Verse. 236 (AR)

٢ - ٱلْبَقَرَة

2 - Al-Baqara (AR)

اَلطَّلَاقُ مَرَّتٰنِ۝۰۠ فَاِمْسَاكٌۢ بِمَعْرُوْفٍ اَوْ تَسْرِيْحٌۢ بِـاِحْسَانٍ۝۰ۭ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ اَنْ تَاْخُذُوْا مِمَّاۗ اٰتَيْتُمُوْھُنَّ شَـيْـــًٔـا اِلَّاۗ اَنْ يَّخَافَاۗ اَلَّا يُقِيْمَا حُدُوْدَ اؘ۝۰ۭ فَاِنْ خِفْتُمْ اَلَّا يُقِيْمَا حُدُوْدَ اؘ۝۰ۙ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْھِمَا فِـيْمَا افْتَدَتْ بِہٖ۝۰ۭ تِلْكَ حُدُوْدُ اللہِ فَلَا تَعْتَدُوْھَا۝۰ۚ وَمَنْ يَّتَعَدَّ حُدُوْدَ اللہِ فَاُولٰۗىِٕكَ ھُمُ الظّٰلِمُوْنَ۝۲۲۹
Alttalaqu marratani faimsakun bimaAAroofin aw tasreehun biihsanin wala yahillu lakum an takhuthoo mimma ataytumoohunna shayan illa an yakhafa alla yuqeema hudooda Allahi fain khiftum alla yuqeema hudooda Allahi fala junaha AAalayhima feema iftadat bihi tilka hudoodu Allahi fala taAAtadooha waman yataAAadda hudooda Allahi faolaika humu alththalimoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«الطلاق» أي التطليق الذي يراجع بعده «مرتان» أي اثنتان «فإمساك» أي فعليكم إمساكهن بعده بأن تراجعوهن «بمعروف» من غير ضرار «أو تسريح» أي إرسالهن «بإحسان ولا يحل لكم» أيها الأزواج «أن تأخذوا مما آتيتموهن» من المهور «شيئا» إذا طلقتموهن «إلا أن يخافا» أي الزوجان «أ» ن «لا يقيما حدود الله» أي لا يأتيا بما حده لهما من الحقوق وفي قراءة يخافا بالبناء للمفعول فأن لا يقيما بدل اشتمال من الضمير فيه وقرئ بالفوقانية في الفعلين «فإن خفتم أ» ن «لا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما» «فيما افتدت به» نفسها من المال ليطلقها أي لا حرج على الزوج في أخذه ولا الزوجة في بذله «تلك» الأحكام المذكورة «حدود الله فلا تعتدوها ومن يتعدَّ حدود الله فأولئك هم الظالمون».

229

Tafseer

الرازي

تفسير : قوله تعالى: {ٱلطَّلَـٰقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَـٰنٍ }. اعلم أن هذا هو الحكم الثالث من أحكام الطلاق، وهو الطلاق الذي تثبت فيه الرجعة. وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: كان الرجل في الجاهلية يطلق امرأته ثم يراجعها قبل أن تنقضي عدتها، ولو طلقها ألف مرة كانت القدرة على المراجعة ثابتة له، فجاءت امرأة إلى عائشة رضي الله عنها، فشكت أن زوجها يطلقها ويراجعها يضارها بذلك، فذكرت عائشة رضي الله عنها ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزل قوله تعالى: {ٱلطَّلَـٰقُ مَرَّتَانِ }. المسألة الثانية: اختلف المفسرون في أن هذا الكلام حكم مبتدأ وهو متعلق بما قبله، قال قوم: إنه حكم مبتدأ، ومعناه أن التطليق الشرعي يجب أن يكون تطليقة بعد تطليقة على التفريق دون الجمع والإرسال دفعة واحدة، وهذا التفسير هو قول من قال: الجمع بين الثلاث حرام، وزعم أبو زيد الدبوسي في الأسرار: أن هذا هو قول عمر، وعثمان، وعلي، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله ابن عباس، وعبد الله بن عمر، وعمران بن الحصين، وأبـي موسى الأشعري، وأبـي الدرداء وحذيفة. والقول الأول: في تفسير الآية أن هذا ليس ابتداء كلام بل هو متعلق بما قبله، والمعنى أن الطلاق الرجعي مرتان، ولا رجعة بعد الثلاث، وهذا التفسير هو قول من جوز الجمع بين الثلاث، وهو مذهب الشافعي رضي الله تعالى عنه. حجة القائلين بالقول الأول: أن لفظ الطلاق يفيد الاستغراق، لأن الألف واللام إذا لم يكونا للمعهود أفادا الاستغراق، فصار تقدير الآية: كل الطلاق مرتان، ومرة ثالثة، ولو قال هكذا لأفاد أن الطلاق المشروع متفرق، لأن المرات لا تكون إلا بعد تفرق بالإجماع. فإن قيل: هذه الآية وردت لبيان الطلاق المسنون، وعندي الجمع مباح لا مسنون. قلنا: ليس في الآية بيان صفة السنة، بل كان تفسير الأصل الطلاق، ثم قال هذا الكلام وإن كان لفظه لفظ الخبر، إلا أن معناه هو الأمر، أي طلقوا مرتين يعني دفعتين، وإنما وقع العدول عن لفظ الأمر إلى لفظ الخبر لما ذكرنا فيما تقدم أن التعبير عن الأمر بلفظ الخبر يفيد تأكيد معنى الأمر، فثبت أن هذه الآية دالة على الأمر بتفريق الطلقات، وعلى التشديد في ذلك الأمر والمبالغة فيه، ثم القائلون بهذا القول اختلفوا على قولين الأول: وهو اختيار كثير من علماء الدين، أنه لو طلقها اثنين أو ثلاثاً لا يقع إلا الواحدة، وهذا القول هو الأقيس، لأن النهي يدل على اشتمال المنهي عنه على مفسدة راجحة، والقول بالوقوع سعى في إدخال تلك المفسدة في الوجود وأنه غير جائز، فوجب أن يحكم بعدم الوقوع. والقول الثاني: وهو قول أبـي حنيفة رضي الله عنه: أنه وإن كان محرماً إلا أنه يقع، وهذا منه بناء على أن النهي لا يدل على الفساد. القول الثالث: في تفسير هذه الآية أن نقول: أنها ليست كلاماً مبتدأ، بل هي متعلقة بما قبلها، وذلك لأنه تعالى بين في الآية الأولى أن حق المراجعة ثابت للزوج ولم يذكر أن ذلك الحق ثابت دائماً أو إلى غاية معينة، فكان ذلك كالمجمل المفتقر إلى المبين، أو كالعام المفتقر إلى المخصص فبين في هذه الآية أن ذلك الطلاق الذي ثبت فيه للزوج حق الرجعة، هو أن يوجد طلقتان فقط وأما بعد الطلقتين فلا يثبت ألبتة حق الرجعة بالألف واللام في قوله: الطلاق للمعهود السابق، يعني ذلك الطلاق الذي حكمنا فيه بثبوت الرجعة هو أن يوجد مرتين، فهذا تفسير حسن مطابق لنظم الآية والذي يدل على أن هذا التفسير أولى لوجوه الأول: أن قوله: {أية : وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدّهِنَّ } تفسير : [البقرة: 228] إن كان لكل الأحوال فهو مفتقر إلى المخصص، وإن لم يكن عاماً فهو مجمل، لأنه ليس فيه بيان الشرط الذي عنده يثبت حق الرجعة، فيكون مفتقراً إلى البيان، فإذا جعلنا الآية الثانية متعلقة بما قبلها كان المخصص حاصلاً مع العام المخصوص، أو كان البيان حاصلاً مع المجمل، وذلك أولى من أن لا يكون كذلك، لأن تأخير البيان عن وقت الخطاب وإن كان جائزاً إلا أن الأرجح أن لا يتأخر. الحجة الثانية: إذا جعلنا هذا الكلام مبتدأ، كان قوله: {ٱلطَّلَـٰقُ مَرَّتَانِ } يقتضي حصر كل الطلاق في المرتين وهو باطل بالإجماع، لا يقال: إنه تعالى ذكر الطلقة الثالثة، وهو قوله: {أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَـٰنٍ } فصار تقدير الآية: الطلاق مرتان ومرة، لأنا نقول: إن قوله: {أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَـٰنٍ } متعلق بقوله: {فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ } لا بقوله: {ٱلطَّلَـٰقُ مَرَّتَانِ } ولأن لفظ التسريح بالإحسان لا إشعار فيه بالطلاق، ولأنا لو جعلنا التسريح هو الطلقة الثالثة، لكان قوله فإن طلقها طلقة رابعة وإنه غير جائز. الحجة الثالثة: ما روينا في سبب نزول هذه الآية، إنها إنما نزلت بسبب امرأة شكت إلى عائشة رضي الله عنها أن زوجها يطلقها ويراجعها كثيراً بسبب المضارة، وقد أجمعوا على أن سبب نزول الآية لا يجوز أن يكون خارجاً عن عموم الآية، فكان تنزيل هذه الآية على هذا المعنى أولى من تنزيلها على حكم آخر أجنبـي عنه. أما قوله تعالى: {فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَـٰنٍ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: الإمساك خلاف الإطلاق والمساك والمسكة اسمان منه، يقال: إنه لذو مسكة ومساكة إذا كان بخيلاً قال الفراء: يقال إنه ليس بمساك غلمانه، وفيه مساكة من جبر، أي قوة، وأما التسريح فهو الإرسال، وتسريح الشعر تخليصك بعضه من بعض، وسرح الماشية إذا أرسلها ترعى. المسألة الثانية: تقدير الآية ذلك الطلاق الذي حكمنا فيه بثبوت الرجعة للزوج، هو أن يوجد مرتان، ثم الواجب بعد هاتين المرتين إما إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان، ومعنى الإمساك بالمعروف هو أن يراجعها لا على قصد المضارة، بل على قصد الإصلاح والإنفاع، وفي معنى الآية وجهان أحدهما: أن توقع عليها الطلقة الثالثة، حديث : روي أنه لما نزل قوله تعالى: {ٱلطَّلَـٰقُ مَرَّتَانِ } قيل له صلى الله عليه وسلم: فأين الثالثة؟ فقال صلى الله عليه وسلم: هو قوله: {أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَـٰنٍ } تفسير : والثاني: أن معناه أن يترك المراجعة حتى تبين بانقضاء العدة، وهو مروي عن الضحاك والسدي. واعلم أن هذا الوجه هو الأقرب لوجوه أحدها: أن الفاء في قوله: {أية : فَإِن طَلَّقَهَا} تفسير : [البقرة: 230] تقتضي وقوع الطلقة متأخرة عن ذلك التسريح، فلو كان المراد بالتسريح هو الطلقة الثالثة، لكان قوله: فإن طلقها طلقة رابعة وأنه لا يجوز وثانيها: أنا لو حملنا التسريح على ترك المراجعة كانت الآية متناولة لجميع الأحوال، لأنه بعد الطلقة الثانية، إما أن يراجعها وهو المراد بقوله: {فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ } أو لا يراجعها بل يتركها حتى تنقضي العدة وتحصل البينونة وهو المراد بقوله: {أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَـٰنٍ } أو يطلقها وهو المراد بقوله: {فَإِن طَلَّقَهَا } فكانت الآية مشتملة على بيان كل الأقسام، أما لو جعلنا التسريح بالإحسان طلاقاً آخر لزم ترك أحد الأقسام الثلاث، ولزم التكرير في ذكر الطلاق وأنه غير جائز وثالثها: أن ظاهر التسريح هو الإرسال والإهمال فحمل اللفظ على ترك المراجعة أولى من حمله على التطليق ورابعها: أنه قال بعد ذكر التسريح {وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ مِمَّا ءاتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا } والمراد به الخلع، ومعلوم أنه لا يصح الخلع بعد أن طلقها الثالثة، فهذه الوجوه ظاهرة لو لم يثبت الخبر الذي رويناه في صحة ذلك القول، فإن صح ذلك الخبر فلا مزيد عليه. واعلم أن المراد من الإحسان، هو أنه إذا تركها أدى إليها حقوقها المالية، ولا يذكرها بعد المفارقة بسوء ولا ينفر الناس عنها. المسألة الثالثة: الحكمة في إثبات حق الرجعة أن الإنسان ما دام يكون مع صاحبه لا يدري أنه هل تشق عليه مفارقته أو لا فإذا فارقه فعند ذلك يظهر، فلو جعل الله الطلقة الواحدة مانعة من الرجوع لعظمت المشقة على الإنسان بتقدير أن تظهر المحبة بعد المفارقة، ثم لما كان كمال التجربة لا يحصل بالمرة الواحدة، فلا جرم أثبت تعالى حق المراجعة بعد المفارقة مرتين، وعند ذلك قد جرب الإنسان نفسه في تلك المفارقة وعرف حال قلبه في ذلك الباب، فإن كان الأصلح إمساكها راجعها وأمسكها بالمعروف، وإن كان الأصلح له تسريحها سرحها على أحسن الوجوه وهذا التدريج والترتيب يدل على كمال رحمته ورأفته بعبده. قوله تعالى: {ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئاً إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به تلك حدود الله فلا تعتدوها ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون }. واعلم أن هذا هو الحكم الرابع من أحكام الطلاق وهو بيان الخلع، واعلم أنه تعالى لما أمر أن يكون التسريح مقروناً بالإحسان، بين في هذه الآية أن من جملة الإحسان أنه إذا طلقها لا يأخذ منها شيئاً من الذي أعطاها من المهر والثياب وسائر ما تفضل به عليها، وذلك لأنه ملك بضعها، واستمتع بها في مقابلة ما أعطاها، فلا يجوز أن يأخذ منها شيئاً، ويدل في هذا النهي أن يضيق عليها ليلجئها إلى الافتداء، كما قال في سورة النساء: {أية : وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَا ءَاتَيْتُمُوهُنَّ } تفسير : [النساء: 19] وقوله ههنا: {إِلاَّ أَن يَخَافَا أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ } هو كقوله هناك: {إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيّنَةٍ } فثبت أن الإتيان بالفاحشة المبينة قد يكون بالبذاء وسوء الخلق، ونظيره قوله تعالى: {أية : لاَ تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلاَ يَخْرُجْنَ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَـٰحِشَةٍ مُّبَيّنَةٍ } تفسير : [الطلاق: 1] فقيل المراد من الفاحشة المبينة البذاء على أحمائها وقال أيضاً: {أية : فَلاَ تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئاً أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَـٰناً وَإِثْماً مُّبِيناً} تفسير : [النساء: 20] فعظم في أخذ شيء من ذلك بعد الإفضاء. فإن قيل: لمن الخطاب في قوله: {وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ } فإن كان للأزواج لم يطابقه قوله: {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ } وإن قلت للأئمة والحكام فهؤلاء لا يأخذون منهن شيئاً. قلنا: الأمران جائزان فيجوز أن يكون أول الآية خطاباً للأزواج وآخرها خطاباً للأئمة والحكام، وذلك غير غريب في القرآن، ويجوز أن يكون الخطاب كله للأئمة والحكام، لأنهم هم الذين يأمرون بالأخذ والإيتاء عند الترافع إليهم فكأنهم هم الآخذون والمؤتون. أما قوله تعالى: {إِلاَّ أَن يَخَافَا أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ } فاعلم أنه تعالى لما منع الرجل أن يأخذ من امرأته عند الطلاق شيئاً استثنى هذه الصورة وهي مسألة الخلع وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: روي أن هذه الآية نزلت في جميلة بنت عبد الله بن أبـي، وفي زوجها ثابت بن قيس بن شماس، وكانت تبغضه أشد البغض، وكان يحبها أشد الحب، فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم، حديث : وقالت: فرق بيني وبينه فإني أبغضه، ولقد رفعت طرف الخباء فرأيته يجيء في أقوام فكان أقصرهم قامة، وأقبحهم وجهاً، وأشدهم سواداً، وإني أكره الكفر بعد الإسلام، فقال ثابتٍ: يا رسول الله مرها فلترد علي الحديقة التي أعطيتها، فقال لها: ما تقولين؟ قالت: نعم وأزيده فقال صلى الله عليه وسلم: لا حديقته فقط، ثم قال لثابت: خذ منها ما أعطيتها وخل سبيلها ففعل فكان ذلك أول خلع في الإسلام تفسير : وفي سنن أبـي داود أن المرأة كانت حفصة بنت سهل الأنصارية. المسألة الثانية: اختفلوا في أن قوله تعالى: {إلا أن يخافا} هو استثناء متصل أو منقطع، وفائدة هذا الخلاف تظهر في مسألة فقهية، وهي أن أكثر المجتهدين قالوا: يجوز الخلع في غير حالة الخوف والغضب، وقال الأزهري والنخعي وداود: لا يباح الخلع إلا عند الغضب، والخوف من أن لا يقيما حدود الله، فإن وقع الخلع في غير هذه الحالة فالخلع فاسد وحجتهم أن هذه الآية صريحة في أنه لا يجوز للزوج أن يأخذ من المرأة عند طلاقها شيئاً، ثم استثنى الله حالة مخصوصة فقال: {إِلاَّ أَن يَخَافَا أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ } فكانت الآية صريحة في أنه لا يجوز الأخذ في غير حالة الخوف، وأما جمهور المجتهدين فقالوا: الخلع جائز في حالة الخوف وفي غير حالة الخوف والدليل عليه قوله تعالى: {أية : فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَىْء مّنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَّرِيئاً } تفسير : [النساء: 4] فإذا جاز لها أن تهب مهرها من غير أن تحصل لنفسها شيئاً بإزاء ما بذل كان ذلك في الخلع الذي تصير بسببه مالكة لنفسها أولى، وأما كلمة {إِلا } فهي محمولة على الاستثناء المنقطع كما في قوله تعالى: {أية : وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خطئاً } تفسير : [النساء: 92] أي لكن إن كان خطأ {أية : فتحريرُ رَقبةٍ مؤمنةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ } تفسير : [النساء: 92]. المسألة الثالثة: الخوف المذكور في هذه الآية يمكن حمله على الخوف المعروف، وهو الإشفاق مما يكره وقوعه، ويمكن حمله على الظن، وذلك لأن الخوف حالة نفسانية مخصوصة، وسبب حصولها ظن أنه سيحدث مكروه في المستقبل وإطلاق اسم المعلول على العلة مجاز مشهور فلا جرم أطلق على هذا الظن اسم الخوف، وهذا مجاز مشهور فقد يقول الرجل لغيره: قد خرج غلامك بغير إذنك، فتقول: قد خفت ذلك على معنى ظننته وتوهمته، وأنشد الفراء:شعر : إذا متُّ فادفني إلى جنب كرمة تروي عظامي بعد موتي عروقها ولا تدفنني في الفلاة فإنني أخاف إذا ما مت أن لا أذوقها تفسير : ثم الذي يؤكد هذا التأويل قوله تعالى فيما بعد هذه الآية: {أية : فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يَتَرَاجَعَا إِن ظَنَّا أَن يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ } تفسير : [البقرة: 230]. المسألة الرابعة: اعلم أن ظاهر هذه الآية يدل على أن الشرط هو حصول الخوف للرجل وللمرأة، ولا بد ههنا من مزيد بحث، فنقول: الأقسام الممكنة في هذا الباب أربعة لأنه إما أن يكون هذا الخوف حاصلاً من قبل المرأة فقط، أو من قبل الزوج فقط، أو لا يحصل الخوف من قبل واحد منهما، أو يكون الخوف حاصلاً من قبلهما معاً. أما القسم الأول: وهو أن يكون هذا الخوف حاصلاً من قبل المرأة، وذلك بأن تكون المرأة ناشزة مبغضة للزوج، فههنا يحل للزوج أخذ المال منها والدليل عليه ما رويناه من حديث جميلة مع ثابت، لأنها أظهرت البغض فجوز رسول الله صلى الله عليه وسلم لها الخلع ولثابت الأخذ. فإن قيل: فقد شرط تعالى في هذه الآية خوفهما معاً، فكيف قلتم: إنه يكفي حصول الخوف منها فقط. قلنا: سبب هذا الخوف وإن كان أوله من جهة المرأة إلا أنه قد يترتب عليه الخوف الحاصل من قبل الزوج، لأن المرأة تخاف على نفسها من عصيان الله في أمر الزوج، وهو يخاف أنها إذا لم تطعه فإنه يضربها ويشتمها، وربما زاد على قدر الواجب فكان الخوف حاصلاً لهما جميعاً، فقد يكون ذلك السبب منها لأمر يتعلق بالزوج، ويجوز أن تكره المرأة مصاحبة ذلك الزوج لفقره أو لقبح وجهه، أو لمرض منفر منه، وعلى هذا التقدير تكون المرأة خائفة من معصية الله في أن لا تطيع الزوج، ويكون الزوج خائفاً من معصية الله تعالى من أن يقع منه تقصير في بعض حقوقها. القسم الثاني: أن يكون الخوف من قبل الزوج فقط، بأن يضربها ويؤذيها، حتى تلتزم الفدية فهذا المال حرام بدليل أول هذه الآية، وبدليل سائر الآيات، كقوله: {وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ } إلى قوله: {أية : أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَـٰناً وَإِثْماً مُّبِيناً } تفسير : [النساء: 19، 20] وهذا مبالغة عظيمة في تحريم أخذ ذلك المال. القسم الثالث: أن لا يكون هذا الخوف حاصلاً من قبل الزوج، ولا من قبل الزوجة، وقد ذكرنا أن قول أكثر المجتهدين: أن هذا الخلع جائز، والمال المأخوذ حلال، وقال قوم إنه حرام. القسم الرابع: أن يكون الخوف حاصلاً من قبلهما معاً، فهذا المال حرام أيضاً، لأن الآيات التي تلوناها تدل على حرمة أخذ ذلك المال إذا كان السبب حاصلاً من قبل الزوج، وليس فيه تقييد بقيد أن يكون من جانب المرأة سبب لذلك أم لا ولأن الله تعالى أفرد لهذا القسم آية أخرى وهو قوله تعالى: {أية : وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا }تفسير : [النساء: 35] الآية، ولم يذكر فيه تعالى حل أخذ المال، فهذا شرح هذه الأقسام الأربعة، واعلم أن هذا الذي قلناه من هذه الأقسام إنما هو فيما بين المكلفين وبين الله تعالى، فأما في الظاهر فهو جائز هذا هو قول الفقهاء. المسألة الخامسة: قرأ حمزة: {إِلاَّ أَن يخافا } بضم الياء والباقون بفتحها، قال صاحب «الكشاف» وجه قراءة حمزة إبدال أن لا يقيما من ألف الضمير، وهو من بدل الاشتمال، كقولك: خيف زيد تركه إقامة حدود الله، وهذا المعنى متأكد بقراءة عبد الله {إِلا أَنْ يَخَـٰفُواْ } وبقوله تعالى: {فَإِنْ خِفْتُمْ } ولم يقل: خافا، فجعل الخوف لغيرهما، وجه قراءة العامة إضافة الخوف إليهما على ما بينا أن المرأة تخاف الفتنة على نفسها، والزوج يخاف أنها إن لم تطعه يعتدي عليها. المسألة السادسة: اختلفوا في قدر ما يجوز وقوع الخلع به، فقال الشعبـي والزهري والحسن البصري وعطاء وطاوس: لا يجوز أن يأخذ أكثر مما أعطاها، وهو قول علي بن أبـي طالب رضي الله عنه، قال سعيد بن المسيب: بل ما دون ما أعطاها حتى يكون الفضل له، وأما سائر الفقهاء فإنهم جوزوا المخالعة بالأزيد والأقل والمساوي، واحتج الأولون بالقرآن والخبر والقياس، أما القرآن فقوله تعالى: {وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ مِمَّا ءَاتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا } ثم قال بعد ذلك: {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا ٱفْتَدَتْ بِهِ } فوجب أن يكون هذا راجعاً إلى ما آتاها: وإذا كان كذلك لم يدخل في إباحة الله تعالى إلا قدر ما آتاها من المهر، وأما الخبر روينا أن ثابتاً لما طلب من جميلة أن ترد عليه حديقته، فقالت جميلة وأزيده، فقال صلى الله عليه وسلم: لا حديقته فقط، ولو كان الخلع بالزائد جائزاً لما جاز للنبـي صلى الله عليه وسلم أن يمنعها منه، وأما القياس فهو أنه استباح بعضها، فلو أخذ منها أزيد مما دفع إليها لكان ذلك إجحافاً بجانب المرأة وإلحاقاً للضرر بها، وأنه غير جائز، وأما سائر الفقهاء فإنهم قالوا الخلع عقد معاوضة، فوجب أن لا يتقيد بمقدار معين، فكما أن للمرأة أن لا ترضى عند النكاح إلا بالصداق الكثير، فكذا للزوج أن لا يرضى عند المخالعة إلا بالبذل الكثير، لا سيما وقد أظهرت الاستخفاف بالزوج، حيث أظهرت بغضه وكراهته، ويتأكد هذا بما روي أن عمر رضي الله عنه رفعت إليه امرأة ناشزة أمرها فأخذها عمر وحبسها في بيت الزبل ليلتين، ثم قال لها: كيف حالك؟ فقالت: ما بت أطيب من هاتين الليلتين، فقال عمر: اخلعها ولو بقرطها، والمراد اخلعها حتى بقرطها وعن ابن عمر أنه جاءته امرأة قد اختلعت من زوجها بكل شيء وبكل ثوب عليها إلا درعها، فلم ينكر عليها. المسألة السابعة: الخلع تطليقة بائنة وهو قول علي وعثمان وابن مسعود والحسن والشعبـي والنخعي وعطاء وابن المسيب وشريح ومجاهد ومكحول والزهري، وهو قول أبـي حنيفة وسفيان، وهو أحد قولي الشافعي رضي الله عنهم، وقال ابن عباس وطاوس وعكرمة رضي الله عنهم: إنه فسخ للعقد، وهو القول الثاني للشافعي، وبه قال أحمد وإسحق وأبو ثور. (حجة من قال إنه طلاق) أن الأمة مجمعة على أنه فسخ أو طلاق، فإذا بطل كونه فسخاً ثبت أنه طلاق وإنما قلنا: إنه ليس بفسخ لأنه لو كان فسخاً لما صح بالزيادة على المهر المسمى: كالإقالة في البيع، وأيضاً لو كان الخلع فسخاً فإذا خالعها ولم يذكر المهر وجب أن يجب عليها المهر، كالإقالة، فإن الثمن يجب رده، وإن لم يذكر ولما لم يكن كذلك ثبت أن الخلع ليس بفسخ، وإذا بطل ذلك ثبت أنه طلاق. حجة من قال إنه ليس بطلاق وجوه: الحجة الأولى: أنه تعالى قال: {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا ٱفْتَدَتْ بِهِ } ثم ذكر الطلاق فقال:{أية : فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىٰ تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ } تفسير : [البقرة: 230] فلو كان الخلع طلاقاً لكان الطلاق أربعاً، وهذا الاستدلال نقله الخطابـي في كتاب معالم السنن عن ابن عباس. الحجة الثانية: وهو أن النبـي صلى الله عليه وسلم أذن لثابت بن قيس بن شماس في مخالعة امرأته، مع أن الطلاق في زمان الحيض أو في طهر حصل الجماع فيه حرام، فلو كان الخلع طلاقاً لكان يجب على النبـي صلى الله عليه وسلم أن يستكشف الحال في ذلك، فلما لم يستكشف بل أمره بالخلع مطلقاً دل على أن الخلع ليس بطلاق. الحجة الثالثة: روى أبو داود في «سننه» عن عكرمة عن ابن عباس أن امرأة ثابت بن قيس لما اختلعت منه جعل النبـي صلى الله عليه وسلم عدتها حيضة، قال الخطابـي: وهذا أدل شيء على أن الخلع فسخ وليس بطلاق، لأن الله تعالى قال: {أية : وَٱلْمُطَلَّقَـٰتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَـٰثَةَ قُرُوء} تفسير : [البقرة: 228] فلو كانت هذه مطلقة لم يقتصر لها على قرء واحد. أما قوله تعالى: {تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ } فالمعنى أن ما تقدم ذكره من أحكام الطلاق والرجعة والخلع {فَلاَ تَعْتَدُوهَا } أي فلا تتجاوزوا عنها، ثم بعد هذا النهي المؤكد أتبعه بالوعيد، فقال: {وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ ٱللَّهِ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ } وفيه وجوه أحدها: أنه تعالى ذكره في سائر الآيات {أية : أَلاَ لَعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلظَّـٰلِمِينَ } تفسير : [هود: 18] فذكر الظلم ههنا تنبيهاً على حصول اللعن، وثانيها: أن الظالم اسم ذم وتحقير، فوقوع هذا الاسم يكون جارياً مجرى الوعيد، وثالثها: أنه أطلق لفظ الظلم تنبيهاً على أنه ظلم من الإنسان على نفسه، حيث أقدم على المعصية، وظلم أيضاً للغير بتقدير أن لا تتم المرأة عدتها، أو كتمت شيئاً مما خلق في رحمها، أو الرجل ترك الإمساك بالمعروف والتسريح بالإحسان، أو أخذ من جملة ما آتاها شيئاً لا بسبب نشوز من جهة المرأة، ففي كل هذه المواضع يكون ظالماً للغير فلو أطلق لفظ الظالم دل على كونه ظالماً لنفسه، وظالماً لغيره، وفيه أعظم التهديدات.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {ٱلطَّلاَقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} فيه سبع مسائل: الأُولى: قوله تعالى: {ٱلطَّلاَقُ مَرَّتَانِ} ثبت أن أهل الجاهلية لم يكن عندهم للطلاق عدد، وكانت عندهم العِدّةُ معلومةً مقدّرةً؛ وكان هذا في أوّل الإسلام برهة، يطلِّق الرجل ٱمرأته ما شاء من الطلاق؛ فإذا كادت تحل من طلاقه راجعها ما شاء؛ فقال رجل لامرأته على عهد النبي صلى الله عليه وسلم: لا آوِيك ولا أدَعُك تحِلِّين؛ قالت: وكيف؟ قال: أطلقك فإذا دنا مضيّ عدّتِكِ راجعتك. فشكت المرأة ذلك إلى عائشة؛ فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم؛ فأنزل الله تعالى هذه الآية بياناً لعدد الطَّلاق الذي للمرء فيه أن يرْتَجع دون تجديد مهر ووَليّ، ونسخ ما كانوا عليه. قال معناه عروة بن الزبير وقتادة وٱبن زيد وغيرهم. وقال ابن مسعود وٱبن عباس ومجاهد وغيرهم: المراد بالآية التعريف بسنّة الطلاق؛ أي من طلق ٱثنتين فليتق الله في الثالثة، فإما تَرَكها غير مظلومة شيئاً من حقّها، وإما أمْسَكها محسناً عشرتها؛ والآية تتضمن هذين المعنيين. الثانية: الطلاق هو حَلّ العِصمة المنعقدةِ بين الأزواج بألفاظ مخصوصة. والطلاق مباح بهذه الآية وبغيرها، وبقوله عليه السلام في حديث ٱبن عمر: «حديث : فإن شاء أمسك وإن شاء طلق» تفسير : وقد طلق رسول الله صلى الله عليه وسلم حفصة ثم راجعها؛ خرّجه ٱبن ماجه. وأجمع العلماء على أن من طلق ٱمرأته طاهراً في طهر لم يمسها فيه أنه مطلِّق للسنّة، وللعدّة التي أمر الله تعالى بها، وأن له الرّجعة إذا كانت مدخولاً بها قبل أن تنقضي عدّتها؛ فإذا ٱنقضت فهو خاطب من الخُطّاب. فدل الكتاب والسنة وإجماع الأمّة على أن الطلاق مباح غير محظور. قال ٱبن المنذر: وليس في المنع منه خبر يثبت. الثالثة ـ روى الدارقطنِيّ «حدّثني أبو العباس محمد بن موسى بن عليّ الدُّولابِيّ ويعقوب بن إبراهيم، قالا حدّثنا الحسن بن عرفة حدّثنا إسماعيل بن عياش بن حميد بن مالك اللخميّ عن مكحول عن معاذ بن جبل قال قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : يا معاذ ما خلق الله شيئاً على وجه الأرض أحب إليه من العِتاق ولا خلق الله تعالى شيئاً على وجه الأرض أبغض إليه من الطلاق فإذا قال الرجل لمملوكه أنت حر إن شاء الله فهو حر ولا ٱستثناء له وإذا قال الرجل لامرأته أنتِ طالق إن شاء الله فله ٱستثناؤه ولا طلاق عليه»تفسير : . حدّثنا محمد بن موسى بن عليّ حدّثنا حميد بن الربيع حدّثنا يزيد بن هارون أنبأنا إسماعيل بن عياش بإسناده نحوه. قال حميد قال لي يزيد بن هارون: وأيّ حديث لو كان حميد بن مالك اللخميّ معروفا! قلت: هو جدِّي! قال يزيد: سررتني، ٱلآن صار حديثاً»!. قال ٱبن المنذر: وممن رأى الاستثناء في الطلاق طاوس وحماد والشافعيّ وأبو ثور وأصحاب الرأي. ولا يجوز الاستثناء في الطلاق في قول مالك والأوزاعيّ؛ وهو قول الحسن وقتادة في الطلاق خاصة. قال: وبالقول الأوّل أقول. الرابعة: قوله تعالى: {فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ} ٱبتداء، والخبر أمثل أو أحسن؛ ويصح أن يرتفع على خبر ٱبتداء محذوف؛ أي فعليكم إمساكٌ بمعروف، أو فالواجب عليكم إمساك بما يعرف أنه الحق. ويجوز في غير القرآن «فإمساكا» على المصدر. ومعنى «بِإحْسَانٍ» أي لا يظلمها شيئاً من حقها، ولا يتعدّى في قول. والإمساك: خلاف الإطلاق. والتّسْريحُ: إرسال الشيء؛ ومنه تسريح الشعر؛ ليخلص البعض من البعض. وسَرّح الماشية: أرسلها. والتسريح يحتمل لفظه معنيين: أحدهما ـ تركها حتى تتمّ العدّة من الطلقة الثانية؛ وتكون أملك لنفسها؛ وهذا قول السدّيّ والضحاك. والمعنى الآخر أن يطلقها ثالثة فيسرحها؛ هذا قول مجاهد وعطاء وغيرِهما؛ وهو أصح لوجوه ثلاثة: أحدها: ما رواه الدارقطني حديث : عن أنس أن رجلاً قال: يا رسول الله، قال الله تعالى: {ٱلطَّلاَقُ مَرَّتَانِ} فلِم صار ثلاثاً؟ قال: «إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ـ في رواية ـ هي الثالثة»تفسير : . ذكره ٱبن المنذر. الثاني ـ أن التسريح من ألفاظ الطلاق؛ ألا ترى أنه قرىء «إن عزموا السّراح». الثالثة: أنّ فَعّل تَفْعِيلا يعطي أنه أحدث فعلاً مكرّراً على الطلقة الثانية؛ وليس في الترك إحداث فعل يعبر عنه بالتفعيل؛ قال أبو عمر: وأجمع العلماء على أن قوله تعالى: {أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَـٰنٍ} هي الطلقة الثالثة بعد الطلقتين؛ وإياها عنى بقوله تعالى: {فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىٰ تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ} [البقرة: 230]. وأجمعوا على أن من طلق ٱمرأته طلقة أو طلقتين فله مراجعتها؛ فإن طلقها الثالثة لم تحل له حتى تنكح زوجاً غيره؛ وكان هذا من محكم القرآن الذي لم يختلف في تأويله. وقد روي من أخبار العدول مثل ذلك أيضاً: حدّثنا سعيد بن نصر قال حدّثنا قاسم بن أصبغ قال حدّثنا محمد بن وَضَّاح قال حدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال حدّثنا أبو معاوية عن إسماعيل بن سُمَيْع عن أبي رُزَيْن قال: حديث : جاء رجل إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، أرأيت قول الله تعالى: «الطَّلاقُ مَرّتَانِ فَإمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أوْ تَسْرِيحٌ بإحسان» فأين الثالثة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان»تفسير : . ورواه الثوريّ وغيره عن إسماعيل بن سُمَيع عن أبي رُزَيْن مثله. قلت: وذكر الكِيا الطبريّ هذا الخبر وقال: إنه غير ثابت من جهة النقل؛ ورجّح قول الضحاك والسدّيّ، وأن الطلقة الثالثة إنما هي مذكورة في مساق الخطاب في قوله تعالى: {أية : فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىٰ تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ} تفسير : [البقرة: 230]. فالثالثة مذكورة في صلب هذا الخطاب، مفيدة للبَيْنُونة الموجِبَة للتحريم إلا بعد زوج؛ فوجب حمل قوله: «أو تسريح بإحسان» على فائدة مجدّدة، وهو وقوع البينونة بالثنتين عند ٱنقضاء العدّة، وعلى أن المقصود من الآية بيان عدد الطلاق الموجِب للتحريم، ونسخ ما كان جائزاً من إيقاع الطلاق بلا عدد محصور؛ فلو كان قوله: «أو تسريح بإحسان» هو الثالثة لما أبان عن المقصد في إيقاع التحريم بالثلاث؛ إذ لو ٱقتصر عليه لما دل على وقوع البينونة المحرّمة لها إلا بعد زوج؛ وإنما علم التحريم بقوله تعالى: {فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىٰ تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ}. فوجب ألا يكون معنى قوله: «أو تسريح بإسحان» الثالثة، ولو كان قوله: «أو تسريح بإحسان» الثالثة، كان قوله عقيب ذلك: «فإن طلقها» الرابعة؛ لأن الفاء للتعقيب، وقد ٱقتضى طلاقاً مستقبلاً بعد ما تقدّم ذكره؛ فثبت بذلك أن قوله تعالى: «أو تسريح بإحسان» هو تركها حتى تنقضي عدّتها. الخامسة ـ ترجم البخاريّ على هذه الآية «باب من أجاز الطلاق الثلاث بقوله تعالى: الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان» وهذا إشارة منه إلى أن هذا التعديد إنما هو فُسْحَة لهم؛ فمن ضيّق على نفسه لزمه. قال علماؤنا: وٱتفق أئمة الفتوى على لزوم إيقاع الطلاق الثلاث في كلمة واحدة؛ وهو قول جمهور السلف، وشذّ طاوس وبعض أهل الظاهر إلى أن طلاق الثلاث في كلمة واحدة يقع واحدة؛ ويروى هذا عن محمد بن إسحاق والحجاج بن أرطاة. وقيل عنهما: لا يلزم منه شيء؛ وهو قول مقاتل. ويحكى عن داود أنه قال لا يقع. والمشهور عن الحجاج بن أرطاة وجمهور السلف والأئمة أنه لازم واقع ثلاثاً. ولا فرق بين أن يوقع ثلاثاً مجتمعة في كلمة أو متفرّقة في كلمات؛ فأما من ذهب إلى أنه لا يلزم منه شيء فٱحتج بدليل قوله تعالى: {أية : وَٱلْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوۤءٍ} تفسير : [البقرة: 228]. وهذا يعُمُّ كل مطلقة إلا ما خص منه؛ وقد تقدّم. وقال: {ٱلطَّلاَقُ مَرَّتَانِ} والثالثة {فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ}. ومن طلق ثلاثاً في كلمة فلا يلزم؛ إذ هو غير مذكور في القرآن. وأما من ذهب إلى أنه واقع واحدةً فٱستدل بأحاديث ثلاثةٍ: أحدها ـ حديث ٱبن عباس من رواية طاوس وأبي الصَّهْباء وعكرمة. وثانيها ـ حديث ٱبن عمر على رواية من روى أنه طلق ٱمرأته ثلاثاً، وأنه عليه السلام أمره برجعتها وٱحتسبت له واحدة. وثالثها ـ أن رُكَانَة طلق ٱمرأته ثلاثاً فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم برجعتها؛ والرجعة تقتضي وقوع واحدة. والجواب عن الأحاديث ما ذكره الطحاويّ أن سعيد بن جبير ومجاهداً وعطاء وعمرو بن دينار ومالك بن الحويرث ومحمد بن إياس بن البُكَيْر والنعمان بن أبي عياش رووا عن ٱبن عباس فيمن طلق ٱمرأته ثلاثاً أنه قد عصى ربه وبانت منه ٱمرأته، ولا ينكحها إلا بعد زوج؛ وفيما رواه هؤلاء الأئمة عن ٱبن عباس مما يوافق الجماعة ما يدل على وهن رواية طاوس وغيره؛ وما كان ٱبن عباس ليخالف الصحابة إلى رأي نفسه. قال ٱبن عبد البر: ورواية طاوس وَهْمٌ وغلط لم يعرج عليها أحد من فقهاء الأمصار بالحجاز والشام والعراق والمشرق والمغرب؛ وقد قيل: إن أبا الصهباء لا يعرف في موالي ٱبن عباس. قال القاضي أبو الوليد الباجي: «وعندي أن الرواية عن ٱبن طاوس بذلك صحيحة، فقد روى عنه الأئمة: مَعْمَر وٱبن جريج وغيرهما؛ وٱبن طاوس إمام. والحديث الذي يشيرون إليه هو ما رواه ٱبن طاوس عن أبيه عن ٱبن عباس قال: كان الطلاق على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر بن الخطاب طلاق الثلاث واحدة؛ فقال عمر رضي الله عنه: إن الناس قد ٱستعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة؛ فلو أمضيناه عليهم! فأمضاه عليهم. ومعنى الحديث أنهم كانوا يوقِعون طلقة واحدة بدل إيقاع الناس الآن ثلاث تطليقات؛ ويدل على صحة هذا التأويل أن عمر قال: إن الناس قد ٱستعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة؛ فأنكر عليهم أن أحدثوا في الطلاق ٱستعجال أمر كانت لهم فيه أناة؛ فلو كان حالهم ذلك في أوّل الإسلام في زمن النبيّ صلى الله عليه وسلم ما قاله، ولا عاب عليهم أنهم ٱستعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة. ويدل على صحة هذا التأويل ما روي عن ٱبن عباس من غير طريقٍ أنه أفتى بلزوم الطلاق الثلاث لمن أوقعها مجتمعة؛ فإن كان هذا معنى حديث ٱبن طاوس فهو الذي قلناه، وإن حمل حديث ٱبن عباس على ما يتأوّل فيه من لا يُعْبأ بقوله فقد رجع ٱبن عباس إلى قول الجماعة وٱنعقد به الإجماع؛ ودليلنا من جهة القياس أن هذا طلاق أوقعه من يملكه فوجب أن يُلزَمه، أصل ذلك إذا أوقعه مفرداً». قلت: ما تأوّله الباجيّ هو الذي ذكر معناه الكيا الطبريّ عن علماء الحديث؛ أي إنهم كانوا يطلّقون طلقة واحدة هذا الذي يطلّقون ثلاثاً، أي ما كانوا يطلقون في كل قرء طلقة؛ وإنما كانوا يطلقون في جميع العدّة واحدة إلى أن تَبِين وتنقضي العدّة. وقال القاضي أبو محمد عبد الوهاب: معناه أن الناس كانوا يقتصرون على طلقة واحدة، ثم أكثروا أيام عمر من إيقاع الثلاث. قال القاضي: وهذا هو الأشبه بقول الراوي: إن الناس في أيام عمر ٱستعجلوا الثلاث فعَجّل عليهم؛ معناه ألزمهم حكمها. وأما حديث ٱبنِ عمر فإن الدارقطنِيّ روى عن أحمد بن صبيح عن طريف بن ناصح عن معاوية بن عمار الدهنيّ عن أبي الزبير قال: سألت ٱبن عمر عن رجل طلق ٱمرأته ثلاثاً وهي حائض؛ فقال لي: أتعرف ٱبن عمر؟ قلت: نعم؛ قال: طلقت ٱمرأتي ثلاثاً على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم (وهي حائض) فردّها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى السُّنّة. فقال الدارقطنيّ: كلهم من الشيعة؛ والمحفوظ أن ٱبن عمر طلق ٱمرأته واحدة في الحيض. قال عبيد الله: وكان تطليقه إياها في الحيض واحدة غير أنه خالف السنة. وكذلك قال صالح بن كيسان وموسى بن عقبة وإسماعيل بن أُمية وليث بن سعد وٱبن أبي ذئب وٱبن جريج وجابر وإسماعيل بن إبراهيم بن عقبة عن نافع: أن ٱبن عمر طلق تطليقة واحدة. وكذا قال الزهريّ عن سالم عن أبيه ويونس بن جبير والشعبيّ والحسن. وأما حديث رُكَانَة فقيل: إنه حديث مضطرب منقطع، لا يستند من وجه يحتج به؛ رواه أبو داود من حديث ٱبن جريج عن بعض بني أبي رافع، وليس فيهم من يحتج به، عن عكرمةحديث : عن ٱبن عباس. وقال فيه: إن رُكانة بن عبد يزيد طلق ٱمرأته ثلاثاً؛ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أرجعها»تفسير : . وقد رواه أيضاً من طرق عن نافع بن عجير أن ركانة بن عبد يزيد طلق ٱمرأته البتة فٱستحلفه رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أراد بها؟ فحلف ما أراد إلا واحدة؛ فردّها إليه. فهذا ٱضطراب في الاسم والفعل؛ ولا يحتج بشيء من مثل هذا. قلت: قد أخرج هذا الحديث من طرقٍ الدّارقطنيّ في سننه؛ قال في بعضها: «حدّثنا محمد بن يحيى بن مِرداس حدّثنا أبو داود السجستانيّ حدّثنا أحمد ابن عمرو بن السرح وأبو ثور إبراهيم بن خالد الكلبيّ وآخرون قالوا: حدّثنا محمد بن إدريس الشافعي حدّثني عمى محمد بن علي بن شافع عن عبد الله بن عليّ بن السائب حديث : عن نافع بن عجير ابن عبد يزيد: أن ركانة ابن عبد يزيد طلق ٱمرأته سُهَيْمة المزنية البَتّة؛ فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك؛ فقال: والله ما أردت إلا واحدة؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والله ما أردت إلا واحدة»؟ فقال رُكانة: والله ما أردت بها إلا واحدة؛ فردّها إليه رسول الله صلى الله عليه وسلمتفسير : ؛ فطلقها الثانية في زمان عمر بن الخطاب، والثالثة في زمان عثمان. قال أبو داود: هذا حديث صحيح». فالذي صح من حديث ركانة أنه طلق ٱمرأته البتة لا ثلاثاً؛ وطلاق البتّةِ قد ٱختلف فيه على ما يأتي بيانه فسقط الاحتجاج والحمد لله، والله أعلم. وقال أبو عمر: رواية الشافعيّ لحديث ركانة عن عمه أتمّ، وقد زاد زيادة لا تردّها الأُصول؛ فوجب قبولها لثقة ناقليها، والشافعيّ وعمه وجدّه أهل بيت ركانة، كلهم من بني عبد المطلب بن عبد مناف وهم أعلم بالقصة التي عرضت لهم. فصل ـ ذكر أحمد بن محمد بن مغيث الطليطليّ هذه المسألة في وثائقه فقال: الطلاق ينقسم على ضربين: طلاقِ سنةٍ، وطلاقِ بِدعةٍ. فطلاق السنة هو الواقع على الوجه الذي ندب الشرع إليه. وطلاق البدعة نقيضه، وهو أن يطلقها في حيض أو نفاس أو ثلاثاً في كلمة واحدة؛ فإن فعل لزمه الطلاق. ثم ٱختلف أهل العلم بعد إجماعهم على أنه مطلِّق، كم يلزمه من الطلاق؛ فقال عليّ بن أبي طالب وٱبن مسعود: يلزمه طلقة واحدة، وقاله ٱبن عباس، وقال: قوله ثلاثاً لا معنى له لأنه لم يطلق ثلاث مرات وإنما يجوز قوله في ثلاث إذا كان مخبراً عما مضى فيقول: طلقت ثلاثاً فيكون مخبراً عن ثلاثة أفعال كانت منه في ثلاثة أوقات، كرجل قال: قرأت أمس سورة كذا ثلاث مرات فذلك يصح، ولو قرأها مرة واحدة فقال: قرأتها ثلاث مرات كان كاذباً. وكذلك لو حلف بالله ثلاثاً يردّد الحِلف كانت ثلاثة أيمان، وأما لو حلف فقال: أحلف بالله ثلاثاً لم يكن حلف إلا يميناً واحدة والطلاق مثله. وقاله الزبير بن العوّام وعبد الرحمن بن عوف. وروينا ذلك كله عن ٱبن وضاح؛ وبه قال من شيوخ قرطبة ٱبن زِنباع شيخ هدى ومحمد بن تقيّ بن مخلد ومحمد بن عبد السلام الحسنيّ فريد وقته وفقيه عصره وأصبغ بن الحباب وجماعة سواهم. وكان من حجة ٱبن عباس أن الله تعالى فرّق في كتابه لفظ الطلاق فقال عز ٱسمه: «الطَّلاَقُ مَرّتانِ» يريد أكثر الطلاق الذي يكون بعده الإمساك بالمعروف وهو الرجعة في العدّة. ومعنى قوله: «أو تسريح بإحسانٍ» يريد تركها بلا ٱرتجاع حتى تنقضي عدّتها؛ وفي ذلك إحسان إليها إن وقع ندم بينهما؛ قال الله تعالى: {أية : لاَ تَدْرِى لَعَلَّ ٱللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً } تفسير : [الطلاق: 1]. يريد الندم على الفرقة والرغبة في الرجعة؛ وموقع الثلاث غير حسن؛ لأن فيه ترك المندوحة التي وسع الله بها ونبه عليها؛ فذكر اللَّهِ سبحانه الطلاق مفرّقاً يدل على أنه إذا جمع أنه لفظ واحد، وقد يخرّج بقياس من غير ما مسألة من المدوّنة ما يدل على ذلك؛ من ذلك قول الإنسان: مالي صدقة في المساكين أن الثلث يجزيه من ذلك. وفي الإشراف لابن المنذر: وكان سعيد بن جبير وطاوس وأبو الشعثاء وعطاء وعمرو بن دينار يقولون: من طلق البكر ثلاثاً فهي واحدة. قلت: وربماٱعتلوا فقالوا: غير المدخول بها لا عدّة عليها؛ فإذا قال: أنت طالق ثلاثاً فقد بانت بنفس فراغه من قوله: أنت طالق؛ فيرِد «ثلاثاً» عليها وهي بائن فلا يؤثر شيئاً؛ ولأن قوله: أنت طالق مستقل بنفسه؛ فوجب ألا تقف البينونة في غير المدخول بها على ما يرد بعده؛ أصله إذا قال: أنت طالق. السَّادسة ـ ٱستدل الشافعيّ بقوله تعالىٰ: {أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} وقوله: {أية : وَسَرِّحُوهُنَّ} تفسير : [الأحزاب: 49] على أن هذا اللفظ من صريح الطلاق. وقد ٱختلف العلماء في هذا المعنى؛ فذهب القاضي أبو محمد إلى أن الصريح ما تضمن لفظ الطلاق على أيّ وجه؛ مثل أن يقول: أنت طالق، أو أنت مطلقة، أو قد طلقتك، أو الطلاق له لازم، وما عدا ذلك من ألفاظ الطلاق ممايستعمل فيه فهو كناية؛ وبهذا قال أبو حنيفة. وقال القاضي أبو الحسن: صريح ألفاظِ الطلاق كثيرة، وبعضها أبْيَن من بعضٍ: الطلاق والسراح والفراق والحرام والخلِية والبرية. وقال الشافعيّ: الصريح ثلاثة ألفاظ؛ وهو ما ورد به القرآن من لفظ الطلاق والسراح والفراق؛ قال الله تعالىٰ: {أية : أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ}تفسير : [الطلاق: 2] وقال: {أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} وقال: {أية : فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} تفسير : [الطلاق: 1]. قلت: وإذا تقرَّرَ هذا فالطلاق على ضربين: صريح وكناية؛ فالصريح ما ذكرنا، والكناية ما عداه، والفرق بينهما أن الصريح لا يفتقر إلى نية؛ بل بمجرّد اللفظ يقع الطلاق، والكناية تفتقر إلى نية، والحجة لمن قال: إن الحرام والخلِية والبرِية من صريح الطلاق كثرة ٱستعمالها في الطلاق حتى عرفت به؛ فصارت بَيِّنة واضحة في إيقاع الطلاق؛ كالغائط الذي وضع للمطمئن من الأرض، ثم ٱستعمل على وجه المجاز في إتيان قضاء الحاجة، فكان فيه أبْيَن وأظهر وأشهر منه فيما وضع له، وكذلك في مسألتنا مثله. ثم إن عمر بن عبد العزيز قد قال: «لو كان الطلاق ألفاً ما أبقت ٱلبتة منه شيئاً؛ فمن قال: البتة، فقد رمى الغاية القصوىٰ » أخرجه مالك. وقد روى الدارقطنيّ عن عليّ قال: الخلِية والبرية والبتّة والبائن والحرام ثلاث، لا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره. وقد جاء عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أن ٱلبتّة ثلاث، من طريق فيه لِين؛ خرّجه الدّارقطنيّ. وسيأتي عند قوله تعالىٰ: {أية : وَلاَ تَتَّخِذُوۤاْ آيَاتِ ٱللَّهِ هُزُواً} تفسير : [البقرة: 231] إن شاء الله تعالىٰ. السابعة ـ لم يختلف العلماء فيمن قال لامرأته؛ قد طلقتك، أنه من صريح الطلاق في المدخول بها وغير المدخول بها؛ فمن قال لامرأته: أنت طالق فهي واحدة إلاَّ أن ينوي أكثر من ذلك. فإن نوى ٱثنتين أو ثلاثاً لزمه ما نواه، فإن لم ينو شيئاً فهي واحدة تملك الرجعة. ولو قال: أنت طالق، وقال: أردت من وَثَاق لم يقبل قوله ولزمه، إلاَّ أن يكون هناك ما يدل على صدقه. ومن قال: أنت طالق واحدة، لا رجعة لي عليك فقوله: «لا رجعة لي عليك» باطل، وله الرجعة لقوله واحدة؛ لأن الواحدة لا تكون ثلاثاً؛ فإن نوى بقوله: «لا رجعة لي عليك» ثلاثاً فهي ثلاث عند مالك. وٱختلفوا فيمن قال لامرأته: قد فارقتك، أو سرحتك، أو أنت خلية، أو برية، أو بائن، أو حبلك على غاربك، أو أنت عليّ حرام، أو ٱلحقِي بأهلِكِ، أو قد وهبتك لأهلك، أو قد خليت سبيلك، أولا سبيل لي عليك؛ فقال أبو حنيفة وأبو يوسف: هو طلاق بائن، وروي عن ٱبن مسعود وقال: إذا قال الرجل لامرأته ٱستقلي بأمرِك، أو أمرِك لكِ، أو ٱلحقِي بأهلك فقبِلوها فواحدة بائنة. وروي عن مالكٍ فيمن قال لامرأته: قد فارقتك، أو سرحتك، أنه من صريح الطلاق؛ كقوله: أنت طالق. وروي عنه أنه كناية يرجع فيها إلى نية قائِلها، ويسأل ما أراد من العدد، مدخولاً بها كانت أو غير مدخول بها. قال ٱبن الموّاز: وأصح قوليه في التي لم يدخل بها أنها واحدة، إلاَّ أن ينوي أكثر؛ وقاله ٱبن القاسم وٱبن عبد الحكم. وقال أبو يوسف: هي ثلاث؛ ومثله خلعتك، أو لا مِلك لي عليك. وأمّا سائر الكنايات فهي ثلاث عند مالك في كل من دخل بها لا ينوَّى فيها قائلها، وينوّى في غير المدخول بها. فإن حلف وقال أردت واحدة كان خاطباً من الخطاب، لأنه لا يخلى المرأة التي قد دخل بها زوجها ولا يُبينها ولا يبريها إلاَّ ثلاث تطليقات. والتي لم يدخل بها يُخليها ويُبريها ويُبينها الواحدة. وقد روي عن مالك وطائفة من أصحابه، وهو قول جماعة من أهل المدينة، أنه ينوى في هذه الألفاظ كلها ويلزمه من الطلاق ما نوى. وقد روي عنه في ٱلبتة خاصة من بين سائر الكنايات أنه لا ينوي فيها لا في المدخول بها ولا في غير المدخول بها. وقال الثوريّ وأبو حنيفة وأصحابه: له نيته في ذلك كله، فإن نوى ثلاثاً فهي ثلاث، وإن نوى واحدة فهي واحدة بائنة وهي أحق بنفسها. وإن نوى ٱثنتين فهي واحدة. وقال زفر: إن نوى ٱثنتين فهي ٱثنتان. وقال الشافعيّ: هو في ذلك كله غير مطلق حتى يقول: أردت بمخرج الكلام مني طلاقاً فيكون ما نوى. فإن نوى دون الثلاث كان رجعياً، ولو طلقها واحدة بائنة كانت رجعية. وقال إسحاق: كل كلام يشبِه الطلاق فهو ما نوى من الطلاق. وقال أبو ثور: هي تطليقة رجعية ولا يسأل عن نيته. وروي عن ٱبن مسعود أنه كان لا يرى طلاقاً بائناً إلاَّ في خلع أو إيلاء وهو المحفوظ عنه؛ قاله أبو عبيد. وقد ترجم البخاريّ «باب إذا قال فارقتك أو سرحتك أو البرية أو الخلية أو ما عني به الطلاق فهو على نيته». وهذا منه إشارة إلى قول الكوفيين والشافعيّ وإسحاق في قوله: «أو ما عنى به من الطلاق» والحجة في ذلك أن كل كلمة تحتمل أن تكون طلاقاً أو غير طلاق فلا يجوز أن يلزم بها الطلاق إلاَّ أن يقول المتكلم: إنه أراد بها الطلاق فيلزمه بإقراره، ولا يجوز إبطال النكاح لأنهم قد أجمعوا على صحته بيقين. قال أبو عمر: وٱختلف قول مالك في معنى قول الرجل لامرأته: ٱعتدى، أو قد خليتك، أو حبلك على غارِبك؛ فقال مرة: لا ينوى فيها وهي ثلاث. وقال مرّة: ينوى فيها كلها، في المدخول بها وغير المدخول بها؛ وبه أقول. قلت: ما ذهب إليه الجمهور، وما روي عن مالك أنه ينوي في هذه الألفاظ ويحكم عليه بذلك هو الصحيح؛ لما ذكرناه من الدليل، وللحديث الصحيح الذي خرّجه أبو داود وٱبن ماجه والدارقطنيّ وغيرهم عن يزيد بن ركانة: أن ركانة بن عبد يزيد طلق امرأته سهيمة ٱلبتة فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك؛ فقال: «آلله ما أردت إلاَّ واحدة»؟ فقال ركانة: والله ما أردت إلاَّ واحدة؛ فرّدها إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ قال ٱبن ماجه: سمعت أبا الحسن الطنافِسيّ يقول: ما أشرف هذا الحديث! وقال مالك في الرجل يقول لامرأته: أنت عليّ كالميتة والدّم ولحم الخنزير: أراها البتّة وإن لم تكن له نية، فلا تحِلّ إلاَّ بعد زوج. وفي قول الشافعيّ: إن أراد طلاقاً فهو طلاق، وما أراد من عدد الطلاق؛ وإن لم يُرد طلاقاً فليس بشيء بعد أن يحلف. وقال أبو عمر: أصل هذا الباب في كل كناية عن الطلاق، ما روي حديث : عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال ـ للتي تزوّجها حين قالت: أعوذ بالله منك ـ: «قد عذتِ بمعاذٍ ٱلحقِي بأهلك»تفسير : . فكان ذلك طلاقاً. وقال كعب بن مالك لامرأته حين أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم بٱعتزالها: ٱلحقي بأهلك فلم يكن ذلك طلاقاً؛ فدل على أن هذه اللفظة مفتقرة إلى النية، وأنها لا يُقضَىٰ فيها إلاَّ بما ينوِي اللاّفِظ بها، وكذلك سائر الكنايات المحتملات للفراق وغيره. والله أعلم. وأما الألفاظ التي ليست من ألفاظ الطلاق ولا يكنّى بها عن الفراق، فأكثر العلماء لا يُوقعون بشيء منها طلاقاً وإن قصده القائل. وقال مالك: كل من أراد الطلاق بأيّ لفظ كان لزمه الطلاقُ، حتى بقوله: كلي وٱشربِي وقومي وٱقعدي؛ ولم يتابع مالكاً على ذلك إلاَّ أصحابه. قوله تعالىٰ: {وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ مِمَّآ آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلاَّ أَن يَخَافَآ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا ٱفْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ ٱللَّهِ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ}. فيه خمس عشرة مسألة: الأُولىٰ ـ قوله تعالىٰ: {وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ مِمَّآ آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً} «أنْ» في موضع رفع بـ «ـيحل». والآية خطاب للأزواج، نهوا أن يأخذوا من أزواجهم شيئاً على وجه المضارّة؛ وهذا هو الخُلع الذي لا يصحّ إلاَّ بألا ينفرد الرجل بالضرر؛ وخص بالذكر ما آتى الأزواج نساءهم؛ لأن العرف بين الناس أن يطلب الرجل عند الشقاق والفساد ما خرج من يده لها صداقاً وجهازاً؛ فلذلك خص بالذّكر. وقد قيل: إن قوله: {وَلاَ يَحِلُّ} فصل معترض بين قوله تعالى {ٱلطَّلاَقُ مَرَّتَانِ} وبين قوله: {أية : فَإِنْ طَلَّقَهَا} تفسير : [البقرة: 230]. الثانية ـ والجمهور على أن أخذ الفِدية على الطلاق جائز. وأجمعوا على تحظير أخذ ما لها إلاَّ أن يكون النّشُوزُ وفساد العشرة من قِبلِها. وحكي ٱبن المنذر عن النعمان أنه قال: إذا جاء الظلم والنشوز من قِبلِه وخالعته فهو جائز ماض وهو آثم، لا يحل له ما صنع، ولا يجبر على ردّ ما أخذه. قال ٱبن المنذر: وهذا من قوله خلافُ ظاهِر كتاب الله، وخلاف الخبر الثابت عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، وخلافُ ما أجمع عليه عامّة أهل العلم من ذلك، ولا أحسب أن لو قيل لأحد: ٱجهد نفسك في طلب الخطإ ما وجد أمراً أعظم من أن ينطق الكتاب بتحريم شيء ثم يقابله مقابل بالخلاف نصاً؛ فيقول: بل يجوز ذلك: ولا يجبر على ردّ ما أخذ. قال أبو الحسن بن بَطّال: وروى ٱبن القاسم عن مالك مثله. وهذا القول خلاف ظاهِر كتاب الله تعالىٰ، وخلاف حديثِ ٱمرأة ثابت؛ وسيأتي. الثالثة ـ قوله تعالىٰ: {إِلاَّ أَن يَخَافَآ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ} حرم الله تعالىٰ في هذه الآية ألاّ يأخذ إلاَّ بعد الخوف ألاَّ يقيما حدود الله، وأكد التحريم بالوعيد لمن تعدّى الحدّ. والمعنى أن يظن كل واحد منهما بنفسه ألاَّ يقيم حق النكاح لصاحبه حسب ما يجب عليه فيه لكراهة يعتقدها؛ فلا حرج على المرأة أن تفتدِي، ولا حرج على الزوج أن يأخذ. والخطاب للزوجين. والضمير في «أن يخافا» لهما، و «ألاَّ يقيما» مفعول به. و «خفت» يتعدّى إلى مفعول واحد. ثم قيل: هذا الخوف هو بمعنى العلم، أي أن يعلما ألاَّ يقيما حدود الله، وهو من الخوف الحقيقيّ، وهو الإشفاق من وقوع المكروه، وهو قريب من معنى الظّنّ. ثم قيل: «إلاَّ أن يخافا» ٱستثناء منقطع، أي لكن إن كان منهن نشوز فلا جناح عليكم في أخذ الفِدية. وقرأ حمزة «إلاَّ أن يخافا» بضم الياء على ما لم يسم فاعله، والفاعل محذوف وهو الولاة والحكام؛ وٱختاره أبو عبيد. قال: لقوله عزّ وجلّ: {فَإِنْ خِفْتُمْ} قال: فجعل الخوف لغير الزوجين، ولو أراد الزوجين لقال: فإن خافا؛ وفي هذا حجة لمن جعل الخلع إلى السلطان. قلت: وهو قول سعيد بن جبير والحسن وٱبن سِيريِن. وقال شعبة: قلت لقتادة: عمن أخذ الحسنُ الخلع إلى السلطان؟ قال: عن زياد، وكان والياً لعمر وعليّ. قال النحاس: وهذا معروف عن زياد، ولا معنى لهذا القول لأن الرجل إذا خالع ٱمرأته فإنما هو على ما يتراضيان به، ولا يجبره السلطان على ذلك؛ ولا معنى لقول من قال: هذا إلى السلطان. وقد أنكر ٱختيار أبي عبيد وردّ، وما علمت في ٱختياره شيئاً أبعد من هذا الحرف، لأنه لا يوجبه الإعراب ولا اللفظ ولا المعنى. أما الإعراب فإن عبد الله بن مسعود قرأ «إلاَّ أن يخافا» تخافوا؛ فهذا في العربية إذا ردّ إلى ما لم يسم فاعله قيل: إلاَّ أن يخاف. وأما اللفظ فإن كان على لفظ «يخافا» وجب أن يُقال: فإن خيف. وإن كان على لفظ «فإن خفتم» وجب أن يُقال: إلا أن تخافوا. وأما المعنى فإنه يبعد أن يُقال: لا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئاً؛ إلا أن يخاف غيركم ولم يقل جلّ وعزّ: فلا جناح عليكم أن تأخذوا له منها فدية؛ فيكون الخلع إلى السلطان. قال الطحاويّ: وقد صحّ عن عمر وعثمان وٱبن عمر جوازه دون السلطان؛ وكما جاز الطلاق والنكاح دون السلطان فكذلك الخلع؛ وهو قول الجمهور من العلماء. الرابعة ـ قوله تعالىٰ: {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا} أي على أن لا يقيما. {حُدُودَ ٱللَّهِ} أي فيما يجب عليهما من حسن الصحبة وجميل العشرة. والمخاطبة للحكام والمتوسطين لمثل هذا الأمر وإن لم يكن حاكماً. وترك إقامة حدود الله هو ٱستخفاف المرأة بحق زوجها، وسوء طاعتها إياه؛ قاله ٱبن عباس ومالك بن أنس وجمهور الفقهاء. وقال الحسن بن أبي الحسن وقوم معه: إذا قالت المرأة لا أطيع لك أمراً، ولا أغتسل لك من جنابة، ولا أبرّ لك قسماً، حل الخلع. وقال الشعبيّ: «ألاّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ» ألاَّ يطيعا الله؛ وذلك أن المغاضبة تدعو إلى ترك الطاعة. وقال عطاء بن أبي رباح: يحل الخلع والأخذ أن تقول المرأة لزوجها: إني أكرهك ولا أحبك، ونحو هذا {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا ٱفْتَدَتْ بِهِ}. روى البخاريّ من حديث أيوب عن عكرمة حديث : عن ٱبن عباس أن ٱمرأة ثابت بن قيس أتتِ النبيّ صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، ثابت بن قيس ما أعتب عليه في خُلُق ولا دِين ولكن لا أطيقه! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أتردّين عليه حديقته»؟ قالت: نعمتفسير : . وأخرجه ٱبن ماجه عن قتادة عن عكرمة عن ٱبن عباسحديث : أن جميلة بنت سَلُول أتت النبيّ صلى الله عليه وسلم فقالت: والله ما أعيب على ثابت في دِين ولا خُلق ولكني أكره الكفر في الإسلام، لا أطيقه بغضا! فقال لها النبيّ صلى الله عليه وسلم: «أتردّين عليه حديقته»؟ قالت: نعم. فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأخذ منها حديقته ولا يزدادتفسير : . فيقال: إنها كانت تبغضه أشدّ البغض، وكان يحبها أشدّ الحبّ؛ ففرّق رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما بطريق الخُلع؛ فكان أوّل خُلع في الإسلام. روى عكرمة حديث : عن ٱبن عباس قال: أوّل من خالع في الإسلام أُخت عبد الله بن أبيّ، أتت النبيّ صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، لا يجتمع رأسي ورأسه أبداً، إني رفعت جانب الخِبَاء فرأيته أقبل في عدّة إذ هو أشدّهم سواداً وأقصرهم قامة، وأقبحهم وجها! فقال: «أتردّين عليه حديقته»؟ قالت: نعم، وإن شاء زدته؛ ففرّق بينهماتفسير : . وهذا الحديث أصل في الخلع، وعليه جمهور الفقهاء. قال مالك: لم أزل أسمع ذلك من أهل العلم، وهو الأمر المجتمع عليه عندنا، وهوأن الرجل إذا لم يضر بالمرأة ولم يسىء إليها، ولم تؤت من قِبلِه، وأحبت فراقه فإنه يحل له أن يأخذ منها كل ما ٱفتدت به؛ كما فعل النبيّ صلى الله عليه وسلم في ٱمرأة ثابت بن قيس وإن كان النشوز من قِبلِه بأن يضيق عليها ويضرها ردّ عليها ما أخذ منها. وقال عقبة بن أبي الصهباء: سألت بكر بن عبد الله المزنيّ عن الرجل تريد ٱمرأته أن تخالعه فقال؛ لا يحل له أن يأخذ منها شيئاً. قلت: فأين قول اللَّهِ عزّ وجلّ في كتابه: {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا ٱفْتَدَتْ بِهِ} ؟قال: نسخت. قلت: فأين جعلت؟ قال: في سورة «النساء»: {أية : وَإِنْ أَرَدْتُّمُ ٱسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً فَلاَ تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئاً أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً} تفسير : [النساء: 20]. قال النحاس؛ هذا قول شاذ، خارج عن الإجماع لشذوذه؛ وليست إحدى الآيتين دافعة للأُخرى فيقع النسخ؛ لأن قوله {فَإِنْ خِفْتُمْ} الآية؛ ليست بمزالة بتلك الآية؛ لأنهما إذا خافا هذا لم يدخل الزوج في «وإن أردتم ٱستبدال زوج مكان زوج» لأن هذا للرجال هخاصة. وقال الطبريّ: الآية محكمة، ولا معنى لقول بكر: إن أرادت هي العطاء فقد جوّز النبيّ صلى الله عليه وسلم لثابت أن يأخذ من زوجته ما ساق إليها كما تقدم. الخامسة ـ تمسك بهذه الآية من رأى ٱختصاص الخلع بحالة الشقاق والضرر، وأنه شرط في الخلع، وعضد هذا بما رواه أبو دواد حديث : عن عائشة: أن حبيبة بنت سهل كانت عند ثابت بن قيس بن شَمّاس فضربها فكسر نُغْضَها؛ فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الصبح فٱشتكت إليه؛ فدعا النبيّ صلى الله عليه وسلم ثابتاً فقال: «خذ بعض مالها وفارقها». قال: ويصلح ذلك يا رسول الله؟ قال: «نعم». قال: فإني أصدقتها حديقتين وهما بيدها؛ فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «خذهما وفارقها» فأخذهما وفارقهاتفسير : . والذي عليه الجمهور من الفقهاء أنه يجوز الخلع من غير ٱشتكاءِ ضررٍ؛ كما دل عليه حديث البخاريّ وغيره. وأما الآية فلا حجة فيها؛ لأن الله عزّ وجلّ لم يذكرها على جهة الشرط، وإنما ذكرها لأنه الغالب من أحوال الخلع؛ فخرّج القول على الغالب؛ والذي يقطع العذر ويوجب العلم قوله تعالىٰ: {أية : فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَّرِيئاً} تفسير : [النساء: 4]. السادسة ـ لما قال الله تعالىٰ: {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا ٱفْتَدَتْ بِهِ} دل على جواز الخلع بأكثر مما أعطاها. وقد ٱختلف العلماء في هذا؛ فقال مالك والشافعيّ وأبو حنيفة وأصحابهم وأبو ثور: يجوز أن تفتدي منه بما تراضيا عليه، كان أقل مما أعطاها أو أكثر منه. وروي هذا عن عثمان بنِ عفان وٱبنِ عمر وقبيصة والنخعي. وٱحتج قبيصة بقوله: {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا ٱفْتَدَتْ بِهِ}. وقال مالك: ليس من مكارم الأخلاق، ولم أر أحداً من أهل العلم يكره ذلك. وروى الدراقطنيّ حديث : عن أبي سعيد الخدريّ أنه قال: كانت أُختي تحت رجل من الأنصار تزوّجها على حديقة، فكان بينهما كلام، فٱرتفعا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «تردّين عليه حديقته ويطلقك»؟ قالت: نعم، وأزيده. قال: «رُدِّي عليه حديقته وزيديه». وفي حديث ٱبن عباسٍ: «وإن شاء زدتُه ولم ينكر»تفسير : . وقالت طائفة: لا يأخذ منها أكثر مما أعطاها؛ كذلك قال طاوس وعطاء والأوزاعيّ؛ قال الأوزاعيّ: كان القضاة لا يُجيزون أن يأخذ إلاَّ ما ساق إليها؛ وبه قال أحمد وإسحاق. وٱحتجوا بما رواه ٱبن جريج: أخبرني أبو الزبير حديث : أن ثابت بن قيس ابن شَمّاس كانت عنده زينب بنت عبد الله بن أُبيّ بن سَلُول، وكان أصدقها حديقة فكرهته؛ فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «أما الزيادة فلا ولكن حديقته»، فقالت: نعم. فأخذها له وخلّى سبيلها، فلما بلغ ذلك ثابت بن قيس قال: قد قبلت قضاء رسولِ الله صلى الله عليه وسلمتفسير : ؛ سمعه أبو الزبير من غير واحد؛ أخرجه الدارقطنيّ. حديث : وروي عن عطاء مرسلاً أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «لا يأخذ من المختلعة أكثر مما أعطاها» . تفسير : السابعة ـ الخُلع عند مالكٍ رضي الله عنه على ثمرة لم يَبْدُ صلاحُها وعلى جملٍ شارِد أو عبد آبق أو جنين في بطن أُمّه أو نحو ذلك من وجوه الغرر جائز؛ بخلاف البيوع والنكاح. وله المطالبة بذلك كله؛ فإن سلم كان له، وإن لم يسلم فلا شيء له، والطلاق نافذ على حكمه. وقال الشافعيّ: الخلع جائز وله مهر مثلها؛ وحكاه ٱبن خُوَيْزمَنْدَاد عن مالك قال: لأن عقود المعاوَضات إذا تضمّنت بدلاً فاسداً وفاتت رُجع فيها إلى الواجب في أمثالها من البدل. وقال أبو ثور: الخُلْع باطل. وقال أصحاب الرأي: الخلع جائز؛ وله ما في بطن الأَمَة، وإن لم يكن فيه ولدٌ فلا شيء له. وقال في «المبسوط» عن ٱبن القاسم: يجوز بما يُثْمره نخلُه العامَ، وما تلد غنمه العامَ خلافاً لأبي حنيفة والشافعيّ؛ والحجة لما ذهب إليه مالك وٱبن القاسم عموم قوله تعالىٰ: {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا ٱفْتَدَتْ بِهِ}. ومن جهة القياس أنه مما يملك بالهبة والوصية؛ فجاز أن يكون عِوضاً في الخلع كالمعلوم؛ وأيضاً فإن الخلع طلاقٌ، والطلاق يصح بغير عِوض أصلاً؛ فإذا صحّ على غير شيء فَلأن يصح بفاسد العِوض أولى؛ لأنّ أسوأ حالِ المبذول أن يكون كالمسكوت عنه. ولمّا كان النكاح الذي هو عقد تحليلٍ لا يفسده فاسد العوض فَلأن لا يفسد الطلاق الذي هو إتلاف وحلّ عقدٍ أولى. الثامنة ـ ولو ٱختلعت منه برضاع ٱبنها منه حولين جاز. وفي الخلع بنفقتها على الابن بعد الحولين مدّة معلومة قولان: أحدهما ـ يجوز؛ وهو قول المخزوميّ، وٱختاره سحنون. والثاني ـ لا يجوز؛ رواه ٱبن القاسم عن مالك، وإن شرطه الزوج فهو باطل موضوع عن الزوجة. قال أبو عمر: من أجاز الخلع على الجمل الشارد والعبدِ الآبق ونحو ذلك من الغرر لزمه أن يجوّز هذا. وقال غيره من القروِيين: لم يمنع مالك الخلع بنفقةِ ما زاد على الحولين لأجل الغرر، وإنما منعه لأنه حق يختص بالأب على كل حال فليس له أن ينقله إلى غيره؛ والفرق بين هذا وبين نفقة الحولين أن تلك النفقة وهي الرضاع قد تجب على الأُمّ حال الزوجية وبعد الطلاق إذا أعسر الأب؛ فجاز أن تنقل هذه النفقة إلى الأُمّ؛ لأنها محل لها. وقد ٱحتج مالك في «المبسوط» على هذا بقوله تعالىٰ: {أية : وَٱلْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ ٱلرَّضَاعَةَ} تفسير : [البقرة: 233]. التاسعة ـ فإن وقع الخلع على الوجه المباح بنفقة الابن فمات الصبيّ قبل ٱنقضاء المدّة فهل للزوج الرجوع عليها ببقية النفقة؛ فروى ٱبن الموّاز عن مالك: لا يتبعها بشيء، وروى عنه أبو الفرج: يتبعها؛ لأنه حق ثبت له في ذمّة الزوجة بالخلع فلا يسقط بموت الصبيّ؛ كما لو خالعها بمال متعلق بذمتها، ووجه الأوّل أنه لم يشترط لنفسه مالاً يتموّله، وإنما ٱشترط كفاية مؤنِة ولده؛ فإذا مات الولد لم يكن له الرجوع عليها بشيء؛ كما لو تطوّع رجل بالإنفاق على صبيّ سنة فمات الصبيّ لم يرجع عليه بشيء؛ لأنه إنما قصد بتطوّعه تحمل مؤنته، والله أعلم، قال مالك: لم أر أحداً يَتّبع بمثل هذا؛ ولو ٱتبعه لكان له في ذلك قول. وٱتفقوا على أنها إن ماتت فنفقة الولد في مالها؛ لأنه حق ثبت فيه قبل موتها فلا يسقط بموتها. العاشرة ـ ومن اشترط على ٱمرأته في الخلع نفقةَ حملها وهي لا شيء لها فعليه النفقة إذا لم يكن لها مال تنفق منه؛ وإن أيسرت بعد ذلك ٱتبعها بما أنفق وأخذه منها. قال مالك: ومن الحق أن يكلَّف الرجل نفقة ولده وإن ٱشترط على أُمّه نفقته إذا لم يكن لها ما تنفق عليه. الحادية عشرة ـ وٱختلف العلماء في الخلع هل هو طلاق أو فسخ؛ فروي عن عثمان وعليّ وٱبن مسعود وجماعةٍ من التابعين: هو طلاق؛ وبه قال مالك والثوريّ والأُوزاعيّ وأبو حنيفة وأصحابه والشافعيّ في أحد قوليه. فمن نوى بالخلع تطليقتين أو ثلاثاً لزمه ذلك عند مالك. وقال أصحاب الرأي: إن نوى الزوج ثلاثاً كان ثلاثاً، وإن نوى ثنتين فهو واحدة بائنة (لأنها كلمة واحدة). وقال الشافعيّ في أحد قوليه: إن نوى بالخلع طلاقاً وسماه فهو طلاق، وإن لم ينو طلاقاً ولا سمى لم تقع فرقة؛ قاله في القديم. وقوله الأوّل أحب إليّ. المزنى: وهو الأصح عندهم. وقال أبو ثور: إذا لم يسم الطلاق فالخلع فرقة وليس بطلاق، وإن سمى تطليقة فهي تطليقة؛ والزوج أملك برجعتها ما دامت في العِدّة. وممن قال: إن الخلع فسخ وليس بطلاق إلا أن ينويه ٱبنُ عباس وطاوس وعكرمة وإسحاق وأحمد. وٱحتجوا بالحديث عن ٱبن عيينة عن عمرو عن طاوس عن ٱبن عباس أن إبراهيم بن سعد بن أبي وقاص سأله: رجل طلق ٱمرأته تطليقتين ثم ٱختلعت منه أيتزوّجها؟ قال: نعم لينكحها، ليس الخلع بطلاق؛ ذكر الله عز وجل الطلاق في أوّل الآية وآخرها، والخلع فيما بين ذلك؛ فليس الخلع بشيء. ثم قال: {ٱلطَّلاَقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ}. ثم قرأ {فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىٰ تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ} . قالوا: ولأنه لو كان طلاقاً لكان بعد ذكر الطلقتين ثالثاً، وكان قوله: {فَإِنْ طَلَّقَهَا} بعد ذلك دالاّ على الطلاق الرابع؛ فكان يكون التحريم متعلقاً بأربع تطليقات. وٱحتجوا أيضاً بما رواه الترمذيّ وأبو داود والدارقطنيّ عن ٱبن عباس: أن ٱمرأة ثابت بن قيس ٱختلعت من زوجها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمرها رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تعتدّ بحيضة. قال الترمذيّ: حديث حسن غريب. وعن الرُّبَيِّع بنت مُعَوِّذ بن عَفْراء أنها ٱختلعت على عهد النبيّ صلى الله عليه وسلم فأمرها النبيّ صلى الله عليه وسلم أو أُمِرت أن تعتدّ بحيضة. قال الترمذيّ: حديث الربِّيعِ الصحيح أنها أُمِرت أن تعتدّ بحيضة. قالوا: فهذا يدل على أن الخلع فسخ لا طلاق؛ وذلك أن الله تعالى قال: {وَٱلْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوۤءٍ} ولو كانت هذه مطلقة لم يقتصر بها على قُرْءٍ واحد. قلت: فمن طلق ٱمرأته تطليقتين ثم خالعها ثم أراد أن يتزوّجها فله ذلك ـ كما قال ٱبن عباس ـ وإن لم تنكح زوجاً غيره؛ لأنه ليس له غير تطليقتين والخلع لغوٌ. ومن جعل الخلع طلاقاً قال: لم يجز أن يرتجعها حتى تنكح زوجاً غيره؛ لأنه بالخلع كملت الثلاثُ؛ وهو الصحيح إن شاء الله تعالى. قال القاضي إسماعيل ابن إسحاق: كيف يجوز القول في رجل قالت له ٱمرأته: طلقني على مالٍ فطلقها إنه لا يكون طلاقاً، وهو لو جعل أمرها بيدها من غير شيء فطلقت نفسها كان طلاقاً!. (قال) وأما قوله تعالى: {فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىٰ تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ} فهو معطوف على قوله تعالى: {ٱلطَّلاَقُ مَرَّتَانِ}؛ لأن قوله: {أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} إنما يعني به أو تطليق. فلو كان الخلع معطوفاً على التطليقتين لكان لا يجوز الخلع أصلاً إلا بعد تطليقتين وهذا لا يقوله أحد. وقال غيره: ما تأوّلوه في الآية غلطٌ فإن قوله: {ٱلطَّلاَقُ مَرَّتَانِ} أفاد حكم الاثنتين إذا أوقعهما على غير وجه الخلع، وأثبت معهما الرجعة بقوله: {فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ} ثم ذكر حكمهما إذا كان على وجه الخلع فعاد الخلع إلى الثنتين المتقدّم ذكرهما؛ إذ المراد بذلك بيان الطلاق المطلق والطلاقِ بعوض، والطلاق الثالث بِعوَض كان أو بغير عوض فإنه يقطع الحل إلا بعد زوج. قلت: هذا الجواب عن الآية، وأما الحديث فقال أبو داود ـ لما ذكر حديث ٱبن عباس في الحيضة ـ: هذا الحديث رواه عبد الرزاق عن مَعْمر عن عمرو بن مسلم عن عكرمة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم مرسلاً. وحدّثنا القَعْنَبيّ عن مالكٍ عن نافع عن ٱبن عمر قال: عدّة المختلعةِ عدّة المطلّقة. قال أبو داود: والعمل عندنا على هذا. قلت: وهو مذهب مالك والشافعيّ وأحمد وإسحاق والثوريّ وأهل الكوفة. قال الترمذيّ: وأكثرِ أهل العلم من أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم وغيرهم. قلت: وحديث ٱبن عباس في الحيضة مع غرابته كما ذكر الترمذيّ، وإرسالِه كما ذكر أبو داود فقد قيل فيه: إن النبيّ صلى الله عليه وسلم جعل عدّتها حيضة ونصفاً؛ أخرجه الدارقطنيّ من حديث معمر عن عمرو بن مسلم عن عكرمة عن ٱبن عباس: أن ٱمرأة ثابت ابن قيس ٱختلعت من زوجها فجعل النبيّ صلى الله عليه وسلم عدّتها حيضة ونصفاً. والراوي عن معمر هنا في الحيضة والنصف هو الراوي عنه في الحيضة الواحدة، وهو هشام بن يوسف أبو عبد الرحمن الصنعاني اليماني: خرّج له البخاري وحده. فالحديث مضطرب من جهة الإسناد والمتن، فسقط الاحتجاج به في أن الخلع فسخ، وفي أن عدّة المطلقة حيضة؛ وبقي قوله تعالى: {وَٱلْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوۤءٍ} نصاً في كل مطلَّقة مدخولٍ بها إلا ما خُص منها كما تقدّم. قال الترمذيّ: «وقال بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: عدّة المختلعة حيضة، قال إسحاق: وإن ذهب ذاهب إلى هذا فهو مذهب قويّ». قال ٱبن المنذر: قال عثمان بن عفان وٱبن عمر: عدّتها حيضة؛ وبه قال أبان بن عثمان وإسحاق. وقال عليّ بن أبي طالب: عدّتها عدّة المطلَّقة، وبقول عثمان وٱبن عمر أقول، ولا يثبت حديث عليّ. قلت: قد ذكرنا عن ٱبن عمر أنه قال: عدّة المختلِعَة عدّة المطلَّقة، وهو صحيح. الثانية عشرة: وٱختلف قول مالك فيمن قصد إيقاع الخلعُ على غير عِوض؛ فقال عبد الوهاب: هو خلع عند مالك، وكان الطلاق بائناً. وقيل عنه: لا يكون بائنا إلا بوجود العِوض؛ قاله أشهب والشافعيّ؛ لأنه طلاق عُرِي عن عوضٍ وٱستيفاءِ عدد فكان رجعياً كما لو كان بلفظ الطلاق. قال ٱبن عبد البر: وهذا أصح قوليْه عندي وعند أهل العلم في النظر. ووجه الأوّل أن عدم حصول العوض في الخلع لا يُخْرجه عن مقتضاه؛ أصلُ ذلك إذا خالع بخمر أو خنزير. الثالثة عشرة ـ المختلِعة هي التي تختلع من كل الذي لها. والمفتدية أن تفتدي ببعضه وتأخذ بعضه. والمبارِئة هي التي بارأت زوجها من قبل أن يدخل بها فتقول: قد أبرأتك فبارِئني؛ هذا هو قول مالك. وروى عيسى بن دينار عن مالكٍ: المبارِئة هي التي لا تأخذ شيئاً ولا تعطي، والمختلعة هي التي تعطي ما أعطاها وتزيد من مالها، والمفتدية هي التي تفتدي ببعض ما أعطاها وتمسك بعضه؛ وهذا كله يكون قبل الدخول وبعده؛ فما كان قبل الدخول فلا عِدّة فيه، والمصالِحة مثل المبارِئة. قال القاضي أبو محمد وغيره: هذه الألفاظ الأربعة تعود إلى معنى واحد وإن ٱختلفت صفاتها من جهة الإيقاع، وهي طلقة بائنة سماها أو لم يسمّها؛ لا رجعة له في العدّة، وله نكاحها في العدّة وبعدها برضاها بوليّ وصداق وقبل زوج وبعده؛ خلافاً لأبي ثور؛ لأنها إنما أعطته العِوض لتملك نفسها، ولو كان طلاق الخُلع رجعياً لم تملك نفسها؛ فكان يجتمع للزوج العِوض والمعوّض عنه. الرابعة عشرة ـ وهذا مع إطلاق العقد نافذ، فلو بذلت له العوض وشرط الرّجعة؛ ففيها روايتان رواهما ٱبن وهب عن مالك: إحداهما ثبوتها؛ وبها قال سحنون. والأُخرى نفيها. قال سحنون: وجه الرواية الأُولى أنهما قد ٱتفقا على أن يكون العِوض في مقابلة ما يسقط من عدد الطلاق، وهذا جائز. ووجه الرواية الثانية أنه شرط في العقد ما يمنع المقصود منه فلم يثبت ذلك؛ كما لو شرط في عقد النكاح: أنى لا أطأها. الخامسة عشرة ـ قوله تعالى: {تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا} لما بيّن تعالى أحكام النكاح والفراق قال: {تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ} التي أمرت بٱمتثالها؛ كما بيّن تحريمات الصوم في آية أُخرى فقال: {أية : تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا} تفسير : [البقرة: 187] فقسم الحدود قسمين؛ منها حدود الأمر بالامتثال، وحدود النهي بالاجتناب؛ ثم أخبر تعالى فقال: {وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ ٱللَّهِ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ}.

