٢ - ٱلْبَقَرَة
2 - Al-Baqara (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
228
Tafseer
الرازي
تفسير : قوله تعالى: {وَٱلْمُطَلَّقَـٰتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِن ثَلَـٰثَةَ قُرُوء وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ فِى أَرْحَامِهِنَّ إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلأَخِرِ }. اعلم أنه تعالى ذكر في هذا الموضع أحكاماً كثيرة للطلاق: فالحكم الأول للطلاق وجوب العدة: اعلم أن المطلقة هي المرأة التي أوقع الطلاق عليها، وهي إما أن تكون أجنبية أو منكوحة، فإن كانت أجنبية فإذا أوقع الطلاق عليها فهي مطلقة بحسب اللغة، لكنها غير مطلقة بحسب عرف الشرع، والعدة غير واجبة عليها بالإجماع، وأما المنكوحة فهي إما أن تكون مدخولاً بها أو لا تكون، فإن لم تكن مدخولاً بها لم تجب العدة عليها، قال الله تعالى: {أية : إِذَا نَكَحْتُمُ ٱلْمُؤْمِنَـٰتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا } تفسير : [الأحزاب: 49] وأما إن كانت مدخولاً بها فهي إما أن تكون حائلاً أو حاملاً، فإن كانت حاملاً فعدتها بوضع الحمل لا بالإقراء قال الله تعالى: {أية : وَأُوْلَـٰتُ ٱلأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ } تفسير : [الطلاق: 4] وأما إن كانت حائلاً فأما أن يكون الحيض ممكناً في حقها أو لا يكون فإن امتنع الحيض في حقها إما للصغر المفرط، أو للكبر المفرط كانت عدتها بالأشهر لا بالإقراء، قال الله تعالى: {أية : وَٱللاَّئِى يَئِسْنَ مِنَ ٱلْمَحِيضِ } تفسير : [الطلاق: 4] وأما إذا كان الحيض في حقها ممكناً فإما أن تكون رقيقة، وإما أن تكون حرة، فإن كانت رقيقة كانت عدتها بقرأين لا بثلاثة، أما إذا كانت المرأة منكوحة، وكانت مطلقة بعد الدخول، وكانت حائلاً، وكانت من ذوات الحيض وكانت حرة، فعند اجتماع هذه الصفات كانت عدتها بالإقراء الثلاثة على ما بين الله حكمها في هذه الآية، وفي الآية سؤالات: السؤال الأول: العام إنما يحسن تخصيصه إذا كان الباقي بعد التخصيص أكثر من حيث أنه جرت العادة بإطلاق لفظ الكل على الغالب، يقال في الثوب: إنه أسود إذا كان الغالب عليه السواد، أو حصل فيه بياض قليل، فأما إذا كان الغالب عليه البياض، وكان السواد قليلاً، كان انطلاق لفظ الأسود عليه كذباً، فثبت أن الشرط في كون العام مخصوصاً أن يكون الباقي بعد التخصيص أكثر، وهذه الآية ليست كذلك فإنكم أخرجتم من عمومها خمسة أقسام وتركتم قسماً واحداً، فإطلاق لفظ العام في مثل هذا الموضع لا يليق بحكمة الله تعالى. والجواب: أما الأجنبية فخارجة عن اللفظ فإن الأجنبية لا يقال فيها: إنها مطلقة، وأما غير المدخول بها فالقرينة تخرجها لأن المقصود من العدة براءة الرحم، والحاجة إلى البراءة لا تحصل إلا عند سبق الشغل، وأما الحامل والآيسة فهما خارجتان عن اللفظ لأن إيجاب الاعتداد بالإقراء إنما يكون حيث تحصل الإقراء، وهذان القسمان لم تحصل الإقراء في حقهما، وأما الرقيقة فتزويجها كالنادر فثبت أن الأعم الأغلب باق تحت هذا العموم. السؤال الثاني: قوله: {يَتَرَبَّصْنَ } لا شك أنه خبر، والمراد منه الأمر فما الفائدة في التعبير عن الأمر بلفظ الخبر. والجواب من وجهين: الأول: أنه تعالى لو ذكره بلفظ الأمر لكان ذلك يوهم أنه لا يحصل المقصود إلا إذا شرعت فيها بالقصد والاختيار، وعلى هذا التقدير فلو مات الزوج ولم تعلم المرأة ذلك حتى انقضت العدة وجب أن لا يكون ذلك كافياً في المقصود، لأنها لما كانت مأمورة بذلك لم تخرج عن العهدة إلا إذا قصدت أداء التكليف، أما لما ذكر الله تعالى هذا التكليف بلفظ الخبر زال ذلك الوهم، وعرف أنه مهماً انقضت هذه العدة حصل المقصود، سواء علمت ذلك أو لم تعلم وسواء شرعت في العدة بالرضا أو بالغضب الثاني: قال صاحب «الكشاف»: التعبير عن الأمر بصيغة الخبر يفيد تأكيد الأمر إشعاراً بأنه مما يجب أن يتعلق بالمسارعة إلى امتثاله، فكأنهن امتثلن الأمر بالتربص فهو يخبر عنه موجوداً، ونظيره قولهم في الدعاء: رحمك الله أخرج في صورة الخبر ثقة بالإجابة كأنها وجدت الرحمة فهو يخبر عنها. السؤال الثالث: لو قال يتربص المطلقات: لكان ذلك جملة من فعل وفاعل، فما الحكمة في ترك ذلك، وجعل المطلقات مبتدأ، ثم قوله: {يتربصن} إسناد الفعل إلى الفاعل، ثم جعل هذه الجملة خبراً عن ذلك المبتدأ. الجواب: قال الشيخ عبد القاهر الجرجاني في كتاب «دلائل الإعجاز»: إنك إذا قدمت الاسم فقلت: زيد فعل فهذا يفيد من التأكيد والقوة ما لا يفيده قولك: فعل زيد، وذلك لأن قولك: زيد فعل يستعمل في أمرين أحدهما: أن يكون لتخصيص ذلك الفاعل بذلك الفعل، كقولك: أنا أكتب في المهم الفلاني إلى السلطان، والمراد دعوى الإنسان الانفراد الثاني: أن لا يكون المقصود ذلك، بل المقصود أن تقديم ذكر المحدث عنه بحديث كذا لإثبات ذلك الفعل، كقولهم: هو يعطي الجزيل لا يريد الحصر، بل أن يحقق عند السامع أن إعطاء الجزيل دأبه ومثله قوله تعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقون }تفسير : [النحل: 20] ليس المراد تخصيص المخلوقية وقوله تعالى: {أية : وَإِذَا جَاءوكُمْ قَالُواْ ءَامَنَّا وَقَدْ دَّخَلُواْ بِٱلْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُواْ بِهِ } تفسير : [المائدة: 61] وقول الشاعر:شعر : هما يلبسان المجد أحسن لبسة شجيعان ما اسطاعا عليه كلاهما تفسير : والسبب في حصول هذا المعنى عند تقديم ذكر المبتدأ أنك إذا قلت: عبد الله، فقد أشعرت بأنك تريد الاخبار عنه، فيحصل في العقل شوق إلى معرفة ذلك فإذا ذكرت ذلك الخبر قبله العقل قبول العاشق لمعشوقه، فيكون ذلك أبلغ في التحقيق ونفي الشبهة. السؤال الرابع: هلا قيل: يتربصن ثلاثة قروء كما قيل: {أية : تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ } تفسير : [البقرة: 226] وما الفائدة في ذكر الأنفس. الجواب: في ذكر الأنفس تهييج لهن على التربص وزيادة بعث، لأن فيه ما يستنكفن منه فيحملهن على أن يتربصن، وذلك لأن أنفس النساء طوامح إلى الرجال فأراد أن يقمعن أنفسهن ويغلبنها على الطموح ويخبرنها على التربص. السؤال الخامس: لفظ (أنفس) جمع قلة، مع أنهن نفوس كثيرة، والقروء جمع كثرة، فلم ذكر جمع الكثرة مع أن المراد هذه القروء الثلاثة وهي قليلة. والجواب: أنهم يتسعون في ذلك فيستعملون كل واحد من الجمعين مكان الآخر لاشتراكهما في معنى الجمعية، أو لعل القروء كانت أكثر استعمالاً في جمع قرء من الإقراء. السؤال السادس: لم لم يقل: ثلاث قروء، كما يقال: ثلاثة حيض. الجواب: لأنه أتبع تذكير اللفظ ولفظ القروء مذكر فهذا ما يتعلق بالسؤالات في هذه الآية وبقى من الكلام في هذه الآية مسألة واحدة في حقيقة القروء، فنقول: القروء جمع قرء وقرء، ولا خلاف أن اسم القرء يقع على الحيض والطهر، قال أبو عبيدة: الإقراء من الأضداد في كلام العرب، والمشهور أنه حقيقة فيهما كالشفق اسم للحمرة والبياض جميعاً، وقال آخرون إنه حقيقة في الحيض، مجاز في الطهر، ومنهم من عكس الأمر، وقال قائلون: إنه موضوع بحيثية معنى واحد مشترك بين الحيض والطهر، والقائلون بهذا القول اختلفوا على ثلاثة أقوال فالأول: أن القرء هو الاجتماع، ثم في وقت الحيض يجتمع الدم في الرحم، وفي وقت الطهر يجتمع الدم في البدن، وهو قول الأصمعي والأخفش والفراء والكسائي. والقول الثاني: وهو قول أبـي عبيد: أنه عبارة عن الانتقال من حالة إلى حالة. والقول الثالث: وهو قول أبـي عمرو بن العلاء: أن القرء هو الوقت، يقال: أقرأت النجوم إذا طلعت، وأقرأت إذا أفلت، ويقال: هذا قارىء الرياح لوقت هبوبها، وأنشدوا للهذلي:شعر : إذا هبـت لقارئهـا الريـاح تفسير : وإذا ثبت أن القرء هو الوقت دخل فيه الحيض والطهر، لأن لكل واحد منهما وقتاً معيناً، واعلم أنه تعالى أمر المطلقة أن تعتد بثلاثة قروء، والظاهر يقتضي أنها إذا اعتدت بثلاثة أشياء تسمى ثلاثة أقراء إن تخرج عن عهدة التكليف، إلا أن العلماء أجمعوا على أنه لا يكفي ذلك، بل عليها أن تعتد بثلاثة أقراء من أحد الجنسين، واختلفوا فيه فمذهب الشافعي رضي الله عنه أنها الأطهار، روي ذلك عن ابن عمر، وزيد، وعائشة، والفقهاء السبعة، ومالك، وربيعة، وأحمد رضي الله عنهم في رواية، وقال علي وعمر وابن مسعود هي الحيض، وهو قول أبـي حنيفة، والثوري والأوزاعي وابن أبـي ليلى، وابن شبرمة، وإسحاق رضي الله عنهم، وفائدة الخلاف أن مدة العدة عند الشافعي أقصر، وعندهم أطول، حتى لو طلقها في حال الطهر يحسب بقية الطهر قرءاً وإن حاضت عقيبه في الحال، فإذا شرعت في الحيضة الثالثة انقضت عدتها، وعند أبـي حنيفة رضي الله عنه ما لم تطهر من الحيضة الثالثة إن كان الطلاق في حال الطهر، ومن الحيضة الرابعة إن كان في حال الحيض لا يحكم بانقضاء عدتها، ثم قال إذا طهرت لأكثر الحيض تنقضي عدتها قبل الغسل وإن طهرت لأقل الحيض لم تنقض عدتها حتى تغتسل أو تتيمم عند عدم الماء، أو يمضي عليها وقت صلاة، حجة الشافعي من وجوه: الحجة الأولى: قوله تعالى: {أية : فَطَلّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ } تفسير : [الطلاق: 1] ومعناه في وقت عدتهن، لكن الطلاق في زمان الحيض منهي عنه فوجب أن يكون زمان العدة غير زمان الحيض، أجاب صاحب «الكشاف» عنه فقال بمعنى مستقبلات لعدتهن، كما يقول لثلاث بقين من الشهر، يريد مستقبلاً لثلاث، وأقول هذا الكلام يقوى استدلال الشافعي رضي الله عنه لأن قول القائل لثلاث بقين من الشهر معناه لزمان يقع الشروع في الثلاث عقيبه، فكذا ههنا قوله: {فَطَلّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ } معناه طلقوهن بحيث يحصل الشروع في العدة عقيبه، ولما كان الأمر حاصلاً بالتطليق في جميع زمان الطهر وجب أن يكون الطهر الحاصل عقيب زمان التطليق من العدة، وذلك هو المطلوب. الحجة الثانية: ما روي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: هل تدرون الأقراء؟ الأقراء الأطهار، ثم قال الشافعي رضي الله عنه: والنساء بهذا أعلم، لأن هذا إنما يبتلي به النساء. الحجة الثالثة: (القرء) عبارة عن الجمع، يقال: ما قرأت الناقة نسلاً قط، أي ما جمعت في رحمها ولداً قط ومنه قول عمرو بن كلثوم:شعر : هجـان اللون لم تقـرأ جنينـا تفسير : وقال الأخفش يقال: ما قرأت حيضة، أي ما ضمت رحمها على حيضة، وسمي الحوض مقرأة لأنه يجتمع فيه الماء، واقرأت النجوم إذا اجتمعت للغروب، وسمي القرآن قرآناً لاجتماع حروفه وكلماته ولاجتماع العلوم الكثيرة فيه، وقرأ القارىء أي جمع الحروف بعضها إلى بعض. إذا ثبت هذا فنقول: وقت اجتماع الدم إنما هو زمان الطهر لأن الدم يجتمع في ذلك الزمان في البدن. فإن قيل: لم لا يجوز أن يقال: بل زمان الحيض أولى بهذا الاسم، لأن الدم يجتمع في هذا الزمان في الرحم. قلنا: الدماء لا تجتمع في الرحم ألبتة بل تنفصل قطرة قطرة أما وقت الطهر فالكل مجتمع في البدن فكان معنى الاجتماع في وقت الطهر أتم، وتمام التقرير فيه أن اسم القرء لما دل على الاجتماع فأكثر أحوال الرحم اجتماعاً واشتمالاً في الدم آخر الطهر، إذ لو لم تمتلىء بذلك الفائض لما سالت إلى الخارج، فمن أولى الطهر يأخذ في الاجتماع والازدياد إلى آخره، والآخر هو حال كمال الاجتماع فكان آخر الطهر هو القرء في الحقيقة وهذا كلام بين. الحجة الثالثة: أن الأصل أن لا يكون لأحد على أحد من العقلاء المكلفين حق الحبس والمنع من التصرفات تركنا العمل به عند قيام الدليل عليه، وهو أقل ما يسمى بالإقراء الثلاثة وهي الأطهار، لأن الاعتداد بالأطهار أقل زماناً من الاعتداد بالحيض، فلما كان كذلك أثبتنا الأقل ضرورة العمل بهذه الآية وطرحنا الأكثر وفاء بالدلائل الدالة على أن الأصل أن لا يكون لأحد على غيره قدرة الحبس والمنع. الحجة الرابعة: أن ظاهر قوله تعالى: {وَٱلْمُطَلَّقَـٰتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَـٰثَةَ قُرُوء } يقتضي أنها إذا اعتدت بثلاثة أشياء تسمى أقراء أن تخرج عن العهدة، وكل واحد من الطهر ومن الحيض يسمى بهذا الاسم، فوجب أن تخرج المرأة عن العهدة بأيهما كان على سبيل التخيير، إلا أنا بينا أن مدة العدة بالأطهار أقل من مدة العدة بالحيض، فعلى هذا تكون المرأة مخيرة بين أن تعتد بالمدة الناقصة أو بالمدة الزائدة، وإذا كان كذلك كانت متمكنة من أن تترك القدر الزائد لا إلى بدل، وكل ما كان كذلك لم يكن واجباً فإذن الاعتداد بالقدر الزائد على مدة الأطهار غير واجب وذلك يقتضي أن لا يكون الاعتداد بمدة الحيض واجباً وهو المطلوب، حجة أبـي حنيفة رضي الله عنه من وجوه الأول: أن الأقراء في اللغة وإن كانت مشتركة بين الأطهار والحيض إلا أن في الشرع غلب استعمالها في الحيض، لما روي عن النبـي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : دعي الصلاة أيام أقرائك»تفسير : وإذا ثبت هذا كان صرف الأقراء المذكورة في القرآن إلى الحيض أولى. الحجة الثانية: أن القول بأن الأقراء حيض يمكن معه استيفاء ثلاثة أقراء بكمالها لأن هذا القائل يقول: إن المطلقة يلزمها تربص ثلاث حيض، وإنما تخرج عن العهدة بزوال الحيضة الثالثة ومن قال: إنه طهر يجعلها خارجة من العدة بقرأين وبعض الثالث، لأن عنده إذا طلقها في آخر الطهر تعتد بذلك قرءاً فإذا كان في أحد القولين تكمل الأقراء الثلاثة دون القول الآخر كان القول الأول أليق بالظاهر، أجاب الشافعي رضي الله عنه عن ذلك أن الله قال: {أية : ٱلْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَـٰتٌ } تفسير : [البقرة: 197] والأشهر جمع وأقله ثلاثة، ثم إنا حملنا الآية على شهرين وبعض الثالث، وذلك هو شوال، وذو القعدة، وبعض ذو الحجة، فكذا ههنا جاز أن تحمل هذه الثلاثة على طهرين وبعض طهر، أجاب الجبائي من شيوخ المعتزلة عن هذا الجواب من وجهين الأول: أنا تركنا الظاهر في تلك الآية لدليل، فلم يلزمنا أن نترك الظاهر ههنا من غير دليل والثاني: أن في العدة تربصاً متصلاً، فلا بد من استيفاء الثلاثة وليس كذلك أشهر الحج، لأنه ليس فيها فعل متصل، فكأنه قيل: هذه الأشهر وقت الحج لا على سبيل الإستغراق، وأجاب المتأخرون من أصحابنا عن هذه الحجة من وجهين الأول: كما أن حمل الأقراء على الأطهار يوجب النقصان عن الثلاثة، فحمله على الحيض يوجب الزيادة، لأنه إذا طلقها في أثناء الطهر كان ما بقي من الطهر غير محسوب من العدة فتحصل الزيادة وعذرهم عنه أن هذه لا بد من تحملها لأجل الضرورة، لأنه لو جاز الطلاق في الحيض لأمرناه بالطلاق في آخر الحيض حتى تعتد بأطهار كاملة، وإذا اختص الطلاق بالطاهر صارت تلك الزيادة متحملة للضرورة، فنحن أيضاً نقول: لما صارت الأقراء مفسرة بالأطهار، والله تعالى أمرنا بالطلاق في الطهر، صار تقدير الآية يتربصن بأنفسهن ثلاثة أطهار طهر الطلاق فيه. والوجه الثاني:في الجواب أنّا بينا أن القرء اسم للاجتماع وكمال الاجتماع إنما يحصل في آخر الطهر قرءاً تاماً، وعلى هذا التقدير لم يلزم دخول النقصان في شيء من القرء. الحجة الثالثة: لهم: أنه تعالى نقل إلى الشهور عند عدم الحيض فقال: {أية : وَٱللاَّئِى يَئِسْنَ مِنَ ٱلْمَحِيضِ مِن نّسَائِكُمْ إِنِ ٱرْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَـٰثَةُ أَشْهُرٍ } تفسير : [الطلاق: 4] فأقام الأشهر مقام الحيض دون الأطهار وأيضاً لما كان الأشهر شرعت بدلاً عن الأقراء والبدل يعتبر بتمامها، فإن الأشهر لا بد من إتمامها وجب أيضاً أن يكون الكمال معتبراً في المبدل، فلا بد وأن تكون الأقراء الكاملة هي الحيض، أما الأطهار فالواجب فيها قرءان وبعض. الحجة الرابعة: لهم: قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : طلاق الأمة تطليقتان، وعدتها حيضتان» تفسير : وأجمعوا على أن عدة الأمة نصف عدة الحرة، فوجب أن تكون عدة الحرة هي الحيض. الحجة الخامسة: أجمعنا على أن الاستبراء في شراء الجواري يكون بالحيضة، فكذا العدة تكون بالحيضة، لأن المقصود من الاستبراء والعدة شيء واحد. الحجة السادسة: لهم: أن الغرض الأصلي في العدة استبراء الرحم، والحيض هو الذي تستبرأ به الأرحام دون الطهر، فوجب أن يكون المعتبر هو الحيض دون الطهر. الحجة السابعة: لهم: أن القول بأل القروء هي الحيض احتياط وتغليب لجانب الحرمة، لأن المطلقة إذا مر عليها بقية الطهر وطعنت في الحيضة الثالثة فإن جعلنا القرء هو الحيض، فحينئذ يحرم للغير التزوج بها، وإن جعلنا القرء طهراً، فحينئذ يحل للغير التزوج بها، وجانب التحريم أولى بالرعاية، لقوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ما اجتمع الحرام والحلال إلا وغلب الحرام الحلال» تفسير : ولأن الأصل في الإبضاع الحرمة، ولأن هذا أقرب إلى الاحتياط، فكان أولى لقوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» تفسير : فهذا جملة الوجوه في هذا الباب. واعلم أن عند تعارض هذه الوجوه تضعف الترجيحات، ويكون حكم الله في حق الكل ما أدى اجتهاده إليه. أما قوله تعالى: {وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ فِى أَرْحَامِهِنَّ } فاعلم أن انقضاء العدة لما كان مبنياً على انقضاء القرء في حق ذوات الأقراء، وضع الحمل في حق الحامل، وكان الوصول إلى علم ذلك للرجال متعذراً جعلت المرأة أمينة في العدة، وجعل القول قولها إذا ادعت انقضاء قرئها في مدة يمكن ذلك فيها، وهو على مذهب الشافعي رضي الله عنه اثنان وثلاثون يوماً وساعة، لأن أمرها يحمل على أنها طقلت طاهرة فحاضت بعد سعة، ثم حاضت يوماً وليلة وهو أقل الحيض، ثم طهرت خمسة عشر يوماً وهو أقل الطهر، مرة أخرى يوماً وليلة، ثم طهرت خمسة عشر يوماً، ثم رأت الدم فقد انقضت عدتها بحصول ثلاثة أطهار، فمتى ادعت هذا أو أكثر من هذا قبل قولها، وكذلك إذا كانت حاملاً فادعت أنها أسقطت كان القول قولها، لأنها على أصل أمانتها. واعلم أن للمفسرين في قوله: {مَا خَلَقَ ٱللَّهُ فِى أَرْحَامِهِنَّ } ثلاثة أقوال الأول: أنه الحبل والحيض معاً، وذلك لأن المرأة لها أغراض كثيرة في كتمانهما، أما كتمان الحبل فإن غرضها فيه أن انقضاء عدتها بالقروء أقل زماناً من انقضاء عدتها بوضع الحمل، فإذا كتمت الحبل قصرت مدة عدتها فتزوج بسرعة، وربما كرهت مراجعة الزوج الأول، وربما أحبت التزوج بزوج آخر. أو أحبت أن يلتحق ولدها بالزوج الثاني، فلهذه الأغراض تكتم الحبل، وأما كتمان الحيض فغرضها فيه أن المرأة إذا طلقها الزوج وهي من ذوات الأقراء فقد تحب تطويل عدتها لكي يراجعها الزوج الأول، وقد تحب تقصير عدتها لتبطيل رجعته ولا يتم لها ذلك إلا بكتمان بعض الحيض في بعض الأوقات لأنها إذا حاضت أولاً فكتمته، ثم أظهرت عند الحيضة الثانية أن ذلك أول حيضها فقد طولت العدة، وإذا كتمت أن الحيضة الثالثة وجدت فكمثل، وإذا كتمت أن حيضها باق فقد قطعت الرجعة على زوجها، فثبت أنه كما أن لها غرضاً في كتمان الحبل، فكذلك في كتمان الحيض، فوجب حمل النهي على مجموع الأمرين. القول الثاني: أن المراد هو النهي عن كتمان الحمل فقط، واحتجوا عليه بوجوه أحدها: قوله تعالى: {أية : هُوَ ٱلَّذِي يُصَوّرُكُمْ فِي ٱلأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاء } تفسير : [آل عمران:6] وثانيها: أن الحيض خارج عن الرحم لا أنه مخلوق في الرحم وثالثها: أن حمل قوله تعالى: {مَا خَلَقَ ٱللَّهُ فِى أَرْحَامِهِنَّ } على الولد الذي هو جوهر شريف، أولى من حمله على الحيض الذي هو شيء في غاية الخساسة والقذر، واعلم أن هذه الوجوه ضعيفة، لأنه لما كان المقصود منعها عن إخفاء هذه الأحوال التي لا اطلاع لغيرها عليها، وبسببها تختلف أحوال الحرمة والحل في النكاح، فوجب حمل اللفظ على الكل. القول الثالث: المراد هو النهي عن كتمان الحيض، لأن هذه الآية وردت عقيب ذكر الأقراء، ولم يتقدم ذكر الحمل، وهذا أيضاً ضعيف، لأن قوله: {وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ فِى أَرْحَامِهِنَّ } كلام مستأنف مستقل بنفسه من غير أن يضاف إلى ما تقدم، فيجب حمله على كل ما يخلق في الرحم. أما قوله تعالى: {إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلأَخِرِ } فليس المراد أن ذلك النهي مشروط بكونها مؤمنة، بل هذا كما تقول للرجل الذي يظلم: إن كنت مؤمناً فلا تظلم، تريد إن كنت مؤمناً فينبغي أن يمنعك إيمانك عن ظلمي، ولا شك أن هذا تهديد شديد على النساء، وهو كما قال في الشهادة {أية : وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ ءاثِمٌ قَلْبُهُ } تفسير : [البقرة: 283] وقال: {أية : فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا فَلْيُؤَدّ ٱلَّذِى ٱؤْتُمِنَ أَمَـٰنَتَهُ وَلْيَتَّقِ ٱللَّهَ رَبَّهُ }تفسير : [البقرة: 283] والآية دالة على أن كل من جعل أميناً في شيء فخان فيه فأمره عند الله شديد. قوله تعالى: { وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن أرادوا إصلاحاً ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة والله عزيز حكيم}. اعلم أن هذا هو الحكم الثاني للطلاق وهو الرجعية، وفي البعولة قولان أحدهما: أنه جمع بعل، كالفحولة والذكورة والجدودة والعمومة، وهذه الهاء زائدة مؤكدة لتأنيث الجماعة ولا يجوز إدخالها في كل جمع بل فيما رواه أهل اللغة عن العرب، فلا يقال في كعب: كعوبه، ولا في كلب: كلابة، واعلم أن اسم البعل مما يشترك فيه الزوجان فيقال للمرأة بعلة، كما يقال لها زوجة في كثير من اللغات، وزوج في أفصح اللغات فهما بعلان، كما أنهما زوجان، وأصل البعل السيد المالك فيما قيل، يقال: من بعل هذه الناقة؟ كما يقال: من ربها، وبعل اسم صنم كانوا يتخدونه رباً، وقد كان النساء يدعون أزواجهن بالسودد. القول الثاني: أن العبولة مصدر، يقال: بعل الرجل يبعل بعولة، إذا صار بعلاً، وباعل الرجل امرأته إذا جامعها، وفي الحديث أن النبـي صلى الله عليه وسلم قال في أيام التشريق: «حديث : أنها أيام أكل وشرب وبعال» تفسير : وامرأته حسنة البعل إذا كانت تحسن عشرة زوجها، ومنه الحديث «حديث : إذا أحسنتن ببعل أزواجكن» تفسير : وعلى هذا الوجه كان معنى الآية: وأهل بعولتهن. وأما قوله: {أَحَقُّ بِرَدّهِنَّ فِي ذٰلِكَ } فالمعنى: أحق برجعتهن في مدة ذلك التربص وههنا سؤالات: السؤال الأول: ما فائدة قوله: {أَحَقُّ } مع أنه لا حق لغير الزوج في ذلك. الجواب من وجهين الأول: أنه تعالى قال قبل هذه الآية: {وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ فِى أَرْحَامِهِنَّ } كان تقدير الكلام: فإنهن إن كتمن لأجل أن يتزوج بهن زوج آخر، فإذا فعلن ذلك كان الزوج الأول أحق بردهن، وذلك لأنه ثبت للزوج الثاني حق في الظاهر، فبين أن الزوج الأول أحق منه، وكذا إذا ادعت انقضاء أقرائها ثم علم خلافه فالزوج الأول أحق من الزوج الآخر في العدة الثاني: إذا كانت معتدة فلها في مضي العدة حق انقطاع النكاح فلما كان لهن هذا الحق الذي يتضمن إبطال حق الزوج جاز أن يقول: {وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ } من حيث إن لهم أن يبطلوا بسبب الرجعة ما هن عليه من العدة. السؤال الثاني: ما معنى الرد؟. الجواب: يقال: رددته أي رجعته قال تعالى في موضع {أية : وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَىٰ رَبّى } تفسير : [الكهف: 36] وفي موضع آخر: {وَلَئِن رُّجّعْتُ }. السؤال الثالث: ما معنى الرد في المطلقة الرجعية؟ وهي ما دامت في العدة فهي زوجته كما كانت. الجواب: أن الرد والرجعة يتضمن إبطال التربص والتحري في العدة فهي ما دامت في العدة كأنه كانت جارية في إبطال حق الزوج وبالرجعة يبطل ذلك، فلا جرم سميت الرجعة رداً، لا سيما ومذهب الشافعي رضي الله عنه أنه يحرم الاستمتاع بها إلا بعد الرجعة، ففي الرد على مذهبه شيئان أحدهما: ردها من التربص إلى خلافه الثاني: ردها من الحرمة إلى الحل. السؤال الرابع: ما الفائدة في قوله تعالى: {فِي ذٰلِكَ }. الجواب: أن حق الرد إنما يثبت في الوقت الذي هو وقت التربص، فإذا انقضى ذلك الوقت فقد بطل حق الردة والرجعة. أما قوله تعالى: {إِنْ أَرَادُواْ إِصْلَـٰحاً } فالمعنى أن الزوج أحق بهذه المراجعة إن أرادوا الإصلاح وما أرادوا المضارة، ونظيره قوله: {أية : وَإِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنّسَاء فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لّتَعْتَدُواْ وَمَن يَفْعَلْ ذٰلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نفسه} تفسير : [البقرة: 231] والسبب في هذه الآية أن في الجاهلية كانوا يرجعون المطلقات، ويريدون بذلك الإضرار بهن ليطلقوهن بعد الرجعة، حتى تحتاج المرأة إلى أن تعتد عدة حادثة، فنهوا عن ذلك، وجعل الشرط في حل المراجعة إرادة الإصلاح، وهو قوله: {إِنْ أَرَادُواْ إِصْلَـٰحاً }. فإن قيل: إن كلمة {إِنْ} للشرط، والشرط يقتضي انتفاء الحكم عند انتفائه، فيلزم إذا لم توجد إرادة الإصلاح أن لا يثبت حق الرجعة. والجواب: أن الإرادة صفة باطنة لا اطلاع لنا عليها، فالشرع لم يوقف صحة المراجعة عليها، بل جوازها فيما بينه وبين الله موقوف على هذه الإرادة، حتى إنه لو راجعها لقصد المضارة استحق الإثم. أما قوله تعالى: {وَلَهُنَّ مِثْلُ ٱلَّذِى عَلَيْهِنَّ } فاعلم أنه تعالى لما بين أنه يجب أن يكون المقصود من المراجعة إصلاح حالها، لا إيصال الضرر إليها بين أن لكل واحد من الزوجين حقاً على الآخر. واعلم أن المقصود من الزوجين لا يتم إلا إذا كان كل واحد منهما مراعياً حق الآخر، وتلك الحقوق المشتركة كثيرة، ونحن نشير إلى بعضها فأحدها: أن الزوج كالأمير والراعي، والزوجة كالمأمور والرعية، فيجب على الزوج بسبب كونه أميراً وراعياً أن يقوم بحقها ومصالحها، ويجب عليها في مقابلة ذلك إظهار الانقياد والطاعة للزوج وثانيها: روي عن ابن عباس أنه قال: «إني لأتزين لأمرأتي كما تتزين لي» لقوله تعالى: {وَلَهُنَّ مِثْلُ ٱلَّذِى عَلَيْهِنَّ } وثالثها: ولهن على الزوج من إرادة الإصلاح عند المراجعة، مثل ما عليهن من ترك الكتمان فيما خلق الله في أرحامهن، وهذا أوفق لمقدمة الآية. أما قوله تعالى: {وَلِلرّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ } ففيه مسألتان: المسألة الأولى: يقال: رجل بين الرجلة، أي القوة، وهو أرجل الرجلين أي أقواهما، وفرس رجيل قوي على المشي، والرجل معروف لقوته على المشي، وارتجل الكلام أي قوي عليه من غير حاجة فيه إلى فكرة وروية، وترجل النهار قوي ضياؤه، وأما الدرجة فهي المنزلة وأصلها من درجت الشيء أدرجه درجاً، وأدرجته إدراجاً إذا طويته، ودرج القوم قرناً بعد قرن أي فنوا ومعناه أنهم طووا عمرهم شيئاً فشيئاً، والمدرجة قارعة الطريق، لأنها تطوي منزلاً بعد منزل، والدرجة المنزلة من منازل الطريق، ومنه الدرجة التي يرتقي فيها. المسألة الثانية: اعلم أن فضل الرجل على المرأة أمر معلوم، إلا أن ذكره ههنا يحتمل وجهين الأول: أن الرجل أزيد في الفضيلة من النساء في أمور أحدها: العقل والثاني: في الدية والثالث: في المواريث والرابع: في صلاحية الإمامة والقضاء والشهادة والخامس: له أن يتزوج عليها، وأن يتسرى عليها، وليس لها أن تفعل ذلك مع الزوج والسادس: أن نصيب الزوج في الميراث منها أكثر من نصيبها في الميراث منه والسابع: أن الزوج قادر على تطليقها، وإذا طلقها فهو قادر على مراجعتها، شاءت المرأة أم أبت، أما المرأة فلا تقدر على تطليق الزوج، وبعد الطلاق لا تقدر على مراجعة الزوج ولا تقدر أيضاً على أن تمنع الزوج من المراجعة والثامن: أن نصيب الرجل في سهم الغنيمة أكثر من نصيب المرأة، وإذا ثبت فضل الرجل على المرأة في هذه الأمور، ظهر أن المرأة كالأسير العاجز في يد الرجل، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: «حديث : استوصوا بالنساء خيراً فإنهن عندكم عوان» تفسير : وفي خبر آخر: «حديث : اتقوا الله في الضعيفين: اليتيم والمرأة»تفسير : ، وكان معنى الآية أنه لأجل ما جعل الله للرجال من الدرجة عليهن في الاقتدار كانوا مندوبين إلى أن يوفوا من حقوقهن أكثر، فكان ذكر ذلك كالتهديد للرجال في الإقدام على مضارتهن وإيذائهن، وذلك لأن كل من كانت نعم الله عليه أكثر، كان صدور الذنب عنه أقبح، واستحقاقه للزجر أشد. والوجه الثاني: أن يكون المراد حصول المنافع واللذة مشترك بين الجانبين، لأن المقصود من الزوجية السكن والألفة والمودة، واشتباك الأنساب واستكثار الأعوان والأحباب وحصول اللذة، وكل ذلك مشترك بين الجانبين بل يمكن أن يقال: إن نصيب المرأة فيها أوفر، ثم إن الزوج اختص بأنواع من حقوق الزوجة، وهي التزام المهر والنفقة، والذب عنها، والقيام بمصالحها، ومنعها عن مواقع الآفات، فكان قيام المرأة بخدمة الرجل آكد وجوباً، رعاية لهذه الحقوق الزائدة وهذا كما قال تعالى: {أية : ٱلرّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى ٱلنّسَاء بِمَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوٰلِهِمْ } تفسير : [النساء: 34] وعن النبـي صلى الله عليه وسلم: «حديث : لو أمرت أحداً بالسجود لغير الله لأمرت المرأة بالسجود لزوجها» تفسير : ثم قال تعالى: {وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكُيمٌ } أي غالب لا يمنع، مصيب أحكامه وأفعاله، لا يتطرق إليهما احتمال العبث والسفه والغلط والباطل.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَٱلْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوۤءٍ} فيه خمس مسائل: الأُولى ـ قوله تعالى: {وَٱلْمُطَلَّقَاتُ} لما ذكر الله تعالى الإيلاءَ وأن الطلاق قد يقع فيه بَيّن تعالى حكم المرأة بعد التطليق. وفي كتاب أبي داود والنسائيّ عن ٱبن عباس قال في قول الله تعالى: {وَٱلْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوۤءٍ} الآية، وذلك أن الرجل كان إذا طلّق ٱمرأته فهو أحَقّ بها، وإن طلقها ثلاثاً، فنسخ ذلك وقال: «الطّلاَقُ مَرَّتَانِ» الآية. والمطلقات لفظ عموم، والمراد به الخصوص في المدخول بهنّ، وخرجت المطلقة قبيل البِنَاء بآية «الأحزاب»: {أية : فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا} تفسير : [الأحزاب: 49] على ما يأتي. وكذلك الحامل بقوله: {أية : وَأُوْلاَتُ ٱلأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} تفسير : [الطلاق: 4]. والمقصود من الأقراء الاستبراء؛ بخلاف عدّة الوفاة التي هي عبادة. وجعل الله عِدّة الصغيرة التي لم تحِض والكبيرة التي قد يَئستْ الشهور على ما يأتي. وقال قوم: إن العموم في المطلقات يتناول هؤلاء ثم نسخن، وهو ضعيف؛ وإنما الآية فيمن تحيض خاصة؛ وهو عرف النساء وعليه معظمهنّ. الثانية ـ قوله تعالى: {يَتَرَبَّصْنَ} التربص الانتظار؛ على ما قدّمناه. وهذا خبر والمراد الأمر؛ كقوله تعالى: {أية : وَٱلْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ}تفسير : [البقرة: 233] وجمع رجل عليه ثيابه، وحسبك درهم، أي ٱكتف بدرهم؛ هذا قول أهل اللسان من غير خلاف بينهم فيما ذكر ابن الشجريّ. ٱبن العربيّ: وهذا باطل، وإنما هو خبر عن حكم الشرع؛ فإن وجدت مطلقة لا تتربص فليس من الشرع، ولا يلزم من ذلك وقوع خبر الله تعالى على خلاف مخبره. وقيل: معناه ليتربصن، فحذف اللام. الثالثة ـ قرأ جمهور الناس «قُرُوءٍ» على وزن فعول، اللام همزة، ويروى عن نافع «قُرُوٍّ» بكسر الواو وشدّها من غير همز. وقرأ الحسن «قرءٍ» بفتح القاف وسكون الراء والتنوين. وقروء جمع أقْرُؤ وأقْرَاء، والواحد قُرْءٌ بضم القاف؛ قاله الأصمعيّ. وقال أبو زيد: «قرء» بفتح القاف؛ وكلاهما قال: أَقْرَأَتْ المرأة إذا حاضَتْ؛ فهي مُقْرِىء. وأقْرَأَتْ طهرت. وقال الأخفش: أقْرَأت المرأة إذا صارت صاحبة حيض؛ فإذا حاضت قلت: قَرَأَتْ، بلا ألف. يُقال: أقرأت المرأة حيضة أوحيضتين. والقرء: ٱنقطاع الحيض. وقال بعضهم: مابين الحيضتين. وأقرَأتْ حاجتك: دَنَتْ، عن الجوهريّ. وقال أبو عمرو بن العلاء: من العرب من يسمى الحيض قُرْءاً، ومنهم من يسمي الطهر قرءاً، ومنهم من يجمعهما جميعاً؛ فيسمى الطهر مع الحيض قرءاً؛ ذكره النحاس. الرابعة ـ وٱختلف العلماء في الأقْرَاء؛ فقال أهل الكوفة: هي الحِيَض، وهو قول عمر وعليّ وٱبن مسعود وأبي موسى ومجاهد وقتادة والضحاك وعكرمة والسدّيّ. وقال أهل الحجاز؛ هي الأطهار؛ وهو قول عائشة وٱبن عمر وزيد بن ثابت والزهريّ وأبان بن عثمان والشافعيّ. فمن جعل القرء ٱسماً للحيض سماه بذلك؛ لاجتماع الدّم في الرّحِم، ومن جعله ٱسماً للطهر فلاجتماعه في البدن؛ والذي يحقق لك هذا الأصل في القرء الوقت؛ يُقال: هبت الريح لقرئها وقارئها أي لوقتها؛ قال الشاعر:شعر : كرِهتُ العَقْر عقْرَ بَنِي شَلِيل إذا هَبَّتْ لقارئها الرّياح تفسير : فقيل للحيض: وقت، وللطهر وقت؛ لأنهما يرجعان لوقت معلوم؛ وقال الأعشى في الأطهار:شعر : أفي كل عام أنتَ جَاشمُ غَزْوةٍ تُسدّ لأقصاها عزيم عَزَائكا مورَّثةٍ عزا وفي الحيّ رفعةً لِما ضاع فيها من قُرُوء نِسائكا تفسير : وقال آخر في الحيض:شعر : يا رب ذي ضِغْن عليّ فارِض له قُرُوءٌ كقُرُوء الحائِض تفسير : يعني أنه طعنه فكان له دم كدم الحائض. وقال قوم: هو مأخوذ من قرء الماءِ في الحوض، وهو جمعه؛ ومنه القرآن لاجتماع المعاني. ويُقال لاجتماع حروفه؛ ويُقال: ما قرأتِ الناقةُ سَلًى قَطُّ، أي لم تجمع في جوفها؛ وقال عمرو بن كلثوم:شعر : ذِراعَيْ عَيْطَلٍ أدْمَاء بِكرٍ هِجَانِ اللونِ لم تَقْرَأَ جنِينا تفسير : فكأنّ الرّحم يجمع الدم وقت الحيض، والجسم يجمعه وقت الطهر. قال أبو عمر بن عبد البرّ: قول من قال: إن القرء مأخوذ من قولهم: قريت الماء في الحوض ليس بشيء؛ لأن القرء مهموز وهذا غير مهموز. قلت: هذا صحيح بنقل أهل اللغة: الجوهريّ وغيرِه. وٱسم ذلك الماء قِرًى (بكسر القاف مقصور). وقيل: القرء، الخروج إما من طهر إلى حيض أو من حيض إلى طهر؛ وعلى هذا قال الشافعيّ في قولٍ: القرء الانتقال من الطهر إلى الحيض؛ ولا يرى الخروج من الحيض إلى الطهر قرءاً. وكان يلزم بحكم الاشتقاق أن يكون قرءاً، ويكون معنى قوله تعالىٰ: {وَٱلْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوۤءٍ}. أي ثلاثة أدوار أو ثلاثة ٱنتقالات؛ والمطلقة متصفة بحالتين فقط؛ فتارة تنتقل من طهر إلى حيض، وتارة من حيض إلى طهر فيستقيم معنى الكلام؛ ودلالته على الطهر والحيض جميعاً، فيصير الاسم مشتركاً. ويُقال: إذا ثبت أن القرء الانتقال فخروجها من طهر إلى حيض غيرُ مُراد بالآية أصلاً، ولذلك لم يكن الطلاق في الحيض طلاقاً سُنِّياً مأموراً به، وهو الطلاق للعدّة؛ فإن الطلاق للعدّة ما كان في الطهر، وذلك يدل على كون القرء مأخوذاً من الانتقال؛ فإذا كان الطلاق في الطهر سُنِّياً فتقدير الكلام: فعدّتهن ثلاثة انتقالات؛ فأوّلها الانتقال من الطهر الذي وقع فيه الطلاق، والذي هو الانتقال من حيض إلى طهر لم يجعل قُرّءاً؛ لأن اللغة لا تدل عليه، ولكن عرفنا بدليل آخر؛ أن الله تعالى لم يرد الانتقال عن حيض إلى طهر؛ فإذا خرج أحدهما عن أن يكون مراداً بقي الآخر وهو الانتقال من الطهر إلى الحيض مراداً؛ فعلى هذا عدّتها ثلاثة انتقالات، أوّلها الطهر، وعلى هذا يمكن ٱستيفاءَ ثلاثةِ أقْراء كاملة إذا كان الطلاق في حالة الطهر، ولا يكون ذلك حملاً على المجاز بوجهٍ مّا. قال الكِيا الطبريّ: وهذا نظر دقيق في غاية الاتِّجاه لمذهب الشافعيّ، ويمكن أن نذكر في ذلك سرّاً لا يبعد فهمه من دقائق حِكم الشريعة، وهو أن الانتقال من الطهر إلى الحيض إنما جعل قرءاً لدلالته على براءة الرّحِم؛ فإن الحامل لا تحيض في الغالب فبحيضها علم براءة رحمها. والانتقال من حيض إلى طهر بخلافه؛ فإن الحائض يجوز أن تحبل في أعقاب حيضها، وإذا تمادى أمد الحمل وقوِي الولد ٱنقطع دمها؛ ولذلك تمتدح العرب بحمل نسائهم في حالة الطهر، وقد مدحت عائشة رسول الله صلى الله عليه وسلم بقول الشاعر:شعر : وَمُبَّرإٍ من كل غُبَّر حَيْضةٍ وفسادِ مرِضعةٍ ودَاءٍ مُغْيَلِ تفسير : يعني أن أُمّه لم تحمل به في بقية حيضها. فهذا ما للعلماء وأهل اللسان في تأويل القُرْء. وقالوا: قرأت المرأة قرءاً إذا حاضت أو طهرت. وقرأت أيضاً إذا حملت. وٱتفقوا على أن القرء الوقت، فإذا قلت: والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثةَ أوقات، وصارت الآية مفسرة في العدد محتملة في المعدود، فوجب طلب البيان للمعدود من غيرها؛ فدليلنا قول الله تعالىٰ: {أية : فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} تفسير : [الطلاق: 1] ولا خلاف أنه يؤمر بالطلاق وقت الطهر فيجب أن يكون هو المعتبر في العدّة؛ فإنه قال: «فطلقوهنَّ» يعني وقتاً تعتدّ به، ثم قال تعالىٰ: {أية : وَأَحْصُواْ ٱلْعِدَّةَ} تفسير : [الطلاق: 1]. يريد ما تعتدّ به المطلقة وهو الطهر الذي تطلَّق فيه؛ حديث : وقال صلى الله عليه وسلم لعمر: «مُرْهُ فليراجعها ثم ليمسكها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر فتلك العدّة التي أمر الله أن تطلق لها النساء»تفسير : . أخرجه مسلم وغيره. وهو نَصٌّ في أن زمن الطهر هو الذي يسمى عدّة، وهو الذي تُطلَّق فيه النساء. ولا خلاف أن من طلق في حال الحيض لم تعتدّ بذلك الحيض، ومن طلق في حال الطهر فإنها تعتدّ عند الجمهور بذلك الطهر؛ فكان ذلك أولى. قال أبو بكر بن عبد الرحمن: ما أدركنا أحداً من فقهائنا إلاَّ يقول بقول عائشة في أن الأقراء هي الأطهار. فإذا طلق الرجل في طهر لم يطأ فيه ٱعتدّت بما بقي منه ولو ساعة ولو لحظة، ثم ٱستقبلت طهراً ثانياً بعد حيضة، ثم ثالثاً بعد حيضة ثانية؛ فإذا رأت الدم من الحيضة الثالثة حلت للأزواج وخرجت من العدّة. فإن طلق مطلق في طهر قد مس فيه لزمه الطلاق وقد أساء، وٱعتدّت بما بقي من ذلك الطهر. وقال الزهريّ في ٱمرأة طلقت في بعض طهرها: إنها تعتدّ بثلاثة أطهار سوى بقية ذلك الطهر. قال أبو عمر: لا أعلم أحداً ممن قال: الأقراء الأطهار يقول هذا غير ٱبن شهاب الزهريّ؛ فإنه قال: تلغِى الطهر الذي طلقت فيه ثم تعتدّ بثلاثة أطهار؛ لأن الله عزّ وجلّ يقول: {ثَلاَثَةَ قُرُوۤءٍ}. قلت: فعلى قوله لا تحل المطلقة حتى تدخل في الحيضة الرابعة؛ وقول ٱبن القاسم ومالك وجمهور أصحابه والشافعيّ وعلماءِ المدينة: إن المطلقة إذا رأت أوّل نقطة من الحيضة الثالثة خرجت من العِصمة، وهو مذهب زيد بن ثابت وعائشة وٱبن عمر، وبه قال أحمد بن حنبل، وإليه ذهب داود بن عليّ وأصحابه. والحجة على الزهريّ أن النبيّ صلى الله عليه وسلم أذِنَ في طلاق الطاهر من غير جماع، ولم يقل أوّل الطهر ولا آخره. وقال أشهب: لا تنقطع العصمة والميراث حتى يتحقق أنه دم حيض؛ لئلا تكون دفعة دم من غير الحيض. ٱحتج الكوفيون بقوله عليه السَّلام لفاطمة بنت أبي حُبَيْش حين شكت إليه الدّم: «حديث : إنما ذلك عِرق فٱنظري فإذا أتى قرؤك فلا تصلّي وإذا مرّ القرء فتطهري ثم صلّي من القرء إلى القرء»تفسير : . وقال تعالىٰ: {أية : وَٱللاَّئِي يَئِسْنَ مِنَ ٱلْمَحِيضِ مِن نِّسَآئِكُمْ إِنِ ٱرْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاَثَةُ أَشْهُرٍ} تفسير : [الطلاق: 4]. فجعل المأيوس منه المحيض؛ فدل على أنه هو العِدّة، وجعل العِوض منه هو الأشهر إذا كان معدوماً. وقال عمربحضرة الصحابة: عِدّة الأَمة حيضتان، نصف عِدّة الحرّة، ولو قدرت على أن أجعلها حيضة ونصفاً لفعلت؛ ولم ينكر عليه أحد. فدل على أنه إجماع منهم؛ وهو قول عشرة من الصحابة منهم الخلفاء الأربعة. وحسبك ما قالوا! وقوله تعالىٰ: {وَٱلْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوۤءٍ} يدل على ذلك: لأن المعنى يتربصن ثلاثة أقراء، يريد كوامل، وهذا لا يمكن أن يكون إلاَّ على قولنا بأن الأقراء الحِيض؛ لأن من يقول: إنه الطهر يجوّز أن تعتدّ بطهرين وبعض آخر؛ لأنه إذا طلق حال الطهر ٱعتدّت عنده ببقية ذلك الطهر قرءاً. وعندنا تستأنف من أوّل الحيض حتى يصدقُ الاسم؛ فإذا طلق الرجل المرأة في طهر لم يطأ فيه ٱستقبلت حيضة ثم حيضة ثم حيضة؛ فإذا ٱغتسلت من الثالث خرجت من العدّة. قلت: هذا يرده قوله تعالىٰ: {أية : سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ} تفسير : [الحاقة: 7] فأثبت الهاء في «ثمانية أيام»، لأن اليوم مذكر وكذلك القرء؛ فدل على أنه المراد. ووافقنا أبو حنيفة على أنها إذا طلقت حائضاً أنها لا تعتدّ بالحيضة التي طلقت فيها ولا بالطهر الذي بعدها، وإنما تعتدّ بالحيض الذي بعد الطهر. وعندنا تعتدّ بالطهر، على ما بيناه. وقد ٱستجاز أهل اللغة أن يعبروا عن البعض باسم الجميع؛ كما قال تعالىٰ: {أية : ٱلْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ} تفسير : [البقرة: 197] والمراد به شهران وبعض الثالث؛ فكذلك قوله: «ثلاثة قروء». والله أعلم. وقال بعض من يقول بالحيض: إذا طهرت من الثالثة ٱنقضت العدّة بعد الغسل وبطلت الرجعة؛ قاله سعيد ابن جبير وطاوس وٱبن شبرمة والأوزاعي. وقال شريك: إذا فرّطت المرأة في الغسل عشرين سنة فلزوجها عليها الرجعة ما لم تغتسل. وروي عن إسحاق بن راهُوَيْه أنه قال: إذا طعنت المرأة في الحيضة الثالثة بانت وٱنقطعت رجعة الزوج، إلاَّ أنها لا يحل لها أن تتزوّج حتى تغتسل من حيضتها. وروي نحوه عن ٱبن عباس؛ وهو قول ضعيف، بدليل قول الله تعالىٰ: {أية : فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِيۤ أَنْفُسِهِنَّ}تفسير : [البقرة: 234] على ما يأتي. وأما ما ذكره الشافعيّ من أن نفس الانتقال من الطهر إلى الحيضة يسمى قرءاً ففائدته تقصير العدّة على المرأة، وذلك أنه إذا طلق المرأة في آخر ساعة من طهرها فدخلت في الحيضة عدّته قرءاً، وبنفس الانتقال من الطهر الثالث ٱنقطعت العصمة وحلت. والله أعلم. الخامسة ـ والجمهور من العلماء على أن عدّة الأمة التي تحيض من طلاق زوجها حيضتان. وروي عن ٱبن سيرين أنه قال: ما أرى عدّة الأُمة إلاَّ كعدّة الحرّة، إلاَّ أن تكون مضت في ذلك سُنَّةٌ: فإن السنة أحق أن تتبع. وقال الأصمّ عبد الرّحمن بن كيسان وداود بن عليّ وجماعة أهل الظاهر: إن الآيات في عدّة الطلاق والوفاة بالأشهر والأقراء عامة في حق الأُمَة والحرّة؛ فعدّة الحرّة والأُمة سواءٌ. وٱحتج الجمهور بقوله عليه السَّلام: «حديث : طلاق الأمة تطليقتان وعدّتها حيضتان»تفسير : . رواه ٱبن جريج عن عطاء عن مُظَاهر بن أسلم عن أبيه عن القاسم بن محمد عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : طلاق الأمة تطليقتان وقُرؤها حيضتان»تفسير : فأضاف إليها الطلاق والعدّة جميعاً؛ إلاَّ أن مظاهر بن أسلم ٱنفرد بهذا الحديث وهو ضعيف. وروي عن ٱبن عمر: أيُّهما رَقّ نقص طلاقه؛ وقالت به فرقة من العلماء. قوله تعالىٰ: {وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ فِيۤ أَرْحَامِهِنَّ} فيه مسألتان: الأُولىٰ ـ قوله تعالىٰ: {وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ فِيۤ أَرْحَامِهِنَّ} أي من الحيض؛ قاله عكرمة والزهريّ والنخعيّ. وقيل: الحمل؛ قاله عمر وٱبن عباس. وقال مجاهد: الحيض والحمل معاً؛ وهذا على أن الحامل تحيض. والمعنى المقصود من الآية أنه لما دار أمر العدّة على الحيض والأطهار ولا ٱطلاع عليهما إلا من جهة النساء جُعل القولُ قولها إذا ٱدّعت ٱنقضاء العدّة أو عدمها، وجعلهنّ مُؤتَمنَات على ذلك؛ وهو مقتضى قوله تعالىٰ: {وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ فِيۤ أَرْحَامِهِنَّ}. وقال سليمان بن يسار: ولم نؤمر أن نفتح النِّساء فننظر إلى فروجهنّ، ولكن وُكِل ذلك إليهنّ إذ كنّ مُؤتَمنَات. ومعنى النهي عن الكتمان النهيُ عن الإضرار بالزوج وإذْهَاب حقه، فإذا قالت المطلّقة: حِضت؛ وهي لم تحض، ذهبت بحقه من الارتجاع، وإذا قالت: لم أحض؛ وهي قد حاضت، ألزمته من النفقة ما لم يلزمه فأضرت به، أو تقصد بكذبها في نفي الحيض ألا تُرتَجع حتى تنقضي العدّة ويقطع الشرع حقه، وكذلك الحامل تكتم الحمل، لتقطع حقه من الارتجاع. قال قتادة: كانت عادتهنّ في الجاهلية أن يكتمن الحمل ليُلحقن الولد بالزوج الجديد، ففي ذلك نزلت الآية. وحكي أن رجلاً من أشجع أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إني طلقت ٱمرأتي وهي حبلى، ولست آمن أن تتزوّج فيصير ولدي لغيري؛ فأنزل الله الآية، وردّت ٱمرأة الأشجعيّ عليه. الثانية ـ قال ٱبن المنذر: وقال كل من حفظت عنه من أهل العلم: إذا قالت المرأة في عشرة أيام: قد حِضت ثلاث حِيض وٱنقضت عدتي إنها لا تصدّق ولا يقبل ذلك منها، إلاَّ أن تقول: قد أسقطت سقطاً قد ٱسْتَبَان خلقه. وٱختلفوا في المدّة التي تصدّق فيها المرأة؛ فقال مالك: إذا قالت ٱنقضت عدّتي في أمدٍ تنقضي في مثله العدّة قبل قولها؛ فإن أخبرت بٱنقضاء العدّة في مدّة تقع نادراً فقولان. قال في المدوّنة: إذا قالت حضت ثلاث حيض في شهر صدّقت إذا صدّقها النساء، وبه قال شُرَيْح، وقال له عليّ بن أبي طالب: قَالُون! أي أصبت وأحسنت. وقال في كتاب محمد: لا تصدّق إلاَّ في شهر ونصف. ونحوه قول أبي ثور؛ قال أبو ثور: أقل ما يكون ذلك في سبعة وأربعين يوماً، وذلك أن أقل الطهر خمسة عشر يوماً، وأقل الحيض يوم. وقال النّعْمان: لا تصدّق في أقل من ستين يوماً؛ وقال به الشافعيّ. قوله تعالىٰ: {إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ} هذا وعيد عظيم شديد لتأكيد تحريم الكتمان، وإيجاب لأداء الأمانة في الإخبار عن الرحِم بحقيقة ما فيه. أي فسبيل المؤمنات ألاّ يكتمن الحق؛ وليس قوله: {إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِٱللَّهِ} على أنه أبيح لمن لا يؤمن أن يكتم؛ لأن ذلك لا يحل لمن لا يؤمن، وإنما هو كقولك: إن كنت أخي فلا تظلمني، أي فينبغي أن يحجزك الإيمان عنه؛ لأن هذا ليس من فعل أهل الإيمان. قوله تعالىٰ: {وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ} فيه إحدى عشرة مسألة: الأُولىٰ ـ قوله تعالىٰ: {وَبُعُولَتُهُنَّ} البُعُولَةُ جمع البَعْل، وهو الزوج؛ سمي بعلاً لعلوّه على الزوجة بما قد ملكه من زوجيتها؛ ومنه قوله تعالىٰ: {أية : أَتَدْعُونَ بَعْلاً} تفسير : [الصافات: 125] أي ربا؛ لعلوّه في الربوبية؛ يُقال: بَعْل وبُعُولة؛ كما يُقال في جمع الذكر: ذَكَر وذكورة، وفي جمع الفحل: فحل وفحولة؛ وهذه الهاء زائدةٌ مؤكِّدة لتأنيث الجماعة، وهو شاذ لا يُقاس عليه، ويعتبر فيها السَّماع؛ فلا يُقال في لَعْب: لُعُوبَةٌ. وقيل: هي هَاءُ تأنيثٍ دخلت على فُعُول. والبَعُولة أيضاً مصدر البَعْل. وبعَل الرجل يبْعَل (مثل منَع يَمْنَعَ) بُعُولة، أي صار بَعْلاً: والمُبَاعلة والبعال: الجماع؛ ومنه حديث : قوله عليه السَّلام لأيام التّشْرِيق: «إنها أيام أكل وشرب وبِعال»تفسير : وقد تقدّم. فالرجل بعل المرأة، والمرأة بعْلته. وباعل مُبَاعَلَة إذا باشرها. وفلان بعل هذا؛ أي مالكه وربه. وله محامل كثيرة تأتي إن شاء الله تعالىٰ. الثانية ـ قوله تعالىٰ: {وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ} أي بمراجعتهنّ؛ فالمراجعة على ضربين: مراجعة في العدّة على حديث ٱبن عمر. ومراجعة بعد العدّة على حديث معقِل؛ وإذا كان هذا فيكون في الآية دليلٌ على تخصيص ما شمِله العموم في المسمّيات؛ لأن قوله تعالىٰ: {وَٱلْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوۤءٍ} عام في المطلقات ثلاثاً؛ وفيما دونها لا خلاف فيه. ثم قوله: {وَبُعُولَتُهُنَّ} حكم خاص فيمن كان طلاقها دون الثلاث. وأجمع العلماء على أن الحرّ إذا طلّق زوجته الحرّة، وكانت مدخولاً بها تطليقة أو تطليقتين، أنه أحق برجعتها ما لم تنقض عدّتها وإن كرِهت المرأة، فإن لم يراجعها المطلِّق حتى ٱنقضت عدّتها فهي أحق بنفسها وتصير أجنبية منه؛ لا تحل له إلاَّ بِخِطْبَة ونكاح مستأنَف بولِيّ وإشهاد، ليس على سنة المراجعة، وهذا إجماع من العلماء. قال المهلب: وكل من راجع في العدّة فإنه لا يلزمه شيء من أحكام النكاح غير الإشهاد على المراجعة فقط، وهذا إجماع من العلماء: لقوله تعالىٰ: {أية : فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُواْ ذَوَي عَدْلٍ مِّنكُمْ} تفسير : [الطلاق: 2] فذكر الإشهادَ في الرجعة ولم يذكره في النكاح ولا في الطلاق. قال ٱبن المنذر: وفيما ذكرناه من كتاب الله مع إجماع أهل العلم كفايةٌ عن ذكر ما روي عن الأوائل في هذا الباب؛ والله تعالىٰ أعلم. الثالثة ـ وٱختلفوا فيما يكون به الرجل مراجعاً في العِدّة؛ فقال مالك: إذا وطئها في العِدّة وهو يريد الرجعة وجهِل أن يُشهِد فهي رجعة. وينبغي للمرأة أن تمنعه الوطء حتى يُشهِد؛ وبه قال إسحاق، لقوله عليه السَّلام: «حديث : إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل ٱمرىء ما نَوَى»تفسير : . فإن وطىء في العدّة لا ينوي الرجعة فقال مالك: يراجِع في العدّة ولا يطأ حتى يستبرئها من مائه الفاسد. قال ٱبن القاسم: فإن ٱنقضت عدّتها لم ينكحها هو ولا غيره في بقية مدّة الاستبراء؛ فإن فعل فُسِخ نكاحه، ولا يَتأبّد تحريمها عليه لأن الماء ماؤه. وقالت طائفة: إذا جامعها فقد راجعها؛ هكذا قال سعيد بن المسيب والحسن البصريّ وٱبن سيرين والزهريّ وعطاء وطاوس والثوريّ. قال: ويُشهِد؛ وبه قال أصحاب الرأي والأوزاعيّ وٱبن أبي ليلى؛ حكاه ٱبن المنذر. وقال أبو عمر: وقد قيل: وطؤه مراجعة على كل حال، نواها أو لم ينوها؛ ويُروى ذلك عن طائفة من أصحاب مالك، وإليه ذهب الليث. ولم يختلفوا فيمن باع جاريته بالخيار أن له وطأها في مدّة الخيار، وأنه قد ٱرتجعها بذلك إلى ملكه، وٱختار نقض البيع بفعله ذلك. وللمطلقة الرجعية حكم من هذا. والله أعلم. الرابعة ـ من قَبّل أو باشر ينوي بذلك الرجعة كانت رجعة، وإن لم ينو بالقبلة والمباشرة الرجعة كان آثماً، وليس بمُراجع. والسّنّة أن يُشهد قَبْل أن يَطأ أو قَبْل أن يُقبِّل أو يباشر. وقال أبو حنيفة وأصحابه: إن وطئها أو لمسها بشهوة أو نظر إلى فرجها بشهوة فهي رجعة: وهو قول الثوريّ، وينبغي أن يشهِد. وفي قول مالك والشافعيّ وإسحاق وأبي عُبَيْد وأبي ثور لا يكون رجعة؛ قاله ٱبن المنذر. وفي «المنتقى» قال: ولا خلاف في صحة الارتجاع بالقول؛ فأما بالفعل نحو الجماع والقبلة فقال القاضي أبو محمد: يصح بها وبسائر الاستمتاع للذة. قال ٱبن الموّاز: ومثل الجسّة للذة، أو أن ينظر إلى فرجها أو ما قارب ذلك من محاسنها إذا أراد بذلك الرجعة؛ خلافاً للشافعيّ في قوله: لا تصح الرجعة إلاَّ بالقول؛ وحكاه ٱبن المنذر عن أبي ثور وجابر بن زيد وأبي قِلابة. الخامسة ـ قال الشافعيّ: إن جامعها ينوي الرّجعة، أو لا ينويها فليس برجعة، ولها عليه مهر مثلها. وقال مالك: لا شيء لها: لأنه لو ٱرتجعها لم يكن عليه مهر، فلا يكون الوطء دون الرجعة أولىٰ بالمهر من الرجعة. وقال أبو عمر: ولا أعلم أحداً أوجب عليه مهر المثل غير الشافعيّ، وليس قوله بالقوِيّ؛ لأنها في حكم الزوجات وترثه ويرثها، فكيف يجب مهر المثل في وطء ٱمرأة حكمها في أكثر أحكامها حكم الزوجة! إلاَّ أن الشبهة في قول الشافعيّ قوية؛ لأنها عليه محرّمة إلاَّ برجعة لها. وقد أجمعوا على أن الموطوءة بشبهة يجب لها المهر، وحسبك بهذا! السادسة ـ وٱختلفوا هل يسافر بها قبل أن يرتجعها؛ فقال مالك والشافعيّ: لا يسافر بها حتى يراجعها، وكذلك قال أبو حنيفة وأصحابه إلاَّ زفر فإنه روى عنه الحسن بن زياد أن له أن يسافر بهاقبل الرجعة، وروى عنه عمرو بن خالد؛ لا يسافر بها حتى يراجع. السابعة ـ وٱختلفوا هل له أن يدخل عليها ويرى شيئاً من محاسنها، وهل تتزين له وتتشرف؛ فقال مالك. لا يخلو معها، ولا يدخل عليها إلاَّ بإذن، ولا ينظر إليها إلاَّ وعليها ثيابها، ولا ينظر إلى شعرها، ولا بأس أن يأكل معها إذا كان معهما غيرهما، ولا يبيت معها في بيت وينتقل عنها. وقال ٱبن القاسم: رجع مالك عن ذلك فقال: لا يدخل عليها ولا يرى شعرها. ولم يختلف أبو حنيفة وأصحابه في أنها تتزين له وتتطيب وتلبس الحليّ وتتشرف. وعن سعيد بن المسيب قال؛ إذا طلق الرجل ٱمرأته تطليقة فإنه يستأذن عليها، وتلبس ما شاءت من الثياب والحليّ؛ فإن لم يكن لهما إلاَّ بيت واحد فليجعلا بينهما ستراً، ويسلم إذا دخل؛ ونحوه عن قتادة، ويُشعِرها إذا دخل بالتنخم والتنحنح. وقال الشافعيّ: المطلقة طلاقاً يملك رجعتها محرّمة على مطلقها تحريم المبتوتة حتى يراجع، ولا يراجع إلاَّ بالكلام؛ على ما تقدّم. الثامنة ـ أجمع العلماء على أن المطلق إذا قال بعد ٱنقضاء العدّة: إني كنت راجعتِك في العدّة وأنكرت أنّ القول قولها مع يمينها، ولا سبيل له إليها؛ غير أن النعمان كان لا يرى يميناً في النكاح ولا في الرجعة؛ وخالفه صاحباه فقالا كقول سائر أهل العلم. وكذلك إذا كانت الزوجة أمة وٱختلف المولى والجارية، والزوج يدِعي الرجعة في العدّة بعد ٱنقضاء العدّة وأنكرت فالقول قول الزوجة الأمةِ وإن كذبها مولاها؛ هذا قول الشافعيّ وأبي ثور والنعمان. وقال يعقوب ومحمد: القول قول المولى وهو أحق بها. التاسعة ـ لفظ الردّ يقتضي زوال العصمة؛ إلا أن علماءنا قالوا: إن الرجعية محرّمة الوطء؛ فيكون الردّ عائداً إلى الحل. وقال الليث بن سعد وأبو حنيفة ومن قال بقولهما ـ في أن الرجعة محلِّلة الوطء: أن الطلاق فائدته تنقيص العدد الذي جعل له خاصة، وأن أحكام الزوجية باقية لم ينحل منها شيء ـ قالوا: وأحكام الزوجية وإن كانت باقية فالمرأة ما دامت في العدّة سائرة في سبيل الزوال بانقضاء العدّة؛ فالرجعة ردّ عن هذه السبيل التي أخذت المرأة في سلوكها، وهذا ردّ مجازيّ، والردّ الذي حكمنا به ردّ حقيقيّ؛ فإن هناك زوال مستنجزٍ وهو تحريم الوطء؛ فوقع الردّ عنه حقيقة، والله أعلم. العاشرة ـ لفظ «أَحَقُّ» يطلق عند تعارض حقين، ويترجح أحدهما؛ فالمعنى حق الزوج في مدّة التربص أحق من حقها بنفسها؛ فإنها إنما تملك نفسها بعد ٱنقضاء العدّة؛ ومثل هذا قوله عليه السلام: «حديث : الأيم أحق بنفسها من ولِيها»تفسير : . وقد تقدّم. الحادية عشرة ـ الرجل مندوب إلى المراجعة، ولكن إذا قصد الإصلاح بإصلاح حاله معها، وإزالة الوحشة بينهما، فأما إذا قصد الإضرار وتطويل العدّة والقطع بها عن الخلاص من رِبقة النكاح فمحرّم؛ لقوله تعالى: {أية : وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَاراً لِّتَعْتَدُواْ} تفسير : [البقرة: 231] ثم مَنْ فعل ذلك فالرجعة صحيحة، وإن ٱرتكب النهي وظلم نفسه؛ ولو علمنا نحن ذلك المقصد طلقنا عليه. قوله تعالى: {وَلَهُنَّ مِثْلُ ٱلَّذِي عَلَيْهِنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ} فيه ثلاث مسائل: الأُولى ـ قوله تعالى {وَلَهُنَّ} أي لهنّ من حقوق الزوجية على الرجال مثل ما للرجال عليهنّ؛ ولهذا قال ٱبن عباس: إني لأتزين لامرأتي كما تتزين لي، وما أحب أن أستَنْظِف كل حقي الذي لي عليها فتستوجب حقها الذي لها عليّ؛ لأن الله تعالى قال: {وَلَهُنَّ مِثْلُ ٱلَّذِي عَلَيْهِنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ} أي زينة من غير مأثم. وعنه أيضاً: أي لهنّ من حسن الصحبة والعشرة بالمعروف على أزواجهنّ مثل الذي عليهنّ من الطاعة فيما أوجبه عليهنّ لأزواجهنّ. وقيل: إن لهنّ على أزواجهنّ ترك مضارّتهن كما كان ذلك عليهنّ لأزواجهنّ. قاله الطبريّ: وقال ٱبن زيد: تتقون الله فيهنّ كما عليهنّ أن يتقين الله عز وجل فيكم؛ والمعنى متقارب. والآية تعمّ جميع ذلك من حقوق الزوجية. الثانية: قول ٱبن عباس: «إنّي لأتزين لامرأتي» قال العلماء: أما زينة الرجال فعلى تفاوت أحوالهم؛ فإنهم يعملون ذلك على اللَّبق والوفاق، فربما كانت زينة تليق في وقت ولا تليق في وقت، وزينة تليق بالشّباب، وزينة تليق بالشيوخ ولا تليق بالشباب؛ ألا ترى أن الشيخ والكهل إذا حفّ شاربه لِيقَ به ذلك وزَانَه، والشاب إذا فعل ذلك سُمج ومُقِت. لأن اللحية لم توفر بعد، فإذا حَفّ شاربه في أوّل ما خرج وجهه سَمُج، وإذا وفرت لحيته وحف شاربه زانه ذلك. وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : أمرني ربِّي أن أعفِي لحيتي وأحفِي شاربي»تفسير : . وكذلك في شأن الكسوة؛ ففي هذا كله ٱبتغاء الحقوق؛ فإنما يعمل على اللّبَق والوِفَاق ليكون عند ٱمرأته في زينة تسرها ويُعِفّها عن غيره من الرجال. وكذلك الكحل من الرجال منهم من يليق به ومنهم من لا يليق به. فأما الطّيْب والسِّواك والخلال والرّمي بالدّرَن وفُضولِ الشعر والتطهير وقلم الأظفار فهو بَيِّن موافق للجميع. والخِضاب للشيوخ والخاتم للجميع من الشباب والشيوخ زينة؛ وهو حَلْيُ الرجال على ما يأتي بيانه في سورة «النحل». ثم عليه أن يَتَوخّى أوقات حاجتها إلى الرجل فيُعِفّها ويُغنيها عن التطلع إلى غيره. وإن رأى الرجُل من نفسه عجزا عن إقامة حقها في مضجعها أخذ من الأدْوِيّة التي تزيد في باهِه وتُقوّي شهوته حتى يُعفّها. الثالثة: قوله تعالى: {وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ} أي منزلة. ومَدْرَجَة الطريق: قارعته؛ والأصل فيه الطيّ؛ يقال: دَرَجوا، أي طَوَوْا عمرهم؛ ومنها الدّرجة التي يرتقي عليها. ويقال: رجل بين الرّجلة، أي القوّة. وهو أرجل الرجلين، أي أقواهما. وفرس رجيل، أي قوِي، ومنه الرِّجل، لقوّتها على المشي. فزيادة درجة الرجل بعقله وقوّته وبالإنفاق وبالدّية والميراث والجهاد. وقال حميد: الدّرجة اللحية؛ وهذا إن صح عنه فهو ضعيف لا يقتضيه لفظ الآية ولا معناها. قال ٱبن العربيّ: فطوبى لعبد أمسك عما لا يعلم، وخصوصاً في كتاب الله تعالى! ولا يخفى على لبيب فضل الرجال على النساء؛ ولو لم يكن إلا أن المرأة خلقت من الرجل فهو أصلها، وله أن يمنعها من التصرف إلا بإذنه؛ فلا تصوم إلا بإذنه ولا تحج إلا معه. وقيل: الدّرجة الصداق؛ قاله الشعبي. وقيل: جواز الأدب. وعلى الجملة فدرجة تقتضي التفضيل، وتشعر بأن حق الزوج عليها أوجب من حقها عليه؛ ولهذا قال عليه السلام: «حديث : ولو أمرت أحداً بالسجود لغير الله لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها»تفسير : . وقال ابن عباس: الدّرجة إشارة إلى حَضِّ الرجال على حسن العشرة، والتوسع للنساء في المال والخُلق؛ أي أن الأفضل ينبغي أن يَتَحامل على نفسه. قال ٱبن عطية: وهذا قول حسن بارع. قال الماورديّ، يحتمل أنها في حقوق النكاح؛ له رفع العقد دونها؛ ويلزمها إجابته إلى الفراش، ولا يلزمه إجابتها. قلت: ومن هذا قوله عليه السلام: «حديث : أيّما ٱمرأة دعاها زوجها إلى فراشه فأبت عليه لعنتها الملائكة حتى تصبح»تفسير : . {وَٱللَّهُ عَزِيزٌ} أي منيع السلطان لا معترض عليه. {حَكُيمٌ} أي عالم مصيب فيما يفعل.
