Verse. 237 (AR)

٢ - ٱلْبَقَرَة

2 - Al-Baqara (AR)

فَاِنْ طَلَّقَھَا فَلَا تَحِلُّ لَہٗ مِنْۢ بَعْدُ حَتّٰي تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَہٗ۝۰ۭ فَاِنْ طَلَّقَھَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْھِمَاۗ اَنْ يَّتَرَاجَعَاۗ اِنْ ظَنَّاۗ اَنْ يُّقِيْمَا حُدُوْدَ اؘ۝۰ۭ وَتِلْكَ حُدُوْدُ اللہِ يُبَيِّنُھَا لِقَوْمٍ يَّعْلَمُوْنَ۝۲۳۰
Fain tallaqaha fala tahillu lahu min baAAdu hatta tankiha zawjan ghayrahu fain tallaqaha fala junaha AAalayhima an yatarajaAAa in thanna an yuqeema hudooda Allahi watilka hudoodu Allahi yubayyinuha liqawmin yaAAlamoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«فإن طلقها» الزوج بعد الثنتين «فلا تحل له من بعد» بعد الطلقة الثالثة «حتى تنكح» تتزوج «زوجا غيره» ويطأها كما في الحديث رواه الشيخان «فإن طلقها» أي الزوج الثاني «فلا جناح عليهما» أي الزوجة والزوج الأول «أن يتراجعا» إلى النكاح بعد انقضاء العدة «إن ظنا أن يقيما حدود الله وتلك» المذكورات «حدود الله يُبَيِّنها لقوم يعلمون» يتدبرون.

230

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن هذا هو الحكم الخامس من أحكام الطلاق، وهو بيان أن الطلقة الثالثة قاطعة لحق الرجعة، وفيه مسائل: المسألة الأولى: الذين قالوا: إن قوله {أية : أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَـٰنٍ } تفسير : [البقرة: 229] إشارة إلى الطلقة الثالثة قالوا إن قوله: {فَإِن طَلَّقَهَا } تفسير لقوله: {تَسْرِيحٌ بِإِحْسَـٰنٍ } وهذا قول مجاهد، إلا أنا بينا أن الأولى أن لا يكون المراد من قوله: {تَسْرِيحٌ بِإِحْسَـٰنٍ } الطلقة الثالثة، وذلك لأن للزوج مع المرأة بعد الطلقة الثانية أحوالاً ثلاثة أحدها: أن يراجعها، وهو المراد بقوله: {أية : فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ } تفسير : [البقرة: 229] والثاني: أن لا يراجعها بل يتركها حتى تنقضي العدة وتحصل البينونة، وهو المراد بقوله: {أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَـٰنٍ } والثالث: أن يطلقها طلقة ثالثة، وهو المراد بقوله: {فَإِن طَلَّقَهَا } فإذا كانت الأقسام ثلاثة، والله تعالى ذكر ألفاظاً ثلاثة وجب تنزيل كل واحد من الألفاظ الثلاثة على معنى من المعاني الثلاثة، فأما إن جعلنا قوله: {أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَـٰنٍ } عبارة عن الطلقة الثالثة كنا قد صرفنا لفظين إلى معنى واحد على سبيل التكرار، وأهملنا القسم الثالث، ومعلوم أن الأول أولى. واعلم أن وقوع آية الخلع فيما بين هاتين الآيتين كالشيء الأجنبـي، ونظم الآية {ٱلطَّلَـٰقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَـٰنٍ فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىٰ تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ }. فإن قيل: فإذا كان النظم الصحيح هو هذا فما السبب في إيقاع آية الخلع فيما بين هاتين الآيتين؟. قلنا: السبب أن الرجعة والخلع لا يصحان إلا قبل الطلقة الثالثة، أما بعدها فلا يبقى شيء من ذلك: فلهذا السبب ذكر الله حكم الرجعة، ثم أتبعه بحكم الخلع، ثم ذكر بعد الكل حكم الطلقة الثالثة لأنها كالخاتمة لجميع الأحكام المعتبرة في هذا الباب والله أعلم. المسألة الثانية: مذهب جمهور المجتهدين أن المطلقة بالثلاث لا تحل لذلك الزوج إلا بخمس شرائط: تعتد منه، وتعقد للثاني، ويطؤها، ثم يطلقها، ثم تعتد منه، وقال سعيد بن جبير وسعيد بن المسيب: تحل بمجرد العقد، واختلف العلماء في أن شرط الوطء بالسنة، أو بالكتاب، قال أبو مسلم الأصفهاني: الأمران معلومان بالكتاب وهذا هو المختار. وقبل الخوض في الدليل لا بد من التنبيه على مقدمة، قال عثمان بن جني: سألت أبا علي عن قولهم: نكح المرأة، فقال: فرقت العرب بالاستعمال، فإذا قالوا: نكح فلان فلانة، أرادوا أنه عقد عليها، وإذا قالوا: نكح امرأته أو زوجته أرادوا به المجامعة، وأقول: هذا الذي قاله أبو علي كلام محقق بحسب القوانين العقلية، لأن الإضافة الحاصلة بين الشيئين مغايرة لذات كل واحد من المضافين، فإذا قيل: نكح فلان زوجته، فهذا النكاح أمر حاصل بينه وبين زوجته فهذا النكاح مغاير له ولزوجته، ثم الزوجة ليست اسماً لتلك المرأة بحسب ذاتها بل اسماً لتلك الذات بشرط كونها موصوفة بالزوجية، فالزوجة ماهية مركبة من الذات ومن الزوجية والمفرد مقدم لا محالة على المركب. إذا ثبت هذا فنقول: إذا قلنا نكح فلان زوجته، فالناكح متأخر عن المفهوم من الزوجية، والزوجية متقدمة على الزوجة من حيث إنها زوجة، تقدم المفرد على المركب، وإذا كان كذلك لزم القطع بأن ذلك النكاح غير الزوجية، إذا ثبت هذا كان قوله: {حَتَّىٰ تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ } يقتضي أن يكون ذلك النكاح غير الزوجية، فكل من قال بذلك قال: إنه الوطء، فثبت أن الآية دالة على أنه لا بد من الوطء، فقوله: {تَنْكِحَ } يدل على الوطء، وقوله: {زَوْجًا } يدل على العقد، وأما قول من يقول: إن الآية غير دالة على الوطء، وإنما ثبت الوطء بالسنة فضعيف، لأن الآية تقتضي نفي الحل ممدوداً إلى غاية، وهي قوله: {حَتَّىٰ تَنْكِحَ } وما كان غاية للشيء يجب انتهاء الحكم عند ثبوته، فيلزم انتهاء الحرمة عند حصول النكاح، فلو كان النكاح عبارة عن العقد لكانت الآية دالة على وجوب انتهاء الحرمة عند حصول العقد، فكان رفعها بالخبر نسخاً للقرآن بخبر الواحد، وأنه غير جائز، أما إذا حملنا النكاح على الوطء، وحملنا قوله: {زَوْجًا } على العقد، لم يلزم هذا الإشكال، وأما الخبر المشهور في السنة فما روي أن تميمة بنت عبد الرحمن القرظي، كانت تحت رفاعة بن وهب بن عتيك القرظي ابن عمها، فطلقها ثلاثاً، فتزوجت بعبد الرحمن بن الزبير القرظي، فأتت النبـي صلى الله عليه وسلم وقالت: كنت تحت رفاعة فطلقني فبت طلاقي، فتزوجت بعده عبد الرحمن بن الزبير، وإن ما معه مثل هدبة الثواب، وأنه طلقني قبل أن يمسني أفأرجع إلى ابن عمي؟ فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «حديث : أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة لا حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك»تفسير : والمراد بالعسيلة الجماع شبه اللذة فيه بالعسل، فلبثت ما شاء الله ثم عادت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالت: إن زوجي مسني فكذبها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: كذبت في الأول فلن أصدقك في الآخر، فلبثت حتى قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتت أبا بكر فاستأذنت، فقال: لا ترجعي إليه فلبثت حتى مضى لسبيله، فأتت عمر فاستأذنت فقال لئن رجعت إليه لأرجمنك، وفي قصة رفاعة نزل قوله: {فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىٰ تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ }. أما القياس فلأن المقصود من توقيف حصول الحل على هذا الشرط زجر الزوج عن الطلاق لأن الغالب أن الزوج يستنكر أن يفترش زوجته رجل آخر، ولهذا المعنى قال بعض أهل العلم إنما حرم الله تعالى على نساء النبـي أن ينكحن غيره لما فيه من الغضاضة، ومعلوم أن الزجر إنما يحصل بتوقيف الحل على الدخول فأما مجرد العقد فليس فيه زيادة نفرة فلا يصح جعله مانعاً وزاجراً. المسألة الثالثة: قال الشافعي: إذا طلق زوجته واحدة أو اثنتين، ثم نكحت زوجاً آخر وأصابها، ثم عادت إلى الأول بنكاح جديد لم يكن له عليها إلا طلقة واحدة، وهي التي بقيت له من الطلقات الأولى، وقال أبو حنيفة: بل يملك عليها ثلاثاً كما لو نكحت زوجاً بعد الثلاث، حجة الشافعي أن هذه طلقة ثالثة، فوجب أن تحصل الحرمة الغليظة، إنما قلنا إنها طلقة ثالثة لأنها طلقة وجدت بعد الطلقتين، والطلقة الثالثة موجبة للحرمة الغليظة، لقوله تعالى: {فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ } الآية وقوله: {فَإِن طَلَّقَهَا } أعم من أن يطلقها الطلقة الثالثة مسبوقاً بنكاح غيره، أو غير مسبوق بنكاح غيره فكان الكل داخلاً فيه. المسألة الرابعة: مذهب الشافعي رضي الله عنه: إذا تزوج بالمطلقة ثلاثاً للغير على أنه إذا أحلها للأول بأن أصابها فلا نكاح بينهما، فهذا نكاح متعة بأجل مجهول، وهو باطل ولو تزوجها بشرط أن لا يطلقها إذا أحلها للأول ففيه قولان أحدهما: لا يصح والثاني: يصح ويبطل الشرط وبه قال أبو حنيفة، ولو تزوجها مطلقاً معتقداً بأنه إذا أحلها طلقها فالنكاح صحيح ويكره ذلك ويأثم به، وقال مالك والثوري وأحمد: هذا النكاح باطل دليلنا أن الآية تدل على أن الحرمة تنتهي بوطء مسبوق بعقد، وقد وجدت فوجب القول بانتهاء الحرمة وحيث حكمنا بفساد النكاح، فوطئها هل يقع به التحليل قولان والأصح أنه لا يقع به التحليل. أما قوله تعالى: {فَإِن طَلَّقَهَا } فالمعنى: إن طلقها الزوج الثاني الذي تزوجها بعد الطلقة الثالثة لأنه تعالى قد ذكره بقوله: {حَتَّىٰ تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا } أي على المرأة المطلقة والزوج الأول أن يتراجعا بنكاح جديد، فذكر لفظ النكاح بلفظ التراجع، لأن الزوجية كانت حاصلة بينهما قبل ذلك، فإذا تناكحا فقد تراجعا إلى ما كانا عليه من النكاح، فهذا تراجع لغوي، بقي في الآية مسألتان: المسألة الأولى: ظاهر الآية يقتضي أن عندما يطلقها الزوج الثاني تحل المراجعة للزوج الأول، إلا أنه مخصوص بقوله تعالى: {أية : وَٱلْمُطَلَّقَـٰتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَـٰثَةَ قُرُوء } تفسير : [البقرة: 228] لأن المقصود من العدة استبراء الرحم، وهذا المعنى حاصل ههنا، وهذا هو الذي عول عليه سعيد بن المسيب في أن التحليل يحصل بمجرد العقد، لأن الوطء لو كان معتبراً لكانت العدة واجبة، وهذه الآية تدل على سقوط العدة، لأن الفاء في قوله: {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يَتَرَاجَعَا } تدل على أن حل المراجعة حاصل عقيب طلاق الزوج الثاني إلا أن الجواب ما قدمنا. المسألة الثانية: قال الخليل والكسائي: موضع {أَن يَتَرَاجَعَا } خفض بإضمار الخافض، تقديره: في أن يتراجعا، وقال الفراء: موضعه نصب بنزع الخافض. أما قوله تعالى: {إِن ظَنَّا أَن يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ } ففيه مسألتان: المسألة الأولى: قال كثير من المفسرين {إِن ظَنَّا } أي إن علما وأيقنا أنهما يقيمان حدود الله، وهذا القول ضعيف من وجوه أحدها: أنك لا تقول: علمت أن يقوم زيد ولكن علمت أنه يقوم زيد والثاني: أن الإنسان لا يعلم ما في القدر وإنما يظنه والثالث: أنه بمنزلة قوله تعالى: {أية : وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدّهِنَّ فِي ذٰلِكَ إِنْ أَرَادُواْ إِصْلَـٰحاً } تفسير : [البقرة: 228] فإن المعتبر هناك الظن فكذا ههنا، وإذا بطل هذا القول فالمراد منه نفس الظن، أي متى حصل هذا الظن، وحصل لهما العزم على إقامة حدود الله، حسنت هذه المراجعة ومتى لم يحصل هذا الظن وخافا عند المراجعة من نشوز منها أو إضرار منه فالمراجعة تحرم. المسألة الثانية: كلمة {إن} في اللغة للشرط والمعلق بالشرط عدم عند عدم الشرط فظاهر الآية يقتضي أنه متى لم يحصل هذا الظن لم يحصل جواز المراجعة، لكنه ليس الأمر كذلك، فإن جواز المراجعة ثابت سواء حصل هذا الظن أو لم يحصل إلا أنا نقول: ليس المراد أن هذا شرط لصحة المراجعة: بل المراد منه أنه يلزمهم عند المراجعة بالنكاح الجديد رعاية حقوق الله تعالى، وقصد الإقامة لحدود الله وأوامره، ثم قال بعد ذلك: {وَتِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ يُبَيّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: قوله تعالى: {وَتِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ } إشارة إلى ما بينها من التكاليف، وقوله: {يُبَيّنُهَا } إشارة إلى الاستقبال والجمع بينهما متناقض وعندي أن هذه النصوص التي تقدمت أكثرها عامة يتطرق إليها تخصيصات كثيرة، وأكثر تلك المخصصات إنما عرفت بالسنة، فكان المراد والله أعلم أن هذه الأحكام التي تقدمت هي حدود الله وسيبينها الله تعالى كمال البيان على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم، وهو كقوله تعالى: {أية : لِيُبَيّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزّلَ إِلَيْهِمْ } تفسير : [النحل: 44]. المسألة الثانية: قرأ عاصم في رواية أبان {نبينها} بالنون وهي نون التعظيم والباقون بالياء على أنه يرجع على اسم الله تعالى. والمسألة الثالثة: إنما خص العلماء بهذا البيان لوجوه أحدها: أنهم هم الذين ينتفعون بالآيات فغيرهم بمنزلة من لا يعتد به، وهو كقوله: {أية : فِيهِ هُدًى لّلْمُتَّقِينَ } تفسير : [البقرة: 2]، والثاني: أنه خصهم بالذكر كقوله: {أية : وَمَلـٰئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَـٰلَ } تفسير : [البقرة: 98] والثالث: يعني به العرب لعلمهم باللسان، والرابع: يريد من له عقل وعلم، كقوله: {أية : وَمَا يَعْقِلُهَا إِلاَّ ٱلْعَـٰلِمُونَ } تفسير : [العنكبوت: 43] والمقصود أنه لا يكلف إلا عاقلاً عالماً بما يكلفه، لأنه متى كان كذلك فقد أزيح عذر المكلف، والخامس: أن قوله: {تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ } يعني ما تقدم ذكره من الأحكام يبينها الله لمن يعلم أن الله أنزل الكتاب وبعث الرسول ليعملوا بأمره وينتهوا عما نهوا عنه.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىٰ تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ} فيه إحدى عشرة مسألة: الأُولى ـ ٱحتج بعض مشايخ خراسان من الحنفية بهذه الآية على أن المختلِعة يلحقها الطلاق، قالوا: فشرع الله سبحانه صريح الطلاق بعد المفاداة بالطلاق؛ لأن الفاء حرف تعقيب؛ فيبعد أن يرجع إلى قوله: {ٱلطَّلاَقُ مَرَّتَانِ} لأن الذي تخلَّل من الكلام يمنع بناء قوله {فَإِنْ طَلَّقَهَا} على قوله {ٱلطَّلاَقُ مَرَّتَانِ} بل الأقرب عَوْده على ما يليه كما في الاستثناء ولا يعود إلى ما تقدّمه إلا بدلالة؛ كما أن قوله تعالى: {أية : وَرَبَائِبُكُمُ ٱللاَّتِي فِي حُجُورِكُمْ مِّن نِّسَآئِكُمُ ٱللاَّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ} تفسير : [النساء: 23] فصار مقصوراً على ما يليه غير عائد على ما تقدّمه حتى لا يشترط الدخول في أُمّهات النساء. وقد ٱختلف العلماء في الطلاق بعد الخلع في العدّة؛ فقالت طائفة: إذا خالع الرجل زوجته ثم طلقها وهي في العدّة لحقها الطلاق ما دامت في العدّة؛ كذلك قال سعيد بن المسيب وشُريح وطاوس والنخعيّ والزهريّ والحَكَم وحمّاد والثوريّ وأصحاب الرأي. وفيه قول ثان وهو أن الطلاق لا يلزمها؛ وهو قول ٱبن عباس وٱبن الزبير وعكرمة والحسن وجابر بن زيد والشافعيّ وأحمد وإسحاق وأبي ثور؛ وهو قول مالك إلا أن مالكاً قال: إن ٱفتدت منه على أن يطلقها ثلاثاً متتابعاً نسقاً حين طلقها فذلك ثابت عليه، وإن كان بين ذلك صُمَات فما أتبعه بعد الصُّمات فليس بشيء، وإنما كان ذلك لأن نسق الكلام بعضه على بعض متصلاً يوجب له حكماً واحداً، وكذلك إذا ٱتصل الاستثناء باليمين بالله أثّر وثبت له حكم الاستثناء، وإذا ٱنفصل عنه لم يكن له تعلق بما تقدّم من الكلام. الثانية ـ المراد بقوله تعالى: {فَإِنْ طَلَّقَهَا} الطلقة الثالثة {فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىٰ تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ}. وهذا مجمع عليه لا خلاف فيه. وٱختلفوا فيما يكفي من النكاح، وما الذي يبيح التحليل؛ فقال سعيد بن المسيب ومن وافقه: مجرّد العقد كاف وقال الحسن بن أبي الحسن: لا يكفي مجرّد الوطء حتى يكون إنزال. وذهب الجمهور من العلماء والكافّة من الفقهاء إلى أن الوطء كاف في ذلك، وهو ٱلتقاء الختانين الذي يوجب الحدّ والغسل، ويفسد الصوم والحجّ ويُحصن الزوجين ويوجب كمال الصداق. قال ٱبن العربيّ: ما مرت بي في الفقه مسألة أعسر منها، وذلك أن من أُصول الفقه أن الحكم هل يتعلق بأوائل الأسماء أو بأواخرها؟ فإن قلنا: إن الحكم يتعلق بأوائل الأسماء لزِمنا أن نقول بقول سعيد بن المسيب. وإن قلنا: إن الحكم يتعلق بأواخر الأسماء لزمنا أن نشترط الإنزال مع مِغيب الحشفة في الإحلال، لأنه آخر ذوق العُسَيْلة على ما قاله الحسن. قال ٱبن المنذر: ومعنى ذوق العسيلة هو الوطء؛ وعلى هذا جماعة العلماء إلا سعيد بن المسيب فقال: أما الناس فيقولون: لا تحل للأوّل حتى يجامعها الثاني؛ وأنا أقول: إذا تزوّجها تزوّجا صحيحاً لا يريد بذلك إحلالها فلا بأس أن يتزوّجها الأوّل. وهذا قول لا نعلم أحداً وافقه عليه إلا طائفة من الخوارج؛ والسنة مستغنًى بها عما سواها. قلت: وقد قال بقول سعيد بن المسيب سعيد بن جبير؛ ذكره النحاس في كتاب «معاني القرآن» له. قال: وأهل العلم على أن النكاح هاهنا الجماع؛ لأنه قال: {زَوْجاً غَيْرَهُ} فقد تقدّمت الزوجية فصار النكاح الجماع؛ إلا سعيد بن جبير فإنه قال: النكاح هاهنا التزوّج الصحيح إذا لم يرد إحلالها. قلت: وأظنهما لم يبلغهما حديث العسيلة أو لم يصح عندهما فأخذا بظاهر القرآن، وهو قوله تعالى: {حَتَّىٰ تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ} والله أعلم. روى الأئمة واللفظ للدارقطنِيّ عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إذا طلق الرجل ٱمرأته ثلاثاً لا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره ويذوق كل واحد منهما عسيلة صاحبه»تفسير : . قال بعض علماء الحنفية: من عقد على مذهب سعيد بن المسيب فللقاضي أن يفسخه؛ ولا يعتبر فيه خلافه لأنه خارج عن إجماع العلماء. قال علماؤنا: ويفهم من قوله عليه السلام: «حديث : حتى يذوق كل واحد منهما عسيلة صاحبه»تفسير : ٱستواؤهما في إدراك لذة الجماع، وهو حجة لأحد القولين عندنا في أنه لو وطئها نائمة أو مغمى عليها لم تحل لمطلقها؛ لأنها لم تذق العسيلة إذ لم تدركها. الثالثة: روى النسائيّ عن عبد الله قال: لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الواشمة والمستوشِمة والواصلة والمستوصلة وآكل الربا ومؤكِله والمحلِّل والمحلَّل له. وروى الترمذيّ عن عبد الله بن مسعود قال: «لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المحلِّل والمحلَّل له». وقال: هذا حديث حسن صحيح. وقد روي هذا الحديث عن النبيّ صلى الله عليه وسلم من غير وجه. والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم؛ منهم عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعبد الله بن عمر وغيرهم؛ وهو قول الفقهاء من التابعين، وبه يقول سفيان الثوريّ وٱبن المبارك والشافعيّ ومالك وأحمد وإسحاق، وسمعت الجارود يذكر عن وكَيع أنه قال بهذا، وقال: ينبغي أن يرمى بهذا الباب من قول أصحاب الرأي. وقال سفيان: إذا تزوّج الرجل المرأة ليحلها ثم بدا له أن يمسكها فلا تحِل له حتى يتزوّجها بنكاح جديد. قال أبو عمر بن عبد البر: ٱختلف العلماء في نكاح المحلِّل؛ فقال مالك: المحلِّل لا يقيم على نكاحه حتى يستقبل نكاحاً جديداً؛ فإن أصابها فلها مهر مثلها، ولا تحلها إصابته لزوجها الأوّل؛ وسواء علما أو لم يعلما إذا تزوّجها ليحلها، ولا يقرّ على نكاحه ويفسخ؛ وبه قال الثوريّ والأُوزاعيّ. وفيه قول ثانٍ روي عن الثوري في نكاح الحيار والمحلّل أن النكاح جائز والشرط باطل؛ وهو قول ٱبن أبي ليلى في ذلك وفي نكاح المتعة. وروي عن الأُوزاعيّ في نكاح المحلل: بئس ما صنع والنكاح جائز. وقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد: النكاح جائز إن دخل بها، وله أن يمسكها إن شاء. وقال أبو حنيفة مرة هو وأصحابه: لا تحل للأوّل إن تزوّجها ليحلّها، ومرة قالوا: تحل له بهذا النكاح إذا جامعها وطلقها. ولم يختلفوا في أن نكاح هذا الزوج صحيح، وأن له أن يقيم عليه. وفيه قول ثالث ـ قال الشافعيّ: إذا قال أتزوّجِك لأحِلك ثم لا نكاح بيننا بعد ذلك فهذا ضرب من نكاح المتعة، وهو فاسد لا يقرّ عليه ويفسخ؛ ولو وطىء على هذا لم يكن تحليلاً. إن تزوّجها تزوّجا مطلقاً لم يشترط ولا ٱشترط عليه التحليل فللشافعيّ في ذلك قولان في كتابه القديم: أحدهما مثل قول مالك، والآخر مثل قول أبي حنيفة. ولم يختلف قوله في كتابه الجديد المصريّ أن النكاح صحيح إذا لم يشترط، وهو قول داود. قلت: وحكى الماورديّ عن الشافعيّ أنه إن شُرط التحليل قبل العقد صح النكاح وأحلها للأوّل، وإن شرطاه في العقد بطل النكاح ولم يحلها للأوّل، قال: وهو قول الشافعيّ. وقال الحسن وإبراهيم: إذا همّ أحد الثلاثة بالتحليل فسد النكاح؛ وهذا تشديد. وقال سالم والقاسم: لا بأس أن يتزوّجها ليحلها إذا لم يعلم الزوجان وهو مأجور؛ وبه قال ربيعة ويحيى بن سعيد، وقاله داود بن عليّ إذا لم يظهر ذلك في ٱشتراطه في حين العقد. الرابعة ـ مدار جواز نكاحِ التحليل عند علمائنا على الزوج الناكح، وسواء شرط ذلك أو نواه؛ ومتى كان شيء من ذلك فسد نكاحه ولم يقرّ عليه، ولم يحلِّل وطؤه المرأةَ لزوجها. وعِلْمُ الزوج المطلِّق وجهلُه في ذلك سواء. وقد قيل: إنه ينبغي له إذا علم أن الناكح لها لذلك تزوّجها أنْ يتنزّه عن مراجعتها، ولا يُحلها عند مالك إلا نكاح رغبةٍ لحاجته إليها، ولا يقصد به التحليل، ويكون وطؤه لها وطأ مباحاً: لا تكون صائمة ولا مُحرِمة ولا في حيضتها، ويكون الزوج بالغاً مسلماً. وقال الشافعيّ: إذا أصابها بنكاح صحيح وغيب الحشفة في فرجها فقد ذاقا العُسَيْلَة؛ وسواء في ذلك قويّ النكاح وضعيفه، وسواء أدخله بيده أم بيدها، وكان من صبيّ أو مراهق أو مجبوب بقي له ما يغيبه كما يغيب غير الخصيّ، وسواء أصابها الزوج مُحرِمةً أو صائمة؛ وهذا كله ـ على ما وصف الشافعي ـ قول أبي حنيفة وأصحابه والثوري والأُوزاعي والحسنِ بنِ صالح، وقول بعضِ أصحاب مالك. الخامسة ـ قال ٱبن حبيب: وإن تزوّجها فإن أعجبته أمسكها، وإلا كان قد ٱحتسب في تحليلها الأجر لم يجز؛ لما خالط نكاحه من نية التحليل، ولا تحلّ بذلك للأوّل. السادسة: وطء السيد لأمته التي قد بَتّ زوجها طلاقها لا يحلها؛ إذ ليس بزوج، روي عن علي بن أبي طالب، وهو قول عبيدة ومسروق والشعبي وإبراهيم وجابر بن زيد وسليمان بن يَسَار وحَمّاد بن أبي سليمان وأبي الزّناد؛ وعليه جماعة فقهاء الأمصار. ويروى عن عثمان وزيد بن ثابت والزبير خلاف ذلك، وأنه يُحلها إذا غشِيها سيدُها غِشياناً لا يريد بذلك مخادعة ولا إحلالا، وترجع إلى زوجها بخطبة وصداق. والقول الأوّل أصح؛ لقوله تعالى: {حَتَّىٰ تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ} والسيد إنما تسلّط بملك اليمين وهذا واضح. السابعة ـ في موطأ مالك أنه بلغه أن سعيد بن المسيّب وسليمان بن يسار سئلا عن رجل زوّج عبدا له جارية له فطلقها العبد البتة ثم وهبها سيّدها له هل تحل له بملك اليمين؟ فقالا: لا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره. الثامنة ـ روى عن مالك أنه سأل ٱبن شهاب عن رجل كانت تحته أُمة مملوكة فٱشتراها وقد كان طلقها واحدة؛ فقال: تحل له بملك يمينه ما لم يبت طلاقها؛ فإن بت طلاقها فلا تحل له بملك يمينه حتى تنكح زوجاً غيره. قال أبو عمر: وعلى هذا جماعة العلماء وأئمة الفتوى: مالك والثوريّ والأُوزاعي والشافعي وأبو حنيفة وأحمد وإسحاق وأبو ثور. وكان ٱبن عباس وعطاء وطاوس والحسن يقولون: إذا ٱشتراها الذي بتّ طلاقها حلت له بملك اليمين؛ على عموم قوله عز وجل: {أية : أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} تفسير : [النساء: 3]. قال أبو عمر: وهذا خطأ من القول؛ لأن قوله عز وجل: {أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} لا يبيح الأُمهات ولا الأخوات، فكذلك سائر المحرّمات. التاسعة ـ إذا طلق المسلم زوجته الذمِّية ثلاثاً فنكحها ذِميّ ودخل بها ثم طلقها؛ فقالت طائفة: الذميّ زوج لها، ولها أن ترجع إلى الأوّل؛ هكذا قال الحسن (والزهري) وسفيان الثوريّ والشافعيّ وأبو عبيد وأصحاب الرأي. قال ٱبن المنذر: وكذلك نقول؛ لأن الله تعالى قال: {حَتَّىٰ تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ} والنصرانيّ زوج. وقال مالك وربيعة: لا يحلها. العاشرة ـ النكاح الفاسد لا يحل المطلقة ثلاثاً في قول الجمهور. مالكٍ والثوريّ والشافعي والأُوزاعيّ وأصحاب الرأي وأحمد وإسحاق وأبي عبيد؛ كلهم يقولون: لا تحل للزوج الأوّل إلا بنكاح صحيح؛ وكان الحَكَم يقول: هو زوج. قال ٱبن المنذر: ليس بزوج؛ لأن أحكام الأزواج في الظهار والإيلاء واللِّعان غير ثابتة بينهما. وأجمع كل من يُحفَظ عنه من أهل العلم أن المرأة إذا قالت للزوج الأوّل: قد تزوّجت ودخل عليّ زوجي وصدّقها أنها تحل للأوّل. قال الشافعيّ: والوَرَع ألاّ يفعل إذا وقع في نفسه أنها كَذَبته. الحادية عشرة ـ جاء عن عمر بن الخطاب في هذا الباب تغليظ شديد وهو قوله: لا أُوتي بمحلِّل ولا محلِّل له إلا رجمتهما. وقال ٱبن عمر: التحليل سفاح؛ لا يزالان زانيين ولو أقاما عشرين سنة. قال أبو عمر: لا يحتمل قول عمر إلا التغليظ؛ لأنه قد صح عنه أنه وضع الحدّ عن الواطىء فرجاً حراماً قد جهل تحريمه وعذَره بالجهالة؛ فالتأويل أولى بذلك، ولا خلاف أنه لا رجم عليه. قوله تعالى: {فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَآ أَن يَتَرَاجَعَآ إِن ظَنَّآ أَن يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} فيه أربع مسائل: الأُولى ـ قوله تعالى: {فَإِن طَلَّقَهَا} يريد الزوج الثاني. {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَآ} أي المرأةِ والزوجِ الأوّل؛ قاله ٱبن عباس، ولا خلاف فيه. قال ٱبن المنذر: أجمع أهل العلم على أن الحرّ إذا طلق زوجته ثلاثاً ثم ٱنقضت عدّتها ونكحت زوجاً آخر ودخل بها ثم فارقها وٱنقضت عدّتها ثم نكحت زوجها الأوّل أنها تكون عنده على ثلاث تطليقات. وٱختلفوا في الرجل يطلق ٱمرأته تطليقة أو تطليقتين ثم تتزوّج غيره ثم ترجع إلى زوجها الأوّل؛ فقالت طائفة: تكون على ما بقي من طلاقها؛ وكذلك قال الأكابر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: عمر بن الخطاب وعليّ بن أبي طالب وأبيّ بن كعب وعمران بن حصين وأبو هريرة. ويروى ذلك عن زيد بن ثابت ومعاذ بن جبل وعبدِ الله بن عمرو بن العاص، وبه قال عبيدة السَّلْماني وسعيد بن المسيب والحسن البصريّ ومالك وسفيان الثوريّ وٱبن أبي ليلى والشافعيّ وأحمد وإسحاق وأبو عبيد وأبو ثور ومحمد بن الحسن وٱبن نصر. وفيه قول ثان وهو أن النكاح جديد والطلاق جديد؛ هذا قول ٱبن عمر وٱبن عباس، وبه قال عطاء والنخعيّ وشُريح والنعمان ويعقوب. وذكر أبو بكر بن أبي شيبة قال: حدّثنا أبو معاوية ووكيع عن الأعمش عن إبراهيم قال: كان أصحاب عبد الله يقولون: أيهدِم الزوج الثلاث، ولا يهدِم الواحدة والاثنتين! قال؛ وحدّثنا حفص عن حجاج عن طلحة عن إبراهيم أن أصحاب عبد الله كانوا يقولون: يهدِم الزوج الواحدة والاثنتين كما يهدم الثلاث؛ إلا عبيدة فإنه قال: هي على ما بقي من طلاقها؛ ذكره أبو عمر. قال ٱبن المنذر: وبالقول الأوّل أقول. وفيه قول ثالث وهو: إن كان دخل بها الأخير فطلاق جديد ونكاح جديد، وإن لم يكن دخل بها فعلى ما بقي؛ هذا قول إبراهيم النخعيّ. الثانية ـ قوله تعالىٰ: {إِن ظَنَّآ أَن يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ} شرط. قال طاوس: إن ظَنّا أن كل واحد منهما يُحسن عشرة صاحبه. وقيل: حدود الله فرائضه؛ أي إذا علما أنه يكون بينهما الصلاح بالنكاح الثاني، فمتى علم الزوج أنه يعِجز عن نفقة زوجته أو صداقها أو شيء من حقوقها الواجبة عليه فلا يحل له أن يتزوّجها حتى يبيِّن لها، أو يعلم من نفسه القدرة على أداء حقوقها، وكذلك لو كانت به عِلّة تمنعه من الاستمتاع كان عليه أن يبيِّن؛ كيلا يغرّ المرأة من نفسه. وكذلك لا يجوز أن يغرها بنسب يدّعيه ولا مال (له) ولا صناعة يذكرها وهو كاذب فيها. وكذلك يجب على المرأة إذا علمت من نفسها العجز عن قيامها بحقوق الزوج، أو كان بها علة تمنع الاستمتاع من جنون أو جذام أو برص أوداء في الفرج لم يجز لها أن تغرّه، وعليها أن تبيّن له ما بها من ذلك؛ كما يجب علي بائع السِّلعة أن يبيّن ما بسلعته من العيوب، ومتى وجد أحد الزوجين بصاحبه عيباً فله الردّ، فإن كان العيب بالرجل فلها الصداق إن كان دخل بها، وإن لم يدخل بها فلها نصفه. وإن كان العيب بالمرأة ردّها الزوج وأخذ ما كان أعطاها من الصداق؛ وقد حديث : روي: أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوّج ٱمرأة من بني بياضة فوجد بكشحها برصاً فردّها وقال: «دلستم عليّ». تفسير : وٱختلفت الرواية عن مالك في ٱمرأة العِنِّين إذا سلمت نفسها ثم فرّق بينهما بالُعنّه؛ فقال مرّة: لها جميع الصداق، وقال مرّة: لها نصف الصداق؛ وهذا ينبني على ٱختلاف قوله: بِم تستحِق الصداق بالتسليم أو الدخول؟ قولان. الثالثة ـ قال ٱبن خويزِمنداد: وٱختلف أصحابنا هل على الزوجة خِدْمة أوْ لا؟ فقال بعض أصحابنا: ليس على الزوجة خدمة؛ وذلك أن العقد يتناول الاستمتاع لا الخدمة؛ ألاَّ ترىٰ أنه ليس بعقد إجارة ولا تملُّك رقبة، وإنما هو عقد على الاستمتاع، والمستحَق بالعقد هو الاستمتاع دون غيره؛ فلا تُطالَب بأكثر منه؛ ألا ترى إلى قوله تعالىٰ: {أية : فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً} تفسير : [النساء: 34]. وقال بعض أصحابنا: عليها خدمة مثلها؛ فإن كانت شريفة المحل ليسار أبوّة أو ترّفه فعليها التدبير للمنزل وأمر الخادم، وإن كانت متوسطة الحال فعليها أن تفرش الفراش ونحو ذلك، وإن كانت دون ذلك فعليها أن تَقُمّ البيت وتطبخ وتغسل. وإن كانت من نساء الكُرْد والدّيْلَم والجبل في بلدهن كُلِّفت ما يكلَّفه نساؤهم؛ وذلك أن الله تعالىٰ قال: {وَلَهُنَّ مِثْلُ ٱلَّذِي عَلَيْهِنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ}. وقد جرى عرف المسلمين في بلدانهم في قديم الأمر وحديثه بما ذكرنا؛ ألا ترى أن أزواج النبيّ صلى الله عليه وسلم وأصحابه كانوا يتكلفون الطحين والخيبز والطبيخ وفرش الفراش وتقريب الطعام وأشباه ذلك، ولا نعلم ٱمرأة ٱمتنعت من ذلك، ولا يسوغ لها الامتناع، بل كانوا يضربون نساءهم إذا قصّرن في ذلك، ويأخذونهن بالخدمة؛ فلولا أنها مستحقة لما طالبوهنّ ذلك. الرابعة ـ قوله تعالىٰ: {وَتِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} حدود الله: ما منع منه، والحدّ مانع من الاجتزاء على الفواحش، وأحدّت المرأة: ٱمتنعت من الزينة، ورجل محدود: ممنوع من الخير، والبوّاب حدّاد أي مانع. وقد تقدّم هذا مستوفى. وإنما قال: {لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} لأن الجاهل إذا كثر له أمره ونهيه فإنه لا يحفظه ولا يتعاهده. والعالم يحفظ ويتعاهد؛ فلهذا المعنى خاطب العلماء ولم يخاطب الجهال.

