحق صاحبه المطالبة به إلا بعد تمام الأجل. ووجه قول إسحاق ـ في قليل الأمد يكون صاحبه به مولياً إذا لم يطأ ـ القياس على من حلف على أكثر من أربعة أشهر فإنه يكون مولياً؛ لأنه قصد الإضرار باليمين؛ وهذا المعنى موجود في المدّة القصيرة. السابعة ـ وٱختلفوا أن من حلف ألا يطأ ٱمرأته أكثر من أربعة أشهر فٱنقضت الأربعة الأشهر ولم تطالبه ٱمرأته ولا رفعته إلى السلطان ليوقفه، لم يلزمه شيء عند مالك وأصحابِه وأكثر أهل المدينة. ومن علمائنا من يقول: يلزمه بٱنقضاء الأربعة الأشهر طلقة رجعية. ومنهم ومِن غيرهم من يقول: يلزمه طلقة بائنة بٱنقضاء الأربعة الأشهر. والصحيح ما ذهب إليه مالك وأصحابه؛ وذلك أن المولِي لا يلزمه طلاق حتى يوقفه السلطان بمطالبة زوجته له ليفىء فيراجع ٱمرأته بالوطء ويكفر يمينه أو يطلق، ولا يتركه حتى يفىء أو يطلق. والفيء: الجماع فيمن يمكن مجامعتها. قال سليمان بن يسار: كان تسعة رجال من أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم يوقفون في الإيلاء؛ قال مالك: وذلك الأمر عندنا؛ وبه قال الليث والشافعيّ وأحمد وإسحاق وأبو ثور، وٱختاره ٱبن المنذر. الثامنة ـ وأجل المولي من يوم حلف لا من يوم تخاصمه ٱمرأته وترفعه إلى الحاكم؛ فإن خاصمته ولم ترض بٱمتناعه من الوطء ضرب له السلطان أجل أربعة أشهر من يوم حلف، فإن وطىء فقد فاء إلى حق الزوجة وكفر عن يمينه، وإن لم يفىء طلق عليه طلقة رجعية. قال مالك: فإن راجع لا تصح رجعته حتى يطأ في العدّة. قال الأبهرِيّ: وذلك أن الطلاق إنما وقع لدفع الضرر؛ فمتى لم يطأ فالضرر باق، فلا معنى للرجعة إلا أن يكون له عذر يمنعه من الوطء فتصح رجعته؛ لأن الضرر قد زال، وٱمتناعه من الوطء ليس من أجل الضرر وإنما هو من أجل العذر. التاسعة ـ وٱختلف العلماء في الإيلاء في غير حال الغضب؛ فقال ٱبن عباس: لا إيلاء إلا بغضب، وروي عن عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه في المشهور عنه، وقاله الليث والشعبيّ والحسن وعطاء، كلهم يقولون: الإيلاء لا يكون إلا على وجه مغاضبة ومشارّة وحرجة ومناكدة ألا يجامعها في فرجها إضراراً بها؛ وسواء كان في ضمن ذلك إصلاح ولد أم لم يكن؛ فإن لم يكن عن غضب فليس بإيلاء. وقال ٱبن سيرين: سواء كانت اليمين في غضب أو غير غضب هو إيلاء؛ وقاله ٱبن مسعود والثوريّ ومالك وأهل العراق والشافعيّ وأصحابه وأحمد، إلا أن مالكاً قال: ما لم يرد إصلاح ولد. قال ٱبن المنذر: وهذا أصح؛ لأنهم لما أجمعوا أن الظهار والطلاق وسائر الأيمان سواء في حال الغضب والرّضا كان الإيلاء كذلك. قلت: ويدل عليه عموم القرآن؛ وتخصيص حالة الغضب يحتاج إلى دليل ولا يؤخذ من وجه يلزم. والله أعلم. العاشرة ـ قال علماؤنا: ومن آمتنع من وطء ٱمرأته بغير يمين حلفها إضراراً بها أمر بوطئها؛ فإن أبى وأقام على ٱمتناعه مضرّاً بها فرّق بينه وبينها من غير ضرب أجل. وقد قيل: يضرب أجل الإيلاء. وقد قيل: لا يدخل على الرجل الإيلاء في هجرته من زوجته وإن أقام سنين لا يغشاها، ولكنه يوعظ ويؤمر بتقوى الله تعالى في ألا يمسكها ضِراراً. الحادية عشرة ـ وٱختلفوا فيمن حلف ألا يطأ ٱمرأته حتى تفطِم ولدها لئلا يمغل ولدها؛ ولم يرد إضراراً بها حتى ينقضي أمد الرّضاع لم يكن لزوجته عند مالكٍ مطالبة لقصد إصلاح الولد. قال مالك: وقد بلغني أن عليّ بن أبي طالب سئل عن ذلك فلم يره إيلاء؛ وبه قال الشافعيّ في أحد قوليه، والقول الآخر يكون مولِياً، ولا ٱعتبار برضاع الولد؛ وبه قال أبو حنيفة. الثانية عشرة ـ وذهب مالك والشافعيّ وأبو حنيفة وأصحابهم والأُوزاعيّ وأحمد بن حنبل إلى أنه لا يكون مولياً من حلف ألا يطأ زوجته في هذا البيت أو في هذه الدار لأنه يجد السبيل إلى وطئها في غير ذلك المكان. قال ٱبن أبي ليلى وإسحاق: إن تركها أربعة أشهر بانت بالإيلاء؛ ألا ترى أنه يوقف عند الأشهر الأربعة؛ فإن حلف ألا يطأها في مصره أو بلده فهو مول عند مالك؛ وهذا إنما يكون في سفر يتكلف المئونة والكلفة دون جنته أو مزرعته القريبة. الثالثة عشرة ـ قوله تعالى: {مِن نِّسَآئِهِمْ} يدخل فيه الحرائر والذميات والإماء إذا تزوّجن. والعبد يلزمه الإيلاء من زوجته. قال الشافعيّ وأحمد وأبو ثور: إيلاؤه مثل إيلاء الحرّ؛ وحجتهم ظاهر قوله تعالى: {لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ} فكان ذلك لجميع الأزواج. قال ٱبن المنذر: وبه أقول. وقال مالك والزهريّ وعطاء بن أبي رباح وإسحاق: أجله شهران. وقال الحسن والنخعيّ: إيلاؤه من زوجته الأمةِ شهران، ومن الحرّة أربعة أشهر؛ وبه قال أبو حنيفة. وقال الشعبيّ: إيلاء الأمة نصف إيلاءِ الحرّة. الرابعة عشرة ـ قال مالك وأصحابه وأبو حنيفة وأصحابه والأُوزاعيّ والنخعيّ وغيرهم: المدخول بها وغير المدخول بها سواء في لزوم الإيلاء فيهما. وقال الزهريّ وعطاء والثوريّ: لا إيلاء إلا بعد الدخول. وقال مالك: ولا إيلاء من صغيرة لم تبلغ، فإن آلى منها فبلغت لزم الإيلاء من يوم بلوغها. الخامسة عشرة ـ وأما الذميّ فلا يصح إيلاؤه؛ كما لا يصح ظِهاره ولا طلاقه؛ وذلك أن نكاح أهلِ الشرك ليس عندنا بنكاح صحيح، وإنما لهم شبهة يدٍ، ولأنهم لا يكلفون الشرائع فتلزمهم كفارات الأيمان، فلو ترافعوا إلينا في حكم الإيلاء لم ينبغِ لحاكمنا أن يحكم بينهم، ويذهبون إلى حكامهم؛ فإن جرى ذلك مجرى التظالم بينهم حكم بحكم الإسلام؛ كما لو ترك المسلم وطء زوجته ضِراراً من غير يمين. السادسة عشرة ـ قوله تعالى: {تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ} التربص: التأنِّي والتأخُّر؛ مقلوب التصبر؛ قال الشاعر:شعر : تَرَبَّصْ بها رَيْبَ المُنونِ لعلّها تطَلَّق يوماً أو يموتُ حَلِيلُها تفسير : وأما فائدة توقيت الأربعة الأشهر فيما ذكر ٱبن عباس عن أهل الجاهلية كما تقدّم، فمنع الله من ذلك وجعل للزوج مدّة أربعة أشهر في تأديب المرأة بالهجر؛ لقوله تعالى: {أية : وَٱهْجُرُوهُنَّ فِي ٱلْمَضَاجِعِ} تفسير : [النساء: 34]. وقد آلى النبي صلى الله عليه وسلم من أزواجه شهراً تأديباً لهنّ. وقد قيل: الأربعة الأشهر هي التي لا تستطيع ذات الزوج أن تصبر عنه أكثر منها؛ وقد روى أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يطوف ليلة بالمدينة فسمع ٱمرأة تنشِد:شعر : ألا طال هذا اللّيْلُ وٱسْوَدّ جانبُه وأرّقَنِي أن لا حَبِيبَ ألاَعِبُهْ فواللّهِ لولا اللَّهُ لا شيءَ غيره لزُعْزِعَ من هذا السّريرِ جوانِبُهْ مخافةَ ربّي والحَيَاءُ يكفّني وإكرامَ بَعْلِي أن تُنال مراكِبُهْ تفسير : فلما كان من الغد آستدعى عمر بتلك المرأة وقال لها: أين زوجك؟ فقالت: بعثتَ به إلى العراق! فاستدعى نساء فسألهنّ عن المرأة كم مقدار ما تصبِر عن زوجها؟ فقلن: شهرين، ويَقلّ صبرها في ثلاثة أشهر، وينفَدُ صبرُها في أربعة أشهر، فجعل عمر مدّة غزوِ الرجل أربعة أشهر؛ فإذا مضت أربعةُ أشهر ٱستردّ الغازين ووجه بقوم آخرين؛ وهذا والله أعلم يقوِّي ٱختصاص مدّة الإيلاء بأربعة أشهر. السابعة عشرة ـ قوله تعالى: {فَإِنْ فَآءُوا} معناه رجعوا؛ ومنه {أية : حَتَّىٰ تَفِيۤءَ إِلَىٰ أَمْرِ ٱللَّهِ}تفسير : [الحجرات: 9] ومنه قيل للظل بعد الزوال: فَيْءٌ؛ لأنه رجع من جانب المشرق إلى جانب المغرب؛ يقال: فاء يَفِيءُ فَيْئَةً وفُيُوءاً. وإنه لسريع الفيئة، يعني الرجوع. قال:شعر : ففاءَتْ ولم تَقِض الذي أقبلَتْ له ومِنْ حاجة الإنْسان ما ليس قاضياً تفسير : الثامنة عشرة ـ قال ٱبن المنذر: أجمع كلُّ من يُحفظ عنه من أهل العلم على أن الفيء الجماع لمن لا عذر له؛ فإن كان له عذر مرض أو سجن أو شبه ذلك فإن ٱرتجاعه صحيح وهي ٱمرأته؛ فإذا زال العذر بقدومه من سفره أو إفاقته من مرضه، أو ٱنطلاقه من سجنه فأبى الوطء فُرّق بينهما إن كانت المدّة قد ٱنقضت؛ قاله مالك في المدونة والمبسوط. وقال عبد الملك: وتكون بائنا منه يوم ٱنقضت المدّة، فإن صدق عذره بالفيئة إذا أمكنته حكم بصدقه فيما مضى؛ فإن أكذب ما ٱدعاه من الفيئة بالامتناع حين القدرة عليها، حمل أمره على الكذب فيها واللّدَدِ، وأُمْضيت الأحكامُ على ما كانت تجب في ذلك الوقت. وقالت طائفة: إذا شهدت بيِّنة بفيْئته في حال العذر أجزأه؛ قاله الحسن وعكرمة والنخعيّ، وبه قال الأُوزاعيّ. وقال النخعيّ أيضاً: يصح الفيء بالقول والإشهاد فقط، ويسقط حكم الإيلاء؛ أرأيتَ إن لم ينتشر للوطء؛ قال ٱبن عطية: ويرجع هذا القول إن لم يطأ إلى باب الضرر. وقال أحمد بن حنبل: إذا كان له عذر يَفِيءُ بقلبه؛ وبه قال أبو قِلابة. وقال أبو حنيفة: إن لم يقدر على الجماع فيقول: قد فئت إليها. قال الكِيا الطبريّ: أبو حنيفة يقول فيمن آلَى وهو مريض وبينه وبينها مدّة أربعة أشهر، وهي رتقاء أو صغيرة أو هو مجبوب: إنه إذا فَاءَ إليها بلسانه ومضت المدّة والعذرُ قائمٌ فذلك فَيْءٌ صحيح؛ والشافعيّ يخالفه على أحد مذهبيه. وقالت طائفة: لا يكون الفيء إلا بالجماع في حال العذر وغيره؛ وكذلك قال سعيد بن جبير، قال: وكذلك إن كان في سفر أو سجن. التاسعة عشرة ـ أوجب مالك والشافعي وأبو حنيفة وأصحابهم وجمهور العلماء الكفارَة على المولي إذا فاءَ بجماع ٱمرأته. وقال الحسن: لا كفارة عليه؛ وبه قال النخعيّ؛ قال النخعيّ: كانوا يقولون إذا فاء لا كفارة عليه. وقال إسحاق: قال بعض أهل التأويل في قوله تعالى {فَإِنْ فَآءُوا} يعني لليمين التي حنِثوا فيها؛ وهو مذهب في الأيْمَان لبعض التابعين فيمن حلف على بِرأو تقوى أو باب من الخير ألا يفعله فإنه يفعله ولا كفارة عليه؛ والحجة له قوله تعالى: {فَإِنْ فَآءُوا فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}، ولم يذكر كفارة؛ وأيضاً فإن هذا يتركب على أن لغو اليمين ما حلف على معصية، وترك وطء الزوجة معصية. قلت: وقد يستدل لهذا القول من السنة بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها فليتركها فإن تركها كفارتها»تفسير : خرّجه ٱبن ماجه في سننه. وسيأتي لهذا مزيد بيان في آية الأيمان إن شاء الله تعالى. وحجة الجمهور قوله عليه السلام: «حديث : من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه».تفسير : الموفية عشرين ـ إذا كفّر عن يمينه سقط عنه الإيلاءُ؛ قاله علماؤنا. وفي ذلك دليل على تقديم الكفارة على الحنث في المذهب، وذلك إجماع في مسألة الإيلاء، ودليل على أبي حنيفة في مسألة الأيمان؛ إذ لا يرى جواز تقديم الكفارة على الحنث؛ قاله ٱبن العربي. الحادية والعشرون ـ قلت: بهذه الآية ٱستدل محمد بن الحسن على ٱمتناع جواز الكفارة قبل الحنث فقال: لما حكم الله تعالى للمولى بأحد الحكمين من فيء أو عزيمة الطلاق؛ فلو جاز تقديم الكفارة على الحنث لبطل الإيلاء بغير فيء أو عزيمة الطلاق؛ لأنه إن حنِث لا يلزمه بالحنث شيء، ومتى لم يلزم الحانث بالحنث شيء لم يكن مُولِياً. وفي جواز تقديم الكفارة إسقاط حكم الإيلاء بغير ما ذكر الله، وذلك خلاف الكتاب. الثانية والعشرون ـ قال الله تعالى: {وَإِنْ عَزَمُواْ ٱلطَّلاَقَ فَإِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}. العزيمة: تتميم العقد على الشيء؛ يقال: عَزَم عليه يعزِم عُزْماً (بالضم) وعَزيمة وعَزيماً وعَزَماناً، وٱعْتزم ٱعْتزاماً، وعزمتُ عليك لتفعلنّ، أي أقسمت عليك. قال شمِر: العزيمة والعزم ما عقدت عليه نفسَك من أمر أنك فاعله. والطلاق من طلقت المرأة تطلق (على وزن نصر ينصر) طلاقاً؛ فهي طالق وطالقة أيضاً. قال الأعشىّ:شعر : أيـا جارتـا بينِـي فإنـكِ طالِقـة تفسير : ويجوز طلقت (بضم اللام) مثل عظُم يعظُم؛ وأنكره الأخفش. والطلاق حل عقدة النكاح؛ وأصله الانطلاق، والمطلقات المخلّيات، والطلاق: التخلية؛ يقال: نعجة طالق، وناقة طالق؛ أي مهملة قد تركت في المرعى لا قيد عليها ولا راعي، وبعير طلق (بضم الطاء واللام) غير مقيَّد؛ والجمع أطلاق، وحبس فلان في السجن طلقاً أي بغير قيد، والطالق من الإبل: التي يتركها الراعي لنفسه لا يحتلبها على الماء؛ يقال: ٱستطلق الراعي ناقة لنفسه. فسميت المرأة المخلّى سبيلها بما سميت به النعجة أو الناقة المهمل أمرها. وقيل: إنه مأخوذ من طلَق الفرس، وهو ذهابه شوطاً لا يُمنع؛ فسميت المرأة المخلاّة طالقاً لا تمنع من نفسها بعد أن كانت ممنوعة. الثالثة والعشرون ـ في قوله تعالى: {وَإِنْ عَزَمُواْ ٱلطَّلاَقَ} دليل على أنها لا تطلق بمضيّ مدّة أربعة أشهر؛ كما قال مالك، ما لم يقع إنشاء تطليق بعد المدّة، وأيضاً فإنه قال: «سميع» وسميع يقتضي مسموعاً بعد المضيّ. وقال أبو حنيفة: «سميع» لإيلائه، «عليم» بعزمه الذي دلّ عليه مضيّ أربعة أشهر. وروى سهيل بن أبي صالح عن أبيه قال: سألت ٱثنى عشر رجلاً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرجل يُولِي من ٱمرأته؛ فكلهم يقول: ليس عليه شيء حتى تمضي أربعة أشهر فيوقف؛ فإن فاء وإلا طلّق. قال القاضي ٱبن العربيّ: وتحقيق الأمر أن تقدير الآية عندنا: «للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر فإن فاءوا» بعد ٱنقضائها«فإن الله غفور رحيم. وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم». وتقديرها عندهم: «للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر فإن فاءوا» فيها «فإن الله غفور رحيم. وإن عزموا الطلاق» بترك الفيئة فيها، يريد مدّة التربص فيها «فإن الله سميع عليم». ٱبن العربيّ: وهذا ٱحتمال متساوٍ، ولأجل تساويه توقفت الصحابة فيه. قلت: وإذا تساوى الاحتمال كان قول الكوفيين أقوى قياساً على المعتدّة بالشهور والأقراء، إذ كل ذلك أجل ضربه الله تعالى؛ فبٱنقضائه ٱنقطعت العصمة وأبينت من غير خلاف، ولم يكن لزوجها سبيل عليها إلا بإذنها؛ فكذلك الإيلاء، حتى لو نسى الفيء وٱنقضت المدّة لوقع الطلاق، والله أعلم. الرابعة والعشرون ـ قوله تعالى: {وَإِنْ عَزَمُواْ ٱلطَّلاَقَ} دليل على أن الأمة بِملك اليمين لا يكون فيها إيلاء، إذ لا يقع عليها طلاق، والله أعلم.

البيضاوي

تفسير : {لّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نّسَائِهِمْ} أي يحلفون على أن لا يجامعوهن. والإِيلاء: الحلف، وتعديته بعلى ولكن لما ضمن هذا القسم معنى البعد عدي بمن. {تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ} مبتدأ وما قبله خبره، أو فاعل الظرف على خلاف سبق، والتربص الانتظار والتوقف أضيف إلى الظرف على الاتساع، أي للمولى حق التلبث في هذه المدة فلا يطالب بفيء، ولا طلاق، ولذلك قال الشافعي: لا إيلاء إلا في أكثر من أربعة أشهر ويؤيده {فَإِنْ فَاؤُوا} رجعوا في اليمين بالحنث، {فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} للمولى إثم حنثه إذا كفر، أو ما توخى بالإِيلاء من ضرار المرأة ونحوه، بالفيئة التي هي كالتوبة.