البيضاوي
تفسير : {وَٱلْمُطَلَّقَـٰتُ} يريد بها المدخول بهن من ذوات الإِقراء لما دلت عليه الآيات والأخبار أن حكم غيرهن خلاف ما ذكر. {يَتَرَبَّصْنَ} خبر بمعنى الأمر، وتغيير العبارة للتأكيد والإِشعار بأنه مما يجب أن يسار إلى امتثاله، وكأن المخاطب قصد أن يمتثل الأمر فيخبر عنه كقولك في الدعاء: رحمك الله، وبناؤه على المبتدأ يزيده فضل تأكيد. {بِأَنفُسِهِنَّ} تهييج وبعث لهن على التربص، فإن نفوس النساء طوامح إلى الرجال، فأمرن بأن يقمعنها ويحملنها على التربص. {ثَلَـٰثَةَ قُرُوء} نصب على الظرف، أو المفعول به. أي يتربصن مضيها. و {قُرُوء} جمع قرء وهو يطلق للحيض، كقوله عليه الصلاة والسلام «حديث : دعي الصلاة أيام أقرائك»تفسير : وللطهر الفاصل بين الحيضتين كقول الأعشى:شعر : مُوَرِّثَةٌ مَالاً وَفِي الحَيِّ رفْعَةٌ لِمَا ضَاعَ فِيهَا مِنْ قُرُوءِ نِسَائِكَا تفسير : وأصله الانتقال من الطهر إلى الحيض، وهو المراد به في الآية لأنه الدال على براءة الرحم لا الحيض، كما قاله الحنفية لقوله تعالى؛ {أية : فَطَلّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ } تفسير : [الطلاق: 1] أي وقت عدتهن. والطلاق المشروع لا يكون في الحيض، وأما قوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : طلاق الأمة تطليقتان وعدتها حيضتان»تفسير : فلا يقاوم ما رواه الشيخان في قصة ابن عمر «حديث : مره فليراجعها، ثم ليمسكها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر، ثم إن شاء أمسك بعـد وإن شاء طلق قبل أن يمس، فتلك العدة التي أمر الله تعالى أن تطلق لها النساء».تفسير : وكان القياس أن يذكر بصيغة القلة التي هي الأقراء، ولكنهم يتسعون في ذلك فيستعملون كل واحد من البناءين مكان الآخر، ولعل الحكم لما عم المطلقات ذوات الأقراء تضمن معنى الكثرة فحسن بناؤها. {وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ} من الولد، أو الحيض استعجالاً في العدة وإبطالاً لحق الرجعة، بل التنبيه على أنه ينافي الإِيمان، وأن المؤمن لا يجترىء عليه ولا ينبغي له أن يفعل. {وَبُعُولَتُهُنَّ} أي أزواج المطلقات. {أَحَقُّ بِرَدّهِنَّ} إلى النكاح والرجعة إليهن، ولكن إذا كان الطلاق رجعياً للآية التي تتلوها فالضمير أخص من المرجوع إليه ولا امتناع فيه، كما لو كرر الظاهر وخصصه. والبعولة جمع بعل والتاء لتأنيث الجمع كالعمومة والخؤلة، أو مصدر من قولك بعل حسن البعولة نعت به، أو أقيم مقام المضاف المحذوف أي وأهل بعولتهن، وأفعل ههنا بمعنى الفاعل. {فِي ذٰلِكَ } أي في زمان التربص. {إِنْ أَرَادُواْ إِصْلَـٰحاً} بالرجعة لا لإضرار المرأة، وليس المراد منه شرطية قصد الإِصلاح للرجعة بل التحريض عليه والمنع من قصد الضرار. {وَلَهُنَّ مِثْلُ ٱلَّذِي عَلَيْهِنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ} أي ولهن حقوق على الرجال مثل حقوقهم عليهن في الوجوب واستحقاق المطالبة عليها، لا في الجنس. {وَلِلرّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ} زيادة في الحق وفضل فيه، لأن حقوقهم في أنفسهم وحقوقهن المهر والكفاف وترك الضرار ونحوها، أو شرف وفضيلة لأنهم قوام عليهن وحراص لهن يشاركوهن في غرض الزواج ويخصون بفضيلة الرعاية والإِنفاق {وَٱللَّهُ عَزِيزٌ} يقدر على الانتقام ممن خالف الأحكام. {حَكِيمٌ} يشرعها لحكم ومصالح.
ابن كثير
تفسير : هذا أمر من الله سبحانه وتعالى للمطلقات المدخول بهن من ذوات الأقراء، بأن يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء، أي: بأن تمكث إحداهن بعد طلاق زوجها لها ثلاثة قروء، ثم تتزوج إن شاءت، وقد أخرج الأئمة الأربعة من هذا العموم الأمة إذا طلقت، فإنها تعتد عندهم بقرأين؛ لأنها على نصف من الحرة، والقرء لا يتبعض، فكمل لها قرءان، ولما رواه ابن جرير عن مظاهر بن أسلم المخزومي المدني، عن القاسم، عن عائشة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : طلاق الأمة تطليقتان، وعدتها حيضتان»تفسير : رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه، ولكن مظاهر هذا ضعيف بالكلية، وقال الحافظ الدارقطني وغيره: الصحيح أنه من قول القاسم بن محمد نفسه، ورواه ابن ماجه من طريق عطية العوفي عن ابن عمر مرفوعاً، قال الدارقطني: والصحيح ما رواه سالم ونافع عن ابن عمر من قوله، وهكذا روي عن عمر ابن الخطاب. قالوا: ولم يعرف بين الصحابة خلاف، وقال بعض السلف: بل عدتها كعدة الحرة؛ لعموم الآية، ولأن هذا أمر جبلي، فكان الحرائر والإماء في هذا سواء، حكى هذا القول الشيخ أبو عمر بن عبد البر، عن محمد بن سيرين وبعض أهل الظاهر، وضعفه. وقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي حدثنا أبو اليمان، حدثنا إسماعيل، يعني ابن عياش، عن عمرو بن مهاجر، عن أبيه، أن أسماء بنت يزيد بن السكن الأنصارية، قالت: طلقت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يكن للمطلقة عدة، فأنزل الله عز وجل حين طلقت أسماء العدة للطلاق، فكانت أول من نزلت فيها العدة للطلاق، يعني: {وَٱلْمُطَلَّقَـٰتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَـٰثَةَ قُرُوۤءٍ}، وهذا حديث غريب من هذا الوجه. وقد اختلف السلف والخلف والأئمة في المراد بالأقراء ما هو على قولين: (أحدهما): أن المراد بها الأطهار، وقال مالك في الموطأ: عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة أنها قالت: انتقلت حفصة بنت عبد الرحمن بن أبي بكر حين دخلت في الدم من الحيضة الثالثة، قال الزهري: فذكرت ذلك لعمرة بنت عبد الرحمن، فقالت: صدق عروة، وقد جادلها في ذلك ناس، فقالوا: إن الله تعالى يقول في كتابه: {ثَلَـٰثَةَ قُرُوۤءٍ}. فقالت عائشة: صدقتم، وتدرون ما الأقراء؟ إنما الأقراء الأطهار، وقال مالك، عن ابن شهاب: سمعت أبا بكر بن عبد الرحمن يقول: ما أدركت أحداً من فقهائنا إلا وهو يقول ذلك، يريد قول عائشة، وقال مالك عن نافع، عن عبد الله بن عمر، أنه كان يقول: إذا طلق الرجل امرأته، فدخلت في الدم من الحيضة الثالثة، فقد برئت منه، وبرىء منها، وقال مالك: وهو الأمر عندنا. وروي مثله عن ابن عباس وزيد بن ثابت وسالم والقاسم وعروة وسليمان بن يسار، وأبي بكر بن عبد الرحمن وأبان بن عثمان وعطاء بن أبي رباح وقتادة والزهري وبقية الفقهاء السبعة، وهو مذهب مالك والشافعي، وغير واحد، وداود وأبي ثور، وهو رواية عن أحمد، واستدلوا عليه بقوله تعالى: {فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} أي: في الأطهار، ولما كان الطهر الذي يطلق فيه محتسباً، دل على أنه أحد الأقراء الثلاثة المأمور بها، ولهذا قال هؤلاء: إن المعتدة تنقضي عدتها وتبين من زوجها بالطعن في الحيضة الثالثة، وأقل مدة تصدق فيها المرأة في انقضاء عدتها اثنان وثلاثون يوماً ولحظتان، واستشهد أبو عبيد وغيره على ذلك بقول الشاعر، وهو الأعشى:شعر : ففي كل عام أنتَ جاشمُ غزوةٍ تَشُدُّ لأَقصاها عَزيمَ عَزائِكا مورثةً مالاً وفي الأصل رفعة لما ضاعَ فيها من قُروءِ نسائِكا تفسير : يمدح أميراً من أمراء العرب آثر الغزو على المقام، حتى ضاعت أيام الطهر من نسائه، لم يواقعهن فيه. (والقول الثاني): أن المراد بالأقراء: الحيض، فلا تنقضي العدة حتى تطهر من الحيضة الثالثة، زاد آخرون: وتغتسل منها، وأقل وقت تصدق فيه المرأة في انقضاء عدتها ثلاثة وثلاثون يوماً ولحظة، قال الثوري: عن منصور عن إبراهيم عن علقمة قال: كنا عند عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فجاءته امرأة فقالت: إن زوجي فارقني بواحدة أو اثنتين، فجاءني وقد وضعت مائي، ونزعت ثيابي وأغلقت بابي، فقال عمر لعبد الله بن مسعود: ما ترى؟ قال: أراها امرأته ما دون أن تحل لها الصلاة، قال عمر: وأنا أرى ذلك، وهكذا روي عن أبي بكر الصديق وعمر وعثمان وعلي وأبي الدرداء وعبادة ابن الصامت وأنس بن مالك وابن مسعود ومعاذ، وأبي بن كعب وأبي موسى الأشعري وابن عباس وسعيد بن المسيب وعلقمة والأسود وإبراهيم ومجاهد وعطاء وطاوس وسعيد بن جبير وعكرمة ومحمد ابن سيرين والحسن وقتادة والشعبي والربيع ومقاتل بن حيان والسدي ومكحول والضحاك وعطاء الخراساني أنهم قالوا: الأقراء الحيض، وهذا مذهب أبي حنيفة وأصحابه، وأصح الروايتين عن الإمام أحمد بن حنبل، وحكى عنه الأثرم أنه قال: الأكابر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولون: الأقراء الحيض، وهو مذهب الثوري والأوزاعي وابن أبي ليلى وابن شبرمة والحسن بن صالح بن حي وأبي عبيد وإسحاق بن راهويه، ويؤيد هذا ما جاء في الحديث الذي رواه أبو داود والنسائي من طريق المنذر بن المغيرة عن عروة بن الزبير عن فاطمة بنت أبي حبيش، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لها: «حديث : دعي الصلاة أيام أقرائك»تفسير : فهذا لو صح لكان صريحاً في أن القرء هو الحيض، ولكن المنذر هذا قال فيه أبو حاتم: مجهول ليس بمشهور، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال ابن جرير: أصل القرء في كلام العرب الوقت لمجيء الشيء المعتاد مجيئه في وقت معلوم، ولإدبار الشيء المعتاد إدباره لوقت معلوم، وهذه العبارة تقتضي أن يكون مشتركاً بين هذا وهذا، وقد ذهب إليه بعض الأصوليين، والله أعلم. وهذا قول الأصمعي أن القرء هو الوقت. وقال أبو عمرو بن العلاء: العرب تسمي الحيض قرءاً، وتسمي الطهر قرءاً، وتسمي الطهر والحيض جميعاً قرءاً. وقال الشيخ أبو عمر بن عبد البر: لا يختلف أهل العلم بلسان العرب والفقهاء أن القرء يراد به الحيض، ويراد به الطهر، وإنما اختلفوا في المراد من الآية ما هو على قولين. وقوله: {وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ فِىۤ أَرْحَامِهِنَّ} أي: من حبل أو حيض، قاله ابن عباس وابن عمر ومجاهد والشعبي والحكم بن عيينة والربيع بن أنس والضحاك، وغير واحد، وقوله: {إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ} تهديد لهن على خلاف الحق، دل هذا على أن المرجع في هذا إليهن؛ لأنه أمر لا يعلم إلا من جهتهن، ويتعذر إقامة البينة غالباً على ذلك، فرد الأمر إليهن، وتوعدن فيه؛ لئلا يخبرن بغير الحق، إما استعجالاً منها لانقضاء العدة، أو رغبة منها في تطويلها؛ لما لها في ذلك من المقاصد، فأمرت أن تخبر بالحق في ذلك من غير زيادة ولا نقصان. وقوله: {وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَٰلِكَ إِنْ أَرَادُوۤاْ إِصْلَـٰحاً} أي: وزوجها الذي طلقها أحق بردها، ما دامت في عدتها، إذا كان مراده بردها الإصلاح والخير، وهذا في الرجعيات، فأما المطلقات البوائن، فلم يكن حال نزول هذه الآية مطلقة بائن، وإنما كان ذلك لما حصروا في الطلقات الثلاث، فأما حال نزول هذه الآية، فكان الرجل أحق برجعة امرأته وإن طلقها مائة مرة، فلما قصروا في الآية التي بعدها على ثلاث تطليقات، صار للناس مطلقة بائن، وغير بائن. وإذا تأملت هذا، تبين لك ضعف ما سلكه بعض الأصوليين من استشهادهم على مسألة عود الضمير، هل يكون مخصصاً لما تقدمه من لفظ العموم أم لا بهذه الآية الكريمة، فإن التمثيل بها غير مطابق لما ذكروه، والله أعلم. وقوله {وَلَهُنَّ مِثْلُ ٱلَّذِى عَلَيْهِنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ} أي: ولهن على الرجال من الحق مثل ما للرجال عليهن، فليؤد كل واحد منهما إلى الآخر ما يجب عليه بالمعروف؛ كما ثبت في صحيح مسلم عن جابر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في خطبته في حجة الوداع: «حديث : فاتقوا الله في النساء، فإنكم أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحداً تكرهونه، فإن فعلن ذلك، فاضربوهن ضرباً غير مبرح، ولهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف»تفسير : وفي حديث بهز بن حكيم عن معاوية بن حيدة القشيري عن أبيه عن جده أنه قال: يا رسول الله ما حق زوجة أحدنا؟ قال: «حديث : أن تطعمها إذا طعمت، وتكسوها إذا اكتسيت، ولا تضرب الوجه، ولا تقبح، ولا تهجر إلا في البيت»تفسير : وقال وكيع: عن بشير بن سليمان، عن عكرمة عن ابن عباس، قال: إني لأحب أن أتزين للمرأة، كما أحب أن تتزين لي المرأة، لأن الله يقول: {وَلَهُنَّ مِثْلُ ٱلَّذِى عَلَيْهِنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ} ورواه ابن جرير وابن أبي حاتم، وقوله: {وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ} أي: في الفضيلة في الخلق والخلق والمنزلة وطاعة الأمر والإنفاق والقيام بالمصالح والفضل في الدنيا والآخرة، كما قال تعالى: {أية : ٱلرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى ٱلنِّسَآءِ بِمَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَآ أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَٰلِهِمْ}تفسير : [النساء: 34]. وقوله: {وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكُيمٌ} أي: عزيز في انتقامه ممن عصاه وخالف أمره، حكيم في أمره وشرعه وقدره.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَٱلْمُطَلَّقَٰتُ يَتَرَبَّصْنَ } أي لينتظرن {بِأَنفُسِهِنَّ } عن النكاح {ثَلَٰثَةَ قُرُوء } تمضي من حين الطلاق، جمع قرء بفتح القاف، وهو الطهر أو الحيض قولان وهذا في المدخول بهن أما غيرهن فلا عدّة عليهن لقوله: { أية : فما لكم عليهن من عدّة } تفسير : [49:33] وفي غير الآيسة والصغيرة فعدّتهن ثلاثة أشهر والحوامل فعدّتهن أن يضعن حملهن كما في (سورة الطلاق)[4:65] والإماء فعدّتهن قرءان بالسنة {وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ فِى أَرْحَامِهِنَّ} من الولد أو الحيض {إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلأَخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ } أزواجهن {أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ } بمراجعتهن ولو أبين {فِي ذٰلِكَ } أي في زمن التربص {إِنْ أَرَادُواْ إِصْلَٰحاً } بينهما لإِضرار المرأة وهو تحريض على قصده لا شرط لجواز الرجعة وهذا في الطلاق الرجعي( وأحق) لا تفضيل فيه إذ لا حق لغيرهم في نكاحهن في العدّة {وَلَهُنَّ } على الأزواج {مِثْلُ ٱلَّذِى } لهم {عَلَيْهِنَّ } من الحقوق {بِٱلْمَعْرُوفِ } شرعاً من حسن العشرة وترك لإضرار ونحو ذلك {وَلِلرّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ } فضيلة في الحق من وجوب طاعتهن لهم لما ساقوه من المهر والإنفاق {وَٱللَّهُ عَزِيزٌ } في ملكه {حَكِيمٌ } فيما دبره لخلقه.
الشوكاني
تفسير : قوله: {وَٱلْمُطَلَّقَـٰتُ } يدخل تحت عمومه المطلقة قبل الدخول، ثم خصص بقوله تعالى: {أية : فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا } تفسير : [الأحزاب: 49] فوجب بناء العام على الخاص، وخرجت من هذا العموم المطلَّقة قبل الدخول، وكذلك خرجت الحامل بقوله تعالى: {أية : وَأُوْلَـٰتُ ٱلأحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ } تفسير : [الطلاق: 4] وكذلك خرجت الآيسة بقوله تعالى: {أية : فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَـٰثَةُ أَشْهُرٍ }تفسير : [الطلاق: 4] والتربص: الانتظار، قيل: هو خبر في معنى الأمر أي: ليتربصن قصد بإخراجه مخرج الخبر تأكيد وقوعه، وزاده تأكيداً وقوعه خبراً للمبتدأ. قال ابن العربي: وهذا باطل، وإنما هو: خبر عن حكم الشرع، فإن وجدت مطلقة لا تتربص، فليس ذلك من الشرع، ولا يلزم من ذلك، وقوع خبر الله سبحانه على خلاف مخبره. والقروء: جمع قرء. وروي عن نافع أنه قرأ: «قرو» بتشديد الواو. وقرأه الجمهور بالهمز. وقرأ الحسن بفتح القاف، وسكون الراء، والتنوين. قال الأصمعي: الواحد قرء بضم القاف. وقال أبو زيد بالفتح: وكلاهما قال: أقرأت المرأة: حاضت، وأقرأت: ظهرت. وقال الأخفش: أقرأت المرأة: إذا صارت صاحبة حيض، فإذا حاضت قلت: قرأت بلا ألف. وقال أبو عمرو بن العلاء من العرب من يسمي الحيض قرءاً، ومنهم من يسمي الطهر قرءاً، ومنهم من يجمعهما جميعاً، فيسمي الحيض مع الطهر قرءاً، وينبغي أن يعلم أن القرء في الأصل: الوقت؛ يقال: هبت الرياح لقرئها، ولقارئها: أي: لوقتها، ومنه قول الشاعر:شعر : كَرهتُ العَقْر عقربني شَليل إذَا هَبَّتْ لقارئها الرَّياحُ تفسير : فيقال للحيض: قرء، وللطهر: قرء؛ لأن كل واحد منهما له وقت معلوم. وقد أطلقته العرب تارة على الأطهار، وتارة على الحيض، فمن إطلاقه على الأطهار قول الأعشى:شعر : أفِي كلٍ عَامٍ أنتَ جَاشِمُ غَزْوةٍ تَشُدّ لأقصَاهَا عزيم عَزَائكا موِّرثة مَالاً وفي الحي رفعة لِما ضَاعَ فِيها من قُرُوءِ نِسائكا تفسير : أي أطهارهن، ومن إطلاقه على الحيض قول الشاعر:شعر : يَا ربَّ ذي حِنْق عليّ قَارضٍ له قُرُوّ كقُروُّ الحائِض تفسير : يعني أنه طعنه، فكان له دم كدم الحائض. وقال قوم: هو مأخوذ من قري الماء في الحوض، وهو جمعه، ومنه القرآن لاجتماع المعاني فيه. قال عمرو بن كلثوم:شعر : ذِراعَي عَيْطَلٍ أدْمَاء بِكرٍ هِجَانِ اللونِ لِم تَقْرَأ جنينا تفسير : أي: لم تجمعه في بطنها. والحاصل أن القروء في لغة العرب مشترك بين الحيض، والطهر، ولأجل هذا الاشتراك، اختلف أهل العلم في تعيين ما هو المراد بالقروء المذكورة في الآية، فقال أهل الكوفة: هي الحيض، وهو قول عمر، وعليّ، وابن مسعود، وأبي موسى، ومجاهد، وقتادة، والضحاك، وعكرمة، والسدي، وأحمد بن حنبل. وقال أهل الحجاز: هي: الأطهار، وهو قول عائشة، وابن عمر، وزيد بن ثابت، والزهري، وأبان بن عثمان، والشافعي. واعلم أنه قد وقع الاتفاق بينهم على أن القرء الوقت، فصار معنى الآية عند الجميع: والمطلقات يتربصن بأنفسهنّ ثلاثة أوقات، فهي على هذا مفسرة في العدد مجملة في المعدود، فوجب طلب البيان للمعدود من غيرها، فأهل القول الأول استدلوا على أن المراد في هذه الآية الحيض بقوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : دعي الصلاة أيام أقرائك» تفسير : وبقوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : طلاق الأمة تطليقتان، وعدّتها حيضتان» تفسير : وبأن المقصود من العدّة استبراء الرحم، وهو يحصل بالحيض لا بالطهر. واستدل أهل القول الثاني بقوله تعالى: {أية : فَطَلّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ }تفسير : [الطلاق: 1] ولا خلاف أنه يؤمر بالطلاق، وقت الطهر، ولقوله صلى الله عليه وسلم لعمر: «حديث : مُرْه فليراجعها، ثم ليمسكها حتى تطهر، ثم تحيض، ثم تطهر، فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء» تفسير : وذلك؛ لأن زمن الطهر هو الذي تطلق فيه النساء. قال أبو بكر بن عبد الرحمن: ما أدركنا أحداً من فقهائنا إلا يقول بأن الأقراء هي: الأطهار، فإذا طلق الرجل في طهر لم يطأ فيه اعتدت بما بقي منه، ولو ساعة، ولو لحظة، ثم استقبلت طهراً ثانياً بعد حيضة، فإذا رأت الدم من الحيضة الثالثة خرجت من العدّة. انتهى. وعندي أن لا حجة في بعض ما احتج به أهل القولين جميعاً. أما قول الأولين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : دعي الصلاة أيام أقرائك» تفسير : فغاية ما في هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم أطلق الأقراء على الحيض، ولا نزاع في جواز ذلك كما هو شأن اللفظ المشترك، فإنه يطلق تارة على هذا، وتارة على هذا، وإنما النزاع في الأقراء المذكورة في هذه الآية، وأما قوله صلى الله عليه وسلم في الأمة: «حديث : وعدّتها حيضتان»تفسير : فهو حديث أخرجه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه، والدارقطني، والحاكم وصححه، من حديث عائشة مرفوعاً. وأخرجه ابن ماجه، والبيهقي من حديث ابن عمر مرفوعاً أيضاً، ودلالته على ما قاله الأولون قوية. وأما قولهم: إن المقصود من العدّة استبراء الرحم، وهو يحصل بالحيض لا بالطهر، فيجاب عنه بأنه إنما يتم لو لم يكن في هذه العدّة شيء من الحيض على فرض تفسير الأقراء بالأطهار، وليس كذلك بل هي مشتملة على الحيض، كما هي مشتملة على الأطهار، وأما استدلال أهل القول الثاني بقوله تعالى: {أية : فَطَلّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ } تفسير : [الطلاق: 1] فيجاب عنه بأن التنازع في اللام في قوله: {لِعِدَّتِهِنَّ } يصير ذلك محتملاً، ولا تقوم الحجة بمحتمل. وأما استدلالهم بقوله لعمر: «حديث : مُرْه فليراجعها»تفسير : الحديث، فهو في الصحيح، ودلالته قوية على ما ذهبوا إليه، ويمكن أن يقال إنها تنقضي العدّة بثلاثة أطهار، أو بثلاث حِيَض، ولا مانع من ذلك، فقد جوز جمع من أهل العلم حمل المشترك على معنييه، وبذلك يجمع بين الأدلة، ويرتفع الخلاف، ويندفع النزاع. وقد استشكل الزمخشري تمييز الثلاثة بقوله: قروء، وهي جمع كثرة دون أقراء التي هي من جموع القلة. وأجاب بأنهم يتسعون في ذلك، فيستعملون كل واحد من الجمعين مكان الآخر لاشتراكهما في الجمعية. قوله: {وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ فِى أَرْحَامِهِنَّ } قيل: المراد به: الحيض، وقيل: الحمل. وقيل كلاهما، ووجه النهي عن الكتمان ما فيه في بعض الأحوال من الإضرار بالزوج، وإذهاب حقه؛ فإذا قالت المرأة: حضت، وهي لم تحض ذهبت بحقه من الارتجاع؛ وإذا قالت لم تحض، وهي قد حاضت ألزمته من النفقة ما لم يلزمه، فاضرّت به، وكذلك الحمل ربما تكتمه التقطع حقه من الارتجاع، وربما تدّعيه لتوجب عليه النفقة، ونحو ذلك من المقاصد المستلزمة للإضرار بالزوج. وقد اختلفت الأقوال في المدّة التي تصدَّق فيها المرأة إذا ادّعت انقضاء عدّتها. وقوله: {إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلأخِرِ } فيه، وعيد شديد للكاتمات، وبيان أن من كتمت ذلك منهنّ لم تستحق اسم الإيمان. والبعولة جمع بعل، وهو الزوج، سمي بعلاً لعلوّه على الزوجة؛ لأنهم يطلقونه على الرب، ومنه قوله: تعالى: {أية : أَتَدْعُونَ بَعْلاً }تفسير : [الصافات: 125] أي: رباً. ويقال: بعول، وبعولة، كما يقال في جمع الذكر ذكور، وذكورة، وهذه التاء لتأنيث الجمع، وهو شاذ لا يقاس عليه بل يعتبر فيه السماع، والبعولة أيضاً تكون مصدراً من بعل الرجل يبعل، مثل منع يمنع. أي: صار بعلاً. وقوله: {أَحَقُّ بِرَدّهِنَّ } أي: برجعتهنّ، وذلك يختص بمن كان يجوز للزوج مراجعتها، فيكون في حكم التخصيص لعموم قوله: {وَٱلْمُطَلَّقَـٰتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ } لأنه يعم المثلثات، وغيرهنّ. وقوله: {فِي ذٰلِكَ } يعني في مدة التربص، فإن انقضت مدّة التربص، فهي أحق بنفسها، ولا تحلّ له إلا بنكاح مستأنف بوليّ، وشهود، ومهر جديد، ولا خلاف في ذلك، والرجعة تكون باللفظ، وتكون بالوطء، ولا يلزم المراجع شيء من أحكام النكاح بلا خلاف. وقوله: {إِنْ أَرَادُواْ إِصْلَـٰحاً } أي: بالمراجعة، أي: إصلاح حاله معها، وحالها معه، فإن قصد الإضرار بها، فهي محرّمة لقوله تعالى: {وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لّتَعْتَدُواْ} قيل: وإذا قصد بالرجعة الضرار، فهي صحيحة، وإن ارتكب بذلك محرّماً، وظلم نفسه، وعلى هذا، فيكون الشرط المذكور في الآية للحث للأزواج على قصد الصلاح، والزجر لهم عن قصد الضرار، وليس المراد به جعل قصد الإصلاح شرطاً لصحة الرجعة. قوله: {وَلَهُنَّ مِثْلُ ٱلَّذِى عَلَيْهِنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ } أي: لهنّ من حقوق الزوجية على الرجال بمثل ما للرجال عليهنّ. فيحسن عشرتها بما هو معروف من عادة الناس أنهم يفعلونه لنسائهم. وهي: كذلك تحسن عشرة زوجها بما هو معروف من عادة النساء أنهنّ يفعلنه؛ لأوزاجهنّ من طاعة، وتزين، وتحبب، ونحو ذلك. قوله: {وَلِلرّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ } أي: منزلة ليست لهنّ، وهو قيامه عليها في الإنفاق، وكونه من أهل الجهاد، والعقل، والقوّة، وله من الميراث أكثر مما لها، وكونه يجب عليها امتثال أمره، والوقوف عند رضاه، ولو لم يكن من فضيلة الرجال على النساء إلا كونهنّ خلقن من الرجال لما ثبت أن حوّاء خلقت من ضلع آدم. وقد أخرج أبو داود، وابن أبي حاتم، والبيهقي في سننه، عن أسماء بنت يزيد بن السكن الأنصارية قالت: طلِّقْتُ على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يكن للمطلقة عدّة، فأنزل الله حين طلقت العدّة للطلاق، فقال: {وَٱلْمُطَلَّقَـٰتُ يَتَرَبَّصْنَ } الآية. وأخرج أبو داود، والنسائي، وابن المنذر عن ابن عباس: {وَٱلْمُطَلَّقَـٰتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَـٰثَةَ قُرُوء } ثم قال: {أية : وَٱللاَّئِى يَئِسْنَ مِنَ ٱلْمَحِيضِ مِن نّسَائِكُمْ إِنِ ٱرْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَـٰثَةُ أَشْهُرٍ }تفسير : [الطلاق: 4] فنسخ، وقال: {أية : ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا }تفسير : [الأحزاب: 49]. وأخرج مالك، والشافعي، وعبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والدارقطني، والبيهقي من طرق، عن عائشة؛ أنها قالت: الأقراء: الأطهار. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر، والبيهقي عن ابن عمر، وزيد بن ثابت مثله. وأخرج المذكورون، عن عمرو بن دينار، قال: الأقراء: الحيض عن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم. وأخرج البيهقي، وابن جرير، عن ابن عباس في قوله: {ثَلَـٰثَةَ قُرُوء } قال: ثلاث حيض. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر، عن قتادة في قوله تعالى: {وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ فِى أَرْحَامِهِنَّ } قال: كانت المرأة تكتم حملها حتى تجعله لرجل آخر، فنهاهنّ الله عن ذلك. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عمر في الآية قال: الحمل، والحيض، وأخرج عبد الرزاق، وسعيد بن منصور، عن مجاهد نحوه. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي عن ابن عباس في قوله تعالى: {وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدّهِنَّ } يقول: إذا طلق الرجل امرأته تطليقة، أو تطليقتين، وهي حامل، فهو أحقّ برجعتها ما لم تضع حملها، وهو قوله: {وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ فِى أَرْحَامِهِنَّ }. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، والبيهقي، عن مجاهد في قوله: {وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدّهِنَّ فِي ذٰلِكَ } قال: في العدّة. وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، عن قتادة مثله، وزاد ما لم يطلقها ثلاثاً. وأخرج ابن جرير عن الضحاك في قوله: {وَلَهُنَّ مِثْلُ ٱلَّذِى عَلَيْهِنَّ } قال: إذا أطعن الله، وأطعن أزواجهنّ، فعليه أن يحسن صحبتها، ويكف عنها أذاه، وينفق عليها من سعته. وقد أخرج أهل السنن عن عمرو بن الأحوص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : ألا إن لكم على نسائكم حقاً، ولنسائكم عليكم حقاً، أما حقكم على نسائكم أن لا يوطئن، فُرُشكم من تكرهون، ولا يأذنَّ في بيوتكم لمن تكرهون، ألا وحقهنّ عليكم أن تحسنوا إليهن في كسوتهنّ، وطعامهنّ»تفسير : وصححه الترمذي. وأخرج أحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، وابن جرير، والحاكم وصححه، والبيهقي عن معاوية بن حيدة القشيري: «أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم ما حق المرأة على الزوج؟ قال: "حديث : أن تطعمها إذا طعمت، وتكسوها إذا اكتسيت، ولا تضرب الوجه، ولا تهجر إلا في البيت»تفسير : . وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن مجاهد في قوله: {وَلِلرّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ } قال: فضل ما فضله الله به عليها من الجهاد، وفضل ميراثه على ميراثها، وكل ما فضل به عليها. وأخرج عبد بن حميد، وابن أبي حاتم، عن أبي مالك في الآية قال: يطلقها، وليس لها من الأمر شيء. وأخرجا عن زيد بن أسلم قال: الإمارة.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوءٍ} يعني المخليات، والطلاق: التخلية كما يقال للنعجة المهملة بغير راع: طالق، فسميت المرأة المَخْلي سبيلها بما سميت به النعجة المهمل أمرها، وقيل إنه مأخوذ من طلق الفرس، وهو ذهابه شوطاً لا يمنع، فسميت المرأة المُخْلاَةُ طالقاً لأنها لا تمنع من نفسها بعد أن كانت ممنوعة، ولذلك قيل لذات الزوج إنها في حباله لأنها كالمعقولة بشيء، وأما قولهم طَلَقَتْ المرأة فمعناه غير هذا، إنما يقال طَلَقَتْ المرأة إذا نَفَسَتْ، هذا من الطلْق وهو وجع الولادة، والأول من الطَّلاَقِ. ثم قال تعالى: { يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوءٍ} أي مدة ثلاثة قروء، واختلفوا في الأقراء على قولين: أحدهما: هي الحِيَضُ، وهو قول عمر، وعليّ، وابن مسعود، وأبي موسى، ومجاهد، وقتادة، والضحاك، وعكرمة، والسدي، ومالك، وأبي حنيفة، وأهل العراق، استشهاداً بقول الشاعر: شعر : يا رُبَّ ذي صغن عليّ فارض له قروءٌ كقروءِ الحائض تفسير : والثاني: هي الأطهار، وهو قول عائشة، وابن عمر، وزيد بن ثابت، والزهري، وأبان بن عثمان، والشافعي، وأهل الحجاز، استشهاداً بقول الأعشى: شعر : أفي كلِّ عامٍ أنتَ جَاشِمُ غزوةً تَشُدُّ لأقصاها عزِيمَ عزائِكَا مُوَرّثَةً مالاً وفي الحيِّ رِفعَةٌ لِمَا ضاعَ فيها من قروءِ نِسائكا تفسير : واختلفوا في اشتقاق القرء على قولين: أحدهما: أن القرء الاجتماع، ومنه أخذ اسم القرآن لاجتماع حروفه، وقيل: قد قرأ الطعام في شدقه وقرأ الماء في حوضه إذا جمعه، وقيل: ما قرأتِ الناقة سَلَى قط، أي لم يجتمع رحمها على ولد قط، قال عمرو بن كلثوم: شعر : تُرِيكَ إذا دَخَلْتَ على خَلاءٍ وقد أمنَتْ عُيونُ الكَاشِحِينا ذِرَاعَيْ عَيْطَلٍ أدْمَاءَ بكرِ هَجَانَ اللون لم تقرَأْ جَنِينَا تفسير : وهذا قول الأصمعي، والأخفش، والكسائي، والشافعي، فمن جعل القروء اسماً للحيض سماه بذلك، لاجتماع الدم في الرحم، ومن جعله اسماً للطهر فلاجتماعه في البدن. والقول الثاني: أن القرء الوقت، لمجيء الشيء المعتاد مجِيؤه لوقت معلوم، ولإدبار الشيء المعتاد إدباره لوقت معلوم، وكذلك قالت العرب: أَقْرأَتْ حاجة فلان عندي، أي دنا وقتها وحان قضاؤها. وأَقْرَأَ النجم إذا جاء وقت أُفوله، وقرأ إذا جاء وقت طلوعه، قال الشاعر: شعر : إذا ما الثُّرَيَّا وقد أقَرْأَتْ ........................ تفسير : وقيل: أقرأت الريح، إذا هبت لوقتها، قال الهذلي: شعر : كَرِهتُ العقْرَ عَقْرَ بني شليل إذا لِقَارئِهَا الرِّياح تفسير : يعني هبت لوقتها، وهذا قول أبي عمرو بن العلاء. فمن جعل القرْء اسماً للحيض، فلأنه وقت خروج الدم المعتاد، ومن جعله اسماً للطهر، فلأنه وقت احتباس الدم المعتاد. ثم قال تعالى: {وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللهُ في أَرْحَامِهِنَّ} فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: أنه الحيض، وهو قول عكرمة، والزهري، والنخعي. والثاني: أنه الحمل، قاله عمر وابن عباس. والثالث: أنه الحمل والحيض قاله عمر ومجاهد. {إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ} وعيد من الله لهن، واختلف في سبب الوعيد على قولين: أحدهما: لما يستحقه الزوج من الرجعة، وهو قول ابن عباس. والثاني: لإلحاق نسب الوليد بغيره كفعل الجاهلية، وهو قول قتادة. ثم قال تعالى: {وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ في ذَلِكَ} البعل: الزوج، سُمِّيَ بذلك، لعلوه على الزوجة بما قد ملكه عن زوجيتها ومنه قوله تعالى: {أية : أَتَدْعُونَ بَعْلاً} تفسير : [الصافات: 125] أي رَبّاً لعلوه بالربوبية، {أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذلِكَ} أي برجعتهن، وهذا مخصوص في الطلاق الرجعي دون البائن. {إِنْ أَرَادُوا إِصْلاَحاً} يعني إصلاح ما بينهما من الطلاق. ثم قال تعالى: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ} وفيه ثلاثة تأويلات: أحدها: ولهن من حسن الصحبة والعشرة بالمعروف على أزواجهن، مثل الذي عليهن من الطاعة، فيما أوجبه الله تعالى عليهن لأزواجهن، وهو قول الضحاك. والثاني: ولهن على أزواجهن من التصنع والتزين، مثل ما لأزواجهن، وهو قول ابن عباس. والثالث: أن الذي لهن على أزواجهن، ترك مضارتهن، كما كان ذلك لأزواجهن، وهو قول أبي جعفر. ثم قال تعالى: {وَلِلرِّجَالِ عَلَيهِنَّ دَرَجَةٌ} وفيه خمسة تأويلات: أحدها: فضل الميراث والجهاد، وهو قول مجاهد. والثاني: أنه الإمْرَةُ والطاعة، وهو قول زيد بن أسلم، وابنه عبد الرحمن. والثالث: أنه إعطاء الصداق، وأنه إذا قذفها لاعنها، وإن قذفته حُدَّتْ، وهو قول الشعبي. والرابع: أفضاله عليها، وأداء حقها إليها، والصفح عما يجب له من الحقوق عليها، وهو قول ابن عباس وقتادة. والخامس: أن جعل له لحْية، وهو قول حميد.
ابن عطية
تفسير : قرأ جمهور الناس "قروء" على وزن فعول، اللام همزة، وروي عن نافع شد الواو دون همز، وقرأ الحسن "ثلاثة قَرْوٍ" بفتح القاف وسكون الراء وتنوين الواو خفيفة، وحكم هذه الآية مقصده الاستبراء لا أنه عباة، ولذلك خرجت منه من لم يبن بها. بخلاف عدة الوفاة التي هي عبادة، و {المطلقات} لفظ عموم يراد به الخصوص في المدخول بهن، ولم تدخل في العموم المطلقة قبل البناء ولا الحامل ولا التي لم تحض ولا القاعد، وقال قوم: تناولهن العموم ثم نسخن، وهذا ضعيف فإنما الآية فيمن تحيض، وهو عرف النساء وعليه معظمهن، فأغنى ذلك عن النص عليه، والقرء في اللغة الوقت المعتاد تردده، وقرء النجم وقت طلوعه، وكذلك وقت أفوله وقرء الريح وقت هبوبها، ومنه قول الراجز: [الرجز] شعر : يا رب ذي ضغن على فارض له قروء كقروء الحائض تفسير : أراد وقت غضبه، فالحيض على هذا يسمى قرءاً، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : اتركي الصلاة أيام اقرائك" تفسير : ، أي أيام حيضك، وكذلك على هذا النظر يسمى الطهر قرءاً، لأنه وقت معتاد تردده يعاقب الحيض، ومنه قول الأعشى: شعر : أفي كلّ عامٍ أنْتَ جاشِمُ غزوةِ تَشُدُّ لأقْصَاها عَزِيمَ عَزَائِكَا مورثة مالاً وفي الحي رفعة بما ضاع فيها من قروء نسائكا تفسير : أي من أطهارهن، وقال قوم: القرء مأخوذ من قرء الماء في الحوض، وهو جمعه، فكـأن الحرم تجمع الدم وقت الحيض والجسم يجمعه وقت الطهر، واختلف أيهما أراد الله تعالى بالثلاثة التي حددها للمطلقة، فقال أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وابن عباس والضحاك ومجاهد والربيع وقتادة وأصحاب الرأي وجماعة كبيرة من أهل العلم: المراد الحيض، فإذا طلق الرجل امرأته في طهر لم يطأ فيه استقبلت حيضة ثم حيضة ثم حيضة فإذا اغتسلت من الثالثة خرجت من العدة، وقال بعض من يقول بالحيض إذا طهرت من الثالثة انقضت العدة قبل الغسل، هذا قول سعيد بن جبير وغيره، وقالت عائشة وابن عمر وجماعة من الصحابة والتابعين ومن بعدهم منهم سليمان بن يسار ومالك: المراد الاطهار، فإذا طلق الرجل امرأته في طهر لم يطأ فيه اعتدت بما بقي منه ولو ساعة، وثم استقبلت طهراً ثانياً بعد حيضة ثم ثالثاً بعد حيضة ثانية، فإذا رأت الدم من الحيضة الثالثة حلت للأزواج وخرجت من العدة، فإن طلق مطلق في طهر قد مس فيه لزمه الطلاق وقد أساء، واعتدت بما بقي من ذلك الطهر. وقول ابن القاسم ومالك إن المطلقة إذا رأت أول نقطة من الحيضة الثالثة خرجت من العصمة. وهو مذهب زيد بن ثابت وغيره، وقال أشهب: لا تنقطع العصمة والميراث حتى يتحقق أنه دم حيض لئلا يكون دفعة دم من غير الحيض، واختلف المتأولون في المراد بقوله {ما خلق} فقال ابن عمر ومجاهد والربيع وابن زيد والضحاك وهو الحيض والحبل جميعاً، ومعنى النهي عن الكتمان النهي عن الإضار بالزوج وإذهاب حقه، فإذا قالت المطلقة حضت وهي لم تحض ذهبت بحقه من الارتجاع، وإذا قالت لم أحض وهي قد حاضت ألزمته من النفقة ما لم يلزمه، فأضرت به، أو تقصد بكذبها في نفي الحيض أن لا يرتجع حتى تتم العدة ويقطع الشرع حقه، وكذلك الحامل تكتم الحمل لينقطع حقه من الارتجاع، وقال قتادة: "كانت عادتهن في الجاهلية أن يكتمن الحمل ليلحقن الولد بالزوج الجديد ففي ذلك نزلت الآية"، وقال السدي: "سبب الآية أن الرجل كان إذا أراد أن يطلق امرأته سألها أبها حمل؟ مخافة أن يضر بنفسه وولده في فراقها، فأمرهن الله بالصدق في ذلك". وقال إبراهيم النخعي وعكرمة: المراد بــ {ما خلق} الحيض، وروي عن عمر وابن عباس أن المراد الحبل، والعموم راجح، وفي قوله تعالى: {ولا يحل لهن} ما يقتضي أنهن مؤتمنات على ما ذكر، ولو كان الاستقصاء مباحاً لم يكن كتم، وقرأ مبشر بن عبيد "في أرحامهُن" بضم الهاء، وقوله {إن كان يؤمنّ بالله واليوم الآخر} الآية، أي حق الإيمان فإن ذلك يقتضي أن لا يكتمن الحق، وهذا كما تقول: إن كنت حرً فانتصر، وأنت تخاطب حراً، وقوله {وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن أرادوا إصلاحاً}، البعل: الزوج، وجمعه على بعولة شاذ لا ينقاس. لكن هو المسموع. وقال قوم: الهاء فيه دالة على تأنيث الجماعة، وقيل: هي هاء تأنيث دخلت على بعول. وبعول لا شذوذ فيه. وقرأ مسعود "بردتهن" بزيادة تاء، وقرأ مبشر بن عبيد "بردهُن" بضم الهاء، ونص الله تعالى بهذه الآية على أن للزوج أن يرتجع امرأته المطلقة ما دامت في العدة، والإشارة بـ {ذلك} هي إلى المدة، ثم اقترن بما لهم من الرد شرط إرادة الإصلاح دون المضارة، كما تشدد على النساء في كتم ما في أرحامهن، وهذا بيان الأحكام التي بين الله تعالى وبين عباده في ترك النساء الكتمان وإرادة الرجال الإصلاح، فإن قصد أحد بعد هذا إفساداً أو كتمت امرأة ما في رحمها فأحكام الدنيا على الظاهر، والبواطن إلى الله تعالى يتولى جزاء كل ذي عمل. وتضعف هذه الآية قول من قال في المولي: إن بانقضاء الأشهر الأربعة تزول العصمة بطلقة بائنة لا رجعة فيها، لأن أكثر ما تعطي ألفاظ القرآن أن ترك الفيء في الأشهر الأربعة هو عزم الطلاق، وإذا كان ذلك فالمرأة من المطلقات اللواتي يتربصن وبعولتهن أحق بردهن. وقوله تعالى: {ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف}، قال ابن عباس: "ذلك في التزين والتصنع والمؤاتاة"، وقال الضحاك وابن زيد: ذلك في حسن العشرة وحفظ بعضهم لبعض وتقوى الله فيه، والآية تعم جميع حقوق الزوجية، وقوله {وللرجل عليهن درجة} قال مجاهد وقتادة: ذلك تنبيه على فضل حظه على حظها في الجهاد والميراث وما أشبهه، وقال زيد ابن أسلم وابنه: ذلك في الطاعة، عليها أن تطيعه وليس عليه أن يطيعها، وقال عامر الشعبي: "ذلك الصداق الذي يعطي الرجل، وأنه يلاعن إن قذف وتحد إن قذفت"، فقال ابن عباس: "تلك الدرجة إشارة إلى حض الرجال على حسن العشر والتوسع للنساء في المال والخلق"، أي إن الأفضل ينبغي أن يتحامل على نفسه، وهذا قول حسن بارع، وقال ابن إسحاق: "الدرجة الإنفاق وأنه قوام عليها"، وقال ابن زيد: "الدرجة ملك العصمة وأن الطلاق بيده"، وقال حميد: "الدرجة اللحية". وقال القاضي أبو محمد: وهذا إن صح عنه ضعيف لا يقتضيه لفظ الآية ولا معناها، وإذا تأملت هذه الوجوه التي ذكر المفسرون فيجيء من مجموعها درجة تقتضي التفضيل، و {عزيز} لا يعجزه أحد، و {حكيم} فيما ينفذه من الأحكام والأمور.
ابن عبد السلام
تفسير : {وَالْمُطَلَّقَاتُ} الطلاق: التخلية، النعجة المهملة بغير راعٍ طالق وبه سميت المرأة. {ثَلاَثَةَ قُرُوءٍ} مدة ثلاثة قروء، وهي الحيض، أو الأطهار، أخذ من الاجتماع، لاجتماع الدم في الرحم عند من رآها الحيض، أو لاجتماعه في البدن عند من رأها الأطهار، قرأ الطعام في شدقه والماء في حوضه جمعهما، أو القَرء: الوقت لمجىء ما يعتاد مجيئه، أو لإدباره، أقرأ النجم جاء وقت طلوعه أو أفوله. قال: شعر : إذا ما الثريا وقد أقرأت أحس السِّما كان منها أفولاً ...................... .. هبت لقارئها الرياح تفسير : فالقرء: وقت لخروج الدم، أو لاحتباسه. {مَا خَلَقَ اللَّهُ فِى أَرْحَامِهِنَّ} الحيض أو الحمل، أو كلاهما، توعدها لأنها تمنع بالكتمان رجعة الزوج، أو لإلحاق نسب الولد بغيره كفِعل الجاهلية. {وَبُعُولَتُهُنَّ} سموا بذلك لعلوهم عليهن، بعلا: ربًّا، لعلوه بالربوبية. {بِرَدِّهِنَّ} برجعهن. {وَلَهُنَّ} من حسن الصحبة مثل الذي للرجال عليهن من حسن الصحبة، أو لهن على الأزواج من التصنع مثل ما لأزواجهن عليهن قاله ابن عباس ـ رضي الله تعالى عنهماـ، أو لهن من ترك المضارة مثل ما عليهن. {وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ} بالميراث والجهاد، أو بالإمرة والطاعة، أو إعطاء الصداق والملاعنة إذا قذفها، أو بالإفضال عليها وأداء حقها والصفح عن حقوقه عليها، أو بأن جعل له لحية قاله حميد.
ابن عرفة
تفسير : قوله تعالى: {وَٱلْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ...}. هذا عام مخصوص (بالمطلقة قبل البناء والحامل والصغيرة والآيسة من الحيض. ابن عرفة: وهو (مخصوص) بدليل متصل لأنّ الحامل معلوم عمارة رحمها فلا بد من انتظارها وقت زوالها، ومن عداها معلوم براءة أرحامهن فلا فائدة في عدّتهن ثلاثة قروء. قيل لابن عرفة: هذا إن قلنا: لا تحيض، وأما على قول ابن القاسم بأنها تحيض فيكون مخصوصا بدليل منفصل عن الآية. قوله تعالى: {ثَلاَثَةَ قُرُوۤءٍ...}. مشترك بين الطّهر والحيض، والشافعي يقول: الأقراء هنا الحيض. والإمام مالك رضي الله عنه نقل الكل عنه أنها للأطهار، ونقل اللَّخمي عنه قولين، والقرء في اللغة الجمع. قيل لابن عرفة: كنتَ قلتَ لنا: إن هذا ليس من ذلك لأن الجمع من قريت الماء في الحوض غير مهموز، والقرء مهموز. وقلت لنا: الصحيح أنه للقدر المشترك وهو براءة الرحم؟ قال ابن عرفة: والظّاهر في لفظ الآية أن الأقراء الحيض، لأن التربص هو الانتظار، والانتظار يقتضي (أقراء مستقبلة)، وقد أمر الشارع بالطلاق في طهر لم تمس فيه، فإذا طلقها طاهرا، فإن قلنا: إن الأقراء: الحيض، صح الانتظار، وإن قلنا: الاطهار، لم يستقم إسناد الانتظار إليها لأن (القرء) الأول حاصل في الحال. فلا (يقال) له: انتظره. وأجيب: بأنّ الانتظار أسند ((لمجموع الثلاثة أطهار. (فقال: على أنّها الحيض يكون) الانتظار أسند لمجموعها)). ولكل واحد منها وعلى أنّها الأطهار فالانتظار مسند لمجموعها باعتبار الكل لا باعتبار الكلية. قوله تعالى: {وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ فِيۤ أَرْحَامِهِنَّ...}. قال ابن عرفة: هذا إخبار عن الحكم، فلا يصح أن يكون الشرط الذي بعده قيدا فيه لأن متعلق الخبر حاصل في نفس الأمر سواء حصل الشرط أو لا. لأن حكم الله لا يتبدل فلا يحل لهن ذلك سواء آمنّ أو كفرن، ولا بدّ أن يقال: إنه شرط في لازم ذلك الخبر. والتقدير لا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن فلا يكتُمنه إن كن يؤمن بالله، وهذا على سبيل التهييج لئلا يلزم عليه التكفير بالذنب وهو مذهب المعتزلة. قيل لابن عرفة: ما قلتموه إنما (يقوم) على أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة؟ وقال ابن عرفة: واستعمال الأشياء (المعقمة) المانعة من الحمل قبل (الحمل) كرهها في العتبية، وأما بعد الحمل في الأربعين فالجمهور على المنع من إسقاط الماء من الرحم ذكره ابن العربي وغيره. وحكى الإمام اللخمي فيه خلافا شاذا، وأما بعد التطوير والتكوين فأجمعوا على تحريم ذلك. قوله تعالى: {وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ...}. مخصوص بطلاق الخلع. وفي المدونة قولان إن قال لها: أنت طالق طلاق الخلع. قوله تعالى: {إِنْ أَرَادُوۤاْ إِصْلاَحاً...}. مفهومه: إن لم يريدوا إصلاحا فلا حق لهم سواء أرادوا الإفساد أو لم يريدوا شيئا. قيل لابن عرفة: فعلى هذا لايجوز أن يتزوجها ليطلقها إذ لا (إصلاح) فيه؟ فقال: قد يكون فيه الإصلاح، تأمل. قوله تعالى: {وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ...}. أي في التفضيل، وفي تفسير الدّرجة خلاف (فالجمهور) يحملونها على حسن العشرة كما قال ابن العباس رضي الله عنهما. وهذا الظاهر، فيقولون وله عليها من القيام بحقه المبادرة إلى غرضه ورفقه، مثل الذي عليه وزيادة درجة التقديم. ويريدون المعنوي وهو التفضيل ومن بدع التفاسير ما نقلوه عن ابن مسعود أن الدرجة (اللحية). قال ابن عرفة: والتفضيل هو الأمر المُباح مثل إذا تعارض سكناها في دار أرادتها مع سكناها في دار أخرى أرادها زوجها وهما مستويان، فينبغي للمرأة إيثار اختيار الزوج.