البيضاوي

تفسير : {فَإِن طَلَّقَهَا} فإن تعقيبه للخلع بعد ذكر الطلقتين يقتضي أن يكون طلقة رابعة لو كان الخلع طلاقاً. والأظهر أنه طلاق لأنه فرقة باختيار الزوج فهو كالطلاق بالعوض، وقوله فإن طلقها متعلق بقوله: {ٱلطَّلَـٰقُ مَرَّتَانِ} أو تفسير لقوله: {أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَـٰنٍ} اعترض بينهما ذكر الخلع دلالة على أن الطلاق يقع مجاناً تارة وبعوض أخرى، والمعنى فإن طلقها بعد الثنتين. {فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ} من بعد ذلك الطلاق. {حَتَّىٰ تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} حتى تتزوج غيره، والنكاح يستند إلى كل منهما كالتزوج، وتعلق بظاهره من اقتصر على العقد كابن المسيب واتفق الجمهور على أنه لا بد من الإصابة لما روي: أن امرأة رفاعة قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إن رفاعة طلقني فبت طلاقي، وإن عبد الرحمن بن الزبير تزوجني وإن ما معه مثل هدبة الثوب. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟ قالت: نعم، قال: لا حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك»تفسير : فالآية مطلقة قيدتها السنة، ويحتمل أن يفسر النكاح بالإصابة، ويكون العقد مستفاداً من لفظ الزوج. والحكمة في هذا الحكم الردع عن التسرع إلى الطلاق والعود إلى المطلقة ثلاثاً والرغبة فيها، والنكاح بشرط التحليل فاسد عند الأكثر. وجوزه أبو حنيفة مع الكراهة، وقد لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المحلل والمحلل له. {فَإِن طَلَّقَهَا} الزوج الثاني {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يَتَرَاجَعَا} أن يرجع كل من المرأة والزوج الأول إلى الآخر بالزواج، {إِن ظَنَّا أَن يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ} إن كان في ظنهما أنهما يقيمان ما حدده الله وشرعه من حقوق الزوجية، وتفسير الظن بالعلم ههنا غير سديد لأن عواقب الأمور غيب تظن ولا تعلم، ولأنه لا يقال علمت أن يقوم زيد لأن أن الناصبة للتوقع وهو ينافي العلم. {وَتِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ } أي الأحكام المذكورة. {يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} يفهمون ويعلمون بمقتضى العلم.

المحلي و السيوطي

تفسير : {فَإِن طَلَّقَهَا } الزوج بعد الثنتين {فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ } بعد الطلقة الثالثة {حَتَّىٰ تَنْكِحَ } تتزوّج {زَوْجًا غَيْرَهُ } ويطأها كما في الحديث الذي رواه الشيخان {فَإِن طَلَّقَهَا } أي الزوج الثاني {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا } أي الزوجة والزوج الأول {أَن يَتَرَاجَعَا } إلى النكاح بعد انقضاء العدة {إِن ظَنَّا أَن يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ وَتِلْكَ } المذكورات {حُدُودُ ٱللَّهِ يُبَيّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ } يتدبرون.

ابن عطية

تفسير : {فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَآ أَن يَتَرَاجَعَآ إِن ظَنَّآ أَن يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَآءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَاراً لِّتَعْتَدُواْ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ}. قال ابن عباس والضحاك وقتادة والسدي: هذا ابتداء الطلقة الثالثة. قال القاضي أبو محمد: فيجيء التسريح المتقدم ترك المرأة تتم عدتها من الثانية، ومن قول ابن عباس رضي الله عنه: "إن الخلع فسخ عصمة وليس بطلاق"، واحتج من هذه الآية بذكر الله -تعالى - الطلاقين ثم ذكره الخلع ثم ذكره الثالثة بعد الطلاقين ولم يك للخلع حكم يعتد به، ذكر هذا ابن المنذر في "الإشراف" عنه وعن وعكرمة وطاوس وأحمد وإسحاق وأبي ثور، وذكر عن الجمهور خلاف قولهم، وقال مجاهد: "هذه الآية بيان ما يلزم المسرح، والتسريح هو الطلقة الثالثة". قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: وقوله تعالى: {أو تسريح} يحتمل الوجهين: إما تركها تتم العدة، وإما إرداف الثالثة. ثم بين في هذه الآية حكم الاحتمال الواحد، إذ الاحتمال الثاني قد علم منه أنه لا حكم له عليها بعد انقضاء العدة. و {تنكح} في اللغة جار على حقيقته في الوطء ومجاز في العقد، وأجمعت الأمة في هذه النازلة على اتباع الحديث الصحيح في بنت سموأل امرأة رفاعه حين تزوجها عبد الرحمن بن الزبير وكان رفاعة قد طلقها ثلاثاً، فقالت للنبي صلى الله عليه وسلم: "إني لا أريد البقاء مع عبد الرحمن، ما معه إلا مثل الهدبة"، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لعلك أردت الرجوع إلى رفاعه، لا حتى يذوق عسيلتك وتذوقي عسيلته" تفسير : ، فرأى العلماء أن النكاح المحل إنما هو الدخول والوطء، وكلهم على أن مغيب الحشفة يحل إلا الحسن ابن أبي الحسن فإنه قال: "لا يحل إلا الإنزال وهو ذوق العسيلة"، وقال بعض الفقهاء: التقاء الختانين يحل. قال القاضي أبو محمد والمعنى واحد، إذ لا يلتقي الختانان إلا مع المغيب الذي عليه الجمهور، وروي عن سعيد بن المسيب أن العقد عليها يحلها للأول، وخطىء هذا القول لخلافه الحديث الصحيح، ويتأول على سعيد - رحمه الله - أن الحديث لم يبلغه، ولما رأى العقد عاملاً في منع الرجل نكاح امرأة قد عقد عليها أبوه قاس عليه عمل العقد في تحليل المطلقة. قال القاضي أبو محمد: وتحليل المطلقة ترخيص فلا يتم إلا بالأوفى، ومنع الابن شدة تدخل بأرق الأسباب على أصلهم في البر والحنث. والذي يحل عند مالك - رحمه الله - النكاح الصحيح والوطء المباح، والمحلل إذا وافق المرأة: فلم تنكح زوجاً، ولا يحل ذلك، ولا أعلم في اتفاقه مع الزوجة خلافاً، وقال عثمان بن عفان: "إذا قصد المحلل التحليل وحده لم يحل، وكذلك إن قصدته المرأة وحدها". ورخص فيه مع قصد المرأة وحدها إبراهيم والشعبي إذا لم يأمر به الزوج. وقال الحسن بن أبي الحسن: "إذا هم أحد الثلاثة بالتحليل لم تحل للأول"، وهذا شاذ، وقال سالم والقاسم: لا بأس أن يتزوجها ليحلها إذا لم يعلم الزوجان. وقوله تعالى: {فإن طلقها فلا جناح عليهما} الآية، المعنى إن طلقها المتزوج الثاني فلا جناح عليهما أي المرأة والزوج الأول، قاله ابن عباس، ولا خلاف فيه، والظن هنا على بابه من تغليب أحد الجائزين، وقال أبو عبيدة: "المعنى أيقنا"، وقوله في ذلك ضعيف، و {حدود الله} الأمور التي أمر أن لا تتعدى، وخص الذين يعلمون بالذكر تشريفاً لهم، وإذ هم الذين ينتفعون بما بين. أي نصب للعبرة من قول أو صنعة، وأما إن أردنا بالتبيين خلق البيان في القلب فذلك يوجب تخصيص الذين يعلمون بالذكر، لأن من طبع على قلبه لم يبين له شيء، وقرأ السبعة "يبينها" بالياء، وقرأ عاصم روي عنه "نبينها" بالنون. وقوله تعالى: {وإذا طلقتم النساء} الآية خطاب للرجال لا يختص بحكمه إلا الأزواج، وذلك نهي للرجل أن يطول العدة على المرأة مضارّة منه لها، بأن يرتجع قرب انقضائها ثم يطلق بعد ذلك، قاله الضحاك وغيره، ولا خلاف فيه، ومعنى {بلغنا أجلهن} قاربن، لأن المعنى يضطر إلى ذلك، لأنه بعد بلوغ الأجل لا خيار له في الإمساك، ومعنى {أمسكوهن} راجعوهن، و {بمعروف} قيل هو الإشهاد، و {لا تمسكوهن} أي لا تراجعوهن ضراراً، وباقي الآية بيِّن. قوله عز وجل: {وَلاَ تَتَّخِذُواْ ءَايَاتِ اللَّهِ هُزُواً وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَآ أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُم بِهِ وَاتَّقُواْ اللَّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَآءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْاْ بَيْنَهُم بِالْمَعْرُوفِ ذلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ مِنكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الأَخِرِ ذلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} المراد آياته النازلة في الأوامر والنواهي، وقال الحسن: "نزلت هذه الآية فيمن طلق لاعباً أو هازلاً أو راجع كذلك"، وقالته عائشة، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ثلاث جدهن جد وهزلهن جد: النكاح والطلاق والرجعة". تفسير : ووقع هذا الحديث في المدونة من كلام ابن المسيب، النكاح والطلاق والعتق، ثم ذكر الله عباده بإنعامه عليهم بالقرآن والسنة، و {الحكمة} هي السنة المبينة على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم: مراد الله فيما لم ينص عليه في الكتاب: والوصف بــ {عليم} يقتضيه ما تقدم من الأفعال التي ظاهرها خلاف النية فيها، كالمحلل والمرتجع مضارة. وقوله تعالى: {وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن} الآية خطاب للمؤمنين الذين منهم الأزواج ومنهم الأولياء، لأنهم المراد في {تعضلوهن}، وبلوغ الأجل في هذا الموضع تناهيه، لأن المعنى يقتضي ذلك، وقد قال بعض الناس في هذا الموضع: إن المراد بــ {تعضلوهنّ}، الأزواج، وذلك بأن يكون الارتجاع مضارة عضلاً عن نكاح الغير، فقوله {أزواجهن} على هذا يعني به الرجال، إذ منهم الأزواج، وعلى أن المراد بــ {تعضلوهن} الأولياء فالأزواج هم الذين كنَّ في عصمتهم، والعضل المنع من الزواج، وهو من معنى التضييق والتعسير، كما يقال أعضلت الدجاجة إذا عسر بيضها، والداء العضال العسير البرء، وقيل: نزلت هذه الآية في معقل بن يسار وأخته، وقيل: في جابر بن عبد الله، وذلك أن رجلاً طلق أخته، وقيل بنته، وتركها حتى تمت عدتها، ثم أراد ارتجاعها فغار جابر، وقال: "تركتها وأنت أملك بها، لا زوجتكها أبداً"، فنزلت الآية، وهذه الآية تقتضي ثبوت حق الولي في إنكاح وليته، وأن النكاح يفتقر إلى ولي، خلاف قول أبي حنيفة إن الولي ليس من شروط النكاح، وقوله {بالمعروف} معناه المهر والإشهاد. وقوله تعالى: {ذلك يوعظ به من كان منكم} خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم: ثم رجوع إلى خطاب الجماعة: والإشارة في {ذلكم أزكى} إلى ترك العضل، و {أزكى} و {أطهر} معناه أطيب للنفس وأطهر للعرض والدين، بسبب العلاقات التي تكون بين الأزواج، وربما لم يعلمها الولي فيؤدي العضل إلى الفساد والمخالطة على ما لا ينبغي، والله - تعالى - يعلم من ذلك ما لا يعلم البشر.

ابن عبد السلام

تفسير : {فَإِن طَلَّقَهَا} الثالثة، أو هو تفسير لقوله ـ تعالى ـ {أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} {تَنكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ} الدخول شرط عند الجمهور خلافاً لابن المسيب.

