Verse. 234 (AR)

٢ - ٱلْبَقَرَة

2 - Al-Baqara (AR)

وَاِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَاِنَّ اللہَ سَمِيْعٌ عَلِيْمٌ۝۲۲۷
Wain AAazamoo alttalaqa fainna Allaha sameeAAun AAaleemun

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وإن عزموا الطلاق» أي عليه بأن لا يفيئوا فليوقعوه «فإن الله سميع» لقولهم «عليم» بعزمهم المعنى ليس لهم بعد تربص ما ذكر إلا الفيئة أو الطلاق.

227

Tafseer

البيضاوي

تفسير : {وَإِنْ عَزَمُواْ ٱلطَّلَـٰقَ} وإن صمموا قصده {فَإِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ} لطلاقهم. {عَلِيمٌ} بغرضهم فيه، وقال أبو حنيفة: الإِيلاء في أربعة أشهر فما فوقها، وحكمه أن المولى إن فاء في المدة بالوطء إن قدر، وبالوعد إن عجز، صح الفيء ولزم الواطىء أن يكفر وإلا بانت بعدها بطلقة. وعندنا يطالب بعد المدة بأحد الأمرين فإن أبى عنهما طلق عليه الحاكم.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَإِنْ عَزَمُواْ ٱلطَّلَٰقَ } أي عليه بأن لا يفيئوا فليوقعوه {فَإِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ } لقولهم {عَلِيمٌ } بعزمهم المعنى ليس لهم بعد تربص ما ذكر إلا الفيئة أو الطلاق.

ابن عبد السلام

تفسير : {وَإِنْ عَزَمُواْ الطَّلاقَ} بأن لا يطلقوا حتى تمضي الأشهر الأربعة فتطلق بائنة، أو رجعية، أو يوقف بعد مضي الأشهر، فإن فاء وإلا طلق قاله: اثنا عشر من الصحابة رضوان الله تعالى عليهم أجمعين، أو الإيلاء ليس بشيء قاله ابن المسيب: {سَمِيعٌ} لإيلائه، أو لطلاقه، {عَلِيمٌ} بنيته، أو بضره.

الخازن

تفسير : قوله تعالى: {وإن عزموا الطلاق} أي تحققوه بالإيقاع {فإن الله سميع} يعني أي لأقوالهم {عليم} يعني بنيانهم وفيه دليل على أنها لا تطلق ما لم يطلقها زوجها، لأنه تعالى شرط فيها العزم. قوله عز وجل: {والمطلقات} أي المخليات من حبال أزواجهن والمطلقة هي التي أوقع الزوج عليها الطلاق {يتربصن بأنفسهن} أي ينتظرن فلا يتزوجن {ثلاثة قروء} جمع قرء والقرء اسم يقع على الحيض، والطهر، قال أبو عبيدة: الأقراء من الأضداد كالشفق اسم للحمرة، والبياض وقيل: إنه حقيقة في الحيض مجاز في الطهر. وقيل: بالعكس واختلفوا في أصله فقيل أصله الجمع من قرأ أي جمع لأن في وقت الحيض يجتمع الدم في الرحم وفي وقت الطهر يجتمع في البدن وقيل: أصله الوقت. يقال رجع فلان لقرئه أي لوقته الذي كان فيه لأن الحيض يأتي لوقت والطهر يأتي لوقت وبحسب اختلاف أهل اللغة في الأقراء اختلف الفقهاء على قولين: أحدهما أن الأقراء هي الحيض روى ذلك عن عمر وعلي وابن مسعود وابن عباس وأبي موسى وعبادة بن الصامت وأبي الدرداء، وبه قال عكرمة والضحاك والسدي والأوزاعي وسفيان الثوري وأبو حنيفة وأصحابه، وقال أحمد بن حنبل: كنت أقول إن الأقراء هي الأطهار وأنا اليوم أذهب إلى أنها الحيض، القول الثاني أنها الأطهار، يروى ذلك عن زيد بن ثابت وابن عمر وعائشة وبه قال الزهري وأبان بن عثمان ومالك والشافعي وحجة من يقول إن الأقراء هي الحيض حديث : قوله صلى الله عليه وسلم للمستحاضة دعي الصلاة أيام أقرائك تفسير : يعني أيام حيضك لأن المرأة لا تدع الصلاة إلا أيام حيضها وحجة من يقول: أنها الأطهار حديث : أن ابن عمر لما طلق امرأته وهي حائض قال النبي صلى الله عليه وسلم: لعمر مرة فليراجعها حتى تطهر، ثم إن شاء أمسكها وإن شاء طلق قبل أن يمس فتلك العدة، التي أمر الله أن يطلق لها تفسير : فأخبر أن زمان العدة هو الطهر لا الحيض ويعضده من اللغة قول الأعشى: شعر : ففي كل عام أنت جاشم غزوة تشد لأقصاها عزيم عرائكا مورثة مالاً وفي الحي رفعة لما ضاع فيها من قروء نسائكا تفسير : أراد أنه كان يخرج للغزو ولم يغش نساءه فتضيع أقراؤهن وإنما تضيع بالسفر زمان الطهر لا زمان الحيض، وفائدة الخلاف أن مدة العدة عند الشافعي أقصر، وعند غيره أطول وذلك أن المعتدة إذا شرعت في الحيضة الثالثة فقد انقضت عدتها، وحلت للأزواج ويحسب بقية الطهر الذي وقع فيه الطلاق قرءاً على قول من يجعل الأقراء الأطهار، قالت عائشة رضي الله عنها: إذا دخلت المطلقة في الحيضة الثالثة فقد بانت من زوجها وحلت للأزواج وروي عنها أنها قالت: القرء الطهر ليس بالحيضة. قال الشافعي: والنساء بهذا أعلم لأن هذا مما يبتلي به النساء وإن طلقها في حال الحيض فإذا شرعت في الحيضة الرابعة انقضت عدتها، وعلى قول من يجعل الأقراء حيضاً وهو مذهب أبي حنيفة لا تنقضي عدتها ما لم تطهر من الحيضة الثالثة. إن كان وقع الطلاق في حال الطهر أو من الحيضة الرابعة، وإن وقع في حال الحيض فإن قلت ما معنى الإخبار عنهن بالتربص في قوله: والمطلقات يتربصن بأنفسهن. قلت: هو خبر في صورة الأمر، وأصل الكلام وليتربص المطلقات فأخرج الأمر في صورة الخبر تأكيد للأمر، وإشعار بأنه مما يجب أن يلتقي بالمسارعة إلى أمتثاله فكأنهن امتثلن الأمر بالتربص فهو يخبر عن موجود ونظيره قولهم في الدعاء: يرحمك الله أخرج في صورة الخبر ثقة بالإجابة فكأنه قال: وجدت الرحمة فهو يخبر عنها. فصل في أحكام العدة وفيه مسائل المسألة الأولى: عدة الحامل تنقضي بوضع الحمل سواء المطلقة والمتوفى عنها زوجها، وسواء في ذلك الحرة والأمة. المسألة الثانية: عدة المتوفى عنها سوى الحامل أربعة أشهر وعشرة أيام سواء مات عنها زوجها قبل الدخول أو بعده وسواء في ذلك الحيض والأمة والآيسة. المسألة الثالثة: عدة المطلقة المدخول بها وهي ضربان: أحدهما الحيض فعدتها بالإقراء، وهي ثلاثة أقراء الضرب الثاني الآيسات من الحيض وإما الكبر، أو تكون لم تحض قط فعدتها ثلاثة أشهر وأما المطلقة قبل الدخول فلا عدة عليها. المسألة الرابعة: عدة الإماء نصف عدة الحرائر فيما له نصف وفي الأقراء قرآن لأنه لا يتنصف قال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: ينكح العبد اثنتين ويطلق طلقتين وتعتد الأمة بحيضتين وقوله تعالى: {ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن} قال ابن عباس: يعني الولد، وقيل: الحيض؛ والمعنى أنه لا يحل للمرأة كتمان ما خلق الله في رحمها من الحيض أو الحمل لتبطل بذلك الكتمان حق الزوج من الرجعة والولد {إن كن يؤمنَّ بالله واليوم الآخر} هذا وعيد شديد لتأكيد تحريم الكتمان وإيجاب أداء الأمانة في الإخبار عما في الرحم من الحيض أو الولد، والمعنى أن هذا من فعل المؤمنات وإن كانت المؤمنة والكافرة فيه سواء، فهو كقولك أدِّ حقي إن كنت مؤمناً يعني أن أداء الحقوق من أفعال المؤمنين وتقول للذي يظلم: إن كنت مؤمناً فلا تظلمني؛ والمعنى ينبغي أن يمنعك إيمانك من الظلم، وفي سبب وعيد النساء بهذا قولان أحدهما أنه لأجل ما يستحقه الزوج من الرجعة. قاله ابن عباس: والثاني أنه لأجل إلحاق الولد بغير أبيه قاله قتادة وقيل: كانت المرأة إذا رغبت في زوجها تقول: إني حائض وإن كانت قد طهرت ليراجعها وإن كانت زاهدة فيه كتمت خيضها وتقول قد طهرت لتفوته فنهاهن الله عن ذلك وأمرن بأداء الأمانة {وبعولتهن أحق بردهن في ذلك} يعني أزواجهن سمي الزوج بعلاً لقيامه بأمر زوجته، وأصل البعل السيد والمالك والمعنى وأزواجهن أولى برجعتهن وردهن إليهم في ذلك أي في حال العدة فإذا انقضى وقت العدة فقد بطل حق الرد والرجعة {إن أرادوا إصلاحاً} يعني إن أراد الزوج بالرجعة الإصلاح وحسن العشرة لا الإضرار بهن، وذلك أن أهل الجاهلية كانوا يراجعون، ويريدون بذلك الإضرار فنهى الله المؤمنين عن مثل ذلك، وأمرهم بالإصلاح وحسن العشرة بعد الرجعة {ولهن} يعني وللنساء على الأزواج {مثل الذي عليهن} يعني للأزواج {بالمعروف} وذلك أن حق الزوجية لا يتم إلا إذا كان كل واحد منهما يراعي حق الآخر فيما له، وعليه فيجب على الزوج أن يقوم بجميع حقها، ومصالحها ويجب على الزوجة الانقياد والطاعة له، قال ابن عباس في معنى الآية: إني أحب أن أتزين لامرأتي كما أحب أن تتزين لي لأن الله تعالى قال: {ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف} (م) عن جابر أنه ذكر خطبة النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع وقال: فيها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : فاتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمانات الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحداً تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضرباً غير مبرح، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف ". تفسير : قوله: "فاتقوا الله في النساء" فيه الحث على الوصية بهن ومراعاة حقوقهن ومعاشرتهن بالمعروف. قوله: "فإنكم أخذتموهن بأمانات الله" ويروى بأمانة وقوله: "واستحللتم فروجهن بكلمة الله" معناه بإباحة الله والكلمة هي قوله: {أية : فانكحوا ما طاب لكم من النساء}تفسير : [النساء: 3] وقيل: الكلمة هي قوله {أية : فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان}تفسير : [البقرة: 229] وقيل: الكلمة هي كلمة التوحيد وهي لا إله إلا الله محمد رسول الله إذ لا تحل مسلمة لغير مسلم وقوله: لا يوطئن فرشكم أحداً تكرهونه معناه ولا يأذن لأحد أن يتحدث إليهن، وكان من عادة العرب أن يتحدث الرجال مع النساء ولا يرون ذلك عيباً ولا يعدونه ريبة إلى أن نزلت آية الحجاب فنهوا عن ذلك وليس المراد بوطء الفرش نفس الزنا فإن ذلك محرم على كل الوجوه، فلا معنى لاشتراط الكراهة فيه، ولو كان المراد ذلك لم يكن الضرب فيه ضرباً غير مبرح إنما كان فيه الحد، والضرب المبرح هو الشديد. وقوله: ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف يعني العدل وفيه وجوب نفقة الزوجة، وكسوتها وذلك ثابت بالإجماع. وقوله تعالى: {وللرجال عليهن درجة} أي منزلة ورفعة قال ابن عباس: بما ساق إليها من المهر وأنفق عليها من المال. وقيل: إن فضيلة الرجال على النساء بأمور منها العقل والشهادة والميراث والدية وصلاحية الإمامة والقضاء وللرجل أن يتزوج عليها ويتسرى، وليس لها ذلك وبيد الرجل الطلاق فهو قادر على تطليقها وإذا طلقها رجعية فهو قادر على رجعتها وليس شيء من ذلك بيدها {والله عزيز} أي غالب لا يمتنع عليه شيء {حكيم} أي في جميع أفعاله وأحكامه. روى البغوي بسنده عن أبي ظبيان أن معاذ بن جبل خرج في غزاة بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها، ثم رجع فرأى رجالاً يسجد بعضهم لبعض فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "حديث : لو أمرت أحداً أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها ".