القمي النيسابوري
تفسير : القراءات: {أن يخافا} بضم الياء: يزيد وحمزة ويعقوب الباقون بفتح الياء {نبينها} بالنون المفضل. الباقون بياء الغيبة {يفعل ذلك} مدغماً حيث كان: أبو الحرث عن علي {فقد ظلم} مظهراً: ابن كثير وأبو جعفر ونافع غير ورش وعاصم غير الأعشى. الوقوف: {قروء} ط {الآخر} ط {إصلاحاً} ط {بالمعروف} ص لعطف المتفقتين ولا تمام المقصود في تفضيل الرجال {درجة} ط {حكيم} ه {مرتان} ص لعطف المتفقتين {بإحسان} ط {حدود الله} الأول ط {افتدت به} ط {تعتدوها} ج {الظالمون} ه {غيره} ص لأن الطلاق للزوج الثاني على خطر الوجود لا منتظر معهود فكان خارجاً من مقتضى الجملة الأولى {أن يقيما حدود الله} ط {يعلمون} ه {أو سرحوهن بمعروف} ص لطول الكلام {لتعتدوا} ج {نفسه} ط {هزوا} ص لطول ما بعده {يعظكم به} ط {بالمعروف} ط {الآخر} ط {وأطهر} ط {لا تعلمون} ه. التفسير: الحكم الحادي عشر: الطلاق. ويشتمل على أحكام أولها: وجوب العدة. واعلم أن المطلقة وهي التي أوقع الطلاق عليها إما أن تكون أجنبية ولا يقع الطلاق عليها في عرف الشرع بالإجماع وإما أن تكون منكوحة وحينئذ إما أن لا تكون مدخولاً بها ولا عدة عليه لقوله تعالى {أية : إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فمالكم عليهن من عدة تعتدونها} تفسير : [الأحزاب: 49] وإما أن تكون مدخولاً بها وحينئذ إن كانت حاملاً فعدتها بوضع الحمل قال تعالى: {أية : وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن} تفسير : [الطلاق: 4] وإن كانت حائلاً فإن امتنع الحيض في حقها إما للصغر المفرط أو الكبر المفرط فعدتها بالأشهر لا بالأقراء لقوله سبحانه {أية : واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن} تفسير : [الطلاق: 4] وإن كان المحيض في حقها ممكناً فإن كانت رقيقة فعدتها قرآن، وإن كانت حرة فعدتها ثلاثة أقراء لهذه الآية، فظهر أن قوله {والمطلقات} لا يتناول إلا المنكوحة الحرة المدخول بها كالحائل من ذوات الحيض. لا يقال: العام إنما يحسن تخصيصه إذا كان الباقي أكثر من حيث إنه جرت العادة بإطلاق لفظ الكل على الغالب لا المغلوب. فيقال: الثوب أسود إذا كان الغالب عليه السواد لا البياض. وههنا الباقي قسم واحد من الأقسام الخمسة فكيف يحسن إطلاق لفظ العام عليه؟ لأنا نقول: أما الأجنبية فتخرج بعرف الشرع كما مر، وأما غير المدخول بها فالقرينة تخرجها لأن المقصود من العدة براءة الرحم، وكذا الحامل والآيسة لأن إيجاب الاعتداء بالأقراء إنما يكون حيث يحصل الأقراء ولا أقراء في حقهما. وأما الرقيقة فتزويجها كالنادر فثبت أن اللفظ باقٍ على تناوله الأغلب. وإنما لم يقل وليتربصن المطلقات بل أخرج الأمر في صورة الخبر إشعاراً بأنه مما يجب أن يتلقى بالمسارعة إلى امتثاله، فكأنهن امتثلن فهو يخبر عن موجود. وبناء الكلام على المبتدأ مما زاده أيضاً فضل تأكيد وتقوّ. ولو قيل: "وليتربصن المطلقات" لم يكن بتلك الوكادة وفي ذكر الأنفس دون أن يقال "يتربصن ثلاثة قروء" تهييج لهن على التربص لأن فيه ما يستنكفن منه، فإن أنفس النساء طوامح إلى الرجال، نوازع إليهم، فأمرن أن يقبضن أنفسهن. والقروء جمع قرء بفتح القاف أو ضمها، والراء ساكنة في الحالين. وفي الصحاح بفتح القاف فقط. ولا خلاف أن اسم القرء يقع على الطهر والحيض، والمشهور أنه حقيقة فيهما. وقيل: حقيقة في الحيض مجاز في الطهر. وقيل بالعكس. وقيل: إنه موضوع لمعنى واحد مشترك بينهما إما لأن القرء هو الاجتماع ثم في وقت الحيض يجتمع الدم في الرحم وفي وقت الطهر يجتمع الدم في البدن وهو قول الأصمعي والأخفش والفراء والكسائي، وإما لأنه عبارة عن الانتقال من حالة إلى حالة وهو قول أبي عبيد، وإما لأن القرء هو الوقت. وقيل: "هذا قارئ الرياح" لوقت هبوبها. ولا يخفى أن لكل من الطهر والحيض وقتاً معيناً وهذا قول أبي عمرو بن العلاء. ثم إن الله تعالى أمر المطلقة بثلاثة أشياء تسمى أقراء، لكن العلماء أجمعوا على أن الثلاثة يجب أن تكون من أحد الجنسين. ثم اختلفوا فذهب الشافعي إلى أنها الأطهار، ويروى ذلك عن ابن عمر وزيد وعائشة ومالك وربيعة وأحمد في رواية. وقال عمر وعلي وابن مسعود: هي الحيض. وهو قول أبي حنيفة والثوري والأوزاعي وابن أبي ليلى. وفائدة الخلاف أن مدة العدة عند الشافعي أقصر حتى لو طلقها في حال الطهر يحسب بقية الطهر قرءاً وإن حاضت عقيبه في الحال إذا شرعت في الحيضة الثالثة انقضت عدتها. وعند أبي حنيفة ما لم تطهر من الحيضة الثالثة إن كان الطلاق في حال الطهر، أو من الحيضة الرابعة إن كان في حال الحيض لا يحكم بانقضاء عدتها. ثم قال: إذا طهرت لأكثر الحيض تنقضي عدتها قبل الغسل، وإن طهرت لأقل الحيض لم تنقض عدتها حتى تغتسل أو تتيمم عند عدم الماء أو يمضي عليها وقت صلاة حجة الشافعي قوله تعالى {أية : فطلقوهن لعدتهن} تفسير : [الطلاق: 1] أي في زمان عدتهن. وأجيب بأن معنى الآية مستقبلات لعدتهن كما تقول: "لثلاث بقين من الشهر" أي مستقبلاً لثلاث. وقيل: هذا يقوي استدلال الشافعي لأن قول القائل: "لثلاث بقين من الشهر" معناه لزمان يقع الشروع في الثلاث عقيبه. فمعنى الآية طلقوهن بحيث يحصل الشروع في العدة عقيبه. ولما كان الإذن حاصلاً بالتطليق في جميع زمان الطهر وجب أن يكون الطهر الحاصل عقيب زمان التطليق من العدة. وروي عن عائشة أنها قالت: هل تدرون ما الأقراء؟ الأقراء الأطهار. ثم قال الشافعي: النساء بهذا أعلم. وأيضاً التركيب يدل على الجمع. وأكثر أحوال الرحم اجتماعاً واشتمالاً على الدم آخر الطهر، إذ لو لم تمتلئ بذلك الفائض لما سالت إلى الخارج. فمن أول الطهر يأخذ في الاجتماع والازدياد إلى آخره، والآخر هو حال كمال الاجتماع فآخر الطهر هو القرء بالحقيقة. وأيضاً الاعتداد بالأطهار أقل زماناً من الاعتداد بالحيض، فيلزم المصير إليه لأن الأصل أن لا يكون لأحد على غيره حق الحبس والمنع. ولما كانت المدة أقل كان أقرب إلى هذا الأصل وأوفق له. وأيضاً الآية تدل على أنها إذا اعتدت بثلاثة أشياء تسمى أقراء خرجت عن العهدة فتكون متمكنة من الاعتداد بالأطهار التي مدتها أقل، ومن الاعتداد بالحيض التي مدتها أكثر، فيكون الاعتداد بالقدر الزائد على مدة الأطهار غير واجب. حجة أبي حنيفة قوله صلى الله عليه وسلم "حديث : دعي الصلاة أيام أقرائك" تفسير : وقوله "حديث : طلاق الأمة تطليقتان وعدتها حيضتان"تفسير : ولأن الغرض الأصلي من العدة استبراء الرحم والحيض هو الذي يستبرأ به الأرحام، ولأن الأصل في الأبضاع الحرمة، وفي تقليل مدة العدة تحليل بضعها للزوج الثاني. فالتكثير أحوط ولأن إطلاق طهر كامل على بعض الطهر خلاف الظاهر، وإذا تعارضت الوجوه ضعفت الترجيحات ويكون حكم الله تعالى في كل أحد ما أدى اجتهاده إليه. وانتصاب {ثلاث قروء} على أنه مفعول به كقولهم "المحتكر يتربص الغلاء" أي يتربصن مضي ثلاثة قروء. أو على الظرفية أي مدة ثلاثة قروء. وإنما جاء المميز على جمع الكثرة دو القلة التي هي الأقراء للاتساع فإنهم يستعملون كل واحد من الجمعين مكان الآخر ولهذا قال: {بأنفسهن} وما هي إلا نفوس كثيرة. وأيضاً فلعل القروء أكثر استعمالاً فنزلا القليل بمنزلة المهمل فيكون مثل قولهم "ثلاثة شسوع". ثم إن أمر العدة لما كان مبنياً على انقضاء القرء في حق ذوات الأقراء وعلى وضع الحمل في حق الحامل وكان الوصول إلى معرفة ذلك متعذراً على الرجال، جعلت المرأة أمينة في العدة، وجعل القول قولها إذا ادعت انقضاء قرئها في مدة يمكن ذلك فيها، وهو عند الشافعي اثنان وثلاثون يوماً وساعة. لأنها إذا طلقت طاهراً فحاضت بعد ساعة ثم حاضت يوماً وليلة - وهو أقل الحيض - ثم طهرت خمسة عشر يوماً - وهو أقل الطهر - ثم حاضت مرة أخرى يوماً وليلة، ثم طهرت خمسة عشر ثم رأت الدم، فقد انقضت عدتها لحصول ثلاثة أطهار. فمتى ادعت هذا أو أكثر منه قبل قولها، وكذلك إذا كانت حاملاً فادعت سقوط الولد كان القول قولها لأنها على أصل أمانتها ولهذا قال سبحانه: {ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن} فأكثر المفسرين قالوا: إن الكتمان راجع إلى الحبل والحيض معاً. وذلك أن المرأة لها أغراض كثيرة في كتمانهما. أما كتمان الحمل فإذا كتمت الحمل قصرت مدة عدتها فتتزوج بسرعة، وربما كرهت مراجعة الزوج الأول، وربما أحبت التزوج بزوج آخر وأحبت أن تلصق ولدها بالزوج الثاني. وأما كتمان الحيض فغرضها فيه أن المرأة إذا طلقها الزوج وهي من ذوات الأقراء، فقد تحب تطويل عدتها لكي يراجعها الزوج الأول، وقد تحب تقصير عدتها لتبطل رجعته، فإذا حاضت أولاً فكتمته ثم أظهرت عند الحيضة الثانية أن ذلك أول حيضها فقد طولت العدة، وهكذا إن كتمت الحيضة الثالثة. وإذا كتمت أن حيضها باق فقد قطعت الرجعة على زوجها. وقيل: المراد النهي عن كتمان الحبل فقط لأن المخلوق في الأرحام هو الحبل لا الحيض، ولأن حمل المعنى على ما هو شريف أولى لقوله تعالى {أية : هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء} تفسير : [آل عمران: 6] وقيل: المراد النهي عن كتمان الحيض لأن الآية وردت عقيب ذكر الأقراء ولم يتقدم ذكر الحمل. وقيل: يجوز أن يراد اللائي يبغين إسقاط ما في بطونهن من الأجنة فلا يعترفن به ويجحدنه لذلك، فجعل كتمان ما في أرحامهن كناية عن إسقاطه. وفي قوله {إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر} تعظيم لفعلهن، وإن من آمن بالله وبعقابه لا يجترئ على مثله من العظائم. وفيه أن من جعل أميناً في شيء فخان فيه فأمره عند الله شديد. الحكم الثاني للطلاق الحكم الثاني للطلاق: الرجعة وذلك قوله {وبعولتهن أحق بردهن} والبعل الزوج والجمع البعولة. والتاء لتأكيد التأنيث في الجماعة كصقورة. وليس هذا في كل جمع وإنما هو مقصور على السماع. ويقال للمرأة أيضاً بعل وبعلة كما يقال زوج وزوجة والبعل: السيد المالك. يقال: مَنْ بعل هذه الناقة؟ أي مَنْ ربها وصاحبها؟ ويجوز أن يراد بالبعولة المصدر من قوله "بعل حسن البعولة" وعلى هذا فالمضاف محذوف أي أهل بعولتهن أحق بردهن برجعتهن. قال تعالى في موضع: {أية : ولئن رددت إلى ربي} تفسير : [الكهف: 36] وفي موضع آخر {أية : ولئن رجعت} تفسير : [فصلت: 50] فكأنه يردها من التربص إلى خلافه، ومن الحرمة إلى الحل في ذلك أي في مدة التربص، لأنه إذا انقضى ذلك الوقت بطل حق الرد والرجعة. وإنما تكون البعولة أحق عند الله تعالى برجعتهن إن أرادوا إصلاحاً لما بينهم وبينهن وإحساناً إليهن لا الضرار وتطويل العدة كما في قوله {ولا تمسكوهن ضراراً لتعتدوا} فلو راجعها لقصد المضارة استوجب من الله العقاب، وإن صحت رجعته شرعاً لأنا نحكم بالظاهر والله يتولى السرائر. فإن قيل: كيف جعلوه أحق بالرجعة كأن للنساء حقاً فيها؟ فالجواب أن الرجل إن أراد الرجعة وأبتها المرأة وجب إيثار قوله على قولها فهذا هو المعنى بالأحقية أو نقول: إنهن إن كتمن ما في أرحامهن لأجل أن يتزوّج بهن آخر، فإذا فعلن ذلك كان الزوج الأول أحق بردهن، وإن ثبت للزوج الثاني حق في الظاهر ولهن من الحق على الرجال مثل الذي للرجال عليهن بالمعروف بالوجه الذي لا ينكر في الشرع وعادات الناس فلا يكلفنهم ما ليس لهن ولا يكلفونهن ما ليس لهم. والمراد بالمماثلة مماثلة الواجب في كونهما من الحسنة لا في جنس الفعل. فإذا غسلت ثيابه أو خبزت لا يجب عليه أن يفعل نحو ذلك ولكن يقابله بما يليق بالرجال. قال أبو هريرة: حديث : قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أي النساء خير؟ قال: "التي تسره إذا نظر وتطيعه إذا أمر ولا تخونه في نفسها وماله بما يكره"تفسير : وفي حديث حجة الوداع "حديث : ألا إن لكم على نسائكم حقاً ولنسائكم عليكم حقاً فحقكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم من تكرهون ولا يأذن في بيوتكم لمن تكرهون ألا وحقهن عليكم أن تحسنوا إليهن في كسوتهن وطعامهن"تفسير : وعن ابن عباس أنه قال: إني لأتزين لامرأتي كما تتزين لي لقوله تعالى {ولهن مثل الذي عليهن} وقيل: معنى الآية ولهن على الزوج من إرادة الإصلاح عند المراجعة مثل ما عليهن من ترك الكتمان. {وللرجال عليهن درجة} زيادة في الحق وفضيلة وهي واحدة الدرجات الطبقات من المراتب. أصلها من درج الرجل. والضب يدرج دروجاً أي مشى ودرج أي مضى لسبيله. ودرج القوم إذا انقرضوا. وفي المثل "أكذب من دبَّ ودرج" أي أكذب الأحياء والأموات. وقد فضل الله الرجال على النساء في أمور: في العقل وفي الدية وفي الميراث وفي نصيبه من المغنم، وفي صلاحية الإمامة والقضاء والشهادة، وفي أن له أن يتزوج عليها ويتسرى وليس لها ذلك، وفي أن له أن يطلقها وإذا طلقها راجعها شاءت المرأة أم أبت ولا قدرة للمرأة على التطليق ولا على الرجعة فإذن المرأة كالأسير العاجز في يد الرجل ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : استوصوا بالنساء خيراً فإنهن عندكم عوان"تفسير : وفي خبر آخر "حديث : اتقوا الله الضعيفين اليتيم والمرأة"تفسير : وذلك أن من كانت نعمة الله عليه أكثر كان صدور الذنب عنه أقبح، واستحقاقه للزجر أشد، وقيل: بل الغرض من الآية أن فوائد الزوجية هي السكن والازدواج والألفة والمودة واشتباك الأنساب واستكثار الأعوان والأحباب وحصول اللذة، وكل ذلك مشترك بين الجانبين، بل يمكن أن يقال: نصيب المرأة منها أوفر. ثم إن الزوج اختص بأنواع من الكلفة وهي التزام المهر والنفقة والذب عنها والقيام بمصالحها، فيكون وجوب الخدمة على المرأة أشد رعاية لهذه الحقوق الزائدة فيكون هذا كقوله تعالى {أية : الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم} تفسير : [النساء: 34] وعن النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : لو أمرت أحداً بالسجود لغير الله لأمرت المرأة بالسجود لزوجها"تفسير : {والله عزيز حكيم} غالب لا يمنع مصيب في أفعاله، وأحكامه لا يتطرق إليها احتمال العبث والسفه والغلط والباطل. الحكم الثالث للطلاق: هو الطلاق الذي يثبت فيه الرجعة. وذلك أن الرجل في الجاهلية كان يطلق امرأته ثم يراجعها قبل أن تنقضي عدتها، ولو طلقها ألف مرة كانت القدرة على المراجعة ثابتة له. فجاءت امرأة إلى عائشة فشكت أن زوجها يطلقها ويراجعها يضارها بذلك، فذكرت عائشة ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فنزل {الطلاق مرتان} فعلى هذا تكون الآية متعلقة بما قبلها. والمعنى أن الطلاق الرجعي مرتان ولا رجعة بعد الثلاث. وهذا تفسير من جوز الجمع بين الطلقات الثلاث وهو مذهب الشافعي وهو أليق بنظم الكلام لأنه تعالى بيّن في الآية الأولى أن حق الرجعة ثابت للزوج ولم يذكر أن ذلك الحق ثابت دائماً أو إلى غاية معينة فكان ذلك كالمجمل أن العام فيفتقر إلى مبين أو مخصص، فذكر عقيبه أن الطلاق المعهود السابق الذي يثبت فيه للزوج حق الرجعة هو أن يوجد طلقتان فقط، فإذا وصلت التطليقة إلى هذه الغاية بطل حق الرجعة. والطلاق بمعنى التطليق كالسلام بمعنى التسليم. وقيل: إن هذا كلام مبتدأ والمعنى: أن التطليق الشرعي تطليقة بعد تطليقة على التفريق دون الجمع والإرسال دفعة واحدة ولم يرد بالمرتين التثنية ولكن التكرير كقوله تعالى {أية : ثم ارجع البصر كرتين} تفسير : [الملك: 4] أي كرة بعد كرة، وقولهم "لبيك وسعديك". وهذا التفسير قول من قال: الجمع بين الثلاث حرام. وزعم أبو زيد الدبوسي في الأسرار أن هذا هو قول عمر وعثمان وعلي وابن مسعود وابن عباس وابن عمر وعمران بن الحصين وأبي موسى الأشعري وأبي الدرداء وحذيفة رضي الله عنهم، ويؤكده العدول عن لفظ الأمر وهو "طلقوا مرتين أو دفعتين" إلى لفظ الخبر كما مر في قوله {والمطلقات يتربصن} ثم من هؤلاء من قال: لو طلقها ثنتين أو ثلاثاً لا يقع إلا واحدة وهذا هو الأقيس، واختاره كثير من علماء أهل البيت لأن النهي يدل على اشتمال المنهي عنه على مفسدة راجحة، والقول بالوقوع سعي في إدخال تلك المفسدة في الوجود ومنهم من قال: - وهو اختيار أبي حنيفة - إنه وإن كان محرماً إلا أنه يقع ويكون بدعة، والسنة أن لا يوقع عليها إلا واحدة في طهر لم يجامعها فيه. وهذا منه بناء على أن النهي لا يدل على الفساد، ومما يؤيد مذهب الشافعي حديث العجلاني الذي لاعن امرأته فطلقها بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم ينكر عليه، ومما يؤكد مذهب أبي حنيفة حديث ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: إنما السنة أن تستقبل الطهر استقبالاً فتطلقها لكل قرء تطليقة. وأما قول {فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان} أي أمركم بعد الرجعة أو بعد معرفة كيفية التطليق أحد هذين. فالتسريح الإرسال والإطلاق والإمساك نقيضه. ومعنى الإمساك بالمعروف هو أن يراجعها لا على قصد المضارة بل على قصد الإصلاح ومعنى التسريح بإحسان قيل: هو أن يوقع عليها الطلقة الثالثة. روي أنه لما نزل قوله تعالى {الطلاق مرتان} قيل له صلى الله عليه وسلم: فأين الثالثة؟ فقال: هو قوله {أو تسريح بإحسان} وقيل: هو أن يترك المراجعة حتى تبين بانقضاء العدة. ويروى عن الضحاك والسدي وهو أقرب لولا الخبر الذي رويناه لأن الفاء في قوله {فإن طلقها} تقتضي وقوع هذه الطلقة متأخرة عن ذلك التسريح. فلو كان المراد بالتسريح هو الطلقة الثالثة لكان قوله {فإن طلقها} طلقة رابعة وإنه غير جائز. وأيضاً لو حملنا التسريح على ترك المراجعة كانت الآية متناولة لجميع الأقسام، لأنه بعد الطلقة الثانية إما أن يراجعها وهو قوله {فإمساك بمعروف} أو لا يراجعها بل يتركها حتى تنقضي عدتها وتحصل البينونة وهو قوله {أو تسريح بإحسان} أو يطلقها وذلك قوله {فإن طلقها} فلو جعلنا التسريح طلاقاً لزم إهمال أحد الأقسام وتكرير بعضها. وأما الحكمة في إثبات حق الرجعة فهي أن النعم مجهولة إذا فقدت عرفت، فلو كانت الطلقة الواحدة مانعة عن الرجعة فربما ظهرت المحبة بعد المفارقة وعظمت المشقة. ثم إن إكمال التجربة لا يحصل بالمرة الواحدة فلهذا ثبت حق المراجعة بعد المفارقة مرتين ليجرب الإنسان أحوال قلبه، فإن كان الأصلح له إمساكها راجعها وأمسكها بالمعروف، وإن كان الأصلح تسريحها سرحها على أحسن الوجوه وهو أن يؤدي حقوقها المالية، ولا يذكرها بعد المفارقة بسوء ولا ينفر الناس عنها، وهذا التدريج والترتيب يدل على كمال رأفته بعبده. الحكم الرابع من أحكام الطلاق: بيان الخلع وذلك قوله {ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئاً} وسبب ارتباط هذا بما قبله أنه تعالى لما أمر بالتسريح مقروناً بإحسان بيَّن عقيبه أن من جملة الإحسان أنه إذا طلقها لا يأخذ منها شيئاً مما أعطاها من المهر والثياب وسائر ما تفضل به عليها، لأنه ملك بضعها واستمتع بها في مقابلة ما أعطاها إلا إذا فارقها على عوض ويدخل فيه النهي من أن يضيق عليها ليلجئها إلى الافتداء كما قال في سورة النساء {أية : ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن} تفسير : [النساء: 19] والخطاب في قوله {ولا يحل لكم} للأزواج وفي قوله {فإن خفتم} للأئمة والحكام. ويجوز أن يكون الخطاب الأول أيضاً للأئمة لأنهم الذين يأمرون بالأخذ والإيتاء عند الترافع إليهم فكأنهم الآخذون والمؤتون حديث : روي أن الآية نزلت في جميلة بنت عبد الله بن أبي. وفي سنن أبي داود أن المرأة كانت حبيبة بنت سهل الأنصارية، كانت تحت ثابت بن قيس بن شماس وكانت تبغضه أشد البغض وكان يحبها أشد الحب. فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالت: فرق بيني وبينه، والله ما أعيب عليه في دين ولا خلق ولكني أكره الكفر في الإسلام ما أطيقه بغضاً إني رفعت جانب الخباء فرأيته أقبل في عدة فإذا هو أشدهم سواداً وأقصرهم قامةً وأقبحهم وجهاً. فقال ثابت: مرها فلترد علي الحديقة التي أعطيتها، فقال لها: ما تقولين؟ قالت: نعم وأزيده. فقال صلى الله عليه وسلم: لا، حديقته فقط. ثم قال لثابت: خذ منها ما أعطيتها وخل سبيلها تفسير : ففعل، وكان ذلك أول خلع في الإسلام. ومعنى قوله {إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله} إلا أن يخاف الزوجان ترك إقامة حدود الله فيما يلزمهما من مواجب الزوجية واختلفوا في مقدار ما يجوز به الخلع. فعن الشعبي والزهري والحسن وعطاء وطاوس أنه لا يجوز أن يأخذ أكثر مما أعطاها وهو قول علي كرم الله وجهه لقوله تعالى {ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئاً} ثم قال: {فلا جناح عليهما} أي فلا جناح على الرجل فيما أخذ، ولا عليها فيما أعطت. ومعنى {فيما افتدت به} فيما افتدت نفسها واختلعت به فوجب أن يكون هذا راجعاً إلى ما آتاها، ولقوله صلى الله عليه وسلم لا حديقته فقط. حين قالت جميلة: نعم وأزيده. ولأن ذلك إجحاف بجانب المرأة وضرار بالمرأة بعدما استبيح من بضعها ولهذا قال سعيد بن المسيب: لا يأخذ إلا دون ما أعطاها حتى يكون الفضل له. وأما سائر الفقهاء فإنهم قالوا: الخلع عقد معاوضة فينبغي أن لا يتقدر بمقدار معين. فكما أن للمرأة عند النكاح أن لا ترضى إلا بالصداق الكثير، فكذلك للزوج أن لا يرضى عند المخالعة إلا بالبذل الكثير لا سيما وقد أظهرت الاستخفاف بالزوج حيث أظهرت بغضه وكراهته، ويتأكد هذا بما روي أن امرأة نشزت على زوجها فرفعت إلى عمر فأباتها في بيت الزبل ثلاث ليال ثم دعاها فقال: كيف وجدت مبيتك؟ قالت: ما بت منذ كنت عنده أقر ليعين منهن. فقال عمر لزوجها: اخلعها ولو بقرطها أي حتى قرطها. ولهذا قال قتادة يعني بمالها كله. وقيل: هو من قولهم "خذه ولو بقرطي مارية" وذلك فيهما درّتان قيمتهما أربعون ألف دينار. ويصح الخلع في حالتي الشقاق والوفاق عند أكثر المجتهدين لقوله تعالى {أية : فإن طبن لكم عن شيء منه نفساً فكلوه هنيئاً مريئاً} تفسير : [النساء: 4] فإذا جاز لها أن تهب مهرها من غير أن يحصل لنفسها شيئاً بإزاء ما بذلت، كان ذلك في الخلع الذي تصير بسببه مالكة لنفسها أولى. وذهب الزهري والنخعي وداود إلى أنه لا يباح الخلع إلا عند الغضب والخوف من أن لا يقيما حدود الله كما في الآية، وإن وقع الخلع في غير هذه الحالة فالخلع فاسد. والجمهور على أنه لا كراهة في الخلع إن جرى في حال الشقاق، أو كانت تكره صحبته لسوء خلقه أو دينه كما في الآية، أو وقع وتحرجت عن الإخلال ببعض حقوقه لما بها من الكراهة فافتدت ليطلقها، أو ضربها الزوج تأديباً فافتدت، أو منعها حقها من النفقة وغيرها فافتدت لتتخلص منه وإن كان الزوج يكره صحبتها فأساء العشرة ومنعها بعض حقها حتى ضجرت وافتدت، فالخلع مكروه وإن كان نافذاً والزوج مأثوم بما فعل. فالخلع المباح هو أن تكون المرأة بحيث تخاف الفتنة على نفسها والزوج يخاف أناه إذا لم تطعه اعتدى عليها. ويجوز أن يكون الخوف بمعنى الظن كما سبق في قوله {أية : فمن خاف من موصٍ جنفاً} تفسير : [البقرة: 182] ومن قرأ {إلا أن يخافا} على البناء للمفعول جعل {ألا يقيما} بدلاً من ألف الضمير بدل الاشتمال مثل "خيف زيد تركه إقامة حدود الله" ثم الفرقة الحاصلة على العوض إن كان بلفظ الطلاق فهو طلاق، وإن لم يجر إلا لفظ الخلع فللشافعي فيه قولان: الجديد أنه طلاق ينتقص به العدد وإذا خلعها ثلاث مرات لم ينكحها إلا بمحلل، ويروى هذا عن عمر وعثمان وعلي وابن مسعود رضي الله عنهم وبه قال أبو حنيفة ومالك واختاره المزني ووجه بأنها فرقة لا يملكها غير الزوج فيكون طلاقاً كما لو قال: أنت طالق على كذا. ولأنه لو كان فسخاً لما صح بالزيادة على المهر المسمى كالإقالة في البيع. وإذا خالعها ولم يذكر المهر وجب أن يرد عليها المهر كالإقالة فإن الثمن يجب رده وإن لم يذكراه. والقديم أنه فسخ لا ينتقص به العدد ويجوز تحديد النكاح بعد الخلع من غير حصر. ويروى هذا عن ابن عمر وابن عباس قالوا: لأنه لو كان طلاقاً وقد قال عقيب ذلك {فإن طلقها فلا تحل له من بعد} لكان الطلاق أربعاً، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم أذن لثابت في مخالعته امرأته ولم يستكشف عن الحال مع أن الطلاق في زمان الحيض وفي الطهر الذي حصل الجماع فيه حرام، ولما روى عكرمة عن ابن عباس أن امرأة ثابت بن قيس لما اختلعت منه جعل النبي صلى الله عليه وسلم عدتها حيضة ولو كانت مطلقة لم يقتصر لها على قرء واحد {تلك} أي المذكورات من أحكام الطلاق {حدود الله فلا تعتدوها} فلا تتجاوزوا عنها {ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون} والظالم اسم ذم وتحقير. فوقوع هذا الاسم عليه يكون جارياً مجرى الوعيد. وكيف لا والظالم ملعون {ألا لعنة الله على الظالمين} ثم إنه ظلم من الإنسان على نفسه حيث أقدم على المعصية، وظلم على الغير أيضاً بتقدير أن لا تتم المرأة عدته أو كتمت شيئاً مما خلق في رحمها، أو ترك الرجل الإمساك بالمعروف أو التسريح بإحسان، أو أخذ من جملة ما آتاها شيئاً لا بسبب نشوز من جهة المرأة. الحكم الخامس من أحكام الطلاق: بيان أن الطلقة الثالثة قاطعة لحق الرجعة وذلك قوله {فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجاً غيره} والسبب في إيقاع آية الخلع بين آية الرجعة وبين هذه بعد ما مر من مناسبتها للتسريح بإحسان، هو أن الرجعة والخلع لا يصحان إلا قبل الطلقة الثالثة، ومعنى الآية فإن طلقها مرة ثالثة بعد المرتين فلا تحل له من بعد ذلك التطليق حتى تنكح أي تتزوج غيره. والنكاح يسند إلى المرأة كما يسند إلى الرجل كالتزوج فيقال: فلانة ناكح في بني فلان أي لها زوج منهم. هذا عند من يفسر قوله {الطلاق مرتان} بالطلاق الرجعي. وأما عند من يفسره بأن التطليق الشرعي هو الذي يوقع على التفريق. فالمعنى عنده أنه إن طلقها الطلاق الموصوف بالتكرار في قوله {الطلاق مرتان} واستوفى نصابه {فلا تحل له من بعد} ذلك {حتى تنكح زوجاً غيره}. ومذهب جمهور المجتهدين أن النكاح ههنا بمعنى الوطء، لأن قوله {زوجاً} يدل على العقد. وقد نقلنا هذا عن أبي علي فيما سلف في تفسير قوله {أية : ولا تنكحوا المشركات}تفسير : [البقرة: 221] ويؤيد هذاما روي عن عائشة حديث : أن امرأة رفاعة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: إن رفاعة طلقني فبت طلاقي وإن عبد الرحمن بن الزبير تزوجني. وإن ما معه مثل هدبة الثوب. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟ لا، حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك. تفسير : كنى بالعسيلة عن لذة الجماع وإنما أنث لأن من العرب من يؤنث العسل. ويروى أنها لبثت ما شاء الله ثم رجعت فقالت: إنه قد كان مسني فقال لها: كذبت في قولك الأول فلن أصدقك في الآخر، فلبثت حتى قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتت أبا بكر فقالت: أرجع إلى زوجي الأول فقال: قد عهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال لك ما قال فلا ترجعي إليه. فلما قبض أبو بكر قالت مثله لعمر فقال: إن أتيتني بعد مرتك هذه لأرجمنك فمنعها. وأيضاً المقصود من توقيت حصول الحل على هذا الشرط زجر الزوج عن الطلاق لأن الغالب أن الزوج يستنكر أن يستفرش زوجته رجل آخر ولهذا قال بعض أهل العلم: إنما حرم الله على نساء النبي صلى الله عليه وسلم أن ينكحن زوجاً غيره لما فيه من الغضاضة. ومعلوم أن هذا الزجر إنما يحصل بتوقيف الحل على الدخول، فأما مجرد العقد فليس فيه زيادة نفرة فلا يصلح جعله مانعاً وزاجراً. ثم قال الشافعي: إذا طلق زوجته واحدة أو ثنتين ثم نكحت زوجاً آخر وأبانها ثم عادت إلى الأول بنكاح جديد لم يكن له عليها إلا طلقة واحدة وهي التي بقيت من الطلقات، لأن هذه طلقة ثالثة من حيث إنها وجدت بعد طلقتين، والطلقة الثالثة توجب الحرمة الغليظة، وقال أبو حنيفة: بل يملك عليها ثلاثاً كما لو نكحت زوجاً بعد الثلاث وإذا تزوج الغير بالمطلقة ثلاثاً على أنه إذا أحلها للأول بأن أصابها فلا نكاح بينهما فهذا متعة بأجل مجهول وهو باطل. ولو تزوجها بشرط أن يطلقها إذا أحلها للأول فقولان: أحدهما لا يصح، والثاني يصح ويبطل الشرط وبه قال أبو حنيفة. ولو تزوجها مطلقاً مضمراً أنه إذا أحلها طلقها فالنكاح صحيح ويكره ذلك ويأثم به. وقال مالك وأحمد والثوري: هذا النكاح باطل. وحيث حكمنا بفساد النكاح فالوطء لا يقع به التحليل على الأصح. وعن النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : لعن المحلل والمحلل له"تفسير : وعن عمر: لا أوتي بمحلل ولا محلل له إلا رجمتهما. {فإن طلقها} أي الزوج الثاني الذي تزوجها بعد الطلقة الثالثة {فلا جناح عليهما} على المرأة المطلقة والزوج الأول في {أن يتراجعا} بنكاح جديد إلى ما كانا عليه من النكاح فهذا تراجع لغوي وظاهر الآية يقتضي أن يحل للزوج الأول هذا التراجع عقيب ما يطلقها الزوج الثاني من غير عدة بدلالة فاء التعقيب في قوله {فلا جناح عليهما} ولهذا ذهب سعيد بن المسيب إلى أن النكاح ههنا بمعنى العقد، وأن التحليل يحصل بمجرد العقد لأن الوطء لو كان معتبراً لكانت العدة واجبة. والجواب أن الآية مخصوصة بقوله تعالى {والمطلقات يتربصن} {إن ظنا أن يقيما حدود الله} إن كان في ظنهما وفي عزيمتهما أنهما يقيمان حقوق الزوجية، ولم يقل إن علما، ولا يجوز أن يفسر الظن ههنا بالعلم لأن اليقين في الاستقبال مغيب عن الإنسان، فإن لم يحصل هذا الظن وخافا عند المراجعة من نشوز منها أو إضرار منه فالرجوع مذموم إلا أنه يصح شرعاً. من قرأ {نبينها} بالنون فمن طريقة الالتفات والنون للتعظيم، ومن قرأ بالياء فظاهر وصيغة المضارع أريد بها ههنا الحال فلا إشكال. وجوز بعضهم أن يكون المراد بها الاستقبال، وذلك أن النصوص التي تقدمت أكثرها عامة يدخل فيها التخصيص وذلك يعرف بالسنة. فكان المراد - والله أعلم - إن هذه الأحكام التي تقدمت هي حدود الله، وسيبينها الله على لسان نبيه كمال البيان فهو كقوله تعالى {أية : وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس} تفسير : [النحل: 44] وإنما خص البيان بالعلماء لأنهم هم المنتفعون بذلك. ثم إنه تعالى لما بين الأحكام المهمة للطلاق استأنف لحكمي الإمساك والتسريح ببيانين آخرين في آيتين متعاقبتين، لأن جملة الأمر في الطلاق يؤل إلى أحد هذين: الأول قوله سبحانه {وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن} أي آخر عدتهن وشارفن منتهاها. والأجل يقع على المدة كلها وعلى آخرها. يقال لعمر الإنسان أجل، وللموت الذي ينتهي به أجل، ويتسع في البلوغ أيضاً يقال: بلغ البلد إذا شارفه وداناه، ويقول الرجل لصاحبه: إذا بلغت مكة فاغتسل بذي طوى يريد به مشارفة البلوغ. فهذا من باب المجاز الذي يطلق فيه اسم الكل على الأكثر، ولأنه قد علم أن الإمساك بعد تقضي الأجل لا وجه له لأنها بعد تقضيه غير زوجة له وفي غير عدة منه فلا سبيل له عليها {فأمسكوهن بمعروف} راجعوها من غير توخي ضرار بالمراجعة {أو سرحوهن بمعروف} خلوها حتى تنقضي عدتها ونبين. ولما أمر بعد الطلاق بأحد الأمرين، استأنف حكم كل منهما فقدم حكم الإمساك على طريقة النهي لا الأمر، لأن المأمور يمتثل بمرة واحدة فلعله يمسكها بمعروف في الحال لكن في قلبه أن يضارها في الاستقبال، والمنهي لا يمتثل إلا إذا انتهى في كل الأوقات فيكون أدل على الدوام والثبات فقال: {ولا تمسكوهن ضراراً} مضارة وتشمل موجبات النفرة والعداوة كلها، وروي أن الرجل كان يطلق المرأة ثم يدعها فإذا قارب انقضاء القرء الثالث راجعها، وهكذا يفعل بها في العدة تسعة أشهر أو أكثر. وقيل: الضرار سوء العشرة. وقيل: تضييق النفقة وكانوا يفعلون في الجاهلية أكثر هذه الأفعال رجاء أن تختلع المرأة منه بماله. ومعنى قوله {لتعتدوا} أي لا تضاروهن ليكون عاقبة أمركم الاعتداء كقوله {أية : فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدواً} تفسير : [القصص: 8] أو لا تضاروهن على قصد الاعتداء عليهن فتكونون متعمدين لتلك المعصية. وقيل: لتلجؤهن إلى الافتداء {ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه} بتعريضها لعقاب الله، أو بتفويته عليها منافع الدنيا والدين. أما الدنيا فلأنه إذا اشتهر بتلك المعاملة لم يرغب في التزويج منه ولا في معاملته أحد، وأما منافع الدين فالثواب الحاصل على حسن العشرة مع الأهل وعلى الانقياد لأحكام الله تعالى وتكاليفه {ولا تتخذوا آيات الله هزواً} فمن أقربائه يجب طاعة الله وطاعة رسوله ثم وصلت إليه هذه التكاليف المذكورة في أبواب العدة والرجعة والخلع وترك المضارة ولم يتشمر لأدائها كان كالمستهزئ بها. أو المراد لا تتهاونوا بتكاليف الله كما يتهاون بما يكون من باب الهزء والعبث. وعن أبي الدرداء: كان الرجل يطلق في الجاهلية ويعتق ويتزوج ويقول: كنت لاعباً. فنزلت فقرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: "حديث : ثلاث جدهن جد وهزلهن جد: الطلاق والنكاح والرجعة"تفسير : وروي "حديث : الطلاق والعناق والنكاح"تفسير : وعن عطاء: المعنى أن المستغفر من الذنب إذا كان مصراً عليه أو على مثله كان كالمستهزئ بآيات الله. ثم إنه تعالى لما رغبهم في أداء التكاليف بما ذكر من التهديد رغبهم أيضاً في أدائها بأن ذكرهم أقسام نعمه عليهم. فبدأ أولاً بذكرها على الإجمال فقال: {واذكروا نعمة الله عليكم} وهذا يتناول كل نعمة لله على العبد في الدنيا والدين وقيل: المراد بها الإسلام ونبوة محمد صلى الله عليه وسلم، ثم خصص نعم الدين بالذكر لشرفها فقال: {وما أنزل عليكم} عطفاً على النعمة {من الكتاب والحكمة} من القرآن والسنة وذكرها مقابلتها بالشكر والقيام بحقها {يعظكم به} في محل النصب حالاً مما أنزل أو من فاعل "أنزل". ويحتمل أن يكون {ما أنزل} الصلة والموصول مبتدأ، وقوله {يعظكم به} خبراً {واتقوا الله} في أوامره ونواهيه {واعلموا أن الله بكل شيءٍ عليم} فيه وعد ووعيد وترغيب وترهيب الثاني: وهو حكم المرأة المطلقة بعد انقضاء العدة قوله عز من قائل {وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن} بلوغ الأجل ههنا على الحقيقة. عن الشافعي: دل سياق الكلامين على افتراق البلوغين {فلا تعضلوهن} لا تحبسوهن ولا تضيقوا عليهن. وأصل العضل الضيق ومنه عضلت الدجاجة، إذا نشب بيضها فلم يخرج، وعضلت الأرض بالجيش إذا ضاقت بهم لكثرتهم، وأعضل الدواء الأطباء إذا أعياهم، والعضلة اللحمة المتجمعة المكتنزة في عصبة. والخطاب للأزواج الذين يمنعون نساءهم بعد انقضاء العدة ظلماً وقسراً ولحمية الجاهلية من أن ينكحن أزواجهن الذين يرغبن فيهم ويصلحون لهن إذا تراضوا - اي الرجال والنساء - تراضياً واقعاً بينهم بالمعروف بما يحسن في الدين والمروءة من الشرائط كالعقد الحلال والمهر الجائز والشهود والعدول. وقيل: بمهر المثل وفرعوا عليه مسألة فقهية توافق مذهب أبي حنيفة وهي: أنها إذا زوجت نفسها بأقل من مهر مثلها فالنكاح صحيح لكن للولي أن يعترض عليها بسبب النقصان عن المهر دفعاً للشين عن الأولياء ولأن نساء العشيرة يتضررن بذلك فقد يعتبر مهورهن بمهرها. وزعم كثير من المفسرين أن الخطاب في قوله {فلا تعضلوهن} للأولياء لما روى البخاري في صحيحه أن معقل بن يسار قال: كانت لي أخت تخطب إلي وأمنعها من الناس. فأتاني ابن عم لي فأنكحتها إياه فاصطحبا ما شاء الله ثم طلقها طلاقاً له رجعة، ثم تركها حتى انقضت عدتها. فلما خطبت إلي أتاني يخطبها مع الخطاب فقلت له: خطبت إلي فمنعتها الناس وآثرتك بها وزوجتك ثم طلقتها طلاقاً لك رجعة، ثم تركتها حتى انقضت عدتها، فلما خطبت إلي أتيتني تخطبها مع الخطاب، والله لا أنكحتهكها أبداً. قال: ففيَّ نزلت هذه الآية فكفرت عن يميني وأنكحتها إياه. وعن مجاهد والسدي أن جابر بن عبد الله كانت له بنت عم فطلقها زوجها وأراد رجعتها بعد العدة فأبى جابر فنزلت. وأجيب بأن رعاية نظم كلام الله أولى من محافظة خبر الواحد، ولا يخفى تفكك النظم لو قيل: "وإذا طلقتم النساء أيها الأزواج فلا تعضلوهن أيها الأولياء" لأنه لا يبقى بين الشرط والجزاء مناسبة، قالوا: ليس بعد انقضاء العدة قدرة للزوج على عضل المرأة. والجواب أنه قد يقدر على الظلم وقد يجعد الطلاق أو يدعي أنه كان راجعها في العدة، أو يدس إلى من يخطبها بالوعيد والتهديد، أو ينسبها إلى أمور تنفر الناس عنها. قالوا: {أن ينكحن أزواجهن} يدل على أن الأولياء كانوا يمنعونهن من العود إلى أولئك الذين كانوا أزواجاً لهن. والجواب أن العرب قد تسمي الشيء بما يؤل إليه. فالمراد من يردن أن يتزوّجنهم فيكونوا أزواجاً لهن. وقيل: الوجه أن يكون خطاباً للناس أي لا يوجد فيما بينكم عضل، لأنه إذا وجد بينهم وهم راضون كانوا في حكم العاضلين. ثم إن الشافعي تمسك بالآية في أن النكاح لا يجوز إلا بولي، لأنه لو جاز للمرأة أن تزوج نفسها أو توكل من يزوجها لما كان الولي قادراً على عضلها من النكاح، وهذا مبني على أن الخطاب في {لا تعضلوهن} للأولياء وفيه ما فيه. ولو سلم فلم يجوز أن يكون الاستبداد الشرعي حاصلاً لهن، ولكن يمنعها الولي من بعض الجهات التي قلنا في الزوج. وأيضاً فثبوت العضل في حق الولي ممتنع لأنه مهما عضل انعزل، وإذا انعزل لا يبقى لعضله أثر. وتمسك أبو حنيفة بقوله تعالى {أن ينكحن أزواجهن} على أن النكاح بغير ولي جائز، وذلك أنه تعالى اضاف النكاح إليها إضافة الفعل إلى فاعله والتصرف إلى مباشره، ونهى الولي عن منعها من ذلك. ولو كان ذلك التصرف فاسداً لما نهى الولي عن منعها منه، ويتأكد هذا النص بقوله {حتى تنكح زوجاً غيره} وأجيب بأن الفعل كما يضاف إلى المباشر فقد يضاف أيضاً إلى المتسبب مثل "بنى الأمير داراً" وإنما ذهبنا إلى هذا وإن كان مجازاً لدلالة الحديث على بطلان هذا النكاح هذا. وأما قوله {ذلك يوعظ به} فالخطاب فيه إما للرسول أو لكل أحد على الانفراد كما أن الخطاب في قوله في سورة الطلاق {أية : ذلكم يوعظ به من كان} تفسير : [الطلاق: 2] للمكلفين مجموعين. وقوله {من كان منكم يؤمن بالله واليوم الآخر} تخصيص لهم بالوعظ لأنهم هم المنتفعون بذلك. ومن استدل بهذا على أن الكفار ليسوا مخاطبين بفروع الشريعة يكذبه التكاليف العامة كقوله {ولله على الناس حج البيت} وأيضاً لا يلزم من تخصيص العظة بالمؤمنين تخصيص التكليف بهم {ذلكم أزكى لكم} أي أنمى وهو إشارة إلى استحقاق الثواب الدائم، وأطهر أي من أدناس الآثام {والله يعلم وأنتم لا تعلمون} لأن علمه تعالى فعلي كامل وعلمنا انفعالي ناقص. فقد تخفى المصلحة والعاقبة علينا، أو تشتبه المصلحة بالمفسدة فلا صلاح للمكلف إلا في طاعة علام الغيوب ليحوز سعادة الدارين والله ولي التوفيق. التأويل: إنه سبحانه من كمال الكرم والاصطناع إذا صدر من العبد أمارات النشوز والانقطاع أمهله إلى انقضاء عدة الجفاء، فلعله يعود إلى إقامة شرائط الوفاء، وتتحرك داعية في صميم قلبه من نتائج محبة ربه، إذ لم يكن له أن يكتم ما خلق الله في رحم قلبه من المحبة. وإن ابتلاه الله بمحنة الفرقة فيقرع بأصبع الندامة باب التوبة، ويقوم على قدم الغرامة في طلب الرجعة والأوبة فيقال له من غاية الفضل والنوال: يا قارع الباب دع نفسك وتعال، من طلب منا فلاحاً فليلزم عتبتنا مساء وصباحاً. {وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن أرادوا إصلاحاً ولهن مثل الذي عليهن} أي للعباد حق في ذمة الربوبية كما أن الله تعالى حقاً في ذمة عباده، فإذا تقرب العبد إليه شبراً فالله أحق برعاية الحق فيقرب إليه ذراعاً. والفضل له على الإطلاق لا بدرجة بل بدرجات غير متناهية {والله عزيز} أعز من أن يراعي العباد مع عجزهم كمال حقوقه {حكيم} لا تقتضي حكمته أن يطالبهم بما ليس في وسعهم بل يقبل منهم القليل ويوفيهم الثواب الجزيل {الطلاق مرتان} يعني أن أهل الصحبة لا يفارقون بجريمة ولا جريمتين كما في قصة موسى والخضر. ثم في الثالثة إن سلكوا سبيل الهجران فلا يحل للإخوان أن يواصلوا الخوان حتى يصاحب الخائن صديقاً مثله، فإن ندم بعد ذلك عن أفعاله وسام ذلك الصديق وأمثاله ورجع إلى صحبة أشكاله {فلا جناح} في التراجع {إن ظنا} فيه خيراً ولا يجوز لأحد من الإخوان أن يعضله من صحبة الأقران. وفيه أن الله تعالى يتجاوز عن زلات العبد مرة بعد أخرى، فإذا أصر العبد ابتلاه بالخذلان وجعله قرين الشيطان كما قال: {أية : ومن يعش عن ذكر الرحمن}تفسير : [الزخرف: 36] فإن طلق قرين الشيطان ورجع إلى باب الرحمن تداركه بالغفران والرضوان. وأما قوله {ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئاً} فإشارة إلى أنه ليس لأهل الصحبة - وإن اتفقت المفارقة - أن يستردوا خواطرهم عن الرفقاء بالكلية، فإن العائد في هبته كالكلب يعود في قيئه إلا أن يؤدي إلى مداهنة وإهمال حق من حقوق الدين {فلا جناح عليهما فيها افتدت به} كأن لم يكن بينهما صحبة {فإن الله سميع} بمقالتهم {عليم} بحالهم والله ولي التوفيق.
الثعالبي
تفسير : قوله تعالى: {وَٱلْمُطَلَّقَـٰتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَـٰثَةَ قُرُوءٍ} حكم هذه الآية قصْدُ الاِستبراءِ، لا أنه عبادةٌ؛ ولذلك خرجَتْ منه مَنْ لم يُبْنَ بها؛ بخلاف عِدَّة الوفاةِ الَّتي هي عبادةٌ ـــ والقَرْءُ؛ في اللغةِ: الوقْتُ المعتادُ تردُّده، فالحَيْضُ يسمَّىٰ علَىٰ هذا قُرْءاً، وكذلك يسمَّى الطُّهْرُ قُرءاً. واختلف في المراد بالقُرُوء هنا: فقال عُمَرُ وجماعةٌ كثيرةٌ: المراد بالقروء، في الآية: الحَيْضُ، وقالتْ عائشةُ وجماعةٌ من الصَّحابة، والتابعين، ومن بعدهم: المراد: الأطهار، وهو قولُ مالكٍ. واختلف المتأوِّلون في قوله: {مَا خَلَقَ ٱللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ}. فقال ابن عُمَر، ومجاهدٌ، وغيرهما: هو الحَيْضُ، والحَبَل جميعاً، ومعنى النهْيِ عن الكتمان: النهْيُ عن الإِضرار بالزَّوْجِ في إِلزامه النفقَةَ، وإِذهابِ حقه في ٱلاِرتجاعِ، فأُمِرْنَ بالصدْقِ نفياً وإِثباتاً، وقال قتادة: كانتْ عادتهُنَّ في الجاهليةِ أنْ يكتمْنَ الحَمَل؛ لِيُلْحِقْنَ الولد بالزوْج الجديدِ، ففي ذلك نزلَتِ الآية. وقال ابن عَبَّاس: إِن المرادَ الحَبَل، والعموم راجحٌ، وفي قوله تعالَىٰ: {وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ} ما يقتضي أنهنَّ مؤتمناتٌ علَىٰ ما ذكر، ولو كَان الاِستقصَاءُ مباحاً، لم يمكن كَتْمٌ. وقوله سبحانه: {إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِٱللَّهِ...} الآية: أي: حقَّ الإِيمان، وهذا كما تقولُ: إِن كُنْتَ حُرًّا، فٱنْتَصِرْ، وأنتَ تخاطبُ حُرًّا، والبَعْلُ: الزوْجُ، ونصَّ اللَّه تعالى بهذه الآية علَىٰ أن للزوْجِ أن يرتجعَ امرأته المطلَّقة، ما دامَتْ في العدَّة، والإِشارة بذلك إِلى المدَّة بشرط أنْ يريدَ الإِصْلاَح، دون المُضَارَّة؛ كما تُشُدِّدَ على النساء في كَتْمِ ما في أرحامهن، وقوله تعالى: {وَلَهُنَّ مِثْلُ ٱلَّذِي عَلَيْهِنَّ...} الآية: تعمُّ جميعَ حقوقِ الزوجيَّة. وقوله تعالى: {وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ} قال مجاهدٌ: هو تنبيهٌ علَىٰ فضْلِ حظِّه على حظِّها في الميراث، وما أشبهه، وقال زيد بن أسلم: ذلك في الطَّاعة؛ علَيْها أنْ تطيعه، وليس علَيْه أن يطيعَهَا، وقال ابن عباس: تلك الدرَجَةُ إِشارة إِلى حضِّ الرجُلِ على حُسْن العِشرة، والتوسُّع للنساء في المالِ والخُلُقِ، أي: أنَّ الأفضل ينبغِي أنْ يتحامَلَ علَىٰ نفسه، وهو قولٌ حسَنٌ بارعٌ.