الخازن

تفسير : {فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجاً غيره} ولو كان الخلع طلاقاً لكان الطلاق أربعاً وحجة القول الجديد أنه لو كان فسخاً لما صح بالزيادة على المهر المسمى كالإقالة في البيع وأيضاً لو كان الخلع فسخاً فإذا خالعها ولم يذكر مهراً وجب أن يجب المهر عليها كالإقالة، فإن الثمن يجب رده وإن لم يذكره فثبت أن الخلع ليس بفسخ وإذا بطل ذلك ثبت أنه طلاق وأيضاً فإن الطلقة الثالثة قوله: أو تسريح بإحسان. وفائدة الخلاف أنا إذا جعلناه طلاقاً ينقص به عدد الطلاق فإن تزوجها بعده كانت معه على طلقتين وإن جعلناه فسخاً بانت منه بثلاث. قوله تعالى: {تلك حدود الله} يعني هذه أوامر الله ونواهيه وهو ما تقدم من أحكام الطلاق والرجعة والخلع وحدود الله ما منع من مجاوزتها وهو قوله: {فلا تعتدوها} أي فلا تجاوزوها {ومن يتعد حدود الله} أي يجاوزها {فأولئك هم الظالمون} قوله عز وجل: {فإن طلقها} يعني الطلقة الثالثة {فلا تحل له من بعد} أي لا تحل له رجعتها بعد الثلاث {حتى تنكح زوجاً غيره} يعني حتى تتزوج زوجاً آخر غير المطلق فيجامعها، والنكاح يتناول العقد والوطء جميعاً والمراد هنا الوطء، نزلت في تميمة وقيل: عائشة بنت عبدالرحمن بن عتيك القرظي وكانت تحت ابن عمها رفاعة بن وهب بن عتيك القرظي فطلقها ثلاثاً (ق) عن عائشة قالت: "حديث : جاءت امرأة رفاعة القرظي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت إني كنت عند رفاعة فطلقني فبت طلاقي فتزوجت بعده عبدالرحمن بن الزبير وإنما معه مثل هدبة الثوب فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: "أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة لا حتى يذوق عسيلتك وتذوقي عسيلته" تفسير : قولها: فبت طلاقي أي قطعه والبت القطع وقولها: مثل هدبة الثوب أي طرفة وهو كناية عن استرخاء الذكر قوله: حتى يذوق عسيلتك بضم العين تصغير العسل شبه لذة الجماع بالعسل وهو كناية عنه وإنما أنث العسل لأن من العرب من يؤنثه، وقيل: أنثه حملاً له على المعنى، لأن المراد منه النطفة، وعبدالرحمن المذكور هو عبدالرحمن بن الزبير بفتح الزاي وكسر الباء مشددة، وروي أنها لبثت ما شاء الله ثم رجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: إن زوجي قد مسني فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : كذبت بقولك الأول فلن أصدقك في الآخر"تفسير : ، فلبثت حتى قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتت أبا بكر فقالت يا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم أرجع إلى زوجي الأول فإن زوجي الآخر قد مسني وطلقني، فقال لها أبو بكر: قد شهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أتيته وقال له ما قالت لك ما قال فلا ترجعي إليه، فلما قبض أبو بكر أتت عمر وقالت له ما قالت لأبي بكر فقال لها: لئن رجعت إليه لأرجمنك. قوله تعالى: {فإن طلقها} يعني الزوج الثاني بعد وطئها {فلا جناح عليهما} يعني على المرأة والزوج الأول {أن يتراجعا} يعني بنكاح جديد {إن ظنا} أي علما وأيقنا وقيل: إن رجوا لأن أحداً لا يعلم ما هو كائن إلاّ الله تعالى: {أن يقيما حدود الله} يعني يقيما بينهما الصلاح وحسن العشرة والصحبة وقيل: معناه إن علما أن نكاحها على غير دلسة، والمراد بالدلسة التحليل. فرعان: الأول: مذهب جمهور العلماء أن المطلقة بالثلاث لا تحل للزوج المطلقة منه بالثلاث إلاّ بشرائط، وهي أن تعتد منه ثم تتزوج بزوج آخر ويطأها، ثم يطلقها، ثم تعتد منه، فإذا حصلت هذه الشرائط فقد حلت للأول وإلاّ فلا، وقال سعيد بن جبير وسعيد بن المسيب: تحل بمجرد العقد والمذهب الأول هو الأصح، واختلف العلماء في اشتراط الوطء هل ثبت بالكتاب أو بالسنة؟ على ثلاثة أقوال: الثالث وهو المختار أنه ثبت بهما (الثاني) إذا تزوج بالمطلقة ثلاثة ليحلها للأول فهذا نكاح باطل وعقد فاسد وبه قال: مالك وأحمد لما روي عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : أنه لعن المحلل والمحلل له" تفسير : أخرجه الترمذي وقال حديث حسن صحيح وروي أنه قال هو التيس المستعار ولو تزوجها ولم يشترط في النكاح أنه يفارقها فالنكاح صحيح ويحصل به التحليل إذا طلقها وانقضت العدة غير أنه يكره إذا كان في عزمهما ذلك، وبه قال الشافعي وأبو حنيفة، ودليل ذلك أن الآية دلت على أن الحرمة تنتهي بوطء مسبوق بعقد وقد وجد ذلك فوجب القول بانتهاء الحرمة، وقال نافع: "أتى رجل إلى ابن عمر فقال: إن رجلاً طلق امرأته ثلاثاً فانطلق أخ له من غير مؤامرة فتزوجها ليحلها للأول فقال: لا إلاّ نكاح رغبة، كنا نعد هذا سفاحاً على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم" وقوله تعالى: {وتلك حدود الله يبينها لقوم يعلمون} يعني يعلمون ما أمرهم به ونهاهم عنه، وإنما خص العلماء لأنهم هم الذين ينتفعون بذلك البيان.

ابن عرفة

تفسير : قوله تعالى: {فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ...} قيل لابن عرفة: وما أفاد قوله "من بعد" والكلام يستقل بدونه؟ فقال: أفاد التنبيه على مرجوحية الطلقة الثالثة. قال ابن عرفة: (وهذا الخلع) هل هو فسخ أو طلاق؟ منهم من قال: لا يكون طلاقا إلا إذا كان بلفظ الطلاق فتقول له: خالعتك على كذا. فيقول: أنت طالق على ذلك، ولو قال وأنا أخالعك على ذلك أو قال: سرّحتك على (ذلك) وخليت سبيلك وأبحت لك الأزواج، فهو فسخ. وهي مسألة وقعت في المغرب في رجل كان يقال له البخاري، لأنه كان يحفظ البخاري، كان طلق زوجته طلاق الخلع ثلاثا بغير لفظ الطلاق، ثم ردها قبل زوج فاختلف الفاسيون. فبعضهم قال: يرجم، وآخرون قالوا: يلزمه الأدب فقط، لأنه خالع بغير لفظ الطّلاق، وحدّوه حينئذ وتركوه. وهي مسالة المدونة إما أن يعذر بجهل أولا، وهذا الرجل كان عالما. قوله تعالى: {حَتَّىٰ تَنكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ...}. قال سعيد بن المسيب::إنها تحلّ بالعقد. قال ابن عرفة: وما حمله عندي إلا أنه يقول: اقتضت الآية أنّها تحل بالعقد، وبينت السنة أنّها لا بد من الوطء. وبهذا كان يرد بعضهم على من قال: كل نكاح في القرآن المراد به العقد إلا (في) هذه الآية، فكان يقول: بل هو هنا حقيقة في العقد، وبينت السنة أنه لابدّ من الوطء. قوله تعالى: {إِن ظَنَّآ أَن يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ...}. ولَمْ يَقُلْ: إن لم يخافا ألاّ يقيما حدود الله، لأن هذه أبلغ في التكليف. قال ابن عرفة: وأهل بلدنا يكلفونها إذا أرادت الرجوع لمطلقها بالثلاث إثبات كون المحلل غير متّهم لفساد الزمان. وأهل القيروان يكلفونها (إثبات) ذلك عند تزويجها. وكان الشيخ ابن هارون لما عزل عن قضاء توزر تكلّم معه القاضي ابن عبد السلام في أمور منها أنّه لم يأمر بذلك، فقال ابن هارون: تكليفها بهذا لم يذكره أحد وفيه مشقة عليها، وإنما الصواب أن يعمل على ما اتفقا عليه هي والذي (حللّها) لمطلقها. قال: فأنكر ذلك ابن عبد السلام وقال له: سمعت عنك أنك تأخذ في كل صداق دينارا كبيرا وتسرحه، فسكت عنه.

الثعالبي

تفسير : قوله تعالى: {فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ...} الآية: قال ابنُ عَبَّاس وغيره: هو ٱبتداء الطلْقةِ الثالثةِ؛ قال: * ع *: فيجيء التسريحُ المتقدِّم ترك المرأة تتمُّ، عِدَّتها من الثانية، وأجمعتِ الأُمَّةُ في هذه النازلةِ على ٱتباع الحديثِ الصحيحِ «حديث : في امرأة رِفَاعَةَ، حِينَ تزوَّجت عبْدَ الرحمنِ بْنَ الزَّبِيرِ، فقال لها النبيُّ صلى الله عليه وسلم: لَعَلَّكِ أَرَدتِّ الرُّجُوعَ إِلَىٰ رِفَاعَةَ، لاَ؛ حَتَّىٰ يَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ، وَتَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ» تفسير : ؛ فرأَى العلماء أنه لا يُحِلُّها إِلا الوطءُ. وكلُّهم على أن مَغِيبَ الحَشَفة يُحِلُّ إِلا الحسنَ بْنَ أبي الحَسَن، قال: لا يحلُّها إِلا الإِنزال، وهو ذَوْقُ العُسَيْلَةَ، والذي يُحِلُّها عند مالك النكاحُ الصحيحُ، والوطْء المُباح. وقوله تعالى: {فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَآ أَن يَتَرَاجَعَآ إِن ظَنَّآ أَن يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ...} الآية: المعنى: فإِنْ طلَّقها المتزوِّج الثَّاني، فلا جُنَاح عليهما، أي: المرأة والزوج الأول. قاله ابن عَبَّاس، ولا خلاف فيه، والظنُّ هنا علَىٰ بابه من تغليبِ أحد الجائزَيْن، وخص الذين يعلمون بالذكْر تشريفاً. وقوله تعالى: {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ...} الآية: خطابٌ للرجالِ، نُهِي الرجُلُ أن يطول العدَّة، مضارَّةً لها؛ بأن يرتجع قرب ٱنقضائِهَا، ثم يطلِّق بعد ذلك؛ قاله الضَّحَّاك وغيره، ولا خلاف فيه. ومعنَى: {بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ}: قاربْنَ؛ لأنه بعد بلوغ الأجل لا خيار له في الإِمساك، ومعنى: أمسكوهنَّ راجِعُوهنَّ - و {بِمَعْرُوفٍ}: قِيلَ: هو الإِشهاد - {وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ }، أي: لا تراجعوهنَّ {ضِرَارًا}، وباقي الآية بَيِّنٌ. وقوله تعالى: {وَلاَ تَتَّخِذُواْ آيَـٰتِ ٱللَّهِ هُزُوًا...} الآية: المرادُ بآياته النازلَةُ في الأوامر والنَّواهِي، وقال الحسن: نزلَتْ هذه الآية فيمَنْ طَلَّق لاعباً أو هازئاً، أو راجَعَ كذلك. وقالتْ عائشةُ: قال رَسُولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم: «حديث : ثَلاَثٌ جِدُّهُنَّ جِدٌّ، وَهَزْلُهُنَّ جِدٌّ: النِّكَاحُ، وَالطَّلاَقُ، وَالرَّجْعَةُ». تفسير : ثم ذَكَّرَ اللَّه عباده بإِنعامه سبحانه علَيْهم بالقرآن، والسُّنَّة، و{الْحِكْمَةِ}: هي السُّنَّة المبينة مرادَ اللَّه سبحانه. وقوله تعالى: {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ...} الآية: خطابٌ للمؤمنين الذين منْهم الأزواج، ومنهم الأولياءُ؛ لأنهم المراد في تَعْضُلُوهنَّ، وبلوغ الأجلِ في هذا الموضِعِ تناهِيهِ؛ لأن المعنى يقتضي ذلكَ. وقد قال بعضُ النَّاسِ في هذا المعنَىٰ: إِن المراد بـ {تَعْضُلُوهُنَّ }: الأزواجُ؛ وذلك بأن يكون الاِرتجاعُ مضارَّة؛ عضْلاً عن نكاحِ الغَيْر، فقوله: {أَزْوَٰجَهُنَّ }؛ على هذا، يعني به: الرجالَ؛ إِذ منهم الأزواج، وعلى أن المراد بـ {تَعْضُلُوهُنَّ } الأولياءُ، فالأزواج هم الذين كُنَّ في عصمتهم. «وَالعَضْل»: المَنْع وهو من معنى التضْييقِ والتعسيرِ؛ كما يقال: أعْضَلَتِ الدجاجَةُ، إِذا عَسُر بيضُها، والدَّاء العُضَال: العسيرُ البرءِ، وقيل: نزلَتْ هذه الآيةُ في مَعْقِل بْنِ يَسَارٍ، وأخته، لما طلَّقها زوجها، وتمَّتْ عدَّتُها، أراد ٱرتجاعَهَا، فمنعَهُ وليُّ المرأة، وقيل: نزلَتْ في جابِرِ بنِ عبدِ اللَّهِ، وأختِهِ. وهذه الآيةُ تقتضي ثبوتَ حَقِّ الولي في إِنكاح وليَّته، وقوله: {بِٱلْمَعْرُوفِ }: معناه: المهر، والإِشهاد. وقوله تعالى: {ذَٰلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ مِنكُمْ } خطابٌ للنبيِّ صلى الله عليه وسلم ثم رجُوعٌ إِلى خطابِ الجَمَاعة، والإِشارة في {ذَٰلِكُمْ أَزْكَىٰ } إِلى ترك العَضْل، و {أَزْكَىٰ... وَأَطْهَرُ}: معناه: أطيبُ للنفْسِ، وأطهر للعِرْضِ والدِّين؛ بسبب العلاقاتِ التي تكونُ بين الأزواجِ، وربَّما لم يعلمها الوليُّ، فيؤدِّي العَضْلُ إِلى الفسادِ، والمخالطةِ؛ علَىٰ ما لا ينبغِي، واللَّه تعالَىٰ يعلَمُ من ذلك ما لا يعلَمُ البَشَر.

ابن عادل

تفسير : أي: من بعد الطلاق الثالث، فلمَّا قطعت "بعدُ" عن الإضافة بنيت على الضَّمِّ؛ لما تقدَّم تقريره. و "له" و "مِنْ بعد"، و "حتى" ثلاثتها متعلقةٌ بـ "يَحِلُّ". ومعنى "مِنْ": ابتداء الغاية، واللام للتَّبليغ، وحتَّى للتعليل، كذا قال أبو حيَّان، قال شهاب الدِّين: والظَّاهر أنها للغاية؛ لأنَّ المعنى على ذلك، أي: يمتدُّ عدم التحليل له إلى أن تنكح زوجاً غيره، فإذا طلَّقها وانقضت عدَّتها منه حلَّت للأول المطلِّق ثلاثاً، ويدلُّ على هذا الحذف فحوى الكلام. و "غيرَه" صفةٌ لـ "زوجاً"، وإن كان نكرةً، لأنَّ "غَيْرَ" وأخواتِها لا تتعرَّف بالإضافة؛ لكونها في قوَّة اسم الفاعل العامل. و "زَوْجاً" هل هو للتقييد أو للتوطئة؟ وينبني على ذلك فائدةٌ، وهي أنه إن كان للتقييد: فلو كانت المرأة أمةً، وطلَّقها زوجها، ووطئها سيِّدها، لم تحلَّ للأول؛ لأنه ليس بزوجٍ، وإن كانت للتوطئة حلَّت؛ لأنَّ ذكر الزوج كالملغى، كأنه قيل: حتى تنكح غيره، وإنَّما أتى بلفظ "زَوْج"؛ لأنه الغالبُ. فإن قيل: ما الحكمة في إسناد النِّكاح إلى المرأة دون الرجل فقال {حَتَّىٰ تَنْكِحَ زَوْجاً}؟ فالجواب: فيه فائدتان: إحداهما: ليفيد أنَّ المقصود من هذا النكاح الوطء، لا مجرَّد العقد؛ لأن المرأة لا تعقد عقد النكاح، بخلاف الرجل؛ فإنه يطلِّق عند العقد. الثانية: لأنَّه أفصح، لكونه أوجز. فإن قيل: فقد أُسند النِّكاح إلى المرأة في قوله ـ عليه الصَّلاة والسَّلام ـ: "حديث : أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ نَفْسَهَا بِغَيْرِ إِذْنِ وَلِيِّهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ" تفسير : وإنما أراد العقد. فالجواب: أن هذا يدلُّ لنا؛ لأنَّ جَعْلَ إسناد النكاح إلى المرأة، والمراد به العقد، يكون باطلاً، وكلامنا في إسناد النِّكاح الصَّحيح. قال أهل اللُّغة: النكاح في اللغة: هو الضَّمُّ والجمع، يقال: تَنَاكَحَتِ الأشْجَارُ، إذا انضم بعضها إلى بعضٍ. فصل الذين قالوا: بأن التسريح بالإحسان هو الطَّلقة الثالثة، قالوا: إنَّ قوله: {فَإِنْ طَلَّقَهَا} تفسيرٌ للتسريح بالإحسان. واعلم أن للزَّوج مع المرأة بعد الطلقة الثانية ثلاثة أحوالٍ: إمَّا أن يراجعها، وهو المراد بقوله: {فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ}. أو يتركها؛ حتى تنقضي عدَّتها وتبين، وهو المراد بقوله: {أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ}. والثالث: أنه إذا راجعها، وطلَّقها ثالثةً؛ وهو المراد بقوله: {فَإِنْ طَلَّقَهَا}. فهذه الأقسام الثلاثة؛ يجب تنزيل الألفاظ الثلاثة عليها؛ ليطابق كلُّ لفظٍ معناه، فأمَّا إن جعلنا التَّسريح بالإحسان، عبارةٌ عن الطَّلقة الثَّالثة، كنَّا قد صرفنا لفظتين إلى معنى واحدٍ؛ على سبيل التِّكرار، وأهملنا القسم الثالث، ومعلومٌ أنَّ الأوَّل أولى، ووقوع الخلع بين هاتين الآيتين، كالأجنبي، ونظم الآية: "الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ، فإن طلَّقها فلا تحل له من بعد حتَّى تنكح زوجاً غيره". فإن قيل: إذا كان النَّظم الصَّحيح هو هذا، فما السبب في إيقاع الخلع فيما بين هاتين الآيتين؟ فالجواب: أنَّ الرجعة والخلع لا يصحَّان؛ إلاَّ قبل الطَّلقة الثالثة، وأمَّا بعدها، فلا يصحُّ شيءٌ من ذلك، فلهذا السَّبب ذكر الله حكم الرجعة، ثم أتبعه بذكر الخلع، ثم ذكر بعد الكلِّ حكم الطَّلقة الثالثة؛ لأنها كالخاتمة. فصل في شروط حل المطلقة ثلاثاً لزوجها مذهب الجمهور: أنَّ المطلقة ثلاثاً لا تحلُّ لزوجها؛ إلاَّ بشرُوطٍ وهي: أن تعتدَّ منه، وتتزوَّج بغيره، ويطأها ثم يطلِّقها، وتعتدَّ من الآخر. وقال سعيد بن جبيرٍ، وسعيد بن المسيِّب: تحلُّ بمجرد العقد. واختلف العلماء في ثبوت اشتراط الوطء؛ هل ثبت بالكتاب، أو بالسنة؟ قال أبو مسلمٍ الأصفهانيُّ: الأمران معلومان بالكتاب. قال ابن جنّي: سألت أبا عليٍّ عن قولهم: نكح المرأة، فقال: فرَّقت العرب بالاستعمال، فإذا قالوا: نكح امرأته، أو زوجته، أراد المجامعة، وعلى هذا فالزَّوجية مقدَّمةٌ على النكاح، الذي هو الوطء، وإذا كان كذلك فقوله: {تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ}، أي: تتزوَّج بزوجٍ، وينكحها، أي: يجامعها. وروي في سبب النزول أنَّ الآية نزلت في تميمة، وقيل: حديث : عائشة بنت عبد الرحمن بن عتيك النضري كانت تحت ابن عمِّها، رفاعة بن وهب بن عتيك القرظيّ، فطلقها ثلاثاً، قالت عائشة: جاءت امرأة رفاعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: إني كنت عند رفاعة، فطلقني فبت طلاقي، فتزوجت بعده عبد الرحمن بن الزبير، وإنَّما معه مثل هدبة الثوب، وإنه طلَّقني قبل أن يمسَّني؛ أفأرجع إلى ابن عمِّي؟ فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: "أَتُرِيدِينَ أَنْ تَرْجِعِي إلى رِفَاعَةَ؟ لاَ؛ حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ، وَيَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ" تفسير : والمراد بـ "العُسَيْلَة": الجماع، حديث : فروي أنها لبثت ما شاء الله، ثم رجعت إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت: إن زَوْجِي قد مَسَّنِي، فقال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "كَذَبْتِ فِي قَوْلِكِ الأَوَّلِ، فَلَنْ أُصَدِّقَكِ في الآخرِ"، فلبثت حتى قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتت أبا بكرٍ، فقالت: يا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم أرجع إلى زوجيَ الأول؛ فإن زوجي الآخر قد مسني؟ فقال لها أبو بكر: قد شهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أتيته، وقال لك ما قال؛ فلا ترجعي إليه، فلما قبض أبو بكرٍ، أتت عمر، وقالت له مثل ذلك، فقال: "لئن رجعت إليه لأَرْجُمنَّكِ" . تفسير : ولأن المقصود من توقيف الحل على اشتراط الوطء هو زجر الزوج، وإنَّما يحصل بتوقيف الحل على اشتراط الوطء، فأما مجرد العقد، فليس فيه نفرةٌ، فلا يصلح جعله زاجراً. فصل قال بعض العلماء: إذا طلق زوجته، واحدةً أو اثنتين ثم نكحت زوجاً آخر، فأصابها، ثم عادت إلى الأول بنكاح جديد، عادت على ما بقي من طلاقها. وقال أبو حنيفة: بل يملك عليها ثلاثاً، كما لو نكحت زوجاً بعد الثلاث. فصل هل يلحق المختلعة الطلاق قال القرطبيُّ: استدلَّ بعض الحنفية بهذه الآية، على أنَّ المختلعة يلحقها الطلاق؛ لأنَّ الله شرع صريح الطلاق بعد المفاداة، لأن "الفَاءَ" حرف تعقيبٍ، فيبعد أن يرجع إلى قوله: "الطَّلاقُ مرَّتَانِ"؛ لأنَّ الأقرب عوده إلى ما يليه، كالاستثناء. فصل لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المُحَلِّلَ والمُحَلَّلَ لَهُ. قال القرطبيُّ: ومدار التحليل على الزوج سواء شرط التحليل، أو نواه، فمتى كان ذلك فسد نكاحه. فصل قال القرطبيُّ: وطءُ السيِّد لأمته التي طلقها زوجها، لا يحلّها؛ إذ ليس بزوجٍ وكذلك النكاح الفاسد. فصل قال القرطبيُّ: سئل سعيد بن المسيَّب، وسليمان بن يسار، عن رجل زوَّج عبداً له، جاريةً له، فطلَّقها العبد البتَّة، ثم وهبها سيِّدها له، هل تحل له بملك اليمين؟ فقالا: لا تَحِلُّ له، حتى تَنْكِحَ زوجاً غيره. فصل سئل ابن شهاب، عن رجلٍ كانت تحته أَمةٌ مملوكةٌ فاشتراها، وقد كان طلقها واحدةً؛ فقال: تحل له بملك يمينه، ما لم يبت طلاقها، فإن بتَّ طلاقها، فقال: لا تحلُّ له، حتى تنكح زوجاً غيره. فإن قيل: إذا طلَّق المسلم الذمية ثلاثاً؛ فتزوجت بعده ذمياً، ودخل بها، حلت للأول؛ لأن الذِّمي زوجٌ. قوله تعالى: {فَإِنْ طَلَّقَهَا} الضمير المرفوع عائدٌ على "زوجاً" النكرة، أي: فإن طلَّقها ذلك الزوج الثاني، وأتى بلفظ "إِنْ" الشرطية دون "إذا"؛ تنبيهاً على أنَّ طلاقه يجب أن يكون باختياره، من غير أن يشترط عليه ذلك؛ لأنَّ "إذا" للمحقق وقوعه و "إِنْ" للمبهم وقوعه، أو المتحقَّق وقوعه المبهم زمان وقوعه؛ نحو قوله تعالى: {أية : أَفَإِنْ مِّتَّ فَهُمُ ٱلْخَالِدُونَ}تفسير : [الأنبياء:34]. قوله: {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَآ} الضمير في "عليهما" يجوز أن يعود على المرأة، والزوج الأول المطلَّق ثلاثاً، أي: فإن طلَّقها الثاني، وانقضت عدَّتها منه، فلا جناح على الزوج المطلِّق ثلاثاً، ولا عليها؛ أن يتراجعا. وهذا يؤيد قول من قال: إن الرجل إذا طلق زوجته طلقةً أو طلقتين، فتزوجت غيره، وأصابها، ثم عادت إلى الأول بنكاح جديدٍ، أنَّها تعود على ما بقي من طلاقها؛ لأنه سمَّى هذا العود بعد الطلاق الثلاث رجعةً، فبعد طلقةٍ وطلقتين أولى بهذا الاسم، وإذا ثبت هذا الاسم، كان رجعةً، والرجعية تعود على ما بقي من طلاقها. ويجوز أن يعود عليها، وعلى الزوج الثاني، أي: فلا جناح على المرأة ولا على الزوج الثاني، أن يتراجعا ما دامت عدَّتها باقيةً، وعلى هذا فلا يحتاج إلى حذف تلك الجملة المقدَّرة، وهي "وانْقَضَتْ عِدَّتُها"، وتكون الآية قد أفادت حكمين، أحدهما: أنها لا تحلُّ للأول؛ إلاَّ بعد أن تتزوج بغيره، والثاني: أنه يجوز أن يراجعها الثاني، ما دامت عدَّتها منه باقيةً، ويكون ذلك دفعاً لوهم من يتوهَّمُ أنها إذا نكحت غير الأول حلَّت للأول فقط، ولم يكن للثاني عليها رجعةٌ. وهو الذي عوَّل عليه سعيد بن المسيَّب في أنَّ التحليل يحصل بمجرد العقد؛ لأن الوطء لو كان معتبراً، لكانت العدة واجبةً، وهذه الآية تدل على سقوط العدَّة؛ لأن "الفَاءَ" في قوله: {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَآ أَن يَتَرَاجَعَآ} يدلُّ على أنَّ حل المراجعة حاصل عقيب طلاق الزوج الثاني، إلاَّ أنه يجاب بأنَّ هذا المخصوص بقوله تعالى: {أية : وَٱلْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوۤءٍ}تفسير : [البقرة:228]. قوله: {أَن يَتَرَاجَعَآ}، أي: "في أَنْ"، ففي محلِّها القولان المشهوران: قال الفراء: موضعهما نصبٌ بنزع الخافض، وقال الكسائي، والخليل: موضعهما خفضٌ بإضمار، و "عليهما" خبر "لا"، و "في أن" متعلِّقٌ بالاستقرار، وقد تقدَّم أنه لا يجوز أن يكون "عليهما" متعلقاً بـ "جُناح"، والجارُّ الخبر، لما يلزم من تنوين اسم "لا"؛ لأنه حينئذٍ يكون مطوَّلاً. قوله: {إِن ظَنَّآ} شرطٌ جوابه محذوفٌ عند سيبويه لدلالة ما قبله عليه، ومتقدِّم عند الكوفيين وأبي زيد. والظَّنُّ هنا على بابه من ترجيح أحد الجانبين، وهو مقوِّ أن الخوف المتقدِّم بمعنى الظَّنِّ. وزعم أبو عبيدة وغيره أنه بمعنى اليقين، وضعَّف هذا القول الزمخشري لوجهين، أحدهما من جهة اللفظ وهو أنَّ "أَنْ" الناصبة لا يعمل فيها يقينٌ، وإنما ذلك للمشدَّدة والمخففة منها، لا تقول: علمت أنَّ يقوم زيدٌ، إنما تقول: علمت أنْ يقوم زيدٌ. والثاني من جهة المعنى: فإنَّ الإنسان لا يتيقَّن ما في الغد وإنما يظنُّه ظناً. قال أبو حيان: أمَّا ما ذكره من أنه لا يقال: "علمت أنَّ يقومَ زيد" فقد ذكره غيره مثل الفارسي وغيره، إلاَّ أن سيبويه أجاز: "ما علْمتُ إلا أن يقومَ زيدٌ" فظاهرُ هذا الردُّ على الفارسي. قال بعضهم الجمع بينهما أنَّ "عَلِمَ" قد يراد بها الظَّنُّ القويُّ كقوله: {أية : فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ}تفسير : [الممتحنة:10]، وقوله: [الوافر] شعر : 1113- وَأَعْلَمُ عِلْمَ حَقٍّ غَيْرَ ظَنٍّ وتَقْوَى اللهِ مِنْ خَيْرِ العَتَادِ تفسير : فقوله: "علمَ حق" يفهم منه أنه قد يكون علم غير حق، وكذا قوله "غيرِ ظَنٍّ" يفهم منه أنه قد يكون علمٌ بمعنى الظن. وممَّا يدلُّ على أنَّ "عَلِمَ" التي بمعنى "ظَنَّ" تعمل في "أَنْ" الناصبة، قول جرير: [البسيط] شعر : 1114- نَرْضَى عَنِ النَّاسِ إِنَّ النَّاسَ قَدْ عَلِمُوا أَلاًّ يُدَانِيَنَا مِنْ خَلْقِهِ أَحَدُ تفسير : ثم قال أبو حيان: "وَثَبَت بقول جرير وتجويز سيبويه أنَّ "عَلِمَ" تعمل في "أَنْ" الناصبة، فليس بوهم من طريق اللفظ كما ذكره الزمخشري. وأمَّا قوله: "لأنَّ الإنسانَ لا يعلمُ ما في الغدِ" فليسَ كما ذكر، بل الإنسان يعلم أشياء كثيرةً واقعةً في الغد ويجزم بها" قال شهاب الدين: وهذا الردُّ من الشيخ عجيبٌ جداً، كيف يقال في الآية: إنَّ الظن بمعنى اليقين، ثم يجعل اليقين بمعنى الظن المسوغ لعلمه في "أَنْ" الناصبة. وقوله: "لأنَّ الإنسانَ قد يَجْزِمُ بأشياءَ في الغد" مُسَلَّمٌ، لكن ليس هذا منها. وقوله: "أَن يُقِيمَا" إمَّا سادٌّ مسدَّ المفعولين، أو الأول والثاني محذوفٌ، على حسب المذهبين المتقدمين. فصل كلمة "إن" في اللغة للشرط، والمعلق بالشرط عدم عند عدم الشرط؛ فظاهر الآية يقتضي: أنه متى لم يحصل هذا الظن لم يحصل جواز المراجعة وليس الأمر كذلك؛ فإنَّ جواز المراجعة ثابتٌ، سواءٌ حصل هذا الظنُّ، أو لم يحصل، إلاَّ أنا نقول: ليس المراد أنَّ هذا شرطٌ لصحة المراجعة؛ بل المراد منه أنه يلزمهم عند المراجعة بالنِّكاح الجديد رعاية حقوق الله تعالى، وقصد الإقامة لحدود الله. قال طاوسٌ: إن ظنَّ كلُّ واحدٍ منهما، أنه يحسن عشرة صاحبه. وقيل: حدود الله: فرائضه، أي إذا علما أنه يكون منهما الصلاح بالنكاح الثاني. فمتى علم الزوج أنه يعجز بنفقة زوجته، أو صداقها، أو شيءٍ من حقوقها الواجبة عليه؛ فلا يحلُّ له أن يتزوجها؛ حتى يبيِّن لها. وكذلك لو كانت تعلم أنها تمنعه من الاستمتاع، كان عليها أن تبين. وكذلك لا يجوز له أن يغرَّها بنسبٍ يدعيه، ولا مال له، ولا صناعة يذكرها، وهو كاذبٌ، وكذلك لو كان بها علةٌ، تمنع من الاستمتاع من جنونٍ، أو جذامٍ، أو بَرَصٍ، أو داءٍ في الفرج؛ لم يجز لها أن تغرَّه، وعليها أن تبيِّن له ما بها، كما يجب على بائع السِّلعة. حديث : وكان النبي ـ عليه الصَّلاة والسَّلام - تزوج امرأة، فوجد بكشحها برصاً؛ فردَّها، وقال: "دَلَّسْتُمْ عَلَيَّ" . تفسير : فصل هل على الزوجة خدمة الزوج؟ نقل القرطبيُّ عن ابن خويز منداد قال: اختلف أصحابنا: هل على الزوجة خدمة الزوج؟ فقال بعضهم: ليس عليها خدمته؛ لأن العقد إنما يتناول الاستمتاع، لا الخدمة؛ قال تعالى: {أية : فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً}تفسير : [النساء:34]. وقال بعضهم: عليها خدمة مثلها؛ فإن كانت شريفة المحلِّ، فعليها التدبير للمنزل، وإن كانت متوسطة الحال، فعليها أن تفرش الفراش، ونحو ذلك، وإن كانت دون ذلك، فعليها أن تَقُمَّ البيت، وتطبخ، وتغسل، وإن كانت من نساء الكرد، والدّيلم والجبل في بلدهن كلِّفت ما تكلف نساؤهم المسلمين من ذلك؛ قال تعالى: {أية : وَلَهُنَّ مِثْلُ ٱلَّذِي عَلَيْهِنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ}تفسير : [البقرة:228]. قوله: {وَتِلْكَ حُدُودُ ٱللهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} "تلكَ" إشارةٌ إلى ما بينهما من التَّكاليف. "يُبَيِّنُهَا" في هذه الجملة وجهان: أحدهما: أنها في محلِّ رفعٍ، خبراً بعد خبرٍ، عند من يرى ذلك. والثاني: أنها في محلِّ نصب على الحال، وصاحبها "حدود الله" والعامل فيها اسم الإشارة. وقرئ: "نبيِّنها" بالنون، ويروى عن عاصمٍ، على الالتفات من الغيبة إلى التكلم؛ للتعظيم. فإن قيل: "تلك" إشارةٌ إلى ما بيَّنه من التكاليف؛ وقوله: "نُبَيِّنُهَا" إشارة إلى الاستقبال، والجمع بينهما متناقضٌ! فالجواب: أنَّ هذه النصوص التي تقدمت أكثرها عامةٌ، لا يتطرق إليها تخصيصاتٌ كثيرة، وأكثر تلك المخصِّصات إنَّما عرفت بالسُّنَّة، فكأنه قال: إن هذه الأحكام التي تقدمت، هي حدود الله، وسيبينها الله تعالى كمال البنيان، على لسان النبي - عليه الصَّلاة والسَّلام - وهو كقوله تعالى: {أية : لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ}تفسير : [النحل:44]. وقيل: {وَتِلْكَ حُدُودُ ٱللهِ} يعني: ما تقدَّم ذكره من الأحكام يبيِّنها الله لمن يعلم أن الله أنزل الكتاب، وبعث الرسل؛ ليعلموا بأوامره، وينتهوا عن نواهيه. و "لقوم" متعلِّقٌ بـ "يُبَيِّنُهَا"، و "يعلمون" في محل خَفْض صفةً لـ "قوم"، وخص العلماء بالذكر؛ لأنَّهم هم المنتفعون بالبيان دون غيرهم، وقيل: خصَّهم بالذّكر لقوله: {أية : وَمَلاۤئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَٰلَ}تفسير : [البقرة:98] وقيل: عنى به العرب؛ لعلمهم باللسان. وقيل: أراد من له علمٌ، وعقلٌ؛ كقوله: {أية : وَمَا يَعْقِلُهَآ إِلاَّ ٱلْعَالِمُونَ}تفسير : [العنكبوت:43] والمقصود أنه لا يكلف إلاَّ عاقلاً، عالماً بما يكلِّف.