ابن كثير

تفسير : الإيلاء الحلف، فإذا حلف الرجل أن لا يجامع زوجته مدة، فلا يخلو إما أن يكون أقل من أربعة أشهر، أو أكثر منها، فإن كانت أقل، فله أن ينتظر انقضاء المدة، ثم يجامع امرأته، وعليها أن تصبر، وليس لها مطالبته بالفيئة في هذه المدة، وهذا كما ثبت في الصحيحين عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم آلى من نسائه شهراً، فنزل لتسع وعشرين، وقال: «حديث : الشهر تسع وعشرون»تفسير : ولهما عن عمر بن الخطاب نحوه، فأما إن زادت المدة على أربعة أشهر، فللزوجة مطالبة الزوج عند انقضاء أربعة أشهر، إما أن يفيء، أي: يجامع، وإما أن يطلق، فيجبره الحاكم على هذا، وهذا لئلا يضر بها، ولهذا قال تعالى: {لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ} أي: يحلفون على ترك الجماع عن نسائهم، فيه دلالة على أن الإيلاء يختص بالزوجات دون الإماء؛ كما هو مذهب الجمهور {تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ} أي: ينتظر الزوج أربعة أشهر من حين الحلف، ثم يوقف ويطالب بالفيئة أو الطلاق، ولهذا قال: {فَإِن فَآءُوا} أي: رجعوا إلى ما كانوا عليه، وهو كناية عن الجماع، قاله ابن عباس ومسروق والشعبي وسعيد بن جبير وغير واحد، ومنهم ابن جرير رحمه الله {فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} لما سلف من التقصير في حقهن بسبب اليمين. قوله: {فَإِن فَآءُوا فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} فيه دلالة لأحد قولي العلماء، وهو القديم عن الشافعي أن المولي إذا فاء بعد الأربعة الأشهر أنه لا كفارة عليه، ويعتضد بما تقدم في الحديث عند الآية التي قبلها عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها، فتركها كفارتها»تفسير : كما رواه أحمد وأبو داود والترمذي، والذي عليه الجمهور، وهو الجديد من مذهب الشافعي، أن عليه التكفير؛ لعموم وجوب التكفير على كل حالف، كما تقدم أيضاً في الأحاديث الصحاح، والله أعلم. وقوله: {وَإِنْ عَزَمُواْ ٱلطَّلَـٰقَ} فيه دلالة على أن الطلاق لا يقع بمجرد مضي الأربعة أشهر؛ كقول الجمهور من المتأخرين، وذهب آخرون إلى أنه يقع بمضي أربعة أشهر تطليقة، وهو مروي بأسانيد صحيحة عن عمر وعثمان وعلي وابن مسعود وابن عباس وابن عمر وزيد بن ثابت، وبه يقول ابن سيرين ومسروق والقاسم وسالم والحسن وأبو سلمة وقتادة وشريح القاضي وقبيصة بن ذؤيب وعطاء وأبو سلمة بن عبد الرحمن وسليمان بن طرخان التيمي وإبراهيم النخعي والربيع بن أنس والسدي، ثم قيل: إنها تطلق بمضي الأربعة أشهر طلقة رجعية، قاله سعيد بن المسيب وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام ومكحول وربيعة والزهري ومروان بن الحكم، وقيل: إنها تطلق طلقة بائنة، روي عن علي وابن مسعود وعثمان وابن عباس وابن عمر وزيد بن ثابت، وبه يقول عطاء وجابر بن زيد ومسروق وعكرمة والحسن وابن سيرين ومحمد بن الحنفية وإبراهيم وقبيصة بن ذؤيب وأبو حنيفة والثوري والحسن بن صالح. فكل من قال: إنها تطلق بمضي الأربعة أشهر أوجب عليها العدة، إلا ما روي عن ابن عباس وأبي الشعثاء: أنها إن كانت حاضت ثلاث حيض فلا عدة عليها، وهو قول الشافعي، والذي عليه الجمهور من المتأخرين أن يوقف، فيطالب إما بهذا، وإما بهذا ولا يقع عليها بمجرد مضيها طلاق، وروى مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر أنه قال: إذا آلى الرجل من امرأته، لم يقع عليه طلاق، وإن مضت أربعة أشهر، حتى يوقف، فإما أن يطلق، وإما أن يفيء، وأخرجه البخاري. وقال الشافعي رحمه الله: أخبرنا سفيان بن عيينة عن يحيى بن سعيد، عن سليمان بن يسار، قال: أدركت بضعة عشر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كلهم يوقف المولي، قال الشافعي: وأقل ذلك ثلاثة عشر، ورواه الشافعي عن علي رضي الله عنه أنه يوقف المولي، ثم قال: وهكذا نقول، وهو موافق لما رويناه عن عمر وابن عمر وعائشة وعثمان وزيد بن ثابت وبضعة عشر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم هكذا قال الشافعي رحمه الله. قال ابن جرير: حدثنا ابن أبي مريم، حدثنا يحيى بن أيوب، عن عبيد الله بن عمر، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، قال: سألت اثني عشر رجلاً من الصحابة عن الرجل يولي من امرأته، فكلهم يقول: ليس عليه شيء حتى تمضي الأربعة أشهر فيوقف، فإن فاء وإلا طلق، ورواه الدارقطني من طريق سهيل. (قلت): وهو يروى عن عمر وعثمان وعلي وأبي الدرداء وعائشة أم المؤمنين وابن عمر وابن عباس، وبه يقول سعيد بن المسيب وعمر بن عبد العزيز ومجاهد وطاوس ومحمد بن كعب والقاسم، وهو مذهب مالك والشافعي وأحمد بن حنبل وأصحابهم رحمهم الله، وهو اختيار ابن جرير أيضاً، وهو قول الليث وإسحاق بن راهويه وأبي عبيد وأبي ثور وداود، وكل هؤلاء قالوا: إن لم يفىء ألزم بالطلاق، فإن لم يطلق طلق عليه الحاكم، والطلقة تكون رجعية، لها رجعتها في العدة، وانفرد مالك بأن قال: لا يجوز له رجعتها حتى يجامعها في العدة، وهذا غريب جداً. قد ذكر الفقهاء وغيرهم في مناسبة تأجيل المولي بأربعة أشهر، الأثر الذي رواه الإمام مالك بن أنس رحمه الله في الموطأ، عن عبد الله بن دينار، قال: خرج عمر بن الخطاب من الليل، فسمع امرأة تقول:شعر : تطاولَ هذا الليلُ واسودَّ جانِبُهْ وأَرَّقَني أَن لا خَليلَ أُلا عِبُهْ و اللّهِ لولا اللّهُ أَني أراقِبُهْ لَحُركَ من هذا السريرِ جوانِبُهْ تفسير : فسأل عمر ابنته حفصة رضي الله عنها: كم أكثر ما تصبر المراة عن زوجها؟ فقالت: ستة أشهر، أو أربعة أشهر، فقال عمر: لا أحبس أحداً من الجيوش أكثر من ذلك. وقال محمد بن إسحاق، عن السائب ابن جبير مولى ابن عباس، وكان قد أدرك أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال: ما زلت أسمع حديث عمرأنه خرج ذات ليلة يطوف بالمدينة، وكان يفعل ذلك كثيراً إذ مر بامرأة من نساء العرب مغلقة بابها، تقول:شعر : تَطاوَلَ هذا الليلُ وازوَرَّ جانِبُهْ وأرَّقَني أَنْ لا ضَجيعَ أُلا عِبُهْ أُلا عِبُهُ طَوْراً وطَوْراً كأَنَّما بدا قَمَراً في ظُلْمَةِ الليلِ حاجِبُهْ يُسَرُّ بهِ مَنْ كانَ يَلْهو بِقُرْبِهِ لطيفُ الحَشا لا يَحْتَويهِ أقارِبُهْ فَوَ اللّهِ لولا اللّهُ لا شيءَ غيرُه لَنُقضَ من هذا السريرِ جوانِبُهْ ولٰكنَّني أَخْشى رَقيباً مُوَكَّلاً بأنفاسِنا لا يَفْتُرُ الدهرَ كاتِبُهْ مخافةُ ربي والحياءُ يصدُّني وإكرامُ بَعْلي أَنْ تُنالَ مَراكِبُهْ تفسير : ثم ذكر بقية ذلك، كما تقدم أو نحوه، وقد روي هذا من طرق وهو من المشهورات.

المحلي و السيوطي

تفسير : {لّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نّسَائِهِمْ } أي يحلفون أن لا يجامعوهن {تَرَبُّصُ } انتظار {أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِن فَآءُو } رجعوا فيها أو بعدها عن اليمين إلى الوطء { فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ } لهم ما أتوه من ضرر المرأة بالحلف {رَّحِيمٌ } بهم.

الشوكاني

تفسير : قوله: {يُؤْلُونَ } أي: يحلفون: والمصدر إيلاء، وألية، وألوة، وقرأ ابن عباس: «الذين آلوا» يقال آلى يؤالي إيلاً، ويأتلي بالتاء ائتلاء: أي: حلف، ومنه: {أية : وَلاَ يَأْتَلِ أُوْلُواْ ٱلْفَضْلِ مِنكُمْ } تفسير : [النور: 22] ومنه: قليل الألايا حافظ ليمينه البيت. وقد اختلف أهل العلم في الإيلاء، فقال الجمهور: إن الإيلاء هو أن يحلف أن لا يطأ امرأته أكثر من أربعة أشهر، فإن حلف على أربعة أشهر، فما دونها لم يكن مولياً، وكانت عندهم يميناً محضاً، وبهذا قال مالك والشافعي، وأحمد، وأبو ثور. وقال الثوري، والكوفيون: الإيلاء أن يحلف على أربعة أشهر فصاعداً، وهو قول عطاء. وروي عن ابن عباس: أنه لا يكون مولياً حتى يحلف أن لا يمسها أبداً. وقالت طائفة: إذا حلف أن لا يقرب امرأته يوماً، أو أقل، أو أكثر ثم لم يطأ أربعة أشهر بانت منه بالإيلاء. وبه قال ابن مسعود، والنخعي، وابن أبي ليلى، والحكم، وحماد بن أبي سليمان، وقتادة، وإسحاق. قال ابن المنذر: وأنكر هذا القول كثير من أهل العلم. قوله: {مِن نّسَائِهِمْ } يشمل الحرائر، والإماء، إذا كنّ زوجات، وكذلك يدخل تحت قوله: {لّلَّذِينَ يُؤْلُونَ } العبد إذا حلف من زوجته، وبه قال الشافعي وأحمد وأبو ثور قالوا: وإيلاؤه كالحر؛ وقال مالك، والزهري، وعطاء، وأبو حنيفة، وإسحاق: إن أجله شهران. وقال الشعبي: إيلاء الأمة نصف إيلاء الحرة. والتربص: التأني والتأخر، قال الشاعر:شعر : تَرَبَّصْ بِها رَيْبَ المنُون لَعَلَّها تطلَّق يَوْماً أو يموتُ حَلِيلُها تفسير : وقت الله سبحانه بهذه المدة دفعاً للضرار عن الزوجة، وقد كان أهل الجاهلية يؤلون السنة، والسنتين، وأكثر من ذلك، يقصدون بذلك ضرار النساء، وقد قيل: إن الأربعة الأشهر هي التي لا تطيق المرأة الصبر عن زوجها زيادة عليها. قوله: {فَإِن فَآءوا } أي: رجعوا ومنه {أية : حَتَّىٰ تَفِىء إِلَىٰ أَمْرِ ٱللَّهِ }تفسير : [الحجرات: 9] أي: ترجع، ومنه قيل: للظل بعد الزوال فيء؛ لأنه رجع عن جانب المشرق إلى جانب المغرب، يقال فاء يفيء فيئة، وفيوءاً، وإنه لسريع الفيئة: أي: الرجعة، ومنه قول الشاعر:شعر : فَفاءَت وَلَمَ تقض الَّذي أقبلَتْ له وَمِن حَاجَة الإنسان مَا لَيس قَاضِيا تفسير : قال ابن المنذر: وأجمع كل من يحفظ عنه العلم على أن الفيء: الجماع لمن لا عذر له، فإن كان له عذر مرض أو سجن فهي امرأته، فإذا زال العذر فأبى الوطء فرّق بينهما إن كانت المدة قد انقضت، قاله مالك؛ وقالت طائفة: إذا أشهد على فيئته بقلبه في حال العذر أجزأه. وبه قال الحسن، وعكرمة، والنخعي، والأوزاعي، وأحمد بن حنبل. وقد أوجب الجمهور على المولى إذا فاء بجماع امرأته الكفارة. وقال الحسن، والنخعي: لا كفارة عليه. قوله: {وَإِنْ عَزَمُواْ ٱلطَّلَـٰقَ } العزم: العقد على الشيء ويقال عزم يعزم عزماً وعزيمة وعزماناً واعتزم اعتزاماً، فمعنى عزموا الطلاق: عقدوا عليه قلوبهم. والطلاق: من طلقت المرأة تطلق - كنصر ينصر طلاقاً فهي طالق وطالقة أيضاً، ويجوز طلقت بضم اللام، مثل عظم يعظم، وأنكره الأخفش. والطلاق: حلّ عقد النكاح، وفي ذلك دليل على أنها لا تطلق بمضيّ أربعة أشهر كما قال مالك ما لم يقع إنشاء تطليق بعد المدة، وأيضاً، فإنه قال: {سَمِيعُ }، وسميع يقتضي مسموعاً بعد المضيّ. وقال أبو حنيفة: {سَمِيعُ } لإيلائه {عَلِيمٌ } بعزمه الذي دل عليه مضيّ أربعة أشهر. واعلم أن أهل كل مذهب قد فسروا هذه الآية بما يطابق مذهبهم، وتكلفوا بما لم يدل عليه اللفظ، ولا دليل آخر، ومعناها ظاهر واضح، وهو أن الله جعل الأجل لمن يوليَ - أي يحلف من امرأته أربعة أشهر. ثم قال مخبراً لعباده بحكم هذا المُولى بعد هذه المدّة: {فَإِن فَآءوا} رجعوا إلى بقاء الزوجية، واستدامة النكاح {فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } أي: لا يؤاخذهم بتلك اليمين بل يغفر لهم، ويرحمهم {وَإِنْ عَزَمُواْ ٱلطَّلَـٰقَ } أي: وقع العزم منهم عليه، والقصد له {فَإِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ } لذلك منهم {عَلِيمٌ } به، فهذا معنى الآية الذي لا شك فيه، ولا شبهة، فمن حلف أن لا يطأ امرأته، ولم يقيد بمدّة، أو قيد بزيادة على أربعة أشهر كان علينا إمهاله أربعة أشهر، فإذا مضت، فهو بالخيار، إما رجع إلى نكاح امرأته، وكانت زوجته بعد مضيّ المدة كما كانت زوجته قبلها، أو طلقها، وكان له حكم المطلق لامرأته ابتداء، وأما إذا وقت بدون أربعة أشهر، فإن أراد أن يبرّ في يمينه اعتزل امرأته التي حلف منها حتى تنقضي المدة، كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم حين آلى من نسائه شهراً، فإنه اعتزلهنّ حتى مضى الشهر، وإن أراد أن يطأ امرأته قبل مضي تلك المدّة التي هي دون أربعة أشهر حنث في يمينه، ولزمته الكفارة، وكان ممتثلاً لما صح عنه من قوله: «حديث : من حلف على شيء، فرأى غيره خيراً منه فليأت الذي هو خير منه، وليكفر عن يمينه»تفسير : . وقد أخرج الشافعي، وعبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن المنذر، والبيهقي في سننه عن ابن عباس قال: الإيلاء أن يحلف أنه لا يجامعها أبداً. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في سننه عنه في قوله: {لّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نّسَائِهِمْ } قال: هو الرجل يحلف لامرأته بالله لا ينكحها، فتتربص أربعة أشهر، فإن هو نكحها كفَّر عن يمينه، فإن مضت أربعة أشهر قبل أن ينكحها خيَّره السلطان إما أن يفىء، وإما أن يعزم، فيطلق كما قال الله سبحانه. وأخرج سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، والطبراني، والبيهقي عنه؛ قال: كان إيلاء الجاهلية السنة، والسنتين، وأكثر من ذلك، فوقت الله لهم أربعة أشهر، فإن كان إيلاؤه أقلّ من أربعة أشهر، فليس بإيلاء. وأخرج عبد بن حميد، عن علي قال: الإيلاء إيلاءان: إيلاء في الغضب، وإيلاء في الرضا، فأما الإيلاء في الغضب: فإذا مضت أربعة أشهر، فقد بانت منه، وأما ما كان في الرضا، فلا يؤاخذ به، وأخرج ابن جرير، عن ابن عباس قال: لا إيلاء إلا بغضب. وأخرج أبو عبيد في فضائله، وابن المنذر عن أبيّ بن كعب؛ أنه قرأ: «فإن فاءوا فيهنّ فإن الله غفور رحيم». وأخرج عبد بن حميد، عن علي قال: الفيء: الجماع. وأخرج سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر وابن أبي حاتم، والبيهقي في سننه من طرق، عن ابن عباس مثله. وأخرج ابن المنذر، عن ابن مسعود مثله. وأخرج عبد بن حميد عن الحسن، قال: الفيء الإشهاد، وأخرج عبد الرزاق عنه قال: الفيء الجماع، فإن كان له عذر أجزأه أن يفيء بلسانه. أخرج ابن أبي حاتم، عن ابن مسعود قال: إذا حال بينه، وبينها مرض، أو سفر، أو حبس، أو شيء يعذر به، فإشهاده فيء. وللسلف في الفيء أقوال مختلفة، فينبغي الرجوع إلى معنى الفيء لغة، وقد بيناه. وأخرج ابن جرير، عن عمر بن الخطاب: أنه قال في الإيلاء: إذا مضت أربعة أشهر لا شيء عليه حتى يوقف، فيطلق، أو يمسك. وأخرج الشافعي، وابن جرير، والبيهقي، عن عثمان بن عفان نحوه. وأخرج مالك، والشافعي، وعبد بن حميد، وابن جرير، والبيهقي عن عليّ نحوه. وأخرج البخاري، وعبد بن حميد، عن ابن عمر نحوه أيضاً. وأخرج ابن جرير، والبيهقي، عن عائشة نحوه. وأخرج ابن جرير، والدارقطني، والبيهقي من طرق سهيل بن أبي صالح، عن أبيه قال: سألت اثني عشر رجلاً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم عن الرجل يولي من امرأته، فكلهم يقول: ليس عليه شيء حتى تمضي الأربعة الأشهر، فتوقف، فإن فاء، وإلا طلق. وأخرج البيهقي، عن ثابت بن عبيدة مولى زيد بن ثابت، عن اثني عشر رجلاً من الصحابة نحوه. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن أبي حاتم، والبيهقي عن عمر، وعثمان، وعليّ، وزيد بن ثابت، وابن مسعود، وابن عمر، وابن عباس قالوا: الإيلاء تطليقة بائنة إذا مرت أربعة أشهر، قيل أن يفيء، فهي أملك بنفسها، وللصحابة، والتابعين في هذا أقوال مختلفة متناقضة، والمتعين الرجوع إلى ما في الآية الكريمة، وهو ما عرفناك، فاشدد عليه يديك. وأخرج عبد الرزاق عن عمر قال: إيلاء العبد شهران. وأخرج مالك عن ابن شهاب قال: إيلاء العبد نحو إيلاء الحرّ.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ} معنى قوله تعالى: {يُؤْلُونَ} أي يقسمون، والألية: اليمين، قال الشاعر: شعر : كُفِينا مَنْ تعنّت من نِزَار وأحلَلْنا إليه مُقسِمينا تفسير : وفي الكلام حذف، تقديره: للذين يؤلون أن يعتزلوا من نسائهم لكنه إنما دل عليه ظاهر الكلام. واختلفوا في اليمن التي يصير بها مولياً على قولين: أحدهما: هي اليمين بالله وحده. والثاني: هل كل عين لزم الحلف في الحنث بها ما لم يكن لازماً له وكلا القولين عن الشافعي. واختلفوا في الذي إذا حلف عليه صار مُولياً على ثلاثة أقاويل: أحدها: هو أن يحلف على امرأته في حال الغضب على وجه الإضرار بها، أن لا يجامعها في فرجها، وأما إن حلف على غير وجه الإضرار، وعلى غير الغضب فليس بمولٍ، وهو قول عليّ، وابن عباس وعطاء. والثاني: هو أن يحلف أن لا يجامعها في فرجها، سواء كان في غضب أو غير غضب، وهو قول الحسن، وابن سيرين، والنخعي، والشافعي. والثالث: هو كل يمين حلف بها في مساءة امرأته على جماع أو غيره، كقوله والله لأسوءنك أو لأغيظنك، وهو قول ابن المسيب، والشعبي، والحكم. ثم قال تعالى: {فَإِن فَاؤُوا} يعني رجعوا، والفيء والرجوع من حال إلى حال، لقوله تعالى: {أية : حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ الله} تفسير : [الحجرات: 9] أي ترجع، ومنه قول الشاعر: شعر : ففاءَتْ ولم تَقْضِ الذي أقبلت له ومِنْ حَاجَةِ الإنسانِ ما ليْسَ قاضيا تفسير : وفي الفيء ثلاثة تأويلات: أحدها: الجماع لا غير، وهو قول ابن عباس، ومن قال إن المُوِلَي هو الحالف على الجماع دون غيره. والثاني: الجماع لغير المعذور، والنية بالقلب وهو قول الحسن وعكرمة. والثالث: هو المراجعة باللسان بكل غالب أنه الرضا، قاله ابن مسعود، ومن قال إن المُولي هو الحالف على مساءة زوجته. ثم قال تعالى: {فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} وفيه ثلاثة تأويلات: أحدها: أراد غفران الإثم وعليه الكفارة، قاله عليّ وابن عباس وسعيد بن المسيب. والثاني: غفور بتخفيف الكفارة إسقاطها، وهذا قول من زعم أن الكفارة لا تلزم فيما كان الحنث براً، قاله الحسن، وإبراهيم. والثالث: غفور لمأثم اليمين، رحيم في ترخيص المخرج منها بالتفكير، قاله ابن زيد. ثم قال تعالى: {وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاَقَ} الآية. قرأ ابن عباس وإن عزموا السّراح،وفيه ثلاثة تأويلات: أحدها: أن عزيمة الذي لا يفيء حتى تمضي أربعة أشهر فتطلق بذلك. واختلف من قال بهذا في الطلاق الذي يلحقها على قولين: أحدهما: طلقة بائنة، وهو قول عثمان، وعليّ، وابن زيد، وزيد بن ثابت، وابن مسعود، وابن عمر، وابن عباس. والثاني: طلقة رجعية، وهو قول ابن المسيب، وأبي بكر بن عبد الرحمن، وابن شبرمة. الثاني: أن تمضي الأربعة الأشهر، يستحق عليها أن يفيء، أو يطلق، وهو قول عمر، وعلي في رواية عمرو بن سلمة، وابن أبي ليلى عنه، وعثمان في رواية طاووس عنه، وأبي الدرداء وعائشة وابن عمر في رواية نافع عنه. روى سُهَيْلُ بن أبي صالح عن أبيه قال: "سألت اثني عشر رجلاً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم عن الرجل يُولي من امرأته فكلهم يقول: ليس عليه شيء حتى تمضي أربعة أشهر فيوقف، فإن فاء وإلاّ طلق" وهو قول الشافعي، وأهل المدينة. والثالث: ليس الإيلاء بشيء، وهو قول سعيد بن المسيب، في رواية عمرو ابن دينار عنه. وفي قوله تعالى: {فَإِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} تأويلان: أحدهما: يسمع إيلاءه. والثاني: يسمع طلاقه. وفي {عَلِيمٌ} تأويلان: أحدهما: يعلم نيته. والثاني: يعلم صبره.

ابن عبد السلام

تفسير : {يُؤْلُونَ} يقسمون، والأليَّة: القسم، يؤلون أن يعتزلوا من نسائهم فترك لدلالة الكلام عليه، ويختص باليمين بالله ـ تعالى ـ، أو يعم في كل ما يُلزم الحانث ما لم يكن يلزمه. يختص بالجماع وبحال الغضب وقصد الإضرار ولا يجري في حال الرضا وبغير قصد الإضرار، أو يعم الأحوال إذا حلف على الجماع، أو يعم فيما يسوء به زوجته من جماع، أو غيره، كقوله: لأسوأنك أو لأغيظنك، قاله الشعبي وابن المسيب والحكم. {فَآءُو} رجعوا إلى الجماع، أو الجماع لغير المعذور، والفيئة باللسان للمعذور، أو الفيئة باللسان وحده عند من جعله عاماً في غير الجماع. {غَفُورٌ} بإسقاط الكفارة، أو بإسقاط الإثم دون الكفارة.