ابن عادل
تفسير : لما ذكر - عزَّ وجلَّ - الإيلاء، وأن الطّلاق قد يقعُ بيَّن تعالى حُكم المرأة بعد التَّطْلِيق. قوله: {وَٱلْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ}: مبتدأٌ وخبرٌ، وهل هذه الجملةُ من بابِ الخبرِ الواقعِ موقعَ الأمر، أي: لِيتَرَبَّصْنَ، أو عَلَى بابها؟ قولان، وقال الكوفيون: إنَّ لفظها أمرٌ؛ على تقدير لام الأمرِ، ومَنْ جعلها على بابها، قدَّر: وحُكْمُ المطلَّقَاتِ أَنْ يتربَّصْنَ، فحذف "حُكْمُ" مِن الأول، و "أن" المصدرية من الثاني، وهو بعيدٌ جدّاً. و "تَرَبَّصَ" يتعدَّى بنفسَه؛ لأنه بمعنى انْتَظَرَ، وهذه الآيةُ تحتمِلُ وجهين: أحدهما: أن يكون مفعول التربُّص محذوفاً، وهو الظاهرُ، تقديرُه: يتربَّصْنَ التزويجَ أو الأزواجَ، ويكونُ "ثَلاَثَةَ قُرُوءٍ" على هذا منصوباً على الظرف؛ لأنَّ اسمُ عددٍ مضافٍ إلى ظرفٍ. والثاني: أن يكون المفعولُ هو نفسَ "ثَلاَثَةَ قُرُوءٍ" أي: ينتظرونَ مُضِيَّ ثلاثةِ قُرُوءٍ. وأمَّا قوله: {بِأَنْفُسِهِنَّ} [فيحتمل وجهين، أحدهما، وهو الظاهرُ: أَنْ يتعلَّق بـ "يَتَرَبَّصْنَ"، ويكونَ معنى الباءِ السببية، أي: بسبب أنفسِهنَّ]، وذِكْرُ الأنفسِ أو الضميرِ المنفصلِ في مثلِ هذا التركيب واجبٌ، ولا يجوزُ أَنْ يُؤتَى بالضميرِ المتصل، لو قيل في نظيرِه: "الهِنْدَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِهِنَّ" لم يجُز؛ لئلاَّ يَتَعَدَّى فِعْلُ المضمر المنفصلِ إلى ضميرِه المتصل في غير الأبواب الجائز فيها ذلك. والثاني: أن يكونَ "بَأَنْفُسِهِنَّ" تأكيداً للمضمرِ المرفوع المتصلِ، وهو النونُ، والباءُ زائدة في التوكيد؛ لأَنَّه يجوزُ زيادتها في النفسِ والعينِ مُؤكَّداً بهما؛ تقولُ: "جَاءَ زَيْدٌ نَفْسُهُ وِبِنَفْسِهِ وَعَيْنُهُ وَبِعَيْنِهِ"؛ وعلى هذا: فلا تتعلَّقُ بشيء لزيادتها، لا يقالُ: لا جائزٌ أن تكونَ تأكيداً للضمير؛ لأنَّه كانَ يجبُ أن تُؤَكَّدَ بضميرِ رفعٍ منفصلٍ؛ لأنه لا يُؤكَّدُ الضميرُ المرفوعُ المتصلُ بالنَّفسِ والعَيْنِ، إلاَّ بعد تأكيده بالضميرِ المرفوع المنفصلِ؛ فيقال: زَيْدٌ جَاءَ هُوَ نَفْسُهُ عَيْنُهُ"؛ لأنَّ هذا المؤكَّد خرجَ عن الأصلِ، لمَّا جُرَّ بالباءِ الزائدةِ أَشْبَهَ الفَضَلاَتِ، فخرج بذلك عن حكم التوابع، فلم يُلْتَزَمْ فيه ما التزِمَ في غيره، ويُؤيِّد ذلك قولهم: "أَحْسِنْ بِزَيْدٍ، وَأَجْمِلْ"، أي: به، وهذا المجرورُ فاعلٌ عند البصريِّين، والفاعلُ عندهم لا يُحْذَفُ، لكنه لَمَّا جَرَى مَجْرَى الفَضَلاتِ؛ بسبب جَرِّه بالحرفِ، أو خَرَجَ عن أصل باب الفاعل؛ فلذلك جازَ حَذْفُه، وعن الأَخْفَش ذَكَر في "المَسَائِلِ" أنهم قالوا: "قَامُوا أَنْفُسُهُمْ" من غير تأكيدٍ، وفائدةُ التوكيدِ هنا أن يباشِرن التربُّصَ هُنَّ، لا أنَّ غيرَهُنَّ يباشِرْنَهُنَّ التَّربُّصَ؛ ليكونَ ذلك أَبلغَ في المرادِ. فإن قيل: القُرُوءُ: جمع كثرةٍ، ومن ثلاثةٍ إلى عشرة يُمَيَّزُ بجموع القلة ولا يُعْدَلُ عن القلةِ إلى ذلك، إلا عند عدم استعمالِ جمع قلَّةٍ غالباً، وههنا فلفظُ جمع القلَّةِ موجودٌ، وهو "أَقْرَاء"، فما الحكمةُ بالإِتيانِ بجمع الكثرةِ مع وجودِ جمعِ القلَّةِ؟. فيه أربعةُ أوجهٍ: أوّلها: أنه لّمَّا جمع المطلَّقات جمع القُرُوء، لأنَّ كلَّ مطلقةٍ تترَّبصُ ثلاثة أقراءٍ؛ فصارَتْ كثيرةً بهذا الاعتبار. والثاني: أنه من باب الاتساعِ، ووضعِ أحدِ الجمعين موضعَ الآخر. والثالث: أنَّ "قروءاً" جمعُ "قَرْءٍ" بفتح القافِ، فلو جاء على "أَقْرَاء" لجاء على غير القياس؛ لأنَّ أفعالاً لا يطَّردُ في فَعْلٍ بفتح الفَاء. والرابع ـ وهو مذهب المُبَرِّد ـ: أنَّ التقدير "ثَلاثَةً مِنْ قُرُوءٍ"، فحذف "مِنْ"، وأجاز: ثَلاثَة حَمِيرٍ وثَلاثَةَ كِلاَبٍ، أي: مِنْ حِمِيرٍ، ومِنْ كِلاَبٍ، وقال أبو البقاء: وقيل: التقديرُ "ثَلاثَةَ أقْرَاءٍ مِنْ قُرُوءٍ" وهذا هو مذهبُ المبرِّد بعينِه، وإنما فسَّر معناه وأَوضحه. فصل اعلم أن المُطلَّقة هي المرأةُ الَّتي وقع عليها الطَّلاق، وهي إمَّا أن تكون أجنبيةً أو منكوحةً. فإن كان أجنبيةً، فإذا وقع الطّلاق عليها فهي مطلَّقةٌ بحسب اللُّغة، لكنَّها غير مطلَّقةٍ بحسب عُرْف الشَّرع، والعِدَّةُ غير واجبةٍ عليها بالإجماع. وأما المَنْكُوحة: فإن لم يكن مدخولاً بها، لم تجب عليها العِدَّة؛ لقوله تعالى: {أية : إِذَا نَكَحْتُمُ ٱلْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا}تفسير : [الأحزاب:49]، وإن كانت مدخولاً بها: فإن كانت حاملاً، فعدَّتها بوضع الحمل؛ لقوله تعالى:{أية : وَأُوْلاَتُ ٱلأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ}تفسير : [الطلاق:4]، وإن كانت حائلاً؛ فإن امتنع الحيض في حقِّها لصغر مفرط أو كبر مُفرطٍ، فعِدَّتها بالأشهرِ؛ لقوله تعالى: {أية : وَٱللاَّئِي يَئِسْنَ مِنَ ٱلْمَحِيضِ مِن نِّسَآئِكُمْ إِنِ ٱرْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاَثَةُ أَشْهُرٍ وَٱللاَّتِي لَمْ يَحِضْنَ}تفسير : [الطلاق:4]. وإن لم يمتنع الحيض في حقِّها؛ فإذا كانت رقيقة، فَعِدَّتها قَرْءان، وإن كان حُرَّة، فعدَّتها ثلاثة قُرُوءٍ. فظهر من هذا أن العامَّ إِنَّما يحسن تخصيصه، إذا كان الباقي بعد التَّخصيص أكثر؛ لأن العادة جاريةٌ بإطلاق لفظ الكُلِّ على الغالب؛ لأنَّه يُقَالُ في الثَّوبِ: إنه أَسود إذا كان الغَالِبُ فيه السَّوَاد وإن حصل فيه بياضٌ قليل، فأمَّا إذا كان الغالبُ عليه البياض وكان السَّوادُ قليلاً، كان إطلاق لفظ السَّواد عليه كذباً؛ فثبت شرط تخصيص العامِّ؛ أن يكون الباقي بعد التَّخصيص أكثر، وهذه الآية ليست كذلك، فإنه خرج من عمومها خمسة أقسامٍ، فأطلق لفظ "المُطَلَّقَات" على قسم واحدٍ. والجواب: أما الأجنبيَّة فخارجةٌ عن اللَّفظ، فإنَّ الأَجنبيَّة لا يقال فيها: إنَّها مطلَّقة، وأما غيرُ المدخولِ بها فالقرينة تخرجها؛ لأن أصل العِدَّة شُرِعت لبراءة الرَّحم، والحاجةُ إلى البراءة لا تحصلُ إلاَّ عند سبق الشُّغل، وأمَّا الحامل والآيسةِ فهما خارجتان عن اللَّفظ؛ لأن إيجاب الاعتداد بالأقراء، يكون لم يجبُ الأقراء في حَقِّه. وأمَّا الرقيق فتزويجهن كالنَّادِر، فثبت أن الأَعمَّ الأَغلب باقٍ تحت العُمُومِ. فإن قيل: "يَتَرَبَّصْن" خبر والمراد منه الأمر، فما الفائدةُ في التَّعبير عن الأَمر بلفظ الخبر؟ فالجواب من وجهين: الأول: أنه - تعالى - لو ذكره بلفظ الأَمر، لكان ذلك يُوهم أَنَّه لا يحصل المقصود، إلاَّ إذا شرعت فيها بالقَصْد والاختيار، وعلى هذا التَّقدير: فلو مات الزَّوج، ولم تَعْلَم المرأَةُ حتى انقضت العِدَّةُ، وجب ألاَّ يكون ذلك كافياً في المقصود؛ لأنَّها إذا أُمِرَت بذلك لَمْ تخرج عن العُهْدَة إلا إذا قصدت أداء التَّكليف، فلما ذكره بلفظ الخبر، زال ذلك الوهم، وعُرِف أَنَّه متى انقضت هذه القُرُوءُ، حصل المقصُود سَوَاء علمت بذلك أو لَمْ تعلم، وسواءٌ شرعت في العِدَّة بالرِّضا أو بالغضب. الثاني: قال الزَّمخشري: التَّعبير عن الأمر بصيغة الخبر يفيد تأكيد الأمر، والإشعار بأنَّه ممَّا يجب أن يتعلَّق بالمُسارعة إلى امتثاله، فكأنَّهُنَّ امتثلن الأمر بالتَّربُّص، فهو يُخْبِرُ عنه موجوداً؛ ونظيره قولهم في الدُّعاء رحمك اللهُ؛ أُخرج في صورة الخبر ثقة بالإجابة، كأنَّها وجدت الرَّحمة فهو يُخْبر عنها. فإن قيل: لو قال: "يَتَرَبَّصُ المُطلَّقات" لكان ذلك جملة من فعلٍ وفاعلٍ، فما الحكمة من ترك ذلك، وعدولِهِ عن الجملة الفعليَّة إلى الجملة الاسميَّة، وجعل المُطلَّقات مبتدأ، ثم قوله: "يتربّصن" إسنادٌ للفِعل إلى ضمير المُطَلَّقات، ثم جعل هذه الجملة خبراً عن ذلك المُبتدأ. قال الشَّيخ عبد القاهر الجرجانيُّ في كتاب "دَلاَئِل الإِعْجَازِ": إنَّك إذا قَدَّمت الاسم، فقلت: زيدٌ فعل، فهذا يفيد من التَّأكيد والقُوَّة ما لا يُفيد قولك: "فَعَلَ زَيْدٌ"؛ وذلك لأنَّ قولك: "زَيْدٌ فَعَل" قد يُستعمل في أمرين: أحدهما: أن يكون لتخصيص ذلك الفعل بذلك الفاعل؛ كقولك: أنا أكتب في المُهِمِّ الفُلانيّ إلى السُّلطان، والمراد دعوى الإنسان الانفراد. والثاني: ألاَّ يكون المقصود الحصر، بل إنَّ تقديم ذكر المُحَدّث عنه بحديث كذا لإثبات ذلك الفعل له؛ كقولهم: "هُوَ يُعْطِي الجَزِيلَ" ولا يريد الحصر، بل أن يُحَقِّق عند السَّامع أَنَّ إِعطَاء الجزيل دأبه؛ وذلك مثل قوله تعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللهِ لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ}تفسير : [النحل:20]، وليس المراد تخصيص المخلوقيَّة بهم، وقوله تعالى: {أية : وَإِذَا جَآءُوكُمْ قَالُوۤاْ ءَامَنَّا وَقَدْ دَّخَلُواْ بِٱلْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُواْ بِهِ}تفسير : [المائدة:61]؛ وقول الشَّاعر: [الطويل] شعر : 1104- هُمَا يَلْبِسَانِ المَجْدَ أَحْسَنَ لِبْسَةٍ شَجِيعَانِ مَا اسْطَاعَا عَلَيْهِ كَلاَهُمَا تفسير : والسَّببُ في حُصُولِ هذا المعنى عند تقديم ذكر المبتدأ: أنَّكَ إذا قلت: "عَبْدُ اللهِ" فقد أشعرت بأَنَّك تريد الإِخبار عنه، فيحصل في النَّفسِ شوق إلى معرفةِ ذلك، فإذا ذكرت ذلك الخبر، قبله العقل بتشوُّق، فيكون ذلك أبلغ في التَّحقيق، ونفي الشُّبهة. فإن قيل: هلا قيل: يَتَرَبَّصْن ثَلاَثَةَ قُرُوءٍ، وما الفائدة في ذكر الأنفُسِ؟ فالجواب: إن في ذكر الأنفس بعث على التَّربُّص وتهييجُ عليه؛ لأن فيه ما يستنكفن منه، فيحملهنَّ على أن يتربَّصن، وذلك لأَنَّ أنفس النِّساء طوامحٌ إلى الرِّجال، فأراد أن يقعن على أنفسهن، ويغلبنها على الطُّموح، ويحرِّضنها على التَّربُّص. فإن قيل: لم لم يقل: ثلاث قروء؛ كما يقال: ثَلاَث حِيَضٍ؟ والجواب: أنه أتبع تذكير اللَّفظ، ولفظ "قَرْء" مذكَّر. والقرء في اللغة: أصله الوقت المعتاد تردده، ومنه: قرء النَّجم لوقت طلوعه وأفوله، يقال: "أَقْرَأَ النَّجْمُ"، أي: طلع أو أفل، ومنه قيل لوقت هبوب الرِّيح: قرؤها وقارئها؛ قال الشاعر: [الوافر] شعر : 1105- شَنِئْتُ العَقْرَ عَقْرَ بَنِي شُلَيْلٍ إِذَا هَبَّتْ لِقَارِيهَا الرِّيَاحُ تفسير : أي: لوقتها، وقيل: أصله الخروج من طهر إلى حيضٍ، أو عكسه، وقيل: هو من قولهم: قَرَيْتُ المَاءَ في الحَوْضِ؛ أي: جمعته، ومنه: قرأ القرآن. وقولهم: ما قرأت هذه الناقة في بطنها سَلاً قطٌّ، أي لم تجمع فيه جنيناً؛ ومنه قول عمرو بن كلثوم: [الوافر] شعر : 1106- ذِرَاعَيْ عَيْطَلٍ أَدْمَاءَ بَكْرٍ هِجَانِ اللَّوْنِ لَمْ تَقْرَأْ جَنِينَا تفسير : فعلى هذا: إذا أريد به الحيض، فلاجتماع الدَّم في الرَّحم، وإن أريد به الطهر، فلاجتماع الدَّم في البدن، وهذا قول الأصمعي، والفرَّاء، والكسائيّ. قال شهاب الدِّين: وهو غلطٌ؛ لأنَّ هذا من ذوات الياء، والقرء مهموزٌ. وإذا تقرَّر ذلك فاختلف العلماء في إطلاقه على الحيض والطهر: هل هو من باب الاشتراك اللفظيِّ، ويكون ذلك من الأضداد أو من الاشتراك المعنويِّ، فيكون من المتواطئ؛ كما إذا أخذنا القدر المشترك: إمَّا الاجتماع، وإمَّا الوقت، وإمَّا الخروج، ونحو ذلك. وقرء المرأة لوقت حيضها وطهرها، ويقال فيهما: أَقْرَأَتِ المَرْأَةُ، أي: حاضت أو طهرت، وقال الأخفش: أَقْرَأَتْ أي: صارت ذات حيضٍ، وقرأت بغير ألفٍ أي: حاضت، وقيل: القرء، الحيض، مع الطهر، وقيل: ما بين الحيضتين. والقائل بالاشتراك اللفظيِّ وجعلهما من الأضداد هم جمهور أهل اللِّسان؛ كأبي عمرو ويونس وأبي عبيدة. ومن مجيء القرء والمراد به الطهر قول الأعشى: [الطويل] شعر : 1107- أَفِي كُلِّ عَامٍ أَنْتَ جَاشِمُ غَزْوَةٍ تَشُدُّ لأَقْصَاهَا عَظِيمَ عَزَائِكَا مُوَرِّثَةً عِزًّا وَفِي الحَيِّ رِفْعَةً لِمَا ضَاعَ فِيهَا مِنْ قُرُوءِ نِسَائِكَا تفسير : أراد: أنَّه كان يخرج من الغزو ولم يغش نساءه، فيضيع أقراءهنّ، وإنما كان يضيع بالسَّفر زمانَ الطُّهر لا زمان الحيض. ومن مجيئه للحيض قوله: [الرجز] شعر : 1108- يَا رُبَّ ذِي ضِغْنٍ عَلَيَّ فَارِضِ لَهُ قُرُوءٌ كَقُرُوءِ الْحَائِضِ تفسير : أي: طعنته فسال دمه كدم الحائض، ويقال "قُرْء" بالضمِّ نقله الأصمعيُّ، و "قَرْء" بالفتح نقله أبو زيدٍ، وهما بمعنى واحد. وقرأ الحسن: "ثَلاَثَةَ قَرْوٍ" بفتح القاف وسكون الراء وتخفيف الواو من غير همزٍ؛ ووجهها: أنه أضاف العدد لاسم الجنس، والقرو لغةٌ في القرء، وقرأ الزُّهريُّ - ويروى عن نافع -: "قُرُوِّ" بتشديد الواو، وهي كقراءة الجمهور، إلا أنه خفَّف، فأبدل الهمزة واواً، وأدغم فيها الواو قبلها. فصل مذهب الشَّافعيِّ - رضي الله عنه -: أنها الأظهار؛ وهو مرويٌّ عن ابن عمرو، وزيد، وعائشة، والفقهاء السَّبعة، ومالك وربيعة، وأحمد في رواية. وقال عليٌّ، وعمر، وابن مسعود: هي الحيض؛ وهو قول أبي حنيفة والثَّوريِّ والأوزاعيّ، وابن أبي ليلى، وابن شبرمة، وإسحاق، وأحمد في رواية ـ رضي الله عنهم ـ. وفائدة الخلاف: أن مدَّة العدَّة عند الشَّافعيّ أقصر، وعندهم أطول حتَّى لو طلَّقها في حال الطُّهر، يحسب بقيَّة الطُّهر قرءاً، وإن حاضت عقيبه في الحال، فإذا شرعت في الحيضة الثَّالثة، انقضت عدَّتها، وإن طلَّقها في حال الحيض فإذا شرعت في الحيضة الرَّابعة، انقضت عدَّتها. وعند أبي حنيفة: ما لم تطهر من الحيضة الثَّالثة، إن كان الطَّلاق في حال الطُّهر ومن الحيضة الرَّابعة إن كان الطلاق في حال الحيض، لا يحكم بانقضاء عدَّتها، ثم قال: إذا طهرت لأكثر الحيض، تنقضي عدَّتها قبل الغسل، وإن طهرت لأقلِّ الحيض، لم تنقض عدَّتها. وحجَّة الشَّافعي من وجوه: أولها: قوله تعالى: {أية : فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ}تفسير : [الطلاق:1] أي: في وقت عدَّتهن؛ كقوله تعالى: {أية : وَنَضَعُ ٱلْمَوَازِينَ ٱلْقِسْطَ لِيَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ}تفسير : [الأنبياء:47]، أي: في يوم القيامة، والطَّلاق في زمن الحيض منهيٌّ عنه؛ فوجب أن يكون زمان العدَّة غير زمان الحيض. أجاب صاحب "الكَشَّاف" بأن معنى الآية: مستقبلات لعدَّتهن كما يقال: لثلاث بقين من الشَّهر، يريد: مستقبلاً لثلاث. قال ابن الخطيب: وهذا يقوِّي استدلال الشَّافعي - رضي الله عنه - لأن قوله: "لِثَلاَثٍ بَقِين من الشَّهْرِ" معناه: لزمانٍ يقع الشُّروع في الثَّلاثِ عقيبه، وإذا كان الإذن حاصلاً بالتَّطليق في جَميع زَمَانِ الطُّهر، وجَبَ أن يكُون الطُّهْرُ الحاصِل عَقِيب زمان التَّطليق من العدَّة، وهو المطلوب. وثانيها: روي عن عائشة - رضي الله عنها -؛ أنها قالت: "هل تَدْرُونَ ما الأَقْرَاءُ؟ الأَقْرَاءُ الأَطْهَارُ". قال الشَّافعي: والنساء بهذا أعلم؛ لأن هذا إنما يبتلى به النِّساء. وثالثها: وهو ما تقدَّم من أن "القرْءَ" عبارةٌ عن الجمع، واجتماع الدَّم إنَّما هو زمان الطُّهر؛ لأن الدَّم يجتمع في ذلك الزَّمان في البدن. فإن قيل: بل زمان الحيض أولى بهذا الاسم؛ لأنَّ الدَّم يجتمع في هذا الزَّمان في الرَّحم. قلنا: لا يجتمع أَلْبَتَّةَ في زمان الحيض في الرَّحم، بل ينفصل قطرةً قطرةً، وأمَّا وقت الطُّهر، فالكلُّ مجتمعٌ في البدن لم ينفصل منه شيءٌ، وكان معنى الاجتماع وقت الطُّهر أتم؛ لأن الدَّم من أوَّل الطُّهر يأخذ في الاجتماع والازدياد إلى آخره، فكان آخر الطُّهر هو القرء في الحقيقة. ورابعها: أن الأصل ألاّ يكون لأحدٍ على أحدٍ من المكلَّفين حقّ الحبس والمنع من التّصرُّفات، وإنما تركنا العمل بهذا عند قيام الدَّليل عليه، وهو أقلُّ ما يسمَّى بالأقراء الثَّلاثة وهي الأطهار؛ لأن الاعتداد بالأطهار أقلّ زماناً من الاعتداد بالحيض، وإذا كان كذلك، أثبتنا الأقلّ ضرورة العمل بهذه الآية، واطرحنا الأكثر؛ للدَّلائل الدَّالَّة على أنَّ الأصل ألاَّ يكون لأحدٍ على غيره حقّ الحبس والمنع. حجة أبي حنيفة وجوه: أحدها: أنَّ الأقراء في اللُّغة، وإن كانت مشتركةً بين الأطهار والحيض؛ إلا أن الشَّرع غلَّب استعمالها في الحيض؛ لما روي أن النَّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : دَعِي الصَّلاَةَ أَيَّامَ أَقْرَائِك" تفسير : والمراد أيَّام الحَيْضِ. وثانيها: ما تقدَّم من وروده بمعنى الحيض. وثالثها: أنا إذا قلنا: بأن الأقراء هي الحيض، أمكن معه استيفاء ثلاثة أقراءٍ بكمالها؛ لأنّا نقول إنّ المطلَّقة يلزمها تربُّص ثلاث حيضٍ، وإنَّما تخرج عن العهدة بزوال الحيضة الثَّالثة، ومن قال: إنَّه الطُّهر يجعلها خارجة من العهدة بقَرْءين وبعض الثَّالث؛ لأن عنده إذا طلَّقها في آخر الطُّهر تعتدُّ بذلك قرءاً، فإذا كان في أحد القولين تكمل حقيقة اللَّفظ بالثَّلاثة. أجاب الشَّافعي بأن قال: قال الله تعالى: {أية : ٱلْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ}تفسير : [البقرة:197] والأشهر جمع، وأقلُّه ثلاثة، وقد حملناه على شهرين وبعض الثَّالث، وذلك شوَّال، وذو القعدة، وبعض ذي الحجَّة، هكذا ههنا يجوز أن نحمل هذه الثَّلاثة على طهرين وبعض الثَّالث. أجاب الجبَّائي عن هذا بوجهين. الأول: أنَّا تركنا الظَّاهر في هذه الآية بدليل، ولا يلزمنا أن نترك الظَّاهر هنا من غير دليلٍ. والثاني: أن في العدَّة تربُّصاً متَّصلاً، فلا بدَّ من استعمال الثَّلاثة، ولا كذلك أشهر الحجِّ؛ لأنه ليس فيها فعل متصلٌ، فكأنَّه قيل: هذه الأشهر وقت الحجِّ لا على سبيل الاستغراق، ثم إن الثَّلاثة نصٌّ في إفرادها لا تحتمل التَّنقيص، ولا كذلك قوله: "أَشْهُر"؛ لأنَّه ليس بنصٍّ في الثلاثة؛ لأن العلماء اختلفوا في أقلِّ الجمع، ولا يقاس ما فيه نصٌّ على ما لا نصَّ فيه بل العكس. وأجيب الجبَّائي بوجهين: الأول: كما أن حمل الأقراء على الأطهار يوجب الزّيادة؛ لأنه إذا طلَّقها في أثناء الطُّهر، لم يحسب ما بقي من ذلك الطُّهر في العدَّة فتحصل الزِّيادة. واعتذروا عنه: بأن الزِّيادة لا بدَّ من تحمُّلها لأجل الضَّرورة، لأنه لو جاز الطَّلاق في الحيض، لأمرناه بالطَّلاق في آخر الحيض حتى يُعْتَدَّ بأطهارٍ كاملةٍ، وإذا اختص الطَّلاق بالطُّهر، صارت تلك الزِّيادة محتملة للضَّرورة. ونحن نقول: لمَّا صارت الأقراء مفسَّرة بالأطهار، والله تعالى أمرنا بالطَّلاق في الطُّهر صار تقدير الآية: يتربَّصن بأنفسهن ثلاثة أطهارٍ؛ طهر الطَّلاق وطهران آخران، ثم لزم من كون الطُّهر الأوَّل طهر الطَّلاق، أن يكون ذلك الطَّهر ناقصاً، ليعتدّ بوقوع الطَّلاق فيه. الوجه الثاني في الجواب: أنّا بيَّنَّا أن القَرْء اسمٌ للاجتماع وكمال الاجتماع إنَّما يحصل في آخر الطُّهر، فكان في الحقيقة الجزء الأخير من الطُّهر قرءاً تاماً، وعلى هذا التَّقدير؛ لم يلزم دخول النُّقصان في شيءٍ من الأقراء. ورابعها: أنه - تعالى - نقل إلى الشُّهور عند عدم الحيض؛ قال: {أية : وَٱللاَّئِي يَئِسْنَ مِنَ ٱلْمَحِيضِ مِن نِّسَآئِكُمْ إِنِ ٱرْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاَثَةُ أَشْهُرٍ وَٱللاَّتِي لَمْ يَحِضْنَ}تفسير : [الطلاق:4] فأقام الأشهر مقام الحيض دون الأطهار. وأيضاً: لما شرعت الأشهر بدلاً عن الأقراء، والبدل يعتبر بتمامها؛ لأن الأشهر لا بدَّ من إتمامها، فوجب أيضاً أن يكون الكمال معتبراً في المبدل، فوجب أن تكون الأقراء كاملة وهي الحيض، وأما الأطهار فيجب فيها قرءان وبعض قرءٍ. وخامسها: قوله - عليه الصَّلاة والسلام -: "حديث : طَلاَق الأَمَةِ تَطْلِيقَتَانِ وعِدَّتُهَا حَيْضَتَانِ" تفسير : وأجمعوا على أنَّ عدَّة الأمة نصف عدَّة الحرَّة، فوجب أن تكون عدَّة الحرَّة هي الحيض. وسادسها: أجمعنا على وجوب الاستبراء في الجواري بالحيض، فكذا العدَّة؛ لأن المقصود من الاستبراء والعدَّة شيءٌ واحدٌ؛ لأن أصل العدَّة إنَّما شرع لاستبراء الرَّحم، وإنما تستبرأ الرَّحم بالحيض لا بالطُّهر؛ فوجب أن يكون هو المعتبر. وسابعها: إن القول بأن القرء هو الحيض احتياطٌ، وتغليبٌ لجانب الحرمة؛ لأن المطلَّقة إذا مرَّ عليها بقية الطُّهر، وطعنت في الحيضة الثَّالثة، فإن جعلنا القرء هو الحيض، فحينئذ يحرم للغير التَّزويج بها، وإن جعلنا القرء هو الطُّهر، فحينئذٍ يجوز تزويجها، وجانب التَّحريم أولى بالرِّعاية؛ لقوله - عليه الصَّلاة والسَّلام -: "حديث : ما اجْتَمَعَ الحَلاَلُ والحَرَامُ إلاَّ غَلَبَ الحَرَامُ الحلالَ" تفسير : ولأن الأصل في الأبضاع الحرمة، وهذا أقرب إلى الاحتياط، فكان أولى؛ لقوله - عليه الصَّلاة والسَّلام -: "حديث : دَعْ مَا يرِيبُك إلَى مَا لاَ يرِيبُكَ ". تفسير : قوله: {وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ} الجارُّ متعلَّقٌ بـ "يَحِلُّ" واللام للتبليغ، كهي في "قُلْتُ لَكَ". قوله: {مَا خَلَقَ ٱللهُ} في "مَا" وجهان: أظهرهما: أنَّها موصولة بمعنى "الَّذِي". والثاني: أنها نكرةٌ موصوفةٌ، وعلى كلا التقديرين، فالعائد محذوفٌ لاستكمال الشروط، والتقدير: ما خلقه، و "مَا" يجوز أن يراد بها الجنين، وهو في حكم غير العاقل، فلذلك أوقعت عليه "مَا" وأن يراد بها دم الحيض. قوله: {فِيۤ أَرْحَامِهِنَّ} فيه وجهان: أحدهما: أن يتعلَّق بـ "خَلَقَ". والثاني: أن يتعلَّق بمحذوفٍ؛ على أنه حالٌ من عائد "مَا" المحذوف، التقدير: ما خلقه الله كائناً في أرحامهنَّ، قالوا: وهي حالٌ مقدَّرةٌ؛ قال أبو البقاء: "لأَنَّ وقتَ خَلْقِه لَيْسَ بشيءٍ، حتَّى يَتِمَّ خَلْقُهُ"، وقرأ مُبَشِّر بن عبيدٍ: "في أَرْحَامِهُنَّ" و "بِرَدِّهُنَّ" بضمِّ هاء الكناية، وقد تقدَّم أنه الأصل، وأنه لغة الحجاز، وأنَّ الكسر لأجل تجانس الياء والكسرة. قوله: "إِن كُنَّ" هذا شرطٌ، وفي جوابه المذهبان المشهوران: إمَّا محذوفٌ، وتقديره من لفظ ما تقدَّم؛ لتقوى الدلالة عليه، أي: إنْ كُنَّ يؤمنَّ بالله واليَوم الآخر، فلا يحلُّ أن يكتمن، وإمَّا أنه متقدِّمٌ؛ كما هو مذهب الكوفيين وأبي زيدٍ، وقيل: "إنْ" بمعنى "إِذْ"، وهو ضعيفٌ. فصل في بيان تصديق قول المرأة في انقضاء عدتها اعلم أن انقضاء العدَّة لما كان مبنياً على انقضاء الأقراء في حقِّ ذوات الأقراء، وكان علم ذلك متعذِّرٌ على الرِّجال، جعلت المرأة أمينة على العدَّة، وجعل القول قولها إذا ادَّعت انقضاء أقرائها في مدَّة يمكن ذلك فيها، وهو على مذهب الشَّافعيّ اثنان وثلاثون يوماً وساعة؛ لأن أمرها يحمل على أنَّها طلِّقت طاهرة، فحاضت بعد ساعةٍ يوماً وليلة، وهو أقلُّ الحيض، ثم طهرت خَمْسَةَ عَشَر يوماً، وهو أقَلُّ الطُّهْر، ثم حاضَت يوماً وليلةً، ثم طَهُرَت خَمْسَة عَشَر يَوْماً، ثم رَأَتِ الدَّمَ، فقد انْقَضَت عِدَّتُها؛ لحصول ثلاثة أطهارٍ فمتى ادَّعت هذا أو أكثر منه، قبل قولها، وكذلك إن كانت حاملاً فادَّعت أنها أسقطت فالقول قولها؛ لأنها أمينة عليه. فصل في المراد بالكتمان قال القرطبي: ومعنى النَّهي عن الكتمان: النَّهي عن الإضرار بالزَّوجِ وإذهاب حقِّه، فإذا قالت المطلَّقة: حضتُ وهي لم تحِض، ذهبت بحقِّه في الارتجاع، وإذا قالت: لم أَحِضْ وهي قد حَاضَتْ، ألْزَمَتْهُ من النَّفَقَةِ ما لم يَلْزَمه، فأضرَّت به، أو تقصد بكذبها في نفس الحيض ألاَّ ترجع حتى تنقضي العدَّة ويقطع الشَّرع حقَّه، وكذلك الحاملُ تكتم الحمل؛ لتقطع حقَّه في الارتجاع. قال قتادة: كانت عادتهن في الجاهليَّة أن يكتمن الحمل ليلحقن الولد بالزَّوج الجديد؛ ففي ذلك نزلت الآية. فصل اختلف المفسِّرون في قوله: {مَا خَلَقَ ٱللهُ فِيۤ أَرْحَامِهِنَّ}: فقيل: هو الحَبَلُ والحَيْضُ معاً، وذلك لأنَّ المَرْأة لَهَا أغْرَاض كَثِيرة في كتمانها؛ أمّا الحبل؛ فإنه يكون غرضها فيه أنَّ انقضاء عدَّتها بالقروء؛ لأنه يكون أقلَّ زماناً من انقضاء عدَّتها يوضع الحمل، فإذا كتمت الحمل، قصرت مدّة عدَّتها فتتزوَّج بسرعة وربما كرهت مراجعة الزَّوج، وربما أحبَّت التَّزويج بزوج آخر، أو أحبَّت أن تلحق ولدها بالزَّوج الثَّاني، فلهذه الأغراض تكتم الحمل، وأما كتمان الحيض، فقد يكون غرضها إذا كانت من ذوات الأقراء أن تطول عدَّتها لكي يراجعها الزَّوج، وقد تحبُّ تقصير عدَّتها لتبطل رجعته ولا يتمُّ لها ذلك إلاَّ بكتمان بعض الحيض في بعض الأوقات، فوجب حمل النَّهي على مجموع الأمرين. وقال ابن عبَّاسٍ وقتادة: هو الحيض فقط؛ لقوله تعالى: {أية : هُوَ ٱلَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي ٱلأَرْحَامِ}تفسير : [آل عمران:6]، ولأن الحيض خارجٌ عن الرَّحم لا مخلوقٌ فيه، وحمل قوله - تعالى -: {مَا خَلَقَ ٱللهُ فِيۤ أَرْحَامِهِنَّ} على الولد الذي هو شريف، أولى من حمله على شيءٍ قَذِرٍ خسيسٍ. وأجيب بأن المقصود منعها عن إخفاء هذه الأحوال الَّتي لا اطِّلاع لغيرها عليها، وبسببها يختلف الحلُّ والحرمة في النِّكاح، فوجب حمل اللَّفظ على الكلِّ، وقيل: هو الحيض؛ لأن هذا الكلام إنَّما ورد عقيب ذكر "الأَقْرَاءِ"، ولم يتقدَّم ذكر الحمل. وأجيب: بأنَّ هذا كلامٌ مُسْتَأْنَفٌ مستَقِلٌّ بِنَفْسِه، من غير أن يُرَدَّ إلى ما تقدَّم، فوجب حمله على كلِّ ما يخلق في الرَّحم. وقوله: {إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِٱللهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ} ليس المراد: أن ذلك النَّهي مشروطاً بكونها مؤمنة، بل هذا كقول المظلوم للظَّالم: "إن كُنْتَ مُؤْمِناً فَيَنْبَغِي أن يَمْنَعَكَ إيمَانُك عن ظُلْمِي"، وهذا تهديدٌ شديد في حقِّ النّساء؛ فهو كقوله في الشَّهادة: {أية : وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ}تفسير : [البقرة:283]، وقوله: {أية : فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ ٱلَّذِي ٱؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ ٱللهَ رَبَّهُ}تفسير : [البقرة:283]. قوله تعالى: {وَبُعُولَتُهُنَّ} الجمهور على رفع تاء "بُعُولَتُهُنَّ" وسكَّنها مسلمة بن محاربٍ، وذلك لتوالي الحركات، فخُفِّف، ونظيره قراءة: {أية : وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ}تفسير : [الزخرف:80] بسكون اللام حكاها أبو زيد، وحكى أبو عمرو: أنَّ لغة تميم تسكين المرفوع من "يُعَلِّمُهُمُ" ونحوه، وقيل: أجرى ذلك مجرى "عَضُدٍ، وعَجُزٍ"؛ تشبيهاً للمنفصل بالمتصل، وقد تقدَّم ذلك. و{أَحَقُّ} خبرٌ عن "بُعُولَتُهُنَّ" وهو بمعنى حقيقون؛ إذ لا معنى للتفضيل هنا؛ فإنَّ غير الأزواج لا حقَّ لهم فيهنَّ البتَّة، ولا حقَّ أيضاً للنِّساء في ذلك، حتى لو أبت هي الرَّجعة، لم يعتدَّ بذلك. وقال بعضهم: هي على بابها؛ لأنه تعالى قال: {وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ ٱللهُ فِيۤ أَرْحَامِهِنَّ} فكان تقدير الآية: فإنَّهن إن كتمن لأجل أن يتزوَّج بهنَّ زوجٌ آخر، فإنَّ الزَّوج الأوَّل أحقُّ بردِّها؛ لأنه ثبت للزَّوج الثَّاني حقٌّ في الظَّاهر؛ لادِّعائها انقضاء عدَّتها. وأيضاً: فإنَّها إذا كانت معتدَّة، فلها في انقضاء العدَّة حقُّ انقطاع النِّكاح، فلما كان لهنَّ هذا الحقُّ الذي يتضمَّن إبطال حقِّ الزَّوج، جاز أن يقول: {وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ} حيث إن لهم أن يبطلوا بسبب الرَّجعة ما هنَّ عليه من العدَّة. و "البُعُولة" فيها قولان: أحدهما: إنه جمع "بَعْل" كالفحولة والذُّكورة والجدودة والعمومة، والهاء زائدة مؤكِّدة لتأنيث الجماعة ولا ينقاس، بل إنَّما يجوز إدخالها في جمع رواة أهل اللُّغة عن العرب، فلا يقال في كعب: كُعُوبة، ولا في كَلْب: كلابة. والبعل زوجُ المَرْأةِ؛ قالوا: وسُمِّي بذلك على المستعلي، فلما علا من الأرض فَشَرِبَ بعروقه. ويقال: بَعَلَ الرَّجُلُ يبعلُ؛ كمنع يمنعُ. ويشترك فيه الزَّوجان؛ فيقال للمرأة: بعلة؛ كما يقال لها: زَوْجَةٌ في كَثِير من اللُّغَاتِ، وزَوْجٌ في أَفْصَح الكَلاَم، فهما بَعْلاَن كما أنَّهما زوجان، وأصل البعل: السَّيِّد المالِك فيما نقل، يقال: من بعلُ هذه النَّاقة؟ كما يقال من ربُّها؟ وبعل: اسم صنم، كانوا يتَّخذونه ربّاً؛ قال ـ تعالى ـ: {أية : أَتَدْعُونَ بَعْلاً وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ ٱلْخَالِقِينَ}تفسير : [الصافات:125]، وقد كان النِّساء يدعون أزواجهن بالسودد. الثاني: أنّ البعولة مصدر، يقال: بعل الرَّجُل يَبْعَل بُعُولَةً وبِعَالاً، إذا صَارَ بَعْلاً، وبَاعَل الرَّجُل امْرَأَتَهُ: إذا جَامَعَهَا؛ ومنه الحديث: أن النبيَّ - عليه الصَّلاة والسَّلام - "حديث : قال في أيَّام التَّشريق: إِنَّهَا أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَبِعَالٍ"تفسير : ، وامرأة حَسَنَةُ التَّبَعّل إذا كَانَت تُحْسِن عِشْرَةَ زَوْجِها، ومنه الحديث: "حديث : إِذَا أَحْسَنْتُنَّ تبعُّلَ أزواجكن ". تفسير : قوله: {بِرَدِّهِنَّ} متعلِّقٌ بـ "أَحَقّ". وقوله "فِي ذَلِكَ" فيه وجهان: أحدهما: أنه متعلّقٌ أيضاً بـ "أَحَقّ"، ويكون المشار إليه بذلك على هذا وقت العدَّة، أي تستحقّ رجعتها ما دامت في العدَّة، وليس المعنى: أنه أحقُّ أن يردَّها في العدَّة، وإنما يردُّها في النكاح، أو إلى النكاح. والثاني: أن يتعلَّق بالردِّ، ويكون المشار إليه بذلك على هذا النِّكاح، قاله أبو البقاء. والضمير في "بُعُولَتِهِنَّ" عائدٌ على بعض المطلَّقات، وهنَّ الرَّجعيَّات خاصَّةً، وقال أبو حيَّان: "والاولَى عندي: أن يكونَ على حَذْفِ مضافٍ دَلَّ عليه الحكم، أي: وبُعُولَةُ رَجْعِيَّاتِهِنَّ". ومعنى الردّ هنا: الرُّجوع؛ قال - تعالى -: {أية : وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَىٰ رَبِّي}تفسير : [الكهف:36]، وقال في موضع آخر: {أية : وَلَئِن رُّجِعْتُ}تفسير : [فصلت:50]. فإن قيل: ما معنى الرَّدّ في الرَّجعيَّة وهي زوجة، ما دامت في العِدَّة؟ فالجواب: أنّ الردّ والرَّجعة يتضمَّن إبطال التَّربُّص والتَّحرِّي في العدَّة، فإنَّها ما دامت في العدَّة، كأنَّها جارية إلى إبْطال حقِّ الزَّوج، وبالرَّجعة بطل ذلك فسمِّيت الرَّجعة ردّاً، لا سيَّما ومذهب الشَّافعيِّ أنه يحرم الاستمتاع بها إلاّ بعد الرَّجعة، فالردُّ على مذهبه فيه معنيان: أحدهما: ردّها من التَّربُّص إلى خلافه. والثاني: ردُّها من الحرمة إلى الحلِّ. قوله: {إِنْ أَرَادُوۤاْ إِصْلاَحاً} فالمعنى: أن الأزواج أحقُّ بالمراجعة، إن أرادوا الإصلاح ولم يريدا المضارَّة؛ ونظيره قوله - تعالى -: {أية : وَإِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَاراً لِّتَعْتَدُواْ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ}تفسير : [البقرة:231]. والسَّبب في ذلك: أنَّ الرَّجل كان في الجاهليَّة يطلِّق امرأته، فإذا قرب انقضاء عدَّتها، راجعها ثم تركها مدَّة ثمَّ طلَّقها، فإذا قرب انقضاء عدَّتها، راجعها ثمَّ طلَّقها ثم بَعْدَ مدَّة طلقها يقصد بذلك تطويل عدَّتها، فنهوا عن ذلك، وجعل إرادة الإصلاح شرطاً في المراجعة. فإن قيل: الشَّرط يقتضي انتفاء الحكم عند انتفائه، فيلزم إذا لم توجد إرادة الإصلاح ألاّ تصحّ الرَّجعة؟ فالجواب: أنّ الإرادة صفةٌ باطنةٌ لا اطِّلاع لنا عليها، والشَّرع لم يوقف صحَّة المراجعة عليها؛ بل جوازها فيما بينه وبين الله - تعالى - موقوف على هذه الإرادة، فإن راجعها لقصد المضارَّة، استحقَّ الإثم. فصل نقل القرطبي عن مالك، قال: إذا وطئ المعتدَّة الرَّجعيَّة في عدَّتها، وهو يريد الرَّجعة وجهل أن يُشهد، فهي رجعةٌ، وينبغي للمرأة أن تمنعه الوطء حتى يشهد؛ لقوله - عليه الصَّلاة والسَّلام -: "حديث : إنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وإنَّمَا لكُلِّ امْرِىءٍ مَا نَوَى" تفسير : فإن وطئَ في العدَّة، لا ينوي به الرَّجعة؛ فقال مالكٌ: يراجع في العدَّة، ولا يطأ حتى يستبرئها من مائه الفاسد. قال سعيد بن المسيَّب، والحسن البصري، وابن سيرين، والزُّهري، وعطاء، والثَّوري: إذا جامعها فقد راجعها. فصل من قبّل أو باشر ولم ينو بذلك الرَّجعة، كان آثماً وليس بمراجعٍ. وقال أبو حنيفة وأصحابه: إن وطئها، أو لمسها بشهوة أو نظر إلى فرجها بشهوةٍ، فهي رجعة، وينبغي أن يُشهد وهو قول الثَّوريّ. فصل قال أحمد: ولها التَّزيُّن لزوجها، والتَّشرُّف، وله الخلوة والسَّفر بها. وقال مالك: لا يخلو معها ولا يدخل عليها إلاَّ بالإذن، ولا ينظر إليها إلاَّ وعليها ثيابها، ولا ينظر إلى شعرها. وقال ابن القاسم: رجع مالك عن ذلك. قوله: {وَلَهُنَّ مِثْلُ ٱلَّذِي عَلَيْهِنَّ} خبرٌ مقدَّمٌ، فهو متعلِّق بمحذوف، وعلى مذهب الأخفشِ من باب الفعل والفاعل، وهذا من بديع الكلام، وذلك أنه قد حذف من أوَّله شيءٌ ثم أثبت في آخره نظيره، وحذف من آخره شيءٌ أثبت نظيره في الأول، وأصل التركيب: "وَلَهُنَّ على أزواجِهِنَّ مِثْلَ الذي لأَزْوَاجِهِنَّ عَلَيْهِنَّ"، فحذف "عَلَى أَزْوَاجِهِنَّ" لإثباتِ نظيره، وهو "عَلَيْهِنَّ"، وحذفت "لأَزْوَاجِهِنَّ" لإثبات نظيره، وهو "لَهُنَّ". قوله: {بِٱلْمَعْرُوفِ} فيه وجهان: أحدهما: أن يتعلَّق بما تعلَّق به "لَهُنَّ" من الاستقرار، أي: استقرَّ لهُنَّ بالمعروف. والثاني: أن يتعلَّق بمحذوفٍ على أنه صفةٌ لـ "مِثْل"؛ لأنَّ "مِثْل" لا يتعرَّفُ بالإضافة؛ فعلى الأوَّل: هو في محلِّ نصبٍ؛ وعلى الثاني: هو في محلِّ رفعٍ. قوله: {وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ} فيه وجهان: أظهرهما: أنَّ "لِلرِّجَالِ" خبرٌ مقدَّمٌ، و "دَرَجَةٌ" مبتدأٌ مؤخرٌ، و "عَلَيهِنَّ" فيه وجهان على هذا التقدير: إمَّا التعلُّقُ بما تعلَّق به "لِلرِّجَالِ"، وإمَّا التعلقُ بمحذوفٍ على أنه حالٌ من "دَرَجَةٌ" مقدَّماً عليها؛ لأنه كان صفةً في الأصل، فلمَّا قُدِّم انتصب حالاً. والثاني: أن يكون "عَلَيْهِنَّ" هو الخبر، و "للرجال" حال من "دَرَجَةٌ"؛ لأنه يجوز أن يكون صفةٌ لها في الأصل، ولكنَّ هذا ضعيفٌ؛ من حيث إنه يلزم تقديم الحال على عاملها المعنويِّ؛ لأ،َّ "عَلَيْهِنَّ" حينئذٍ هو العالم فيها؛ لوقوعه خبراً. على أنَّ بعضهم قال: متى كانت الحال نفسها ظرفاً أو جارّاً ومجروراً، قوي تقديمها على عاملها المعنويِّ، وهذا من ذاك، هذا معنى قول أبي البقاء. وردَّه أبو حيان بأنَّ هذه الحال قد تقدَّمت على جزأي الجملة، فهي نظير: "قَائِماً في الدَّارِ زَيْدٌ"، قال: وهذا ممنوعٌ، لا ضَعِيفٌ؛ كما زعم بعضهم، وجعل محلَّ الخلاف فيما إذا لم تتقدَّم الحالُ - العامل فيها المعنى - على جزأي الجملة، بل تتوسَّط؛ نحو: "زَيْدٌ قَائِماً في الدَّارِ"، قال: "فأبو الحسن يُجيزُهَا، وغيره يمنعها". و "الرَّجُلُ" مأخوذ من الرُّجلة، أي: القوَّة، وهو أرجل الرَّجلين، أي: أقواهما وفرس رَجِيلٌ: قويٌّ على المَشي، والرَّجل معروفٌ لقوَّته على المشي، وارتجل الكلام، أي: قوي عليه من غير حاجةٍ فيه إلى فكرةٍ ورويَّة، وترجَّل النَّهار: قوي ضياؤه. و "الدَّرَجَة" هي المنزلة، وأصلها: من درجتُ الشَّيء أدْرُجُه دَرْجاً، وأدْرَجْتُه إدْرَاجاً إذا طويته، ودَرَجَ القومُ قَرْناً بعد قرن، أي: فنوا، ومعناه: أنَّهم طووا عمرهم شيئاً فشيئاً، والمدْرَجة: قَارِعَةُ الطَّريق؛ لأنَّها تطوي منزلاً بعد منزل، والدَّرجة: المنزلة من منازل الجنَّة، ومنه الدَّرجة التي يرتقي فيها، والدَّرجُ: ما يرتقي عليها، والدَّرك ما يهوى فيها. فصل لما بيَّن أن المقصود من المراجعة إصلاح حالها، لا إيصال الضَّرر إليها، بيَّن أن لكلِّ واحدٍ من الزَّوجين حقّاً على الآخر. روي عن ابن عبَّاس، قال: إني لأَتَزَيَّن لامْرَأَتِي كما تَتَزَيَّن لي؛ لقوله تعالى: {وَلَهُنَّ مِثْلُ ٱلَّذِي عَلَيْهِنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ}. وقال بعضهم: يجب أن يقوم بحقِّها ومصالحها، ويجب عليها الانقياد والطَّاعة له. وقيل: لهنَّ على الزَّوج إرادةُ الإصلاح عند المراجعة، وعليهنّ ترك الكتمان فيما خلق الله في أرحامهن، وهذا أوفق لصدر الآية. وأما درجة الرجل على المرأة فيحتمل وجهين: الأول: أن الرَّجل أزيدُ في الفضيلة من النِّساء لأمور: في كمال العقل، وفي الدِّية، وفي الميراث، وفي القيمة، وفي صلاحية الإمامة، والقضاء، والشَّهادة، وللزَّوج أن يتزوَّج عليها ويتسرَّى، وليس لها ذلك مع الزَّوج، والزوج قادر على طلاقها وعلى رجعتها شاءت أو أبت، وليس لها ذلك. الوجه الثاني: أن الزَّوج اختصَّ بأنواعٍ من الحقوق وهي التزام المهر والنَّفقة والذَّبُّ عنها، والقيام بمصالحها، ومنعها من مواقع الآفات، فكان قيام المرأة بخدمة الرَّجل آكد وجوباً لهذه الحقوق الزَّائدة؛ كما قال - تعالى -: {أية : ٱلرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى ٱلنِّسَآءِ بِمَا فَضَّلَ ٱللهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَآ أَنْفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ}تفسير : [النساء:34]، قال - عليه الصَّلاة والسَّلام -: "حديث : لَوْ أَمَرْتُ أَحْداً بالسُّجُودِ لِغَيْرِ اللهِ، لأَمَرْتُ المَرْأَةَ بالسُّجُودِ لِزَوْجِهَا" تفسير : وإذا كان كذلك، فالمرأة كالأسير العاجز في يد الرَّجُلِ، ولهذا قال - عليه الصَّلاة والسَّلام -: "حديث : اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْراً فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُم عَوَانٌ"تفسير : ، وفي خبرٍ آخر: "حديث : اتَّقُوا الله في الضَّعِيفَيْن: اليتيمِ والمَرْأَةِ ". تفسير : ثم قال: {وَٱللهُ عَزِيزٌ حَكُيمٌ} أي: غالبٌ لا يمنع، مصيبٌ في أحكامه.
السيوطي
تفسير : أخرج أبو داود وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن أسماء بنت يزيد بن السكن الانصارية قالت: طلقت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يكن للمطلقة عدة، فأنزل الله حين طلقت العدة للطلاق {والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء} فكانت أول من أنزلت فيها العدة للطلاق. وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله {والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء} قال: كان أهل الجاهلية يطلق أحدهم ليس لذلك عدة. وأخرج أبو داود والنسائي وابن المنذر عن ابن عباس {والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء} {أية : واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر}تفسير : [الطلاق: 4] فنسخ واستثنى، وقال {أية : ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها} تفسير : [الأحزاب: 49]. وأخرج مالك والشافعي وعبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس في ناسخه والدارقطني والبيهقي في السنن عن عائشة قالت: إنما الأقراء الاطهار. وأخرج مالك والشافعي والبيهقي من طريق ابن شهاب عن عروة عن عائشة. أنها انتقلت حفصة بنت عبد الرحمن حين دخلت في الدم من الحيضة الثالثة. قال ابن شهاب: فذكرت ذلك لعمرة بنت عبد الرحمن فقالت: صدق عروة، وقد جادلها في ذلك ناس قالوا: إن الله يقول {ثلاثة قروء} فقالت عائشة: صدقتم، وهل تدرون ما الإِقراء؟ الإِقراء الإِطهار. قال ابن شهاب: سمعت أبا بكر بن عبد الرحمن يقول: ما أدركت أحداً من فقهائنا إلا وهو يقول: هذا يريد الذي قالت عائشة. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير والبيهقي عن ابن عمر وزيد بن ثابت قالا: الإِقراء الإِطهار. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر والبيهقي عن عمرو بن دينار قال: الإِقراء الحيض عن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم. وأخرج ابن جرير والبيهقي عن ابن عباس في قوله {ثلاثة قروء} قال: ثلاث حيض. وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد في قوله {والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء} قال: حيض. وأخرج عبد بن حميد عن قتادة {والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء} فجعل عدة الطلاق ثلاث حيض، ثم أنه نسخ منها المطلقة التي طلقت ولم يدخل بها زوجها فقال في سورة الأحزاب {أية : يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها}تفسير : [الأحزاب: 49] فهذه تزوّج ان شاءت من يومها. وقد نسخ من الثلاثة فقال {أية : واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم}تفسير : [الطلاق: 4] فهذه العجوز التي لا تحيض والتي لم تحض فعدتهن ثلاثة أشهر، وليس الحيض من أمرها في شيء، ونسخ من الثلاثة قروء الحامل فقال {أية : أجلهن أن يضعن حملهن}تفسير : [الطلاق: 4] فهذه ليست من القروء في شيء إنما أجلها أن تضع حملها. وأخرج مالك والشافعي وعبد الرزاق في المصنف وعبد بن حميد والبيهقي من طريق عروة وعمرة عن عائشة قالت: إذا دخلت في الحيضة الثالثة فقد بانت من زوجها وحلت للأزواج. قالت عمرة: وكانت عائشة تقول: إنما القرء الطهر، وليس بالحيضة. وأخرج مالك والشافعي وعبد الرزاق وعبد بن حميد والبيهقي عن زيد بن ثابت قال: إذا دخلت المطلقة في الحيضة الثالثة فقد بانت من زوجها وحلت للأزواج. وأخرج مالك والشافعي والبيهقي عن ابن عمر قال: إذا طلق الرجل امرأته فدخلت في الدم من الحيضة الثالثة فقد برئت منه وبرىء منها، ولا ترثه ولا يرثها. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد والبيهقي عن علقمة. أن رجلاً طلق امرأته ثم تركها، حتى إذا مضت حيضتان والثالثة أتاها وقد قعدت في مغتسلها لتغتسل من الثالثة، فأتاها زوجها فقال: قد راجعتك قد راجعتك ثلاثاً. فأتيا عمر بن الخطاب فقال عمر لابن مسعود وهو إلى جنبه: ما تقول فيها؟ قال: أرى أنه أحق بها حتى تغتسل من الحيضة الثالثة وتحل لها الصلاة. فقال عمر: وأنا أرى ذلك. وأخرج الشافعي وعبد الرزاق وعبد بن حميد والبيهقي عن علي بن أبي طالب قال: تحل لزوجها الرجعة عليها حتى تغتسل من الحيضة الثالثة، وتحل للأزواج. وأخرج عبد الرزاق والبيهقي عن أبي عبيدة بن عبدالله بن مسعود قال: أرسل عثمان بن عفان إلى أبي يسأله عن رجل طلق امرأته ثم راجعها حين دخلت في الحيضة الثالثة، قال أبي: كيف يفتي منافق؟ فقال عثمان: نعيذك بالله أن تكون منافقاً، ونعوذ بالله أن نسميك منافقاً، ونعيذك بالله أن يكون منك هذا في الإِسلام ثم تموت ولم تبينه. قال: فإني أرى أنه أحق بها ما لم تغتسل من الحيضة الثالثة وتحل لها الصلاة. وأخرج البيهقي من طريق الحسن عن عمر وعبدالله وأبي موسى، في الرجل يطلق امرأته فتحيض ثلاث حيض فراجعها قبل أن تغتسل، قال: هو أحق بها ما لم تغتسل. وأخرج وكيع عن الحسن قال: تعتد بالحيض وإن كانت لا تحيض في السنة إلا مرة. وأخرج مالك والشافعي عن محمد بن يحيى بن حيان أنه كان عند جده هاشمية وانصارية، فطلق الانصارية وهي ترضع، فمرت بها سنة ثم هلك ولم تحض، فقالت: أنا أرثه ولم أحض. فاختصموا إلى عثمان فقضى للأنصارية بالميراث، فلامت الهاشمية عثمان فقال: هذا عمل ابن عمك هو أشار علينا بهذا، يعني علي ابن أبي طالب. وأخرج البيهقي عن ابن عمر قال: إذا طلقها وهي حائض لم تعتد بتلك الحيضة. وأخرج عبد الرزاق عن عكرمة قال: الاقراء الحيض ليس بالطهر. قال الله تعالى {فطلقوهن لعدتهن} ولم يقل لقرؤئهن. وأخرج الشافعي عن عبد الرحمن بن أبي بكر، أن رجلاً من الأنصار يقال له حيان بن منقذ طلق امرأته وهو صحيح وهي ترضع ابنته، فمكثت سبعة عشر شهراً لا تحيض يمنعها الرضاع أن تحيض، ثم مرض حيان فقلت له: إن امرأتك تريد أن ترث؟ فقال لأهله: احملوني إلى عثمان فحملوه إليه، فذكر له شأن امرأته وعنده علي بن أبي طالب، وزيد بن ثابت، فقال لهما عثمان: ما تريان؟ فقالا: نرى أنه إن مات ترثه ويرثها إن ماتت، فإنها ليست من القواعد اللاتي قد يئسن من المحيض، وليست من الأبكار اللاتي لم يبلغن بالمحيض، ثم هي على عدة حيضها ما كان من قليل أو كثير. فرجع حيان إلى أهله وأخذ ابنته، فلما فقدت الرضاع حاضت حيضة ثم حاضت حيضة أخرى، ثم توفي حيان قبل أن تحيض الثالثة، فاعتدت عدة المتوفى عنها زوجها وورثته. وأخرج أبو داود والترمذي وابن ماجة والدارقطني والحاكم وصححه والبيهقي عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: حديث : طلاق الأمة تطليقتان، وقرؤها حيضتان، وفي لفظ وعدتها حيضتان . تفسير : وأخرج ابن ماجة والبيهقي من حديث ابن عمر مرفوعاً. مثله. وأخرج عبد الرزاق والبيهقي عن زيد بن ثابت قال: الطلاق بالرجال، والعدة بالنساء. وأخرج عبد الرزاق والبيهقي عن علي وابن مسعود وابن عباس قالوا: الطلاق بالرجال، والعدة بالنساء. وأخرج مالك والبيهقي عن سعيد بن المسيب قال: الطلاق للرجال، والعدة للنساء. وأخرج مالك عن سعيد بن المسيب قال: عدة المستحاضة سنة. أما قوله تعالى: {ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن} . أخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله {ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن} قال: كانت المرأة تكتم حملها حتى تجعله لرجل آخر، فنهاهن الله عن ذلك. وأخرج عبد بن حميد عن قتادة {ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن} قال: علم الله أن منهن كواتم، يكتمن ضراراً ويذهبن بالولد إلى غير أزواجهن، فنهى عن ذلك وقدم فيه. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عمر {ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن} قال: الحمل والحيض، لا يحل إن كانت حاملاً أن تكتم حملها، ولا يحل لها ان كانت حائضاً أن تكتم حيضها. وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وعبد بن حميد والبيهقي عن مجاهد {ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن} قال: الحيض والولد، لا يحل للمطلقة أن تقول: أنا حائض. وليست بحائض. ولا تقول: إني حبلى. وليست بحبلى، ولا تقول: لست بحبلى. وهي حبلى. وأخرج ابن جرير عن ابن شهاب في قوله {ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن} قال: بلغنا أن ما خلق الله في أرحامهن الحمل، وبلغنا أنه الحيض. وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد والبيهقي عن إبراهيم في الآية قال: أكبر ذلك الحيض، وفي لفظ: أكثر ما عنى به الحيض. وأخرج سعيد بن منصور والبيهقي عن عكرمة قال: الحيض. أما قوله تعالى: {وبعولتهن أحق بردهن في ذلك} . أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي عن ابن عباس في قوله {وبعولتهن أحق بردهن} يقول: إذا طلق الرجل امرأته تطليقة أو تطليقتين وهي حامل فهو أحق برجعتها ما لم تضع حملها، ولا يحل لها أن تكتمه يعني حملها، وهو قوله {ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن} . وأخرج ابن المنذر عن مقاتل بن حبان في قوله {وبعولتهن أحق بردهن في ذلك} يعني المراجعة في العدة، نزلت في رجل من غفار، طلق امرأته ولم يشعر بحملها، فراجعها وردها إلى بيته فولدت وماتت ومات ولدها، فأنزل الله بعد ذلك بأيام يسيرة {أية : الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان} تفسير : [البقرة: 229] فنسخت الآية التي قبلها، وبين الله للرجال كيف يطلقون النساء وكيف يتربصن. وأخرج وكيع وعبد بن حميد وابن جرير والبيهقي عن مجاهد {وبعولتهن أحق بردهن في ذلك} قال: في القروء الثلاث. وأخرج ابن جرير عن الربيع {وبعولتهن أحق بردهن في ذلك} قال: في العدة. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن قتادة {وبعولتهن أحق بردهن في ذلك} قال: في العدة ما لم يطلقها ثلاثاً. أما قوله تعالى: {ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف} . وأخرج ابن جرير عن الضحاك في قوله {ولهن مثل الذي عليهن} قال: إذا أطعن الله وأطعن أزواجهن، فعليه أن يحسن خطبتها ويكف عنها أذاه، وينفق عليها من سعته. وأخرج الترمذي وصححه والنسائي وابن ماجة عن عمرو بن الأحوص "حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ألا إن لكم على نسائكن حقاً، ولنسائكم عليكم حقاً. فأما حقكم على نسائكم فلا يوطئن فرشكم من تكرهون، ولا يأذن في بيوتكم من تكرهون، ألا وحقهن عليكم أن تحسنوا إليهن في كسوتهن وطعامهن ". تفسير : وأخرج أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجة وابن جرير والحاكم وصححه والبيهقي عن معاوية بن حيدة القشيري "حديث : أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم ما حق المرأة على الزوج؟ قال: أن تطعمها إذا طعمت، وأن تكسوها إذا اكتسيت، ولا تضرب الوجه، ولا تقبح، ولا تهجر إلا في البيت ". تفسير : وأخرج ابن عدي عن قيس بن طلق عن أبيه "حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا جامع أحدكم أهله فلا يعجلها حتى تقضي حاجتها، كما يحب أن يقضي حاجته ". تفسير : وأخرج عبد الرزاق وأبو يعلى عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إذا جامع أحدكم أهله فليصدقها، فإن سبقها فلا يعجلها. ولفظ عبد الرزاق: فإن قضى حاجته ولم تقض حاجتها فلا يعجلها ". تفسير : وأخرج وكيع وسفيان بن عيينة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: إني لأحب أن أتزين للمرأة كما أحب أن تتزين المرأة لي، لأن الله يقول {ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف} وما أحب أن استوفي جميع حقي عليها لأن الله يقول {وللرجال عليهن درجة}. وأخرج ابن ماجة عن أم سلمة "أن النبي صلى الله عليه وسلم أطلى وولى عانته بيده". وأخرج الخرائطي في كتاب مساوىء الأخلاق عن أم سلمة "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينوره الرجل فإذا بلغ مراقه تولى هو ذلك". وأخرج الخرائطي عن محمد بن زياد قال "كان ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم جاراً لي، فكان يدخل الحمام فقلت: وأنت صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم تدخل الحمام. فقال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخل الحمام ثم يتنور". وأخرج ابن عساكر في تاريخه عن ابن عمر "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتنور كل شهر، ويقلم أظفاره كل خمس عشرة". وأخرج مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة عن عائشة أنها سئلت بأي شيء كان يبدأ النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل بيته؟ قالت: بالسواك. قوله تعالى: {وللرجال عليهن درجة}. أخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في قوله {وللرجال عليهن درجة} قال: فضل ما فضله الله به عليها من الجهاد، وفضل ميراثه على ميراثها، وكل ما فضل به عليها. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن أبي مالك {وللرجال عليهن درجة} قال: يطلقها وليس لها من الأمر شيء. وأخرج وكيع وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم {وللرجال عليهن درجة} قال: الإِمارة.
ابو السعود
تفسير : {وَٱلْمُطَلَّقَـٰتُ} أي ذواتُ الأقراءِ من الحرائر المدخولِ بهن لما قد بُـين أن لا عدةَ على غير المدخولِ بها وأنَّ عدَّةَ من لا تحيضُ - لصِغَرٍ أو كِبَرٍ أو حملٍ - بالأشهر ووضعِ الحمل وأن عدة الأَمَةِ قُرآنِ أو شهران {يَتَرَبَّصْنَ} خبرٌ في معنى الأمر مفيدٌ للتأكيد بإشعاره بأن المأمور به مما يجب أن يُتلقَّ بالمسارعة إلى الإتيان به فكأنهن امتثلن بالأمر بالتربُّص فتخبر به موجوداً متحققاً، وبناؤه على المبتدأ مفيدٌ لزيادة تأكيد {بِأَنفُسِهِنَّ} الباء للتعدية أي يقمَعْنها ويحمِلْنها على ما لا تشتهيه بل يشق عليها من التربص وفيه مزيدُ حثٍّ لهن على ذلك لما فيه من الإنباء عن الاتصاف بما يستنكفْن منه من كون نفوسِهن طوامِحَ إلى الرجال فيحملُهن ذلك على الإقدام على الإتيان بما أمر به {ثَلَـٰثَةَ قُرُوءٍ} نُصب على الظرفية أو المفعولية بتقدير مضافٍ أي يتربصن مدةَ ثلاثةِ قروء أو يتربصن مُضِيَّ ثلاثةِ قروءٍ وهو جمع قُرءٍ والمراد به الحيضُ بدليل قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : دعي الصَّلاةَ أيامَ أقرائِك» تفسير : وقوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : طلاقُ الأمَةِ تطليقتانِ وعِدَّتُها حَيْضتان» تفسير : وقوله تعالى: {أية : وَٱللاَّئِى يَئِسْنَ مِنَ ٱلْمَحِيضِ مِن نّسَائِكُمْ إِنِ ٱرْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَـٰثَةُ أَشْهُرٍ } تفسير : [الطلاق، الآية 4] ولأن المقصودَ الأصليَّ من العدة استبراءُ الرحِم ومدارُه الحيضُ دون الطهر ويقال: أقْرَأت المرأة إذا حاضت وقوله تعالى: {أية : فَطَلّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} تفسير : [الطلاق، الآية 1] معناه مستقبلاتٍ لعدتهن وهي الحِيَضُ الثلاثُ، وإيرادُ جمع الكثرة في مقام جمع القِلة بطريق الاتساع فإن إيراد كلَ من الجمعين مكانَ الآخر شائع ذائع، وقرىء ثلاثة قُرو بغير همز {وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ فِى أَرْحَامِهِنَّ} من الحَيْض والوَلَدِ استعجالاً للعِدة وإبطالاً لحقِّ الرَّجْعة وفيه دليل على قبول قولهِن في ذلك نفياً وإثباتاً {إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلأخِرِ} جوابُ الشرط محذوفٌ يدل عليه ما قبله دَلالةً واضحة أي فلا يجترئن على ذلك، فإن قضيةَ الإيمان بالله تعالى واليومِ الآخِرِ الذي يقع فيه الجزاءُ والعقوبةُ منافيةٌ له قطعاً {وَبُعُولَتُهُنَّ} البعولةُ جمعُ بعلٍ وهو في الأصل السيدُ المالك والتاءُ لتأنيث الجمع كما في الحزونة والسهولة أو مصدرٌ بتقدير مضافٍ أي أهلُ بعولتهن أي أزواجُهن الذين طلقوهن طلاقاً رَجْعياً كما ينبىء عنه التعبـيرُ عنهم بالبعولة، والضميرُ لبعض أفراد المطلقات {أَحَقُّ بِرَدّهِنَّ} إلى مِلْكهم بالرَّجْعة إليهن {فِي ذٰلِكَ} أي في زمانِ التربُّص، وصيغة التفضيلِ لإفادة أن الرجلَ إذا أراد الرجعةَ والمرأةُ تأباها وجبَ إيثارُ قولِه على قولها لا أن لها أيضاً حقاً في الرجعة {إِنْ أَرَادُواْ} أي الأزواجُ بالرجعة {إِصْلَـٰحاً} لما بـينهم وبـينهن وإحساناً إليهن ولم يريدوا مضارَّتَهن، وليس المرادُ به شرطيةَ قصْدِ الإصلاح بصحة الرجعة بل هو الحثُّ عليه والزجرُ عن قصد الضِّرار {وَلَهُنَّ} عليهم من الحقوق {مِثْلُ ٱلَّذِى} لهم {عَلَيْهِنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ} من الحقوق التي يجب مراعاتُها ويتحتم المحافظةُ عليها {وَلِلرّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ} أي زيادةٌ في الحق لأن حقوقَهم في أنفسهن وحقوقَهن في المَهْر والكَفاف وتركِ الضِّرار ونحوها، أو مزيةٌ في الفضل لما أنهم قوامون عليهن حُرَّاسٌ لهن ولما في أيديهن يشاركونهن في الغرَض من الزواج ويستبدّون بفضيلة الرعاية والإنفاق {وَٱللَّهُ عَزِيزٌ} يقدِرُ على الانتقام ممن يخالفُ أحكامَه {حَكِيمٌ} تنطوي شرائعهُ على الحِكَم والمصالح.
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {وَٱلْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوۤءٍ}. أمَرَ المطلقات بالعِدَّة احتراماً لصحبة الأزواج، يعني إنْ انقطعت العلاقة بينكما فأقيموا على شرط الوفاء لما سَلَفَ من الصحبة، ولا تقيموا غيره مقامه بهذه السرعة؛ فاصبروا حتى يمضي مقدار من المدة. ألا ترى أن غير المدخول بها لم تؤمر بالعدة حيث لم تقم بينهما صحبة؟ ثم قال جلّ ذكره: {وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ فِيۤ أَرْحَامِهِنَّ إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ}. يعني إنْ انقطع بينكما السبب فلا تقطعوا ما أثبت الله من النَّسَبِ. ثم قال جلّ ذكره: {وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ}. يعني مَنْ سَبَقَ له الصحبة فهو أحق بالرجعة لما وقع في النكاح من الثلمة. {فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوۤاْ إِصْلاَحاً}. يعني أن يكون القصد بالرجعة استدراك ما حصل من الجفاء لا تطويل العدة عليها بأن يعزم على طلاقها بعدما أرجعها. {وَلَهُنَّ مِثْلُ ٱلَّذِي عَلَيْهِنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ}. يعني إن كان له عليها حق ما أنفق من المال فلها حق الخدمة لما سلف من الحال. {وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}. في الفضيلة، ولهن مزية في الضعف وعجز البشرية.
اسماعيل حقي
تفسير : {والمطلقات} المراد بها ذوات الاقراء من الحرائر المدخول بهن لانه لا عدة على غير المدخول بها وان عدة من لا تحيض لصغر او كبر او حمل بالاشهر ووضع الحمل وان عدة الامة قرءان او شهران واصل التطليق رفع القيد اى المخليات من حبال ازواجهن {يتربصن} خبر فى معنى الامر اى ليتربصن وينتظرن {بأنفسهن} الباء للتعدية اى يحملن انفسهن على التربص ويجعلنها متربصة {ثلثة قروء} نصب على الظرفية اى مدة ثلاثة قروء فلا تتزوجن الى انقضائها. والقروء جمع قرء وهو من الاضداد فى كلام العرب يقع على الطهر والحيض والمشهور انه حقيقة فيهما كالشفق اسم للحمرة والبياض جميعا. ذهب ابو حنيفة واصحابه الى ان القروء هى الحيض لان الله تعالى جعل الاعتداد بالاشهر بدلا من الاعتداد بالقرء كما قال {أية : واللائى يئسن من المحيض من نسائكم فعدتهن ثلثة أشهر} تفسير : [الطلاق: 4]. فلما شرع ذلك عند ارتفاع الحيض دل على ان الاصل كان هو الحيض وتمسك الشافعى بقوله تعالى {أية : فطلقوهن لعدتهن} تفسير : [الطلاق: 1]. على ان المراد بالقروء الاطهار لان اللام فى لعدتهن للوقت ووقت العدة لا يجوز ان يكون وقت الحيض لانه تعالى امر بالطلاق والطلاق فى وقت الحيض منهى عنه. وجوابه ان معناه فطلقوهن مستقلات لعدتهن وهى الحيض الثلاث فالطلاق يقع ثم تأخذ المرأة وتشرع فى العدة وليس معنى الآية ان الطلاق واقع فى العدة وفائدة الخلاف بين الشافعى وابى حنيفة ان مدة العدة عند الشافعى اقصر وعند ابى حنيفة اطول حتى لو طلقها فى حال الطهر يحسب بقية الطهر قرأ وان حاضت عقيبه فى الحال فاذا شرعت فى الحيضة الثالثة انقضت عدتها وعند ابى حنيفة ما لم تطهر من الحيضة الثالثة ان كان الطلاق فى حال الطهر او من الحيضة الرابعة ان كان الطلاق فى حال الحيض لا يحكم بانقضاء عدتها {ولا يحل لهن أن يكتمن} اى يخفين {ما خلق الله فى أرحامهن} من الحبل والحيض بان تقول المرأة لست بحامل او لست بحائض وهى حائض لتبطيل حق الزوج من الولد والرجعة وذلك اذا ارادت المرأة فراق زوجها فكتمت حملها لئلا ينتظر بطلاقها ان تضع وربما اسقطت الحمل خوفا ان يعود ولئلا يشفق على الولد فيترك تسريحها او كتمت حيضها استعاجلا للطلاق لان الطلاق السنى انما يكون فى الطهر. وفيه دليل على قبول قولهن فى ذلك نفيا واثباتا {ان كن يؤمن بالله واليوم الآخر} اى فلا يجترئن على ذلك فان قضية الايمان بالله واليوم الآخر الذى يقع فيه الجزاء والعقوبة منافية له قطعا. وفيه تهديد شديد على النساء وليس المراد ان ذلك النهى مشروط بكونها مؤمنة لان المؤمنة والكافرة فى هذا الحكم سواء {وبعولتهن} جمع بعل والبعلة المرأة واصل البعل السيد والمالك سمى الزوج بعلا لقيامه بامر زوجته كانه مالك لها ورب والتاء فى البعولة لتأنيث الجمع فان الجمع لكونه بمعنى الجماعة فى حكم المؤنث والتاء زائدة لتأكيد التأنيث ودلت تسمية الزوج بعلا بعد طلاقها الصريح على ان النكاح قائم والحل ثابت والضمير لبعض افراد المطلقات لان هن عام شامل للمطلقة بالطلاق الرجعى والبائن ولا حق لازواج البوائن فى النكاح والرجعة {أحق بردهن} الى النكاح والرجعة اليهن {فى ذلك} اى فى زمان التربص فان حق الرجعة انما يثبت للزوج ما دامت فى العده واذا انقضى وقت العدة بطل حق الرد والرجعة. وافعل هنا بمعنى الفاعل والمعنى ان ازواجهن حقيقون بردهن اذ لا معنى للتفضيل هنا فان غير الازواج لا حق لهم فيهن البتة ولا حق ايضا للنساء فى ذلك حتى لو ابت من الرجعة لم يعتد بذلك {إن أرادوا} اى الازواج بالرجعة {إصلاحا} لما بينهم وبينهن واحسانا اليهن ولم يريدوا مضارتهن كما كانوا يفعلونه فى الجاهلية كان الرجل يطلق امرأته فاذا قرب انقضاء عدتها راجعها ثم بعد مدة طلقها يقصد بذلك تطويل العدة عليها وليس المراد به شرطية قصد الاصلاح بصحة فان الرجعة صحيحة وان راجعها مضارا بها بل هو الحث عليه والزجر عن قصد الضرار ثم انه تعالى لما بين ان المقصود من الرجعة اصلاح حالها لا ايصال الضرر اليها بين ان لكل واحد من الزوجين حقا على الآخر فقال {ولهن} عليهم من الحقوق {مثل الذى} لهم {عليهن بالمعروف} قوله بالمعروف متعلق بما تعلق به لهن من الاستقرار اى استقر لهن بالمعروف اى بالوجه الذى لا ينكر فى الشرع وعادات الناس فلا يكلفهن ما ليس لهم ولا يعنف احد الزوجين صاحبه ووجه المماثلة بين الحقين هو الوجوب واستحقاق المطالبة لا الاتحاد فى جنس الحقوق مثلا اذا استحقت المرأة على الزوج المهر والنفقة والمسكن لا يستحق هو عليها ايضا جنس هذه الحقوق {وللرجال عليهن درجة} اى زيادة فى الحق وفضل فيه وفضل الرجل على المرأة فى العقل والدين وما يتفرع عليهما مما لا شك فيه وفضله المناسب بهذا المقام امران. الاول كون ما يستحق هو عليها افضل وازيد مما تستحق هى عليه فانه مالك لها مستحق لنفسها لا تصوم تطوعا الا باذنه ولا تخرج من بيتها الا باذنه وقادر على الطلاق فاذا طلقها فهو قادر على مراجعتها شاءت المرأة او ابت. واما المرأة فلا تملك شيأ من هذه الامرو وانما حقها فيه المهر والكفاف وترك الضرار. والثانى ما اشار اليه الزجاج بقوله معناه ان المرأة تنال من الرجل من اللذات المتفرعة على النكاح مثل ما ينال الرجل منها وله الفضيلة عليها بنفقته والقيام عليها فالفضيلة على هذا فضيلة ما التزمه فى حقها مما يتعلق بالرحمة والاحسان كالتزام المهر والنفقة والمسكن والذب عنها والقيام بمصالحها ومنعها عن مواقع الآفات عن ابى هريرة رضى الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : لو كنت آمرا لاحد ان يسجد لاحد غير الله لامرت المرأة ان تسجد لزوجهاbr>". تفسير : لما عظم الله من حقه عليها قال تعالى {أية : الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم} تفسير : [النساء: 34]. فكان قيام المرأة بخدمة الرجل آكد وجوبا لهذه الحقوق الزائدة {والله عزيز} يقدر على الانتقام ممن يخالف احكامه {حكيم} تنطوى شرائعه على الحكم والمصالح. واعلم ان مقاصد الزوجية لا تتم الا اذا كان كل واحد من الزوجين مراعيا حق الآخر مصلحا لاحواله مثل طلب النسل وتربية الولد ومعاشرة كل واحد منهما الآخر بالمعروف وحفظ المنزل وتدبير ما فيه وسياسة ما تحت ايديهما الى غير ذلك مما يستحسن شرعا ويليق عادة وفى الحديث "حديث : جهاد المرأة حسن التبعل" تفسير : يقال امرأة حسنة التبعل اذا كانت تحسن عشرة زوجها والقيام بما عليها فى بيت الزوج وفى الحديث "حديث : ايما امرأة ماتت وزوجها راض عنها دخلت الجنةbr>". تفسير : كما فى رياض الصالحين. ومن الحقوق التزين قال ابن عباس رضى الله عنهما انى لأتزين لامرأتى كما تتزين لقوله تعالى {ولهن مثل الذى عليهن بالمعروف} ويقال ان المرأة مثل الحمامة اذا انبت لها جناح طارت كذا الرجل اذا زين امرأته بالثياب فلا تجلس بالبيت. وقال رجل ما دخل دارى شر قط فقال حكيم ومن اين دخلت امرأتك: قال السعدى قدس سره شعر : دلارام باشد زن نيك خواه ولى اززن بد خدايا بناه تفسير : وقال بعضهم شعر : عصمت زن را بمقام جمال جلوه حرامست مكريا حلال تفسير : ـ حكى ـ انه كان فى بنى اسرائيل رجل صالح وكان له امرأة يحبها حبا شديدا فبعث الله اليه ان يسأله ثلاث حوائج فقال لامرأته حوائجى كثيرة لا ادرى ما اعمل فقالت امرأته اسأل حاجة لى وحاجتين لك قال ما تريدين قالت اسأل ربك ان يصيرنى فى صورة ما كانت صورة احسن منها واجمل فسأل ربه فاضاء البيت من حسنها وجمالها فقامت لتخرج من بيتها فقال زوجها الى اين تذهبين قالت الى بعض السلاطين انا لا اضيع حسنى وجمالى بمثلك ومنع الزوج خروجها ثم بلغ الخبر الى بعض السلاطين فجاء اعوانه واخذوها من زوجها جبرا فقال الرجل اللهم بقى لى عندك حاجتان اجعلها قردة فمسخها الله تعالى قردة فردها الملك من عنده فجاءت الى زوجها ثم قال الرجل اللهم ردها كما كانت اولا فذهبت الحوائج كلها عبثا لاهى افلحت ولا هو. والاشارة ان المطلقات لما امرن بالعدة وفاء لحق الصحبة وان كان الانقطاع من الزوج لا من الزوجة امرن ان لا يقين غير مقامه بالسرعة ويصبرون حتى يمضى مقدار من المدة الى آخر العدة وكلها دلالات على وفاء الربوبية فى رعاية العبودية فان الله تعالى من كمال كرمه يرخى زمام الفضل بالاصطناع وان كان من العبد الفصل والانقطاع ويمهل العبد الى انقضاء عدة الجفاء ولا يعرض عنه سريعا لاقامة شرط الوفاء لعل العبد فى مدة العدة يتنبه من نوم الغفلة وتتحرك داعيته فى ضمير قلبه من نتائج محبة ربه وان ابتلاه بمحنة الفرقة فيقرع باصبع الندامة باب التوبة ويقوم على قدم الغرامة فى طلب الرجعة والاوبة فيقال من كمال الفضل والنوال يا قارع الباب دع نفسك وتعال من طلب منا فلاحا فليلزم عتبتنا مساء وصباحا.