البقاعي

تفسير : {فإن طلقها} أي الثالثة التي تقدم التخيير فيها بلفظ التسريح فكأنه قال: فإن اختار الطلاق البات بعد المرتين إما في العدة من الطلاق الرجعي أو بعد الرجعة بعوض أو غيره ولا فرق في جعلها ثالثة بين أن تكون بعد تزوج المرأة بزوج آخر أو لا. قال الحرالي: فردد معنى التسريح الذي بينه في موضعه بلفظ الطلاق لما هيأها بوجه إلى المعاد، وذلك فيما يقال من خصوص هذه الأمة وإن حكم الكتاب الأول أن المطلقة ثلاثاً لا تعود أبداً فلهذا العود بعد زوج صار السراح طلاقاً - انتهى. {فلا تحل له} ولما كان إسقاط الحرف والظرف يوهم أن الحرمة تختص بما استغرق زمن البعد فيفهم أن نكاحه لها في بعض ذلك الزمن يحل قال: {من بعد} أي في زمن ولو قل من أزمان ما بعد استيفاء الدور الذي هو الثلاث بما أفاده إثبات الجار، وتمتد الحرمة {حتى} أي إلى أن {تنكح} أي تجامع بذوق العسيلة التي صرح بها النبي صلى الله عليه وسلم، قال الفارسي: إذا قال العرب: نكح فلان فلانة، أرادوا عقد عليها؛ وإذا قالوا: نكح امرأته أو زوجته، أرادوا جامعها؛ وقال الإمام: إن هذا الذي قاله أبو علي جار على قوانين الأصول وإنه لا يصح إرادة غيره ودل على ذلك بقياس رتبة، فالآية دالة على أنه لا يكتفى في التحليل بدون الجماع كما بينته السنة وإلا كانت السنة ناسخة، لأن غاية الحرمة في الآية العقد وفي الخبر الوطء وخبر الواحد لا ينسخ القرآن، وأشار بقوله: {زوجاً} إلى أن شرط هذا الجماع أن يكون حلالاً في عقد صحيح {غيره} أي المطلق، وفي جعل هذا غاية للحل زجر لمن له غرض ما في امرأته عن طلاقها ثلاثاً لأن كل ذي مروة يكره أن يفترش امرأته آخر ومجرد العقد لا يفيد هذه الحكمة وذلك بعد أن أثبت له سبحانه وتعالى من كمال رأفته بعباده الرجعة في الطلاق الرجعي مرتين لأن الإنسان في حال الوصال لا يدري ما يكون حاله بعده ولا تفيده الأولى كمال التجربة فقد يحصل له نوع شك بعدها وفي الثانية يضعف ذلك جداً ويقرب الحال من التحقق فلا يحمل على الفراق بعدها إلا قلة التأمل ومحض الخرق بالعجلة المنهي عنها {فإن طلقها} أي الثاني وتعبيره بإن التي للشك للتنبيه على أنه متى شرط الطلاق على المحلل بطل العقد بخروجه عن دائرة الحدود المذكورة. لأن النكاح كما قال الحرالي عقد حرمة مؤبدة لا حد متعة مؤقتة فلذلك لم يكن الاستمتاع إلى أمد محللاً في السنة وعند الأئمة لما يفرق بين النكاح والمتعة من التأبيد والتحديد - انتهى. {فلا جناح عليهما} أي على المرأة ومطلقها الأول {أن يتراجعا} بعقد جديد بعد عدة طلاق الثاني المعلومة مما تقدم من قوله: {والمطلقات يتربصن} وهذه مطلقة إلى ما كانا فيه من النكاح {إن ظنا} أي وقع في ظن كل منهما {أن يقيما حدود الله} أي الذي له الكمال كله التي حدها لهما في العشرة. قال الحرالي: لما جعل الطلاق سراحاً جعل تجديد النكاح مراجعة كل ذلك إيذاناً بأن الرجعة للزوج أولى من تجديد الغير - انتهى. ولما كان الدين مع سهولته ويسره شديداً لن يشاده أحد إلا غلبه وكانت الأحكام مع وضوحها قد تخفى لما في تنزيل الكليات على الجزئيات من الدقة لأن الجزئي الواحد قد يتجاذبه كليان فأكثر فلا تجردها من مواقع الشبه إلا من نور الله بصيرته عطف على تلك الماضية تعظيماً للحدود قوله: {وتلك} أي الأحكام المتناهية في مدارج العظم ومراتب الحكم {حدود الله} أي العظيمة بإضافتها إليه سبحانه وتعالى وبتعليقها بالاسم الأعظم {يبينها} أي يكشف اللبس عنها بتنوير القلب {لقوم} فيهم نهضة وجد في الاجتهاد وقيام وكفاية {يعلمون} أي يجددون النظر والتأمل بغاية الاجتهاد في كل وقت فبذلك يعطيهم الله ملكة يميزون بها ما يلبس على غيرهم {أية : أن تتقوا الله يجعل لكم فرقاناً}تفسير : [الأنفال: 29] {أية : واتقوا الله ويعلمكم الله}تفسير : [البقرة: 282]. ولما ذكر الطلاق رجعية وبائنة عقبه ببيان وصف الرجعة من الحل والحرمة وبيان وقتها وتحديده والإشارة إلى تصوير بعض صور المضارة ترهيباً منها فليست الآية مكررة فقال: {وإذا طلقتم النساء} أي طلاقاً رجعياً والمراد من يملك نكاحها من هذا النوع الشامل للقليل والكثير ولم يقل: نساءكم، لئلا تفهم الإضافة أن لطلاقهم غير نسائهم حكماً مغائراً لهذا في بلوغ الأجل مثلاً ونحوه. ولما كانت إباحة الرجعة في آخر العدة دالة على إباحتها فيما قبل ذلك بطريق الأولى وكان من المقطوع به عقلاً أن لما بعد الأجل حكماً غير الحكم الذي كان له قبله لم يكن التعبير بالبلوغ ملبساً وكان التعبير به مفيداً أقصى ما يمكن به المضارة فقال: {فبلغن أجلهن} أي شارفن انقضاء العدة، بدليل الأمر بالإمساك لأنه لا يتأتى بعد الأجل. وقال الحرالي: ولما كان للحد المحدود الفاصل بين أمرين متقابلين بلوغ وهو الانتهاء إلى أول حده وقرار وهو الثبات عليه ومجاوزة لحده ذكر سبحانه وتعالى البلوغ الذي هو الانتهاء إلى أول الحد دون المجاوزة والمحل، والأجل مشارفة انقضاء أمد الأمر حيث يكون منه ملجأ الذي هو مقلوبه كأنه مشارفة فراغ المدة - انتهى {فأمسكوهن} أي بالمراجعة إن أردتم ولو في أخر لحظة من العدة {بمعروف} أي بحال حسنة تحمد عاقبتها، ونكره إشعاراً بأنه لا يشترط فيه رضى المرأة {أو سرحوهن بمعروف} بأن تتركوهن حتى تنقضي العدة فيملكن أنفسهن من غير تلبيس بدعوى ولا تضييق في شيء من الأشياء. وقال الحرالي: هذا معروف الإمتاع والإحسان وهو غير معروف الإمساك، ولذلك فرقه الخطاب ولم يكن: فأمسكوهن أو سرحوهن بمعروف - انتهى. ولما كان المعروف يعم كل خير وكان الأمر به لا يفيد التكرار خص ترك الشر اهتماماً به معبراً بما يتناول جميع الأوقات فقال: {ولا تمسكوهن} أي بالمراجعة في آخر العدة {ضراراً} كما كان في الجاهلية {لتعتدوا} أي قاصدين بذلك التوصل إلى شيء من مجاوزة الحدود التي بينت لكم مثل أن يريد تطويل العدة عليها فإنه قد يفضي إلى اعتدادها تسعة أشهر. ولما كان التقدير: فمن يفعل ذلك فقد ظلم زوجه عطف عليه زيادة في التنفير عنه قوله: {ومن يفعل ذلك} أي الفعل البعيد عن الخير، وفي التعبير بالمضارع إشعار بأن في الأمة من يتمادى على فعله {فقد ظلم نفسه} أي بتعريضها لسخط الله عليه ونفرة الناس منه. ولما كان قد لا يقصد شيئاً من انتهاك الحرمات ولا من المصالح فكان مقدماً على ما لا يعلم أو يظن له عاقبة حميدة تهاوناً بالنظر وكان فاعل ذلك شبيهاً بالهازىء كما يقال لمن لا يجد فى أمر: هو لاعب، قال: {ولا تتخذوا آيات الله} أي مع ما تعلمون من عظمتها بعظمة ناصبها {هزواً} بإهمالها عن قصد المصالح الذي هو زوجها. ولما كان على العبد أن يقتفي أثر السيد في جميع أفعاله قال: {واذكروا نعمة الله} أي الذي له الكمال كله ثم عبر بأداة الاستعلاء إشارة إلى عموم النعم وغلبتها فقال: {عليكم} هل ترون فيها شيئاً من وادي العبث بخلوه عن حكمة ظاهرة {وما} أي وخصوا بالذكر الذي {أنزل عليكم من الكتاب} الذي فاق جميع الكتب وعلا عن المعارضة فغلب جميع الخلق بما أفادته أداة الاستعلاء {والحكمة} التي بثها فيه وفي سنة نبيه صلى الله عليه وسلم حال كونه {يعظكم} أي يذكر بما يرقق قلوبكم {به} أي بذلك كله {واتقوا الله} أي بالغوا في الخوف ممن له الإحاطة بجميع صفات الكمال باستحضار ما له من العظمة التي لا تتناهى ونبه على عظيم أمره بقوله: {واعلموا} وبتكرير الاسم الأعظم في قوله: {أن الله} فلم يبق وراء ذلك مرمى {بكل شيء} أي من أمور النكاح وغيرها {عليم} أي بالغ العلم فاحذروه حذر من يعلم أنه بحضرته وكل ما يعمله من سر وعلن فبعينه. قال الحرالي: والتهديد بالعلم منتهى التحديد - انتهى. ولما نهى عن الضرار في العصمة وفي أثرها الذي هو العدة أتبعه النهي عما كان منه بعد انقضائها بالعضل من كل من يتصور منه عضل لكن لما كان نهي الأولياء إذا كانوا أزواجاً نهياً لغيرهم بطريق الأولى أسنده إلى الأزواج وهم في غمارهم فقال: {وإذا طلقتم} أي أيها الأزواج، وأظهر ولم يضمر لأن المذكور هنا أعم من الأول فقال: {النساء} أيّ طلاق كان {فبلغن أجلهن} أي انقضت عدتهن فقد دل سياق الكلامين على اختلاف البلوغين - نقله الأصبهاني عن الشافعي يعني أن الأول دل على المشارفة للأمر بالإمساك وهذا على الحقيقة للنهي عن العضل {فلا تعضلوهن} أي تمنعوهن أيها الأولياء أزواجاً كنتم أو غير أزواج، والعضل قال الحرالي هو أسوأ المنع، من عضلت الدجاجة إذا نشبت بيضتها فيها حتى تهلك - انتهى. {أن ينكحن أزواجهن} أي الذين طلقوهن وغيرهم، وسموا أزواجاً لمآل أمرهم إلى ذلك كما أن المطلقين سموا أزواجاً بما كان؛ واستدل الشافعي رضي الله تعالى عنه ورحمه بها على أنه لا نكاح إلا بولي، لأن التعبير بالعضل دال على المنع الشديد المعبر من الداء العضال، وإن عضل من غير كفوء جاز ولم تزوج منه ولو كانت المرأة تزوج نفسها لما كان إعياء ولا يثبت عضله الممنوع ليحصل عزله إلا إذا منع عند الحاكم وقد بينت ذلك السنة. وهذه الآية من عجائب أمر الاحتباك {طلقتم} يفهم الأزواج من {تعضلوهن} و {تعضلوهن} يفهم الأولياء من {طلقتم} وقد بينت ذلك في كتابي الإدراك {إذا تراضوا} أي النساء والأزواج الأكفاء بما أفهمته الإضافة دون أن يقال: أزواجاً لهن مثلاً. ولما كان الرضى ينبغي أن يكون على العدل أشار إليه بقوله: {بينهم} ولما كانا قد يتراضيان على ما لا ينبغي قيده بقوله: {بالمعروف} فإن تراضوا على غيره كما لو كان الزوج غير كفوء فاعضلوهن، وعرفه كما قال الحرالي لاجتماع معروفين منهما فكان مجموعهما المعروف التام وأما المنكر فوصف أحدهما - انتهى. ولما ذكر الأحكام مبيناً لحكمها فكان {ذلك} وعظاً وكان أكثر الناس يظن أن الوعظ مغائر للأحكام أقبل على المختار للكمال فقال: ذلك الأمر العظيم يا أيها الرسول {يوعظ} أي يرقق {به} قلوب {من كان} والوعظ قال الحرالي إهزاز النفس بموعود الجزاء ووعيده - انتهى. فهو تهديد لمن تشق عليه الأحكام وهم الأكثر. ولما كان من أتباعه صلى الله عليه وسلم من جاهد نفسه حتى صار أهلاً لفهم الدقائق وإدراك الإشارات والرقائق فألقى كليته للسماع لحظه بقوله: {منكم} معلماً أن الخطاب في الحقيقة لكل فاهم، وإنما قيد بهم لأنهم المنتفعون به الفاهمون له لما لهم من رقة القلوب الناشئة عن الإذعان لأن الخطاب وإن كان بالأحكام فهو وعظ يتضمن الترهيب كما يتضمن الترغيب ولما كان من الحكمة أن من لا ينتفع بشيء لا يقصد به أشار إلى ذلك بقوله: {يؤمن بالله} أي لما له من العظمة {واليوم الآخر} خوفاً من الفضيحة فيه، وفي تسميته وعظاً إفهام بأن من تجاوز حداً في غيره سلط عليه من يتجاوز فيه حداً. قال الحرالي: لأن من فعل شيئاً فعل به نحوه كأنه من عضل عن زوج عضل ولي آخر عنه حين يكون هو زوجاً، ومن زنى زنى به {أية : سيجزيهم وصفهم} تفسير : [الأنعام: 139]. فلما وقع ما هيجوا إليه من كمال الإصغاء قال مقبلاً عليهم: {ذلكم} أي الأمر العظيم الشأن {أزكى لكم} أي أشد تنمية وتكثيراً وتنقية وتطهيراً بما يحصل منه بينكم من المودة والبركة من الله سبحانه وتعالى {وأطهر} للقلوب. ولما كان وصف المتكلم بالعلم أدعى لقبول من دونه منه قال مظهراً ومعيداً للاسم الأعظم تعظيماً للأمر: {والله} أي أشير إليكم بهذا والحال أن الملك الأعظم {يعلم} أي له هذا الوصف {وأنتم لا تعلمون*} أي ليس لكم هذا الوصف بالذات لا في الحال ولا في الاستقبال لما أفهمه النفي بكلمة لا وصيغة الدوام. ولما كان النكاح قد يكون عنه ولادة فيكون عنها رضاع وقد تكون المرضعة زوجة وقد تكون أجنبية والزوجة قد تكون متصلة وقد تكون منفصلة وكان الفراق بالطلاق أكثر منه بالموت وسّطه بين عدتي الطلاق والوفاة لإدلائه إلى كل بسبب واهتماماً بشأنه وحثاً على الشفقة على الصغير وشدة العناية بأمره لأن الأم ربما كانت مطلقة فاستهانت بالولد إيذاء للزوج إن كان الطلاق عن شقاق أو رغبة في زوج آخر، وكذا الأب فقال تعالى عاطفاً على ما تقديره مثلاً: فالنساء لهن أحكام كثيرة وقد علمتم منها هنا أصولاً تفهم من بصره الله كثيراً من الفروع، والمطلقات إن لم يكن بينكم وبينهن علقة بولادة أو نحوها فلا سبيل لكم عليهن. وقال الحرالي: لما ذكر سبحانه وتعالى أحكام الاشتجار بين الأزواج التي عظم متنزل الكتاب لأجلها وكان من حكم تواشج الأزواج وقوع الولد وأحكام الرضاع نظم به عطفاً أيضاً على معاني ما يتجاوزه الإفصاح ويتضمنه الإفهام لما قد علم من أن إفهام القرآن أضعاف إفصاحه بما لا يكاد ينتهي عده فلذلك يكثر فيه الخطاب عطفاً أي على غير مذكور ليكون الإفصاح أبداً مشعراً بإفهام يناله من وهب روح العقل من الفهم كما ينال فقه الإفصاح من وهبه الله نفس العقل الذي هو العلم؛ انتهى - فقال تعالى: {والوالدات} أي من المطلقات وغيرهن، وأمرهن بالإرضاع في صيغة الخبر الذي من شأنه أن يكون قد فعل وتم تنبيهاً على تأكيده وإن كان الندب بما أفهمه إيجاب الأجرة لهن هنا وفي سورة الطلاق وما يأتي من الاسترضاع فقال: {يرضعن أولادهن} قال الحرالي: جعل تعالى الأم أرض النسل الذي يغتذي من غذائها في البطن دماً كما يغتذي أعضاؤها من دمها فكان لذلك لبنها أولى بولدها من غيرها ليكون مغذاه وليداً من مغذاه جنيناً فكان الأحق أن يرضعن أولادهن، وذكره بالأولاد ليعم الذكور والإناث؛ وقال: الرضاعة التغذية بما يذهب الضراعة وهو الضعف والنحول بالرزق الجامع الذي هو طعام وشراب وهو اللبن الذي مكانه الثدي من المرأة والضرع من ذات الظلف - انتهى. ولما ذكر الرضاع ذكر مدته ولما كان المقصود مجرد تحول الزمان بفصوله الأربعة ورجوع الشمس بعد قطع البروج الاثني عشر إلى البرج الذي كانت فيه عند الولادة وليس المراد الإشعار بمدح الزمان ولا ذمه ولا وصفه بضيق ولا سعة عبر بما يدل على مطلق التحول فقال: {حولين} والحول تمام القوة في الشيء الذي ينتهي لدورة الشمس وهو العام الذي يجمع كمال النبات الذي يتم فيه قواه - قاله الحرالي. وكأنه مأخوذ مما له قوة التحويل. ولما كان الشيء قد يطلق على معظمه مجازاً فيصح أن يراد حول وبعض الثاني بين أن المراد الحقيقة قطعاً لتنازع الزوجين في مدة الرضاع وإعلاماً بالوقت المقيد للتحريم كما قال صلى الله عليه وسلم "حديث : إنما الرضاعة من المجاعة" تفسير : بقوله: {كاملين} ولما كان ذلك ربما أفهم وجوب الكمال نفاه بقوله: {لمن} أي هذا الحكم لمن {أراد أن يتم الرضاعة} فأفهم أنه يجوز الفطام للمصلحة قبل ذلك وأنه لا رضاع بعد التمام. وقال الحرالي: وهو أي الذي يكتفى به دون التمام هو ما جمعه قوله تعالى: {أية : وحمله وفصاله ثلاثون شهراً} تفسير : [الأحقاف: 15] فإذا كان الحمل تسعاً كان الرضاع أحداً وعشرين شهراً، وإذا كان حولين كان المجموع ثلاثاً وثلاثين شهراً فيكون ثلاثة آحاد وثلاثة عقود فيكون ذلك تمام الحمل والرضاع ليجتمع في الثلاثين تمام الرضاع وكفاية الحمل - انتهى. ولما أوهم أن ذلك يكون مجاناً نفاه بقوله: {وعلى} ولما كانت الوالدية لا تتحقق في الرجل كما تتحقق في المرأة وكان النسب يكتفى فيه بالفراش وكان للرجل دون المرأة فقال: {المولود له} أي على فراشه {رزقهن} أي المرضعات لأجل الرضاع سواء كن متصلات أو منفصلات فلو نشزت المتصلة لم يسقط وإن سقط ما يخص الزوجية. فلما كان اشتغالها بالرضاع عن كل ما يريده الزوج من الاستمتاع ربما أوهم سقوط الكسوة ذكرها فقال: {وكسوتهن} أجرة لهن. قال الحرالي: الكسوة رياش الآدمي الذي يستر ما ينبغي ستره من الذكر والأنثى وقال: فأشعرت إضافة الرزق والكسوة إليهن باعتبار حال المرأة فيه وعادتها بالسنة لا بالبدعة - انتهى. ولما كان الحال مختلفاً في النفقة والكسوة باختلاف أحوال الرجال والنساء قال: {بالمعروف} أي - من حال كل منهما. قال الحرالي: فأكد ما أفهمته الإضافة وصرح الخطاب بإجماله - انتهى. ثم علله أو فسره بالحنيفية التي منَّ علينا سبحانه وتعالى بها فقال: {لا تكلف} قال الحرالي: من التكليف وهو أن يحمل المرء على أن يكلف بالأمر كلفة بالأشياء التي يدعوه إليها طبعه {نفس} أي لا يقع تكليفها وإن كان له سبحانه وتعالى أن يفعل ما يشاء {إلا وسعها} أي ما تسعه وتطيقه لا كما فعل سبحانه بمن قبل، كان أحدهم يقرض ما أصاب البول من جلده بالمقراض والوسع قال الحرالي ما يتأتى بمنة وكمال قوة. ولما كانت نتيجة ذلك حصول النفع ودفع الضر قال: {لا تضآر والدة بولدها} أي لا تضر المنفق به ولا يضرها، وضم الراء ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب على الخير وهو آكد، وفتح الباقون على النهي، ويحتمل فيها البناء للفاعل والمفعول {ولا مولود له بولده} أي المولود على فراشه ليس له أن يضر الوالدة به وليس لها أن تضره