البيضاوي

تفسير : {ٱلطَّلَـٰقُ مَرَّتَانِ} أي التطليق الرجعي اثنان لما روي (أنه صلى الله عليه وسلم سُئِلَ أين الثالثة؟ فقال عليه الصلاة والسلام: {أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَـٰنٍ}). وقيل؛ معناه التطليق الشرعي تطليقة بعد تطليقة على التفريق، ولذلك قالت الحنفية الجمع بين الطلقتين والثلاث بدعة. {فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ} بالمراجعة وحسن المعاشرة، وهو يؤيد المعنى الأول. {أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَـٰنٍ} بالطلقة الثالثة، أو بأن لا يراجعها حتى تبين، وعلى المعنى الأخير حكم مبتدأ وتخيير مطلق عقب به تعليمهم كيفية التطليق. {وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ مِمَّا ءَاتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا} أي من الصدقات. روي (أن جميلة بنت عبد الله بن أبي بن سلول، كانت تبغض زوجها ثابت بن قيس، فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: لا أنا ولا ثابت لا يجمع رأسي ورأسه شيء، والله ما أعيبه في دين ولا خلق ولكني أكره الكفر في الإِسلام، وما أطيقه بغضاً إني رفعت جانب الخباء فرأيته أقبل في جماعة من الرجال، فإذا هو أشدهم سوادا وأقصرهم قامة وأقبحهم وجهاً. فنزلت فاختلعت منه بحديقة كان أصدقها إياها. والخطاب مع الحكام وإسناد الأخذ والإِيتاء إليهم لأنهم الآمرون بهما عند الترافع. وقيل إنه خطاب للأزواج وما بعده خطاب للحكام وهو يشوش النظم على القراءة المشهورة. {إِلاَّ أَن يَخَافَا} أي الزوجـان. وقرىء {يظنا} وهو يؤيد تفسير الخوف بالظن. {أَن لا يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ} بترك إقامة أحكامه من مواجب الزوجية. وقرأ حمزة ويعقوب {يَخَافَا} على البناء للمفعول وإبدال أن بصلته من الضمير بدل الاشتمال. وقرىء «تخافا» و «تقيما» بتاء الخطاب. {فَإِنْ خِفْتُمْ } أيها الحكام. {أَن لا يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا ٱفْتَدَتْ بِهِ} على الرجل في أخذ ما افتدت به نفسها واختلعت، وعلى المرأة في إعطائه. {تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ} إشارة إلى ما حد من الأحكام. {فَلاَ تَعْتَدُوهَا} فلا تتعدوها بالمخالفة. {وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ ٱللَّهِ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ} تعقيب للنهي بالوعيد مبالغة في التهديد، واعلم أن ظاهر الآية يدل على أن الخلع لا يجوز من غير كراهة وشقاق، ولا بجميع ما ساق الزوج إليها فضلاً عن الزائد، ويؤيد ذلك قوله صلى الله عليه وسلم «حديث : أيما امرأة سألت زوجها طلاقاً من غير بأس، فحرام عليها رائحة الجنة»تفسير : . وما روي أنه عليه الصلاة والسلام قال لجميلة: «حديث : أتردين عليه حديقته؟ فقالت: أردها وأزيد عليها، فقال عليه الصلاة والسلام أما الزائد فلا»تفسير : والجمهور استكرهوه ولكن نفذوه فإن المنع عن العقد لا يدل على فساده، وأنه يصح بلفظ المفاداة، فإنه تعالى سماه افتداء. واختلف في أنه إذا جرى بغير لفظ الطلاق هل هو فسخ أو طلاق، ومن جعله فسخاً احتج بقوله: {فَإِن طَلَّقَهَا}.

ابن كثير

تفسير : هذه الآية الكريمة رافعة لما كان عليه الأمر في ابتداء الإسلام من أن الرجل كان أحق برجعة امرأته وإن طلقها مائة مرة ما دامت في العدة، فلما كان هذا فيه ضرر على الزوجات، قصرهم الله إلى ثلاث طلقات، وأباح الرجعة في المرة والثنتين، وأبانها بالكلية في الثالثة، فقال: {ٱلطَّلَـٰقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَـٰنٍ} قال أبو داود رحمه الله في سننه (باب نسخ المراجعة بعد الطلقات الثلاث): حدثنا أحمد بن محمد المروزي، حدثني علي بن الحسين بن واقد عن أبيه، عن يزيد النحوي، عن عكرمة، عن ابن عباس: {وَٱلْمُطَلَّقَـٰتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَـٰثَةَ قُرُوۤءٍ وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ فِىۤ أَرْحَامِهِنَّ} الآية، وذلك أن الرجل كان إذا طلق امرأته فهو أحق برجعتها، وإن طلقها ثلاثاً، فنسخ ذلك فقال: {ٱلطَّلَـٰقُ مَرَّتَانِ} الآية، ورواه النسائي عن زكريا بن يحيى عن إسحاق بن إبراهيم عن علي بن الحسين به، وقال ابن أبي حاتم: حدثنا هارون بن إسحاق، حدثنا عبدة، يعني: ابن سليمان، عن هشام بن عروة، عن أبيه، أن رجلاً قال لامرأته: لا أطلقك أبداً، ولا آويك أبداً، قالت: كيف ذلك؟ قال: أطلق، حتى إذا دنا أجلك، راجعتك، فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له، فأنزل الله عز وجل: {ٱلطَّلَـٰقُ مَرَّتَانِ}، وهكذا رواه ابن جرير في تفسيره من طريق جرير بن عبد الحميد وابن إدريس، ورواه عبد بن حميد في تفسيره عن جعفر بن عون، كلهم عن هشام عن أبيه، قال: كان الرجل أحق برجعة امرأته وإن طلقها ما شاء ما دامت في العدة، وإن رجلاً من الأنصار غضب على امرأته، فقال: والله لا آويك ولا أفارقك، قالت: وكيف ذلك؟ قال: أطلقك، فإذا دنا أجلك راجعتك، ثم أطلقك فإذا دنا أجلك راجعتك، فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله عز وجل: {ٱلطَّلَـٰقُ مَرَّتَانِ} قال: فاستقبل الناس الطلاق، من كان طلق، ومن لم يكن طلق. وقد رواه أبو بكر بن مردويه من طريق محمد بن سليمان عن يعلىٰ بن شبيب مولى الزبير، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة، فذكره بنحو ما تقدم. ورواه الترمذي عن قتيبة، عن يعلى بن شبيب به، ثم رواه عن أبي كريب، عن ابن إدريس، عن هشام، عن أبيه مرسلاً، وقال: هذا أصح. ورواه الحاكم في مستدركه من طريق يعقوب بن حميد بن كاسب عن يعلى بن شبيب به، وقال: صحيح الإسناد. ثم قال ابن مردويه: حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم، حدثنا إسماعيل بن عبد الله، حدثنا محمد بن حميد، حدثنا سلمة بن الفضل عن محمد بن إسحاق، عن هشام بن عروة، عن أبيه،عن عائشة، قالت: لم يكن للطلاق وقت، يطلق الرجل امرأته ثم يراجعها ما لم تنقض العدة، وكان بين رجل من الأنصار وبين أهله بعض ما يكون بين الناس، فقال: والله لأتركنك لا أيماً ولا ذات زوج، فجعل يطلقها، حتى إذا كادت العدة أن تنقضي، راجعها، ففعل ذلك مراراً، فأنزل الله عز وجل فيه: {ٱلطَّلَـٰقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَـٰنٍ} فوقت الطلاق ثلاثاً، لا رجعة فيه بعد الثالثة حتى تنكح زوجاً غيره. وهكذا روي عن قتادة مرسلاً، وذكره السدي وابن زيد وابن جرير كذلك، واختار أن هذا تفسير هذه الآية. وقوله: {فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَـٰنٍ} أي: إذا طلقتها واحدة أو اثنتين، فأنت مخير فيها ما دامت عدتها باقية بين أن تردها إليك ناوياً الإصلاح بها والإحسان إليها، وبين أن تتركها حتى تنقضي عدتها، فتبين منك، وتطلق سراحها محسناً إليها، لا تظلمها من حقها شيئاً، ولا تضار بها. وقال ابن أبي طلحة: عن ابن عباس، قال: إذا طلق الرجل امرأته تطليقتين، فليتق الله في ذلك، أي: في الثالثة، فإما أن يمسكها بمعروف فيحسن صحابتها، أو يسرحها بإحسان فلا يظلمها من حقها شيئاً. وقال ابن أبي حاتم: أخبرنا يونس بن عبد الأعلى قراءة، أخبرنا ابن وهب، أخبرني سفيان الثوري، حدثني إسماعيل بن سميع، قال: سمعت أبا رزين يقول: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أرأيت قول الله عز وجل: {فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَـٰنٍ} أين الثالثة؟ قال: «حديث : التسريح بإحسان»تفسير : ورواه عبد بن حميد في تفسيره ولفظه: أخبرنا يزيد بن أبي حكيم عن سفيان عن إسماعيل بن سميع، أن أبا رزين الأسدي يقول: قال رجل: يا رسول الله أرأيت قول الله: {ٱلطَّلَـٰقُ مَرَّتَانِ} فأين الثالثة؟ قال: «حديث : التسريح بإحسان الثالثة»تفسير : ورواه الإمام أحمد أيضاً. وهكذا رواه سعيد بن منصور عن خالد بن عبد الله، عن إسماعيل بن زكريا وأبي معاوية، عن إسماعيل بن سميع، عن أبي رزين به. وكذا رواه ابن مردويه أيضاً من طريق قيس ابن الربيع عن إسماعيل بن سميع عن أبي رزين به مرسلاً. ورواه ابن مردويه أيضاً من طريق عبد الواحد بن زياد، عن إسماعيل بن سميع، عن أنس بن مالك، عن النبي صلى الله عليه وسلم فذكره، ثم قال: حدثنا عبد الله بن أحمد بن عبد الرحيم، حدثنا أحمد بن يحيى، حدثنا عبيد الله بن جرير بن جبلة، حدثنا ابن عائشة، حدثنا حماد بن سلمة بن قتادة، عن أنس بن مالك، قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله ذكر الله الطلاق مرتين، فأين الثالثة؟ قال: {فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَـٰنٍ}. وقوله: {وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ مِمَّآ ءَاتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا} أي: لا يحل لكم أن تضاجروهن وتضيقوا عليهن، ليفتدين منكم بما أعطيتموهن من الأصدقة أو ببعضه، كما قال تعالى: {أية : وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَآ ءَاتَيْتُمُوهُنَّ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ} تفسير : [النساء: 19] فأما إن وهبته المرأة شيئاً عن طيب نفس منها، فقد قال تعالى: {أية : فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَىْءٍ مِّنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَّرِيئاً}تفسير : [النساء: 4] وأما إذا تشاقق الزوجان، ولم تقم المرأة بحقوق الرجل، وأبغضته، ولم تقدر على معاشرته، فلها أن تفتدي منه بما أعطاها، ولا حرج عليها في بذلها له، ولا حرج عليه في قبول ذلك منها، ولهذا قال تعالى: {وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ مِمَّآ ءَاتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلاَّ أَن يَخَافَآ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا ٱفْتَدَتْ بِهِ} الآية، فأما إذا لم يكن لها عذر، وسألت الافتداء منه، فقد قال ابن جرير: حدثنا ابن بشار، حدثنا عبد الوهاب ح وحدثني يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن علية، قالا جميعاً: حدثنا أيوب عن أبي قلابة، عمن حدثه عن ثوبان، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : أيما امرأة سألت زوجها طلاقها في غير ما بأس، فحرام عليها رائحة الجنة»تفسير : . وهكذا رواه الترمذي عن بندار، عن عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي به، وقال: حسن. قال: ويروى عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي أسماء، عن ثوبان، ورواه بعضهم عن أيوب بهذا الإسناد ولم يرفعه. وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرحمن، حدثنا حماد بن زيد عن أيوب عن أبي قلابة، قال: وذكر أبا أسماء وذكر ثوبان، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أيما امرأة سألت زوجها الطلاق في غير ما بأس فحرام عليها رائحة الجنة»تفسير : . وهكذا رواه أبو داود وابن ماجه وابن جرير من حديث حماد بن زيد به. (طريق أخرى) ـ قال ابن جرير: حدثني يعقوب بن إبراهيم، حدثنا المعتمر بن سليمان، عن ليث بن أبي إدريس، عن ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : أيما امرأة سألت زوجها الطلاق في غير ما بأس حرم الله عليها رائحة الجنة» تفسير : وقال: «حديث : المختلعات هن المنافقات»تفسير : . ثم رواه ابن جرير والترمذي جميعاً، عن أبي كريب، عن مزاحم بن دواد بن علية، عن أبيه، عن ليث هو ابن أبي سليم، عن أبي الخطاب، عن أبي زرعة، عن أبي إدريس، عن ثوبان، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : المختلعات هن المنافقات»تفسير : . ثم قال الترمذي: غريب من هذا الوجه وليس إسناده بالقوي. (حديث آخر) ـ قال ابن جرير: حدثنا أيوب، حدثنا حفص بن بشر، حدثنا قيس بن الربيع، عن أشعث بن سوار، عن الحسن، عن ثابت ابن يزيد، عن عقبة بن عامر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن المختلعات المنتزعات هن المنافقات»تفسير : غريب من هذا الوجه ضعيف. (حديث آخر) ــــ قال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا وهيب، حدثنا أيوب عن الحسن، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : المختلعات والمنتزعات هن المنافقات».تفسير : (حديث آخر) ـ قال ابن ماجه: حدثنا بكر بن خلف أبو بشر، حدثنا أبو عاصم عن جعفر بن يحيى بن ثوبان، عن عمه عمارة بن ثوبان، عن عطاء عن ابن عباس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : لا تسأل امرأة زوجها الطلاق في غير كنهه، فتجد ريح الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عاماً»تفسير : . ثم قد قال طائفة كثيرة من السلف وأئمة الخلف: إنه لا يجوز الخلع إلا أن يكون الشقاق والنشوز من جانب المرأة، فيجوز للرجل حينئذ قبول الفدية، واحتجوا بقوله تعالى: {وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ مِمَّآ ءَاتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلاَّ أَن يَخَافَآ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ} قالوا: فلم يشرع الخلع إلا في هذه الحالة، فلا يجوز في غيرها إلا بدليل، والأصل عدمه، ممن ذهب إلى هذا ابن عباس وطاوس وإبراهيم وعطاء والحسن والجمهور، حتى قال مالك والأوزاعي: لو أخذ منها شيئاً، وهو مضار لها، وجب رده إليها، وكان الطلاق رجعياً. قال مالك: وهو الأمر الذي أدركت الناس عليه. وذهب الشافعي رحمه الله إلى أنه يجوز الخلع في حال الشقاق، وعند الاتفاق بطريق الأولى والأحرى، وهذا قول جميع أصحابه قاطبة. وحكى الشيخ أبو عمر بن عبد البر في كتاب الاستذكار له عن بكر بن عبد الله المزني، أنه ذهب إلى أن الخلع منسوخ بقوله: {أية : وَءَاتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً فَلاَ تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئاً} تفسير : [النساء: 20] ورواه ابن جرير عنه، وهذا قول ضعيف ومأخذ مردود على قائله، وقد ذكر ابن جرير رحمه الله أن هذه الآية نزلت في شأن ثابت بن قيس بن شماس وامرأته حبيبة بنت سهل، أو جميلة بنت عبد الله بن أبي ابن سلول، ولنذكر طرق حديثها واختلاف ألفاظه، قال الإمام مالك في موطئه: عن يحيى بن سعيد، عن عمرة بنت عبد الرحمن بن سعد بن زرارة: أنها أخبرته عن حبيبة بنت سهل الأنصارية، أنها كانت تحت ثابت بن قيس بن شماس، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى الصبح، فوجد حبيبة بنت سهل عند بابه في الغلس، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من هذه؟»تفسير : قالت: أنا حبيبة بنت سهل، فقال:«حديث : ما شأنك»تفسير : ؟ فقالت: لا أنا ولا ثابت بن قيس، لزوجها، فلما جاء زوجها ثابت بن قيس، قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : هذه حبيبة بنت سهل قد ذكرت ما شاء الله أن تذكر»تفسير : فقالت حبيبة: يا رسول الله كل ما أعطاني عندي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : خذ منها» تفسير : فأخذ منها، وجلست في أهلها. وهكذا رواه الإمام أحمد عن عبد الرحمن بن مهدي عن مالك بإسناده مثله، ورواه أبو داود عن القعنبي عن مالك، والنسائي عن محمد بن مسلمة عن ابن القاسم عن مالك به. (حديث آخر) ـ عن عائشة، قال أبو داود وابن جرير: حدثنا محمد بن معمر، حدثنا أبو عامر، حدثنا أبو عمرو السدوسي عن عبد الله بن أبي بكر، عن عمرة، عن عائشة، أن حبيبة بنت سهل كانت تحت ثابت بن قيس بن شماس، فضربها فانكسر نغضها، فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الصبح، فاشتكته إليه، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم ثابتاً، فقال: «حديث : خذ بعض مالها وفارقها»تفسير : قال: ويصلح ذلك يا رسول الله؟ قال: «حديث : نعم»تفسير : قال: إني أصدقتها حديقتين فهما بيدها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : خذهما وفارقها»تفسير : ففعل، وهذا لفظ ابن جرير، وأبو عمرو السدوسي هو سعيد بن سلمة بن أبي الحسام. (حديث آخر) فيه: عن ابن عباس رضي الله عنه، قال البخاري: حدثنا أزهر بن جميل، أخبرنا عبد الوهاب الثقفي، حدثنا خالد عن عكرمة، عن ابن عباس: أن امرأة ثابت بن قيس بن شماس، أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله ما أعيب عليه في خلق ولا دين، ولكن أكره الكفر في الإسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أتردين إليه حديقته»تفسير : ؟ قالت: نعم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : اقبل الحديقة وطلقها تطليقة»تفسير : . وكذا رواه النسائي عن أزهر بن جميل بإسناده مثله، ورواه البخاري أيضاً به، عن إسحاق الواسطي، عن خالد، هو ابن عبد الله الطحان، عن خالد، هو ابن مهران الحذاء، عن عكرمة، به نحوه، وهكذا رواه البخاري أيضاً من طرق عن أيوب عن عكرمة عن ابن عباس، وفي بعضها أنها قالت: لا أطيقه، يعني: بغضاً. وهذا الحديث من أفراد البخاري من هذا الوجه، ثم قال: حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا حماد بن زيد عن أيوب، عن عكرمة أن جميلة رضي الله عنها ـ كذا قال ـ والمشهور أن اسمها حبيبة كما تقدم، لكن قال الإمام أبو عبد الله بن بطة: حدثني أبو يوسف يعقوب بن يوسف الطباخ، حدثنا أبو القاسم عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي، حدثنا عبيد الله بن عمر القواريري، حدثني عبد الأعلى، حدثنا سعيد عن قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس، أن جميلة بنت سلول أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: والله ما أعتب على ثابت بن قيس في دين ولا خلق، ولكنني أكره الكفر في الإسلام، لا أطيقه بغضاً، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : تردين عليه حديقته؟»تفسير : . قالت: نعم، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يأخذ ما ساق، ولا يزداد. وقد رواه ابن مردويه في تفسيره عن موسى بن هارون: حدثنا أزهر بن مروان، حدثنا عبد الأعلى مثله، وهكذا رواه ابن ماجه عن أزهر بن مروان بإسناده مثله سواء، وهو إسناد جيد مستقيم، وقال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا يحيى بن واضح، حدثنا الحسين بن واقد عن ثابت، عن عبد الله بن رباح، عن جميلة بنت عبد الله بن أبي ابن سلول، أنها كانت تحت ثابت بن قيس، فنشزت عليه، فأرسل إليها النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «حديث : يا جميلة ما كرهت من ثابت؟»تفسير : . قالت: والله ما كرهت منه ديناً ولا خلقاً، إلا أني كرهت دمامته، فقال لها: «حديث : أتردين عليه الحديقة؟»تفسير : . قالت: نعم، فردت الحديقة، وفرق بينهما. وقال ابن جرير أيضاً: حدثنا محمد بن عبد الأعلى، حدثنا المعتمر بن سليمان، قال: قرأت على فضيل عن أبي جرير، أنه سأل عكرمة: هل كان للخلع أصل؟ قال: كان ابن عباس يقول: إن أول خلع كان في الإسلام في أخت عبد الله بن أبي، أنها أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله لا يجمع رأسي ورأسه شيء أبداً، إني رفعت جانب الخباء، فرأيته قد أقبل في عدة، فإذا هو أشدهم سواداً، وأقصرهم قامة، وأقبحهم وجهاً، فقال زوجها: يا رسول الله إني قد أعطيتها أفضل مالي؛ حديقة لي، فإن ردت علي حديقتي، قال: «حديث : ما تقولين»تفسير : ؟ قالت: نعم، وإن شاء زدته، قال: ففرق بينهما. (حديث آخر) ـ قال ابن ماجه: حدثنا أبو كريب، حدثنا أبو خالد الأحمر عن حجاج، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده، قال: كانت حبيبة بنت سهل تحت ثابت بن قيس بن شماس، وكان رجلاً دميماً، فقالت: يارسول الله والله لولا مخافة الله إذا دخل عليّ بصقت في وجهه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أتردين إليه حديقته»تفسير : ؟ قالت: نعم، فردت عليه حديقته، قال: ففرق بينهما رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد اختلف الأئمة رحمهم الله في أنه هل يجوز للرجل أن يفاديها بأكثر مما أعطاها، فذهب الجمهور إلى جواز ذلك؛ لعموم قوله تعالى: {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا ٱفْتَدَتْ بِهِ} وقال ابن جرير: حدثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن علية، أخبرنا أيوب عن كثير مولى ابن سمرة أن عمر أتي بامرأة ناشز، فأمر بها إلى بيت كثير الزبل، ثم دعا بها، فقال: كيف وجدت؟ فقالت: ما وجدت راحة منذ كنت عنده إلا هذه الليلة التي كنت حبستني، فقال لزوجها: اخلعها ولو من قرطها، ورواه عبد الرزاق عن معمر عن أيوب عن كثير مولى ابن سمرة فذكر مثله، وزاد: فحبسها فيه ثلاثة أيام. قال سعيد بن أبي عروبة عن قتادة، عن حميد بن عبد الرحمن: إن امرأة أتت عمر بن الخطاب، فشكت زوجها، فأباتها في بيت الزبل، فلما أصبحت قال لها: كيف وجدت مكانك؟ قالت: ما كنت عنده ليلة أقر لعيني من هذه الليلة. فقال: خذ ولو عقاصها. وقال البخاري: وأجاز عثمان الخلع دون عقاص رأسها. وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن عبد الله بن محمد ابن عقيل، أن الربيع بنت معوذ بن عفراء حدثته، قالت: كان لي زوج يقل علي الخير إذا حضرني، ويحرمني إذا غاب عني، قالت: فكانت مني زلة يوماً، فقلت له: أختلع منك بكل شيء أملكه، قال: نعم، قالت: ففعلت، قالت: فخاصم عمي معاذ بن عفراء إلى عثمان بن عفان، فأجاز الخلع، وأمره أن يأخذ عقاص رأسي فما دونه، أو قالت: ما دون عقاص الرأس، ومعنى هذا أنه يجوز أن يأخذ منها كل ما بيدها من قليل وكثير، ولا يترك لها سوى عقاص شعرها، وبه يقول ابن عمر وابن عباس ومجاهد وعكرمة وإبراهيم النخعي وقبيصة بن ذؤيب والحسن بن صالح وعثمان البتي، وهذا مذهب مالك والليث والشافعي وأبي ثور، واختاره ابن جرير، وقال أصحاب أبي حنيفة: إن كان الإضرار من قبلها، جاز أن يأخذ منها ما أعطاها، ولا يجوز الزيادة عليه، فإن ازداد جاز في القضاء، وإن كان الإضرار من جهته لم يجز أن يأخذ منها شيئاً، فإن أخذ، جاز في القضاء. وقال الإمام أحمد وأبو عبيد وإسحاق ابن راهويه: لا يجوز أن يأخذ أكثر مما أعطاها، وهذا قول سعيد بن المسيب وعطاء وعمرو بن شعيب والزهري وطاوس والحسن والشعبي وحماد بن أبي سليمان والربيع بن أنس، وقال معمر والحكم: كان علي يقول: لا يأخذ من المختلعة فوق ما أعطاها، وقال الأوزاعي: القضاة لا يجيزون أن يأخذ منها أكثر مما ساق إليها. (قلت): ويستدل لهذا القول بما تقدم من رواية قتادة عن عكرمة، عن ابن عباس في قصة ثابت بن قيس، فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأخذ منها الحديقة، ولا يزداد، وبما روى عبد بن حميد حيث قال: أخبرنا قبيصة عن سفيان، عن ابن جريج، عن عطاء، أن النبي صلى الله عليه وسلم كره أن يأخذ منها أكثر مما أعطاها، يعني: المختلعة، وحملوا معنى الآية على معنى: {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا ٱفْتَدَتْ بِهِ} أي: من الذي أعطاها؛ لتقدم قوله: {وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ مِمَّآ ءَاتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلاَّ أَن يَخَافَآ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا ٱفْتَدَتْ بِهِ} أي: من ذلك، وهكذا كان يقرؤها الربيع بن أنس: {فلا جناح عليهما فيما افتدت به} منه رواه ابن جرير، لهذا قال بعده: {تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ ٱللَّهِ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ}. (فصل) قال الشافعي: اختلف أصحابنا في الخلع، فأخبرنا سفيان عن عمرو بن دينار، عن طاوس، عن ابن عباس في رجل طلق امرأته تطليقتين، ثم اختلعت منه بعد، يتزوجها إن شاء، لأن الله تعالى يقول: {ٱلطَّلَـٰقُ مَرَّتَانِ} ـ قرأ إلى - {أَن يَتَرَاجَعَآ} قال الشافعي: وأخبرنا سفيان عن عمرو، عن عكرمة، قال: كل شيء أجازه المال فليس بطلاق، وروى غير الشافعي عن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن طاوس، عن ابن عباس: أن إبراهيم بن سعد بن أبي وقاص سأله قال: رجل طلق امرأته تطليقتين، ثم اختلعت منه، أيتزوجها؟ قال: نعم، ليس الخلع بطلاق، ذكر الله الطلاق في أول الآية وآخرها، والخلع فيما بين ذلك، فليس الخلع بشيء، ثم قرأ: {ٱلطَّلَـٰقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَـٰنٍ} وقرأ: {فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىٰ تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} وهذا الذي ذهب إليه ابن عباس رضي الله عنهما من أن الخلع ليس بطلاق، وإنما هو فسخ، هو رواية عن أمير المؤمنين عثمان بن عفان وابن عمر، وهو قول طاوس وعكرمة، وبه يقول أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهوية وأبو ثور وداود بن علي الظاهري، وهو مذهب الشافعي في القديم، وهو ظاهر الآية الكريمة. والقول الثاني في الخلع: إنه طلاق بائن إلا أن ينوي أكثر من ذلك، قال مالك: عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن جهمان مولى الأسلميين، عن أم بكر الأسلمية: أنها اختلعت من زوجها عبد الله خالد بن أسيد، فأتيا عثمان بن عفان في ذلك، فقال: تطليقة، إلا أن تكون سميت شيئاً، فهو ما سميت، قال الشافعي: ولا أعرف جهمان، وكذا ضعف أحمد بن حنبل هذا الأثر، والله أعلم. وقد روي نحوه عن عمر وعلي وابن مسعود وابن عمر، وبه يقول سعيد بن المسيب والحسن وعطاء وشريح والشعبي وإبراهيم وجابر بن زيد، وإليه ذهب مالك وأبو حنيفة وأصحابه والثوري والأوزاعي وأبو عثمان البتي والشافعي في الجديد، غير أن الحنفية عندهم أنه متى نوى المخالع بخلعه تطليقة أو اثنتين أو أطلق، فهو واحدة بائنة، وإن نوى ثلاثاً فثلاث، وللشافعي قول آخر في الخلع، وهو أنه متى لم يكن بلفظ الطلاق، وعري عن البينة، فليس هو بشيء بالكلية. (مسألة) وذهب مالك وأبو حنيفة والشافعي وأحمد وإسحاق بن راهويه في رواية عنهما، وهي المشهورة، إلى أن المختلعة عدتها عدة المطلقة بثلاثة قروء، إن كانت ممن تحيض، وروي ذلك عن عمر وعلي وابن عمر، وبه يقول سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار وعروة وسالم وأبو سلمة وعمر بن عبد العزيز وابن شهاب والحسن والشعبي وإبراهيم النخعي وأبو عياض وخلاس ابن عمرو وقتادة وسفيان الثوري والأوزاعي والليث بن سعد وأبو عبيد. قال الترمذي: وهو قول أكثر أهل العلم من الصحابة وغيرهم، ومأخذهم في هذا أن الخلع طلاق، فتعتد كسائر المطلقات، والقول الثاني أنها تعتد بحيضة واحدة تستبرىء بها رحمها. قال ابن أبي شيبة: حدثنا يحيى بن سعيد عن نافع، عن ابن عمر: أن الربيع اختلعت من زوجها، فأتى عمها عثمان رضي الله عنه، فقال: تعتد بحيضة. قال: وكان ابن عمر يقول: تعتد ثلاث حيض، حتى قال هذا عثمان، فكان ابن عمر يفتي به، ويقول: عثمان خيرنا وأعلمنا. وحدثنا عبدة عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، قال: عدة المختلعة حيضة. وحدثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي، عن ليث، عن طاوس، عن ابن عباس، قال: عدتها حيضة، وبه يقول عكرمة وأبان بن عثمان وكل من تقدم ذكره ممن يقول: إن الخلع فسخ يلزمه القول بهذا، واحتجوا لذلك بما رواه أبو داود والترمذي حيث قال كل منهما: حدثنا محمد بن عبد الرحيم البغدادي، حدثنا علي بن بحر، أخبرنا هشام بن يوسف عن معمر، عن عمرو بن مسلم، عن عكرمة، عن ابن عباس، أن امرأة ثابت بن قيس اختلعت من زوجها على عهد النبي صلى الله عليه وسلم فأمرها النبي صلى الله عليه وسلم أن تعتد بحيضة، ثم قال الترمذي: حسن غريب، وقد رواه عبد الرزاق عن معمر، عن عمرو بن مسلم عن عكرمة مرسلاً. (حديث آخر) ـ قال الترمذي: حدثنا محمود بن غيلان، حدثنا الفضل بن موسى عن سفيان، حدثنا محمد بن عبد الرحمن، وهو مولى آل طلحة، عن سليمان بن يسار، عن الربيع بنت معوذ بن عفراء، أنها اختلعت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمرها النبي صلى الله عليه وسلم أو أمرت أن تعتد بحيضة. قال الترمذي: الصحيح أنها أمرت أن تعتد بحيضة. (طريق أخرى) ـ قال ابن ماجه: حدثنا علي بن سلمة النيسابوري، حدثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد، حدثنا أبي عن ابن إسحاق، أخبرني عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت عن الرُّبَيع بنت معوذ بن عفراء، قال: قلت لها: حدثيني حديثك، قالت: اختلعت من زوجي، ثم جئت عثمان، فسألت عثمان: ماذا علي من العدة؟ قال: لا عدة عليك، إلا أن يكون حديث عهد بك، فتمكثين عنده حتى تحيضي حيضة، قالت: وإنما أتبع في ذلك قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم في مريم المغالية، وكانت تحت ثابت بن قيس، فاختلعت منه؛ وقد روى ابن لهيعة عن ابن الأسود، عن أبي سلمة ومحمد بن عبد الرحمن بن ثوبان عن الربيع بنت معوذ، قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر امرأة ثابت بن قيس حين اختلعت منه أن تعتد بحيضة. (مسألة) وليس للمخالع أن يراجع المختلعة في العدة بغير رضاها عن الأئمة الأربعة وجمهور العلماء، لأنها قد ملكت نفسها بما بذلت له من العطاء. وروي عن عبد الله بن أبي أوفى وماهان الحنفي وسعيد بن المسيب والزهري أنهم قالوا: إن رد إليها الذي أعطاها جاز له رجعتها في العدة بغير رضاها، وهو اختيار أبي ثور رحمه الله. وقال سفيان الثوري: إن كان الخلع بغير لفظ الطلاق، فهو فرقة، ولا سبيل له عليها، وإن كان يسمى طلاقاً، فهو أملك لرجعتها ما دامت في العدة، وبه يقول داود بن علي الظاهري، واتفق الجميع على أن للمختلع أن يتزوجها في العدة، وحكى الشيخ أبو عمر بن عبد البر عن فرقة: أنه لا يجوز له ذلك كما لا يجوز لغيره، وهو قول شاذ مردود. (مسألة) وهل له أن يوقع عليها طلاقاً آخر في العدة؟ فيه ثلاثة أقوال للعلماء: (أحدها): ليس له ذلك، لأنها قد ملكت نفسها، وبانت منه، وبه يقول ابن عباس وابن الزبير وعكرمة وجابر بن زيد والحسن البصري والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وأبو ثور. (والثاني): قال مالك: إن أتبع الخلع طلاقاً من غير سكوت بينهما، وقع، وإن سكت بينهما، لم يقع، قال ابن عبد البر: وهذا يشبه ما روي عن عثمان رضي الله عنه. (والثالث): أنه يقع عليها الطلاق بكل حال ما دامت في العدة، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه والثوري والأوزاعي، وبه يقول سعيد بن المسيب وشريح وطاوس وإبراهيم والزهري والحاكم والحكم وحماد بن أبي سليمان، وروي ذلك عن ابن مسعود وأبي الدرداء، وقال ابن عبد البر: وليس ذلك بثابت عنهما. وقوله: {تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ ٱللَّهِ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ} أي: هذه الشرائع التي شرعها لكم. هي حدوده، فلا تتجاوزوها؛ كما ثبت في الحديث الصحيح: «حديث : إن الله حد حدوداً فلا تعتدوها، وفرض فرائض فلا تضيعوها، وحرم محارم فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء رحمة لكم غير نسيان، فلا تسألوا عنها»تفسير : . وقد يستدل بهذه الآية من ذهب إلى أن جمع الطلقات الثلاث بكلمة واحدة حرام، كما هو مذهب المالكية ومن وافقهم، وإنما السنة عندهم أن يطلق واحدة لقوله: {ٱلطَّلَـٰقُ مَرَّتَانِ} ثم قال: {تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ ٱللَّهِ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ} ويقوون ذلك بحديث محمود بن لبيد الذي رواه النسائي في سننه حيث قال: حدثنا سليمان بن داود، أخبرنا ابن وهب عن مخرمة بن بكير، عن أبيه، عن محمود بن لبيد، قال: أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن رجل طلق امرأته ثلاث تطليقات جميعاً، فقام غضبان، ثم قال: «حديث : أيلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم»تفسير : ؟ حتى قام رجل فقال: يارسول الله ألا أقتله، فيه انقطاع. وقوله تعالى: {فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىٰ تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} أي: إنه إذا طلق الرجل امرأته طلقة ثالثة بعد ما أرسل عليها الطلاق مرتين، فإنها تحرم عليه {حَتَّىٰ تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ}، أي: حتى يطأها زوج آخر في نكاح صحيح، فلو وطئها واطىء في غير نكاح، ولو في ملك اليمين، لم تحل للأول، لأنه ليس بزوج، وهكذا لو تزوجت ولكن لم يدخل بها الزوج، لم تحل للأول، واشتهر بين كثير من الفقهاء عن سعيد بن المسيب رحمه الله أنه يقول: يحصل المقصود من تحليلها للأول بمجرد العقد على الثاني، وفي صحته عنه نظر، على أن الشيخ أبا عمر بن عبد البرقد حكاه عنه في الاستذكار، والله أعلم. وقد قال أبو جعفر بن جرير رحمه الله: حدثنا ابن بشار حدثنا محمد بن جعفر عن شعبة، عن علقمة بن مرثد، عن سالم بن رزين عن سالم بن عبد الله، عن سعيد بن المسيب، عن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم في الرجل يتزوج المرأة، فيطلقها قبل أن يدخل بها ألبتة، فيتزوجها زوج آخر، فيطلقها قبل أن يدخل بها، أترجع إلى الأول؟ قال: «حديث : لا، حتى تذوق عسيلته ويذوق عسيلتها»تفسير : هكذا وقع في رواية ابن جرير، وقد رواه الإمام أحمد فقال: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة عن علقمة بن مرثد، قال: سمعت سالم بن رزين يحدث عن سالم بن عبد الله، يعني: ابن عمر، عن سعيد ابن المسيب، عن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم في الرجل تكون له المرأة فيطلقها، ثم يتزوجها رجل فيطلقها قبل أن يدخل بها، فترجع إلى زوجها الأول، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : حتى تذوق العسيلة»تفسير : وهكذا رواه النسائي عن عمرو بن علي الفلاس، وابن ماجه عن محمد بن بشار بندار، كلاهما عن محمد بن جعفر غندر، عن شعبة، به كذلك، فهذا من رواية سعيد بن المسيب عن ابن عمرو مرفوعاً على خلاف ما يحكى عنه، فبعيد أن يخالف ما رواه بغير مستند، والله أعلم. وقد روى أحمد أيضاً والنسائي وابن جرير هذا الحديث من طريق سفيان الثوري عن علقمة بن مرثد، عن رزين بن سليمان الأحمدي، عن ابن عمر، قال: سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الرجل يطلق امرأته ثلاثاً، فيتزوجها آخر، فيغلق الباب، ويرخي الستر، ثم يطلقها قبل أن يدخل بها، هل تحل للأول؟ قال: «حديث : لا، حتى تذوق العسيلة»تفسير : ، وهذا لفظ أحمد، وفي رواية لأحمد: سليمان بن رزين. (حديث آخر) ـ قال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا محمد بن دينار، حدثنا يحيى بن يزيد الهنائي عن أنس بن مالك، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن رجل كانت تحته امرأة فطلقها ثلاثاً، فتزوجت بعده رجلاً، فطلقها قبل أن يدخل بها، أتحل لزوجها الأول؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا، حتى يكون الآخر قد ذاق من عسيلتها وذاقت من عسيلته»تفسير : . وهكذا رواه ابن جرير عن محمد بن إبراهيم الأنماطي عن هشام بن عبد الملك، حدثنا محمد بن دينار، فذكره (قلت): ومحمد بن دينار بن صندل أبو بكر الأزدي ثم الطاحي البصري ويقال له: ابن أبي الفرات، اختلفوا فيه، فمنهم من ضعفه، ومنهم من قواه وقبله وحسن له، وذكر أبو داود أنه تغير قبل موته، فالله أعلم. (حديث آخر) ـ قال ابن جرير: حدثنا عبيد بن آدم بن أبي إياس العسقلاني، حدثنا أبي، حدثنا شيبان، حدثنا يحيى بن أبي كثير، عن أبي الحارث الغفاري عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في المرأة يطلقها زوجها ثلاثاً، فتتزوج غيره، فيطلقها قبل أن يدخل بها، فيريد الأول أن يراجعها، قال:«حديث : لا، حتى يذوق الآخر عسيلتها»تفسير : ثم رواه من وجه آخر عن شيبان وهو ابن عبد الرحمن به، وأبو الحارث غير معروف. (حديث آخر) ـ قال ابن جرير: حدثنا يحيى عن عبيد الله، حدثنا القاسم عن عائشة: أن رجلاً طلق امرأته ثلاثاً، فتزوجت زوجاً، فطلقها قبل أن يمسها، فسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أتحل للأول؟ فقال: «حديث : لا، حتى يذوق من عسيلتها كما ذاق الأول»تفسير : أخرجه البخاري ومسلم والنسائي من طرق عن عبيد الله بن عمر العمري عن القاسم بن عبد الرحمن بن أبي بكر عن عمته عائشة، به. (طريق أخرى) ـ قال ابن جرير: حدثنا عبيد الله بن إسماعيل الهباري وسفيان بن وكيع وأبو هشام الرفاعي، قالوا: حدثنا أبو معاوية عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة قالت: سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن رجل طلق امرأته، فتزوجت رجلاً غيره، فدخل بها، ثم طلقها قبل أن يواقعها، أتحل لزوجها الأول؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا تحل لزوجها الأول حتى يذوق الآخر عسيلتها وتذوق عسيلته»تفسير : ، وكذا رواه أبو داود عن مسدد، والنسائي عن أبي كريب، كلاهما عن أبي معاوية، وهو محمد بن حازم الضرير، به. (طريق أخرى) ـ قال مسلم في صحيحه: حدثنا محمد بن العلاء الهمداني، حدثنا أبو أسامة عن هشام، عن أبيه، عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن المرأة يتزوجها الرجل فيطلقها، فتتزوج رجلاً، فيطلقها قبل أن يدخل بها، أتحل لزوجها الأول؟ قال: «حديث : لا، حتى يذوق عسيلتها»تفسير : ، قال مسلم: وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا أبو فضيل، وحدثنا أبو كريب، حدثنا أبو معاوية، جميعاً عن هشام بهذا الإسناد، وقد رواه البخاري من طريق أبي معاوية محمد بن حازم عن هشام به، وتفرد به مسلم من الوجهين الآخرين، وهكذا رواه ابن جرير من طريق عبد الله بن المبارك عن هشام ابن عروة، عن أبيه، عن عائشة مرفوعاً بنحوه أو مثله، وهذا إسناد جيد، وكذا رواه ابن جرير أيضاً من طريق علي بن زيد بن جدعان عن امرأة أبيه أمينة أم محمد، عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم بمثله، وهذا السياق مختصر من الحديث الذي رواه البخاري: حدثنا عمرو بن علي، حدثنا يحيى عن هشام بن عروة، حدثني أبي عن عائشة مرفوعاً عن النبي صلى الله عليه وسلم وحدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا عبدة عن هشام بن عروة عن أبيه، عن عائشة، أن رفاعة القرظي تزوج امرأة ثم طلقها، فأتت النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت له أنه لا يأيتها، وأنه ليس معه إلا مثل هدبة الثوب، فقال: «حديث : لا، حتى تذوقي عسيلته، ويذوق عسيلتك»تفسير : تفرد به من هذا الوجه. (طريق أخرى) ـ قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الأعلى عن معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، قالت: دخلت امرأة رفاعة القرظي وأنا وأبو بكر عند النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: إن رفاعة طلقني ألبتة، وإن عبد الرحمن بن الزبير تزوجني، وإنما عنده مثل الهدبة، وأخذت هدبة من جلبابها، وخالد بن سعيد بن العاص بالباب لم يؤذن له، فقال: يا أبا بكر ألا تنهى هذه عما تجهر به بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فما زاد رسول الله صلى الله عليه وسلم عن التبسم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : كأنك تريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟ لا، حتى تذوقي عسيلته، ويذوق عسيلتك»تفسير : ، وهكذا رواه البخاري من حديث عبد الله بن المبارك، ومسلم من حديث عبد الرزاق، والنسائي من حديث يزيد بن زريع، ثلاثتهم عن معمر به، وفي حديث عبد الرزاق عند مسلم: أن رفاعة طلقها آخر ثلاث تطليقات، وقد رواه الجماعة إلا أبا داود من طريق سفيان بن عيينة، والبخاري من طريق عقيل، ومسلم من طريق يونس بن يزيد، وعنده: آخر ثلاث تطليقات، والنسائي من طريق أيوب بن موسى، ورواه صالح بن أبي الأخضر، كلهم عن الزهري عن عروة عن عائشة، به. وقال مالك: عن المسور ابن رفاعة القرظي، عن الزبير بن عبد الرحمن بن الزبير: أن رفاعة بن سموأل طلق امرأته تميمة بنت وهب في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثاً، فنكحت عبد الرحمن بن الزبير، فاعترض عنها، فلم يستطع أن يمسها، ففارقها، فأراد رفاعة بن سموأل أن ينكحها، وهو زوجها الأول الذي كان طلقها، فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فنهاه عن تزوجها، وقال: «حديث : لا تحل لك حتى تذوق العسيلة»تفسير : هكذا رواه أصحاب الموطأ عن مالك، وفيه انقطاع، وقد رواه إبراهيم بن طهمان وعبد الله بن وهب عن مالك، عن رفاعة، عن الزبير بن عبد الرحمن بن الزبير، عن أبيه، فوصله. (فصل) والمقصود من الزوج الثاني أن يكون راغباً في المرأة، قاصداً لدوام عشرتها، كما هو المشروع من التزويج، واشترط الإمام مالك مع ذلك، أن يطأها الثاني وطئاً مباحاً، فلو وطئها وهي محرمة أو صائمة أو معتكفة، أو حائض، أو نفساء، أو الزوج صائم أو محرم أو معتكف، لم تحل للأول بهذا الوطء، وكذا لو كان الزوج الثاني ذمياً لم تحل للمسلم بنكاحه، لأن أنكحة الكفار باطلة عنده، واشترط الحسن البصري فيما حكاه عنه الشيخ أبو عمر بن عبد البر أن يُنزل الزوج الثاني، وكأنه تمسك بما فهمه من قوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك»تفسير : ويلزم على هذا أن تنزل المرأة أيضاً، وليس المراد بالعسيلة المني؛ لما رواه الإمام أحمد والنسائي عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : ألا إن العسيلة الجماع»تفسير : فأما إذا كان الثاني إنما قصده أن يحلها للأول، فهذا هو المحلل الذي وردت الأحاديث بذمه ولعنه، ومتى صرح بمقصوده في العقد، بطل النكاح عند جمهور الأئمة. ذكر الأحاديث الواردة في ذلك (الحديث الأول) عن ابن مسعود رضي الله عنه. قال الإمام أحمد: حدثنا الفضل بن دكين، حدثنا سفيان عن أبي قيس عن الهزيل عن عبد الله قال: حديث : لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الواشمة والمستوشمة، والواصلة والمستوصلة، والمحَلل والمحَلَّل له، وآكل الربا وموكلهتفسير : . ثم رواه أحمد والترمذي والنسائي من غير وجه عن سفيان، وهو الثوري، عن أبي قيس، واسمه عبد الرحمن بن ثروان الأودي، عن هزيل بن شرحبيل الأودي عن عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم به، ثم قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. قال: والعمل على هذا عند أهل العلم من الصحابة، منهم عمر وعثمان وابن عمر، وهو قول الفقهاء من التابعين، ويروى ذلك عن علي وابن مسعود وابن عباس. (طريق أخرى) عن ابن مسعود. قال الإمام أحمد: حدثنا زكريا بن عدي، حدثنا عبيد الله عن عبد الكريم عن أبي الواصل عن ابن مسعود عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : لعن الله المحَلل والمحَلَّل له».تفسير : (طريق أخرى) ـ روى الإمام أحمد والنسائي من حديث الأعمش عن عبد الله بن مرة عن الحارث الأعور عن عبد الله بن مسعود، قال: آكل الربا وموكله، وشاهداه وكاتبه، إذا علموا به، والواصلة والمستوصلة، ولاوي الصدقة والمعتدي فيها، والمرتد على عقبيه أعرابياً بعد هجرته، والمحَلل والمحَلَّل له، ملعونون على لسان محمد صلى الله عليه وسلم يوم القيامة. (الحديث الثاني) عن علي رضي الله عنه، قال الإمام أحمد، حدثنا عبد الرزاق أخبرنا سفيان عن جابر عن الشعبي عن الحارث عن علي قال: حديث : لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم آكل الربا وموكله وشاهديه وكاتبه، والواشمة والمستوشمة للحسن، ومانع الصدقة، والمحَلل والمحلَّل له، وكان ينهى عن النوحتفسير : . وكذا رواه عن غندر عن شعبة عن جابر، وهو ابن يزيد الجعفي، عن الشعبي عن الحارث عن علي به، وكذا رواه من حديث إسماعيل بن أبي خالد وحصين بن عبد الرحمن ومجالد بن سعيد وابن عون، عن عامر الشعبي به، وقد رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه من حديث الشعبي به. ثم قال أحمد: أخبرنا محمد ابن عبد الله، أخبرنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن الحارث عن علي، قال: حديث : لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم صاحب الربا وآكله وكاتبه وشاهده، والمحَلل والمحَلَّل له.تفسير : (الحديث الثالث) عن جابر رضي الله عنه. قال الترمذي: أخبرنا أبو سعيد الأشج، أخبرنا أشعث بن عبد الرحمن بن زبيد اليامي، حدثنا مجالد عن الشعبي عن جابر بن عبد الله، وعن الحارث عن علي: حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن المحَلل والمحَلَّل لهتفسير : ، ثم قال: وليس إسناده بالقائم. ومجالد ضعفه غير واحد من أهل العلم، منهم أحمد ابن حنبل، قال: ورواه ابن نمير عن مجالد عن الشعبي عن جابر بن عبد الله عن علي، قال: وهذا وهم من ابن نمير، والحديث الأول أصح. (الحديث الرابع) عن عقبة بن عامر رضي الله عنه. قال أبو عبد الله محمد بن يزيد ابن ماجه: حدثنا يحيى بن عثمان بن صالح المصري، أخبرنا أبي، سمعت الليث بن سعد يقول: قال أبو المصعب مشرح، وهو ابن هاعان، قال عقبة بن عامر، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ألا أخبركم بالتيس المستعار»تفسير : ؟ قالوا: بلى يا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : هو المحَلل، لعن الله المحَلل والمحَلَّل له»تفسير : تفرد به ابن ماجه، كذا رواه إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني عن عثمان بن صالح عن الليث به، ثم قال: كانوا ينكرون على عثمان في هذا الحديث إنكاراً شديداً. (قلت): عثمان هذا أحد الثقات، روى عنه البخاري في صحيحه، ثم قد تابعه غيره، فرواه جعفر الفريابي عن العباس المعروف بابن فريق، عن أبي صالح عبد الله بن صالح، عن الليث به، فبرىء من عهدته، والله أعلم. (الحديث الخامس) عن ابن عباس رضي الله عنهما. قال ابن ماجه: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا أبو عامر عن زمعة بن صالح عن سلمة بن وهرام عن عكرمة عن ابن عباس، قال: حديث : لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المحَلل والمحَلَّل له.تفسير : (طريق أخرى) ـ قال الإمام الحافظ خطيب دمشق أبو إسحاق إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني السعدي: حدثنا ابن أبي مريم، حدثنا إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حنيفة عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نكاح المحَلل، قال: «حديث : لا، إلا نكاح رغبة، لا نكاح دلسة، ولا استهزاء بكتاب الله، ثم يذوق عسيلتها»تفسير : ويتقوى هذان الإسنادان بما رواه أبو بكر بن أبي شيبة عن حميد عن عبد الرحمن عن موسى بن أبي الفرات عن عمرو بن دينار عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه من هذا، فيتقوى كل من هذا المرسل والذي قبله بالآخر، والله أعلم. (الحديث السادس) عن أبي هريرة رضي الله عنه. قال الإمام أحمد: حدثنا أبو عامر، حدثنا عبد الله، هو ابن جعفر، عن عثمان بن محمد المقبري عن أبي هريرة قال: حديث : لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المحَلل والمحَلَّل لهتفسير : ، وهكذا رواه أبو بكر بن أبي شيبة والجوزجاني والبيهقي من طريق عبد الله بن جعفر القرشي، وقد وثقه أحمد بن حنبل وعلي بن المديني ويحيى بن معين وغيرهم، وأخرج له مسلم في صحيحه عن عثمان بن محمد الأخنسي، وثقه ابن معين، عن سعيد المقبري، وهو متفق عليه. (الحديث السابع) عن ابن عمر رضي الله عنهما. قال الحاكم في مستدركه، حدثنا أبو العباس الأصم، حدثنا محمد بن إسحاق الصنعاني، حدثنا سعيد بن أبي مريم حدثنا أبو غسان محمد بن مطرف المدني عن عمر بن نافع عن أبيه أنه قال: جاء رجل إلى ابن عمر، فسأله عن رجل طلق امرأته ثلاثاً، فتزوجها أخ له من غير مؤامرة منه ليحلها لأخيه، هل تحل للأول؟ فقال: لا، إلا نكاح رغبة، كنا نعد هذا سفاحاً على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، وقد رواه الثوري عن عبد الله بن نافع عن أبيه عن ابن عمر به، وهذه الصيغة مشعرة بالرفع. وهكذا روى أبو بكر بن أبي شيبة والجوزجاني وحرب الكرماني وأبو بكر الأثرم من حديث الأعمش عن المسيب بن رافع عن قبيصة بن جابر، عن عمر أنه قال: لا أوتى بمحَلل ولا محَلَّل له إلا رجمتهما، وروى البيهقي من حديث ابن لهيعة عن بكير بن الأشج عن سليمان بن يسار، أن عثمان بن عفان رفع إليه رجل تزوج امرأة ليحلها لزوجها، ففرق بينهما. وكذا روي عن علي وابن عباس وغير واحد من الصحابة رضي الله عنهم. وقوله: {فَإِن طَلَّقَهَا} أي: الزوج الثاني بعد الدخول بها {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَآ أَن يَتَرَاجَعَآ} أي: المرأة والزوج الأول {إِن ظَنَّآ أَن يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ} أي: يتعاشرا بالمعروف. قال مجاهد: إن ظنا أن نكاحهما على غير دلسة {وَتِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ} أي: شرائعه وأحكامه {يُبَيِّنُهَا} أي: يوضحها {لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ}. وقد اختلف الأئمة رحمهم الله فيما إذا طلق الرجل امرأته طلقة أو طلقتين وتركها حتى انقضت عدتها، ثم تزوجت بآخر، فدخل بها ثم طلقها فانقضت عدتها، ثم تزوجها الأول، هل تعود إليه بما بقي من الثلاث، كما هو مذهب مالك والشافعي وأحمد بن حنبل، وهو قول طائفة من الصحابة رضي الله عنهم، أو يكون الزوج الثاني قد هدم ما قبله من الطلاق، فإذا عادت إلى الأول تعود بمجموع الثلاث، كما هو مذهب أبي حنيفة وأصحابه رحمهم الله، وحجتهم أن الزوج الثاني إذا هدم الثلاث، فلأن يهدم ما دونها بطريق الأولى والأحرى، والله أعلم.

المحلي و السيوطي

تفسير : {ٱلطَّلَٰقَ } أي التطليق الذي يراجع بعده {مَرَّتَانِ } أي اثنتان {فَإِمْسَاكٌ } أي فعليكم إمساكهن بعده بأن تراجعوهن {بِمَعْرُوفٍ } من غير ضرار {أَوْ تَسْرِيحٌ } أي إرسال لهن {بِإِحْسَٰنٍ وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ } أيها الأزواج {أَن تَأخُذُواْ مِمَّا ءّاتَيْتُمُوهُنَّ } من المهور {شَيْئاً } إذا طلقتموهن {إِلاَّ أَن يَخَافَا } أي الزوجان {أنْ} {لا يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ} أي لا يأتيا بما حدّه لهما من الحقوق، وفي قراءة (يُخُافا) بالبناء للمفعول (فإن لا يقيما) بدل اشتمال من الضمير فيه، وقرىء بالفوقانية في الفعلين {إلأّ أن تخافا لا تقيما} { فَإِنْ خِفْتُمْ } {أنْ} {لا يُقيما حُدُودَ اللّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ} نفسها من المال ليطلقها أي لا حرج على الزوج في أخذه ولا الزوجة في بذله { تِلْكَ } الأحكام المذكورة {حُدُودُ ٱللَّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ ٱللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ }.