ابن عجيبة
تفسير : {وَٱلْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوۤءٍ وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ فِيۤ أَرْحَامِهِنَّ إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوۤاْ إِصْلاَحاً...} قلت: القُرء هو الطهر الذي يكون بعد الحيض، عند مالك، وجمع القلة: أقراء، والكثرة: قروء، واستعمله هنا باعتبار كثرة المطلقات، و {ثلاثة}: مفعول مطلق، أو ظرف، و {بعولتهن}: جمع بعل، والتاء لتأنيث الجماعة. يقول الحقّ جلّ جلاله: {والمطلقات يتربصن} أي: يمكثن عن التزوج، {بأنفسهن ثلاثة قروء} أي: أطهار، وتَعْتَدُّ بالطهر الذي طلقها فيه، فتحيض، ثم تطهر، ثم تحيض، ثم تطهر، فإذا رأت الحيضة الثالثة خرجت من العدة، هذا في غير الحامل، واما الحامل فعدتها وضع حملها. {ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن} من الولد؛ استعجالاً لإتمام العدة، أو من الحيض؛ استبقاءً لتمادي العدة، وتُصدق في ذلك كله، فإن كانت {تؤمن بالله واليوم الآخر} فلا يحل لها أن تكتم ما استؤمنت عليه، {وبعولتهن} أي: أزواجهن: {أحق بردهن في ذلك} التربص، إن كان الطلاق رجعيّاً، وإلا بانت منه، وينبغي للزوج أن يراجعها في العدة، إن أراد بذلك الإصلاح والمودة، لا الإضرار بها، وإلا حرم عليه ارتجاعها، إذ"حديث : لاَ ضَرَرَ ولا ضرار"تفسير : ، كما قال - عليه الصلاة والسلام -. الإشارة: إذا طُلّقَتْ النَّفْسُ، ووقع البعد منها حتى طهرت ثلاثة: الطهر الأول: من الإصرار على الذنوب والمخالفات، الطهر الثاني: من العيوب والغفلات، الطهر الثالث: من الركون إلى العادات الوقوف مع المحسوسات، دون المعاني وأنوار التجليات - حلَّتْ رجعتُها والاصطلاح معها، ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن: من العلوم والمعارف والأنوار، وذلك إذا استشرفَتْ على حضرة الأسرار، فإنها تفيض بالعلوم والحكم، أو ما لا يحصى، فينبغي أن تطلع عليها من يقتدي بشأنها. وبعولتهن أحق بردهن، والصلح معهن، بعد تمام تطهيرهن، إن أرادوا بذلك إصلاحاً، وهو إدخالها في الحضرة، ونعيمها بالشهود والنظرة. وبالله التوفيق. ثم ذكر الحقّ جلّ جلاله حقوق الزوجية، فقال: {... وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} يقول الحقّ جلّ جلاله: وللنساء حقوق على الرجال، كما أن للرجال حقوقاً على النساء، فحقوق النساءعلى الرجال: الإنفاق، والكسوة، والإعفاف، وحسن المعاشرة، وكان ابنُ عمر - رضي الله عنهما - يقول: إني لأُحِبُّ أن أتزيَّنَ للمرأة كما تتزين لي، ويقرأ هذه الآية. وحقوق الرجل على المرأة: إصلاح الطعام والفراش، وطاعة زوجها في كل ما يأمرها به من المباح، وحفظ فرجها، وصاينة ماله الذي ائتمنت عليه - إلى غير ذلك من الحقوق، فللنساء حقوق على الرجال {مثل الذي عليهن بالمعروف} من غير ضرر ولا ضرار. ولا تفريط ولا إفراط، {وللرجال عليهم درجة} أي: فضيلة؛ لأن الرجال قوّامون على النساء، ولهم فضل في الميراث، والقسمة، وكثير من الحقوق، فضلهم الله على النساء: {والله عزيز} لا يعجزه عقاب من خالف أمره، لكنه يمهل ولا يُهمل، {حكيم} لا يفعل إلا لمصلحة ظاهرة أو خفية. والله تعالى أعلم. الإشارة: للنفس حقوق على صاحبها، كما له حقوق عليها، قال - عليه الصلاة والسلام -: "حديث : إنَّ لنفْسك عَلَيْكَ حَقّاً، وَلزَوْجِكَ عَلَيْك حَقّاً، ولِربِكَ عليك حَقّاً، فأَعْطِ كُلّ ذِي حَقِ حَقَّهُ"تفسير : . فالنفس مغرفة للسر، فإذا تعبت سقط منها السر، كذلك نفس الإنسان، إذا تحامل عليها حتى تعللت، ودخلها الوجع، تعذر عليها كثر من العبادات، لا سيما الفكرة، فلا بد من حفظ البشرية، وإنا ينبغي قتلها بالأمور التي لا تُخِلُّ بصحتها، فعليها طاعتك فيما تأمرها به، كما عليك حفظها مما تتضرر به. وللرجال الأقوياء عليها تسلطٌ وتصرف، فهي مملوكة في أيديهم، وهم غالبون عليها، والله غالب على أمره، وهو العزيز الحكيم.
الطوسي
تفسير : المعنى: القرؤ: الطهر - عندنا - وبه قال زيد بن ثابت، وعائشة، وابن عمر، وسالم، وأهل الحجاز. وروي عن ابن عباس، وابن مسعود، والحسن، وبه قال أهل العراق، وروه عن علي (ع) أنه الحيض. اللغة: وأصل القرء يحتمل وجهين في اللغة: أحدهما - الاجتماع، فمنه قرأت القرآن، لاجتماع حروفه، ومنه قولهم: ما قرأت الناقة سلاّ قط: أي لم تجمع رحمها على ولد قط. قال عمرو بن كلثوم: شعر : ذراعي عيطلٍ أدماء بكر هجان اللون لم تقرأ جنينا تفسير : ومنه أقرأت النجوم: إذا اجتمت في الافول، فعلى هذا، يقال: أقرأت المرأة: إذا حاضت، فهي مقرىء، في قول الأصمعي، والأخفش، والكسائي والفراء، وأنشدوا له: شعر : قروؤ كقروؤ الحائض تفسير : فتأويل ذلك: إجتماع الدم في الرحم. ويجيء على هذا الأصل أن يكون القرأ: الطهر، لاجتماع الدم في جملة البدن، هذا قول الزجاج. والوجه الثاني - أن يكون أصل القرء: وقت الفعل الذي يجرى على آخر عادة، في قول أبي عمرو بن العلاء، وقال: هو يصلح للحيض، والطهر، يقال: هذا قارىء الرياح أي وقت هبوبها قال الشاعر: شعر : شنئت العقر عقر بني شليل إذا هبت لقارئها الرياح تفسير : أي لوقت شدة بردها، وقال آخر: شعر : رجا أياس أن تؤوب ولا أذى إياساً لقرؤ الغائبين يؤوب تفسير : أي لحين الغائبين، فعلى هذا يكون القرؤ الحيض، لأنه وقت اجتماع الدم في الرحم على العادة المعروفة فيه، ويكون الطهر، لأنه وقت ارتفاعه على عادة جارية فيه، قال الأعشى في الطهر: شعر : وفي كل عام أنت جاشم غزوة تشد لاقصاها عزيم عزائكا مورثة مالا وفي الحمد رفعة لما ضاع فيها من قروء نسائكا تفسير : والذي ضاع ها هنا الاطهار، لأنه بعد غيبته، فيضيع بها طهر النساء، فلا يطأهن، والوقت الجاري في الفعل على عادة راجع الى معنى الاجتماع، وذلك، لاجتماع الفعل مع الوقت الدائر، فالاجتماع أصل الباب. وأخذ القرؤ من الوقت رداً له الى فرع، وكلا الأمرين يحتمل في اللغة. المعنى، ومن خفف الهمزة في {قروء} قال: قرؤ، ومثله {أية : من يعمل سوءاً}تفسير : واستشهد أهل العراق بأشياء يقوى أن المراد الحيض، منها قوله (ع) في مستحاضة سألته: دعي الصلاة أيام أقرائك. واستشهد أهل المدينة بقوله: {أية : فطلقوهن لعدتهن}تفسير : أي طهر لم يجامع فيه كما يقال لغرّة الشهر، وتأوله غيرهم: لاستقبال عدتهن، وهو الحيض. فان قيل: لو كان المراد - في الأقراء في الآية - الاطهار، لوجب استيفاء الثلاثة أطهار بكمالها، كما أن من كانت عدتها بالأشهر، وجب عليها ثلاثة أشهر على الكمال، وقد أجمعنا على أنه - لو طلقها في آخر يوم الطهر الذي ما قربها فيه، لا يلزمها أكثر من طهرين آخرين، وذلك دليل على فساد ما قلتموه! قلنا: تسمى القرآن الكاملان، وبعض الثالث ثلاثة أقراء، كما تسمى - الشهران وبعض الثالث -: ثلاثة أشهر قال الله تعالى: {أية : الحج أشهر معلومات}تفسير : وإنما هي شوال، وذي القعدة، وبعض من ذي الحجة. وروي عن عائشة أنها قالت: الأقراء الاطهار. وقوله: {ولا يحلّ لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن} قيل في معناه ثلاثة أقوال: أحدها - قال إبراهيم: الحيض. وثانيها - قال قتادة: الحبل. وثالثها - قال ابن عمر، والحسن: هو الحبل، والحيض، وهو الأقوى لأنه أعم. وإنما لم يحل لهن الكتمان, لظلم الزوج بمنعه المراجعة - في قول ابن عباس -. وقال قتادة: لنسبة الولد الى غيره، كفعل الجاهلية. اللغة: وإنما قال: {ثلاثة قروء} ولم يقل: ثلاثة أقرء على جمع القليل، لأنه لما كانت كل مطلقة يلزمها هذا، دخله معنى الكثرة فأتى ببناء الكثرة، للاشعار بذلك، فالقروء كثيرة إلاّ أنها ثلاثة في القسمة. ووجه آخر - أن بناء الكثير فيه أغلب في الاستعمال، لأنه على قياس الباب في جمع فعل الكثير، فأما القليل، فقياسه، أفعل دون أفعال، فصار بمنزلة مالا يعتد به فجاء مجيء قولهم: ثلاثة شسوع، فاستغني فيه ببناء الكثير عن القليل. ووجه ثالث - أن يذهب مذهب الجنس نحو قولهم: ثلاثة كلاب يعنون ثلاثة من الكلاب إذا أريد رفع الايهام. المعنى: والشرط بقوله: {إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر} معناه من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فهذه صفته فيما يلزمه، لا أنه يلزم المؤمن دون غيره. وخرج ذلك مخرج التهديد. {وبعولتهن أحق بردهن} يعني أزواجهن أحق برجعتهن، وذلك يختص بالرجعيات وإن كان أول الآية عاماً في جميع المطلقات الرجعية والبائنة. وسمي الزوج بعلا، لأنه عال على المرأة بملكه لزوجيتها. اللغة: تقول: بعل يبعل بعولة، وهو بعل. وقوله {أية : أتدعون بعلاً}تفسير : أي رّباً، لأنه بمعنى من سميتموه باستعلاء الربوبية تخرصاً، وقيل أنه صنم. والبعل النخل يشرب بعروقة، لأنه مستعل على شربه، وبعل الرجل بأمره إذا ضاق به ذرعاً، لأنه علاه منه ما ضاق به صدره. وبعل الرجل في معنى بطر، لأنه استعلى معظماً، وكبراً. وامرأة بعلة: لا تحسن لبس الثياب، لأن الحيرة تستعلي عليها، فتدهشها. وبعل الرجل يبعل بعلا إذا دهش دهشاً. المعنى: وقوله: {ولهن مثل الذي عليهن} قال الضحاك: لهن من حسن العشرة بالمعروف على أزواجهن مثل ما عليهن من الطاعة فيما أوجبه الله عليهن لهم. وقال ابن عباس: لهن على أزواجهن من التصنع والتزين مثل ما لأزواجهن عليهن. وقال الطبري: لهن على أزواجهن ترك مضارتهن، كما أن عليهن لأزواجهن. وقوله: {وللرّجال عليهن درجة} قيل معناه: فضيلة منها الطاعة، ومنها أن يملك التخلية، ومنها زيادة الميراث [على قسم] المرأة، والجهاد. هذا قول مجاهد، وقتادة. وقال ابن عباس: منزلة في الأخذ عليها بالفضل في المعاملة حتى قال: ما أحب أن استوفي منها جميع حقي، ليكون لي عليها الفضيلة. اللغة: وتقول: رجل بين الرجولة أي القوة، وهو أرجلهما أي أقواهما، وفرس رجيل قوي على المشي. والرّجل معروفة، لقوتها على المشي. ورجل من جراد أي قطعة منه تشبيهاً بالرجل، لأنها قطعة من الجملة. والراجل الذي يمشي على رجله. وارتجل الكلام ارتجالا، لأنه قوي عليه من غير ركوب فكرة، ولا روية. وترّجل النهار، لأنه قوي ضياؤه بنزول الشمس الى الأرض. ورجّل شعره إذا طوله، لأنه قوي بكثرته من غير أن يركب بعضه بعضاً، فيقلّ في رأي العين. والمرجل معروف. وأصل الباب: القوة. والدرجة: المنزلة, تقول: درجت الشيء أدرجه درجاً، وأدرجته إدراجاً، ودرج القوم قرناً بعد قرن أي فنوا. وأدرجه الله إدراجاً، لأنه كطي الشيء بمنزلة بعد منزلة والدرج سفيط للطيب، لأنه بمنزلة ما يدرج فيه. ومدرجة الطريق: قارعته. وأصل الباب الطي، فالدرجة منزلة من منازل الطي، ومنه الدرجة التي يرتقى فيها. المعنى: وقيل إن في الآية نسخاً، لأن التي لم يدخل بها، لا عدة عليها بقوله: {أية : يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات} تفسير : الى قوله: {أية : فما لكم عليهن من عدة تعتدونها}تفسير : ولأن الحامل عدتها وضع ما في بطنها بقوله {أية : وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن}.
الجنابذي
تفسير : {وَٱلْمُطَلَّقَاتُ} لمّا انجرّ الكلام الى ذكر الطّلاق ذكر تعالى بعض أحكامه ولفظ المطلّقات يشمل جميع اقسام الطّلاق وجميع المطلّقات المدخول بهنّ يائسات وغير يائسات حاملات وغير حاملات ذوات اقراءٍ وغير ذوات الاقراءٍ وهنّ فى سنّ ذوات الاقراء، والغير المدخول بهنّ لكنّ المراد ذوات الاقراء المدخول بهنّ الغير الحوامل فالآية مثل سائر الآيات من المجملات المحتاجة الى البيان {يَتَرَبَّصْنَ} اخبار فى معنى الامر واشعار بانّ هذا ديدنهنّ لا حاجة لهنّ الى الامر به ولا يمكنهنّ غيره والمقصود التّأكيد فى التّربّص {بِأَنْفُسِهِنَّ} الباء للتّعدية اى يحملن انفسهنّ على انتظار رجوع الازواج او للسببيّة مثل ضرب الامير بنفسه يعنى لا بواسطة غلامه فانّه ليس للدّلالة على وساطة النّفس بل على نفى وساطة الغير وكلاهما يدلاّن على المبالغة وانّ النّساء كان انفسهنّ لا تطيعهنّ فى التّربّص او لفظ الباء مثله فى قولهم ربص بفلان وتربّص به خيراً او شرّاً يعنى انتظر الخير او الشّرّ له فهو للالصاق كأنّ التّربّص من المتربّص ملصق بالمتربّص به والمعنى انّ المطلّقات يتربّصن رجوع ازواجهنّ {ثَلاَثَةَ قُرُوۤءٍ} القرء من الاضداد للطّهر والحيض والمشهور من الاخبار والفتوى انّ المراد به هاهنا الطّهر {وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ فِيۤ أَرْحَامِهِنَّ} يعنى انهنّ مصدّقات فى كونهنّ طاهرات وفى انقضاء العدّة وفى الحمل وعدمه ولا يحلّ لهنّ ان يكتمن ما فى ارحامهنّ من الدّم والحمل لتعجيل العدّة او لتعجيل الطّلاق او لعدم ردّ الولد على والده {إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ} شرط تهييج {وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ} بارجاعهنّ الى النّكاح من غير عقد كما بيّن لنا {فِي ذَلِكَ} الزّمان وامّا بعد ذلك الزّمان يعنى زمان العدّة فالبعولة وغيرهم سواء بحسب الحكم الشّرعىّ وان كانوا بحسب بعض الدّواعى اولى بنكاحهنّ بعقد جديد مثل ان يكون بينهما اولاد صغار لم يكن احد يتكفّل تربيتهم وغير ذلك {إِنْ أَرَادُوۤاْ إِصْلاَحاً} اشارة الى انّ من لم يرد اصلاحاً لم يكن اولى فى نفس الامر ولم يكن له رجوع فى نفس الامر وان كان الحكم كلّيّاً فى ظاهر الشّرع وكان له الرّجوع ولا يخفى انّ هذه الآية مثل سابقتها مطلقة مجملة ولكنّ المراد المعتدّة بالعدّة الرجعيّة لا الباينة {وَلَهُنَّ مِثْلُ ٱلَّذِي عَلَيْهِنَّ} يعنى فى مدّة العدّة كما هو الظّاهر يعنى كما انّ للزوج حقّ الرجوع فى العدّة من غير رضىً منها فلها عليه النفقة والمسكن فى تلك المدّة، او المراد انّ للنّساء حين بقاء الزوجيّة وعدم الطّلاق مثل الحقّ الّذى عليهنّ من الرّجال فيكون بياناً لحقوق الطرفين فى زمن الزّوجيّة يعنى انّ حقّ الزوج على المرأة ان تطيعه ولا تمنعه من تمتّعاته ولا تخرج من بيتها ولا تدخل فى بيتها احداً ولا تتصرّف فى ماله ولا تتصدّق من بيته ولا تصوم تطوّعاً ولا تزور حيّاً او ميّتاً الاّ باذنه، وتحفظه فى نفسها وماله كذلك لها عليه ان ينفق عليها ويكسوها ويسكنها ويوفى حقّ قسامتها كلّ ذلك بحسب حالها واستطاعته {بِٱلْمَعْرُوفِ} بما لم يكن فيه ضرر واضرار يمنعه الشّرع {وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ} بما فضّلهم الله بزيادة العقل وبما كفّلهم الله القيام بامرهنّ، عن الباقر (ع) انّها جاءت امرأة الى رسول الله (ص) فقالت: يا رسول الله ما حقّ الزّوج على المرأة؟ - فقال لها ان "حديث : تطيعه ولا تعصيه ولا تتصدّق من بيته بشيءٍ الاّ باذنه ولا تصوم تطوّعاً الاّ باذنه ولا تمنعه نفسها وان كانت على ظهر قتب ولا تخرج من بيتها الاّ باذنه فان خرجت بغير اذنه لعنتها ملائكة السّماء وملائكة الارض وملائكة الغضب وملائكة الرّحمة حتّى ترجع الى بيتها، فقالت: يا رسول الله من أعظم النّاس حقّاً على الرجل؟ - قال: والداه، قالت: فمن أعظم النّاس حقّاً على المرأة؟ - قال: زوجها قالت: فمالى من الحقّ عليه مثل ما له علىّ؟ - قال: ولا من كلّ مائةٍ واحد، فقالت: والّذى بعثك بالحقّ نبيّاً لا يملك رقبتى رجل ابداً"تفسير : {وَٱللَّهُ عَزِيزٌ} يعنى لا ينبغى للرّجال ان يؤاخذوا النّساء بجهالاتهنّ وقصورهنّ فى الافعال بعد ان فضّلهم الله على النّساء فانّ الله عزيزٌ لا يمنعه مانع من ارادته ولا يؤاخذكم بقصوركم وتقصيركم {حَكِيمٌ} لا يجعل فى جبلّة الرجال الفضيلة على النّساء ولا يأمر بقيامهم بأمرهنّ ولا فى جبلّتهنّ المحكوميّة الاّ لحكم ومصالح فلا تخرج المحكومات عن طريق محكوميتهنّ ولا يتعدّ الحاكمون فى حكومتهم.
الهواري
تفسير : قوله: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوءٍ}. والقرء: الحيض في قول أهل العراق. وفي قول أهل المدينة القرء: هو الطهر. ذكروا عن عمر بن الخطاب وابن مسعود رضي الله عنهما قالا: هو أحق بها ما لم تغتسل من الحيضة الثالثة. ذكروا عن الحسن عن أبي موسى الأشعري مثل ذلك. وذكروا عن علي وابن عباس مثل ذلك. وذكروا عن عمران بن حصين مثل ذلك، وهو قول الحسن وإبراهيم والعامة عندنا. ذكروا عن زيد بن ثابت وعائشة أنهما قالا: إذا دخلت في الحيضة الثالثة فقد بانت منه. وذكروا عن ابن عمر ذلك، وهو قول أهل المدينة. وتفسير قول أهل المدينة: إن القرء هو الطهر، أَن الرجل إذا طلق امرأته، ثم حاضت، فإن ما بين طلاقه إلى حيضتها قرء. فإذا طهرت من حيضتها كان ما بين الحيضة الأولى إلى الحيضة الثانية قرءاً. فإذا طهرت من الثانية صار ما بين الثانية والثالثة قرءاً. فبانت حين رأت الدم. فالقرء الأول، على قولهم إنه طهر، ربما كان يوماً واحداً أو أكثر من ذلك، فيما بينها وبين الحيضة، وليس بس. وقول أهل العراق إنه إذا طلقها ثم حاضت كان الحيض هو القرءَ. فإذا طهرت لم تعد الطهر فيما بين الحيضتين قرءاً. فإذا دخلت في الحيضة الثانية فقد دخلت في القرء. فإذا طهرت منها لم تعد الطهر فيما بين الحيضة الثانية والثالثة قرءاً. فإذا دخلت في الدم من الحيضة الثالثة فقد دخلت في القرء الثالث. فإذا اغتسلت منه فقد مضت الأقراء الثلاثة وبانت منه. فالحِيَض ثلاث والقروء صحيحة. والطهران [الأخيران] من قول أهل المدينة صحيحان، والقرء الأول ينكسر. ويختلف القرء لأنه ربما طلقها قبل أن تحيض بيوم، ثم تحيض من الغد، فيكون ذلك اليوم في قولهم قرءاً، وربما كان يومين أو أكثر من ذلك إلى الحيضة الثانية. فالقرء الأول مختلف. قال بعض المفسّرين: [جعل عدة المطلقة في هذه الآية ثلاث حيض ثم] نسخ منها ومن الثلاثة قروء أربع نسوة: التي طلقت قبل أن يدخل بها زوجها؛ قال الله تعالى في سورة الأحزاب: (أية : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ المُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً) تفسير : [الأحزاب:49]؛ فهذه ليست لها عدة، تتزوج من يومها إن شاءت. ونسخ منها العجوز التي قعدت من الحيض. والبكر التي لم تحض. قال في سورة النساء القصرى (أية : وَالَّلائِي يَئِسْنَ مِنَ المَحِيضِ مِن نِّسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاَثَةُ أَشْهُرٍ وَالَّلائِي لَمْ يَحِضْنَ) تفسير : [الطلاق:4] أيضاً ثلاثة أشهر. ونسخ منها المطلقة الحامل فقال: (أية : وَأُوْلاَتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ) تفسير : [الطلاق:4]. قوله: {وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ}. قال مجاهد: لا تقول: إني حائض وليست بحائض، ولا تقول: إني لست بحائض وهي حائض. ولا تقول إني حامل وليست بحامل، ولا تقول: لست بحامل وهي حامل. قال: لتَبِينَ من زوجها قبل انقضاء العدة ويضاف الولد إلى الزوج الثاني، أو تستوجب الميراث إذا مات الرجل فتقول: لم تنقض عدتي وقد انقضت عدّتها. قوله: {وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ} أي: في العدة، وفي التطليقة والتطليقتين ما لم يطلق ثلاثاً. {إِنْ أَرَادُوا إِصْلاَحاً} أي: حسن صحبة. قال: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ} [يعني فضيلةً في الحق]. {وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}. وقال في آية أخرى: (أية : الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ) تفسير : [النساء:34]. قوله: {الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ} يقول: هو أحق بها في التطليقتين. ولا يجمع بين التطليقتين ولا ثلاثاً جميعاً. قال بعض المفسّرين: {الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ}: مرة بعد مرة، فجعل حد الطلاق ثلاثاً. فإذا طلقها الثالثة حرمت عليه. قال: وذلك أنه بلغنا أن أهل الجاهلية كانوا ليس لهم حد في الطلاق؛ كان يطلق أحدهم عشراً أو أقل من ذلك أو أكثر. ذكر الحسن أن علياً كان يكره أن يطلق الرجل امرأته ثلاثاً جميعاً، ويلزمه ذلك، ويقول: إنه عصى ربه. ذكروا عن ابن عمر مثل ذلك، وليس فيه اختلاف. قوله: {فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ}. قال مجاهد: هذا حين ملكها وجب ذلك لها. قال: وإن طلقها تطليقتين فهو أيضاً إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ما لم تنقض العدة. وبلغنا أن رجلاً قال: يا رسول الله. قول الله الطلاق مرتان فأين الثالثة قال هو قوله: {أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ}. قوله: {وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلاَّ أَن يَخَافَآ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ} أي: أمر الله في أنفسهما. وذلك أنه يخاف من المرأة في نفسها إذا كانت مبغضة لزوجها فتعصى الله فيه؛ ويخاف من الزوج إن لم يطلقها أن يتعدّى عليها. قال مجاهد: تقول المرأة: لا أبر قسمه، ولا أطيع أمره، فيقبله الرجل خشية أن يسيء إليها وتفتدى. قال: {فَإِنْ خِفْتُمْ} أي: فإن علمتم، يعني الولاة {أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللهِ} أي سنته وأمره في الطلاق. {فَلاَ تَعْتَدُوهَا وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} أي لأنفسهم. ذكروا عن الحسن قال: يعني الخلع؛ إذا قالت لا أغتسل لك من جنابة. قال بعضهم: إذا قالت لا أطيع لك أمراً، ولا أبرّ لك قسماً، ولا أغتسل لك من جنابة، فقد حلّ له أن يقبل منها. ذكر عكرمة حديث : أن جميلة بنت [أبي بن] سلول أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، إن أبا قيس ـ تعني زوجها ثابت بن قيس ـ والله ما أعيب عليه في خلق ولا دين، ولكني أكره الكفر في الإِسلام. فقال:أتردين عليه حديقته؟ قالت: نعم. قال: خذ منها ما أعطيتها، ولا تزيديه . تفسير : ذكروا عن عمر بن الخطاب أنه قال: إذا سألكم النساء الخلع فلا تكفروهن. تأويل ذلك أنه ليس يعني أن ذلك واجب عليه، إلا أن يشاء. ومعنى قوله: لا تكفروهن يعني أن تكفر زوجها كقول النبي عليه السلام: حديث : لأنكن تكثرن اللعن وتكفرن العشير تفسير : يعني الصاحب، وهو زوجها. ذكر ابن عباس أنه قال: إن الخلع جائز عند السلطان وغيره. ذكروا عن شريح أن امرأة رفعت إليه، وكانت اختلعت من زوجها، فأجازه؛ فقال رجل عنده،: لا يجوز الخلع إلا عند السلطان. فقال شريح: الإِسلام إذاً أضيق من حدّ السيف. وكان الحسن لا يجيز الخلع إلا عند السلطان. والعامة على غير قول الحسن.
اطفيش
تفسير : {وَالمطَلَّقاتُ يَتَربَّصْنَ}: للزوج ليراجع إن شاء، وصونا لرحما لهُ إن لم تكن المراجعة. {بأنْفُسِهِنَّ}: عن التزوج. {ثلاثة قُروءٍ}: جمع قرء بفتح القاف وضمها وإسكان الراء، وهو الطهر عند الشافعى ومالك وزيد بن ثابت وابن عمر وعائشة والزهرى ونإبان بن عثمان، وعن عائشة القرء الطهر لا لا الحيض، وقال أبو حنيفة وأصحابه وسفيان الثورى والأوزاعى والسدى والضحاك وعكرمة وأبو الدرداء وعبادة بن الصامت، وأبو موسى الأشعرى وعمر وعلى وابن مسعود وابن عباس: القرء الحيض، قال أحمد حنبل: كنت أقول الأقراء الأطهار، وأنا اليوم أذهب إلى أنها الحيض، ونصب ثلاثة على الظرفية أى ثلاثة أزمان قروء أو أزمان ثلاثة قروء أو يقدر مصدر ينوب عن الزمان وذلك فى ظرف الزمان بكثر أى مضى ثلاثة قروء لا على المفعولية إلا أن يضمن بتربص معنى ينتظرون، والقرء مشترك بين الحيض والطهر، فهو حقيقة فيهما قال أبو عبيدة: كالشفق للأحمر والأبيض، وقيل: حقيقة فى الحيض مجاز فى الطهر، وقيل بالعكس، والمراد بالمطلقات الحرائر المدخول بهن، لأن المطلقة قبل الدخول لا عدة عليها وعدة الأمة قرءان. لا ثلاثة، وعن عمر موقوفاً: ينكح العبد اثنتين ويطلق بتطليقتين، وتعتد الأمة بحيضتين وفى الحديث: حديث : طلاق الأمة تطليقتان وعدتها حيضتان"تفسير : :، وذكر هذه الآية بعد الإيلاء عند إشارة إلى أن عدة المولى عنها أربعة أشهر، فيمضى أربعة أشهر من يوم ألا تتزوج إن لم يدخل بها قبل مضيها، وذلك وجه اتصال الآية بما قبلها، وكونهما معا فى الفرقة، فكأنه قيل عدة المولى أربعة أشهر، وعدة الحوائض الحرائر الحوائل المدخول بها المطلقات ثلاثة قروء. وقال فى غير المدخول بها:{أية : إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها}،تفسير : وقال فى الحوامل:{أية : أجلهن أن يضعن حملهن}تفسير : وقال فى غير الحوائض:{أية : واللائى يئسن من المحيض}تفسير : إلى قوله:{أية : واللائى لم يحضن}تفسير : وقال الشافعى: فى المولى عنها تعتد الأربعة، وأصل العباة تربصن يا مطلقات، بالأمر، فعبر عنه بالإخبار تأكيداً للمسارعة، كأنه قال قد وعدن أن يتمثلن ذلك الأمر، فأخبر الله عن تلك المواعدة المقدرة، وقدم المطلقات فكانت الجملة إسمية، ليحصل بذكر المبتدأ تشوق فى النفس إلى ما يخبر به عنه، فإذا ذكر الخبر وجد النفس متهيأة له فيتمكن فيها فضل التمكن، وليحصل الإسناد مرتين إلى المطلقات، وإلى ضميرهن، وقال بأنفسهن هنا ولم يقله فى قوله تربص أربعة أشهر، لأن فى ذكر الأنفس تهيجاً على التربص، لأن أنفسهن مائلات إلى الرجال، فإذا استمعن ذلك استحيين وحملتهن الغيرة على أن يغلبن أنفسهن عن الميل إلى التربص، فالباء للتعدية أن يربصن أنفسن، وإنما فسر الشافعى وعائشة وغيرهما كمالك: القرء بالطهر، لأن الطهر بعد الحيض هو الدالُّ على براءة الرحم، قال: وليس المراد الحيض، كما قالت الحنفية، وهو مروى عن عمر وجماعة لقوله تعالى:{أية : فطلقوهن لعدتهن}،تفسير : أى مستقبلات لعدتهن، فيكن فى صدرها أو فى عدتهن، أى فى الزمان الذى يكون لهن عدة إذ لا يشرع الطلاق فى الحيض، وإنما قلت مستقبلات لعدتهن فيكن فى صدرها دفعاً لما يتوهم أنه إذا كان المعنى مستقبلات لعدتهن كانتا لعدة الحيض، لأنه المستقبل لا الطهر؛ لأنهن فى الطهر، وقد قال الشافعى: إن المعنى مستقبلات لعدتهن، مدعيا أن العدة بالحيض، لأنه المنتظر لا الطهر، لأنهن فيه، ولنا أحاديث: "حديث : طلاق السنة أن يطلقها أول طهرها"تفسير : فلولا أن الطهر هو المعتبر فى الحساب لم يشترط أوله والحديث فى ابن عمر: "حديث : مُرْه فليراجعها ثم ليمسكها حتى تطهر"تفسير : الخ وهو فى صحيح الربيع رحمه الله والبخارى ومسلم وبعضها: "حديث : مُرْه فليراجعها ثم ليمسكها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر ثم إن شاء أمسك بعد وإن شاء طلق قبل أن يمس فتلك العدة التى أمر الله أن تطلق النساء"تفسير : واحتج أبو حنيفة بحديث: "حديث : طلاق الأمة تطليقتان وعدتها حيضتان"تفسير : فتكون عدة الحرة أيضاً ثلاث حيض فاعتداد بالحيض، والجواب أن المراد: حيضتان بما معهما من طهر، وسهله أن الطلاق لا بد فى الطهر كما تقول: لا قام ليلتين تريد يوما وليلة بعده، ويوما وليلة بعده، هذا ولو كان خلاف الأصل لكن يقويه ما ذكرنا من حديث ابن عمر، وكلام أبى حنيفة عندى فى هذا أقوى، لأن حديث: "حديث : عدة الأمة حيضتان"تفسير : قوى حتى إنه صريح أو كالصريح، فلا يقاومه المحتمل فإن نسلم أن الطلاق فى الطهر، لكن نقول الحساب من الحيض وإلا كان طهران وصدر من الثلاثة لا ثلاثة، طهر يطلقها أوله، وطهر بعد حيضه تليه، وصدر طهر بعد حيضه ثانية لو كان يقول تخرج الأول الطهر الثالث، ولا يقول بذلك الشافعى، وكان طهران، والطهر الذى وقع فيه الطلاق، ولو أوقع الطلاق آخره لم تتم ثلاثة أطهار، وبهذا يقول: فإنه يحسب الطهر الذى وقع فيه الطلاق، ولو أوقعه عقبه، وتخرج عنده بتمام الطهر الثالث، إذ دخلت فى الحيضة الثالثة، فلو طلقها بالحيض لخرجت بالدخول فى الحيضة الرابعة، وعن عائشة: إن دخلت المطلقة فى الحيضة الثالثة فقد بانت من زوجها وحلت للأزواج وعند أبى حنيفة إن طلقها فى الطهر خرجت بالطهر من الثالثة، وفى الحيض فبالطهر من الحيضة الرابعة، وبذلك نقول: لكننا نقول تخرج بالاغتسال أو التيمم أو بخروج الصلاة بتوان مطلقاً، لكن إن رجع الحيض قبل تمام حساب وقت حيضها وقد طهرت فيما تبين أنها فى الحيض والعدة حتى تطهر وتتم، كذلك فلنتربص حتى تزول الشبهة، وقال أبو حنيفة: إن طهرت لأكثر الحيض انقضت عدتها قبل الغسل، وإن طهرت لما دون ذلك لم تنقض عدتها حتى تغتسل أو تتيمم عند عدم الماء أو عدم الطاقة على استعماله، ويمضى عليها وقت الصلاة، والقرء جمع كثرة والمراد هنا القلة، لأنه ثلاثة وجمع القلة حقيقة فى الثلاثة والتسعة وما بينهما، وقيل بالثلاثة والعشرة وما بينهما، وقالت أعرابية لأعرابى قال: شعر : * وأسيافنا يقطرن من نجدة دما * تفسير : إنك ذكرت ثمانية أسياف، تريد أكثر جمع القلة ثمانية، وإذا صح عن الأعرابية تحقق أن أقل جمع القلة ثلاثة، وأكثره ثمانية، لأنها أعرف بما هنالك، ولو قال ثلاثة أقراء لكان جمع قلة، وقد قرأ به الزهرى، وعما عبر بجمع القلة فى قوله: {بأنفسهم}، وقوله فى: {أرحامهن}، ولعل الحكمة فى التعبير بالقراء بصيغة الكثرة قلة استعمال لفظ أقراء، حتى كأنه معدوم ليس للقرء قرء، أو الحكمة كثرة النساء، فهناك الآف أو أقل قرء، ولو كان لكل واحدة مطلقة ثلاثة أقراء فقط ثم إن أصل القرء الجمع قدم الحيض مجتمع فى البطن حال الطهر، وفى الرحم حال الحيض، وكذا الطهر يجتمع حال الحيض فى البطن، وحال الطهر فى الرحم، وقيل أصله الوقت، يقال رجع القرء، أى لوقته الذى هو فيه، فقيل أصله الانتقال من الحيض إلى الطهر، وبه قال أبو حنيفة وقيل بالعكس، وبه قال الشافعى، قال أبو عبيدة، القرء فى الأصل الانتقال من حال إلى حال. {وَلاَ يحلُّ لَهنَّ أنْ يكْتُمْن ما خَلَقَ اللّهُ فِى أرْحامِهنَّ}. من حمل أو حيض أو طهر، فقد ترغب فى الرجعة أو الإرث من زوجها، أو تحب أن يرثها، أو فى النفقة فتكتم الطهر، وقد تكرهها أعنى الرجعة. أو تحب أن تزوج غيره، أو ألا يرثها، فتقول قد انقضت الحيضة الثالثة وطهرت، وكذا فى كتم الحيض، وإثباته كذباً، وكذا الولد تزعم أنه فى بطنها لتنفق أو ليراجعها إن شاء تتركه لتتزوج، ولما كان الوصل إلى ذلك متعذرا على الرجال، أو متعسرا، جعل الله المرأة أمينة فى ذلك، وجعل القول قولها بلا يمين، وذلك فيه ممكن فى صدق قولها، وذلك أن أقل الحيض على الأصح ثلاثة، وأقل الطهر على الأصح عشرة، فذلك تسعة وعشرون يوماً، وقال الشافعى اثنان وثلاثون يوماً وساعة، لأنها عنده يحمل أمرها على أنها طلقت طاهراً فحاضت بعد ساعة يوماً وليلة، وذلك أقل الطهر عنده، ثم طهرت خمسة عشر يوماً، وهى أقل الطهر عنده، ثم طهرت خمسة عشرة يوماً ثم رأت الدم فإن أدعت انقضاء عدتها دون تسعة وعشرين يوما لم تصدق، وكذا عند الشافعى فيما دون اثنين وثلاثين وساعة، وما ذكرته من التعميم أولى مما قيل عن ابن عمر ومجاهد: ما خلق الله فى أرحامهن الحيض والحمل ومما قيل عن قتادة وابن عباس: أنهْ الحمل وأن كتمانه سبب نزول الآية إذ كانت المرأة تكتم الحمل فى الجاهلية لتلحقه بالثانى، ولما كن مؤمنات فى ذلك مع شدة ميلهن لقلة عقلهن إلى ما يرغبن فيه هددهن الله تعالى بقوله عز وجل: {إنْ كُنّ يُؤمِنَّ بِاللّهِ واليوْم الآخِرِ}: حتى إن من كتم منهن فكأنها منكرة بالله واليوم الآخر إذا لم تراع أن الله عليم بما فيها، فيعاقبها فى اليوم الآخر مع أنها قد أقرت بالله واليوم الآخر إن كانت مسلمة أو كتابية فكأنه قيل إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر حق الإيمان، ولا يتصور من كتابية حق الإيمان ما دامت مشركة، وصح ذلك لأن المراد التهديد، فالإيمان بالله واليوم الآخر فرض على كل أحد ولا يحل فى الإيمان ذلك الكتمان، فمن كتم فليست مخلصة لإيمانها. {وبُعُولَتُهُنَّ}: أى أزواجهن، والضمير للمطلقات، لكن المطلقات شامل للمطلقات رجعيا، والمطلقات بائنا: والضمير للمطلقات رجعيا، وذلك شبيه بالاستخدام، وذلك كما لو صرح بنوعى المطلقات، ورد الضمير للنوع الأخير، وكما لو كرر الظاهر وخصصه بأن قيل وبعولة المطلقات طلاقا رجعيا، وهو جمع بعل، والجمع عامة، فزيدت التاء تأكيداً لتأنيث الجمع، وهذه الزيادة مقصورة على السماع، كالعمومة والخؤولة فى جمع عم وخال، أو هو مصدر كالخشونة والصعوبة سميت به الأزواج، يقال أعجبها بعولتى أى معاشرتى، وكذا التبعل قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : جهاد المرأة حسن التبعل"تفسير : أى حسن معاشرتها لزوجها، وامرأة حسنة التبعل تحسن عشرة زوجها والقيام بما فى بيته قيل وسمى الزوج بعلاً لقيامه بأمر زوجته، وأصل البعل السيد المالك، وبعل الناقة ربها، وكذا غيرها أو هو مصدر باق على المصدرية، فيقدر مضاف أى وأهل بعولتهن. {أحَقُّ}: اسم تفضيل خارج عن معنى التفضيل، أى حقيقيون {بردِّهنَّ} إذا لا حق لغير البعول فى ردهن، ولا حق لهن أيضا فى ذلك، فإن شاء الزوج راجعها ولو كرهت، وإن شاء لم يراجعها ولو أحبت الرجعة، وقرأ أبى: {بردهن} والمعنى عندنا بردهن إلى النكاح بالرجعة ولا يحتاج إل التجديد، ولا يستمتع بها عندنا إلا بعدها، وكذا الشافعى، ولا بد عندنا وعنده من الإشهاد وإلا لم تصح الرجعة، {فى ذَلِكَ}: أى فى زمان التربص، لأن الرجعة إنما تصح ما دامت فى العده. {إنْ أرادوا}: بالرد. {إصلاحاً}: لما بينهم وبينهن إحسانا إليهن لا المضارة، وإن أرادوا المضارة فإنما لهم الرد فى الحكم، ولو ظهر أنهم أرادوا المضارة وصح لهم عند الله، لكن يعاقبهم الله بقصد المضارة إذا ضاروهن فبشرط إرادة الإصلاح مانع من قصد المضارة لا عدم صحة الرجعة، مع قصد المضارة، وكان أهل الجاهلية يطلقون المرأة حتى يقرب انقضاء عدتها راجعوها، ولا يزالون كذلك ولو ألف مرة يضارونها بذلك، فنزلت الآية فى منع قصد الإضرار، وأنزل الله أيضاً أنهُ ليس لهم إلا رجحان، وعن ابن عباس: كان أهل الجاهلية إذا طلق الرجل منهم امرأة فله رجعتها، ولو اعتدت ما لم تتزوج، وكذا إن طلقها ثانية، وإذا طلقها ثالثة فلا رجعة، فنزل أن الأزواج أحق بالرجعة فى العدة، وأما بعدها فلا حق لهم فيها، ولا تصح بعدها، وقال قوم: كانوا يراجعونها ولو بعد الثلاث، وكانوا أحق ما لم تتزوج، فأنزل الله تعالى أن الرجعة فى العدة وأنه لا رجعة بعد الثلاثة. {ولهُنَّ مِثْلُ الَّذِى عَليهنَّ بالمعْروفِ}: أى وللنساء غير المطلقات على أزواجهن مثل ما لهم عليهن من الحقوق، ووجه الشبه الوجوب، واستحقاق المطالبة لا كون حقهم وحقهن من جنس واحد، فإن حقها الصداق والنفقة واللباس والفراش، ونحو ذلك، والمسكن والوطء وحقه أن تجيبه إذا دعاها، وتتحبب إليه ولا تخرج إلا بإذنه، ولا تكلفه ما لا يطيق ونحو ذلك، وعن ابن عباس: أحب أن أتزين لها كما أحب أن تتزين لى، أن الله تعالى قال: {ولهن مثل الذى عليهن بالمعروف} وإنما تتم مقاصد الزوجية إذا كان كل واحد من الزوجين مراعيا حق الآخر، مصلحا لأحواله، مثل طلب النسل وتربية الولد، والعشرة بالمعروف، وحفظ المنزل وتدبير ما فيه، وسياسة ما تحت أيديهما ونحو ذلك مما يحسن شرعا ويليق عادة، ومعنى قوله: {بالمعروف} بالوجه الذى لا ينكر فى الشرع والعادة، ولا يكلف أحدهما الآخر ما ليس عليه، ولا يعنفه وهو متعلق بما تعلق به عليهن أو لهن وقيل لهن من الكفاف مثل ما عليهن الخدمة، وهى الخضوع له، والمشارعة فى أمره ونهيه مما هو له، وعنه صلى الله عليه وسلم فى خطبته فى حجة الوداع من رواية جابر: "حديث : أتقوا الله فى النساء فإنكم أخذتموهن بأمان الله"تفسير : ، وفى رواية "حديث : بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله ولكم عليهن ألا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربا غير مبرح، ولهن عليكم رزقهن، وكسوتهن بالمعروف"تفسير : وفى رواية "حديث : بأمانة الله"تفسير : وأراد بكلمة الله إباحة النكاح بقوله تعالى:{أية : فانكحوا ما طاب لكم من النساء}،تفسير : وقيل أراد قوله تعالى:{أية : فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان}،تفسير : وقيل كلمة التوحيد إذ لا تحل مسلمة لمشرك، ومعنى إيطاء الفرش أن يفرشن لرجل يحادثهن، وكان ذلك قبل نزول الحجاب. {وللرجال عَليْهنَّ دَرَجةٌ}: زيادة فى الحق، لأن حقوقهم فى أنفسهن وحقوقهن المهر والكفاف وترك الضرار ونحو ذلك، ومرادى بالكفاف عدم الإسراف، وقبل الدرجة الشرف والفضيلة، لأنهم قوامون عليهن وحراس عليهن، تنال المرأة من الرجل مثل ما يناله، وله الفضيلة بقيامه وإنفاقه فى مصالحها، وهو قول الزجاج، وقيل الدرجة الفضل فى الدين والعقل وما يتفرع عليها كالشهادة والميرات والدية والإمامة والقضاء والأذان والجهاد، فيستحق أكثر مما تستحق، فهو مالك لها لا تصوم ولا تصلى تطوعا، ولا تخرج إلا بإذانه، وقادر على طلاقها وعلى رجعتها، والتزوج والتسرى عليها، ولو أبت، وعن مجاهد: الدرجة فضله عليها فى الميراث ونحوه كالدية والأرسَ، وقال زيد بن أسلم ذلك فى الطاعة عليها تطيعه وليس عليه أن يطيعها. وقال ابن عباس: تلك الدرجة أن يتحامل على نفسه ويخفف عنها فيعفو عن إساءتها أو يوسع فى المال والخلق قال بعض المغاربة: هذا قول حسن بارع. {وَاللّهُ عَزِيزٌ}: غالب لا يرد عما أراد فى مكة ولا عن الانتقام ممن خالف الأحكام. {حَكيمٌ}: فى أمره ونهيه وتحليله وتحريمه وإباحته وسائر تدبيره.
اطفيش
تفسير : {وَالْمُطَلَّقَٰتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَٰثَةَ قُرُوءٍ} أطهار أو حيض، إلا إن لم تمس فلا عدة عليها، وإلا التى لم تبلغ والآيسة فثلاثة أشهر، وإلا الأمة فحيضتان، وإن أيست، أو لم تبلغ خسمة وأربعين يوما، وإلا الحامل فعدتها الوضع، وذلك للقرآن؛ إلا الأمة فبالسنة، والجملة إخبار لفظا ومعنى، أى الشرع تربصهن، وأجاز بعض كون الاسمية بمعنى الأمر، وبعض الإخبار عن المبتدأ بالطلب بل هو كثير، فيتربصن أمر معنى، أو مع المطلقات، وفى كونها أمراً مبالغة، بإخراجه مخرج الخبر، حتى لا يخالف فيكو كالكذب، وبكونه كأنه امتثل فأخبر به، وقال: يتربصن لأن نفوس النساء إلى الرجال مائلات أضعاف ما يميلون إليهن، إلا أنهن يكتمن، والواحد قرء بضم القاف أو فتحها وإسكان الرا، وهو الحيض، لقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : دعى الصلاة أيام أقرائك"تفسير : ، رواه أبو داود والنسائى عن عائشة، رضى الله عنها أو الطهر، لقوله تعالى: {فطلقوهن لعدتهن}، إذ لا يشرع الطلاق فى الحيض، أى عند عدتهن فثلاثة قروء عبارة عن لقوله تعالى: {فطلقوهن لعدتهن}، فينتج أن القرء طهر، وأجيب أن المعنى طلقوهن مستقبلات لعدتهن وهى الحيض الثلاثة، والقرينة حديث طلاق الأمة تطليقتين، وعدتها حيضتان، وحديث، دعى الصلاة أيام أقرائك، وبأن مدار استبراء الرحم الحيض لا الطهر، فإن الانتقال من الحيض إلى الطهر يدل على انسداد فم الرحم، وهو مظنة العلوق، فإذا جاء بعده الحيض علم عدم انسداده، وليست اللام للتوقيت، وبأن بعض الطهر ليس طهراً، وإلا كفى من الطهر الثالث أيضا جزء فإن لم يحسب الطهر الذى طلق فيه لزم ثلاثة أطهار وبعض طهر، وإن حسب فطهران وبعض طهر، والشافعى يقول بطهرين وبعض الطهر الذى طلق فيه، ولا يرد على غير مذهبه أن الحيضة التى وقع فيهما الطلاق إن اعتبرت حيضة كانت ثلاث حيض وبعض حيضة، لأنا نقول بحب الحيضة الرابعة تامة، لأن الحيضة الواحدة لا تقبل التجزؤ، فلزم مضى البعض الذى وقع فيه الطلاق ضرورة لا باعتبار أنه مما وجب بالعدة، والكلام فى العدة التى تعقب الطلاق، لا فى التى وقع فيها الطلاق، وحديث البخارى ومسلم فى قصة ابن عمر مرة فليراجعها... الخ الذى رجحوه فى الثانى لا فى الأول، واختار القروء على الأقراء لكثرتهن بكثرة المطلقات {وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ} لتفويت الرحمة وإلحق الولد بغير الأب {مَا خَلَقَ اللهُ فِى أَرْحَامِهِنَّ} من الحيض والولد، ووجه كون الحيض فى الرحم، أنه يجتمع فيها الدم ثم يخرج، ولا يخفى أن المطلقات المذكورات ذوات قروء، لقوله: ثلاثة قروء، فكيف يكون الولد فى أرحامهن فنقول: إذا كتمن الحمل حكمنا بأنهن من ذوات القروء أو الضمائر للمطلقات مطلقا فى ضمن المقيد، كالاستخدام البديعى، وفى الوجهين بعد، فإن قلنا ما فى أرحامهن من الحيض والحمل معا، وتحريم الكتم عليهن إيجاب للعمل بما قلن إن لم يتبين كذبه ينظر الأمينات، فهن مؤتمنات، وإلا كان حرج عظيم، فيتعلق بقولهن ما بعلق إلى حيض من تحريم وطء، وما يحرم بالوطء وغير ذلك كعتق وعدم طلاق، وفى الأثر، سئل عزان بن الصقر رحمه الله عن المطلقة إذا ادعت أنها حامل، قال: تنظر إليها الأمينات نسوة، فإن قلن إنها حامل فلها النفقة ولو كان الطلاق ثلاثا أو بائنا، وإن لم يقلن إنها حامل فلا نفقة لها بعد العدة، ولها النفقة فى عدة غير الثلاث والبائن، وإن وضعته فى وقت يحكم عليه فيه بالولد وقد طلبت النفقة ولم يعط فعليه أن يعطيها نفقتا منذ طلقها، وإن اشتبه على النساء فلم يقلن إنها حامل ولا غير حامل فطلبت هى النفقة وقالت إنى حامل فلها النفقة إلى سنتين، فإن جاءت بولد فى السنتين فالولد له ولا ترد له النفقة وإن جاءت بالولد بعد السنتين فالولد لها وترد عليه النفقة، وإن لم تلده، وقالت فسد فى بطنى فلا نفقة لها بعد السنتين، ولا يرجع عليها بما أنفق عليها، لأنه يمكن أن يكون كما قالت، وليس كما قال بعض: إن الآية شاملة للبكورة الثيوبة وعيب الفرج فتصدق فى ذلك، لأنا نقول: ذلك مما ينكشف للأمينات فينظرن، أهى بكر أم ثيب، ويمسسن، وكذا ما أمكن، {إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ} أو لم يؤمن، لأن الكافر مخاطب بالفروع، وإنما ذكر الإيمان إشارة إلى أن الكتم ينافيه، وإلى أنه لا يجترىء عليه من آمن، وإلا كان منافقا، وأنه من اجترأ عليه فكأنه غير مؤمن {وَبُعُولَتُهُنَّ} أزواجهن المطلقون، جمع بعل، شذوذاً، أو مصدر، أى أهل بعولتهن، أى نكاحهن، يقال، باعلها: أى جامعها، والأول أولى {أَحَقُّ} أى أحقاء، فهو خارج عن التفضيل، إذ لا حق لها ولا لغيرها من الرجال فى الرجعة، أو باق عليه، أى أحق ما يمكن فعلهم الرحمن دون الفرقة، أو هم أحق بالرجعة من المرأة فى طلب الفرقة، وجاء عنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : أبغض الحلال إلى الله الطلاق" تفسير : {بِرَدِّهِنَّ} برجعتهن، ولو أبين، ويشهدون على الرجعة فيخبرهن الشهود ليمحن أنفسهن لهم، وإن لم يعلمن بالطلاق راجعوهن بالشهود ولو بلا إخبار {فِى ذَلِكَ} متعلق برد أو بأحق، أى فى ذلك التربص أو زمانه، وهو مقدار العدة، وبعد ذلك يكون الأمر بأيديهن، إن شئن تزوجنهم وإلا فلا {إِنْ أَرَادُواْ} أى الأزواج المطلقون {إِصْلَٰحاً} بينهم وبينهن ولم يريدوا إضرارهن، وذلك حث على الإصلاح بالرجعة، ولو قصدوا الإضرار لصحت الرجعة أيضا، ولو ظلموهن بقصد إطالة العدة، ولا مفهوم مخالفة فى قوله إن أزادوا لتحقق الفائدة الأخرى، وهى الحث {وَلَهُنَّ} أى للنساء على أزواجهن من الحقوق مطلقاً بلا شرط طلاق ورجعة {مِثْلُ الَّذِى} لهم من الحقوق {عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ} وفى ذلك احتباك، إذ حذف من الأول لفظ عليهم لدلالة لفظ عليهن فى الثانى، وحذف من الثانى لفظ لهم لدلالة لفظ لهن فى الأول، كأنه قيل، ولهن عليهم مثل الذى لهم عليهن بالمعروف شرعا، يعاشروهن ويعاشرنهم بحسن العشرة وترك الضرار ويعطونهن حقوقهن من النفقة والكسوة والسكنى والجماع وغير ذلك، ويعطينهم المطاوعة فى الفراش وعدم الخروج إلا بإذن ونحو ذلك، والآية عامة لمن اتفق فيهم وفيهن، ولما اختلف كما رأيت، كأنه قيل، لهن حقوق عليكم كما لكن حقوق عليهن، قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : ألا إن لكم على نسائكم حقا ولنسائكم عليكم حقاً، فأما حقكم على نسائكم فلا يوطئن فراشكم من تكرهون، ولا يأذن فى بيوتكم لمن تكرهون، ألا وحقهن عليكم أن تحسنوا إليهن فى كسوتهن وطعامهن"تفسير : ، رواه الترمذى وصححه، والنسائى، وابن ماجه عن عمرو بن الأحوص، وعن ابن عباس رضى الله عنهما إنى لأحب أن أتزين للمرأة كما أحب أن تتزين لى، لأن الله تعالى يقول: ولهن... الخ، ومما لهن ألا تعجل القيام عنها إذا جامعها حتى تقضى حاجتها {وَلِلرِّجَالِ} الأزواج، ولفظ الرجال إشارة إلى أن للرجل فضلا على المرأة ولو لم يكن زوجاً لها، ولذلك لم يقل لهم {عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ} مرتبة رفيعة فوق مرتبتهن وشرف، لأن حقوقهم فى أبدانهن لا يجئن الخروج والتصرفات إلا بإذنهم، وحقهم فى الجماع أعظم من حقهن عليهم فيه، وهم قوام وحرس عليهن، وكأنهن إماء لهم بالمهر، حتى إن لهم منهن عن النفل، وعليهن طاعتهم {وَاللهُ عَزِيزٌ} لا يرده شىء عن الانتقام ممن خالف أحكام الزوجين أو غيرهما، ولا يفعل إلا الحق {حَكِيمٌ} فعله، كله عدل، لأنه عالم بعواقب الأمور والمصالح.