الخازن

تفسير : قوله عز وجل: {للذين يؤلون من نسائهم} يؤلون أي يحلفون والألية اليمين قال كثير: شعر : قليل الألايا حافظ ليمينه وإن سبقت منه الألية برت تفسير : والإيلاء في عرف الشرع، هو اليمين على ترك الوطء كما إذا قال: والله لا أجامعك أو لا أباضعك أو لا أقربك قال ابن عباس: كان أهل الجاهلية إذا طلب الرجل من امرأته شيئاً فأبت أن تعطيه حلف لا يقربها السنة والسنتين والثلاث فيدعها لا أيّماً، ولا ذات بعل، فلما كان الإسلام جعل الله ذلك للمسلمين أربعة أشهر، وأنزل هذه الآية، وقال سعيد بن المسيب: كان الإيلاء ضرار أهل الجاهلية فكان الرجل يريد امرأته، ولا يحب أن يتزوجها غيره فيحلف أن لا يقربها أبداً فيتركها لا أيماً ولا ذات بعل، وكانوا عليه في ابتداء الإسلام فجعل الله تعالى له الأجل الذي يعلم به ما عند الرجل في المرأة أربعة أشهر، وأنزل هذه الآية للذين يؤلون من نسائهم {تربص} أي اتنظار {أربعة أشهر} والتربص التثبت والانتظار. {فإن فاؤوا} أي رجعوا عن اليمين بالوطء، والمعنى فإن رجعوا عما حلفوا عليه من ترك جماعها {فإن الله غفور رحيم} لزوج إذا تاب من إضراره بامرأته فإنه غفور رحيم لكل التائبين. (فروع) تتعلق بحكم الآية: (الفرع الأول): إذا حلف أنه لا يقرب زوجته أبداً أو مدة هي أكثر من أربعة أشهر فهو مول، فإذا مضت أربعة أشهر، يوقف الزوج، ويؤمر بالفيء وهو الرجوع أو الطلاق، وذلك بعد مطالبة الزوجة فإن رجع عما قال بالوطء إن قدر عليه أو بالقول مع العجز عنه، فإن لم يفيء ولم يطلق طلق عليه الحاكم واحدة، وهو قول عمر وعثمان وأبي الدرداء وابن عمر، قال سليمان بن يسار: أدركت بضعة عشر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كلهم يقول: يوقف المولي. وذهب إليه سعيد بن جبير وسليمان بن يسار ومجاهد. وبه قال مالك والشافعي وأحمد وإسحاق، وقال ابن عباس وابن مسعود: إذا مضت مدة أربعة أشهر يقع عليها طلقة بائنة. وبه قال سفيان الثوري وأبو حنيفة وقال سعيد بن المسيب والزهري: يقع عليها طلقة رجعية. (الفرع الثاني): لو حلف أن لا يطأها أقل من أربعة أشهر، فليس بمول بل هو حالف فإن وطئها قبل مضي المدة لزمه كفارة يمين. (الفرع الثالث): لو حلف أن لا يطأها أربعة أشهر، فليس بمول بعد مضي المدة عند الشافعي لأن بقاء المدة شرط للوقوف، وثبوت المطالبة بالفيء أو الطلاق، وقد مضت المدة، وعند أبي حنيفة يكون مولياً ويقع الطلاق بمضي المدة. (الفرع الرابع): مدة الإيلاء أربعة أشهر في حق الحر والعبد، جميعاً عند الشافعي لأنها مدة ضربت لمعنى يرجع إلى الطبع وهو قلة صبر المرأة عن الزوج فيستوي فيه الحر والعبد كمدة العنة وعن مالك وأبي حنيفة تتنصف مدة الإيلاء بالرق غير أن عند أبي حنيفة تنتصف مدة الإيلاء برق المرأة، وعند مالك برق الزوج كما في الطلاق. (الفرع الخامس): إذا وطئ خرج من الإيلاء ويجب عليه كفارة يمين، وهذا قول أكثر العلماء وقيل: لا كفارة عليه لأن الله تعالى وعده المغفرة فقال: {فإن فاؤوا فإن الله غفور رحيم} ومن قال: بوجوب الكفارة عليه، قال: ذلك في إسقاط العقوبة عنه لا في الكفارة.

ابن عرفة

تفسير : قوله تعالى: {لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ...}. قال ابن العربي: في قول الله عز وجل {أية : وَٱسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ مِّن رِّجَالِكُمْ}تفسير : وفي قول الله عز وجل: {أية : وَٱلَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ}تفسير : أجمعنا على أن الأمة من نسائنا، فليكن العَبْدُ من رجالنا فتجوز شهادته، وكذلك يقال هنا: إن لفظ النساء يتناول الحرائر والإماء. قال ابن عرفة: أو يجاب هنا بالقرينة و هو أن منصب العدالة شريف عظيم فلا تقبل فيه العبيد، وكذلك القرينة هنا (لأجل) أنّ الإيلاء إنّما هو لرفع الضرر على الزوجة والمشقة، فإذا روعي ذلك في الزوجة الحرة لزم أن يراعى في الأمة الزوجة من باب أحرى ما اتصف به من الزلة الموجبة لانتهاك (الحرمة) فضررها أشد. قوله تعالى: {تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ...}. قالوا: هذه الإضافة على معنى (في). قال ابن عرفة: فهذا دليل على صحة القول بأنه بنفس انقضاء الأربعة أشهر تخرج مطلقة لأن التربّص هو في الأربعة أشهر فإذا انقضت انقضى التربص إلاّ أن يقال: إن التربّص (يقتضي) عند فراغه إما الطلاق أو (أيقافه) ليطلق، وكان أوّلا اتفاقا بغير طلاق. أو يقال: إنّ هذا التقسيم في الآية يدل على أنّ الزوج مخير بين أن يبقي أو يطلق، فدل على أنّه لا يلزمه الطلاق بمضي الأجل. قوله تعالى: {فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}. قيل لابن عرفة: هذا دليل على أن الإيلاء غير جائز؟ فقال: المذهب أنّه جائز على تفصيل، والصّحيح جوازه مطلقا، لأنّ النبي صلى الله عليه وسلم آلى من نسائه. وقد ذكر الشيخ ابن العربي قضيته لما رد على ابن الخطيب في قوله: إن النبي صلى الله عليه وسلم آلى وطلّق وظاهرَ. فقال: له قولك آلى وطلق صحيح وقولك ظَاهَرَ (غير صحيح) كيف والله تعالى يقول {أية : وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَراً مِّنَ ٱلْقَوْلِ وَزُوراً }. تفسير : قال ابن عرفة: والجواب بأن تكون المغفرة والرحمة راجعين بسبب الإيلاء لأن الإيلاء لا يكون إلاّ عن غضب وشرور وذلك غير جائز فحسن تعقيبه بالمغفرة.

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالى: {لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ...} الآية: {يُؤْلُونَ}: معناه يَحْلِفُون، والإِيلاءُ: اليمين. واختلف مَنِ المرادُ بلزومِ حكمِ الإِيلاء. فقال مالكٌ: هو الرجُلُ يغاضب ٱمرأته، فيحلفُ بيمينٍ يلحقُ عن الحِنْثِ فيها حُكْمُ ألاَّ يطأها؛ ضرراً منْه، أكْثَرَ من أربعة أشهر، لا يقصد بذلك إِصلاحَ ولَدٍ رضيعٍ ونحوه، وقال به عطاءٌ وغيره. وقوله تعالى: {مِن نِّسَآئِهِمْ} يدخل فيه الحرائرُ والإِماء، إِذا تزوَّجن، والتربُّص: التأنِّي والتأخُّر، وأربعَةَ أشْهُرٍ؛ عند مالك، وغيره: للحر، وشهران: للعبد. وقال الشافعيُّ: هو كالحرِّ، و {فَآءُو}: معناه: رجَعُوا؛ ومنه: {أية : حَتَّىٰ تَفِيءَ إِلَىٰ أَمْرِ اللَّهِ }تفسير : [الحجرات:9] أمر اللَّه: قال الجُمْهور: وإِذا فاء، كَفَّر، والفَيْءُ؛ عند مالكٍ: لا يكون إِلا بالوطْء، أو بالتكْفير في حال العُذْر.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ تَرَبُّصُ}: هذه جملةٌ من مبتدأ وخبرٍ، وعلى رأي الأخفش من باب الفعلِ والفاعلِ؛ لأنه لا يشترطُ الاعتماد، و "مِن نِّسَآئِهِمْ" في هذا الجارِّ ثمانيةُ أوجهٍ: أحدها: أنْ يتعَلَّقَ بـ "يُؤْلُونَ". قال الزمخشريُّ: "فإنْ قلتَ: كيف عُدِّي بـ "مِنْ" وهو مُعَدى بـ "عَلَى"؟ قلتُ: قد ضُمِّنَ في هذا القَسَم المخصوصِ معنى البُعْد، فكأنه قيل: يَبْعُدُونَ من نسائِهم مُؤْلِينَ، أو مُقْسِمِين". الثاني: أنَّ "آلَى" يتَعَدَّى بـ "عَلَى" و بـ "مِنْ"؛ قاله أبو البقاء نقلاً عن غيره؛ أنه يقال: آلَى من امرأته، وعلى امرأته. الثالث: أنَّ "مِنْ" قائمةٌ مقامَ "عَلَى" على رأي الكوفيِّين. والرابع: أنها قائمةٌ مقامَ "فِي"، ويكونُ ثم مضافٌ محذوفٌ، أي: على تَرْكِ وَطْءِ نسائهم، أو في ترك وطء نسائهم. والخامس: أنَّ "مِنْ" زائدةٌ، والتقدير: يُؤْلُون أَنْ يَعْتَزلوا نِسَاءَهُم. والسادس: أَنْ تتعلَّقَ بمحذوف، والتقديرُ: والذين يُؤُلون لهم من نسائهم تربُّصُ أربعة أشهرٍ؛ فتتعلَّق بما يتعلق به "لَهُم" المحذوفُ، هكذا قَدَّره أبو حيَّان وعزاه للزمخشريِّ قال شهاب الدين وفيه نظرٌ؛ فإنَّ الزمخشريَّ قال: ويجوزُ أن يُرَادَ: لهم من نسائهم تَرَبُّصُ؛ كقولك: "لِي مِنْكَ كَذَا" فقوله "لَهُمْ" لم يُرد به أن ثَمَّ شيئاً محذوفاً، وهو لفظُ "لَهُمْ"، إنما أرادَ أَنْ يعلِّق "مِنْ" بالاستقرار الذي تعلَّق به "لِلَّذِينَ"، غايةُ ما فيه: أنه أتى بضمير "الَّذِينَ" تبييناً للمعنى، وإِلَى هذا المنحَى نحا أبو البقاء؛ فإنه قال: وقيل: الأصلُ "عَلَى"، ولا يَجُوزُ أن تقومَ "مِنْ" مقامَ "عَلَى" فَعَلَى ذلك تتعلَّقُ "مِنْ" بمعنى الاستقرار، يريدُ الاستقرارَ الذي تعلَّقَ به قوله "لِلَّذِينَ"، وعلى تقدير تسليم أنَّ لفظة "لَهُمْ" مقدرةٌ، وهي مُرادةٌ، فحينئذٍ: إنما تكونُ بدلاً من "لِلَّذِينَ" بإِعادةِ العاملِ، وإلاَّ يبقى قوله "لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ" مُفْلَتاً، وبالجملةِ فتعلُّقه بالاستقرار غيرُ ظاهرٍ، وأمَّا تقديرُ الشيخ: "والذين يُؤْلُونَ لَهُمْ مِن نِّسَآئِهِمْ تَرَبُّصُ"، فليس كذلك؛ لأنَّ "الَّذِينَ" لو جاء كذلك غيرَ مجرور باللام، سَهُلَ الأمرُ الذي ادَّعاه، ولكن إنما جاءَ كما تراه مجروراً باللام، سهُلَ الأمرُ الذي ادَّعاه، ولكن إنما جاءَ كما تراه مجروراً باللام، ثم قال أبو حيَّان: وهذا كلُّه ضعيفٌ يُنَزَّه القرآن عنه، وإنما يتعلَّق بـ "يُؤْلُونَ" على أحد وجهين: إمَّا أنْ تكونَ "مِنْ" للسَّبَبِ، أي يَحْلِفُون بسبب نسائِهم، وإمَّا أَنْ يُضَمَّن معنى الامتناع، فيتعدَّى بـ "مِنْ" فكأنه قيل "لِلَّذِينَ يمتنعُونَ من نسائِهِم بالإِيلاَءِ" فهذان وَجْهان مع الستة المتقدِّمة؛ فتكونُ ثمانيةً، وإن اعتبرت مطلقَ التضمينِ فتجيءُ سبعةً. والإِيلاءُ: الحَلفُ. مصدرُ آلَى يُؤْلي، نحو: أَكْرَمَ يُكْرِم إِكْرَاماً، والأصل: "إئْلاءٌ" فأُبدِلت الهمزةُ الثانيةُ ياءً؛ لسكونها وانكسار ما قبلها؛ نحو: "إِيمَان". ويقال: تَأَلَّى وايتَلَى على افتَعَلَ، والأصلُ: ائْتَلَى، فقُلِبَت الثانيةُ ياءً؛ لِما تقدَّم. والحَلْفَةُ: يقال لها: الأَلِيَّةُ والألُوَّةُ والأَلْوَةُ والإِلْوَةُ، وتُجْمَعُ الأَليَّةُ على "أَلايَا"؛ كعَشيَّة وعَشَايَا، ويجوزُ أن تُجْمَعَ الأَلُوَّة أيضاً على "أَلاَيَا"؛ كرَكُوبَة ورَكَائِب؛ قال كُثَيِّر عزَّة: [الطويل] شعر : 1098- قَلِيلُ الألاَيَا حَافِظٌ ليَمِينِهِ إِذَا صَدَرَتْ مِنْهُ الأَلِيَّةُ بَرَّتِ تفسير : وقد تقدَّم كيف تصريفُ أَلِيَّة وَأَلاَيَا عند قوله: {أية : نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ}تفسير : [البقرة:58] جمع خطيئة والإيلاء من عرف الشَّرع: هو اليمين على ترك الوطء؛ كقوله: لا أُجامعك، أو لا أُباضعك، أو لا أُقاربك. ومن المفسرين من قال في الآية حذف تقديره: للَّذين يؤلون من نسائهم ألاَّ يطئوهم، إلاَّ أنَّه حذف لدلالة الباقي عليه. قال ابن الخطيب: هذا إذا حملنا لفظ "الإِيلاَءِ" على المفهوم اللُّغَوِيّ، أَمَّا إذا حملناه على المفهوم الشَّرعي، لم يحتج إلى هذا الإضمار. وقرأ أُبيٌّ وابن عباس: "للَّذِينَ يُقْسِمُونَ"، نقله القرطبي. وقرأ عبد الله: "آلَوْا مِنْ نِسَائِهِم". والتَّربصُ: الانتظارُ، وهو مقلوبُ التَّصبُّرِ؛ قال: [الطويل] شعر : 1099- تَرَبَّصْ بِهَا رَيْبَ المَنُونِ لَعَلَّهَا تُطَلَّقُ يَوْماً أَوْ يَمُوتَ حَلِيلُهَا تفسير : وإضافةُ التربُّص إلى الأشهرِ فيها قولان: أحدهما: أنَّه من باب إضافة المصدر لمفعوله؛ على الاتساع في الظرف؛ حتَّى صارَ مفعولاً به، فأُضيفَ إليه، والحالةُ هذه كقوله: "بَيْنَهُمَا مَسِيرة يَوْمٍ" أي: مَسِيرة في يَوْم. والثاني: أنه أُضِيف الحَدَثُ إلى الظرف من غير اتِّساع، فتكونُ الإِضافةُ بمعنى "فِي" وهو مذهبٌ كوفيٌّ، والفاعلُ محذوفٌ، تقديره: تربُّصُهُمْ أربعةُ أشهرٍ. فصل قال قتادة: كان الإيلاء طلاقاً لأهل الجاهلية وقال سعيد بن المُسيَّب: كان ذلك من ضرار أهل الجاهليَّة، وكان الرَّجُلُ لا يُحِبُّ امرأته، ولا يريد أن يتزوَّجها غيره، فيحلف ألاَّ يقربها أبداً، فيتركها لا أَيماً ولا ذات بعلٍ، وكانوا في ابتداء الإِسلام يفعلون ذلك أيضاً؛ فأزال الله تعالى ذلك، وضرب للزَّوْج مُدَّة يَتَرَوَّى فيها ويتأمَّل، فإِنْ رأى المصلحة في تركِ هذه المضارَّة، فعلها، وإن رأى المصلحة في المفارقة، فارقها. وقال القُرطبيّ: وقد آلَى النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - وطَلَّق، وسببُ إيلائه: سُؤال نسائه إِيَّاه من النَّفقةِ ما ليس عندهُ؛ كذا في "صَحِيح مُسْلِم"، وقيل: لأن زينب ردَّت عليه هديَّتهُ، فغضب - صلى الله عليه وسلم - فآلَى منهُنَّ، ذكره ابن ماجه. فصل واختلف أهل العلم فيه: فذهب أكثرهم إلى أَنَّهُ إِن حلف لا يَقْرَبُ زوجته أبداً، أَو سَمَّى مُدَّة أكثر من أربعة أشهر يكون مؤْلياً، فلا يتعرَّض لها قبل مضي أربعة أشهر، وبعد مُضيِّها يُوقفُ ويُؤمرُ بالفيئة أو الطَّلاقِ بعد مُطالبةِ المرأة، والفَيْئَة: هي الرُّجُوع عمَّا قال بالوطء إن قَدَر عليه، وإن لم يَقْدِر فبالقَوْل، فإن لم يَفِ ولم يُطَلِّق، طَلَّق عليه الحاكم واحدة. وذهب إلى الوَقْفِ بعد مُضِيِّ المُدَّةِ: عمر، وعثمان، وعليٌّ، وأبو الدَّرداء، وابن عمر. قال سُليمان بن يسار: أدْرَكْتُ بضعة عشر من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - كُلُّهم يقول بوقف المُؤْلي، وإليه ذهب سعيد بن جُبير، وسُلَيْمان بن يسار، ومجاهد، وبه قال مالك والشَّافعي وأحمد وإِسحاق. وقال بعض أهل العلم: إذا مضتْ عليها أربعةُ أشهر، يقع عليها طَلْقَةً بائنة، وهو قول ابن عبَّاس وابن مسعود، وبه قال سُفيانُ الثَّورِيُّ وأصحاب الرَّأي. وقال سعيد بن المُسيَّب والزُّهري: تقع طلقة رجعيَّةً، ولو حلف ألاَّ يطأَها أَقَلَّ من أربعة أشهر، لا يكون مُؤْلياً، بل هو حانثٌ إذا وطئها قبل مُضِيِّ تلك المُدَّة، وتجب عليه كفَّارة يمين على الصَّحيح، ولو حلف ألاَّ يطَأَهَا أربعة أشهرٍ، لا يكون مُؤلياً عند من يقول بالوقف بعد مُضِيِّ المُدَّة، لأن بقاء المُدَّة شرط للوقف، وثبوت المُطَالبة بالفيئة أو الطَّلاق، وقد مضتِ المُدَّة، وعند من لا يقول بالوقف لا يكون مؤلياً ويقعُ الطَّلاَق بمُضِيِّ المُدَّة. وقال ابن عبَّاس لا يكون مُؤْلياً حتى يحلف لا يَطأَها أبداً. وقال الحسن البصريِّ وإسحاق: أي مُدَّة حَلَف عَلَيها، كان مُؤلياً وإن كان يَوْماً. فصل قال القرطبيُّ: إذا حلف أَلاَّ يطأ امرأتهُ أكثر من أربعة أشهرٍ؛ فانقضت الأربعة أشهرٍ ولم تُطالبه، ولم ترفعهُ إلى الحاكم، لم يلزمه شيء عند مالكٍ وأكثر أهل المدينة. وقال بعض أصحابنا: يلزمه بانقضاء الأَربعَة أَشهر طلقة رجعيَّة، وقال بعضهم: طلقة بائِنَة. والصَّحِيح: ما ذهب إليه مالِكٌ، وأكثر أَهْلِ المدينة وأصحابه. فصل هل ينعقد الإيلاء في الغضب؟! قال ابن عبَّاس: لا يكون إيلاءً إلاَّ في حالِ الغَضَبِ، وهو المشهور عن عليٍّ - رضي الله عنه - وهو قول اللَّيث، والشَّعبي، والحسن، وعطاء قالوا: لا يكون الإيلاءُ إلاَّ على وجه مغاضبةٍ ومشادَّة. وقال ابن سيرين: يكون في غضبٍ، وغير غضبٍ، وهو قول ابن مسعود، والثوري ومالك وأهل العراق والشَّافعيِّ وأحمد. فصل والمدخول بها وغير المدخول بها سواءٌ في صِحَّة الإيلاء منها. قال القرطبي: والذِّمِّيُّ لا يصحُّ إيلاؤه كما لا يصحُّ طلاقهُ، ولا ظِهَارُهُ؛ لأن نكاح أهل الشِّرْكِ عندنا ليس بنكاحٍ صحيحٍ. فصل ومُدَّة الإيلاء أربعة أشهر في حق الحُرِّ والعبدِ لأنَّها ضُرِبت لمعنى يرجع إلى الطَّبع، وهو قِلَّةُ صبر المرأَة عن الزَّوج، فيستوي فيه الحُرُّ والعبدُ؛ كمُدَّة الفَيْئَةِ ومُدَّة الرِّضاع. وعند مالكٍ وأبي حنيفة: ينتصف بالرِّقِّ، إلاَّ عند أبي حنيفة: ينتصف بِرِقِّ المرأة، وعند مالكٍ: برِقِّ الرَّجُل؛ كقولهما في الطَّلاَق. ولنا: ظاهر قوله تعالى: {لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ} فتتناول الكُلَّ من غير تخصيصٍ، والتَّخصيص خلاف الظَّاهر، والمعنى المُتَقَدِّم يمنع التَّخْصِيص. قال القرطبيُّ: وأَجَلُ المُؤلي من يوم حلف، لا مِنْ يوم المرافعة إلى الحاكم. فصل فيمن يصح منه الإيلاء ومن لا يصح كُلُّ زَوْج يتصوَّر منه الوِقَاع، وكان تصرُّفه مُعْتبراً في الشَّرْع، صَحَّ منه الإيلاءُ. وقال مالكٌ: لا يَصِحُّ الإيلاءُ إلاَّ في حال الغضب، وقال غيره: يصحُّ الإيلاءُ في حال الرِّضَى والغضب، ويصحُّ الإيلاءُ من الرَّجعيَّة؛ لأنها زوجة؛ بدليل أَنَّه لو قال: نسائي طوالِقٌ، وقع عليها الطَّلاَقُ. وإيلاء الخَصِيِّ صحيحٌ، لأنه يُجَامع كالفحلِ، وإنما فُقِد في حَقِّهِ الإِنْزَالُ، والمجبوب إن بقي منه ما يمكنه أن يُجَامع به، صَحَّ إِيلاؤه، وإن لم يَبْقَ، فيه خلافٌ. قال أبو حنيفة: لا يَصِحُّ إيلاؤه. وقال غيره: يَصِحُّ لعموم الآية، ولا يصحُّ الإيلاء [من أَجْنَبيَّة]، فلو آلَى منها ثم تَزَوَّجها، لم يكن مُؤْلِياً. فصل فإن امتنع من وطئها بغير يمين إضراراً بها، أُمر بوطئها، فإن امتنع إضراراً بها، فرَّق الحاكم بينه وبينها، من غير ضرب مُدَّة. وقيل: يُضربُ له أجلُ الإيلاءِ، فإذا حلف لا يطؤها حتى يفطم ولدها؛ لئلا يُمْغَلَ بولدها، ولم يرد إضراراً بها حتى يَنْقَضِي أَمَدُ الرِّضاع، لم يكُن لها مُطَالبته. فصل المُوْلِي لا يخلُو إمّا أن يحلف تَرْك الوَطْءِ بالله ـ تعالى ـ أو بغيره، فإِن حَلَف بالله تعالى كان مُؤلياً، ثم إن جامعها في مُدَّة الإيلاءِ، خَرَجَ عن الإيلاءِ، وهل تجب عليه كَفَّارة؟ فيه قَوْلاَن: أصحّهما: أن عليه الكَفَّارة كما قَدَّمناه؛ لعموم الدَّلائِل الموجبةِ للكَفَّارةِ عند الحِنْثِ باليمين بالله - تعالى - لأنه لا فَرْقَ بين قوله: "والله لا أَقْرَبُكِ" ثم يَقْربُهَا، وبين قَوله: "والله لا أُكَلِّمُكِ" ثم يُكَلِّمُهَا. والقول الثاني: لا كَفَّارة عليه؛ لقول تعالى: {فَإِنْ فَآءُوا فَإِنَّ ٱللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}. ولو كانت الكَفَّارة واجبةٌ لذكرها، والحاجة مناسبةٌ إلى معرفتها، ولا يجوزُ تأخِير البيان عن وقتِ الحاجة، والغُفران يوجبُ ترك المُؤَاخَذةِ. وللأَوَّلِين أن يجيبوا: بأنه إنما ترك الكَفَّارة ههُنا لأنه ـ تعالى - بيَّنها على لسان رسوله - عليه الصَّلاة والسلام ـ في سَائِر المواضع، وتَرْكُ المُؤَاخذة بقوله: "غَفُورٌ رَّحِيمٌ" يدل على عدم العقاب، وهو لا يُنافي وجُوب الفِعْل، كما أن التَّائِب عن الزِّنا والقَتْلِ لا عِقاب عليه، ومع ذلك يجِبُ عليه الحَدُّ والقِصَاصُ. وأما إن كان الحالف في الإيلاء بغير اللهِ؛ كما إذا قال: إن وَطَأْتُكِ فعبدي حُرٌّ، أَوْ أَنْت طالِقٌ، أو ضرتك طَالِق، أو التزم أمراً في الذِّمَّة، فقال: إن وَطَأْتُكِ فَلِلَّه عليَّ عِتْق رَقبة، أو صدقة، أو صَوْم، أو حَجّ، أو صلاة، فقال الشَّافعي في "القدِيمِ"، وَأَحمدُ في ظاهر الرِّواية عنه: لا يكون مُؤْلِياً؛ لأن الإِيلاَء المعهُود هو الحلفُ باللهِ؛ ولقوله - عليه الصلاة والسلام -: "حديث : مَنْ حَلَفَ فَلْيَحْلِفْ بِاللهِ ". تفسير : وقال الشَّافعيّ في "الجَدِيدِ" - وهو قول أبي حنيفة ومالك وجماعة - إنه يكُون مُؤْلِياً؛ لأن لفظ الإيلاءِ يَتَناوَلُ الكُلَّ، وعلى القولين فيمينُهُ منعقدة، فإن كان قد عَلَّق به طلاقاً أو عِتْقاً، وقع بِوَطْئِه ذلك المُعَلَّق، وإن كان المُعَلَّق التزام قُرْبة في الذِّمَّة، فعليه ما في نذرِ اللَّجاج، إِمَّا كَفَّارة يمين، وإِمَّا الوَفَاء بما سَمَّى. وفائدة هذين القولين: أنا إن قلنا: يكون مُؤْلياً، فبعد أَرْبَعَة أشهر يضيق الأَمْر عليه، حَتَّى يَفيء أو يُعَلِّق، وَإِنْ قلنا: لا يكون مُؤْلياً، لا يضيقُ عليه الأَمر. قال القرطبي: فإن حلف بالنَّبِيّ أو الملائِكَة، أو الكَعبة ألا يَطَأَها أو قال: هو يَهُوديٌّ، أو نصرانيٌّ، أو زانٍ إن وطِئَها، فليس بِمُؤْلٍ، قال: وإن حلف ألا يَطَأَها، واستثنى فقال: إن شاء الله، فإنَّه يكون مُؤلياً، فإن وَطِئَهَا، فلا كَفَّارة عليه. وقال ابن الماجشون في "المَبْسُوطِ": ليس بِمؤلٍ، وهو الصَّحيحُ. قوله: {فَإِنْ فَآءُوا} ألفُ "فَاءَ" منقلبةٌ عن ياء؛ لقولهم: فَاءَ يَفِيءُ فَيْئَةً: رَجَعَ والفَيْءُ: الظلُّ؛ لرجوعه من بعد الزوال، وقال عَلْقَمَةُ: [الطويل] شعر : 1100- فَقُلْتُ لَهَا فِيئِي فَمَا تَستَفِزُّنِي ذَوَاتُ العُيُون وَالبَنَانِ المُخَضَّبِ تفسير : وفرّقوا بين الفَيْءِ والظِّل: فقالوا: الفَيء ما كان بالعَشِيِّ؛ لأنه الذي نسختهُ الشَّمسُ، والظَّلُّ ما كان بالغداة؛ لأنه لم تنسخه الشَّمس، وفي الجنة ظِلٌّ وليس فيها فَيْءٌ؛ لأنه لا شَمْسَ فيها؛ قال تعالى: {أية : وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ}تفسير : [الواقعة:30]؛ وأنشد: [الطويل] شعر : 1101- فَلاَ الظِّلُّ مِنْ بَرْدِ الضُّحَى تَسْتَطِيعُهُ وَلاَ الفَيْءُ مِنْ بَرْدِ العَشِيِّ تَذُوقُ تفسير : وقيل: فُلاَن سريعُ الفيئة، أي: سريعُ الرُّجوع عن الغَضَبِ إلى الحَالَةِ المتقدِّمة، حكاه الفَرَّاء عن العرب. وقيل لما رَدَّه الله على المُسلمين من مال المُشْرِكين: فَيْء؛ كأنه كان لهم فرجع إِلَيهم، فقوله: "فَاءُوا" معناه: رَجَعُوا عَمَّا حَلَفُوا عليه من تَرْك الجِمَاع، فإنه غَفُورٌ رَحِيمٌ. فصل في وجوب الكفَّارة قال القُرطبيّ: جمهور العُلماء أَوْجَبُوا الكَفَّارة على المُؤْلي إذا فاء بجماع امرأته. وقال الحسن: لا كَفَّارة عليه. قال القرطبي: إِذَا كَفَّر عن يمينه، سقط عنه الإيلاءَ. قوله تعالى: {وَإِنْ عَزَمُواْ ٱلطَّلاَقَ} في نصب "الطَلاَقَ" وجهان: أحدهما: أنه على إسقاط الخافضِ؛ لأنَّ "عَزَمَ" يتعدَّى بـ "عَلَى"، قال: [الوافر] شعر : 1102- عَزَمْتُ عَلَى إِقَامَةِ ذِي صَبَاحٍ لأَمْرٍ مَّا يُسَوَّدُ مَنْ يَسُودُ تفسير : والثاني: أن تُضَمَّن "عَزَمَ" معنى "نَوَى"؛ فينتصب مفعولاً به. والعَزْمُ: عَقْدُ القلبِ وتصميمُه: عَزَم يَعْزِمُ عَزْماً وعُزْماً بالفتحة والضمة، وعَزِيمَةً وعِزَاماً بالكَسْر، ويستعمل بمعنى القَسَم: عَزَمْتُ عَلَيْكَ لَتَفْعَلَنَّ؛ والعزمُ والعَزِيمةُ: توطينُ النَّفْسِ على المُرادِ المَطْلُوب، والأَمر المَقْصُود. والطلاقُ: انحلالُ العقدِ، وأصلُه الانطلاق. وقال القرطبي: والطَّلاق: التَّخليةُ، يقال: نعجةٌ طالِقٌ، وناقةٌ طالِق أي: مهملة؛ قد تُرِكت في المرعى، لا قيدَ عليها ولا رَاعِيَ وبعير طُلُق: بضم الطَّاء واللام، والجمع أَطلاقٌ ويقال: طَلَقَتْ بفتح اللام تَطْلُقُ فهي طالِقٌ وطَالِقَةٌ؛ قال الأعشى: [الطويل] شعر : 1103- أَيَا جَارَتَا بَينِي فَإِنَّكِ طَالِقَهْ .................... تفسير : وحكى ثعلب: "طَلُقَتْ" بالضم، وأنكره الأخفش. والطلاقُ يجوز أَنْ يكون مصدراً، أو اسمَ مصدرٍ، وهو التطليقُ. قوله: {فَإِنَّ ٱللهَ} ظاهرُه أنَّه جوابُ الشرطِ، وقال أبو حيان: ويَظْهَرُ أنَّه محذوفٌ، أي: فَلْيُوقِعُوهُ، وقرأ عبد اللهِ: "فَإِنْ فَاءُوا فيهنَّ" وقرأ أُبيُّ "فِيهَا" والضميرُ للأَشْهُرِ. وقراءةُ الجمهورِ ظاهرُها أنَّ الفَيْئَة والطَّلاق إنما تكونُ بعد مُضِيِّ الأربعة الأشهر، إلاَّ أنَّ الزمخشريَّ لمَّا كان يرَى بمذهبِ أبي حنيفة: وهو أنَّ الفَيْئَة في مُدَّة الأربعةِ الأشهرِ، ويؤيِّدُه القراءةُ المتقدِّمَةُ، احتاجَ إلى تأويل الآيةِ بما نصُّه: "فإِنْ قلتَ: كيف موقعُ الفاءِ، إذا كانت الفيئةُ قبل انتهاءِ مدةِ التربُّصِ؟ قلت: موقعٌ صحيحٌ؛ لأنَّ قوله: "فَإِنْ فَاءَوُا. وَإِنْ عَزَمُوا" تفصيلٌ لقوله: {لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ}، والتفصيلُ يَعْقُب المُفَصَّلَ، كما تقول: أنَّا نزيلُكُمْ هذا الشَّهْرَ، فإِنْ أَحْمَدْتُكُمْ، أَقَمْتُ عندَكُمْ إلى آخره، وإلاَّ لم أقُم إلاَّ رَيْثما أَتَحَوَّلُ"، قال أبو حيان: "وليس بصحيحٍ؛ لأنَّ ما مثل به ليس نظيرَ الآيةِ؛ ألا ترَى أنَّ المثالَ فيه إخبارٌ عن المُفَصَّل حاله، وهو قوله: "أَنَا نَزِيلُكُمْ هذا الشَّهْر"، وما بعد الشرطينِ مُصَرَّحٌ فيه بالجواب الدالِّ على اختلاف متعلَّقِ فعل الجزاء، والآيةُ ليسَتْ كذلك؛ لأنَّ الذين يُؤلُونَ ليس مُخْبَراً عنهم، ولا مُسْنَداً إليهم حُكْمٌ، وإنما المحكُومُ عليه تربُّصُهُمْ، والمعنى: تربُّصُ المُؤلين أربعةَ أَشْهُرٍ مشروعٌ لهم بعد إيلائهم، ثم قال: "فَإِنْ فَاءُوا وَإِنْ عَزَمُوا" فالظاهرُ أَنَّهُ يَعْقُبُ تربُّصَ المدةِ المشروعةِ بأَسْرِهَا، لأنَّ الفيئةَ تكونُ فيها، والعَزْمَ على الطلاقِ بعدَها؛ لأنَّ التقييد المغاير لا يَدُلُّ عليه اللفظُ، وإنما يُطابقُ الآيةَ أَنْ تقول: "للضَّيْفِ إكرامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ، فإنْ أقامَ، فنحنُ كرماءُ مُؤثِرُونَ، وإنْ عَزَمَ على الرحيلِ، فله أن يَرْحَلَ"، فالمتبادَرُ إلى الذِّهْنِ أنَّ الشرطين مُقَدَّرَانِ بعد إكرامهِ". قوله: {سَمِيعٌ عَلِيمٌ} قال أبو حنيفة: سَمِيعٌ لإِيلائِه، عليم بعزمِه. قال القرطبي: دلَّت هذه الآية على أَنَّ الأَمة الموطوءة بملك اليمين لا يكون فيها إيلاءٌ، إذ لا يقع عليها طلاقٌ. فصل قال أبو حنيفة والثَّوري: إنه لا يكون مُؤْلِياً حتى يحلف ألاَّ يطأها أربعة أشهر أو فيما زاد. وقال الشَّافعيّ وأحمد ومالك: لا يكون مُؤلياً حتَّى تزيد المُدَّة على أربعة أشهر. وفائدة الخلاف: أنه إذا آلَى منها أكثر من أربعة أشهرٍ أجل أربعة أشهر، وهذا المُدَّة تكون حَقّاً للزَّوج، فإذا مضت تطالب المرأة الزَّوج بالفيئة أو بالطَّلاق فإن امتنع الزَّوجُ منهما، طلَّقها الحاكمُ عليه، وعند أبي حنيفة: إذا مضت أربعةُ أشهر، يقعُ الطَّلاق. حجة الشَّافعي وجوهٌ. الأول: أنَّ "الفاء" في قوله {فَإِنْ فَآءُوا فَإِنَّ ٱللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}، {وَإِنْ عَزَمُواْ ٱلطَّلاَقَ فَإِنَّ ٱللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} يقتضي كون هذين الحُكمين مشروعين متراخياً على انقضاء الأَرْبَعة أشهُر. قال ابن الخطيب لما ذكر قول الزَّمخشريِّ المتقدِّم على سبيل الإيراد: وهذا ضعيفٌ، لأن قوله: {لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ} إشارةٌ إلى حُكمين: أحدهما: صدور الإيلاء عنهم. والثاني: وجوب تَرَبُّص هذه المُدَّة على النِّسَاء. والفاء في قوله: "فَإِن فَآءُوا" ورد عقيب ذكرهما معاً، فلا بُدَّ وأن يكون هذا الحُكمُ مشروعاً عقيب الأَمرين: عقيب الإيلاءِ، وعقيب حُصُولِ التَّرَبُّص في هذه المُدَّة، بخلاف المثال الَّذِي ذكرهُ، وهو قوله: "أَنَا أَنْزِلُ عِنْدَكُم؛ فإن أكرمتموني بقيتُ وإلا تَرَحَّلتُ"؛ لأن هناك "الفاء" صارت مذكُورة عقيب شيء واحدٍ، وهو النُّزول، وهي هُنا مذكورة عقيب ذكر الإيلاء، وذكر التَّربُّص، فلا بُدَّ وأن يكُون ما دخلت "الفَاءُ" عليه واقعاً بين هذين الأمرين. الحجة الثَّانية: قوله: {وَإِنْ عَزَمُواْ ٱلطَّلاَقَ} صريحٌ في أنّ وقوع الطَّلاَق، إنَّما يكون بإيقاع الزَّوج. وعند أبي حنيفة: يقع الطَّلاَق بِمُضِيِّ المُدَّة، لا بإيقاع الزَّوج. فإن قيل: الإيلاءُ طلاقٌ في نفسه؛ فالمراد من قوله: {وَإِنْ عَزَمُواْ ٱلطَّلاَقَ} الإيلاء المتقدِّم. فالجواب: هذا بعيد؛ لأن قوله: {وَإِنْ عَزَمُواْ ٱلطَّلاَقَ} لا بُدَّ وأن يكون معناه: "وإن عَزَمُوا الَّذِين يُؤلُونَ مِنْ نِسَائِهُمُ الطَّلاق" فجعل المُؤلي عازماً، وهذا يقتضي أن يكون الإيلاءُ والعزم قد اجتمعا، وأما الطَّلاق فهو مُتعلَّقُ العزم، ومُتعلِّق العزم مُتأخرٌ عن العزم؛ فإذن الطَّلاَق مُتأَخِّر عن العَزْمِ لا محالة، والإِيلاءُ إمَّا أن يَكُون مقارناً للعزم أو متقدِّماً عليه، وهذا يُفيد أن الطَّلاق مُغَاير لذلك الإِيلاءِ. الحجة الثَّالثة: قوله تعالى: {وَإِنْ عَزَمُواْ ٱلطَّلاَقَ فَإِنَّ ٱللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} يقتضي أن يصدرَ من الزَّوج شيءٌ يكون مسموعاً وما ذاك إلاَّ أن نقول تقديره: "وإِن عَزَمُوا الطَّلاَق وطلّقوا فاللهُ سمِيعٌ لكَلاَمِهِم، عَلِيمٌ بما في قُلُوبِهِم". فإن قيل: لِمَ لا يجوزُ أن يَكُون المُرادُ إن الله سَمِيعٌ لِذَلِك الإيلاءِ. فالجواب: أنّ هذا التهديد لم يحصُل على نفس الإيلاء، بل إنَّمَا حصل عن شيءٍ حصل بعد الإيلاء، فلا بُدَّ وأن يَصْدُر عن الزَّوج بعد ذلك الإيلاء، وهو كلام غيره؛ حتى يكون قوله: {فَإِنَّ ٱللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} تهديداً عليه. الحجة الرَّابعة: قوله: "فَإِنْ فَاءُوا"، "وَإِنْ عَزَمُوا" ظاهره التَّخيير بين الأَمرين؛ وذلك يقتضي أن يكون ثبوتهما واحداً، وعلى قول أبي حنيفة ليس الأمر كذلك. الحجة الخامسة: أَنَّ الإيلاء في نفسه ليس بطلاقٍ، بل هو حلفٌ على الامتناع عن الجماع مُدَّة مخصوصة، إلاَّ أنّ الشَّرعَ ضرب لذلك مقداراً معلوماً من الزَّمان؛ وذلك لأَنَّ الرَّجُل قد يترُك جماع المرأة مُدَّة من الزَّمان لا بسبب المضارّة، وهذا إنّما يكُون إذا كان الزَّمَانُ قصيراً، فَأَمَّا ترك الجماعِ زماناً طويلاً، فلا يَكُون إلاَّ عند قصد المضَارَّة، ولما كان الطُّول والقِصرُ في هذا الباب أَمراً غير مضبوطٍ، قَدَّر له الشَّارع حدّاً فاصِلاً بين القَصِير والطَّويل، وذلك لا يُوجبُ وقُوعَ الطَّلاق، بل اللائِقُ بحكم الشَّرع عند ظهور قصد المضارَّة، أن يَأْمُر بتركِ المَضَارَّة، أو بتخليصها من قَيْد الإيلاءِ، وهذا المعنى مُعْتَبرٌ في الشَّرع؛ كضرب الأَجل في مُدَّة العنينِ وغيره. حجة أبي حنيفة - رضي الله عنه -: قراءة عبد الله بن مسعود: "فَإِنْ فَاءُوا فِيهِنَّ". والجواب: أنّ القراءة الشَّاذَّة مردودة؛ لأن القرآن لا يَثْبتُ كونه قُرآناً إلاَّ بالتَّواتُر؛ فحيث فلم يثبُت بالتَّواتر، قطعنا بأنَّه ليس بقُرآن وأَوْلى النَّاس بهذا أبو حنيفة؛ فإنّه تَمَسَّك بهذا الحرف في أَنَّ التَّسمية ليست من القُرْآن.