الشوكاني

تفسير : المراد بالطلاق المذكور: هو: الرجعي بدليل ما تقدّم في الآية الأولى: أي: الطلاق الذي تثبت فيه الرجعة للأزواج هو مرتان، أي: الطلقة الأولى، والثانية، إذ لا رجعة بعد الثالثة، وإنما قال سبحانه: {مَرَّتَانِ } ولم يقل طلقتان إشارة إلى أنه ينبغي أن يكون الطلاق مرة بعد مرة، لا طلقتان دفعة واحدة، كذا قال جماعة من المفسرين، ولما لم يكن بعد الطلقة الثانية إلا أحد أمرين، إما إيقاع الثالثة التي بها تبين الزوجة، أو الإمساك لها، واستدامة نكاحها، وعدم إيقاع الثالثة عليها قال سبحانه: {فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَـٰنٍ } أي: فإمساك بعد الرجعة لمن طلقها زوجها طلقتين بمعروف أي: بما هو معروف عند الناس من حسن العشرة {أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَـٰنٍ } أي: بإيقاع طلقة ثالثة عليها من دون ضرار لها. وقيل: المراد: {فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ } أي: برجعة بعد الطلقة الثانية {أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَـٰنٍ } أي: بترك الرجعة بعد الثانية حتى تنقضي عدّتها. والأول أظهر. وقوله: {ٱلطَّلَـٰقَ } مبتدأ بتقدير مضاف أي: عدد الطلاق الذي تثبت فيه الرجعة مرتان. وقد اختلف أهل العلم في إرسال الثلاث دفعة واحدة هل يقع ثلاثاً، أو واحدة فقط؟ فذهب إلى الأوّل الجمهور، وذهب إلى الثاني مَنْ عداهم، وهو الحق. وقد قررته في مؤلفاتي تقريراً بالغاً، وأفردته برسالة مستقلة. قوله: {وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ مِمَّا ءاتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا } الخطاب للأزواج، أي: لا يحلّ للأزواج أن يأخذوا مما دفعوه إلى نسائهم من المهر شيئاً على وجه المضارة لهنّ، وتنكير {شيئاً} للتحقير: أي: شيئاً نزراً فضلاً عن الكثير، وخص ما دفعوه إليهنّ بعدم حلّ الأخذ منه مع كونه لا يحلّ للأزواج أن يأخذوا شيئاً من أموالهنّ التي يملكنها من غير المهر لكون ذلك، هو الذي تتعلق به نفس الزوج، وتتطلع لأخذه دون ما عداه مما هو في ملكها، على أنه إذا كان أخذ ما دفعه إليها لا يحلّ له كان ما عداه ممنوعاً منه بالأولى. وقيل: الخطاب في قوله: {وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ } للأئمة، والحكام ليطابق قوله: {فَإِنْ خِفْتُمْ } فإن الخطاب فيه للأئمة، والحكام، وعلى هذا يكون إسناد الأخذ إليهم لكونهم الآمرين بذلك. والأول أولى لقوله: {مِمَّا ءاتَيْتُمُوهُنَّ } فإن إسناده إلى غير الأزواج بعيد جداً؛ لأن إيتاء الأزواج لم يكن عن أمرهم. وقيل: إن الثاني أولى لئلا يتشوّش النظم. قوله: {إِلاَّ أَن يَخَافَا } أي: لا يجوز لكم أن تأخذوا مما آتيتموهنّ شيئاً إلا أن يخافا {يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ } أي: عدم إقامة حدود الله التي حدّها للزوجينّ، وأوجب عليهما الوفاء بها من حسن العشرة والطاعة، فإن خافا ذلك {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا ٱفْتَدَتْ بِهِ } أي: لا جناح على الرجل في الأخذ، وعلى المرأة في الإعطاء بأن تفتدي نفسها من ذلك النكاح ببذل شيء من المال يرضى به الزوج، فيطلقها لأجله، وهذا هو الخلع، وقد ذهب الجمهور إلى جواز ذلك للزوج، وأنه يحلّ له الأخذ مع ذلك الخوف، وهو الذي صرّح به القرآن. وحكى ابن المنذر، عن بعض أهل العلم أنه لا يحلّ له ما أخذ، ولا يجبر على ردّه، وهذا في غاية السقوط. وقرأ حمزة: «إلا أن يخافا» على البناء للمجهول، والفاعل محذوف، وهو الأئمة، والحكام واختاره أبو عبيد قال: لقوله: {فَإِنْ خِفْتُمْ } فجعل الخوف لغير الزوجين. وقد احتج بذلك من جعل الخلع إلى السلطان، وهو سعيد بن جبير، والحسن، وابن سيرين. وقد ضعف النحاس اختيار أبي عبيد المذكور. وقوله: {فَإِنْ خِفْتُمْ ألاَّ يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ } أي: إذا خاف الأئمة، والحكام، أو المتوسطون بين الزوجين، وإن لم يكونوا أئمة، وحكاماً عدم إقامة حدود الله من الزوجين، وهي: ما أوجبه عليهما كما سلف. وقد حكى عن بكر بن عبد الله المزني: أن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى في سورة النساء {أية : وَإِنْ أَرَدْتُّمُ ٱسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ وَءاتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً فَلاَ تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئاً أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَـٰناً وَإِثْماً مُّبِيناً } تفسير : [النساء: 20] وهو قول خارج عن الإجماع، ولا تنافي بين الاثنين. وقد اختلف أهل العلم إذا طلب الزوج من المرأة زيادة على ما دفعه إليها من المهر، وما يتبعه، ورضيت بذلك المرأة هل يجوز أم لا؟ وظاهر القرآن الجواز لعدم تقييده بمقدار معين، وبذا قال مالك، والشافعي، وأبو ثور، وروي مثل ذلك عن جماعة من الصحابة، والتابعين، وقال طاوس، وعطاء، والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق: إنه لا يجوز، وسيأتي ما ورد في ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم. وقوله تعالى: {تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ } أي: أحكام النكاح، والفراق المذكورة هي: حدود الله التي أمرتم بامتثالها، فلا تعتدوها بالمخالفة لها، فتستحقوا ما ذكره الله من التسجيل على فاعل ذلك بأنه ظالم. قوله تعالى: {فَإِن طَلَّقَهَا } أي: الطلقة الثالثة التي ذكرها سبحانه بقوله: {أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَـٰنٍ } أي: فإن وقع منه ذلك، فقد حرمت عليه بالتثليث {فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىٰ تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ } أي: حتى تتزوج بزوج آخر. وقد أخذ بظاهر الآية سعيد بن المسيب، ومن وافقه قالوا: يكفي مجرد العقد؛ لأنه المراد بقوله: {حَتَّىٰ تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ } وذهب الجمهور من السلف، والخلف إلى أنه لا بدّ مع العقد من الوطء لما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من اعتبار ذلك، وهو زيادة يتعين قبولها، ولعله لم يبلغ سعيد بن المسيب، ومن تابعه. وفي الآية دليل على أنه لا بد من أن يكون ذلك نكاحاً شرعياً مقصوداً لذاته لا نكاحاً غير مقصود لذاته، بل حيلة للتحليل، وذريعة إلى ردها إلى الزوج الأوّل، فإن ذلك حرام للأدلة الواردة في ذمه وذمّ فاعله، وأنه التيس المستعار الذي لعنه الشارع، ولعن من اتخذه لذلك. قوله: {فَإِن طَلَّقَهَا } أي: الزوج الثاني: {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا } أي: الزوج الأول والمرأة {أَن يَتَرَاجَعَا } أي: يرجع كل واحد منهما لصاحبه. قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن الحرّ إذا طلق زوجته ثلاثاً، ثم انقضت عدّتها، ونكحت زوجاً، ودخل بها، ثم فارقها، وانقضت عدّتها، ثم نكحها الزوج الأوّل، أنها تكون عنده على ثلاث تطليقات. قوله: {إِن ظَنَّا أَن يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ } أي: حقوق الزوجية الواجبة لكل منهما على الآخر، وأما إذا لم يحصل ظن ذلك بأن يعلما، أو أحدهما عدم الإقامة لحدود الله، أو تردداً، أو أحدهما، ولم يحصل لهما الظنّ، فلا يجوز الدخول في هذا النكاح؛ لأنه مظنة للمعصية لله، والوقوع فيما حرّمه على الزوجين. وقوله: {وَتِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ } إشارة إلى الأحكام المذكورة، كما سلف، وخص الذين يعلمون مع عموم الدعوة للعالم، وغيره، ووجوب التبليغ لكل فرد؛ لأنهم المنتفعون بالبيان المذكور. وقد أخرج مالك، والشافعي، وعبد بن حميد، والترمذي، وابن جرير، وابن أبي حاتم، والبيهقي في سننه، عن هشام بن عروة، عن أبيه قال: كان الرجل إذا طلق امرأته، ثم ارتجعها قبل أن تنقضي عدّتها كان ذلك له، وإن طلقها ألف مرة، فعمد رجل إلى امرأته فطلقها حتى إذا ما دنا وقت انقضاء عدتها ارتجعها، ثم طلقها، ثم قال: والله لا آويك إليّ ولا تحلين لي أبداً، فأنزل الله: {ٱلطَّلَـٰقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَـٰنٍ } فاستقبل الناس الطلاق جديداً من يومئذ؛ من كان منهم طلق، ومن لم يطلق. وأخرج نحوه الترمذي، وابن مردويه، والحاكم وصححه، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة. وأخرج البخاري عنها أنها أتتها امرأة، فسألتها عن شيء من الطلاق، قالت: فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزلت: {ٱلطَّلَـٰقُ مَرَّتَانِ }. وأخرج عبد الرزاق، وسعيد بن منصور، وأحمد، وعبد بن حميد، وأبو داود في ناسخه، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي، عن أبي رزين الأسدي قال: قال رجل: «يا رسول الله أرأيت قول الله الطلاق مرتان؟ فأين الثالثة؟ قال: "حديث : التسريح بإحسان الثالثة"تفسير : وأخرج نحوه ابن مردويه، والبيهقي عن ابن ابن عباس مرفوعاً. وأخرج عبد بن حميد، عن مجاهد أنه قال: قال الله للثالثة: {فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَـٰنٍ } وأخرج ابن أبي حاتم، عن يزيد بن أبي حبيب قال: التسريح في كتاب الله الطلاق. وأخرج البيهقي، من طريق السدي، عن ابن عباس، وابن مسعود، وناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: {ٱلطَّلَـٰقُ مَرَّتَانِ } قالوا: وهو الميقات الذي تكون فيه الرجعة، فإذا طلق واحدة، أو اثنتين، فإما أن يمسك، ويراجع بمعروف، وإما أن يسكت عنها حتى تنقضي عدتها، فتكون أحق بنفسها. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في الآية نحوه. وأخرج أبو داود في ناسخه، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال: كان الرجل يأكل من مال امرأته الذي نَحَلها، وغيره لا يرى أن عليه جناحاً، فأنزل الله: {وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ مِمَّا ءَاتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا } فلم يصح لهم بعد هذه الآية أخذ شيء من أموالهنّ إلا بحقها، ثم قال: {إِلاَّ أَن يَخَافَا ألا يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ } وقال: {أية : فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَىْء مّنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَّرِيئاً } تفسير : [النساء: 4]. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: {إِلاَّ أَن يَخَافَا أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ } قال: إلا أن يكون النشوز، وسوء الخلق من قبلها، فتدعوك إلى أن تفتدي منك، فلا جناح عليك فيما افتدت به. وأخرج مالك، والشافعي وأحمد، وأبو داود والنسائي، والبيهقي من طريق عَمْرة بنت عبد الرحمن بن أسعد بن زرارة، عن حبيبة بنت سهل الأنصارى؛ «أنها كانت تحبّ ثابت بن قيس، وأن رسول الله خرج إلى الصبح، فوجدها عند بابه في الغلس، فقال: حديث : من هذه؟ تفسير : قالت: أنا حبيبة بنت سهل، فقال: حديث : ما شأنك؟ تفسير : قالت: لا أنا، ولا ثابت، فلما جاء ثابت بن قيس قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : هذه حبيبة بنت سهل، فذكرت ما شاء الله أن تذكر، فقالت حبيبة يا رسول الله كل ما أعطاني عنده، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: خذ منها، تفسير : فأخذ منها، وجلست في أهلها». وأخرج ابن جرير، عن ابن جريج قال: نزلت هذه الآية في ثابت بن قيس، وفي حبيبة، وكانت اشتكته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : تردين عليه حديقته؟ تفسير : قالت: نعم، فدعاه، فذكر ذلك له، فقال: ويطيب لي ذلك، قال: حديث : نعم، تفسير : قال ثابت: قد فعلت، فنزلت: {وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ } الآية» وأخرج عبد الرزاق، وٰأبو داود، وابن جرير، والبيهقي من طريق عمرة، عن عائشة نحوه. وأخرج البخاري، والنسائي، وابن ماجه، وابن مردويه، والبيهقي، عن ابن عباس؛ أن جميلة بنت عبد الله بن سلول، امرأة ثابت بن قيس بن شَمَّاس: «أتت النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت: يا رسول الله ثابت بن قيس ما أعتب عليه في خلق، ولا دين، ولكن لا أطيقه بغضاً، وأكره الكفر في الإسلام، قال: حديث : أتردين عليه حديقته؟ تفسير : قالت: نعم، قال: حديث : أقبل الحديقة، وطلقها تطليقة»تفسير : . ولفظ ابن ماجه: «فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأخذ منها حديقته، ولا يزداد». وأخرج البيهقي من طريق عطاء قال: «أتت امرأة النبي صلى الله عليه وسلم، وقالت: إني أبغض زوجي، وأحب فراقه، قال: حديث : أتردين عليه حديقته التي أصدقك؟ تفسير : قالت: نعم، وزيادة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم حديث : أما الزيادة من مالك فلا»تفسير : . وأخرج البيهقي، عن أبي الزبير: أن ثابت بن قيس، فذكر القصة، وفيه: «حديث : أما الزيادة فلا» تفسير : وأخرج ابن مردويه بإسناد جيد عن ابن عباس، وفيه «أنه أمر النبي صلى الله عليه وسلم ثابتاً أن يأخذ ما ساق، ولا يزداد». وأخرج البيهقي عن أبي سعيد، وذكر القصة، وفيها: «حديث : فردت عليه حديقته وزادت»تفسير : . وأخرج ابن جرير، عن عمر: أنه قال في بعض المختلعات: «اخلعها، ولو من قرطها». وفي لفظ أخرجه عبد الرزاق، عنه أنه قال للزوج: «خذ ولو عقاصها». قال البخاري: أجاز عثمان الخلع دون عقاصها. وأخرج عبد بن حميد، والبيهقي، عن عطاء: كره أن النبي صلى الله عليه وسلم أن يأخذ من المختلعة أكثر مما أعطاها. وقد ورد في ذم المختلعات أحاديث منها: عن ثوبان عند أحمد، وأبي داود، والترمذي وحسنه، وابن ماجه، وابن جرير، والحاكم وصححه، والبيهقي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أيما امرأة سألت زوجها الطلاق من غير ما بأس، فحرام عليها رائحة الجنة، وقال: المختلعات هنّ المنافقات»تفسير : ، ومنها عن ابن عباس، عند ابن ماجه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : لا تسأل المرأة زوجها الطلاق في غير كنهه، فتجد ريح الجنة، وإن ريحها لتُوجد مسيرة أربعين عاماً»تفسير : . ومنها عن أبي هريرة عند أحمد، والنسائي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : المختلعات، والمنتزعات هنّ المنافقات» تفسير : ومنها عن عقبة عند ابن جرير مرفوعاً مثل حديث أبي هريرة. وقد اختلف أهل العلم في عدة المختلعة، والراجح أنها تعتدّ بحيضة لما أخرجه أبو داود، والترمذي وحسنه، والنسائي، والحاكم وصححه، عن ابن عباس: «أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر امرأة ثابت بن قيس، أن تعتدّ بحيضة» ولما أخرجه الترمذي، عن الرُّبَيِّع بنت معوذ بن عفراء: «أنها اختلعت على عهد رسول الله، فأمرها النبي صلى الله عليه وسلم أن تعتدّ بحيضة، أو أمرت أن تعتد بحيضة». قال الترمذي: الصحيح أنها أمرت أن تعتدّ بحيضة. وأخرج النسائي، وابن ماجه، عنها أنها قالت: اختلعت من زوجي، فجئت عثمان، فسألته ماذا عليّ من العدّة؟ فقال: لا عدة عليك إلا أن يكون حديث عهد بك، فتمكثين حتى تحيضي حيضة، قالت: إنما أتبع في ذلك قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم في مريم المغالية، وكانت تحب ثابت بن قيس، فاختلعت منه. وأخرج النسائي، عن الربيع بنت معوذ: «أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر امرأة ثابت بن قيس، أن تتربص حيضة واحدة، فتلحق بأهلها» ولم يرد ما يعارض هذا من المرفوع، بل ورد عن جماعة من الصحابة، والتابعين أن عدّة المختلعة كعدّة الطلاق، وبه قال الجمهور. قال الترمذي: وهو قول أكثر أهل العلم من الصحابة، وغيرهم، واستدلوا على ذلك بأن المختلعة من جملة المطلقات، فهي داخلة تحت عموم القرآن. والحق ما ذكرناه؛ لأن ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم يخصص عموم القرآن. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي عن ابن عباس في قوله: {فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ } يقول: فإن طلقها ثلاثاً، فلا تحلّ له حتى تنكح زوجاً غيره. وأخرج ابن المنذر، عن عليّ نحوه. وأخرج عبد بن حميد، عن قتادة نحوه. وأخرج الشافعي، وعبد الرزاق، وابن أبي شيبة، وأحمد، والبخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، والبيهقي، عن عائشة قالت: «جاءت امرأة رفاعة القرظي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: إني كنت عند رفاعة، فطلقني فبتَّ طلاقي، فتزوجني عبد الرحمن بن الزَّبير، وما معه إلا مثل هُدْبَة الثوب، فتبسم النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: حديث : أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟ لا حتى تذوقي عُسَيْلته، ويذوق عُسَيْلتك»تفسير : . وقد روى نحو هذا عنها من طرق. وأخرج عبد الرزاق، وابن أبي شيبة، وأحمد، والنسائي، وابن ماجه، وابن جرير، والبيهقي، عن عمر مرفوعاً نحوه. وأخرج أحمد، وابن جرير، والبيهقي، عن أنس مرفوعاً نحوه أيضاً. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، عن أبي هريرة مرفوعاً نحوه، ولم يسمّ هؤلاء الثلاثة الصحابة صاحبة القصة. وأخرج أحمد، والنسائي، عن ابن عباس: «أن العُمْيصاء، أو الرُّمَيْصاء أتت النبي صلى الله عليه وسلم» وفي آخره «فقال النبي صلى الله عليه وسلم: حديث : ليس ذلك لك حتى يذوق عسيلتك رجل غيره»تفسير : . وقد ثبت لعن المحلل في أحاديث منها عن ابن مسعود عند أحمد، والترمذي وصححه، والنسائي، والبيهقي في سننه قال: «لعن النبي صلى الله عليه وسلم المحلل والمحلل له» ومنها عن علي عند أحمد، وأبي داود، والترمذي، وابن ماجه، والبيهقي مرفوعاً مثل حديث ابن مسعود، ومنها عن جابر مرفوعاً عند الترمذي مثله، ومنها عن ابن عباس مرفوعاً عند ابن ماجه مثله، ومنها عن عقبة بن عامر، عند ابن ماجه، والحاكم وصححه، والبيهقي مرفوعاً مثله، ومنها عن أبي هريرة مرفوعاً عند أحمد، وابن أبي شيبة، والبيهقي مثله. وفي الباب أحاديث في ذم التحليل، وفاعله. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي عن ابن عباس في قوله: {فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يَتَرَاجَعَا } يقول: إذا تزوجت بعد الأوّل، فدخل بها الآخر، فلا حرج على الأوّل أن يتزوجها إذا طلقها الآخر، أو مات عنها، فقد حلت له. وأخرج ابن أبي حاتم، عن مقاتل في قوله: {أَن يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ } قال: أمر الله وطاعته.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ} فيه تأويلان: أحدهما: أنه بيان لعدد الطلاق وتقديره بالثلاث، وأنه يملك في الاثنين الرجعة ولا يملكها في الثالثة، وهو قول عروة وقتادة، وروى هشام بن عروة عن أبيه قال: كان الرجل يطلق ناسياً، إنْ راجع امرأته قبيل أن تنقضي عدتها كانت امرأته، فغضب رجل من الأنصار على امرأته، فقال لها: لا أقربك ولا تختلين مني، قالت له كيف؟ أطلقك فإذا دنا أجلك راجعتك، فشكت زوجها إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله تعالى: {الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ} الآية. والتأويل الثاني: أنه بيان لسنة الطلاق أن يوقع في كل قول طلقة واحدة، وهو قول عبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عباس، ومجاهد. قوله تعالى: {فَإِمْسَاكُ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحُ بِإِحْسَانٍ} فيه تأويلان: الأول: هذا في الطلقة الثالثة، روى سفيان، عن إسماعيل بن سميع، عن أبي رزين قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: الطلاق مرتان فأين الثالثة؟ قال: {فَإِمْسَاكُ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحُ بِإِحْسَانٍ}، وهذا قول عطاء، ومجاهد. والثاني: {فَإِمْسَاكُ بِمَعْرُوفٍ} الرجعة بعد الثانية {أَوْ تَسْرِيحُ بِإِحْسَانٍ} والإمساك عن رجعتها حتى تنقضي العدة، وهو قول السدي، والضحاك. الإحسان هو تأدية حقها، والكف عن أذاها. ثم قال تعالى: {وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُوا مِمَّآ ءَاتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً} يعني من الصداق {إِلاَّ أَن يَخَافَا أَلاَّ يُقِيَما حُدُودَ اللهِ} قرأ حمزة بضم الياء من يخافا، وقرأ الباقون بفتحها، والخوف ها هنا بمعنى الظن، ومنه قول الشاعر: شعر : أتاني كلامٌ عن نصيبٍ يقوله وما خِفْتُ بالإسلامِ أنك عائبي تفسير : يعني وما ظننت. وفي {أَن يَخَافَا أَلاَّ يُقِيَما حُدُودَ اللهِ} أربعة تأويلات: أحدها: أن يظهر من المرأة النُّشُوز وسوء الخُلُق، وهو قول ابن عباس. والثاني: أن لا تطيع له أمراً، ولا تبرّ له قَسَماً، وهو قول الحسن، والشعبي. والثالث: هو أن يبدي لسانها أنها له كارهة، وهو قول عطاء. والرابع: أن يكره كل واحد منهما صاحبه، فلا يقيم كل واحد منهما ما أوجب الله عليه من حق صاحبه، وهو قول طاووس، وسعيد بن المسيب، والقاسم بن محمد، روى ثابت بن يزيد، عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : المُخْتِلعَاتُ والمُنْتَزِعَاتُ هُنَّ المُنَافِقَاتُ". تفسير : يعني التي تخالع زوجها لميلها إلى غيره. ثم قال تعالى: {فإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ فَلاَ جُنَاحَ عَليهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ} فيه قولان: أحدهما: افتدت به نفسها من الصداق وحده من غير زيادة، وهو قول عليّ، وعطاء، والزهري، وابن المسيب، والشعبي، والحكم، والحسن. والقول الثاني: يجوز أن تُخَالِعَ زوجها بالصداق وبأكثر منه، وهذا قول عمر، وابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، والنخعي، والشافعي. رَوَى عبد الله بن محمد بن عقيل: أن الرُّبَيِّعَ بنت مُعَوّذ بن عفراء حدثته قالت: كان لي زوج يُقِلُّ عليَ الخبز إذا حضر، ويحرمني إذا غاب، قالت: وكانت مني زَلَّةٌ يوماً فقلت: أنْخَلِعُ منك بكل شيء أملكه، قال: نعم، قالت ففعلت، قالت: فخاصم عمي معاذ بن عفراء إلى عثمان بن عفان، فأجاز الخلع، وأمره أن يأخذ ما دون عقاص الرأس. واختلفوا في نسخها، فَحُكِيَ عن بكر بن عبد الله أن الخلع منسوخ بقوله تعالى: {أية : وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوجٍ وَءَاتَيتُم إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً فَلاَ تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيئاً} تفسير : [النساء: 20] وذهب الجمهور إلى أن حكمها ثابت في جواز الخلع. وقد روى أيوب، عن كثير مولى سَمُرة أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أُتِيَ بامرأة ناشزة، فأمر بها إلى بيت كثير، فحبسها ثلاثاً، ثم دعاها فقال: كيف وجدت مكانك؟ قالت: ما وجدتُ راحة منذ كنت إلا هذه الليالي التي حبستني، فقال لزوجها: اخلعها ولو من قرطها. وقوله تعالى: {فَإِن طَلَّقَهَا} فيه قولان: أحدهما: أنها الطلقة الثالثة وهو قول السدي. والثاني: أن ذلك تخيير لقوله تعالى: {أَو تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ}، وهو قول مجاهد. {فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوجاً غَيرَهُ} يعني أنها لا تحل للزوج المطلق ثلاثاً حتى تنكح زوجاً آخر، وفيه قولان: أحدهما: أن نكاح الثاني إذا طلقها منه أحلها للأول سواء دخل بها أو لم يدخل، وهو قول سعيد بن المسيب. والثاني: أنها لا تحل للأول بنكاح الثاني، حتى يدخل بها فتذوق عسيلته ويذوق عسيلتها، للسنّة المروية فيه، وهو قول الجمهور.

ابن عطية

تفسير : قال عروة بن الزبير وقتادة وابن زيد وغيرهم: نزلت هذه الآية بياناً لعدد الطلاق الذي للمرء فيه أن يرتجع دون تجديد مهر وولي، وذلك أنهم كانوا في الجاهلية يطلقون ويرتجعون إلى غير غاية، فقال رجل لامرأته على عهد النبي صلى الله عليه وسلم: لا أؤويك ولا أدعك تحلين، قالت: وكيف؟ قال: أطلقك فإذا دنا مضي عدتك راجعتك، فشكت ذلك، فنزلت الآية، وقال ابن مسعود وابن عباس ومجاهد وغيرهم: المراد بالآية التعريف بسنة الطلاق، أي من طلق اثنتين فليتق الله في الثالثة فإما تركها غير مظلومة شيئاً من حقها وإما أمسكها محسناً عشرتها. قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: والآية تتضمن هذين المعنيين، والإمساك بالمعروف هو الارتجاع بعد الثانية إلى حسن العشرة والتزام حقوق الزوجية. والتسريح يحتمل لفظه معنيين: أحدهما تركها تتم العدة من الثانية وتكون أملك بنفسها، وهذا قول السدي والضحاك، والمعنى الآخر أن يطلقها ثالثة فيسرحها بذلك، وهذا قول مجاهد وعطاء وغيرهما، ويقوى عندي هذا القول من ثلاثة وجوه: أولها أنه روي أن رجلاً قال للنبي صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله هذا ذكر الطلقتين فأين الثالثة؟، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: هي قوله: {أو تسريح بإحسان}، والوجه الثاني أن التسريح من ألفاظ الطلاق، ألا ترى أنه قد قرىء {أية : وإن عزموا السراح} تفسير : [البقرة: 227]، والوجه الثالث أن فعّل تفعيلاً بهذا التضعيف يعطي أنه أحدث فعلاً مكرراً على الطلقة الثانية، وليس في ترك إحداث فعل يعبر عنه بالتفعيل، و {إمساك} مرتفع بالابتداء والخبر أمثل أو أحسن، ويصح أن يرتفع على خبر ابتداء تقديره فالواجب إمساك، وقوله {بإحسان} معناه أن لا يظلمها شيئاً من حقها ولا يتعدى في قول. وقوله تعالى: {ولا يحل لكم أن تأخذوا} الآية خطاب للأزواج، نهاهم به أن يأخذوا من أزواجهم شيئاً على وجه المضارة، وهذا هو الخلع الذي لا يصح إلا بأن لا ينفرد الرجل بالضرر، وخص بالذكر ما آتى الأزواج نساءهم؛ لأن العرف من الناس أن يطلب الرجل عند الشقاق والفساد ما خرج عن يده، هذا وكدهم في الأغلب؛ فلذلك خص بالذكر. وقرأ جميع السبعة إلا حمزة "يخافا" بفتح الياء على بناء الفعل للفاعل، فهذا باب خاف في التعدي إلى مفعول واحد وهو {أن}، وقرأ حمزة وحده "يُخافا" بضم الياء على بناء الفعل للمفعول، فهذا على تعدية خاف إلى مفعولين، أحدهما أسند الفعل إليه، والآخر {أن} بتقدير حرف جر محذوف، فموضع {أن}: خفض بالجار المقدر عنه سيبويه والكسائي، ونصب عند غيرهما لأنه لما حذف الجار وصار الفعل إلى المفعول الثاني، مثل استغفر الله ذنباً، وأمرتك الخير، وفي مصحف ابن مسعود "إلا أن يخافوا" بالياء وواو الجمع، والضمير على هذا للحكام ومتوسطي أمور الناس. وحرم الله - تعالى - على الزوج في هذه الآية أن يأخذ إلا بعد الخوف أن لا يقيما، وأكد التحريم بالوعيد لمن تعدى الحد، وأجمع عوام أهل العلم على تحظير أخذ مالها إلا أن يكون النشوز وفساد العشرة من قبلها. قال ابن المنذر: "روينا معنى ذلك عن ابن عباس والشعبي ومجاهد وعطاء والنخعي وابن سيرين والقاسم بن محمد وعروة بن الزبير والزهري وحميد بن عبد الرحمن وقتادة وسفيان الثوري ومالك وإسحاق وأبي ثور"، وقال مالك - رحمه الله - والشعبي وجماعة معهما: فإن كان مع فساد الزوجة ونشوزها فساد من الزوج وتفاقم ما بينهما فالفدية جائزة للزوج. قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: ومعنى ذلك أن يكون الزوج لو ترك فساده لم يزل نشوزها هي، وأما إن انفرد الزوج بالفساد فلا أعلم أحداً يجيز له الفدية، إلا ما روي عن أبي حنيفة أنه قال: "إذا جاء الظلم والنشوز من قبله فخالعته فهو جائز ماض وهو آثم لا يحل ما صنع، ولا يرد ما أخذ"، قال ابن المنذر: "وهذا خلاف ظاهر كتاب الله، وخلاف سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو قيل لأحد: اجهد نفسك في طلب الخطأ، ما وجد أمراً أعظم من أن ينطق القرآن بتحريم شيء فيحله هو ويجيزه"، و {حدود الله} في الموضع هي ما يلزم الزوجين من حسن العشرة وحقوق العصمة. ونازلة حبيبة بنت سهل - وقيل جميلة بنت أبي ابن سلول والأول أصح - مع ثابت بن قيس حين أباح له النبي صلى الله عليه وسلم أخذ الفدية منها إنما كان التعسف فيها من المرأة لأنها ذكرت عنه كل خير وأنها لا تحب البقاء معه، وقوله تعالى: {فإن خفتم ألا يقيما حدود الله} المخاطبة للحكام والمتوسطين لمثل هذا الأمر وإن لم يكن حاكماً، وترك إقامة حدود الله هو استخفاف المرأة بحق زوجها وسوء طاعتها إياه، قاله ابن عباس ومالك بن أنس وجمهور الفقهاء، وقال الحسن ابن أبي الحسن وقوم معه: إذا قالت له: لا أطيع لك أمراً ولا أغتسل لك من جنابة ولا أبر لك قسماً، حل الخلع، وقال الشعبي: {ألا يقيما حدود الله}: معناه أن لا يطيعا الله، وذلك أن المغاضبة تدعو إلى ترك الطاعة"، وقال عطاء بن أبي رباح: "يحل الخلع والأخذ أن تقول المرأة لزوجها إني لأكرهك ولا أحبُّك ونحو هذا". وقوله تعالى: {فلا جناح عليهما فيما افتدت به} إباحة للفدية، وشركهما في ارتفاع الجناح لأنها لا يجوز لها أن تعطيه مالها حيث لا يجوز له أخذه وهي تقدر على المخاصمة، فإذا كان الخوف المذكور جاز له أن يأخذ ولها أن تعطي، ومتى لم يقع الخوف فلا يجوز لها أن تعطي على طالب الفراق، وقال ابن عمر والنخعي وابن عباس ومجاهد وعثمان بن عفان رضي الله عنه ومالك والشافعي وأبو حنيفة وعكرمة وقبيصة بن ذؤيب وأبو ثور وغيرهم: مباح للزوج أن يأخذ من المرأة في الفدية جميع ما تملكه، وقضى بذلك عمر بن الخطاب، وقال طاوس والزهري وعطاء وعمرو بن شعيب والحسن والشعبي والحكم وحماد وأحمد وإسحاق: لا يجوز له أن يزيد على المهر الذي أعطاها. وبه قال الربيع، وكان يقرأ هو والحسن بن أبي الحسن "فيما افتدت به منه" بزيادة "منه"، يعني مما آتيتموهن وهو المهر. وحكى مكي هذا القول عن أبي حنيفة، وابن المنذر أثبت. وقال ابن المسيب: "لا أرى أن يأخذ منها كل مالها ولكن ليدع لها شيئاً". وقال بكر بن عبد الله المزني: "لا يجوز للرجل أن يأخذ من زوجه شيئاً خلعاً قليلاً ولا كثيراً"؛ قال: "وهذه الآية منسوخة بقوله عز وجل: {أية : وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطاراً فلا تأخذوا منه شيئاً} تفسير : [النساء: 20]. قال القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف، لأن الأمة مجمعة على إجازة الفدية، ولأن المعنى المقترن بآية الفدية غير المعنى الذي في آية إرادة الاستبدال. وقوله تعالى: {تلك حدود الله} الآية، أي هذه الأوامر والنواهي هي المعالم بين الحق والباطل والطاعة والمعصية فلا تتجاوزوها، ثم توعد - تعالى - على تجاوز الحد ووصف المتعدي بالظلم وهو وضع الشيء في غير موضعه، والظلم معاقب صاحبه، وهو كما قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : الظلم ظلمات يوم القيامة ".

ابن عبد السلام

تفسير : {الطَّلاقُ مَرَّتَانِ} بيان لسنة الطلاق أن يوقع في كل قرء طلقة، أو بيان لعدد ما ثبت فيه الرجعة، ولتقديره بالثلاث كان أحدهم يطلق ما شاء ثم يراجع، فأراد رجل المضارة بزوجته بطلاقها ثم ارتجاعها كلما قرب انقضاء عدتها ولا يقربها فشكت إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فنزلت.... {فَإِمْسَاكُ بِمَعْرُوفٍ} الرجعة بعد الثانية، والتسريح بالإحسان الطلقة الثالثة. قيل للرسول صلى الله عليه وسلم الطلاق مرتان فأين الثالثة؟ قال: "حديث : إمساك بمعروف، أو تسريح بإحسان "تفسير : ، أو التسريح بإحسان: ترك الرجعة حتى تنقضي العدة، والإحسان: أداء حقها وكف الأذى عنها. {يَخَافَآ} يظنا. {أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ} بظهور نشوزها وسوء الخلق، أو لا تطيع أمره ولا تبر قسمه، أو تصرح بكراهتها له، أو يكره كل واحد منهما صاحبه فلا يؤدي حقه، قال الرسول صلى الله عليه وسلم: "حديث : المختلعات هن المنافقات " تفسير : وهي التي تختلع لميلها إلى غير زوجها. {فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ} من الصداق من غير زيادة، أو يجوز أن تفتدي بالصداق وبجميع مالها. وجواز الخلع محكم عند الجمهور، ومنسوخ عند بكر بن عبد الله. بقوله ـ تعالى ـ: { أية : وَءَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً فَلاَ تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئاً}تفسير : [النساء: 20].

النسفي

تفسير : {ٱلطَّلَـٰقُ مَرَّتَانِ } الطلاق بمعنى التطليق كالسلام بمعنى التسليم أي التطليق الشرعي تطليقة بعد تطليقة على التفريق دون الجمع، والإرسال دفعة واحدة. ولم يرد بالمرتين التثنية ولكن التكرير كقوله {أية : ثُمَّ اْرجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ }تفسير : [الملك: 4] أي كرة بعد كرة لا كرتين اثنتين وهو دليل لنا في أن الجمع بين الطلقتين والثلاثة بدعة في طهر واحد، لأن الله تعالى أمرنا بالتفريق لأنه وإن كان ظاهره الخبر فمعناه الأمر وإلا يؤدي إلى الخلف في خبر الله تعالى، لأن الطلاق على وجه الجمع قد يوجد. وقيل: قالت أنصارية: إن زوجي قال: لا أزال أطلقك ثم أراجعك فنزلت «الطلاق مرتان» أي الطلاق الرجعي مرتان لأنه لا رجعة بعد الثالث {فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ } برجعة، والمعنى فالواجب عليكم إمساك بمعروف {أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَـٰنٍ } بأن لا يراجعها حتى تبين بالعدة. وقيل: بأن يطلقها الثالثة في الطهر الثالث. ونزل في جميلة وزوجها ثابت بن قيس بن شماس وكانت تبغضه وهو يحبها وقد أعطاها حديقة فاختلعت منه بها وهو أول خلع كان في الإسلام {وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ } أيها الأزواج أو الحكام لأنهم الآمرون بالأخذ والإيتاء عند الترافع إليهم فكأنهم الآخذون والمؤتون {أن تَأخُذُواْ مِمَّآ آتَيتُمُوهُنَّ شَيْئاً} مما أعطيتموهن من المهور {إِلاَّ أَن يَخَافَا أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ } إلا أن يعلم الزوجان ترك إقامة حدود الله فيما يلزمهما من مواجب الزوجية لما يحدث من نشوز المرأة وسوء خلقها {فَإِنْ خِفْتُمْ } أيها الولاة، وجاز أن يكون أول خطاب للأزواج وآخره للحكام {أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا } فلا جناح على الرجل فيما أخذ ولا عليها فيما أعطت {فِيمَا ٱفْتَدَتْ بِهِ } فيما افتدت به نفسها واختلعت به من بذل ما أوتيت من المهر. «إلا أن يخافا» حمزة على البناء للمفعول وإبدال «ألا يقيما» من ألف الضمير وهو من بدل الاشتمال نحو «خيف زيد تركه إقامة حدود الله». {تِلْكَ حُدُودَ ٱللَّهِ } أي ما حد من النكاح واليمين والإيلاء والطلاق والخلع وغير ذلك {فَلاَ تَعْتَدُوهَا } فلا تجاوزوها بالمخالفة {وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ ٱللَّهِ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ } الضارون أنفسهم. {فَإِن طَلَّقَهَا } مرة ثالثة بعد المرتين، فإن قلت الخلع طلاق عندنا وكذا عند الشافعي رحمه الله في قول، فكأن هذه تطليقة رابعة. قلت: الخلع طلاق ببدل فيكون طلقة ثالثة، وهذه بيان لتلك أي فإن طلقها الثالثة ببدل فحكم التحليل كذا {فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ } من بعد التطليقة الثالثة {حَتَّىٰ تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ } حتى تتزوج غيره. والنكاح يسند إلى المرأة كما يسند إلى الرجل كالتزوج، وفيه دليل على أن النكاح ينعقد بعبارتها، والإصابة شرطت بحديث العسيلة كما عرف في أصول الفقه، والفقه فيه أنه لما أقدم على فراق لم يبق للندم مخلصاً لم تحل له إلا بدخول فحل عليها ليمتنع عن ارتكابه {فَإِن طَلَّقَهَا } الزوج الثاني بعد الوطء {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا } على الزوج الأول وعليها {أَن يَتَرَاجَعَا } أن يرجع كل واحد منهما إلى صاحبه بالزواج {إِن ظَنَّا أَن يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ } إن كان في ظنهما أنهما يقيمان حقوق الزوجية ولم يقل إن علما أنهما يقيمان لأن اليقين مغيب عنهما لا يعلمه إلا الله {وَتِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ يُبَيّنُهَا } وبالنون: المفضل {لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ } يفهمون ما بين لهم. {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ } أي آخر عدتهن وشارفن منتهاها، والأجل يقع على المدة كلها وعلى آخرها. يقال لعمر الإنسان أجل، وللموت الذي ينتهى به أجل. {فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ } أي فإما أن يراجعها من غير طلب ضرار بالمراجعة، وإما أن يخليها حتى تنقضي عدتها وتبين من غير ضرار {وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا } مفعول له أو حال أي مضارين، وكان الرجل يطلق المرأة ويتركها حتى يقرب انقضاء عدتها ثم يراجعها لا عن حاجة ولكن ليطوّل العدة عليها فهو الإمساك ضراراً {لّتَعْتَدُواْ } لتظلموهن أو لتلجئوهن إلى الافتداء {وَمَن يَفْعَلْ ذٰلِكَ } يعني الإمساك للضرار {فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ } بتعريضها لعقاب الله {وَلاَ تَتَّخِذُواْ آيَـٰتِ ٱللَّهِ هُزُوًا } أي جدوا بالأخذ بها والعمل بما فيها وارعوها حق رعايتها وإلا فقد اتخذتموها هزواً. يقال لمن لم يجد في الأمر إنما أنت لاعب وهازىء {وَٱذْكُرُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ } بالإسلام وبنبوة محمد عليه السلام {وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُم مّنَ ٱلْكِتَـٰبِ وَٱلْحِكْمَةِ } من القرآن والسنة وذكرها مقابلتها بالشكر والقيام بحقها {يَعِظُكُمْ بِهِ } بما أنزل عليكم وهو حال {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ } فيما امتحنكم به {وَٱعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ } من الذكر والاتقاء والاتعاظ وغير ذلك وهو أبلغ وعد ووعيد. {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ } أي انقضت عدتهن فدل سياق الكلامين على افتراق البلوغين لأن النكاح يعقبه هنا وذا يكون بعد العدة، وفي الأولى الرجعة وذا يكون في العدة {فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ } فلا تمنعوهن. العضل: المنع والتضييق {أَن يَنكِحْنَ } من أن ينكحن {أَزْوٰجَهُنَّ } الذين يرغبن فيهم ويصلحون لهن، وفيه إشارة إلى انعقاد النكاح بعبارة النساء، والخطاب للأزواج الذي يعضلون نساءهم بعد انقضاء العدة ظلماً ولا يتركونهن يتزوجن من شئن من الأزواج، سموا أزواجاً باسم ما يؤول إليه. أو للأولياء في عضلهن أن يرجـعن إلى أزواجهن الذين كانوا أزواجاً لهن، سموا أزواجاً باعتبار ما كان. نزلت في معقل ابن يسار حين عضل أخته أن ترجع إلى الزوج الأول. أو للناس أي لا يوجد فيما بينكم عضل لأنه إذا وجد بينهم وهم راضون كانوا في حكم العاضلين {إِذَا تَرٰضَوْاْ بَيْنَهُم } إذا تراضى الخطاب والنساء {بِٱلْمَعْرُوفِ } بما يحسن في الدين والمروءة من الشرائط، أو بمهر المثل والكفء لأن عند عدم أحدهما للأولياء أن يتعرضوا. والخطاب في {ذٰلِكَ } للنبي صلى الله عليه وسلم أو لكل واحد {يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ مِنكُمْ يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ } فالموعظة إنما تنجع فيهم {ذٰلِكُمْ } أي ترك العضل والضرار {أَزْكَىٰ لَكُمْ وَأَطْهَرُ } أي لكم من أدناس الآثام أو أزكى وأطهر وأفضل وأطيب {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ } ما في ذلك من الزكاء والطهر {وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ } ذلك.

الخازن

تفسير : قوله عز وجل: {الطلاق مرتان} عن عروة بن الزبير قال: كان الرجل إذا طلق زوجته ثم ارتجعها قبل أن تنقضي عدتها، كان له ذلك وإن طلقها ألف مرة، فعمد رجل إلى امرأته فطلقها حتى إذا شارفت انقضاء عدتها ارتجعها ثم قال: والله لا آويك إليّ ولا تحلين أبداً فأنزل الله تعالى: {الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان} فاستقبل الناس الطلاق جديداً من ذلك اليوم من كان طلق أو لم يطلق أخرجه الترمذي. وله عن عائشة قالت: كان الناس والرجل يطلق امرأته ما شاء الله أن يطلقها وهي امرأته إذا ارتجعها وهي في العدة وإن طلقها مائة أو أكثر حتى قال رجل لامرأته: والله لا أطلقك فتبيني مني ولا آويك أبداً. قالت: وكيف ذلك؟ قال: أطلقك فكلما همت عدتك أن تنقضي راجعتك فذهبت المرأة حتى دخلت على عائشة فأخبرتها فسكتت عائشة حتى جاء النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته فسكت النبي صلى الله عليه وسلم حتى نزل القرآن {الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان} قالت عائشة: فاستأنف الطلاق مستقبلاً من كان قد طلق ومن لم يطلق، ومعنى الآية أن الطلاق الرجعي مرتان ولا رجعة بعد الثالثة إلا أن تنكح زوجاً أخر، وهذا التفسير هو قول من جوز الجمع بين الطلاق الثلاث في دفعة واحدة وهو الشافعي، وقيل في معنى الآية: إن التطليق الشرعي يجب أن يكون تطليقة بعد تطليقة بعد تطليقة على التفريق دون الجمع والإرسال دفعة واحدة وهذا التفسير هو قول من قال: إن الجمع بين الثلاثة حرام إلا أن أبا حنيفة قال: يقع الثلاث وإن كان حراماً وقيل: إن الآية دالة على عدد الطلاق الذي يكون للرجل فيه الرجعة على زوجته والعدد الذي تبين به زوجته منه، والمعنى أن عدد الطلاق الذي لكم فيه رجعة على أزواجكم إذا كن مدخولاً بهن تطليقتان، وأنه لا رجعة له بعد التطليقتين إن سرحها فطلقها الثالثة {فإمساك بمعروف} يعني بعد الرجعة وذلك أنه إذا راجعها بعد التطليقة الثانية فعليه أن يمسكها بالمعروف وهو كل ما عرف في الشرع من أداء حقوق النكاح وحسن الصحبة {أو تسريح بإحسان} يعني أنه يتركها بعد الطلاق حتى تنقضي عدتها من غير مضارة. وقيل هو أنه إذا طلقها أدى إليها جميع حقوقها المالية ولا يذكرها بعد المفارقة بسوء ولا ينفر الناس عنها. (فروع): تتعلق بأحكام الطلاق: (الفرع الأول): صريح اللفظ الذي يقع به الطلاق، من غير نية ثلاث الطلاق والفراق والسراح، وعند أبي حنيفة الصريح هو لفظ الطلاق فقط. (الفرع الثاني): الحر إذا طلق زوجته طلقة أو طلقتين بعد الدخول بها فله مراجعتها من غير رضاها ما دامت في العدة فإذا لم يراجعها حتى انقضت عدتها أو طلقها قبل الدخول بها أو خالعها، فلا تحل له إلا بنكاح جديد بإذنها وإذن وليها. (الفرع الثالث): العبد يملك على زوجته الأمة تطليقتين. واختلف فيما إذا كان أحد الزوجين حراً فالحر يملك على زوجته الأمة ثلاث تطليقات، والعبد يملك على زوجته الحرة تطليقتين فالاعتبار بحال الزوج في عدد الطلاق وبه قال الشافعي ومالك وأحمد وذهب أبو حنيفة إلى أن الاعتبار بالمرأة فالعبد يملك على زوجته الحرة ثلاث تطليقات، والحر يملك على زوجته الأمة تطليقتين {ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن} يعني أعطيتموهن شيئاً يعني من مهر أو غيره، ثم استثنى الخلع فقال تعالى: {إلا أن يخافا أن لا يقيما حدود الله} نزلت في جميلة بنت عبدالله بن أبي أوفى ويقال حبيبة بنت سهل الأنصاري كانت تحت ثابت بن قيس بن شماس وكانت تبغضه وهو يحبها، وكان بينهما كلام فأتت أباها تشكو إليه زوجها وقالت: إنه يسب أبي ويضربني فقال: ارجعي إلى زوجك فإنى أكره للمرأة أن لا تزال رافعة يديها تشكو زوجها قال: فرجعت إليه الثالثة وبها أثر الضرب فقال: ارجعي إلى زوجك فلما رأت إن أباها لا يشكيها حديث : أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فشكت إليه زوجها وأرته أثاراً بها من ضربه وقالت: يا رسول الله لا أنا ولا هو فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ثابت فقال: مالك ولأهلك فقال: والذي بعثك بالحق نبياً ما على وجه الأرض أحب إلى منها غيرك فقال: لها ما تقولين؟ فكرهت أن تكذب رسول الله صلى الله عليه وسلم حين سألها فقالت: صدق يا رسول الله ولكني خشيت أن يهلكني فأخرجني منه. وقالت: يا رسول الله ما كنت أحدثك حديثاً ينزل عليك خلافه هو أكرم الناس حباً لزوجته ولكني أبغضه فلا أنا ولا هو قال ثابت أعطيتها حديقة نخل فقل لها فلتردها علي، وأخلي سبيلها، فقال لها: تردين عليه حديقته وتملكين أمرك قالت: نعم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا ثابت خذ منها ما أعطيتها وخلِّ سبيلها تفسير : ففعل. (خ) عن ابن عباس "حديث : أن امرأة ثابت بن قيس أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله إن ثابت بن قيس ما أعتب عليه في خلق ولا مال ولكني أكره الكفر في الإسلام. قال أبو عبدالله: يعني تبغضه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تردين عليه حديقته؟ قالت: نعم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اقبل الحديقة وطلقها تطليقة" تفسير : قوله: ما أعتب عليه يعني ما أجد عليه والعتبى الموجدة والحديقة البستان من البخل إذا كان عليه الحائط ومعنى قوله تعالى: {إلا أن يخافا} أي يعلما الزوجان من أنفسهما أن لا يقيما حدود الله والمعنى تخاف المرأة ان تعصي الله في أمور زوجها، ويخاف الزوج أنه إذا لم تطعه أن يعتدي عليها، فنهى الله الرجل أن يأخذ من امرأته شيئاً مما أعطاها إلا أن يكون النشوز من قبلها، وذلك أن تقول لا أطيع لك أمراً ولا أطأ لك مضجعاً، ونحو ذلك، وقرئ يخافا بضم الياء، ومعناه إلا أن يعلم ذلك من حالهما يعني يعلم القاضي والوالي {فإن خفتم} يعني فإن خشيتم وأشفقتم، وقيل: معناه فإن ظننتم {ألا يقيما حدود الله} يعني ما أوجب الله على كل واحد منهما من طاعته فيما أمره به من حسن الصحبة، والمعاشرة بالمعروف وقيل: هو يرجع إلى المرأة وهو سوء خلقها واستخفافها بحق زوجها {فلا جناح عليهما فيما افتدت به} أي لا جناح على المرأة في النشوز إذا خشيت الهلاك، والمعصية فيما افتدت به نفسها أو أعطت من المال لأنها ممنوعة من إتلاف المال بغير حق، ولا على الزوج فيما أخذ من المال إذا أعطته المرأة طائعة راضية. فصل: في حكم الخلع وفيه مسائل الأولى: قال الزهري والنخعي وداود: لا يباح الخلع إلا عند الغضب والخوف من أن لا يقيما حدود الله فإن وقع الخلع في غير هذه الحالة فهو فاسد، وحجة هذا القول: أن الآية صريحة في أنه لا يجوز للزوج أن يأخذ من المرأة شيئاً عند طلاقها، ثم استثنى الله تعالى حالة مخصوصة فقال: {إلا أن يخافا أن لا يقيما حدود الله} فكانت هذه صريحة في أنه لا يجوز الأخذ في غير حالة الغضب، والخوف من أن لا يقيما حدود الله، وذهب جمهور العلماء إلى أنه يجوز الخلع من غير نشوز ولا غضب، غير أنه يكره لما فيه من قطع الوصلة بلا سبب عن ثوبان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : أيما امرأة سألت زوجها الطلاق من غير بأس فحرام عليها رائحة الجنة" تفسير : أخرجه أبو داود والترمذي. عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : أبغض الحلال إلى الله الطلاق"تفسير : أخرجه أبو داود ودليل الجمهور على جواز الخلع من غير نشوز قوله تعالى: {فإن طبن لكم عن شيء منه نفساً فكلوه هنيئاً مريئاً} فإذا جاز لها أن تهب مهرها من غير أن يحصل لها شيء فإذا بذلت كان ذلك في الخلع الذي تصير بسببه مالكة أمر نفسها أولى. وأجيب عن الاستثناء المذكور في هذه الآية أنه محمول على الاستثناء المنقطع. المسألة الثانية: الخلع جائز على أكثر مما أعطاها وبه قال أكثر العلماء، وقال بعضهم: لا يجوز أن يأخذ أكثر مما أعطاها وهو قول علي، وبه قال الزهري والشعبي والحسن وعطاء وطاوس وقال سعيد بن المسيب: بل يأخذ دون ما أعطاها حتى يكون الفضل فيه وحجة الجمهور أن الخلع عقد على معاوضة، فوجب أن لا يقيد بمقدار معين كما أن للمرأة أن لا ترضى عند عقد النكاح إلا بالكثير فكذلك للزوج أن لا يرضى عند الخلع إلا بالبذل الكثير، لا سيما وقد أظهرت الاستخفاف بالزوج حيث أظهرت بغضه وكراهته. المسألة الثالثة: اختلف العلماء في الخلع هل هو فسخ أو طلاق؟ فقال الشافعي في القديم: إنه فسخ وهو قول ابن عباس وطاوس وعكرمة. وبه قال أحمد وإسحاق وأبو ثور وقال الشافعي في الجديد: إنه طلاق وهو الأظهر وهو قول عثمان وعلي وابن مسعود والحسن والشعبي والنخعي وعطاء وابن المسيب ومجاهد ومكحول والزهري، وبه قال أبو حنيفة ومالك وسفيان الثوري. وحجة القول القديم أن الله تعالى ذكر الطلاق مرتين ثم ذكر بعده الخلع ثم ذكر الطلقة الثالثة.

ابن عرفة

تفسير : قوله تعالى: {ٱلطَّلاَقُ مَرَّتَانِ...}. فسّروه بوجهين: إما الطّلاق الرجعي مرتان لأن الطلقة (الثالثة) لا رجعة فيها، وإما الطّلاق السني مرتان. (فإن) قلت: الطلاق السّني ثلاث تطليقات؟ (قلنا) لأجل هذا قال الزمخشري: إنّ التثنية ليست على حقيقتها بل للتكرار أي مرة بعد مرة مثل {أية : ثُمَّ ٱرْجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ}تفسير : أي كرة بعد كرة فيكون تنبيها على أنّ الطّلاق الموقع في كلمة واحدة غيرُ سنّي. فإن قلت: هلاّ قال: الطلاق ثنتان؟ فالجواب من وجوه: الأول: قال ابن عرفة: قدمنا أن (الثنتين) يصدقان على الطلاق الممكن والمحال فيقال: الطلاق طلاقان. ويكون محالا بخلاف المرتين لأن المرة تفيد بدلالتها / على الزمان أن الطّلاق وجودي واقع. الثاني: أنه إنما قيل "مرتان" تنبيها على أن المراد الطلاق (مرة بعد مرة لأن المرة زمان والزمانان متفرقان بلا شك لاستحالة اجتماعهما) ولو قيل: ثنتان الطلاق مجتمعا ومفرقا لأفاد بذلك النهي عن أيقاع الثالث في كلمة واحدة. قيل لابن عرفة: إن الشيخ الفقيه القاضي أبا العباس أحمد بن حيدرة والفقيه المفتي أبا القاسم الغبريني رحمهما الله تعالى سئلا عمن شهد عليه أنه قال: لزوجته ما نصّه: أنت طالق مرتين؟ قال لها في مرة واحدة فقالا: يُنَوّى. فاستشكله ابن عرفة لأنه صريح أو ظاهر في الاثنتين وقد أسرته البينة. أبو حيان: أي عدد الطلاق مرتان أو إيقاعه مرتان. قال اين عرفة: إن أراد تقدير معنى فصواب، وإن أراد أمرا حاجيا لا بد منه ولا يتم اللفظ إلا به، فليس كذلك. قال ابن عرفة: والآية دالة على أن طلاق الحر مساو لطلاق العبد. قوله تعالى: {فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ...}. قال ابن عرفة: فإن قلت: هلا قيل: فإمساك بإحسان أو تسريح بمعروف، وهذا السؤال مذكور في حسن الائتلاف؟ قال: وعادتهم يجيبون بأن المعروف أخفّ من الإحسان لأن المعروف حسن العشرة والتزام حقوق الزوجية والإحسان ألاّ يظلمها شيئا من حقها، فيقتضي الإعطاء وبذل المال أشق على النفوس من حسن العشرة (فجعل) المعروف مع الإمساك المقتضي لدوام العصمة إذ لا يضر تكرّره، وجعل الإحسان المشق على النفوس (مع) التسريح الذي لا يتكرر بل هو مرة أو مرتان أو ثلاث فقط. ونقل ابن يونس عن أبي (عمر): أنّ هذه الآية ما زالت يكتبها الموثقون في الصّدُقات. قال: وكان الشيخ القاضي أبو عبد الله محمد بن عبد السلام ينكر على أهل زماننا كتبها في الصدقات إذ لا يذكر في عقد النكاح إلا ما يلائمه ويناسبه. وأما الطلاق ففي ذكره فيه تفاؤل ومناقضة للنكاح ولذا (تجد) بعضهم يقول: من الإمساك بالمعروف أو المعاشرة بالإحسان (فيؤول) اللفظ. أبو حيان: ("إِمْسَاكٌ") إما خبر، أي فالواجب إمساك، وإما مبتدأ وخبره مقدر إما قبله أي فعليكم إمساك أو بعده أي فإمساك عليكم. قال ابن عرفة: سببه أنّ "بِمَعْرُوفٍ" إن كان صفة الإمساك قدر الخبر متأخرا، وإن كان متعلقا به قدر مقدما لأن المبتدأ نكرة. قوله تعالى: {وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ مِمَّآ آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً...}. قال ابن عرفة: إن أريد تأكيد التحريم يقال: لا يحل كذا، وإن أريد مطلق التحريم يقال: لا تفعل كذا، لاحتماله الكراهة، وكذلك المفتي لا يقول: لا يحل كذا، إلاّ فيما قوي دليل تحريمه عنده، وأما دون ذلك فيقول: لا يُفعل أو لا ينبغي (أن تفعل) كذا. قوله تعالى: {مِمَّآ آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً...}. قال أبو حيان: حذف العائد على (ما) لأنه (المفعول) الأول للفعل وهو ضمير نصب متصل، والثاني كذلك. وتقديره مِمَّا ءَاتَيْتُمُوهُنّ. هذا نص أبي حيان، إن "ءاتَيْتُمْ" يتعدّى إلى مفعولين حذف أحدهما وهو العائد على ما تقديره (ءاتيتموهن إيّاه). قال الصفاقسي: فيه نظر لأنّهم نصّوا على أنّ الضمير المنصوب لا يجوز (حذفه) ولا يجوز اجتماع ضميري نصب متصلين. فقال بعض الطلبة: إنّما ذلك إذا اتفقا في الإفراد والتثنية والجمع أما إذا كان أحدهما مفردا والآخر مجموعا فنص سيبويه على جوازه. وقال بعض الطلبة: بل ضعفه ابن مالك. قال ابن عرفة: وعادتهم يجيبون بأن (يردوا) على أبي حيان بأنّ المحذوف هنا ضمير نصب متصل. والتقدير: مما ءَاتتموه إيّاهن، فحذف الضمير المفرد واتصل الآخر بالفعل بعد أن كان منفصلا فصار "ءَاتَيْتُمُوهُنّ". قوله تعالى: {إِلاَّ أَن يَخَافَآ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ...}. هذا إما استثناء من الأسباب، أي منهن شيئا لسبب من الأسباب: خوف عدم إقامة حدود الله. والزمخشري يعبر عنه في غير هذا بأنه استثناء من أعمّ العام. قال ابن عرفة: وهذا يدل بالمطابقة على جواز الخلع منهما معا وباللزوم على جوازه من المرأة وحدها وأما الزوج فيستحيل ذلك في حقه. وهذا الخلع للزوجين قد يكون للحاكم. ومثاله: إذا زوج الأب ابنه الصغير ومات وأراد القاضي أن يخالع منه. قوله تعالى: {إِلاَّ أَن يَخَافَآ...}. ذكر أبو حيان أنّه في موضع الحال. ورده ابن عرفة بأنّ "أَنْ" الموصولة (أعرف المعارف عندهم والحال لايكون إلا نكرة. قلت: الحال هنا) معنوية لا لفظية والتعريف في اللفظ لا في المعنى. قوله تعالى: {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا ٱفْتَدَتْ بِهِ...}. قيل لابن عرفة: الفدية في اصطلاح الفقهاء هي المخالعة بالبعض لا بالكل وهو مناسب لقوله "أَن تَأْخُذُواْ مِمَّآ آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً". فقال: اللّغة لا تفسر بإصطلاح. والمناسب هناك منع الخلع بالبعض فيستلزم منعه بالكلّ من باب أحرى. والمناسب هنا إباحة الخلع بالجميع فيستلزم إباحته بالبعض. قوله تعالى: {وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ ٱللَّهِ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ}. قال ابن عرفة: / إفراد الضمير العائد على (مَنْ) أوّلا (و) جمعه ثانيا مناسب لفظا ومعنى؛ أما اللفظ فالمستحسن عند النحويين معاملة لفظ (من) أولا ثم معناها، وأما المعنى فأفرد ضمير المتعدي تقليلا له ومبالغة في التنفير من صفة التعدي حتى كأنه لا يقع (الأمر) من أحد. ثم جمع الظالمين لأنه (جزاء) انتقام وعقوبة فالمناسب جمعه (ليعم) كل ظالم حتى يزجر عن ذلك من هذه صفته.

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالى: {ٱلطَّلَـٰقُ مَرَّتَانِ...} الآية: قال عروة بن الزُّبَيْر وغيره: نزلَتْ هذه الآية بياناً لِعَدَدِ الطلاقِ الذي للمرء فيه أنْ يرتجعَ دون تجديدِ مَهْرٍ ووليٍّ، وقال ابن عبَّاس وغيره: المراد بالآية التعريفُ بسُنَّة الطلاقِ، وأنَّ من طلَّق اثنتَيْنِ، فليتَّق اللَّه في الثالثَةِ، فإِما تركَهَا غيْرَ مظلومةٍ شيئاً من حقِّها، وإِما أمسكها محسناً عشْرَتَها. * ع *: والآية تتضمَّن هذين المعنيين. * ص *: الطلاقُ: مبتدأٌ؛ على حذفِ مضافٍ، أي: عدد الطلاق، ومرَّتانِ: خبره. انتهى. والإِمساكُ بالمعروفِ: هو الاِرتجاعُ بعد الثانية إِلى حسن العِشْرةِ، والتسْريحُ: يحتمل لفظه معنَيَيْنِ: أحدهما: تركها تتمُّ العدة من الثانية، وتكون أملكَ بنَفْسها، وهذا قولُ السُّدِّيِّ، والضَّحَّاك. والمعنَى الآخر: أن يطلقها ثالثةً، فيسرِّحها بذلك، وهذا قولُ مجاهِدٍ، وعطاءٍ، وغيرهما، وإِمْسَاك: مرتفع بالاِبتداءِ والخبر أمثل أو أحسن. وقوله تعالى: {وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ مِمَّآ ءَاتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا...} الآية: خطابٌ للأزواجِ، نهاهم به أن يأخذوا من أزواجهم شيئًا؛ علَىٰ وجه المضارَّة، وهذا هو الخُلْع الذي لا يصحُّ إِلاّ بأن لا ينفردَ الرجُلُ بالضَّرر، وخصَّ بالذكْر ما آتى الأَزْوَاجُ نساءَهم؛ لأنه عرف الناس عند الشِّقَاق والفَسَاد أنْ يطلبوا ما خَرَجَ من أيديهم، وحرَّم اللَّه تعالَىٰ علَى الزَّوْجِ في هذه الآية أنْ يأخذ إِلا بعد الخوف ألاَّ يقيما حدودَ اللَّه، وأكَّد التحريم بالوعيدِ، وحدود اللَّه في هذا الموضعِ هي ما يلزمُ الزوجَيْنِ مِنْ حُسْنِ العشرة، وحقوقِ العِصْمَة. وقوله تعالى: {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ}: المخاطبة للحُكَّام والمتوسِّطين لهذا الأمر، وإِن لم يكونوا حُكَّاماً، وتَرْكُ إِقامة حدود اللَّه: هو ٱستخفافُ المرأة بحقِّ زوجها، وسوءُ طاعتها إِياه؛ قاله ابن عباس، ومالكٌ، وجمهور العلماء. وقال الشَّعبيُّ: {أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ}: معناه: ألاَّ يطيعَا اللَّه، وذلك أنَّ المغاضبة تَدْعُو إِلى ترك الطاعة. وقوله تعالى: {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا ٱفْتَدَتْ بِهِ} إِباحة للفدْية، وشَرَّكَهَا في ٱرتفاعِ الجُنَاحِ؛ لأنها لا يجوز لها أن تعطيه مالها حيثُ لا يجُوزُ له أخْذه، وهي تَقْدِرُ على المخاصَمَةِ. قال ابن عَبَّاس، وابنُ عمر، ومالكٌ، وأبو حنيفةَ، وغيرهم: مباحٌ للزَّوْج أن يأخذ من المرأةِ في الفدْيَة جميعَ ما تملكُهُ؛ وقضَىٰ بذلك عمر بن الخَطَّاب. وقال طَاوُسٌ، والزُّهْرِيّ، والحَسَن، وغيرهم: لا يجوزُ له أنْ يزيدَ على المَهْر الذي أعطاها، وقال ابن المُسَيِّب: لا أرَىٰ أن يأخذ منها كلَّ مالِها، ولكنْ لِيَدَعْ لها شيئًا. وقوله تعالى: {تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ...} الآية: أي: هذه الأوامر والنواهي، فلا تتجاوزُوها، ثم توعَّد تعالَىٰ علَىٰ تجاوُزِ الحَدِّ بقوله: {وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ ٱللَّهِ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ}، وهو كما قال صلى الله عليه وسلم: «حديث : الظُّلْمُ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ القِيَامَةِ».