ابن عرفة

تفسير : قوله تعالى: {وَإِنْ عَزَمُواْ ٱلطَّلاَقَ فَإِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}. قال ابن عرفة: جواب الشرط مقدر، أي ارتفع حكم الإيلاء (عنهم). قال الزمخشري: فإن قلت: العزم من أعمال القلب فكيف عقبه بالسّمع وهو من لوازم الأقوال لا الأفعال. قال ابن عرفة: وهذا (السؤال) لا يوافق أصله فإنه يرد صفة السمع لصفة العلم فلا فرق / عنده بين السميع والعليم وأيضا فهو ينفي الكلام النفسي. وأجاب الزمخشري: بأنّ العازم على الطلاق لا يخلو من مقاولة ودمدمة. وأجاب ابن عرفة: بأنا (نثبت) الكلام النفسي، ويصح عندنا سماعه كما سمع موسى كلام الله القديم الأزلي، وليس بصوت ولا حرف، أو يقال: إنّ العزم على الطلاق له اعتباران: اعتبار في نفس الأمر عند الله تعالى، واعتبار في الظاهر لنا بالحكم الشرعي من حيث يرتفع له حكم الإيلاء عن صاحبه، ويخرج عن عهدة الحكم عليه، فهو بهذا الاعتبار لا يعلم إلا بأمارة وقول يدل عليه، وذلك القول مسموع فعلق به السمع بهذا الاعتبار والعلم باعتبار الأول.