الالوسي
تفسير : {وَٱلْمُطَلَّقَـٰتُ} أي ذوات الأقراء من الحرائر المدخول بهنّ، لما قد بين في الآيات والأخبار أن لا عدّة على غير المدخول لها وأن عدّة من لا تحيض لصغر أو كبر أو حمل بالأشهر ووضع الحمل، وأن عدة الأمة قرآن أو شهران ـ فأل ـ ليست للاستغراق لأنه هٰهنا متعذر لما بين، فتحمل على الجنس كما في ـ لا أتزوّج النساء ـ ويراد منه ما ذكر بقرينة الحكم، وهذا مذهب ساداتنا الحنفية لأن الكلام المستقل الغير الموصول عندهم ناسخ للعام، والنسخ إنما يصح إذا ثبت عموم الحكم السابق ـ لا عموم هٰهنا ـ وقال الشافعية: إن (المطلقات) عام وقد خص البعض بكلام مستقل غير موصول، واعترضه الإمام بأنّ التخصيص إنما يحسن إذا كان الباقي/ تحت العام أكثر، وهٰهنا ليس كذلك وليس بشيء لأنه مما لا شاهد له فإنّ المذكور في «كتب الأصول» أن العام يجوز تخصيصه إلى أن يبقى تحته ما يستحق به معنى الجمع لئلا يلزم إبطال الصيغة فليفهم. {يَتَرَبَّصْنَ} أي ينتظرن، وهو خبر قصد منه الأمر على سبيل الكناية فلا يحتاج في وقوعه خبراً لمبتدأ إلى التأويل على رأي من لم يجوّز وقوع الإنشاء خبراً من غير تأويل، وقيل: إنّ الجملة الاسمية خبرية بمعنى الأمر، أي: ليتربصن المطلقات ولا يخفى أنه لا يحتاج إليه، وتغيير العبارة للتأكيد بدلالته على التحقيق لأن الأصل في الخبر الصدق والكذب احتمال عقلي، والإشعار بأنه مما يجب أن يسارع إلى امتثاله حيث أقيم اللفظ الدال على الوقوع مقام الدال على الطلب، وفي ذكره متأخراً عن المتبدأ فضل تأكيد لما فيه من إفادة التقوى على أحد الطريقين المنقولين عن الشيخ عبد القاهر والسكاكي، وقيد ـ التربص ـ هنا بقوله سبحانه وتعالى: {بِأَنفُسِهِنَّ} وتركه في قوله تعالى: {أية : تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ } تفسير : [البقرة: 226] لتحريض النساء على ـ التربص ـ لأن ـ الباء ـ للتعدية فيكون المأمور به أن يقمعن أنفسهن ويحملنها على الانتظار، وفيه إشعار بكونهنّ مائلات إلى الرجال وذلك مما يستنكفن منه، فإذا سمعن هذا تربصن وهذا بخلاف الآية السابقة فإن المأمور فيها ـ بالتربص ـ الأزواج وهم وإن كانوا طامحين إلى النساء لكن ليس لهم استنكاف منه، فذكر ـ الأنفس ـ فيها لا يفيد تحريضهم على التربص. {ثَلَـٰثَةَ قُرُوء} نصب على الظرف لكونه عبارة عن المدّة، والمفعول به محذوف لأن ـ التربص ـ متعدّ قال تعالى: {أية : وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَن يُصِيبَكُمُ ٱللَّهُ }تفسير : [التوبة: 52] أي يتربصن التزوّج، وفي حذفه إشعار بأنهنّ يتركن التزوّج في هذه المدة بحيث لا يتلفظن به، وجوّز أن يكون على المفعولية بتقدير مضاف أي: يتربصن مضيها ـ القروء ـ جمع قرء ـ بالفتح والضم ـ والأوّل أفصح وهو يطلق للحيض لما أخرج النسائي وأبو داود والدارقطني «حديث : أن فاطمة ابنة أبـي حبيش قالت: يا رسول الله إني امرأة استحاض فلا أطهر أفأدع الصلاة؟ فقال صلى الله عليه وسلم: «لا، دعي الصلاة أيام أقرائك»تفسير : ويطلق للطهر الفاصل بين الحيضتين كما في ظاهر قول الأعشى:شعر : أفي كل عام أنت جاشم غزوة تشدّ لأقصاها عزيم عزائكا مورثة مالاً وفي الحي رفعة لما ضاع فيها من قروء نسائكا تفسير : أي أطهارهن لأنها وقت الاستمتاع ولا جماع في الحيض في الجاهلية أيضاً وأصله الانتقال من الطهر إلى الحيض لاستلزامه كل واحد منهما، والدليل على ذلك كما قال الراغب: أن الطاهر التي لم تر الدم لا يقال لها ذات قرء والحائض التي استمر لها الدم لا يقال لها ذلك أيضاً، والمراد بالقرء في الآية عند الشافعي الانتقال من الطهر إلى الحيض في قول قوي له، أو الطهر المنتقل منه كما في المشهور وهو المروي عن عائشة وابن عمر وزيد بن ثابت وخلق كثير لا الحيض، واستدلوا على ذلك بمعقول ومنقول وأما الأول: فهو أن المقصود من العدة براءة الرحم من ماء الزوج السابق والمعرف لبراءة الرحم هو الانتقال إلى الحيض لأنه يدل على انفتاح فم الرحم فلا يكون فيه العلوق لأنه يوجب انسداد فم الرحم عادة دون الحيض فإن الانتقال من الحيض إلى الطهر يدل على انسداد فم الرحم وهو مظنة العلوق فإذا جاء بعده الحيض علم عدم انسداده. وأما الثاني: فقوله تعالى: {أية : فَطَلّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ }تفسير : [الطلاق: 1] واللام للتأقيت والتخصيص بالوقت فيفيد أن مدخوله وقت لما قبله كما في قوله تعالى: {أية : وَنَضَعُ ٱلْمَوٰزِينَ ٱلْقِسْطَ لِيَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ }تفسير : [الأنبياء: 47]، و {أية : أَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ لِدُلُوكِ ٱلشَّمْسِ } تفسير : [الإسراء: 78] فيفيد أن العدة وقت الطلاق والطلاق/ في الحيض غير مشروع لما أخرج الشيخان حديث : أن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما طلق زوجته وهي حائض فذكر عمر لرسول الله صلى الله عليه وسلم فتغيظ ثم قال: مره فليراجعها ثم ليمسكها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر ثم إن شاء أمسك بعد وإن شاء طلق قبل أن يمس فتلك العدة التي أمر الله تعالى أن يطلق لها النساء»تفسير : وهو أحد الأدلة أيضاً على أن العدة بالأطهار. وذهب ساداتنا الحنفية إلى أن المراد بالقرء الحيض وهو المروي عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والحسن وعكرمة وعمرو بن دينار وجم غفير، وكون الانتقال من الطهر إلى الحيض هو المعرف للبراءة إذا سلم معارض بأن سيلان الدم هو السبب للبراءة المقصودة ولا نسلم أن اعتبار المعرف أولى من اعتبار السبب وليس هذا من المكابرة في شيء على أن المهم في مثل هذه المباحث الأدلة النقلية، وفيما ذكروه منها بحث لأن لام التوقيت لا تقتضي أن يكون مدخولها ظرفاً لما قبلها ففي الرضي إن اللام في نحو جئتك لغرة كذا هي المفيدة للاختصاص الذي هو أصلها، والاختصاص هٰهنا على ثلاثة أضرب: إما أن يختص الفعل بالزمان بوقوعه فيه نحو كتبته لغرة كذا، أو يختص به لوقوعه بعده نحو لليلة خلت، أو اختص به لوقوعه قبله نحو لليلة بقيت، فمع الإطلاق يكون الاختصاص لوقوعه فيه ومع قرينة نحو خلت يكون لوقوعه بعده ومع قرينة نحو بقيت لوقوعه قبله انتهى. وفيما نحن فيه قرينة تدل على كونه قبله لأن التطليق يكون قبل العدة لا مقارناً لها، ويؤيده قراءة النبـي صلى الله عليه وسلم (في قبل عدتهن) ففي «الصحاح» القُبْل والقُبُل نقيض الدُّبْر والدُّبُر، ووقع السهم بقبل الهدف وبدبره ـ وقُدّ قميصه من قُبُل ودُبُر ـ أي من مقدمه ومؤخره، ويقال أنزل بقبل هذا الجبل ـ أي بسفحه ـ فمعنى (في قبل عدتهنّ) في مقدم عدّتهنّ وأمامها ـ كما يقتضيه ظاهر الأمثلة ـ وما ذكره من أن قبل الشيء أوّله يرجع إلى هذا أيضاً، وعلى تسليم عدم الرجوع يرجع المقدّم على الأوّل بالتبادر وكثرة الاستعمال والتأييد يحصل بذلك المقدار، والحديث الذي أخرجه الشيخان مسلّم لكن جعله دليلاً على أن ـ العدّة ـ هي الأطهار غير مسلَّم لأنه موقوف على جعل الإشارة للحالة التي هي الطهر، ولا يقوم عليه دليل فإنّ ـ اللام ـ في (يطلق لها النساء) كاللام في {أية : لِعِدَّتِهِنَّ }تفسير : [الطلاق: 1] يجوز أن تكون بمعنى ـ في ـ وأن تكون بمعنى ـ قبل ـ فيجوز أن يكون المشار إليه الحيض، وأنث اسم الإشارة مراعاة للخبر كالضمير إذا وقع بين مرجع مذكر وخبر مؤنث فإن الأولى على ما عليه الأكثر مراعاة الخبر إذ ما مضى فات، والمعنى فتلك الحيض العدّة التي أمر الله تعالى أن يطلق قبلها النساء ـ لا أن يطلق فيها النساء ـ كما فهمه ابن عمر وأوقع الطلاق فيه، وقول الخطابـي: ((الأقراء التي تعتدّ بها المطلقة الأطهار [دون الحيض] لأنه ذكر "فتلك العدّة" بعد الطهر)) مجاب عنه بأنّ ذكره بعد الطهر لا يقتضي أن يكون مشاراً إليه لجواز أن يكون ذكر الطهر للإشارة إلى أنّ الحيض المحفوف بالطهر يكون عدّة، وحينئذ لا يحتاج ذكر الطهر الثاني إلى نكتة وهي أنه إذا راجعها في الطهر الأوّل بالجماع لم يكن طلاقها فيه للسنة فيحتاج للطهر الثاني ليصح فيه إيقاع الطلاق السني، وأن لا يكون الرجعة لغرض الطلاق فقط، وأن يكون كالتوبة عن المعصية باستبدال حاله، وأن يطول مقامه معها فلعله يجامعها فيذهب ما في نفسها من سبب الطلاق فيمسكها هذا ما يرجع إلى الدفع. وأمّا الاستدلال على أنّ القرء الحيض فهو ما أخرجه أبو داود والترمذي، وابن ماجه والدارقطني عن عائشة أنه صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : طلاق الأمة تطليقتان، وعدّتها حيضتان» تفسير : فصرح بأنّ عدّة الأمة حيضتان، ومعلوم أن الفرق بين الحرّة والأمة باعتبار مقدار العدّة لا في جنسها فيلتحق قوله تعالى: {ثَلَـٰثَةَ قُرُوء} للإجمال الكائن بالاشتراك بياناً به وكونه لا يقاوم ما أخرجه/ الشيخان في قصة ابن عمر رضي الله تعالى عنه لضعفه لأن فيه مظاهراً ولم يعرف له سواه، لا يخلو عن بحث، أما أولاً: فلما علمت أن ذلك الحديث ليس بنص في المدعى، وأما ثانياً: فلأن تعليل تضعيف مظاهر غير ظاهر، فإن ابن عدي أخرج له حديثاً آخر ووثقه ابن حبان، وقال الحاكم: ومظاهر شيخ من أهل البصرة ولم يذكره أحد من متقدمي مشايخنا بجرح فإذاً إن لم يكن الحديث صحيحاً كان حسناً، ومما يصحح الحديث عمل العلماء على وفقه قال الترمذي عقيب روايته: حديث غريب والعمل عليه عند أهل العلم من أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم وغيرهم، وفي الدارقطني قال القاسم وسالم: وعمل به المسلمون، وقال مالك: شهرة الحديث تغني عن سنده كذا في «الفتح». ومن أصحابنا من استدل بأنه لو كان المراد من القرء الطهر لزم إبطال موجب الخاص أعني لفظ (ثلاثة) فإنه حينئذ تكون العدة طهرين، وبعض الثالث في الطلاق المشهور ولا يخفى أنه كأمثاله في هذا المقام ناشيء عن قلة التدبر فيما قاله الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه فلهذا اعترضوا به عليه لأنه إنما جعل القرء الانتقال من الطهر إلى الحيض، أو الطهر المنتقل منه لا الطهر الفاصل بين الدمين والانتقال المذكور، أو الطهر المنتقل منه تام على أن كون الثلاثة اسماً لعدد كامل غير مسلم، والتحقيق فيه أنه إذا شرع في الثالث ساغ الإطلاق ألا تراهم يقولون هو ابن ثلاث سنين وإن لم تكمل الثالثة، وذلك لأن الزائد جعل فرداً مجازاً ثم أطلق على المجموع اسم العدد الكامل. ومن الشافعية من جعل القرء اسماً للحيض الذي يحتوشه دمان وجعل إطلاقه على بعض الطهر وكله كإطلاق الماء والعسل، قالوا: والاشتقاق مرشد إلى معنى الضم والاجتماع، وهذا الطهر يحصل فيه اجتماع الدم في الرحم وبعضه وكله في الدلالة على ذلك على السواء ـ وأطالوا الكلام في ذلك ـ والإمامية وافقوهم فيه واستدلوا عليه برواياتهم عن الأئمة والرواية عن علي كرم الله تعالى وجهه في هذا الباب مختلفة، وبالجملة كلام الشافعية في هذا المقام قوي كما لا يخفى على من أحاط بأطراف كلامهم واستقرأ ما قالوه وتأمل ما دفعوا به أدلة مخالفيهم وفي «الكشف» بعض الكشف وما في «الكشاف» غير شاف لبغيتنا، وهذا المقدار يكفي أنموذجاً. هذا وكان القياس ذكر القرء بصيغة القلة التي هي الأقراء ولكنهم يتوسعون في ذلك فيستعملون كل واحد من البناءين مكان الآخر ولعل النكتة المرجحة لاختياره هٰهنا أن المراد بالمطلقات هٰهنا جميع المطلقات ذوات الأقراء الحرائر وجميعها متجاوز فوق العشرة فهي مستعملة مقام جمع الكثرة ولكل واحدة منها ثلاثة أقراء فيحصل في الأقراء الكثرة فحسن أن يستعمل جمع الكثرة في تمييز الثلاثة تنبيهاً على ذلك وهذا كما استعمل (أنفسهن) مكان نفوسهن للإشارة إلى أن الطلاق ينبغي أن يقع على القلة. {وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ فِى أَرْحَامِهِنَّ} قال ابن عمر: الحمل والحيض أي لا يحل لها إن كانت حاملاً أن تكتم حملها ولا إن كانت حائضاً أن تكتم حيضها فتقول وهي حائض: قد طهرت وكن يفعلن الأول: لئلا ينتظر لأجل طلاقها أن تضع ولئلا يشفق الرجل على الولد فيترك تسريحها والثاني: استعجالاً لمضي العدة وإبطالاً لحق الرجعة وهذا القول هو المروي عن الصادق والحسن ومجاهد وغيرهم والقول ـ بأن الحيض غير مخلوق في الرحم بل هو خارج عنه ـ فلا يصح حمل (ما) على عمومها بل يتعين حملها على الولد وهو المروي عن ابن عباس وقتادة مدفوع بأن ذات الدم وإن كان غير مخلوق في الرحم لكن الاتصاف بكونه حيضاً إنما يحصل له فيه، وما قيل: إن الكلام في المطلقات ذوات الأقراء فلا يحتمل خلق الولد في أرحامهن فيجب حمل (ما) على الحيض كما حكي عن عكرمة فمدفوع أيضاً بأن تخصيص العام/ وتقييده بدليل خارجي لا يقتضي اعتبار ذلك التخصيص أو التقييد في الراجع، واستدل بالآية على أنّ قولها يقبل فيما خلق الله تعالى في أرحامهن إذ لولا قبول ذلك لما كان فائدة في تحريم كتمانهن، قال ابن الفرس: وعندي أنّ الآية عامة في جميع ما يتعلق بالفرج من بكارة وثيوبة وعيب لأنّ كل ذلك مما خلق الله تعالى في أرحامهن فيجب أن يصدقن فيه، وفيه تأمل. {إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ} شرط لقوله تعالى: {لاَّ يَحِلُّ} لكن ليس الغرض منه التقييد حتى لو لم يؤمن كالكتابيات ـ حل لهنّ الكتمان ـ بل بيان منافاة الكتمان للإيمان وتهويل شأنه في قلوبهنّ، وهذه طريقة متعارفة يقال: إن كنت مؤمناً فلا تؤذ أباك، وقيل: إنه شرط جزاؤه محذوف ـ أي فلا يكتمن ـ وقوله سبحانه: {لاَ يَحِلُّ} علة له أقيم مقامه، وتقدير الكلام: إن كنّ يؤمنّ بالله واليوم الآخر لا يكتمن ما خلق الله في أرحامهنّ لأنه لا يحل لهن وفيه: «أن لا يكتمن المقدّر» إن كان نهياً يلزم تعليل الشيء بنفسه، وإن كان نفياً يكون مفاد الكلام تعليق عدم وقوع الكتمان في المستقبل بأيمانهم في الزمان الماضي وهو كما ترى. {وَبُعُولَتُهُنَّ} أي أزواج المطلقات جمع ـ بعل ـ كعم وعمومة، وفحل وفحولة ـ والهاء ـ زائدة مؤكدّة لتأنيث الجماعة، والأمثلة سماعية لا قياسية، لا يقال: كعب وكعوبة، قاله الزجاج. وفي «القاموس»: ((البعل الزوج والأنثى ـ بعل وبعلة ـ والرب والسيد والمالك، والنخلة التي لا تسقى أو تسقى بماء المطر)) وقال الراغب: ـ البعل ـ النخل الشارب بعروقه، عبر به عن الزوج لإقامته على الزوجة للمعنى المخصوص، وقيل: باعلها جامعها، وبعل الرجل إذا دهش فأقام كأنه النخل الذي لا يبرح، ففي اختيار لفظ ـ البعولة ـ إشارة إلى أنّ أصل الرجعة بالمجامعة، وجوّز أن يكون ـ البعولة ـ مصدراً نعت به من قولك: بعل حسن البعولة ـ أي العشرة مع الزوجة ـ أو أقيم مقام المضاف المحذوف، أي وأهل بعولتهن: {أَحَقُّ بِرَدّهِنَّ} إلى النكاح والرجعة إليهن، وهذا إذا كان الطلاق رجعياً للآية بعدها، فالضمير ـ بعد اعتبار القيد ـ أخص من المرجوع إليه، ولا امتناع فيه كما إذا كرّر الظاهر، وقيل: بعولة المطلقات أحق بردّهنّ وخصص بالرجعي، و {أَحَقُّ} هٰهنا بمعنى ـ حقيق ـ عبر عنه بصيغة التفضيل للمبالغة، كأنه قيل: للبعولة حق الرجعة، أي حق محبوب عند الله تعالى بخلاف الطلاق فإنه مبغوض، ولذا ولد للتنفير عنه: «حديث : أبغض الحلال إلى الله تعالى الطلاق»تفسير : وإنما لم يبق على معناه من المشاركة والزيادة إذ لا حق للزوجة في الرجعة كما لا يخفى. وقرأ أبـيّ {بردّتهنّ} {فِي ذٰلِكَ} أي زمان ـ التربص ـ وهو متعلق بـ {أَحَقُّ} أو {بِرَدّهِنَّ} {إِنْ أَرَادُواْ إِصْلَـٰحاً} أي إن أراد البعولة بالرجعة إصلاحاً لما بينهم وبينهن، ولم يريدوا الإضرار بتطويل العدّة عليهنّ مثلاً، وليس المراد من التعليق اشتراط جواز الرجعة بإرادة الإصلاح حتى لو لم يكن قصده ذلك لا تجوز للإجماع على جوازها مطلقاً، بل المراد تحريضهم على قصد الإصلاح حيث جعل كأنه منوط به ينتفي بانتفائه. {وَلَهُنَّ مِثْلُ ٱلَّذِى عَلَيْهِنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ} فيه صنعة الاحتباك، ولا يخفى لطفه فيما بين الزوج والزوجة حيث حذف في الأول بقرينة الثاني، وفي الثاني بقرينة الأوّل كأنه قيل: ولهنّ عليهم مثل الذي لهم عليهنّ، والمراد ـ بالمماثلة ـ المماثلة في الوجوب ـ لا في جنس الفعل ـ فلا يجب عليه إذا غسلت ثيابه أو خبزت له أن يفعل لها مثل ذلك، ولكن يقابله بما يليق بالرجال، أخرج الترمذي وصححه، والنسائي وابن ماجه/ عن عمرو بن الأحوص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : ألا إنّ لكم على نسائكم حقاً، ولنسائكم عليكم حقاً، فأمّا حقكم على نسائكم فلا يوطئن فرشكم من تكرهون، ولا يأذن في بيوتكم من تكرهون، ألا وحقهنّ عليكم أن تحسنوا إليهنّ في كسوتهنّ وطعامهن»تفسير : وأخرج وكيع وجماعة عن أنس عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: «إني لأحب أن أتزين للمرأة كما أحب أن تتزين المرأة لي، لأنّ الله تعالى يقول: {وَلَهُنَّ} الآية، وجعلوا مما يجب لهنّ عدم العجلة إذا جامع حتى تقضي حاجتها. والمجرور الأخير متعلق بما تعلق به الخبر، وقيل: صفة لـ {مَثَلُ} وهي لا تتعرّف بالإضافة. {وَلِلرّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ} زيادة في الحق لأنّ حقوقهم في أنفسهن، فقد ورد أنّ النكاح كالرق أو شرف فضيلة لأنهم قوام عليهن وحرّاس لهن، يشاركوهنّ في غرض الزواج من التلذذ وانتظام مصالح المعاش، ويخصون بشرف يحصل لهم لأجل الرعاية والإنفاق عليهن. ـ والدرجة ـ في الأصل ـ المرقاة ـ ويقال فيها: (درجة) كهمزة وقال الراغب: ـ الدرجة ـ نحو المنزلة لكن تقال إذا اعتبرت بالصعود دون الامتداد على البسيط ـ كدرجة السطح والسلم ـ ويعبر بها عن المنزلة الرفيعة، ومنه الآية فهي على التوجيهين مجاز. وفي «الكشف»: إن أصل التركيب لمعنى الأناة والتقارب على مهل من ـ درج الصبـي إذا حبا ـ وكذلك الشيخ والمفيد لتقارب خطوهما ـ والدرجة ـ التي يرتقي عليها لأن الصعود ليس في السهولة كالانحدار والمشي على مستو، فلا بدّ من تدرّج ـ والدرج ـ المواضع التي يمر عليها السيل شيئاً فشيئاً، ومنه التدرّج في الأمور، والاستدراج من الله، والدركة هي الدرجة بعينها لكن في الانحدار ـ والرجال ـ جمع رجل، وأصل الباب القوّة والغلبة وأتى بالمظهر بدل المضمر للتنويه بذكر ـ الرجولية ـ التي بها ظهرت المزية للرجال على النساء {وَٱللَّهُ عَزِيزٌ} غالب لا يعجزه الانتقام ممن خالف الأحكام {حَكِيمٌ} عالم بعواقب الأمور والمصالح التي شرع ما شرع لها، والجملة تذييل للترهيب والترغيب.
ابن عاشور
تفسير : عطف على الجملة قبلها لشدة المناسبة وللاتحاد في الحكم وهو التربص، إذ كلاهما انتظار لأجل المراجعة، ولذلك لم يقدم قوله: { أية : وَٱلْمُطَلَّقَـٰتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَـٰثَةَ قُرُوۤءٍ وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ فِىۤ أَرْحَامِهِنَّ إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَٰلِكَ إِنْ أَرَادُوۤاْ إِصْلَـٰحاً } تفسير : [البقرة: 229] على قوله: {والمطلقات يتربصن} لأن هذه الآي جاءت متناسقة منتظمة على حسب مناسبات الانتقال على عادة القرآن في إبداع الأحكام وإلقائها بأسلوب سَهل لا تسْأَم له النفس، ولا يجيء على صورة التعليم والدرس. وسيأتي كلامنا على الطلاق عند قوله تعالى: {الطلاق مرتان}. وجملة {والمطلقات يتربصن} خبرية مراد بها الأمر، فالخبر مستعمل في الإنشاء وهو مجاز فيجوز جعله مجازاً مرسلاً مركباً، باستعمال الخبر في لازم معناه، وهو التقرر والحصول، وهو الوجه الذي اختاره التفتازاني في قوله تعالى: { أية : أفمن حق عليه كلمة العذاب أفأنت تنقذ من في النار } تفسير : [الزمر: 19] بأن يكون الخبر مستعملاً في المعنى المركب الإنشائي، بعلاقة اللزوم بين الأمر مثلاً كما هنا وبين الامتثال، حتى يقدر المأمور فاعلاً فيخبر عنه ويجوز جعله مجازاً تمثيلياً كما اختاره الزمخشري في هذه الآية إذ قال: «فكأنهن امتثلن الأمر بالتربص فهو يخبر عنه موجوداً، ونحوه قولهم في الدعاء: "رحمه الله ثقة بالاستجابة» قال التفتازاني: فهو تشبيه ما هو مطلوب الوقوع بما هو محقق الوقوع في الماضي كما في قول الناس: رحمه الله، أو في المستقبل، أو الحال، كما في هذه الآية. قلت: وقد تقدم في قوله تعالى: { أية : فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج } تفسير : [البقرة: 197] وأنه أُطلق المركب الدال على الهيئة المشبه بها على الهيئة المشبهة. والتعريف في (المطلقات) تعريف الجنس، وهو مفيد للاستغراق، إذ لا يصلح لغيره هنا. وهو عام في المطلقات ذوات القروء بقرينة قوله: {يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء}، إذ لا يتصور ذلك في غيرهن، فالآية عامة في المطلقات ذوات القروء، وليس هذا بعام مخصوص في هذه، بمتصل ولا بمنفصل، ولا مراد به الخصوص، بل هو عام في الجنس الموصوف بالصفة المقدرة التي هي من دلالة الاقتضاء، فالآية عامة في المطلقات ذوات القروء، وهي مخصصة بالحرائر دون الإماء، فأخرجت الإماء بما ثبت في السنة أن عدة الأمة حيضتان، رواه أبو داود والترمذي، فهي شاملة لجنس المطلقات ذوات القروء، ولا علاقة لها بغيرهن من المطلقات، مثل المطلقات اللاتي لسن من ذوات القروء، وهن النساء اللاتي لم يبلغن سن المحيض، والآيسات من المحيض، والحوامل، وقد بين حكمهن في سورة الطلاق، إلاّ أنها يخرج عن دلالتها المطلقات قبل البناء من ذوات القروء، فهن مخصوصات من هذا العموم بقوله تعالى: { أية : يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها } تفسير : [الأحزاب: 49] فهي في ذلك عام مخصوص بمخصص منفصل. وقال المالكية والشافعية: إنها عام مخصوص منه الأصناف الأربعة بمخصصات منفصلة، وفيه نظر فيما عدا المطلقة قبل البناء، وهي عند الحنفية عام أريد به الخصوص بقرينة، أي بقرينة دلالة الأحكام الثابتة لتلك الأصناف. وإنما لجأُوا إلى ذلك لأنهم يرون المخصص المنفصل ناسخاً، وشرط النسخ تقرر المنسوخ، ولم يثبت وقوع الاعتداد في الإسلام بالأقراء لكل المطلقات. والحق أن دعوى كون المخصص المنفصل ناسخاً، أصلٌ غيرُ جدير بالتأصيل؛ لأن تخصيص العام هو وروده مُخْرَجاً منه بعض الأفراد بدليلٍ، فإن مجيء العمومات بعد الخصوصات كثير، ولا يمكن فيه القول بنسخ العام للخاص لظهور بطلانه ولا بنسخ الخاص للعام لظهور سبقه، والناسخ لا يسبق وبعد، فمهما لم يقع عمل بالعموم فالتخصيص ليس بنسخ. و{يتربصن بأنفسهن} أي يتلبثن وينتظرن مرور ثلاثة قروء، وزيد {بأنفسهن} تعريضاً بهن، بإظهار حالهن في مظهر المستعجلات، الراميات بأنفسهن إلى التزوج، فلذلك أُمِرْن أن يتربصن بأنفسهن، أي يمسكنهن ولا يرسلنهن إلى الرجال. قال في «الكشاف»: «ففي ذكر الأنفس تهييج لهن على التربص وزيادة بعث؛ لأن فيه ما يستنكفن منه فيحملهن على أن يتربصن» وقد زعم بعض النحاة أن {بأنفسهن} تأكيد لضمير (المطلقات)، وأن الباء زائدة، ومن هنالك قال بزيادة الباء في التوكيد المعنوي، ذكره صاحب «المغني» ورده من جهة اللفظ بأن حق توكيد الضمير المتصل أن يكون بعد ذكر الضمير المنفصل أو بفاصل آخر، إلاّ أن يقال: اكتفى بحرف الجر؛ ومن جهة المعنى بأن التوكيد لا داعي إليه إذ لا يذهب عقل السامع إلى أن المأمور غير المطلقات الذي هو المبتدأ، الذي تضمن الضمير خبره. وانتصب {ثلاثة قروء}، على النيابة عن المفعول فيه؛ لأن الكلام على تقدير مضاف؛ أي مدة ثلاثة قروء، فلما حذف المضاف خلفه المضاف إليه في الإعراب. والقروء جمع قرء ــــ بفتح القاف وضمها ــــ وهو مشترك للحيض والطهر. وقال أبو عبيدة: إنه موضوع للانتقال من الطهر إلى الحيض، أو من الحيض إلى الطهر، فلذلك إذا أطلق على الطهر أو على الحيض كان إطلاقاً على أحد طرفيه، وتبعه الراغب، ولعلهما أرادا بذلك وجه إطلاقه على الضدين. وأحسب أن أشهر معاني القرء عند العرب هو الطهر، ولذلك ورد في حديث عمر أن ابنه عبد الله لما طلق امرأته في الحيض سأل عمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، وما سؤاله إلاّ من أجل أنهم كانوا لا يطلقون إلاّ في حال الطهر ليكون الطهر الذي وقع فيه الطلاق مبدأ الاعتداد، وكون الطهر الذي طلقت فيه هو مبدأ الاعتداد هو قول جميع الفقهاء ما عدا ابن شهاب فإنه قال: يلغَى الطهر الذي وقع فيه الطلاق. واختلف العلماء في المراد من القروء في هذه الآية، والذي عليه فقهاء المدينة وجمهور أهل الأثر أن القرء هو الطهر وهذا قول عائشة وزيد بن ثابت وابن عمر وجماعة من الصحابة من فقهاء المدينة ومالك والشافعي في أوضح كلاميه، وابن حنبل. والمراد به الطهر الواقع بين دَمَيْن. وقال علي وعمر وابن مسعود وأبو حنيفة والثوري وابن أبي ليلى وجماعة إنه الحيض. وعن الشافعي في أحد قوليه أنه الطهر المُنتقَل منه إلى الحيض، وهو وفاق لما فسر به أبو عبيدة، وليس هو بمخالف لقول الجمهور: إن القرء الطهر، فلا وجه لعده قولاً ثالثاً. ومرجِع النظر عندي في هذا إلى الجمع بين مقصدي الشارع من العدة وذلك أن العدة قصد منها تحقق براءة رحم المطلقة من حمل المطلق، وانتظارُ الزوج لعله أن يرجع. فبراءة الرحم تحصل بحيضة أو طهر واحد، وما زاد عليه تمديد في المدة انتظاراً للرجعة. فالحيضة الواحدة قد جعلت علامة على براءة الرحم، في استبراء الأمة في انتقال الملك، وفي السبايا، وفي أحوال أخرى، مختلفاً في بعضها بين الفقهاء، فتعين أن ما زاد على حيض واحد ليس لتحقق عدم الحمل، بل لأن في تلك المدة رفقاً بالمطلق، ومشقة على المطلقة، فتعارض المقصدان، وقد رجح حق المطلق في انتظاره أمداً بعد حصول الحيضة الأولى وانتهائها، وحصول الطهر بعدها، فالذين جعلوا القروء أطهاراً راعوا التخفيف عن المرأة، مع حصول الإمهال للزوج، واعتضدوا بالأثر. والذين جعلوا القروء حيضات زادوا للمطلق إمهالاً؛ لأن الطلاق لا يكون إلاّ في طهر عند الجميع، كما ورد في حديث عمر بن الخطاب في الصحيح، واتفقوا على أن الطهر الذي وقع الطلاق فيه معدود في الثلاثة القروء. وقروء صيغة جمع الكثرة، استعمل في الثلاثة، وهي قلة توسعاً، على عاداتهم في الجموع أنها تتناوب، فأوثر في الآية الأخف مع أمن اللبس بوجود صريح العدد. وبانتهاء القروء الثلاثة تنقضي مدة العدة، وتبِين المطلقة الرجعية من مفارقها، وذلك حين ينقضي الطهر الثالث وتدخل في الحيضة الرابعة، قال الجمهور: إذا رأت أول نقطة الحيضة الثالثة خرجت من العدة، بعد تحقق أنه دم الحيض. ومن أغرب الاستدلال لكون القرء الطهر الاستدلال بتأنيث اسم العدد في قوله تعالى: {ثلاثة قروء}. قالوا: والطهر مذكر فلذلك ذكر معه لفظ (ثلاثة)، ولو كان القرء الحيضة والحيض مؤنث لقال ثلاث قروء، حكاه ابن العربي في «الأحكام»، عن علمائنا، يعني المالكية ولم يتعقبه وهو استدلال غير ناهض؛ فإن المنظور إليه في التذكير والتأنيث إما المسمّى إذا كان التذكير والتأنيث حقيقياً، وإلاّ فهو حال الاسم من الاقتران بعلامة التأنيث اللفظي، أو إجراء الاسم على اعتبار تأنيث مقدر مثل اسم البئر، وأما هذا الاستدلال فقد لبَّس حكم اللفظ بحكم أحد مرادفيه. وقوله تعالى: {ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن} إخبار عن انتفاء إباحة الكتمان، وذلك مقتضى الإعلام بأن كتمانهن منهي عنه محرم، فهو خبر عن التشريع، فهو إعلام لهن بذلك، وما خلق الله في أرحامهن هو الدم ومعناه كتم الخبر عنه لا كتمان ذاته، كقول النابغة: «كتمتك ليلاً بالجمومين ساهراً» أي كتمتك حال ليل. و{ما خلق الله في أرحامهن} موصول، فيجوز حمله على العهد، أي ما خلاق من الحيض بقرينة السياق. ويجوز حمله على معنى المعرف بلام الجنس فيعم الحيض والحمل، وهو الظاهر وهو من العام الوارد على سبب خاص؛ لأن اللفظ العام الوارد في القرآن عقب ذكر بعض أفراده، قد ألحقوه بالعام الوارد على سبب خاص، فأما من يقصر لفظ العموم في مثله على خصوص ما ذُكر قَبله، فيكون إلحاق الحوامل بطريق القياس، لأن الحكم نيط بكتمان ما خلق الله في أرحامهن. وهذا محمل اختلاف المفسرين، فقال عكرمة والزهري والنخعي: (ما خلق الله في أرحامهن) الحيض، وقال ابن عباس وعمر: الحمل، وقال مجاهد: الحمل والحَيض، وهو أظهر، وقال قتادة: كانت عادة نساء الجاهلية أن يكتمن الحمل ليلحق الولد بالزوج الجديد (أي لئلا يبْقى بين المطلَّقة ومطلِّقها صلة ولا تنازع في الأولاد) وفي ذلك نزلت، وهذا يقتضي أن العدة لم تكن موجودة فيهم، وأما مع مشروعية العدة فلا يتصور كتمان الحمل؛ لأن الحمل لا يكون إلاّ مع انقطاع الحيض، وإذ مضت مدة الأقراء تبين أن الحمل من الزوج الجديد. وقوله: {إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر} شرط أريد به التهديد دون التقييد، فهو مستعمل في معنى غير معنى التقييد، على طريقة المجاز المرسل التمثِيلي، كما يستعمل الخبر في التحسر والتهديد، لأنه لا معنى لتقييد نفي الحمل بكونهن مؤمنات، وإن كان كذلك في نفس الأمر، لأن الكوافر لا يمتثلن لحكم الحلال والحرام الإسلامي، وإنما المعنى أنهن إن كتمن فهن لا يؤمن بالله واليوم الآخر؛ إذ ليس من شأن المؤمنات هذا الكتمان. وجيء في هذا الشرط بإنْ، لأنها أصل أدوات الشرط، ما لم يكن هنالك مقصد لتحقيق حصول الشرط فيؤتى بإذا، فإذا كان الشرط مفروضاً، فرضاً لا قصد لتحقيقه ولا لعدمه جيء بإن. وليس لأنْ هنا، شيء من معنى الشك في حصول الشرط، ولا تنزيل إيمانهن المحقق منزلة المشكوك، لأنه لا يستقيم، خلافاً لما قرره عبد الحكيم. والمراد بالإيمان بالله واليوم الآخر الإيمان الكامل، وهو الإيمان بما جاء به دين الإسلام، فليس إيمان أهل الكتاب بالله واليوم الآخر بمراد هنا؛ إذ لا معنى لربط نفي الحمل في الإسلام بثبوت إيمان أهل الكتاب. وليس في الآية دليل على تصديق النساء في دعوى الحمل والحيض كما يجري على ألسنة كثير من الفقهاء، فلا بد من مراعاة أن يكون قولهن مشبهاً، ومَتَى ارتيب في صدقهن وجب المصير إلى ما هو المحقق، وإلى قول الأطباء والعارفين. ولذلك قال مالك: «لو ادعت ذات القروء انقضاء عدتها في مدة شهر من يوم الطلاق لم تصدق، ولا تصدق في أقل من خمسة وأربعين يوماً مع يمينها» وقال عبد الملك: خمسون يوماً، وقال ابن العربي: لا تصدق في أقل من ثلاثة أشهر، لأنه الغالب في المدة التي تحصل فيها ثلاثة قروء، وجرى به عمل تونس كما نقله ابن ناجي، وعمل فاس كما نقله السَّجْلَمَاسِي. وفي الآية دلالة على أن المطلقة الكتابية لا تصدق في قولها إنها انقضت عدتها. وقوله: {وبعولتهنَّ}. البعولة جمع بعل، والبعل اسم زوج المرأة. وأصل البعل في كلامهم، السيد. وهو كلمة ساميَّة قديمة، فقد سمَّى الكنعانيون (الفينقيون) معبودهم بَعْلاً قال تعالى: { أية : أتدعون بعلاً وتذرون أحسن الخالقين } تفسير : [الصافات: 125] وسمي به الزوج لأنه ملك أمر عصمة زوجه، ولأن الزوج كان يعتبر مالكاً للمرأة وسيداً لها، فكان حقيقاً بهذا الاسم، ثم لما ارتقى نظام العائلة من عهد إبراهيم عليه السلام فما بعده من الشرائع، أخذ معنى الملك في الزوجية يضعف، فأطلق العرب لفظ الزوج على كلَ من الرجل والمرأة، اللذين بينهما عصمة نكاح، وهو إطلاق عادل؛ لأن الزوج هو الذي يثنى الفرد، فصارا سواء في الاسم، وقد عبر القرآن بهذا الاسم في أغلب المواضع، غير التي حكى فيها أحوال الأمم الماضية كقوله: { أية : وهٰذا بعلي شيخا } تفسير : [هود: 72]، وغير المواضع التي أشار فيها إلى التذكير بما للزوج من سيادة، نحو قوله تعالى: { أية : وإن امرأة خافت من بعلها نشوزاً أو إعراضاً } تفسير : [النساء: 128] وهاته الآية كذلك، لأنه لما جعل حق الرجعة للرَّجل جبراً على المرأة، ذكَّر المرأة بأنه بعلُها قديماً. وقيل: البعل: الذكر، وتسمية المعبود بَعْلاً لأنه رمز إلى قوة الذكورة، ولذلك سمي الشجر الذي لا يسقى بَعْلاً، وجاء جمعه على وزن فعولة، وأصله فُعول المطردُ في جمع فَعْل، لكنه زيدت فيه الهاء لتوهم معنى الجماعة فيه، ونظيره قولهم: فُحُولة وذُكُورة وكُعُوبة وسُهُولة، جمع السَّهل ضد الجبل، وزيادة الهاء على مثله سماعي؛ لأنها لا تؤذن بمعنى، غير تأكيد معنى الجمعية بالدلالة على الجماعة. وضمير {بعولتهن}، عائد إلى (المطلقات) قبله، وهن المطلقات الرجعيات كما تقدم، فقد سماهن الله تعالى مطلقات لأن أزواجهن أنشأُوا طلاقهن، وأَطلق اسم البعولة على المطلقين، فاقتضى ظاهره أنهم أزواج للمطلقات، إلاّ أن صدور الطلاق منهم إنشاء لفك العصمة التي كانت بينهم، وإنما جعل الله مدة العدة توسعة على المطلقين، عسى أن تحدث لهم ندامة ورغبة في مراجعة أزواجهم؛ لقوله تعالى: { أية : لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمراً } تفسير : [الطلاق: 1]،أي أمر المراجعة، وذلك شبيه بما أجرته الشريعة في الإيلاء، فللمطلقين بحسب هذه الحالة حالة وسَطٌ بين حالة الأزواج وحالة الأجانب، وعلى اعتبار هذه الحالة الوسط أُوقع عليهم اسم البعولة هنا، وهو مجاز قرينته واضحة، وعلاقته اعتبار ما كان، مثل إطلاق اليتامى في قوله تعالى: { أية : وأتوا اليتامى أموالهم } تفسير : [النساء: 2]. وقد حمله الجمهور على المجاز؛ فإنهم اعتبروا المطلقة طلاقاً رجعياً امرأة أجنبية عن المطلق بحسب الطلاق، ولكن لما كان للمطلق حق المراجعة، ما دامت المرأة في العدة، ولو بدون رضاها، وجب إعمال مقتضى الحالتين، وهذا قول مالك والشافعي. قال مالك: «لا يجوز للمطلق أن يستمتع بمطلقته الرجعية، ولا أن يدخل عليها بدون إذن، ولو وطئها بدون قصدِ مراجعةٍ أَثم، ولكن لا حد عليه للشبهة، ووجب استبراؤها من الماء الفاسد، ولو كانت رابعة لم يكن له تزوج امرأة أخرى، ما دامت تلك في العدة». وإنما وجبت لها النفقة لأنها محبوسة لانتظار مراجعته، ويشكل على قولهم إن عثمان قضى لها بالميراث إذا مات مطلِّقها وهي في العدة؛ قضى بذلك في امرأة عبد الرحمن بن عوف، بموافقة عليَ، رواه في «الموطأ»، فيُدفع الإشكال بأن انقضاء العدة شرط في إنفاذ الطلاق، وإنفاذ الطلاق مانع من الميراث، فما لم تنقض العدة فالطلاق متردد بين الإعمال والإلغاء، فصار ذلك شكاً في مانع الإرث، والشك في المانع يبطل إعماله. وحمل أبو حنيفة والليث بن سعد البعولة على الحقيقة، فقالا «الزوجية مستمرة بين المطلق الرجعي ومطلَّقته؛ لأن الله سماهم بعُولة» وسوغا دخول الطلاق عليها، ولو وطئها فذلك ارتجاع عند أبي حنيفة. وقال به الأوزاعي والثوري وابن أبي ليلى، ونسب إلى سعيد بن المسيب والحسن والزهري وابن سيرين وعطاء وبعض أصحاب مالك. وأحسب أن هؤلاء قائلون ببقاء الزوجية بين المطلق ومطلقته الرجعية. و(أحق) قيل: هو بمعنى اسم الفاعل مسلوب المفاضلة، أتى به لإفادة قوة حقهم، وذلك مما يستعمل فيه صيغة أفعل، كقوله تعالى: { أية : ولذكر الله أكبر } تفسير : [العنكبوت: 45] لا سيما إن لم يذكر بعدها مفضل عليه بحرف من، وقيل: هو تفضيل على بابه، والمفضل عليه محذوف، أشار إليه في «الكشاف»، وقرره التفتازاني بما تحصيله وتبيينه: أن التفضيل بين صنفي حق مختلفين باختلاف المتعلق: هما حق الزوج في الرجعة إن رغب فيها، وحق المرأة في الامتناع من المراجعة إن أبتها، فصار المعنى: وبعولتهن أحق برد المطلقات، من حق المطلقات بالامتناع وقد نسج التركيب على طريقة الإيجاز. وقوله: {في ذلك} الإشارة بقوله: {ذلك} إلى التربص بمعنى مدته، أي للبعولة حق الإرجاع في مدة القروء الثلاثة، أي لا بعد ذلك كما هو مفهوم القيد. هذا تقرير معنى الآية، على أنها جاءت لتشريع حكم المراجعة في الطلاق ما دامت العدة، وعندي أن هذا ليس مجرد تشريع للمراجعة بل الآية جامعة لأمرين: حكم المراجعة، وتحضيض المطلقين على مراجعة المطلقات، وذلك أن المتفارقين لا بد أن يكون لأحدهما أو لكليهما، رغبة في الرجوع، فالله يعلم الرجال بأنهم أولى بأن يرغبوا في مراجعة النساء، وأن يصفحوا عن الأسباب التي أوجبت الطلاق لأن الرجل هو مظنة البصيرة والاحتمال، والمرأة أهل الغضب والإباء. والرد تقدم الكلام عليه عند قوله تعالى: { أية : حتى يردوكم عن دينكم } تفسير : [البقرة: 217] والمراد به هنا الرجوع إلى المعاشرة وهو المراجعة، وتسمية المراجعة رداً يرجح أن الطلاق قد اعتبر في الشرع قطعاً لعصمة النكاح، فهو إطلاق حقيقي على قول مالك، وأما أبو حنيفة ومن وافقوه فتأوَّلوا التعبير بالرد بأن العصمة في مدة العدة سائرة في سبيل الزوال عند انقضاء العدة، فسميت المراجعة رداً عن هذا السبيل الذي أخذت في سلوكه وهو رد مجازي. وقوله: {إن أرادوا إصلاحاً} شرط قصد به الحث على إرادة الإصلاح، وليس هو للتقييد. لا يجوز أن يكون ضمير {لهن} عائداً إلى أقرب مذكور وهو (المطلقات)، على نسق الضمائر قبله؛ لأن المطلقات لم تبق بينهن وبين الرجال علقة حتى يكون لهن حقوق وعليهن حقوق، فتعين أن يكون ضمير {لهن} ضمير الأزواج النساء اللائي اقتضاهن قوله {بردهن} بقرينة مقابلته بقوله {وللرجال عليهن درجة}. فالمراد بالرجال في قوله: {وللرجال} الأزواج، كأنه قيل: ولرجالهن عليهن درجة. والرجل إذا أضيف إلى المرأة، فقيل: رجل فلانة، كان بمعنى الزوج، كما يقال للزوجة: امرأة فلان، قال تعالى: { أية : وامرأته قائمة } تفسير : [هود: 71] ــــ { أية : إلا امرأتك } تفسير : [هود: 81]. ويجوز أن يعود الضمير إلى النساء في قوله تعالى { أية : للذين يؤلون من نسائهم } تفسير : [البقرة: 226] بمناسبة أن الإيلاء من النساء هضم لحقوقهن، إذا لم يكن له سبب، فجاء هذا الحكم الكلي على ذلك السبب الخاص لمناسبة؛ فإن الكلام تدرج من ذكر النساء اللائي في العصمة، حين ذكر طلاقهن بقوله { أية : وإن عزموا الطلاق } تفسير : [البقرة: 227]، إلى ذكر المطلقات بتلك المناسبة، ولما اختتم حكم الطلاق بقوله: {وبعولتهن أحق بردهن في ذلك} صار أولئك النساء المطلقات زوجات، فعاد الضمير إليهن باعتبار هذا الوصف الجديد، الذي هو الوصف المبتدأ به في الحكم، فكان في الآية ضرب من رد العجز على الصدر، فعادت إلى أحكام الزوجات بأسلوب عجيب والمناسبة أن في الإيلاء من النساء تطاولاً عليهن، وتظاهراً بما جعل الله للزوج من حق التصرف في العصمة، فناسب أن يذكَّروا بأن للنساء من الحق مثل ما للرجال. وفي الآية احتباك، فالتقدير: ولهن على الرجال مثل الذي للرجال عليهن، فحذف من الأول لدلالة الآخر، وبالعكس. وكان الاعتناء بذكر ما للنساء من الحقوق على الرجال، وتشبيهه بما للرجال على النساء؛ لأن حقوق الرجال على النساء مشهورة، مسلمة من أقدم عصور البشر، فأما حقوق النساء فلم تكن مما يلتفت إليه أو كانت متهاوناً بها، وموكولة إلى مقدار حظوة المرأة عند زوجها، حتى جاء الإسلام فأقامها. وأعظم ما أُسِّست به هو ما جمعته هذه الآية. وتقديم الظرف للاهتمام بالخبر؛ لأنه من الأخبار التي لا يتوقعها السامعون، فقدم ليصغى السامعون إلى المسند إليه، بخلاف ما لو أُخر فقيل: ومثل الذي عليهن لهن بالمعروف، وفي هذا إعلان لحقوق النساء، وإصداع بها وإشادة بذكرها، ومثل ذلك من شأنه أن يُتلقى بالاستغراب، فلذلك كان محل الاهتمام. ذلك أن حال المرأة إزاء الرجل في الجاهلية، كانت زوجة أم غيرها، هي حالة كانت مختلطة بين مظهر كرامة وتنافس عند الرغبة، ومظهر استخفاف وقلة إنصاف، عند الغضب، فأما الأول فناشىء عما جبل عليه العربي من الميل إلى المرأة وصدق المحبة، فكانت المرأة مطمح نظر الرجل، ومحل تنافسه، رغبة في الحصول عليها بوجه من وجوه المعاشرة المعروفة عندهم، وكانت الزوجة مرموقة من الزوج بعين الاعتبار والكرامة قال شاعرهم وهو مُرَّةُ بن مَحْكانَ السْعدي: شعر : يا ربَّةَ البيتِ قومي غيرَ صاغرةٍ ضُمِّي إليكِ رحالَ القَوْم والقِرَبا تفسير : فسماها "ربة البيت" وخاطبها خطاب المتلطف حين أمَرَها فأعقب الأمر بقوله غير صاغرة. وأما الثاني فالرجل مع ذلك يرى الزوجة مجعولة لخدمته فكان إذا غاضبها أو ناشزته، ربما أشتد معها في خشونة المعاملة، وإذا تخالف رأياهما أرغمها على متابعته، بحق أو بدونه، وكان شأن العرب في هذين المظهرين متفاوتاً بحسب تفاوتهم في الحضارة والبداوة، وتفاوت أفرادهم في الكياسة والجلافه، وتفاوت حال نسائهم في الاستسلام والإباء والشرف وخلافه. روى البخاري عن عمر بن الخطاب أنه قال: "كنا معشر قريش نغلب النساء فلما قدمنا على الأنصار إذا قومٌ تغلبهم نساؤهم فطفِق نساؤنا يأخذن من أدب الأنصار فصخبتُ علَى امرأتي فراجعتْني فأنكرتُ أن تراجعني قالت: ولِمَ تنكرُ أَن أراجعك فوالله إن أزواج النبي ليراجعنه وإن إحداهن لتهجره اليوم حتى الليل فراعني ذلك وقلت: قد خابت من فعلت ذلك منهن ثم جمعت عليَّ ثيابي فنزلت فدخلت على حفصة فقلت لها: أَيْ حفصةُ أتغاضب إحداكن النبي اليوم حتى الليل؟ قالت: نعم فقلت: قد خبتتِ وخسرتِ" الحديث. وفي رواية عن ابن عباس عنه «كنا في الجاهلية لا نعد النساء شيئاً فلما جاء الإسلام، وذكَرَهُن الله رأَينا لهن بذلك علينا حقاً من غير أن ندخلهن في شيء من أمورنا» ويتعين أن يكون هذا الكلام صدراً لما في الرواية الأخرى وهو قوله: «كنا معشر قريش نغلب النساء» إلى آخره، فدل على أن أهل مكة كانوا أشد من أهل المدينة في معاملة النساء. وأحسب أن سبب ذلك أن أهل المدينة كانوا من أزد اليمن، واليمن أقدم بلاد العرب حضارة، فكانت فيهم رقة زائدة. وفي الحديث « حديث : جاءكم أهل اليمن هم أرق أفئدة وألين قلوباً، الإيمانُ يَمَانٍ والحكمةُ يَمَانية » تفسير : وقد سمى عمر بن الخطاب ذلك أدباً فقال: فطفِق نساؤنا يأخذْن من أدب الأنصار. وكانوا في الجاهلية إذا مات الرجل كان أولياؤه أحق بامرأته، إن شاء بعضهم تزوجها إذا حلت له، وإن شاءوا، زوجوها بمن شاؤا وإن شاءوا لم يزوجوها فبقيت بينهم، فهم أحق بذلك فنزلت آية: { أية : يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرهاً } تفسير : [النساء: 19]. وفي حديث الهجرة أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة مع أصحابه، وآخى بين المهاجرين والأنصار، آخى بين عبد الرحمن بن عوف وبين سعد ابن الربيع الأنصاري، فعَرض سعد بن الربيع على عبد الرحمن أن يناصفه ماله وقال له «انظر أي زوجتيَّ شئتَ أنْزِلْ لك عنها» فقال عبد الرحمن «بارك الله لك في أهلك ومالك» الحديث. فلما جاء الإسلام بالإصلاح، كان من جملة ما أصلحه من أحوال البشر كافة، ضبط حقوق الزوجين بوجه لم يبق معه مدخل للهضيمة حتى الأشياءُ التي قد يخفى أمرها قد جُعل لهَا التحكيم قال تعالى: { أية : وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكماً من أهله وحكماً من أهلها إن يريداً إصلاحاً يوفق الله بينهما } تفسير : [النساء: 35] وهذا لم يكن للشرائع عهد بمثله. وأول إعلان هذا العدل بين الزوجين في الحقوق، كان بهاته الآية العظيمة، فكانت هذه الآية من أول ما أنزل في الإسلام. والمثل أصله النظير والمشابه، كالشبه والمثل، وقد تقدم ذلك في قوله تعالى: { أية : مثلهم كمثل الذي استوقد ناراً } تفسير : [البقرة: 17]،وقد يكون الشيء مثلاً لشيء في جميع صفاته وقد يكون مثلاً له في بعض صفاته. وهي وجه الشبه. فقد يكون وجه المماثلة ظاهراً فلا يحتاج إلى بيانه، وقد يكون خفياً فيحتاج إلى بيانه، وقد ظهر هنا أنه لا يستقيم معنى المماثلة في سائر الأحوال والحقوق: أجناساً أو أنواعاً أو أشخاصاً؛ لأن مقتضى الخلقة، ومقتضى المقصد من المرأة والرجل، ومقتضى الشريعة، التخالف بين كثير من أحوال الرجال والنساء في نظام العمران والمعاشرة. فلا جرم يعلم كل السامعين أن ليست المماثلة في كل الأحوال، وتعين صرفها إلى معنى المماثلة في أنواع الحقوق على إجمال تبينه تفاصيل الشريعة، فلا يتوهم أنه إذا وجب على المرأة أن تقم بيت زوجها، وأن تجهز طعامه، أنه يجب عليه مثل ذلك، كما لا يتوهم أنه كما يجب عليه الإنفاق على امرأته أنه يجب على المرأة الإنفاق على زوجها بل كما تقم بيته وتجهز طعامه يجب عليه هو أن يحرس البيت وأن يحضر لها المعجنة والغربال، وكما تحضن ولده يجب عليه أن يكفيها مؤنة الارتزاق كي لا تهمل ولده، وأن يتعهده بتعليمه وتأديبه، وكما لا تتزوج عليه بزوج في مدة عصمته، يجب عليه هو أن يعدل بينها وبين زوجة أخرى حتى لا تحس بهضيمة فتكون بمنزلة من لم يتزوج عليها، وعلى هذا القياس فإذا تأتَّت المماثلة الكاملة فتُشْرَعَ، فعلى المرأة أن تحسن معاشرة زوجها، بدليل ما رتب على حكم النشوز، قال تعالى: { أية : واللاتي تخافون نشوزهن } تفسير : [النساء: 34] وعلى الرجل مثل ذلك قال تعالى: { أية : وعاشروهن بالمعروف } تفسير : [النساء: 19] وعليها حفظ نفسها عن غيره ممن ليس بزوج، وعليه مثل ذلك عمن ليست بزوجة {أية : قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم} تفسير : [النور: 30] ثم قال: { أية : وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن } تفسير : [النور: 30] الآية { أية : والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم } تفسير : [المؤمنون: 5 ــــ 6] إلاّ إذا كانت له زوجة أخرى فلذلك حكم آخر، يدخل تحت قوله تعالى: {وللرجال عليهن درجة والمماثلة في بعث الحكمين، والمماثلة في الرعاية، ففي الحديث: الرجل راع على أهله والمرأة راعية في بيت زوجها، والمماثلة في التشاور في الرضاع، قال تعالى: { أية : فإن أرادا فصالاً عن تراض منهما وتشاور } تفسير : [البقرة: 233] { أية : وأتمروا بينكم بمعروف } تفسير : [الطلاق: 6]. وتفاصيل هاته المماثلة، بالعين أو بالغاية، تؤخذ من تفاصيل أحكام الشريعة، ومرجعها إلى نفي الإضرار، وإلى حفظ مقاصد الشريعة من الأمة، وقد أومأ إليها قوله تعالى: {بالمعروف} أي لهن حق متلبساً بالمعروف، غير المنكر، من مقتضى الفطرة، والآداب، والمصالح، ونفي الإضرار، ومتابعة الشرع. وكلها مجال أنظار المجتهدين. ولم أر في كتب فروع المذاهب تبويباً لأبواب تجمع حقوق الزوجين. وفي «سنن أبي داود»، و«سنن ابن ماجه»، بابان أحدهما لحقوق الزوج على المرأة، والآخر لحقوق الزوج على الرجل، باختصار كانوا في الجاهلية يعدون الرجل مولى للمرأة فهي ولية كما يقولون، وكانوا لا يدخرونها تربية، وإقامة وشفقة، وإحساناً، واختيار مصير، عند إرادة تزويجها، لما كانوا حريصين عليه من طلب الأكفاء، بيد أنهم كانوا مع ذلك لا يرون لها حقاً في مطالبة بميراث ولا بمشاركة في اختيار مصيرها، ولا بطلب ما لها منهم، وقد أشار الله تعالى إلى بعض أحوالهم هذه في قوله: { أية : وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء التي لا تؤتونهن ما كتب لهن } تفسير : [النساء: 127] وقال: { أية : فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن } تفسير : [البقرة: 232] فحدد الله لمعاملات النساء حدوداً، وشرع لهن أحكاماً، قد أعلنتها على الإجمال هذه الآية العظيمة، ثم فصلتها الشريعة تفصيلاً، ومن لطائف القرآن في التنبيه إلى هذا عطف المؤمنات على المؤمنين عند ذكر كثير من الأحكام أو الفضائل، وعطف النساء على الرجال. وقوله: {بالمعروف} الباء للملابسة، والمراد به ما تعرفه العقول السالمة، المجردة من الانحياز إلى الأهواء، أو العادات أو التعاليم الضالة، وذلك هو الحسن وهو ما جاء به الشرع نصاً أو قياساً، أو اقتضته المقاصد الشرعية أو المصلحة العامة، التي ليس في الشرع ما يعارضها. والعرب تطلق المعروف على ما قابل المنكر أي وللنساء من الحقوق مثل الذي عليهن ملابساً ذلك دائماً للوجه غير المنكر شرعاً وعقلاً، وتحت هذا تفاصيل كبيرة تؤخذ من الشريعة، وهي مجال لأنظار المجتهدين. في مختلف العصور والأقطار. فقول من يرى أن البنت البكر يجبرها أبوها على النكاح، قد سلبها حق المماثلة للابن، فدخل ذلك تحت الدرجة، وقول من منع جبرها وقال لا تزوج إلاّ برضاها قد أثبت لها حق المماثلة للذكر، وقول من منع المرأة من التبرع بما زاد على ثلاثها ألا بإذن زوجها قد سلبها حق المماثلة للرجل، وقول من جعلها كالرجل في تبرعها بما لها قد أثبت لها حق المماثلة للرجل، وقول من جعل للمرأة حق الخيار في فراق زوجها إذا كانت به عاهة قد جعل لها حق المماثلة وقول من لم يجعل لها ذلك قد سلبها هذا الحق. وكل ينظر إلى أن ذلك من المعروف أو من المنكر. وهذا الشأن في كل ما أجمع عليه المسلمون من حقوق الصنفين، وما اختلفوا فيه من تسوية بين الرجل والمرأة، أو من تفرقة، كل ذلك منظور فيه إلى تحقيق قوله تعالى: {بالمعروف} قطعاً أو ظناً فكونوا من ذلك بمحل التيقظ، وخُذوا بالمعنى دون التلفظ. ودين الإسلام حري بالعناية بإصلاح شأن المرأة، وكيف لا وهي نصف النوع الإنساني، والمربية الأولى، التي تفيض التربية السالكة إلى النفوس قبل غيرها، والتي تصادف عقولاً لم تمسها وسائل الشر، وقلوباً لم تنفذ إليها خراطيم الشيطان. فإذا كانت تلك التربية خيراً، وصدقاً، وصواباً، وحقاً، كانت أول ما ينتقش في تلك الجواهر الكريمة، وأسبق ما يمتزج بتلك الفطر السليمة، فهيأت لأمثالها، من خواطر الخير، منزلاً رحباً، ولم تغادر لأغيارها من الشرور كرامة ولا حباً. ودين الإسلام دين تشريع ونظام، فلذلك جاء بإصلاح حال المرأة، ورفع شأنها لتتهيأ الأمة الداخلة تحت حكم الإسلام، إلى الارتقاء وسيادة العالم. وقوله: {وللرجال عليهن درجة} إثبات لتفضيل الأزواج في حقوق كثيرة على نسائهم لكيلا يظن أن المساواة المشروعة بقوله: {ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف} مطردة، ولزيادة بيان المراد من قوله {بالمعروف}، وهذا التفضيل ثابت على الإجمال لكل رجل، ويظهر أثر هذا التفضيل عند نزول المقتضيات الشرعية والعادية. وقوله: {وللرجال} خبر عن (درجة)، قدم للاهتمام بما تفيده اللام من معنى استحقاقهم تلك الدرجة، كما أشير إلى ذلك الاستحقاق في قوله تعالى: { أية : الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض } تفسير : [النساء: 34] وفي هذا الاهتمام مقصدان أحدهما دفع توهم المساواة بين الرجال والنساء في كل الحقوق، توهماً من قوله آنفاً: {ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف} وثانيهما تحديد إيثار الرجال على النساء بمقدار مخصوص، لإبطال إيثارهم المطلق، الذي كان متبعاً في الجاهلية. والرجال جمع رجل، وهو الذكر البالغ من الآدميين خاصة، وأما قولهم: امرأة رجلة الرَّأي، فهو على التشبيه أي تشبه الرجل. والدرجة ما يرتقى عليه في سلم أو نحوه، وصيغت بوزن فعلة من درج إذا انتقل على بطء ومهل، يقال: درج الصبي، إذا ابتدأ في المشي، وهي هنا استعارة للرفعة المكنَّى بها عن الزيادة في الفضيلة الحقوقية، وذلك أنه تقرر تشبيه المزية في الفضل بالعلو والارتفاع، فتبع ذلك تشبيه الأفضلية بزيادة الدرجات في سير الصاعد، لأن بزيادتها زيادة الارتفاع، ويسمون الدرجة إذا نزل منها النازل: دركة، لأنه يدرك بها المكان النازل إليه. والعبرة بالمقصد الأول، فإن كان المقصد من الدرجة الارتفاع كدرجة السلم والعلو فهي درجة وإن كان القصد النزول كدرك الداموس فهي دركة، ولا عبرة بنزول الصاعد وصعود النازل. وهذه الدرجة اقتضاها ما أودعه الله في صنف الرجال من زيادة القوة العقلية والبدنية، فإن الذكورة في الحيوان تمام في الخلقة، ولذلك نجد صنف الذكر في كل أنواع الحيوان أذكى من الأنثى، وأقوى جسماً وعزماً، وعن إرادته يكون الصدر، ما لم يعرض للخلقة عارض يوجب انحطاط بعض أفراد الصنف، وتفوق بعض أفراد الآخر نادراً، فلذلك كانت الأحكام التشريعية الإسلامية جارية على وفق النظم التكوينية، لأن واضع الأمرين واحد. وهذه الدرجة هي ما فضل به الأزواج على زوجاتهم: من الإذن بتعدد الزوجة للرجل، دون أن يؤذن بمثل ذلك للأنثى، وذلك اقتضاه التزيد في القوة الجسمية، ووفرة عدد الإناث في مواليد البشر، ومِن جعل الطلاق بيد الرجل دون المرأة، والمراجعة في العدة كذلك، وذلك اقتضاه التزيد في القوة العقلية وصدق التأمل، وكذلك جعل المرجع في اختلاف الزوجين إلى رأي الزوج في شؤون المنزل، لأن كل اجتماع يتوقع حصول تعارض المصالح فيه، يتعين أن يجعل له قاعدة في الانفصال والصدر عن رأي واحد معين من ذلك الجمع، ولما كانت الزوجية اجتماع ذاتين لزم جعل إحداهما مرجعاً عند الخلاف، ورجح جانب الرجل لأن به تأسست العائلة، ولأنه مظنة الصواب غالباً، ولذلك إذا لم يمكن التراجع، واشتد بين الزوجين النزاع، لزم تدخل القضاء في شأنهما، وترتب على ذلك بعث الحكمين كما في آية { أية : وإن خفتم شقاق بينهما } تفسير : [النساء: 35]. ويؤخذ من الآية حكم حقوق الرجال غير الأزواج بلحن الخطاب، لمساواتهم للأزواج في صفة الرجولة التي كانت هي العلة في ابتزازهم حقوق النساء في الجاهلية فلما أسست الآية حكم المساواة والتفضيل، بين الرجال والنساء الأزواج إبطالاً لعمل الجاهلية، أخذنا منها حكم ذلك بالنسبة للرجال غير الأزواج على النساء، كالجهاد وذلك مما اقتضته القوة الجسدية، وكبعض الولايات المختلف في صحة إسنادها إلى المرأة، والتفضيل في باب العدالة، وولاية النكاح والرعاية، وذلك مما اقتضته القوة الفكرية، وضعفها في المرأة وسرعة تأثرها، وكالتفضيل في الإرث وذلك مما اقتضته رئاسة العائلة الموجبة لفرط الحاجة إلى المال، وكالإيجاب على الرجل إنفاق زوجه، وإنما عدت هذه درجة، مع أن للنساء أحكاماً لا يشاركهن فيها الرجال كالحضانة، تلك الأحكام التي أشار إليها قوله تعالى: { أية : للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن } تفسير : [النساء: 32] لأن ما امتاز به الرجال كان من قبيل الفضائل. فأما تأديب الرجل المرأة إذا كانا زوجين، فالظاهر أنه شرعت فيه تلك المراتب رعياً لأحوال طبقات الناس، مع احتمال أن يكون المراد من قوله: { أية : والتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن } تفسير : [النساء: 34] أن ذلك يجريه ولاة الأمور، ولنا فيه نظر عند ما نصل إليه إن شاء الله تعالى. وقوله: {والله عزيز حكيم} العزيز: القوى، لأن العزة في كلام العرب القوة { أية : لَيُخْرِجَنَّ الأعز منها الأذل } تفسير : [المنافقون: 8]وقال شاعرهم: شعر : وإنما العزة للكاثر تفسير : والحكيم: المتقن الأمور في وضعها، من الحكمة كما تقدم. والكلام تذييل وإقناع للمخاطبين، وذلك أن الله تعالى لما شرع حقوق النساء كان هذا التشريع مظنة المتلقى بفرط التحرج من الرجال، الذين ما اعتادوا أن يسمعوا أن للنساء معهم حظوظاً، غير حظوظ الرضا والفضل والسخاء، فأصبحت لهن حقوق يأخذنها من الرجال كرهاً، إن أبَوْا، فكان الرجال بحيث يرون في هذا ثلماً لعزتهم، كما أنبأ عنه حديث عمر بن الخطاب المتقدم، فبين الله تعالى أن الله عزيز أي قوي لا يعجزه أحد، ولا يتقي أحداً، وأنه حكيم يعلم صلاح الناس، وأن عزته تؤيد حكمته فينفذ ما اقتضته الحكمة بالتشريع، والأمر الواجب امتثاله، ويحمل الناس على ذلك وإن كرهوا.