ابن عادل

تفسير : قوله: {ٱلطَّلاَقُ مَرَّتَانِ}: مبتدأٌ وخبرٌ، و "ٱلطَّلاَقُ" يجوز أن يكون مصدر "طَلَقَتِ المَرْأَةُ طَلاَقاً"، وأن يكون اسم مصدر، وهو التطليقُ؛ كالسَّلام بمعنى التَّسليم، ولا بد من حذف مضافٍ قبل المبتدأ؛ ليكون المبتدأُ عين الخبر، والتقدير: عددُ الطَّلاق المشروع فيه الرَّجعة مرَّتان. والتثنية في "مَرَّتَانِ" حقيقةٌ يراد بها شفعُ الواحد، وقال الزمخشريُّ: "إنها من باب التثنية الَّتي يراد بها التكرير" وجعلَهَا مثْلَ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ وَهَذَاذَيْكَ. وردَّ عليه أبو حيَّان بأنَّ ذلك مناقضٌ في الظاهر لما قاله أولاً، وبأنه مخالفٌ للحكم في نفس الأمر، أمَّا المناقضة، فإنه قال: الطَّلاق مَرَّتَان، أي: الطلاقُ الشرعيُّ تطليقةٌ بعد تطليقةٍ على التفريق دون الإرسال دفعةً واحدةً، فقوله هذا ظاهرٌ في التثنية الحقيقيّة، وأمَّا المخالفة، فلأنه لا يراد أن الطلاق المشروع بقع ثلاثَ مراتٍ فأكثر، بل مرتين فقط؛ ويدلُّ عليه قوله بعد ذلك: {فَإِمْسَاكٌ}، أي: بالرَّجْعَةِ من الطَّلْقَةِ الثانية، "أَو تَسْرِيحٌ" أي: بالطلقة الثالثة؛ ولذلك جاء بعده "فَإِنْ طَلَّقَهَا". انتهى ما ردَّ به عليه، قال شهاب الدين: والزَّمخشريُّ إنما قال ذلك لأجل معنًى ذكره، فينظر كلامه في "الكَشَّاف"؛ فإنه صحيحٌ. والألف واللام في "الطَّلاَق" قيل: هي للعهد المدلول عليه بقوله: {أية : وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ}تفسير : [البقرة:228] وقيل: هي للاستغراق، وهذا على قولنا: إن هذه الجملة متقطعةٌ ممَّا قبلها، ولا تعلُّق لها بها. قوله: "فَإِمْسَاكٌ" في الفاء وجهان: أحدهما: أنها للتعقيب، أي: بعد أن عرَّف حكم الطلاق الشرعيِّ؛ أنه مرَّتان، فيترتَّب عليه أحد هذين الشيئين. والثاني: أن تكون جواب شرطٍ مقدَّرٍ، تقديره: فإن أوقع الطَّلقتين، وردَّ الزَّوجة فإمساكٌ. وارتفاعُ "إِمْسَاكٌ" على أحد ثلاثة أوجهٍ: إمَّا مبتدأ وخبره محذوفٌ متقدِّماً، تقديره عند بعضهم: فَعَلَيْكُمْ إِمْسَاكٌ، وقَدَّرهُ ابن عطية متأخِّراً، تقديره: فإِمْسَاكٌ أَمْثَلُ أَوْ أَحْسَنُ. والثاني: أن يكون خبر مبتدأ محذوفٍ، أي: فالواجب إمساكٌ. والثالث: أن يكون فاعل فعلٍ محذوفٍ، أي: فليكن إمساك بمعروفٍ قوله: "بِمَعْرُوفٍ" و "بِإِحْسَانٍ" في هذه الباء قولان: أحدهما: أنها متعلِّقة بنفس المصدر الذي يليه، ويكون معناها الإلصاق. والثاني: أن تتعلَّق بمحذوفٍ على أنها صفة لما قبلها، فتكون في محلِّ رفعٍ، أي: فإسماك كائنٌ بمعروفٍ، أو تسريح كائنٌ بإحسان. قالوا: ويجوز في العربيَّة نصب "فَإِمْسَاكٌ"، و "تَسْرِيحٌ" على المصدر، أي: فأمسكوهنَّ إمساكاً بمعروف، أو سرِّحُوهُنَّ تسريحاً بإحسان، إلاَّ أنَّه لم يقرأ به أحدٌ. والتَّسريح: الإرسال والإطلاق، ومنه قيل للماشية: سَرْحٌ، وناقَةٌ سُرُحٌ، أي: سهلة السَّير؛ لاسترسالها فيه. وتسريح الشَّعر: تخليص بعضه من بعض، والإمساك خلاف الإطلاق، والمساك والمسكة اسمان منه؛ يقال: إِنَّه لذو مُسكةٍ ومساكة إذا كان بخيلاً. قال الفرَّاء: يقال: إنه ليس بمساك غلمانه، وفيه مساكة من جبر، أي: قُوَّة. قال القرطبي: وصريح الطَّلاق ثلاثة ألفاظٍ ورد القرآن بها: وهي الطَّلاق والسَّراح والفِراق، وهو قول الشَّافعي. فصل روى عُروة بن الزُّبير، قال: كان النَّاسُ في الابتداء يُطلِّقون من غير حصرٍ ولا عددٍ، وكان الرَّجُل يُطلق امرأَته، فإذا قاربت انقضاء عدَّتها، راجعها ثم طلَّقها كذلك، ثم راجعها يقصد مضارَّتها، فنزلت هذه الآية: {ٱلطَّلاَقُ مَرَّتَانِ}. ورُوِي: أن الرَّجُل كان في الجاهليَّة يُطَلِّق امرأَتهُ، ثم يُراجعها قبل أن تنقضي عِدَّتها، ولو طَلَّقها ألف مَرَّة، كانت القُدرة على المُراجعة ثابتةٌ، فجاءت امرأةٌ إلى عائشة - رضي الله عنها -، فشكت أَنَّ زَوْجهها يُطَلِّقُها ويُراجِعها، يُضارّها بذلك، فذكرت عائشة ذلك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فنزل قوله تعالى: {ٱلطَّلاَقُ مَرَّتَانِ} يعني: الطلاق الَّذِي يملك الرَّجعة عقيبهُ مرتان، فإذا طَلَّق ثَلاَثاً، فلا تحلُّ له إلاَّ بعد نكاح زوجٍ آخر. فصل اختلف المُفَسِّرون في هذه الآية: فقال بعضهم: هذا حُكم مُبتدأ، ومعناه: أن التَّطليق الشَّرعيّ يجب أن يكون تطليقةً بعد أُخرى، على التَّفريق دون الجمع والإِرسال دفعةً واحدة، وهذا قول من قال: الجمع بين الثَّلاث حرامٌ. قال أبو زيد الدَّبوسيّ: هذا قول عمر وعثمان وعبد الله بن عبَّاس، وعبد الله بن عمر، وعمران بن حصين، وأبي موسى الأشعري وأَبي الدَّرداء، وحذيفة. وقال آخرون: ليس بابتداء كلام، وإنَّما هو متعلِّق بما قبله والمعنى: أن الطَّلاقَ الرَّجعيَّ مَرَّتان، ولا رجعة بعد الثَّلاث، وهو قول من جوَّز الجمع بين الثَّلاث، وهو مذهب الشَّافعي. حُجَّة القول الأَوَّل: أن الأَلف واللام في "الطَّلاَقِ" إذا لم يكونا للمعهود، أفادا الاستغراق، فصار تقدير الآية: كُلُّ الطَّلاق مرَّتان ومَرَّة ثالثة، ولو قال هكذا، لأفاد أن الطَّلاق المشروع مُتَفَرِّق؛ لأن المرَّات لا تكُون إلاَّ بعد تفريق الاجتماع. فإن قيل: هذه الآية وردت لبيان الطَّلاق المَسْنُون. فالجواب: ليس في الآية بيان صفة السُّنَّة، بل مُفسَّرة لأَصل الطَّلاق، وهذا الكلام - وإن كان لفظه الخبر - إلاَّ أن معناهُ الأمر، أي: طَلِّقُوا مَرَّتَين، يعني: دَفْعتين، وإنما عدل عن لفظ الخبر؛ لما تَقَدَّم من أن التَّعبير عن الأَمر بلفظ الخبر يُفيد تأكيد معنى الأَمر، فثبت أن هذه الآية دالَّة على الأَمر بتفريق الطَّلقاتِ، وعلى التَّشديد في ذلك الأَمر والمُبالغة فيه. واختلف القائِلُون بهذا على قولين: الأول ـ وهو اختيار كثيرٍ من علماء أهل البيت ـ: أنَّه لو طَلَّقها اثنتين أو ثلاثاً، لا يقع إلاَّ واحدة. قال ابن الخطيب: وهذا القولُ هو الأَقيس، لأن النَّهْيَ يدلُّ على اشتمالِ المنهيِّ عنه على مفسدة راجحة، والقول بالوقوع سعيٌ في إدخال تلك المفسدة في الوجود، وهو غير جائزٍ، فوجب أن يكون الحُكم بعدم الوقوع. والثاني: قول أبي حنيفة ـ رضي الله عنه ـ: إن الجمع - وإن كان مُحرَّماً - إلا أَنَّه يقعُ، وهذا منه بناءً على أَنَّ النَّهيَ لا يَدُلُّ على الفَسَادِ. حجَّة القول الثَّاني: هو أنَّ الآية مُتعلِّقَة بما قبلها؛ لأنه - تعالى - بيَّن في الآية الأُولى أن حقَّ المُراجعة ثابتٌ للزَّوج، ولم يُبيِّن أنَّ ذلك الحَقَّ ثابِتٌ دائماً، أو إلى غاية مُعيَّنة، فكان كالمجمل المُفتقر إلى المُبيِّن، أو العامِّ المفتقرِ إلى المُخصص، فبيَّن في هذه الآيةِ أن ذلك الطَّلاق الَّذِي ثبت فيه للزَّوج حَقّ الرَّجْعَة، هو أن يُوجد طلقتانِ، فأمّا بعد الطَّلْقَتين، فلا يثبِتُ أَلْبَتَّةَ حق الرَّجعة فالألف واللام في "الطَّلاقِ" المعهُود السَّابق، فهذا تفسيرٌ مطابِقٌ لنظم الآية، فيكُون أولى لوجوهٍ: الأول: أن قوله: {أية : وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ}تفسير : [البقرة:228] إن كان عَامّاً في كُلِّ الأَحوال؛ فهو مُفْتَقِرٌ إلى المُخَصّص، وإن لم يكُن عامّاً فهو مُجملٌ؛ لأنه ليس فيه بيان الشَّرط الَّذِي عنده يثبت حقُّ الرَّجعة، فافتقر إلى البيان، فإذا جعلنا الآية مُتَعَلِّقة بما قبلها، كان المُخَصص حاصلاً مع العامِّ المخصوص، أو كان البيانُ حاصِلاً مع المُجْمَلِ، وذلك أَولى من ألاَّ يكون كذلك؛ لأن تأخير البيان عن وقت الخِطابِ - وإذا كان جَائِزاً -، إلا أن الأَرجح ألاَّ يَتَأَخَّر. الثاني: أنَّا إذا جعلنا هذا الكلام مُبتدأ، كان قوله: {ٱلطَّلاَقُ مَرَّتَانِ} يقتضي ذكر الطَّلقة الثَّانية، وهي قوله: {أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} فصار تقدير الآية: الطَّلاق مَرَّتان ومَرَّة؛ لأنا نقول: إن قوله: {أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} متعلِّق بقوله: {فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ} لا بقوله: {ٱلطَّلاَقُ مَرَّتَانِ}، ولأن لفظ التَّسريح بالإِحسانِ لا إِشعار فيه بالطَّلاق، ولأنَّا لو جعلنا التَّسريح هو الطَّلقة الثَّالثة، لكان قوله: "فَإِنْ طَلَّقَهَا" طلقة رابعة، وهو غير جائِزٍ. الثالث: ما روينا في سبب النُّزول: من شكوى المرأة إلى عائشة كثرة تطليقها ومراجعتها قصداً للمضارَّة، وقد أَجْمَعُوا على أَنَّ سبب النُّزول لا يجوز أن يكون خارجاً عن عُمُوم الآيةِ، فكان تنزيل الآيةِ على هذا المعنى، أولى من تنزيلها على حُكْمٍ أَجنبيٍّ عنها. فصل اعلم أن معنى الآية: أن الطَّلاق التي يَثْبُت فيه الرَّجعة هو أَنْ يوجد مرَّتان، ثم الواجب بعد ذلك: إمَّا إمساكٌ بمعروفٍ، وهو أن يُراجعها لا على قصد المضارَّة، بل على قصدِ الإصلاح، وإما تسريحٌ بإِحسانٍ، وفيه وجهان: أحدهما: أن يُوقِعَ عليها الطَّلقة الثَّالثة، حديث : روي أَنَّه لمَّا نَزلَ قوله تعالى: {ٱلطَّلاَقُ مَرَّتَانِ}، قيل له - عليه الصلاة والسلام -: فأَين الثَّالثة؟ قال عليه الصَّلاة والسَّلام -: "هُو قَوْلُه تَسْرِيحٍ بِإِحْسَانٍ ". تفسير : الثاني: أن التَّسريح بالإحسان: أن يَتْرُكَ مُراجَعَتها حتى تَبين بانقضاءِ العِدَّة، وهو مَروِيٌّ عن الضَّحَّاك والسُّدِّيّ. قال ابن الخطيب: وهو أَقْرَبُ لوجوه: أحدها: أن "الفَاء" في قوله: "فَإِنْ طَلَّقَها" تَقْتَضِي وقوع هذه الطَّلقة مُتَأَخِّرة عن ذلك التَّسريح، فلو كان المُرادُ بالتَّسريح هو الطَّلقَة الثَّالثة، لكان قوله: فإن طَلَّقها طَلْقَةً رَابِعَة؛ وهو لا يجُوزُ. وثانيها: أنَّا إذا حَمَلْنَا التَّسريح على تَرْكِ المُراجعة، كانت الآيةُ مُتَنَاولة لجميع الأَحوالِ؛ لأَنَّه بعد الطَّلْقَة الثَّانية إمَّا أن يُراجعها وهو المراد بقوله: {فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ} أو لا يُراجعها، بل يتركها حتى تنقضي عِدَّتُها وتبين، وهو المرادُ بقوله: {أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} أو يُطَلِّقها وهو المراد بقوله "فَإِنْ طَلَّقَها"، فكانت الآيَةُ مُشْتَمِلَةً على بَيَانِ كُلِّ الأقسام، وإذا جعلنا التَّسريح بالإِحسان طَلاَقاً آخر لزم تركُ أحد الأقسامِ الثَّلاثة، ولزِم التكرير في ذكر الطَّلاقِ، وهو غيرُ جَائِزٍ. وثالثها: أنَّ ظاهر التَّسرِيح هو الإرسالُ والإِهمالُ، فحمله على تركِ المُراجعة أَوْلَى من حملِهِ على التَّطليق. ورابعها: أنَّه قال بعد ذلك التَّسريح: {وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ مِمَّآ ءَاتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً} والمُراد به الخُلع، ومعلومٌ أنه لا يصحُّ الخلعُ بعد التَّطليقة الثَّالثة، فهذه الوجوه ظاهرة، لو لم يثبت الخبر الَّذِي رويناه، فإن صحَّ ذلك الخبر، فلا مزيد عليه. فصل في الحكمة في الرَّجعة والحِكْمة في إثبات حقِّ الرَّجعة: أن الإِنسان إذا كان مع صاحبه، لا يدري هل تَشُقُّ عليه مُفارقتُه أَمْ لا؟ فإذا فارقهُ بعد ذلك يظهر، فلو جَعَلَ الله الطَّلقة الواحدة مانِعةٌ من الرُّجوع، لعظمت المَشَقَّة على الإِنسان بتقدير أَنْ تظهر المَحَبَّة بعد المُفارقة مَرَّتين، وعند ذلك تحصل التَّجربة، فإن كان الأَصلحُ الإِمْسَاكَ، راجعها وأَمسكها بالمعروفِ، وإن كان الأَصلح التَّسريح، سرَّحها بإِحسان. فصل واختلف العُلَمَاءُ إذا كان أَحد الزَّوْجَينِ رقيقاً: فذهب أكثرهم إلى أَنَّه يُعتبر عدد الطَّلاق بالزَّوج؛ فالحُرُّ يملك على زوجته الأَمة ثلاث تطليقاتٍ، والعبد لا يملك على زوجته الحُرَّة إِلاَّ طَلْقَتَيْن. قال عبدالله بن مسعود: الطَّلاق بالرِّجال والعِدَّة بالنِّساءِ، يعني: يُعْتَبر في الطَّلاق حالُ الرَّجالِ، وفي قدر العِدَّة حالُ المرأة، وهو قول عُثمان، وزيد بن ثابت، وابن عبَّاس، وبه قال عطاء وسعيد بن المُسَيَّب، وإليه ذهب مالِكٌ، والشَّافِعِي، وأَحمد، وإسحاق. وذهب قَوْمٌ إلى أن الاعتبار بالمرأة في عدد الطَّلاق، فيملُكِ العَبْدُ على زوجته الحُرَّة ثلاث طلقاتٍ، ولا يَمْلِكُ الحُرَّ على زوجته الأَمة إلاَّ طلْقَتَين، وهو قول سُفْيان الثَّوريّ وأصحاب الرَّأي. فصل إذا طلَّقها ثلاثاً بكلمةٍ واحدةٍ، لزِمه الطَّلاَق بالإِجماع. وقال عليّ بن أبي طالبٍ، وابن مسعود: يلزمه طلقةٌ واحِدةٌ. وقال ابن عبَّاس: وقوله: ثلاثاً لا معنى له؛ لأَنَّه لم يُطلِّق ثلاث مرَّات وإنَّما يجوز قوله: في ثَلاَث إذا كان مُخبراً عمّا مضى، فيقول: طلَّقت ثلاثاً، فيكون مُخبراً عن ثلاثة أفعالٍ كانت منهُ في ثلاثة أوقاتٍ؛ فهو كقول الرَّجُل: قرأت سُورَة كذا ثلاث؛ فإن كان قرأها ثلاث مرَّاتٍ، كان صادِقاً، وإن كان قرأها مرَّة واحِدَةً، كان كاذِباً، وكذا لو قال: أحْلِفُ بالله ثَلاَثاً يردد الحَلْف كانت ثَلاَثة أيمانٍ، ولو قال: أَحْلِف بالله ثلاَثاً، لم يَكُن حلف إلا يميناً واحدة والطَّلاق مِثْله. وقاله الزُّبير بن العوَّام، وعبد الرَّحمن بن عوف، قاله القرطبي. قوله: "أَنْ تَأْخُذُوا": "أَنْ" وما في حَيِّزها في محلِّ رفعٍ على أنه فاعل "يَحِلُّ"، أي: ولا يَحِلُّ لكُم أَخْذُ شَيءٍ مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ. و "مِمَّا" فيه وجهان: أحدهما: أن يتعلَّقَ بنفسِ "تَأْخُذُوا"، و "مِنْ" على هذا لابتداءِ الغاية. والثاني: أن يتعلَّقَ بمحذوفٍ على أنه حالٌ من "شَيْئاً" قُدِّمت عليه؛ لأنها لو تأَخَّرَتْ عنه لكانَتْ وصفاً، و "مِنْ" على هذا للتبعيض، و "مَا" موصولةٌ، والعائدُ محذوفٌ، تقديره: مِنَ الذي آتيتموهنَّ إِيَّاهُ، وقد تقدَّم الإِشكالُ والجوابُ في حذفِ العائدِ المنصوب المنفصلِ عند قوله تعالى: {أية : وَممَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ}تفسير : [البقرة:3] وهذا مثلُه، فَلْيُلْتَفَتْ إليه. و "آتَى" يتعدَّى لاثنين، أولهُما "هُنَّ" والثاني هو العائدُ المحذوفُ، و "شَيْئاً" مفعولٌ به ناصبُه "تَأْخُذُوا". ويجوزُ أن يكونَ مصدراً، أي: شيئاً مِنَ الأَخْذِ. والوجهانِ منقولانِ في قوله: {أية : لاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً}تفسير : [يس:54]. قوله: {إِلاَّ أَن يَخَافَآ} هذا استثناءٌ مُفَرَّغٌ، وفي "أَنْ يَخَافَا" وجهان: أحدهما: أنه في محلِّ نصبٍ على أنه مفعولٌ من أجلِهِ، فيكونُ مستثنىً من ذلك العامِّ المحذوفِ، والتقديرُ: وَلاَ يَحِلُّ لكُمْ أن تَأْخُذُوا بِسَبَب من الأسباب، إلا بسببِ خوفِ عدم إقامة حُدُودِ الله، وحُذِفَ حرفُ العلةِ؛ لاستكمالِ شروط النصب، لا سيما مع "أَنْ" ولا يجيءُ هنا خلافُ الخليلِ وسيبويه: أهيَ في موضع نصبٍ، أو جرٍّ بعد حَذْفِ اللامِ، بل هي في محلِّ نصبٍ فقط، لأنَّ هذا المصدرَ لو صُرِّحَ به، لنُصِبَ، وهذا قد نصَّ عليه النحويُّون، أعنِي كونَ "أَنْ" وما بعدها في محلِّ نصبٍ، بلا خلافٍ، إذا وقعَتْ موقعَ المفعولِ له. والثاني: أنه في محلِّ نصبٍ على الحالِ، فيكونُ مستثنى من العامِ أيضاً، تقديره: ولاَ يَحِلُّ لكُمْ في كلِّ حالٍ من الأحوالِ إلاَّ في حالِ خوفِ أَلاَّ يقيما حدودَ اللهِ، قال أبو البقاء: والتقديرُ: إلاَّ خائفينَ، وفيه حَذْفُ مضافٍ، تقديره: وَلاَ يَحِلُّ لكُمْ أَنْ تأخُذُوا على كلِّ حال، أو في كلِّ حال إلا في حالِ الخوفِ، والوجهُ الأولُ أحسنُ، وذلك أَنَّ "أَنْ" وما في حَيِّزها مُؤَوَّلةٌ بمصدرٍ، وذلك المصدرُ واقعٌ موقعَ اسم الفاعلِ المنصُوبِ على الحَال، والمصدرُ لا يطَّرِدُ وقوعُه حالاً، فكيف بما هو في تأْويله!! وأيضاً فقد نَصَّ سيبويه على أنَّ "أَنِ" المصدرية لا تقَعُ موقعَ الحالِ. والألفُ في قوله "يَخَافَا" و "يُقِيمَا" عائدةٌ على صنفَي الزوجين، وهذا الكلامُ فيه التفاتٌ، إذ لو جَرَى على نَسَقِ الكلام، لقيل: "إِلاَّ أَنْ تَخَافُوا أَلاَّ تُقِيمُوا" بِتَاءِ الخِطَابِ لِلْجَمَاعَةِ، وقد قَرأَها كذلك عبد الله، ورُوِي عنه أيضاً بياءِ الغَيْبَة، وهو التفاتٌ أيضاً. والقراءةُ في "يَخَافَا" بفتحِ الياءِ واضحةٌ، وقرأها حمزة وأبو جعفر ويعقوب بضمِّها على البناء للمفعول، وقَد استشكلها جماعةٌ، وطعن فيها آخرون لعدم معرفتهم بلسان العرب، وقد ذكروا فيها توجيهاتٍ كثيرةً، أحسنُها أَنْ يكونَ "أَنْ يُقِيمَا" بدلاً من الضمير في "يَخَافَا"؛ لأنه يَحُلُّ مَحَلَّه، تقديره: إِلاَّ أَنْ يُخَافَ عَدَمُ إقامَتِهما حُدُودَ اللهِ، وهذا من بدل الاشتمال؛ كقولك: "الزَّيْدَانِ أَعْجَبَانِي عِلْمُهُمَا"، وكان الأصلُ: "إِلا أن يخافَ الوُلاَةُ الزوجَيْنِ أَلاَّ يقيمَا حُدُودَ اللهِ"، فَحُذِفَ الفاعلُ الذي هو "الوُلاَةُ"؛ للدلالة عليه، وقامَ ضميرُ الزوجين مقامَ الفاعلِ، وبقيتْ "أَنْ" وما بعدها في محلِّ رفعٍ بَدَلاً؛ كما تقدَّم تقديرُه. وقد خرَّجه ابن عطيَّة على أنَّ "خَافَ" يتعدَّى إلى مفعولين كـ "اسْتَغْفَرَ"، يعني: إلى أحدِهما بنفسِه، وإلى الآخرِ بحرفِ الجَرِّ، وجَعَلَ الألِفَ هي المفعولَ الأولَ قامَتْ مقامَ الفاعلِ، و "أَنْ" وما في حَيِّزها هي الثاني، وجَعَل "أَنْ" في محلِّ جرٍّ عند سيبويه والكِسائيِّ، وقد رَدَّ عليه أبو حيان هذا التخريجَ؛ بأنَّ "خَافَ" لا يتعدَّى لاثنين، ولم يَعُدَّهُ النحويون حين عَدُّوا ما يَتَعَدَّى لاثنين؛ ولأنَّ المنصوبَ الثاني بعده في قولك: "خِفْتُ زَيْداً ضَرْبَهُ"، إنما هو بدلٌ لا مفعولٌ به، فليس هو كالثاني في "اسْتَغْفَرْتُ اللهَ ذَنْباً"، وبأن نسبة كَوْنِ "أَنْ" في محلِّ جر عند سيبويه ليس بصحيحٍ، بل مذهبُه أنها في محلِّ نصبٍ، وتبعه الفراء، ومذهبُ الخليل: أنها في محلِّ جَرٍّ، وتبعه الكسائيُّ، وهذا قد تقدَّم غيرَ مرةٍ. وقال غيره كقوله؛ إلاَّ أنَّه قدَّر حرفَ الجرِّ "عَلَى"، والتقدير: إلاَّ أنْ يَخَافَ الوُلاَةُ الزَّوْجَيْنِ عَلَى أَلاَّ يُقِيمَا، فَبُنِيَ للمفعولِ، فقام ضميرُ الزوجين مقامَ الفاعلِ، وحُذِفَ حرفُ الجر مِنْ "أَنْ" فجاء فيه الخلافُ المتقدِّمُ بين سيبويه والخليل. وهذا الذي قاله ابنُ عطيةَ سَبَقَه إليه أبو عليٍّ، إلاَّ أنه لم يُنَظِّرْهُ بـ "اسْتَغْفَرَ". وقد استشكل هذه القراءةَ قومٌ وطعَنَ عليها آخَرُونَ، لا عِلمَ لهم بذلك، فقال النحَّاسُ: لا أعْلَمُ في اختيارِ حمزة أبعدَ من هذا الحَرْفِ؛ لأنه لا يُوجِبُهُ الإِعرابُ، ولا اللفظُ، ولا المعنى. أمَّا الإِعرابُ: فلأنَّ ابنَ مسعود قرأ "إِلاَّ أَنْ تَخَافُوا أَلاَّ يُقِيمُوا"، فهذا إذا رُدَّ في العربيةِ لما لم يُسَمَّ فاعلُه، كان ينبغي أَنْ يُقال: "إِلاَّ أَنْ يُخَافَ". وأمَّا اللفظُ: فإِنْ كان على لفظِ "يُخَافَا"، وَجَبَ أن يقال: فَإِن خِيفَ، وإن كان على لفظ "خِفْتُمْ"، وَجَب أن يقال: إِلاَّ أَنْ تَخَافُوا. وأمَّا المعنى: فَأَسْتَبْعِدُ أن يُقَالَ: "وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا ءَاتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلاَّ أَنْ يَخافَ غَيْرُكُمْ"، ولم يَقُلْ تعالى: "ولا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا لَهُ منْهَا فدْيَةً"، فيكون الخُلْعُ إلى السلطان، والفَرْضُ أَنَّ الخُلْعَ لا يحتاجُ إلى السلطانِ. وقد رَدَّ الناسُ على النحَّاس: أمَّا ما ذكره من حيث الإِعرابُ: فلا يَلْزَمُ حمزةَ ما قرأ به عبد الله. وأمَّا مِنْ حيثُ اللفظُ، فإنه من باب الالتفاتِ؛ كما قَدَّمْتُه أولاً، ويَلْزَمُ النَّحَّاسَ أنه كان ينبغي على قراءةِ غيرِ حمزةَ أن يقرأَ: "فَإِنْ خَافَا"، وإِنَّما هو في القراءتَين من الالتفاتِ المستحْسَنِ في العربيةِ. وأمَّا من حيثُ المعنى: فلأنَّ الولاةَ والحكامَ هُمُ الأصلُ في رَفْعِ التظالُمِ بين الناس وهم الآمرون بالأخْذِ والإِيتاء. ووجَّه الفراء قراءةَ حمزةَ، بأنه اعتبرَ قراءةَ عبدِ الله "إِلاَّ أَنْ تَخَافُوا". وخَطَّأَهُ الفارسيُّ وقال: "لَمْ يُصِبْ؛ لأنَّ الخوفَ في قراءةِ عبدِ الله واقعٌ على "أَنْ"، وفي قراءة حمزة واقعٌ على الرجُلِ والمَرْأَةِ". وهذا الذي خَطَّأَ به الفراء ليس بشيءٍ؛ لأنَّ معنى قراءةِ عبد الله: إِلاَّ أَنْ تَخَافُوهُمَا، أي: الأولياءُ، الزوجين ألاَّ يُقيمَا، فالخوفُ واقعٌ على "أَنْ" وكذلك هي في قراءةِ حمزة الخوفُ واقعٌ عليها أيضاً بأحدِ الطريقينِ المتقدِّمينِ: إمَّا على كونها بدلاً من ضميرِ الزوجين؛ كما تقدَّم تقريره، وإمَّا على حذف حرف الجرّ، وهو "على". والخوفُ هنا فيه ثلاثةُ أوجهٍ: أحدها: أنه على بابِه من الحَذَرِ والخَشْيَةِ، فتكونُ "أَنْ" في قراءةِ" غير حمزةَ في محلِّ جَرٍّ، أو نصبٍ؛ على حَسَبِ الخلافِ فيها بعدَ حذفِ حرفِ الجرِّ؛ إذ الأصلُ: مِنْ أَلاَّ يُقِيمَا، أو في محلِّ نصبٍ فقط؛ على تعديةِ الفعلِ إليها بنفسِهِ؛ كأنه قيل: إِلاَّ أَنْ يَحْذَرَ عَدَمَ إِقَامَةِ حُذُودِ اللهِ. والثاني: أنه بمعنى العِلْم، وهو قَوْلُ أبي عُبَيْدَة. وأنشد [الطويل] شعر : 1109- فَقُلْتُ لَهُمْ خَافُوا بأَلْفَيْ مُدَجَّجٍ سَرَاتُهُمُ فِي الْفَارِسِيِّ المُسَرَّدِ تفسير : ومنه أيضاً: [الطويل] شعر : 1110- وَلاَ تَدْفِنَنِّي فِي الفَلاَةِ فَإِنَّنِي أَخَافُ إِذَا مَا مِتُّ أَنْ لاَ أَذُوقُهَا تفسير : ولذلك رُفِعَ الفعلُ بعد "أَنْ"، وهذا لا يصحُّ في الآيةِ، لظهورِ النَّصْب، وأما البيتُ، فالمشهورُ في روايتِهِ "فَقُلْتُ لَهُمْ ظُنُّوا بأَلْفَيْ". والثالث: الظَّنّ، قاله الفراء؛ ويؤيِّدُهُ قراءةٌ أُبَيٍّ: "إِلاَّ أَنْ يَظُنَّا"؛ وأنشد: [الطويل] شعر : 1111- أَتَانِي كَلاَمٌ مِنْ نُصَيْبٍ يَقُولُهُ وَمَا خِفْتُ يَا سَلاَّمُ أَنَّكَ عَائِبِي تفسير : وعلى هذين الوجهين، فتكونُ "أَنْ" وما في حَيِّزها سَادَّةً مَسَدَّ المفعولَيْن عند سيبويه ومَسَدَّ الأول والثاني محذوفٌ عند الأخفش؛ كما تقدَّم مراراً والأولُ هو الصحيحُ وذلك أَنَّ "خَافَ" مِنْ أفعالِ التوقُّع، وقد يميل فيه الظنُّ إلى أحدِ الجائِزَين، ولذلك قال الراغب: "الخَوْفُ يُقال لِمَا فيه رجاءٌ مَّا؛ ولذلك لا يُقال: خِفْتُ أَلاَّ أَقْدِرَ على طلوعِ السماءِ، أو نَسْفِ الجبالِ". وأصلُ "يُقيمَا": يُقْوِمَا، فَنُقِلَتْ كسرةُ الواوِ إلى الساكن قبلَها، ثم قُلِبَتِ الواوُ ياءً؛ لسكونها؛ بعد كسرةٍ، وقد تقدَّم تقريرُه في قوله: {أية : ٱلصّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ}تفسير : [الفاتحة:5]. وزعم بعضهم أنَّ قوله: {وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ} معترضٌ بين قوله: {ٱلطَّلاَقُ مَرَّتَانِ}، وبين قوله: {أية : فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ}تفسير : [البقرة:230]، وفيه بَعْدٌ. قوله: {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا} "لاَ" واسمُها وخبرُها، وقوله: {فِيمَا ٱفْتَدَتْ بِهِ} متعلِّقٌ بالاستقرارِ الذي تضمَّنَهُ الخبرُ، وهو "عَلَيْهِمَا"، ولا جائزٌ أن يكونَ "عَلَيْهِمَا" متعلِّقاً بـ "جُنَاحَ" و "فِيمَا افتدت" الخبرَ؛ لأنه حينئذٍ يكونُ مُطَوَّلاً، والمُطَوَّلُ مُعْرَبٌ، وهذا - كما رأيتَ - مبنيٌّ. والضميرُ في "عَلَيْهِمَا" عائدٌ على الزوجَيْن، أي: لا جُنَاحَ على الزوجِ فِيمَا أَخَذَ، ولا على المَرْأَةِ فيما أَعْطَتْ، وقال الفراء: إنَّما يَعُودُ على الزوجِ فقط، وإنما أعادَهُ مُثَنى، والمرادُ واحِدٌ؛ كقوله تعالى: {أية : يَخْرُجُ مِنْهُمَا الُّلؤْلُؤُ وَالمَرْجَانُ}تفسير : [الرحمن:22] {أية : نَسِيَا حُوتَهُمَا}تفسير : [الكهف:61]؛ وقوله: [الطويل] شعر : 1112- فَإِنْ تَزْجُرَانِي يَا بْنَ عَفَّانَ أَنْزَجِرْ وَإِنْ تَدَعَانِي أَحْمِ عِرْضاً مُمَنَّعَا تفسير : وإنما يخرجُ من المِلْحِ، والنَّاسي "يُوشَعُ" وحدَهُ، والمنادَى واحدٌ في قوله: "يَا بْنَ عَفَّانَ". و "مَا" بمعنى "الذي"، أو نكرةٌ موصوفة، ولا جائزٌ أن تكونَ مصدريةً؛ لعَوْدِ الضميرِ مِنْ "بِهِ" عليها، إلا على رَأْي مَنْ يجعلُ المصدريةَ اسماً؛ كالأخفش وابنِ السَّرَّاج ومَنْ تابَعَهُما. فصل اعلم أنه - تعالى - لمَّا أَمر بأن يكون التَّسريح بإحسانٍ بين هنا أنَّ من جُملة الإحسان أَنَّه إذا طلَّقها لا يأخُذُ منها شيئاً، ويدخُل في هذا النَّهي ألا يُضَيِّقَ عليها ليلجئها إلى الافتداءِ؛ كما قال في سورة النساء: {أية : وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ ُلِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَآ آتَيْتُمُوهُنَّ}تفسير : [النساء:19] وقوله هنا: {إِلاَّ أَن يَخَافَآ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ ٱللهِ} هو كقوله: {أية : إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ}تفسير : [النساء:19] وقال أيضاً: {أية : وَءَاتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً فَلاَ تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئاً أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَىٰ بَعْضُكُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقاً غَلِيظاً}تفسير : [النساء:20-21]. فإن قيل: قوله: {وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ} هذا الخِطاب كان للأَزواج، فكيف يطابقه قوله: {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ ٱللهِ} وإن كان للأَئِمَّة والحُكَّام فهؤلاء لاَ يأخذون منهنّ شيئاً؟ قلنا: الأمران جائزان: فيجُوز أن يكون أوَّلُ الآيةِ خِطَاباً للأَزْوَاجِ، وآخِرُها خِطاباً للأَئِمَّة والحُكَّامِ، وليس ذلك بغريبٍ من القُرْآن. ويجوزُ أن يكون الخِطَابُ كُلُّه للأَئِمَّة والحُكَّام؛ لأنهم هُمُ الَّذِين يَأْمُرُون بالأَخْذِ والإِيتَاءِ عند التَّرافُع إليهم فَكَأَنَّهم هم الآخِذُون والمُؤتون، ويَدُلُّ له قراءةُ حمزة المتقدِّمة: "يُخَافَا" بضم الياءِ، أي: يعلم ذلك منهما، يعني: يعلَم القاضي والوالي ذلك من الزَّوجين، ويطابقه قوله: "فَإِنْ خِفْتُمْ" فجعل الخوف لغير الزَّوجين، ولم يقل: "فإن خافا". واعلم أنَّه لما منع الرجُل أن يأخذ من امرأَتِه شيئاً عند الطَّلاَق، استثنى هذه الصُّورة، وهي مسألة الخُلع، واختلفُوا في هذا الاستثناء؛ هل هو مُتَّصِلٌ أو مُنقطع؟ وفائدة الخلاف تظهر في مسألة فقهيَّة؛ وهي أن أكْثَر المجتهدين جوَّز الخُلْع في غيرِ حالة الخوفِ والغَضَبِ. وقال الزُّهري والنَّخعي وداود: لا يباح الخُلعُ إلاَّ عند الغضب والخوف من ألاَّ يُقِيما حدود الله، فإن وقع الخُلْعُ في غيرِ هذه الحالةِ، الخُلْعُ فاسِدٌ، واحْتَجُّوا بهذه الآيةِ؛ فإنها صريحةٌ في تحريم الأخذ من الزَّوجةِ عند طلاقها، واستثني هذه الصُّورة. وأما جمهور المجتهدين فقالوا: الخُلعُ جائزٌ في حالة الخوف وغيره؛ لقوله تعالى: {أية : فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَّرِيئاً}تفسير : [النساء:4] وإذا جاز لها أن تهب مهرها من غير أن تحصِّل لنفسها شيئاً بإزاء ما بذلت، كان الخُلع الَّذِي تصير بسببه مالكة لنفسها أولى، ويكون الاستثناء منقطعاً؛ كقوله: {أية : وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَئاً}تفسير : [النساء:92]، أي: لكن إن كان خطأً {أية : وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ}تفسير : [النساء:92]. فصل ظاهر الآية يدل على اشتراط حصول الخوف للرَّجل والمرأة، فنقول: الأقسام الممكنة فيه أربعة: إمَّا أن يكون الخوفُ من قبل المرأة فقط، أو من قبل الزوج فقط، أو لا يحصل الخوفُ من قبل واحدٍ منهما، أو يكون الخوف من قبلهما معاً، فإن حصل الخوفُ من قبل المرأةَ؛ بأن تَكُون المرأَةُ ناشزاً مُبْغِضةً للرَّجُلِ، فههنا يَحلُّ للزَّوج أخذُ المال منها؛ ويدُلُّ عليه ما رُوي في سبب نُزُول الآية: حديث : أن جميلة بنت عبد الله بن أبي أَوفَى تَزَوَّجها ثابت بن قيسٍ بن شماس، وكانت تبغضُهُ أشدَّ البُغض، وهو يحُبُّها أشدَّ الحُبِّ، فأتت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وقالت: فَرِّق بيني وبينه فإِنِّي أبغضه، ولقد رفعت طرف الخباء فرأَيْتُه يجيءُ في أقوامٍ، فكان أقصرهم قامةً وأقبحهم وجهاً وأشدَّهم سواداً، وأنا أكره الكُفْر بعد الإِسلام. فقال ثابت: يا رسُول الله، فلترُدَّ عليَّ الحديقة الَّتي أعطيتها؛ فقال لها: "مَا تَقُولِين؟" قالت: نعم وأزيده فقال عليه الصلاة والسلام: لا، حديقته فقط. ثم قال لثابتٍ: "خذ مِنْها ما أَعْطَيْتَها وخلِّ سَبِيلَهَا" ففعلتفسير : ، فكان أَوَّل خُلْعٍ في الإِسلام. وفي "سُنَنِ أَبِي دَاوُد": أنّ المرأة كانت حفصة بنت سهلٍ الأنصاري. فإن قيل: قد شرط في هذه الآيةِ خوفهُما معاً، فكيف قُلْتُم: إنَّه يكفِي حُصُولُ الخوف منها فقط. فالجواب: أنّ هذا الخوف - وإن كان أوّله من جهة المرأة - فقد يترَتَّب عليه الخوفُ الحاصلُ من جهة الزَّوج، فإنها إذا كانت مبغضة للزَّوج إذا لم تعطه، فربَّما ضربها وشتمها، وربَّمَا زاد على قدر الواجب، فحصل الخَوْف لهما جميعاً؛ أمّا من جهتها فخوفها على نفسها من عصيان اللهِ، وأمَّا من جهته، فقد يزيد على قدرِ الواجب. فأما أن يحصل الخوف من قبل الزَّوج فقط؛ بأن يضربها أو يُؤذِيها حتى تلتزم الفِدية، فهذا المال حرامٌ؛ للآية المتقدِّمة. وأما القِسْم الثالث: ألا يحصل الخوف من أحدٍ منهما، فقد ذكرنا أنَّ أكثر المجتهدين قال بجواز الخلع، والمالُ المأخوذ حلالٌ، وقال قوم إنه حرامٌ. وأما إن كان الخوفُ حاصلاً منهما، فالمال حرامٌ أيضاً؛ لأن الآياتِ المتقدِّمة تدُلُّ على حُرمة أخذِ ذلك المَالِ، إذا كان السَّبَبُ حاصِلاً من قِبَل الزَّوج، وليس فيه تقييدٌ بأن يكون من جانب المرأة سبب أم لا؛ لأن الله - تعالى - أفرد بهذا القِسْم آية أخرى؛ وهي قوله: {أية : وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَٱبْعَثُواْ حَكَماً مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِّنْ أَهْلِهَآ إِن يُرِيدَآ إِصْلاَحاً يُوَفِّقِ ٱللهُ بَيْنَهُمَآ}تفسير : [النساء:35]، ولم يذكر فيه أخذ المال، وهذا التقسيم إنما هو فيما بين المكلَّفين وبين الله - تعالى - فأمَّا في الظَّاهر، فهو جائزٌ. فصل في قدر ما يجوز الخلع به اختلفوا في قدر ما يجوز الخلع به: فقال الشَّعبي والزُّهري والحسن البصري وعطاء وطاوس: لا يجوز أن يأخذ فوق ما أعطاها؛ "حديث : لقوله - عليه الصلاة والسلام - لامرأة ثاتبٍ حين قالت له: نعم، وأزيده، قال: لا، حديقَتَهُ فَقَط"تفسير : ، وهو قول عليٍّ بن أبي طالب - رضي الله عنه -. قال سعيد بن المُسيَّب: بل دون ما أَعطاها حتّى يكون الفضل. وأما سائر الفقهاء فإنَّهُم جوَّزوا المخالعة بالأَزيد والأَقَلِّ والمُساوي. فصل قال قومٌ: الخُلع تطليقةٌ، وهو قول علي، وعثمان، وابن مسعود، والحسن والشَّعبي، والنَّخعي، وعطاء، وابن السَّائب، وشُريح، ومجاهد، ومكحول، والزُّهري وهو قول أبي حنيفة وسُفيان وأحد قولي الشَّافعي وأحد الرِّوايتين عن أحمد. والقول الثاني للشَّافعي، وبه قال محمَّد وإسحاق وأبو ثور. حجَّة القول الأَوَّل: أنه لو كان فسخاً، لما صَحَّ الزِّيادة على المهر المُسَمَّى كالإِقالة في البيع، ولأَنَّه لو كان فَسْخاً فإذا خالعها ولم يذكُر المهر، وجب أن يجب عليها المهر؛ كالإقالةِ في البيعِ، فإن الثَّمَن يجب رَدُّه وََإِنْ لم يَذْكُرْه. ولما لم يكن كذلك، ثبت أن الخُلْعَ ليس بفسخٍ، وإذا بطل ذلك، ثبت أَنَّهُ طلاقٌ. حجة القول الثَّاني: قوله تعالى: {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا ٱفْتَدَتْ بِهِ} ثم ذكر الطّلاق؛ فقال: {أية : فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىٰ تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ}تفسير : [البقرة:230] ولو كان الخُلْعُ طلاقاً، لكان الطَّلاَق أربعاً، وهذا الاستدلال نقله الخطَّابي في "مَعَالم السُّنَن" عن ابن عبَّاسٍ، وأيضاً أن النَّبي - صلى الله عليه وسلم - أذن لثابت بن قيس في مُخالعة امرأته، ولم يستكشف هل هي حائِضٌ أو في طُهْر جامعها فيه، مع أنَّ الطَّلاق في هاتين الحالتين حرامٌ منهيٌّ عنه، يجب أن يستكشف عنه، فلما لم يستكشف بل أمره بالخلع مطلقاً، دلَّ على أن الخُلْع ليس بطلاقٍ. وأيضاً روى أبو داود في "سُنَنِه" عن عكرمة، عن ابن عبَّاسٍ: أن امرأة ثابت بن قيس لما اخْتَلَعَت، جعل النبي - صلى الله عليه وسلم - عِدَّتها حيضَة. قال الخطَّابي: وهذا أدلُّ شيء على أن الخُلع فسخٌ وليس بطلاقٍ؛ لأن الله - تعالى - قال: {أية : وَٱلْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوۤءٍ}تفسير : [البقرة:228] فلو كانت هذه طلقة، لم يقتصر على قرءٍ واحدٍ. قوله: {تِلْكَ حُدُودُ ٱللهِ} مبتدأٌ وخبرٌ، والمشارُ إليه جميعُ الآياتِ من قوله: {أية : وَلاَ تَنْكِحُواْ ٱلْمُشْرِكَاتِ} تفسير : [البقرة:221] إلى هنا. وقوله: {فَلاَ تَعْتَدُوهَا} أصلُه: تَعْتَدِيُوهَا، فاسْتُثْقِلَت الضمَّةُ على الياءِ؛ فحُذِفت، فسكنَتِ الياءُ وبعدَها واوُ الضميرِ ساكنةً، فحُذِفت الياءُ؛ لالتقاءِ الساكنَينِ، وضُمَّ ما قبلَ الواو؛ لتصِحَّ، ووزنُ الكَلِمَة تَفْتَعُوها. قال أبو العبَّاس المُقْرِي: ورد لفظ: "الاعْتِدَاء" في القُرآن بإزاء ثلاثة معانٍ: الأول: الاعتِداء: تعدِّي المأمُورات والمنهيَّات؛ قال - تعالى -: {تِلْكَ حُدُودُ ٱللهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا} [البقرة:229]. والثاني: "الاعتِدَاء" القتل؛ قال تعالى: {أية : فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ بَعْدَ ذٰلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ}تفسير : [البقرة:178] أي: من قتل بعد قبُول التَّوْبة. الثالث: "الاعْتِداء" الجزاء؛ قال - تعالى -: {أية : فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَٱعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ}تفسير : [البقرة:194] أي: جاوزهُ. فصل قال القرطبي: إذا اختلعت منه بِرِضاع ابنها منه حولين جاز، وفي الخُلْعِ بنفقتها على الابن بعد الحَوْلَيْن مُدَّة مَعْلُومة قولان: أحدهما: يجوزُ؛ قاله سحنون. والثاني: لا يجوزُ؛ رواه ابن القاسم عن مالك. ولو اشترط على امرأته في الخُلْع نفقة حملِها، وهي لا شيء لها، فعليه النفقة إذا لم يَكُن لها مالٌ تنفق منه، فإن أيسَرت بعد ذلك رجع عَلَيْها. قال مالك: ومن الحقِّ أن يكلِّف الرَّجل نفقة ولده وإن اشترط على أمِّه نفقته إذا لم يكن لها ما تنفق عليه. قوله: {وَمَن يَتَعَدَّ} "مَنْ" شرطيةٌ في محلِّ رفعٍ بالابتداء، وفي خبرها الخلاف المتقدِّم. وقوله: "فَأُوْلَـٰئِكَ" جوابها، ولا جائزٌ أن تكون موصولةٌ، والفاء زائدة في الخبر لظهور عملها الجزم فيما بعدها، و "هُمُ" من قوله: "فَأُوْلَـٰئِكَ هُم" يحتمل ثلاثة أوجهٍ: أحدها: أن يكون فصلاً. والثاني: أن يكون بدلاً. و"الظَّالِمُونَ" على هذين خبر "أُولَئِكَ" والإخبار بمفردٍ. والثالث: أن يكون مبتدأً ثانياً، و "الظَّالِمُونَ" خبره، والجملة خبر "أُولَئِكَ"، والإخبار على هذا بجملةٍ. ولا يخفى ما في هذه الجملة من التأكيد؛ من حيث الإتيان باسم الإشارة للبعيد، وتوسُّط الفصل والتعريف بالألف واللام في "الظَّالِمُونَ" أي: المبالغون في الظلم. وحمل أولاً على لفظ "مَنْ"، فأفرد في قوله "يَتَعَدَّ"، وعلى معناها ثانياً، فجمع في قوله: {فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ}. فصل و{حُدُودُ ٱللهِ}: أوامره ونواهيه، وهي: ما منع الشرع من المجاوزة عنه، وفي المراد من "الظُّلْمِ" هنا ثلاثة أوجهٍ: أحدها: اللَّعن لقوله تعالى: {أية : أَلاَ لَعْنَةُ ٱللهِ عَلَى ٱلظَّالِمِينَ}تفسير : [هود:18]. وثانيها: أن الظُّلم [اسم ذمٍّ وتحقيرٍ، فيكون جارياً مجرى الوعيد. وثالثها: أنَّ إطلاق الظلم] هنا تنبيهٌ على أن الإنسان ظلم نفسه؛ حيث أقدم على المعصية، وظلم المرأة: بتقدير ألا تتمَّ عدَّة الرجل، أو كتمت شيئاً، ممَّا خلق الله في رحمها، أو ترك الرجل الإمساك بالمعروف، والتَّسريح بالإحسان، أو أخذ شيئاً مما أتاها بغيرِ سببٍ من نشوزٍ، فكل هذه المواضع تكون ظُلماً للغيرِ.

السيوطي

تفسير : أخرج مالك والشافعي وعبد بن حميد والترمذي وابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن هشام بن عروة عن أبيه قال‏:‏ كان الرجل إذا طلق امرأته ثم ارتجعها قبل أن تنقضي عدتها كان ذلك له، وإن طلقها ألف مرة، فعمد رجل إلى امرأته فطلقها، حتى إذا ما جاء وقت انقضاء عدتها ارتجعها ثم طلقها ثم قال‏:‏ والله لا آويك ولا تحلين أبداً، فأنزل الله {‏الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان‏} ‏ فاستقبل الناس الطلاق جديداً من يومئذ، من كان منهم طلق ومن لم يطلق‏. وأخرج الترمذي وابن مردويه والحاكم وصححه والبيهقي في سننه من طريق هشام بن عروة عن أبيه أن عائشة قالت‏:‏ ‏"‏كان الناس والرجل يطلق امرأته ما شاء الله أن يطلقها وهي امرأته إذا ارتجعها وهي في العدة وإن طلقها مائة مرة أو أكثر، حتى قال رجل لامرأته‏:‏ والله لا أطلقك، فتبيني ولا آويك أبدا‏ً.‏ قالت‏:‏ وكيف ذلك‏؟‏ قال‏:‏ أطلقك، فكلما همت عدتك أن تنقضي راجعتك‏.‏ فذهبت المرأة حتى دخلت على عائشة فأخبرتها، فسكتت عائشة حتى جاء النبي صلى الله عليه وسلم، فأخبرته فسكت النبي صلى الله عليه وسلم حتى نزل القرآن ‏{‏الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان‏}‏ قالت عائشة‏:‏ فاستأنف الناس الطلاق مستقبلاً من كان طلق ومن لم يطلق‏"‏‏. وأخرج ابن مردويه والبيهقي عن عائشة قالت‏:‏ ‏"‏لم يكن للطلاق وقت يطلق امرأته أم يراجعها ما لم تنقض العدة، وكان بين رجل وبين أهله بعض ما يكون بين الناس، فقال‏:‏ والله لأتركنك لا أيّماً ولا ذات زوج، فجعل يطلقها حتى إذا كادت العدة أن تنقضي راجعها ففعل ذلك مراراً، فأنزل الله فيه ‏ {‏الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان‏} ‏ فوقت لهم الطلاق ثلاثاً يراجعها في الواحدة وفي الثنتين، وليس في الثالثة رجعة حتى تنكح زوجاً غيره‏"‏‏. وأخرج ابن النجار عن عائشة ‏"‏أنها أتتها امرأة فسألتها عن شيء من الطلاق، قالت‏:‏ فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزلت ‏{‏الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان‏}‏"‏‏.‏ وأخرج أبو داود والنسائي والبيهقي عن ابن عباس ‏{أية : ‏والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء‏}تفسير : ‏[البقرة: 228‏] إلى قوله ‏{أية : ‏وبعولتهن أحق بردهن‏} تفسير : [البقرة: 228] وذلك أن الرجل كان إذا طلق امرأته فهو أحق برجعتها وإن طلقها ثلاثاً، فنسخ ذلك فقال ‏ {‏الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان‏}‏‏ . وأخرج عبد الرزاق عن الثوري عن بعض الفقهاء قال ‏"‏كان الرجل في الجاهلية يطلق امرأته ما شاء لا يكون عليها عدة فتزوج من مكانها إن شاءت، فجاء رجل من أشجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ يا رسول الله، أنا طلقت امرأتي، وأنا أخشى أن تزوج فيكون الولد لغيري، فأنزل الله ‏{‏الطلاق مرتان‏} ‏ فنسخت هذه كل طلاق في القرآن‏"‏‏. وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله ‏{‏الطلاق مرتان‏} ‏ قال‏:‏ ‏"‏لكل مرة قرء‏"‏، فنسخت هذه الآية ما كان قبلها، فجعل الله حدَّ الطلاق ثلاثة، وجعله أحق برجعتها ما دامت في عدتها ما لم يطلق ثلاثا‏ً. وأخرج وكيع وعبد الرزاق وسعيد بن منصور وأحمد وعبد بن حميد وأبو داود في ناسخه وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس وابن مردويه والبيهقي عن أبي رزين الأسدي قال‏:‏ ‏"حديث : ‏قال رجل‏:‏ يا رسول الله، أرأيت قول الله عز وجل ‏{‏الطلاق مرتان‏} فأين الثالثة‏؟‏ قال‏:‏ التسريح بإحسان الثالثة‏ "‏‏. تفسير : وأخرج ابن مردويه والبيهقي عن أنس قال ‏"‏حديث : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ يا رسول الله، إني أسمع الله يقول ‏ {‏الطلاق مرتان‏} ‏ فأين الثالثة‏؟‏ قال‏: إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان هي الثالثة‏ "‏‏. تفسير : وأخرج الطستي في مسائله عن ابن عباس‏.‏ أن نافع بن الأزرق قال له‏:‏ ‏"‏أخبرني عن قوله عز وجل ‏ {‏الطلاق مرتان‏} ‏ هل كانت العرب تعرف الطلاق ثلاثاً في الجاهلية‏؟‏ قال‏:‏ نعم، كانت العرب تعرف ثلاثاً باتاً، أما سمعت الأعشى وهو يقول وقد أخذه أختانه فقالوا‏:‏ لا والله لا نرفع عنك العصا حتى تطلق أهلك، فقد أضررت بها، فقال‏: شعر : أيا جارتا بتي، فإنك طالقة كذاك أمور الناس غاد وطارقة تفسير : فقالوا‏:‏ والله لا نرفع عنك العصا أو تثلث لها الطلاق، فقال‏: شعر : بيني، فإن البين خير من العصا وإن لا يزال فوق رأسي بارقة تفسير : فقالوا‏:‏ والله لا نرفع عنك العصا أو تثلث لها الطلاق، فقال‏: شعر : بيني حصان الفرج غير ذميمة وموقوفة فينا كذاك روامقة وذوقي فتى حي فإني ذائق فتاة أناس مثل ما أنت ذائقة تفسير : وأخرج النسائي وابن ماجة وابن جرير والدارقطني والبيهقي عن ابن مسعود في قوله ‏ {‏الطلاق مرتان‏} قال‏:‏ يطلقها بعدما تطهر من قبل جماع، فإذا حاضت وطهرت طلقها أخرى، ثم يدعها حتى تطهر مرة أخرى، ثم يطلقها إن شاء‏. وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد ‏{‏الطلاق مرتان‏} ‏ قال‏:‏ ‏"‏يطلق الرجل امرأته طاهراً في غير جماع، فإذا حاضت ثم طهرت، فقد تم القرء، ثم يطلق الثانية كما يطلق الأولى إن أحب أن يفعل، فإذا طلق الثانية ثم حاضت الحيضة الثانية فهاتان تطليقتان وقرآن، ثم قال الله للثالثة ‏ {‏فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان‏} ‏ فيطلقها في ذلك القرء كله إن شاء‏"‏‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن يزيد عن أبي حبيب قال‏:‏ التسريح في كتاب الله الطلاق‏. وأخرج البيهقي من طريق السدي عن أبي مالك وأبي صالح عن ابن عباس وعن مرة عن ابن مسعود وأناس من الصحابة في قوله ‏ {‏الطلاق مرتان‏}‏ قال‏:‏ وهو الميقات الذي يكون عليها فيه الرجعة، فإذا طلق واحدة أو ثنتين، فإما يمسك ويراجع بمعروف، وإما يسكت عنها حتى تنقضي عدتها فتكون أحق بنفسها‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في الآية قال‏:‏ إذا طلق الرجل امرأته تطليقتين، فليتق الله في الثالثة، فإما أن يمسكها بمعروف فيحسن صحابتها، أو يسرحها بإحسان فلا يظلمها من حقها شيئا‏ً.‏ وأخرج الشافعي وعبد الرزاق في المصنف وابن المنذر والبيهقي عن ابن عمر‏.‏ أنه كان إذا نكح قال‏:‏ أنكحتك على ما أمر الله على إمساك بمعروف، أو تسريح بإحسان‏.‏ وأخرج أبو داود وابن ماجة والحاكم وصححه والبيهقي عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ‏"‏حديث : أبغض الحلال إلى الله عز وجل، الطلاق‏ "‏‏. تفسير : وأخرج البزار عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"حديث : ‏لا تطلق النساء إلا عن ريبة، إن الله لا يحب الذواقين ولا الذواقات‏ "‏‏. تفسير : وأخرج عبد الرزاق عن معاذ بن جبل قال‏:‏ قال النبي صلى الله عليه وسلم ‏"حديث : يا معاذ، ما خلق الله شيئاً على ظهر الأرض أحب إليه من عناق، وما خلق الله على وجه الأرض أبغض إليه من الطلاق‏ "‏‏. تفسير : وأخرج عبد الرزاق والبيهقي عن زيد بن وهب‏.‏ أن بطالا كان بالمدينة فطلق امرأته ألفاً، فرفع ذلك إلى عمر بن الخطاب، فقال‏:‏ إنما كنت ألعب، فعلاه عمر بالدرة، وقال‏:‏ إن كان ليكفيك ثلاث‏. وأخرج سعيد بن منصور والبيهقي عن أنس بن مالك قال‏:‏ قال عمر بن الخطاب في الرجل يطلق امرأته ثلاثاً قبل أن يدخل بها قال‏:‏ هي ثلاث، لا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره، وكان إذا أتي به أوجعه‏. وأخرج البيهقي من طريق عبد الرحمن بن أبي ليلى عن علي، فيمن طلق امرأته ثلاثاً قبل أن يدخل بها، لا تحل له من بعد حتى تنكح زوجاً غيره‏. وأخرج البيهقي من طريق حبيب بن أبي ثابت عن بعض أصحابه قال‏:‏ جاء رجل إلى علي فقال‏:‏ طلقت امرأتي ألفا‏ً.‏ قال‏:‏ ثلاث تحرمها عليك، واقسم سائرها بين نسائك‏. وأخرج عبد الرزاق والبيهقي عن علقمة بن قيس قال‏:‏ أتى رجل ابن مسعود فقال‏:‏ إن رجلاً طلق امرأته البارحة مائة‏.‏ قال‏:‏ قلتها مرة واحدة‏؟‏ قال‏:‏ نعم‏.‏ قال‏:‏ تريد أن تبين منك امرأتك‏؟‏ قال‏:‏ نعم‏.‏ قال‏:‏ هو كما قلت‏.‏ قال‏:‏ وأتاه رجل فقال‏:‏ رجل طلق امرأته البارحة عدد النجوم‏.‏ قال‏:‏ قلتها مرة واحدة‏؟‏ قال‏:‏ نعم‏.‏ قال‏:‏ تريد أن تبين منك امرأتك‏؟‏ قال‏:‏ نعم‏.‏ قال‏:‏ هو كما قلت، ثم قال‏:‏ قد بين الله أمر الطلاق، فمن طلق كما أمره الله فقد بين له، ومن لبس على نفسه جعلنا به لبسته، والله لا تلبسون على أنفسكم ونتحمله عنكم هو كما تقولون‏. وأخرج البيهقي عن ابن مسعود قال‏:‏ المطلقة ثلاثاً قبل أن يدخل بها، بمنزلة التي قد دخل بها‏. وأخرج مالك والشافعي وأبو داود والبيهقي عن محمد بن إياس بن البكير قال‏:‏ طلق رجل امرأته ثلاثاً قبل أن يدخل بها، ثم بدا له أن ينكحها، فجاء يستفتي، فذهبت معه أسأل له، فسأل أبا هريرة وعبدالله بن عباس عن ذلك، فقالا‏:‏ لا نرى أن تنكحها حتى تنكح زوجاً غيرك‏.‏ قال‏:‏ إنما كان طلاقي إياها واحدة‏!‏ قال ابن عباس‏:‏ إنك أرسلت من يدك ما كان لك من فضل‏. وأخرج مالك والشافعي وأبو داود والبيهقي عن معاوية بن أبي عياش الأنصاري‏.‏ أنه كان جالساً مع عبدالله بن الزبير، وعاصم بن عمر، فجاءهما محمد بن أبي إياس بن البكير فقال‏:‏ إن رجلاً من أهل البادية طلق امرأته ثلاثاً قبل أن يدخل بها، فماذا تريان‏؟‏ فقال ابن الزبير‏:‏ إن هذا الأمر ما لنا فيه قول‏:‏ اذهب إلى ابن عباس وأبي هريرة، فإني تركتهما عند عائشة فاسألهما، فذهب فسألهما قال ابن عباس لأبي هريرة‏:‏ افْتِهِ يا أبا هريرة، فقد جاءتك معضلة‏.‏ فقال أبو هريرة‏:‏ الواحدة تبينها، والثلاث تحرمها حتى تنكح زوجاً غيره‏.‏ وقال ابن عباس مثل ذلك‏. وأخرج مالك والشافعي والبيهقي عن عطاء بن يسار قال‏:‏ جاء رجل يسأل عبد الله بن عمرو بن العاص عن رجل طلق امرأته ثلاثاً قبل أن يمسها، فقلت‏:‏ إنما طلاق البكر واحدة‏.‏ فقال لي عبد الله بن عمرو‏:‏ إنما أنت قاضٍ، الواحدة تبينها، والثلاث تحرمها حتى تنكح زوجاً غيره‏.‏ وأخرج الشافعي والبيهقي عن مجاهد قال‏:‏ جاء رجل لابن عباس قال‏:‏ طلقت امرأتي مائة‏.‏ قال‏:‏ نأخذ ثلاثاً وندع سبعاً وتسعين‏. وأخرج البيهقي عن ابن عمر قال‏:‏ إذا طلق الرجل امرأته ثلاثاً قبل أن يدخل لم تحل له حتى تنكح زوجاً غيره‏. وأخرج البيهقي عن قيس بن أبي حازم قال‏:‏ سأل رجل المغيرة بن شعبة وأنا شاهد عن رجل طلق امرأته مائة قال‏:‏ ثلاث تحرم، وسبع وتسعون فضل‏.‏ وأخرج الطبراني والبيهقي عن سويد بن عفلة قال‏:‏ كانت عائشة الخثعمية عند الحسن بن علي رضي الله عنهما، فلما قتل علي رضي الله عنه قالت‏:‏ لِتَهْنَكَ الخلافة‏!‏ قال‏:‏ يقتل علي وتظهرين الشماتة‏؟‏‏!‏ اذهبي فأنت طالق ثلاثا‏ً.‏ قال‏:‏ فتلفعت ثيابها وقعدت حتى قضت عدتها، فبعث إليها بقية بقيت لها من صداقها وعشرة آلاف صدقة، فلما جاءها الرسول قالت‏:‏ متاع قليل من حبيب مفارق‏! فلما بلغه قولها بكى،‏ ثم قال‏:‏ لولا أني سمعت جدي، أو حدثني أبي‏:‏ أنه سمع جدي يقول‏:‏ أيما رجل طلق امرأته ثلاثاً عند الاقراء، أو ثلاثاً مبهمة لم تحل له حتى تنكح زوجاً غيره لراجعتها‏. وأخرج الشافعي وأبو داود والحاكم والبيهقي عن ركانة بن عبد يزيد‏.‏ أنه طلق امرأته سهيمة البتة، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، وقال‏:‏ والله ما أردت إلا واحدة‏.‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"حديث : ‏والله ما أردت إلا واحدة‏؟‏ فقال‏:‏ ركانة والله ما أردت إلا واحدة‏.‏ فردها إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فطلقها الثانية في زمان عمر، والثالثة في زمان عثمان ‏"‏‏. تفسير : وأخرج أبو داود والترمذي وابن ماجة والحاكم وصححه والبيهقي من طريق عبد الله بن علي بن زيد بن ركانة عن أبيه عن جده ركانة ‏"حديث : ‏أنه طلق امرأته البتة، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ ما أردت بها‏؟ قال‏:‏ واحدة‏.‏ قال‏: والله ما أردت بها إلا واحدة‏؟ قال‏:‏ والله ما أردت بها إلا واحدة‏.‏ قال‏:‏ هو ما أردت، فردها عليه‏ "‏‏. تفسير : وأخرج عبد الرزاق ومسلم وأبو داود والنسائي والحاكم والبيهقي عن ابن عباس قال‏:‏ كان الطلاق على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبي بكر، وسنتين من خلافة عمر، طلاق الثلاث واحدة، فقال عمر بن الخطاب‏:‏ إن الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة فلو امضيناه عليهم، فأمضاه عليهم‏. وأخرج الشافعي وعبد الرزاق ومسلم وأبو داود والنسائي والبيهقي عن طاوس‏.‏ أن أبا الصهباء قال لابن عباس‏:‏ أتعلم أنما كانت الثلاث تجعل واحدة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبي بكر، وثلاثاً من امارة عمر‏؟‏ قال ابن عباس‏:‏ نعم‏.‏ وأخرج أبو داود والبيهقي عن طاوس‏.‏ أن رجلاً يقال له أبو الصهباء كان كثير السؤال لابن عباس قال‏:‏ أما علمت أن الرجل كان إذا طلق امرأته ثلاثاً قبل أن يدخل بها جعلوها واحدة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبي بكر، وصدرا من امارة عمر‏؟‏ قال ابن عباس‏:‏ بلى، كان الرجل إذا طلق امرأته ثلاثاً قبل أن يدخل بها جعلوها واحدة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبي بكر، وصدرا من امارة عمر، فلما رأى الناس قد تتابعوا فيها قال‏:‏ أجيزوهن عليهم‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وأبو داود والبيهقي عن ابن عباس قال ‏"حديث : ‏طلق عبد يزيد أبو ركانة أم ركانة، ونكح امرأة من مزينة، فجاءت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت‏:‏ ما يغني عني إلا كما تغني هذه الشعرة لشعرة أخذتها من رأسها ففرق بيني وبينه‏.‏ فأخذت النبي صلى الله عليه وسلم حمية فدعا بركانة وإخوته، ثم قال لجلسائه‏:‏ أترون فلاناً يشبه منه كذا وكذا من عبد يزيد، وفلاناً منه كذا وكذا‏؟ قالوا‏:‏ نعم‏.‏ قال النبي صلى الله عليه وسلم لعبد يزيد‏: طلقها‏. ففعل‏.‏ قال‏: راجع امرأتك أم ركانة‏.‏ فقال‏:‏ إني طلقتها ثلاثاً يا رسول الله‏!‏ قال‏: قد علمت، ارجعها وتلا ‏{‏يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن}[الطلاق: 1‏] ‏"‏‏. تفسير : وأخرج البيهقي عن ابن عباس قال‏:‏ ‏"حديث : ‏طلق ركانة امرأته ثلاثاً في مجلس واحد، فحزن عليها حزناً شديداً فسأله رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف طلقتها‏؟‏ قال‏:‏ طلقتها ثلاثاً في مجلس واحد‏.‏ قال‏:‏ نعم، فإنما تلك واحدة فارجعها إن شئت، فراجعها‏،‏ فكان ابن عباس يرى إنما الطلاق عند كل طهر، فتلك السنة التي كان عليها الناس والتي أمر الله بها ‏{‏فطلقوهن لعدتهن‏} ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج أبو داود عن ابن عباس قال‏:‏ إذا قال أنت طالق ثلاثاً بفم واحدة، فهي واحدة‏. ‏ وأخرج الحاكم وصححه عن ابن أبي مليكة‏.‏ أن أبا الجوزاء أتى ابن عباس فقال‏:‏ أتعلم أن ثلاثاً كن يرددن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى واحدة‏؟‏ قال‏: نعم‏. وأخرج البيهقي عن الحسن قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏حديث : طلاق التي لم يدخل بها واحدة‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن عدي والبيهقي عن الأعمش قال‏:‏ بان بالكوفة شيخ يقول‏:‏ سمعت علي بن أبي طالب يقول‏:‏ إذا طلق الرجل امرأته ثلاثاً في مجلس واحد فإنه يرد إلى واحدة، والناس عنقاً واحداً إذ ذاك يأتونه ويسمعون منه‏. قال:‏ فأتيته فقرعت عليه الباب، فخرج إلي شيخ فقلت له‏:‏ كيف سمعت علي بن أبي طالب يقول فيمن طلق امرأته ثلاثاً في مجلس واحد‏؟‏ قال‏:‏ سمعت علي بن أبي طالب يقول‏:‏ إذا طلق الرجل امرأته ثلاثاً في مجلس واحد فإنه يرد إلى واحدة‏.‏ قال‏:‏ فقلت له‏:‏ أنى سمعت هذا من علي؟‏ قال‏:‏ أخرج إليك كتاباً، فأخرج، فإذا فيه‏:‏ بسم الله الرحمن الرحيم قال‏:‏ سمعت علي بن أبي طالب يقول‏:‏ إذا طلق الرجل امرأته ثلاثاً في مجلس واحد فقد بانت منه ولا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره، قلت‏:‏ ويحك هذا غير الذي تقول‏!‏ قال‏:‏ الصحيح هو هذا، ولكن هؤلاء أرادوني على ذلك‏.‏ وأخرج البيهقي عن مسلمة بن جعفر الأحمس قال‏:‏ قلت لجعفر بن محمد‏:‏ يزعمون أن من طلق ثلاثاً بجهالة رد إلى السنة يجعلونه واحدة يروونها عنكم‏.‏ قال‏:‏ معاذ الله‏!‏ ما هذا من قولنا، من طلق ثلاثاً فهو كما قال‏. وأخرج البيهقي عن بسام الصيرفي قال‏:‏ سمعت جعفر بن محمد يقول‏:‏ من طلق امرأته ثلاثاً بجهالة أو علم فقد برئت منه‏.‏ وأخرج ابن ماجة عن الشعبي قال‏:‏ قلت لفاطمة بنت قيس‏:‏ حدثيني عن طلاقك، قالت‏:‏ طلقني زوجي ثلاثاً وهو خارج إلى اليمن، فأجاز ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم‏. أما قوله تعالى‏:‏ ‏ {‏ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئاً‏} ‏ الآية. أخرج أبو داود في ناسخه وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال‏:‏ كان الرجل يأكل من مال امرأته نحلته الذي نحلها وغيره لا يرى أن عليه جناحاً، فأنزل الله ‏{‏ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئاً‏}‏ فلم يصلح لهم بعد هذه الآية أخذ شيء من أموالهن إلا بحقها، ثم قال {‏إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله فإن خفتم ألا يقيما حدود الله‏.‏‏.‏‏.‏‏} ‏ وقال ‏{أية : ‏فإن طبن لكم عن شيء منه نفساً فكلوه هنيئاً مريئاً‏}تفسير : ‏[‏النساء: 4‏]‏. ‏ وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ‏ {‏إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله‏} ‏ قال‏:‏ إلا أن يكون النشوز وسوء الخلق من قبلها فتدعوك إلى أن تفتدي منك، فلا جناح عليك فيما افتدت به‏. وأخرج ابن جرير عن ابن جريج قال‏:‏ حديث : نزلت هذه الآية في ثابت بن قيس، وفي حبيبة، وكانت اشتكته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"تردين عليه حديقته‏؟"‏ قالت‏:‏ نعم‏.‏ فدعاه فذكر له ذلك فقال‏: ويطيب لي ذلك‏؟‏ قال‏:‏ نعم، قال ثابت‏:‏ قد فعلت‏.‏ فنزلت ‏ {‏ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئاً إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏ "‏‏. تفسير : وأخرج مالك والشافعي وأحمد وأبو داود والنسائي والبيهقي من طريق عمرة بنت عبد الرحمن بن سعد بن زرارة عن حبيبة بنت سهل الأنصاري ‏حديث : "أنها كانت تحت ثابت بن قيس، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى الصبح فوجدها عند بابه في الغلس، فقال‏:‏ من هذه‏؟‏فقالت‏:‏ أنا حبيبة بنت سهل‏.‏ فقال‏:‏ ما شأنك‏؟‏‏! قالت‏:‏ لا أنا ولا ثابت، فلما جاء ثابت بن قيس قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم‏: هذه حبيبة بنت سهل قد ذكرت ما شاء الله أن تذكر‏.‏ فقالت حبيبة‏:‏ يا رسول الله‏!‏ كل ما أعطاني عندي‏.‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏: خذ منها‏. فأخذ منها وجلست في أهلها‏"‏‏ . تفسير : وأخرج عبد الرزاق وأبو داود وابن جرير والبيهقي من طريق عمرة عن عائشة ‏"حديث : أن حبيبة بنت سهل كانت تحت ثابت بن قيس بن شماس، فضربها فكسر يدها، فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الصبح فاشتكته إليه، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم ثابتاً فقال‏:‏ خذ بعض مالها وفارقها‏.‏ قال‏:‏ ويصلح ذلك يا رسول الله‏؟‏ قال‏:‏ نعم‏. قال‏:‏ فإني أصدقتها حديقتين فهما بيدها‏.‏ فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ خذهما وفارقها‏. ففعل ثم تزوجها أبي بن كعب، فخرج بها إلى الشام فتوفيت هناك ‏"‏‏. تفسير : وأخرج البخاري والنسائي وابن ماجة وابن مردويه والبيهقي عن ابن عباس "أن جميلة بنت عبد الله بن سلول امرأة ثابت بن قيس قالت‏:‏ ما أعتب عليه في خلق ولا دين، ولكني لا أطيقه بغضاً، وأكره الكفر في الإِسلام‏.‏ قال‏:‏ أتردين عليه حديقته‏؟‏ قالت‏:‏ نعم‏.‏ قال‏:‏ اقبل الحديقة، وطلقها تطليقة‏.‏ ولفظ ابن ماجة‏:‏ فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأخذ منها حديقته ولا يزداد‏"‏‏. وأخرج ابن جرير عن عكرمة‏ "حديث : أنه سئل هل كان للخلع أصل‏؟‏ قال‏:‏ كان ابن عباس يقول‏:‏ إن أول خلع كان في الإِسلام في أخت عبد الله بن أبي، أنها أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت‏:‏ يا رسول الله لا يجمع رأسي شيء أبداً، إني رفعت جانب الخباء فرأيته أقبل في عدة، فإذا هو أشدهم سواداً، واقصرهم قامة، وأقبحهم وجهاً‏.‏ قال زوجها‏:‏ يا رسول الله إني أعطيتها أفضل مالي‏:‏ حديقة لي، فإن ردت علي حديقتي‏؟‏ قال‏: ما تقولين‏؟‏ قالت‏:‏ نعم، وإن شاء زدته‏.‏ قال‏:‏ ففرق بينهما‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج أحمد عن سهل بن أبي حثمة‏ قال "حديث : كانت حبيبة بنت سهل تحت ثابت بن قيس بن شماس، فكرهته وكان رجلاً دميماً، فجاءت فقالت‏:‏ يا رسول الله إني لا أراه، فلولا مخافة الله لبزقت في وجهه‏.‏ فقال لها‏:‏ أتردين عليه حديقته التي أصدقك‏؟‏ قالت‏:‏ نعم‏.‏ فردت عليه حديقته وفرق بينهما، فكان ذلك أول خلع كان في الإِسلام ‏"‏‏. تفسير : وأخرج ابن جرير عن عبد الله بن رباح عن جميلة بنت أبي بن سلول‏ "حديث : أنها كانت تحت ثابت بن قيس فنشزت عليه، فأرسل إليها النبي صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ يا جميلة ما كرهت من ثابت‏؟ قالت‏:‏ والله ما كرهت منه ديناً ولا خلقاً إلا أني كرهت دمامته‏.‏ فقال لها‏: أتردين الحديقة‏؟ قالت‏:‏ نعم‏.‏ فردت الحديقة وفرق بينهما‏ "‏‏. تفسير : وأخرج ابن ماجة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال ‏"‏حديث : كانت حبيبة بنت سهل تحت ثابت بن قيس بن شمس فكرهته، وكان رجلاً دميماً فقالت‏:‏ يا رسول الله، والله لولا مخافة الله إذا دخل علي بسقت في وجهه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏: أتردين عليه حديقته‏؟ قالت‏:‏ نعم‏.‏ فردت عليه حديقته، ففرق بينهما رسول الله صلى الله عليه وسلم‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج البيهقي عن ابن عباس‏ "‏حديث : أن جميلة بنت أبي بن سلول أتت النبي صلى الله عليه وسلم تريد الخلع، فقال لها‏:‏ ما أصدقك‏؟ قالت‏:‏ حديقة‏.‏ قال‏: فردي عليه حديقته‏‏ "‏‏. تفسير : وأخرج البيهقي عن عطاء قال حديث : أتت امرأة النبي صلى الله عليه وسلم فقالت‏:‏ إني أبغض زوجي وأحب فراقه، فقال‏:‏ أتردين عليه حديقته التي أصدقك‏؟‏ - وكان أصدقها حديقة - قالت‏:‏ نعم‏.‏ وزيادة‏.‏ قال النبي صلى الله عليه وسلم‏: اما زيادة من مالك فلا، ولكن الحديقة‏؟ قالت‏:‏ نعم‏.‏ فقضى بذلك النبي صلى الله عليه وسلم على الرجل، فأخبر بقضاء النبي صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ قد قبلت قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرجه من وجه آخر عن عطاء عن ابن عباس موصولاً، وقال: المرسل هو الصحيح‏.‏ وأخرج البيهقي عن ابن الزبير ‏"حديث : أن ثابت بن قيس شماس كانت عنده زينب بنت عبد الله بن أبي بن سلول، وكان أصدقها حديقة فكرهته، فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ أتردين عليه حديقته التي أعطاك‏؟ قالت‏:‏ نعم، وزيادة‏.‏ فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏: أما الزيادة فلا ولكن حديقته‏؟ قالت‏:‏ نعم‏.‏ فأخذها له وخلى سبيلها، فلما بلغ ذلك ثابت بن قيس قال‏:‏ قد قبلت قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج البيهقي عن أبي سعيد قال‏:‏ ‏"‏حديث : أرادت أختي أن تختلع من زوجها، فأتت النبي صلى الله عليه وسلم مع زوجها، فذكرت له ذلك، فقال لها‏: أتردين عليه حديقته ويطلقك‏؟‏ قالت‏:‏ نعم، وأزيده. فخلعها فردت عليه حديقته وزادته ‏"‏‏. تفسير : وأخرج البزار عن أنس قال‏:‏‏"حديث : ‏ جاءت امرأة ثابت بن قيس بن شماس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت كلاماً كأنها كرهته، فقال‏:‏ أتردين عليه حديقته‏؟‏ قالت‏:‏ نعم‏.‏ فأرسل إلى ثابت‏:‏ خذ منها ذلك وطلقها‏ "‏‏. تفسير : وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة ‏ {‏ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئاً إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله‏}‏ قال‏:‏ هذا لهما ‏{‏فإن خفتم ألا يقيما حدود الله‏}‏ قال‏:‏ هذا لولاة الأمر ‏{‏فلا جناح عليهما فيما افتدت به‏}‏ قال‏:‏ إذا كان النشوز والظلم من قبل المرأة فقد أحل الله له منها الفدية ولا يجوز خلع إلا عند سلطان، فأما إذا كانت راضية مغتبطة بجناحه مطيعة لأمره فلا يحل له أن يأخذ مما آتاها شيئا‏ً. وأخرج عبد بن حميد عن إبراهيم قال‏:‏ إذا جاء الظلم من قبل المرأة حل له الفدية، وإذا جاء من قبل الرجل لم يحل له منها شيء‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن عروة قال‏:‏ لا يصلح الخلع إلا أن يكون الفساد من قبل المرأة‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن الليث قال‏:‏ قرأ مجاهد في البقرة (‏إلا أن يخافا‏)‏ برفع الياء‏.‏ وأخرج ابن أبي داود في المصاحف عن الأعمش قال‏:‏ في قراءة عبد الله ‏(‏إلا أن يخافوا‏)‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن ميمون بن مهران قال‏:‏ في حرف أبي بن كعب أن الفداء تطليقة فيه إلا أن يظنا أن لا يقيما حدود الله، فإن ظنا أن لا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به، لا تحل له من بعد حتى تنكح زوجاً غيره‏.‏ وأخرج البيهقي عن ابن عباس ‏"‏أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل الخلع تطليقة بائنة‏"‏‏. وأخرج مالك والشافعي وعبد الرزاق والبيهقي عن أم بكر الأسلمية‏.‏ أنها اختلعت من زوجها عبد الله بن أسيد، ثم أتيا عثمان بن عفان في ذلك فقال‏:‏ هي تطليقة إلا أن تكون سميت شيئاً فهو ما سميت‏. وأخرج عبد الرزاق في المصنف وابن المنذر والبيهقي عن طاوس‏.‏ أن إبراهيم بن سعيد بن أبي وقاص سأل ابن عباس عن امرأة طلقها زوجها طلقتين ثم اختلعت منه أيتزوجها‏؟‏ قال ابن عباس‏:‏ نعم، ذكر الله الطلاق في أول الآية وآخرها والخلع بين ذلك، فليس الخلع بطلاق ينكحها‏.‏ وأخرج عبد الرزاق عن طاوس قال‏:‏ لولا أنه علم لا يحل لي كتمانه ما حدثته أحداً، كان ابن عباس لا يرى الفداء طلاقاً حتى يطلق، ثم يقول‏:‏ ألا ترى أنه ذكر الطلاق من قبله ثم ذكر الفداء فلم يجعله طلاقاً، ثم قال في الثانية ‏{أية : ‏فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجاً غيره‏}تفسير : ‏[البقرة: 230‏]‏ ولم يجعل الفداء بينهما طلاقاً‏. وأخرج الشافعي عن ابن عباس‏.‏ في رجل طلق امرأته تطليقتين، ثم اختلعت منه يتزوجها إن شاء، لأن الله يقول ‏ {‏الطلاق مرتان‏} ‏ قرأ إلى أن يتراجعا‏. وأخرج الشافعي وعبد الرزاق عن عكرمة أحسبه عن ابن عباس قال‏:‏ كل شيء أجازه المال فليس بطلاق، يعني الخلع‏.‏ وأخرج عبد بن حميد والبيهقي عن عطاء‏ "أن النبي صلى الله عليه وسلم كره أن يأخذ من المختلعة أكثر مما أعطاها‏"‏‏. وأخرج عبد بن حميد عن حميد الطويل قال‏:‏ قلت لرجاء بن حيوة‏.‏ إن الحسن يكره أن يأخذ من المرأة فوق ما أعطاها في الخلع‏.‏ فقال‏:‏ قال قبيصة بن ذؤيب‏:‏ اقرأ الآية التي تليها ‏{‏فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به‏}‏‏ .‏ وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير والبيهقي عن كثير مولى سمرة‏.‏ أن امرأة نشزت من زوجها في امارة عمر، فأمر بها إلى بيت كثير الزبل، فمكثت ثلاثة أيام ثم أخرجها فقال‏:‏ كيف رأيت‏؟‏ قالت‏:‏ ما وجدت الراحة إلا في هذه الأيام‏.‏ فقال عمر‏:‏ اخلعها ولو من قرطها‏.‏ وأخرج عبد بن حميد والبيهقي عن عبد الله بن رباح، أن عمر بن الخطاب قال في المختلعة‏:‏ تختلع بما دون عقاص رأسها‏.‏ وأخرج البيهقي عن عبد الله بن شهاب الخولاني‏.‏ أن امرأة طلقها زوجها على ألف درهم، فرفع ذلك إلى عمر بن الخطاب فقال‏:‏ باعك زوجك طلاقاً بيعاً وأجازه عمر‏.‏ وأخرج عبد الرزاق والبيهقي عن الربيع بنت معوذ بن عفراء قالت‏:‏ كان لي زوج يقل علي الخير إذا حضرني، ويحرمني إذا غاب عني، فكانت مني زلة يوماً، فقلت له: اختلع منك بكل شيء أملكه‏.‏ قال‏ نعم‏.‏ ففعلت فخاصم عمي معاذ بن عفراء إلى عثمان بن عفان، فأجاز الخلع وأمره أن يأخذ عقاص رأسي فما دونه‏. وأخرج مالك والشافعي وعبد بن حميد والبيهقي عن نافع‏.‏ أن مولاة صفية بنت عبيد امرأة عبد الله بن عمر اختلعت من زوجها بكل شيء لها، فلم ينكر ذلك عبد الله بن عمر‏.‏ وأخرج مالك والبيهقي عن نافع، أن ربيع بنت معوذ جاءت هي وعمها إلى عبد الله بن عمر، فاخبرته أنها اختلعت من زوجها في زمان عثمان بن عفان، فبلغ ذلك عثمان بن عفان فلم ينكره، فقال عبد الله بن عمر‏:‏ عدتها عدة المطلقة‏.‏ وأخرج البيهقي عن عروة بن الزبير‏.‏ أن رجلاً خلع امرأته في ولاية عثمان بن عفان عند غير سلطان، فأجازه عثمان‏.‏ وأخرج مالك عن سعيد بن المسيب وابن شهاب وسليمان بن يسار، أنهم كانوا يقولون‏:‏ عدة المختلعة ثلاثة قروء‏.‏ وأخرج عبد الرزاق عن علي بن أبي طالب قال‏:‏ عدة المختلعة مثل عدة المطلقة‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن نافع‏.‏ أن الربيع اختلعت من زوجها، فأتى عمها عثمان فقال‏:‏ تعتد حيضة‏.‏ قال‏:‏ وكان ابن عمر يقول‏:‏ تعتد ثلاث حيض حتى قال هذا عثمان، فكان ابن عمر يفتي به ويقول‏:‏ عثمان خيرنا وأعلمنا‏.‏ وأخرج مالك وابن أبي شيبة وأبو داود عن ابن عمر قال‏:‏ عدة المختلعة حيضة‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عباس قال‏:‏ عدة المختلعة حيضة‏.‏ وأخرج أبو داود والترمذي وحسنه والحاكم وصححه عن ابن عباس‏ "أن امرأة ثابت بن قيس اختلعت من زوجها على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، فأمرها النبي صلى الله عليه وسلم أن تعتد بحيضة‏"‏‏. وأخرج الترمذي عن الربيع بنت معوذ بن عفراء ‏"أنها اختلعت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمرها النبي صلى الله عليه وسلم أن تعتد بحيضة‏"‏‏.‏ وأخرج النسائي وابن ماجة عن عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت قال‏:‏ قلت للربيع بنت معوذ بن عفراء‏:‏ حدثيني حديثك قالت‏:‏ اختلعت من زوجي ثم جئت عثمان، فسألت ماذا علي من العدة‏؟‏ فقال‏:‏ لا عدة عليك إلاَّ أن يكون حديث عهد بك فتمكثين حتى تحيضي حيضة‏.‏ قالت‏:‏ إنما اتبع في ذلك قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم في مريم المغالية، وكانت تحت ثابت بن قيس فاختلعت منه‏.‏ وأخرج النسائي عن ربيع بنت معوذ بن عفراء ‏"حديث : أن ثابت بن قيس بن شماس ضرب امرأته فكسر يدها، وهي جميلة بنت عبد الله بن أبي، فأتى أخوها يشتكيه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأرسل إلى ثابت فقال له‏:‏ خذ الذي لها عليك وخل سبيلها‏. قال‏:‏ نعم‏.‏ فأمرها رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تتربص حيضة واحدة فتلحق بأهلها‏ "‏‏. تفسير : وأخرج الشافعي والبيهقي عن ابن عباس وابن الزبير أنهما قالا‏:‏ في المختلعة يطلقها زوجها قالا‏:‏ لا يلزمها طلاق لأنه طلق ما لا يملك‏.‏ وأخرج البيهقي عن عمر بن الخطاب قال‏:‏ إذا أراد النساء الخلع فلا تكفروهن‏.‏ وأخرج أحمد وأبو داود والترمذي وحسنه وابن ماجة وابن جرير والحاكم وصححه والبيهقي عن ثوبان قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏‏ "حديث : أيما امرأة سألت زوجها الطلاق من غير ما بأس فحرام عليها رائحة الجنة،تفسير : وقال‏:حديث : المختلعات هنَّ المنافقات‏ "‏‏. تفسير : وأخرج ابن ماجة عن ابن عباس ‏"حديث : ‏أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ لا تسأل المرأة زوجها الطلاق في غير كنهه فتجد ريح الجنة، وأن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عاماً‏ "‏‏. تفسير : وأخرج أحمد والنسائي والبيهقي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ‏"حديث : ‏ المختلعات والمنتزعات هن المنافقات‏‏ "‏‏. تفسير : وأخرج ابن جرير عن عقبة بن عامر قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏"‏ حديث : إن المختلعات المنتزعات هن المنافقات‏ "‏‏.‏ تفسير : وأما قوله تعالى‏:‏ ‏ {‏تلك حدود الله فلا تعتدوها‏} ‏. أخرج النسائي عن محمود بن لبيد قال حديث : ‏"‏ أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن رجل طلق امرأته ثلاث تطليقات جميعاً، فقام غضبان ثم قال‏:‏ أيلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم‏؟‏ حتى قام رجل وقال‏:‏ يا رسول الله ألا اقتله‏؟" تفسير : وأخرج البيهقي عن رافع بن سحبان أن رجلاً أتى عمران بن حصين فقال‏:‏ رجل طلق امرأته ثلاثاً في مجلس‏؟‏ قال‏:‏ أثم بربه وحرمت عليه امرأته‏.‏ فانطلق الرجل فذكر ذلك لأبي موسى يريد بذلك عيبه فقال‏:‏ ألا ترى أن عمران بن حصين قال‏:‏ كذا وكذا‏؟‏ فقال أبو موسى‏:‏ الله أكبر، فتيا مثل أبي نجيد‏.‏

ابو السعود

تفسير : {الطَّلَـٰقُ} هو بمعنى التطليق كالسلام بمعنى التسليم والمراد به الرجعيُّ لما أن السابقَ الأقربُ حكمُه، ولما رُوي «حديث : أنه عليه السلام سُئل عن الثالثة فقال عليه السلام: "أو تسريحٌ بإحسان"» تفسير : وهو مبتدأ بتقدير مضافٍ خبرُه ما بعده أي عددُ الطلاق الذي يستحقُّ الزوجُ فيه الردَّ والرجعة حسبما بـيّن آنفاً {مَرَّتَانِ} أي اثنانِ، وإيثارُ ما ورد به النظمُ الكريم عليه للإيذان بأن حقَّهما أن يقعا مرةً بعد مرة لا دفعةً واحدة وإن كان حكمُ الرد ثابتاً حينئذٍ أيضاً {فَإِمْسَاكٌ} فالحكمُ بعدهما إمساكٌ لهن بالرجعة {بِمَعْرُوفٍ} أي بحسن عِشرةٍ ولطفِ معاملة {أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَـٰنٍ} بالطلقة الثالثة كما رُوي عنه صلى الله عليه وسلم أو بعدم الرجعةِ إلى أن تنقضيَ العِدَّةُ فَتَبـينُ، وقيل: المرادُ به الطلاقُ الشرعيُّ وبالمرتين مطلقُ التكرير لا التـثنيةُ بعينها كما في قوله تعالى: {أية : ثُمَّ اْرجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ } تفسير : [الملك، الآية: 4] أي كرةً بعد كرة والمعنى أن التطليق الشرعيَّ تطليقةٌ بعد تطليقةٍ على التفريق دون الجمع بـين الطلقتين أو الثلاثِ فإن ذلك بدعةٌ عندنا فقوله تعالى: {فَإِمْسَاكٌ} [البقرة، الآية: 229] الخ، حُكمٌ مبتدأٌ وتخيـيرٌ مستأنف، والفاء فيه للترتيب على التعليم كأنه قيل: إذا علمتم كيفية التطليق فأمرُكم أحدُ الأمرين {وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ} منهن بمقابلة الطلاق {مِمَّا ءَاتَيْتُمُوهُنَّ} أي من الصدقات وتخصيصُها بالذكر وإن شاركها في الحكم سائرُ أموالِهن إما لرعاية العادة أو للتنبـيه على أنه إذا لم يحِلَّ لهم أن يأخُذوا مما آتَوْهن بمقابلة البُضْع عند خروجه عن ملكهم فلأَنْ لا يحِلَّ أن يأخذوا مما لا تعلُّقَ له بالبُضع أولى وأحرىٰ {شَيْئاً} أي نزْراً يسيراً فضلاً عن الكثير، وتقديمُ الظرفِ عليه لما مر مراراً، والخطابُ مع الحكام، وإسنادُ الأخذِ والإيتاءِ إليهم لأنهم الآمرون بهما عند المرافعة، وقيل: مع الأزواج وما بعده مع الحكام وذلك مما يشوش النظمَ الكريمَ على القراءة المشهورة {إِلاَّ أَن يَخَافَا} أي الزوجان وقرىء يظنّوا وهو مؤيد لتفسير الخوف بالظن {أَن لا يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ} أي أن لا يراعِيا مواجبَ أحكام الزوجية وقرىء يُخافا على البناء للمفعول وإبدال أن بصلته من الضمير بدلَ الاشتمال وقرىء تخافا وتُقيما بتاء الخطاب {فَإِنْ خِفْتُمْ} أيها الحكامُ {أَن لا يُقِيمَا} أي الزوجان {حُدُودَ ٱللَّهِ} بمشاهدة بعض الأماراتِ والمخايل {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا} أي على الزوجين {فِيمَا ٱفْتَدَتْ بِهِ} لا على الزوج في أخذ ما افتدت به ولا عليها في إعطائه إياه، رُوي أن جميلة بنتَ عبدِ اللَّه بن أبـيِّ بنِ سَلولٍ كانت تُبغض زوجَها ثابتَ بنَ قيس فأتت رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فقالت: لا أنا ولا ثابت، لا يجمع رأسي ورأسَه شيء، والله ما أعيبُ عليه في دين ولا خلُق، ولكن أكره الكفرَ بعد الإسلام ما أُطيقه بغضاً إني رفعت جانبَ الخِباء فرأيتُه أقبلَ في عِدَّةٍ فإذا هو أشدُهم سواداً وأقصرُهم قامة وأقبحُهم وجهاً فنزلت فاختلعَتُ منه بحديقة كان أصْدقَها إياها. {تِلْكَ} أي الأحكامُ المذكورة {حُدُودُ ٱللَّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا} بالمخالفة والرفض {وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ ٱللَّهِ فَأُوْلَـٰئِكَ} المتعدّون والجمعُ باعتبار معنى الموصول {هُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ} أي لأنفسهم بتعريضها لسخط الله تعالى وعقابه، ووضعُ الاسمِ الجليل في المواقع الثلاثة الأخيرة موقعَ الضمير لتربـية المهابةِ وإدخال الروعةِ، وتعقيبُ النهي بالوعيد للمبالغة في التهديد.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {ٱلطَّلَٰقُ مَرَّتَانِ}. ندب إلى تفريق الطلاق لئلا تسارع إلى إتمام الفراق، وقيل في معناه: شعر : إنْ تَبْيَنْتُ أَنَّ عَزْمَكِ قتلى فذريني أضني قليلاً قليلا تفسير : ثم قال جلّ ذكره: {فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَٰنٍ}. إمَّا صحبة جميلة أو فُرْقة جميلة. فأمَّا سوء العشرة وإذهاب لذة العيش بالأخلاق الذميمة فغير مَرَْضِيٍ في الطريقة، ولا محمود في الشريعة. قوله جلّ ذكره: {وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ مِمَّآ آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً}. فإِن في الخبر "حديث : العائد في هبته كالعائد في قَيْئِه" تفسير : والرجوع فيما خرجتَ عنه خِسَّة. ثم قال جلّ ذكره: {إِلاَّ أَن يَخَافَآ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا ٱفْتَدَتْ بِهِ}. يعني إنْ أرادت المرأة أن تتخلص من زوجها فلا جناح عليها فيما تبذل من مال، فإنَّ النفس تساوي لصاحبها كل شيء، والرجال إذا فاتته صحبة المرأة فلو اعتاض عنها شيئاً فلا أقلَّ من ذلك، حتى إذا فاتته راحة الحال يصل إلى يده شيء من المال. قوله جلّ ذكره: {تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ ٱللَّهِ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ}. هذه آداب يُعَلِّمكمها الله ويَسُنُّها لكم، فحافظوا على حدوده، وداوموا على معرفة حقوقه.