به ولا أن تضر الولد بتفريط ونحوه حملاً للمفاعلة على الفعل المجرد، وكل من أسند سبحانه وتعالى المضارة إليه أضاف إليه الولد استعطافاً له عليه وتحريكاً لطبعه إلى مزيد نفعه. قال الحرالي: ففيه إيذان بأن لا يمنع الوالد الأم أن ترضع ولدها فيضرها في فقدها له ولا يسيء معاملتها في رزقها وكسوتها بسبب ولدها، فكما لم يصلح أن يمسكها زوجة إلا بمعروف لم يصلح أن يسترضعها إلا بالمعروف ولا يتم المعروف إلا بالبراءة من المضارة. وفي إشعاره تحذير الوالدات من ترك أولادهن لقصد الإضرار مع ميل الطبع إلى القيام بهم وكذلك في إشعاره أن لا تضره في سرف رزق ولا كسوة - انتهى. ولما تم الأمر بالمعروف وما تبعه من تفسيره وكان ذلك على تقدير وجود الوالد إذ ذاك بين الحال بعده فقال: {وعلى الوارث} أي وارث الوالد وهو الرضيع {مثل ذلك} أي المأمور به من المعروف على ما فسره به في ماله إن مات والده والوارث. قال الحرالي: المتلقى من الأحياء عن الموتى ما كان لهم من حق أو مال - انتهى. وقيل في الوارث غير ذلك لأنه تقدم ذكر الوالدات والولد والمولود له فاحتمل أن يضاف الوارث إلى كل منهم. ولما بين أمد الرضاع وأمر النفقة صرح بما أفهمه الكلام من جواز الفطام قبل التمام فقال مسبباً عما أفهمته العبارة: {فإن أرادا} أي الوالدان {فصالاً} أي فطاماً قبل تمام الحولين للصغير عن الرضاع. قال الحرالي: وهو من الفصل وهو عود المتواصلين إلى بين سابق - انتهى. وهو أعم من الفطم فلذا عبر به. ولما بين ذلك نبه على أنه لا يجوز إلا مع المصلحة فقال: {عن تراض منهما} ثم بين أن الأمر خطر يحتاج إلى تمام النظر بقوله: {وتشاور} أي إدارة للكلام في ذلك ليستخرج الرأي الذي ينبغي أن يعمل به. قال الحرالي: فأفصح بإشعار ما في قوله: {أن يتم} وأن الكفاية قد تقع بدون الحولين فجعل ذلك لا يكون برياً من المضارة إلا باجتماع إرادتهما وتراضيهما وتشاورهما لمن له تبصرة لئلا تجتمعا على نقص الرأي، قال عليه الصلاة والسلام "حديث : ما خاب من استخار ولا ندم من استشار"تفسير : والمشورة أن تستخلص حلاوة الرأي وخالصه من خلايا الصدور كما يشور العسل جانيه - انتهى. {فلا جناح عليهما} فيما نقصاه عن الحولين لأنهما غير متهمين في أمره واجتماع رأيهما فيه ورأي من يستشيرانه قلّ ما يخطىء. قال الحرالي: فيه إشعار بأنها ثلاث رتب: رتبة تمام فيها الخير والبركة، ورتبة كفاية فيها رفع الجناح، وحالة مضارة فيها الجناح - انتهى. وقد أفهم تمام هذه العناية أن الإنسان كلما كان أضعف كانت رحمة الله له أكثر وعنايته به أشد. ولما بين رضاع الوالدات وقدمه دليلاً على أولويته أتبعه ما يدل على جواز غيره فقال: {وإن أردتم} أي أيّها الرجال {أن تسترضعوا} أي أن تطلبوا من يرضع {أولادكم} من غير الأمهات {فلا جناح} أي ميل بإثم {عليكم إذا سلمتم} أي إلى المراضع {ما آتيتم} أي ما جعلتم لهن من العطاء {بالمعروف} موفراً طيبة به أنفسكم من غير تشاحح ولا تعاسر لأن ذلك أقطع لمعاذير لمراضع فهو أجدر بالاجتهاد في النصيحة وعدم التفريط في حق الصغير. ولما كان التقدير: فافعلوا جميع ما أمرتكم به وانتهوا عن جميع ما نهيتكم عنه فقد جمعت لكم مصالح الدارين في هذا الكتاب الذي هو هدى للمتقين، عطف عليه قوله: {واتقوا الله} أي الذي له القدرة الشاملة والعلم الكامل ثم خوفهم سطواته بقوله منبهاً على عظم هذه الأحكام {واعلموا} وعلق الأمر بالاسم الأعظم الجامع لجميع الأسماء الحسنى فقال: {أن الله} أي المحيط بصفات الكمال تعظيماً للمقام ولذلك أكد علمه سبحانه وتعالى هنا على نحو ما مضى في {أية : وما تفعلوا من خير فإن الله به عليم} تفسير : [البقرة: 215] بتقديم قوله للإعلام بمزيد الاهتمام {بما تعملون} أي من سر وعلن. ولما كانت هذه الأحكام أدق مما في الآية التي بعدها وكثير منها منوط بأفعال القلوب ختمها بما يدل على البصر والعلم فقال: {بصير} أي بالغ العلم به فاعملوا بحسب ذلك.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي عن ابن عباس في قوله ‏{‏فإن طلقها فلا تحل له من بعد‏}‏ يقول‏:‏ فإن طلقها ثلاثاً فلا تحل له حتى تنكح غيره‏.‏ وأخرج ابن جرير عن مجاهد ‏{‏فإن طلقها فلا تحل له‏} ‏ قال‏:‏ عاد إلى قوله ‏{أية : ‏فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان}‏ تفسير : ‏ [‏البقرة: 229‏]‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن قتادة {‏فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجاً غيره‏} ‏ قال‏:‏ هذه الثالثة التي ذكر الله عز وجل، جعل الله عقوبة الثالثة أن لا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره‏.‏ وأخرج ابن المنذر عن علي بن أبي طالب ‏ {‏فإن طلقها فلا تحل له‏}‏ قال‏:‏ هذه الثالثة‏.‏ وأخرج عبد الرزاق في المصنف عن أم سلمة‏ "‏حديث : أن غلاماً لها طلق امرأة حرة تطليقتين، فاستفتت أم سلمة النبي صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ حرمت عليه حتى تنكح زوجاً غيره‏‏ "‏‏. تفسير : وأخرج الشافعي والبيهقي عن عمر بن الخطاب قال‏:‏ ينكح العبد امرأتين، ويطلق تطليقتين، وتعتد الأمة حيضتين، فإن لم تكن تحيض فشهرين‏.‏ وأخرج مالك والشافعي والنحاس في ناسخه والبيهقي عن ابن عمر‏.‏ أنه كان يقول‏:‏ إذا طلق العبد امرأته اثنتين فقد حرمت عليه حتى تنكح زوجاً غيره حرة كانت أو أمة، وعدة الأمة حيضتان وعدة الحرة ثلاث حيض‏. وأخرج مالك والشافعي والبيهقي عن ابن المسيب‏.‏ أن نفيعاً مكاتباً لأم سلمة طلق امرأته حرة تطليقتين، فاستفتى عثمان بن عفان فقال له‏:‏ حرمت عليك‏.‏ وأخرج مالك والشافعي والبيهقي عن سليمان بن يسار‏.‏ أن نفيعاً مكاتباً لأم سلمة كانت تحته حرة، فطلقها اثنتين ثم أراد أن يراجعها، فأمره أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أن يأتي عثمان بن عفان يسأله عن ذلك، فذهب إليه وعنده زيد بن ثابت، فسألهما فقالا‏:‏ حرمت عليك حرمت عليك‏.‏ وأما قوله تعالى‏:‏ ‏{‏حتى تنكح زوجاً غيره‏}‏. أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال‏:‏ لا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره ويهزها‏.‏ وأخرج ابن المنذر عن مقاتل بن حيان قال ‏"حديث : نزلت هذه الآية في عائشة بنت عبد الرحمن بن عتيك النضري، كانت عند رفاعة بن وهب بن عتيك وهو ابن عمها فطلقها طلاقاً بائناً، فتزوّجت بعده عبد الرحمن بن الزبير القرظي فطلقها، فأتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت‏:‏ إنه طلقني قبل أن يمسني أفأرجع إلى الأول‏؟‏ قال‏: لا حتى يمس‏.‏ فلبثت ما شاء الله، ثم أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت له‏:‏ إنه قد مسّني‏.‏ فقال‏: كذبت بقولك الأوّل فلم أصدّقك في الآخر‏.‏ فلبثت حتى قبض النبي صلى الله عليه وسلم فأتت أبا بكر فقالت‏:‏ أرجع إلى الأول فإن الآخر قد مسني‏؟‏ فقال أبو بكر‏:‏ شهدت النبي صلى الله عليه وسلم قال لك‏:‏ لا ترجعي إليه فلما مات أبو بكر أتت عمر فقال لها‏:‏ لئن أتيتني بعد هذه المرة لأرجمنك فمنعها، وكان نزل فيها ‏{‏فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجاً غيره‏} ‏ فيجامعها، فإن طلقها بعد ما جامعها فلا جناح عليهما أن يتراجعا‏ "‏‏. تفسير : وأخرج الشافعي وعبد الرزاق وابن أبي شيبة وأحمد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة والبيهقي عن عائشة قالت‏"‏حديث : جاءت امرأة رفاعة القرظي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت‏: ‏إني كنت عند رفاعة فطلقني فبنت طلاقي، فتزوجني عبد الرحمن بن الزبير وما معه إلا مثل هدبة الثوب، فتبسم النبي صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك‏؟‏ ‏ "‏‏. تفسير : وأخرج البخاري ومسلم والنسائي وابن جرير والبيهقي عن عائشة‏‏ "حديث : أن رجلاً طلق امرأته ثلاثاً فتزوجت زوجاً وطلقها قبل أن يمسها، فسأل النبي صلى الله عليه وسلم أتحل للأول‏؟‏ قال‏: لا حتى يذوق من عسيلتها كما ذاق الأول‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج عبد الرزاق عن ابن عباس‏.‏ أن المرأة التي طلق رفاعة القرظي اسمها تميمة بنت وهب بن عبيد، وهي من بني النضير‏.‏ وأخرج مالك والشافعي وابن سعد والبيهقي عن الزبير بن عبد الرحمن بن الزبير ‏"حديث : أن رفاعة بن سموأل القرظي طلق امرأته تميمة بنت وهب في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثاً، فنكحها عبد الرحمن بن الزبير، فاعترض عنها فلم يستطع أن يمسها ففارقها، فأراد رفاعة أن ينكحها وهو زوجها الأول الذي كان طلقها، فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فنهاه أن يتزوجها وقال‏: لا تحل لك حتى تذوق العسيلة‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج البزار والطبراني والبيهقي من طريق الزبير بن عبد الرحمن بن الزبير عن أبيه ‏"‏حديث : أن رفاعة بن سموأل طلق امرأته، فأتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت‏:‏ يا رسول الله قد تزوجني عبد الرحمن وما معه إلا مثل هذه، وأومأت إلى هدبة من ثوبها، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرض عن كلامها ثم قال لها تريدين أن ترجعي إلى رفاعة حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك‏؟‏ ‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وابو داود والنسائي وابن ماجة وابن جرير عن عائشة قالت ‏" حديث : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن رجل طلق امرأته فتزوجت زوجاً غيره، فدخل بها ثم طلقها قبل أن يواقعها أتحل لزوجها الأول‏؟‏ قال‏:‏ لا حتى تذوق عسيلة الآخر ويذوق عسيلتها‏ "‏‏. تفسير : وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وأحمد والنسائي وابن ماجة وابن جرير والبيهقي عن ابن عمر قال ‏"حديث : ‏ سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرجل يطلق امرأته ثلاثاً فيتزوجها آخر فيغلق الباب ويرخي الستر، ثم يطلقها قبل أن يدخل بها فهل تحل للأول‏؟‏ قال‏:‏ لا حتى تذوق عسيلته‏.‏ وفي لفظ‏:‏ حتى يجامعها الآخر‏ "‏‏. تفسير : وأخرج أحمد وابن جرير والبيهقي عن أنس ‏"‏حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن رجل كانت تحته امرأة فطلقها ثلاثاً فتزوجت بعده رجلاً، فطلقها قبل أن يدخل بها أتحل لزوجها الأول‏؟‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ لا حتى يكون الآخر قد ذاق من عسيلتها وذاقت من عسيلته‏ "‏‏. تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير عن أبي هريرة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏ حديث : في المرأة يطلقها زوجها ثلاثاً فتتزوج زوجاً غيره، فيطلقها قبل أن يدخل بها فيريد الأول أن يراجعها قال‏:‏ لا حتى يذوق عسيلتها‏ "‏‏. تفسير : وأخرج أحمد والنسائي عن عبد الله بن عباس‏"حديث : ‏أن الغميصاء أو الرميصاء أتت النبي صلى الله عليه وسلم تشتكي زوجها أنه لا يصل إليها، فلم يلبث أن جاء زوجها فقال‏:‏ يا رسول الله هي كاذبة، وهو يصل إليها ولكنها تريد أن ترجع إلى زوجها الأول‏.‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ليس ذلك لك حتى يذوق عسيلتك رجل غيره‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي هريرة وأنس قالا‏:‏ لا تحل للأوّل حتى يجامعها الآخر‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن علي قال‏:‏ لا تحل له حتى يهزها به هزيز البكر‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن مسعود قال‏:‏ لا تحل له حتى يقشقشها به‏.‏ وأخرج الحاكم وصححه والبيهقي عن نافع قال‏:‏ جاء رجل إلى ابن عمر فسأله عن رجل طلق امرأته ثلاثاً فتزوجها أخ له من غير مؤامرة منه ليحلها لأخيه هل تحل للأوّل‏؟‏ فقال‏:‏ لا الا نكاح رغبة، كنا نعد هذا سفاحاً على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم‏. وأخرج أبو إسحق الجوزجاني عن ابن عباس قال‏:‏ سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ‏"‏حديث : لا الا نكاح رغبة لا نكاح دلسة ولا استهزاء بكتاب الله، ثم يذوق عسيلتها‏ "‏‏. تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن عمرو بن دينار عن النبي صلى الله عليه وسلم. نحوه‏.‏ وأخرج أحمد والترمذي وصححه والنسائي والبيهقي في سننه عن ابن مسعود قال‏‏ لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المحلل والمحلل له‏.‏ وأخرج أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجة والبيهقي في سننه عن علي‏‏"حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏: لعن الله المحلل والمحلل له‏ ‏"‏‏. تفسير : وأخرج الترمذي عن جابر بن عبد الله ‏"أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن المحلل والمحلل له‏"‏‏.‏ وأخرج ابن ماجة عن ابن عباس قال ‏"‏ لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المحلل والمحلل له‏"‏‏. وأخرج ابن ماجة والحاكم وصححه والبيهقي عن عقبة بن عامر قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏"‏ حديث : ألا أخبركم بالتيس المستعار‏؟‏ قالوا‏:‏ بلى يا رسول الله قال‏: هو المحلل، لعن الله المحلل والمحلل له‏‏ "‏‏. تفسير : وأخرج أحمد وابن أبي شيبة والبيهقي عن أبي هريرة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏حديث : لعن الله المحلل والمحلل له‏ "‏‏. تفسير : وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وأبو بكر بن الأثرم في سننه والبيهقي عن عمر، أنه قال‏:‏ لا أوتي بمحلل ولا محلل له إلا رجمتهما‏.‏ وأخرج البيهقي عن سليمان بن يسار ‏"أن عثمان بن عفان رفع إليه رجل تزوّج امرأة ليحللها لزوجها، ففرق بينهما وقال‏:‏ لا ترجع إليه الا نكاح رغبة غير دلسة‏"‏‏. وأخرج عبد الرزاق عن ابن عباس‏.‏ أن رجلاً سأله فقال‏:‏ إن عمي طلق امرأته ثلاثاً قال‏:‏ إن عمك عصى الله فاندمه وأطاع الشيطان فلم يجعل له مخرجاً‏.‏ قال‏:‏ كيف ترى في رجل يحلها له‏؟‏ قال‏:‏ من يخادع الله يخدعه‏. وأخرج مالك وابن أبي شيبة والبيهقي عن زيد بن ثابت‏.‏ أنه كان يقول في الرجل يطلق الأمة ثلاثاً ثم يشتريها‏:‏ إنها لا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره‏.‏ وأخرج مالك عن سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار، أنهما سئلا عن رجل زوج عبداً له جارية فطلقها العبد البتة، ثم وهبها سيدها له هل تحل له بملك اليمين‏؟‏ فقالا‏:‏ لا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره‏.‏ وأخرج البيهقي عن عبيدة السلماني قال‏:‏ إذا كان تحت الرجل مملوكة فطلقها - يعني البتة - ثم وقع عليها سيدها لا يحلها لزوجها إلا أن يكون زوج لا تحل له إلا من الباب الذي حرمت عليه‏. وأخرج عبد الرزاق عن ابن مسعود قال‏:‏ لا يحلها لزوجها وطء سيدها حتى تنكح زوجاً غيره‏.‏ وأخرج عبد الرزاق عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان‏.‏ أن رجلاً طلق امرأته ثلاثاً قبل أن يدخل بها، فأتى ابن عباس يسأله وعنده أبو هريرة فقال ابن عباس‏:‏ إحدى المعضلات يا أبا هريرة‏.‏ فقال أبو هريرة‏:‏ واحدة تبتها، وثلاث تحرمها‏.‏ فقال ابن عباس‏:‏ نورتها يا أبا هريرة‏. وأما قوله تعالى‏:‏ {‏فإن طلقها فلا جناح عليهما‏} ‏ الآية‏.‏ أخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن محمد بن الحنفية قال‏:‏ قال علي رضي الله عنه‏:‏ حديث : أشكل علي امران‏.‏ قوله ‏ {‏فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجاً غيره فإن طلقها فلا جناح عليهما أن يتراجعا‏} فدرست القرآن، فعلمت أنه يعني إذا طلقها زوجها الآخر رجعت إلى زوجها الأول المطلق ثلاثاً‏.‏ قال‏:‏ وكنت رجلاً مذاء، فاستحيت أن أسأل النبي صلى الله عليه وسلم من أجل أن ابنته كانت تحتي، فأمرت المقداد بن الأسود فسأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال "فيه الوضوء‏" "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي عن ابن عباس {‏فإن طلقها فلا جناح عليهما أن يتراجعا‏}‏ يقول‏:‏ إذا تزوّجت بعد الأول فدخل بها الآخر فلا حرج على الأول أن يتزوّجها إذا طلقها الآخر، أو مات عنها فقد حلت له‏. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في قوله ‏ {‏إن ظنا أن يقيما حدود الله‏} ‏ يقول‏:‏ إن ظنا أن نكاحهما على غير دلسة‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل ‏ {‏أن يقيما حدود الله‏}‏ يقول‏:‏ على أمر الله وطاعته‏.‏