السيوطي

تفسير : أخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن المنذر وابن مردويه عن ابن عبّاس أنه كان يقرأ وإن عزموا السراح‏. وأخرج ابن جرير عن عمر بن الخطاب أنه قال في الإِيلاء إذا مضت أربعة أشهر لا شيء عليه حتى توقف فيطلق أو يمسك‏. وأخرج الشافعي وابن جرير والبيهقي عن طاوس أن عثمان كان يوقف المولي وفي لفظ كان لا يرى الإِيلاء شيئاً وإن مضت الأربعة أشهر حتى يوقف‏. وأخرج مالك والشافعي وعبد بن حميد وابن جرير والبيهقي عن علي بن أبي طالب أنه كان يقول إذا آلى الرجل من امرأته لم يقع عليه طلاق وإن مضت أربعة أشهر حتى يوقف فإما أن يطلق وإما أن يفيء‏. وأخرج مالك والشافعي وعبد بن حميد والبخاري وابن جرير والبيهقي عن ابن عمر قال أيما رجل آلى من امرأته فإنه إذا مضى أربعة أشهر وقف حتى يطلق أو يفيء ولا يقع عليه الطلاق إذا مضت الأربعة أشهر حتى يوقف‏. وأخرج البخاري وعبد بن حميد عن ابن عمر قال الإِيلاء الذي سمى الله لا يحل لأحد بعد الأجل إلا أن يمسك بالمعروف أو يعزم الطلاق كما أمره الله‏. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير والبيهقي عن أبي الدرداء في رجل آلى من امرأته قال يوقف عند انقضاء الأربعة أشهر فإما أن يطلق وإما أن يفيء‏. وأخرج الشافعي وابن جرير والبيهقي عن عائشة أنها كانت إذا ذكر لها الرجل يحلف أن لا يأتي امرأته فيدعها خمسة أشهر لا ترى ذلك شيئاً حتى يوقف وتقول كيف قال الله إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان‏. وأخرج عبد الرزاق في المصنف والبيهقي عن قتادة أن أبا ذر وعائشة قالا يوقف المولي بعد انقضاء المدة فإما أن يفيء وإما أن يطلق‏.‏ وأخرج الشافعي والبيهقي عن سليمان بن يسار قال أدركت بضعة عشر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كلهم يقول يوقف المولي‏.‏ وأخرج ابن جرير والدارقطني والبيهقي من طريق سهيل بن أبي صالح عن أبيه قال سألت اثني عشر رجلاً من الصحابة عن الرجل يولي من امرأته فكلهم يقول ليس عليه شيء حتى تمضي الأربعة أشهر فيوقف فإن فاء وإلا طلق‏. وأخرج البيهقي عن ثابت بن عبيدة مولى زيد بن ثابت عن اثني عشر رجلاً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الإِيلاء لا يكون طلاقاً حتى يوقف‏. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي عن عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب وزيد بن ثابت وابن مسعود وابن عمر وابن عباس قالوا الإِيلاء تطليقة بائنة إذا مرت أربعة أشهر قبل أن يفيء فهي أملك بنفسها‏. وأخرج عبد الرزاق والفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي عن ابن عباس قال عزيمة الطلاق انقضاء أربعة أشهر‏. وأخرج عبد بن حميد عن أيوب قال قلت لابن جبير: أكان ابن عباس يقول في الإِيلاء إذا مضت أربعة أشهر فهي تطليقة بائنة وتزوّج ولا عدة عليها‏؟‏ قال‏:‏ نعم‏. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد والبيهقي عن ابن مسعود قال إذا آلى الرجل من امرأته فمضت أربعة أشهر فهي تطليقة بائنة وتعتد بعد ذلك ثلاثة قروء ويخطبها زوجها في عدتها ولا يخطبها غيره فإذا انقضت عدتها خطبها زوجها وغيره‏. وأخرج عبد بن حميد عن علي في الإِيلاء قال إذا مضت أربعة أشهر فقد بانت منه بتطليقة ولا يخطبها هو ولا غيره إلا من بعد انقضاء العدة‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن الحسن في رجل قال لامرأته إن قربتك سنة فأنت طالق ثلاثاً إن قربها قبل السنة فهي طالق ثلاثاً وإن تركها حتى تمضي الأربعة أشهر فقد بانت منه بتطليقة فإن تزوجها قبل انقضاء السنة فإنه يمسك عن غشيانها حتى تنقضي السنة ولا يدخل عليه إيلاء‏. وأخرج عبد بن حميد عن إبراهيم النخعي في رجل قال لامرأته إن قربتك إلى سنة فأنت طالق قال إن قربها بانت منه وإن تركها حتى تمضي الأربعة أشهر فقد بانت منه بتطليقة فإن تزوّجها فغشيها قبل انقضاء السنة بانت منه وإن لم يقربها حتى تمضي الأربعة أشهر، فإنه يدخل عليه إيلاء آخر‏.‏ وأخرج مالك عن سعيد بن المسيب وأبي بكر بن عبد الرحمن‏.‏ أنهما كانا يقولان في الرجل يولي من امرأته‏:‏ أنها إذا مضت أربعة أشهر فهي تطليقة واحدة، ولزوجها عليها رجعة ما كانت في العدة‏. وأخرج مالك عن ابن شهاب قال‏:‏ إيلاء العبد نحو إيلاء الحر وهو واجب، وإيلاء العبد شهران‏. وأخرج عبد الرزاق عن عمر بن الخطاب قال‏:‏ إيلاء العبد شهران‏. وأخرج عبد الرزاق عن معمر عن الزهري قال إيلاء العبد من الأمة أربعة أشهر‏. وأخرج عن معمر عن قتادة قال‏:‏ إيلاء العبد من الحرة أربعة أشهر‏.‏ وأخرج مالك عن عبدالله بن دينار قال‏:‏ خرج عمر بن الخطاب من الليل يسمع امرأة تقول‏:‏ شعر : تطاول هذا الليل واسود جانبه وأرقني أن لا خليل ألاعبه فوالله لولا الله أني أراقبه لحرك من هذا السرير جوانبه تفسير : فسأل عمر ابنته حفصة كم أكثر ما تصبر المرأة عن زوجها‏؟‏ فقالت‏:‏ ستة أشهر، أو أربعة‏.‏ فقال عمر‏:‏ لا أحبس أحداً من الجيوش أكثر من ذلك‏. وأخرج ابن اسحق وابن أبي الدنيا في كتاب الأشراف عن السائب بن جبير مولى ابن عباس وكان قد أدرك أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ما زلت أسمع حديث عمر أنه خرج ذات ليلة يطوف بالمدينة، وكان يفعل ذلك كثيراً إذ مر بامرأة من نساء العرب مغلقة بابها وهي تقول‏: شعر : تطاول هذا الليل تسري كواكبه وأرقني أن لا ضجيع ألاعبه فوالله لولا الله لا شيء غيره لحرك من هذا السرير جوانبه وبت ألاهي غير بدع ملعن لطيف الحشا لا يحتويه مضاجعه يلاعبني طوراً وطوراً كأنما بدا قمراً في ظلمة الليل حاجبه يسر به من كان يلهو بقربه يعاتبني في حبه واعاتبه ولكنني أخشى رقيبا موكلا بأنفسنا لا يفتر الدهر كاتبه تفسير : ثم تنفست الصعداء، وقالت‏:‏ أشكو عمر بن الخطاب وحشتي في بيتي، وغيبة زوجي علي، وقلة نفقتي‏.