البقلي

تفسير : {ٱلطَّلاَقُ مَرَّتَانِ} احدهما طلاق النفس وشهواتها والدنيا وما فيها والثاني طلاق الاخرة وما فيها فينبغى للعارف ان يطلقهما لان عروس مشاهدة الحق غاز على قلوب المحبين والعاشقين والمشتاقين ان يكون لهم شئ دون الله وقيل ندب تفريق الطلاق لئلا يتسارع الى تمام الفراق.

اسماعيل حقي

تفسير : {الطلاق} اى التطليق الرجعى المتقدم ذكره الذى قال تعالى فيه {أية : وبعولتهن أحق بردهن} تفسير : [البقرة: 228] {مرتان} اى دفعتان وذلك لا يكون الا على سبيل التفريق فان من اعطى الى آخر درهمين لم يجز أن يقال اعطاه مرتين حتى يعطيه اياهما دفعتين فالجمع بين الطلقتين والثلاث فى الايقاع حرام عند ابى حنيفة رحمه الله الا انه سنى الوقوع لا سنى الايقاع فالطلاق الذى يثبت فيه للزوج حق الرجعة البتة ولا تحل له المرأة الا بعد زوج آخر ثم قوله {الطلاق مرتان} وان كان ظاهره الخبر فان معناه الامر لان حمله على ظاهره يؤدى الى وقوع الخلف فى خبر الله تعالى لانه قد يوجد ايقاع الطلاق على وجه الجمع ولا يجوز الخلف فى خبر الله فكان المراد منه الامر كأنه قيل طلقوهن مرتين اى دفعتين {فإمساك} اى فالحكم بعد هاتين الطلقتين امساك لهن {بمعروف} وهو ان يراجعها لا على قصد المضارة بل على قصد الاصلاح وحسن المعاشرة {أو تسريح} اى تخلية {بإحسان} بان يترك المراجعة حين تبين بانقضاء العدة. ومعنى الاحسان فى التسريح انه اذا تركها ادى اليها حقوقها المالية ولا يذكرها بعد المفارقة بسوء ولا ينفر الناس عنها وجملة الحكم فى هذ الباب ان الحر اذا طلق زوجته طلقة او طلقتين بعد الدخول بها يجوز له ان يراجعها من غير رضاها ما دامت فى العدة وان لم يراجعها حتى تنقضى عدتها او طلقها قبل الدخول بها او خالعها فلا تحل له الا بنكاح جديد باذنها واذن وليها فان طلقها ثلاثا فلا تحل له ما لم تنكح زوجا غيره واما العبد اذا كانت تحته امة فطلقها طلقتين فانها لا تحل له الا بعد نكاح زوج آخر والاعتبار بالمرأة فى عدد الطلاق عند ابى حنيفة رحمه الله فيملك العبد على زوجته الحرة ثلاث طلقات ولا يملك الحر على زوجته الامة الا طلقتين {ولا يحل لكم} ـ حديث : روى ـ ان جميلة بنت عبد الله بن ابى بن سلول كانت تبغض زوجها ثابت بن قيس فاتت رسول الله عليه السلام وقالت لا أنا ولا ثابت ولا يجمع رأسى ورأسه شىء والله ما اعيبه فى دين ولا خلق ولكنى اكره الكفر فى الاسلام ما اطيقه بعضا انى رفعت جانب الخباء فرأيته اقبل فى عدة فاذا هو اشدهم سوادا واقصرهم قامة واقبحهم وجها فنزلت فاختلعت منه بحديقة اصدقها اى سماها ثابت صداقا لها يعنى لما قالت جميلة ما قالت قال ثابت يا رسول الله مرها فلترد على الحديقة التى اعطيتها فقال عليه السلام لها "ما تقولين" قالت نعم وازيده فقال عليه السلام "لا حديقته فقط" ثم قال لثابت "خذ منها ما اعطيتها وخل سبيلها" ففعل وكان ذلك اول خلع فى الاسلامbr>". تفسير : والخطاب فى لكم مع الاحكام ليطابق قوله تعالى {فان خفتم} فانه خطاب مع الحكام والحكام وان لم يكونوا آخذين ومؤتين حقيقة الا انهم هم الذين يأمرون بالاخذ والايتاء عند الترافع اليهم فكأنهم هم الذين يأخذون ويؤتون {أن تأخذوا مما آتيتموهن} اى تأخذوا منهن بمقابلة الطلاق ما اعطيتموهن من المهور {شيئاً} اى نزرا يسيرا فضلا عن استرداد الكثير {إلا أن يخافا} اى الزوجان {ألا يقيما حدود الله} اى ان لا يراعيا مواجب الزوجية. قوله {إلا أان يخافا} استثناء مفرغ وان يخافا محله النصب على انه مفعول من اجله مستثنى من العام المحذوف تقديره ولا يحل لكم ان تأخذوا بسبب من الاسباب شيأ الا بسبب خوف عدم اقامة حدود الله {فإن خفتم} ايها الحكام {ألا يقيما حدود الله} اى الحقوق التى اثبتها النكاح وذلك بمشاهدة بعض الامارات والمخايل {فلا جناح عليهما فيما افتدت به} اى فيما اعطته المرأة من بدل الخلع لا على الزوج فى اخذ ما فدت به نفسها ولا عليها فى اعطائه اياه هذا اذا كان النشوز من قبل المرأة لانها ممنوعة عن اتلاف المال بغير حق اما اذا كان النشوز من قبل الزوج فلا يحل له ان يأخذ شيأ مما آتاها لقوله تعالى {أية : فلا تأخذوا منه شيئاً} تفسير : [النساء: 20]. ولا يضيق عليها ليلجئها الى الافتداء فان ذلك منهى عنه قال تعالى فى سورة النساء {أية : ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن} تفسير : [النساء: 19]. وعموم قوله تعالى {فيما افتدت به} يشعر بجواز المخالعة على قدر المقبوض من الزوج وعلى الازيد والاقل وعليه جمهور الفقهاء ثم ان ظاهر الآية انه لا يباح الخلع الا عند الغضب والخوف وجمهور المجتهدين على جوازه فى حالة الخوف وفى غير حالة الخوف فلا بد حينئذ ان يجعل قوله { الا ان يخافا} استثناء منقطعا كما فى قوله تعالى {أية : وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ} تفسير : [النساء: 92]. اى لكن ان قتل خطأ فدية مسلمة الى اهله. قال البغوى ويجوز الخلع فى غير حال النشوز غير انه يكره لما فيه من قطع الوصلة بلا سبب قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : ان من ابغض الحلال الى الله الطلاقbr>". تفسير : {تلك} اى الاحكام المذكورة {حدود الله} اوامره ونواهيه {فلا تعتدوها} اى لا تتجاوزوا عنها بالمخالفة والرفض {ومن يتعد حدود الله فأولئك} المتعدون {هم الظالمون} اى لانفسهم بتعريضها لسخط الله وعقابه. اعلم ان المرأة اذا برئت من مواقع الخلل واتصفت بالعفة فعلى الزوج ان يعاشرها بالمعروف ويصبر على سائر اوضاعها وسوء خلقها ويتأدب بآداب النبى صلى الله عليه وسلم وكان عليه السلام يحسن المعاشرة مع ازواجه المطهرة فحسن معاشرتهن والصبر عليهن مما يحسن الاخلاق فلا جرم يعد الصابر من المجاهدين فى سبيل الله ـ روى ـ ان بعض المتعبدين كان يحسن القيام على زوجته الى ان ماتت وعرض عليه التزويج فامتنع وقال الوحدة اروح لقلبى قال فرأيت فى المنام بعد جمعة من وفاتها كأن ابواب السماء قد فتحت وكأن رجالا ينزلون ويسيرون فى الهواء يتبع بعضهم بعضا فكلما نظر الى واحد منهم يقول لمن وراءه هذا هو المشئوم فيقول الآخر نعم ويقول الثالث كذلك فخفت ان اسألهم الى ان مر بى آخرهم فقلت له من هذا المشئوم قال انت قلت ولم قال كنا نرفع عملك مع اعمال المجاهدين فى سبيل الله تعالى فمنذ جمعة امرنا ان نضع عملك مع المخالفين فلا ندرى ما احدثت فقال لاخوانه زوجونى فلم يكن يفارقه زوجتان او ثلاث: قال الكاشفى شعر : مردى كمان مبركه بزورست وبردلى بانفس اكر جهاد كنى مرد كاملى تفسير : ولا يتيسر هذا الا لواحد بعد واحد كما قيل وللحروب رجال وان انت تريد الطلاق فطلق نفسك: كما قيل شعر : هركه زن نفس شوم را داد طلاق جفتش نبود بزير اين نيلى طاق از مزبله نفس قدم بيرون نه تاروحت كند تسم وصل استنشاق تفسير : وما دام عجوز نفسك تشوش باطنك وتخرب بيت قلبك فالعروس التى هى تجلى الروح لا تتراءى من وراء نقاب السر ولا تجيىء بيت مشاهدتك رحم الله امرأ عرف قدره ولم يتعد طوره. والاشارة فى الآية ان اهل الصحبة لا يفارقون بجريمة واحدة صدرت من الرفيق الشفيق والصديق الصدوق ولا بجريمتين بل يتجاوزون مرة او مرتين. وفى الثالثة {فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان} اما صحبة جميلة او فرقة جميلة كما تجاوز الخضر عن موسى عليهما السلام مرتين وفى الثالثة قال {أية : هذا فراق بينى وبينك} تفسير : [الكهف: 78]. واما الصحبة من غير تعظيم وحرمة وذهاب لذة العمر بالاخلاق الذميمة واضاعة الوقت فى تحصيل المقت فغير مرضية فى الطريقة ولا محمودة فى الشريعة بل قاطعة طريقة الحق وليس لاهل الصحبة اذا اتفقت المفارقة ان يستردوا خواطرهم من الرفقاء بالكلية ويقطعوا رحم الاخوة فى الدين ويأخذوا منهم قلوبهم بعدما آتوهم الهمم العلية فان العائد فى هبته كالعائد فى قيئه {إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله} فى رعاية حقوق الصحبة {فإن خفتم ألاّ يقيما حدود الله} بان تؤدى الى مداهنة او اهمال فى حق حقوق الدين {فلا جناح عليهما فيما افتدت به} من الحظوظ لرعاية الحقوق {تلك حدود الله} من الحظوظ والحقوق {فلا تعتدوها} بترك الحقوق لنيل الحظوظ كذا فى التأويلات النجمية قدس الله تعالى نفسه الزاكية القدسية.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: {فإمساك بمعروف}: مبتدأ، والخبر: محذوف، أي: أحسن أو أمثل. أو خبر، أي: فالواجب إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان. يقول الحقّ جلّ جلاله: {الطلاق} الذي تقع الرجعة بعده - إنما هو {مرتان}، فإن طلق ثالثة فلا رجعة بعدها، فإنطلق واحدة أو اثنتين فهو مُخير، فإما أن يمسكها ويرتجعها بحسن المعاشرة، والقيام بحقوق الزوجية بالمعروف. وإما أن يُسرِّحها حتى تنقضي عدتها {بإحسان}، من غير إضرار، ولا تطويل عدة. {ولا يحل لكم}،أيها الأزواج، {أن تأخذوا مما أتيتموهن} من الصداق {شيئاً} - خُلْعاً - {إلا أن يخافا إلا يقيما حدود الله} بأن ظن الزوج أو الزوجة فساد العشرة بينهما، وعدم القيام بحقوق الزوجية، {فإن خفتم} أيها الحكام، أو من ينوب عنهم، {ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به} من العصمة، فيحل للزوج أن يأخذ منها الفداء، ولو بجميع ما تملك، إذا كان الضرر منها أو منهما، فإن انفرد بضررها، حُرِّمَ عليه أخذ الفداء، وطُلِّقَتْ عليه. {تلك حدود الله فلا تعتدوها ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون} أي: هذه الأحكام التي ذكرنا من عدد الطلاق وأخذ الخُلْع على وجهه - هي حدود الله التي حدها لعباده، فمن تعداها فهو ظالم. {فإن} طلق الزوجُ مرة ثالثة {فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجاً غيره}، ويدخل بها، من غير شرط التحليل، {فإن طلقها} الثاني، {فلا جناح عليهما أن يتراجعا} بنكاح جديد {إن ظنّاً أن يقيما} حقوق الزوجية، وحسن العشرة، {وتلك} الأحكام المذكورة هي {حدود الله يبينها} الحقُ تعالى {لقوم يعلمون} أي: يفهمون ويتدبرون الأمور. الإشارة: إذا طلَّق المريد الدنيا، ثم رجع إليها، ثم تاب وتوجه إلى الله، ثم رجع إليها، ثم تاب وتوجه مرة ثانية، قُبلت توبته، فإن رجع إيها بعد الطلقة الثانية، فلا يُرجى فلاحه في الغالب؛ لأنه متلاعب، قال تعالى: {الطلاقُ مَرَّتان} فإمساكُ لها بمعروف بأن يواسي بها من يحتاج إليها، أو تسريح لها من يده بإحسان من الله إليه، حتى يدخله في مقام الإحسان، فإن طلقها مرة ثالثة فلا تحل له أبداً حتى يأخذها من يد الله بالله، بعد أن كان بنفسه، فكأنه أخذها بعصمة جديدة، فإن تمكن من الفناء والبقاء، فلا جُناح عليه أن يرجع إليها غنيّاً بالله عنها. والله تعالى أعلم. ثم نهى الحقّ تعالى عن إمساك الزوجة، إضراراً، كما كانت تفعل الجاهليةُ.

الطوسي

تفسير : القراءة: قرأ حمزة، وأبو جعفر {إلا أن يخافا} بضم الياء، والباقون بفتحها. المعنى: قيل في معنى قوله: {الطلاق مرتان} قولان: أحدهما - ما قال ابن عباس، ومجاهد: إن معناه البيان عن تفصيل الطلاق في السنة، وهو أنه إذا أراد طلاقها فينبغي أن يطلقها في طهر لم يقربها فيه بجماع، تطليقة واحدة، ثم يتركها حتى تخرج من العدة، أو حتى تحيض وتطهر، ثم يطلقها ثانية. والثاني - ما قاله عروة، وقتادة: إن معناه البيان عن عدد الطلاق الذي يوجب البينونة، مما لا يوجبها. وفي الآية بيان أنه ليس بعد التطليقتين إلا الفرقة البائنة. وقال الزجاج: في الآية حذف، لأن التقدير: الطلاق الذي يملك فيه الرجعة مرتان، بدلالة قوله: {فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان}. والمرتان معناه: دفعتان. اللغة: وتقول مرَّ يمر مراً واستمر استمراراً، وأمرّه إمراراً وتمرّر تمرراً، ومرّره تمريراً. والمر: خلاف الحلو، ومنه المرارة، لأن فيها المرة. والمرة مزاج من أمزجة البدن. والمرة شدة الفتل، لاستمراره على إحكام. والمرير: الحبل المفتول. وفي التنزيل {أية : ذو مرة فاستوى}تفسير : أي ذو قوة وشدة. والمرّ الذي يعمل به في الطين وأصل الباب المرور: خلاف الوقوف. وقوله {فإمساك بمعروف} رفع، ومعناه: فالواجب إمساك عليه، وكان يجوز النصب على فليمسك إمساكا، والامساك خلاف الاطلاق. تقول أمسك إمساكاً، وتمسك تمسكاً، وتماسك تماسكاً، وامتسك امتساكاً، ومسك تمسيكاً، واستمسك استمساكاً. وفلان ممسك: أي بخيل، وما بفلان مُسكة، ولا تمساك: إذا لم يكن فيه خير، لأنه منحل عن ضبط شيء من أموره. والمسك: الاهاب، لأنه يمسك البدن باحتوائه عليه. والمسك السواء، وسمي باستمساكه في اليد. المعنى: وقوله: {معروف} أي على وجه جميل سائغ في الشرع لا على وجه الاضرار بهن. وقوله: {أو تسريح بإحسان} قيل فيه قولان: أحدهما - أنها الطلقة الثالثة، وروي عن النبي (صلى الله عليه وسلم) أن رجلاً سأله، فقال: الطلاق مرتان فأين الثالثة؟ فأجابه: أو تسريح باحسان. وقال السدي، والضحاك: هو ترك المعتدة حتى تبين بانقضاء العدة، وهو المروي عن أبي جعفر، وأبي عبد الله (ع). اللغة: والتسريح مأخوذ من السرح. وهو الانطلاق. تقول: سرح تسريحاً، وسرّح الماشية في الرعي سرحاً: إذا أطلقها ترعى: والسرحان: الذئب، لاتباعه السرح. والسرحة: الشجرة المرتفعة، لانطلاقها في جهة الطول. والمسرّح: المشط، لاطلاق الشعر به. وسرحت الماشية: إذا انطلقت في المرعى. وسرحت العبد إذا أعتقته. والسرح: الجراد، لانطلاقه في البلاد، والسريحة: القطعة من القد يشد بها نقال الابل، وكل شيء قددته مستطيلا، فهو سريح. النزول: وروي أن هذه الآية نزلت في ثابت بن قيس، وزوجته، وردت عليه حديقته، وطلقها باذن النبي (صلى الله عليه وسلم) رواه ابن جريج. المعنى، والحجة، والاعراب: وقوله: {إلا أن يخافا} معناه: إلا أن يظنا وقال الشاعر: شعر : أتاني كلام عن نصيب بقوله وما خفت يا سلاّم أنك عائبي تفسير : يعني ما ظننت وأنشد الفراء: شعر : إذا مت فادفني الى جنب كرمة تروي عظامي بعد موتي عروقها ولا تدفنني في الفلات فانني أخاف إذا ما مت ألا أذوقها تفسير : ومن ضم الياء، فتقديره: إلا أن يخافا على أن يقيما حدود الله. وقال أبو عبيدة {إلا أن يخافا} معناه: يوقنا؛ {فإن خفتم} معناه فان أيقنتم. وقال أبو علي الفارسي: خاف فعل يتعدى الى مفعول واحد، وذلك المفعول تارة يكون (أن) وصلتها، وأخرى غيرها، فأما تعديه الى غير (أن) فنحو قوله: {أية : تخافونهم كخيفتكم أنفسكم}.تفسير : وتعديته الى (أن) كقوله: {أية : تخافون أن يتخطفكم الناس}تفسير : وقوله: {أية : أم يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله}تفسير : فان عديته الى مفعول بأن ضعفت العين، أو اجتلبت حرف الجر كقولك: خوّفت ضعف الناس قولهم، وحرف الجر كقوله: شعر : لو خافك الله عليه حرّمه تفسير : ومن ذلك قوله: {أية : إنما الشيطان يخوف أولياءه}تفسير : فيخوف قد حذف معه مفعول يقتضيه تقديره يخوف المؤمنين بأولياءه، فحذف المفعول، والجار، فوصل الفعل الى المفعول الثاني، ألا ترى أنه لا يخوف أولياءه على حدّ قولك خوّفت اللصّ، وإنما يخوف غيرهم مما لا استنصار لديهم، ومثله فاذا خفت عليه بمنزلة المحذوف من قوله: {أولياءه} فاذا كان تعدي هذا الفعل على ما وصفنا، فقول حمزة {إلا أن يخافا}، مستقيم لأنه لما بني الفعل للمفعول به اسند الفعل إليه، فلم يبق شيء يتعدى إليه، وأما (أن) من قوله: {ألاّ يقيما حدود الله}، فان الفعل يتعدى إليه بالجارّ، كما تعدى بالجارّ في قوله: شعر : لو خافك الله عليه حرمه تفسير : وموضع أن في الآية جر بالجارّ المقدر، على قول الخليل، والكسائي. ونصب، في قول سيبويه، وأصحابه، لأنه لما حذف الجارّ، وصل الفعل الى المفعول الثاني، مثل استغفر الله ذنباً، وامرأتك الخير، فقوله مستقيم على ما رأيت. فان قال قائل: لو كان يخافا كما قد أخبره، لكان ينبغي أن يكون فان خيفا! قيل لا يلزمه هذا السؤال لأمرين: أحدهما - أن يكون انصرف من الغيبة الى الخطاب، كما قال: {أية : الحمد الله}تفسير : ثم قال: {أية : إياك نعبد}، تفسير : وقال: {أية : ما أتيتم من زكاة تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون}تفسير : ونظائر ذلك كثيرة. والآخر - أن يكون الخطاب في قوله: {فإن خفتم} مصروفاً الى الولاة، والفقهاء الذين يقومون بامور الكافة، وجاز أن يكون الخطاب للكثرة في من جعله انصرافاً من الغيبة الى الخطاب، لأن ضمير الاثنين في {يخافا} ليس يراد به اثنان مخصوصان، وإنما يراد كل من كان هذا شأنه، فهذا حكمه. وأما من قرأ بالفتح، فالمعنى أنه إذا خاف: من كل واحد من الزوج والمرأة {ألا يقيما حدود الله} حل الافتداء، ولا يحتاج في قولهم الى تقدير الجار، لأن الفصل يقتضي مفعولا يتعدى إليه، كما اقتضى في قوله: {أية : فلا تخافوهم وخافون} تفسير : ولابدّ من تقدير الجار في قراءة من ضم الياء، لأن الفعل قد استند الى المفعول، فلا يتعدى الى المفعول الآخر إلا بالجار. قال أبو علي: فأما ما قاله الفراء في قول حمزة {إلا أن يخافا} من أنه اعتبر قراءة عبد الله {إلا أن يخافوا} فلم ينصبه، لأن الخوف في قول عبد الله واقع على (أن). وفي قراءة حمزة على الرجل، والمرأة، وحال الخوف التي معه. المعنى: {ألا يقيما حدود الله} قال ابن عباس وعروة والضحاك: هو نشوز المرأة بغضا للزوج. وقال الشعبي هو نشوزها ونشوزه، والذي روي عن أبي عبد الله (ع) أنه إذا خاف أن تعصي الله فيه بارتكاب محضور، واخلال بواجب، وألا تطيعه فيما يجب عليها، فحينئذ يحل له أن يخلعها، ومثله روي عن الحسن. وقيل: إن الخوف من الاخلال بالحقوق التي تجب لكل واحد منهما على صاحبه، وحسن العشرة وجميل الصحبة. فان قيل كيف قال: {فلا جناح عليهما}, وإنما الأباحة لأخذ الفدية! قيل لأنه لو خص بالذكر لأوهم أنها عاصية، وإن كانت الفدية له جائزة، فبين الاذن لهما لئلا يوهم أنه كالزنا المحرم على الآخذ، والمعطي. وذكر الفراء وجهين: أحدهما - أنه قال: هو كقوله {أية : يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان} تفسير : وإنما هو من الملح دون العذب، فجاز الاتساع، وهذا هو الذي يليق بمذهبنا، لأن الذي يبيح الخلع - عندنا - هو ما لولاه، لكانت المرأة به عاصية. والوجه الثاني - على قوله (صلى الله عليه وسلم): إن أظهرت الصدقة، فحسن وإن أسررت فحسن، وإنما على مزاوجة الكلام كقوله {أية : فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه}تفسير : والثاني ليس بعد، وإن الفدية الجائرة في الخلع - فعندنا - إن كان البغض منها، وحدها وخاف منها العصيان، جاز أن يأخذ المهر فما زاد عليه، وإن كان منهما، فيكون دون المهر. ورووا عن علي (ع) فقط، ولم يفصلوا، وبه قال الربيع، وعطا، والزهري، والشعبي. وقال ابن عباس، وابن عمر، ورحا بن حوة، وابراهيم، ومجاهد: إنه يجوز الزيادة على المهر، والنقصان، ولم يفصلوا، والآية غير منسوخة عند أكثر المفسرين، ابن عباس والحسن، وجميع أهل العلم إلا بكر بن عبد الله، فانه زعم أنها منسوخة بقوله {أية : وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج}تفسير : الآية. والخلع بالفدية على ثلاثة أوجه: أحدها - أن تكون المرأة عجوزاً وذميمة، فيضار بها ليفتدي بها، فهذا لا يحل له الفدي، لقوله {أية : وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج}تفسير : الآية. والثاني - أن يرى الرجل إمرأته على فاحشة، فيضاربها لتفتدي بخلعها، فهذا يجوز، وهو معنى قوله {أية : ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة}تفسير : والوجه الثالث: {أن يخافا ألا يقيما حدود الله} لسوء خلق أو لقلة نفقة من غير ظلم، أو نحو ذلك فيجوز الفدية لهما جميعاً على ما فصلناه. واستدل أصحابنا بهذه الآية على أن الطلاق الثلاث بلفظ واحد، لايقع، لأنه قال: {مرتان} ثم ذكر الثالثة على الخلاف في أنها قوله: {أو تسريح بإحسان} أو قوله: {فإن طلقتها} ومن طلق بلفظ واحد لا يكون أتى بالمرتين، ولا بالثالثة كما أنه لو أوجب في اللعان أربع شهادات: ولو أتى بلفظ واحد لما وقع موقعه. وكما لو رمى تسع حصيات في الجمار دفعة واحدة، لم يكن مجزياً له، فكذلك الطلاق، ومتى ادعوا، في ذلك خبراً، فعليهم أن يذكروه ليتكلم عليه، فأما مسائل الخلع، وفروعه، وشروطه فقد ذكرناها في النهاية، والمبسوط، فلا معنى للتطويل بذكرها ها هنا لأن المطلوب ها هنا معاني القرآن، وتأويله دون مسائل الفقه.

الجنابذي

تفسير : {ٱلطَّلاَقُ مَرَّتَانِ} هذه العبارة من المتشابهات المحتاجة الى البيان فانّها بظاهرها تدلّ على انّها لا تحلّ للزّوج بعد الطّلقتين او لا يجوز طلاقها بعد الطّلقتين بل يجب امساكها او لا يقع الطّلاق دفعةً الاّ مرّتين ولو قال: زوجتى طالق ثلاثاً او كرّر الصّيغة ثلاثاً وليس شيءٌ منها مقصوداً والمقصود انّ الطّلاق الجارى على سنّة الطّلاق وهى ان يكون للزّوج رجعة فى العدّه مرّتين {فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ} بعدهما بان لا يطّلق ويمسك المرأة بشيءٍ من المعروف لا بجهة الاضرار {أَوْ} تطليق {تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} اى متلبّسٍ بشيءٍ من الاحسان وهذا الّذى فسّر الآية فى الاخبار به {وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ مِمَّآ آتَيْتُمُوهُنَّ} من المهر وغيره {شَيْئاً} حقّ العبارة ان يقول: لا يحلّ لهم اى لبعولتهنّ المذكورين سابقاً لكن لمّا كان الغالب انّ اخذ المهر او ازيد او اقلّ من النّساء لا يكون الاّ بمعونة المصلحين او الحكّام اتى بخطاب الجمع لئلاّ يتوهّم من ضمير الغائب انّ المراد البعولة فقط وانّ الحرمة خاصّة بهم وليجبر كراهة ترك المهر بلذّة المخاطبة ونسبة الايتاء الى الجميع مع انّ المؤتى الزّوج فقط من باب التّغليب ولانّ الايتاء ايضاً فى الاغلب يكون بمعونة الغير واصلاحه {إِلاَّ أَن يَخَافَآ} اى الزّوجان وللاشارة الى انّ المخاطبين الازواج والحكّام والمصلحون لا النّساء والبعولة، نسب الخوف الى الزّوجين هاهنا بطريق الغيبة ولانّ الاصل فى ظنّ عدم اقامة الحدود الزّوجان وامّا الحكّام والمصلحون فانّهم يظنّون ذلك بعد ما ظنّاه {أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ} بالنّشوز من الطّرفين وعدم امتثال الزّوج الامر بالقيام بحقوقها وقسامتها والزّوجة الامر بتحصّنها وتمكينه وحفظه فى غيبته فى نفسها وماله {فَإِنْ خِفْتُمْ} خاطب الجماعة دون الزّوجين لانّ المصلحين والحكّام يظنّون ذلك ايضاً ولانّ خطاب الحرمة كان معهم فخطاب نفى الحرج ينبغى ان يكون معهم {أَلاَّ يُقِيمَا} نسب عدم الاقامة هاهنا الى الزّوجين بطريق الغيبة بعد نسبة الخوف الى الجماعة بطريق الخطاب اشعاراً بانّ الخوف وان كان يشمل الحكّام والمصلحين تبعاً للازواج لكن اقامة حدود الزوجيّة ليست الاّ من الازواج {حُدُودَ ٱللَّهِ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا} حقّ العبارة بعد نسبة عدم الاحلال الى الجماعة ونسبة الخوف اليهم بطريق الخطاب ان يقول: فلا جناح عليكم حتّى ينفى الحرج عمّن نسب عدم الاحلال اليهم لكنّه نفى الحرج عن الزّوجين للاشارة الى انّ المتحرّج بالاصالة هما الزّوجان وحرج غيرهما انّما هو تابع لحرجهما {فِيمَا ٱفْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ} الاحكام المذكورة من احكام القصاص وما بعده او ما قبله وما بعده او من احكام الزوجيّة فقط {حُدُودُ ٱللَّهِ} حدود حمى الله {فَلاَ تَعْتَدُوهَا وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ ٱللَّهِ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ} لا ظلم خارجاً من التعدّى فانّ الظّلم الّذى هو منع الحقّ عن المستحقّ واعطاؤه لغير المستحقّ تجاوز عن حدّ الله كما انّ التّجاوز عن كلّ حدّ منع عن الحقّ واعطاء لغير المستحقّ.

اطفيش

تفسير : {الطَّلاقُ مرَّتانِ}: أى التطليق الذى يخير فيه الزوج بين أن يراجع أو يترك الرجعة تطليقتان، وأما الثالثة فليس فيه التخيير فإنه لا رجعة فيه، ويدل لهذا قوله: {فإمْساكٌّ بمعْروفٍ أوْ تسْرِيحٌ بإحسانٍ}: فإن هذا دل على أنه قد راجعها من الطلاق الثانى، لأن المطلقة إذا لم تراجع لا يصدق فيها أن يقال يمسكها أو يسرحها، بل هى فى التسريح فإن تمت العدة فلا رجعة ولا تسريح يقع، فكأنه قيل: وبعد التطليقتين إن راجعها أو تزوجها فليمسكها أو يسرحها، ففى قوله: {فإمْساكٌ بمعروف أو تسريحٌ بإحسانٍ} ذكر الطلاق الثالث، اللهم إلا أن يقال المعنى فإمساك من الطلاق الثانى بالرجعة فيه، أو ترك لها على تسريحها حتى تتم العدة، ومع هذا ففيه تلويح أيضاً بالطلاق الثالث فإنه بفهم أن الطلاق الذى يجوز فيه الإمساك بالرجعة اثنان لا الثالث، ولو كان مفهوم عدد، وروى حديث : أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أين التطليقة الثالثة؟ فقال: "أو تسريح بإحسان"تفسير : وربما تقوى به من فسر التسريح بإحسان بأن يطلقها التطليقة الثالثة، وهو مجاهد وعطاء إذا لم يكن غرضه منها إلا المضارة بإمساكها، وقيل: معنى تسريح بإحسان ألا يراجعها حتى تتم العدة، إذا غرضه الإضرار وبة قال السدى والضحاك فتفوته الرجعة، ويدل لهذا قوله تعالى: {فإن طلقها} وقوله بعد ذلك التسريح. {ولا يحلُّ لكم أنْ تأخذوا} إلخ، فإلفاء تفيد على القول الأول، طلقت رابعة ولا خلع بعد الثالثة، وقيل المعنى لا يراجعها مراجعة يريد تطويل العد ة وضرارها، وقيل معنى التسريح بإحسان: أن يؤدى إليها حقوقها المالية كصداق ومتعة، ولا يذكر معايبها للناس، كما أن الإمساك بمعروف إمساكها مع كتمان عيوبها، وأداء النفقة وسائر حقوقها إليها من جماع وغيره، وحسن العشرة وعدم الإضرار، وقيل الإمساك بمعروف مراجعتها من الثانية، وفيه إشكال لأنه قد يراجعها ويظاهرها، فأين المعروف؟ وعن مجاهد فإمساك بمعروف بإحسان وجب لها ذلك حين ملكها، وإن طلقها فهو أيضاً إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ما لم تنقض العدة، والطلاق اسم مصدر بمعنى التطليق، ومعنى الطلاق مرتان فإمساك إلخ ليس للزوج إلا ثلاث تطليقات: يطلق ويراجع، ويطلق به أو يطلق ويرجع، ويطلق ويراجع، ثم يطلق بلا مراجعة، أو يطلق أولا ويطلق ثانيا ويطلق ثالثة بلا رجعة، أو يطلق أولا ويطلق ثانيا بلا راجعة، ثم يراجع ويطلق كل ذلك فى العدة، وأما أن يطلق ثلاثاً بلفظ واحد، أو اثنين بلفظ واحد مثل أن يقول: هى طالق ثلاثا أو طالق اثنتين فلا يجوز ذلك، ولكن يعد عليه ثلاثاً إن قال طالق ثلاثا، واثنتان إن قال اثنتين، وذلك على عهد عمر، قيل وكان ذلك على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم طلاقاً واحداً، وهو من طلاق البدعة، وفيه الإثم، وقيل لا إثم فيه إنما الإثم أن قال طالق أربعا أو خمسا أو أكثر، ولزمه الثلاث، واستدل الشافعى على جواز الثلاث بلفظ واحد بحديث العجلانى الذى لاعن امرأته فطلقها ثلاثا بين يدى رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم ينكر عليه، وقد يجاب بإمكان أن يقول: هى طالق هى طالق هى طالق بذكر الطلاق ثلاث مرات، لا بلفظ واحد، وزعم بعض أن طلاقها مرة بعد أخرى فى طهر واحد بلا رجعة بدعة، قال الشافعى، التطليق ثلاث أو اثنتان بفظ واحد مباح وليس بمسنون، وفسر الآية بما يشمله مع الأوجه اللاتى ذكرتهن، وقال أبو حنيفة: بدعة، والآية لا تشمله، وإن معنى قوله: {مرتان} تطليقة بعد تطليقة على التفريق، وعلى هذا فقوله: {الطلاق مرتان} غير متعلق بما قبله، بل كلام مستأنف لبيان أن جنس الطلاق لا يزيد على ثلاث، وأنه على تفريق لا جمع وأن المعنى الطلاق دفعتان لا دفعة، وأن المراد بالتثنية التكرير فيتناول ثلاثا، كقولك: لبيك وسعديك الشامل لما لا غاية له، ويجوز أن يراد التثنية وحقيقة الدفعتين وأما الثالثة فمن قوله. {أو تسريح بإحسان}، وعلى ما فسرنا به الآية أولا أل للعهد المذكور الذى تصح فيه الرجعة، وهو الذى فى قوله: {وبعولتهن أحق بردهن}، فالمعنى أن الطلاق الذى فيه الرجعة تطليقتان، فقط فشمل قوله مرتين كل تطليقتين على أى وجه وقعتا من تفريق بلا رجعة، أو برجعة لا دفعة، لأن من أعطاك ديناراً ثم أعطاك ديناراً يقال إنه أعطاك مرتين، ومن أعطاك دينارين لا يقال إنه أعطاك مرتين، وأيضاً سبب النزول ربما أعان فى هذا فإته روى عن عروة بن الزبير أنه قال: كان الرجل إذا طلق زوجته ثم ارتجعها فى العدة كان له ذلك، ولو طلقها ألف مرة فعمد رجل إلى زوجته فطلقها، حتى إذا شارف انقضاء العدة ارتجعها ثم قال: والله لا أردك إلىَّ ولا تحلين أبداً، فأنزل الله جلا وعلا: {الطلاق مرتان...} إلخ، فاستقبل الناس الطلاق جديداً من ذلك اليوم، من طلق ومن لم يطلق، أى لا يعد ما سبق من الطلاق، ولو ثلاثا أو أكثر فتراه لم يطلق دفعة، ومثله ما روى عن عائشة رضى الله عنها: حديث : كان الرجل يطلق امرأته ما شاء أن يطلقها وهى امرأته إذا ارتجعها فى العدة، وإن طلقها مائة مرة أو أكثر، حتى قال رجل لامرأته: والله لا أطلقك فتبينى منى، ولا أردك أبداً، قالت: وكيف ذلك؟ قال: أطلقك، وكلما همت عدتك أن تنقضى راجعتك، فذهبت المرأة حتى دخلت على عائشة فأخبرتها فسكتت عائشة حتى جاء النبى صلى الله عليه وسلم فأخبرته، فسكت النبى صلى الله عليه وسلم حَتى نُزل {الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان} قالت عائشة: فاستأنف الطلاق مستقبلا من طلق ومن لم يطلقتفسير : ، أى ابتدأ واحتساب الثلاث من الطلاق الذى يقع بعد نزول الآية، وإذا رجع الخصم إلى أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب فلا عموم فى قوله مرة لمن طلق بلفظ واحد لما مر أن أعطاك دينارين دفعة لا يقال أعطاك مرتين، وقيل: لا طلاق إلا بعد رجعة غير الطلاق الأول لقوله تعالى: {لعل الله يحدث بعد ذلك أمراً}. واختلفوا فى طلاق العبد لحرة، أو أمة، وفى طلاق الحر للأمة، فقيل ثلاث تطليقات، وقيل تطليقتان، وقيل إن كان الزوج عبداً أو المرأة أمة فتطليقتان، وإن كان الزوج حراً والزوجة أمة فله ثلاث تطليقات، وإن كان عبداً والزوجة حرة فتطليقتان، وبه قال مالك والشافعى وأحمد، وقال أبو حنيفة: الاعتبار بالمرأة فللعبد، على زوجته الحرة ثلاث، والحر على زوجته الأمة تطليقتان، وأبحاث ذلك فى الفروع، وإمساك مبتدأ خبره محذوف، أى فعليهم إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان، أو إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان أمثل أو أحسن، أو خبر لمحذوف، أى فالواجب إمساك إلخ، والفاء رابطة لجواب شرط محذوف أى إذا راجعها بعد المرة الثانية وتزوجها فإمساك بمعروف إلخ، أو إذا علمتم كيفية التطليق فإمساك إلخ، وقوله: {الطلاق مرتان}، لفظه ومعناه خبر أى الطلاق الشرعى مرتان، أو لفظه خبر ومعناه أمر، أى طلقوهن مرتين ثم ثالثة فقط والمرة فى الأصل مصدر مر يمر مرَّا ومروراً، ثم يطلق على الزمان، ويطلق أيضا على الفعل الواحد من كل نوع، فعلى الإطلاق الأول يقدر زمان الطلاق مرتان، أى حينان، وهما مطلق الحينين الذى يقع فيهما الطلاق، أو الطلاق ذو مرتين أى زمانين، وعلى الثانى المعنى الطلاق تطليقتان. {ولا يحِلُّ لكُم}: أيها الأزواج، والدليل على أن الخطاب لهم أنهم المخاطبون بتأخذوا وبآتيتموهن؛ لأنهم الآخذون المؤتون، والخطاب فى قوله: {فإن خفتم ألا يقيما حدود الله}، للحكام أو من يلى الأمور، وهذا هو الظاهر عندى، ولو كان فيه تفريق الخطابين لظهور المراد، لأن الأول دل عليه الأخذ والإتيان، والثانى دل عليه مجئ الغيبة بعده فى الزوجين، ولو كان فيه أيضاً اشتمال الكلام الواحد على خطاب وغيبة فى شئ واحد، إذ يخاف ويقيما غيبة فى الأزواج، كما أن الخطاب قبلها لهم، فلو كان الخطاب الثانى للأزواج كالأول لقيل فإن خفتم ألا تقيموا، ولو كان الأول للحكام كالثانى لم يقل إن تأخذوا مما آتيتموهن، لأن الآخذ المؤتى الزوج لا الحاكم، إلا أن يقال الخطاب للأزواج فترتكب الالتفات إلى الغيبة فى يقيما بقوله: {فإن خفتم} واختار القاضى أن الخطابين للحكام لما كانوا آمرين بالأخذ والإيتاء السند إليهم. ويدل على أن الخطاب للأزواج فى قوله: {ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن} قرأه عبد الله بن مسعود {وإلا أن تخافا ألا تقيما} بالخطاب، ووجه اتصال هذه الآية بما قبلها اشتمالها على الإحسان، فإن عدم الأخذ مما أتى إحسان واجب. {أنْ تأخُذوا ممَّا آتيْتُموهُنَّ شَيئاً}: أى من الصدقات وغيرها، لأنكم قد استمتعتم منهن فى مقابلة ذلك. {إلاَّ أنْ يَخَافَا}: أى الزوجان والمصدر منصوب على الاستثناء المنقطع، أى لكن خوفهما عدم إقامة حدود الله يبيح الأخذ افتداء أو استثناء مفرغ إليه على تقدير حرف العلة، أى لا يحل الأخذ إلا لخوفهما عدم الإقامة، أو حرف الظرفية، أى إلا فى خوفهما عدمهما، ومعنى الخوف الظن، ويدل له قراءة أبىّ {إلا أن يظنا} وقوله بعد ذلك: {إن ظنا أن يقيما حدود الله} وأطلق الخوف على الظن، لأن ظن المكروه سبب الخوف، ويجوز إبقاء الخوف على أصله وهو الإشفاق مما يكره، وليس الخوف بمعنى العلم وإلا لم ينصب ما بعده، لأنه لا يقال: علمت أن نقوم بالنصب فى الأفصح، بل يرفع ويفصل، وذلك أنْ إن الناصبة للتوقع وهو ينافى العلم، ولأن عواقب الأمور تظن ولا تعلم، ومصدر يقيم مفعول ليخاف، وقرأ حمزة ويعقوب على البناء للمفعول، ومصدر يقيم بدل من ألف يخاف، فأبدل للاشتمال، أى إلا أن يخافا عدم إقامتهما بالبناء المفعول، كقولك: أعجبنى الزيدان علمهما، ولو ذكر الفاعل لقيل إلا أن يخافهما الحكام. {ألاَّ يُقيمَا حُدُودَ الله}: قال ابن عباس ومالك والجمهور عدم إقامة حدود الله استخفاف المرأة نحو زوجها، وسوء عشرتها معه، وما يفعله هو معها مما يعد ظلماً مجازاة على نشوزها، وذلك أن الإنصاف بين الزوجين واجب يؤدى كل إلى الآخر حقه، فهو حدود الله أداء واجبه، ولذلك قال الشعبى: {ألا يقيما حدود الله} معناه ألا يطيعا الله، وذلك أن المغاضبة تدعو إلى مخالفة أمر الله ونهيه، وقيل المراد عدم إقامة المرأة حدود الله أن تنشز، مثل أن نقول: لا أطيع لك أمرا، أو لا أبر قسمك، أو لا أضاجعك، أو لا أغتسل لك من جنابة، أى لا تجامعنى جماعا فضلا عن أجنب، فأغتسل، فأسند إلى الزوج أيضا لأنه بينهما يصدر منها إليه، ونسب لابن عباس ومالك والجمهور والأولى عنهم ما ذكرت أولا. {فإنْ خِفْتُم ألاَّ يُقِيمَا حُدودَ اللّهِ فلا جُناحَ عَليْهِما}: على الزوج فى الأخذ وعلى الزوجة فى الإعطاء. {فِيما افْتَدَتْ بِهِ}: منه فلا يجوز الفداء إلا إذا خيف ألا يقيم معه بإنصاف بعد، سواء خاف هو أن يظلمها إذا نشزت أو ملك نفسه فى ذلك، وقيل إلا أن خاف ذلك أيضاً كما خيف منها لظاهر الآية، وبه قال الزهرى والنخعى وداود لظاهر الآية. وقيل يجوز الفداء إذا اتفقا عليه لغرض، ولو لم يكن من أحدهما نشوز، ونسب للجمهور من الأمة إلا أنهم كرهوه، لأن فيه قطع الوصلة بلا سبب لحديث ثوبان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أيما امرأة سألت زوجها الطلاق من غير بأس فحرام عليها رائحة الجنة"تفسير : وحديث ابن عمر عن النبى صلى الله عليه وسلم: "حديث : أبغض الحلال إلى الله تعالى الطلاق"تفسير : واستدلوا بقوله تعالى، بجواز أن تهب من مهرها لزوجها بطيب نفسها بلا عوض، وأولى أن يجوز الفداء، وقالوا الاستثناء منقطع قبل المنع عن العقد لا يدل على فساده، فيصح، ولو بلا خوف مع أنهُ منهى عنه بلا خوف، وأما أن يضارها لتفقدى منه فحرام عليه أن يأخذ، وأما أن تضاره لتقتدى أو يطلقها. فقد ورد أن المفتديات من المنافقات أى المفتريات بالمضارة، روى أن جميلة بنت عبد الله بن أبى بن سلول، ويقال حبيبة بنت سهل الأنصارى، كانت تبغض زوجها ثابت بن قيس بن شماس، فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: لا أنا ولا ثابت لا يجمع رأسى ورأسه شئ، والله ما أعيبه فى دين ولا خلق، ولكنى أكره الكفر فى الإسلام وما أطيقه بغضاً، إنى رقعت جانب الخباء فرأيته أقبل فى جماعة من الرجال فإذا هو أشدهم سواداً وأقصرهم قامة أو أقبحهم وجهاً، وتعنى بالكفر معصية ثابت، لأنه تبغضه، وعصيان الزوج كفر نفاق، ومعنى لا أنا ولا ثابت لا أنا منتفعة به ولا هو بى لبغضى إياه، لا يجدنى كما يحب، فنزلت الآية فافتدت منه بحديقة أصدقها إياها، وهى الجنان المحاط عليها بحائط، وذلك أول فداء بين الزوجين فى الإسلام، وفى رواية عن ابن عباس حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لثابت وقد قال أصدقتها حديقة: أقبل الحديقة وطلقها تطليقة واحدة" تفسير : ففعل، وفى رواية حديث : كانت تبغضه ويحبها: وكان بينهما كلام، فأتت أباها تشكوا إليه زوجها وقالت: إنه يسئ إلىّ ويضربنى، فقال ارجعى إلى زوجك فإنى أكره المرأة لا تزال تجئ تشكو زوجها، فرجعت إليه الثانية والثالثة وبها أثر الضرب، فقال لها ارجعى إلى زوجك، وكسر يدها زوجها فى الثالثة، فلما رأت أن أباها لا يشكيها أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فشكت إليه زوجها وأرته آثاراً بها من ضربه، وقالت يا رسول الله لا أنا ولا هو، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ثابت فقال: "مالك ولاهلك" فقال: والذى بعثك بالحق بشيراً ما على وجه الأرض أحب إلىَّ منها غيرك، فقال ما تقولين، فكرهت أن تكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم حين سألها فقالت: صدق يا رسول الله، ولكنى خشيت أن يهلكنى فأخرجنى عنه، وقالت: يا رسول الله ما كنت أحدثك حديثاً عليك، خلافه، هو أكرم الناس حباً لزوجته، ولكنى أبغضه فلا أنا ولا هو، فقال ثابت أعطيتها حديقة نخل، فقال لها: لتردها علىَّ وأخلى سبيلها. فقال: "لها تردين عليه حديقته وتملكين أمرك؟" قالت: نعم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا ثابت خذ منها ما أعطيتها، وخل سبيلها"تفسير : ففعل وهكذا رواية أبى عبيدة عن جابر عن ابن عباس. والفداء عندنا طلاق تصح معه الرجعة، وبه قال الشافعى فى الجديد، وهو قول على وعثمان وابن مسعود والحسن والشعبى والنخعى وعطاء وابن المسيب ومجاهد ومكحول والزهرى وأبى حنيفة ومالك وسفيان، فيعد من الطلاق ويتم به عدد الثلاث، ولا يلزم عليه أن يكون الطلاق أربعاً وهو ثلاث إجماعاً، ولو قال بعد فإن طلقها فلا تحل له إلح، لأن الطلاق الثالث فى قوله: {أو تسريح بإحسان} وقوله:{أية : فإن طلقها}تفسير : تفصيل لهذا الثالت، وهو ثالث، وعلى كل فمسألة الفداء مذكورة اعتراضا، فالفداء صادق لأن تقع أولا أو وسطا أو آخرا فيتم به على كل حال عدد الثلاث، وبأن يتقدم طلاقان أو يتأخرا أو يتقدم واحد ويتأخر آخر، أى يتعدد فداءان أولا وآخرا مع طلاق واحد، أو يقع ثلاث، ففى ذلك كله ثلاث تطليقات، وقال ابن عباس وجابر بن زيد رحمهما الله، والشافعى فى القديم وطاووس وعكرمة، وأحمد وإسحاق وأبو ثور: أنه فسخ نكاح لا يعد فى الثلاث، فله أن يفاد بها ولو عشر مرات، ولا تحل له بالتزويج، وعلى القول الأول بالرجعة لأنه طلاق فى القول الأول، ويجزى التزويج واعترض، بأنه لو كان فسخاً لما يصح بالزيادة على المهر، وأجيب بأن الصحيح أنه لا يجوز بها كالإقالة فى البيع، وأيضا بانه لو كان فسخاً لكان له المهر ولم يذكره فى الخلع، ويجوز الفداء عند السلطان وغيره كما قال ابن عباس وشريح، اختلعت امرأة فأجازه شريح، فقال رجل عنده: لا يجوز إلا عند السلطان؟ فقال شريح: الإسلام إذاً أضيق من حد السيف، والجمهور على ذلك، وقال الحسن. لا يجوز إلا عند السلطان. {تِلْكَ}: الأحكام. {حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَعْتَدُوها}: بمجاورتها. {وَمَنَ يتعدَّ حُدُودَ اللّهِ فأولئكَ هُم الظَّالمُونَ}: لأنفسهم وغيرهم ومن التعدى فيما قال ابن المسيب، أن يفادها بالصداق كله أو أكثر لقوله تعالى: {مما آتيتموهن شيئاً} فإن ذلك دال على التبعيض سواء جعلت من للابتداء وعلقت لتأخذ ولو للتبعيض، وعلقت بمحذوف حال من شئ، قلت لا دليل فى ذلك على أنه لا يجوز بالصداق. كاملا، فإنه نهى عن أن يأخذوا شيئا، فضلا عن الكل بلا خوف ألا يقيما، وقال بعد ذلك: إن خيف ذلك جاز الفداء بما وقع، إذ قال فلا جناح عليهما فيما أفتدت به من الصداق، الكامل أو الأقل أو الأكثر، وبه قال جمهور الأمة، لأن الفداء عقد على المعاوضة برضاهما فهو كسائر البيوع لا يقيد بمقدار، فإن لم توافق على الزائد فهى زوجته، وكذا إن لم يوافقها على الأقل فلا شئّ له، فإن شاء طلقها كمالها إن لم ترض عند النكاح إلا بالصداق الكثير، وكما يجوز بالقليل إذا رضى، رفعت ناشزة إلى عمر رضى الله عنه فأباتها فى بيت الزبل ثلاث ليال، فدعاها فقال كيف وجدت مبيتك؟ فقالت: ما بت كنت عنده أقر لعينى منهل، فقال لزوجها: اخلعها ولو بقرطها، قال قتادة يعنى بما لها كلها، وقال الشعبى والزهرى والحسن البصرى وعطاء وطاووس لا يأخذ أكثر مما أعطاها، لما روى حديث : أن جميلة قالت: أرد على ثابت حديقة وأزيد عليها. فقال صلى الله عليه وسلم: "أما الزائد فلا"تفسير : وأجاب الجمهور بأن المعنى لا يجب الزائد، بل يكفى الصداق إذا طلبها ثابت فى الصداق فقط، ورضى به فلا يحل لهِّ الزائد.

اطفيش

تفسير : {الطَّلَٰقُ مَرَّتَانِ} واحدة بعد أخرى أو دفعة، ولو خالف السنة فى الدفعة، فالآية على أن الطلاق لا يكون أكثر من ثلاثة، لا فى بيان الأفضل، وإن كان فيه فمرتان، من تثنية التكثير كلبيك وكرتين، وعلمتك الكتاب باباً باباً، فالمعنى مرة مرة بلا نهاية، لكن لكل زوج اثنتان، وتثلثة فقط، والثالثة فى قوله {فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ} دون ضرر {أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَٰنٍ} ومعلوم أن الإمساك بعد الطلاق إنما هو بالمراجعة، فإذا راجعها بعد التطليقتين فعليه أن يمسكها بمعروف أو يطلقها الثالثة بإحسان، فلا يراجعها بعد، ولا يتزوجها حتى تنكح زوجاً غيره، كأن الرجل إذا طلق وراج قبل تمام المدة فله ذلك ولو آنفا، مقصد رجل ذلك. إذا شارفت التمام راجع، فقال: والله، لا آويك ولا تخلين أبداً، فأنزل الله تعالى ذلك روى أبو داود وابن أبى حاتم والدارقطنى عن أنس، سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم، أين الثالثة؟ فقال: أو تسريح بإحسان، قال الحسن بن على لزوجه: أنت طالق ثلاثاً، وندم، فقال: لولا أبى سمعت جدى، أو حدثنى أبى عن جدى، أيما رجل طلق امرأته ثلاثاً عند الإفراد أو ثلاثاً مبهمة يعنى بالإبهام أنها بلفظ واحد لم تحل له حتى تنكح زوجاً غيره لمراجعتها، والثالثة بمرة واثنتان بمرة بدعة عندنا وعند أبى حنيفة خلافا للشافى، مستدلا بحديث العجلانى الذى لاعن امرأته، فطلقها ثلاثاً بمرة بين يدى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم ينكر عليه، قلنا، لا دليل على تأخره عن نزول الآية، فلعلها ناسخة له، وأيضا يضعفه أنه لا طلاق بعد لعان، ولو كان هذا لا ينهض حجة، روى ابن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، "حديث : أن طلاق السنة أن تستقبل الطهر استقبالا، فتطلقها لكل قرء تطليقة"تفسير : ، وإن طلق اثنتين بلفظين، أو ثلاثة ألفاظ قبل الدخول عدت واحدة، إذ لا عدة عليها، تدركها أخرى فيها، وإن قال تطليقتين طلقتك، أو ثلاثا طلقتك، أو طلقت تطليقتين زوجى، أو فلانة، أو طلقت ثلاثا زوجى أو فلانة وقع الاثنتان أو الثلاث ولو قيل الدخول، وإن أخر تطليقتين أو ثلاثا عن فلانة أو عن زوجى، وقدم الطلاق فواحدة. وعن أبى هريرة وابن عباس: اثنتان أو ثلاث، كأنهما راعيا نيته حين تلفظ بلفظ الطلاق، وله وجه، والنية لها، وقع فى الحكم، طلق ركانة زوجه ألبتة، وقال، والله ما أردت إلا واحدة، فقال صلى الله عليه وسلم: والله ما أردت إلا واحدة؟ فقال: والله ما أردت إلا واحدة. قال: هو ما أردت، فردها، فدخل بالمعروف حسن العشرة وأداء حقوق الزوجية، وبالإحسان كون الطلاق فى الطهر قبل المس، وكونه واحداً أو اثنتين أو ثلاثا بتفريق وجبر قبلها بمال نفلا، وإيصال الصداق وعدم ذكرها بسوء فيها، وعدم تنفير الناس عنها، بل يذكر ما فيها من خير بلا غش بما فيها من سوء، والتسريح عبارة عن أن يقول: طلقتك، أو أنت طالق، وشهر أن التسريح طلاق إذا قال سرحتك وأراد الطلاق، فهو واقع، وهو الصحيح {وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ} أيها الأزواج {أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا ءَاتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً} من الصداق بطلبكم الافتداء أو بدونه {إِلاَّ أَنْ يَخَافَآ} أى إلا أن يخاف الزوجان منكمن معشر الأزواج، أى ظنا، أو على ظاهره، والاستثناء مفرغ، أى فى وقت ما إلا خوفهما، أى إلا وقت خوفهما، أو لسبب ما إلا لخوفهما، أو متقطع، أى لكن خوفهما... الخ معتبر {أَلاَّ يُقِيمَا} أى خاف عدم الإقامة، أو من عدمها بإمارة {حُدُودَ اللهِ} المتعلقة بالزوجية، ولفظ الإقامة تحريض على تعديل مواجب الزوجية، وعلى تشمير الساق فى مراعاتها ومحافظتها بلا إفراط ولا تفريط، وقيل: الخطاب للحكام لقوله {فَإِنْ خِفْتُمْ} بأمارة {أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ} فإن الخطاب فيه لهم لا للأزواج، قلت: لا بأس بتلوين الخطاب، كجعل الخطاب فى لا يحل لكم للأزواج، قلت: لا بأس بتلوين الخطاب، كجعل الخطاب فى لا يحل لكم للأزواج، وفى إن خفتم للحكام، فإنه شائع فى كلام الله بلا لبس، وأما إسناد الأخذ والإيتاء للحكام فلجريانهما على أيديهم وبحكمهم عند الترافع، إلا أن يضعف كون الخطاب للحكام، بأن ا لإِيتاء ليس بأيديهم، بل الزوج يعطى الصداق عند العقد أو بعده إلا أن يتكلف بأن الإيتاء إيتاء المرأة إلى زوجها أو إيتاء الزوج الصداق بالحكم حين الخصام فى الصداق، وإنما هذا بحاكم آخر، ويؤيد كون الخطاب لهم قراءة إلا أن تخافوا بالخطاب والجمع {فَلآ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا} على الزوج فى الأخذ، وعلى المرأة فى الإعطاء، أى فمروهما أيضا أيها الحكام بالفداء، لأنه لا جناح عليهما، وإن جعلنا الخطاب فى خفتم للأزواج لم يلزم هذا التقدير، أى فإن خفتم أيها الأزواج على ألا يقيم الزوجان منكم الحدود فلا جناح عليهما، وكل اثنين فى خفتم هما لا جناح عليهما {فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ} من صداقها كله أو بعضه، قال بعض أو بأكثر، بناء على أن قوله صلى الله عليه وسلم، حديث : أما الزيادة فلاتفسير : ، بمعنى أنها لا تجب، أما بالرضى منها وتخليص نفسها منه فلا بأس عليه وعليها، إلا إن أساء حتى تفعل فعليه بأس، وهو كذلك عندى، لأن النهى عن الشىء لا يدل على فساده، وتخليتها حق له، فله فيه شرط ما شاء، إلا أن يقال، يكره طلب الزيادة. روى أن جميلة أخت عبدالله بن أبى بن سلول، وفى بعض الطرق، جميله بنت منهل، وروى الدارقطنى: زينب أخت عبدالله بن أبى سلول، ولعل لها اسمين، أو جميلة لقب، وتسميتها بجميلة أصح وأشهر، أو ذلك قصتان، وهو أظهر، لصحة الحديثين، وفى رواية جميلة بنت عبد الله. وفى رواية بنت أخت عبدالله، وقال التفتازانى: اتفقوا أن الصواب بنت أخت عبدالله، قيل يصح ثبوت بنت وعدمه، لأن أباها عبدالله، بن أبىّ راس المنافقين، وأخوها صحابى جليل اسمه عبدالله بن عبدالله، والمراد الأب الحقيقى، والقول بأن أب الأب أب ضعيف هنا، لذكر سلول، وسلول اسم أمه أو جدته، بفتح اللام للعلمية والتأنيث، كانت، أعنى جميلة، تبغض زوجها ثابت بن قيس، فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: لا أنا ولا ثابت لا يجمع رأسى ولا رأسه شىء، والله ما أعيبه فى دين ولا خلق، ولكنى أكره الكفر فى الإسلام، وما أطيقه بغضا، إنى رفعت جانب الخباء فرأيته أقبل فى عدة، فإذا هو أشدهم سوادا، وأقصرهم قامة، وأقبحهم وجها، فنزلت الآية، فاختلعت منه بحديقة أصدقها، وهو أول خلق وقع فى الإسلام، ومعنى الكفر أن تقتله أو تضربه أو تسبه، أولا تعطيه حقوقه {تِلْكَ} الأحكام من الطلاق والرجعة والفداء وما قبل ذلك من قوله: ولا تنكحوا المشركات إلى هنا {حُدُودُ اللهِ} فقفوا عندها {فَلاَ تَعْتَدُوهَا} بالمحافظة {وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللهِ} فى شأن الأزواج أو غيرهم كالمفاداة بلا ضرورة كهذه الكراهة الشديدة، وكإساءته عشرتها، وكعدم القيام بحقوقها وكنشوزها عنه، وكريبتها، وكرضاهما معا بطيب أنفسهما لداع {فَأُوْلَٰئِكَ هُمُ الظَّٰلِمُونَ} لأنفسهم وغيرهم. قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : المختلعات من غير ما بأس من المنافقات"تفسير : ، وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : أيما امرأة سألت زوجها طلاقا فى غير بأس فحرام رائحة الجنة"تفسير : ، وقال: "حديث : المختلعات من المنافقات"تفسير : ، أى من غير بأس.