السيوطي

تفسير : أخرج عبد الرزاق وأبو عبيد في فضائله وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن الأنباري في المصاحف عن ابن عباس أنه كان يقرأها "‏للذين يقسمون من نسائهم‏"‏ ويقول‏:‏ الإِيلاء القسم، والقسم الإِيلاء‏. وأخرج ابن المنذر عن أبي بن كعب‏.‏ مثله‏.‏ وأخرج ابن أبي داود في المصاحف عن حماد قال‏:‏ قرأت في مصحف أبي ‏(‏للذين يقسمون‏)‏.‏ وأخرج الشافعي وعبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر والبيهقي في سننه عن ابن عباس قال‏:‏ الايلاء أن يحلف بالله أن لا يجامعها أبدا‏ً. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن ابن عباس في قوله ‏ {‏للذين يؤلون من نسائهم‏} ‏ قال‏:‏ هو الرجل يحلف لامرأته بالله لا ينكحها فيتربص أربعة أشهر فإن هو نكحها كفر يمينه، فإن مضت أربعة أشهر قبل أن ينكحها خيره السلطان إما أن يفيء فيراجع، وإما أن يعزم فيطلق، كما قال الله سبحانه وتعالى‏. وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد والطبراني والبيهقي والخطيب في تالي التلخيص عن ابن عباس قال‏:‏ كان إيلاء أهل الجاهلية السنة والسنتين وأكثر من ذلك فوقت الله أربعة أشهر، فإن كان إيلاؤه أقل من أربعة أشهر فليس بإيلاء‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله ‏ {‏للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر‏}‏ قال‏:‏ هذا في الرجل يؤلي من امرأته يقول‏:‏ والله لا يجتمع رأسي ورأسك ولا أقربك ولا أغشاك‏.‏ قال‏:‏ وكان أهل الجاهلية يعدونه طلاقاً فحدَّ لهم أربعة أشهر، فإن فاء فيها كفر عن يمينه وكانت امرأته، وإن مضت الأربعة أشهر ولم يفىء فيها فهي طالقة، وهي أحق بنفسها وهو أحد الخطاب ويخطبها زوجها في عدتها ولا يخطبها غيره في عدتها، فإن تزوّجها فهي عنده على تطليقتين‏. وأخرج عبد بن حميد والبيهقي عن ابن عباس قال‏:‏ كل يمين منعت جماعاً فهي إيلاء‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن إبراهيم والشعبي‏.‏ مثله‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس قال‏:‏ لا إيلاء إلا بحلف‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار أن خالد بن سعيد بن العاص هجر امرأته سنة ولم يكن حلف، فقالت له عائشة‏:‏ أما تقرأ آية الإِيلاء‏؟‏ إنه لا ينبغي أن تهجر أكثر من أربعة أشهر‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن القاسم بن محمد بن أبي بكر‏.‏ أنه سمع عائشة وهي تعظ خالد بن العاص المخزومي في طول الهجرة لامرأته، تقول‏:‏ يا خالد إياك وطول الهجرة، فإنك قد سمعت ما جعل الله للموتى من الأجل، إنما جعل الله له تربص أربعة أشهر فأخذ طول الهجرة‏.‏ قال محمد بن مسلم‏:‏ ولم يبلغنا أنه مضى في طول الهجرة طلاق لأحد ولكن عائشة حذرته ذلك، فأرادت أن تعطفه على امرأته، وحذرت عليه أن تشبهه بالإِيلاء‏.‏ وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال‏:‏ لا إيلاء إلا بغضب‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن علي بن أبي طالب قال‏:‏ الإِيلاء إيلاءان:‏ إيلاء في الغضب، وإيلاء في الرضا، أما الإِيلاء في الغضب فإذا مضت أربعة أشهر فقد بانت منه، وأما ما كان في الرضى فلا يؤخذ به‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد والبيهقي عن عطية بن جبير قال‏:‏ ماتت أم صبي بيني وبينه قرابة، فحلف أبي أن لا يطأ أمي حتى تفطمه، فمضى أربعة أشهر فقالوا‏:‏ قد بانت منك‏.‏ فاتى علياً فقال‏:‏ إن كنت إنما حلفت على تضرة فقد بانت منك وإلا فلا‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن أم عطية قالت‏:‏ ولد لنا غلام فكان أجدر شيء وأسمنه‏.‏ فقال القوم لأبيه‏:‏ إنكم لتحسنون غذاء هذا الغلام‏.‏ فقال‏:‏ إني حلفت أن لا أقرب أمه حتى تفطمه‏.‏ فقال القوم: قد - والله - ذهبت عنك امرأتك‏.‏ فاترفعا إلى علي فقال علي‏:‏ أنت أمن نفسك أم من غضب غضبته عليها فحلفت‏؟‏ قال‏:‏ لا، بل أريد أن أصلح إلى ولدي‏.‏ قال‏:‏ فإنه ليس في الإِصلاح إيلاء‏. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن سعيد بن جبير قال‏:‏ أتى رجل علياً فقال‏:‏ إني حلفت أن لا آتي امرأتي سنتين‏.‏ فقال‏:‏ ما أراك إلا قد آليت‏.‏ قال‏:‏ إنما حلفت من أجل أنها ترضع ولدي‏؟‏ قال‏:‏ فلا إذن‏. وأخرج عبد بن حميد عن الحسن‏.‏ أنه سأل عن رجل قال لامرأته‏:‏ والله لا أقربك حتى تفطمي ولدك‏.‏ قال‏:‏ والله ما هذا بإيلاء‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن حماد قال‏:‏ سألت إبراهيم عن الرجل يحلف أن لا يقرب امرأته وهي ترضع شفقة على ولدها‏؟‏ فقال إبراهيم‏:‏ ما أعلم الإِيلاء إلا في الغضب، قال الله {‏فإن فاؤوا فإن الله غفور رحيم‏} فإنما الفيء من الغضب‏.‏ وقال إبراهيم‏:‏ لا أقول فيها شيئاً‏.‏ وقال حماد لا أقول فيها شيئا‏ً.‏ وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن يزيد بن الأصم قال‏:‏ تزوجت امرأة، فلقيت ابن عباس فقلت‏:‏ تزوجت بهلل بنت يزيد، وقد بلغني أن في حلقها شيئاً، ثم قال‏:‏ والله لقد خرجت وما أكلمها‏.‏ قال‏:‏ عليك بها قبل أن تنقضي أربعة أشهر‏. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن منصور قال‏:‏ سألت إبراهيم عن رجل حلف لا يكلم امرأته، فمضت أربعة أشهر قبل أن يجامعها، قال‏:‏ إنما كان الإِيلاء في الجماع، وأنا أخشى أن يكون إيلاء‏. وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس قال‏:‏ إذا آلى على شهر أو شهرين أو ثلاثة دون الحد برّت يمينه لا يدخل عليه إيلاء‏.‏ وأخرج الشافعي وعبد بن حميد والبيهقي عن طاوس قال‏:‏ كل شيء دون الأربعة فليس بإيلاء‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن عطاء قال‏:‏ لو آلى منها شهراً كان إيلاء‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن الحكم‏.‏ أن رجلاً آلى من امرأته شهراً، فتركها حتى مضت أربعة أشهر قال النخعي‏:‏ هو إيلاء وقد بانت منه‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن وبرة‏.‏ أن رجلاً آلى عشرة أيام فمضت أربعة أشهر، فجاء إلى عبدالله فجعله إيلاء‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن ابن أبي ليلى قال‏:‏ إن آلى منها يوماً أو ليلة فهو إيلاء‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن الحسن في الرجل يقول لامرأته‏:‏ والله لا اطأك الليلة فتركها من أجل ذلك قال‏:‏ إن تركها حتى تمضي أربعة أشهر فهو إيلاء‏.‏ وأخرج أبو عبيد في فضائله وابن المنذر عن أبي بن كعب أنه قرأ ‏{‏فإن فاؤُوا فيهن فإن الله غفور رحيم‏}. وأخرج عبد بن حميد عن علي بن أبي طالب قال‏:‏ الفيء الجماع‏.‏ وأخرج عبد الرزاق والفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه من طرق عن ابن عباس قال‏:‏ الفيء الجماع‏. وأخرج ابن المنذر عن ابن مسعود قال‏:‏ الفيء الجماع‏. وأخرج ابن المنذر عن علي قال‏:‏ الفيء الرضا‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن مسعود قال‏:‏ الفيء الرضا‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن الشعبي قال‏:‏ قال مسروق‏:‏ الفيء الجماع‏.‏ قيل‏:‏ ألا سألته عمن رواه‏؟‏ قال‏:‏ كان الرجل في عيني من ذلك‏. وأخرج عبد بن حميد عن الحسن قال‏:‏ الفيء الإِشهاد‏. وأخرج عبد الرزاق في المصنف وعبد بن حميد عن الحسن قال‏:‏ الفيء الجماع، فإن كان له عذر من مرض أو سجن أجزأه أن يفيء بلسانه‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن مسعود قال‏:‏ إذا حال بينه وبينها مرض، أو سفر، أو حبس، أو شيء يعذر به، فإشهاده فيء‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن أبي الشعثاء‏.‏ أنه سأل علقمة عن الرجل يولي من امرأته، فيكون بها نفاس أو شيء فلا يستطيع أن يطأها قال‏:‏ إذا فاء بقلبه ولسانه ورضي بذلك فهو فيء‏. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن أبي الشعثاء قال‏:‏ يجزئه حتى يتكلم بلسانه‏. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن أبي قلابة قال‏:‏ إذا فاء في نفسه أجزأه‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن الحسن قال‏:‏ إذا آلى الرجل من امرأته ثم وقع عليها قبل الأربعة أشهر فليس عليه كفارة، لأن الله تعالى قال ‏ {‏فإن فاؤوا فإن الله غفور رحيم‏}‏ أي لتلك اليمين‏. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن إبراهيم قال‏:‏ كانوا يرجون في قول الله ‏ {‏فإن فاؤوا فإن الله غفور رحيم‏}‏ أن كفارته فيئه‏. وأخرج عبد بن حميد عن زيد بن ثابت قال‏:‏ عليه كفارة‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عباس قال‏:‏ إن فاء كفر وإن لم يفعل فهي واحدة، وهي أحق بنفسها.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ}. إذا كان حق صحبة الأشكال محفوظاً عليك - حتى لو أَخْلَلْتَ به - وأخَذَكَ بحكمه: فحقُّ الحقِّ أَحَقُّ بأن تجب مراعاته. {فَإِنْ فَآءُو} أي رجعوا إلى إحياء ما أماتوا، واستدراك ما ضيَّعوا {فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} فلما تقاصر لسان الزوجة - لكونها أسيراً في يد الزوج - تَوَلَّى الله - سبحانه - الأمر بمراعاة حقها فأمر الزوج بالرجوع إليها أو تسريحها.