ابو السعود

تفسير : {فَإِن طَلَّقَهَا} أي بعد الطلقتين السابقتين {فَلاَ تَحِلُّ} هي {لَهُ مِن بَعْدُ} أي من بعد هذا الطلاقِ. {حَتَّىٰ تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} أي حتى تتزوج غيره فإن النكاحَ أيضاً يُسند إلى كلَ منهما. وتعلَّقَ بظاهره من اقتصر على العقد والجمهورُ على اشتراط الإصابة لما رُوي «حديث : أن امرأة رُفاعةَ قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إن رُفاعةَ طلقني فبتَّ طلاقي وإن عبد الرحمٰن بن الزبـير تزوجني، وإن ما معه مثلُ هُدْبة الثوب فقال صلى الله عليه وسلم: "أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة" قالت: نعم، قال صلى الله عليه وسلم: "لا إلا أن تذوقي عُسَيْلَتَه ويذوقَ عُسَيْلَتَكِ"" تفسير : وبمثله تجوز الزيادةُ على الكتاب وقيل: النكاحُ بمعنى الوطء والعقدُ مستفاد من لفظ الزوج، والحكمةُ من هذا التشريع الردعُ عن المسارعة إلى الطلاق والعودُ إلى المطلقة ثلاثاً والرغبة فيها، والنكاحُ بشرط التحليل مكروهٌ عندنا، ويُروى عدمُ الكراهة فيما لم يكن الشرطُ مصرَّحاً به وفاسدٌ عند الأكثرين لقوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لعن الله المحلِّل والمحلَّل له»تفسير : {فَإِن طَلَّقَهَا} أي الزوجُ الثاني {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا} أي على الزوج الأول والمرأة {أَن يَتَرَاجَعَا} أن يرجِعَ كلٌّ منهما إلى الآخَر بالعقد {إِن ظَنَّا أَن يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ} التي أوجب مراعاتِها على الزوجين من الحقوق، ولا وجهَ لتفسير الظنِّ بالعلم لما أن العواقبَ غيرُ معلومةٍ ولأن (أن) الناصبة للتوقع المنافي للعلم ولذلك لا يكاد يقال: علمتُ أن يقومَ زيد. {وَتِلْكَ} إشارة إلى الأحكام المذكورة إلى هنا {حُدُودَ ٱللَّهِ} أي أحكامُه المعيّنة المحمية من التعرض لها بالتغيـير والمخالفة {يُبَيّنُهَا} بهذا البـيان اللائق أو سيبـينها فيما سيأتي بناءً على أن بعضَها يلحقُه زيادةُ كشفٍ وبـيانٌ بالكتاب والسنةَ، والجملة خبرٌ ثانٍ عند من يجوِّزُ كونَه جملةً كما في قوله تعالى: {أية : فَإِذَا هِىَ حَيَّةٌ تَسْعَىٰ } تفسير : [طه، الآية 20] أو حالٌ من حدود الله والعامل معنى الإشارة {لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} أي يفهمون وتخصيصُهم بالذكر مع عموم الدعوة والتبليغِ لما أنهم المنتفعون بالبـيان أو لأن ما سيلحق بعضَ النصوص من البـيان لا يقف عليه إلا الراسخون في العلم. {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنّسَاء فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ} أي آخِرَ عدَّتِهن فإن الأجل كما ينطلِقُ على المدة ينطلق على منتهاها، والبلوغُ هو الوصولُ إلى الشيء وقد يقال: للدنو منه اتساعاً وهو المراد هٰهنا لقوله عز وجلَّ: {فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ} إذ لا إمكان للإمساك بعد تحققِ بلوغِ الأجلِ أي فراجعوهن بغير ضِرارٍ أو خلُّوهن حتى ينقضِيَ أجلُهن بإحسان من غير تطويل، وهذا كما ترى إعادةٌ للحكم في بعض صورِه اعتناءً بشأنه ومبالغةً في إيجاب المحافظةِ عليه {وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا} تأكيدٌ للأمر بالإمساك بمعروف وتوضيحٌ لمعناه وزجزٌ صريحٌ عما كانوا يتعاطَوْنه أي لا تراجعوهن إرادة الإضرار بهن «كأنْ يترُكَ المعتدةَ حتى إذا شارفت انقضاءَ الأجلِ يراجعها لا لرغبة فيها بل ليطوِّل عليها العدةَ فنُهي عنه» بعدما أُمر بضده لما ذكر، وضِراراً نُصب على العِلّية أو الحالية أي لا تمسكوهن للمضارة أو مضارّين واللام في قوله: {لّتَعْتَدُواْ} متعلقة بضراراً أي لتظلموهن بالإلجاء إلى الافتداء. {وَمَن يَفْعَلْ ذٰلِكَ} أي ما ذكر من الإمساك المؤدّي إلى الظلم، وما فيه من معنى البعد للدلالة على بعد منزلته في الشر والفساد {فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ} في ضمن ظلمِه لهن بتعريضها للعقاب {وَلاَ تَتَّخِذُواْ آيَـٰتِ ٱللَّهِ} المنطويةَ على الأحكام المذكورة أو جميعَ آياتهِ وهي داخلة فيها دخولاً أولياً {هُزُواً} أي مَهُزوًّا بها بأن تُعرِضوا عنها وتتهاونوا في المحافظة على ما في تضاعيفها من الأحكام والحدود من قولهم لمن لم يجِدَّ في الأمر: أنت هازىءٌ، كأنه نُهي عن الهُزْؤ بها وأريد ما يستلزمه من الأمر بضده أي جِدُّوا في الأخذ بها والعمل بما فيها وارعَوْها حقَّ رعايتها وإلا فقد أخذتموها هُزُؤاً ولعباً. ويجوز أن يراد به النهيُ عن الإمساك ضراراً فإن الرجعةَ بلا رغبة فيها عملٌ بموجب آياتِ اللَّهِ تعالى بحسب الظاهر دون الحقيقة وهو معنى الهُزْؤ، وقيل: كان الرجل ينكِحُ ويطلِّقُ ويُعتِقُ ثم يقول: إنما كنت ألعَبُ فنزلت ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: «حديث : ثلاثٌ جِدُّهن جدٌ وهزلُهن جدٌّ النكاحُ والطلاقُ والعِتاق»تفسير : {وَٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ} حيث هداكم إلى ما فيه سعادتُكم الدينية والدنيوية أي قابلوها بالشكر والقيام بحقوقها، والظرفُ متعلق بمحذوف وقع حالاً من نعمة الله أي كائنةً عليكم أو صفةً لها على رأي من يجوِّز حذفَ الموصول مع بعض صلته أي الكائنة عليكم ويجوز أن يتعلق بنفسها إن أريد بها الإنعام لأنها اسم مصدر كنبات من أنبت ولا يقدح في عمله تاءُ التأنيث لأنه مبنيٌّ عليها كما في قوله: [الطويل] شعر : فلولا رجاءُ النصرِ منك ورهبةٌ عِقابَك قد كانوا لنا كالموارد تفسير : {وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُم} عطفٌ على {نِعْمَتَ ٱللَّهِ} وما موصولة حذف عائدُها من الصلة و(مِنْ) في قوله عز وجل: {مّنَ ٱلْكِتَـٰبِ وَٱلْحِكْمَةِ} بـيانية أي من القرآن والسنة أو القرآن الجامع للعنوانين على أن العطف لتغايُر الوصفين كما في قوله: [المتقارب] شعر : إلى الملكِ القَرْمِ وابْنِ الهُمام [وليث الكتيبة في المزدحم] تفسير : وفي إبهامه أولاً ثم بـيانه من التفخيم ما لا يخفى، وفي إفراده بالذكر مع كونه أولَ ما دخل في النعمة المأمورِ بذكرها إبانةٌ بخطره ومبالغةٌ في الحث على مراعاة ما ذكر قبله من الأحكام {يَعِظُكُمْ بِهِ} أي بما أنزل، حال من فاعل أَنزل أو من مفعوله أو منهما معاً {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} في شأن المحافظة عليه والقيام بحقوقه الواجبة {وَٱعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ بِكُلّ شَىْء عَلِيمٌ} فلا يخفى عليه شيءٌ مما تأتون وما تذرون فيؤاخذُكم بأفانينِ العقاب.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىٰ تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ}. الرجلُ يَشُقُّ عليه أن ينكحَ زوجتَه غيرُه فمنعه عن اختيار الفراق بغاية الفراق بُغْية المنع لما بيَّن أنها لا تحل له إن فارقها إلا بأن تفعل غاية ما يشق عليه وهو الزواج الثاني لِيَحْذَرَ الطلاق ما أمكنه. ثم قال: {فَإِن طَلَّقَهَا} يعني الزوج {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَآ أَن يَتَرَاجَعَآ} يعني تتزوج بالزوج الأول. والإشارة فيه أن استيلاء المحبة على القلب يُهَوِّن مُقاساة كلِّ شديدة؛ فلو انطوى الزوجان بعد الفرقة على التحسُّر على ما فاتهما من الوصلة، وندما على ذلك غاية الندامة فلا جناح عليهما أن يتراجعا، والمرأة في هذه الحالة كأنها (...) من الزوج الأول بمكان الزوج الثاني والزوج كالآتي على نفسه في احتمال ذلك. ثم قال جلّ ذكره: {إِن ظَنَّآ أَن يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ}. يعني لا يعودان بعد ذلك إلى الفراق ثانياً إذا علما حاجة أحدهما إلى صاحبه، قال قائلهم: شعر : ولقد حلفت لئن لقيتك مرةً ألا أعود إلى فراقك ثانية

اسماعيل حقي

تفسير : {فإن طلقها} اى بعد الطلقتين السابقتين {فلا تحل} تلك المرأة {له} لزوجها {من بعد} اى من بعد الطلقة الثالثة لا بطريق الرجعة ولا بتجديد العقد {حتى تنكح} زوجا فسماه باسم العاقبة والنكاح هنا العقد دون الوطئ وبه اخذ سعيد بن المسيب واللفظ يشهد له لا يقال حتى تطأ المرأة الزوج فان المرأة موطوءة لا واطئة فالآية وان كانت مطلقة لانها انما تدل على ان عدم حلها له يمتد الى ان تتزوج بزوج آخر وينعقد بينهما عقد النكاح من غير تقييد ذلك العقد بكونه مؤديا الى جماع الزوج الثانى لكنها مقيدة بالسنة فالاجماع على اشتراط الاصابة لما حديث : روى ان امرأة رفاعة جاءت النبى عليه الصلاة والسلام فقالت ان رفاعة طلقنى فبت طلاقى اى قطعه حيث طلقنى ثلاثا وان عبد الرحمن بن الزبير تزوجنى وان ما معه اى ذكره ليس باغنى عنى من هذه اى الهدبة واخذت من جلبابها فتبسم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وقال "أتريدين ان ترجعى الى رفاعة" قالت نعم فقال "لا حتى تذوقى عسيلته ويذوق عسيلتك" تفسير : والمراد بالعسيلة الجماع شبه لذة الجماع بالعسل {فإن طلقها} اى الزوج الثانى بعد الدخول بها {فلا جناح عليهما} اى لا اثم على الزوج الاول والمرأة {أن يتراجعا} اى يرجع كل منهما الى صاحبه بعقد جديد {إن ظنا أن يقيما حدود الله} اى ان كان فى ظنهما انهما يقيمان حدود الله اى ما حده الله وشرعه من حقوق الزوجية ولم يقل ان علما لان العواقب غير معلومة والانسان لا يعلم ما فى الغد وانما يظن ظنا {وتلك} اشارة الى الاحكام المذكورة الى هنا {حدود الله} اى احكامه المعينة المحمية من التعرض لها بالتغيير والمخالفة {يبينها} بهذا البيان {لقوم يعلمون} اى يفهمون ويعملون بمقتضى العلم وتخصيصم بالذكر مع عموم الدعوة والتبليغ لما انهم المنتفعون بالبيان والجاهل اذا بين له لا يحفظ ولا يتعاهد شعر : نكته كفتن بيش كزفهمان زحكمت بيكمان جوهرى جند از جواهر ريختن ييش خرست تفسير : ثم ان الحكمة فى اشتراط اصابة الزوج الثانى فى التحليل وعدم كفاية مجرد العقد فيه الردع عن المسارعة الى الطلاق فان الغالب ان يستنكر الزوج ان يستفرش زوجته رجل آخر وهذا الردع انما يحصل بتوقف احل على الدخول واما مجرد العقد فليس منه زيادة نفرة وتهييج غيرة فلا يصلح توقف الحل عليه رادعا وزاجرا عن التسرع الى الطلاق والنكاح المعقود بشرط التحليل وهو ان يشترط فى النكاح ان يقتصر على قدر التحليل ولا يستديم زوجيتها فاسد عند الاكثر وجائز عند ابى حنيفة مع الكراهة وعنه انهما ان اضمرا التحليل ولم يصرحا به فلا كراهة. وفى شرح الزيلعى لو خافت المرأة المطلقة ثلاثا ان لا يطلقها المحلل فقالت زوجتك نفسى على ان امرى بيدى اطلق نفسى كلما اردت فقبل جاز النكاح وصار الامر بيدها. وفيه ايضا ومن لطائف الحيل فيه ان تزوج المطلقة من عبد صغير تتحرك آلته ثم تملكه بسبب من الاسباب بعدما وطئها فيفسخ النكاح بينهما قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم "حديث : لعن الله المحلل والمحلل له" تفسير : المحلل بكسر اللام والمراد به الزوج الثانى والمحلل له بفتح اللام والمراد به الزوج الاول. فان قلت ما معنى لعنهما. قلت معنى اللعن على المحلل لانه نكح على قصد الفراق والنكاح شرع للدوام وصار كالتيس المستعار والتيس هو الذكر من الغنم وقد يستعيره الناس لاستيلاد الغنم واللعن على المحلل له لانه صار سببا لمثل هذا النكاح والمتسبب شريك المباشر فى الاثم والثواب. او المراد من اللعن اظهار خساستهما اما خساسة المحلل فلمباشرته مثل هذا النكاح بدليل قوله عليه السلام "حديث : الا أنبئكم بالتيس المستعارbr>". تفسير : واما خساسة المحلل له فلمباشرة ما ينفر عنه الطبع السليم من عودها اليه بعد مضاجعة غيره اياها واستمتاعه بها لا حقيقة اللعن اذ هو لا يليق بمنصب الرسالة فى حق الامة لانه عليه الصلاة والسلام لم يبعث لعانا. والاشارة فى الآية ان اهل الصحبة لما تجاوزوا عن زلة الاخوان مرة ومرتين ثم فى الثالثة ان سلكوا طريق الهجران وخرجوا عن مصاحبة الاخوان فلا يحل للاخوان ان يواصلوا الخوان حتى يصاحب الخائن صديقا مثله فان ندم بعد ذلك على افعاله وسئم من ذلك الصديق وامثاله وترك صحبته وخرج عن خصاله ورجع الى صحبة اخوانه واشكاله {فلا جناح عليهما ان يتراجعا ان ظنا ان يقيما} شرائط العبودية والصحبة فى الله وتلك طرق قربات الله والسائرين الى الله يبينها بالتصريح والتعريض والعبارات والاشارات {لقوم يعلمون} المعاريض ويفهمون الاشارات كذا فى التأويلات النجمية قال احمد بن حضرويه الطريق واضح والدليل لائح والداعى قد اسمع فما التحير بعد هذا الا من العمى: قال الحافظ شعر : وصف رخساره خورشيد زخفاش مبرس كه درين آينه صاحب نظران حيرانند

الطوسي

تفسير : المعنى: قوله: {فإن طلقها فلا تحل له من بعد} المعني فيه التطليقة الثالثة على ما روي عن أبي جعفر (ع) وبه قال السدي، والضحاك، والزجاج، والجبائي، والنظام. وقال مجاهد: هو تفسير لقوله: {أية : أو تسريح بإحسان} تفسير : فانه التطليقة الثالثة، وهو اختيار الطبري. وصفة الزوج الذي تحل المرأة، للزوج الأول أن يكون بالغاً، ويعقد عليها عقداً صحيحاً دائماً ويذوق عسيلتها، بان يطأها وتذوق هي عسيلته - بلا خلاف بين أهل العلم - فلا يحل لأحد أن يتزوجها في العدة، وأما العقود الفاسدة أو عقود الشبهة فانها لا تحل للزوج الاول، ومتى وطأها بعقد صحيح في زمان يحرم عليه وطؤها مثل أن تكون حائضاً، أو محرمة، أو معتكفة، فانها تحلّ للأول لأن الوطىء قد حصل في نكاح صحيح، وإنما حرم الوطىء لأمر، ضار عليه، هذا عند أكثر أهل العلم. وقال مالك: الوطىء في الحيض لا يحل للأول وإن وجب به المهر كله، والعدة. الاعراب: وموضع (أن) في قوله: {فلا جناح عليهما أن يتراجعا} خفض، وتقديره في أن يتراجعا - عند الخليل، والكسائي، والزجاج - وقال الفراء: موضعه النصب، واختاره الزجاج، وباقي النحويين. وقال الفراء: الخفض لا أعرفه، وموضع (أن) الثانية في قوله: {أن يقيما حدود الله} نصب - بلا خلاف بـ (ظنا)، وإنما جاز حذف (في) من أن يتراجعا ولم يجز من التراجع، لأنه إنما جاز مع (أن) لطولها بالصلة، كما جاز (الذي ضربت زيد)، لطول الذي بالصلة، ولم يجز في المصدر، كما لم يجز في اسم الفاعل نحو (زيد ضارب عمرو) وتريد ضاربه. المعنى: وقوله: {فإن طلقها} الثانية يعنى به الزوج الثاني وذلك يدل على أن الوطء بعقد لا تحل للزوج الأول، لأن الطلاق لا يلحق نكاح شبهة. والراجع المذكور ها هنا، هو بعقد مستأنف، ومهر جديد، بلا خلاف. القراءة: وقول: {يبينها} قرأ المفضل عن عاصم بالنون على وجه الاخبار من الله عن نفسه. الباقون بالياء، الكناية عن الله. المعنى: قوله: {لقوم يعلمون} إنما خص العلم بذكر البيان وإن كان بياناً لغيرهم، لأنهم الذين ينتفعون ببيان الآيات، فصار غيرهم بمنزلة من لم يعتد به. ويجوز أيضاً أن يكونوا خصّوا بالذكر تشريفاً لهم، كما قال: {أية : من كان عدواً لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال}.تفسير : والحدود: المراد بها ما تقدم بيانها من أحكام الطلاق، والايلاء، والخلع، وغير ذلك. وقوله: {إن ظنّا أن يقيما حدود الله} لا يدل على وجوب الاجتهاد في الشريعة، لأنه لا يمنع من تعلق أحكام كثيرة - في الشرع - في الظن، وإنما فيه دلالة على، من قال: لا يجوز: أن يعمل في شيء من الدين إلا على اليقين، فأما الظن، فلا يجوز أن يتعلق فيه شيء من الأحكام، فالآية تبطل قوله. وقوله: {فلا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره} يدل على أن النكاح بغير ولي جائز، وأن المرأة لها العقد على نفسها، لأنه أضاف العقد إليها دون وليها.

الجنابذي

تفسير : {فَإِنْ طَلَّقَهَا} هذا ايضاً من المجملات لكنّ المراد ان طلّقها بعد الثانية {فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ} اى بعد الطّلاق الثّالث {حَتَّىٰ تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ فَإِن طَلَّقَهَا} الزّوج الثّانى {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَآ} اى على الزّوج الاوّل والزّوجة {أَن يَتَرَاجَعَآ} بالزّواج {إِن ظَنَّآ أَن يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ وَتِلْكَ} الاحكام المذكورة من الحرمة بعد الطّلاق الثّالث وحلّيّتها بعد نكاح الغير لها بشرط ظنّ اقامة الحدود {حُدُودُ ٱللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} اى يعدّون من العلماء لا من البهائم وغير العقلاء وتفصيل الطّلاق الموجب للحرمة بعد الثّالثة وشروطه مذكورة فى الكتب الفقهيّة.

الأعقم

تفسير : {فان طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجاً غيره} الآية حديث : نزلت في تميمة بنت عبد الرحمن إمرأة عبدالله بن الزبير اتت الى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقالت: كنت تحت رفاعة بتطليقتين فبثَّ طلاقي فتزوجت عبدالله بن الزبير وانما معه مثل هُدنة الثوب وانه طلقني قبل ان يمسني أفأرجع الى ابن عمي رفاعة فنكس النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وقال: "أتريدين أن ترجعي الى رفاعة لا حتى تذوقي عَسيلته ويذوق من عَسيلتك" العسيَلة يعني الجماع كني به بالعَسيلة فلبثت ما شاء الله ثم عادت اليه (صلى الله عليه وآله وسلم) فقالت: ان زوجي مسَّني، فقال لها: "كذبت قولك الاول فلا نُصدقكِ في الاخر" تفسير : ثم لبثت حتى قبض (صلى الله عليه وآله وسلم) واستأذنت أبا بكر فلم يأذن لها ثم لبثت حتى قبض عمر فلم يأذن لها. {واذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فامسكوهن بمعروف} الآية نزلت في إمرأة ثابت بن قيس الأنصاري طلق إمرأته حتى اذا شارفت انقضاء العدة راجعها ثم طلقها ففعل ذلك حتى مضت تسعة اشهر مضاره لها فانزل الله تعالى هذه الآية قوله: {واذا طلقتم النساء} خطاب للازواج {فبلغن اجلهن} أي بلغن انقضاء العدة ومعناه قاربن وأشرفن أجلهن لأنه بعد انقضاء العدة ليس له الامساك يقال: بلغت البلد اذا قاربت منها، والاجل الذي تنقضي به العدة، الأقراء في ذات الحيض والاشهر فيمن لا تحيض او الوضع فيمن بها حمل {فامسكوهن بمعروف} يعني راجعوهن قبل انقضاء العدة {ولا تتخذوا آيات الله هزوا} وقوله تعالى: {واذا طلقتم النساء فبلغن اجلهن فلا تعضلوهن} الآية، قيل: نزلت في جابر بن عبدالله الأنصاري عضل بنت عم له ومنع عن المراجعة وكانت تحب ذلك فنزلت الآية، وقيل: نزلت في معقل بن يسار عضل اخته.

الهواري

تفسير : قوله: {فَإِن طَلَّقَهَا} أي الثالثة {فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ}. ذكر بعضهم حديث : أن تميمه بنت عبيد بن وهب القرظية كانت تحت رفاعة القرظي فطلقها ثلاثاً. فخلف عليها عبد الرحمن بن الزبير، ثم طلقها. فأتت النبي عليه السلام فسألته: هل ترجع إلى زوجها. فقال: هل غشيك؟ فقالت: ما كان ما عنده بأغنى عنه من هدبة ثوبي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا، حتى تذوقي عسيلة غيره. فقالت: يا رسول الله، قد غشيني، فقال: اللهم إن كانت كاذبة فاحرمها إياهتفسير : . فأتت أبا بكر بعده فلم يرخص لها. ثم أتت عمر فلم يرخص لها. قوله: {فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يَتَرَاجَعَا إِن ظَنَّا} [أي إن أيقنا] {أَن يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ}. قال ابن عباس والحسن: يعني المختلعة. رجع إلى قصتهما. قال: {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يَتَرَاجَعَا إِن ظَنَّا أَن يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ}. قال: هذه الآية مثل قوله في الآية الأولى: {وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلاَّ أَن يَخَافَآ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ}. وتفسير قول الحسن: إن أخذه الفداء تطليقة بائنة؛ يعني بقوله: {فَإِن طَلَّقَهَا} أي فإن خالعها؛ وهو قول العامة في الخلع. وكان ابن عباس لا يرى الخلع طلاقاً، يراها تحرم عليه بدون طلاق؛ ويقول: قال الله: {فَإِن طَلَّقَهَا} يقول: طلقها طلاقاً، ويذكر أن النبي عليه السلام قال لثابت بن قيس: حديث : شاطرها الصداق وطلقهاتفسير : . والعامة على قول الحسن: إن الفداء طلاق ويذكر عن النبي وعن عثمان بن عفان. وبعضهم يفسّرها: {فَإِن طَلَّقَهَا} يعني الزوج الآخر {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا} على المرأة والزوج الأول الذي طلقها ثلاثاً أن يتراجعا إن أحبا. وفي تفسيرهم: فإن طلقها، أو مات عنها، فلا جناح عليهما أن يتراجعا. قال: {وَتِلْكَ حُدُودُ اللهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ}. قوله: {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ} أي ما لم تغتسل من الحيضة الثالثة إن كانت ممن تحيض في قول أهل العراق، وفي قول أهل المدينة إذا رأت الدم. وقد فسّرناه قبل هذا الموضع. وإن كانت ممن لا تحيض فما لم تنقض الثلاثة أشهر، وإن كانت حاملاً فما لم تضع حملها. وأما قوله: {أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ} فإن العدة إِذا انقضت قبل أن يراجعها زوجها فهو التسريح. قوله: {وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِّتَعْتَدُوا وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ} كان الرجل يطلق امرأته ثم يدعها حتى إذا كان عند انقضاء عدتها راجعها ولا حاجة له فيها، ثم يطلقها؛ فإذا كان عند انقضاء عدتها راجعها. ثم يطلقها، يكون ذلك لتسعة أشهر ليطوّل عليها بذلك، فنهى الله عن ذلك. ذكر أن رجلاً قال لامرأته: والله لأطلقنك، ثم لأحبسنك لتسع حيض، لا تقدرين أن تتزوجي. قالت: وكيف ذلك؟ قال: أطلقك تطليقة ثم أدعك، حتى إذا كان عند انقضاء عدتك راجعتك. ثم أطلقك، فإذا كان عند انقضاء عدتك راجعتك. ثم أطلقك أخرى ثم تعتدين ثلاث حيض؛ فأنزل الله هذه الآية: {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَاراً}... إلى آخر الآية. قوله: {وَلاَ تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللهِ هُزُواً} ذكر الحسن عن أبي الدرداء أنه قال: كان الرجل يطلق، فإذا سئل قال: كنت لاعباً، ويعتق، فإذا سئل قال: كنت لاعباً، ويتزوج، فإذا سئل قال: كنت لاعباً. فأنزل الله: {وَلاَ تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللهِ هُزُواً} فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : من طلق لاعباً، أو تزوج لاعباً، أو أعتق لاعباً فهو جائز عليه كله . تفسير : ذكر بعضهم أن رجلاً طلق امرأته على عهد النبي عليه السلام فأنزل الله: {وَلاَ تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللهِ هُزُواً}. ذكر الحسن عن أبي الدرداء قال: ثلاث لا يلعب فيهن أحد، واللاعب فيهن كالجادّ: العتاق والطلاق والنكاح. قوله: {وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّنَ الكِتَابِ وَالحِكْمَةِ يَعِظُكُم بِهِ} الكتاب الفرقان، والحكمة السنة. {وَاتَّقُوا اللهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}.