الالوسي

تفسير : {ٱلطَّلَـٰقُ مَرَّتَانِ} إشارة إلى الطلاق المفهوم من قوله تعالى: {أية : وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدّهِنَّ } تفسير : [البقرة: 228] وهو الرجعي وهو بمعنى التطليق الذي هو فعل الرجل ـ كالسلام بمعنى التسليم ـ لأنه الموصوف بالوحدة والتعدّد دون ما هو وصف المرأة، ويؤيد ذلك ذكر ما هو من فعل الرجل أيضاً بقوله تعالى: {فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ} أي بالرجعة وحسن المعاشرة {أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَـٰنٍ} أي إطلاق مصاحب له من جبر الخاطر وأداء الحقوق، وذلك إما بأن لا يراجعها حتى تبين، أو يطلقها الثالثة ـ وهو المأثور ـ فقد أخرج أبو داود وجماعة عن أبـي رزين الأسدي حديث : أنّ رجلاً قال: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم إني أسمع الله تعالى يقول: {ٱلطَّلَـٰقُ مَرَّتَانِ} فأين الثالثه؟ فقال: التسريح بإحسان هو الثالثة» تفسير : وهذا يدل على أن معنى (مرتان) اثنتان، ويؤيد العهد ـ كالفاء ـ في الشق الأول فإنّ ظاهرها التعقيب بلا مهلة، وحكم الشيء يعقبه بلا فصل، وهذا هو الذي حمل عليه الشافعية الآية، ولعله أليق بالنظم حيث قد انجرّ ذكر اليمين إلى ذكر الإيلاء الذي هو طلاق، ثم انجرّ ذلك إلى ذكر حكم المطلقات من العدّة والرجعة، ثم انجر ذلك إلى ذكر أحكام الطلاق المعقب للرجعة، ثم انجرّ ذلك إلى بيان الخلع والطلاق الثلاثة ـ وأوفق بسبب النزول ـ فقد أخرج مالك، والشافعي، والترمذي رضي الله تعالى عنهما وغيرهم عن عروة قال: كان الرجل إذا طلق امرأته ثم ارتجعها قبل أن تنقضي عدّتها كان ذلك له وإن طلقها/ ألف مرة، فعمد رجل إلى امرأته فطلقها حتى إذا ما شارفت انقضاء عدّتها ارتجعها ثم طلقها؛ ثم قال: والله لا آويك إليّ ولا تخلين أبداً، فأنزل الله تعالى الآية، والذي دعاهم إلى ذلك قولهم ((إن جمع الطلقات الثلاث غير محرّم وأنه لا سنة في التغريق كما في «تحفتهم»، واستدلوا عليه بأن ـ عويمراً العجلاني ـ لما لاعن امرأته طلقها ثلاثاً قبل أن يخبره صلى الله عليه وسلم بحرمتها عليه ـ رواه الشيخان ـ فلو حرم لنهاه عنه لأنه أوقعه معتقداً بقاء الزوجية، ومع اعتقادها يحرم الجمع عند المخالف، ومع الحرمة يجب الإنكار على العالم وتعليم الجاهل، ولم يوجدا فدل على أنه لا حرمة وبأنه قد فعله جمع من الصحابة وأفتى به آخرون)). وقال ساداتنا الحنفية: إن الجمع بين التطليقتين والثلاث بدعة، وإنما السنة التفريق لما روي في حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: «حديث : إنما السنة أن تستقبل الطهر استقبالاً فتطلقها لكل قرء تطليقة»تفسير : فإنه لم يرد صلى الله عليه وسلم من السنة أنه يستعقب الثواب لكونه أمراً مباحاً في نفسه لا مندوباً بل كونه من الطريقة المسلوكة في الدين ـ أعني ما لا يستوجب عقاباً ـ وقد حصره عليه الصلاة والسلام على التفريق فعلم أن ما عداه من الجمع والطلاق في الحيض بدعة ـ أي موجب لاستحقاق العقاب ـ وبهذا يندفع ما قيل: إن الحديث إنما يدل على أن جمع الطلقتين أو الطلقات في طهر واحد ليس سنة، وأمّا إنه بدعة فلا لثبوت الواسطة عند المخالف، ووجه الدفع ظاهر كما لا يخفى وفي «الهداية» ((وقال الشافعي: كل الطلاق مباح لأنه تصرف مشروع حتى يستفاد به الحكم [و] المشروعية لا تجامع الحظر بخلاف الطلاق في [حالة] الحيض لأن المحرّم تطويل العدّة عليها لا الطلاق ولنا أن الأصل في الطلاق هو الحظر لما فيه من قطع النكاح الذي تعلقت به المصالح الدينية والدنيوية والإباحة للحاجة إلى الخلاص، ولا حاجة إلى الجمع بين الثلاث، وهي في المفرّق على ـ الأطهار ـ ثابتة نظراً إلى دليلها، والحاجة في نفسها باقية فأمكن تصوير الدليل عليها، والمشروعية في ذاته من حيث إنه إزالة الرق لا تنافي الحظر لمعنى في غيره ـ وهو ما ذكرناه)) ـ انتهى. ومنه يعلم أن المخالف معمم ـ لا مقسم ـ وإذا قلنا إنه مقسم بناءاً على ما فيه كتب بعض مذهبه فغاية ما أثبت أن الجمع خلاف الأولى من التفريق على الأقراء أو الأشهر، وقد علمت أن تقسيم أبـي القاسم صلى الله عليه وسلم غير تقسيمه. وأجيب عما في خبر عويمر بأنها واقعة حال ـ فلعلها من المستثنيات ـ لما أن مقام اللعان ضيق فيغتفر فيه مثل ذلك ويعذر فيه الغيور؛ وإعمال الدليلين أولى من إهمال أحدهما وحملوا الآية على أن المراد التطليق الشرعي تطليقة بعد تطليقة على التفريق لما أن وظيفة الشارع بيان الأمور الشرعية واللام ليست نصاً في العهد بل الظاهر منها الجنس وأيضاً تقييد الطلاق بالرجعي يدع ذكر الرجعة بقوله سبحانه: {فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ} تكراراً إلا أن يقال المطلوب هٰهنا الحكم المردد بين الإمساك والتسريح، وأيضاً لا يعلم على ذلك الوجه حكم الطلاق الواحد إلا بدلالة النص، وهذا الوجه مع كونه أبعد عن توهم التكرار ودلالته على حكم الطلاق الواحد بالعبارة يفيد حكماً زائداً وهو التفريق، ودلالة الآية حينئذ على ما ذهبوا إليه ظاهرة إذا كان معنى مرتين مجرد التكرير دون التثنية على حد {أية : ثُمَّ اْرجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ }تفسير : [الملك: 4] أي كرة بعد كرة لا كرتين ثنتين إلا أنه يلزم عله إخراج التثنية عن معناها الظاهر، وكذا إخراج ـ الفاء ـ أيضاً وجعل ما بعدها حكماً مبتدأ وتخييراً مطلقاً عقيب تعليمهم كيفية التطليق وليس مرتباً على الأول ضرورة أن التفريق المطلق لا يترتب عليه أحد الأمرين لأنه إذا كان بالثلاث لا يجوز بعده الإمساك ولا التسريح وتحمل ـ الفاء ـ حينئذ على التركيب الذكري ـ أي إذا علمتم كيفية الطلاق فاعلموا أن حكمه الإمساك أو التسريح ـ/ فالإمساك في الرجعي والتسريح في غيره، وإذا كان معنى ـ مرتين ـ التفريق مع التثنية كما قال به المحققون ـ بناءاً على أنه حقيقة في الثاني ظاهر في الأول إذ لا يقال لمن دفع إلى آخر درهمين مرة واحدة أنه أعطاه مرتين حتى يفرق بينهما وكذا لمن طلق زوجته ثنتين دفعة أنه طلق مرتين ـ اندفع حديث ارتكاب خلاف الظاهر في التثنية كما هو ظاهر، وفيما بعدها أيضاً لصحة الترتب ويكون عدم جواز الجمع بين التطليقتين مستفاداً من {مَرَّتَانِ} الدالة على التفريق والتثنية. وعدم الجمع بين الثالثة مستفاداً من قوله سبحانه: {أَوْ تَسْرِيحٌ} حيث رتب على ما قبله بالفاء قيل: إنه مستفاد من دلالة النص. هذا، ثم من أوجب التفريق ذهب إلى أنه لو طلق غير مفرق وقع طلاقه وكان عاصياً، وخالف في ذلك الإمامية وبعض من أهل السنة ـ كالشيخ أحمد بن تيمية ومن اتبعه ـ قالوا: لو طلق ثلاثاً بلفظ واحد لا يقع إلا واحدة احتجاجاً بهذه الآية وقياساً على شهادات اللعان ورمي الجمرات فإنه لو أتى بالأربع بلفظ واحد لا تعد له أربعاً بالإجماع وكذا لو رمى بسبع حصيات دفعة واحدة لم يجزه إجماعاً، ومثل ذلك ما لو حلف ليصلين على النبـي صلى الله عليه وسلم ألف مرة فقال صلى الله تعالى على النبـي صلى الله عليه وسلم ألف مرة فإنه لا يكون باراً ما لم يأت بآحاد الألف، وتمسكاً بما أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي والحاكم والبيهقي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: كان الطلاق الثلاث على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبـي بكر، وسنيتين من خلافة عمر واحدة فقال عمر: إن الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة فلو أمضيناه عليهم فأمضاه. وذهب بعضهم إلى أن مثل ذلك ما لو طلق في مجلس واحد ثلاث مرات فإنه لا يقع إلا واحدة أيضاً لما أخرج البيهقي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: «حديث : طلق ركانة امرأته ثلاثاً في مجلس واحد فحزن عليها حزناً شديداً فسأله رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف طلقتها؟ قال: طلقتها ثلاثاً قال: في مجلس واحد؟ قال: نعم قال: فإنما تلك واحدة فارجعها إن شئت فراجعها» تفسير : والذي عليه أهل الحق اليوم خلاف ذلك كله. والجواب عن الاحتجاج بالآية أنها كما علمت ليست نصاً في المقصود، وأما الحديث فقد أجاب عنه جماعة قال السبكي: وأحسن الأجوبة أنه فيمن يعرف اللفظ فكانوا أولاً يصدقون في إرادة التأكيد لديانتهم فلما كثرت الأخلاط فيهم اقتضت المصلحة عدم تصديقهم وإيقاع الثلاث، واعترضه العلامة ابن حجر قائلاً: إنه عجيب فإن صريح مذهبنا تصديق مريد التأكيد بشرطه وإن بلغ في الفسق ما بلغ، ثم نقل عن بعض المحققين أن أحسنها أنهم كانوا يعتادونه طلقة ثم في زمن عمر رضي الله تعالى عنه استعجلوا وصاروا يوقعونه ثلاثاً فعاملهم بقضيته وأوقع الثلاث عليهم، فهو إخبار عن اختلاف عادة الناس لا عن تغيير حكم في مسألة، واعترض عليه بعدم مطابقته للظاهر المتبادر من كلام عمر لا سيما مع قول ابن عباس رضي الله تعالى عنهما الثلاث الخ، فهو تأويل بعيد لا جواب حسن فضلاً عن كونه أحسن، ثم قال: والأحسن عندي أن يجاب بأن عمر رضي الله تعالى عنه لما استشار الناس علم فيه ناسخاً لما وقع قبل فعمل بقضيته وذلك الناسخ إما خبر بلغه أو إجماع وهو لا يكون إلا عن نص، ومن ثَمّ أطبق علماء الأمة عليه، وأخبار ابن عباس لبيان أن الناسخ إنما عرف بعد مضي مدة من وفاته صلى الله عليه وسلم انتهى. وأنا أقول الطلاق الثلاث في كلام ابن عباس رضي الله تعالى عنهما يحتمل أن يكون بلفظ واحد، وحينئذ يكون الاستدلال به على المدعي ظاهراً، ويؤيد هذا الاحتمال ظاهراً ما أخرجه أبو داود عنه إذا قال الرجل لامرأته أنت طالق ثلاثاً بفم واحدة فهي واحدة وحينئذ يجاب بالنسخ، ويحتمل أن يكون بألفاظ ثلاثة في مجلس واحد مثل أنت طالق أنت طالق أنت طالق، ويحمل ما أخرجه أبو داود على هذا بأن/ يكون ثلاثاً متعلقاً ـ بقال ـ لا صفة لمصدر محذوف أي طلاقاً ثلاثاً ولا تمييز للإبهام الذي في الجملة قبله؛ وبفم واحدة معناه متتابعاً وحينئذ يوافق الخبر بظاهره أهل القول الأخير، ويجاب عنه بأن هذا في الطلاق قبل الدخول فإنه كذلك لا يقع إلا واحدة كما ذهب إليه الإمام أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه لأن البينونة وقعت بالتطليقة الأولى فصادفتها الثانية وهي مبانة، ويدل على ذلك ما أخرجه أبو داود، والبيهقي عن طاوس أن رجلاً يقال له أبو الصهباء كان كثير السؤال لابن عباس قال: أما علمت أن الرجل كان إذا طلق امرأته ثلاثاً قبل أن يدخل بها جعلوها واحدة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبـي بكر، وصدراً من إمارة عمر؟ قال ابن عباس: بلى كان الرجل إذا طلق امرأته ثلاثاً قبل أن يدخل بها جعلوها واحدة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبـي بكر، وصدراً من إمارة عمر فلما رأى الناس قد تتايعوا فيها قال: أجيزوهن عليهم، وهذه مسألة اجتهادية كانت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يرو في الصحيح أنها رفعت إليه فقال فيها شيئاً، ولعلها كانت تقع في المواضع النائية في آخر أمره صلى الله عليه وسلم فيجتهد فيها من أوتي علماً فيجعلها واحدة؛ وليس في كلام ابن عباس رضي الله تعالى عنهما تصريح بأن الجاعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل في قوله جعلوها واحدة إشارة إلى ما قلنا، وعمر رضي الله تعالى عنه بعد مضي أيام من خلافته ظهر له بالاجتهاد أن الأولى القول بوقوع الثلاث لكنه خلاف مذهبنا، وهو مذهب كثير من الصحابة حتى ابن عباس رضي الله تعالى عنهما فقد أخرج مالك، والشافعي، وأبو داود، والبيهقي عن معاوية بن أبـي عياش أنه كان جالساً مع عبد الله بن الزبير، وعاصم بن عمر فجاءهما محمد بن أبـي إياس بن البكير فقال إن رجلاً من أهل البادية طلق امرأته ثلاثاً قبل أن يدخل بها فماذا تريان؟ فقال ابن الزبير: إن هذا الأمر ما لنا فيه قول اذهب إلى ابن عباس، وأبـي هريرة فإني تركتهما عند عائشة فاسألهما فذهب فسألهما فقال ابن عباس لأبـي هريرة أفته يا أبا هريرة فقد جاءتك معضلة فقال أبو هريرة رضي الله تعالى عنه: الواحدة تبينها والثلاثة تحرمها حتى تنكح زوجاً غيره، وقال ابن عباس مثل ذلك، وإن حملت الثلاث في هذا الخبر على ما كان بلفظ واحد لئلا يخالف مذهب الإمام فإن عنده إذا طلق الرجل امرأته الغير المدخول بها ثلاثاً بلفظ واحد وقعن عليها لأن الواقع مصدر محذوف لأن معناه طلاقاً بائناً، فلم يكن أنت طالق إيقاعاً على حدة فيقعن جملة، كان هذا الخبر معارضاً لما رواه مسلم مؤيداً للنسخ كالخبر الذي أخرجه الطبراني والبيهقي عن سويد بن غفلة قال: «كانت عائشة الخثعمية عند الحسن بن علي رضي الله تعالى عنهما فقال لها: قتل علي كرم الله وجهه قالت: لتهنك الخلافة قال: يقتل عليّ وتظهرين الشماتة اذهبـي فأنت طالق ثلاثاً قال: فتلفعت بثيابها وقعدت حتى قضت عدتها فبعث إليها ببقية بقيت لها من صداقها وعشرة آلاف صدقة فلما جاءها الرسول قالت: متاع قليل من حبيب مفارق فلما بلغه قولها بكى ثم قال: لولا أني سمعت جدي ـ أو حدثني ـ أبـي أنه سمع جدي يقول أيما رجل طلق امرأته ثلاثاً عند الأقراء أو ثلاثاً مبهمة لم تحل له حتى تنكح زوجاً غيره لراجعتها»، وما أخرجه ابن ماجه عن الشعبـي قال: «قلت لفاطمة بنت قيس حديثيني عن طلاقك قالت: طلقني زوجي ثلاثاً وهو خارج إلى اليمن فأجاز ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم»، وأما حديث ركانة فقد روي على أنحاء، والذي صح ما أخرجه الشافعي، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه، والحاكم، والبيهقي «حديث : أن ركانة طلق امرأته ألبتة فأخبر النبـي صلى الله عليه وسلم بذلك وقال: والله ما أردت/ إلا واحدة فقال صلى الله عليه وسلم: والله ما أردت إلا واحدة؟ فقال ركانة: والله ما أردت إلا واحدة قال: هو ما أردت فردها عليه» تفسير : وهذا لا يصلح دليلاً لتلك الدعوى لأن الطلاق فيه كناية ونية العدد فيها معتبرة، وقد يستدل به على صحة وقوع الثلاث بلفظ واحد لأنه دل على أنه لو أراد ما زاد على الواحدة وقع وإلا لم يكن للاستحلاف فائدة والقياس على شهادات اللعان ورمي الجمرات قياس في غير محله، ألا ترى أنه لا يمكن الاكتفاء ببعض ذلك بوجه ويمكن الاكتفاء ببعض وحدات الثلاث في الطلاق وتحصل به البينونة بانقضاء العدة ويتم الغرض إجماعاً، ولعظم أمر اللعان لم يكتف فيه إلا بالاتيان بالشهادات واحدة واحدة مؤكدات بالأيمان مقرونة، خامستها باللعن في جانب الرجل لو كان كاذباً وفي جانبها بالغضب لو كان صادقاً فلعل الرجوع أو الإقرار يقع في البين فيحصل الستر أو يقام الحد ويكفر الذنب، وأيضاً الشهادات الأربع من الرجل منزلة منزلة الشهود الأربعة المطلوبة في رمي المحصنات مع زيادة كما يشير إليه قوله تعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَـٰتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَٱجْلِدُوهُمْ} تفسير : [النور: 4] مع قوله سبحانه بعده: {أية : وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوٰجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَّهُمْ شُهَدَاءُ إِلاَّ أَنفُسُهُمْ فَشَهَـٰدَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَـٰدَاتٍ }تفسير : [النور: 6] الخ فكما أن ـ شهادة الشهود ـ متعددة لا يكفي فيها اللفظ الواحد كذلك المنزل منزلتها، ورمي الجمرات وتسبيعها أمر تعبدي وسره خفي فيحتاط له ويتبع المأثور فيه حذو القذة بالقذة، وباب الطلاق ليس كهذين البابين على أن من الاحتياط فيه أن نوقعه ثلاثاً بلفظ واحد ومجلس واحد، ولا نلغي فيه لفظ الثلاث التي لم يقصد بها إلا إيقاعه على أتم وجه وأكمله، وما ذكر في مسألة الحلف على أن لا يصلين ألف مرة من أنه لا يبر ما لم يأت بآحاد الألف فأمر اقتضاه القصد والعرف، وذلك وراء ما نحن فيه كما لا يخفى، ولهذا ورد عن أهل البيت ما يؤيد مذهب أهل السنة فقد أخرج البيهقي عن بسام الصيرفي قال: «سمعت جعفر بن محمد يقول من طلق امرأته ثلاثاً بجهالة أو علم فقد برئت»، وعن مسلمة بن جعفر الأحمس قال: «قلت لجعفر بن محمد رضي الله تعالى عنهما يزعمون أن من طلق ثلاثاً بجهالة رد إلى السنة يجعلونه واحدة يروونها عنكم؟ قال: معاذ الله ما هذا من قولنا من طلق ثلاثاً فهو كما قال»، وقد سمعت ما رويناه عن الحسن؛ وما أخذ به الإمامية يروونه عن علي كرم الله تعالى وجهه مما لا ثبت له والأمر على خلافه، وقد افتراه على علي كرم الله تعالى وجهه شيخ بالكوفة وقد أقر بالافتراء لدى الأعمش رحمه الله تعالى فليحفظ ما تلوناه فإني لا أظنك تجده مسطوراً في كتاب. {وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ} في مقابلة الطلاق {مِمَّا ءاتَيْتُمُوهُنَّ} أي من الصدقات فإن ذلك مناف للإحسان ومثلها في الحكم سائر أموالهن إلا أن التخصيص إما لرعاية العادة أو للتنبيه على أن عدم حل الأخذ مما عدا ذلك من باب الأولى، والجار والمجرور يحتمل أن يكون متعلقاً بما عنده أو حال من {شَيْئاً} لأنه لو أخر عنه كان صفة له، والتنوين للتحقير، والخطاب مع الحكام، وإسناد الأخذ والإيتاء إليهم لأنهم الآمرون بهما عند الترافع، وقيل: إنه خطاب للأزواج، ويرد عليه أن فيه تشويشاً للنظم الكريم لأن قوله تعالى: {إِلاَّ أَن يَخَافَا} أي الزوجان كلاهما أو أحدهما {أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ} بترك إقامة مواجب الزوجية غير منتظم معه لأن المعبر عنه في الخطاب الأزواج فقط، وفي الغيبة الأزواج والزواجات ولا يمكن حمله على الالتفات إذ من شرطه أن يكون المعبر عنه في الطريقين واحداً، وأين هذا الشرط نعم لهذا القيل وجه صحة لكنها لا تسمن ولا تغني، وهو أن الاستثناء لما كان بعد مضي جملة الخطاب من أعم الأحوال أو الأوقات/ أو المفعول له على أن يكون المعنى بسبب من الأسباب إلا بسبب الخوف جاز تغيير الكلام من الخطاب إلى الغيبة لنكتة وهي أن لا يخاطب مؤمن بالخوف من عدم إقامة حدود الله، وقرىء {تَخَافَا} و {تقيما} بتاء الخطاب وعليها يهون الأمر فإن في ذلك حينئذ تغليب المخاطبين على الزوجات الغائبات، والتعبير بالتثنية باعتبار الفريقين، وقرأ حمزة ويعقوب {أَن يَخَافَا } على البناء للمفعول وإبدال {ءان} بصلته من ـ ألف الضمير ـ بدل اشتمال كقولك: خيف زيد تركه حدود الله ويعضده قراءة عبد الله {إِلا أَنْ تَخَافُواْ} وقال ابن عطية: عدي (خاف) إلى مفعولين أحدهما أسند إليه الفعل، والآخر: بتقدير حرف جر محذوف فموضع {إن} جرّ بالجار المقدر، أو نصب على اختلاف الرأيين وردّه في «البحر» بأنه لم يذكره النحويون حين عدوا ما يتعدى إلى اثنين، وأصل أحدهما: بحرف الجرّ، وفي قراءة أبـيّ (إِلا أَنْ يظنا) وهو يؤيد تفسير ـ الظنّ بالخوف ـ. {فَإِنْ خِفْتُمْ} خطاب للحكام لا غير لئلا يلزم تغيير الأسلوب قبل مضي الجملة {أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ} التي حدّها لهم. {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا} أي الزوجين، وهذا قائم مقام الجواب أي فمروهما فإنه لا جناح {فِيمَا ٱفْتَدَتْ بِهِ} نفسها واختلعت لا على الزوج في أخذه ولا عليها في إعطائه إياه، أخرج ابن جرير عن عكرمة أنه سئل هل كان للخلع أصل؟ قال: كان ابن عباس رضي الله تعالى عنهما يقول: إن أوّل خلع كان في الإسلام في حديث : أخت عبد الله بن أبـي امرأة ثابت بن قيس: «أنها أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله لا يجمع رأسي ورأسه شيء أبداً إني رفعت جانب الخباء فرأيته أقبل في عدة فإذا هو أشدهم سواداً وأقصرهم قامة وأقبحهم وجهاً قال زوجها: يا رسول الله إني أعطيتها أفضل مالي حديقة لي فإن ردت عليَّ حديقتي قال: ما تقولين؟ قالت: نعم وإن شاء زدته قال: ففرق بينهما» تفسير : وفي رواية البخاري: ـ أن المرأة اسمها جميلة وأنها بنت عبد الله المنافق ـ وهو الذي رجحه الحفاظ وكون اسمها زينب جاء من طريق الدارقطني قال الحافظ ابن حجر: فلعل لها اسمين أو أحدهما لقب وإلا فجميلة أصح، وقد وقع في حديث آخر أخرجه مالك، والشافعي، وأبو داود أن اسم امرأة ثابت حبيبة بنت سهل، قال الحافظ: والذي يظهر أنهما قضيتان وقعتا له في امرأتين لشهرة الحديثين وصحة الطريقين واختلاف السياقين. {تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ} إشارة إلى ما حد من الأحكام من قوله سبحانه: {ٱلطَّلَـٰقُ مَرَّتَانِ} إلى هنا فالجملة فذلكة لذلك أوردت لترتيب النهي عليها {فَلاَ تَعْتَدُوهَا } بالمخالفة والرفض {وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ ٱللَّهِ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ}.تذييل للمبالغة في التهديد والواو للاعتراض وفي إيقاع الظاهر موقع المضمر ما لا يخفى من إدخال الروعة وتربية المهابة، وظاهر الآية يدل على أن الخلع لا يجوز من غير كراهة وشقاق لأن نفي الحل الذي هو حكم العقد في جميع الأحوال إلا حال الشقاق يدل على فساد العقد وعدم جوازه ظاهراً إلا أن يدل الدليل على خلاف الظاهر، وعلى أنه لا يجوز أن يكون بجميع ما ساق الزوج إليها فضلاً عن الزائد لأن ـ من ـ في {مِمَّا ءاتَيْتُمُوهُنَّ} تبعيضية فيكون مفاد الاستثناء حل أخذ شيء مما آتيتموهن حين الخوف، وأما كلمة (ما) في قوله سبحانه: {فِيمَا ٱفْتَدَتْ} فليست ظاهرة في العموم حتى ينافي ظهور الآية في الحكم المذكور بل فاء التفسير في {فَإِنْ خِفْتُمْ} يدل ظاهراً على أنه بيان للحكم المفهوم بطريق المخالفة عن الاستثناء، وفائدته التنصيص على الحكم ونفي الجناح في هذا العقد فإن ثبوت الحل المستفاد من الاستثناء قد يجامع الجناح بأن يكون مع الكراهة، نعم تحتمل العموم فلا تكون نصاً في عدم جواز/ الخلع بجميع ما يساق، ولهذا قال عمر رضي الله تعالى عنه: اخلعها ولو بقرطها، ويؤيد الأول: ما أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي وحسنه والحاكم وصححه عن ثوبان قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : أيما امرأة سألت زوجها الطلاق من غير ما بأس فحرام عليها رائحة الجنة» تفسير : وقال: «حديث : المختلعات هي المنافقات»تفسير : ويؤيد الثاني: ما روي من بعض الطرق حديث : أنه صلى الله عليه وسلم قال لجميلة: أتردّين عليه حديقته؟ فقالت: أردها وأزيد عليها فقال صلى الله عليه وسلم: أما الزائد فلا»تفسير : وهذا وإن دل على نفي الزيادة دون جميع المهر إلا أنه يستفاد منه أن فيما افتدت به ليس على عمومه فيكون المراد به ما يستفاد من الاستثناء وهو البعض، وأكثر الفقهاء على أن الخلع بلا شقاق وبجميع ما ساق مكروه لكنه نافذ لأن أركان العقد من الإيجاب والقبول وأهلية العاقدين مع التراضي متحقق والنهي لأمر مقارن كالبيع وقت النداء وهو لا ينافي الجواز، وعلى أنه يصح بلفظ المفاداة لأنه تعالى سمى الاختلاع افتداءاً، واختلف في أنه إذا جرى بغير لفظ الطلاق فسخ أو طلاق ومن جعله فسخاً احتج بقوله تعالى: {فَإِن طَلَّقَهَا...}.

ابن عاشور

تفسير : استئناف لذكر غاية الطلاق الذي يملكه الزوج من امرأته، نشأ عن قوله تعالى: { أية : وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن أرادوا إصلاحاً ٱلطَّلَـٰقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَـٰنٍ } تفسير : [البقرة: 228] وعن بعض ما يشير إليه قوله تعالى: { أية : وللرجال عليهن درجة } تفسير : [البقرة: 228] فإن الله تعالى أعلن أن للنساء حقاً كحق الرجال، وجعل للرجال درجة زائدة: منها أن لهم حق الطلاق، ولهم حق الرجعة لقوله: { أية : وبعولتهن أحق بردهن في ذلك } تفسير : [البقرة: 228] ولما كان أمر العرب في الجاهلية جارياً على عدم تحديد نهاية الطلاق، كما سيأتي قريباً، ناسب أن يذكر عقب ذلك كله حكم تحديد الطلاق، إفادة للتشريع في هذا الباب ودفعاً لما قد يعلق أو علق بالأوهام في شأنه. روى مالك في جامع الطلاق من «الموطأ»: «عن هشام بن عروة عن أبيه أنه قال: كان الرجل إذا طلق امرأته ثم ارتجعها قبل أن تنقضي عدتها كان له ذلك وإن طلقها ألفَ مرة فعمَد رجلٌ إلى امرأته فطلقها حتى إذا شارفت انقضاء عدتها راجعها ثم طلقها ثم قال والله لا آويك ولا تحلين أبداً فأنزل الله تعالى: {الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان} فاستقبل الناس الطلاق جديداً من يومئذٍ من كان طلق منهم أو لم يطلق». وروى أبو داود والنسائي عن ابن عباس قريباً منه. ورواه الحاكم في «مستدركه» إلى عروة بن الزبير عن عائشة قالت: لم يكن للطلاق وقت يطلق الرجل امرأته ثم يراجعها ما لم تنقض العدة وكان بين رجل من الأنصار وبين أهله بعض ما يكون بين الناس فقال: والله لا تركتك لا أَيماً ولا ذات زوج فجعل يطلقها حتى إذا كادت العدة أن تنقضي راجعها ففعل ذلك مراراً فأنزل الله تعالى: {الطلاق مرتان}، وفي ذلك روايات كثيرة تقارب هذه، وفي «سنن أبي داود»: باب نسخ المراجعة بعد التطليقات الثلاث وأخرج حديث ابن عباس أن الرجل كان إذا طلق امرأته فهو أحق برجعتها وإن طلقها ثلاثاً فنسخ ذلك ونزل {الطلاق مرتان}، فالآية على هذا إبطال لما كان عليه أهل الجاهلية، وتحديد لحقوق البعولة في المراجعة. والتعريف في قوله (الطلاق) تعريف الجنس على ما هو المتبادر في تعريف المصادر وفي مساق التشريع، فإن التشريع يقصد بيان الحقائق الشرعية، نحو قوله: { أية : وأحل الله البيع } تفسير : [البقرة: 275] وقوله: { أية : وإن عزموا الطلاق } تفسير : [البقرة: 227] وهذا التعريف هو الذي أشار صاحب «الكشاف» إلى اختياره، فالمقصود هنا الطلاق الرجعي الذي سبق الكلام عليه آنفاً في قوله: { أية : وبعولتهن أحق بردهن في ذلك } تفسير : [البقرة: 228] فإنه الطلاق الأصلي، وليس في أصل الشريعة طلاق بائن غير قابل للمراجعة لذاته، إلاّ الطلقة الواقعة ثالثة، بعد سبق طلقتين قبلها فإنها مبينة بعدُ وأما ما عداها من الطلاق البائن الثابت بالسنة، فبينونته لحق عارض كحق الزوجة فيما تعطيه من مالها في الخلع، ومثل الحق الشرعي في تطليق اللعان، لمظنة انتفاء حسن المعاشرة بعد أن تَلاعنا، ومثل حق المرأة في حكم الحاكم لها بالطلاق للإضرار بها، وحُذف وصف الطلاق، لأن السياق دال عليه، فصار التقدير: الطلاق الرجعي مرتان. وقد أخبر عن الطلاق بأنه مرتان، فعلم أن التقدير: حق الزوج في إيقاع التطليق الرجعي مرتان، فأما الطلقة الثالثة فليست برجعيّة. وقد دل على هذا قوله تعالى بعد ذِكر المرتين: {فإمساك بمعروف} وقوله بعدهُ: { أية : فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجاً غيره } تفسير : [البقرة: 230] الآية وقد روي مثل هذا التفسير عن النبي صلى الله عليه وسلم روى أبو بكر بن أبي شيبة: « حديث : أن رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال أرأيت قول الله تعالى: {الطلاق مرتان} فأين الثالثة فقال رسول الله عليه السلام: إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان » تفسير : وسؤال الرجل عن الثالثة، يقتضي أن نهاية الثلاث كانت حكماً معروفاً إِما من السنة وإِما من بقية الآية، وإنما سأل عن وجه قوله (مرتان) ولما كان المراد بيان حكم جنس الطلاق، باعتبار حصوله من فاعله، وهو إنما يحصل من الأزواج كان لفظ الطلاق آيلاً إلى معنى التطليق، كما يؤول السلام إلى معنى التسليم. وقوله {مرتان}، تثنية مرة، والمرة في كلامهم الفعلة الواحدة من موصوفها أو مضافها، فهي لا تقع إلا جارية على حدث، بوصف ونحوه، أو بإضافة ونحوها، وتقع مفردة، ومثناة، ومجموعة، فتدل على عدم تكرر الفعل، أو تكرر فعله تكرراً واحداً، أو تكرره تكرراً متعدداً، قال تعالى: { أية : سنعذبهم مرتين } تفسير : [التوبة: 101] وتقول العرب «نهيتك غير مرة فلم تنته» أي مراراً، وليس لفظ المرة بمعنى الواحدة من الأشياء الأعيان، ألا ترى أنك تقول: أعطيتك درهماً مرتين، إذا أعطيته درهماً ثم درهما، فلا يفهم أنك أعطيته درهمين مقترنين، بخلاف قولك أعطيتك درهمين. فقوله تعالى: {الطلاق مرتان} يفيد أن الطلاق الرجعي شرع فيه حق التكرير إلى حد مرتين، مرة عقب مرة أخرى لا غير، فلا يتوهم منه في فهم أهل اللسان أن المراد: الطلاق لا يقع إلا طلقتين مقترنتين لا أكثر ولا أقل، ومن توهم ذلك فاحتاج إلى تأويل لدفعه فقد أبعد عن مجاري الاستعمال العربي، ولقد أكثر جماعة من متعاطي التفسير الاحتمالات في هذه الآية والتفريع عليها، مدفوعين بأفهام مولدة، ثم طبقوها على طرائق جدلية في الاحتجاج لاختلاف المذاهب في إثبات الطلاق البدعي أو نفيه، وهم في إرخائهم طِوَل القول ناكبون عن معاني الاستعمال، ومن المحققين من لم يفته المعنى ولم تف به عبارته كما وقع في «الكشاف». ويجوز أن يكون تعريف الطلاق تعريف العهد، والمعهود هو ما يستفاد من قوله تعالى: { أية : والمطلقات يتربصن} تفسير : [البقرة: 228] إلى قوله {أية : وبعولتهن أحق بردهن } تفسير : [البقرة: 228] فيكون كالعهد في تعريف الذَّكَر في قوله تعالى: { أية : وليس الذكر كالأنثى } تفسير : [آل عمران: 36] فإنه معهود مما استفيد من قوله: { أية : إني نذرت لك ما في بطني } تفسير : [آل عمران: 35]. وقوله: {فإمساك بمعروفٍ} جملة مفرعة على جملة {الطلاق مرتان} فيكون الفاء للتعقيب في مجرد الذكر، لا في وجود الحكم. و(إمساك) خبر مبتدأ محذوف تقديره فالشأن أو فالأمر إمساك بمعروف أو تسريح على طريقة { أية : فصبر جميل } تفسير : [يوسف: 18] وإذ قد كان الإمساك والتسريح ممكنين عند كل مرة من مرتي الطلاق، كان المعنى فإمساك أو تسريح في كل مرة من المرتين، أي شأن الطلاق أن تكون كل مرة منه معقبة بإرجاع بمعروف أو ترك بإحسان، أي دون ضرار في كلتا الحالتين. وعليه فإمساك وتسريح مصدران، مراد منهما الحقيقة والاسم، دون إرادة نيابة عن الفعل، والمعنى أن المطلق على رأس أمره فإن كان راغباً في امرأته فشأنه إمساكها أي مراجعتها، وإن لم يكن راغباً فيها فشأنه ترك مراجعتها فتسرح، والمقصود من هذه الجملة إدماج الوصاية بالإحسان في حال المراجعة، وفي حال تركها، فإن الله كتب الإحسان على كل شيء، إبطالاً لأفعال أهل الجاهلية؛ إذ كانوا قد يراجعون المرأة بعد الطلاق ثم يطلقونها دَوَالَيْك، لتبقى زمناً طويلاً في حالة ترك إضراراً بها، إذ لم يكن الطلاق عندهم منتهياً إلى عدد لا يملك بعده المراجعة، وفي هذا تمهيد لما يرد بعده من قوله: {ولا يحل لكم أن تأخذوا مما أتيتموهن شيئاً} الآية. ويجوز أن يكون إمساك وتسريح مصدرين جعلا بدلين من فعليهما، على طريقة المفعول المطلق الآتي بدلاً من فعله، وأصلهما النصب، ثم عدل عن النصب إلى الرفع لإفادة معنى الدوام، كما عدل عن النصب إلى الرفع في قوله تعالى: { أية : قال سلامٌ } تفسير : [هود: 69] وقد مضى أول سورة الفاتحة، فيكون مفيداً معنى الأمر بالنيابة عن فعله، ومفيداً الدوام بإيراد المصدرين مرفوعين، والتقدير فأمسكوا أو سرحوا. فتبين أن الطلاق حدد بمرتين، قابلة كل منهما للإمساك بعدها، والتسريح بإحسان توسعة على الناس ليرتأوا بعد الطلاق ما يليق بحالهم وحال نسائهم، فلعلهم تعرض لهم ندامة بعد ذوق الفراق ويحسوا ما قد يغفلون عن عواقبه حين إنشاء الطلاق، عن غضب أو عن ملالة، كما قال تعالى: { أية : لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمراً } تفسير : [الطلاق: 1] وقوله: { أية : ولا تمسكوهن ضراراً لتعتدوا ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه ولا تتخذوا آيات الله هزواً } تفسير : [البقرة: 231] وليس ذلك ليتخذوه ذريعة للإضرار بالنساء كما كانوا يفعلون قبل الإسلام. وقد ظهر من هذا أن المقصود من الجملة هو الإمساك أو التسريح المطْلَقين وأما تقييد الإمساك بالمعروف والتسريح بالإحسان، فهو إدماج لوصية أخرى في كلتا الحالتين، إدماجاً للإرشاد في أثناء التشريع. وقدم الإمساك على التسريح إيماء إلى أنه الأهم، المرغب فيه في نظر الشرع. والإمساك حقيقته قبض اليد على شيء مخافة أن يسقط أو يتفلت، وهو هنا استعارة لدوام المعاشرة. والتسريح ضد الإمساك في معنييه الحقيقي والمجازي، وهو مستعار هنا لإبطال سبب المعاشرة بعد الطلاق، وهو سبب الرجعة ثم استعارة ذلك الإبطال للمفارقة فهو مجاز بمرتبتين. والمعروف هنا هو ما عرفه الناس في معاملاتهم من الحقوق التي قررها الإسلام أو قررتها العادات التي لا تنافي أحكام الإسلام. وهو يناسب الإمساك لأنه يشتمل على أحكام العصمة كلها من إحسان معاشرة، وغير ذلك، فهو أعم من الإحسان. وأما التسريح فهو فراق ومعروفه منحصر في الإحسان إلى المفارقة بالقول الحسن والبذل بالمتعة، كما قال تعالى: { أية : فمتعوهن وسرحوهن سراحاً جميلاً } تفسير : [الأحزاب: 49] وقد كان الأزواج يظلمون المطلقات ويمنعونهن من حليهن ورياشهن، ويكثرون الطعن فيهن قال ابن عرفة في «تفسيره»: «فإن قلت هلا قيل فإمساك بإحسان أو تسريح بمعروف قلت عادتهم يجيبون بأن المعروف أخف من الإحسان إذ المعروف حسن العشرة وإعطاء حقوق الزوجية، والإحسان ألا يظلمها من حقها فيقتضي الإعطاء وبذل المال أشق على النفوس من حسن المعاشرة فجعل المعروف مع الإمساك المقتضي دوام العصمة، إذ لا يضر تكرره وجعل الإحسان الشاق مع التسريح الذي لا يتكرر». وقد أخذ قوم من الآية منع الجمع بين الطلاق الثلاث في كلمة، بناء على أن المقصود من قوله {مرتان} التفريق وسنذكر ذلك عند قوله تعالى: { أية : فإن طلقها فلا تحل له من بعد } تفسير : [البقرة: 230] الآية. {وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ مِمَّآ ءَاتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلاَّ أَن يَخَافَآ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا ٱفْتَدَتْ بِهِ}. يجوز أن تكون الواو اعتراضية، فهو اعتراض بين المتعاطفين، وهما قوله: {فإمساك} وقوله {فإن طلقها} ويجوز أن تكون معطوفة على {أو تسريح بإحسان} لأن من إحسان التسريح ألا يأخذ المسرح وهو المطلق عوضاً عن الطلاق، وهذه مناسبة مجىء هذا الاعتراض، وهو تفنن بديع في جمع التشريعات والخطاب للأمة، ليأخذ منه كل أفرادها ما يختص به، فالزوج يقف عن أخذ المال، وولي الأمر يحكم بعدم لزومه، وولي الزوجة أو كبير قبيلة الزوج يسعى ويأمر وينهى (وقد كان شأن العرب أن يلي هذه الأمور ذوو الرأي من قرابة الجانبين) وبقية الأمة تأمر بالامتثال لذلك، وهذا شأن خطابات القرآن في التشريع كقوله: { أية : ولا تؤتوا السفهاء أموالكم } تفسير : إلى قوله: { أية : وارزقوهم فيها } تفسير : [النساء: 5] وإليه أشار صاحب «الكشاف». وقال ابن عطية والقرطبي وصاحب «الكشاف»: الخطاب في قوله: {ولا يحل لكم} للأزواج بقرينة قوله {أن تأخذوا} وقوله: {أتيتموهن} والخطاب في قوله: {فإن خفتم ألا تقيما حدود الله} للحكام، لأنه لو كان للأزواج لقيل: فإن خفتم ألا تقيموا أو ألا تقيما، قال في «الكشاف»: «ونحو ذلك غير عزيز في القرآن» اهــــ يعني لظهور مرجع كل ضمير من قرائن المقام ونظره في «الكشاف» بقوله تعالى في سورة الصف (13) { أية : وبشر المؤمنين } تفسير : على رأي صاحب "الكشاف"، إذ جعله معطوفاً على {تؤمنون بالله ورسوله} إلخ لأنه في معنى آمنوا وجاهدوا أي فيكون معطوفاً على الخطابات العامة للأمة، وإن كان التبشير خاصاً به الرسول صلى الله عليه وسلم لأنه لا يتأتى إلا منه. وأظهر من تنظير صاحب «الكشاف» أن تنظره بقوله تعالى فيما يأتي: { أية : وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن } تفسير : [البقرة: 232] إذ خوطب فيه المطلّق والعاضل، وهما متغايران. والضمير المؤنث في {أتيتموهن} راجع إلى {المطلقات}، المفهوم من قوله: {الطلاق مرتان} لأن الجنس يقتضي عدداً من المطلقين والمطلقات، وجوز في «الكشاف» أن يكون الخطاب كله للحكام وتأول قوله: {أن تأخذوا}. وقوله: {مما أتيتموهن} بأن إسناد الأخذ والإتيان للحكام، لأنهم الذين يأمرون بالأخذ والإعطاء، ورجحه البيضاوي بسلامته من تشويش الضمائر بدون نكتة التفات ووهنه صاحب «الكشاف» وغيره بأن الخلع قد يقع بدون ترافع، فما آتاه الأزواج لأزواجهم من المهور لم يكن أخذه على يد الحكام فبطل هذا الوجه، ومعنى لا يحل لا يجوز ولا يسمح به، واستعمال الحل والحرمة في هذا المعنى وضده قديم في العربية، قال عنترة: شعر : يا شاة ما قنص لمن حلت له حرمت على وليتها لم تحرم تفسير : وقال كعب: شعر : إذا يساور قرناً لا يحل له أن يترك القرن إلا وهو مجدول تفسير : وجيء بقوله: {شيئاً} لأنه من النكرات المتوغلة في الإبهام، تحذيراً من أخذ أقل قليل بخلاف ما لو قال مالاً أو نحوه، وهذا الموقع من محاسن مواقع كلمة شيء التي أشار إليها الشيخ في «دلائل الإعجاز». وقد تقدم بسط ذلك عند قوله تعالى: { أية : ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع } تفسير : [البقرة: 155]. وقوله: {إلا أن يخافا} قرأه الجمهور بفتح ياء الغيبة، فالفعل مسند للفاعل، والضمير عائد إلى المتخالعين المفهومين من قوله: {أن تأخذوا مما أتيتموهن شيئاً} وكذلك ضمير {يخافا ألا يقيما} وضمير {فلا جناح عليهما}، وأسند هذا الفعل لهما دون بقية الأمة لأنهما اللذان يعلمان شأنهما. وقرأ حمزة وأبو جعفر ويعقوب بضم ياء الغائب والفعل مبني للنائب والضمير للمتخالعين؛ والفاعل محذوف هو ضمير المخاطبين؛ والتقدير: إلا أن تخافوهما ألا يقيما حدود الله. والخوف توقع حصول ما تكرهه النفس وهو ضد الأمن. ويطلق على أثره وهو السعي في مرضاة المخوف منه، وامتثال أوامره كقوله: { أية : فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين } تفسير : [آل عمران: 175] وترادفه الخشية، لأن عدم إقامة حدود الله مما يخافه المؤمن، والخوف يتعدى إلى مفعول واحد، قال تعالى: {فلا تخافوهم}. وقال الشاعر يهجو رجلاً من فَقْعَسَ أكَلَ كلبَه واسمه حبتر: شعر : يا حبتر لم أكلته لمه لو خافك اللَّه عليه حرمه تفسير : وخرج ابن جني في شرح الحماسة، عليه قول الأحوص فيها على أحد تأويلين: شعر : فإذا تزول تزول على متخمط تُخْشَى بوادره على الأقران تفسير : وحذفت على في الآية لدخولها على أن المصدرية. وقد قال بعض المفسرين: إن الخوف هنا بمعنى الظن، يريد ظن المكروه؛ إذ الخوف لا يطلق إلا على حصول ظن المكروه وهو خوف بمعناه الأصلي. وإقامة حدود الله فسرها مالك رحمه الله بأنها حقوق الزوج وطاعته والبرِّ به، فإذا أضاعت المرأة تلك فقد خالفت حدود الله. وقوله: {فلا جناح عليهما فيما افتدت به} رفع الإثم عليهما، ويدل على أن باذل الحرام لآخذه مشارك له في الإثم، وفي حديث ربا الفضل « حديث : الآخذ والمعطي في ذلك سواء » تفسير : ، وضمير {افتدت به} لجنس المخالعة، وقد تمحض المقام لأن يعاد الضمير إليها خاصة؛ لأن دفع المال منها فقط. وظاهر عموم قوله: {فيما افتدت به} أنه يجوز حينئذ الخلع بما زاد على المهر وسيأتي الخلاف فيه. ولم يختلف علماء الأمة أن المراد بالآية أخذ العوض على الفراق، وإنما اختلفوا في هذا الفراق هل هو طلاق أو فسخ؟ فذهب الجمهور إلى أنه طلاق ولا يكون إلا بائناً؛ إذ لو لم يكن بائناً لما ظهرت الفائدة في بذل العوض، وبه قال عثمان وعلي وابن مسعود والحسن وعطاء وابن المسيب والزهري ومالك وأبو حنيفة والثوري والأوزاعي والشعبي والنخعي ومجاهد ومكحول. وذهب فريق إلى أنه فسخ، وعليه ابن عباس وطاووس وعكرمة وإسحاق وأبو ثور وأحمد بن حنبل. وكل من قال: إن الخلع لا يكون إلا بحكم الحاكم. واختلف قول الشافعي في ذلك، فقال مرة هو طلاق؛ وقال مرة ليس بطلاق، وبعضهم يحكي عن الشافعي أن الخلع ليس بطلاق إلا أن ينوي بالمخالعة الطلاق والصواب أنه طلاق لتقرر عصمة صحيحة، فإن أرادوا بالفسخ ما فيه من إبطال العصمة الأولى فما الطلاق كله إلا راجعاً إلى الفسوخ، وتظهر فائدة هذا الخلاف في الخلع الواقع بينهما بعد أن طلق الرجل طلقتين، فعند الجمهور طلقة الخلع ثالثة فلا تحل لمخالعها إلا بعد زوج، وعند ابن عباس وأحمد بن حنبل وإسحاق ومن وافقهم: لا تعد طلقة، ولهما أن يعقدا نكاحاً مستأنفاً. وقد تمسك بهذه الآية سعيد بن جبير والحسن وابن سيرين وزياد بن أبي سفيان، فقالوا: لا يكون الخلع إلا بحكم الحاكم لقوله تعالى: {فإن خفتم ألا يقيما حدود الله}. والجمهور على جواز إجراء الخلع بدون تخاصم، لأن الخطاب ليس صريحاً للحكام وقد صح من عمر وعثمان وابن عمر أنهم رأوا جوازه بدون حكم حاكم. والجمهور أيضاً على جواز أخذ العوض على الطلاق إن طابت به نفس المرأة، ولم يكن عن إضرار بها. وأجمعوا على أنه إن كان عن إضرار بهن فهو حرام عليه، فقال مالك إذا ثبت الإضرار يمضي الطلاق، ويرد عليها مالها. وقال أبو حنيفة: هو ماض ولكنه يأثم بناء على أصله في النهي، إذا كان لخارج عن ماهية المنهي عنه. وقال الزهري والنخعي وداود: لا يجوز إلا عند النشوز والشقاق. والحق أن الآية صريحة في تحريم أخذ العوض عن الطلاق إلا إذا خيف فساد المعاشرة بألا تحب المرأة زوجها، فإن الله أكد هذا الحكم إذ قال: {إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله} لأن مفهوم الاستثناء قريب من الصريح في أنهما إن لم يخافا ذلك لا يحل الخلع، وأكده بقوله: {فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به} فإن مفهومه أنهما إن لم يخافا ذلك ثبت الجناح، ثم أكد ذلك كله بالنهي بقوله: تلك حدود الله فلا تعتدوها ثم بالوعيد بقوله: {ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون} وقد بين ذلك كله قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بين جميلة بنت أو أخت عبد الله بن أبي بن سلول، وبين زوجها ثابت بن قيس بن شماس؛ إذ قالت له يا رسول الله لا أنا ولا ثابت، أو لا يجمع رأسي ورأس ثابت شيء، والله ما أعتب عليه في دين ولا خلق ولكني أكره الكفر في الإسلام لا أطيقه بغضاً فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم « حديث : أتردين عليه حديقته التي أصدقك » تفسير : قالت «نعم وأزيده» زاد في رواية قال: « حديث : أما الزائد فلا » تفسير : وأجاب الجمهور بأن الآية لم تذكر قوله: {إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله} على وجه الشرط بل لأنه الغالب من أحوال الخلع، ألا يُرى قوله تعالى: { أية : فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئاً مريئاً } تفسير : [النساء: 4] هكذا أجاب المالكية كما في «أحكام ابن العربي»، و«تفسير القرطبي». وعندي أنه جواب باطل، ومتمسك بلا طائل، أما إنكار كون الوارد في هاته الآية شرطا، فهو تعسف وصرف للكلام عن وجهه، كيف وقد دل بثلاثة منطوقات وبمفهومين وذلك قوله: {ولا يحل لكم أن تأخذوا مما أتيتموهن شيئاً} فهذا نكرة في سياق النفي، أي لا يحل أخذ أقل شيء، وقوله: {إلا أن يخافا} ففيه منطوق ومفهوم، وقوله: {فإن خفتم} ففيه كذلك، ثم إن المفهوم الذي يجيء مجيء الغالب هو مفهوم القيود التوابع كالصفة والحال والغاية، دون ما لا يقع في الكلام إلا لقصد الاحتراز، كالاستثناء والشرط. وأما الاحتجاج للجواز بقوله: {فإن طبن لكم عن شيء منه نفساً}، فمورده في عفو المرأة عن بعض الصداق، فإن ضمير {منه} عائد إلى الصدقات، لأن أول الآية { أية : وأتوا النساء صدقاتهن نحلة فإن طبن لكم } تفسير : [النساء: 4] الآية فهو إرشاد لما يعرض في حال العصمة مما يزيد الألفة، فلا تعارض بين الآيتين ولو سلمنا التعارض لكان يجب على الناظر سلوك الجمع بين الآيتين أو الترجيح. واختلفوا في جواز أخذ الزائد على ما أصدقها المفارق، فقال طاووس وعطاء والأوزاعي وإسحاق وأحمد: لا يجوز أخذ الزائد، لأن الله تعالى خصه هنا بقوله: {مما أتيتموهن} واحتجوا بأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لجميلة لما قالت له: أرد عليه حديقته وأزيده « حديث : أما الزائد فلا » تفسير : أخرجه الدارقطني عن ابن جريج. وقال الجمهور: يجوز أخذ الزائد لعموم قوله تعالى: {فلا جناح عليهما فيما أفتدت به} واحتجوا بما رواه الدارقطني عن أبي سعيد الخدري أن أخته كانت تحت رجل من الأنصار تزوجها على حديقة، فوقع بينهما كلام فترافعا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لها « حديث : أتردين عليه حديقته ويطلقك » تفسير : قالت: نعم وأزيده، فقال لها « حديث : ردي عليه حديقته وزيديه » تفسير : وبأن جميلة لما قالت له: وأزيده لم ينكر عليها. وقال مالك: ليس من مكارم الأخلاق ولم أر أحداً من أهل العلم يكره ذلك أي يحرمه، ولم يصح عنده ما روي « حديث : أما الزائد فلا » تفسير : والحق أن الآية ظاهرة في تعظيم أمر أخذ العوض على الطلاق، وإنما رخصه الله تعالى إذا كانت الكراهية والنفرة من المرأة من مبدأ المعاشرة، دفعاً للأضرار عن الزوج في خسارة ما دفعه من الصداق الذي لم ينتفع منه بمنفعة؛ لأن الغالب أن الكراهية تقع في مبدأ المعاشرة لا بعد التعاشر. فقوله: {مما أتيتموهن} ظاهر في أن ذلك هو محل الرخصة، لكن الجمهور تأولوه بأنه هو الغالب فيما يجحف بالأزواج، وأنه لا يبطل عموم قوله: {فيما أفتدت} وقد أشار مالك بقوله: ليس من مكارم الأخلاق إلى أنه لا يراه موجباً للفساد والنهي؛ لأنه ليس مما يختل به ضروري أو حاجي، بل هو آيل إلى التحسينات، وقد مضى عمل المسلمين على جوازه. واختلفوا في هذه الآية هل هي محكمة أم منسوخة؟ فالجمهور على أنها محكمة، وقال فريق: منسوخة بقوله تعالى في سورة النساء (20) {وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطاراً فلا تأخذوا منه شيئاً ونسبه القرطبي لبكر بن عبد الله المزني، وهو قول شاذ، ومورد آية النساء في الرجل يريد فراق امرأته، فيحرم عليه أن يفارقها، ثم يزيد فيأخذ منها مالاً، بخلاف آية البقرة فهي في إرادة المرأة فراق زوجها عن كراهية. تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ ٱللَّهِ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ}. جملة {تلك حدود الله فلا تعتدوها} معترضة بين جملة {ولا يحل لكم أن تأخذوا مما أتيتموهن شيئاً} وما اتصل بها، وبين الجملة المفرعة عليها وهي {فإن طلقها فلا تحل له من بعد} الآية. ومناسبة الاعتراض ما جرى في الكلام الذي قبلها من منع أخذ العوض عن الطلاق، إلا في حالة الخوف من ألا يقيما حدود الله، وكانت حدود الله مبينة في الكتاب والسنة، فجيء بهذه الجملة المعترضة تبْيِيناً؛ لأن منع أخذ العوض على الطلاق هو من حدود الله. وحدود الله استعارة للأوامر والنواهي الشرعية بقرينة الإشارة، شبهت بالحدود التي هي الفواصل المجعولة بين أملاك الناس، لأن الأحكام الشرعية، تفصل بين الحلال والحرام، والحق والباطل وتفصل بين ما كان عليه الناس قبل الإسلام، وما هم عليه بعده. والإقامة في الحقيقة الإظهار والإيجاد، يقال: أقام حداً لأرضه، وهي هنا استعارة للعمل بالشرع تبعاً لاستعارة الحدود للأحكام الشرعية، وكذلك إطلاق الاعتداء الذي هو تجاوز الحد على مخالفة حكم الشرع، هو استعارة تابعة لتشبيه الحكم بالحد. وجملة: {ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون} تذييل وأفادت جملة {فأولئك هم الظالمون} حصراً وهو حصر حقيقي، إذ ما من ظالم إلا وهو متعد لحدود الله، فظهر حصر حال المتعدي حدود الله في أنه ظالم. واسم الإشارة من قوله: {فأولئك هم الظالمون} مقصود منه تمييز المشار إليه، أكمل تمييز، وهو من يتعدى حدود الله، اهتماماً بإيقاع وصف الظالمين عليهم. وأطلق فعل {يتعد} على معنى يخالف حكم الله ترشيحاً لاستعارة الحدود لأحكام الله، وهو مع كونه ترشيحاً مستعار لمخالفة أحكام الله؛ لأن مخالفة الأمر والنهي تشبه مجاوزة الحد في الاعتداء على صاحب الشيء المحدود. وفي الحديث: « حديث : ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله محارمه ».