‏ فلان لها عمر يرحمه الله، فلما أصبح بعث إليها بنفقة وكسوة، وكتب إلى عامله يسرح إليها زوجها‏. وأخرج ابن أبي الدنيا عن الحسن قال‏:‏ سأل عمر ابنته حفصة كم تصبر المرأة عن الرجل‏؟‏ فقلت‏:‏ ستة أشهر فقال‏:‏ لا جرم، لا أحبس رجلاً أكثر من ستة أشهر‏. وأخرج الزبير بن بكار في الموفقيات عن محمد بن معن قال‏:‏ أتت امرأة إلى عمر بن الخطاب فقالت‏:‏ يا أمير المؤمنين إن زوجي يصوم النهار ويقوم الليل، وأنا أكره أن أشكوه إليك وهو يقوم بطاعة الله‏.‏ فقال لها‏:‏ جزاك الله خيراً من مثنية على زوجها‏.‏ فجعلت تكرر عليه القول وهو يكرر عليها الجواب، وكان كعب بن سوار الاسدي حاضراً فقال له‏:‏ اقض يا أمير المؤمنين بينها وبين زوجها‏.‏ فقال‏:‏ وهل فيما ذكرت قضاء، فقال‏:‏ إنها تشكو مباعدة زوجها لها عن فراشها وتطلب حقها في ذلك‏.‏ فقال له عمر‏:‏ أما لأن فهمت ذلك فاقض بينهما‏.‏ فقال كعب‏:‏ علي بزوجها، فأحضر فقال‏:‏ إن امرأتك تشكوك‏.‏ فقال‏:‏ قصرت في شيء من نفقتها‏؟‏ قال‏:‏ لا‏.‏ فقالت المرأة‏:‏ شعر : يا أيها القاضي الحكيم برشده ألهى خليلي عن فراشي مسجده نهاره وليله ما يرقده فلست في حكم النساء أحمده زهده في مضجعي تعبده فاقض القضا يا كعب لا تردده تفسير : فقال زوجها‏: شعر : زهّدَني في فرشها وفي الحجل إني امرؤ أزهد فيما قد نزل في سورة النحل وفي السبع الطول وفي كتاب الله تخويف جلل تفسير : فقال كعب‏: شعر : إن خير القاضيين من عدل وقضى بالحق جهرا وفصل إن لها حقا عليك يا رجل تصيبها في أربع لمن عقل قضية من ربها عز وجل فاعطها ذاك ودع عنك العلل تفسير : ثم قال‏:‏ إن الله قد أباح لك من النساء أربعاً، فلك ثلاثة أيام ولياليها تعبد فيها ربك، ولها يوم وليلة‏.‏ فقال عمر‏:‏ والله ما أدري من أي امريك أعجب‏.‏ أمن فهمك أمرها أم من حكمك بينهما‏!‏ اذهب فقد وليتك قضاء البصرة‏.‏ وأخرج البيهقي في الدلائل عن عمر ‏"‏حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج وعمر بن الخطاب معه، فعرضت امرأة فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم‏: ادعي زوجك فدعته وكان ضراراً، فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ما تقول امرأتك يا عبدالله‏؟‏ فقال الرجل‏:‏ والذي أكرمك ما جف رأسي منها‏.‏ فقالت امرأته‏:‏ ما مرة واحدة في الشهر‏.‏ فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ أتبغضينه‏؟ قالت‏:‏ نعم‏.‏ فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ أدنيا رأسيكما فوضع جبهتها على جبهة زوجها، ثم قال‏:‏ اللهم ألف بينهما وحبب أحدهما إلى صاحبه، ثم مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بسوق النمط ومعه عمر بن الخطاب، فطلعت امرأة تحمل ادما على رأسها، فلما رأت النبي طرحته وأقبلت فقبلت رجليه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏: كيف أنت وزوجك‏؟ فقالت‏:‏ والذي أكرمك ما طارف، ولا تالد، ولا ولد، بأحب إلي منه‏.‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏: أشهد أني رسول الله‏.‏ فقال عمر‏:‏ وأنا أشهد أنك رسول الله‏ "‏‏. تفسير : وأخرج أبو يعلى وأبو نعيم في الدلائل من حديث جابر بن عبدالله‏.‏ مثله‏.‏ وأخرج مسلم وأبو داود والنسائي عن أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏"حديث : يصبح على كل سلامي من ابن آدم صدقة‏.‏ تسليمه على من لقي صدقة، وأمره بالمعروف صدقه، ونهيه عن المنكر صدقة، وإماطته الأذى عن الطريق صدقة، وبضعه أهله صدقة‏.‏ قالوا‏:‏ يا رسول الله أحدنا يقضي شهوته وتكون له صدقة‏؟‏‏!‏ قال‏:‏ أرأيت لو وضعها في غير حلها ألم يكن يأثم‏ "‏‏. تفسير : وأخرج البيهقي في الشعب عن أبي ذر قال‏:‏ قلت‏:‏ "حديث : يا رسول الله ذهب الأغنياء بالأجر‏.‏ قال‏: ألستم تصلون، وتصومون، وتجاهدون، قلت‏:‏ بلى، وهم يفعلون كما نفعل يصلون، ويصومون، ويجاهدون، ويتصدقون ولا نتصدق قال‏:‏ إن فيك صدقة، وفي فضل سمعك على الذي لا يسمع تعبر عن حاجته صدقة، وفي فضل بصرك على الضرير تهديه إلى الطريق صدقة، وفي فضل قوتك على الضعيف تعينه صدقة، وفي إماطتك الأذى عن الطريق صدقة، وفي مباضعتك أهلك صدقة، قلت‏:‏ يا رسول الله أيأتي أحدنا شهوته ويؤجر‏؟‏‏!‏ قال‏: أرأيت لو جعلته في غير حله أكان عليك وزر‏؟‏ قلت‏:‏ نعم‏.‏ قال‏:‏ أتحتسبون بالشر ولا تحتسبون بالخير‏ "‏‏. تفسير : وأخرج البيهقي عن أبي ذر قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏حديث : ولك في جماعك زوجتك أجر قلت‏:‏ كيف يكون لي أجر في شهوتي‏؟‏ قال‏:‏ أرأيت لو كان لك ولد فأدرك ورجوت خيره ثم مات أكنت تحتسبه‏؟ قلت‏:‏ نعم‏.‏ قال‏:‏ فأنت خلقته‏؟‏ قلت‏:‏ بل الله‏.‏ قال‏: أفأنت هديته‏؟‏ قلت‏:‏ بل الله هداه‏.‏ قال‏:‏ أفأنت كنت ترزقه‏؟قلت‏:‏ بل الله يرزقه‏.‏ قال‏: فكذلك فضعه في حلاله وجنبه حرامه، فإن شاء الله أحياه وإن شاء أماته ولك أجر‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن السني وأبو نعيم معاً في الطب النبوي والبيهقي في شعب الإِيمان عن أبي هريرة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث : أيعجز أحدكم أن يجامع أهله في كل يوم جمعة فإن له أجرين اثنين غسله وأجر غسل امرأته‏ .‏ تفسير : وأخرج البيهقي في سننه عن عمر بن الخطاب قال والله إني لأكره نفسي على الجماع رجاء أن يخرج الله مني نسمة تسبح‏. وأخرج عبد الرزاق في المصنف عن زيد بن أسلم قال بلغني أنه جاءت امرأة إلى عمر بن الخطاب فقالت إن زوجها لا يصيبها فأرسل إليه فسأله فقال كبرت وذهبت قوّتي فقال له عمر أتصيبها في كل شهر مرة قال أكثر من ذلك قال عمر في كم تصيبها قال في كل طهر مرة فقال عمر اذهبي فإن فيه ما يكفي المرأة‏.