اسماعيل حقي

تفسير : {للذين يؤلون من نسائهم} الايلاء الحلف وحقه ان يستعمل بعلى لكن لما ضمن هذا القسم معنى البعد عدى بمن اى للذين يبعدون من نسائهم مؤلين {تربص أربعة أشهر} اى انتظار هذه المدة واضافته الى الظرف على الاتساع فى الظرف بجريه مجرى المفعول به كما يقال بينهما مسيرة يوم اى مسيرة فى يوم اى لهم ان ينتظروا فى هذه المدة من غير مطالبة بفىء او طلاق. والايلاء من الزوجة ان يقول الرجل والله لا اقربك اربعة اشهر فصاعدا على التقييد بالاشهر او لا اقربك على الاطلاق ولو حلف على ان لا يطأها اقل من اربعة اشهر لا يكون مؤليا بل هو حالف اذا وطئها قبل مضى تلك المدة يجب عليه كفارة يمين على الاصح. وللايلاء حكمان حكم الحنث وحكم البر. فحكم الحنث وجوب الكفارة بالوطئ فى مدة الايلاء ان كان اليمين بالله ولزوم الجزاء من نحو الطلاق او العتاق او النذر المسمى ان كان القسم بذلك وحكم البر وقوع طلقة بائنة عند مضى مدة الايلاء وهى اربعة اشهر ان كانت المنكوحة حرة وان كانت المنكوحة امة الغير تبين بمضى شهرين. قال قتادة كان الايلاء طلاقا لاهل الجاهلية. وقال سعيد بن المسيب كان ذلك من ضرار اهل الجاهلية كان الرجل لا يحب امرأته ولا يحب ان يتزوجها غيره فيحلف ان لا يقربها ابدا فيتركها لا ايما ولا ذات بعل وكانوا فى ابتداء الاسلام يفعلون ذلك ايضا فازال الله ذلك الضرر عنهن وضرب للزوج مدة يتروى فيها ويتأمل فان رأى المصلحة فى ترك هذه المضارة فعله وان رأى المصلحة فى المفارقة فارقها {فان فاؤوا} اى ان رجعوا عما حلفوا عليه من ترك الجماع {فان الله غفور رحيم} يغفر للمولى بفيئته التى هى كتوبته اثم حنثه عند تكفيره او ما قصد بالايلاء من ضرار المرأة.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: {الإيلاء}: يمين زوج مكلَّف على عدم وطء زوجته، أكثر من أربعة أشهر. وآلى: بمعنى حلف، يتعدى بعلى، ولكن لما ضُمَّن هنا معنى البُعد من المرأة، عُدّي بمن، و {تربص}: مبتدأ، و {للذين يؤلون}: خبر. يقول الحقّ جلّ جلاله: {للذين} يبعدون {من نسائهم} ويحلفون ألاَّ يجامعوهن أكثر من أربعة أشهر، غضباً وقصداً للإضرار، {تربص} أي: تمهل {أربعة أشهر}، لا يُطالبُ فيهن بفيئة ولا حنث، {فإن فاءوا} أي: رجعوا حلفوا عليه، وحنثوا وكفَّروا أيمانهم، {فإن الله غفور} لما قصدوا من الإضرار، بالفيئة التي هي كالتوبة، {رحيم} بهم؛ حَيث لم يعاجلهم بالعقوبة، {وإن عزموا الطلاق} أي: صمموا عليه، ولم يرجعوا عما حلفوا عليه، {فإن الله سميع} لطلاقهم {عليهم} بقصدهم ونيتهم. ومذهب مالك الشافعي: أن القاضي يُوقفه: إما أن يرجع بالوطء إن قدر، أو بالوعد إن عَجز، أو يُطلِّق عليه طلقة رجعية، عند مالك. ومذهب أبي حنيفة: أنها تَبِين بمجرد مُضي أربعة أشهر، وأحكام الإيلاء مقررة في كتب الفقه. الإشارة: لا ينبغي للعبد أن يصرف عمره كله في معاداة نفسه ومجانبتها، إذ المقصود هو الاستغال بمحبة الحبيب، لا الاشتغال بعداوة العدو، فلمجاهدة نفسه ومجانبتها حد معلوم ووقت مخصوص، وهو ما دامت جموحة جاهلة بالله. فإن فاءت ورجعت إلى الله، وارتاضت لحضرة الله، وجبت محبتها والاصطلاح معها؛ لأن النفس بها ربح مَنْ ربح، ومنها خسر من خسر، من عرف قدرها، واحتال عليها حتى ردها إلى ربها - ربح، ومن أهملها وجهل قدرها - خسر، وكان شيخ شيوخنا يقول: جزاها الله عنا خيراً؛ والله ما ربحنا إلا منها، يعني نفسه. وفي بعض الآثار: (مَنْ عَرَفَ نَفْسَه عَرَفَ ربَه). وإن عزموا الطلاق، يعني: العباد والزهاد عزموا ألا يرجعوا إلى أنفسهم أبداً، فإن الله سميع عليم بقصدهم هل قصدهم طلب الحظوظ أو محبة الحبيب، وأما العارفون فلا تبقى لهم معادة مع أحد قط، قد اصطلحوا مع الوجود بأسره، فمكنهم الله من التصرف في الوجود بأسره. والله ذو الفضل العظيم.

الطوسي

تفسير : اللغة: قوله: {يؤلون} معناه: يحلفون - بلا خلاف بين أهل التأؤيل - وهو المروي عن سعيد بن المسيب وهو مأخوذ من الألية قال الشاعر: شعر : كفينا من تغيّب من نزار وأحنثنا إليّة مقسمينا تفسير : ويقال: ألى الرجل - من إمرأته - يؤلي إيلاء، وألية، وألوّة، وهو الحلف قال الأعشى: شعر : إني أليت على حلفة ولم أقلها سحر الساحر تفسير : وجمع أليّة ألايا، وأليّات، كعشية، وعشايا، وعشيات، فأما جمع ألوّة، فألايا، كركوبة وركائب، وجمع ألية: ألاء كصحيفة، وصحائف، ومنه اءتلى يأتلى اءتلاء، وفي التنزيل {أية : ولا يأتل أولوا الفضل منكم},تفسير : وتقول: لا تألوا ألياً، وألوّ، نحو العتى، والعتوّ. وما ألوت جهداً، ولا ألوته نصحاً، أو غشا، ومنه قوله: {أية : لا يألونكم خبالاً},تفسير : وقال الشاعر: شعر : نحن فصلنا جهدنا لم نأتله تفسير : أي لم نقصر. وأصل الباب التقصير، فمنه لا يألوا جهداً، ومنه الألية: اليمين، لأنها لنفي التقصير. وعود ألوة، وألوة: أجود العمود، لأنه خالص. المعنى: والايلاء في الآية: المراد به: اعتزل النساء، وترك جماعهن على وجه الاضرار بهن، وكأنه قيل: {للذين يألون} أن يعتزلوا نساءهم {تربص أربعة أشهر} منهم، واليمين التي يكون بها الرجل مؤلياً: هي اليمين بالله عزّ وجلّ، أو بشيء من صفاته التي لا يشركه فيها غيره, على وجه لا يقع موقع اللغو الذي لا فائدة فيه، ويكون الحلف على الامتناع من الجماع على جهة الغضب، والضرار، وهو المروي عن علي (ع)، وابن عباس، والحسن. وقال ابراهيم، وابن سيرين، والشعبي: في الغضب. وقال سعيد بن المسيب: هو في الجماع، وغيره من الضرار، نحو الحلف ألاّ يكلمها. اللغة: والتربصّ بالشيء انتظارك به خيراً، أو شراً يحل، وتقول: تربصت بالشيء تربصاً، وربصت به ربصاً، ومنه قوله: {أية : فتربصوا به حتى حين}تفسير : و {أية : نتربص به ريب المنون}تفسير : قال الشاعر: شعر : تربص بها ريب المنون لعلّها تطلّق يوماً أو يموت حليلها تفسير : ومالي على هذا الأمر ربصة: أي تلبث، وأصله الانتظار. وقوله: "فإن فاءوا" معناه: فان رجعوا، ومنه قوله: {أية : حتى تفيء إلى أمر الله}تفسير : أي ترجع من الخطأ الى الصواب. والفرق بين الفيء والظل: ما قال المبرد: إن الفيء ما نسخ الشمس، لأنه هو الراجع، وأما الظل: فما لا شمس فيه. وكل فيء ظل، وليس كل ظل فيء، ولذلك أهل الجنة في ظل، لا في فيء، لأنه لا شمس فيها، كما قال الله تعالى: {أية : وظل ممدود}.تفسير : وجمع الفيء أفياء، تقول: فاء الفيء: إذا تحول عن جهة الغداة برجوع الشمس عنه. وتفيأت في الشجر، وفيأت الشجرة. والفيء: غنائم المشركين، أفاء الله علينا فيهم، لأنه من رجع الشيء الى حقه، والفيء الرجوع عن الغضب. إن فلاناً لسريع الفيء من غضبه. المعنى: فان قيل: ما الذي يكون المولى به فايئاً؟ قيل - عندنا -: يكون فايئاً بأن يجامع، وبه قال ابن عباس، ومسروق، وسعيد بن المسيب. وقال الحسن، وابراهيم، وعلقمة: يكون فايئاً بالعزم في حال العذر إلاّ أنه ينبغي أن يشهد على فيئه، وهذا يكون - عندنا - للمضطر الذي لا يقدر على الجماع، ويجب على الفايء - عندنا - الكفارة، وبه قال ابن عباس، وسعيد بن المسيب، وقتادة، ولا عقوبة عليه، وهو المروي عن أبي جعفر، وأبي عبد الله (ع). وقال الحسن، وابراهيم: لا كفارة عليه، لقوله: {فإن فاؤوا فإن الله غفور رحيم}: أي لا يتبعه بكفارة، ولا عقوبة. الاعراب: ويجوز في {تربص أربعة أشهر} ثلاثة أوجه: الجر بالاضافة، وعليه جميع القراء. ويجوز النصب، والرفع في العربية {تربص أربعة أشهر} كما قال: {أية : ألم نجعل الأرض كفاتاً أحياء وأمواتاً} تفسير : أي يكفتهم أحياء، وأمواتاً، و { تربص أربعة أشهر} كقوله: {أية : فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله}تفسير : ومثله {أية : فجزاء مثل ما قتل من النعم}.تفسير : وإنما جعل اختصاص الايلاء بحال الغضب، لأن مدة التربص جعل فسحة للمرأة في التخلص من المضارة، فاذا لم يكن ضرار لم يصح إيلاء. ومن لم يخص بحال الغضب، حمله على عموم الايلاء، وهو الأقوى. ومتى حلف بغير الله في الايلاء، فلا تنعقد يمينه، ولايكون مؤلياً. وقال الجبائي: إذا حلف بما يلزمه فيه عزم، نحو الصدقة، أو الطلاق، أو العتاق، فهو إيلاء، وإلاّ، فهو لغو، نحو قوله: وحياتك، وما أشبه. وقال الشافعي: لا إيلاء إلا بالله، كما قلناه. ومتى حلف ألا يجامع أقل من أربعة أشهر، لا يكون مؤلياً، لأن الايلاء على أربعة أشهر، أو أكثر. ومتى حلف ألاّ يقر بها، وهي مرضعة خوفاً من أن تحبل، فيضر ذلك بولدها، لا يلزمه حكم الايلاء، وهو المروي عن علي (ع)، وبه قال الحسن، وابن شهاب. ويجوز أن يكون في الآية تقديم، وتأخير، ويكون تقديره {للذين يؤلون} {تربص أربعة أشهر} {من نسائهم}. ويجوز أن يكون معناه: {للذين يؤلون من} أجل {نسائهم تربص أربعة أشهر} كما تقول: غضبت لفلان: أي من أجل فلان. وإذا مضت أربعة أشهر لم تبن منه إلا بطلاق، ويلزمه الحاكم، إما الرجوع والكفارة، وإما الطلاق، فان امتنع حبسه حتى يفيء، أو يطلق. وفيه خلاف.

الجنابذي

تفسير : {لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ} يبعدون بالحلف {مِن نِّسَآئِهِمْ} بان يحلفوا ان لا يجامعوهنّ {تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ} من النّساء وأهلهنّ ومن حكّام الشّرع فلا يطالبوهم بشيءٍ من المضاجعة والطّلاق {فَإِنْ فَآءُوا} فى تلك المدّة بحنث ايمانهم وكفّارتها فلا شيء عليهم {فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ} يغفر ما فرط منهم بعد الكفّارة {رَّحِيمٌ} يرحمهم بترخيص المراجعة بعد الحلف.

اطفيش

تفسير : {للَّذينَ يُؤلونَ مِنْ نِسائِهِمْ}: أى يحلفون عن جماع نسائهم، فمن (بمعنى عن على حذف مضاف كما رأيت، أو ضمن الإيلاء معنا البعد فعداه بمن كأنه قيل يبعدون من جماع نسائهم بالحلف، وإلا فأصله التعدى بعلى، وقرأ ابن مسعود: والوا من نسائهم، وقرأ ابن عباس يقسمون من نسائهم. {تَرَبُّصُ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ}: أى الانتظار فى أربعة أشهر، حراً كان الزوج أو عبداً وكانت المرأة حرة أو أمة دخل بها أو لم يدخل بها، ومعنى التربص فى أربعة أشهر أن يبقى فيها على حكم الزوجية لا تستر نم نفسها عنه فرجاً ولا غيره، يمس منها كل شئ، وينظر كل شئ منها ولو جامع لجاز له. {فإن فاءُوا}: رجعوا إليهن بالجماع الذى ركوه بالحلف مجامعوهن، قبل تمام أربعة أشهر كما قرأ عبد الله بن مسعود: {فإن فاءوا فيهن}، وإذا أراد الفئ منعه غيبتها أو غيبته أو مرضه أو مرضها أو حيض أو نفاس أشهد على أنه قد رجع إليها، وقيل إن حضرت مسها بيده فى فرجها أو بذكره فى أى موضع منها، وكفى ذلك، وقيل لا يعذر بغير الوطء بالذكر فى الفرج ولو منع. {فإنَّ اللّهَ غَفُورٌ}: لإيلائهم الذى هو ضرر للمرأة. {رَحِيمٌ}: بِهِم، أى فإن فاءوا بالجماع قبل تمام الأربعة فهن باقيات على الزوجية بعد الأربعة، لأن الله غفور رحيم. قال بعضهم: أفاد قوله: {فإن الله غفور رحيم} أنه لا كفارة عليه إذ فاء بالمس، والجمهور أن عليه كفارة إن مس، لأنه حنث، وأن الغفران والعفو فى جواز الفئ، وأجزاء الكفارة وعدم التكريم.

اطفيش

تفسير : {لَّلَّذِينَ يُؤْلُونَ} يحلفون، أحرارا أو عبيدا ولو خصيمين أو مجبوبين {مِن نِسَآئِهِمْ} على جماع نسائهم، أو ضمن معنى يبعدون، بل الا تدا لا يخلو عن فعد الفعل المبتدأ منه، أو لهم فى نسائهم تربص أربعة أشهر ألا يجامعوهن مطلقا أو مدة تزيد على أربعة اشهر {تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ} من إضافة الحدث إلى ظرفه، أى تربص فى أربعة أشهر، لا يحكم عليه فيها بجماع، ولا يقع طلاق بذلك فإن لم يطيقوا الجماع لمرضهم أو مرضهن، أو رتقهن أو صغر بحيث لا تطيق غيوب الحشفة، أو حدث فى ذكر الرجل، أو بعد المسافة، أو منع جبار أو عدو أو غير ذلك من الموانع فإنهم يشهدون على الفىء، وتلزمه كفارة مرسلة للحنث يعطيها بعد الفىء، وهى ذمة بلا أجل محدود {فَإِن فَآءُوا} رجعوا قبل تمامها إلى جماعهن، فجامعوا إن قدروا، أو أشهدوا على الفىء إن لم يقدروا كما مر {فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} لم يعاقبهم الله على ترك الجماع فى تلك المدة لأنه غفور رحيم، أو لم يعاقبهم بوقوع الطلاق، والأول أنسب الذكر الغفران والرحمة.

الالوسي

تفسير : {لّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نّسَائِهِمْ} الإيلاء ـ كما قال الراغب ـ الحلف الذي يقتضي النقيصة في الأمر الذي يحلف فيه من قوله تعالى: {أية : لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً }تفسير : [آل عمران: 118] أي باطلاً {أية : وَلاَ يَأْتَلِ أُوْلُواْ ٱلْفَضْلِ مِنكُمْ }تفسير : [النور: 22] وصار في الشرع عبارة عن الحلف المانع عن جماع المرأة، فـ {يُؤْلُونَ} أي يحلفون، و {مِن نّسَائِهِمْ} على حذف المضاف، أو من إقامة العين مقام الفعل المقصود منه للمبالغة، وعدى القسم على المجامعة بـ {مِنْ} لتضمنه معنى البعد، فكأنه قيل: يبعدون من نسائهم مولين، وقيل: إن هذا الفعل يتعدى بـ (من) وعلى، ونقل أبو البقاء عن بعضهم من أهل اللغة تعديته بـ (من) وقيل: بها بمعنى على، وقيل: بمعنى في، وقيل: زائدة، وجوّز جعل الجار ظرفاً مستقراً، أي استقرّ لهم من نسائهم. {تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ} وقرأ [عبد الله] {أَلوا مِن نّسَائِهِمْ} وفي مصحف أبـيّ {لِلَّذِينَ يَقْسِمُونَ} وهو المروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ـ والتربص ـ الانتظار والتوقف وأضيف إلى الظرف على الاتساع ـ وإجراء المفعول فيه مجرى المفعول به، والمعنى على الظرفية وهو مبتدأ ما قبله خبره أو فاعل للظرف ـ على ما ذهب إليه الأخفش من جواز عمله وإن لم يعتمد ـ والجملة ـ على التقديرين ـ بمنزلة الاستثناء من قوله سبحانه. {أية : وَلَـٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ } تفسير : [البقرة: 225] فإن ـ الإيلاء ـ لكون أحد الأمرين لازماً له الكفارة على تقدير الحنث من غير إثم، والطلاق على تقدير البر مخالف لسائر الأيمان المكتوبة حيث يتعين فيها ـ المؤاخذة ـ بهما أو بأحدهما عند الشافعي ـ والمؤاخذة ـ الأخروية عند أبـي حنيفة رضي الله تعالى عنه، فكأنه قيل: إلا الإيلاء فإنّ حكمه غير ما ذكر، ولذلك لم تعطف هذه الجملة على ما قبلها، وبعد أن ذكر سبحانه وتعالى ـ أنَّ للمولين من نسائهم تربص أربعة أشهر ـ بين حكمه بقوله تعالى جل شأنه: {فَإِن فَآءوا} أي رجعوا في المدّة {فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} لما حدث منهم من اليمين على الظلم وعقد القلب على ذلك الحنث، أو بسبب الفيئة والكفارة، ويؤيده قراءة ابن مسعود {فَإِن فَآءوا فِيهِنَّ}.