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {ٱلطَّلاَقُ مَرَّتَانِ}. ظاهر هذه الآية الكريمة أن الطلاق كله منحصر في المرتين، ولكنه تعالى بين أن المنحصر في المرتين هو الطلاق الذي تملك بعده الرجعة لا مطلقاً، وذلك بذكره الطلقة الثالثة التي لا تحل بعدها المراجعة إلا بعد زوج. وهي المذكورة في قوله {أية : فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ} تفسير : [البقرة: 230] الآية وعلى هذا القول فقوله {أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} [البقرة: 229] يعني به عدم الرجعة. وقال بعض العلماء الطلقة الثالثة هي المذكورة في قوله تعالى {أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} [البقرة: 229] وروي هذا مرفوعاً إليه صلى الله عليه وسلم. تنبيه ذكر بعض العلماء أن هذه الآية الكريمة التي هي قوله تعالى {ٱلطَّلاَقُ مَرَّتَانِ} [البقرة: 229] الآية. ويؤخذ منها وقوع الطلاق الثلاث في لفظ واحد وأشار البخاري بقوله "باب من جوز الطلاق الثلاث. لقول الله تعالى {ٱلطَّلاَقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} [البقرة: 229]. والظاهر أن وجه الدلالة المراد عند البخاري، هو ما قاله الكرماني: من أنه تعالى لما قال {ٱلطَّلاَقُ مَرَّتَانِ} [البقرة: 229] علمنا أن إحدى المرتين جمع فيها بين تطليقتين، وإذا جاز جمع التطليقتين دفعة، جاز جمع الثلاث، ورد ابن حجر هذا بأنه قياس مع وجود الفارق وجعل الآية دليلاً لنقيض ذلك، قال مقيده - عفا الله عنه - الظاهر أن الاستدلال بالآية غير ناهض. لأنه ليس المراد حصر الطلاق كله في المرتين حتى يلزم الجمع بين اثنتين في إحدى التطليقتين كما ذكر، بل المراد بالطلاق المحصور: هو خصوص الطلاق الذي تملك بعده الرجعة كما ذكرنا، وكما فسر به الآية جماهير علماء التفسير. وقال بعض العلماء وجه الدليل في الآية أن قوله تعالى: {أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} [البقرة: 229] عام يتناول إيقاع الثلاث دفعة واحدة، ولا يخفى عدم ظهوره. ولكن كون الآية لا دليل فيها على وقوع الثلاث بلفظ واحد، لا ينافي أن تقوم على ذلك أدلة أخر وسنذكر أدلة ذلك، وأدلة من خالف فيه، والراجح عندنا في ذلك إن شاء الله تعالى، مع إيضاح خلاصة البحث كله في آخر الكلام إيضاحاً تاماً. فنقول وبالله نستعين: اعلم أن من أدلة القائلين بلزوم الثلاث مجتمعة، حديث سهل بن سعد الساعدي، الثابت في الصحيح في قصة لعان عويمر العجلاني وزوجه. فإن فيه "فلما فرغا قال عويمر: كذبت عليها يا رسول الله إن أمسكتها فطلقها ثلاثاً قبل أن يأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: ابن شهاب فكانت سنة المتلاعنين". أخرج البخاري هذا الحديث تحت الترجمة المتقدمة عنه ووجه الدليل منه: أنه أوقع الثلاث في كلمة واحدة، ولم ينكره رسول الله صلى الله عليه وسلم. ورد المخالف الاستدلال بهذا الحديث. بأن المفارقة وقعت بنفس اللعان فلم يصادف تطليقه الثلاث محلاً، ورد هذا الاعتراض. بأن الاحتجاج بالحديث من حيث إن النَّبي صلى الله عليه وسلم لم ينكر عليه إيقاع الثلاث مجموعة، فلو كان ممنوعاً لأنكره، ولو كانت الفرقة بنفس اللعان. وبأن الفرقة لم يدل على أنها بنفس اللعان كتاب، ولا سنة صريحة، ولا إجماع. والعلماء مختلفون في ذلك. فذهب مالك وأصحابه إلى أن الفرقة بنفس اللعان، وإنما تتحقق بلعان الزوجين معاً، وهو رواية عن أحمد. وذهب الشافعي وأصحابه إلى أن الفرقة بنفس اللعان، وتقع عند فراغ الزوج من أيمانه قبل لعان المرأة، وهو قول سحنون من أصحاب مالك. وذهب الثوري وأبو حنيفة وأتباعهما إلى أنها لا تقع حتى يوقعها الحاكم. واحتجوا بظاهر ما وقع في أحاديث اللعان، فقد أخرج البخاري في صحيحه عن ابن عمر "حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرق بين رجل وامرأته قذفها، وأحلفهما رسول الله صلى الله عليه وسلم"تفسير : . وأخرج أيضاً في صحيحه عن ابن عمر من وجه آخر أنه قال: "حديث : لاعن رسول الله بين رجل وامرأةٍ من الأنصار، وفرق بينهما"تفسير : . ورواه باقي الجماعة عن ابن عمر، وبه تعلم أن قول يحيى بن معين: إن الرواية بلفظ فرق بين المتلاعنين خطأ: يعني في خصوص حديث سهل بن سعد المتقدم، لا مطلقاً، بدليل ثبوتها في الصحيح من حديث ابن عمر كما ترى: قال ابن عبد البر: إن أراد من حديث سهل فسهل، وإلا فمردود. وقال ابن حجر في فتح الباري ما نصه: "ويؤخذ منه أن إطلاق يحيى بن معين وغيره تخطئة الرواية بلفظ فرق بين المتلاعنين، إنما المراد به في حديث سهل بخصوصه، فقد أخرجه أبو داود من طريق سفيان بن عيينة عن الزهري عنه بهذا اللفظ، وقال بعده لم يتابع ابن عيينة على ذلك أحد ثم أخرج من طريق ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن سعيد بن جبير، عن ابن عمر، "فرَّق رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أخوي بني العجلان" اهـ محل الغرض منه بلفظه، وقد قدمنا في حديث سهل "فكانت سنة المتلاعنين". واختلف في هذا اللفظ هل هو مدرج من كلام الزهري فيكون مرسلاً وبه قال جماعة من العلماء؟ أو هو من كلام سهل فهو مرفوع متصل؟ ويؤيد كونه من كلام سهل ما وقع في حديث أبي داود من طريق عياض بن عبد الله الفهري عن ابن شهاب عن سهل. قال: فطلقها ثلاث تطليقت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنفذه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان ما صنع عند رسول الله صلى الله عليه وسلم سنة. قال سهل: حضرت هذا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فمضت السنة بعد في المتلاعنين، أن يفرق بينهما، ثم لا يجتمعان أبداً. هذا الحديث سكت عليه أبو داود، والمنذري. قال الشوكاني في نيل الأوطار: ورجاله رجال الصحيح. قال مقيده - عفا الله عنه - ومعلوم أن ما سكت عليه أبو داود فأقل درجاته عنده الحسن، وهذه الرواية ظاهرة في محل النزاع، وبها تعلم: أن احتجاج البخاري لوقوع الثلاث دفعة بحديث سهل المذكور واقع موقعه. لأن المطلع على غوامض إشارات البخاري - رحمه الله - يفهم أن هذا اللفظ الثابت في سنن أبي داود، مطابق لترجمة البخاري، وأنه أشار بالترجمة إلى هذه الرواية ولم يخرجها. لأنها ليست على شرطه، فتصريح هذا الصحابي الجليل في هذه الرواية الثابتة بأن النَّبي صلى الله عليه وسلم أنفذ طلاق الثلاث دفعة يبطل بإيضاح أنه لا عبرة بسكوته صلى الله عليه وسلم وتقريره له. بناء على أن الفرقة بنفس اللعان كما ترى. وذهب عثمان البتي وأبو الشعثاء جابر بن زيد البصري، أحد أصحاب ابن عباس من فقهاء التابعين: إلى أن الفرقة لا تقع حتى يوقعها الزوج، وذهب ابو عبيد إلى أنها تقع بنفس القذف وبهذا تعلم أن كون الفرقة بنفس اللعان ليس أمراً قطعياً، حتى ترد به دلالة تقرير النَّبي صلى الله عليه وسلم عويمر العجلاني، على إيقاع الثلاث دفعة، الثابت في الصحيح، لا سيما وقد عرفت أن بعض الروايات فيها التصريح بأنه صلى الله عليه وسلم أنفذ ذلك، فإن قيل قد وقع في حديث لأبي داود عن ابن عباس وقضى أن ليس عليه قوت ولا سكنى، من أجل أنهما يفترقان بغير طلاق ولا متوفى عنها. فالجواب أن هذا التعليل لعدم إيجاب النفقة والسكنى. للملاعنة بعدم طلاق أو وفاة يحتمل كونه من ابن عباس، وليس مرفوعاً إليه صلى الله عليه وسلم. وهذا هو الظاهر أن ابن عباس ذكر العلة لما قضى به رسول الله صلى الله عليه وسلم من عدم النفقة والسكنى، وأراه اجتهاده أن علة ذلك عدم الطلاق والوفاة. والظاهر أن العلة الصحيحة لعدم النفقة والسكنى هي البينونة بمعناها الذي هو أعم من وقوعها بالطلاق أو بالفسخ، بدليل أن البائن بالطلاق لا تجب لها النفقة والسكنى على أصح الأقوال دليلاً. فعلم أن عدم النفقة والسكنى لا يتوقف على عدم الطلاق. وأوضح دليل في ذلك ما صح عنه صلى الله عليه وسلم من حديث حديث : فاطمة بنت قيس رضي الله عنها: "أنها طلَّقها زوجها آخر ثلاث تطليقات فلم يجعل لها رسول الله صلى الله عليه وسلم نفقة ولا سكنى"تفسير : أخرجه مسلم في صحيحه، والإمام أحمد وأصحاب السنن، وهو نص صريح صحيح في أن البائن بالطلاق لا نفقة لها ولا سكنى، وهذا الحديث أصح من حديث ابن عباس المتقدم. وصرح الأئمة بأنه لم يثبت من السنة ما يخالف حديث فاطمة هذا. وما وقع في بعض الروايات عن عمر: أنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : لها السكنى والنفقة"تفسير : . فقد قال الإمام أحمد: لا يصح ذلك عن عمر. وقال الدارقطني: السنة بيد فاطمة قطعاً، وأيضاً تلك الرواية عن عمر من طريق إبراهيم النخعي ومولده بعد موت عمر بسنتين. قال العلامة ابن القيم - رحمه الله تعالى - ونحن نشهد بالله شهادة نسأل عنها إذا لقيناه، أنها كذب على عمر وكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا حققت أن السنة معها وأنها صاحبة القصة، فاعلم أنها لما سمعت قول عمر لا نترك كتاب الله وسنة نبينا صلى الله عليه وسلم لقول امرأة، لا ندري لعلها حفظت أو نسيت، قالت: بيني وبينكم كتاب الله. قال الله: {أية : فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} تفسير : [الطلاق: 1] حتى قال: {أية : لاَ تَدْرِى لَعَلَّ ٱللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً} تفسير : [الطلاق: 1] فأي أمر يحدث بعد الثلاث، رواه أبو داود، والنسائي، وأحمد، ومسلم، بمعناه. فتحصل أن السنة بيدها، وكتاب الله معها. وهذا المذهب بحسب الدليل هو أوضح المذاهب وأصوبها. وللعلماء في نفقة البائن وسكناها أقوال غير هذا. فمنهم من أوجبهما معاً، ومنهم من أوجب السكنى دون النفقة، ومنهم من عكس. فالحاصل أن حديث فاطمة هذا يرد تعليل ابن عباس المذكور، وأنه أصح من حديثه، وفيه التصريح بأن سقوط النفقة والسكنى لا يتوقف على عدم الطلاق، بل يكون مع الطلاق البائن. وأيضاً فالتصريح بأنه صلى الله عليه وسلم أنفذ الثلاث دفعة. في الرواية المذكورة أولى بالاعتبار من كلام ابن عباس المذكور. لأن من حفظ حجة على من لم يحفظ. وهذا الصحابي حفظ إنفاذ الثلاث، والمثبت مقدم على النافي. فإن قيل: إنفاذه صلى الله عليه وسلم الثلاث دفعة من الملاعن على الرواية المذكورة لا يكون حجة في غير اللعان. لأن اللعان تجب فيه الفرقة الأبدية. فإنفاذ الثلاث مؤكد لذلك الأمر الواجب بخلاف الواقع في غير اللعان. ويدل لهذا حديث : أن النَّبي صلى الله عليه وسلم غضب من إيقاع الثلاث دفعة في غير اللعان، وقال: "أيلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم؟"تفسير : كما أخرجه النسائي من حديث محمود بن لبيد فالجواب من أربعة أوجه: الأول: الكلام في حديث محمود بن لبيد، فإنه تكلم فيه من جهتين: الأولى: أنه مرسل. لأن محمود بن لبيد لم يثبت له سماع من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن كانت ولادته في عهده صلى الله عليه وسلم، وذكره في الصحابة من أجل الرؤية، وقد ترجم له أحمد في مسنده، وأخرج له عدة أحاديث ليس فيها شيء صرح فيه بالسماع. الثانية: أن النسائي قال بعد تخريجه لهذا الحديث لا أعلم أحداً رواه غير مخرمة بن بكير. يعني ابن الأشج عن أبيه، ورواية مخرمة عن أبيه وجادة من كتابه، قاله أحمد وابن معين وغيرهما. وقال ابن المديني: سمع من أبيه قليلاً. قال ابن حجر في التقريب: روايته عن أبيه وجادة من كتابه، قاله أحمد وابن معين وغيرهما، وقال ابن المديني سمع من أبيه قليلاً. قال مقيده - عفا الله عنه - أما الإعلال الأول بأنه مرسل، فهو مردود بأنه مرسل صحابي ومراسيل الصحابة لها حكم الوصل. ومحمود بن لبيد المذكور جل روايته عن الصحابة. كما قاله ابن حجر في التقريب وغيره. والإعلال الثاني بأن رواية مخرمة عن أبيه وجادة من كتابه فيه: أن مسلماً أخرج في صحيحه عدة أحاديث من رواية مخرمة عن أبيه، والمسلمون مجمعون على قبول أحاديث مسلم إلا بموجب صريح يقتضي الرد، فالحق أن الحديث ثابت إلا أن الاستدلال به يرده. الوجه الثاني: وهو أن حديث محمود ليس فيه التصريح بأنه صلى الله عليه وسلم أنفذ الثلاث، ولا أنه لم ينفذها، وحديث سهل على الرواية المذكورة فيه التصريح بأنه أنفذها، والمبين مقدم على المجمل، كما تقرر في الأصول بل بعض العلماء احتج لإيقاع الثلاث دفعة، بحديث محمود هذا. ووجه استدلاله به أنه طلق ثلاثاً يظن لزومها، فلو كانت غير لازمة لبين النَّبي صلى الله عليه وسلم أنها غير لازمة. لأن البيان لا يجوز تأخيره عن وقت الحاجة. الوجه الثالث: أن إمام المحدثين محمد بن إسماعيل البخاري رحمه الله أخرج حديث سهل تحت الترجمة التي هي قوله: "باب من جوز الطلاق الثلاث" وهو دليل على أنه يرى عدم الفرق بين اللعان وغيره، في الاحتجاج بإنفاذ الثلاث دفعة. الوجه الرابع: هو ما سيأتي من الأحاديث الدالة على وقوع الثلاث دفعة، كحديث ابن عمر، وحديث الحسن بن علي، وإن كان الكل لا يخلو من كلام. وممن قال بأن اللعان طلاق لا فسخ أبو حنيفة، ومحمد بن الحسن، وحماد، وصح عن سعيد بن المسيب، كما نقله الحافظ ابن حجر في فتح الباري، وعن الضحاك والشعبي: إذا أكذب نفسه ردت إليه امرأته. وبهذا كله تعلم أن رد الاحتجاج بتقريره صلى الله عليه وسلم عويمر العجلاني، على إيقاع الثلاث دفعة، بأن الفرقة بنفس اللعان لا يخلو من نظر، ولو سلمنا أن الفرقة بنفس اللعان فإنا لا نسلم أن سكوته صلى الله عليه وسلم لا دليل فيه، بل نقول لو كانت لا تقع دفعة لبين أنها لا تقع دفعة، ولو كانت الفرقة بنفس اللعان كما تقدم. ومن أدلتهم حديث عائشة الثابت في الصحيح في قصة رفاعة القرظي وامرأته، فإن فيه "فقالت يا رسول الله إن رفاعة طلقني فبت طلاقي" الحديث: وقد أخرجه البخاري تحت الترجمة المتقدمة، فإن قولها فبت طلاقي ظاهر في أنه قال لها أنت طالق ألبتة، قال مقيده - عفا الله عنه - الاستدلال بهذا الحديث غير ناهض فيما يظهر. لأن مرادها بقولها: فبت طلاقي أي: بحصول الطلقة الثالثة. ويبينه أن البخاري ذكر في كتاب الأدب من وجه آخر أنها قالت: طلقني آخر ثلاث تطليقات، وهذه الرواية تبين المراد من قولها فبت طلاقي، وأنه لم يكن دفعة واحدة، ومن أدلتهم حديث عائشة الثابت في الصحيح. وقد أخرجه البخاري تحت الترجمة المذكورة أيضاً "حديث : أن رجلاً طلق امرأته ثلاثاً، فتزوجت فطلق، فسئل النَّبي صلى الله عليه وسلم اتحلَّ للأول؟ قال لا، حتى يذوق عسيلتها كما ذاق الأول" تفسير : فإن قوله ثلاثاً ظاهر في كونها مجموعة، واعترض الاستدلال بهذا الحديث بأنه مختصر من قصة رفاعة، وقد قدمنا قريباً أن بعض الروايات الصحيحة دل على أنها ثلاث مفرقة لا مجموعة، ورد هذا الاعتراض بأن غير رفاعة قد وقع له مع امرأته نظير ما وقع لرفاعة، فلا مانع من التعدد، وكون الحديث الأخير في قصة أخرى كما ذكره الحافظ ابن حجر في الكلام على قصة رفاعة. فإنه قال فيها ما نصه: وهذا الحديث إن كان محفوظاً فالواضح من سياقه أنها قصة أخرى، وأن كلاً من رفاعة القرظي ورفاعة النضري وقع له مع زوجة له طلاق. فتزوج كلاً منهما عبد الرحمن بن الزبير فطلقها قبل أن يمسها، فالحكم في قصتهما متحد مع تغاير الأشخاص. وبهذا يتبين خطأ من وجد بينهما ظناً منه أن رفاعة بن سموءل هو رفاعة بن وهب اهـ محل الحاجة منه بلفظه. ومن أدلتهم ما أخرجه النسائي عن محمود بن لبيد قال: "حديث : أخبر النَّبي صلى الله عليه وسلم عن رجل طلق امرأته ثلاث تطليقات جميعاً، فقام مغضبا، فقال: "أيلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم؟" تفسير : وقد قدمنا أن وجه الاستدلال منه: أنّ المطلق يظن الثلاث المجموعة واقعة، فلو كانت لا تقع لبين النَّبي صلى الله عليه وسلم أنها لا تقع. لأنه لا يجوز في حقه تأخير البيان عن وقت الحاجة إليه. وقد قال ابن كثير في حديث محمود هذا: إن إسناده جيد، وقال الحافظ في بلوغ المرام: رواته موثقون وقال في الفتح رجاله ثقات، فإن قيل غضب النَّبي صلى الله عليه وسلم، وتصريحه بأن ذلك الجمع للطلقات لعب بكتاب الله يدل على أنها لا تقع. لقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" تفسير : وفي رواية "حديث : من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد" تفسير : فالجواب أن كونه ممنوعاً ابتداء لا ينافي وقوعه بعد الإيقاع، ويدل له ما سيأتي قريباً عن ابن عمر من قوله لمن سأله: وإن كنت طلقتها ثلاثاً فقد حرمت عليك حتى تنكح زوجاً غيرك، وعصيت الله فيما أمرك به من طلاق امرأتك، ولا سيما على قوم الحاكم: إنه مرفوع، وهذا ثابت عن ابن عمر في الصحيح ويؤيده ما سيأتي إن شاء الله قريباً من حديثه المرفوع عند الدارقطني أن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال له: حديث : كانت تبين منك وتكون معصيةتفسير : ، ويؤيده أيضاً ما سيأتي إن شاء الله عن ابن عباس بإسناد صحيح أنه قال لمن سأله عن ثلاث أوقعها دفعة: إنك لم تتق الله فيجعل لك مخرجاً، عصيت ربك، وبانت منك امرأتك. وبالجملة فالمناسب لمرتكب المعصية التشديد لا التخفيف بعدم الإلزام، ومن أدلتهم ما أخرجه الدارقطني حديث : عن ابن عمر رضي الله عنهما: أنه قال: "فقلت: يا رسول الله أرأيت لو طلقتها ثلاثاً أكان يحل لي أن أراجعها؟ قال: "لا، كانت تبين منك وتكون معصية"تفسير : ، وفي إسناده عطاء الخراساني وهو مختلف فيه، وقد وثقه الترمذي، وقال النسائي وأبو حاتم: لا بأس به، وكذبه سعيد بن المسيب، وضعفه غير واحد، وقال البخاري ليس فيمن روى عنه مالك من يستحق الترك غيره، وقال شعبة كان نسياً، وقال ابن حبان كان من خيار عباد الله، غير أنه كثير الوهم سيء الحفظ، يخطئ ولا يدري: فلما كثر ذلك في روايته بطل الاحتجاج به: وأيضاً الزيادة التي هي محل الحجة من الحديث أعني قوله "أرأيت لو طلقتها" إلخ مما تفرد به عطاء المذكور. وقد شاركه الحفاظ في أصل الحديث، ولم يذكروا الزيادة المذكورة. وفي إسنادها شعيب بن زريق الشامي وهو ضعيف، وأعل عبد الحق في أحكامه، هذا الحديث بأن في إسناده معلى بن منصورن وقال: رماه أحمد بالكذب. قال مقيده - عفا الله عنه - أما عطاء الخراساني المذكور فهو من رجال مسلم في صحيحه، وأما معلى بن منصور فقد قال فيه ابن حجر في التقريب ثقة سني فقيه طلب للقضاء فامتنع. أخطأ من زعم أن أحمد رماه بالكذب، أخرج له الشيخان وباقي الجماعة. وأما شعيب بن زريق أبو شيبة الشامي فقد قال فيه ابن حجر في التقريب صدوق يخطئ ومن كان كذلك فليس مردود الحديث، لا سيما وقد اعتضدت روايته بما تقدم في حديث سهل، وبما رواه البيهقي عن الحسن بن علي رضي الله عنهما، فإنه قال في السنن الكبرى ما نصه: أخبرنا أبو الحسن علي بن أحمد بن عبدان أنا أحمد بن عبيد الصفار، أنا إبراهيم بن محمد الواسطي، أنا محمد بن حميد الرازي، أنا سلمة بن الفضل، عن عمرو ابن أبي قيس، عن إبراهيم بن عبد الأعلى، عن سويد بن غفلة، قال: كانت عائشة الخثعمية عند الحسن بن علي رضي الله عنهما، فلما قتل علي رضي الله عنه قالت لتهنك الخلافة، قال بقتل علي تظهرين الشماتة، اذهبي فأنت طالق، يعني ثلاثاً قال: فتلفعت بثيابها وقعدت حتى قضت عدتها، فبعث إليها ببقية بقيت لها من صداقها وعشرة آلاف صدقة، فلما جاءها الرسول قالت متاع قليل من حبيب مفارق، فلما بلغه قولها بكى ثم قال: لولا أني سمعت جدي أو حدثني أبي أنه سمع جدي يقول حديث : "أيما رجل طلق امرأته ثلاثاً عند الأقراء، أو ثلاثاً مبهمة لم تحل له حتى تنكح زوجاً غيره" لراجعتها . تفسير : وكذلك روي عن عمرو بن شمر، عن عمران بن مسلم، وإبراهيم بن عبد الأعلى، عن سويد بن غفلة اهـ منه بلفظه. وضعف هذا الإسناد بأن فيه محمد بن حميد بن حيان الرازي، قال فيه ابن حجر في التقريب حافظ ضعيف، وكان ابن معين حسن الرأي فيه، وأن فيه أيضاً سلمة بن الفضل الأبرش، مولى الأنصار قاضي الري قال فيه في التقريب: صدوق كثير الخطأ وروى من غير هذا الوجه وروى نحوه الطبراني من حديث سويد بن غفلة، وضعف الحديث إسحاق بن راهويه، ويؤيد حديث ابن عمر المذكور أيضاً ما ثبت في الصحيح عن ابن عمر من أنه قال: "وإن كنت طلقتها ثلاثاً فقد حرمت عليك حتى تنكح زوجاً غيرك، وعصيت الله فيما أمرك به من طلاق امرأتك". ولا سيما على قول الحاكم: إنه مرفوع، وعلى ثبوت حديث ابن عمر المذكور، فهو ظاهر في محل النزاع. فما ذكره بعض أهل العلم من أنه لو صح لم يكن فيه حجة. بناء على حمله على كون الثلاث مفرقة لا مجتمعة، فهو بعيد. والحديث ظاهر في كونها مجتمعة: لأن ابن عمر لا يسأل عن الثلاث المتفرقة إذ لا يخفى عليه أنها محرمة، وليس محل نزاع. ومن أدلتهم ما أخرجه عبد الرزاق في مصنفه، حديث : عن عبادة بن الصامت. "قال: طلق جدي امرأة له ألف تطليقة، فانطلق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر له ذلك، فقال النَّبي صلى الله عليه وسلم: ما اتقى الله جدك، أما ثلاث فله. وأما تسعمائة وسبع وتسعون فعدوان وظلم، إن شاء الله عذبه وإن شاء غفر له" تفسير : وفي رواية: "حديث : إن أباك لم يتق الله فيجعل له مخرجاً، بانت منه بثلاث على غير السنة، وتسعمائة وسبع وتسعون إثم في عنقه"تفسير : . وفي إسناده يحيى بن العلاء، وعبيد الله بن الوليد، وإبراهيم بن عبيد الله، ولا يحتج بواحد منهم. وقد رواه بعضهم عن صدقة بن أبي عمران، عن إبراهيم بن عبيد الله بن عبادة بن الصامت عن أبيه عن جده. ومن أدلتهم ما رواه ابن ماجه عن الشعبي قال: قلت لفاطمة بنت قيس حدِّثيني عن طلاقِك، قالت طلقني زوجي ثلاثاً وهو خارج إلى اليمن. فأجاز ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم. وفي رواية أبي أسامة عن هشام بن عروة عن أبيه، حديث : عن فاطمة بنت قيس قالت: "يا رسول الله إن زوجي طلَّقني ثلاثاً، فأخاف أن يقتحم علي فأمرها فتحولت" . تفسير : وفي مسلم من رواية أبي سلمة، أن فاطمة بنت قيس أخبرته أن أبا حفص بن المغيرة المخزومي طلقها ثلاثاً ثم انطلق إلى اليمن إلخ.. وفيه عن أبي سلمة ايضاً أنها قالت: "فطلَّقني البتَّة". قالوا: فهذه الروايات ظاهرة، في أن الطلاق كان بالثلاث المجتمعة، ولا سيما حديث الشعبي. لقولها فيه فأجاز ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ لا يحتاج إلى الإخبار بإجازته إلا الثلاث المجتمعة، ورد الاستدلال بهذا الحديث بما ثبت في بعض الروايات الصحيحة. كما أخرجه مسلم من رواية أبي سلمة أيضاً: أن فاطمة أخبرته أنها كانت تحت أبي عمرو بن حفص بن المغيرة فطلَّقها آخر ثلاث تطليقات. فهذه الرواية تفسر الروايات المتقدمة، وتظهر أن المقصود منها أن ذلك وقع مفرقاً لا دفعة، ورد بعضهم هذا الاعتراض بأن الروايات المذكورة تدل على عدم تفريق الصحابة والتابعين بين صيغ البينونة الثلاث، يعنون لفظ ألبتة والثلاث المجتمعة، والثلاث المتفرقة. لتعبيرها في بعض الروايات بلفظ طلقني ثلاثاً، وفي بعضها بلفظ طلقني ألبتة، وفي بعضها بلفظ فطلقني آخر ثلاث تطليقات. فلم تخص لفظاً منها عن لفظ. لعلمها بتساوي الصيغ. ولو علمت أن بعضها لا يحرم لاحترزت منه. قالوا: والشعبي قال لها حدثيني عن طلاقك أي: عن كيفيته وحاله، فكيف يسأل عن الكيفية ويقبل الجواب بما فيه عنده إجمال من غير أن يستفسر عنه، وأبو سلمة روى عنها الصيغ الثلاث، فلو كان بينها عنده تفاوت لاعترض عليها باختلاف ألفاظها. وتثبت حتى يعلم منها بأي الصيغ وقعت بينونتها، فتركه لذلك دليل على تساوي الصيغ المذكورة عنده هكذا ذكره بعض الأجلاء. والظاهر أن هذا الحديث لا دليل فيه. لأن الروايات التي فيها إجمال بينتها الرواية الصحيحة الأخرى كما هو ظاهر، والعلم عند الله تعالى. ومن أدلتهم ما رواه أبو داود والدارقطني وقال: قال أبو داود: هذا حديث حسن صحيح، والشافعي، والترمذي، وابن ماجه، وصححه ابن حبان والحاكم حديث : عن ركانة بن عبد الله أنه طلق امرأته سهيمة ألبتة، فأخبر النَّبي صلى الله عليه وسلم بذلك. فقال والله ما أردت إلاَّ واحدة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: والله ما أردت إلاَّ واحدة؟ فقال ركانة: والله ما أردت إلاَّ واحدة، فردها إليه رسول الله صلى الله عليه وسلمتفسير : ، وطلقها الثانية في زمان عمر بن الخطاب، والثالثة في زمن عثمان، فهذا الحديث صححه أبو داود، وابن حبان، و الحاكم. وقال فيه ابن ماجه: سمعت أبا الحسن علي بن محمد الطنافسي يقول: ما أشرف هذا الحديث. وقال الشوكاني في نيل الأوطار: قال ابن كثير قد رواه أبو داود من وجه آخر، وله طرق أخر، فهو حسن إن شاء الله. وهو نص في محل النزاع. لأن تحليفه صلى الله عليه وسلم لركانة ما أراد بلفظ ألبتة إلا واحدة دليل على أنه لو أراد بها أكثر من الواحدة لوقع، والثلاث أصرح في ذلك من لفظ ألبتة. لأن ألبتة كناية والثلاث صريح، ولو كان لا يقع أكثر من واحدة، لما كان لتحليفه معنى مع اعتضاد هذا الحديث بما قدمنا من الأحاديث. وبما سنذكره بعده إن شاء الله تعالى، وإن كان الكل لا يخلو من كلام، مع أن هذا الحديث تكلم فيه: بأن في إسناده الزبير بن سعيد بن سليمان بن سعيد بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب الهاشمي. قال فيه ابن حجر في التقريب: لين الحديث، وقد ضعفه غير واحد. وقيل: إنه متروك، والحق ما قاله فيه ابن حجر من أنه لين الحديث. وذكر الترمذي عن البخاري أنه مضطرب فيه. يقال ثلاثاً، وتارة قيل واحدة. وأصحها أنه طلقها ألبتة، وأن الثلاث ذكرت فيه على المعنى. وقال ابن عبد البر في التمهيد: تكلموا في هذا الحديث، وقد قدمنا آنفاً تصحيح أبي داود، وابن حبان، والحاكم له، وأن ابن كثير قال: إنه حسن وإنه معتضد بالأحاديث المذكورة قبله، كحديث ابن عمر عند الدارقطني، وحديث الحسن عند البيهقي، وحديث سهل بن سعد الساعدي في لعان عويمر وزوجه، ولا سيما على رواية فأنفذه رسول الله صلى الله عليه وسلم يعني الثلاث بلفظ واحد كما تقدم. ويعتضد أيضاً بما رواه أبو داود، والترمذي، والنسائي، عن حماد بن زيد. قال: قلت لأيوب هل علمت أحداً قال في أمرك بيدك أنها ثلاث غير الحسن؟ قال: لا ثم قال: اللهم غفراً إلاَّ ما حدثني قتادة عن كثير، مولى ابن سمرة، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال: ثلاث فلقيت كثيراً فسألته فلم يعرفه فرجعت إلى قتادة فأخبرته فقال: نسي. وقال الترمذي: لا نعرفه إلا من حديث سليمان بن حرب، عن حماد بن زيد، وتكلم في هذا الحديث من ثلاث جهات: الأولى: أن البخاري لم يعرفه مرفوعاً، وقال إنه موقوف على أبي هريرة ويجاب عن هذا: بأن الرفع زيادة، وزيادة العدل مقبولة، وقد رواه سليمان بن حرب، عن حماد بن زيد مرفوعاً وجلالتهما معروفة. قال في مراقي السعود: شعر : والرفع والوصل وزيد اللفظ مقبولة عند إمام الحفظ. الخ.. تفسير : الثانية: أن كثيراً نسيه، ويجاب عن هذا بأن نسيان الشيخ لا يبطل رواية من روى عنه. لأنه يقل راو يحفظ طول الزمان ما يرويه، وهذا قول الجمهور. وقد روى سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة: أن النَّبي صلى الله عليه وسلم، قضى بالشاهد واليمين ونسيه، فكان يقول: حدثني ربيعة عني ولم ينكر عليه أحد، وأشار إليه العراقي في ألفيته بقوله: شعر : وإن يرده بلا أذكر أو ما يقتضي نسيانه فقد رأوا الحكم للذاكر عند المعظم وحكى الإسقاط عن بعضهم كقصة الشاهد واليمين إذ نسيه سهيل الذي أخذ عنه، فكان بعد عن ربيعة عن نفسه يرويه لن يضيعه تفسير : الثالثة: تضعيفة بكثير مولى ابن سمرة، كما قال ابن حزم إنه مجهول، ويجاب عنه بأن ابن حجر قال في التقريب: إنه مقبول، ومن أدلتهم ما رواه الدارقطني من حديث زاذان عن علي رضي الله عنه قال: سمع النَّبي صلى الله عليه وسلم رجلاً طلق ألبتة فغضب، وقال: "حديث : أتتخذون آيات الله هزواً؟ أو دين الله هزواً. أو لعباً؟ من طلق ألبتة ألزمناه ثلاثاً لا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره"تفسير : ، وفيه إسماعيل بن أمية، قال فيه الدارقطني: كوفي ضعيف. ومن أدلتهم ما رواه الدارقطني من حديث حماد بن زيد، حدثنا عبد العزيز بن صهيب عن انس قال: سمعت أنس بن مالك يقول: سمعت معاذ بن جبل يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : يا معاذ من طلق للبدعة واحدة أو اثنتين أو ثلاثاً ألزمناه بدعته" تفسير : وفي إسناده إسماعيل بن أمية الذارع وهو ضعيف أيضاً. فهذه الأحاديث وإن كانت لا يخلو شيء منها من مقال فإن كثرتها واختلاف طرقها وتباين مخارجها يدل على أن لها أصلاً، والضعاف المعتبر بها إذا تباينت مخارجها شد بعضها بعضاً فصلح مجموعها للاحتجاج، ولا سيما أن منها ما صححه بعض العلماء كحديث طلاق ركانة ألبتة، وحسنه ابن كثير ومنها ما هو صحيح، وهو رواية إنفاذه صلى الله عليه وسلم طلاق عويمر ثلاثاً مجموعة، عند أبي داود. وقد علمت معارضة تضعيف حديث ابن عمر عند الدارقطني من جهة عطاء الخراساني، ومعلى بن منصور، وشعيب بن زريق، إلى آخر ما تقدم. شعر : لا تخاصم بواحد أهل بيت فضعيفان يغلبان قوياً تفسير : وقال النووي في شرح مسلم ما نصه: واحتج الجمهور بقوله تعالى: {أية : وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ ٱللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لاَ تَدْرِى لَعَلَّ ٱللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً} تفسير : [الطلاق: 1]. قالوا معناه: أن المطلق قد يحدث له ندم فلا يمكنه تداركه. لوقوع البينونة، فلو كانت الثلاث لا تقع لم يقع طلاقه هذا إلا رجعياً، فلا يندم اهـ محل الغرض منه بلفظه. قال مقيده - عفا الله عنه - ومما يؤيد هذا الاستدلال القرآني ما أخرجه أبو داود بسند صحيح من طريق مجاهد قال: كنت عند ابن عباس فجاءه رجل فقال: إنه طلق امرأته ثلاثاً، فسكت حتى ظننت أنه سيردها إليه، فقال ينطلق أحدكم فيركب الأحموقة. ثم يقول يا ابن عباس، إن الله قال: {أية : وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً} تفسير : [الطلاق: 2] وإنك، لم تتق الله. فلا أجد لك مخرجاً، عصيت ربك، وبانت منك امرأتك. وأخرج له ابو داود متابعات عن ابن عباس بنحوه، وهذا تفسير من ابن عباس للآية بأنها يدخل في معناها ومن يتق الله، ولم يجمع الطلاق في لفظة واحدة يجعل له مخرجاً بالرجعة، ومن لم يتقه في ذلك بأن جمع الطلقات في لفظ واحد لم يجعل له مخرجاً بالرجعة. لوقوع البينونة بها مجتمعة، هذا هو معنى كلامه، الذي لا يحتمل غيره. وهو قوي جداً في محل النزاع. لأنه مفسر به قرآناً، وهو ترجمان القرآن وقد قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : اللهم علمه التأويل"تفسير : . وعلى هذا القول جل الصحابة، وأكثر العلماء، منهم الأئمة الأربعة. وحكى غير واحد عليه الإجماع، واحتج المخالفون بأربعة أحاديث: الأول: حديث ابن إسحاق عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس عند أحمد وأبي يعلى، وصححه بعضهم قال: حديث : طلق ركانة بن عبد يزيد امرأته ثلاثاً في مجلس واحد، فحزن عليها حزناً شديداً فسأله النَّبي صلى الله عليه وسلم كيف طلقتها؟ قال ثلاثاً في مجلس واحد، فقال النَّبي صلى الله عليه وسلم: "إنما تلك واحدة، فارتجعها إن شئت فارتجعها" تفسير : قال مقيده - عفا الله عنه - الاستدلال بهذا الحديث مردود من ثلاثة أوجه. الأول: أنه لا دليل فيه ألبتة على محل النزاع على فرض صحته، لا بدلالة المطابقة، ولا بدلالة التضمن، ولا بدلالة الالتزام. لأن لفظ المتن أن: الطلقات الثلاث واقعة في مجلس واحد، ولا شك أن كونها في مجلس واحد لا يلزم منه كونها بلفظ واحد، فادعاء أنها لما كانت في مجلس واحد، لا بد أن تكون بلفظ واحد في غاية البطلان كما ترى. إذ لم يدل كونها في مجلس واحد، على كونها بلفظ واحد. بنقل، ولا عقل، ولا لغة كما لا يخفى على أحد. بل الحديث أظهر في كونها ليست بلفظ واحد، إذ لو كانت بلفظ واحد، لقال بلفظ واحد وترك ذكر المجلس. إذ لا داعي لترك الأخص والتعبير بالأعم بلا موجب كما ترى. وبالجملة فهذا الدليل يقدح فيه بالقادح المعروف عند أهل الأصول: بالقول بالموجب، فيقال: سلمنا أنها في مجلس واحد، ولكن من أين لك أنها بلفظ واحد فافهم. وسترى تمام هذا المبحث إن شاء الله، في الكلام على حديث طاوس عند مسلم. الثاني: أن داود بن الحصين الذي هو راوي هذا الحديث عن عكرمة ليس بثقة في عكرمة. قال ابن حجر في التقريب: داود بن الحصين الموي مولاهم أبو سليمان المدني ثقة إلا في عكرمة، ورمى برأي الخوارج اهـ. وإذا كان غير ثقة في عكرمة كان الحديث المذكور من رواية غير ثقة. مع أنا قدمنا أنه لو كان صحيحاً لما كانت فيه حجة. الثالث: ما ذكره ابن حجر في فتح الباري، فإنه قال فيه ما نصه: الثالث: أن أبا داود رجح أن ركانة إنما طلق امرأته ألبتة كما أخرجه هو من طريق آل بيت ركانة، وهو تعليل قوي. لجواز أن يكون بعض رواته حمل ألبتة على الثلاث، فقال طلقها ثلاثاً، فبهذه النكتة يقف الاستدلال بحديث ابن عباس اهـ منه بلفظه. يعني حديث ابن إسحاق عن داود بن الحصين المذكور عن عكرمة عن ابن عباس، مع أنا قدمنا أن الحديث لا دليل فيه أصلاً على محل النزاع. وبما ذكرنا يظهر سقوط الاستدلال بحديث ابن إسحاق المذكور. الحديث الثاني من الأحاديث الأربعة التي استدل بها من جعل الثلاث واحدة: هو ما جاء في بعض روايات حديث ابن عمر: من أنه طلق امرأته في الحيض ثلاثاً فاحتسب بواحدة، ولا يخفى سقوط هذا الاستدلال، وأن الصحيح أنه إنما طلقها واحدة، كما جاء في الروايات الصحيحة عند مسلم وغيره. وقال النووي في شرح مسلم ما نصه: وأما حديث ابن عمر فالروايات الصحيحة التي ذكرها مسلم وغيره أنه طلقها واحدة. وقال القرطبي في تفسيره ما نصه: والمحفوظ أن ابن عمر طلق امرأته واحدة في الحيض. قال عبد الله: وكان تطليقه إياها في الحيض واحدة. غير أنه خالف السنة. وكذلك قال صالح بن كيسان، وموسى بن عقبة، وإسماعيل بن أمية، وليث بن سعد، و ابن أبي ذئب، وابن جريج، وجابر، وإسماعيل بن إبراهيم بن عقبة، عن نافع، أن ابن عمر طلق تطليقة واحدة. وكذا قال الزهري عن سالم عن أبيه، ويونس بن جبير والشعبي والحسن اهـ منه بلفظه. فسقوط الاستدلال بحديث ابن عمر في غاية الظهور. الحديث الثالث من أدلتهم: هو ما رواه أبو داود في سننه، حدثنا أحمد بن صالح، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا ابن جريج، قال: أخبرني بعض بني أبي رافع، مولى النَّبي صلى الله عليه وسلم. عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: حديث : طلق عبد يزيد - أبو ركانة وإخوته - أم ركانة، ونكح امرأة من مزينة، فجاءت إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم "فقالت ما يغني عني إلا كما تغني هذه الشعرة، لشعرة أخذتها من رأسها. ففرِّق بيني وبينه. فأخذت النَّبي صلى الله عليه وسلم حمية، فدعا بركانة وإخوته، ثم قال لجلسائه أترون فلاناً يشبه منه كذا وكذا من عبد يزيد؟ وفلاناً يشبه منه كذا وكذا؟ قالوا نعم. فقال النَّبي صلى الله عليه وسلم: طلقها. ففعل، فقال: راجع امرأتك أُم ركانة، فقال إني طلقتها ثلاثاً يا رسول الله، قال قد علمت، راجعها، وتلا {يٰأيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُواْ ٱلْعِدَّةَ} [الطلاق: 1] ". تفسير : قال مقيده - عفا الله عنه - والاستدلال بهذا الحديث ظاهر السقوط. لأن ابن جريج قال: أخبرني بعض بني أبي رافع: وهي رواية عن مجهول لا يدري من هو؟ فسقوطها كما ترى. ولا شك أن حديث أبي داود المتقدم أولى بالقبول من هذا الذي لا خلاف في ضعفه. وقد تقدم أن ذلك فيه أنه طلقها ألبتة، وأن النَّبي صلى الله عليه وسلم أحلفه ما أراد إلا واحدة، وهو دليل واضح على نفوذ الطلقات المجتمعة كما تقدم. الحديث الرابع هو ما أخرجه مسلم في صحيحه: حدثنا إسحاق بن إبراهيم ومحمد بن رافع واللفظ لابن رافع. قال إسحق: أخبرنا وقال ابن رافع: حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر عن ابن طاوس عن أبيه، عن ابن عباس، قال: كان الطَّلاق على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة، فقال عمر بن الخطاب: إن الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة، فلو أمضيناه عليهم فأمضاه عليهم، حدثنا إسحاق بن إبراهيم، أخبرنا روح بن عبادة، أخبرنا ابن جريج. وحدثنا ابن رافع واللفظ له، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا ابن جريج، أخبرني ابن طاوس عن أبيه، أن أبا الصَّهباء قال لابن عباس: أتعلم أنما كانت الثَّلاث تجعل واحدة على عهد النَّبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وثلاثاً من إمارة عمر؟ فقال ابن عباس نعم. وحدثنا إسحاق بن إبراهيم، أخبرنا سليمان بن حرب، عن حماد بن زيد، عن أيوب السختياني، عن إبراهيم بن ميسرة. عن طاوُس، أن أبا الصَّهباء قال لابن عباس: هات من هناتك، ألم يكن الطَّلاق الثلاث على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر واحِدة؟ فقال قد كان ذلك، فلما كان في عهد عمر تتابع الناس في الطَّلاق فأجازه عليهم، هذا لفظ مسلم في صحيحه. وهذه الطريق الأخيرة أخرجها أبو داود ولكن لم يسم إبراهيم بن ميسرة. وقال بدله عن غير واحد، ولفظ المتن أما علمت أن الرجل كان إذا طلّق امرأته ثلاثاً قبل أن يدخل بها جعلوها واحدة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وصدراً من إمارة عمر؟ قال ابن عباس: بلى، كان الرجل إذا طلق امرأته ثلاثاً قبل أن يدخل بها جعلوها واحدة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وصدراً من إمارة عمر، فلما رأى الناس يعني: عُمر قد تتابعوا فيها، قال: أجيزوهنَّ عليهم. وللجمهور عن حديث ابن عباس هذا عدة أجوبة. الأول: أن الثلاث المذكورة فيه التي كانت تجعل واحدة، ليس في شيء من روايات الحديث التصريح بأنها واقعة بلفظ واحد، ولفظ طلاق الثلاث لا يلزم منه لغة ولا عقلاً ولا شرعاً أن تكون بلفظ واحد، فمن قال لزوجته: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، ثلاث مرات، في وقت واحد. فطلاقه هذا طلاق الثلاث. لأنه صرح بالطلاق فيه ثلاث مرات، وإذا قيل لمن جزم بأن المراد في الحديث إيقاع الثلاث بكلمة واحدة، من أين أخذت كونها بكلمة واحدة؟ فهل في لفظ من ألفاظ الحديث أنها بكلمة واحدة؟ وهل يمنع إطلاق الطلاق الثلاث على الطلاق. بكلمات متعددة؟ فإن قال: لا يقال له طلاق الثلاث إلا إذا كان بكلمة واحدة، فلا شك في أن دعواه هذه غير صحيحة، وإن اعترف بالحق وقال: يجوز إطلاقه على ما أوقع بكلمة واحدة. وعلى ما أوقع بكلمات متعددة، وهو أسعد بظاهر اللفظ، قيل له: وإذن فجزمك بكونه بكلمة واحدة لا وجه له، وإذا لم يتعين في الحديث كون الثلاث بلفظ واحد سقط الاستدلال به من أصله في محل النزاع. ومما يدل على أنه لا يلزم من لفظ طلاق الثلاث في هذا الحديث كونها بكلمة واحدة، أن الإمام أبا عبد الرحمن النسائي مع جلالته وعلمه وشدة فهمه، ما فهم من هذا الحديث إلا أن المراد بطلاق الثلاث فيه، أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق. بتفريق الطلقات. لأن لفظ الثلاث أظهر في إيقاع الطلاق ثلاث مرات. ولذا ترجم في سننه لرواية أبي داود المذكورة في هذا الحديث. فقال: "باب طلاق الثلاث المتفرقة قبل الدخول بالزوجة" ثم قال أخبرنا أبو داود سليمان بن سيف قال: حدثنا أبو عاصم عن ابن جريج عن ابن طاوس عن أبيه: أن أبا الصهباء جاء إلى ابن عباس رضي الله عنهما فقال يا ابن عباس: ألم تعلم أن الثلاث كانت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وصدراً من خلافة عمر ترد إِلى الواحدة؟ قال نعم، فترى هذا الإمام الجليل صرح بأن طلاق الثلاث في هذا الحديث ليس بلفظ واحد بل بألفاظ متفرقة، ويدل على صحة ما فهمه النسائي رحمه الله من الحديث ما ذكره العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى في زاد المعاد في الرد على من استدل لوقوع الثلاث دفعة، بحديث عائشة: أن رجلاً طلق امرأته ثلاثاً فتزوجت. الحديث: فإنه قال فيه ما نصه: ولكن أين في الحديث أنه طلق الثلاث بفم واحد؟ بل الحديث حجة لنا فإنه لا يقال فعل ذلك ثلاثاً وقال ثلاثاً، إلا من فعل وقال مرة بعد مرة، وهذا هو المعقول في لغات الأمم عربهم وعجمهم. كما يقال قذفه ثلاثاً وشتمه ثلاثاً وسلم عليه ثلاثاً، اهـ منه بلفظه. وهو دليل واضح لصحة ما فهمه أبو عبد الرحمن النسائي رحمه الله. من الحديث. لأن لفظ الثلاث في جميع رواياته أظهر في أنها طلقات ثلاث واقعة مرة بعد مرة، كما أوضحه ابن القيم رحمه الله في حديث عائشة المذكور آنفاً. وممن قال بأن المراد بالثلاث في حديث طاوس المذكور: الثلاث المفرقة بألفاظ نحو أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق. ابن سريج فإنه قال: يشبه أن يكون ورد في تكرير اللفظ، كأن يقول أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق. وكانوا أولاً على سلامة صدورهم، يقبل منهم أنهم أرادوا التأكيد، فلما كثر الناس في زمن عمر وكثر فيهم الخداع ونحوه. مما يمنع قبول من ادعى التأكيد، حمل عمر اللفظ على ظاهر التكرار، فأمضاه عليهم. قاله ابن حجر في الفتح. وقال: إن هذا الجواب ارتضاه القرطبي، وقواه بقول عمر: إن الناس استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة. وقال النووي في شرح مسلم ما نصه: وأما حديث ابن عباس فاختلف الناس في جوابه وتأويله، فالأصح أن معناه أنه كان في أول الأمر إذا قال لها: أنت طالق. أنت طالق، أنت طالق. ولم ينو تأكيداً، ولا استئنافاً، يحكم بوقوع طلقة. لقلة إرادتهم الاستئناف بذلك، فحمل على الغالب الذي هو إرادة التأكيد. فلما كان في زمن عمر رضي الله عنه وكثر استعمال الناس لهذه الصيغة، وغلب منهم إرادة الاستئناف بها، حملت عند الإطلاق على الثلاث. عملاً بالغالب السابق إلى الفهم في ذلك العصر. قال مقيده - عفا الله عنه - وهذا الوجه لا إشكال فيه. لجواز تغير الحال عند تغير القصد. لأن الأعمال بالنيات، ولكل امرئ ما نوى، وظاهر اللفظ يدل لهذا كما قدمنا. وعلى كل حال فادعاء الجزم بأن معنى حديث طاوس المذكور أن الثلاث بلفظ واحد ادعاء خال من دليل كما رأيت، فليتق الله من تجرأ على عزو ذلك إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم، مع أنه ليس في شيء من روايات حديث طاوس كون الثلاث المذكورة بلفظ واحد، ولم يتعين ذلك من اللغة، ولا من الشرع، ولا من العقل كما ترى. قال مقيده - عفا الله عنه - ويدل لكون الثلاث المذكورة ليست بلفظ واحد ما تقدم في حديث ابن إسحاق عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن أحمد، وأبي يعلى، من قوله: طلق امرأته ثلاثاً في مجلس واحد وقوله صلى الله عليه وسلم كيف طلقتها؟ قال ثلاثاً في مجلس واحد. لأن التعبير بلفظ المجلس يفهم منه أنها ليست بلفظ واحد، إذ لو كان اللفظ واحداً لقال بلفظ واحد ولم يحتج إلى ذكر المجلس، إذ لا داعي لذكر الوصف الأعم وترك الأخص بلا موجب، كما هو ظاهر الجواب الثاني، عن حديث ابن عباس هو: أن معنى الحديث أن الطلاق الواقع في زمن عمر ثلاثاً كان يقع قبل ذلك واحدة. لأنهم كانوا لا يستعملون الثلاث أصلاً، أو يستعملونها نادراً. وأما في عهد عمر فكثر استعمالهم لها. ومعنى قوله فأمضاه عليهم على هذا القول أنه صنع فيه من الحكم بإيقاع الطلاق ما كان يصنع قبله، ورجح هذا التأويل ابن العربي ونسبه إلى أبي زرعة الرازي. وكذا أورده البيهقي بإسناده الصحيح إلى أبي زرعة أنه قال: معنى هذا الحديث عندي أنما تطلقون أنتم ثلاثاً. كانوا يطلقون واحدة. قال النووي وعلى هذا فيكون الخبر وقع عن اختلاف عادة الناس خاصة، لا عن تغيير الحكم في المسألة الواحدة، وهذا الجواب نقله القرطبي في تفسير قوله تعالى: {ٱلطَّلاَقُ مَرَّتَانِ} [البقرة: 229] عن المحقق القاضي أبي الوليد الباجي، والقاضي عبد الوهاب، والكيا الطبري، قال مقيده - عفا الله عنه - ولا يخفى ما في هذا الجواب من التعسف، وإن قال به بعض أجلاء العلماء. الجواب الثالث: عن حديث ابن عباس رضي الله عنهما، هو القول بأنه منسوخ، وأن بعض الصحابة لم يطلع على النسخ إلا في عهد عمر، فقد نقل البيهقي في السنن الكبرى في باب من جعل الثلاث واحدة، عن الإمام الشافعي ما نصه: قال الشافعي: فإن كان معنى قول ابن عباس أن الثلاث كانت تحسب على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم واحدة، يعني أنه بأمر النَّبي صلى الله عليه وسلم، فالذي يشبه والله أعلم أن يكون ابن عباس علم ان كان شيئاً فنسخ، فإن قيل فما دل على ما وصفت؟ قيل لا يشبه أن يكون ابن عباس يروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً ثم يخالفه بشيء لم يعلمه، كان من النَّبي صلى الله عليه وسلم فيه خلاف. قال الشيخ: ورواية عكرمة عن ابن عباس: قد مضت في النسخ وفيها تأكيد لصحة هذا التأويل. قال الشافعي: فإن قيل: فلعل هذا شيء روي عن عمر فقال فيه ابن عباس بقول عمر رضي الله عنه، قيل قد علمنا أن ابن عباس رضي الله عنهما يخالف عمر رضي الله عنه في نكاح المتعة، وفي بيع الدينار بالدينارين، وفي بيع أمهات الأولاد وغيره، فكيف يوافقه في شيء يروى عن النَّبي صلى الله عليه وسلم فيه خلافه؟ اهـ محل الحاجة من البيهقي بلفظه، وقال الحافظ ابن حجر في فتح الباري ما نصه: الجواب الثالث دعوى النسخ، فنقل البيهقي عن الشافعي أنه قال: يشبه أن يكون ابن عباس علم شيئاً نسخ ذلك، قال البيهقي ويقويه ما أخرجه أبو داود من طريق يزيد النحوي عن عكرمة عن ابن عباس قال: كان الرجل إذا طلق امرأته فهو أحق برجعتها، وإن طلقها ثلاثاً. فنسخ ذلك. والترجمة التي ذكر تحتها أبو داود الحديث المذكور هي قوله: "باب نسخ المراجعة بعد التطليقات الثلاث". وقال ابن كثير في تفسير قوله تعالى: {ٱلطَّلاَقُ مَرَّتَانِ} [البقرة: 229] الآية. بعد أن ساق حديث أبي داود المذكور آنفاً ما نصه: ورواه النسائي عن زكريا بن يحيى عن إسحاق بن إبراهيم، عن علي بن الحسين به، وقال ابن أبي حاتم: حدثنا هارون بن إسحاق، حدثنا عبدة يعني: ابن سليمان عن هشام بن عروة، عن أبيه، أن رجلاً قال لامرأته لا أطلقك أبداً، ولا آويك أبداً، قالت وكيف ذلك؟ قال أطلق حتى إذا دنا أجلك راجعتك، فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكرت له ذلك، فأنزل الله عز وجل: {ٱلطَّلاَقُ مَرَّتَانِ} [البقرة: 229] قال فاستقبل الناس الطلاق من كان طلق ومن لم يكن طلق، وقد رواه أبو بكر بن مردويه من طريق محمد بن سليمان، عن يعلى بن شبيب، مولى الزبير، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة: فذكره بنحو ما تقدم، ورواه الترمذي عن قتيبة عن يعلى بن شبيب به، ثم رواه عن أبي كريب، عن ابن إدريس، عن هشام، عن أبيه مرسلاً وقال: هذا أصح، ورواه الحاكم في مشتدركه من طريق يعقوب بن حميد بن كليب، عن يعلى بن شبيب به، وقال صحيح الإسناد. ثم قال ابن مردويه. حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم، حدثنا إسماعيل بن عبد الله، حدثنا محمد بن حميد، حدثنا سلمة بن الفضل عن محمد بن إسحاق، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: لم يكن للطلاق وقت: يطلق الرجل امرأته ثم يراجعها، ما لم تنقض العدة، وكان بين رجل من النصار وبين أهله بعض ما يكون بين الناس، فقال والله لأتركنك لا أيما، ولا ذات زوج، فجعل يطلقها حتى إذا كادت العدة أن تنقضي راجعها، ففعل ذلك مراراً، فأنزل الله عز وجل: {ٱلطَّلاَقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} [البقرة: 229] فوقت الطلاق ثلاثاً لا رجعة فيه بعد الثالثة، حتى تنكح زوجاً غيره. وهكذا روي عن قتادة مرسلاً، ذكره السدي وابن زيد، وابن جرير كذلك. واختار أن هذا تفسير هذه الآية اهـ من ابن كثير بلفظه. وفي هذه الروايات دلالة واضحة لنسخ المراجعة بعد الثلاث، وإنكار المازري - رحمه الله - ادعاء النسخ مردود بما رده به الحافظ ابن حجر في فتح الباري. فإنه لما نقل عن المازري إنكاره للنسخ من أوجه متعدة، قال بعده ما نصه: قلت نقل النووي هذا الفصل في شرح مسلم وأقره، وهو متعقب في مواضع. أحدها: أن الذي ادعى نسخ الحكم لم يقل: إن عمر هو الذي نسخ حتى يلزم منه ما ذكر، وإنما قال ما تقدم: يشبه أن يكون علم شيئاً من ذلك نسخ، أي اطلع على ناسخ للحكم الذي رواه مرفوعاً. ولذلك أفتى بخلافه، وقد سلم المازري في أثناء كلامه أن إجماعهم يدل على ناسخ، وهذا هو مراد من ادعى النسخ. الثاني: إنكاره الخروج عن الظاهر عجيب. فإن الذي يحاول الجمع بالتأويل يرتكب خلاف الظاهر حتماً. الثالث: أن تغليظه من قال المراد ظهور النسخ عجيب أيضاً. لأن المراد بظهوره انتشاره، وكلام ابن عباس أنه كان يفعل في زمن أبي بكر، محمول على أن الذي كان يفعله من لم يبلغه النسخ، فلا يلزم ما ذكر من إجماعهم على الخطأ اهـ محل الحاجة من فتح الباري بلفظه، ولا إشكال فيه. لأن كثيراً من الصحابة اطلع على كثير من الأحكام لم يكن يعلمه، وقد وقع ذلك في خلافة أبي بكر، وعمر، وعثمان، فأبو بكر لم يكن عالماً بقضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، في ميراث الجدة حتى أخبره المغيرة بن شعبة، ومحمد بن مسلمة، وعمر لم يكن عنده علم بقضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم في دية الجنين حتى أخبره المذكوران قبل، ولم يكن عنده علم من أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم الجزية من مجوس هجر حتى أخبره عبد الرحمن بن عوف. ولا من الاستئذان ثلاثاً، حتى أخبره أبو موسى الأشعري، وأبو سعيد الخدري، وعثمان لم يكن عنده علم بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أوجب السكنى المتوفى عنها زمن العدة، حتى أخبرته فريعة بنت مالك. والعباس بن عبد المطلب، وفاطمة الزهراء رضي الله عنهما، لم يكن عندهما علم بأن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إنا معاشر الأنبياء لا نورث" تفسير : الحديث حتى طلبا ميراثهما من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأمثال هذا كثيرة جداً، وأوضح دليل يزيل الإشكال عن القول بالنسخ المذكور وقوع مثله، واعتراف المخالف به في نكاح المتعة، فإن مسلماً روى عن جابر رضي الله عنه، أن متعة النساء كانت تفعل في عهد النَّبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر، وصدراً من خلافة عمر، قال: ثم نهانا عمر عنها فانتهينا وهذا مثل ما وقع في طلاق الثلاث طبقاً "ما أشبه الليلة بالبارحة". شعر : فإلا يكنها أو تكنه فإنه أخوها غذته أمه بلبانها تفسير : فمن الغريب أن يسلم منصف إمكان النسخ في إحداهما، ويدعي ايتحالته في الأخرى، مع أن كلاً منهما روى مسلم فيها عن صحابي جليل: أن ذلك الأمر كان يفعل في زمن النَّبي صلى الله عليه وسلم، وأبي بكر، وصدراً من خلافة عمر، في مسالة تتعلق بالفروج ثم غيره عمر. ومن أجاز نسخ نكاح المتعة، وأحال نسخ جعل الثلاث واحدة، يقال له ما لبائك تجر وبائي لا تجر؟ فإن قيل نكاح المتعة صح النص بنسخه. قلنا: قد رأيت الروايات المتقدمة بنسخ المراجعة بعد الثلاث. وممن جزم بنسخ جعل الثلاث واحدة، الإمام أبو داود - رحمه الله تعالى - ورأى أن جعلها واحدة إنما هو في الزمن الذي كان يرتجع فيه بعد ثلاث تطليقات وأكثر، قال في سننه "باب نسخ المراجعة بعد التطليقات الثلاث" ثم ساق بسنده حديث ابن عباس قال: {أية : وَٱلْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوۤءٍ وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ فِيۤ أَرْحَامِهِنَّ} تفسير : [البقرة: 228] الآية. وذلك أن الرجل كان إذا طلق امرأته فهو أحق برجعتها وإن طلقها ثلاثاً فنسخ ذلك، وقال: {ٱلطَّلاَقُ مَرَّتَانِ} [البقرة: 229] الآية. وأخرج نحوه النسائي وفي إسناده علي بن الحسين بن واقد، قال فيه ابن حجر في التقريب: صدوق يهم، وروى مالك في الموطأ عن هشام بن عروة عن أبيه أنه قال: كان الرجل إذا طلق امرأَته ثم ارتجعها قبل أَن تنقضي عدتها كان ذلك له، وإن طلقها أَلف مرَّة فعمد رجل إلى امرأته فطلقها حتى إذا أشرفت على انقضاء عدتها راجعها، ثم قال لا آويك ولا أطلقك، فأنزل الله {ٱلطَّلاَقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} [البقرة: 229] فاستقبل الناس الطلاق جديداً من يومئذ، من كان طلّق منهم أو لم يطلق. ويؤيد هذا أن عمر لم ينكر عليه أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، إيقاع الثلاث دفعة مع كثرتهم، وعلمهم، وورعهم، ويؤيده: أن كثيراً جدًّا من الصحابة الأجلاء العلماء صح عنهم القول بذلك، كابن عباس، وعمر، وابن عمر، وخلق لا يحصى. والناسخ الذي نسخ المراجعة بعد الثلاث، قال بعض العلماء: إنه قوله تعالى: {ٱلطَّلاَقُ مَرَّتَانِ} [البقرة: 229] كما جاء مبيناً في الروايات المتقدمة، ولا مانع عقلاً ولا عادة من أن يجهل مثل هذا الناسخ كثير من الناس إلى خلافة عمر كما جهل كثير من الناس نسخ نكاح المتعة إلى خلافة عمر، مع أنه صلى الله عليه وسلم صرح بنسخها وتحريمها إلى يوم القيامة، في غزوة الفتح، وفي حجة الوداع أيضاً، كما جاء في رواية عند مسلم. ومع أن القرآن دل على تحريم غير الزوجة والسرية، بقوله: {أية : وَٱلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلاَّ عَلَىٰ أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ} تفسير : [المؤمنون: 5-6] ومعلوم أن المرأة المتمتع بها ليست بزوجة ولا سرية كما يأتي تحقيقه إن شاء الله تعالى في سورة النساء، في الكلام على قوله تعالى: {أية : فَمَا ٱسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ} تفسير : [النساء: 24] الآية. والذين قالوا بالنسخ، قالوا في معنى قول عمر: "إن الناس استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة"، أن المراد بالأناة، أنهم كانوا يتأنون في الطلاق فلا يوقعون الثلاث في وقت واحد. ومعنى استعجالهم أنهم صاروا يوقعونها بلفظ واحد، على القول بأن ذلك هو معنى الحديث. وقد قدمنا أنه لا يتعين كونه هو معناه، وإمضاؤه له عليهم إذن هو اللازم، ولا ينافيه قوله فلو أمضيناه عليهم. يعني ألزمناهم بمقتضى ما قالوا، ونظيره: قول جابر عند مسلم في نكاح المتعة "فنهانا عنها" عمر. فظاهر كل منهما أنه اجتهاد من عمر، والنسخ ثابت فيهما معاً كما رأيت، وليست الأناة في المنسوخ، وإنما هي في عدم الاستعجال بإيقاع الثلاث دفعة. وعلى القول الأول: إن المراد بالثلاث التي كانت تجعل واحدة، أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق. فالظاهر في امضائه لها عليهم أنه من حيث تغير قصدهم من التأكيد إلى التأسيس كما تقدم. ولا إشكال في ذلك. أما كون عمر كان يعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان يجعل الثلاث بلفظ واحد واحدة، فتعمد مخالفة رسول الله صلى الله عليه وسلم وجعلها ثلاثاً، ولم ينكر عليه أحد من الصحابة، فلا يخفى بعده، والعلم عند الله تعالى. الجواب الرابع: عن حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، أن رواية طاوس عن ابن عباس مخالفة لما رواه عنه الحفاظ من أصحابه، فقد روى عنه لزوم الثلاث دفعة سعيد بن جبير، وعطاء بن أبي رباح، ومجاهد، وعكرمة، وعمرو بن دينار، ومالك بن الحارث، ومحمد بن إياس بن البكير، ومعاوية بن أبي عيَّاش الأنصاري، كما نقله البيهقي في السنن الكبرى. والقرطبي وغيرهما. وقال البيهقي في السنن الكبرى: إن البخاري لم يخرج هذا الحديث. لمخالفة هؤلاء لرواية طاوس عن ابن عباس. وقال الأثرم: سألت أبا عبد الله عن حديث ابن عباس: كان الطلاق الثلاث على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبي بكر، وعمر رضي الله عنهما، طلاق الثلاث واحدة، بأي شيء تدفعه؟ قال برواية الناس عن ابن عباس من وجوه خلافه، وكذلك نقل عنه ابن منصور قاله العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى. قال مقيده - عفا الله عنه - فهذا إمام المحدثين وسيد المسلمين في عصره الذي تدارك الله به الإسلام بعد ما كادت تزلزل قواعده، وتغير عقائده، أبو عبد الله أحمد بن حنبل - رحمه الله تعالى - قال للأثرم وابن منصور: إنه رفض حديث ابن عباس قصداً. لأنه يرى عدم الاحتجاج به في لزوم الثلاث بلفظ واحد. لرواية الحفاظ عن ابن عباس ما يخالف ذلك، وهذا الإمام محمد بن إسماعيل البخاري - وهو هو - ذكر عنه الحافظ البيهقي أنه ترك هذا الحديث عمداً. لذلك الموجب الذي تركه من أجله الإمام أحمد. ولا شك أنهما ما تركاه إلا لموجب يقتضي ذلك، فإن قيل: رواية طاوس في حكم المرفوع، ورواية الجماعة المذكورين موقوفة على ابن عباس، و المرفوع لا يعارض بالموقوف. فالجواب أن الصحابي إذا خالف ما روى ففيه للعلماء قولان: وهما روايتان عن أحمد - رحمه الله -. الأولى: أنه لا يحتج بالحديث. لأن أعلم الناس به راويه وقد ترك العمل به، وهو عدل، عارف، وعلى هذه الرواية فلا إشكال. وعلى الرواية الأخرى التي هي المشهورة عند العلماء أن العبرة بروايته لا بقوله. فإنه لا تقدم روايته إلا إذا كانت صريحة المعنى، أو ظاهرة فيه ظهوراً يضعف معه احتمال مقابله، أما إذا كانت محتملة لغير ذلك المعنى احتمالاً قوياً فإن مخالفة الراوي لما روى تدل على أن ذلك المحتمل الذي ترك ليس هو معنى ما روى، وقد قدمنا أن لفظ طلاق الثلاث في حديث طاوس المذكور محتمل احتمالاً قوياً لأن تكون الطلقات مفرقة، كما جزم به النسائي وصححه النووي، والقرطبي، وابن سريج فالحاصل أن ترك ابن عباس لجعل الثلاث بفم واحد واحدة يدل على أن معنى الحديث الذي روي ليس كونها بلفظ واحد كما سترى بيانه في كلام القرطبي في المفهم في الجواب الذي بعد هذا. واعلم أن ابن عباس لم يثبت عنه أنه أفتى في الثلاث بفم واحد أنها واحدة، وما روى عنه أبو داود من طريق حماد بن زيد، عن أيوب، عن عكرمة، أن ابن عباس قال: إذا قال أنت طالق ثلاثاً بفم واحد فهي واحدة فهو معارض بما رواه أبو داود نفسه من طريق إسماعيل بن إبراهيم، عن أيوب، عن عكرمة، أن ذلك من قول عكرمة لا من قول ابن عباس، وترجح رواية إسماعيل بن إبراهيم على رواية حماد بموافقة الحفاظ لإسماعيل، في أن ابن عباس يجعلها ثلاثاً لا واحدة. الجواب الخامس: هو ادعاء ضعفه وممن حاول تضعيفه ابن العربي المالكي، وابن عبد البر، والقرطبي. قال ابن العربي المالكي: زل قوم في آخر الزمان فقالوا: إن الطلاق الثلاث في كلمة لا يلزم، وجعلوه واحدة ونسبوه إلى السلف الأول فحكوه عن علي، والزبير، وعبد الرحمن بن عوف، وابن مسعود، وابن عباس، وعزوه إلى الحجاج بن أرطاة الضعيف المنزلة، المغمور المرتبة، ورووا في ذلك حديثاً ليس له أصل، وغوى قوم من أهل المسائل فتتبعوا الأهواء المبتدعة فيه وقالوا إن قوله: أنت طالق ثلاثاً كذب. لأنه لم يطلق ثلاثاً، كما لو قال: طلقت ثلاثاً ولم يطلق إلا واحدة، وكما لو قال: أحلف ثلاثاً كانت يميناً واحدة. ولقد طوفت في الآفاق، ولقيت من علماء الإسلام، وأرباب المذاهب كل صادق، فما سمعت لهذه المسألة بخبر، ولا أحسست لها بأثر، إلا الشيعة الذين يرون نكاح المتعة جائزاً، ولا يرون الطلاق واقعاً، ولذلك قال فيهم ابن سكرة الهاشمي: شعر : يا من يرى المتعة في دينه حلاً وإن كانت بلا مهر ولا يرى تسعين تطليقة تبين منه ربة الخدر من ههنا طابت مواليدكم فاغتنموها يا بني الفطر تفسير : وقد اتفق علماء الإسلام، وأرباب الحل والعقد في الأحكام، على أن الطلاق الثلاث في كلمة، وإن كان حراماً في قول بعضهم، وبدعة في قول الآخرين، لازم. وأين هؤلاء البؤساء من عالم الدين، وعلم الإسلام، محمد بن إسماعيل البخاري، وقد قال في صحيحه: "باب جواز الطلاق الثلاث" لقوله تعالى: {ٱلطَّلاَقُ مَرَّتَانِ} [البقرة: 229]. وذكر حديث اللعان: فطلقها ثلاثاً قبل أن يأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يغير عليه النَّبي صلى الله عليه وسلم، ولا يقر على الباطل. ولأنه جمع ما فسح له في تفريقه، فألزمته الشريعة حكمه وما نسبوه إلى الصحابة كذب بحت، لا أصل له في كتاب ولا رواية له عن أحد. وقد أدخل مالك في موطئه عن علي أن الحرام ثلاث لازمة في كلمة، فهذا في معناها، فكيف إذا صرح بها. وأما حديث الحجاج بن أرطاة فغير مقبول في الملة، ولا عند أحد من الأئمة. فإن قيل ففي صحيح مسلم عن ابن عباس وذكر حديث أبي الصهباء المذكور. قلنا: هذا لا متعلق فيه من خمسة أوجه: الأول: أنه حديث مختلف في صحته فكيف يقدم على إجماع الأمة؟ ولم يعرف لها في هذه المسألة خلاف إلا عن قوم انحطوا عن رتبة التابعين. وقد سبق العصران الكريمان والاتفاق على لزوم الثلاث، فإن رووا ذلك عن أحد منهم فلا تقبلوا منهم ألا ما يقبلون منكم: نقل العدل عن العدل. ولا تجد هذه المسالة منسوبة إلى أحد من السلف أبداً. الثاني: أن هذا الحديث لم يرو إلا عن ابن عباس ولم يرو عنه إلا من طريق طاوس، فكيف يقبل ما لم يروه من الصحابة إلا واحد وما لم يروه عن ذلك الصحابي إلا واحد؟ وكيف خفي على جميع الصحابة وسكتوا عنه إلا ابن عباس؟ وكيف خفي على أصحاب ابن عباس إلا طاوس؟ اهـ محل الغرض من كلام ابن العربي، وقال ابن عبد البر: ورواية طاوس وهم وغلط لم يعرج عليها أحد من فقهاء الأمصار بالحجاز، والشام، والعراق والمشرق والمغرب. وقد قيل إن أبا الصهباء لا يعرف في موالي ابن عباس. قال مقيده - عفا الله عنه - إن مثل هذا لا يثبت به تضعيف هذا الحديث. لأن الأئمة كمعمر وابن جريج وغيرهما رووه عن ابن طاوس وهو إمام، عن طاوس، عن ابن عباس، ورواه عن طاوس أيضاً إبراهيم بن ميسرة، وهو ثقة حافظ. وانفراد الصحابي لا يضر ولو لم يرو عنه أصلاً إلا واحد، كما أشار إليه العراقي في ألفيته بقوله: شعر : ففي الصحيح أخرجا المسيبا وأخرج الجعفي لابن تغلبا تفسير : يعني: أن الشيخين أخرجا حديث المسيب بن حزن، ولم يرو عنه أحد غير ابنه سعيد. وأخرج البخاري حديث عمرو بن تغلب النمري، ويقال العبدي ولم يرو عنه غير الحسن البصري هذا مراده. وقد ذكر ابن أبي حاتم أن عمرو بن تغلب روى عنه أيضاً الحكم بن الأعرج، قاله ابن حجر، وابن عبد البر وغيرهما. والحاصل أن حديث طاوس ثابت في صحيح مسلم بسند صحيح، وما كان كذلك لا يمكن تضعيفه إلا بأمر واضح، نعم لقائل أن يقول: إن خبر الآحاد إذا كانت الدواعي متوفرة إلى نقله ولم ينقله إلا واحد ونحوه، أن ذلك يدل على عدم صحته. ووجهه أن توافر الدواعي يلزم منه النقل تواتراً والاشتهار، فإن لم يشتهر دل على أنه لم يقع. لأن انتفاء اللازم يقتضي انتفاء الملزوم، وهذه قاعدة مقررة في الأصول، أشار إليها في مراقي السعود بقوله عاطفاً على ما يحكم فيه بعدم صحة الخبر: شعر : وخبر الآحاد في السني حيث دواعي نقله تواترا نرى لها لو قاله تقررا تفسير : وجزم بها غير واحد من الأصوليين، وقال صاحب جمع الجوامع عاطفاً على ما يجزم فيه بعدم صحة الخبر. والمنقول آحاداً فيما تتوافر الدواعي إلى نقله خلافاً للرافضة اهـ منه بلفظه. ومراده أن مما يجزم بعدم صحته، الخبر المنقول آحاداً مع توافر الدواعي إلى نقله. وقال ابن الحاجب في مختصره الأصولي مسألة: إذا انفرد واحد فيما تتوافر الدواعي إلى نقله، وقد شاركه خلق كثير. كما لو انفرد واحد بقتل خطيب على المنبر في مدينة فهو كاذب قطعاً خلافاً للشيعة اهـ محل الغرض منه بلفظه. وفي المسألة مناقشات وأجوبة عنها معروفة في الأصول. قال مقيده - عفا الله عنه - ولا شك أنه على القول بأن معنى حديث طاوس المذكور أن الثلاث بلفظ واحد كانت تجعل واحدة على عهد النَّبي صلى الله عليه وسلم، وأبي بكر، وصدراً من خلافة عمر، ثم إن عمر غير ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون في زمن أبي بكر، وعامة الصحابة أو جلهم يعلمون ذلك. فالدواعي إلى نقل ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون من بعده، متوافرة توافراً لا يمكن إنكاره، لأن يرد بذلك التغيير الذي أحدثه عمر فسكوت جميع الصحابة عنه وكون ذلك لم ينقل منه حرف عن غير ابن عباس، يدل دلالة واضحة على أحد أمرين: أحدهما أن حديث طاوس الذي رواه عن ابن عباس ليس معناه أنها بلفظ واحد، بل بثلاثة ألفاظ في وقت واحد كما قدمنا، وكما جزم به النسائي وصححه النووي والقرطبي وابن سريج. وعليه فلا إشكال لأن تغيير عمر للحكم مبني على تغيير قصدهم والنَّبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إنما الأعمال بالنِّيات وإنما لكلِّ امرئ ما نوى"تفسير : فمن قال أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق. ونوى التأكيد فواحدة، وإن نوى الاستئناف بكل واحدة فثلاث. واختلاف محامل اللفظ الواحد لاختلاف نيات اللافظين به لا إشكال فيه. لقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : وإنما لكل امرئ ما نوى ". تفسير : والثاني: أن يكون الحديث غير محكوم بصحته لنقله آحاداً مع توافر الدواعي إلى نقله، والأول أولى وأخف من الثاني، وقال القرطبي في المفهم في الكلام على حديث طاوس المذكور: وظاهر سياقه يقتضي عن جميعهم أن معظمهم كانوا يرون ذلك، والعادة في مثل هذا أن يفشو الحكم وينتشر فكيف ينفرد به واحد عن واحد؟ قال: فهذا الوجه يقتضي التوقف عن العمل بظاهره، إن لم يقتض القطع ببطلانه اهـ منه بواسطة نقل ابن حجر في فتح الباري عنه، وهو قوي جداً بحسب المقرر في الأصول كما ترى. الجواب السادس: عن حديث ابن عباس رضي الله عنهما هو حمل لفظ الثلاث في الحديث على أن المراد بها ألبتة كما قدمنا في حديث ركانة، وهو من رواية ابن عباس أيضاً، قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري بعد أن ذكر هذا الجواب ما نصه: وهو قوي ويؤيده إدخال البخاري في هذا الباب، الآثار التي فيها ألبتة، والأحاديث التي فيها التصريح بالثلاث، كأنه يشير إلى عدم الفرق بينهما، وأن ألبتة إذا أطلقت حمل على الثلاث إلا إن أراد المطلق واحدة فيقبل، فكأن بعض رواته حمل لفظ ألبتة على الثلاث: لاشتهار التسوية بينهما، فرواها بلفظ الثلاث. وإنما المراد لفظ ألبتة، وكانوا في العصر الأول يقبلون ممن قال أردت بالبتة واحدة، فلما كان عهد عمر أمضى الثلاث في ظاهر الحكم اهـ من فتح الباري بلفظه. وله وجه من النظر كما لا يخفى، وما يذكره كل ممن قال بلزوم الثلاث دفعة، ومن قال بعدم لزومها من الأمور النظرية ليصحح به كل مذهبه، لم نطل به الكلام. لأن الظاهر سقوط ذلك كله، وأن هذه المسألة إن لم يمكن تحقيقها من جهة النقل فإنه لا يمكن من جهة العقل، وقياس أنت طالق ثلاثاً على أيمان اللعان في أنه لو حلفها بلفظ واحد لم تجز، قياس مع وجود الفارق. لأن من اقتصر على واحدة من الشهادات الأربع المذكورة في آية اللعان أجمع العلماء على أن ذلك كما لو لم يأت بشيء منها أصلاً، بخلاف الطلقات الثلاث فمن اقتصر على واحدة منها اعتبرت إجماعاً وحصلت بها البينونة بانقضاء العدة إجماعاً. الجواب السابع: هو ما ذكره بعضهم من أن حديث طاوس المذكور ليس فيه أن النَّبي صلى الله عليه وسلم علم بذلك فأقره، والدليل إنما هو فيما علم به واقره، لا فيما لم يعلم به، قال مقيده - عفا الله عنه - ولا يخفى ضعف هذا الجواب. لأن جماهير المحدثين والأصوليين على أن ما أسنده الصحابي إلى عهد النَّبي صلى الله عليه وسلم له حكم المرفوع، وإن لم يصرح بأنه بلغه صلى الله عليه وسلم وأقره. الجواب الثامن: أن حديث ابن عباس المذكور في غير المدخول بها خاصة. لأنه إن قال لها أنت طالق بانت بمجرد اللفظ، فلو قال ثلاثاً لم يصادف لفظ الثلاث محلاً. لوقوع البينونة قبلها. وحجة هذا القول أن بعض الروايات كرواية أبي داود جاء فيها التقييد بغير المدخول بها، والمقرر في الأصول هو حمل المطلق على المقيد، ولا سيما إذا اتحد الحكم والسبب كما هنا قال في مراقي السعود: شعر : وحمل مطلق على ذاك وجب إن فيهما اتحد حكم والسبب تفسير : وما ذكره الأبي - رحمه الله - من أن الإطلاق والتقييد إنما هو في حديثين، أما في حديث واحد من طريقين فمن زيادة العدل فمردود. بأنه لا دليل عليه. وأنه مخالف لظاهر كلام عامة العلماء، ولا وجه للفرق بينهما. وما ذكره الشوكاني - رحمه الله - في نيل الأوطار من أن رواية أبي داود التي فيها التقييد بعدم الدخول فرد من أفراد الروايات العامة، وذكر بعض أفراد العام بحكم العام لا يخصصه، لا يظهر. لأن هذه المسالة من مسائل المطلق والمقيد، لا من مسائل ذكر بعض أفراد العام، فالروايات التي أخرجها مسلم مطلقة عن قيد عدم الدخول، والرواية التي أخرجها أبو داود مقيدة بعدم الدخول كما ترى، والمقرر في الأصول حمل المطلق على المقيد، ولا سيما إن اتحد الحكم والسبب كما هنا. نعم لقائل أن يقول إن كلام ابن عباس في رواية أبي داود المذكورة وارد على سؤال أبي الصهباء، وأبو الصهباء لم يسأل إلا عن غير المدخول بها، فجواب ابن عباس لا مفهوم مخالفة له. لأنه إنما خص غير المدخول بها لمطابقة الجواب للسؤال. وقد تقرر في الأصول أن من موانع اعتبار دليل الخطاب أعني مفهوم المخالفة، كون الكلام وارداً جواباً لسؤال. لأن تخصيص المنطوق بالذكر لمطابقة السؤال فلا يتعين كونه لإخراج حكم المفهوم عن المنطوق. وأشار إليه في مراقي السعود في ذكر موانع اعتبار مفهوم المخالفة بقوله: شعر : أو جهل الحكم أو النطق انجلب للسؤل أو جرى على الذي غلب تفسير : ومحل الشاهد منه قوله. أو النطق انجلب للسؤل. وقد قدمنا أن رواية أبي داود المذكورة عن أيوب السختياني عن غير واحد عن طاوس وهو صريح في أن من روى عنهم أيوب مجهولون، ومن لم يعرف من هو، لا يصح الحكم بروايته. ولذا قال النووي في شرح مسلم ما نصه: وأما هذه الرواية التي لأبي داود فضعيفة، رواها أيوب عن قوم مجهولين، عن طاوس، عن ابن عباس، فلا يحتج بها والله أعلم، انتهى منه بلفظه. وقال المنذري في مختصر سنن أبي داود بعد أن ساق الحديث المذكور ما نصه: الرواة عن طاوس مجاهيل انتهى منه بلفظه. وضعف رواية أبي داود هذه ظاهر كما ترى للجهل بمن روى عن طاوس فيها، وقال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى في زاد المعاد بعد أن ساق لفظ هذه البواية ما نصه: وهذا لفظ الحديث وهو بأصح إسناد انتهى محل الغرض منه بلفظه فانظره مع ما تقدم. هذا ملخص كلام العلماء في هذه المسالة مع ما فياه من النصوص الشرعية، قال مقيده - عفا الله عنه - الذي يظهر لنا صوابه في هذه المسألة هو ما ذهب إليه الإمام الشافعي رحمه الله تعالى، وهو أن الحق فيها دائر بين أمرين: أحدهما أن يكون المراد بحديث طاوس المذكور كون الثلاث المذكورة ليست بلفظ واحد: والثاني أنه إن كان معناه أنها بلفظ واحد فإن ذلك منسوخ ولم يشتهر العلم بنسخه بين الصحابة إلا في زمان عمر، كما وقع نظيره في نكاح المتعة. أما الشافعي فقد نقل عنه البيهقي في السنن الكبرى ما نصه: فإن كان معنى قول ابن عباس إن الثلاث كانت تحسب على عهد النَّبي صلى الله عليه وسلم واحدة، يعني أنه بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالذي يشبه - والله أعلم - أن يكون ابن عباس قد علم أن كان شيء فنسخ، فإن قيل فما دل على ما وصفت؟ قيل لا يشبه أن يكون ابن عباس يروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً ثم يخالفه بشيء لم يعلمه، كان من النَّبي صلى الله عليه وسلم فيه خلاف. قال الشيخ رواية عكرمة عن ابن عباس قد مضت في النسخ وفيها تأكيد لصحة هذا التأويل، قال الشافعي فإن قيل فلعل هذا شيء روي عن عمر فقال فيه ابن عباس بقول عمر رضي الله عنهم قيل قد علمنا أن ابن عباس يخالف عمر رضي الله عنه في نكاح المتعة، وفي بيع الدينار بالدينارين، وفي بيع أمهات الأولاد وغيره، فكيف يوافقه في شيء يروى عن النَّبي صلى الله عليه وسلم فيه خلاف ما قال؟ اهـ محل الغرض منه بلفظه. ومعناه واضح في أن الحق دائر بين الأمرين المذكورين. لأن قوله فإن كان معنى قول ابن عباس إلخ يدل على أن غير ذلك محتمل، وعلى أن المعنى أنها ثلاث بفم واحد، وقد أقر النَّبي صلى الله عليه وسلم جعلها واحدة، فالذي يشبه عنده أن يكون منسوخاً، ونحن نقول إن الظاهر لنا دوران الحق بين الأمرين كما قال الشافعي رحمه الله تعالى: إما أن يكون معنى حديث طاوس المذكور أن الثلاث ليست بلفظ واحد، بل بألفاظ متفرقة بنسق واحد كأنت طالق أنت طالق، أنت طالق. وهذه الصورة تدخل لغة في معنى طلاق الثلاث دخولاً لا يمكن نفيه، ولا سيما على الرواية التي أخرجها أبو داود التي جزم العلامة ابن القيم رحمه الله بأن إسنادها أصح إسناد، فإن لفظها أن أبا الصهباء قال لابن عباس: أما علمت أن الرجل كان إذا طلق امرأته ثلاثاً قبل أن يدخل بها جعلوها واحدة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وصدراً من إمارة عمر؟ قال ابن عباس بلى! كان الرجل إذا طلق امرأته ثلاثاً قبل أن يدخل بها جعلوها واحدة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وصدراً من إمارة عمر، فلما رأى الناس قد تتابعوا فيها قال أجيزوهن عليهم، فإن هذه الرواية بلفظ طلقها ثلاثاً وهو أظهر في كونها متفرقة بثلاثة ألفاظ، كما جزم به العلامة ابن القيم - رحمه الله تعالى - في رده الاستدلال بحديث عائشة الثابت في الصحيح. فقد قال في زاد المعاد ما نصه: وأما استدلالكم بحديث عائشة "حديث : أن رجلاً طلق ثلاثاً فتزوجت، فسئل النَّبي صلى الله عليه وسلم هل تحل للأول؟ قال: لا حتى تذوق العسيلة" تفسير : فهذا مما لا ننازعكم فيه، نعم هو حجة على من اكتفى بمجرد عقد الثاني. ولكن اين في الحديث أنه طلق الثلاث بفم واحد؟ بل الحديث حجة لنا، فإنه لا يقال فعل ذلك ثلاثاً، وقال ثلاثاً، غلا من فعل وقال مرة بعد مرة، وهذا هو المعقول في لغات الأمم عربهم وعجمهم. كما يقال قذفه ثلاثاً، وشتمه ثلاثاً وسلم عليه ثلاثاً انتهى منه بلفظه. وقد عرفت أن لفظ رواية أبي داود موافق للفظ عائشة الثابت في الصحيح الذي جزم فيه العلامة ابن القيم - رحمه الله تعالى - بأنه لا يدل على أن الثلاث بفم واحد، بل دلالته على أنها بألفاظ متفرقة متعينة في جميع لغات الأمم، ويؤيده أن البيهقي في السنن الكبرى قال ما نصه: وذهب أبو يحيى الساجي إلى أن معناه إذا قال للبكر: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق. كانت واحدة فغلظ عليهم عمر رضي الله عنه فجعلها ثلاثاً، قال الشيخ ورواية أيوب السختياني تدل على صحة هذا التأويل اهـ منه بلفظه ورواية أيوب المذكورة هي التي أخرجها أبو داود وهي المطابق لفظها حديث عائشة الذي جزم فيه ابن القيم - رحمه الله - بأنه لا يدل إلا على أن الطلقات المذكورة ليست بفم واحد، بل واقعة مرة بعد مرة وهي واضحة جداً فيما ذكرنا، ويؤيده أيضاً أن البيهقي نقل عن ابن عباس ما يدل على أنها إن كانت بألفاظ متتابعة فهي واحدة، وإن كانت بلفظ واحد فهي ثلاث، وهو صريح في محل النزاع، مبين أن الثلاث التي تكون واحدة هي المسرودة بألفاظ متعددة لأنها تأكيد للصيغة الأولى، ففي السنن الكبرى للبيهقي ما نصه: قال الشيخ ويشبه أن يكون أراد إذا طلقها ثلاثاً تترى، روى جابر بن يزيد عن الشعبي عن ابن عباس رضي الله عنهما في رجل طلق امرأته ثلاثاً قبل أن يدخل بها، قال عقدة كانت بيده أرسلها جميعاً. وإذا كانت تترى فليس بشيء. قال سفيان الثوري تترى يعني أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق. فإنها تبين بالأولى، والثنتان ليستا بشيء، وروي عن عكرمة عن ابن عباس ما دل على ذلك انتهى منه بلفظه. فهذه أدلة واضحة على أن الثلاث في حديث طاوس ليست بلفظ واحد، بل مسرودة بألفاظ متفرقة كما جزم به الإمام النسائي - رحمه الله - وصححه النووي والقرطبي وابن سريج وأبو يحيى الساجي، وذكره البيهقي عن الشعبي عن ابن عباس، وعن عكرمة عن ابن عباس، وتؤيده روية أيوب التي صححها ابن القيم كما ذكره البيهقي وأوضحناه آنفاً مع أنه لا يوجد دليل يعين كون الثلاث المذكورة في حديث طاوس المذكور بلفظ واحد، لا من وضع اللغة، ولا من العرف، ولا من الشرع، ولا من العقل. لأن روايات حديث طاوس ليس في شيء منها التصريح بأن الثلاث المذكورة واقعة بلفظ واحد، ومجرد لفظ الثلاث، أو طلاق الثلاث، أو الطلاق الثلاث، لا يدل على أنها بلفظ واحد لصدق كل تلك العبارات على الثلاث الواقعة بألفاظ متفرقة كما رأيت، ونحن لا نفرق في هذا بين البر والفاجر، ولا بين زمن وزمن، وإنما نفرق بين من نوى التأكيد، ومن نوى التأسيس، والفرق بينهما لا يمكن إنكاره، ونقول الذي يظهر أن ما فعله عمر إنما هو لما علم من كثرة قصد التاسيس في زمنه، بعد أن كان في الزمن الذي قبله قصد التأكيد هو الأغلب كما قدمنا، وتغيير معنى اللفظ لتغير قصد اللافظين به لا إشكال فيه، فقوة هذا الوجه واتجاهه وجريانه على اللغة، مع عدم إشكال فيه كما ترى. وبالجملة بلفظ رواية أيوب التي أخرجها أبو داود. وقال العلامة ابن القيم - رحمه الله - إنها بأصح إسناد مطابق للفظ حديث عائشة الثابت في الصحيحين، الذي فيه التصريح من النَّبي صلى الله عليه وسلم: بأنها لا تحل للأول حتى يذوق عسيلتها الثاني كما ذاقها الأول. وبه تعرف أن جعل الثلاث في حديث عائشة متفرقة في أوقات متباينة، وجعلها في حديث طاوس بلفظ واحد تفريق لا وجه له مع اتحاد لفظ المتن في رواية أبي داود، ومع أن القائلين برد الثلاث المجتمعة إلى واحدة لا يجدون فرقاً في المعنى بين رواية أيوب وغيرها من روايات حديث طاوس. ونحن نقول للقائلين برد الثلاث إلى واحدة إما أن يكون معنى الثلاث في حديث عائشة وحديث طاوس أنها مجتمعة أو مفرقة، فإن كانت مجتمعة فحديث عائشة متفق عليه فهو أولى بالتقديم، وفيه التصريح بأن تلك الثلاث تحرمها ولا تحل إلا بعد زوج، وإن كانت متفرقة فلا حجة لكم أصلاً في حديث طاوس على محل النزاع. لأن النزاع في خصوص الثلاث بلفظ واحد. أما جعلكم الثلاث في حديث عائشة مفرقة. وفي حديث طاوس مجتمعة فلا وجه له ولا دليل عليه، ولا سيما أن بعض رواياته مطابق لفظه للفظ حديث عائشة، وأنتم لا ترون فرقاً بين معاني ألفاظ رواياته من جهة كون الثلاث مجتمعة لا متفرقة. وأما على كون معنى حديث طاوس أن الثلاث التي كانت تجعل واحدة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر، هي المجموعة بلفظ واحد فإنه على هذا يتعين النسخ كما جزم به أبو داود رحمه الله، وجزم به ابن حجر في فتح الباري، وهو قول الشافعي كما قدمنا عنه، وقال به غير واحد من العلماء. وقد رأيت النصوص الدالة على االنسخ التي تفيد أن المراد بجعل الثلاث واحدة. أنه في الزمن الذي كان لا فرق فيه بين واحدة وثلاث، ولو متفرقة: لجواز الرجعة ولو بعد مائة تطليقة. متفرقة كانت أو لا. وأن المراد بمن كان يفعله في زمن أبي بكر هو من لم يبلغه النسخ، وفي زمن عمر اشتهر النسخ بين الجميع. وإدعاء أن مثل هذا لا يصح يرده بإيضاح وقوع مثله في نكاح المتعة، فإنا قد قدمنا أن مسلماً روى عن جابر أنها كانت تفعل على عهد النَّبي صلى الله عليه وسلم، وأبي بكر، وفي بعض من زمن عمر قال: فنهانا عنها عمر. وهذه الصورة هي التي وقعت في جعل الثلاث واحدة، والنسخ ثابت في كل واحدة منهما، فادعاء إمكان إحداهما واستحالة الأخرى في غاية السقوط كما ترى. لأن كل واحدة منهما، روى فيها مسلم في صحيحه عن صحابي جليل، أن مسألة تتعلق بالفروج كانت تفعل في زمن النَّبي صلى الله عليه وسلم، وأبي بكر وصدراً من إمارة عمر، ثم غير حكمها عمر، والنسخ ثابت في كل واحدة منهما. وأما غير هذين الأمرين فلا ينبغي أن يقال. لأن نسبة عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - وعبد الله بن عباس - رضي الله عنهما - وخلق من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أنهم تركوا ما جاء به النَّبي صلى الله عليه وسلم وجاءوا بما يخالفه من تلقاء أنفسهم عمداً غير لائق، ومعلوم أنه ابطل بلا شك. وقد حكى غير واحد من العلماء أن الصحابة أجمعوا في زمن عمر على نفوذ الطلاق الثلاث دفعة واحدة. والظاهر أن مراد المدعي لهذا الإجماع هو الإجماع السكوتي، مع أن بعض العلماء ذكر الخلاف في ذلك عن جماعة من الصحابة والتابعين. وقد قدمنا كلام أبي بكر بن العربي القائل: بأن نسبة ذلك إلى بعض الصحابة كذب بحت، وأنه لم يثبت عن أحد منهم جعل الثلاث بلفظ واحد واحدة، وما ذكره بعض أجلاء العلماء من أن عمر إنما أوقع عليهم الثلاث مجتمعة عقوبة لهم، مع أنه يعلم أن ذلك خلاف ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون في زمن أبي بكر - رضي الله عنه - فالظهر عدم نهوضه. لأن عمر لا يسوغ له أن يحرم فرجاً أحله رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا يصح منه أن يعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يبيح ذلك الفرج بجواز الرجعة ويتجرأ هو على منعه بالبينونة الكبرى، والله تعالى يقول: {أية : وَمَآ آتَاكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ} تفسير : [الحشر: 7] الآية، ويقول: {أية : ءَآللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى ٱللَّهِ تَفْتَرُونَ} تفسير : [يونس: 59] ويقول: {أية : أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُواْ لَهُمْ مِّنَ ٱلدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ ٱللَّهُ} تفسير : [الشورى: 21]؟ والمروي عن عمر في عقوبة من فعل ما لا يجوز من الطلاق هو التعزير الشرعي المعروف، كالضرب. أما تحريم المباح من الفروج فليس من أنواع التعزيرات. لأنه يفضي إلى حرمته على من أحله الله له وإباحته لمن حرمه عليه. لأنه إن أكره على إبانتها وهي غير بائن في نفس الأمر لا تحل لغيره. لأن زوجها لم يبنها عن طيب نفس وحكم الحاكم وفتواه لا يحل الحرام في نفس الأمر، ويدل له حديث أم سلمة المتفق عليه فإن فيه: "فمن قضيت له فلا يأخذ من حق أخيه شيئاً، فكأنما أقطع له قطعة من نار" ويشير له قوله تعالى: {أية : فَلَمَّا قَضَىٰ زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا} تفسير : [الأحزاب: 37] لأنه يفهم منه أنه لو لم يتركها اختياراً لقضائه وطره منها ما حلت لغيره. وقد قال الحافظ بن حجر في فتح الباري ما نصه: وفي الجملة فالذي وقع في هذه المسألة نظير ما وقع في مسألة المتعة سواء - أعني قول جابر: إنها كانت تفعل في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وصدراً من خلافة عُمر، قال ثم نهانا عُمر عنها فانتهينا، فالراجح في الموضعين تحريم المتعة وإيقاع الثلاث للإجماع الذي انعقد في عهد عمر على ذلك. ولا يحفظ أن أحداً في عهد عمر خالفه في واحدة منهما، وقد دل إجماعهم على وجود ناسخ وإن كان خفي عن بعضهم قبل ذلك حتى ظهر لجميعهم في عهد عمر، فالمخالف بعد هذا الإجماع منا بذله، والجمهور على عدم اعتبار من أحدث الاختلاف بعد الاتفاق والله أعلم اهـ منه بلفظه. وحاصل خلاصة هذه المسالة أن البحث فيها من ثلاث جهات: الأولى: من جهة دلالة النص القولي أو الفعلي الصريح. الثانية: من جهة صناعة علم الحديث والأصول. الثالثة: من جهة أقوال أهل العلم فيها أما أقوال أهل العلم فيها فلا يخفى أن الأئمة الأربعة وأتباعهم وجل الصحابة وأكثر العلماء على نفوذ الثلاث دفعة بلفظ واحد، وادعى غير واحد على ذلك إجماع الصحابة وغيرهم. وأما من جهة نص صريح من قول النَّبي صلى الله عليه وسلم أو فعله فلم يثبت من لفظ النَّبي صلى الله عليه وسلم ولا من فعله ما يدل على جعل الثلاث واحدة، وقد مر لك أن أثبت ما روي في قصة طلاق ركانة أنه بلفظ ألبتة، وأن النَّبي حلفه ما أراد إلا واحدة، ولو كان لا يلزم أكثر من واحدة بلفظ واحد لما كان لتحليفه معنى. وقد جاء في حديث ابن عمر عند الدارقطني أنه قال: يا رسول الله أرأيت لو طلقتها ثلاثاً أكان يحل لي أن أراجعها؟ قال: لا، كانت تبين منك، وتكون معصية. وقد قدمنا أن في إسناده عطاء الخراساني، وشعيب بن زريق الشامي، وقد قدمنا أن عطاء المذكور من رجال مسلم، وأن شعيباً المذكور قال فيه ابن حجر في التقريب صدوق يخطئ، وأن حديث ابن عمر هذا يعتضد بما ثبت عن ابن عمر في الصحيح من أنه قال: وإن كنت طلقتها ثلاثاً فقد حرمت عليك حتى تنكح زوجاً غيرك، وعصيت ربك فيما أمرك به من طلاق امرأتك. ولا سيما على قول الحاكم: إنه مرفوع ويعتضد بالحديث المذكور قبله. لتحليفه ركانة وبحديث الحسن بن علي المتقدم عند البيهقي والطبراني، وبحديث سهل بن سعد الساعدي الثابت في الصحيح، في لعان عويمر وزوجه، ولا سيما رواية فأنفذها رسول الله صلى الله عليه وسلم، يعني الثلاث المجتمعة وببقية الأحاديث المتقدمة. وقد قدمنا أن كثرة طرقها واختلاف منازعها يدل على أن لها أصلاً وأن بعضها يشد بعضاً فيصلح المجموع للاحتجاج. ولا سيما أن بعضها صححه بعض العلماء وحسنه بعضهم، كحديث ركانة المتقدم. وقد عرفت أن حديث داود بن الحصين لا دليل فيه على تقدير ثبوته، فإذا حققت أن المروي باللفظ الصريح عن النَّبي صلى الله عليه وسلم ليس يدل إلا على وقوع الثلاث مجتمعة، فاعلم أن كتاب الله ليس فيه شيء يدل على عدم وقوع الثلاث دفعة واحدة. لأنه ليس فيه آية فيها ذكر الثلاث المجتمعة، وأحرى آية تصرح بعدم لزومها. وقد قدمنا عن النووي وغيره أن العلماء استدلوا على وقوع الثلاث دفعة بقوله تعالى: {أية : وَتِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ ٱللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لاَ تَدْرِى لَعَلَّ ٱللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً} تفسير : [الطلاق: 1] قالوا معناه: أن المطلق قد يحدث له ندم فلا يمكنه تداركه. لوقوع البينونة فلو كانت الثلاث لا تقع، لم يقع طلاقه إلا رجعياً، فلا يندم. وقد قدمنا ما ثبت عن ابن عباس من أنها تلزم مجتمعة، وأن ذلك داخل في معنى الآية وهو واضح جداً. فاتضح أنه ليس في كتاب الله ولا في صريح قول النَّبي صلى الله عليه وسلم أو فعله ما يدل على عدم وقوع الثلاث. أما من جهة صناعة علم الحديث، والأصول، فما أخرجه مسلم من حديث ابن عباس المتقدم له حكم الرفع. لأن قول الصحابي كان يفعل كذا على عهد النَّبي صلى الله عليه وسلم، له حكم الرفع عند جمهور المحدثين والأصوليين. وقد علمت أوجه الجواب عنه بإيضاح، ورأيت الروايات المصرحة بنسخ المراجعة بعد الثلاث، وقد قدمنا أن جميع روايات حديث طاوس عن ابن عباس المذكور عند مسلم ليس في شيء منها التصريح بأن الطلقات الثلاث بلفظ واحد، وقد قدمنا أيضاً أن بعض رواياته موافقة للفظ حديث عائشة الثابت في الصحيح. وأنه لا وجه للفرق بينهما، فإن حمل على أن الثلاث مجموعة فحديث عائشة أصح، وفيه التصريح بأن تلك المطلقة لا تحل إلا بعد زوج. وإن حمل على أنها بألفاظ متفرقة، فلا دليل إذن في حديث طاوس عن ابن عباس على محل النزاع، فإن قيل أنتم تارة تقولون: إن حديث ابن عباس منسوخ، وتارة تقولون: ليس معاه أنها بلفظ واحد، بل بألفاظ متفرقة، فالجواب أن معنى كلامنا: أن الطلقات في حديث طاوس لا يتعين كونها بلفظ واحد، ولو فرضنا أنها بلفظ واحد، فجعلها واحدة منسوخ هذا هو ما ظهر لنا في هذه المسالة. والله تعالى أعلم ونسبة العلم إليه أسلم. قوله تعالى: {فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بإِحْسِانٍ}. لم يبين في هذه الآية ولا في غيرها من آيات الطلاق حكمة كون الطلاق بيد الرجل دون إذن المرأة، ولكنه بين في موضع آخر أن حكمة ذلك أن المرأة حقل تزرع فيه النطفة كما يزرع البذر في الأرض، ومن رأى أن حقله غير صالح للزراعة فالحكمة تقتضي أن لا يرغم على الازدراع فيه، وأن يترك وشأنه. ليختار حقلاً صالحاً لزراعته وذلك في قوله تعالى: {أية : نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ} تفسير : [البقرة: 223] كما تقدم إيضاحه. قوله تعالى: {وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ مِمَّآ آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلاَّ أَن يَخَافَآ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا ٱفْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ ٱللَّهِ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ}. صرح في هذه الآية الكريمة بأن الزوج لا يحل له الرجوع في شيء مما أعطى زوجته، إلا على سبيل الخلع، إذا خافا ألا يقيما حدود الله، فيما بينهما، فلا جناح عليهما إذن في الخلع. أي: لا جناح عليها هي في الدفع، ولا عليه هو في الأخذ. وصرح في موضع آخر بالنهي عن الرجوع في شيء مما أعطى الأزواج زوجاتهم، ولو كان المعطى قنطاراً وبين أن أخذه بهتان وإثم مبين، وبين أن السبب المانع من أخذ شيء منه هو أنه أفضى إليها بالجماع. وذلك في قوله تعالى: {أية : وَإِنْ أَرَدْتُّمُ ٱسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً فَلاَ تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئاً أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَىٰ بَعْضُكُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقاً غَلِيظاً} تفسير : [النساء: 20-21]. وبين في موضع آخر أن محل النهي عن ذلك إذا لم يكن عن طيب النفس من المرأة. وذلك في قوله: {أية : فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَّرِيئاً} تفسير : [النساء: 4]. وأشار إلى ذلك بقوله: {أية : وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِن بَعْدِ ٱلْفَرِيضَةِ} تفسير : [النساء: 24]. تنبيه: أخذ ابن عباس من هذه الآية الكريمة أن الخلع فسخ ولا يعد طلاقاً. لأن الله تعالى قال: {ٱلطَّلاَقُ مَرَّتَانِ} [البقرة: 229] ثم ذكر الخلع بقوله {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا ٱفْتَدَتْ بِهِ} [البقرة: 229]. فلم يعتبره طلاقاً ثالثاً ثم ذكر الطلقة الثالثة بقوله: {أية : فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ}تفسير : [البقرة: 230] الآية. وبهذا قال عكرمة وطاوس وهو رواية عن عثمان بن عفان وابن عمر، وهو قول إسحاق بن راهويه، وأبي ثور وداود بن علي الظاهري كما نقله عنهم ابن كثير وغيره، وهو قول الشافعي في القديم وإحدى الروايتين عن أحمد. قال مقيده - عفا الله عنه - الاستدلال بهذه الآية على أن الخلع لا يعد طلاقاً ليس بظاهر عندي. لما تقدم مرفوعاً إليه صلى الله عليه وسلم من أن الطلقة الثالثة هي المذكورة في قوله: {أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} [البقرة: 229] وهو مرسل حسن. قال في فتح الباري: والأخذ بهذا الحديث أولى، فإنه مرسل حسن يعتضد بما أخرجه الطبري من حديث ابن عباس بسند صحيح. قال: "حديث : إذا طلق الرجل امرأته تطليقتين فليتق الله في الثالثة. فإما أن يمسكها فيحسن صحبتها، أو يسرحها فلا يظلمها من حقها شيئاً ". تفسير : وعليه ففراق الخلع المذكور لم يرد منه إلا بيان مشروعية الخلع عند خوفهما ألا يقيما حدود الله. لأنه ذكر بعد الطلقة الثالثة. وقوله فإن طلقها إنما كرره. ليرتب عليه ما يلزم بعد الثالثة، الذي هو قوله: {أية : فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ} تفسير : [البقرة: 230] الآية. ولو فرعنا على أن قوله تعالى: {أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} [البقرة: 229] يراد به عدم الرجعة، وأن الطلقة الثالثة هي المذكورة في قوله: {أية : فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ}تفسير : [البقرة: 230] الآية. لم يلزم من ذلك أيضاً عدم عد الخلع طلاقاً. لأن الله تعالى ذكر الخلع في معرض منع الرجوع فيما يعطاه الأزواج. فاستثنى منه صورة جائزة، ولا يلزم من ذلك عدم اعتبارها طلاقاً، كما هو ظاهر من سياق الآية. وممن قال: بأن الخلع يعد طلاقاً بائناً مالك، وأبو حنيفة، والشافعي في الجديد، وقد روي نحوه عن عمر، وعلي، وابن مسعود، وابن عمر، وبه قال سعيد بن المسيب، والحسن، وعطاء، وشريح، والشعبي، وإبراهيم، وجابر بن زيد، والثوري، والأوزاعي، وأبو عثمان البتي، كما نقله عنهم ابن كثير وغيره. غير أن الحنفية عندهم أنه متى نوى المخالع بخلعه تطليقة أو اثنتين، أو أطلق فهو واحدة بائنة. وإن نوى ثلاثاً فثلاث، وللشافعي قول آخر في الخلع وهو: أنه متى لم يكن بلفظ الطلاق وعرى عن النية فليس هو بشيء بالكلية، قاله ابن كثير. ومما احتج به أهل القول: بأن الخلع طلاق ما رواه مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن جهمان مولى الأسلميين، عن أم بكر الأسلمية أنها اختلعت من زوجها عبد الله بن خالد بن أسيد، فأتيا عثمان بن عفان في ذلك فقال تطليقة، إلا أن تكون سميت شيئاً فهو ما سميت. قال الشافعي ولا أعرف جهمان، وكذا ضعف أحمد بن حنبل هذا الأثر قاله ابن كثير والعلم عند الله تعالى. وروى ابن أبي شيبة عن ابن مسعود مثله وتكلم فيه بأن في سنده ابن أبي ليلى، وأنه سيئ الحفظ، وروى مثله عن علي وضعفه ابن حزم، والله تعالى أعلم. الفرع الأول: ظاهر هذه الآية الكريمة أن الخلع يجوز بأكثر من الصداق. وذلك لأنه تعالى عبر بما الموصولة في قوله: {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا ٱفْتَدَتْ بِهِ} [البقرة: 229] وقد تقرر في الأصول أن الموصولات من صيغ العموم. لأنها تعم كل ما تشمله صلاتها كما عقده في مراقي السعود بقوله: شعر : صيغه كل أو الجميع وقد تلا الذي التي الفروع تفسير : وهذا هو مذهب الجمهور، قال ابن كثير في تفسير هذه الآية ما نصه: وقد اختلف العلماء - رحمهم الله - في أنه هل يجوز للرجل أن يفاديها بأكثر مما أعطاها. فذهب الجمهور إلى جواز ذلك. لعموم قوله تعالى: {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا ٱفْتَدَتْ بِهِ} [البقرة: 229]. وقال ابن جرير: حدثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن علية، أخبرنا أيوب عن كثير مولى ابن سمرة: أن عمر أتى بامرأة ناشز فأمر بها إلى بيت كثير الزبل ثم دعاها فقال كيف وجدت؟ فقالت ما وجدت راحة منذ كنت عنده إلا هذه الليلة التي كنت حبستني. فقال لزوجها اخلعها ولو من قرطها، ورواه عبد الرزاق عن معمر عن أيوب عن كثير مولى ابن سمرة فذكر مثله، وزاد فحبسها فيه ثلاثة أيام. وقال سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن حميد بن عبد الرحمن، أن امرأة أتت عمر بن الخطاب فشكت زوجها فأباتها في بيت الزبل، فلما أصبحت قال لها كيف وجدت مكانك؟ قالت ما كنت عنده ليلة أقر لعيني من هذه الليلة. فقال خذ ولو عقاصها. وقال البخاري: وأجاز عثمان الخلع دون عقاص رأسها. وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن عبد الله بن محمد بن عقيل: أن الربيع بنت معوذ بن عفراء حدثته قالت: كان لي زوج يقل علي الخير إذا حضرني، ويحرمني إذا غاب. قالت فكانت مني زلة يوماً، فقلت له أختلع منك بكل شيء أملكه قال: نعم، قالت: ففعلت. قالت: فخاصم عمي معاذ ابن عفراء إلى عثمان بن عفان فأجاز الخلع، وأمره أن يأخذ عقاص رأسي، فما دونه، أو قالت ما دون عقاص الرأس. ومعنى هذا أنه يجوز أن يأخذ منها كل ما بيدها من قليل وكثير، ولا يترك لها سوى عقاص شعرها، وبه يقول ابن عمر وابن عباس وعكرمة ومجاهد وإبراهيم النخعي وقبيصة بن ذؤيب والحسن بن صالح وعثمان البتي. وهذا مذهب مالك، والليث، والشافعي، وأبي ثور، واختاره ابن جرير. وقال أصحاب أبي حنيفة إن كان الإضرار من قبلها جاز أن يأخذ منها ما أعطاها، ولا يجوز الزيادة عليه. فإن ازداد جاز في القضاء، وإن كان الإضرار من جهته لم يجز أن يأخذ منها شيئاً، فإن أخذ جاز في القضاء. وقال الإمام أحمد وأبو عبيد وإسحاق بن راهويه لا يجوز أن يأخذ أكثر مما أعطاها، وهذا قول سعيد بن المسيب وعطاء وعمرو بن شعيب، والزهري، وطاوس، والحسن، والشعبي، وحماد بن أبي سليمان، والربيع بن أنس. وقال معمر والحكم: كان علي يقول لا يأخذ من المختلعة فوق ما أعطاها. وقال الأوزاعي: القضاة لا يجيزون أن يأخذ منها أكثر مما ساق إليها، قلت ويستدل لهذا القول بما تقدم من رواية قتادة عن عكرمة عن ابن عباس في قصة ثابت بن قيس، فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأخذ منها الحديقة ولا يزداد. وبما روى عبد بن حميد حيث قال: أخبرنا قبيصة عن سفيان عن ابن جريج، عن عطاء، أن النَّبي صلى الله عليه وسلم كره أن يأخذ منها أكثر مما أعطاها، يعني: المختلعة، وحملوا معنى الآية على معنى {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا ٱفْتَدَتْ بِهِ} [البقرة: 229] أي: من الذي أعطاها. لتقدم قوله: {وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ مِمَّآ آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلاَّ أَن يَخَافَآ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا ٱفْتَدَتْ بِهِ} [البقرة: 229] أي: من ذلك وهكذا كان يقرؤها الربيع بن أنس فلا جناح عليهما فيما افتدت به منه رواه ابن جرير، ولهذا قال بعده: {تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ ٱللَّهِ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ} [البقرة: 229] اهـ من ابن كثير بلفظه. الفرع الثاني اختلف العلماء في عدة المختلعة: فذهب أكثر أهل العلم إلى أنها تعتد بثلاثة قروء إن كانت ممن تحيض، كعدة المطلقة منهم مالك، وأبو حنيفة والشافعي، وأحمد، وإسحاق بن راهويه في الرواية المشهورة عنهما، وروي ذلك عن عمر، و علي، وابن عمر، وبه يقول سعيد بن المسيب، وسليمان بن يسار، وعروة، وسالم، وأبو سلمة، وعمر بن عبد العزيز، وابن شهاب، والحسن، والشعبي، وإبراهيم النخعي، وأبو عياض وخلاس بن عمرو، وقتادة، وسفيان الثوري، والأوزاعي، والليث بن سعد، وأبو العبيد. قال الترمذي: وهو قول أكثر أهل العلم من الصحابة وغيرهم، ومأخذهم في هذا: أن الخلع طلاق فتعتد كسائر المطلقات، قاله ابن كثير. قال مقيده - عفا الله عنه - وكون الخلع طلاقاً ظاهر من جهة المعنى: لأن العوض المبذول للزوج من جهتها إنما بذلته في مقابلة ما يملكه الزوج، وهو الطلاق. لأنه لا يملك لها فراقاً شرعاً إلا بالطلاق، فالعوض في مقابلته. ويدل له ما أخرجه البخاري في قصة مخالعة ثابت بن قيس زوجه من حديث ابن عباس "حديث : أن امرأة ثابت بن قيس، أتت النَّبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله ثابت بن قيس ما أعتب عليه من خلق ولا دين، ولكني أكره الكفر في الإسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أتردين عليه حديقته؟ قالت: نعم. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اقبل الحديقة وطلقها تطليقة" فإن قوله صلى الله عليه وسلم: اقبل الحديقة وطلقها تطليقةتفسير : ، فيه دليل على ان العوض مبذول في الطلاق الذي هو من حق الزوج. وقول البخاري عقب سوقه للحديث المذكور. قال أبو عبد الله: لا يتابع فيه عن ابن عباس لا يسقط الاحتجاج به. لأن مراده أن أزهر بن جميل لا يتابعه غيره في ذكر ابن عباس في هذا الحديث، بل أرسله غيره ومراده بذلك: خصوص طريق خالد الحذاء عن عكرمة، ولهذا عقبه برواية خالد وهو ابن عبد الله الطحان عن خالد. وهو الحذاء عن عكرمة مرسلاً، ثم برواية إبراهيم بن طهمان، عن خالد الحذاؤ مرسلاً، وعن أيوب موصولاً. ورواية إبراهيم بن طهمان عن أيوب الموصولة، وصلها الإسماعيلي قاله الحافظ في الفتح فظهر اعتضاد الطرق المرسلة بعضها ببعض، وبالطرق الموصولة. وقوله في رواية إبراهيم بن طهمان عن أيوب الموصولة وأمره ففارقها يظهر فيها أن مراده بالفراق الطلاق في مقابلة العوض. بدليل التصريح في الرواية الأخرى بذكر التطليقة، والروايات بعضها يفسر بعضاً، كما هو معلوم في علوم الحديث. وما ذكره بعض العلماء من أن المخالع إذا صرح بلفظ الطلاق لا يكون طلاقاً، وإنما يكون فسخاً فهو بعيد ولا دليل عليه. والكتاب والسنة يدلان على أنالمفارقة بلفظ الطلاق طلاق لا فسخ. والاستدلال على أنه فسخ بإيجاب حيضة واحدة في عدة المختلعة فيه أمران: أحدهما: ما ذكرنا آنفاً من أن أكثر أهل العلم على أن المختلعة تعتد عدة المطلقة ثلاثة قروء. الثاني: أنه لا ملازمة بين الفسخ والاعتداد بحيضة، ومما يوضح ذلك أن الإمام أحمد وهو هو - رحمه الله تعالى - يقول في أشهر الروايتين عنه: إن الخلع فسخ لا طلاق، ويقول في أشهر الروايتين عنه أيضاً: إن عدة المختلعة ثلاثة قروء كالمطلقة، فظهر عدم الملازمة عنده فإن قيل هذا الذي ذكرتم يدل على أن المخالع إذا صرح بلفظ الطلاق كان طلاقاً، ولكن إذا لم يصرح بالطلاق في الخلع فلا يكون الخلع طلاقاً، فالجواب أن مرادنا بالاستدلال بقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : اقبل الحديقة وطلقها تطليقة"تفسير : : أن الطلاق المأمور به من قبله صلى الله عليه وسلم هو عوض المال إذ لا يملك الزوج من الفراق غير الطلاق. فالعوض مدفوع له عما يملكه كما يدل له الحديث المذكور دلالة واضحة. وقال بعض العلماء: تعتد المختلعة بحيضة ويروى هذا القول عن أمير المؤمنين عثمان بن عفان، وعبد الله بن عمر، والربيع بنت معوذ، وعمها. وهو: صحابي. وأخرجه أصحاب السنن، والطبراني مرفوعاً والظاهر أن بعض أسانيده أقل درجاتها القبول، وعلى تقدير صحة الحديث بذلك فلا كلام. ولو خالف أكثر اهل العلم وقد قدمنا عدم الملازمة بين كونه فسخاً، وبين الاعتداد بحيضة فالاستدلال به عليه لا يخلو من نظر وما وجهه به بعض أهل العلم من أن العدة إنما جعلت ثلاث حيض ليطول زمن الرجعة ويتروى الزوج ويتمكن من الرجعة في مدة العدة، فإذا لم تكن عليها رجعة فالمقصود مجرد براءة رحمها من الحمل. وذلك يكفي فيه حيضة كالاستبراء لا يخلو من نظر أيضاً، لأن حكمة جعل العدة ثلاثة قروء ليست محصورة في تطويل زمن الرجعة، بل الغرض الأعظم منها: الاحتياط لماء المطلق حتى يغلب على الظن بتكرر الحيض ثلاث مرات، أن الرحم لم يشتمل على حمل منه. ودلالة ثلاث حيض على ذلك أبلغ من دلالة حيضة واحدة، ويوضح ذلك أن الطلقة الثالثة لا رجعة بعدها إجماعاً. فلو كانت الحكمة ما ذكر لكانت العدة من الطلقة الثالثة حيضة واحدة، وما قاله بعض العلماء من أن باب الطلاق جعل حكمه واحداً، فجوابه أنه لم يجعل واحداً إلا لأن الحكمة فيه واحدة. ومما يوضح ذلك أن المطلق قبل الدخول لا عدة له على مطلقته إجماعاً، بنص قوله تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا نَكَحْتُمُ ٱلْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا} تفسير : [الأحزاب: 49] مع أنه قد يندم على الطلاق كما يندم المطلق بعد الدخول، فلو كانت الحكمة في الاعتداد بالأقراء مجرد تمكين الزوج من الرجعة، لكانت العدة في الطلاق قبل الدخول. ولما كانت الحكمة الكبرى في الاعتداد بالأقراء هي أن يغلب على الظن براءة الرحم من ماء المطلق. صيانة للأنساب، كان الطلاق قبل الدخول لا عدة فيه أصلاً. لأن الرحم لم يعلق بها شيء من ماء المطلق حتى تطلب براءتها منه بالعدة، كما هو واضح. فإن قيل فما وجه اعتداد المختلعة بحيضة؟ قلنا إن كان ثابتاً عن النَّبي صلى الله عليه وسلم كما أخرجه عنه أصحاب السنن والطبراني فهو تفريق من الشارع بين الفراق المبذول فيه عوض، وبين غيره في قدر العدة، ولا إشكال في ذلك. كما فرق بين الموت قبل الدخول فأوجب فيه عدة الوفاة. وبين الطلاق قبل الدخول فلم يوجب فيه عدة أصلاً. مع أن الكل فراق قبل الدخول. والفرق بين الفراق بعوض، والفراق بغير عوض ظاهر في الجملة، فلا رجعة في الأول بخلاف الثاني. الفرع الثالث: اختلف العلماء في المخالعة هل يلحقها طلاق من خالعها بعد الخلع على ثلاثة أقوال: الأول: لا يلحقها طلاقه، لأنها قد ملكت نفسها وبانت منه بمجرد الخلع. وبهذا يقول ابن عباس، وابن الزبير، وعكرمة، وجابر بن زيد، والحسن البصري، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وأبو ثور كما نقله عنهم ابن كثير. الثاني: أنه إن أتبع الخلع طلاقاً من غير سكوت بينهما وقع. وإن سكت بينهما لم يقع. وهذا مذهب مالك. قال ابن عبد البر وهذا يشبه ما روي عن عثمان رضي الله عنه. الثالث: أنه يلحقها طلاقه ما دامت في العدة مطلقاً، وهو قول أبي حنيفة، وأصحابه، والثوري، والأوزاعي، وبه يقول سعيد بن المسيب، وشريح، وطاوس، و إبراهيم، والزهري، والحاكم والحكم، وحماد بن أبي سليمان، كما نقله عنهم ابن كثير. وروي ذلك عن ابن مسعود، وأبي الدرداء. قال ابن عبد البر: وليس ذلك بثابت عنهما. قال مقيده: - عفا الله عنه - وهذا القول الثالث بحسب النظر أبعد الأقوال. لأن المخالعة بمجرد انقضاء صيغة الخلع تبين منه، والبائن أجنبية لا يقع عليها طلاق. لأنه لا طلاق لأحد فيما لا يملكه كما هو ظاهر، والعلم عند الله تعالى. الفرع الرابع: ليس للمخالع أن يراجع المختلعة في العدة بغير رضاها عند الأئمة الأربعة وجمهور العلماء. لأنها قد ملكت نفسها بما بذلت له من العطاء، وروي عن عبد الله بن أبي أوفى، وماهان الحنفي، وسعيد بن المسيب، والزهري أنهم قالوا: إن رد إليها الذي أعطته جاز له رجعتها في العدة بغير رضاها، وهو اختيار أبي ثور. وقال سفيان الثوري: إن كان الخلع بغير لفظ الطلاق فهو فرقة، ولا سبيل له عليها، وإن كان سمي طلاقاً فهو أملك لرجعتها ما دامت في العدة وبه يقول داود بن علي الظاهري اهـ من ابن كثير. الفرع الخامس: أجمع العلماء على أن للمختلع أن يتزوجها برضاها في العدة، وما حكاه ابن عبد البر عن جماعة من أنهم منعوا تزويجها لمن خالعها، كما يمنع لغيره فو قول باطل مردود ولا وجه له بحال. كما هو ظاهر والعلم عند الله تعالى.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 229- الطلاق مرَّتان يكون للزوج بعد كل واحدة منها الحق فى أن يمسك زوجته برجعتها فى العدة أو إعادتها إلى عصمته بعقد جديد، وفى هذه الحال يجب أن يكون قصده الإمساك بالعدل والمعاملة بالحسنى، أو أن ينهى الحياة الزوجية مع المعاملة الحسنة وإكرامها من غير مجافاة. ولا يحل لكم - أيها الأزواج - أن تأخذوا مما أعطيتموهن شيئا إلا عند خشية عدم إقامة حقوق الزوجية التى بينها الله سبحانه وتعالى وألزم بها. فإن خفتم - يا معشر المسلمين - ألا تؤدِّى الزوجات حقوق الزوجية سليمة كما بينها الله فقد شرع للزوجة أن تقدم مالا فى مقابل افتراقها عن زوجها، وهذه هى أحكام الله المقررة فلا تخالفوها وتتجاوزوها لأن من يفعل ذلك ظالم لنفسه وظالم للمجتمع الذى يعيش فيه.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: الطلاق: الإسم من طلَّق وهو أن يقول الرجل لزوجته أنت طالق أو طلقتك. مرتان: يطلقها، ثم يردها، ثم يطلقها ثم يردها. أي يملك الزوج الإِرجاع في طلقتين أما إن طلق الثالثة فلا يملك ذلك ولا ترجع حتى تنكح زوجا غيره. فإن خفتم ألا يقيما حدود الله: حسن العشرة فإن خافت المرأة أو خاف الزوج أن لا يؤدي حقوق الزوجية جاز الفداء وهو دفع مال للزوج ليخلي سبيل المرأة تذهب حيث شاءت، ويسمى هذا خلعاً. حدود الله: ما يجب أن ينتهي إليه العبد من طاعة الله ولا يتجاوزه. الظالم: المتجاوز لما حدَّ الله تعالى، والظلم وضع الشيء في غير موضعه. معنى الآية الكريمة ما زال السياق في بيان أحكام الطلاق فيقرر تعالى في هذه الآية أن الطلاق الذي يملك الزوج الرجعة فيه هو طلقتان أولى، وثانية فقط، ومن هنا فمن طلق الثانية فهو بين خيارين إما أن يمسك زوجته بمعروف، أو يطلقها بإحسان فإن طلقها فلا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره هذا معنى قوله تعالى: {ٱلطَّلَٰقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ} أي بحسن العشرة وهو أداء ما للزوج من حقوق، أو تسريح أي تطليق بإحسان بأن يعطيها باقي صداقها إن كان، ويمتعها بشيء من المال ولا يذكرها بسوء. وقوله تعالى: {وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ مِمَّآ آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً}: حرم تعالى على الزوج أن يأخذ من مهر زوجته شيئا بدون رضاها، إلا في حال واحدة وهي إذا كرهت المرأة الزوج ولم تطق البقاء معه وهو غير ظالم لها في هذه الحال يجوز أن تعطي الزوج مالاً ويطلقها ويسمى هذا خلعاً وهو حلال على الزوج غير الظالم، وهذا معنى {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ} وهي هنا المعاشرة الحسنة فلا جناح أي لا إثم فيما فدت به نفسها فلها أن تعطي المال للزوج وله أن يأخذه منها مقابل تركها وحل عصمة الزوجية بينهما. وقوله تعالى: {تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ} يريد أحكام شرعه فلا يحل تجاوز الحلال إلى الحرام، ولا تجاوز الإِحسان إلى الإِساءة، ولا المعروف إلى المنكر ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه عرضها للعذاب، وما ينبغي له ذلك. هداية الآية من هداية الآية: 1- حرمة الطلاق الثلاث بلفظ واحد، لأن الله تعالى قال الطلاق مرتان. 2- المطلقة ثلاث طلقات لا تحل لزوجها حتى تنكح زوجا غيره ويطلقها أو يموت عنها. 3- مشروعية الخلع وهو أن تكره المرأة البقاء مع زوجها فتخلع نفسها منه بمال تعطيه إياه عوضا عما أنفق عليها في الزواج بها. 4- وجوب الوقوف عند حدود الله وحرمة تعديها. 5- تحريم الظلم وهو ثلاثة أنواع: ظلم الشرك وهذا لا يغفر للعبد إلا بالتوبة منه وظلم العبد لأخيه الإِنسان وهذا لا بد من التحلل منه، وظلم العبد لنفسه بتعدّي حد من حدود الله وهذا أمره إلى الله إن شاء غفره وإن شاء واخذ به.