القشيري

تفسير : إنْ ملَّ حق صحبتها، وأكَّد العزم على مفارقتها فإن الله مطلع على حاله وسره، فإن بدا له بادٍ من ندم فلا يُلبِس بأركان الطلاق فإن الله سبحانه عليم أنه طلَّقها. ولمَّا كان الفراق شديداً عَزَّى المرأة بأن قال إنه (السَّمِيعُ) أي سمعنا موحش تلك القالة، فهذا تعزية لها من الحق سبحانه.

اسماعيل حقي

تفسير : {وإن عزموا الطلاق} اصل العزم او العزيمة عقد القلب على امضاء شىء تريد فعله اى حققوه واكدوه بان ثبتوا فى المدة على ترك القربان حتى مضت المدة {فإن الله سميع} لطلاقهم {عليم} بغرضهم فيه. والاشارة فى تحقيق الآيتين ان يعلم العبد ان الله لا يضيع حق احد من عباده لا على نفسه ولا على غيره فلما تقاصر لسان الزوجة لكونها اسيرة فى يد الزوج فالله تعالى تولى الامر بمراعاة حقها فامر الزوج بالرجوع اليها او تسريحها فاذا كان حق صحبة الاشكال محفوظا عليك حتى لو اخللت به اخذك بحكمه فحق الحق احق بان يجب مراعاته. وفى تعيين تربص اربعة اشهر فى الفيىء اشارة عجيبة وهى انها مدة تعلق الروح بالجنين كما قال عليه السلام "حديث : ان احدكم يجمع خلقهbr>". تفسير : اى يحرز ويقر مادة خلقه "حديث : فى بطن امهbr>". تفسير : اى فى رحمها من قبيل ذكر الكل وارادة الجزء "حديث : اربعين يوماbr>". تفسير : وعن ابن مسعود رضى الله عنه ان النطفة اذا وقعت فى الرحم فاراد الله ان يخلق منها تنشر فى بشرة المرأة تحت كل ظفر وشعرة فتمكث اربعين ليلة ثم تنزل دما فى الرحم فذاك جمعها "حديث : ثم تكون علقةbr>". تفسير : وهى قطعة دم غليظ جامد "حديث : مثل ذلكbr>". تفسير : اربعين يوما "حديث : ثم تكون مضغةbr>". تفسير : وهى قطعة لحم قدر ما تمضغ "حديث : مثل ذلك ثم يرسل الله اليه الملك فينفخ فيه الروحbr>". تفسير : وهذا يدل على ان التصوير يكون فى الاربعين الثالثة "حديث : ويؤمر باربع كلماتbr>". تفسير : يعنى يؤمر الملك بكتابة اربع قضاها وهو معطوف على قوله تكون علقة لان الكتابة فى الاربعين الثانية "حديث : يكتب رزقهbr>". تفسير : روى على صيغة المجهول والمعلوم "حديث : واجلهbr>". تفسير : وهو يطلق على مدة الحياة كلها وهو المراد هنا وعلى منتهاها ومنه قوله تعالى {أية : فإذا جاء أجلهم} تفسير : [النحل: 61]. وعمله وشقى وهو من وجبت له النار او سعيد وهو من وجبت له الجنة قدم ذكر الشقى لانه اكثر الناس كذا قال القاضى المراد بكتبه هذه الاشياء اظهارها للملك ولا فقضاؤه تعالى سابق على ذلك. فاذا تمهد هذا فمن وقع له من اهل القصد وقفة او فترة فى اثناء السلوك من ملالة النفس او نفرة الطبع فعلى الشيخ وعلى الاصحاب ان لا يفارقوه فى الحقيقة وان يتعاونوا بالهمم العلية لاستجلابه ويتربصوا اربعة اشهر الرجوع فان فاء الى صدق الطلب ورعاية حق الصحبة واستغفر مما جرى منه ونفخ فيه روح الارادة مرة اخرى اقبلوا عليه وعفوا عما لديه فان هذا ربيع لا يرعاه الا المهزولون وربع لا يسكنه الا المعزولون ومنهل لا يرده الا اللاهون وباب لا يقرعه الا الماكثون بل هذا شراب لا يذوقه الا العارفون وغناء لا يطرب عليه الا العاشقون وان عزموا بعد مضى اربعة اشهر طلاق منكوحة المواصلة واصروا على ذنب المفارقة فلهم التمسك بعروة هذا فراق بينى وبينك فان الله سميع بمقالتهم عليم بحالتهم: قال السعدى قدس سره شعر : نه مارا درميان عد و وفا بود جفا كردى وبد عهدى نمودى هنوزت كرسر صلحست بازآى كزان محبوبتر باشى كه بودى تفسير : قال اوحد المشايخ فى وقته ابو عبد الله الشيرازى رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فى المنام وهو يقول من عرف طريقا الى الله فسلكه ثم رجع عنه عذبه الله بعذاب لم يعذب به احدا من العالمين كذا فى لواقح الانوار القدسية فى مناقب العلماء والصوفية.

الطوسي

تفسير : المعنى: عزيمة الطلاق في الحكم - عندنا - أن يعزم، ثم يتلفظ بالطلاق، ومتى لم يتلفظ بالطلاق بعد مضي أربعة أشهر، فان المرأة لا تبين منه إلا أن تستدعي، فان استدعت، ضرب الحاكم مدة أربعة أشهر ثم توقف بعد أربعة أشهر، فيقال له: فيء أو طلق، فان لم يفعل، حبسه حتى يطلق، ومثل هذا قال أهل المدينة غير أنهم قالوا: متى امتنع من الطلاق والفيأة، طلق عنه الحاكم طلقة رجعية. وقال أهل العراق: الايلاء: أن يحلف ألاّ يجامعها أربعة أشهر فصاعداً، فاذا مضت أربعة أشهر فلم يقربها، بانت منه بتطليقة لا رجعة له عليها، وعليها عدة ثلاث حيض، يخطبها في العدة، ولا يخطبها غيره، فان فاء قيل أربعة أشهر: أي إن جامع، كفر يمينه، وهي امرأته. وقال الحسن، وقتادة, وابن مسعود، وابراهيم، وابن عباس؛ وحماد: هو مضي أربعة أشهر قبل أن يفيء من غير عذر. اللغة: والعزم: هو العقد على فعل شيء في مستقبل الوقت. والعزم على الشيء هو إرادته له: إذا كانت مقدمة للفعل بأكثر من وقت واحد، وتكون متعلقة بفعل العازم، ولا يدخل بينهما، وبين الفعل سهو، ولا نسيان. يقال: عزم عزماً: إذا عقد على أن يفعل الشيء، واعتزم اعتزاماً. وعزمت عليك لتفعلن: أي أقسمت. وعزم الراقي: كأنه أقسم على الداء. ورجل ماضي العزم: حاد في أمره. وما لفلان عزيمة: أي ما يثبت على أمر، لتلونه، ومنه قوله: {أية : فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل}. تفسير : وعزائم القرآن التي تقرأ على ذوي الآفات، لما يرجى من البرء بها. وأصل الباب العزم على العقد على الشيء. والطلاق: حل عقدة النكاح بما يوجبه في الشريعة. تقول: طلقت تطلق طلاقاً، فهي طالق - بلا علامة التأنيث، حكاه الزجاج. وقال قوم: لأنه يختص بالمؤنث. وقال الزجاج: هذا ليس بشيء، لأن في الكلام شيئاً كثيراً يشترك فيه المؤنث، والمذكر - بلا علامة التأنيث - نحو قولهم: بعير ضامر، وناقة ضامر، وبعير ساعل، وناقة ساعل. وزعم سيبويه، وأصحابه: أن هذا واقع على لفظ التذكير صفة للمؤنث، لأن المعنى: هي طالق حقيقة - عندهم - أنه على جهة النسب، نحو قولهم: إمرأة مذكار، ورجل مذكار، ورجل مئناث، وامرأة مئناث، ومعناه: ذات ذُكرانٍ، وذات أناث، وكذلك مطفل: ذات طفل، وكذلك طالق: ذات طلاق. فان أجريته على الفعل قلت طالقة، قال الشاعر: شعر : أيا جارتا بيني فانك طالقه! كذاك أمور الناس غاد وطارقه تفسير : تقول: طلقها، وتطلق تطلقاً، وأطلق إطلاقاً، واستطلق استطلاقاً، وانطلق انطلاقاً، وتطلقت المرأة عند الولادة، فهي مطلوقة إذا تمخضت. والطلق: الشوط من الجري. والطلق: قيد من قدّم أو عقب تقيد به الابل. ورجل طلق الوجه: بهلول ضحاك. ويوم طلق إذا لم يكن فيه حرّ، ولا قر. والطليق: الأسير يخلى عنه ورجل طلق اليدين: سمح بالعطاء. والطلق: الحبل الشديد الفتل، يقوّم قيّام. وأصل الباب الانطلاق، والطلاق، لانطلاق المرأة فيه على عقدة النكاح. المعنى: والطلاق بعد الايلاء، والايقاف يكون واحدة رجعية، وبه قال سعيد بن المسيب، وابن عمر. وقال الحسن وابن مسعود، وابن عباس: تكون بائنة. وقوله: {فإن الله سميع عليم} فيه دلالة على الأخذ بالفيء أو الطلاق، لأنه بمعنى. أن الله يسمع قوله، ويعلم ضميره. وقيل: بل هو راجع الى يسمع الايلاء، ويعلم بنيته، وكلاهما يحتمل في اللغة - على قول الزجاج - وحقيقة السميع: هو من كان على صفة يجب لأجلها أن يدرك المسموعات إذا وجدت. وهو يرجع الى كونه حياً لا آفة به. والسامع: هو المدرك. والله تعالى يوصف بما لم يزل بأنه سميع، ولا يوصف فيما لم يزل بأنه سامع، وإنما يوصف بأنه سامع إذا وجدت المسموعات. وإنما ذكر عقيب الأول {أن الله غفور رحيم} لأنه لما أخبر عن المولى أنه يلزمه الفيء، أو الطلاق بين أنه إن فاء {فإن الله غفور رحيم} بأن يقبل رجوعه، ولا يتبعه بعقاب ما ارتكبه. وذكر ها هنا أنه "سميع عليم" لما أخبر عنه بايقاع الطلاق، وكان ذلك مما يسمع، أخبر أنه لا يخفى عليه، وأنه يسمعه، لأنه على صفة يوجب إدراكه لذلك، وأنه عالم ببيانه، فلا الذي ذكر في الآية الآولى يليق بهذه الآية، ولا الذي ذكر ها هنا يليق هناك، وذلك من عظم فصاحة القرآن، وجلالة مواقعه.