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {وَٱلْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوۤءٍ}. ظاهر هذه الآية شمولها لجميع المطلقات، ولكنه بين في آيات أخر خروج بعض المطلقات من هذا العموم، كالحوامل المنصوص على أن عدتهن وضع الحمل، في قوله: {أية : وَأُوْلاَتُ ٱلأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} تفسير : [الطلاق: 4]، وكالمطلقات قبل الدخول المنصوص على أنهن لا عدة عليهن أصلاً، بقوله: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا نَكَحْتُمُ ٱلْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً}تفسير : [الأحزاب: 49]. أما اللواتي لا يحضن، لكبر أو صغر، فقد بين أن عدتهن ثلاثة اشهر في قوله: {أية : وَٱللاَّئِي يَئِسْنَ مِنَ ٱلْمَحِيضِ مِن نِّسَآئِكُمْ إِنِ ٱرْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاَثَةُ أَشْهُرٍ وَٱللاَّتِي لَمْ يَحِضْنَ} تفسير : [الطلاق: 4]. قوله تعالى: {ثَلاَثَةَ قُرُوۤءٍ} [البقرة: 228] فيه إجمال: لأن القرء يطلق لغة على الحيض، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : دعي الصلاة أيام أقرائك"تفسير : . ويطلق القرء لغة أيضاً على الطهر ومنه قول الأعشى. شعر : أفي كلِّ يومٍ أنت جاشِمُ غزوةٍ تَشُد لأقصاها عزيمَ عزائكا مورثةٍ مالاً وفي الحي رفعةٌ لِما ضاع فيها من قروء نسائكا تفسير : ومعلوم أن القرء الذي يضيع على الغازي من نسائه هو الطهر دون الحيض، وقد اختلف العلماء في المراد بالقروء في هذه الآية الكريمة، هل هو الأطهار أو الحيضات؟ وسبب الخلاف اشتراك القرء بين الطهر والحيض كما ذكرنا، وممن ذهب إلى أن المراد بالقرء في الآية الطهر، مالك، والشافعي، وأم المؤمنين عائشة، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن عمر، والفقهاء السبعة، وأبان بن عثمان، والزهري، وعامة فقهاء المدينة، وهو رواية عن أحمد، وممن قال: بأن القروء الحيضات، الخلفاء الراشدون الأربعة، وابن مسعود، وأبو موسى، وعبادة بن الصامت، وأبو الدرداء، وابن عباس، ومعاذ بن جبل، وجماعة من التابعين وغيرهم، وهو الرواية الصحيحة عن أحمد. واحتج كل من الفريقين بكتاب وسنة، وقد ذكرنا في ترجمة هذا الكتاب أننا في مثل ذلك نرجح ما يظهر لنا أن دليله أرجح، أما الذين قالوا: القروء: الحيضات، فاحتجوا بأدلة كثيرة منها قوله تعالى: {أية : وَٱللاَّئِي يَئِسْنَ مِنَ ٱلْمَحِيضِ مِن نِّسَآئِكُمْ إِنِ ٱرْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاَثَةُ أَشْهُرٍ وَٱللاَّتِي لَمْ يَحِضْنَ} تفسير : [الطلاق: 4]. قالوا فترتيب العدة بالأشهر على عدم الحيض يدل على أن أصل العدة بالحيض، والأشهُر بدل من الحيضات عند عدمها، واستدلّوا أيضاً بقوله: {وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ فِيۤ أَرْحَامِهِنَّ} [البقرة: 228]. قالوا هو الولد، أو الحيض، واحتجوا بحديث "حديث : دعي الصلاة أيام أقرائك" تفسير : قالوا: إنه صلى الله عليه وسلم هو مبين الوحي وقد أطلق القرء على الحيض، فدل ذلك على أنه المراد في الآية، واستدلوا بحديث اعتداد الأمة بحيضتين، وحديث استبرائها بحيضة. وأما الذين قالوا القروء الأطهار، فاحتجوا بقوله تعالى: {أية : فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} تفسير : [الطلاق: 1] قالوا: عدتهن المأمور بطلاقهن لها الطهر لا الحيض كما هو صريح الآية، ويزيده إيضاحاً قوله صلى الله عليه وسلم، في حديث ابن عمر المتفق عليه: "حديث : فإن بدا له أن يطلقها فليطلقها طاهراً قبل أن يمسها، فتلك العدَّة كما أمر الله"تفسير : . قالوا إن النَّبي صلى الله عليه وسلم صرح في هذا الحديث المتفق عليه، بأن الطهر هو العدة التي أمر الله أن يطلق لها النساء، مبيناً أن ذلك هو معنى قوله تعالى: {أية : فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} تفسير : [الطلاق: 1] وهو نصٌّ من كتاب الله وسنة نبيه في محل النزاع. قال مقيده - عفا الله عنه-: الذي يظهر لي أن دليل هؤلاء هذا، فصل في محل النزاع. لأن مدار الخلاف هل القروء الحيضات أو الأطهار؟ وهذه الآية، وهذا الحديث، دلا على أنها الأطهار. ولا يوجد في كتاب الله، ولا سنة نبيه صلى الله عليه وسلم شيء يقاوم هذا الدليل، لا من جهة الصحة، ولا من جهة الصراحة في محل النزاع. لأنه حديث متفق عليه مذكور في معرض بيان معنى آية من كتاب الله تعالى. وقد صرح فيه النَّبي صلى الله عليه وسلم، بأن الطهر هو العدة مبيناً أن ذلك هو مراد الله جل وعلا، بقوله: {أية : فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ}تفسير : [الطلاق: 1] فالإشارة في قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : فتلك العدة"تفسير : ، راجعة إلى حال الطهر الواقع فيه الطلاق. لأن معنى قوله "فليطلقها طاهراً" أي: في حال كونها طاهراً، ثم بين أن ذلك الحال الذي هو الطهر هو العدة مصرحاً بأن ذلك هو مراد الله في كتابه العزيز، وهذا نص صريح في أن العدة بالطهر. وأنث الإشارة لتأنيث الخبر، ولا تخلص من هذا الدليل لمن يقول هي الحيضات إلا إذا قال العدة غير القروء، و النزاع في خصوص القروء كما قال بهذا بعض العلماء. وهذا القول يرده إجماع أهل العرف الشرعي، وإجماع أهل اللسان العربي، على أن عدة من تعتد بالقروء هي نفس القروء لا شيء آخر زائد على ذلك. وقد قال تعالى: {أية : وَأَحْصُواْ ٱلْعِدَّةَ} تفسير : [الطلاق: 1] وهي زمن التربص إجماعاً، وذلك هو المعبر عنه بثلاثة قروء التي هي معمول قوله تعالى: {يَتَرَبَّصْنَ} [البقرة: 228] في هذه الآية فلا يصح لأحد أن يقول: إن على المطلقة التي تعتد بالأقراء شيئاً يسمى العدة. زائداً على ثلاثة القروء المذكورة في الآية الكريمة البتة، كما هو معلوم. وفي القاموس: وعدة المرأة أيام أقرائها، وأيام إحدادها على الزوج، وهو تصريح منه بأن العدة هي نفس القروء لا شيء زائد عليها، وفي اللسان: وعدة المرأة أيام أقرائها، وعدتها أيضاً أيام إحدادها على بعلها، وإمساكها عن الزينة. شهوراً كان أو أقراء أو وضع حمل حملته من زوجها. فهذا بيان بالغ من الصحة والوضوح والصراحة في محل النزاع، ما لا حاجة معه إلى كلام آخر، وتؤيده قرينة زيادة التاء في قوله: {ثَلاَثَةَ قُرُوۤءٍ} [البقرة: 228] لدلالتها على تذكير المعدود وهو الأطهار. لأنها مذكرة والحيضات مؤنثة. وجواب بعض العلماء عن هذا بأن لفظ القرء مذكر ومسماه مؤنث وهو الحيضة، وأن التاء إنما جيء بها مراعاة للفظ وهو مذكر لا للمعنى المؤنث. يقال فيه: إن اللفظ إذا كان مذكراً، ومعناه مؤنثاً، لا تلزم التاء في عدده، بل تجوز فيه مراعاة المعنى، فيجرَّد العدد من التاء كقول عمر بن أبي ربيعة المخزومي: شعر : وكان مجني دون من كنت أتقي ثلاث شخوض كاعبان ومعصر تفسير : فجرد لفظ الثلاث من التاء. نظراً إلى أن مسمى العدد نساء، مع أن لفظ الشخص الذي أطلقه على الأنثى مذكر، وقول الآخر: شعر : وإن كلاباً هذه عشر أبطن وأنت بريء من قبائلها العشر تفسير : فجرد العدد من التاء مع أن البطن مذكر. نظراً إلى معنى القبيلة، وكذلك العكس كقوله: شعر : ثلاثة أنفسٍ وثلاث ذود لقد عال الزمان على عيالي تفسير : فإنه قد ذكر لفظ الثلاثة مع أن الأنفس مؤنثة لفظاً. نظراً إلى أن المراد بها أنفس ذكور، وتجوز مراعاة اللفظ فيجرد من التاء في الأخير وتلحقه التاء في الأول ولحوقها إذن مطلق احتمال، ولا يصح الحمل عليه دون قرينة تعينه، بخلاف عدد المذكر لفظاً ومعنى، كالقرء بمعنى الطهر فلحوقها له لازم بلا شك، واللازم الذي لا يجوز غيره أولى بالتقديم من المحتمل الذي يجوز أن يكون غيره بدلاً عنه ولم تدل عليه قرينة كما ترى. فإن قيل: ذكر بعض العلماء أن العبرة في تذكير واحد المعدود وتأنيثه إنما هي باللفظ، ولا تجوز مراعاة المعنى إلا إذا دلت عليه قرينة، أو كان قصد ذلك المعنى كثيراً، والآية التي نحن بصددها ليس فيها أحد الأمرين، قال الأشموني في شرح قول ابن مالك: شعر : ثلاثة بالتاء قل للعشره في عد ما آحاده مذكَّره تفسير : في الضد جرد إلخ... ما نصه: الثاني اعتبار التأنيث في واحد المعدود إن كان اسماً فبلفظه، تقول: ثلاثة أشخص، قاصداً نسوة، وثلاث أعين قاصداً رجال. لأن لفظ شخص مذكر، ولفظ عين مؤنث هذا ما لم يتصل بالكلام ما يقوي المعنى: أو يكثر فيه قصد المعنى. فإن اتصل به ذلك جاز مراعاة المعنى، فالأول كقوله: ثلاث شخوص كاعبان ومعصر. وكقوله وإن كلاباً.. البيت. والثاني كقوله: ثلاثة أنفس وثلاث ذود: اهـ منه. وقال الصبان في حاشيته عليه: وبما ذكره الشارح يرد ما استدل به بعض العلماء في قوله تعالى: {ثَلاَثَةَ قُرُوۤءٍ} [البقرة: 228]. {أية : بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ} تفسير : [النور: 4] على أن الأقراء الأطهار لا الحيض، وعلى أن شهادة النساء غير مقبولة. لأن الحيض جمع حيضة: فلو أريد الحيض لقيل ثلاث، ولو أريد النساء لقيل بأربع. ووجه الرد أن المعتبر هنا اللفظ، ولفظ قرء وشهيد مذكرين، منه بلفظه. فالجواب، والله تعالى أعلم، أن هذا خلاف التحقيق، والذي يدل عليه استقراء اللغة العربية جواز مراعاة المعنى مطلقاً، وجزم بجواز مراعاة المعنى في لفظ العدد ابن هشام، نقله عنه السيوطي، بل جزم صاحب التسهيل وشارحه الدماميني: بأن مراعاة المعنى في واحد المعدود متعينة. قال الصبان في حاشيته ما نصه: قوله: فبلفظه ظاهره أن ذلك على سبيل الوجوب، ويخالفه ما نقله السيوطي عن ابن هشام وغيره من أن ما كان لفظه مذكراً، ومعناه مؤنثاً، أو بالعكس، فإنه يجوز فيه وجهان اهـ. ويخالفه أيضاً ما في التسهيل وشرحه للدماميني. وعبارة التسهيل تحذف تاء الثلاثة وأخواتها، إن كان واحد المعدودات مؤنث المعنى حقيقة أو مجازاً. قال الدماميني: استفيد منه أن الاعتبار في الواحد بالمعنى لا باللفظ. فلهذا يقال ثلاثة طلحات. ثم قال في التسهيل: وربما أُول مذكر بمؤنث، ومؤنث بمذكر، فجيء بالعدد على حسب التأويل، ومثل الدماميني الأول بنحو ثلاث شخوص، يريد نسوة، وعشر أبطن، يريد قبائل. والثاني بنحو ثلاثة أنفس، أي أشخاص، وتسعة وقائع، أي مشاهد، فتأمل. انتهى منه بلفظه. وما جزم به صاحب التسهيل وشارحه، من تعين مراعاة المعنى، يلزم عليه تعين كون القرء في الآية هو الطهر كما ذكرنا. وفي حاشية الصبان أيضاً ما نصه: قوله: جاز مراعاة المعنى في التوضيح أن ذلك ليس قياسياً، وهو خلاف ما تقدم عن ابن هشام وغيره، من أن ما كان لفظه مذكراً، ومعناه مؤنثاً، أو بالعكس، يجوز فيه وجهان، أي ولو لم يكن هناك مرجح للمعنى، وهو خلاف ما تقدم عن لتسهيل. وشرحه أن العبرة بالمعنى، فتأمل اهـ منه. وأما الاستدلال على أنها الحيضات بقوله تعالى: {أية : وَٱللاَّئِي يَئِسْنَ مِنَ ٱلْمَحِيضِ} تفسير : [الطلاق: 4] الآية - فيقال فيه إنه ليس في الآية ما يعين أن القروء الحيضات، لأن الأقراء لا تقال في الأطهار إلا في الأطهار التي يتخللها حيض، فإن عدم الحيض عدم معه اسم الأطهار، ولا مانع إذن من ترتيب الاعتداد بالأشهر على عدم الحيض مع كون العدة بالطهر. لأن الطهر المراد يلزمه وجود الحيض وإذا انتفى اللازم انتفى الملزوم، فانتفاء الحيض يلزمه انتفاء الأطهار فكأن العدة بالأشهر مرتبة أيضاً على انتفاء الأطهار، المدلول عليه بانتفاء الحيض. وأما الاستدلال بآية {وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ فِيۤ أَرْحَامِهِنَّ} [البقرة: 228] فهو ظاهر السقوط. لأن كون القروء الأطهار لا يبيح للمعتدة كتم الحيض. لأن العدة بالأطهار لا تمكن إلا بتخلل الحيض لها. فلو كتمت الحيض لكانت كاتمة انقضاء الطهر، ولو ادعت حيضاً لم يكن، كانت كاتمة. لعدم انقضاء الطهر كما هو واضح. وأما الاستدلال بحديث "حديث : دعي الصَّلاة ايام أقرائك" تفسير : فيقال فيه: إنه لا دليل في الحديث ألبتة على محل النزاع. لأنه لا يفيد شيئاً زائداً على أن القرء يطلق على الحيض. وهذا مما لا نزاع فيه. أما كونه يدل على منع إطلاق القرء في موضع آخر على الطهر فهذا باطل بلا نزاع، ولا خلاف بين العلماء القائلين: بوقوع الاشتراك في: أن إطلاق المشترك على أحد معنييه في موضع، لا يفهم منه منع إطلاقه على معناه الآخر في موضع آخر. ألا ترى أن لفظ العين مشترك بين الباصرة والجارية مثلاً، فهل تقول إن إطلاقه تعالى لفظ العين على الباصرة في قوله: {أية : وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَآ أَنَّ ٱلنَّفْسَ بِٱلنَّفْسِ وَٱلْعَيْنَ بِٱلْعَيْنِ} تفسير : [المائدة: 45] الآية - يمنع إطلاق العين في موضع آخر على الجارية، كقوله: {أية : فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ} تفسير : [الغاشية: 12]. والحق الذي لا شك فيه أن المشترك يطلق على كل واحد من معنييه، أو معانيه في الحال المناسبة لذلك، والقرء في حديث "حديث : دعي الصَّلاة أيَّام أقرائك" تفسير : مناسب للحيض دون الطهر. لأن الصلاة إنما تترك في وقت الحيض دون وقت الطهر. ولو كان إطلاق المشترك على أحد معنييه، يفيد منع إطلاقه على معناه الآخر في موضع آخر، لم يكن في اللغة اشتراك أصلاً. لأنه كل ما أطلقه على أحدهما منع إطلاقه له على الآخر، فيبطل اسم الاشتراك من أصله مع أنا قدمنا تصريح النَّبي صلى الله عليه وسلم في حديث ابن عمر المتفق عليه بأن الطهر هو العدة وكل هذا على تقدير صحة حديث "حديث : دعي الصَّلاة أيام أقرائك"تفسير : . لأن من العلماء من ضعفه، ومنهم من صححه. والظاهر أن بعض طرقه لا يقل عن درجة القبول، إلا أنه لا دليل فيه لمحل النزاع. ولو كان فيه لكان مردوداً بما هو أقوى منه وأصرح في محل النزاع، وهو ما قدمنا. وكذلك اعتداد الأمة بحيضتين على تقدير ثبوته عنه صلى الله عليه وسلم، لا يعارض ما قدمنا. لأنه أصح منه وأصرح في محل النزاع. واستبراؤها بحيضة مسالة اخرى. لأن الكلام في العدة لا في الاستبراء. ورد بعض العلماء الاستدلال بالآية والحديث الدالين على أنها الأطهار، بأن ذلك يلزمه الاعتداد بالطهر الذي وقع فيه الطلاق كما عليه جمهور القائلين: بأن القروء: الأطهار فيلزم عليه كون العدة قرءين وكسراً من الثالث، وذلك خلاف ما دلت عليه الآية من أنها ثلاثة قروء كاملة مردود بأن مثل هذا لا تعارض به نصوص الوحي الصريحة، وغاية ما في الباب إطلاق ثلاثة قروء على اثنين وبعض الثالث. ونظيره قوله {أية : ٱلْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ}تفسير : [البقرة: 197] والمراد شهران وكسر. وادعاء أن ذلك ممنوع في أسماء العدد يقال فيه: إن النَّبي صلى الله عليه وسلم هو الذي ذكر أن بقية الطهر الواقع فيه الطلاق عدة. مبيناً أن ذلك مراد الله في كتابه، وما ذكره بعض أجلاء العلماء - رحمهم الله - من أن الآية والحديث المذكورين يدلان على أن الأقراء الحيضات بعيد جداً من ظاهر اللفظ كما ترى. بل لفظ الآية والحديث المذكورين صريح في نقيضه، هذا هو ما ظهر لنا في هذه المسألة والله تعالى أعلم، ونسبة العلم إليه أسلم. قوله تعالى: {وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوۤاْ إِصْلاَحاً}. ظاهر هذه الآية الكريمة أن أزواج كل المطلقات أحق بردهن، لا فرق في ذلك بين رجعية وغيرها. ولكنه أشار في موضع آخر إلى أن البائن لا رجعة له عليها، وذلك في قوله تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا نَكَحْتُمُ ٱلْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا} تفسير : [الأحزاب: 49]. وذلك لأن الطلاق قبل الدخول بائن، كما أنه أشار هنا إلى أنها إذا بانت بانقضاء العدة لا رجعة له عليها، وذلك في قوله تعالى: {وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ} [البقرة: 228]. لأن الإشارة بقوله: {ذَلِكَ} راجعة إلى زمن العدة المعبر عنه في الآية بثلاثة قروء. واشترط هنا في كون بعولة الرجعيات أحق بردهن إرادتهم الإصلاح بتلك الرجعة، في قوله: {إِنْ أَرَادُوۤاْ إِصْلاَحاً} [البقرة: 228] ولم يتعرض لمفهوم هذا الشرط هنا، ولكنه صرح في مواضع أخر: أن زوج الرجعية إذا ارتجعها لا بنية الإصلاح بل بقصد الإضرار بها. لتخالعه أو نحو ذلك، أن رجعتها حرام عليه، كما هو مدلول النهي في قوله تعالى: {أية : وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَاراً لِّتَعْتَدُواْ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلاَ تَتَّخِذُوۤاْ آيَاتِ ٱللَّهِ هُزُواً} تفسير : [البقرة: 231]. فالرجعة بقصد الإضرار حرام إجماعاً، كما دل عليه مفهوم الشرط المصرح به في قوله {أية : وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَاراً} تفسير : [البقرة: 231] الآية وصحة رجعته حينئذ باعتبار ظاهر الأمر، فلو صرح للحاكم بأنه ارتجعها بقصد الضرر، لأبطل رجعته كما ذكرنا، والعلم عند الله تعالى. قوله تعالى: {وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ}. لم يبين هنا ما هذه الدرجة التي للرجال على النساء، ولكنه أشار لها في موضع آخر وهو قوله تعالى: {أية : ٱلرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى ٱلنِّسَآءِ بِمَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَآ أَنْفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ} تفسير : [النساء: 34] فأشار إلى أن الرجل أفضل من المرأة. وذلك لأن الذكورة شرف وكمال والأنوثة نقص خلقي طبيعي، والخلق كأنه مجمع على ذلك. لأن الأنثى يجعل لها جميع الناس أنواع الزينة والحلي، وذلك إنما هو لجبر النقص الخلقي الطبيعي الذي هو الأنوثة، بخلاف الذكر فجمال ذكورته يكفيه عن الحلي ونحوه. وقد أشار تعالى إلى نقص المرأة وضعفها الخلقيين الطبيعيين، بقوله: {أية : أَوَمَن يُنَشَّأُ فِي ٱلْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي ٱلْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ} تفسير : [الزخرف: 18]. لأن نشأتها في الحلية دليل على نقصها المراد جبره، والتغطية عليه بالحلي كما قال الشاعر: شعر : وما الحلي إلا زينة من نقيصة يتمم من حسن إذا الحسن قصرا وأما إذا كان الجمال موفراً كحسنك لم يحتج إلى أن يزورا تفسير : ولأن عدم إبانتها في الخصام إذا ظلمت دليل على الضعف الخلقي، كما قال الشاعر: شعر : بنفسي وأهلي من إذا عرضوا له ببعض الأذى لم يدر كيف يجيب فلم يعتذر عذر البرئ ولم تزل به سكتة حتى يقال مريب تفسير : ولا عبرة بنوادر النساء. لأن النادر لا حكم له. وأشار بقوله {أية : وَبِمَآ أَنْفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ} تفسير : [النساء: 34] إلى أن الكامل في وصفه وقوته وخلقته يناسب حاله، أن يكون قائماً على الضعيف الناقص خلقة. ولهذه الحكمة المشار إليها جعل ميراثه مضاعفاً على ميراثها. لأن من يقوم على غيره مترقت للنقص، ومن يقوم عليه غيره مترقب للزيادة، وإيثار مترقب النقص على مترقب الزيادة ظاهر الحكمة. كما أنه أشار إلى حكمة كون الطلاق بيد الرجل دون إذن المرأة بقوله {أية : نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ} تفسير : [البقرة: 223]: لأن من عرف أن حقله غير مناسب للزراعة لا ينبغي أن يرغم على الازدراع في حقل لا يناسب الزراعة. ويوضح هذا لمعنى أن آلة الازدراع بيد الرجل، فلو أكره على البقاء مع من لا حاجة له فيها حتى ترضى بذلك، فإنها إن أرادت أن تجامعه لا يقوم ذكره، ولا ينتشر إليها، فلم تقدر على تحصيل النسل منه، الذي هو أعظم الغرض من النكاح بخلاف الرجل، فإنه يولدها وهي كارهة كما هو ضروري.
الواحدي
تفسير : {والمطلقات} أَيْ: المُخلَّيات من حبال الأزواج. يعني: البالغات المدخول بهنَّ غير الحوامل؛ لأنَّ في الآية بيان عدتهنَّ {يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء} أَيْ: ثلاثة أطهار، يعني: ينتظرن انقضاء مدة ثلاثة أطهارٍ حتى تمرَّ عليهن ثلاثة أطهارٍ، وقيل: ثلاث حيضٍ. {ولا يحلُّ لهنَّ أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهنَّ} يعني: الولد؛ ليبطلن حقَّ الزوج من الرَّجعة {إن كنَّ يؤمنَّ بالله واليوم الآخر} وهذا تغليظٌ عليهنَّ في إِظهار ذلك {وبعولتهن} أَيْ: أزواجهنَّ {أحقُّ بردهنَّ} بمراجعتهنَّ {في ذلك} في الأجل الذي أُمرْنَ أن يتربصن فيه {إن أرادوا إصلاحاً} لا إضراراً {ولهنَّ مثل الذي عليهن بالمعروف} أَيْ: للنِّساء على الرَّجال مثلُ الذي للرِّجال عليهنَّ من الحقِّ بالمعروف، أَيْ: بما أمر الله من حقِّ الرَّجل على المرأة {وللرجال عليهن درجة} يعني: بما ساقوا من المهر، وأنفقوا من المال {والله عزيز حكيم} يأمر كما أراد ويمتحن كما أحبَّ. {الطلاق مرتان} كان طلاقُ الجاهلية غير محصورٍ بعددٍ، فحصر الله الطلاق بثلاثٍ، فذكر في هذه الآية طلقتين، وذكر الثَّالثة في الآية الأخرى، وهي قوله: {فإن طلقها فلا تحلُّ له من بعد...} الآية، وقيل: المعنى في الآية: الطَّلاق الذي يُملك فيه الرَّجعة مرَّتان. {فإمساك بمعروف} يعني: إذا راجعها بعد الطَّلقتين فعليه إمساكٌ بما أمر الله تعالى {أو تسريحٌ بإحسان} وهو أَنْ يتركها حتى تَبِينَ بانقضاء العِدَّة، ولا يراجعها ضراراً {ولا يحلُّ لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئاً} لا يجوز للزَّوج أن يأخذ من امرأته شيئاً ممَّا أعطاها من المهر ليطلِّقها إلاَّ في الخُلع، وهو قوله: {إلاَّ أن يخافا} أيْ: يعلما {ألا يُقيما حدود الله} والمعنى: إنَّ المرأة إذا خافت أن تعصي الله في أمر زوجها بُغضاً له، وخاف الزَّوج إذا لم تطعه امرأته أن يعتدي عليها حلَّ له أن يأخذ الفدية منها إذا دعت إلى ذلك {فإنْ خفتم} أيُّها الولاة والحكَّام {ألا يقيما حدود الله} يعني: الزَّوجين {فلا جناح عليهما فيما افتدت به} المرأة، لا جُناح عليها فيما أعطته، ولا على الرَّجل فيام أخذ {تلك حدود الله} يعني: ما حدَّه من شرائع الدِّين. {فإن طلقها} يعني: الزوج المُطلِّق اثنتين {فلا تحلُّ له} المطلَّقة ثلاثاً {من بعد} أَيْ: من بعد التَّطليقة الثَّالثة {حتى تنكح زوجاً غيره} غير المُطلِّق [ويجامعها] {فإن طلقها} أَيْ: الزَّوج الثَّاني {فلا جناح عليهما أن يتراجعا} بنكاحٍ جديدٍ {إن ظنا} أَيْ: علما وأيقنا {أن يقيما حدود الله} ما بيَّن الله من حقِّ أحدهما على الآخر.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 228- وعلى المطلقات أن ينتظرن دون التطلع إلى زواج يستأنف مدة ثلاث حيضات، استبراء للرحم، وفسحة لاحتمال المراجعة، ولا يحل لهنَّ أن يكتمن ما يكون فى أرحامهن من جنين أو دم حيض، وذلك شأن المؤمنات بالله ولقائه فى اليوم الآخر، وأزواجهن لهم الحق فى إرجاعهن للزوجية ثانياً مدة العدة، وعلى الأزواج عند استعمال هذا الحق أن يقصدوا إلى الإصلاح لا المضرة، وللزوجات من الحقوق مثل ما عليهن من الواجبات بما لا ينكره الشرع الشريف، وللرجال عليهن درجة الرعاية والمحافظة على الحياة الزوجية وشئون الأولاد والله سبحانه فوق عباده يشرع لهم ما يتفق مع الحكمة.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: المطلقات: جمع مطلقة وهي المرأة تسوء عشرتها فيطلقها زوجها أو القاضي. يتربصن: ينتظرن. قروء: القرء إما مدة الطهر، و مدة الحيض. ما خلق الله في أرحامهن: من الأجنّة فلا يحل للمطلقة أن تكتم ذلك. وبعولتهن: أزواجهن واحد البعولة: بَعْلٌ كفحل ونخل. بردهن في ذلك: أي في مدة التربص والإنتظار. ولهن مثل الذي عليهن: يريد على الزوجة حقوق لزوجها، ولها حقوق على زوجها. وللرجال عليهن درجة: هي درجة القوامة أن الرجل شرعا هو القيم على المرأة. معنى الآية الكريمة: بمناسبة طلاق المؤلى إن أصر على عدم الفيئة ذكر تعالى في هذه الآية {وَٱلْمُطَلَّقَاتُ} الخ أن على المطلقة التي تحيض أن تنتظر فلا تتعرض للزواج مدة ثلاثة أقراء فإن انتهت المدة ولم يراجعها زوجها فلها أن تتزوج وهذا الإنتظار يسمى عدة وهي واجبة مفروضة عليها لحق زوجها، إذ له الحق أن يراجعها فيها وهذا معنى قوله تعالى في الآية: {وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوۤاْ إِصْلاَحاً}. كما أن على المطلقة أن لا تكتم الحيض بأن تقول: ما حضت إلا حيضة أو حيضتين وهي حاضت ثلاثة تريد بذلك الرجعة لزوجها، ولا تقول حضت ثلاثا وهي لم تحض من أجل أن لا ترجع إلى زوجها، ولا تكتم الحمل كذلك حتى إذا تزوجت من آخر تنسب إليه الولد وهو ليس بولده وهذا من كبائر الذنوب. ولذا قال تعالى ولا يكتمن ما خلق الله في أرحامهن، يريد من حيض وحمل إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر وقوله تعالى: {وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ} يريد والزوجُ أحقُّ بزوجته المطلقة ما دامت في عدَّتها وعلى شرط أن لا يريد بإرجاعها المضارة بها بل لابد وأن يريد برجعتها الإِصلاح وطيب العشرة بينهما وهذا ظاهر قوله تعالى: {إِنْ أَرَادُوۤاْ إِصْلاَحاً}، وعلى المطلقة أن تنوي برجوعها إلى زوجها الإِصلاح أيضاً. ثم أخبر تعالى أن للزوجة من الحقوق على زوجها، مثل ما للزوج عليها من حقوق فقال تعالى: {وَلَهُنَّ مِثْلُ ٱلَّذِي عَلَيْهِنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ} وأخبر أن للرجل على المرأة درجة لم ترقها المرأة ولم تكن لها وهي القيوميّة المفهومة من قوله تعالى من سورة النساء: {أية : ٱلرِّجَالُ قَوَّٰمُونَ عَلَى ٱلنِّسَآءِ بِمَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَآ أَنْفَقُواْ مِنْ أَمْوَٰلِهِمْ} تفسير : [الآية: 34] وختمت الآية بجملة {وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} إشعاراً بوجوب تنفيذ هذه التعاليم لعزة الله تعالى وحكمته فإن الغالب يجب أن يطاع والحكيم يجب أن يسلم له في شرعه لأنه صالح نافع غير ضار. هداية الآية من هداية الآية: 1- بيان عدة المطلقة إذا كانت تحيض وهو التربص ثلاثة حيض أو أطهار. 2- حرمة كتمان المطلقة حيضا أو حملا خلقه الله تعالى في رحمها، ولأي غرض كان. 3- أحقية الزوج بالرجعة من مطلقته إذا لم تنقض عدتها، حتى قيل الرجيعة زوجة بدليل أنها لو ماتت يرثها زوجها ولو مات ترثه. وأنه لا يحل أن تخطب أو تتزوج ما دامت في عدتها. 4- إثبات حقوق كل من الزوجين على صاحبه. 5- تقرير سيادة الرجل على المرأة لما وهبه الله من ميزات الرجولة المفقودة في المرأة.
القطان
تفسير : التربص: الانتظار. القرء: الحيض أو الطهر من الحيض. بعولة: جمع بعل وهو الزوج. وعلى المطلقات اللاتي دخل بهنّ أزواجهن ان ينتظرن ثلاثة حيضات لا يجوز للمرأة منهنّ ان تتزوج قبل انقضائها، وهي العدة. والحكمة في ذلك هي التأكيد من أنها ليست ذات حمل. ولا يجوز لهن ان يكتمن ما خلق الله في ارحامهن من الاولاد، أو دم الحيض.. ذلك ان بعض المطلقات يدّعين ان مدة الحيض طالت فيطالبن بالنفقة عن تلك المدة. وكانت المرأة في الجاهلية قد تتزوج بعد طلاقها دون ان تنتظر العدة، ثم يظهر انها حبلى من الاول، فتُلحق الولد بالثاني.. وفي هذا اختلاط الأنساب وضياع لحقوق الناس. فلما جاء الإسلام حرّم هذا وشدّد في ذلك بقوله: {إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ} اي اذا كن صادقات في الايمان بالله واليوم الآخر. والأزواج أحقّ من غيرهم في ارجاع مطلقاتهم اليهم قبل انقضاء العدة إذا قصدوا الاصلاح وحسن المعاشرة. أما اذا قصدوا الإضرار بالمرأة ومنعها من التزوج حتى تبقى كالمعلّقة، فلا، ويكون الزوج آثماً عند الله. {وَلَهُنَّ مِثْلُ ٱلَّذِي عَلَيْهِنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ...} ان للرجال والنساء حقوقا الواحد منهم تجاه الآخر وعليهم وعليهن واجبات. "وبالمعروف" تعني ان هذه الحقوق والواجبات موكولة الى اصطلاح ما يجري عليه العرف بينهم وما تعارفوا عليه من آداب وعادات. وقد أجمل النبي صلى الله عليه وسلم هذه الحقوق عندما قضى بين ابنته فاطمة وزوجها عليّ، حيث قضى عليها بخدمة البيت، وعليه بما كان في خارجه من الأعمال. وهذا ما تحكم به الفطرة في توزيع الأعمال بين الزوجين، فعلى المرأة تدبير شؤون المنزل وعلى الرجل السعي والكسب في خارجه. ولا يمنع هذا من استعانة اي منهما بالخدم ولا من مساعدة كل منهما للآخر. أما قوله تعالى: {وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ} فقد فسرتها الآية الواردة في سورة النساء: {ٱلرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى ٱلنِّسَآءِ بِمَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَآ أَنْفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ}. فهذه الدرجة هي الرياسة ومسؤولية القيام على المصالح، والانفاق على الأسرة. ان الحياة الزوجية تقتضي وجود مسؤول يُرجع اليه عند اختلاف الآراء والرغبات حتى لا يعمل كلٌّ ضد الآخر، فتنفَصِم عروة الوحدة الجامعة. والرجل هو الأحق بذلك. {وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} فمن عزّته ان أعطى المرأة مثل ما اعطى الرجل من الحقوق بعد ان كانت كالمتاع لدى جميع الأمم. إنه هو الذي رفعها عما كانت عليه في كل شريعة من الشرائع الماضية. فلقد كانت المرأة عند الرومان مثلاً أمَة في بيت زوجها عليها واجبات، وليس لها حقوق. ويرى الاستاذ سيد قطب ان هذه الدرجة مقيدة في هذا السياق بحق الرجل في هذا الموضع، وليست مطلقة الدلالة، كما يفهمها الكثيرون، ويستشهدون بها في غير موضعها.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلْمُطَلَّقَاتُ} {ثَلاَثَةَ} {إِصْلاَحاً} (228) - يَأمُرُ اللهُ تَعَالَى المُطَلَّقَاتِ المَدْخُولَ بِهِنَّ أنْ يَتَرَبَّصْنَ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ (أيْ حَيْضَاتٍ - وَقَالَ بَعْضُ الفُقَهَاءِ إنَّ قُرُوءاً تَعْنِي الأطْهَارَ) اسْتِبْراءً لِلرَّحمِ، وفُسْحَةً لاحْتِمَالِ المُرَاجَعَةِ، وَبَعْدَ أنْ تَطْهُرَ المُطَلَّقَةُ مِنَ الحَيْضَةِ الثَّالِثَةِ لها أنْ تَتَزَوَّجَ إنْ شَاءَتْ بِهِ. وَلاَ يَحِلُّ لِلْمُطَلَّقَةِ أنْ تَكْتُمَ مَا خَلَقَ اللهُ فِيهَا مِنْ حَمْلٍ إنْ عَلِمَتْ بِهِ. وَرَدَّ اللهُ الأمْرَ إليهَا، وَوَكَلَهُ إلى إيمَانِهَا، لأنَّ المُؤْمِنَةَ تُراعي أمْرَ اللهِ، وَلأنَّ أمْرَ الحَمْلِ لاَ يُعْلَمُ إلاَّ مِنْ جِهَتِهَا، وَتَتَعَذَّرُ إقَامَةُ البَيِّنَةِ عَلَيهِ، وَتَوَعَّدَهَا اللهُ بِالعِقَابِ إنْ أخْبَرَتْ بِغَيرِ الحَقِّ. والزَّوجُ الذِي طَلَّقَ المَرْأَةَ هُوَ أحَقُّ بِرَدِّهَا مَا دَامَتْ فِي عِدَّتِها، إنْ كَانَ يَبْغِي مِنْ وَرَاءِ رَدِّها الإِصْلاَحَ وَالخَيْرَ، وَمُعَاشَرَتَهَا بِالمَعْرُوفِ لا المَضَارَّةَ والإِيذَاءَ، وَلَمَّا كَانَتْ إِرَادَةُ الإِصْلاَحِ بِرَدِّ المَرْأةِ لاَ تُؤْتي ثِمَارَهَا إلاَّ إذَا قَامَ كُلٌّ مِنْهُمَا بِمَا عَلَيهِ مِنْ وَاجِبَاتٍ لِذَلِكَ قَالَ تَعَالَى: إنَّ لِلْمَرْأةِ عَلَى الرَّجُلِ مِنَ الحُقُوقِ مِثْلَ مَا لَهُ عَلَيهَا مِنْهَا، فَلْيُؤَدِّ كُلُّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ بِالمَعْرُوفِ، وَلِلرِّجَالِ عَلَى النِّسَاءِ دَرَجَةٌ هِيَ الرِّئاسَةُ، وَالقِيَامُ عَلى المَصَالِحِ، كَمَا فَسَّرتْها الآيةُ: {أية : ٱلرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى ٱلنِّسَآءِ بِمَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَآ أَنْفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ}تفسير : . وَفَسَّرَ بَعْضُهُمْ (وَلِلرِّجَالِ عَلَيهِنَّ دَرَجَةٌ) بِأَنَّها حَقُّ الرَجُلِ فِي رَدِّ المُطَلَّقَةِ إلى عِصْمَتِهِ فِي فَتْرَةِ العِدَّةُ، وَقَدْ جَعَلَ اللهُ هذا الحَقَّ فِي يَدِ الرَّجُلِ لأنَّهُ هُوَ الذِي طَلَّقَ. وَاللهُ عَزِيزٌ فِي انْتِقَامِهِ مِمَّنْ عَصَاهُ، حَكِيمٌ في شَرْعِهِ وَتدْبِيرِهِ. قُرُوءٍ - حَيْضَاتٍ (أوْ أطَهَارٍ). بُعُولَتُهُنَّ - أزْوَاجُهُنَّ. دَرَجَةٌ - مَنْزِلَةٌ أوْ فَضِيلَةٌ بِالرِّعَايَةِ وَالإِنْفَاقِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : الآية كلها تتضمن أحكاماً تكليفية، والحكم التكليفي الأول هو: {وَٱلْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوۤءٍ} [البقرة: 228] ولنا أن نلحظ أن الحكم لم يرد بصيغة الأمر ولكن جاء في صيغة الخبر، فقال: {وَٱلْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوۤءٍ} [البقرة: 228]، وحين يريد الحق سبحانه وتعالى حكماً لازماً لا يأتي له بصيغة الأمر الإنشائي، ولكن يأتي له بصيغة الخبر، هذا آكد وأوثق للأمر .. كيف؟ معنى ذلك أن الحق سبحانه وتعالى حين يأمر فالأمر يصادف من المؤمنين به امتثالاً، ويُطبق الامتثال في كل الجزئيات حتى لا تشذ عنه حالة من الحالات فصار واقعاً يُحكى وليس تكليفا يُطلب، وما دام قد أصبح الأمر واقعاً يُحكى فكأن المسألة أصبحت تاريخاً يُروى هو: {وَٱلْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوۤءٍ} [البقرة: 228] ويجوز أن نأخذ الآية على معنى آخر هو أن الله قد قال: {وَٱلْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ} [البقرة: 228] فيكون كلاماً خبرياً. وقلنا إن الكلام الخبري يحتمل الصدق والكذب، إن الله قد قال ذلك فمن أراد أن يصدق كلام الله فلينفذ الحكم، ومن أراد أن يبارز الله بالتكذيب ولا يصدقه فلا ينفذ الحكم، ويرى في نفسه آية عدم التصديق وهي الخسران المبين، أليس ذلك أكثر إلزاماً من غيره؟ مثل ذلك قوله تعالى: {أية : ٱلْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَٱلْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَٱلطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَٱلطَّيِّبُونَ لِلْطَّيِّبَاتِ أُوْلَـٰئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ}تفسير : [النور: 26]. إن هذا وإن كان كلاماً خبرياً لكنه تشريع إنشائي يحتمل أن تطيع وأن تعصي ولكن الله يطلب منا أن تكون القضية هكذا "الخبيثات للخبيثين" يعني أن ربكم يريد أن تكون "الخبيثات للخبيثين" وأن تكون "الطيبات للطيبين" وليس معنى ذلك أن الواقع لابد أن يكون كما جاء في الآية، إنما الواقع يكون كذلك لو نفذنا كلام الله وسيختلف إذا عصينا الله وتمردنا على شرعه. والمعنى نفسه في قوله تعالى: {أية : وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً ..}تفسير : [آل عمران: 97]. أي اجعلوا من يدخل البيت الحرام آمناً. ويحتمل أن يعصي أحد الله فلا يجعل البيت الحرام آمناً. إذن فقوله الحق: {وَٱلْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوۤءٍ} [البقرة: 228] هو حكم تكليفي يستحق النفاذ لمن يؤمن بالله، وقوله: "يتربصن" أي ينتظرن، واللفظ هنا يناسب المقام تماماً، فالمتربصة هي المطلقة، ومعنى مطلقة أنها مزهود فيها، وتتربص انتهاء عدتها حتى ترد اعتبارها بصلاحيتها للزواج من زوج آخر. ولم ينته القول الكريم بقوله: "يتربصن" وإنما قال: {يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ} [البقرة: 228] مع أن المتربصة هي نفسها المطلقة؛ ذلك لأن النفس الواعية المكلفة والنفس الأمارة بالسوء تكونان في صراع على الوقت وهو {ثَلاَثَةَ قُرُوۤءٍ} [البقرة: 228]، "وقروء" جمع "قرء" وهو إما الحيضة وإمّا الطهر الذي بين الحيضتين. وقوله الحق سبحانه وتعالى: {ثَلاَثَةَ قُرُوۤءٍ} [البقرة: 228] ما المقصود به؟ هل هو الحيضة أم الطهر؟ إن المقصود به الطهر، لأنه قال: "ثلاثة" بالتاء، ونحن نعرف أن التاء تأتي مع المذكر، ولا تأتي مع المؤنث، و"الحيضة" مؤنثة و"الطهر" مذكر، إذن، {ثَلاَثَةَ قُرُوۤءٍ} [البقرة: 228] هي ثلاثة أطهار متواليات. والعلة هي استبراء الرحم وإعطاء مهلة للزوجين في أن يراجعا نفسيهما، فربما بعد الطهر الأول أو الثاني يشتاق أحدهما للآخر، فتعود المسائل لما كانت عليه، لكن إذا مرت ثلاثة أطهار فلا أمل ولا رجاء في الرجوع. ثم يقول الحق بعد ذلك: {وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ فِيۤ أَرْحَامِهِنَّ} [البقرة: 228] وما معنى الخلق؟ الخلق هو إيجاد شيء كان معدوماً، وهذا الشيء الذي كان معدوماً إما أن يكون حملاً وإما أن يكون حيضاً، وللحامل عدة جاءت في قوله الحق. {أية : وَأُوْلاَتُ ٱلأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ}تفسير : [الطلاق: 4]. أما المرأة الحائل وهي التي بدون حمل، فعدتها أن تحيض وتطهر ثلاث مرات وهناك حالة ثالثة هي: {أية : وَٱللاَّئِي يَئِسْنَ مِنَ ٱلْمَحِيضِ مِن نِّسَآئِكُمْ إِنِ ٱرْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاَثَةُ أَشْهُرٍ وَٱللاَّئِي لَمْ يَحِضْنَ}تفسير : [الطلاق: 4]. أي أن المرأة التي انقطعت عنها الدورة الشهرية فعدتها "ثلاثة أشهر" الحكم نفسه للصغيرة التي لم تحض بعد، أي عدتها ثلاثة أشهر. إذن فنظام العدة له حالات: * إن كانت غير حامل فعدتها ثلاثة قروء أي ثلاثة أطهار إن كانت ممن يحضن. * إن كانت حاملاً فعدتها أن تضع حملها. * وإن لم تكن حاملا وقد بلغت سن اليأس ولم تعد تحيض، أو كانت صغيرة لم تصل لسن الحيض، هذه وتلك عدتها ثلاثة أشهر. وقوله تعالى: {وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ فِيۤ أَرْحَامِهِنَّ} [البقرة: 228] يدل على أن المرأة لها شهادتها لنفسها في الأمر الذي يخصها ولا يطلع عليه سواها. وهي التي تقرر المسألة بنفسها، فتقول: أنا حامل أولاً، وعليها ألا تكتم ذلك، فقد يجوز أن تكون حاملاً وبعد ذلك تكتم ما في بطنها حتى لا تنتظر طول مدة الحمل وتتزوج رجلاً آخر فينسب الولد لغير أبيه، فغالباً ما يستمر الحمل تسعة أشهر ولكن فيه استثناء، فهناك حمل مدته سبعة شهور، وأحياناً ستة شهور. وقد تتزوج المرأة المطلقة بعد ثلاثة شهور وتدعي أنها حامل من الزوج الجديد وأن حملها لم يستمر سوى سبعة أشهر أو ستة أشهر. وبعضنا يعرف قصة الحامل في ستة شهور، فقد جاءوا بامرأة لسيدنا عثمان رضي الله عنه لأنها ولدت لستة أشهر، فأراد أن يقيم عليها حد الزنى، فتدخل الإمام علي ابن أبي طالب وقال: كيف تقيم عليها الحد لأنها ولدت لستة أشهر، ألم تقرأ قول الحق سبحانه وتعالى؟ قال عثمان: وماذا قال الحق في ذلك؟ فقرأ الإمام علي قول الله:{أية : وَٱلْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ}تفسير : [البقرة: 233]. أي أنها ترضع الوليد لمدة أربعة وعشرين شهراً، وفي آية أخرى قال الحق:{أية : حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاَثُونَ شَهْراً}تفسير : [الأحقاف: 15]. فإذا أخذنا من الآية الأولى أربعة وعشرين شهراً وهي مدة الرضاع وطرحناها من الثلاثين شهراً التي تجمع بين الحمل والرضاع في الآية الثانية فهمنا أن الحمل قد يكون ستة أشهر. هنا قال سيدنا عثمان متعجباً: والله ما فطنت لهذا. إذن فحمل الستة الشهور أمر ممكن، ومن هنا نفهم الحكمة في قوله تعالى: {وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ فِيۤ أَرْحَامِهِنَّ} [البقرة: 228]، حتى لا تدعي المرأة أنها ليست حاملاً وتتزوج رجلاً آخر وتنسب إليه ولداً ليس من صلبه ويترتب على ذلك أكثر من إشكال، منها ألا يرث الولد من الأب الأول، وأن محارمه لم تعد محرمة عليه، فأخته من أبيه لم تعد أخته، كذلك عماته وخالاته وتنقلب الموازين، هذا من جانب الأب الأصلي. أما من جانب الزوج الثاني فالطفل يكتسب حقوقاً غير مشروعة له، سيرث منه، وتصبح محارم الرجل الثاني محارمه فيدخل عليهن بلا حق ويرى عوراتهن، وتحدث تداخلات غير مشروعة. إذن فقوله الحق: {وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ فِيۤ أَرْحَامِهِنَّ} [البقرة: 228] هو قول يريد به الحق أن تقوم الحياة على طهر وعلى شرف وعلى عفاف، ولا يعتدي أحد على حقوق الآخر. هذا بالنسبة للحمل. فكيف يكون الحال بالنسبة للحيض؟ أيضاً لا يحل لها أن تكتم حيضاً لتطيل زمن العدة مع زوجها. ويقول الحق: {إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ} [البقرة: 228]. فما علاقة الإيمان هنا بالحكم الشرعي؟ إنها علاقة وثيقة؛ لأن الحمل أو الحيض مسائل خفيفة لا يحكمها قانون ظاهر، إنما الذي يحكمها هو عملية الإيمان، ولذلك قيل: "الغيب لا يحرسه إلا غيب" وما دام الشيء غائباً فلن يحرسه إلا الغيب الأعلى وهو الله تعالى. ويتابع الحق: {وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ} [البقرة: 228] البعل هو الزوج، وهو الرب والسيد والمالك، وفي أثناء فترة التربص يكون الزوج أحق برد زوجته إلى عصمته، وقوله تعالى: {وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ} [البقرة: 228] هل يعني ذلك أن هناك أناساً يمكن أن يشاركوا الزوج في الرد؟ لأن الحق جاء بكلمة "أحق" وفي ظاهرها تعطي الحق لغير الأزواج أن يراجعوا؟ لا، إنما المقصود هو أنه لا حق لأحد هنا إلا للزوج، فالرد خلال العدة من حق الزوج، فليس للزوجة أن تقول: لا، وليس لولي الزوجة أن يقول: لا. فالزوج إذا أراد مراجعة زوجته وأبت وامتنعت هي وجب إيثار وتقديم رغبته على رغبتها، وكان هو أحق منها، ولا ينظر إلى قولها، فإنه ليس لها في هذا الأمر حق فقد رضيت به أولاً. أما إذا انتهت العدة فالصورة تختلف، لابد من الولي، ولابد من عقد ومهر جديدين واشتراط موافقة الزوجة. {وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوۤاْ إِصْلاَحاً} [البقرة: 228] هذا إن أرادوا إصلاحاً. والإرادة عمل غيبي، فكأنها تهديد للزوجين، إن التشريع يجيز لهما العودة، لكن إذا كان الزوج يريد أن يردها ليوقع بها الضرر لسبب في نفسه فالدين يقول له: لا، ليس لك ذلك. وإن كان القضاء يجيز له ردها، إلا أن الله يحرم عليه ذلك الظلم. إن من حق الزوج أن يرد زوجته رداً شرعياً للعفة من الإحصان ولغرض الزوجية لا لشيء آخر، أما غير ذلك كالإضرار بها والانتقام منها فلا يجيز له الدين ذلك. أما قضائياً، فالقضاء يعطيه الحق في ردها ولا يستطيع أحد أن يقف أمامه مهما كانت الأسباب الكامنة في نفسه، لكن عليه أن يتحمل وزر ذلك العمل. ويتابع الحق: {وَلَهُنَّ مِثْلُ ٱلَّذِي عَلَيْهِنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ} [البقرة: 228] أي أن للزوجة مثل ما للزوج، لكن ما الذي لهن وما الذي عليهن؟ المثلية هنا في الجنس، فكل منهما له حق على الآخر حسب طبيعته، الزوج يقدم للزوجة بعضاً من خدمات، والزوجة تقدم له خدمات مقابلة؛ لأن الحياة الزوجية مبنية على توزيع المسئوليات، إن الرجل عليه مسئوليات تقتضيها طبيعته كرجل، والمرأة عليها مسئوليات تحتمها طبيعتها كأنثى. والرجل مطالب بالكدح والسعي من أجل الإنفاق. والمرأة مطالبة بأن توفر للرجل البيت المناسب ليسكن إليها عندما يعود من مهمته في الحياة. ولذلك يقول الله عز وجل: {أية : وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوۤاْ إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}تفسير : [الروم: 21]. والسكن إلى شيء هو نقيض التحرك، ومعنى "لتسكنوا إليها" أي إنكم تتحركون من أجل الرزق طوال النهار ثم تعودون للراحة عند زوجاتكم، فالرجل عليه الحركة، والمرأة عليها أن تهيئ له حسن الإقامة، وجمال العشرة وحنان وعطف المعاملة. فالمسئوليات موزعة توزيعاً عادلاً، فهناك حق لك هو واجب على غيرك، وهناك حق لغيرك وهو واجب عليك. ويقول الحق: {وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ} [البقرة: 228] وهي درجة الولاية والقوامة. ودرجة الولاية تعطينا مفهوماً أعم وأشمل، فكل اجتماع لابد له من قَيِّم، والقوامة مسئولية وليست تسلطاً، والذي يأخذ القوامة فرصة للتسلط والتحكم فهو يخرج بها عن غرضها؛ فالأصل في القوامة أنها مسئولية لتنظيم الحركة في الحياة. ولا غضاضة على الرجل أن يأتمر بأمر المرأة فيما يتعلق برسالتها كامرأة وفي مجالات خدمتها، أي في الشئون النسائية، فكما أن للرجل مجاله، فللمرأة مجالها أيضاً .. والدرجة التي من أجلها رُفعَ الرجل هي أنه قوام أعلى في الحركة الدنيوية، وهذه القوامة تقتضي أن ينفق الرجل على المرأة تطبيقاً لقوله الحق: {أية : وَبِمَآ أَنْفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ}تفسير : [النساء: 34]. إذن فالإنفاق واجب الرجل ومسئوليته، وليعلم أن الله عزيز لا يحب أن يستذل رجل امرأة هي مخلوق لله، والله حكيم قادر على أن يقتص للمرأة لو فهم الرجل أن درجته فوق المرأة هي للاستبداد، أو فهمت المرأة أن وجودها مع الرجل هي منة منها عليه، فلا استذلال في الزواج؛ لأن الزواج أساسه المودة والمعروف. ويقول الحق بعد ذلك: {ٱلطَّلاَقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ ...}.