القطان

تفسير : الامساك بالمعروف: ان يرجع زوجته بقصد المعاشرة الحسنة. افتدت: اي دفعت عن نفسها فدية لتخلصها بها، حدود الله: احكامه. الاعتداء: تجاوز الحد. شُرع الطلاق في الاسلام حينما تشتد الخصومة بين الزوجين الى حد لا تجدي فيه محاولة الاصلاح. وقد عُرف الطلاق من قديم، فكان للمرأة عند العرب في جاهليتهم طلاق وعدة ومراجعة في العدة. لكنه لم يكن للطلاق حد ولا عدد، فكان الرجل يطلق زوجته ثم يطلقها الى غير حد. تطليق فمراجعة ثم تطليق فمراجعة وهكذا، لا يتركها لتتزوج غيره فتستريح ولا يثوب الى رشده فحيسن عشرتها، وانما يتخذها ألعوبة في يده. فأنزل الله تعالى: {ٱلطَّلاَقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} والمعنى ان الطلاق المشروع، عند تحقق ما يبيحه، يكون على مرتين، مرة بعد مرة. فاذا ما طلق الرجل زوجته المرة الأولى أو الثانية كان عليه إما ردّها الى عصمته مع احسان عشرتها، وهذا هو الامساك بالمعروف، وإما ان يتركها تنقضي عدتها وتنقطع علاقتها به، وذلك هو التسريح بالاحسان. فان عاد الزوج بعد ان راجعها من الطلاق الثاني وطلقها ثالثة حرمت عليه، حتى تتزوج من غيره ويطلقها الأخير وتنقضي عدتها منه. بذلك تكون المدة التي انفصل عنها الأول فيها لا تقل عن ستة أشهر، وبعد ذلك يجوز له ان يتزوجها ان ارادت. {وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ مِمَّآ آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً...} الآية لا يحل للرجل ان يسترد شيئاً من صداقٍ أو نفقة أنفقها على زوجته في مقابل طلاقها، ما لم تجد هي أنها كارهة لا تطيق عشرته وتخاف معه ان تخرج عن حدود الله، فهنا يجوز لها ان تطلب الطلاق منه، وان تعوضه عن تحطيم بيته. وذلك بأن ترد المهر الذي دفعه لها أو بعض النفقة عليها أو كلها. وهكذا يراعى الاسلا م جميع الحالات الواقعية التي تعرض للناس، ويراعى مشاعر القلوب التي لا حيلة للانسان فيها، ولا يجبر الزوجة على حياة تنفر منها. وفي الوقت ذاته لا يضيع على لرجل ماله بلا ذنب جناه. وأول حادث حدث في الاسلام من هذا القبيل أن جميلة بنت أُبَيّ بن سلول كانت زوجة لثابت بن قيس، وقد جاءت الى رسول الله وقالت له: يا رسول الله، لا يجمع رأسي ورأسه شيء أبدا، إاني رفعت جانب الخباء، فرأيته أقبلَ في عدة من الرجال فاذا هو أشدّهم سواداً وأقصرهم قامة، وأقبحهم وجها. وقال ثابت: يا رسول الله، إني أعطيتها أفضل مالي، حديقة، فلترد علي حديقتي., قال: ما تقولين؟ قالت: نعم، وان شاء زدته. ففرق النبي بينهما. وهذا معنى قوله تعالى {أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ} وهو ان يظهر من المرأة سوء الخلق والعشرة لزوجها، فإذا ظهر ذلك حلّ له ان يأخذ ما اعطته من فدية على فراقها. هذا ما سماه الفقهاء "خلعا" وهو طلاق، عدته كعدته. تلك حدود الله، أوامره ونواهيه، فلا تتجاوزوا ما أحلّه لكم الى ما حرمه عليكم. ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون لأنفسهم. والذي يظلم زوجته يكون قد خان امانة الله. وظلم بذلك نفسه. والرابطة الزوجية امتن الروابط وأحكمها، وهي أساس بناء المجتمع. ولقد حذّر النبي الكريم النساء من الإساءة الى أزواجهن، فقد روى احمد والترمذي والبيهقي عن ثوبان انه صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : أيّما امرأة سألت زوجها الطلاق من غير ما بأس فحرام عليها رائحة الجنة ".

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلطَّلاَقُ} {بِإِحْسَانٍ} {آتَيْتُمُوهُنَّ} {فَأُوْلَـٰئِكَ} {ٱلظَّالِمُونَ} (229) - لَمْ يَكُنْ لِلطَّلاقِ في أوَّلِ الإِسْلاَمِ وَقْتٌ وَلاَ عَدَدٌ، فَكَانَ الرَّجُلُ يُطَلِّقُ زَوْجَتَهُ ثُمَّ يُراجِعُهَا. وَقَال أنْصَارِيٌّ لِزَوْجَتِهِ فِي حَالٍ مِنْ خِصَامِهِمَا: إِنَّهُ سَيَتْركُهَا لاَ أيِّماً وَلا ذَاتَ زَوْجٍ. فَشَكَتْ أمْرَها لِلرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم فَأنْزَلَ اللهُ تَعَالَى هَذِهِ الآيَةَ. فَجَعَلَ الطَّلاَقَ ثَلاثاً لاَ رَجْعَةَ فِيهِ بَعْدَ الطَّلْقَةِ الثَّالِثَةِ، حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ، فَلَهُ أنْ يُطَلِّقَها مَرَّتَينَ وَفِي الثَّالِثَةِ إمَّا أنْ يُمْسِكَها وَيُعَاشِرَهَا بِالمَعْرُوفِ، وَإمّا أنْ يُفَارِقَهَا بِإحْسَانٍ. فَالطَّلاَقُ الذِي يَثْبُتُ فِيهِ للزَّوْجِ حَقُّ مُرَاجَعَةِ زَوْجَتِهِ وَهِيَ فِي العِدَّةِ، هُوَ أنْ يُوجَدَ طَلْقَتَانِ فَقَطْ، أمَّا فِي الثَّالِثَةِ فَلا يَثْبُتُ لِلزَّوْجِ حَقُّ المُرَاجَعَةِ، وَلا تَحِلُّ المَرْأةُ لَهُ إلا بَعْدَ أنْ يَنْكِحَها زَوْجٌ آخَرُ. حديث : وَسَأَلَ صَحَابيٌّ النَّبِيَّ (صلى الله عليه وسلم) قَائِلاً: سَمِعْتُ اللهَ تَعَالَى يَقُولُ: الطَّلاقُ مَرَّتَانِ، فَأيْنَ الثَّالِثَةُ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ: أوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسَانٍ. تفسير : وَنَبَّهَ اللهُ تَعَالَى عِبَادَهُ المُؤْمِنينَ بِأنَّهُ لاَ يَحِلُّ لَهُمْ أَنْ يُضَاجِرُوا زَوْجَاتِهِمْ، وَلاَ أَنْ يُضَيِّقُوا عَلَيهِنَّ لِيَضْطَرُّوهُنَّ إلى الافْتِدَاءِ بِالتَّنَازُلِ عَمَّا أعْطُوهُنَّ مِنَ المُهُورِ وَغَيْرِهَا، أَوْ عَنْ بَعْضِ مَا أعْطوهُنَّ. أمَّا إذا تَنَازَلْنَ عَنْ طِيب خَاطِرٍ فَلاَ بَأسَ فِي ذَلِكَ. أمَّا إذا وَقَعَ الشِّقَاقُ بَيْنَ الزَّوْجَينِ وَخَافَا أنْ لاَ يَسْتَطِيعا القِيَامَ بِمَا أَمَرَ اللهُ بِهِ كُلاًّ مِنْهُمَا مِنْ حُسْنِ المُعَاشَرَةِ إذا اسْتَمَرّا فِي الحَيَاةِ الزَّوْجِيَّةِ، فَلِلزَّوْجَةِ أنْ تَفتَدِيَ مِنَ الزَّوْجِ بِرَدِّ مَا أعْطَاهَا مِنْ مَهْرٍ وَغَيْرِهِ، وَلاَ حَرَجَ عَلَيْهَا فِي بَذْلِهَا لَهُ، وَلاَ حَرَجَ عَلَيهِ فِي قَبُولِهِ مِنْهَا. أمَّا إذا لَمْ يَكُنْ لِلْمَرْأةِ عُذْرٌ، وَسَألَتْ زَوْجَها الافْتِدَاءَ مِنْهُ فَذَلِكَ حَرَامٌ. (وَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "حديث : أَيُّمَا امْرَأَةٍ سَأَلَتْ زَوْجَهَا طَلاَقَهَا فِي غَيْرِ مَا بَأسٍ، فَحَرَامٌ عَلَيها رَائِحَةُ الجَنَّةِ"تفسير : ). (رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرمَذِيُّ). (وَقَالَ الرَّسُولُ أَيضاً. "حديث : المُخْتَلِعَاتُ هُنَّ المُنَافِقَاتُ"تفسير : ) (رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرمَذِيُّ). وَلا يَجُوزُ لِلزَّوْجِ عِنْدَ الإِمَامِ أَحْمَدَ أنْ يَأخُذَ مِنْ زَوْجَتِهِ غَيْرَ مَا أعْطَاهَا. أمَّا جُمْهُورُ الفُقَهَاءِ فَيُجِيزُونَ أنْ يَأخُذَ مِنْهَا مَا يَتَّفِقَانِ عَليهِ، وَلَوْ كَانَ أكْثَرَ مِمَّا أَعْطَاهَا. وَهَذا هُوَ شَرْعُ اللهِ وَحُدُودُهُ، فَلا يَحِلُّ لَمُؤْمِنٍ أَنْ يَتَجَاوَزَ حُدُودَ اللهِ وَشَرْعِهِ، وَمَنْ يَتَجَاوَزُها فَهُوَ مُعْتَدٍ ظَالِمٌ. الطَّلاقُ مَرَّتَانِ - الطَّلاَقُ الرَّجْعِيُّ مَرَّة بَعْدَ مَرَّةٍ. تَسرِيحٌ بِإِحْسَانٍ - طَلاَقٌ مَعَ أَدَاءِ الحُقُوقِ وَعَدَمِ المَضَارَّةِ. تِلْكَ حُدُودُ اللهِ - أَحْكَامُهُ المَفْرُوضَةُ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : هنا يتحدث الحق سبحانه وتعالى عن الطلاق بعد أن تحدث عن المطلقة في عدتها وكيفية ردها ومراجعتها، وإنه سبحانه يتحدث عن الطلاق في حد ذاته والطلاق مأخوذ من الانطلاق والتحرر، فكأنه حل عقدة كانت موجودة وهي عقدة النكاح، وعقدة النكاح هي العقدة التي جعلها الله عقداً مغلظاً وهي الميثاق الغليظ، فقال تعالى: {أية : وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقاً غَلِيظاً}تفسير : [النساء: 21]. إنه ميثاق غليظ لأنه أباح للزوجين عورات الآخر، في حين أنه لم يقل عن الإيمان إنه ميثاق غليظ، قال عنه: "ميثاق" فقط، فكأن ميثاق الزواج أغلظ من ميثاق الإيمان. والحق سبحانه يريد أن يربي في الناس حل المشكلات بأيسر الطرق. لذلك شرع لنا أن نحل عقدة النكاح، ونهاية العقدة ليست كبدايتها، ليست جذرية، فبداية النكاح كانت أمراً جذرياً، أخذناه بإيجاب وقبول وشهود وأنت حين تدخل في الأمر تدخله وأنت دارس لتبعاته وظروفه، لكن الأمر في عملية الطلاق يختلف؛ فالرجل لا يملك أغيار نفسه، فربما يكون السبب فيها هيناً أو لشيء كان يمكن أن يمر بغير الطلاق؛ فيشاء الحق سبحانه وتعالى أن يجعل للناس أناة وروية في حل العقدة فقال: {ٱلطَّلاَقُ مَرَّتَانِ} [البقرة: 229] يعني مرة ومرة، ولقائل أن يقول: كيف يكون مرتين، ونحن نقول ثلاثة؟ وقد سأل رجلٌ رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال يا رسول الله قال الله تعالى: {ٱلطَّلاَقُ مَرَّتَانِ} [البقرة: 229] فلم صار ثلاثاً؟ فقال صلى الله عليه وسلم مبتسماً: {فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} [البقرة: 229]. فكأن معنى {ٱلطَّلاَقُ مَرَّتَانِ} [البقرة: 229]، أي أن لك في مجال اختيارك طلقتين للمرأة، إنما الثالثة ليست لك، لماذا؟ لأنها من بعد ذلك ستكون هناك بينونة كبرى ولن تصبح مسألة عودتها إليك من حقك، وإنما هذه المرأة قد أصبحت من حق رجل آخر .. {أية : حَتَّىٰ تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ}تفسير : [البقرة: 230]. أما قول الرجل لزوجته أنت "طالق ثلاثاً" يُعتبر ثلاث طلقات أم لا؟ نقول: إن الزمن شرط أساسي في وقوع الطلاق، يطلق الرجل زوجته مرة، ثم تمضي فترة من الزمن، ويطلقها مرة أخرى فتصبح طلقة ثانية، وتمضي أيضاً فترة من الزمن وبعد ذلك نصل لقوله: {فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} [البقرة: 229] ولذلك فالآية نصها واضح وصريح في أن الطلاق بالثلاث في لفظ واحد لا يوقع ثلاث طلقات، وإنما هي طلقة واحدة، صحيح أن سيدنا عمر رضي الله عنه جعلها ثلاث طلقات؛ لأن الناس استسهلوا المسألة، فرأى أن يشدد عليهم ليكفوا، لكنهم لم يكفوا، وبذلك نعود لأصل التشريع كما جاء في القرآن وهو {ٱلطَّلاَقُ مَرَّتَانِ} [البقرة: 229]. وحكمة توزيع الطلاق على المرات الثلاث لا في العبارة الواحدة، أن الحق سبحانه يعطي فرصة للتراجع. وإعطاء الفرصة لا يأتي في نفس واحد وفي جلسة واحدة. إن الرجل الذي يقول لزوجته: أنت طالق ثلاثاً لم يأخذ الفرصة ليراجع نفسه ولو اعتبرنا قولته هذه ثلاث طلقات لتهدمت الحياة الزوجية بكلمة. ولكن عظمة التشريع في أن الحق سبحانه وزع الطلاق على مرات حتى يراجع الإنسان نفسه، فربما أخطأ في المرة الأولى، فيمسك في المرة الثانية ويندم. وساعة تجد التشريع يوزع أمراً يجوز أن يحدث ويجوز ألا يحدث، فلا بد من وجود فاصل زمني بين كل مرة. وبعض المتشدقين يريدون أن يبرروا للناس تهجمهم على منهج الله فيقولون: إن الله حكم بأن تعدد الزوجات لا يمكن أن يتم فقال: {أية : وَلَن تَسْتَطِيعُوۤاْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ ٱلنِّسَآءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ ..}تفسير : [النساء: 129]. ويقولون: إنّ الله اشترط في التعدد العدل، ثم حكم بأننا لن نستطيع أن نعدل بين الزوجات مهما حرصنا، فكأنه رجع في التشريع، هذا منطقهم. ونقول لهم: أكملوا قراءة الآية تفهموا المعنى، إن الحق يقول: {أية : وَلَن تَسْتَطِيعُوۤاْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ ٱلنِّسَآءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ} تفسير : [النساء: 129] ثم فرع على النفي فقال: {أية : فَلاَ تَمِيلُواْ كُلَّ ٱلْمَيْلِ}تفسير : [النساء: 129]. وما دام النفي قد فُرِّع عليه فقد انتفى، فالأمر كما يقولون: نفي النفي إثبات. أن الاستطاعة ثابتة وباقية وكان قوله تعالى: {أية : فَلاَ تَمِيلُواْ كُلَّ ٱلْمَيْلِ} تفسير : [النساء: 129] إشارة إليها. وكذلك الأمر هنا {ٱلطَّلاَقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} [البقرة: 229]. فما دام قد قال: {فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} [البقرة: 229] وقال: {ٱلطَّلاَقُ مَرَّتَانِ} [البقرة: 229] أي أن لكل فعل زمناً، فذلك يتناسب مع حلقات التأديب والتهذيب، وإلا فالطلاق الثلاث بكلمة واحدة في زمن واحد، يكون عملية قسرية واحدة، وليس فيها تأديب أو إصلاح أو تهذيب، وفي هذه المسألة يقول الحق: {وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ مِمَّآ آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً} [البقرة: 229] لأن المفروض في الزوج أن يدفع المهر نظير استمتاعه بالبضع، فإذا ما حدث الطلاق لا يحل للمطلق أن يأخذ من مهره شيئاً، لكن الحق استثنى في المسألة فقال: {إِلاَّ أَن يَخَافَآ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا ٱفْتَدَتْ بِهِ} [البقرة: 229]. فكأن الحق سبحانه وتعالى أراد أن يجعل للمرأة مخرجاً إن أريد بها الضرر وهي لا تقبل هذا الضرر. فيأتي الحق ويشرح: ما دام قد خافا ألا يقيما حدود الله، فقد أذن لها أن افتدي نفسك أيتها المرأة بشيء من مال، ويكره أن يزيد على المهر إلاّ إذا كان ذلك ناشئاً عن نشوز منها ومخالفة للزوج فلا كراهة إذن في الزيادة على المهر. وقد جاء الواقع مطابقاً لما شرع الله عندما وقعت حادثة "جميلة" أخت "عبد الله ابن أبي" حينما كانت زوجة لعبد الله بن قيس، فقد ذهبت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالت: "أنا لا أتهمه في دينه ولا خلقه ولكن لا أحب الكفر في الإسلام" وهي تقصد أنها عاشت معه وهي تبغضه، لذلك لن تؤدي حقه وذلك هو كفر العشير أي إنكار حق الزوج وترك طاعته. وهي قد قالت: إنها لا تتهمه لا في دينه ولا في خلقه لتعبر بذلك عن معانٍ عاطفية أخرى، فأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعلم منها ذلك، فقالت: لقد رفعت الخباء فوجدته في عدة رجال فرأيته أشدهم سواداً وأقصرهم قامة وأقبحهم وجهاً، فقال لها صلى الله عليه وسلم: حديث : "أتردين حديقته"؟ فقالت: وإن شاء زدته، فقال صلى الله عليه وسلم: لا حاجة لنا بالزيادة، لكن رُدِّي عليه حديقته . تفسير : ويُسمى هذا الأمر بالخلع، أي أن تخلع المرأة نفسها من زوجها الذي تخاف ألا تؤدي له حقاً من حقوق الزوجية، إنها تخلع نفسها منه بمال حتى لا يصيبه ضرر، فقد يريد أن يتزوج بأخرى وهو محتاج إلى ما قدم من مهر لَمْن تريد أن تخلع نفسها منه. ويتابع الحق سبحانه: {وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ مِمَّآ آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً} [البقرة: 229] وهذا الشيء هو الذي قال عنه الله في مكان آخر:{أية : وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً}تفسير : [النساء: 20]. ويتابع الحق الآية بقوله: {إِلاَّ أَن يَخَافَآ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ} [البقرة: 229] والمقصود هنا هما الزوجان، ومن بعد ذلك تأتي مسئولية أولياء أمر الزوجين والمجتمع الذي يهمه أمرهما في قوله: {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا ٱفْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ ٱللَّهِ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ} [البقرة: 229]. وحدود الله هي ما شرعه الله لعباده حداً مانعاً بين الحل والحرمة. وحدود الله إما أن ترد بعد المناهي، وإما أن ترد بعد الأوامر، فإن وردت بعد الأوامر فإنه يقول: {تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا} [البقرة: 229] أي آخر غايتكم هنا، ولا تتعدوا الحد، ولكن إن جاءت بعد النواهي يقول: {أية : تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا} تفسير : [البقرة: 187]، لأن الحق يريد أن يمنع النفس من تأثير المحرمات على النفس، فتلح عليها أن تفعل، فإن كنت بعيداً عنها فالأفضل أن تظل بعيداً. وانظر جيداً فيما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"حديث : إن الحلال بيّن وإن الحرام بيّن وبينهما أمور مشتبهات فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه، ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله في أرضه محارمه ". تفسير : وما دامت الحدود تشمل مناهي الله وتشمل أوامر الله فكل شيء مأمور به وكل شيء منهي عنه يجب أن يظل في مجاله من الفعل في "افعل" ومن النهي في "لا تفعل". وإذا انتقل نظام (افعل) إلى دائرة (لا تفعل) وانتقل ما يدخل في دائرة "لا تفعل" إلى دائرة "افعل"، هنا يختل نظام الكون، وما دام نظام الكون أصابه الخلل فقد حدث الظلم؛ فالظلم هو أن تنقل حق إنسان وتعطيه لإنسان آخر، وتشريع الطلاق حد من حدود الله، فإن حاولت أن تأتي بأمر لا يناسب ما أمر الله به في تنظيم اجتماعي فقد نقلت المأمور به إلى حيز المنهي عنه، وبذلك تُحْدِثُ ظلماً. والحق سبحانه وتعالى حينما يعالج قضايا المجتمع يعالجها علاجاً يمنع وقوع المجتمع في الأمراض والآفات، والبشر إن أحسنَّا الظن بهم في أنهم يشرعون للخير وللمصلحة، فهم يشرعون على قدر علمهم بالأشياء، لكننا لا نأمن أن يجهلوا شيئاً يحدث ولا يعرفوه، فهم شرّعوا لِمَا عرفوا، وإذا شرعوا وفوجئوا بأشياء لم يعرفوها ماذا يكون الموقف؟ إن كانوا مخلصين بحق داسوا على كبرياء غرورهم التشريعي وقالوا: نُعَدِّل ما شرعنا، وإن ظلوا في غلوائهم فمن الذي يشقى؟ إن المجتمع هو الذي يشقى بعنادهم. والحق سبحانه وتعالى لا يتهم الناس جميعاً في أن منهم من لا يريد الخير، ولكن هناك فرق بين أن تريد خيراً وألاَّ تقدر على الخير. أنت شرعت على قدر قدرتك وعلمك. ونعرف جميعاً أن شقاء التجارب في القوانين الاجتماعية النظرية تقع على المجتمع. ونعرف جيداً أن هناك فرقاً بين العلم التجريبي المعملي والكلام النظري الأهوائي؛ فالعلم التجريبي يشقى به صاحب التجربة، إن العَالِم يكد ويتعب في معمله وهو الذي يشقى ويضحي بوقته وبماله وبصحته ويعيش في ذهول عن كل شيء إلا تجربته التي هو بصددها، فإذا ما انتهى إلى قضية اكتشافية فالذي يسعد باكتشافه هو المجتمع. لكن الأمر يختلف في الأشياء النظرية؛ لأن الذي يشقى بأخطاء المقننين من البشر هو المجتمع، إلى أن يجيء مُقَنن يعطف على المجتمع ويعدل خطأ من سبقه. أما الحق سبحانه وتعالى فقد جاءنا بتشريع يحمي البشر من الشقاء، فالله - سبحانه - يتركنا في العالم المادي التجريبي أحراراً. ادخلوا المعمل وستنتهون إلى أشياء قد تتفقون عليها، لكن إياكم واختلافات الأهواء؛ لذلك تولى الله عز وجل تشريع ما تختلف فيه الأهواء، حتى يضمن أن المجتمع لا يشقى بالخطأ من المشرعين، لفترة من الزمن إلى أن يجيء مشرع آخر ويعدل للناس ما أخطأ فيه غيره. لذلك نجد في عالمنا المعاصر الكثير من القضايا النابعة من الهوى، ويتمسك الناس فيها بأهوائهم، ثم تضغط عليهم الأحداث ضغطاً لا يستطيعون بعدها أن يضعوا رءوسهم في الرمال، بل لابد أن يواجهوها، فإذا ما واجهوها فإنهم لا يجدون حلاً لها إلا بما شرعه الإسلام، ونجد أنهم التقوا مع تشريعات الإسلام. إن بعضاً من الكارهين للإسلام يقولون: أنتم تقولون عن دينكم: إنه جاء ليظهر على كل الأديان، مرة يقول القرآن: {أية : هُوَ ٱلَّذِيۤ أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِٱلْهُدَىٰ وَدِينِ ٱلْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً}تفسير : [الفتح: 28]. ومرة يقول القرآن: {أية : يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُواْ نُورَ ٱللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَٱللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْكَافِرُونَ * هُوَ ٱلَّذِيۤ أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِٱلْهُدَىٰ وَدِينِ ٱلْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْمُشْرِكُونَ}تفسير : [الصف: 8-9]. ويستمر هؤلاء الكارهون للإسلام في قولهم ويضيفون: إن إسلامكم لم يظهر على الدين كله حتى الآن بدليل أن هناك الملايين لم يدخلوا الإسلام؟ ونقول لهم: أوَ يظهر على الدين كله بأن يؤمن الناس بالإسلام جميعاً، لا، لو فطنوا على قول الله: "ولو كره الكافرون" لعلموا أن إظهار الإسلام على الدين لابد أن يلازمه وجود كافرين كارهين، وما دام الإسلام موجوداً مع كافرين كارهين، فهو لن يظهر كدين، ولكنه يظهر عليهم - أي يغلبهم - كنظام يضطرون إليه ليحلوا مشكلات مجتمعاتهم الكافرة، فسيأخذون من أنظمة وقوانين الإسلام وهم كارهون، ولذلك نجدهم يستقون قوانينهم وإصلاحاتهم الاجتماعية من تعاليم الإسلام. ولو كانوا سيأخذونه كدين لما قال الحق: "ولو كره الكافرون" أو "ولو كره المشركون" لأنهم عندما يعتنقونه كدين فلن يبقى كاره أو مشرك. لكن حين يقول سبحانه: "ولو كره الكافرون" و"ولو كره المشركون" فذلك يعني: أن اطمئنوا يا من آمنتم بمحمد صلى الله عليه وسلم وأخذتم الإسلام ديناً، إن تجارب الحياة ستأتي لتثبت لدى الجاحدين صدق دينكم، وصدق الله في تقنينه لكم، وسيضطر الكافرون والمشركون إلى كثير من قضايا إسلامكم ليأخذوها كنظام يحلون بها مشاكلهم رغم عنادهم وإصرارهم على أن يكونوا ضد الإسلام. وضربنا على ذلك مثلاً بما حدث في إيطاليا التي بها الفاتيكان قبلة الكاثوليك الروحية؛ فقد اضطروا لأن يشرعوا قوانين تبيح الطلاق، وحدث مثل ذلك في أسبانيا وغيرها من الدول. انظر كيف تراجعوا في مبادئ كانوا يعيبونها على الإسلام! لقد اضطرتهم ظروف الحياة لأن يقننوا إباحة الطلاق تقنيناً بشرياً لا بتقنين إلهي. ومثل هذه الأحداث تبين لنا مدى ثقتنا في ديننا، وأن مشكلات البشرية في بلاد الكفر والشرك لن يحلها إلا الإسلام، فإن لم يأخذوه كدين فسيضطرون إلى أخذه كنظام. ومن شرف الإسلام ألا يأخذوه كدين؛ لأنهم لو آمنوا به لكانت أفعالهم وقوانينهم تطبيقاً للإسلام من قوم مسلمين، ولكن أن يظلوا كارهين للإسلام ثم يأخذوا من مبادئ الدين الذي يكرهونه ما يصلح مجتمعاتهم الفاسدة فذلك الفخر الأكبر للإسلام. إن هذا هو مفهوم قول الحق: "ولو كره الكافرون" و"ولو كره المشركون" وإذا ما جاء لك أحد في هذه المسألة فقل له: من شرف الإسلام أن يظل في الدنيا مشرك، وأن يظل في الدنيا هؤلاء الكفار ثم يرغموا ليحلوا مسائل مجتمعاتهم بقضايا الإسلام، والإسلام يفخر بأنه سبقهم منذ أربعة عشر قرناً إلى ما يلهثون وراءه الآن بعد مضي كل هذا الزمن. ويقول الحق بعد ذلك: {فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىٰ تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقولهُ تعالى: {إِلاَّ أَن يَخَافَآ} معناهُ استَقينا. ومثلُهُ: {أية : فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ} تفسير : [النساء: 3] معناه أَيْقَنْتُم.

الأندلسي

تفسير : {ٱلطَّلَٰقُ مَرَّتَانِ} إن كانت الْ للعهد في الطلاق السابق، فالمعنى أن الطلاق الذي تملك فيه الرجعة فهو مرتان والثالث لا تملك فيه الرجعة. وقال ابن عباس: بين أن طلاق السنة المندوب هو مرتان. قيل: والمعنى بذلك تفريق الطلاق إذا أراد أن يطلق ثلاثاً وهو يقتضيه اللفظ لأنه لو طلق مرتين معاً في لفظ واحد ما جاز أن يقال: طلقها مرتين، وكذلك لو دفع إلى رجل درهمين، لم يجز أن يقال: أعطاه مرتين حتى يفرق الدفع فحينئذٍ يصدق عليه وهو مبحث صحيح. وما زال يختلج في خاطري أنه لو قال أنت طالق مرتين أو ثلاثاً انه لا تقع إلا واحدة لأنه مصدر للطلاق ويقتضي العدد فلا بد أن يكون الفعل الذي هو عامل فيه يتكرر وجوداً كما تقول: ضربت ضربتين أو ثلاث ضربات، لأن المصدر هو مبين لعدد الفعل فمتى لم يتكرر وجوداً استحال أن يتكرر مصدره، وإن تبين رتب العدد. فإِذا قال: أنت طالق ثلاثاً، فهذا لفظ واحد ومدلوله واحد، والواحد يستحيل أن يكون ثلاثاً أو اثنين ونظير هذا أن ينشىء الانسان بيعاً بينه وبين رجل فيقول له عند التخاطب: بعتك هذا ثلاثاً. فقوله ثلاثاً لغو وغير مطابق لما قبله والانشاءات أيضاً يستحيل التكرار فيها حتى يصير المحل قابلاً لذلك الانشاء وهذا يعسر إدراكه على من اعتاد أنه يفهم من قول من قال طلقتك مرتين أو ثلاثاً أنه يقع الطلاق مرتين أو ثلاثاً. وظاهر الآية العموم فيدخل في الطلاق الحر والعبد فيكون حكمها سواء. ونقل أبو بكر الرازي اتفاق السلف وفقهاء الأمصار على أن الزوجين المملوكين ينفصلان بالثنتين فلا تحل له بعدهما إلا بزوج والطلاق مصدر طلقت المرأة ويكون يعني التطليق كالسلام بمعنى التسليم: وهو مبتدأ، ومرتان: الخبر على حذف مضاف أي عدد الطلاق المشروع فيه الرجعة أو الطلاق السني المشروع واحتيج إلى الحذف ليطابق الخبر المبتدأ والمعنى في المسنون بقوله: {مَرَّتَانِ} أي مرة بعدَ مرة. ولا يراد به ما نريد على الثنتين. لقوله بعد: {فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَٰنٍ} فإِمساك هو الرجعة من الثانية، أو تسريح بإِحسان هي الطلقة الثالثة ولذلك جاء بعدها: {أية : فَإِنْ طَلَّقَهَا}تفسير : [البقرة: 230] أي فإِن سرحها الثالثة. وقال الزمخشري: ولم يرد بالمرتين الثنتين ولكن التكرير كقوله تعالى: {أية : ثُمَّ ارجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ}تفسير : [الملك: 4] أي كرة بعد كرة لا كرتين اثنتين، ونحو ذلك من التثاني الذي تراد بها التكرير. قولهم: لبيك وسعديك وحنانيك وهذا ذيك ودواليك. "انتهى". وهو في الظاهر مناقض لما قال قبل ذلك ومخالف لما في نفس الأمر. إما مناقضته فإِنه قال في تفسير {ٱلطَّلَٰقُ مَرَّتَانِ} أي الطلاق الشرعي تطليقة بعد تطليقة على التفريق دون الجمع والإِرسال دفعة واحدة فقوله تطليقة بعد تطليقة مناقض في الظاهر لقوله: ولم يرد بالمرتين التثنية لأنك إذا قلت: ضربتك ضربة بعد ضربة إنما يفهم من ذلك الاقتصار على ضربتين وهو مساو في الدلالة كقولك: ضربتك ضربتين، ولأن قولك ضربتين لا يمكن وقوعهما إلا ضربة واحدة بعد ضربة، وأما مخالفته لما في نفس الأمر فليس معرضة، واستعمل للحلف لما جرت العادة في تصافح المتعاقدين ولما أمرهم بتقوى هذا من التثنية التي تكون للتكرير، لأن التثنية التي يراد بها التكرير لا يقتصر بتكريرها على ثنتين ولا ثلاث، بل يدل على التكرير مراراً فقولهم: لبيك معناه إجابة بعد إجابة فما زاد. وكذلك أخواتها وكذلك قوله: كرتين، معناه ثم ارجع البصر مراراً كثيرة، والتثنية في قوله: {ٱلطَّلَٰقُ مَرَّتَانِ} إنما يراد بهما شفع الواحد وهو الأصل في التثنية ألا ترى أنه لا يراد هنا بقوله: مرتان ما يزيد على الثنتين لقوله بعد: فامساك بمعروف أو تسريح بإِحسان، فإِمساك هو الرجعة من الثانية، أو تسريح بإِحسان هي الطلقة الثالثة، ولذلك جاء بعد فإِن طلقها أي فإِن سرحها الثالثة وإذا تقدر هذا فليس قوله: مرتان دالاً على التكرار الذي لا يشفع الواحد بل هو مراد به شفع الواحد وإنما غر الزمخشري في ذلك صلاحية التكرير بقوله الطلاق الشرعي تطليقة بعد تطليقة فجعل ذلك من باب التثنية التي لا تشفع الواحد ويراد بها التكرير إلا أنه يعكس عليه أن الأصل في التثنية شفع الواحد وان التثنية التي لا تشفع الواحد ويراد بها التكرار لا يقتصر بها على الثلاث الا ترى أن قوله: كرتين ولبيك، وبأنه ليس المعنى فيه الاقتصار على الثلاث في التكرار ولما حمل الزمخشري قوله تعالى: {مَرَّتَانِ} على أنه من باب التثنية التي يراد بها التكرير احتاج ان يتناول قوله فإِمساك بمعروف أو تسريح بإِحسان على أنه تخيير لهم بعد أن علّمهم كيف يطلقون بين أن يمسكوا النساء بحسن العشرة والقيام بواجبهن وبين أن يسرحوهن السراح الجميل الذي علمهم. {وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ مِمَّآ آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً} سبب نزولها حديث جميلة بنت عبد الله بن أبيّ وزوجها ثابت بن قيس بن شماس حين خالعها على حديقته التي كان أعطاها وهو أول خلع في الإِسلام والخطاب في لكم للأزواج لأن الأخذ والإِيتاء منهم. قيل: أو للأئمة والحكام ليلتئم مع قوله: {فَإِنْ خِفْتُمْ} لأنه خطاب لهم لا للأزواج ونسب الأخذ والإِيتاء لهم عند التراجع لأنهم الذين يمضون ذلك، ومما أتيتموهن عام فيما أتوهن من صداق وهبة وغيرهما وشيئاً عام في سياق النهي. {إِلاَّ أَن يَخَافَآ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ} هذا استثناء من المفعول له أي لا يحل بسبب من الأسباب إلا بسبب الخوف. والضمير في يخافا عائد على صنفي الزوجين، ولما كان الاستثناء بعد مضى جملة الخطاب جاز الالتفات وله حكمة وهو أن لا يخاطب من كان مؤمناً بالخوف من انتفاء إقامة حدود الله فناسب فيه الالتفات، وكذلك فيما بعده ولو جاء على ما مضى من الحكاية لكان التركيب إلا أن تخافوا ألا تقيموا. وأن يخافا في موضع نصب على إسقاط الحرف. و{أَلاَّ يُقِيمَا} مفعول ثان بأن يخافا. وقرىء بضم الياء، وان لا يقيما في موضع رفع على البدل بدل الاشتمال. وقال ابن عطية في قراءة البدل يخافا بالضم: انها تعدت خاف إلى مفعولين احدهما أسند الفعل إليه والآخر بتقدير حرف خبر محذوف فموضع أن خفض بالجار المقدر عنه سيبويه والكسائي ونصب عند غيرهما لأنه لما حذف الجار وصل الفعل الى المفعول الثاني. مثل: استغفر الله ذنباً وأمرتك الخير. "انتهى". وهو نص كلام أبي علي الفارسي نقله في كتابه إلاَّ التنظير باستغفر الله ذنباً، وليس بتنظير صحيح، لأن خاف لا يتعدى إلى اثنين كاستغفر الله ولم يذكر ذلك النحويون حين عدوا ما يتعدى الى اثنين واصل أحدهما بحرف الجر بل إذا جاء خفت، زيداً ضربه عمراً كان ذلك بدلاً أو من ضربه عمراً كان مفعولاً من أجله، ولا يفهم ذلك على أنه مفعول ثان وقَدْ وَهم ابن عطية في نسبة أن الموضع خفض في مذهب سيبويه [والذي نقله أبو علي وغيره ان مذهب سيبويه] ان الموضع بعد الحذف نصب وبه قاله الفراء، وإن مذهب الخليل انه جر، وبه قال الكسائي وقدّر غير ابن عطية ذلك الحرف المحذوف على، فقال: والتقدير إلا أن يخافا على أن لا يقيما فعلى هذا يمكن أن يصح قول أبي علي وفيه بعد. وقرىء: إلا أن يخافوا أي إلا أن يخاف الزوج والزوجات. {فَإِنْ خِفْتُمْ} قالوا الضمير للأولياء أو السلطان. وأقول الضمير للأزواج والزوجات معليا فيه خطاب الذكور والزوجات مندرجات فيه وأن لا يقيما التفات. وقد بينا حكمته وترك إقامة الحدود بالنشوز وسوء الخلق وكراهة كل منهما لصاحبه وترك ما وجب لكل منهما على صاحبه. {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا} أي على الزوجين فيما أخذ منهما. و{فِيمَا ٱفْتَدَتْ بِهِ} وما افتدت به عام من صداقها ومن مالها غير الصداق حتى بكل مالها، كما قال عمر رضي الله عنه اخلعْها ولو من قرطها اخلعها بما دون عقاص رأسها. والظاهر تشريكها في ترك إقامة الحدود وان جواز الأخذ منوط بوجود ذلك منهما معاً، وحرم على الزوج أن يأخذ إلا بعد الخوف من أن لا يقيما حدود الله وأكد التحريم بقوله: {فَلاَ تَعْتَدُوهَا} ثم توعد على الاعتداء وشذ بكر بن عبد الله المزني فقال: لا يجوز للرجل أن يأخذ من زوجه شيئاً خلعاً لا قليلاً ولا كثير. قال وهذه الآية منسوخة بقوله: {أية : وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً فَلاَ تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئاً} تفسير : [النساء: 20]. والخلع هل هو فسخ أو طلاق قولان للصحابة والتابعين وأئمة المذاهب وليس في الآية ما يدل على تعيين واحد منها.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : كان الطلاق في الجاهلية، واستمر أول الإسلام، يطلق الرجل زوجته بلا نهاية، فكان إذا أراد مضارتها، طلقها، فإذا شارفت انقضاء عدتها، راجعها، ثم طلقها وصنع بها مثل ذلك أبدا، فيحصل عليها من الضرر ما الله به عليم، فأخبر تعالى أن { الطَّلاقَ } أي: الذي تحصل به الرجعة { مَرَّتَانِ } ليتمكن الزوج إن لم يرد المضارة من ارتجاعها، ويراجع رأيه في هذه المدة، وأما ما فوقها، فليس محلا لذلك، لأن من زاد على الثنتين، فإما متجرئ على المحرم، أو ليس له رغبة في إمساكها، بل قصده المضارة، فلهذا أمر تعالى الزوج، أن يمسك زوجته { بِمَعْرُوفٍ } أي: عشرة حسنة، ويجري مجرى أمثاله مع زوجاتهم، وهذا هو الأرجح، وإلا يسرحها ويفارقها { بِإِحْسَانٍ } ومن الإحسان، أن لا يأخذ على فراقه لها شيئا من مالها، لأنه ظلم، وأخذ للمال في غير مقابلة بشيء، فلهذا قال: { وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلا أَنْ يَخَافَا أَلا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ } وهي المخالعة بالمعروف، بأن كرهت الزوجة زوجها، لخلقه أو خلقه أو نقص دينه، وخافت أن لا تطيع الله فيه، { فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ } لأنه عوض لتحصيل مقصودها من الفرقة، وفي هذا مشروعية الخلع، إذا وجدت هذه الحكمة. { تِلْكَ } أي ما تقدم من الأحكام الشرعية { حُدُودُ اللَّهِ } أي: أحكامه التي شرعها لكم، وأمر بالوقوف معها، { وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ } وأي ظلم أعظم ممن اقتحم الحلال، وتعدى منه إلى الحرام، فلم يسعه ما أحل الله؟ والظلم ثلاثة أقسام: ظلم العبد فيما بينه وبين الله، وظلم العبد الأكبر الذي هو الشرك، وظلم العبد فيما بينه وبين الخلق، فالشرك لا يغفره الله إلا بالتوبة، وحقوق العباد، لا يترك الله منها شيئا، والظلم الذي بين العبد وربه فيما دون الشرك، تحت المشيئة والحكمة.

عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي

تفسير : 104 : 108 - حدثنا سفين قال، كان أصحاب عبد الله يقرءونها {ألا أن يخافا ألا يقيما حدود الله}. [الآية 229].

همام الصنعاني

تفسير : 282- عبد الرزاق، قال: حدَّثنا مَعْمر، عن قَتادة، قال: كان الطَّلاَق ليس له وقت حتَّى أنْزل الله تعالى: {ٱلطَّلَٰقُ مَرَّتَانِ}: [الآية: 229]، فالشاشة: {فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَٰنٍ}: [الآية: 229]. 283- عبد الرزاق، قال: حدّثنا الثّوري، عن إسماعيل بن سُمَيْعٍ، عن أبي رزينٍ، قال: قال رَجُلٌ: حديث : يا رَسُولُ اللهِ! أَسْمَعُ اللهَ يقول: {ٱلطَّلَٰقُ مَرَّتَانِ} قال: فأين الثالثة؟ قال: "التَّسريحُ بإحْسان ". 284تفسير : - عبد الرزاق، قال: حدّثنا مَعْمر، عن الزّهري، في قوله تعالى: {وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ مِمَّآ آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلاَّ أَن يَخَافَآ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ}: [الآية: 229]، قال: لا يحلُّ للرَّجُلِ أن يَخْتَلِعَ امْرَأتهُ إلاَّ أن يُؤْتَى ذلِكَ مِنْها، فأمَّا أن يكون يؤتى ذلك منه يضارُّهَا حتى تختلع مِنْهُ، فإنَّ ذلك لا يصْلُح، ولكن إذا نشزت فأظْهَرَتْ له البغضاء وأساءَتْ عِشْرَتَهُ، فقد حلَّ لَهُ خَلْعُهَا.