الجنابذي

تفسير : {وَإِنْ عَزَمُواْ ٱلطَّلاَقَ فَإِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ} لطلاقهم {عَلِيمٌ} بنيّاتهم واراداتهم من انّها افساد او اصلاح. اعلم انّه تعالى كرّر هاهنا ذكر الجلالة بأوصافٍ مختلفة فى اربعة مواضع؛ والوجه العامّ كما مرّ اقتضاء محبّة المخاطب والتذاذه تكرار ذكر المحبوب واقتضاء محبّة المتكلّم للمخاطب تطويل الكلام بالبسط والتّكرار واختلاف الاوصاف انّما هو باقتضاء خصوصيّة المقام، فانّ النهى عن جعله تعالى عرضة للايمان يقتضى التّهديد بانّه تعالى يسمع كلّما ينطق به الانسان ومن جملتها كثرة الايمان وابتذال اسم الله يجعله مقدّمة لهوى النّفس ويعلم ما فى الجنان من الحقّ والباطل والكذب والصدق ومقام الامتنان بترك المؤاخذة باللّغو فى الايمان، والمؤاخذة على ما كسبت القلوب تقتضى ذكر المغفرة بالنّسبة الى ترك المؤاخذة والحلم بالنّسبة الى المؤاخذة وترك العجلة والفيء بعد النّظر الى مساوء المرأة والغضب عليها والحلف على اضرارها لا الاحسان اليها، وغضّ البصر عن ذنوبها يقتضى ذكر مغفرة الله ورحمته تعالى وعزم الطّلاق ببقاء الغضب عليها والنّظر الى ذنوبها، والتّفوّة بصيغة الطّلاق يقتضى ذكر السّماع والعلم بنيّة المطلّق وغضبه والعلم بمساوئه لعلّه يتنبّه ويغفر طلباً لغفران الله ونسب الى الصّادقين (ع) انّهما قالا: اذا الآ الرّجل ان لا يقرب امرأتة فليس لها قول ولا حقّ فى الاربعة أشهر ولا اثم عليه فى كفّه عنها فى الاربعة أشهر فان مضت الاربعة اشهر قبل ان يمسّها فسكنت ورضيت فهو فى حلٍّ وسعةٍ وان رفعت امرها قيل له امّا ان تفيءَ فتمسّها، وامّا ان تطلّق وعزم الطّلاق ان يخلّى عنها فاذا حاضت وطهرت طلّقها وهو أحقّ برجعتها ما لم تمض ثلاثة قروء فهذا الايلاء أنزل الله تبارك وتعالى فى كتابه وسنّته.

اطفيش

تفسير : {وَإنْ عَزَمُوا الطّلاقَ}: جزموه، بأن لم يفيئوا إلى جماعهن فلم يجامعوهن حتى مضت الأربعة الأشهر، فقد وقع الطلاق بلا لفظ من ألفاظ الطلاق، ولا نوى، بل بمجرد التصمم على عدم الجماع حتى مضت الأربعة. {فإنَّ}: أى لئن. {اللّهَ سَمِيعٌ}: لقولهم فى حلفهم وغيره. {عَلِيمٌ}: بعزمهم، هذا مذهبنا ومذهب أبى حنيفة، وهو مروى عن عمر وعثمان وابن عباس وابن مسعود، وعلى وزيد بن ثابت والحسن وسفيان الثورى، وهو مذهب المعتزلة وقال سعيد بن المسيب والزهرى مثل ما قلنا، لكن فلا تقع عليه طلقة رجعية، والفاء الأولى لتفصيل المجمل أو للترتيب الذكرى، فإن حكم التربص مجمل، فبينه بقوله: {فإن فاءُوا} إلخ والكلام على الفئ والعزم حقيق بالذكر بعد ذكر الأربعة الأشهر، فليس المراد الفئ بالجماع بعد الأربعة كما نقول: أقيم عندكم فى الشهر، فإن رأيت ما لاق إلى أكملت الشهر وإلا لم أكمله، ولم أبق إلا قدر ما أرتحل، والفاءان الثانيتان للتعليل قامتا مقام فاء الجواب، وقال الشافعى ومالك وغيره من أهل المدينة، وهو مروى عن ابن عمر والشافعى وأحمد وإسحاق، وعمر وبن عمر وعثمان وسعيد بن جبير، وسليمان بن يسار ومجاهد معنى {فإن فَاءُوا}، فإن رجعوا بعد الأربعة إلى الجماع فجامعوا بعدهن، فهن أزواج لهم وإلا فليجبروا على أن يطلقوا، فبعد تمام الأربعة يجبرون، إما أن يفيئوا وإما أن يطلقوا أخذ بظاهر الفاء المفيدة للتعقيب، فإن فاءُوا عقب الأربعة فمعنى {فإن الله سميع عليم} إن الله سميع لطلاقهم: عليم بنيتهم فيه، وقيل عنهُ إن أبى من الطلاق والفئ بعد الأربعة طلق عنه الحاكم لما فات الإمساك بالمعروف، تعين التفريق بالإحسان وذلك عنده، إن طلبت المرأة حقها بعد الأربعة من مضاجعة وجماع، وإلا لم يدخل الحاكم ولا غيره بينهما وهى زوجته، فالتربص عنده فى الأربعة ألا يطالب بأحد الأمرين الفئ وعزم الطلاق، ولا يجبر ولو طلبت المرأة حقها، وعن سليمان بن يسار: أدركت بضعة وعشرين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كلهم يقول لا تبين بمضى الأربعة، بل إذا مضت أجبر أن يفئ أو يطلق، فإن أبى طلق الحاكم، وسواء فى الأربعة الحر والعبد، والحرة والأمة عندنا وعند الشافعى، لأن المدة ضربت لمعنى يرجع إلى الطبع، وهو قلة صبر المرأة عن الزوج، فيستوى الحر والعبد، وقال أبو حنيفة: إن كانت الزوجة أمة فشهران ولو كان الزوج حراً، وقال مالك إن كان الرجل عبداً فشهران، ولو كانت المرأة حرة، وسواء فى الإيلاء أن يحلف ألا يطأها هكذا لا يطأها أربعة أشهر أو أكثر أو ألا يطأها أقل كشهر، فيمد له إلى تمام الأربعة، وسواء لم يعلق بشئ، أو علق بطلاق أو عناق أو غير ذلك فيلزمه ما سمى، من ذلك ألا يحنث به مثل أن يقول: إن سمتها فعبدى حر فمسها عتق، وإن لم يعلق فمس لزمته كفارة مرسلة، وسواء فى الحلف أن يحلف غضبا عليها أو على غيرها أو لمصلحته أو لمصلحتها ومصلحة غيرهما، ومن ذلك أن يحلف لمصلحة الرضيع فإن لبن التى لا تطأ أفضل للرضيع، وليس الإيلاء هنا مشروطاً بذكر أداة القسم، فإنه يتحصل ولو بدون ذلك مثل أن يقول: إن مسستك فعبدى حر، أو فإنى غير مسلم، وإن كان كذا أو إن لم يكن لم أطأك، حتى إنه لو حلف بغير الله ففاء لزمته الكفارة بفيئه الذى قد نفر عنه، أولا بذكره غير الله حالفا به، وقيل إن حلف على أقل من أربعة أشهر فلا إيلاء، فإن وطئها قبل المدة التى حلف عليها لزمته الكفارة، وعن ابن مسعود رحمه الله: كل يمين منعت جماعا فهى إيلاء، فشملت ما درن الأربعة، وعمت ألفاظ الإيلاء إلا أنه إن حلف على موضع وطء فى غيره، ولا إيلاء، وإن الإجزء بها متصلا فلا إيلاء، وفروع الإيلاء فى كتب الفقه. قال قتادة: كان الإيلاء طلاقاً لأهل الجاهلية، وعن ابن عباس كان أهل الجاهلية إذا طلب الرجل من امرأته شيئا فأبت أن تعطيه حلف لا يقربها السنة والسنتين والثلاث فيدعها لا أيماً ولا ذات بعل، فجعل الإسلام ذلك أربعة أشهر، وعن سعيد بن المسيب: كان ذلك من ضرار الجاهلية، كان الرجل لا يحب امرأته ولا يحب أن يتزوجها غيره فيحلف ألا يقربها أبداً فيتركها لا أيما ولا ذات بعل، وكذا فى صدر الإسلام، فأزال الله الضرر عنهن وضرب للزوج مدّة يتكفر فيها ما يصلح لهُ، وعن مالك وعطاء: الإيلاء بالمغاضبة وإن آلا لإصلاح رضيع أو نحوه لم يلزمه حكم الإيلاء"