الصابوني
تفسير : [16] مشروعية الطلاق في الإسلام التحليل اللفظي {قُرُوۤءٍ}: جمع قُرء بالفتح والضم، ويطلق في كلام العرب على (الحيض) وعلى (الطهر) فهو من الأضداد. قال في "القاموس": "والقَرْءُ بالفتح ويُضم: الحيض، والطهر والوقت، وأقرأت حاضت وطهرت، وجمع الطهر: قروء، وجمع الحيض: أقراء". وأصل القرء: الاجتماع وسمي الحيض قرءاً لاجتماع الدم في الرحم. قال الأخفش: "أقرأت المرأة إذا صارت صاحبة حيض، فإذا حاضت قلت: قرأت" ومن مجيء القرء بمعنى (الحيض) قوله صلى الله عليه وسلم لفاطمة بنت أبي حبيش: "حديث : دعي الصلاة أيام أقرائك" تفسير : أي أيام حيضك، وقول الشاعر: شعر : له قروء كقروء الحائض تفسير : ومن مجيئه بمعنى (الطهر) قول الأعشى: شعر : مورثة عزّاً وفي الحيّ رفعةً لما ضاع فيها من قروء نسائكا تفسير : {وَبُعُولَتُهُنَّ}: أي أزواجهن جمع بعل بمعنى الزوج قال تعالى: {أية : وَهَـٰذَا بَعْلِي شَيْخاً} تفسير : [هود: 72] والمرأة بعلة ويقال لها: بعل أيضاً أفاده صاحب "القاموس". وأصل البعل: السيّد المالك، يقال: من بعل هذه الناقة؟ أي من ربها؟ ومن سيّدها؟ والمعنى: أزواج المطلقات أحق برجعتهن في مدة التربص بالعدة. {دَرَجَةٌ}: الدرجة في اللغة المنزلة الرفيعة قال تعالى: {أية : هُمْ دَرَجَٰتٌ عِندَ ٱللَّهِ} تفسير : [آل عمران: 163] وسميت درجة تشبيها لها بالدرج الذي يرتقى به إلى السطح، ويقال لقارعة الطريق مدرجة لأنها تطوي منزلاً بعد منزل، وأصل (درج) بمعنى طوى يقال: درج القوم أي طَووا عمرهم وفنوا وفي الأمثال (هو أكذب من دبّ ودرج) أي أكذب الأحياء والأموات. {عَزِيزٌ حَكِيمٌ}: أي منيع السلطان غالبٌ لا يُغلَب، حكيم في أحكامه وأفعاله. {ٱلطَّلَٰقُ}: الطلاق حلّ عقدة النكاح، وأصله الانطلاق والتخلية، يقال: ناقة طالق أي مهملة قد تركت في المرعى بلا قيد ولا راعي، فسميت المرأة المخلّى سبيلها طالقاً لهذا المعنى. قال الراغب: أصل الطلاق التخليةُ من الوِثاق يقال: أطلقتُ البعير من عقاله وطلّقته إذا تركته بلا قيد، ومنه استعير: طلّقتُ المرأة نحو خلّيتها فهي طالق أي مخلاّة عن حِبالَة النكاح، وطلّقه المريض أي خلاه قال الشاعر: شعر : تطلّقه طوراً وطوراً تراجع تفسير : {تَسْرِيحٌ}: التسريح: إرسال الشيء، ومنه تسريح الشعر ليخلص البعض من البعض، وسرّح الماشية: أرسلها لترعى السرح وهو شجر له ثمر، ثم جعل لكل إرسالٍ في الرعي. قال الراغب: "والتسريح في الطلاق مستعار من تسريح الإبل، كالطلاق في كونه مستعاراً من إطلاق الإبل". {فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ}: أي قاربن إنهاء العدة، لأنه بعد انقضاء العدة لا سلطان للرجل عليها، والعرب تقول: بلغ البلد إذا شارف الوصول إليها. قال الشوكاني: "البلوغ إلى الشيء: معناه الحقيقي الوصول إليه، ولا يستعمل البلوغ بمعنى المقاربة إلاّ مجازاً لعلاقة مع القرينة كما هنا، لأن المرأة إذا خرجت من العدة لم يبق للزوج عليها سبيل". {ضِرَاراً}: أي بقصد الإضرار، قال القفال: الضّرار هو المضارّة قال تعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مَسْجِداً ضِرَاراً} تفسير : [التوبة: 107] أي ليضارّوا المؤمنين ومعنى المضارة الرجوع إلى إثارة العداوة، وإزالة الألفة. {تَعْضُلُوهُنَّ}: العضل: المنع والتضييق، يقال: أعضل الأمر: إذا ضاقت عليك فيه الحيل، وداء عُضال أي شديد عسير البرء أعيا الأطباء، وكل مشكلٍ عند العرب فهو معضل، ومنه قول الشافعي رضي الله عنه: شعر : إذا المعضلاتُ تصدَّيْنني كشفت حقائقها بالنظر تفسير : قال الأزهري: "أصل العضل من قولهم: عضلت الناقة إذا نشب ولدها فلم يسهل خروجه، وعضلت الدجاجة إذا نشب بيضها فلم يخرج". والمعنى: فلا تمنعوهن من الزواج بمن أردن من الأزواج بعد انقضاء عدتهن. {زْكَىٰ لَكُمْ}: أي أنمى وأنفع يقال: زكا الزرع إذا نما بكثرة وبركة. {وَأَطْهَرُ}: من الطهارة وهي التنزه عن الدنس وعن الذنوب والمعاصي. المعنى الإجمالي يقول الله تعالى ما معناه: الأزواج المطلقات اللواتي طلقهن أزواجهن لسبب من الأسباب على هؤلاء انتظار مدة من الزمن هي مدة (ثلاثة أطهار) أو (ثلاث حيَض) لمعرفة براءة الرحم حتى لا تختلط الأنساب، وأزواجهن أحق بهنّ في الرجعة من الأجانب إذا لم تنقض عدتهن، وكان الغرض من هذه الرجعة (الإصلاح) لا (الإضرار) ولهن من حسن الصحبة والعشرة بالمعروف على أزواجهن، مثل الذي عليهن من الطاعة فيما أمر الله عز وجل، وللرجال عليهن درجة القوامة، والإنفاق والإمرة والطاعة. ثم بين تعالى أن الطلاق الذي تجوز به الرجعة مرتان، فإن طلقها الثالثة فلا تحل له حتى تتزوج بعده بزوج آخر، أما إذا لم يكن الطلاق ثلاثاً فله أن يراجعها إلى عصمة نكاحة، فإما أن يمسكها بالمعروف فيحسن معاشرتها وصحبتها وإمّا أن يطلق سراحها لتتزوج بمن تشاء لعلّها تسعد بالزواج الثاني {أية : وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ ٱللَّهُ كُلاًّ مِّن سَعَتِهِ} تفسير : [النساء: 130]. ولا يحل الله لكم أيها الرجال أن تأخذوا ممّا دفعتم إليهن من المهور شيئاً، لأنكم قد استمتعتم بهن إلا إذا خفتم سوء العشرة بين الزوجين، وأرادت الزوجة أن تختلع بالنزول عن مهرها أو بدفع شيء من المال لزوجها حتى يطلّقها فليس هناك جناح من أخذ الفداء. ثم بيّن تعالى أنه إذا طلّقها الثالثة بعد أن راجعها مرتين، فلا تحلّ له إلاّ بالزواج بزوج آخر، بعد أن يذوق عُسيلتها وتذوق عُسيلته، فإن طلقها الزوج الثاني فلا بأس أن تعود إلى زوجها الأول إن كان ثمة دلائل تدل على الوفاق والتلاق. ثم أمر تعالى الرجال بالإحسان في معاملة الأزواج وعدم الإضرار بهن، كما أمر الأولياء بألاّ يمنعوا المرأة من العودة إلى زوجها إذا رغبت في العودة، لا سيما إذا صلحت الأحوال وظهرت أمارات الندم على الزوجين في استئناف الحياة الفاضلة، والعيشة الكريمة. سبب النزول أولاً: روي أن أهل الجاهلية لم يكن عندهم للطلاق عدد، وكان يطلّق الرجل امرأته ما شاء من الطلاق، فإذا كادت تحل راجعها، فعمد رجلٌ لامرأته على عهد النبي صلى الله عليه وسلم فقال لها: لا آويك ولا أدعك تحلّين، قالت: وكيف؟ قال: أطلقك فإذا دنا مضيُّ عدتك راجعتك، فشكت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى: {ٱلطَّلَٰقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَٰنٍ} الآية. ثانياً: وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: كان الرجل يطلّق امرأته ثم يراجعها قبل انقضاء عدتها ثم يطلقها، يفعل بها ذلك يضارّها ويعضلها فأنزل الله تعالى: {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ...} الآية. ثالثاً: وأخرج البخاري والترمذي عن (مَعْقل بن يسار) رضي الله عنه أنه زوّج أخته رجلاً من المسلمين على عهد النبي صلى الله عليه وسلم فكانت عنده ما كانت ثم طلّقها تطليقة لم يراجعها حتى انقضت العدة، فهويها وهويته ثم خطبها مع الخُطَّاب فقال له: يا لكع أكرمتك بها وزوّجتك فلطّقتها! والله لا ترجع إليك أبداً قال: فعلم الله حاجته إليها وحاجتها إلى بعلها فأنزل الله {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ...} الآية فلما سمعها (معقل) قال: سمعاً لربي وطاعة ثم دعاه فقال: أزوّجك وأكرمك. وجوه القراءات 1 - قرأ الجمهور {ثَلاَثَةَ قُرُوۤءٍ} بالهمزة وقرأ نافع (ثلاثة قرُوّ) بكسر الواو وشدها من غير همز، وقرأ الحسن (قَرْء) بفتح القاف وسكون الراء. 2 - قرأ الجمهور {إِلاَّ أَن يَخَافَآ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ} وقرأ حمزة (إلا أن يُخافا) بضم الياء مبنياً للمجهول، وقرئ يظنّا. 3 - قرأ الجمهور {وَتِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ يُبَيِّنُهَا} بالياء أي يبينها الله، وقرأ عاصم (نبينها) بالنون وهي نون التعظيم. وجوه الإعراب 1 - قوله تعالى: {وَٱلْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ} المطلقات مبتدأ والجملة الفعلية خبر، و{ثَلاَثَةَ قُرُوۤءٍ} منصوب على الظرفية، والمفعول به محذوف أي يتربصن الزوج. 2 - قوله تعالى: {وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ} أن وما بعدها في تأويل مصدر فاعل لـ (يحل) والتقدير: لا يحل لهن كتمان، و(ما) اسم موصول بمعنى الذي مفعول لـ (يكتمن). 3 - قوله تعالى: {وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ} للرجال خبر مقدم و(درجة) مبتدأ مؤخر، وجاز الابتداء بالنكرة لتقدم الجار والمجرور عليها. 4 - قوله تعالى: {وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَاراً لِّتَعْتَدُواْ} ضراراً مفعول لأجله أي من أجل الضرار، وجوّز بعضهم أن يكون منصوباً على الحال أي (مضارين) و(لتعتدوا) متعلق بـ (ضراراً). لطائف التفسير اللطيفة الأولى: قوله تعالى: {وَٱلْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ} خبرٌ والمراد منه الأمر أي (ليتربّصْن) وفائدته التنبيه إلى أنه ممّا ينبغي أن يتلّقى بالقبول والمسارعة إلى الإتيان به. قال صاحب "الكشاف": "التعبير عن الأمر بصيغة الخبر يفيد تأكيد الأمر، إشعاراً بأنه مما يجب أن يتلقى بالمسارعة إلى امتثاله، فكأنهن امتثلن الأمر فهو يخبر عنه موجوداً، ونظيره قولهم في الدعاء: رحمك الله، أخرج في صورة الخبر ثقة بالإجابة، كأنها وجدت الرحمة فهو يخبر عنها". اللطيفة الثانية: قيّد الله التربص في هذه الآية بذكر الأنفس بقوله: {يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ} ولم يذكره في الآية السابقة {أية : تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ} تفسير : [البقرة: 226] فما هي الحكمة؟ والجواب؟ أنّ في ذكر الأنفس هنا تهييجاً لهنّ على التربص وزيادة بعث لهنّ على قمع نفوسهن عن هواها وحملها على الانتظار، لأن أنفس النساء طوامح إلى الرجال فأراد الله تعالى أن يقمعن أنفسهن، ويغالبن الهوى بامتثال أمر الله لهن بالتربص، والمخاطب في الآية السابقة الرجال فلم يوجد ذلك الداعي إلى التقييد فتدبر ذلك السرّ الدقيق. اللطيفة الثالثة: قوله تعالى: {إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ} شرطٌ جوابه محذوف دلّ عليه ما سبق، وليس الغرض منه التقييد بالإيمان حتى يخرج الكتابيات بل هو للتهييج وتهويل الأمر في نفوسهن، وهذه طريقة متعارفة في الخطاب، تقول: إن كنت مؤمناً فلا تؤذ أباك، وإن كنت مسلماً فلا تغشّ الناس، فهذه هي النكتة في التعبير. اللطيفة الرابعة: قوله تعالى: {وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ...} الآية أي أحق برجعتهن. قال الإمام الفخر: الحكمة في إثبات حق الرجعة أن الإنسان ما دام مع صاحبه لا يدري هل تشق عليه المفارقة أو لا؟ فإذا فارقه فعند ذلك يظهر، فلو جعل الله الطلقة الواحدة مانعةً من الرجوع لعظمت المشقة على الإنسان، إذ قد تظهر المحبة بعد المفارقة، ثم لمّا كان كمال التجربة لا يحصل بالمرة الواحدة، أثبت تعالى حق المراجعة بعد المفارقة مرتين، وهذا التدريج والترتيب يدل على كمال رحمته تعالى ورأفته بعباده. اللطيفة الخامسة: قوله تعالى: {وَلَهُنَّ مِثْلُ ٱلَّذِي عَلَيْهِنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ} فيه إيجاز وإبداع، لا يخفى على المتمكن من علوم البيان، فقد حذف من الأول بقرينة الثاني، ومن الثاني بقرينة الأول، كأنه قيل: لهنّ على الرجال من الحقوق، مثل الذي للرجال عليهن من الحقوق والواجبات، وفيه من علم البديع ما يسمى بـ (الطباق) بين لفظَيْ (لهنّ) و(عليهن) وهو طباق بين حرفين، وقد وضّح عليه السلام بعض هذه الحقوق في (حجة الوداع) بقوله: "حديث : ألا إنّ لكم على نسائكم حقاً، ولنسائكم عليكم حقاً، فحقكم عليهن ألاّ يوطئن فرشكم مَن تكرهون، ولا يأذنّ في بيوتكم لمن تكرهون، ألا وحقهنّ عليكم أن تحسنوا إليهنّ في كسوتهن وطعامهن ". تفسير : وعن ابن عباس أنه قال: "إني لأحبّ أن أتزين لامرأتي كما تتزين لي، لأن الله تعالى يقول: {وَلَهُنَّ مِثْلُ ٱلَّذِي عَلَيْهِنَّ}". اللطيفة السادسة: الدرجة التي أشارت إليها الآية الكريمة {وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ} ليست درجة (تشريف) وإنما هي درجة (تكليف) وقد بينتها الآية الثانية في سورة النساء وهي القوامة والمسؤولية والإنفاق {أية : ٱلرِّجَالُ قَوَّٰمُونَ عَلَى ٱلنِّسَآءِ} تفسير : [النساء: 34] الآية والله تعالى قد وضع ميزاناً دقيقاً للتفاضل هو التقوى والعمل الصالح {أية : إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ ٱللَّهِ أَتْقَاكُمْ} تفسير : [الحجرات: 13] فقد تكون المرأة أفضل عند الله من ألف رجل، وهذا هو المبدأ العادل الكريم. اللطيفة السابعة: قال ابن عباس رضي الله عنهما: أول خلع كان في الإسلام في حديث : امرأة ثابت بن قيس أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله: لا يجمع رأسي ورأسه شيء أبداً، والله ما أعيب عليه في خلُق ولا دين، ولكن أكره الكفر بعد الإسلام، ما أطيقه بغضاً، إني رفعت جانب الخباء فرأيته أقبل في عدة، فإذا هو أشدهم سواداً، وأقصرهم قامة، وأقبحهم وجهاً، فقال زوجها يا رسول الله: أعطيتها أفضل ما لي (حديقة) لي، فإن ردّت عليّ حديقتي طلقتها، فقال لها عليه السلام ما تقولين؟ قالت: نعم، وإن شاء زدته، قال ففرق بينهما . تفسير : اللطيفة الثامنة: قال العلامة أبو السعود: وضع الاسم الجليل في المواقع الثلاثة {أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ} {تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ} {وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ ٱللَّهِ} موضع الضمير لتربية المهابة وإدخال الروعة في النفوس، وتعقيب النهي بالوعيد للمبالغة في التهديد. الأحكام الشرعية الحكم الأول: ما هي عدة المطلقة، والحامل، والتي لا تحيض؟ أوجب الله تعالى العدة على المطلقة {وَٱلْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوۤءٍ} والمراد بالمطلّقات هنا (المدخول بهن) البالغات من غير الحوامل، أو اليائسات، لأن غير المدخول بها لا عدة عليها لقوله تعالى: {أية : ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا} تفسير : [الأحزاب: 49]. وعدة الحامل وضع الحمل لقوله تعالى: {أية : وَأُوْلاَتُ ٱلأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} تفسير : [الطلاق: 4]. والمرأة التي لا تحيض وكذا اليائسة عدتها ثلاثة أشهر لقوله تعالى: {أية : وَٱللاَّئِي يَئِسْنَ مِنَ ٱلْمَحِيضِ مِن نِّسَآئِكُمْ إِنِ ٱرْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاَثَةُ أَشْهُرٍ وَٱللاَّئِي لَمْ يَحِضْنَ} تفسير : [الطلاق: 4] الآية. فتبيّن من هذا أن الآية قد دخلها التخصيص، وأنّ العدة المذكورة في الآية الكريمة هي للمطلّقة المدخول بها إذا لم تكن صغيرة أو يائسة أو حاملاً. الحكم الثاني: ما المراد بالأقراء في الآية الكريمة؟ تقدّم معناه أن (القرء) في اللغة يطلق على الحيض وعلى الطهر، وقد اختلف الفقهاء في تعيين المراد به هنا في الآية الكريمة على قولين: أ - فذهب مالك والشافعي: إلى أن المراد بالأقراء: الأطهار، وهو مروي عن (ابن عمر) و(عائشة) و(زيد بن ثابت)، وهو أحد القولين عند الإمام أحمد رحمه الله. ب - وذهب أبو حنيفة وأحمد (في الرواية الأخرى عنه) إلى أن المراد بالأقراء: الحيض، وهو مروي عن (عمر) و(ابن مسعود) و(أبي موسى) و(أبي الدرداء) وغيرهم. حجة مالك والشافعي: احتج الفريق الأول لترجيح مذهبهم بحجج نذكرها بإيجاز: الحجة الأولى: إثبات التاء في العدد (ثلاثة قروء) وهو يدل على أن المعدود مذكر وأن المراد به الطهر، ولو كان المراد به الحيضة لجاء اللفظ (ثلاث قروء) لأن الحيضة مؤنث والعدد يذكر مع المؤنث، ويؤنث مع المذكر كما هو معلوم. الحجة الثانية: ما روي عن عائشة أنها قالت: "هل تدرون الأقراء؟ الأقراء: الأطهار". قال الشافعي: والنساء بهذا أعلم. لأن هذا إنما يُبتلى به النساء. الحجة الثالثة: قوله تعالى: {أية : فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} تفسير : [الطلاق: 1] قالوا: ومعناه: فطلقوهن في وقت عدتهن، ولما كان الطلاق وقت الحيض محظوراً، دلّ على أن المراد به وقت الطهر، فيكون المراد من القروء الأطهار. حجة أبي حنيفة وأحمد: واحتج الفريق الثاني على ترجيح مذهبهم بما يأتي: أولاً: إن العدة شرعت لمعرفة براءة الرحم، والذي يدل على براءة الرحم إنما هو الحيض لا الطهر. قال الإمام أحمد: قد كنت أقول: القروء: الأطهار، وأنا اليوم أذهب إلى أنها الحيض. ثانياً: واستدلوا بقوله عليه السلام لفاطمة بنت حُبيش: "حديث : دعي الصلاة أيام أقرائك" تفسير : والمراد أيام حيضك، لأن الصلاة تحرم في الحيض. ثالثاً: قوله عليه السلام: "حديث : لا توطأ حامل حتى تضع، ولا حائل حتى تستبرأ بحيضة" تفسير : فأمر بالاستبراء بالحيضة، وقد أجمع العلماء على أن الاستبراء في شراء الجواري يكون بالحيض، فكذا العدة ينبغي أن تكون بالحيض، لأن الغرض واحد وهو براءة الرحم. رابعاً: أقام الله تعالى الأشهر مقام الحيض في العدة في قوله: {أية : وَٱللاَّئِي يَئِسْنَ مِنَ ٱلْمَحِيضِ مِن نِّسَآئِكُمْ إِنِ ٱرْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاَثَةُ أَشْهُرٍ} تفسير : [الطلاق: 4] فدلّ على أن العدة تعتبر بالحيض لا بالطهر. وهذا من أقوى أدلة الأحناف. خامساً: إذا اعتبرنا العدة بالحيض فيمكن معه استيفاء ثلاثة أقراء بكمالها، لأن المطلّقة إنما تخرج من العدة بزوال الحيضة الثالثة، بخلاف ما إذا اعتبرناها بالأطهار فإنه إذا طلقها في آخر الطهر يكون قد مر عليها طهران وبعض الثالث، فيكون ما ذهبنا إليه أقوى. الترجيح: ولعلّ ما ذهب إليه الفريق الثاني يكون أرجح، فإن الأحاديث الصحيحة تؤيده، والغرض من العدة في الأظهر معرفة براءة الرحم، وهو يعرف بالحيض لا بالطهر. وقد رجّح العلامة "ابن القيم" في كتابه "زاد المعاد" هذا القول ونصره وأيده فقال: "إن لفظ (القرء) لم يستعمل في كلام الشارع إلاّ للحيض، ولم يجيء عنه في موضع واحد استعماله للطهر، فحملُه في الآية على المعهود المعروف من خطاب الشارع أولى، بل يتعين، فإنه عليه السلام قد قال للمستحاضة: "حديث : دعي الصلاة أيام أقرائك" تفسير : وهو صلى الله عليه وسلم المعبّر عن الله، وبلغة قومه نزل القرآن، فإذا أورد المشترك في كلامه على أحد معنييه، وجب حمله في سائر كلامه عليه إذا لم يثبت إرادة الآخر في شيء من كلامه البتة، ويصير هو لغة القرآن التي خوطبنا بها، وإن كان له معنى آخر في كلام غيره، وإذا ثبت استعمال الشارع للقرء في الحيض علم أن هذا لغته فيتعين حمله عليها في كلامه، ويدل على ذلك ما في سياق الآية من قوله تعالى: {وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ فِيۤ أَرْحَامِهِنَّ} وهذا هو الحيض والحمل عند عامة المفسرين، وأيضاً فقد قال سبحانه: {أية : وَٱللاَّئِي يَئِسْنَ مِنَ ٱلْمَحِيضِ...} تفسير : [الطلاق: 4] الآية فجعل كل شهر بإزاء حيضة وعلّق الحكم بعدم الحيض لا بعدم الطهر، وقال في موضع آخر {أية : فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} تفسير : [الطلاق: 1] معناه لاستقبال عدتهن لا فيها، وإذا كانت العدة التي يطلق لها النساء مستقبلة بعد الطلاق، فالمستقبل بعدها إنما هو الحيض، فإن الطاهر لا تستقبل الطهر، إذ هي فيه وإنما تستقبل الحيض بعد حالها التي هي فيها". الحكم الثالث: ما معنى قوله تعالى: {وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ فِيۤ أَرْحَامِهِنَّ}؟ اختلف المفسرون في المراد من هذه الآية على أقوال: فقال بعضهم: المراد بما خلق الله في أرحامهن: (الحمل) وهو قول عمر، وابن عباس، ومجاهد. وقال بعضهم: المراد به (الحيض) وهو قول عكرمة، والنخعي، والزهري. وقال آخرون: المراد به (الحمل والحيض) معاً، وهذا قول ابن عمر، واختاره ابن العربي. قال ابن العربي: "والثالث هو الصحيح لأن الله تعالى جعلها أمينة على رحمها فقولها فيه مقبول إذ لا سبيل إلى علمه إلاّ بخبرها، ولا خلاف بين الأمة أن العمل على قولها في دعوى الشغل للرحم أو البراءة ما لم يظهر كذبها". أقول: إنما حرم الله كتمان ما في أرحامهن لأنه يتعلق بذلك حق الرجعة للرجل، وعدم اختلاط الأنساب، فربما ادعت انقضاء العدة وهي مشغولة الرحم بالحمل من زوجها ثم تزوجت فأدى ذلك إلى اختلاط الأنساب، وربما حَرَمَت الرجل من حقه في الرجعة فلذلك حرّم الله كتمان ما في الأرحام. الحكم الرابع: هل الآية عامة في كل مطلّقة؟ الآية الكريمة {وَٱلْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ} عامة في المبتوتة، والرجعية، وقوله تعالى: {وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ} خاص في الرجعية دون المبتوتة، لأن المبتوتة قد ملكت نفسها. قال ابن كثير رحمه الله: "وهذا في الرجعيات، فأما المطلَّقات البوائن فلم يكن حال نزول هذه الآية (مطلقة بائن) وإنما كان ذلك لما حصروا في الطلقات الثلاث، فأما حال نزول هذه الآية فكان الرجل أحق برجعة امرأته وإن طلّقها مائة مرة، فلما قصروا على ثلاثة تطليقات، صار للناس مطلّقة بائن ومطلقة غير بائن". الحكم الخامس: ما هو حكم الطلاق الرجعي؟ الطلاق الرجعي يبيح للرجل حق الرجعة بدون عقد جديد، وبدون مهر جديد، وبدون رضا الزوجة ما دامت المرأة في العدة، فإذا انقضت العدة ولم يراجعها بانت منه، وقد أثبت الشارع له حق الرجعة بقوله تعالى: {وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ} أي أحق بإرجاعهن في وقت التربص بالعدة، وإذا كانت الرجعة حقاً للرجل فلا يشترط رضا الزوجة ولا علمها، ولا تحتاج إلى ولي، كما لا يشترط الإشهاد عليها وإن كان ذلك مستحباً خشية إنكار الزوجة فيه بعد أنه راجعها. وتصح المراجعة بالقول مثل قوله: راجعتُ زوجتي إلى عصمة نكاحي، وبالفعل مثل التقبيل، والمباشرة بشهوة، والجماع عند أبي حنيفة ومالك، وقال الشافعي: لا رجعة إلا بالقول الصريح ولا تصح بالوطء ودواعيه، لأن الطلاق يزيل النكاح. قال الشوكاني: "والظاهر ما ذهب إليه الأولون، لأن العدة مدة خيار، والاختيار يصح بالقول وبالفعل، وظاهر قوله تعالى: {وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ} وقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : مُره فليراجعها" تفسير : أنها تجوز المراجعة بالفعل لأنه لم يخص قولاً من فعل، ومن ادّعى الاختصاص فعليه الدليل". الحكم السادس: هل الطلاق الثلاث بلفظ واحد يقع ثلاثاً أم واحدة؟. دل قوله تعالى: {ٱلطَّلَٰقُ مَرَّتَانِ} على أن الطلاق ينبغي أن يكون مفرقاً مرة بعد مرة وقد اختلف العلماء في الطلاق الثلاث بلفظٍ واحدٍ هل يقع ثلاثاً أو واحدة؟. فذهب جمهور الصحابة والتابعين وأئمة المذاهب الأربعة إلى أنه يقع ثلاثاً، إمّا مع الحرمة، وإما مع الكراهة على حسب اختلافهم في فهم الآية الكريمة. وذهب بعض أهل الظاهر إلى أن طلاق الثلاث في كلمة واحدة يقع واحدة، وهو قول طاووس ومذهب الإمامية وقول (ابن تيمية) وبه أخذ بعض المتأخرين من الفقهاء دفعاً للحرج عن الناس، وتقليلاً لحوادث الطلاق، وفراراً من مفاسد التحليل. دليل الجمهور: استدل الجمهور على وقوع الطلاق الثلاث بما يلي: أولاً: إن الله عز وجل جعل للطلاق حداً وأرشد الرجل إلى أن يطلق مرة بعد مرة، وجعل له فسحة في الأمر حتى لا يضيع حقه في الرجعة، فإذا تعدى الإنسان هذه الرخصة وطلّق ثلاثاً وقع طلاقه لأن له عليها طلقتين وبالثالثة تبين منه، فإما أن يجمعها أو يفرقها. والإسلام قد أرشده إلى ما هو الأفضل والأصلح، فإذا جاوز هذا إلى ما فيه تضييق عليه أخذ بجزيرة نفسه. ثانياً: ما روي أن رجلاً جاء إلى ابن عباس فقال له: إنه طلّق امرأته ثلاثاً، قال مجاهد: فسكت ابن عباس حتى ظننت أنه رادها إليه، ثم قال: يطلّق أحدكم فيركب الحموقة ثم يقول: يا ابن عباس، يا ابن عباس وإن الله تعالى يقول: {أية : وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً} تفسير : [الطلاق: 2] وإنك لم تتق الله فلم أجد لك مخرجاً عصيت ربك، وبانت منك امرأتك". ثالثاً: واستدلوا بإجماع الصحابة حين قضى به عمر بن الخطاب رضي الله عنه فأقروه عليه، ولم ينكر أحد من الصحابة وقوع الثلاث بلفظ واحد على عمر بن الخطاب فدل ذلك على الإجماع. وقد ذهب البخاري إلى وقوع الثلاث وترجم على هذه الآية بقوله (باب من أجاز الطلاق الثلاث) بقوله تعالى: {ٱلطَّلَٰقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَٰنٍ}. وهذا إشارة منه رضي الله عنه إلى أنّ هذا التعديد إنما هو فسحة لهم، فمن ضيّق على نفسه لزمه. حجة الفريق الثاني: واستدل القائلون بوقوع الطلاق الثلاث واحدة بما رواه أحمد ومسلم من حديث طاووس عن ابن عباس أنه قال: "كان الطلاق على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر، وسنتين من خلافة عمر طلاقُ الثلاث واحدة، فقال عمر بن الخطاب: إن الناس قد استعجلوا في أمرٍ كانت لهم فيه أناةٌ، فلو أمضيناه عليهم، فأمضاه عليهم". وقالوا: إن الله قد فرّق الطلاق بقوله: {ٱلطَّلَٰقُ مَرَّتَانِ} أي مرة بعد مرة، وما كان مرة بعد مرة لا يملك المكلف إيقاعه دفعة واحدة، مثل (اللعان) لا بدّ من التفريق فيه، ولو قال: أشهد بالله أربع شهادات إني لمن الصادقين كان مرة واحدة، ولو قال المقر بالزنى: أنا أقر أربع مرات أني زنيت كان مرة واحدة، وقالوا: إن الشارع طلب أن يسبح العبد ربه ويحمده، ويكبّره دبر كل صلاة (ثلاثاً وثلاثين) ولا يكفيه أن يقول: سبحان الله ثلاثاً وثلاثين، ولا بدّ من التفريق حتى يكون قد أتى بالأمر المشروع. وقد أطال ابن القيم رحمه الله في كتابه "أعلام الموقعين" القول في المسألة وانتصر لرأي ابن تيمية، وفعل مثله (الشوكاني) في كتابه "نيل الأوطار" وله رسالة خاصة في تفنيد أدلة الجمهور. أقول: كلُّ ما استدل به الفريق الثاني لا يقوى على ردّ أدلة الجمهور وعلى إجماع الصحابة، وكفى بهذا الإجماع حجة وبرهاناً وهذا ما ندين الله عز وجل به. ونعتقد أنه الصواب، لأن مخالفة إجماع الصحابة وإجماع الفقهاء ليس بالأمر اليسير. ويحسن بنا أن ننقل ما كتبه العلامة القرطبي في تفسير "الجامع لأحكام القرآن" حيث قال رحمه الله: "واتفق أئمة الفتوى على لزوم إيقاع الطلاق الثلاث في كلمة واحدة، وهو قول جمهور السلف، وشذّ طاوس وبعض أهل الظاهر فقالوا: إن طلاق الثلاث في كلمة واحدة يقع واحدة، ويحكى عن داود أنه لا يقع، وجمهور السلف والأئمة أنه لازم واقع ثلاثاً، ولا فرق بين أن يوقع ثلاثاً مجتمعة في كلمة أو متفرقة في كلمات، واستدل من قال بوقوعه واحدة بأحاديث ثلاثة: أحدهما: حديث ابن عباس من رواية طاوس، وأبي الصهباء، وعكرمة. وثانيها: حديث ابن عمر على رواية من روى أنه طلق امرأته ثلاثاً، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره برجعتها واحتسبت واحدة. وثالثها: أنّ ركانة طلّق امرأته ثلاثاً فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم برجعتها، والرجعة تقتضي وقوع واحدة. والجواب عن الأحاديث ما ذكره الطحاوي عن (سعيد بن جبير) و (مجاهد) و (عطاء) في روايتهم عن ابن عباس فيمن طلّق امرأته ثلاثاً أنه قد عصى ربه، وبانت منه امرأته، ولا ينكحها إلا بعد زوج، وفيما رواه هؤلاء عن ابن عباس مما يوافق الجماعة، ما يدل على وهْن رواية طاوس وغيره، وما كان ابن عباس ليخالف الصحابة إلى رأي نفسه. قال ابن عبد البر: "رواية طاوس وهمٌ وغلط، لم يعرّج عليها أحد من فقهاء الأمصار بالحجاز والشام والعراق، والمشرق والمغرب". قال الباجي: فإن حمل حديث ابن عباس على ما يتأول فيه من لا يعبأ بقوله فقد رجع ابن عباس إلى قول الجماعة وانعقد به الإجماع، ودليلنا من جهة القياس أن هذا طلاق أوقعه من يملكه فوجب أن يلزمه. وأما حديث ابن عمر أنه طلّق امرأته ثلاثاً وهي حائض... إلخ فقد ردّه الدارقطني وقال: رواته كلهم من الشيعة، والمحفوظ أن ابن عمر طلّق امرأته واحدة في الحيض. وأما حديث (رُكانة) فقيل: إنه حديث مضطرب منقطع لا يستند من وجه يحتج به، وهو عن عكرمة عن ابن عباس وفيه "حديث : إن رُكانة طلّق امرأته ثلاثاً فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم ارجعها ". تفسير : والثابت أن ركانه طلّق امرأته البتة فاستحلفه رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أراد بها؟ فحلف ما أراد إلاّ واحدة فردّها إليه. فهذا اضطراب في الاسم والفعل ولا يحتج بشيء من مثل هذا. والخلاصة فإن رأي الجمهور يبقى أقوى دليلاً، وأمكن حجة، لا سيما وقد تعزّز بإجماع الصحابة والأئمة المجتهدين والله أعلم. الحكم السابع: ما المراد من قوله تعالى: {ٱلطَّلَٰقُ مَرَّتَانِ}؟ اختلف المفسرون في معنى قول الله تعالى: {ٱلطَّلَٰقُ مَرَّتَانِ} على أقوال عديدة نذكرها بالإجمال: أ - المراد: الطلاق المشروع مرتان، فما جاء على غير هذا فليس بمشروع، والآية مستقلة عمّا قبلها، وهذا قول الحجّاج بن أرطأة ومذهب الرافضة. ب - المراد: الطلاق المسنون مرتان وهذا قول ابن عباس ومجاهد ومذهب مالك رحمه الله. جـ - المراد: الطلاق الذي فيه الرجعة مرتان، وهذا قول قتادة وعروة واختيار الجمهور. قال الشوكاني في تفسيره "فتح القدير": المراد بالطلاق المذكور هو الرجعي بدليل ما تقدم من الآية الأولى، أي الطلاق الذي تثبت فيه الرجعة للأزواج هو مرتان، أي الطلقة الأولى والثانية، إذ لا رجعة بعد الثالثة، وإنما قال سبحانه (مرتان) ولم يقل طلقتان إشارة إلى أنه ينبغي أن يكون الطلاق مرة بعد مرة لا طلقتان دفعة واحدة". الحكم الثامن: هل يباح للزوج أخذ المال مقابل الطلاق؟ أمر الله عند تسريح المرأة أن يكون بإحسان، ونهى الزوج أن يأخذ شيئاً مما أعطى المرأة من المهر إلا في حالة الخوف ألا يقيما حدود الله {وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ مِمَّآ آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلاَّ أَن يَخَافَآ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ} والمراد عدم إقامة حدود الله التي شرعها للزوجين، من حسن المعاشرة والطاعة والقيام بحق كلٍ من الزوجين نحو الآخر، فإن ظهرت بوادر الشقاق والخلاف، واستحكمت أسباب الكراهية والنفرة جاز للمرأة أن تفتدي، وجاز للرجل أن يأخذ المال، وطلاقُ المرأة على هذا الوجه هو المعروف بـ (الخُلع) وقد عرّفه الفقهاء بأنه "فراقُ الرجل زوجته على بدلٍ يأخذه منها". وفي أخذ الزوج الفدية عدلٌ وإنصاف، فإنه هو الذي أعطاها المهر، وبذل تكاليف الزواج والزفاف، وأنفق عليها، وهي التي قابلت هذا كله بالجحود وطلبت الفراق فكان من الإنصاف أن تردّ عليه ما أخذت منه. والأصل في هذا ما رواه البخاري من قصة امرأة ثابت بن قيس وقد تقدم، وفيه قال لها عليه السلام: "حديث : أتردين عليه حديقته؟ قالت نعم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اقبل الحديقة وطلّقها تطليقة ". تفسير : وقد ذهب جمهور الفقهاء إلى أنه يجوز أن يأخذ الزوج من الزوجة زيادة على ما أعطاها لقوله تعالى: {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا ٱفْتَدَتْ بِهِ} وهذا عام يتناول القليل والكثير. وقال الشعبي والزهري والحسن البصري: لا يحل للزوج أن يأخذ زيادة على ما أعطاها، لأنه من باب أخذ المال بدون حق، وحجتهم أن الآية في صدد الأخذ مما أعطى الرجال النساء فلا تجوز الزيادة، والراجح أن الزيادة تجوز ولكنها مكروهة. وقد اختلف الفقهاء هل الخلع فسخ أو طلاق؟ فذهب الجمهور إلى أنه طلاق، وقال الشافعي في القديم إنه فسخ، وفائدة الخلاف تظهر فيما إذا خلعها هل تحسب عليه طلقة أم لا؟ والأدلة على هذه المسألة تطلب من كتب الفروع. الحكم التاسع: ما هو حكم المطلقة ثلاثاً، وكيف تحل للزوج الأول؟ دل قوله تعالى: {فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىٰ تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ} على أن المطلقة ثلاثاً تحرم على زوجها الأول حتى تتزوج بزوج آخر، وهي التي يسميها الفقهاء (بائنة بينونه كبرى) وذلك لأن الله تعالى ذكر الطلاق وبيّن أنه مرتان، ثم ذكر حكم الخلع وأعقبه بقوله: {فَإِنْ طَلَّقَهَا} فدلّ على أن المراد به الطلاق الثالث. قال القرطبي: "المراد بقوله تعالى: {فَإِنْ طَلَّقَهَا} الطلقة الثالثة فلا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره، وهذا مجمع عليه لا خلاف فيه". وذهب جمهور العلماء والأئمة المجتهدون إلى أن المراد بالنكاح في قوله تعالى: {حَتَّىٰ تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ} الوطء لا العقد، فلا تحل للزوج الأول حتى يطأها الزوج الثاني. وروي عن (سعيد بن المسيب) أنه قال: إن المطلقة ثلاثاً تحل للأول بالعقد على الثاني، وهو ضعيف لمصادمته للحديث الآتي الصحيح. واحتج الجمهور بما رواه ابن جرير عن عائشة قالت: "حديث : جاءت امرأة رفاعة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: كنت عند رفاعة فطلقني فبتّ طلاقي، فتزوجت عبد الرحمٰن بن الزبير، وإنّ ما معه مثل هدبة الثوب فقال لها: "تريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟ لا، حتى تذوقي عُسيلته ويذوق عسيلتك"" تفسير : رواه أصحاب السنن. والمراد بالعُسيلة: الجماع، شبّه اللذة فيه بالعسل. فقد وضّحتْ السنة المطهّرة أنّ المراد من فظ النكاح في الآية الكريمة هو (الجماع) لا العقد، وقال بعض العلماء إن الآية نفسها فيها دلالة على ذلك، فقد قال ابن جني: سألت أبا علي عن قولهم نكح المرأة، فقال فرّقت العرب بالاستعمال، فإذا قالوا: نكح فلانٌ فلانةً أرادوا أنه عقد عليها، وإذا قالوا: نكح زوجته أرادوا به المجامعة، وهنا قال تعالى: {حَتَّىٰ تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ} فالمراد منه المجامعة. الحكم العاشر: نكاح المحلّل وهل هو صحيح أم باطل؟ المحلِّل: بكسر اللام هو الذي يتزوج المطلّقة ثلاثاً بقصد أن يحلّها للزوج الأول، وقد سمّاه عليه السلام بالتيس المستعار ففي الحديث الشريف "حديث : ألا أخبركم بالتيس المستعار؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: هو المحلّل، لعن الله المحلّل والمحلَّل له ". تفسير : وقد اختلف العلماء في نكاح المحلّل فذهب الجمهور (مالك وأحمد والشافعي والثوري) إلى أن النكاح باطل، ولا تحل للزوج الأول. وقال الحنفية وبعض فقهاء الشافعية: هو مكروه وليس بباطل، لأن في تسميته بالمحلّل ما يدل على الصحة لأنها سبب الحل، وروي عن الأوزاعي أنه قال: بئس ما صنع والنكاحُ جائز. حجة الجمهور: استدل الجمهور على فساد نكاح المحلّل بما يلي: أولاً - حديث "حديث : لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المحلّل والمحلّل له ". تفسير : ثانياً - حديث "حديث : ألا أخبركم بالتيس المستعار؟ قالوا بلى يا رسول الله قال: هو المحلّل..." تفسير : الحديث. ثالثاً - حديث ابن عباس حديث : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نكاح المحلّل فقال: (لا "أي لا يحل" إلاّ نكاح رغبة، لا نكاح دلسة، ولا استهزاء بكتاب الله، ثم يذوق عُسيلتها) . تفسير : رابعاً - ما روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال: "لا أوتي بمحلّل ولا بمحلّل له إلاّ رجمتهما". خامساً - ما روي عن نافع عن ابن عمر أن رجلاً سأله عن رجل طلّق امرأته ثلاثاً فتزوجها أخ له من غير مؤامرة منه ليحلّها لأخيه هل تحل للأول؟ فقال: لا، إلاّ نكاح رغبة كنا نعد هذا سفاحاً على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم". الترجيح: والحق ما ذهب إليه الجمهور لأن النكاح يقصد منه الدوام والاستمرار، والتأقيت يبطله فإذا تزوجها بقصد التحليل، أو اشترط الزوج عليه أن يطلّقها بعد الدخول فقد فسد النكاح لأنه يشبه (نكاح المتعة) حينئذٍ، وهو باطل باتفاق العلماء. قال العلامة ابن كثير رحمه الله: "والمقصود من الزوج الثاني أن يكون راغباً في المرأة، قاصداً لدوام عشرتها، كما هو المشروع من التزويج، واشترط الإمام مالك مع ذلك أن يطأها الثاني وطأً مباحاً، فلو وطئها وهي محرمة، أو صائمة، أو معتكفة، لم تحلّ للأول بهذا الوطء، واشترط الحسن البصري الإنزال وكأنه فهمه من قوله عليه السلام "حديث : حتى تذوقي عُسيلته ويذوق عُسيلتك ". تفسير : ثم قال: فأما إذا كان الثاني إنما قصده أن يحلها للأول فهذا هو (المحلّل) الذي وردت الأحاديث بذمه ولعنه، ومتى صرّح بمقصوده، في العقد بطل النكاح عند جمهور الأئمة... ثم ساق الأحاديث الواردة في ذلك في "تفسيره" وقد أشرنا إلى بعضها فيما ذكرناه. "كلام السيد رشيد رضا في "المنار"" وقال في "تفسير المنار": "ألا فليعلم كل مسلم أن الآية صريحة في أن النكاح الذي تحل به المطلقة ثلاثاً هو ما كان زواجاً صحيحاً عن رغبة، وقد حصل به مقصود النكاح لذاته، فمن تزوجها بقصد الإحلال كان زواجه (صورياً) غير صحيح، ولا تحل به المرأة للأول، بل هو معصية لعن الشارع فاعلها، فإن عادت إليه كانت حراماً، ومثال ذلك من طهّر الدم بالبول، وهو رجسٌ على رجس، ونكاحُ التحليل شرٌّ من نكاح المتعة وأشد فساداً وعاراً... ثم نقل ما أورده ابن حجر المكي في كتابه "الزواجر" من الأخبار والآثار الدالة على التحريم ثم قال: وأنت ترى مع هذا أن رذيلة التحليل قد فشت في الأشرار، الذين جعلوا رخصة الطلاق عادة ومثابة، فصار الإسلام نفسه يعاب بهم وما عيبه سواهم، وقد رأيت في لبنان رجلاً نصرانياً ولع بشراء الكتب الإسلامية، فاهتدى إلى حقيقة الإسلام مع الميل إلى التصوف فأسلم، وقال لي: لم أجد في الإسلام غير ثلاثة عيوب لا يمكن أن تكون من الله، أقبحُها مسألة (التجحيش) أي التحليل فبينت له الحق فيها فاقتنع". أقول: إنَّ في التحليل مفاسد كثيرة نبّه عليها العلماء، وقد عقد العلامة (ابن القيم) في كتابه "أعلام الموقعين" فصولاً في بيانها، وقد طعن قوم في الشريعة الإسلامية لأنها أجازته، وقد علمت الرأي الصحيح في الموضوع عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن الصحابة والتابعين فالصواب ألا ينسب إليها حله والله المستعان. ما ترشد إليه الآيات الكريمة 1 - وجوب العدة على المطلّقة رجعية كانت أو بائنة للتعرف على براءة الرحم. 2 - حرمة كتمان ما في الرحم من الحمل، ووجوب الأمانة في الإخبار عن موضوع العدة. 3 - الزوج أحق بزوجته المطلّقة رجعياً ما دامت العدة لم تنته بعد. 4 - الرجل والمرأة في الحقوق والواجبات الزوجية سواء، وله عليها درجة القوامة والإشراف. 5 - الطلاق الرجعي الذي يملك فيه الزوج الرجعة مرتان فقط وفي الثالثة تحرم عليه حتى تنكح زوجاً آخر نكاحاً شرعياً صحيحاً بقصد الدوام والاستمرار. 6 - جواز الخلع والافتداء إذا كان ثمة مصلحة شرعية توجب الفراق. 7 - حرمة الإضرار بالزوجة لتفتدي نفسها من زوجها بالمال على الطلاق. 8 - لا بأس بعودة المطلّقة إلى زوجها الأول إذا طلّقها الزوج الثاني بعد المساس. خاتمة البحث: حكمة التشريع أباح الإسلام الطلاق، واعتبره أبغض الحلال إلى الله، وذلك لضرورة قاهرة، وفي ظروف استثنائية ملحّة، تجعله دواءً وعلاجاً للتخلص من شقاء محتّم، قد لا يقتصر على الزوجين بل يمتد إلى الأسرة كلها فيقلب حياتها إلى جحيم لا يطاق. والإسلام يرى أن الطلاق هدم للأسرة، وتصديع لبنيانها، وتمزيق لشمل أفرادها، وضرره يتعدى إلى الأولاد، فإن الأولاد حينما يكونون في حضن أمهاتهم يكونون موضعاً للرعاية وحسن التربية، وإذا حرموا عطف الأم وحنانها تعرضوا إلى التمزيق والتشتت، ومع هذا فقد أجازه الإسلام، لدفع ضررٍ أكبر، وتحصيل مصلحة أكثر، وهي التفريق بين متباغضين من الخير أن يفترقا، لأن الشقاق والنزاع قد استحكم بينهما، والحياةُ الزوجية ينبغي أن يكون أساسها الحب، والوفاء، والهدوء، والاستقرار، لا التناحر، والخصام، والبغضاء. فإذا لم تُجْد جميع وسائل الإصلاح للتوفيق بين الزوجين كان الطلاق ضرورة لا مندوحة عنه، ومن الضرورات التي تبيح الطلاق أن يرتاب الرجل في سلوك زوجته، وأن يطلع منها على الخيانة الزوجية باقتراف (فاحشة الزنى) فهل يتركها تفسد عليه نسبه، وتكدّر عليه حياته أم يطلّقها؟ وهناك أسباب أخرى كالعقم، والمرض الذي يحول دون الالتقاء الجسدي، أو المرض المعدي الذي يخشى انتقاله إلى الآخر إلى غير ما هنالك من الأسباب الكثيرة. وقد جعل الله جل ثناؤه الطلاق في تشريعه الحكيم مرتين متفرقتين في طهرين - كما دلت على ذلك السنة المطهرة - فإن شاء أمسك، وإن شاء طلق وأمضى الطلاق، فيكون الزوج على بينة مما يأتي وما يذر، ولن يتفرق بالطلاق بعد هذه الرويّة وهذه الأناة إلا زوجان من الخير ألاّ يجتمعا لصالح الأسرة وصالحهما بالذات. يقول الأستاذ الفاضل (أحمد محمد جمال) في كتابه "محاضرات في الثقافة الإسلامية" ما نصه: "ومما ينبغي ملاحظته هنا في حديثنا الموجز عن الطلاق في الإسلام، أن الشريعة الإسلامية انفردت بنظام (المراجعة) في الطلاق دون الشرائع الأخرى، حرصاً على إعادة الرباط الزوجي بين الزوجين، وحفاظاً على الذرية من الضياع والتشرد، واستصلاحاً لما فسد بين الزوجين من مودة وسكن، ويعتبر الطلاق الرجعي في الإسلام - وهو المرة الأولى والثانية - فترة اختبار للزوجين، وفرصة تأمل ومراجعة للأخطاء والزلات والندم والتوبة، ثم العودة إلى بيت الزوجية وما يظلله من مودة ورحمة وسكن وذرية. كما ينبغي أن نلاحظ أيضاً أن الإسلام جاء ليصحّح وضعاً خاطئاً، ويحفظ للمرأة كرامة كانت مضيعة على عهد الجاهلية الأولى، إذ كان العرب يطلّقون دون حصر أو عدد، فكان الرجل يطلق ما شاء ثم يراجع امرأته قبل أن تنقضي عدتها إضراراً لها، حيث تظل معلّقة بين طلاق ورجعة في نهاية العدة، ثم طلاق في بداية الرجعة وهكذا، فنزل القرآن الكريم يضع لهذه الفوضى حداً، ولهذا الظلم النازل بالنساء قيداً {ٱلطَّلَٰقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَٰنٍ }.
زيد بن علي
تفسير : وقولهُ تعالى: {يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ} معناه يَمسُكنَّ أَنْفُسُهُنَّ لاَ يَتزوجنَّ حتَّى تَنقَضِي عِدَّتُهُنَّ. تفسير : وقولهُ تعالى: {ثَلاَثَةَ قُرُوۤءٍ} فالقُروء: الحيضُ واحدُها قُرءٌ. والجمعُ: أَقراءٌ. وقالَ بعضُهُمْ القُرءُ: الطُّهرُ. تفسير : وقولهُ تعالى: {لاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ فِيۤ أَرْحَامِهِنَّ} قالَ زيدُ بن علي عليهما السَّلامُ: المعنى يريدُ بهِ الحَيضَ والحَبلَ. تفسير : وقولهُ تعالى: {وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ} فالبُعُولَةُ والبُعُولُ واحدٌ: وهو الأَزواجُ. [و] بَعْلُ الشيءِ أَيضاً ربُّهُ، وَمالِكُهُ. تفسير : وقولهُ تعالى: {وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ} معناهُ مَنْزِلَةٌ.
الأندلسي
تفسير : {وَٱلْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوۤءٍ} المطلاقات عام مخصوص بالمدخول بهن ذوات الاقراء لأن حكم هاتين والآيسة والحامل منصوص عليه مخالف لحكم هؤلاء، ويتربصن صورة خبر، ومعناه الأمر ومعناه ينتظرن ولا يقدمنَ على تزوج، وتربص متعد لقوله: ونحن نتربص بكم أن يصيبكم. ومفعوله هنا محذوف أي يتربصن التزويج والأزواج، والباء للسبب أي من أجل أنفسهن وانتصب ثلاثة على أنه ظرف أي مدة ثلاثة قروء. وقيل مفعول يتربصن أي مضى: ثلاثة قروء. والمشهور في القرء قولان: أحدهما أنه الحيض، والثاني الطهر. وظاهر عموم المطلقات دخول الزوجة الأمة في الاعتداد بثلاث قروء. وقرىء قروءً بالهمز وقرٌّؤ بالابدال والادغام، وقَروءٍ بفتح القاف وسكون الراء وراء هي حرف الاعراب. وفعول من بناء جمع الكثيرة، وهو هنا من باب التوسع إذ قد ينوب أحد الجمعين القلة والكثرة عن الآخرة. {وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ فِيۤ أَرْحَامِهِنَّ} من ادعا الحيض وما حاضت، أو انتفائه وقد حاضت، أو من الأجنة فلا يعترفن به وهن مؤتمنات على ذلك. وقرىء في أرحامهن وبردهن بضم الهاء فيهما. {إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ} شرط جوابه محذوف أي فيحرم عليهن ذلك أو فلا يكتمن. {وَبُعُولَتُهُنَّ} أي وأزواجهن. وجمع على فعولة وهو جمع لا ينقاس. وقرىء بضم الباء وسكونها. وسماهم بعولة باعتبار ما كانوا عليه. والضمير في بعولتهن عائد على المطلقات. والحكم خاص بالرجعيات أو على حذف مضاف أي وبعولة رجعياتهن. و{أَحَقُّ} على بابها من التفضيل لأن غير الزوج لا حق له ولا تسليط على الزوجة في مدة العدة وفي ذلك إشارة إلى مدة التربص وكأنه قال: وبعولتهن حقيقون بردهن. وأخبر أن حق الرد للزوج حتى لوابته فليس لها ذلك وله ردها إذ ذاك وفي كيفية الرد خلاف ولا خلاف في صحته بالقول. {إِنْ أَرَادُوۤاْ إِصْلاَحاً} ظاهره أنه شرط في الرجعة ويظهر أنه أراد به إصلاح ما حصل من الفساد بالطلاق. قالوا: ويستغني الزوج في المراجعة عن الولي وعن رضاها وعن تسمية مهر وعن الاشهاد على الرجعة على الصحيح، ويسقط بالرجعة بقية العدة ويحل جماعها في الحال ويحتاج إثبات هذا كله إلى دليل واضح من الشرع. والذي يظهر أن المرأة بالطلاق تنفصل من الرجل فلا يجوز أن تعود إليه إلا بنكاح ثان ثم إذا طلقها وأراد أن ينكحها فأما أن يبقى شيء من عدتها أو لا يبقى إن بقي فله أن يتزوجها دون انقضاء عدتها منه ان أراد الاصلاح ومفهوم الشرط أنه إن أراد غير الاصلاح لا يكون له ذلك فإِن انقضت عدتها استوى هو وغيره في جواز تزوجها، واما أن تكون قد طلقت وهي باقية في العدة فيردها من غير اعتبار شروط النكاح فيحتاج إثبات هذا الحكم إلى دليل واضح كما قلناه فإِن كان ثم دليل واضح من نص أو إجماع قلنا به ولا يعترض علينا بأن له الرجعة على ما وصفوا وان ذلك من أوّليات الفقه التي لا يسوغ النزاع فيها فإِن كل حكم يحتاج إلى دليل. {وَلَهُنَّ} أي على أزواجهنّ. {مِثْلُ ٱلَّذِي} لأزواجهن. {عَلَيْهِنَّ} وهذا من بديع الكلام إذ حذف شيء من الأول أثبت نظيره في الآخر، وحذف شيئاً من الآخر أثبت نظيره في الأول، والمثلية في الموافقة والطواعية وحسن العشرة. ومثل: مبتدأ، وخبره: لهن وبالمعروف: متعلق به لهن. {بِٱلْمَعْرُوفِ} الذي لا ينكر في الشرع وعادات الناس ولا يكلف أحدهما الآخر من الأشغال ما ليس معروفاً به بل ما يليق به. {وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ} أي مزية وفضيلة في الحق نوّه بذكر الرجولية والمزية فضيلته عليها في الميراث والجهاد ووجوب طاعتها إياه والصداق والانفاق وكون الطلاق بيده ووفور العقل وغير ذلك مما يمتاز به الرجل على المرأة. ودرجة: مبتدأ، وللرجال: خبره. وعليهنّ: متعلق بما يتعلق به للرجال.
الجيلاني
تفسير : {وَٱلْمُطَلَّقَاتُ} المدخولات بهن {يَتَرَبَّصْنَ} ينتظرن {بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوۤءٍ} أي: مضى مدتها والقروء: يطلق على الحيض والطهر، وأصل وضعه للانتقال من الطهر إلى الحيض، وهو المراد في الآية لأنه لاستبراء الرحم والدال على البراءة، هذا {وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ} أي: المطلقات المعتدات {أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ فِيۤ أَرْحَامِهِنَّ} مدة المعدة من الحيض؛ لئلا يختلط النسب {إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِٱللَّهِ} العالم بالسرائر {وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ} الذي تبلى فيه جميع السرائر والضمائر {وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ} أليق وأولى {بِرَدِّهِنَّ} إليهم {فِي ذَلِكَ} أي: في زمان التربص {إِنْ أَرَادُوۤاْ} أي: الأزواج {إِصْلاَحاً وَ} اعلموا أيها المؤمنون {لَهُنَّ} عليكم من الرعاية والمحافظة على آداب الخدمة، والاستئناس وغير ذلك {مِثْلُ ٱلَّذِي} لكم {عَلَيْهِنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ} من الحقوق والرعاية والمحافظة {وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ} فضيلة بحسب الخلق والعقل والتميز وكمال الإيمان والمحافظة على حدود الله وامتثال مأموراته {وَٱللَّهُ عَزِيزٌ} يعز من يشاء من عباده ويذل من يشاء {حَكِيمٌ} [البقرة: 228] في فعله لا يُسأل عما يفعل. {ٱلطَّلَٰقُ} الصادر من أولي العزائم وذوي الألباب {مَرَّتَانِ} مرة عند عروض النفرة المنافية للرغبة السابقة، المستلزمة للزواج والازدواج، المنبعث عن طبيعته المقتضية بالطبع للاختلافات والازدواجيات الواقعة بين أسبابها، وهي الأوصاف الإلهية، ثم إذا رجع العازم عنه لا بد أن يكون رجوعه أيضاً عن رويةٍ وتدبرٍ، بأن يلاحظ أنه سبب انبعاث الرغبة السابقة واشتياقها ثانياً، فيكذب نفسه ويرجع إليها، وإن طلقها بعد تلك المراجعة {فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ} أي: فعليه بعد الطلقة الثانية أحد الأمرين، ولا يتجاوز عنه إلى الطلقة الثالثة، وإلا لسقط عن زمرة العقلاء العازمين على الأمور الشرعية بالعزيمة الخالصة، إمَّا إمساك بالمعروف، والمستحسن عند الله وعند المؤمنين، بل لا بد أن يكون هذا الإمساك أحسن من الإمساك السابق على الطلاق حي الوفاق {أَوْ تَسْرِيحٌ} وإطلاق وتبعيد مقارن {بِإِحْسَٰنٍ} من مالٍ وخلقٍ وكلمةٍ طيبة؛ ليرتفع غبار العداوة والبغضاء الواقعة بإغواء الشيطان بينهماز {وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ} أيها الحكام المقيمون للأحكام الشرعية أصلاً {أَن تَأْخُذُواْ} من النساء {مِمَّآ آتَيْتُمُوهُنَّ} من المهور والصداقات {شَيْئاً} وتردوه إلى أزواجهن {إِلاَّ أَن يَخَافَآ} أي: الزوجان كل منهما على نفسه {أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ} الموضوعة من عنده سبحانه لإصلاح حالهما {فَإِنْ خِفْتُمْ} أيها الحكام أيضاً {أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ} بينهما {فَلاَ جُنَاحَ} إثم {عَلَيْهِمَا} على الرجل {فِيمَا} أخذ {ٱفْتَدَتْ بِهِ} المراة للخلاص والطلاق، وعلى المرأة لإعطائه له {تِلْكَ} الأحكام المذكورة {حُدُودُ ٱللَّهِ} الموضوعة فيكم أيها المؤمنون لإصلاح أحوالكم {وَ} فلا تتجاوزوا عنها بالمخالفة وعدم الامتثال {فَلاَ تَعْتَدُوهَا} اعملوا أن {مَن يَتَعَدَّ حُدُودَ ٱللَّهِ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ} [البقرة: 229] المجاوزون عن حد الإنسانية إلى البهيمية، والمضيعون لمقتضيات العقل الشريف المفاض عليهم من لدنه سبحانه. {فَإِنْ طَلَّقَهَا} أي: إن وقع الطلاق بينهما بعد المرتين {فَلاَ تَحِلُّ} المرأة المطلقة {لَهُ} أي: للرجل المطلق {مِن بَعْدُ} أي: بعد وقوع الطلاق الثالثة {حَتَّىٰ تَنْكِحَ} تتزوج المرأة {زَوْجاً} ثانياً {غَيْرَهُ} أي: غير الزوج الأول {فَإِن طَلَّقَهَا} الزوج الثاني {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَآ أَن يَتَرَاجَعَآ} أي: يرجع كل من الزوج الاول والمرأة إلى الآخر بالزواج، ويلمس كل منهما عسلية الزوج الثاني إن اشتهى، وذلك حين {إِن ظَنَّآ أَن يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ} بينهما {وَتِلْكَ} الأحكام {حُدُودُ ٱللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} [البقرة: 230] يعقلون ويفهمون حدوده ويعلمون بها بمقتضى العقل؛ إذ التكاليف الواقعة في الشرع الماضي لأجله.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : ثم أخبر عن المطلقات وأحوالهن في العذاب بقوله تعالى: {وَٱلْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوۤءٍ} [البقرة: 228]، والإشارة فيها أن المطلقات أمرن بالعدة وفاء لحق الصحبة، وإن كان الانقطاع من الزوج لا من الزوجة، وأمرن أن يغرن على عزة مقامه بالسرعة، ويصبرن حتى يمضي مقداراً من المدة إلى آخر القصة كلها دلالات على وفاء الربوبية في رعاية حق العبودية، فإن الله تعالى من كمال كرمه يرخي زمام الفضل بالاصطناع، وإن كان من العبد الفضل والانقطاع، ويمهل العبد إلى انقطاع عدة الجفاء لا يعرض عنه سريعاً لإقامة شرط الوفاء لعل العبد في مدة العدة يتنبه من نوم الغفلة وتتحرك داعيته في ضمير قلبه من نتائج محبته ربه إذ لم تكن له. {وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ فِيۤ أَرْحَامِهِنَّ إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ} [البقرة: 228]، لا يكتم ما خلق الله في رحم قلبه من المحبة، وإن ابتلاه بمحنة الفرقة؛ فيقرع بإصبع الندامة باب التوبة، ويقوم على قدم الغرامة في طلب الرجعة والأوبة، فيقال من كمال الفضل والنوال: يا قارع الباب دع نفسك وتعال من طال منا فلاحاً فليلزم عتبتنا مساءً وصباحاً {وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوۤاْ إِصْلاَحاً} [البقرة: 228]، وفي قوله تعالى: {وَلَهُنَّ مِثْلُ ٱلَّذِي عَلَيْهِنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ} [البقرة: 228]، إشارة إلى أن للعباد حقاً في ذمة كرم الربوبية كما أن لله حقاً في ذمة عباده فمهما راعى العبد حق الربوبية بتقربه إليه شبراً، فالله أحق أن يراعي العبودية فيتقرب إليه ذراعاً، ولله عز وجل في رعاية حق العباد درجة عليهم ورعايتهم حق الله تعالى؛ لأنهم راعون حقه على عجزهم وضعف حالهم، وتغير أحوالهم، والله تبارك وتعالى يراعي حقوقهم على قدر كماله وعظمته وجلاله وسعة فضله ونواله، وقال تبارك وتعالى: "حديث : إن أتاني يمشي أتيته هرولة"،تفسير : قال الله تعالى: {أية : لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ ٱلْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ}تفسير : [يونس: 26] أي: أحسنوا برعاية حق الربوبية في العبودية، فلهم الحسنى بنعيم الجنان لرعاية حق عبوديتهم من كرم الربوبية، ولهم مزيداً لفضل الألوهية بزيادة الرؤية توفيةً لحقوق عباده، كما قال معاذ بن جبل رضي الله عنه كنت رديف النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "حديث : هل تدري يا معاذ ما حق الله على الناس؟ قال: قلت الله ورسوله أعلم، قال: حقه عليهم أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً، أتدري ما معاذ ما حق الناس على الله إذا فعلوا ذلك؟ قال: قلت الله ورسوله أعلم، قال: فإن حق الناس على الله أن لا يعذبهم"تفسير : أي: بذل الحجاب، فإن الكفار معذبون بذل الحجاب لقوله تعالى: {أية : كَلاَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ}تفسير : [المطففين: 15] {وَٱللَّهُ عَزِيزٌ} [البقرة: 228]، أعز من أن يراعي العباد مع عجزهم وضعفهم كجمال حقوق ربوبيته {حَكِيمٌ} [البقرة: 228]، لا يقتضي أن يطالبهم بما لا يسع في وسعهم وطاقتهم بل بحكمته يقبل منهم القليل، ويوفيهم الثواب الجزيل. وأخبر عن حل الطلاق، واختيار الفراق بقوله تعالى: {ٱلطَّلَٰقُ مَرَّتَانِ} [البقرة: 229]، والإشارة فيها أن أهل الصحبة لا يفارقون بجرمة واحدة صدرت من الرفيق الشقيق والصديق الصدوق ولا بجرمتين؛ بل يتجاوزون مرة أو مرتين، وفي الثالثة {فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَٰنٍ} [البقرة: 229]، إما صحبة جميلة أو فرقة جميلة كما تجاوز خضر عن موسى - عليهما السلام - مرتين وفي الثالثة قال: {أية : هَـٰذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ}تفسير : [الكهف: 78]، فأما الصحبة من غير تعظيم وحرقة، وإذهاب لذات العمر بالأخلاق الذميمة، وإضاعة الوقت في تحصيل المقت فغير مرضي في الطريق، ولا محمود في الشريعة؛ بل قاطع طريق الحق، وفي قوله تعالى: {وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ مِمَّآ آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً} [البقرة: 229]، إشارة إلى أن ليس لأهل الصحبة إذا اتفقت المفارقة أن يستردوا خواطرهم عن الرفقاء بالكلية، ويقطعوا رحم الأخوة والدين، ويأخذوا عنهم قلوبهم بعد ما آتوهم الهمم العلية، فإن العائد في هيبة كالعائد في ميسرة: {إِلاَّ أَن يَخَافَآ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ} [البقرة: 229]، في رعاية الصحبة {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ} [البقرة: 229]، بأن تؤدي إلى مداهنة، أو إهمال في حق من حقوق الدين {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا ٱفْتَدَتْ بِهِ} [البقرة: 229]، من الحظوظ لرعاية الحقوق {تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ} [البقرة: 229]، من الحظوظ والمحقوق {فَلاَ تَعْتَدُوهَا} [البقرة: 229]، بترك الحقوق لنيل الحظوظ {وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ ٱللَّهِ} [البقرة: 229]، في تلك الحقوق {فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ} [البقرة: 229]؛ أي: الواضعون أرواحهم في وضع الحظوظ موضع الحقوق. ثم أخبر عن تمام الفراق بتثليث الطلاق بقوله تعالى: {فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىٰ تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ} [البقرة: 230]، والإشارة فيها أن أهل الصحبة لما تجاوزوا عن زلة الإخوان مرة ومرتين، ثم في الثالثة أن يسلكوا طريق الهجران، وخرجوا عن مناصحة الإخوان فلا يحل للإخوان أن يواصلوا الخوان حتى يصاحب الخائن صديقاً مثله، فإن ندم من أجل ذلك عن أفعاله وسلم عن ذلك الصديق وأمثاله، وترك صحبته وخرج عن خصاله، ورجع إلى صحبة إخوانه وأشكاله {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَآ أَن يَتَرَاجَعَآ إِن ظَنَّآ أَن يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ} [البقرة: 230]، شرائط العبودية والصحبة في الله، وتلك حدود الله طريق قربات الله للسائرين إلى الله بالتصريح والتعريض والعبارات والإشارات، وفي الآية أيضاً إشارة إلى أن الله تعالى يتجاوز عن زلات العبد مرة بعد أخرى، ويعفو عن سيئاته تارة بعد أخرى، فإن استمر العبد على أخطاءه ودوام على جفائه، فالله تعالى يبليه بالخذلان، ويجعله قرين الشيطان كما قال الله تعالى: {أية : وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ ٱلرَّحْمَـٰنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ}تفسير : [الزخرف: 36]، فإن طلق قرين الشيطان، ورجع بالإنابة إلى باب الرحمن يخرجه بفضله وكرمه من الخذلان، ويتداركه بالغفران والرضوان، ويهديه إلى درجات الجنان، ويجعله من أهل القربات والعرفان كما قال تعالى: {أية : هَلْ جَزَآءُ ٱلإِحْسَانِ إِلاَّ ٱلإِحْسَانُ}تفسير : [الرحمن: 60]. ثم أخبر عن إمساك المطلقين قبل انقضاء العدة بمعروف، أو تسريح بإحسان بقوله تعالى: {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ} [البقرة: 231]، والإشارة فيها أن الأذية في المصادرة ليست من الإسلام، ولا من آثار الإيمان، ولا من شعار المسلمين عموماً كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : المؤمن من آمن الناس، والمسلمون من سلم المسلمون من لسانه ويده"، تفسير : ويتضمن حسن المعاشرة مع الخلق جميعاً. فأما معاشرة الزوجين ففيها خصوصية بالأمر بحسن المعاشرة معهن، وترك أذيتهن والمغالظة معهن على وجه الجناح، فإما تخلية السبيل من غير الجفاء، أو قيام بحق الصحبة على شرائط الوفاء فلا اعتداء {وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ} [البقرة: 231]، أي: من الأذية والمضارة والاعتداء بالجفاء {فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ} [البقرة: 231]، وهو يحسب أنه ظلم غيره؛ لأن الله تعالى يجازي الظالم والمظلوم يوم القيامة بأن يكافئ المظلوم من حسنات الظالم، ويجازي الظالم من سيئات المظلوم، وفيه معنى آخر، وهو أن الظالم إذا أساء إلى غيره؛ فصارت نفسه ميتة، وإذا أحسن صارت نفسه محسنة، فترجع إساءة الظالم إلى نفسه لا إلى نفسه غيره حقيقة، فإنه ظالم نفسه لا غيره؛ ولهذا قال الله تعالى: {أية : إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا}تفسير : [الإسراء: 7]، {وَلاَ تَتَّخِذُوۤاْ آيَاتِ ٱللَّهِ هُزُواً} [البقرة: 231]، أي: تلاوة ظاهرة من غير تدبر معانيها، وتفهم إشاراتها، وتحقيق أسرارها، وتتبع حقائقها، والتنور بأنوارها، والاتعاظ بمواعظها، وحكمها يدل على هذا سياق الآية {وَٱذْكُرُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَآ أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِّنَ ٱلْكِتَابِ وَٱلْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ} [البقرة: 231]، يعني ما سبق ذكره من دلالات القرآن {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} [البقرة: 231]، في تضييع هذه المعاني، والتغافل عنها {وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [البقرة: 231]، تعلمون من هذه الحكمة، وتتركونه بما تفهمون منه وتعلمون {عَلِيمٌ} [البقرة: 231]، بجميعه، وهو أنعم به عليكم، وعلمكم كما قال تعالى: {وَعَلَّمَ ءَادَمَ ٱلأَسْمَآءَ كُلَّهَا} [البقرة: 31]. ثم أخبر عمن يتعظ بمواعظ في المطلقات لا يؤذيهن بالمضرات بقوله تعالى: {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ} [البقرة: 232]، والإشارة فيها أنها وإن تضمنت نهي الأولياء عن مضارتهن، وترك أحكام الجاهلية، والانقياد لحكم الله في تزويج النساء إذا أردن النكاح من دون استشعار الأنفة والحمية الجاهلية، فإنها تضمنت نهي أهل الصحبة عن مقايضة بعضهم بعضاً خصوصاً لمن أملى بالفرقة، وانقطع عن المعرفة؛ ثم أدركته العناية، وسلكته الهداية بعد أن بلغ أن ينكحن أزواجهن، فبقبح علمه عاد إلى صلة الإخوان بعد انقضاء مدة الهجران، فلا يعضله أحد من الخذلان أن يرجع إلى صحبة الأقران {إِذَا تَرَاضَوْاْ بَيْنَهُمْ} [البقرة: 232]، بقية الأخوان {ذٰلِكَ يُوعَظُ بِهِ} [البقرة: 232]، ويزجر بهذا الزواجر {مَن كَانَ مِنكُمْ يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ} [البقرة: 232]، لأن المؤمن ينظر بنور الله يرى أن التعاون على البر والتقوى خير من التعاون على الإثم والعدوان {ذٰلِكُمْ أَزْكَىٰ لَكُمْ} [البقرة: 232]، لنفوسكم من الأخلاق الذميمة {وَأَطْهَرُ} [البقرة: 232]، لقلوبكم من الأوصاف البشرية {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ} [البقرة: 232]، ما يضركم، وما ينفعكم، وما يوصلكم، وما يحجبكم {وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ}[البقرة: 232].
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : أي: النساء اللاتي طلقهن أزواجهن { يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ } أي: ينتظرن ويعتددن مدة { ثَلاثَةَ قُرُوءٍ } أي: حيض، أو أطهار على اختلاف العلماء في المراد بذلك، مع أن الصحيح أن القرء، الحيض، ولهذه العدةِ عِدّةُ حِكَمٍ، منها: العلم ببراءة الرحم، إذا تكررت عليها ثلاثة الأقراء، علم أنه ليس في رحمها حمل، فلا يفضي إلى اختلاط الأنساب، ولهذا أوجب تعالى عليهن الإخبار عن { مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ } وحرم عليهن، كتمان ذلك، من حمل أو حيض، لأن كتمان ذلك، يفضي إلى مفاسد كثيرة، فكتمان الحمل، موجب أن تلحقه بغير من هو له، رغبة فيه واستعجالا لانقضاء العدة، فإذا ألحقته بغير أبيه، حصل من قطع الرحم والإرث، واحتجاب محارمه وأقاربه عنه، وربما تزوج ذوات محارمه، وحصل في مقابلة ذلك، إلحاقه بغير أبيه، وثبوت توابع ذلك، من الإرث منه وله، ومن جعل أقارب الملحق به، أقارب له، وفي ذلك من الشر والفساد، ما لا يعلمه إلا رب العباد، ولو لم يكن في ذلك، إلا إقامتها مع من نكاحها باطل في حقه، وفيه الإصرار على الكبيرة العظيمة، وهي الزنا لكفى بذلك شرا. وأما كتمان الحيض، بأن استعجلت وأخبرت به وهي كاذبة، ففيه من انقطاع حق الزوج عنها، وإباحتها لغيره وما يتفرع عن ذلك من الشر، كما ذكرنا، وإن كذبت وأخبرت بعدم وجود الحيض، لتطول العدة، فتأخذ منه نفقة غير واجبة عليه، بل هي سحت عليها محرمة من جهتين: من كونها لا تستحقه، ومن كونها نسبته إلى حكم الشرع وهي كاذبة، وربما راجعها بعد انقضاء العدة، فيكون ذلك سفاحا، لكونها أجنبية عنه، فلهذا قال تعالى: { وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ } . فصدور الكتمان منهن دليل على عدم إيمانهن بالله واليوم الآخر، وإلا فلو آمنّ بالله واليوم الآخر، وعرفن أنهن مجزيات عن أعمالهن، لم يصدر منهن شيء من ذلك. وفي ذلك دليل على قبول خبر المرأة، عما تخبر به عن نفسها، من الأمر الذي لا يطلع عليه غيرها، كالحيض والحمل ونحوه. ثم قال تعالى: { وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ } أي: لأزواجهن ما دامت متربصة في تلك العدة، أن يردوهن إلى نكاحهن { إِنْ أَرَادُوا إِصْلاحًا } أي: رغبة وألفة ومودة. ومفهوم الآية أنهم إن لم يريدوا الإصلاح، فليسوا بأحق بردهن، فلا يحل لهم أن يراجعوهن، لقصد المضارة لها، وتطويل العدة عليها، وهل يملك ذلك، مع هذا القصد؟ فيه قولان. الجمهور على أنه يملك ذلك، مع التحريم، والصحيح أنه إذا لم يرد الإصلاح، لا يملك ذلك، كما هو ظاهر الآية الكريمة، وهذه حكمة أخرى في هذا التربص، وهي: أنه ربما أن زوجها ندم على فراقه لها، فجعلت له هذه المدة، ليتروى بها ويقطع نظره. وهذا يدل على محبته تعالى، للألفة بين الزوجين، وكراهته للفراق، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : أبغض الحلال إلى الله الطلاق" تفسير : وهذا خاص في الطلاق الرجعي، وأما الطلاق البائن، فليس البعل بأحق برجعتها، بل إن تراضيا على التراجع، فلا بد من عقد جديد مجتمع الشروط. ثم قال تعالى: { وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ } أي: وللنساء على بعولتهن من الحقوق واللوازم مثل الذي عليهن لأزواجهن من الحقوق اللازمة والمستحبة. ومرجع الحقوق بين الزوجين يرجع إلى المعروف، وهو: العادة الجارية في ذلك البلد وذلك الزمان من مثلها لمثله، ويختلف ذلك باختلاف الأزمنة والأمكنة، والأحوال، والأشخاص والعوائد. وفي هذا دليل على أن النفقة والكسوة، والمعاشرة، والمسكن، وكذلك الوطء - الكل يرجع إلى المعروف، فهذا موجب العقد المطلق. وأما مع الشرط، فعلى شرطهما، إلا شرطا أحل حراما، أو حرم حلالا. { وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ } أي: رفعة ورياسة، وزيادة حق عليها، كما قال تعالى: {أية : الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ } . تفسير : ومنصب النبوة والقضاء، والإمامة الصغرى والكبرى، وسائر الولايات مختص بالرجال، وله ضعفا ما لها في كثير من الأمور، كالميراث ونحوه. { وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } أي: له العزة القاهرة والسلطان العظيم، الذي دانت له جميع الأشياء، ولكنه مع عزته حكيم في تصرفه. ويخرج من عموم هذه الآية، الحوامل، فعدتهن وضع الحمل، واللاتي لم يدخل بهن، فليس لهن عدة، والإماء، فعدتهن حيضتان، كما هو قول الصحابة رضي الله عنهم، وسياق الآيات يدل على أن المراد بها الحرة.
همام الصنعاني
تفسير : 279- عبد الرزاق، قال: حدثنا معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ فِيۤ أَرْحَامِهِنَّ}: [الآية: 228]، قال: كانت المرأةُ تكتم حَمْلَها حتَّى تَجْعَله لِرجُلٍ آخر فنَهاهُنَّ الله تعالى عن ذلك. 280- عبد الرزاق، قال: حدثنا معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ}: [الآية: 228]، قَالَ: أحقَّ برَدِّهِنَّ في العِدَّة. 281- عبد الرزاق، قال: حدثنا معمر، عن قتادة في قوله تعالى: {وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ}: [الآية: 228]، قَالَ: لِلرَّجُلِ دَرَجةٌ في الْفَضْلِ عَلَى النِّساءِ.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):