اطفيش

تفسير : {فَإنْ طَلَّقَها}: مر أن هذا تفضيل للطلاق الثالث فى قوله {أية : أو تسريح}،تفسير : واعترض الخلع بينهما للإشارة إلى أن الطلاق قد يقع بعضو وهو الفداء بالفداء من جملة الثلاث، وكأنه قيل ثم إن طلقها بعد التطليقتين: {فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ}: أى من بعد هذه التطليقة الثالثة. {حَتَّى تَنكِحَ}: تتزوج. {زَوْجاً غَيْره}: والسنة قيدت طلاق التزوج فى الآية بالمسيس، ألا يكون بقصد التحليل، أما المسيس فلما روى حديث : أن امرأة رفاعة قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إن رفاعة طلقنى فبت طلاقى، وإن عبد الرحمن بن الزبير تزوجنى، وإن ما معه مثل هدبة الثوب: فقال صلى الله عليه وسلم: "أتريدين أن ترجعى إلى رفاعة؟ قالت: نعم. قال: "لا حتى يذوق عسيلتك"تفسير : والرفاع بكسر الراء والزبير هذا بفتح الزاى، وبت الطلاق بأن أوقعه ثلاثاً، وهدبة الثوب ما يتدلى فى طرفه من غزل مسترخياً، تريد أن ذكره مسترخ كذلك، وصرح بالثلاث فى رواية من روى،حديث : وإنما معه مثل هدبة الثوب، وأنه طلقنى قبل أن يمسنى أفأرجع رفاعة بلا إذن عمى، فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: "أتريدين أن ترجعى إلى رفاعة؟" قالت: نعم. قال: "لا حتى تذوقى عسيلته ويذوق عسيلتك" فلبث ما شاء الله ثم عادت إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقالت: إن زوجى مسنى فكذبها رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وقال: "كذبت فى الأول فلن أصدقك فى الآخر" فلبثت حتى قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتت أبا بكر واستأذنت فقال: لا ترجعى إليه، لأنى قد شهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أتيته، وقال لك ما قال، فلما قبض أبو بكر رضى الله عنه أتت عمر رضى الله عنه، وقالت له؟ أفأرجع إلى زوجى الأول، فإن زوجى الأخير قد مسنى. فقال: لئن رجعت لأرجمنكتفسير : ، واسم المرأة تميمة، وقيل عائشة، وأبوها عبد الرحمن بن عتيك القرلجى، ورفاعة هو ابن عمها، وهو رفاعة بن وهب بن عتيك القرلجى، والعسيلة تأنيث العسل على لغة من يؤنث العسل، ولهذا رد التاء فى تصغيره كيدويدية، فإنّ الثلاثى المؤنث المجرد عن التاء يؤنث بها إذا صغر، والعسيلة كناية عن لذة الجماع، والمراد غيبوية الحشفة ولو بلا لذة، وذكر اللذة إنما هو نظر للغالب، وليس المراد بالعسيلة النطفة، فإنها للأول، ولو بلا إنزال من الثانى، وقال الحسن بن أبى الحسن وحدة: لا تحل إلا بالإنزال. وفى رواية: حديث : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل ترجع إلى زوجها فقال: "هل غشيك عبد الرحمن؟" فقالت: ما كان ما عنده بأغنى عنه من هدبة ثوبى. فقال النبى: "لا. حتى تذوقى عسيلة غيره" أى غير زوجك الأول، أو غير الثانى، إن أيست من الثانى، فقالت: يا رسول الله قد غشينى فقال: "اللهم إن كانت كاذبة فاحرمها إياه" أى زوجها الأول، فأتت أبا بكر بعد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وعمر بعده ولم يرخِّصا لها . تفسير : وروى أنه صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : لا تحلّين له حتى يجامعك ويذوق من غشيانك" تفسير : ندمت على قولها أن ما معه كهدبة من ثوبى. فقالت: إنه قد طاف بى، فقال لا أصدقك الآن، وما ذكرته من تفسير النكاح بالتزوج وقول الجمهور. وقيل هو هنا الوطء فيكون المس أيضاً مذكورا فى القرآن شرطا، والعقد يفيده قوله: {زوجا غيره} واستدل لهذا بأن المرأة لا تزوج نفسها، بل الولى ويرده أن النكاح بمعنى التزوج يسند إلى المرأة كالرجل، ولو كان لا يصح بلا ولى، لأنه يرضاها كما يسند إليها التزوج، ويرده أيضاً أن إسناد النكاح بمعنى الوطء إلى المرأة غير معتاد، لأنه لا يقال واطئة بل موطوءة. وروى عن سعيد بن المسيب وسعيد بن جبير: تحل للأول بمجرد العقد، ويرده الأحاديث فى شرط الوطء، وأما قصد التحليل فلا تحل به للأول ولو طال مقامها مع قاصده وجامعها كثيراً، والحكمة فى شرط المس وعدم القصد بالنكاح التحليل للأول الردع عن المسارعة إلى الطلاق والعود إلى المطلقة ثلاثاً، والرغبة فيها، فإذا تزوجها ووطئها لقصد التحليل أو تزوجها بدون قصده ووطئها بقصده، أو تزوجها بقصده ووطئها بدون قصده لم تحل للأول عند الأكثر، وإن تزوجها بدون قصده ووطئها بقصده ثم وطئها بلا قصد، حلت للأول، فإذا تزوجها بقصد التحليل فهو نكاح فاسد عندنا، وعند مالك وأحمد، وإن مسها حرمت عليه عندنا، وعن ابن مسعود رضى الله عنه عن النبى صلى الله عليه وسلم: "حديث : لعن الله المحلَّل له"تفسير : وإنما يلعن المحلَّل له إذا تواعد مع المحلِّل على ذلك، أو علم بقصد التحليل، ومع ذلك ردها، وروى أن المحلِّل تيس مستعار. ويدل على أنه لا تحل له ولو لم يتواعد إذا قصد الثانى التحليل ما روى أن رجلاً أتى إلى ابن عمر فقال: إن رجلا طلق أمرأته ثلاثاً، فانطلق أخ له، من غير مؤامرة، فتزوجها ليحللها للأول [أفتحل؟] فقال: لا. إلا نكاح رغبة، كنا نعد هذا سفاحاً على عهد رسول الله، صلى الله عليه وسلم. وزعم الشافعى وأبو حنيفة أنهُ إذا كان التحليل فى عزمهما معاً ولم يصرحا به صح النكاح، وحلت للأول على كراهة، ويرد ما ذكرته عن ابن عمر، وكذا قال عثمان لا إلا نكاح رغبة غير مدالسة، وما روى عن عمر رضى الله عنه لأوتى بمحلِّل ولا محلِّل له إلا رجمتهما. {فَإنْ طلَّقَها}: الثانى. {فَلاَ جُناحَ عَليْهما}: أى عليها وعلى الأول. {أن يتراجعا}: يرجع كل إلى الآخر بنكاح جديد وصداق بعد العدة من الثانى. {إنْ ظَنَّا أنْ يُقِيما حُدُودَ اللّهِ}: التى أوجبها بينهما من الحقوق، وكذلك إن فارقت الثانى، بموته أو بفداء أو تحريم تحل للأول إن مسها الثانى، وإن لم يظنا وتراجعا صح النكاح، ولم يحسن لهما ذلك، لأن فيه تعرضا للنشوز والمجازاة عليه بما لا يجوز. وعن الحسن هذه الآية فى المفتدية، سمى الفداء طلاقا، وأجاز الرجعة فيه، وعن ابن عباس لا يرى الخلع طلاقاً ويراه فرقة بلا طلاق، والمراجعة إنما هى من الطلاق، ويقول قال الله: {فإن طلقها} ويروىحديث : أن النبى صلى الله عليه وسلم قال لثابت بن قيس: "شاطرها الصداق وطلقها" . تفسير : {وَتِلْكَ}: الأحكام المذكورة. {حُدُودُ الله يُبَيِّنَها لِقْومٍ يَعْلَمونَ}: العلم الحقيق وهو المعمول بمقتصاه وخصهم بالذكر لأنهم المنتفعون ببيان أحكام الله تعالى.

اطفيش

تفسير : {فَإِنْ طَلَّقَهَا} ومن الطلاق الفداء خلافا لجابر بن زيد "منا" رحمه الله، وللشافعى فى أنه فسخ، ومختار مذهبه أنه طلاق وهذه الآية متعلقة بقوله تعالى: الطلاق مرتان، أى، فإن طلقها بعد المرتين {فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ} بعد الثلاثة {حَتَّى تَنْكِحَ} تتزوج {زَوْجاً غَيْرَه} واشتراط الوطء بغيبوبة الحشفة من الحديث، لقوله صلى الله عليه وسلم لتميمة بنت وهب، أو عائشة بنت عبدالرحمن بن عتيك، روايتان، لعلهما قصتان، أتريدين أن ترجعى إلى رفاعة؟ بكسر الراء، ابن وهب بن عتيك، يعنى زوجها الذى طلقها ثلاثا، قالت: نعم. قال: لا حتى تذوقى عسيلته ويذوق عسيلتك، يعنى زوجها الثانى عبدالرحمن بن الزبير، بفتح الزاى على الصحيح. وقيل بالتصغير، وعابته بأنه ما معه إلا مثل هدبة الثوب، فضحك صلى الله عليه وسلم. والعسيلة الجماع، والعسل يكثر تأنيثه أو يغلب، فردت التاء، أو تصغير عسلة، أى قطعة من عسل، وإنما فسرت النكاح بالتزوج لأنه الوارد فى القرآن، لكن لما جاء الحديث بشرط الوطء أمكن أن يراد بالنكاح فى الآية، والحديث تقرير لها. قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : ألا أخبركم بالتيس المستعار؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: هو المحلل، لعن الله المحلل والمحلل له"تفسير : ، يعنى بالمحلل له الزوج الأول والمرأة، وإن لم تعلم بقصد التحليل فلا إثم عليها وعن عمر، لا أوتى بمحلل ولا محلل له إلا رجمتها، وذلك بالدخول، فلو أقرت بأنها علمت أو شهد لها بذلك لرجمها، بل دخلت فى محلل له، وفرق عثمان بينهما وبين من يحللها، وحرمت على المحلل، ولا تحل للأول أبداً، لأن ذلك منها زنا، إن علمت بقصد التحليل، ولو تزوجت بعد ذلك بلا قصد تحليل، وقد يجوز له إن تزوجت بعد لأن ذلك شبهة، أو صحت توبتها وتزوجت، ولم يحرمها الحنفية على المحلل {فَإِن طَلَّقَهَا} هذا الزوج الثانى {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا} فى {أَنْ يَتَرَاجَعَآ} ترجع إلى الأول ويرجع إليها بنكماح وصداق وبنية، وزعم شاذ من قومنا، أنها تحل للأول بعقد ثان ولو بلا وطء وإن نكحها الثانى بقصد الحل للأول لم تحل للأول، ولو وطئها الثانى، وقد لعن صلى الله عليه وسلم المحلل والمحلل له، وحرمت إجماعاً على المحلل إن ذكر التحليل فى عقد النكاح، وإن قصده ولم يذكر حرمت عند الجمهور، وقال أبو حنيفة يكره، واللعن أنسب بالتحريم، لأن اللعن يقتضى القبح لعينه، ومعنى المحلل قاصد الحل، لا أن الحل واقع، فهو رد على أبى حنيفة، وهو كثير الوفاق بينه وبيننا معاشر الإباضية الوهبية فى المسائل، وقوله هذا موجود أيضا فى المذهب {إِن ظَنَّآ} أى رجحا وكفى، بل لو قيل بمعنى علما وأريد قوة الرجحان لجاز، ولا نسلم أنّ أن المصدرية للتوقع، فضلا عن أن يقال، ينافى العلم، وأما أن يتكلف أنه قد يوقن بالمستقبل فتكلف {أَن يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ} فيما بينهما من الحقوق الزوجية والمقام لها، ولو كان من الجائز أن تحمل الحدود على الحقوق الزوجية وغيرها {وَتِلكَ} الأحكام {حُدُودُ اللهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} وغيرهم وخصهم بالذكر، لأنهم المنتفعون بالتبيين، والمراد يعلمون الحق إجمالا وإذعانا، أو بعضه، فيزدادون علما، والمراد يتدبرون العواقب، أو يتصرفون فى الدلائل أو يعلمون، فذكر السبب عن المسبب، أو أراد الراسخين، لأن بعض الحدود لا يعقله إلا الراسخ، أو أخرج به الطفل والمجنون ونحوهما.

الالوسي

تفسير : {فَإِن طَلَّقَهَا} فإن تعقيبه للخلع بعد ذكر الطلقتين يقتضي أن يكون طلقة رابعة لو كان الخلع طلاقاً، والأظهر أنه طلاق وإليه ذهب أصحابنا وهو قول للشافعية لأنه فرقة باختيار الزوج فهو كالطلاق بالعوض فحينئذٍ يكون {فَإِن طَلَّقَهَا} متعلقاً بقوله سبحانه {أية : ٱلطَّلَـٰقُ مَرَّتَانِ }تفسير : [البقرة: 229] تفسيراً لقوله تعالى: {أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَـٰنٍ} لا متعلقاً بآية الخلع ليلزم المحذور، ويكون ذكر الخلع اعتراضاً لبيان أن الطلاق يقع مجاناً تارة وبعوض أخرى، والمعنى فإن طلقها بعد الثنتين أو بعد الطلاق الموصوف بما تقدم. {فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ} أي من بعد ذلك التطليق {حَتَّىٰ تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} أي تتزوّج زوجاً غيره، ويجامعها فلا يكفي مجرد العقد كما ذهب إليه ابن المسيب وخطؤه لأن العقد فهم من (زوجاً)، والجماع من (تنكح)، وبتقدير عدم الفهم، وحمل النكاح على العقد تكون الآية مطلقة إلا أن السنة قيدتها فقد أخرج الشافعي وأحمد والبخاري ومسلم وجماعة عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: «حديث : جاءت امرأة رفاعة القرظي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: إني كنت عند رفاعة فطلقني فبت طلاقي فتزوجني عبد الرحمن بن الزبير وما معه إلا مثل هدبة الثوب فتبسم النبـي صلى الله عليه وسلم فقال: أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟ لا حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك»تفسير : وعن عكرمة أن هذه الآية نزلت في هذه المرأة واسمها عائشة بنت عبد الرحمن بن عتيك وكان نزل فيها {فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىٰ تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} فيجامعها فإن طلقها بعدما جامعها فلا جناح عليهما أن يتراجعا، وفي ذلك دلالة على أن الناكح الثاني لا بد أن يكون زوجاً فلو كانت أمة وطلقت البتة ثم وطئها سيدها لا تحل للأول. وعلى أنه لو اشتراها الزوج من سيدها أو وهبها سيدها له بعد أن بت طلاقها لم يحل له وطؤها في الصورتين بملك اليمين حتى تنكح زوجاً غيره وعلى أنّ الولي ليس شرطاً في النكاح لأنه أضاف العقد إليها، والحكمة في هذا الحكم ردع الزوج عن التسرع إلى الطلاق لأنه إذا علم أنه إذا بت الطلاق لا تحل له حتى يجامعها رجل آخر. ولعله عدوه ارتدع عن أن يطلقها البتة لأنه وإن كان جائزاً شرعاً لكن تنفر عنه الطباع وتأباه غيرة الرجال. والنكاح بشرط التحليل فاسد عند مالك وأحمد والثوري والظاهرية وكثيرين، واستدلوا على ذلك بما أخرجه ابن ماجه والحاكم وصححه والبيهقي عن عقبة بن عامر قال: «حديث : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألا أخبركم بالتيس المستعار؟ قالوا: بلى يا رسول الله قال: هو المحلل لعن الله المحلل والمحلل له»تفسير : وأخرج عبد الرزاق عن عمر رضي الله تعالى عنه قال: «لا أوتي بمحلل ولا محلل له إلا رجمتهما»، والبيهقي عن سليمان بن يسار «أن عثمان/ رضي الله تعالى عنه رفع إليه رجل تزوج امرأة ليحللها لزوجها ففرق بينهما، وقال: لا ترجع إليه إلا بنكاح رغبة غير دلسة»، وعندنا هو مكروه والحديث لا يدل على عدم صحة النكاح لما أن المنع عن العقد لا يدل على فساده، وفي تسمية ذلك محللاً ما يقتضي الصحة لأنها سبب الحل، وحمل بعضهم الحديث على من اتخذه تكسباً أو على ما إذا شرط التحليل في صلب العقد لا على من أضمر ذلك في نفسه فإنه ليس بتلك المرتبة بل قيل: إن فاعل ذلك مأجور. {فَإِن طَلَّقَهَا} الزوج الثاني {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا} أي على الزوج الأول والمرأة {أَن يَتَرَاجَعَا} أن يرجع كل منهما إلى صاحبه بالزواج بعد مضي العدة {إِن ظَنَّا أَن يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ} إن كان في ظنهما أنهما يقيمان حقوق الزوجية التي حدها الله تعالى وشرعها وتفسير الظن بالعلم هٰهنا قيل: غير صحيح لفظاً ومعنى، أما معنى فلأنه لا يعلم ما في المستقبل يقيناً في الأكثر، وأما لفظاً فلأن (أن) المصدرية للتوقع وهو ينافي العلم، ورد بأن المستقبل قد يعلم ويتيقن في بعض الأمور وهو يكفي للصحة، وبأن سيبويه أجاز ـ وهو شيخ العربية ـ ما علمت إلا أن يقوم زيد والمخالف له فيه أبو علي الفارسي، ولا يخفى أن الاعتراض الأول فيما نحن فيه مما لا يجدي نفعاً لأن المستقبل وإن كان قد يعلم في بعض الأمور إلا أن ما هنا ليس كذلك وليس المراجعة مربوطة بالعلم بل الظن يكفي فيها. {وَتِلْكَ} إشارة إلى الأحكام المذكورة إلى هنا {حُدُودَ ٱللَّهِ} أي أحكامه المعينة المحمية من التعرض لها بالتغيير والمخالفة {يُبَيّنُهَا} بهذا البيان اللائق، أو سيبينها بناءاً على أن بعضها يلحقه زيادة كشف في الكتاب والسنة، والجملة خبر على رأي من يجوّزه في مثل ذلك، أو حال من {حُدُودَ ٱللَّهِ} والعالم معنى الإشارة، وقرىء {نبينها} بالنون على الالتفات {لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} أي يفهمون ويعملون بمقتضى العلم فهو للتحريض على العمل ـ كما قيل ـ أو لأنهم المنتفعون بالبيان، أو لأن ما سيلحق بعض الحدود منه لا يعقله إلا الراسخون، أو ليخرج غير المكلفين.