اطفيش

تفسير : {وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَٰقَ} بالتصميم على ترك الجماع حتى مضت الأربعة وقع الطلاق واحدا، وتزوجن بلا عدة بعد، بل الأربعة عدة سابقة ولا رجعة، وسمى ترك المراجعة وهى الفىء تطليقا وعدّه الله عليه {فَإِنَّ اللهَ} أى لأن الله {سَمِيعٌ عَلِيمٌ} لا يخفى عنه قولهم ولا عزمهم، وذلك مذهب أصحابنا ومذهب أبى حنيفة، وقال غيرهم من أصحاب المذاهب، فاءوا للجماع ولو بعد الأربعة فهن باقيات بلا طلاق، وإلا أجبرهم الإمام أو نحوه على الطلاق بعد الأربعة، وهن أزواجهن ما لم يطلقوا وإن أبوا طلق عليهم الإمام أو نحوه، وقال الشافعى: لا إيلاء إلا بأكثر من أربعة أشهر وبعد تمام ما زاد على الأربعة يجبر على الفىء أو الطلاق، وإن أبى طلق عليه نحو الإمام، وإن حلف على أربعة فلا حكم إيلاء عليه، ولكن إن فاء لزمته كفارة الحنث، كما عندنا، إن حلف على أقل من أربعة، وإنما يلحق الإيلاء إذا كان غضبها على المرأة، أو عقابا لها، أو أراد ولده مثلا ذلك أو صديقه أو نحو ذلك، أما إن آلى منها لئلا يلزمه غسل فى الشقاء، أو لئلا يلحقه هزله أو ليتم رضاع ولده فعندى لا إيلاء فى ذلك، فإن حنث فكفارة يمين، ثم رأيت بعضه لعلى بن أبى طالب، سأله رجل آلى من امرأته سنتين، فقال: لزمك حكم الإيلاء، فقال: إنما آليت لأنها ترضع ولدى، فقال: لا، إذن، وعبارة بعض، إنما الإيلاء لغضب، أى، أو لقصد إضرارها.