ابن عاشور

تفسير : استئناف ابتدائي للانتقال إلى تشريع في عمل كان يغلب على الرجال أن يعملوه في الجاهلية، والإسلام. كان من أشهر الأيمان الحائلة بين البر والتقوى والإصلاح، أيمان الرجال على مهاجرة نسائهم، فإنها تجمع الثلاثة؛ لأن حسن المعاشرة من البر بين المتعاشرين، وقد أمر الله به في قوله: { أية : وعاشروهن بالمعروف } تفسير : [النساء: 19] فامتثاله من التقوى، ولأن دوامه من دوام الإصلاح، ويحدث بفقده الشقاق، وهو مناف للتقوى. وقد كان الرجل في الجاهلية يولي من امرأته السنة والسنتين، ولا تنحل يمينه إلاّ بعد مضي تلك المدة، ولا كلام للمرأة في ذلك. وعن سعيد بن المسيب: «كان الرجل في الجاهلية لا يريد المرأة، ولا يحب أن يطلقها، لئلا يتزوجها غيره، فكان يحلف ألاّ يقربها مضارة للمرأة» أي ويقسم على ذلك لكيلا يعود إليها إذا حصل له شيء من الندم. قال: «ثم كان أهل الإسلام يفعلون ذلك، فأزال الله ذلك، وأمهل للزوج مدة حتى يتروى» فكان هذا الحكم من أهم المقاصد في أحكام الأيمان، التي مهد لها بقوله: { أية : ولا تجعلوا الله عرضة } تفسير : [البقرة: 224]. والإيلاء: الحلف، وظاهر كلام أهل اللغة أنه الحلف مطلقاً يقال آلى يولي إيلاء، وتألى يتألى تألياً، وائتلى يأتلي ائتلاء، والاسم الألوَّة والألية، كلاهما بالتشديد، وهو واوي فالألوة فعولة والألية فعيلة. وقال الراغب: «الإيلاء حلف يقتضي التقصير في المحلوف عليه مشتق من الألو وهو التقصير قال تعالى: { أية : لا يألونكم خبالاً }تفسير : [آل عمران: 118] { أية : ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة } تفسير : [النور: 22] وصار في الشرع الحلف المخصوص» فيؤخذ من كلام الراغب أن الإيلاء حلف على الامتناع والترك؛ لأن التقصير لا يتحقق بغير معنى الترك؛ وهو الذي يشهد به أصل الاشتقاق من الألو، وتشهد به موارد الاستعمال، لأنا نجدهم لا يذكرون حرف النفي بعد فعل آلى ونحوه كثيراً، ويذكرونه كثيراً، قال المتلمس: شعر : آلَيْتُ حبَّ العِرَاققِ الدَّهْرَ أَطْعَمُه تفسير : وقال تعالى: { أية : ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة أن يؤتوا } تفسير : [النور: 22] أي على أن يؤتوا وقال تعالى هنا: {للذين يؤلون من نسائهم} فَعدَّاه بمِنْ، ولا حاجة إلى دعوى الحذف والتضمين. وأيَّاً مَّا كان فالإيلاء بعد نزول هذه الآية، صار حقيقة شرعية في هذا الحَلِف على الوصف المخصوص. ومجيء اللام في {للذين يؤلون} لبيان أن التربص جعل توسعة عليهم، فاللام للأَجْل مثل هَذا لَكَ ويعلم منه معنى التخيير فيه، أي ليس التربص بواجب، فللمولى أَن يفىء في أقل من الأشهر الأربعة. وعدى فعل الإيلاء بمِن، مع أن حقه أن يعدَّى بعلى؛ لأنه ضمن هنا معنى البُعد، فعدي بالحرف المناسب لفعل البُعد، كأنه قال: للذين يؤلون متباعدين من نسائهم، فمِنْ للابتداء المجازي. والنساء: الزوجات كما تقدم في قوله: { أية : فاعتزلوا النساء في المحيض } تفسير : [البقرة: 222] وتعليق الإيلاء باسم النساء من باب إضافة التحليل والتحريم ونحوهما إلى الأعيان، مثل { أية : حُرِّمَت عليكم أمهاتكم } تفسير : [النساء: 23] وقد تقدم في قوله تعالى: { أية : إنما حرَّم عليكم الميتة } تفسير : [البقرة: 173]. والتربص: انتظار حصول شيء لغير المنتظِر، وسيأتي الكلام عليه عند قوله تعالى: { أية : والمطلَّقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء } تفسير : [البقرة: 228]، وإضافة تربص إلى أربعة أشهر إضافة على معنى «في» كقوله تعالى: { أية : بل مَكَرُ الليل } تفسير : [سبأ: 33]. وتقديم {للذين يؤلون} على المبتدأ المسند إليه، وهو تربص، للاهتمام بهذه التوسعة التي وسع الله على الأزواج، وتشويق لذِكْر المسند إليه. و{فاءوا} رجعوا أي رجعوا إلى قربان النساء، وحذف متعلق {فاءوا} بالظهور المقصود. والفَيْئة تكون بالتكفير عن اليمين المذكورة في سورة العقود. وقوله: {فإن الله غفور رحيم} دليل الجواب، أي فحنثهم في يمين الإيلاء مغفور لهم؛ لأن الله غفور رحيم. وفيه إيذان بأن الإيلاء حرام، لأن شأن إيلائهم الوارد فيه القرآن، قصدُ الإضرار بالمرأة. وقد يكون الإيلاء مباحاً إذا لم يقصد به الإضرار ولم تطل مدته: كالذي يكون لقصد التأديب، أو لقصد آخر معتبر شرعاً، غير قصد الإضرار المذموم شرعاً. وقد آلى النبي صلى الله عليه وسلم من نسائه شَهْراً، قيل: لمرض كان برجله، وقيل: لأجل تأديبهن؛ لأنهن قد لقين من سعة حلمه ورفقه ما حدا ببعضهن إلى الإفراط في الإدلال، وحمَل البقية على الاقتداء بالأخريات، أو على استحسان ذلك. والله ورسوله أعلم ببواطن الأمور. وأما جواز الإيلاء للمصلحة كالخوف على الولد من الغَيْل، وكالحُمْية من بعض الأمراض في الرجل والمَرأة، فإباحته حاصلة من أدلة المصلحة ونفي المضرة، وإنما يحصل ذلك بالحلف عند بعض الناس، لما فيهم من ضعف العزم واتهام أنفسهم بالفلتة في الأمرِ، إن لم يقيدوها بالحلف. وعَزم الطلاق: التصميم عليه، واستقرار الرأي فيه بعد التأمل وهو شيء لا يحصل لكل مُوللٍ من تلقاء نفسه، وخاصة إذا كان غالب القصد من الإيلاء المغاضبة والمضارة، فقوله: {وإن عزموا الطلاق} دليل على شرط محذوف، دل عليه قوله: {فإن فاءو} فالتقدير: وإن لم يفيئوا فقد وجب عليهم الطلاق، فهم بخير النظرين بين أن يفيئوا أو يطلقوا فإن عزموا الطلاق فقد وقع طلاقهم. وقوله {فإن الله سميع عليم} دليل الجواب، أي فقد لزمهم وأمضى طلاقهم، فقد حد الله للرجال في الإيلاء أجلاً محدوداً، لا يتجاوزونه، فإما أن يعودوا إلى مضاجعة أزواجهم، وإما أن يطلقوا، ولا نمدوحة لهم غير هذين. وقد جعل الله للمولي أجلاً وغاية، أما الأجل فاتفق عليه علماء الإسلام، واختلفوا في الحالف على أقل من أربعة أشهر، فالأئمة الأربعة على أنه ليس بإيلاء، وبعض العلماء: كإسحاق بن راهويه وحماد يقول: هو إيلاء، ولا ثمرة لهذا الخلاف فيما يظهر، إلاّ ما يترتب على الحلف بقصد الضرِّ من تأديب القاضي إياه إذا رفعت زوجه أمرها إلى القاضي ومِن أمرِه إياه بالفَيْئَة. وأما الغاية فاختلفوا أيضاً في الحاصل بعد مضي الأجل، فقال مالك والشافعي: إن رفعته امرأته بعد ذلك يوقف لدى الحاكم، فإما أن يفىء أو يطلق بنفسه، أو يطلق الحاكم عليه، وروي ذلك عن اثنى عشر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وقال أبو حنيفة: إن مضت المدة ولم يفيءْ فقد بانت منه، واتفق الجميع على أن غير القادر يكفي أن يفيء بالعزم، والنية، وبالتصريح لدى الحاكم، كالمريض والمسجون والمسافر. واحتج المالكية بأن الله تعالى قال: {فإن الله سميع عليم} فدل على أن هنالك مسموعاً؛ لأن وصف الله بالسميع معناه العليم بالمسموعات، على قول المحققين من المتكلمين، لا سيما وقد قرن بعليم، فلم يبق مجال لاحتمال قول القائلين من المتكلمين بأن السميع مرادف للعليم وليس المسموع إلاّ لفظ المولي، أو لفظ الحاكم، دون البينونة الاعتبارية. وقوله {عليم} يرجع للنية والقصد. وقال الحنفية {سميع} لإيلائه، الذي صار طلاقاً بمضي أجله، كأنهم يريدون أن صيغة الإيلاء جعلها الشرع سبب طلاق، بشرط مضي الأمد {عليم} بنية العازم على ترك الفَيئة. وقول المالكية أصح؛ لأن قوله: {فإن الله سميع عليم} جُعل مفرعاً عن عزم الطلاق لا عن أصل الإيلاء؛ ولأن تحديد الآجال وتنهيتها موكول للحكام. وقد خفي على الناس وجه التأجيل بأربعة أشهر، وهو أجل حدده الله تعالى، ولم نطلع على حكمته، وتلك المدة ثلث العام، فلعلها ترجع إلى أن مثلها يعتبر زمناً طويلاً، فإن الثلث اعتبر معظم الشيء المقسوم، مثل ثلث المال في الوصية، وأشار به النبي عليه الصلاة والسلام على عبد الله بن عمرو بن العاص في صوم الدهر. وحاول بعض العلماء توجيهه بما وقع في قصة مأثورة عن عمر بن الخطاب، وعزا ابن كثير في «تفسيره» روايتها لمالك في «الموطأ» عن عبد الله بن دينار. ولا يوجد هذا في الروايات الموجودة لدينا: وهي رواية يحيى بن يحيى الليثي، ولا رواية ابن القاسم والقعنبي وسويد بن سعيد ومحمد بن الحسن الشيباني، ولا رواية يحيى بن يحيى بن بكير التميمي التي يرويها المهدي بن تومرت، فهذه الروايات التي لدينا فلعلها مذكورة في رواية أخرى لم نقف عليها. وقد ذكر هذه القصة أبو الوليد الباجي في شرحه على الموطأ المسمى «بالمنتقى»، ولم يعزها إلى شيء من روايات «الموطأ»: أن عمر خرج ليلة يطوف بالمدينة يتعرف أحوال الناس فمر بدار سمع امرأة بها تنشد: شعر : أَلاَ طَالَ هذا الليلُ واسَود جانبه وأَرَّقني أَن لا خليلَ أُلاَعِبُه فلولا حذار الله لا شيء غيره لَزعزعَ من هذا السرير جوانبه تفسير : فاستدعاها من الغد فأخبرته أن زوجها أرسل في بعث العراق، فاستدعى عمر نساء فسألهن عن المدة التي تستطيع المرأة فيها الصبر على زوجها قلن شهران ويقل صبرها في ثلاثة أشهر، وينفد في أربعة أشهر وقيل إنه سأل ابنته حفصة فأمر عمر قواد الأجناد ألا يمسكوا الرجل في الغزو أكثر من أربعة أشهر، فإذا مضت استردَّ الغازين ووجه قوماً آخرين.

القطان

تفسير : يؤلون: يحلفون، آلى يؤلي ايلاءً. عزموا الطلاق: صمَّموا في قصده. للذين يحلفون ان لا يقربوا نساءهم ان ينتظروا اربعة أشهر، فان رجعوا الى نسائهم وحنثوا في اليمين اثناء هذه المدة فان الله يغفر لهم، وعليهم الكفّارة. ان عزموا على الطلاق فان الله سميع لحلفهم وطلاقهم. والخلاصة: ان من حلف على ترك إتيان امرأته، لا يجوز له ان يمكث أكثر من أربعة أشهر، فإن عاد اليها قبل انقضاء المدة لم يكن عليه اثم، وان أتمها تعيّن عليه أجد امرين: الرجوع الى المعاشرة الزوجية أو الطلاق. وعليه ان يراقب الله فيما يختاره منهما، فان لم يطلِّق بالقول كان مطلِّقا بالفعل، اي انها تطلق منه بعد انتهاء تلك المدة رغم انفه. فاذا كانت المدة أقل من اربعة أشهر فلا يلزمه شيء. وقد فضّل الله تعالى الفيئة، اي الرجوع، على الطلاق، وجعل جزاءها المغفرة منه. وقد كانت هذه العادة من ضرار أهل الجاهلية، كان الرجل لا يحب امرأته ولا يحب ان يتزوجها غيره، فيحلف ألا يقربها أبدا، ويتركها لا هي مطلّقة ولا ذات بعل. وكان المسلمون في ابتداء الاسلام يفعلون مثل هذا فأزال الله ذلك الضرر عنهم بهذه الآية.

د. أسعد حومد

تفسير : {نِّسَآئِهِمْ} {فَآءُو} (226) - الإِيلاءُ هُوَ الحَلْفُ، وَهُوَ مِنْ ضِرارِ أهْلِ الجَاهِلِيَّةِ، إذْ كانَ الرَّجُلُ لاَ يُحِبُّ امرَأَتَهُ، وَيَكْرَهُ أنْ يَتَزَوَّجَهَا غَيْرُهُ إنْ طَلَّقَها، فَيَحْلِفُ أنْ لاَ يَقْرَبَها أبداً، وَيَتْرُكَها لاَ هِيَ ذَاتُ زَوْجٍ، وَكَانَ المُسْلِمُونَ فِي ابتِداءِ أمرِ الإِسْلاَمِ يَفْعَلُونَ مِثْلَ ذَلِكَ، فَأزَالَ اللهُ تَعَالَى بِهذِهِ الآيَةِ الضَّرَرَ عَنِ النِّسَاءِ. فَإذا حَلَفَ الرَّجُلُ أنْ لاَ يُوَاقِعَ امْرَأَتَهُ مُدَّةً، فَإنْ كَانَتْ يَمِينُهُ لأقَلِّ مِنْ ارْبَعَةِ أشْهُرٍ انْتَظَرَ انْقِضَاءَ المُدَّةِ ثُمَّ يَعُودُ إلى مُوَاقَعَتِها، وَلَيسَ لِلزَّوْجَةِ مُطَالَبَةُ الزَّوْجِ بالفَيْئَةِ (أيْ العَوْدَةِ إلى مُعَاشَرَتِها مُعَاشَرَةَ الأزْوَاجِ) خِلالَ ذَلِكَ. أمَّا إذا كَانَ الإِيلاَءُ لأَِكْثَرَ مِنْ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ، فَلِلزَّوْجَةِ مُطَالَبَةُ زَوْجِها بِالفَيْئَةِ عِنْدَ انْقِضَاءِ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ؛ وَهُوَ إمَّا أنْ يَعُودَ إلى مُعَاشَرَتِها مُعَاشَرَةَ الأزْوَاجِ، وَإِمَا أنْ يُطَلِّقَها. فَإِنْ عَادَ إلى مُعَاشَرَتِها، فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَحِيمٌ لِمَا سَلَفَ مِنَ التَّقْصِيرِ، وَعَلَى الزَّوْجِ فِي كُلِّ حَالٍ أنْ يُرَاقِبَ اللهَ فِيمَا يَخْتَارُهُ بِحَقِّ النِّسَاءِ. وَلِلزَّوْجِ خِلاَلَ مُدَّةِ الإِيلاَءِ أنْ يُواقِعَ زَوْجَتَهُ، وَيُكَفِّرَ عَنْ يَمِينِهِ، فَيَسْتَمِرَّ الزَّوَاجُ قَائِماً. يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ - يَحْلِفُونَ عَلَى تَرْكِ مُوَاقَعَةِ نِسَائِهِمْ. تَرَبُّصُ - انْتِظَارُ. فَاؤُوا - رَجَعُوا فِي المُدَّةِ عَمَّا حَلَفُوا عَلَيه.

الثعلبي

تفسير : {لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ} قتادة: كان الإيلاء طلاق أهل الجاهلية. سعيد بن المسيّب: كان ذلك من ضرار أهل الجاهلية، كان الرجل لا يريد المرأة ولا يحبّ أن يتزوجها غيره يحلف ألاّ يقربها أبداً، وكان يتركها كذلك لا أيّماً ولا ذات بعل، وكانوا يفعلون ذلك في الجاهلية وفي الإسلام، فجعل الله الأجل الذي يعلم به عند الرجل في المرأة وهي أربعة أشهر، فأنزل الله تعالى {لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ} وفي حرف عبد الله للذين آلوا من نسائهم على أنها الماضي، وقرأ ابن عباس: للذين يقسمون من نسائهم. الإيلاء: الحلف، يقال: آلى يولي، إيلاء، قالت الخنساء: شعر : فآليت آسى على هالك أو أسأل نائحة مالها تفسير : والاسم منه الألية، قال الشاعر: شعر : عليّ ألية وصيام أمسك طارها ألاّ يكفّ تفسير : وفيه أربع لغات، أليّة وألوة وللوة وآلوة ومعنى الآية {لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ} أن يعتزلوا من نسائهم، فترك ذكره اكتفى بدلالة الكلام عليه، والتربّص: التريث والتوقف، وزعم بعضهم أنّه من المقلوب، قالوا: التربّص: التصبّر، فمثلا أن يحلف الرجل أن لا يقرب امرأته فيقول لها: والله لا أجامعك أو لا يجتمع فراشي بفراشك، ونحو ذلك من ألفاظ الجماع، وكل حين يحلفها الرجل على امرأته فيصير ممتنعاً من جماعها أكثر من أربعة أشهر إلاّ بشيء (يكون) في بدنه وماله فهو إيلاء، وما كان دون أربعة أشهر فليس بإيلاء. وكان علي بن أبي طالب (رضي الله عنه) يقول: الإيلاء يمين في الغضب فإذا حلف في حال الرضا فليس بإيلاء، وعامة الفقهاء يجرونه على العمد، ويلزمون الإيلاء في كل يمين منع من جماعها في حال الرضا والغضب، فإذا آلى تُبان فإنْ هو جامع قبل مضي أربعة أشهر كفّر عن يمينه ولا شيء عليه، والنكل ثابت هو إنْ هو لم يجامع حتى تنقضي أربعة أشهر، فاختلف الفقهاء فيه، فقال بعضهم: إذا مضت أربعة أشهر ولم يفِ بانت منه بتطليقة وهي أملك بنفسها، وهذا قول عبد الله بن مسعود ومحمد بن ثابت وقتادة ومقاتل بن حبّان والكلبي وأبي حنيفة، يدلّ عليه قول ابن عباس: عزيمة الطلاق إمضاء أربعة أشهر. وقال بعضهم: إذا مضت أربعة أشهر والرجل ممتنع فإن عفّت المرأة ولم تطلب حقّها من الجماع فلا شيء على الرجل ولا يقع به طلاق وهما على نكاح ما لو قامت على ذلك، وإن طلبت حقها وقف الحاكم زوجها، فإما أن يفي وإما أن يطلّق، فإنْ أبى [الفيئة] والطلاق جميعاً طلق عليه الحاكم، وقيل: يحبسه أبداً حتى يطلّق، وجملة هذا القول الذي ذكروا من الوقف قول عمر وعثمان وعليّ وأبي الدرداء وابن عمر وعائشة وسعيد بن جبير وسليمان بن يسار ومجاهد، ومذهب مالك والشافعي وأبي ثور وأبي عبيدة وأحمد وإسحاق وعامة أهل الحديث. وقال يونس الصواف: أتيت سعيد بن المسيّب فقال: من أين؟ قلت: من الكوفة، قال: وإنّهم يقولون في الإيلاء إذا مضت أربعة أشهر [فلا شيء عليه] ولا أربع سنين حتى لو [يفىء أن يطلّق] وألغى الجماع فإن كان عاجزاً عن الجماع بمرض أو عنّة أو نحوها فاء بلسانه وأُشهد. وقال: كان إبراهيم النخعي يقول: ألغي باللسان على كل حال، فإذا فاء فعليه الكفارة ليمينه في قول الفقهاء، إلاّ الحسن وإبراهيم وقتادة فإنهم أسقطوا الكفارة عن المولى إذا فاء لقوله {فَإِنْ فَآءُو فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} وقال إبراهيم: هذا في إسقاط الحق به لا في الكفارة. {وَإِنْ عَزَمُواْ ٱلطَّلاَقَ} أي حققوا وصدّقوا ونووا، وقرأ ابن عباس: وإن عزموا السراح، وهو الطلاق أيضاً. {فَإِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ} لقولهم {عَلِيمٌ} بنيّاتهم، وفيه دليل على أنّها لا تطلّق بعد مضي الأربعة الأشهر ما لم يطلقها زوجها أو السلطان لأنه شرط فيه العزم، ولأن السماع يقتضي (...) والقول هو الذي يسمع، والسماع راجع إلى الطلاق والله أعلم. {وَٱلْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوۤءٍ} الآية، قال مقاتل بن حيان والكلبي: كان الرجل أول الإسلام إذا طلّق امرأته ثلاثاً وهي حبلى فهو أحق برجعتها ما لم تضع ولدها إلى أن نسخ الله ذلك بقوله {ٱلطَّلاَقُ مَرَّتَانِ} وقوله {فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ} الآية، وطلّق إسماعيل بن عبد الله الغفاري امرأته قتيلة وهي حبلى. وقال مقاتل: هو مالك بن الأشدق رجل من أهل الطائف، قالوا جميعاً: ولم يشعر الرجل بذلك ولم تخبره بذلك، فلمّا علم بحبلها راجعها وردّها إلى بيته، فولدت وماتت ومات ولدها، وفيها أنزل الله تعالى هذه الآية {وَالْمُطَلَّقَاتُ} أي المخلّيات من حبال أزواجهن وهو من قولهم: أطلقت الشيء من يدي وطلقته إذا خلّيته، إلاّ أنهم لكثرة استعمالهم اللفظين فرّقوا بينهما ليكون التطليق مقصوراً في الزوجات وبذلك أنزل القرآن {أية : يٰأيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ} تفسير : [الطلاق: 1] والاسم منه الطلاق، ويقال: طلق الرجل المرأة وطلّقت وطلقت معاً، وأصله من قولهم: انطلق الرجل إذا مضى غير ممنوع، ويقال للشوط الذي يجريه الفرس وغيره من غير أن يمنع طلق. {يَتَرَبَّصْنَ} ينتظرن بأنفسهن ولا يتزوجن ثلاثة قروء، جمع قُرء، مثل قرع وجمعه القليل قروء والجمع الكثير أقرُاء وقرؤ، واختلف الفقهاء في القروء، فقال قوم: هي الحيض، وهو قول علي وعمر وابن مسعود وأبي موسى الأشعري ومجاهد ومقاتل بن حيّان، ومذهب سفيان وأبي حنيفة وأهل الكوفة، واحتجوا بقول النبي صلى الله عليه وسلم للمستحاضة: "حديث : دعي الصلاة أيام أقرائك"تفسير : والصلاة إنما تترك في حال الحيض، يقول الراجز أنشده تغلب عن ابن الأعرابي: شعر : له قروء كقروء الحائض تفسير : يعني أنّ عداوته تهيج في أوقات معلومة كما أن المرأة تحيض بأوقات معلومة، فمَنْ قال بهذا القول قال: لا تحلّ المرأة للأزواج ولا تخرج من عدّتها ما لم تنقضِ الحيضة الثالثة، يدل عليه ما روى الزهري عن ابن المسيّب أن علياً قال في الرجل يطلق امرأته واحدة أو ثنتين: (لا) يحل لزوجها الرجعة إليها حتى تغتسل من الحيضة الثالثة وتحلّ لها الصلاة. وقال آخرون: هي الأطهار وهو قول زيد بن ثابت وابن عمر وعائشة ومذهب مالك والشافعي وأهل المدينة، واحتجوا بقوله {أية : يٰأيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} تفسير : [الطلاق: 1]" حديث : وقال النبي صلى الله عليه وسلم لمّا طلّق ابن عمر امرأة وهي حائض لعمر: مُرْه فلْيراجعها، فإذا طهرت فليطلق أو ليمسك"تفسير : ، وتلا النبي صلى الله عليه وسلم قوله عزّ وجلّ {أية : إِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَطَلِّقُوهُنَّ} تفسير : [الطلاق: 1] فأخبر صلى الله عليه وسلم أنّ العدّة الأطهار من الحيض وقرأ {فَطَلِّقُوهُنَّ} لتتم عدتهنّ، وهو أن يطلقها طاهراً لأنها حينئذ تستقبل عدّتها، ولو طلقت أيضاً لم تكن مستقبلة عدّتها إلاّ بعد الحيض، ويدلّ على تلك القروء والأطهار قول الشاعر وهو الأعشى: شعر : وفي كل عام أنت جاشم غزوة تشد لأقصاها عزيم غزائكا مورثة مالاً وفي الحي رفعة لما ضاع فيها من قروء نسائكا تفسير : والقُرء في هذا البيت الطهر، لأنّه خرج إلى الغزو ولم يغش نساءه فأضاع اقراءهنّ أي أطهارهن، ومن قال بهذا القول قال: إذا حاضت المرأة الحيضة الثالثة فقد انقضت عدتها وحلّت للزواج، يدلّ عليه ما روى الزهري عن عروة وعمرة عن عائشة، قالت: "حديث : إذا دخلت المطلقة في الحيضة الثالثة فقد بانت من زوجها وحلّت للأزواج، قالت عمرة: وكانت عائشة تقول: القرء: الطهر ليس الحيض ". تفسير : ابن شهاب قال: سمعت أبا بكر بن عبد الرحمن يقول: ما أدركت أحداً من فقهائنا إلاّ وهو يقول هذا، يريد قول عائشة الأقراء الأطهار، وإنما وقع هذا الاختلاف لأن القُرء في اللغة من الأضداد يصلح للمعنيين جميعاً، يقول أقرأت المرأة إذا حاضت وأقرأت إذا طهرت، فهي تقرى، واختلفوا في أصلها، فقال أبو عمر وأبو عبيدة هو وقت مجيء الشيء وذهابه، يقال: رجع فلان لقُرئه وقاريه أي لوقته الذي يرجع فيه، وهذا قاري الرياح أي وقت هبوبها. قال مالك بن الحرث الهذلي: شعر : كرهت العقر عقر بني شليل إذا هبّت لقارئها الرياح تفسير : أي لوقتها، ويقال: أقرأت النجوم إذا طلعت، وأقرأت إذا أفلت. قال كثير: شعر : إذا ما الثريا وقد أقرأت أحسُّ السما كان منها أُفولا تفسير : فالقرء للوجهين، لأن الحيض يأتي لوقت والطهر يأتي لوقت، وقيل: هو من (قرء الماء في الحوض، وهو جمعه)، قال عمرو بن كلثوم: شعر : ذراعي عيطل إذماء بكر هجان اللون لم تقرأ جنينا تفسير : أي لم تحمل، ولم تضم في رحمها، وإنما تقول العرب: ما قرأت الناقة بلا قرط أي لا تضمّ رحمها على ولد، ومنه قولهم: قرأت القرآن أي نطقت به مجموعاً، هذا اختيار الزجّاج. قال: ومنه قريت الماء في المقراة، ترك همزها والأصل فيه الهمز، فالقرء احتباس الدم واجتماعه وهو يكون في حال الطهر والحيض جميعاً، إلاّ أن الترجيح للطهر لأنّه يجمع الدم ويحبسه، والحيض يرخّيه ويرسله والله أعلم. حكم الآية اعلم أن لفظها خبر ومعناها أمر، كقوله {وَٱلْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ} وأمثاله، والعدّة على ضربين: عدّة المطلقة وعدة المتوفى عنها زوجها، فعدّة المطلقة على ثلاثة أضرب: عدة الحائض ثلاثة قروء، وعدّة الحامل أن تضع حملها، وعدّة الصغيرة التي لم تحض والكبيرة التي آيست ثلاثة أشهر، وعدّة المتوفى عنها زوجها ضربان: إن كانت حاملا فعدّتها أن تضع حملها وإلاّ فعدّتها أربعة أشهر وعشرة، وعدّة الإماء فيما له نصف ومن الأقراء قُرآن لأنها لا نصف ولا عدّة على متن لم يدخل بها إذا توفي عنها زوجها، فعدّتها أربعة أشهر وعشراً. {وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ فِيۤ أَرْحَامِهِنَّ} قال عكرمة وإبراهيم: يعني الحيض، وهو أن تعتدّ المرأة فيريد الرجل أن يراجعها فتقول: إنّي قد حضت الثالثة. ابن عباس وقتادة ومقاتل: يعني الحمل في الولد، فمعنى الآية لا يحلّ لهنّ أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن من الحيض والحمل ليبطلن حق الزوج في الرجعة والولد، فإنّ المرأة أمينة على فرجها. {إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ} أزواجهنّ، وهو جمع بعل، كالفحولة والذكورة والحزولة والخيوطة، ويقال: تبعّلت المرأة إذا تزوجت، ومنه قيل للجماع بعال، وإنما سمي الزوج بعلا لقيامه بأُمور زوجته، وأصل البعل السيّد والمالك، قال الله تعالى {أية : أَتَدْعُونَ بَعْلاً} تفسير : [الصافات: 125] وقرأ مسلم بن محارب {وَبُعُولَتُهُنَّ} بإسكان التاء لكثرة الحركات، والاتباع أفصح وأحسن وأوفق وأولى. {أَحَقُّ } أولى {بِرَدِّهِنَّ} أي برجعتهن {فِي ذَلِكَ} أي في حال العدّة {إِنْ أَرَادُوۤاْ إِصْلاَحاً} لا إضراراً، وذلك إن الرجل إذا أراد الإضرار بامرأته طلّقها واحدة وتركها حتى إذا قرب انقضاء عدّتها راجعها، ثم تركها مدّة، ثم طلّقها أُخرى وتركها كما فعل في الأولى، ثم راجعها فتركها مدّة ثم طلقها {وَلَهُنَّ} أي وللنساء على أزواجهنّ {مِثْلُ ٱلَّذِي عَلَيْهِنَّ} من الحق. يُروى أن امرأة معاذ قالت:" حديث : يا رسول الله ما حق الزوجة على زوجها؟ قال: أن لا يضرب وجهها، وأن لا يقبحها، وأن يطعمها مما يأكل، ويلبسها مما يلبس ولا يهجرها ". تفسير : المبارك بن فضالة عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : استوصوا بالنساء خيراً فإنّهن عندكم عوان لايملكنّ لأنفسهن شيئاً" "حديث : إنما اتخذتموهنّ بأمانة الله واستحللتم فروجهنّ بكلمة الله ". تفسير : وعن ميمونة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : خيار الرجال من أمتي خيرهم لنسائهم، وخير النساء من أمتي خيرهنّ لأزواجهنّ، يرفع لكل امرأة منهنّ كل يوم وليلة أجر ألف شهيد قتلوا في سبيل الله صابرين محتسبين، ولفضل إحداهنّ على الحور العين كفضل محمّد على أدنى رجل منكم، وخير النساء من أمتي من تأتي مسيرة زوجها في كل شيء يهواه ما خلا معصية الله عزّ وجلّ، وخير الرجال من أُمتي من يلطف بأهله لطف الوالدة بولدها، ُكتب لكل رجل منهم في كل يوم وليلة أجر مائة شهيد قتلوا في سبيل الله محتسبين صابرين ". تفسير : فقال عمر بن الخطاب (رضي الله عنه):" حديث : يا رسول الله فكيف يكون للمرأة أجر ألف شهيد وللرجل مائة شهيد؟ قال: أوما علمت أن المرأة أعظم أجراً من الرجل، وأفضل ثواباً، وأنّ الله عزّ وجلّ لَيرفع الرجل في الجنة درجات فوق درجاته برضا زوجته عنه في الدنيا ودعائها له؟ أوما علمت أنّ أعظم وزر بعد الشرك بالله المرأة إذا غشت زوجها؟ ألا فاتقوا الله في الضعيفين، فإنّ الله سائلكم عنهما: اليتيم والمرأة، فمن أحسن إليهما فقد بلغ إلى الله ورضوانه، ومن أساء إليهما فقد استوجب من الله سخطه، حق الزوج على المرأة كحقّي عليكم، فمن ضيّع حقّي فقد ضيّع حق الله، ومن ضيّع حق الله فقد باء بسخط من الله ومأواه جهنم وبئس المصير ". تفسير : {بِٱلْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ} في الفضل. قال ابن عباس: بما ساق إليها من المهر، وأنفق عليها من المال، وقيل: بالعقل، وقيل: بالميراث، وقيل: بالدرجة، قال قتادة: بالجهاد. عن أبي جعفر محمد بن علي عن جابر بن عبد الله، قال: "حديث : بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في نفر من أصحابه إذ أقبلت امرأة حتى قامت على رأسه، ثم قالت: السلام عليك يا رسول الله، أنا وافدة النساء إليك، ليست من امرأة [سمعت بمخرجي] إليك إلا أعجبها ذلك، يا رسول الله: إن الله ربّ الرجال وربّ النساء، وآدم أب الرجال وأب النساء، وحواء أم الرجال وأم النساء، فالرجال إذا خرجوا في سبيل الله وقتلوا فأحياء عند ربهم يرزقون، وإذا خرجوا فلهم من الأمر ما قد علمت، ونحن [نحبس] عليهم ونخدمهم فهل لنا من الأجر شيء؟ قال: نعم، اقرأي النساء السلام وقولي لهنّ: إنّ طاعة الزوج واعترافاً بحقه يعدل ذلك، وقليل منكنّ يفعلهُ ". تفسير : ثابت عن أنس، قال: جئن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلن: يا رسول الله ذهب الرجال بالفضل بالجهاد في سبيل الله، فما لنا عمل بعدك به عمل في سبيل الله. بكر بن عبد الله المزني عن عمران بن الحصين قال:" حديث : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم هل على النساء جهاد؟ قال: «نعم، جهادهن الغيرة، يجاهدن أنفسهن فإنْ صبرن فهنّ مجاهدات، وإن صبرن فهنّ مرابطات ولهنّ أجران اثنان ". تفسير : وقيل: بالطلاق والرجعة، وقيل: بالشهادة، وقيل: بقوة العبادة، وقال سفيان وزيد بن أسلم: بالإمارة. وقال القتيبي: معناه: وللرجال عليهنّ درجة أي فضيلة للحق. {وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * ٱلطَّلاَقُ مَرَّتَانِ} روى هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أن امرأة أتتها فشكت أنّ زوجها يطلقها ويسترجعها ليضارّها بذلك، وكان الرجل في الجاهلية إذا طلّق امرأته ثم راجعها قبل أن تنقضي عدّتها كان له ذلك، فإنْ طلّقها ألف مرة لم يكن للطلاق عندهم حدّ، فذكرت ذلك عائشة لرسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت {ٱلطَّلاَقُ مَرَّتَانِ} فجعل حدّ الطلاق ثلاثاً وللطلاق الثالث قوله تعالى {فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىٰ تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ} وقيل للنبي صلى الله عليه وسلم {ٱلطَّلاَقُ مَرَّتَانِ} فأين الثالثة؟ قال {فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ}. وقال المفسّرون: معنى الآية الطلاق الذي يملك فيه الرجعة مرّتان {فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ} أي عليه إمساك بمعروف أي يراجعها في التطليقة الثالثة {أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} بعدها ولا يضارّها فإنْ طلقها واحدة أو ثنتين فهو أملك برجعتها ما دامت في العدّة، فإذا انقضت العدّة فهي أحق بنفسها، وجاز أن يراجعها عن تراض منهما بنكاح جديد، فإن طلّقها الثالثة بانت منه وكانت أحق بنفسها منه، ولا تحلّ له حتى تنكح زوجاً غيره. {وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ} في حال الاستبدال والطلاق {مِمَّآ آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً} أعطيتموهنّ من المهور وغيرها، ثم استثنى الخلع فقال {إِلاَّ أَن يَخَافَآ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ}" حديث : نزلت هذه الآية في جميلة بنت عبد الله بن أبي أوفى تزوجها ثابت بن قيس بن شماس، وكانت تبغضه بغضاً شديداً، وكان يحبّها حبّاً شديداً، وكان بينهما كلام فأتت أباها فشكت إليه زوجها وقالت: إنه يسيء إليّ ويضربني، فقال لها: ارجعي إلى زوجك فوالله إنّي لأكره للمرأة أن لا تزال رافعة يدها تشكو زوجها، فرجعت إليه الثانية وبها أثر الضرب، فشكت إليه فقال لها: ارجعي إلى زوجك، فلمّا رأت أنّ أباها لا يشكيها أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فشكت إليه زوجها وأرته آثاراً بها من الضرب وقالت: يا رسول الله لا أنا ولا هو، قال: فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ثابت بن قيس فقال: يا ثابت مالك ولأهلك؟ قال: والذي بعثك بالحق ما على ظهر الأرض أحبّ إليّ منها غيرك، قال لها: ما تقولين؟ فكرهت أن تكذب رسول الله حين سألها، فقالت: صدق يا رسول الله، ولكنّي خشيت أن يهلكني فأخرجني منه يا رسول الله، فقال: إني قد أعطيتها حديقة لي فقل لها فلتردّها عليّ وأنا أُخلّي سبيلها، قال لها: ما تقولين تردّين إليه حديقته وتملكين أمرك؟ قالت: نعم، وأنا لا أريده، قال: لا، حديقته فقط. ثم قالت: يا رسول الله ما كنت أحدّثك اليوم حديثاً ينزل عليك خلافه غداً هو من أكرم الناس حبّه لزوجته ولكنّي أبغضه، فلا هو ولا أنا، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم «يا ثابت خذ منها ما أعطيتها وخلّ سبيلها" تفسير : ففعل، وكان أوّل خلع في الإسلام، فأنزل الله عزّ وجلّ {وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ مِمَّآ آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلاَّ أَن يَخَافَآ} يعلما، وتصديقه قراءة أُبي: إلاّ أن يظنّا، وقال محجن: شعر : فلا تدفننّي بالفلاة فإنّني أخاف إذا ما متّ أن لا أذوقها تفسير : أي أعلم، وقرأ أبو جعفر وحمزة ويعقوب: (يخافا) بضمّ الياء أي يعلم ذلك منهما اعتباراً بقراءة ابن مسعود: إلاّ أن يخافوا، واختاره أبو عبيد لقوله تعالى {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ} قال: فجعل الخوف لغيرهما ولم يقل فإن يخافا ألاّ يقيما حدود الله وهو أن تخاف المرأة الفتنة على نفسها فتعصي الله في أمر زوجها، ويخاف الزوج إذا لم تطعه امرأته أن يعتدي عليها، فنهى الله تعالى الرجل أن يأخذ من امرأة شيئاً بغير رضاها إلاّ أن يكون النشوز وسوء الخلق من قبلها فتقول: والله لا أبرّ لك قسماً ولا أطيع لك أمراً ولا أطأ لك مضجعاً، ونحو ذلك، فإذا فعلت ذلك به حلّ له العقوبة منها إذا دعته إلى ذلك، ويكره أن يأخذ منها أكثر ممّا أعطاها، ولكنه في الحكم جائز. يبيّن ذلك ما روى الحكم بن عيينة أنّ امرأة نشزت على زوجها في إمارة عمر بن الخطاب، فوعظها عمر (رضي الله عنه) وأمرها بطاعة زوجها فأبت وقالت: لئن رددتني إليه والله لأقتلنّ نفسي، فأمر بها فحُبست في اصطبل الدواب في بيت الزمل ثلاث ليال، ثم دعاها فقال: كيف رأيت مكانك؟ فقالت: ما بتّ ليالي أقرّ لعيني منها، وما وجدت الراحة مذ كنت عنده إلاّ هذه الليالي، فقال: هذا وأبيكم النشوز، ثم قال لزوجها: اخلعها ولو من قرطيها، اخلعها بما دون عقاص رأسها فلا خير لك فيها، فذلك قوله عزّ وجلّ {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا ٱفْتَدَتْ بِهِ} المرأة نفسها منه. قال الفراء: أراد به الزوج دون المرأة فذكرهما جميعاً لأقرانهما كقوله {أية : نَسِيَا حُوتَهُمَا} تفسير : [الكهف: 60] وإنما الناسي فتى موسى دون موسى عليه السلام وقوله {أية : يَخْرُجُ مِنْهُمَا الُّلؤْلُؤُ وَالمَرْجَانُ} تفسير : [الرحمن: 22] وإنما يخرج من المالح دون العذب، وقال الشاعر: شعر : فإن تزجراني يابن عفّان أنزجر وإن تدعاني أحم عرضاً ممنّعا تفسير : وقال قوم معناه: فلا جناح عليهما جميعاً، لا جناح على المرأة في النشوز إذا خشيت الهلاك والمعصية، ولا فيما افتدت به وأعطبت من المال، لأنها ممنوعة من اتلاف المال بغير حق، ولا على الرجل فيما أخذ منها من المال إذا أعطته طائعة بمرادها، وللفقهاء في الخلع قولان: أحدهما: إنه فسخ بلا طلاق، وهو قول ابن عباس، وقول الشافعي في القديم بالعراق، ثم رجع عنه بمصر. والقول الثاني: إنّ الخلع تطليقة بائنة إلاّ أن ينوي أكثر منها، وهو قول عثمان بن عفان (رضي الله عنه)، والقول الجديد من قول الشافعي. {تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ} هذه أوامر الله ونواهيه {فَلاَ تَعْتَدُوهَا} فلا تجاوزوها {وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ ٱللَّهِ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ}.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : يؤلون: أي يحلفون ألا يقربوا أزواجهن في العملية المخصوصة، ويريد الرجل أحيانا أن يؤدب زوجته فيهجرها في الفراش بلا يمين، وبدون أن يحلف. وبعض الناس لا يستطيعون أن يمتنعوا عن نسائهم من تلقاء أنفسهم، فيحلفون ألا يقربوهن حتى يكون اليمين مانعاً ومشجعاً له على ذلك. وكان هذا الأمر مألوفاً عند العرب قبل الإسلام. كان الرجل يمتنع عن مباشرة زوجته في الفراش أي فترة من الزمن يريدها، وبعضهم كان يحلف ألا يقرب زوجته زمناً محدداً، وقبل أن ينتهي هذا الزمن يحلف يميناً آخر ليزيد المدة فترة أخرى، وهكذا حتى أصبحت المسألة عملية إذلال للمرأة، وإعضالاً لها، وامتناعاً عن أداء حقها في المعاشرة الزوجية. وكان ذلك إهداراً لحق الزوجة في الاستمتاع بزوجها. ويريد الحق سبحانه وتعالى أن ينهي هذه المسألة، وهو سبحانه لا ينهيها لحساب طرف على طرف، وإنما بعدل الخالق الحكيم الرحيم بعباده. وكان من الممكن أن يجرمها ويحرمها نهائياً ويمنع الناس منها. لكنه سبحانه عليم بخفايا وطبيعة النفوس البشرية، فقد ترى امرأة أن تستغل إقبال الرجل عليها، إما لجمال فيها أو لتوقد شهوة الرجل، فتحاول أن تستذله؛ لذلك أعطى الله للرجل الحق في أن يمتنع عن زوجته أربعة أشهر، أما أكثر من ذلك فالمرأة لا تطيق أن يمتنع زوجها عنها. {لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَآءُو فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [البقرة: 226] والإسلام يريد أن يبني الحياة الزوجية على أساس واقعي لا على أفكار مجنحة ومجحفة لا تثبت أمام الواقع، فهو يعترف بالميول فيعليها ولكن لا يهدمها، ويعترف بالغرائز فلا يكتمها ولكن يضبطها. وهناك فرق بين الضبط والكبت؛ فإن الكبت يترك الفرصة للداء ليستشري خفياً حتى يتفجر في نوازع النفس الإنسانية تفجيراً على غير ميعاد وبدون احتياط، لكن الانضباط يعترف بالغريزة ويعترف بالميول، ويحاول فقط أن يهديها ولا يهدمها. ويخضع البشر في كل أعمالهم لهذه النظرية حتى في صناعتهم، فالذين يصنعون المراجل البخارية مثلاً يجعلون في تلك المراجل التي يمكن أن يضغط فيها الغاز ضغطاً فيفجرها يجعلون لها متنفساً حتى يمكن أن يخفف الضغط الزائد إن وُجد، وقد يصممون داخلها نظاماً آلياً لا يتدخل فيه العقل بل تحكم الآلة نفسها. والحق سبحانه وتعالى وضع نظاماً واضحاً في خلقه الذين خلقهم، وشرع لهم تكوين الأسرة على أساس سليم. وبنى الإسلام هذا النظام أولاً على سلامة العقيدة ونصاعتها ووحدتها حتى لا تتوزع المؤثرات في مكونات الأسرة، ولذلك منع المسلم من أن يتزوج من مشركة، وحرم على المسلمة أن تتزوج مشركاً. وبعد ذلك علمنا معنى الالتقاء الغريزي بين الزوجين. ولقد أراد الحق سبحانه وتعالى ألا يطلق العنان للغريزة في كل زمان التواجد الزوجي، فجعل المحيض فترة يحرم فيها الجماع وقال: {أية : فَٱعْتَزِلُواْ ٱلنِّسَآءَ فِي ٱلْمَحِيضِ}تفسير : [البقرة: 222]. وهكذا يضبط الحق العلاقة الجنسية بين الزوجين ضبطاً سليماً نظيفاً. الحق سبحانه وتعالى يعلم أن النفس البشرية ذات أغيار؛ لأن الإنسان حادث له بداية ونهاية، وكل ما يكون حادثاً لابد أن يطرأ عليه تغيير. فإذا ما التقى الرجل بالمرأة. كان لابد من أن يتحدد هذا اللقاء على ضوء من منهج الله؛ لأن اللقاء إن تم على منهج البشر وعواطفهم كان المصير إلى الفشل؛ لأن مناهج البشر متغيرة وموقوتة، ولذلك يجب أن يكون لقاء الرجل بالمرأة على ضوء معايير الله. فالله يعلم أن للنفس نوازع ومتغيرات، ومن الجائز جداً أن يحدث خلاف بين الزوجين، فيجعل الله سبحانه وتعالى متنفساً يتنفس فيه الزوج للتأديب الذي ينشد التهذيب والإبقاء، فشرع للرجل إن رأى في زوجته إذلالا له بجمالها وبحسنها، وقد يكون رجل له مزاج خاص ورغبة جامحة في هذه العملية؛ لذلك شرع الله له فترة من الفترات أن يحلف ألا يقرب امرأته، ولم يجعل الله تلك الفترة مطلقة، إنما قيدها بالحلف حتى يكون الأمر مضبوطاً. فالحق يريد العلاج لا القسوة. فلو لم يكن الرجل مضبوطاً بيمين فقد يُغير رأيه بأن يأتي زوجته، ولذلك قال الحق: {لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ} [البقرة: 226] أي إنَّ لك أيها الزوج أن تحلف ألا تقرب زوجتك أربعة أشهر، لكن إن زادت المدة على أربعة أشهر فهي لن تكون تأديباً بل إضراراً. والخالق عز وجل يريد أن يؤدب لا أن يضر. فإذا ما تجاوزت المدة يكون الزوج متعدياً ولا حق له. إن الحق سبحانه وتعالى هو خالق الميول والعواطف والغرائز ويقنن لها التقنين السليم. إنه عز وجل يترك لنا ما يدلنا على ذلك، ففي خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، يمر عمر في جوف الليل فيسمع امرأة تقول الأبيات المشهورة: شعر : تطاول هذه الليل واسود جانبه وأرقنـي ألاَّ خلـيـل ألاعـبـه فوالله لولا الله تخشـى عواقبه لزلزل مـن هذا السرير جـوانبه تفسير : معنى ذلك أن المرأة تعاني من الوحشة إلى الرجل، وتوشك المعاناة أن تدفعها إلى سلوك غير قويم، لكن تقوى الله هي التي تمنعها من الانحراف. ومن الجائز أن نتساءل كيف سمع عمر هذه المرأة وهو يسير في الشارع، وأقول: إن المرأة التي تأتي عندها هذه الأحاسيس تترنم في سكون الليل، وعندما يسكن الليل لا تكون فيه ضجة فيسهل سماع ما يقال داخل البيوت، ألم يسمع عمر كلام المرأة التي تجادل ابنتها في غش اللبن؟ ولما سمع الفاروق كلام هذه المرأة التي تعاني من وحشة إلى الرجل، ذهب بفطرته السليمة وأَلمعيَّته المشرقة إلى ابنته حفصة أم المؤمنين رضي الله عنها، وقال لها: كم تصبر المرأة على بعد الرجل، فقالت: من ستة شهور إلى أربعة أشهر. فسن عمر سنةً أصبحت دستوراً فيما بعد، وهي ألا يبعد جندي من جنود المسلمين عن أهله أربعة أشهر. إذن فقول الحق سبحانه وتعالى: {لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ} [البقرة: 226] سبق حادثة عمر، ثم ترك الحق لواقع الحياة أن يبين لنا صدق ما قننه لنا، ويأتي عمر ليستنبط الحكم من واقع الحياة. "فإن فاءوا" أي فإن رجع الرجل، وأراد أن يقترب من زوجته قبل مضي الأربعة أشهر؛ فللرجل أن يكفر عن يمينه وتنتهي المسألة. ولكن إذا مرت الشهور الأربعة وتجاوزت المقاطعة مدتها يؤمر الزوج بالرجوع عن اليمين أو بالطلاق، فإن امتنع الزوج طلقها الحاكم، وقال بعض الفقهاء: إنّ مضي مدة الأربعة أشهر دون أن يرجع ويفيء يجعلها مطلقة طلقة واحدة بائنة. ولذلك يقول الحق: {وَإِنْ عَزَمُواْ ٱلطَّلاَقَ ...}.