الالوسي

تفسير : {وَإِنْ عَزَمُواْ ٱلطَّلَـٰقَ} أي صمموا قصده بأن لم يفيئوا واستمرّوا على الإيلاء {فَإِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ} لإيلائهم الذي صار منهم طلاقاً بائناً بمضي العدة {عَلِيمٌ} بغرضهم من هذا الإيلاء فيجازيهم على وفق نياتهم، وهذا ما حمل عليه الحنفية هذه الآية فإنهم قالوا: الإيلاء من المرأة أن يقول: والله لا أقربك أربعة أشهر فصاعداً على التقييد بالأشهر، أو لا أقربك على الإطلاق، ولا يكون فيما دون ذلك عند الأئمة الأربعة وأكثر العلماء، خلافاً للظاهرية والنخعية وقتادة وحماد وابن أبـي جماد وإسحق حيث يصير عندهم مولياً في قليل المدة وكثيرها، وحكمه إن فاء إليها في المدّة بالوطء إن أمكن، أو بالقول إن عجز عنه صح الفيء وحنث القادر ولزمته كفارة اليمين ولا كفارة على العاجز، وإن مضت الأربعة بانت بتطليقة من غير مطالبة المرأة إيقاع الزوج/ أو الحكم، وقالت الشافعية: لا إيلاء إلا في أكثر من أربعة أشهر فلو قال: والله لا أقربك أربعة أشهر لا يكون إيلاء شرعاً عندهم ولا يترتب حكمه عليه بل هو يمين كسائر الأيمان، إن حنث كفَّر، وإن برّ فلا شيء عليه، وللمولي التلبث في هذه المدّة فلا يطالب بفيء ولا طلاق، فإن فاء في اليمين بالحنث فإنّ الله غفور رحيم للمولي إثم حنثه إذا كفر كما في الجديد، أو ما توخى بالإيلاء من ضرار المرأة ونحوه بالفيئة التي هي كالتوبة وإن عزم الطلاق فَإِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ لطلاقه {عَلِيمٌ} بنيته، وإذا مضت المدّة ولم يفىء ولم يطلق طولب بأحد الأمرين، فإن أبـى عنهما طلق عليه الحاكم؛ وأيد كون مدّته أكثر من أربعة أشهر بأن ـ الفاء ـ في الآية للتعقيب فتدل على أن حكم الإيلاء من الفيئة والطلاق يترتب عليه بعد مضي أربعة أشهر، فلا يكون الإيلاء في هذه المدّة إيلاءاً شرعاً لانتفاء حكمه ـ وبذلك اعترضوا على الحنفية ـ واعترضوا عليهم أيضاً بأنه لو لم يحتج إلى الطلاق بعد مضي المدة لزم وقوع الطلاق من غير موقع، وإن النص يشير إلى أنه مسموع، فلو بانت من غير طلاق لا يكون هٰهنا شيء مسموع، وأجيب عن الأوّل بأن ـ الفاء ـ للتعقيب في الذكر، وعن الثاني بأن المسموع ما يقارن ذلك الترك من المقاولة والمجادلة وحديث النفس به كما يسمع وسوسة الشيطان عليهم بما استمرّوا عليه من الظلم أو الإيلاء الذي صار طلاقاً بائناً بالمضي، وهذا أنسب بقوله سبحانه وتعالى: {وَانٍ عَزَمُواْ ٱلطَّلَـٰقَ} حيث اكتفى بمجرّد العزم بخلاف ما قالته الشافعية من أنه يحتاج إلى الطلاق بعد مضي المدة فإنه يحتاج إلى التقدير، وبعده لا يحتاج إلى (عزموا) أو يحتاج إلى جعل (عزم الطلاق) كناية عنه، فما قيل: من أن الآية بصريحها مع الشافعي ليس في محله، وقد ذهب إلى ما ذهب إليه أبو حنيفة وكثير من الإمامية. وأخرج عبد بن حميد عن علي كرم الله تعالى وجهه قال: الإيلاء إيلاءان إيلاء في الغضب، وإيلاء في الرضا، فأمّا الإيلاء في الغضب فإذا مضت أربعة أشهر فقد بانت منه، وأمّا ما كان في الرضا فلا يؤاخذ به. وأخرج عبد الرزاق عن سعيد بن جبير رضي الله تعالى عنهما قال: أتى رجل علياً كرم الله تعالى وجهه فقال: إني حلفت أن لا آتي امرأتي سنتين فقال: ما أراك إلا قد آليت، قال إنما حلفت من أجل أنها ترضع ولدي، قال فلا إذاً. وروي عن إبراهيم «ما أعلم الإيلاء إلا في الغضب لقوله سبحانه وتعالى: {أية : فَإِنْ فَآءُو} تفسير : [البقرة: 226] وإنما الفيء من الغضب» وروي ذلك عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما. واستدل بعموم الآية على صحة الإيلاء من الكافر، وبأي يمين كان، ومن غير المدخول بها والصغيرة والخصي وأن العبد تضرب له الأربعة أشهر كالحر. واستدل بتخصيص هذا الحكم بالمولي على أنّ من ترك الوطء ضراراً بلا يمين لا يلزمه شيء، وما روي عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت وهي تعظ خالد بن سعيد المخزومي وقد بلغها أنه هجر امرأته: إياك يا خالد وطول الهجر، فإنك قد سمعت ما جعل الله تعالى للمولي من الأجل محمول على إرادة العطف والتحذير من التشبه بالإيلاء.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلطَّلاَقَ} (227) - أمَّا إذا مَضَتِ الأشْهُرُ الأرْبَعَةُ المُحَدَّدَةُ، فَقَدِ اخْتَلَفَ الفُقَهَاءُ حَوْلَ مَسْأَلَةِ وُقُوعِ الطَّلاقِ بِمُجَرَّدِ انْقِضَاءِ المُدَّةِ، وَأكْثَرُهُمْ عَلَى أنَّ الطَّلاقَ لاَ يَقَعُ، فَإذا لَمْ يُطَلِّقْهَا أُلْزِمَ بالطَّلاَقِ. وَاللهُ سَمِيعٌ لأيْمَانِهِمْ، عَلِيمٌ بِأحْوَالِهِمْ، وَسَيُحَاسِبُهُمْ عَلَى ذَلِكَ يَوْمَ القِيَامَةِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : واختلف العلماء؛ هل تطلق الزوجة طلقة بائنة أم طلقة رجعية؟ ومعنى "طلاق رجعي" مأخوذ من اللفظ نفسه، أي أن الزوج له الحق أن يراجع امرأته دون إذن منها أو رضاً. أما الطلاق البائن فإنه لا عودة إلا إذا عَقَد عليها عقداً جديداً بمهر جديد. والطلاق في الإيلاء بينونة صغرى وهي التي تحتاج إلى عقد ومهر جديدين، هذا إذا لم يسبق طلاقان. والبينونة الكبرى وهي التي توصف بأنها ذات الثلاث، فالزوجة فيها تطلق ثلاث مرات، فلا يصح أن يعيدها الزوج إلا إذا تزوجت زوجاً غيره، وعاشت معه حياة زوجية كاملة، ثم طلقها لأي سبب من الأسباب، وبعد ذلك يحق لزوجها القديم أن يراجعها ويعيدها إليه بعقد ومهر جديدين، لكن بعد أن يكتوي بغيرة زواجها من رجل آخر. والحق سبحانه وتعالى يعرض هذه المسألة فيقول: {أية : لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَآءُو فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ * وَإِنْ عَزَمُواْ ٱلطَّلاَقَ فَإِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}تفسير : [البقرة: 226-227]. فالإسلام دين واقعي يعطي الزوج المسلم أشياء تنفس عن غضبه، وأشياء تمكنه من أن يؤدب زوجته، ولكن الإسلام لا يحب أن يتمادى الرجل في التأديب. وإذا تمادى وتجاوز الأربعة الأشهر نقول له: لابد أن يوجد حد فاصل. وبعد ذلك ينتقل الحق سبحانه وتعالى في التكليف إلى أن يتكلم عن الطلاق وقد تكلم من قبل عن الزواج والإيلاء حتى وصل الطلاق. وعندما نتأمل موقف الإسلام من الطلاق نجده يتكلم كلاماً واقعياً يناسب الميول الإنسانية؛ لأننا ما دمنا أغياراً فمن الممكن أن يطرأ على حياة الزوجين أحداث أو مشاعر لم تكن في الحسبان ساعة الزواج. ويجوز أن يكون الإنسان في ساعة الزواج مدفوعاً بحرارة ملكة واحدة، وبعد ذلك عندما يجئ واقع الحياة تتملكه ملكات متعددة، وقد تسيطر عليه المسألة الجنسية، وتدفعه للزواج، وفي سبيل إرضاء شهوته الجنسية قد يهمل بقية ملكات نفسه، فإذا ما دخل واقع الزواج وهدأت شِرّة وحرارة غرائز الإنسان تتنبه نفس الإنسان إلى مقاييس أخرى يريد أن يراها في زوجته فلا يجدها ويتساءل ما الذي أخفاها عنه؟ أخفاها سعار وعرامة النظرة الجنسية، فقد نظر للمرأة قبل الزواج من زاوية واحدة، ولم ينظر لباقي الجوانب. مثلا قد يجد الزوج أن أخلاق الزوجة تتنافر مع أخلاقه، وقد يجد تفكيرها وثقافتها تتنافر مع تفكيره وثقافته، وربما وجد عدم التوافق العاطفي بينه وبينها ولم يحدث تآلف نفسي بينهما، والعواطف - كما نعلم - ليس لها قوانين. فمن الجائز أن يكون الرجل غير قادر على الاكتفاء بوليمة جنسية واحدة، فهو لذلك لا يبني حياته على طهر، وإنما يريد من امرأته أن تكون طاهرة عفيفة في حياتها معه، بينما يعطي لنفسه الحرية في أن يعدد ولائمه الجنسية مع أكثر من امرأة، وربما يحدث العكس، وذلك أن يجد الرجل أنّ امرأة واحدة تكفيه، لكن المرأة تريد أكثر من رجل. وقد يكون الرجل طاهر الأسلوب في الحياة، وتكون زوجته راغبة في أن يأتيها بالمال من أي طريق، فيختلفان. وقد تكون المرأة طاهرة الأسلوب في الحياة فلا ترضى أن يتكسب زوجها من مال حرام. من هنا يأتي الشقاق، إن الشقاق يأتي عندما يريد أحد الزوجين أن تكون حياتهما نظيفة طاهرة، مستقيمة، ولا يرى الآخر ذلك. مثل هذه الصورة موجودة في الواقع حولنا، فكم من بيوت تشقى عندما تختفي الوحدة الأسرية، وتختلف نظرة أحد الزوجين للأمور عن الآخر. وهذا هو سبب الشقاق الذي يحدث بين الزوجين عندما لا يكتفي أحد الزوجين بصاحبه. ولو اتفق رجل وامرأته على العفاف، والطهر، والخيرية لاستقامت أمور حياتهما. ولذلك يأتي الإسلام بتشريعاته السامية لتناسب كل ظروف الحياة فيقول الحق سبحانه: {وَٱلْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوۤءٍ وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ فِيۤ أَرْحَامِهِنَّ ...}.