مجاهد بن جبر المخزومي

تفسير : أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ} [الآية: 226]. قال: يوقف إِذا مضت أربعة أَشهر حتى يراجع أَو يطلق. أَنا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {وَٱلْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوۤءٍ} [الآية: 228]. يعني: ثلاث حيض {وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ فِيۤ أَرْحَامِهِنَّ} [الآية: 228]. يعني: الحمل. يقول: لا تقول المرأَة: لست حبلى وهي حبلى ولا تقول: إِني حبلى، وليست حبلى. {وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ} [الآية: 228]: يعني: في العدة. أَنا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَاراً} [الآية: 231] قال: الضرار أَن يطلق الرجل امرأَته تطليقة، ثم يراجعها عند آخر يوم يبقى من الأَقراءِ، ثم يطلقها ثم يراجعها عند آخر يوم من الاقراءِ، يضارها بذلك.

الصابوني

تفسير : المنَاسَبَة: ذكر تعالى في الآيات السابقة بعض الأمراض الاجتماعية التي تنخر جسم الأمّة وتحلُّ عرى الجماعة وتوقع بينهم العداوة والبغضاء كالخمر والميسر، ثم انتقل إلى الحديث عن الأسرة باعتبار أنها النواة الأولى لبناء المجتمع الفاضل، فبصلاح الأسرة يصلح المجتمع وبفسادها يفسد المجتمع، وابتدأ من أحكام الأسرة بالعلاقة الزوجية ونبّه على ضرورة أن يكون الاختيار على أساس الدّين لتظل العلاقة موثقة بروابط المودة والرحمة والإِخلاص، فالمشركة لا يحل لها أن تكون في حجر المسلم، والمؤمنة لا يحل لها أن تكون تحت سلطان الرجل المشرك ولهذا حرّم الإِسلام الزواج بالمشركات وتزويج المشركين بالمؤمنات، ثم بيّن في هذه الآيات الكريمة بعض الأمراض التي تحل بالأسرة وتهدد كيانها فذكر منها الإِيلاء، والطلاق، والخلع وبيّن العلاج الناجع لمثل هذه المشاكل التي تقوّض بنيان الأسرة. اللغَة: {يُؤْلُونَ} الإِيلاء لغة: الحلف يقال: آلى يؤالي إِيلاءً قال الشاعر: شعر : فآليت لا أنفك أحدو قصيدةً تكون وإِياها بها مثلاً بعدي تفسير : وفي الشرع: اليمين على ترك وطء الزوجة. {تَرَبُّصُ} التربص: الانتظار ومنه {أية : قُلْ تَرَبَّصُواْ فَإِنِّي مَعَكُمْ مِّنَ ٱلْمُتَرَبِّصِينَ} تفسير : [الطور: 31] أي انتظروا. {فَآءُو} الفيء: الرجوع ومنه قيل للظلّ فيءٌ لأنه يرجع بعد أن تقلّص قال الفراء: العرب تقول فلان سريع الفيء أي سريع الرجوع بعد الغضب قال الشاعر: شعر : ففاءت ولم تقض الذي أقبلت له ومن حاجة الإِنسان ما ليس قاضيا تفسير : {قُرُوۤءٍ} جمع قرء اسم يقع على الحيض والطهر فهو من الأضداد وأصل القرء: الاجتماع سمي به الحيض لاجتماع الدم في الرحم قال في القاموس: القَرْءُ بالفتح ويضم: الحيضُ والطهرُ والوقت، وجمع الطهر قروءٌ، وجمع الحيض أقراءٌ. {بُعُولَتُهُنَّ} جمع بعل ومعناه الزوج. {أية : وَهَـٰذَا بَعْلِي شَيْخاً} تفسير : [هود: 72] والمرأة بعلة. {دَرَجَةٌ} الدرجة: المنزلة الرفيعة. {ٱلطَّلاَقُ} مصدر طلقتُ المرأة ومعنى الطلاق: حلُّ عقد النكاح وأصله الانطلاق والتخلية يقال: ناقة طالق أي مهملة تركت في المرعى بلا قيد ولا راعي، فسميت المرأة المخلَّى سبيلها طالقاً لهذا المعنى. {تَسْرِيحٌ} التسريح: إِرسال الشيء ومنه تسريح الشعر ليخلص البعض من البعض، وسرَّح الماشية أرسلها، قال الراغب: والتسريح في الطلاق مستعارٌ من تسريح الإِبل كالطلاق مستعار من إِطلاق الإِبل. سَبَبُ النّزول: كان الرجل في الجاهلية يطلق امرأته ما شاء من الطلاق ثم يراجعها قبل أن تنقضي عدتها ولو طلقها ألف مرة كان له الحق في مراجعتها، فعمد رجل لامرأته فقال لها: لا آويك ولا أدعك تحلّين قالت: وكيف؟ قال أطلّقك فإِذا دنا مضِيُّ عدتك راجعتك، فشكت المرأة أمرها للنبيّ صلى الله عليه وسلم فأنزل الله {ٱلطَّلاَقُ مَرَّتَانِ..} الآية. التفسِير: {لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ} أي للذين يحلفون ألاّ يجامعوا نساءهم للإِضرار بهن انتظار أربعة أشهر {فَإِنْ فَآءُو فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} أي إِن رجعوا إِلى عشرة أزواجهن بالمعروف - وهو كناية عن الجماع - أي رجعوا عن اليمين إِلى الوطء فإِن الله يغفر ما صدر منهم من إِساءة ويرحمهم {وَإِنْ عَزَمُواْ ٱلطَّلاَقَ فَإِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} أي وإِن صمّموا على عدم المعاشرة والامتناع عن الوطء فإِن الله سميعٌ لأقوالهم عليم بنيّاتهم، والمراد من الآية أنّ الزوج إِذا حلف ألا يقرب زوجته تنتظره الزوجة مدة أربعة أشهر فإِن عاشرها في المدة فبها ونعمت ويكون قد حنث في يمينه وعليه الكفارة، وإِن لم يعاشرها وقعت الفرقة والطلاق بمضي تلك المدة عند أبي حنيفة، وقال الشافعي: ترفع أمره إِلى الحاكم فيأمره إِما بالفيئة أو الطلاق فإِن امتنع عنهما طلّق عليه الحاكم هذا هو خلاصة حكم الإِيلاء.. ثم قال تعالى مبيناً أحكام العدّة والطلاق الشرعي {وَٱلْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوۤءٍ} أي الواجب على المطلقات الحرائر المدخول بهن أن ينتظرن مدة ثلاثة أطهار - على قول الشافعي ومالك - أو ثلاث حِيَض على قول أبي حنيفة وأحمد ثم تتزوج إِن شاءت بعد انتهاء عدتها، وهذا في المدخول بها أما غير المدخول بها فلا عدة عليها لقوله تعالى: {أية : فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ} تفسير : [الأحزاب: 49] {وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ فِيۤ أَرْحَامِهِنَّ} أي لا يباح للمطلقات أن يخفين ما في أرحامهن من حبلٍ أو حيض استعجالاً في العدة وإِبطالاً لحق الزوج في الرجعة {إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ} أي إِن كنَّ حقاً مؤمنات بالله ويخشين من عقابه، وهذا تهديد لهنَّ حتى يخبرن بالحق من غير زيادة ولا نقصان لأنه أمر لا يُعلم إِلاّ من جهتهنَّ {وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوۤاْ إِصْلاَحاً} أي وأزواجهن أحقُّ بهنَّ في الرجعة من التزويج للأجانب إِذا لم تنقض عدتهن وكان الغرض من الرجعة الإِصلاح لا الإِضرار، وهذا في الطلاق الرجعي {وَلَهُنَّ مِثْلُ ٱلَّذِي عَلَيْهِنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ} أي ولهنَّ على الرجال من الحق مثل ما للرجال عليهن، بالمعروف الذي أمر تعالى به من حسن العشرة وترك الضرار ونحوه {وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ} أي وللرجال على النساء ميزةٌ وهي فيما أمر تعالى به من القوامة والإِنفاق والإِمرة ووجوب الطاعة فهي درجة تكليفٍ لا تشريف لقوله تعالى: {أية : إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ ٱللَّهِ أَتْقَاكُمْ} تفسير : [الحجرات: 13] {وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} أي غالب ينتقم ممن عصاه حكيم في أمره وتشريعه ثم بيّن تعالى طريقة الطلاق الشرعية فقال: {ٱلطَّلاَقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} أي الطلاق المشروع الذي يملك به الزوج الرجعة مرتان وليس بعدهما إِلا المعاشرة بالمعروف مع حسن المعاملة أو التسريح بإِحسان بألا يظلمها من حقها شيئاً ولا يذكرها بسوء ولا ينفّر الناس عنها {وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ مِمَّآ آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً} أي لا يحل لكم أيها الأزواج أن تأخذوا مما دفعتم إِليهن من المهور شيئاً ولو قليلاً {إِلاَّ أَن يَخَافَآ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ} أي إِلا أن يخاف الزوجان سوء العشرة وألا يرعيا حقوق الزوجية التي أمر الله تعالى بها {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا ٱفْتَدَتْ بِهِ} أي فإِن خفتم سوء العشرة بينهما وأرادت الزوجة أن تختلع بالنزول عن مهرها أو بدفع شيء من المال لزوجها حتى يطلقها فلا إِثم على الزوج في أخذه ولا على الزوجة في بذله {تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا} أي هذه الأحكام العظيمة من الطلاق والرجعة والخلع وغيرها هي شرائع الله وأحكامه فلا تخالفوها ولا تتجاوزوها إِلى غيرها ممّا لم يشرعه الله {وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ ٱللَّهِ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ} أي من خالف أحكام الله فقد عرَّض نفسه لسخط الله وهو من الظالمين المستحقين للعقاب الشديد {فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىٰ تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ} أي فإِن طلّق الرجل المرأة ثالث مرة فلا تحل له بعد ذلك حتى تتزوج غيره وتطلق منه، بعد أن يذوق عسيلتها وتذوق عسيلته كما صرّح به الحديث الشريف، وفي ذلك زجر عن طلاق المرأة ثلاثاً لمن له رغبة في زوجته لأن كل ذي مروءة يكره أن يفترش امرأته آخر {فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَآ أَن يَتَرَاجَعَآ إِن ظَنَّآ أَن يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ} أي إِن طلقها الزوج الثاني فلا بأس أن تعود إِلى زوجها الأول بعد انقضاء العدّة إِن كان ثمة دلائل تشير إِلى الوفاق وحسن العشرة {وَتِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} أي تلك شرائع الله وأحكامه يوضحها ويبينها لذوي العلم والفهم الذين ينظرون في عواقب الأمور. البَلاَغَة: 1- {فَإِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} خرج الخبر عن ظاهره إِلى معنى الوعيد والتهديد. 2- {وَٱلْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ} خبرٌ في معنى الأمر وأصل الكلام وليتربصْ المطلقاتُ، قال الزمخشري: وإِخراج الأمر في صيغة الخبر تأكيدٌ للأمر وإِشعارٌ بأنه ممّا يجب أن يُتلقى بالمسارعة إِلى امتثاله، فكأنهن امتثلن الأمر فهو يخبر عنه موجوداً، وبناؤه على المبتدأ مما زاده فضل تأكيد. 3- {إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِٱللَّهِ} ليس الغرض منه التقييد بالإِيمان بل هو للتهييج وتهويل الأمر في نفوسهن. 4- {وَلَهُنَّ مِثْلُ ٱلَّذِي عَلَيْهِنَّ} فيه إٍيجاز وإِبداع لا يخفى على المتمكن من علوم البيان، فقد حذف من الأول بقرينة الثاني، ومن الثاني بقرينة الأول والمعنى: لهنّ على الرجال من الحقوق مثل الذي للرجال عليهن من الحقوق، وفيه من المحسنات البديعية أيضاً الطباق بين "لهنَّ" و "عليهنَّ" وهو طباقٌ بين حرفين. 5- {فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ} بين لفظ "إِمساك" ولفظ "تسريح" طباقٌ أيضاً. 6- {تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ} وضع الاسم الجليل موضع الضمير لتربية المهابة وإِدخال الروعة في النفوس، وتعقيبُ النهي بالوعيد للمبالغة في التهديد. 7- {فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ} قصر صفة على موصوف. فَائِدَة: أول خلع كان في الإِسلام في امرأة (ثابت بن قيس) حديث : أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله: لا يجمع الله رأسي ورأسه شيءٌ أبداً، والله ما أعيب عليه في خلقٍ ولا دين ولكن أكره الكفر بعد الإِسلام فقال لها عليه السلام: "أَتَرُدِّينَ عَلَيهِ حَدِيقَتَهُ؟" قالت: نعم ففرّق بينهما . تفسير : لطيفَة: روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: إِني لأحب أن أتزين لامرأتي كما تتزين لي لأنّ الله تعالى يقول: {وَلَهُنَّ مِثْلُ ٱلَّذِي عَلَيْهِنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ}.

زيد بن علي

تفسير : وقولهُ تعالى: {لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ} معناهُ يَحْلِفُونَ. والاسمُ: أَلْوةٌ، وأُلْوةٌ، والاَءٌ، وإِلْوةٌ. تفسير : وقولهُ تعالى: {فَإِنْ فَآءُو} معناهُ رَجَعُوا عَنْ اليَمينِ. والفيءُ: الجماعُ. والفيءُ: الرِّضا!.

الأندلسي

تفسير : و {لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ} عام في الحر والعبد والسكران والسفيه والمولى عليه غير المجنون ومن لا يرجى منه وطىء. وفي الكلام تضمين وحذف أي يمتنعون بالإِيلاء من وطء نسائهم. و {مِن نِّسَآئِهِمْ} عام في الزوجات حرة أو أمة أو كتابية أو صغيرة لم تبلغ مدخولاً بها وغير مدخول بها. ويولون لا يعين حلفاً بشيء مخصوص بل بكل يمين يمنع جماعاً سواء قيد الاقتناع بمكان أم أطلق. {تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ} هذا من إضافة المصدر إلى ظرف زمان اتسع فيه. وابتداء أول الايلاء من وقت الحلف. {فَإِنْ فَآءُو} أي رجعوا للوطء. والظاهر أن الفيء يكون في الأشهر وبعد انقضائها ولم يأت في الآية أنه إذا فاء ووطىء لا كفارة عليه بل ظاهر قوله: "فإن" الله غفور رحيم. انه لا كفارة عليه. {وَإِنْ عَزَمُواْ ٱلطَّلاَقَ} أي على الطلاق أو ضمن عزم معنى نوى وعداه بنفسه أو التصميم على الطلاق. وجواب الشرط محذوف أي فليوقعوه. وهذا التقسيم الشرطي يدل على أنه لا تقع الفرقة بمعنى الأشهر من غير قول، بل لا بد من القول لأن العزم على الشيء ليس فعلاً للشيء. ويؤكده قوله: {فَإِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} جاء سميع باعتبار إيقاع الطلاق لأنه من المسموعات وهو جواب الشرط عليم باعتبار العزم على الطلاق لأنه من باب النيات وهو شرط ولا تدرك النيات إلا بالعلم. وتأخر هذا الوصف لمواخاة رؤوس الاى ولأن العلم أعم من السمع. وفي قوله: وان عزموا الطلاق، دلالة على مطلق الطلاق فلا يدل على خصوصية طلاق بكونه رجعياً أو بائناً. وقال الزمخشري: فإِن قلت ما تقوله في قوله: فإِن الله سميع عليم وعزمهم الطلاق مما يعلم ولا يسمع. قلت: الغالب أن العازم للطلاق وترك الفيئة والفرار لا يخلو من مقاولة وزمزمة ولا بد من أن يحدّث نفسه ويناجيها بذلك، وذلك حديث لا يسمعه إلا الله كما يسمع وسوسة الشيطان. "انتهى". وقد قدمنا ان صفة السمع جاءت هنا لأن المعنى: وإن عزموا الطلاق أوقعوه أي الطلاق، والإِيقاع لا يكون إلا باللفظ فهو من باب المسموعات والصفة تتعلق بالجواب لا بالشرط فلا تحتاج إلى تأويل الزمخشري.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : وهذا من الأيمان الخاصة بالزوجة، في أمر خاص وهو حلف الزوج على ترك وطء زوجته مطلقا، أو مقيدا، بأقل من أربعة أشهر أو أكثر. فمن آلى من زوجته خاصة، فإن كان لدون أربعة أشهر، فهذا مثل سائر الأيمان، إن حنث كفر، وإن أتم يمينه، فلا شيء عليه، وليس لزوجته عليه سبيل، لأنه ملكه أربعة أشهر. وإن كان أبدا، أو مدة تزيد على أربعة أشهر، ضربت له مدة أربعة أشهر من يمينه، إذا طلبت زوجته ذلك، لأنه حق لها، فإذا تمت أمر بالفيئة وهو الوطء، فإن وطئ، فلا شيء عليه إلا كفارة اليمين، وإن امتنع، أجبر على الطلاق، فإن امتنع، طلق عليه الحاكم. ولكن الفيئة والرجوع إلى زوجته، أحب إلى الله تعالى، ولهذا قال: { فَإِنْ فَاءُوا } أي: رجعوا إلى ما حلفوا على تركه، وهو الوطء. { فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ } يغفر لهم ما حصل منهم من الحلف، بسبب رجوعهم. { رَحِيمٌ } حيث جعل لأيمانهم كفارة وتحلة، ولم يجعلها لازمة لهم غير قابلة للانفكاك، ورحيم بهم أيضا، حيث فاءوا إلى زوجاتهم، وحنوا عليهن ورحموهن. { وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ } أي: امتنعوا من الفيئة، فكان ذلك دليلا على رغبتهم عنهن، وعدم إرادتهم لأزواجهم، وهذا لا يكون إلا عزما على الطلاق، فإن حصل هذا الحق الواجب منه مباشرة، وإلا أجبره الحاكم عليه أو قام به. { فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ } فيه وعيد وتهديد، لمن يحلف هذا الحلف، ويقصد بذلك المضارة والمشاقة. ويستدل بهذه الآية على أن الإيلاء، خاص بالزوجة، لقوله: { من نسائهم } وعلى وجوب الوطء في كل أربعة أشهر مرة، لأنه بعد الأربعة، يجبر إما على الوطء، أو على الطلاق، ولا يكون ذلك إلا لتركه واجبا.

همام الصنعاني

تفسير : 277- عبد الرزاق، قال: حدّثنا معمر، عن قتادة، عن علي بن أبي طالب، وعن عطاء الخراساني، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن عثمان، وزيد؛ أنهم قالوا في قوله تعالى: {أية : لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ}تفسير : : [الآية: 226]، قالوا: الإِيلاء تطليقة، وهي أمْلَكُ بِنَفْسها وعَليْها العدة لغيرها. 278- عبد الرزاق، قال معمر، وقال الزهري: هِيَ واحِدة وهو أمْلَكُ برجْعَتِها.