ابن عاشور

تفسير : تفريع مرتب على قوله: { أية : الطلاق مرتان فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىٰ تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَآ أَن يَتَرَاجَعَآ إِن ظَنَّآ أَن يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ } تفسير : [البقرة: 229] وما بينهما بمنزلة الاعتراض، على أن تقديمه يكسبه تأثيراً في تفريع هذا على جميع ما تقدم؛ لأنه قد علم من مجموع ذلك أن بعد المرتين تخييراً بني المراجعة وعدمها، فرتب على تقدير المراجعة المعبر عنها بالإمساك {فإن طلقها} وهو يدل بطريق الاقتضاء على مقدر أي فإن راجعها فطلقها لبيان حكم الطلقة الثالثة. وقد تهيأ السامع لتلقي هذا الحكم من قوله: { أية : الطلاق مرتان } تفسير : [البقرة: 229] إذ علم أن ذلك بيان لآخر عدد في الرجعي وأن ما بعده بتات، فذكر قوله: {فإن طلقها} زيادة في البيان، وتمهيد لقوله: {فلا تحل له من بعد} إلخ فالفاء إما عاطفة لجملة {فإن طلقها} على جملة { أية : فإمساك } تفسير : [البقرة: 229] باعتبار ما فيها من قوله {فإمساك}، إن كان المراد من الإمساك المراجعة ومن التسريح عدمها، أي فإن أمسك المطلق أي راجع ثم طلقها، فلا تحل له من بعد، وهذا هو الظاهر، وإما فصيحة لبيان قوله: { أية : أو تسريح بإحسان } تفسير : [البقرة: 229]، إن كان المراد من التسريح إحداث الطلاق، أي فإن ازداد بعد المراجعة فسرح فلا تحل له من بعد، وإعادة هذا على هذا الوجه ليرتب عليه تحريم المراجعة إلا بعد زوج، تصريحاً بما فهم من قوله: {الطلاق مرتان} ويكون التعبير بالطلاق هنا دون التسريح للبيان وللتفنن على الوجهين المتقدمين، ولا يعوزك توزيعه عليهما، والضمير المستتر راجع للمطلق المستفاد من قوله: {الطلاق مرتان}والضمير المنصوب راجع للمطلقة المستفادة من الطلاق أيضاً، كما تقدم في قوله: { أية : إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله } تفسير : [البقرة: 229]. والآية بيان لنهاية حق المراجعة صراحة، وهي إما إبطال لما كانوا عليه في الجاهلية وتشريع إسلامي جديد، وإما نسخ لما تقرر أول الإسلام إذا صح ما رواه أبو داود في «سننه»، في باب نسخ المراجعة بعد التطليقات الثلاث، عن ابن عباس «أن الرجل كان إذا طلق امرأته فهو أحق برجعتها وإن طلقها ثلاثاً فنسخ ذلك ونزل {الطلاق مرتان}. ولا يصح بحال عطف قوله: {فإن طلقها} على جملة { أية : ولا يحل لكم أن تأخذوا } تفسير : [البقرة: 229]، ولا صدق الضميرين على ما صدقت عليه ضمائر {إلا أن يخافا ألا يقيما}، و{فلا جناح عليهما} لعدم صحة تعلق حكم قوله تعالى: {فإن طلقها فلا تحل له من بعد} بما تعلق به حكم قوله: { أية : ولا يحل لكم أن تأخذوا } تفسير : [البقرة: 229] إلخ إذ لا يصح تفريع الطلاق الذي لا تحل بعده المرأة على وقوع الخلع، إذ ليس ذلك من أحكام الإسلام في قول أحد، فمن العجيب ما وقع في «شرح الخطابي على سنن أبي داود»: أن ابن عباس احتج لكون الخلع فسخاً بأن الله ذكر الخلع ثم أعقبه بقوله: {فإن طلقها فلا تحل له من بعد} الآية قال: « حديث : فلو كان الخلع طلاقاً لكان الطلاق أربعاً » تفسير : ولا أحسب هذا يصح عن ابن عباس لعدم جريه على معاني الاستعمال العربي. وقوله: {فلا تحل له} أي تحرم عليه وذكر قوله: {من بعد} أي من بعد ثلاث تطليقات تسجيلاً على المطلق، وإيماء إلى علة التحريم، وهي تهاون المطلق بشأن امرأته، واستخفافه بحق المعاشرة، حتى جعلها لعبة تقلبها عواصف غضبه وحماقته، فلما ذكر لهم قوله {من بعد} علم المطلقون أنهم لم يكونوا محقين في أحوالهم التي كانوا عليها في الجاهلية. والمراد من قوله: {تنكح زوجاً غيره} أن تعقد على زوج آخر، لأن لفظ النكاح في كلام العرب لا معنى له إلا العقد بين الزوجين، ولم أر لهم إطلاقاً آخر فيه لا حقيقة ولا مجازاً، وأياً ما كان إطلاقه في الكلام فالمراد في هاته الآية العقد بدليل إسناده إلى المرأة، فإن المعنى الذي ادعى المدعون أنه من معاني النكاح بالاشتراك والمجاز أعني المسيس، لا يسند في كلام العرب للمرأة أصلاً، وهذه نكتة غفلوا عنها في المقام. وحكمة هذا التشريع العظيم ردع الأزواج عن الاستخفاف بحقوق أزواجهم، وجعلهن لُعباً في بيوتهم، فجعل للزوج الطلقة الأولى هفوة، والثانية تجربة، والثالثة فراقاً، كما حديث : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث موسى والخضر: «فكانت الأولى من موسى نسياناً والثانية شرطاً والثالثة عمداً فلذلك قال له الخضر في الثالثة {هذا فراق بيني وبينك} [الكهف: 78]تفسير : . وقد رتب الله على الطلقة الثالثة حكمين وهما سلب الزوج حق الرجعة، بمجرد الطلاق، وسلب المرأة حق الرضا بالرجوع إليه إلا بعد زوج، واشتراط التزوج بزوج ثان بعد ذلك لقصد تحذير الأزواج من المسارعة بالطلقة الثالثة، إلا بعد التأمل والتريث، الذي لا يبقى بعده رجاء في حسن المعاشرة، للعلم بحرمة العود إلا بعد زوج، فهو عقاب للأزواج المستخفين بحقوق المرأة، إذا تكرر منهم ذلك ثلاثاً، بعقوبة ترجع إلى إيلام الوجدان، لما ارتكز في النفوس من شدة النفرة من اقتران امرأته برجل آخر، وينشده حال المرأة قول ابن الزَّبير: شعر : وفي الناس إن رثَّتْ حِبالك وَاصل وفي الأرض عن دار القِلَى متحول تفسير : وفي الطيبي قال الزجاج: «إنما جعل الله ذلك لعلمه بصعوبة تزوج المرأة على الرجل فحرم عليهما التزوج بعد الثلاث لئلا يعجلوا وأن يثبتوا» وقد علم السامعون أن اشتراط نكاح زوج آخر هو تربية للمطلقين، فلم يخطر ببال أحد إلا أن يكون المراد من النكاح في الآية حقيقته وهي العقد، إلا أن العقد لما كان وسيلة لما يقصد له في غالب الأحوال من البناء وما بعده، كان العقد الذي لا يعقبه وطء العاقد لزوجه غير معتد به فيما قصد منه، ولا يعبأ المطلق الموقع الثلاث بمجرد عقد زوج آخر لم يمس فيه المرأة، ولذلك حديث : لما طلق رفاعة بن سموأل القرظي زوجه تميمة ابنة وهب طلقة صادفت أخرى الثلاث، وتزوجت بعده عبد الرحمٰن بن الزَّبير القرظي، جاءت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت له: «يا رسول الله إن رفاعة طلقني فبت طلاقي، وإن عبد الرحمٰن بن الزبير تزوجني وإنما معه مثل هدبة هذا الثوب» وأشارت إلى هدب ثوب لها فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم "أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة" قالت «نعم» قال "لا، حتى تذوقي عسيلته" تفسير : الحديث، فدل سؤالها على أنها تتوقع عدم الاعتداد بنكاح ابن الزبير في تحليل من بتها، لعدم حصول المقصود من النكاية والتربية بالمطلق، فاتفق علماء الإسلام على أن النكاح الذي يحل المبتوتة هو دخول الزوج الثاني بالمرأة ومسيسه لها، ولا أحسب دليلهم في ذلك إلا الرجوع إلى مقصد الشريعة، الذي علمه سائر من فهم هذا الكلام العربي الفصيح، فلا حاجة بنا إلى متح دلاء الاستدلال بأن هذا من لفظ النكاح المراد به في خصوص هذه الآية المسيسُ أو هو من حديث رفاعة، حتى يكون من تقييد الكتاب بخبر الواحد، أو هو من الزيادة على النص حتى يجىء فيه الخلاف في أنها نسخ أم لا، وفي أن نسخ الكتاب بخبر الواحد يجوز أم لا، كل ذلك دخول فيما لا طائل تحت تطويل تقريره بل حسبنا إجماع الصحابة وأهل اللسان على فهم هذا المقصد من لفظ القرآن، ولم يشذ عن ذلك إلا سعيد بن المسيب فإنه قال: يحل المبتوتة مجرد العقد على زوج ثان، وهو شذوذ ينافي المقصود؛ إذ أية فائدة تحصل من العقد، إن هو إلا تعب للعاقدين، والولي، والشهود إلا أن يجعل الحكم منوطاً بالعقد، باعتبار ما يحصل بعده غالباً، فإذا تخلف ما يحصل بعده اغتفر، من باب التعليل بالمظنة، ولم يتابعه عليه أحد معروف، ونسبه النحاس لسعيد بن جبير، وأحسب ذلك سهواً منه واشتباهاً، وقد أمر الله بهذا الحكم، مرتباً على حصول الطلاق الثالث بعد طلقتين تقدمتاه فوجب امتثاله وعلمت حكمته فلا شك في أن يقتصر به على مورده، ولا يتعدى حكمه ذلك إلى كل طلاق عبر فيه المطلق بلفظ الثلاث تغليظاً، أو تأكيداً، أو كذباً لأن ذلك ليس طلاقاً بعد طلاقين، ولا تتحقق فيه حكمة التأديب على سوء الصنيع، وما المتلفظ بالثلاث في طلاقه الأول إلا كغير المتلفظ بها في كون طلقته الأولى، لا تصير ثانية، وغاية ما اكتسبه مقاله أنه عد في الحمقى أو الكذابين، فلا يعاقب على ذلك بالتفريق بينه وبين زوجه، وعلى هذا الحكم استمر العمل في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر، وصدر من خلافة عمر، كما ورد في كتب الصحيح: «الموطأ» وما بعده، عن ابن عباس رضي الله عنه، وقد ورد في بعض الآثار رواية حديث ابن عمر حين طلق امرأته في الحيض أنه طلقها ثلاثاً في كلمة، وورد حديث : حديث ركانة بن عبد يزيد المطلبي، أنه طلق امرأته ثلاثاً في كلمة واحدة فسأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: إنما ملكك الله واحدة فأمره أن يراجعهاتفسير : . ثم إن عمر بن الخطاب في السنة الثالثة من خلافته حدثت حوادث من الطلاق بلفظ الثلاث في كلمة واحدة فقال: أرى الناس قد استعجلوا في أمر قد كانت لهم فيه أناة فلو أمضيناه عليهم فأمضاه عليهم. وقد اختلف علماء الإسلام فيما يلزم من تلفظ بطلاق الثلاث في طلقة ليست ثالثة، فقال الجمهور: يلزمه الثلاث أخذاً بما قضى به عمر بن الخطاب وتأيد قضاؤه بسكوت الصحابة لم يغيروا عليه فهو إجماع سكوتي، وبناء على تشبيه الطلاق بالنذور والأيمان، يلزم المكلف فيها ما التزمه، ولا خلاف في أن عمر بن الخطاب قضى بذلك ولم ينكر عليه أحد، ولكنه قضى بذلك عن اجتهاد فهو مذهب له، ومذهب الصحابي لا يقوم حجة على غيره، وما أيدوه به من سكوت الصحابة لا دليل فيه؛ لأن الإجماع السكوتي ليس بحجة عند النحارير من الأئمة مثل الشافعي والباقلاني والغزالي والإمام الرازي، وخاصة أنه صدر من عمر بن الخطاب مصدر القضاء والزجر، فهو قضاء في مجال الاجتهاد لا يجب على أحد تغييره، ولكن القضاء جزئي لا يلزم اطراد العمل به، وتصرف الإمام بتحجير المباح لمصلحة مجال للنظر، فهذا ليس من الإجماع الذي لا تجوز مخالفته. وقال علي بن أبي طالب وابن مسعود وعبد الرحمٰن ابن عوف والزبير بن العوام ومحمد بن إسحاق وحجاج بن أرطاة وطاووس والظاهرية وجماعة من مالكية الأندلس: منهم محمد بن زنباع، ومحمد بن بقي بن مخلد، ومحمد بن عبد السلام الخشني، فقيه عصره بقرطبة، وأصبغ بن الحباب من فقهاء قرطبة، وأحمد بن مغيث الطليطلي الفقيه الجليل، وقال ابن تيمية من الحنابلة: إن طلاق الثلاث في كلمة واحدة لا يقع إلا طلقة واحدة وهو الأرجح من جهة النظر والأثر. واحتجوا بحجج كثيرة أولاها وأعظمها هذه الآية فإن الله تعالى جعل الطلاق مرتين ثم ثالثة، ورتب حرمة العود على حصول الثالثة بالفعل لا بالقول، فإذا قال الرجل لامرأته: هي طالق طلاقاً ولم تكن تلك الطلقة ثالثة بالفعل والتكرر كذب في وصفها بأنها ثلاث، وإنما هي واحدة أو ثانية فكيف يقدم على تحريم عودها إليه والله تعالى لم يحرم عليه ذلك، قال ابن عباس: «وهل هو إلا كمن قال: قرأت سورة البقرة ثلاث مرات وقد قرأها واحدة فإن قوله ثلاث مرات يكون كاذباً». الثانية أن الله تعالى قصد من تعدد الطلاق التوسعة على الناس؛ لأن المعاشر لا يدري تأثير مفارقة عشيره إياه، فإذا طلق الزوج امرأته يظهر له الندم وعدم الصبر على مفارقتها، فيختار الرجوع فلو جعل الطلقة الواحدة مانعة بمجرد اللفظ من الرجعة، تعطل المقصد الشرعي من إثبات حق الرجعة، قال ابن رشد الحفيد في «البداية» «وكأن الجمهور غلبوا حكم التغليظ في الطلاق سداً للذريعة ولكن تبطل بذلك الرخصة الشرعية والرفق المقصود من قوله تعالى: { أية : لعل الله يحدث بعد ذلك أمراً } تفسير : [الطلاق: 1]. الثالثة قال ابن مغيث: إن الله تعالى يقول: {أو تسريح بإحسان} وموقع الثلاث غير محسن، لأن فيها ترك توسعة الله تعالى، وقد يخرَّج هذا بقياس على غير مسألة في «المدونة»: من ذلك قول الإنسان: {مالي صدقة في المساكين} قال مالك يجزئه الثلث. الرابعة احتجوا بحديث ابن عباس في «الصحيحين» « حديث : كان طلاق الثلاث في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وصدر من خلافة عمر طلقة واحدة » تفسير : . وأجاب عنه الجمهور بأن راويه طاووس وقد روى بقية أصحاب ابن عباس عنه أنه قال من طلق امرأته ثلاثاً فقد عصى ربه وبانت منه زوجه، وهذا يوهن رواية طاووس، فإن ابن عباس لا يخالف الصحابة إلى رأي نفسه، حتى قال ابن عبد البر رواية طاووس وهم وغلط، وعلى فرض صحتها، فالمراد أن الناس كانوا يوقعون طلقة واحدة بدل إيقاع الناس ثلاث تطليقات وهو معنى قول عمر «إن الناس قد استعجلوا في أمر قد كانت لهم فيه أناة» فلو كان ذلك واقعاً في زمن الرسول وأبي بكر لما قال عمر إنهم استعجلوا ولا عابه عليهم، وهذا جواب ضعيف، قال أبو الوليد الباجي: الرواية عن طاووس بذلك صحيحة. وأقول: أما مخالفة ابن عباس لما رواه فلا يوهن الرواية كما تقرر في الأصول، ونحن نأخذ بروايته وليس علينا أن نأخذ برأيه، وأما ما تأولوه من أن المراد من الحديث أن الناس كانوا يوقعون طلقة واحدة بدل إيقاع الثلاث فهو تأويل غير صحيح ومناف لألفاظ الرواية ولقول عمر «فلو أمضيناه عليهم» فإن كان إمضاؤه عليهم سابقاً من عهد الرسول لم يبق معنى لقوله: «فلو أمضيناه عليهم» وإن لم يكن إمضاؤه سابقاً بل كان غير ماض حصل المقصود من الاستدلال. الخامسة ما رواه الدارقطني أن ركانة بن عبد يزيد المطلبي طلق زوجه ثلاثاً في كلمة واحدة فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: إنما هي واحدة أو إنما تلك واحدة فارتجعها. وأجاب عنه أنصار الجمهور بأنه حديث مضطرب؛ لأنه روي أن ركانة طلق، وفي رواية أن يزيد بن ركانة طلق وفي رواية طلق زوجه ثلاثاً وزاد في بعض الروايات أنه طلقها ثلاثاً وقال: أردت واحدة فاستحلفه النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك. وهو جواب واهٍ لأنه سواء صحت الزيادة أم لم تصح فقد قضى النبي صلى الله عليه وسلم بالواحدة فيما فيه لفظ الثلاث، ولا قائل من الجمهور بالتوهية فالحديث حجة عليهم لا محالة إلا أن روايته ليست في مرتبة معتبرة من الصحة. السادسة ما رواه الدارقطني في حديث تطليق ابن عمر زوجه حين أمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يراجعها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر فإنه زاد فيه أنه طلقها ثلاثاً ولا شك أن معناه ثلاثاً في كلمة، لأنها لو كانت طلقة صادفت آخر الثلاث لما جاز إرجاعها إليه، ووجه الدليل أنه لما أمره أن يردها فقد عدها عليه واحدة فقط، وهذا دليل ضعيف جداً لضعف الرواية ولكون مثل هذه الزيادة مما لا يغفل عنها رواة الحديث في كتب الصحيح كـــ«الموطأ» و«صحيح البخاري» و«مسلم». والحق أنه لا يقع إلا طلقة واحدة ولا يعتد بقول المطلق ثلاثاً. وذهب مقاتل وداود الظاهري في رواية عنه أن طلاق الثلاث في كلمة واحدة لا يقع طلاقاً بالمرة، واحتج بأن القرآن ذكر الطلاق المفرَّق ولم يذكر المجموع فلا يلزم لأنه غير مذكور في القرآن. ولو احتج لهما بأنه منهي عنه والمنهي عنه فاسد لكان قريباً، لولا أن الفساد لا يعتري الفسوخ، وهذا مذهب شاذ وباطل، وقد أجمع المسلمون على عدم العمل به، وكيف لا يقع طلاقاً وفيه لفظ الطلاق. وذهب ابن جبير وعطاء وابن دينار وجابر بن زيد إلى أن طلاق البكر ثلاثاً في كلمة يقع طلقة واحدة، لأنه قبل البناء بخلاف طلاق بالمبني بها وكأنَّ وجه قولهم فيه: وأن معنى الثلاث فيه كناية عن البينونة والمطلقة قبل البناء تبينها الواحدة. ووصف {زوجاً غيره}تحذير للأزواج من الطلقة الثالثة، لأنه بذكر المغايرة يتذكر أن زوجته ستصير لغيره كحديث الواعظ الذي اتعظ بقول الشاعر: شعر : اليومَ عندك دَلُّها وحديثُها وغداً لغيرك زندها والمعصم تفسير : وأسند الرجعة إلى المتفارقين بصيغة المفاعلة لتوقفها على رضا الزوجة بعد البينونة ثم علق ذلك بقوله: {إن ظنا أن يقيما حدود الله}أي أن يسيرا في المستقبل على حسن المعاشرة وإلا فلا فائدة في إعادة الخصومات. و{حدود الله}هي أحكامه وشرائعه، شبهت بالحدود لأن المكلف لا يتجاوزها فكأنه يقف عندها. وحقيقة الحدود هي الفواصل بين الأرضين ونحوها وقد تقدم في قوله: { أية : إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله } تفسير : [البقرة: 229] والإقامة استعارة لحفظ الأحكام تبعاً لاستعارة الحدود إلى الأحكام كقولهم: نَقَض فلان غزله، وأما قوله: {وتلك حدود الله يبينها} فالبيان صالح لمناسبة المعنى الحقيقي والمجازي؛ لأنّ إقامة الحدّ الفاصل فيه بيان للناظرين. والمراد {بقوم يعلمون}، الذين يفهمون الأحكام فهماً يهيئهم للعمل بها، وبإدراك مصالحها، ولا يتحيلون في فهمها. {وَتِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} الواو اعتراضية، والجملة معترضة بين الجملتين المعطوفة إحداهما على الأخرى، وموقع هذه الجملة كموقع جملة { أية : تلك حدود الله فلا تعتدوها } تفسير : [البقرة: 229] المتقدمة آنفاً. و{وتلك حدود الله} تقدم الكلام عليها قريباً. وتبيين الحدود ذكرها للناس موضحة مفصلة معللة، ويتعلق قوله {لقوم يعلمون} بفعل {يبينها}، ووصف القوم بأنهم يعلمون صريح في التنويه بالذين يدركون ما في أحكام الله من المصالح، وهو تعريض بالمشركين الذين يعرضون عن اتّباع الإسلام. وإقحام كلمة (قوم) للإِيذان بأن صفة العلم سجيتهم وملكة فيهم، كما تقدم بيانه عند قوله تعالى: { أية : إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار إلى قوله لأيات لقوم يعقلون } تفسير : [البقرة: 164].

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 230- فإن طلق الزوج امرأته مرة ثالثة بعد التطليقتين السابقتين فلا تحل له حينئذ إلا بعد أن تتزوج زوجاً غيره ويدخل بها، فإن طلقها من بعد ذلك الزوجُ الثانى وصارت أهلاً لأن يعقد عليها عقداً جديداً فلا إثم عليها ولا على زوجها الأول فى أن يستأنفا حياة زوجية جديدة بعقد جديد، وعليهما أن يعتزما إقامة حياة زوجية صالحة تراعى فيها كل الأحكام الشرعية التى حددها الله سبحانه وتعالى، وقد بُيِّنَتْ هذه الحدود لمن يؤمن بالشرع الإسلامى ويريد العلم والعمل به. 231- وإذا طلقتم النساء فشارفن انتهاء عدتهن، فلكم أن تراجعوهن قاصدين إقامة العدل وحسن الصحبة وعدم المضارة، ولكم أن تتركوهن لتنقضى عدتهن ملاحظين المعاملة اللائقة عند الفراق من غير جفوة، ولا يجوز أن يكون القصد من المراجعة مضارة المرأة وتطويل عدتها، ومن يفعل ذلك فقد حَرَم نفسه سعادة الحياة الزوجية وثقة الناس به واستحق سخط الله عليه، ولا تتخذوا أحكام الله فى الأسرة - التى جاءت بها الآيات وجعلت زمام الأسرة بيد الوكيل - سخرية ولهواً وعبثاً، تطلِّقون لغير سبب وترجعونها مضارة وإيذاء. واذكروا نعمة الله عليكم بتنظيم الحياة الزوجية تنظيماً عالياً، وبما أنزل عليكم من كتاب مبين للرسالة المحمدية والعلوم النافعة والأمثال والقصص التى بها تتعظون وتهتدون، واتخذوا بينكم وبين غضب الله وقاية واعلموا أن الله يعلم سركم وجهركم ونياتكم وأعمالكم وهو مجازيكم بما كنتم تعملون.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: فإن طلقها فلا تحل له: الطَّلقة الثالثة فلا تحل له إلا بعد أن تنكح زوجاً غيره. فلا جناح عليهما: أي لا إثم ولا حرج عليهما في الزواج من جديد. أن يتراجعا: أن يرجع كل منهما لصاحبه بعقد جديد وبشرط أن يظنا إقامة حدود الله فيهما، وإلا فلا يجوز نكاحهما. معنى الآية الكريمة: يقول تعالى مبيناً حكم من طلق امرأته الطلقة الثالثة: فإن طلقها فلا تحلُّ له حتى تنكح زوجاً غيره، ويكون النكاح صحيحاً ويبني بها الزوج الثاني لحديث "حديث : حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك"تفسير : ، فإن طلقها الثاني بعد البناء والخلوة والوطء أو مات عنها جاز لها أن تعود إلى الأول إن رغب هو في ذلك وعلما من أنفسهما أنهما يقيمان حدود الله فيهما بإعطاء كل واحد حقوق صاحبه مع حسن العشرة وإلا فلا مراجعة تحل لهما. ولذا قال تعالى إن ظنا أن يقيما حدود الله ثم نوّه الله تعالى بشأن تلك الحدود فقال: {وَتِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ} وهي شرائعه، يبينها سبحانه وتعالى لقوم يعلمون، إذ العالمون بها هم الذين يقفون عندها ولا يتعدونها فيسلمون من وصمة الظلم وعقوبة الظالمين. هداية الآية من هداية الآية 1- المطلقة ثلاثا لا تحل لمطلقها إلا بشرطين الأول أن تنكح زوجا غيره نكاحاً صحيحاً ويبني بها ويطأها والثاني أن يغلب على ظن كل منهما أن العشرة بينهما تطيب وأن لا يتكرر ذلك الاعتداء الذي أدى إلى الطلاق ثلاث مرات. 2- موت الزوج الثاني كطلاقه تصح معه الرجعة إلى الزوج الأول بشرطه. 3- إن تزوجت المطلقة ثلاثا بنيّة التمرد على الزوج حتى يطلقها لتعود إلى الأول فلا يحلّها هذا النكاح لأجل التحليل، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم أبطله وقال: "حديث : لعن الله المحلل والمحلل له" تفسير : ويسمّى بالتيس المستعار، ذاك الذي يتزوج المطلقة ثلاثا بقصد أن يحلها للأول.

القطان

تفسير : لقد دخل تفسير هذه الآية الكريمة في الآية التي قبلها "الطلاق مرتان.." وملخصه: إن من طلّق زوجه مرّتين بعدهما رجعتان ثم طلقها ثالثة حَرُمت عليه حتى تتزوج من غيره ويطلقها الأخير فتعتد منه.

د. أسعد حومد

تفسير : (230) - فَإنْ طَلَّقَ الزَّوْجُ زَوْجَتَهُ طَلْقَةً ثَالِثَةً، بَعْدَ أنْ كَانَ قَدْ طَلَّقَهَا طَلْقَتَيْنِ سَابِقَتَيْنِ، فَإِنَّهَا تُحْرُمُ عَلَيهِ، وَلاَ يَحِلُّ لَهُ أنْ يَعُودَ إلى نِكَاحِها حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ. وَيُجْمِعُ الفُقَهَاءُ عَلَى أنَّ المُرَادَ بِنَكَاحِ زَوْجٍ آخَرَ لَهَا لَيْسَ مُجَرَّدَ العَقْدِ، وَإِنَّما المُعَاشَرَةُ الزَّوْجِيَّةُ الكَامِلَةُ، لِيَكُونَ ذَلِكَ عِقَاباً لِذَوي النُّفُوسِ الضَّعِيفَةِ. وَلَعَنَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم المُحَلِّلَ وَالمُحَلَّلَ لَهُ. (رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنِّسَائِيُّ) وَالمُحَلِّلُ هُوَ الرَّجُلُ الذِي يَتَقَدَّمُ لِلْعَقْدِ عَلَى الزَّوْجَةِ المُطَلَّقَةِ، وَكُلُّ قَصْدِهِ هُوَ أَنْ يُحِلَّها لِزَوْجِها الأوَّلِ، وَلا يُعَاشِرُهَا وَلا يَقْرَبُها. أمَّا إذا كَانَ الزَّوْجُ الثَّانِي قَدْ تَزَوَّجَها بِفِكْرَةِ المُعَاشَرَةِ المُسْتَمِرَّةِ، فَإذا طَلَّقَهَا بَعْدَ ذَلِكَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَى زَوْجِها الأوَّلِ أنْ يَعُودَ إليها، إذَا تَرَجَّحَ لَدَى كُلٍّ مِنْهُما أنْ يَقُومَ بِحَقِّ الآخَرِ عَلَى الوَجْهِ الأكْمَلِ، الذِي حَدَّدَهُ اللهُ مِنْ حُسْنِ العِشْرَةِ، وَسَلامَةِ النِّيَّةِ، فَإنْ خَافَا حِينَ المُراجَعَةِ نُشُوزاً مِنْها، أوْ إضْراراً مِنْهُ فَالرُّجُوعُ مَمْقُوتٌ. وَتِلْكَ حُدُودُ اللهِ وَشَرائِعهُ يُبَيِّنُها لِقَومٍ يَعْلَمُونَ.

الثعلبي

تفسير : {فَإِنْ طَلَّقَهَا} يعني ثلاثاً {فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ} يعني من بعد التطليقة الثالثة، وبعد رفع على الغاية {حَتَّىٰ تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ} أي غير المطلِّق فيجامعها، والنكاح يتناول العقد والوطء جميعاً. حديث : نزلت هذه الآية في تميمة، وقيل: عائشة بنت عبد الرحمن بن عتيك القرطي، كانت تحت رفاعة بن وهب بن عتيك القرطي، وكان ابن عمها فطلّقها ثلاثاً، وتزوجت بعده عبد الرحمن بن الزبير وما معه إلاّ مثل هدبة الثوب، وإنه طلقني قبل أن يمسّني أفأرجع إلى ابن عمي زوجي الأول؟ "فتبسّم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة، لا حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك ". قال: وأبو بكر جالس عند النبي صلى الله عليه وسلم، وخالد بن سعيد بن العاص جالس بباب الحجرة فطفق خالد ينادي: يا أبا بكر ألا تزجر هذه عما تهجر به عند رسول الله، والعسيلة اسم للجماع، وأصلها من العسل شبّه للّذة التي ينالها الإنسان في تلك الحال بالعسل يقال منه: عسلها يعسلها عسلا إذا جامعها. فلبثت ما شاء الله أن تلبث ثم رجعت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: إن زوجي كان قد مسّني، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم "كذبت بقولك الأول فلن نصدّقك في الآخر" فلبثت حتى قبض النبي صلى الله عليه وسلم فأتت أبا بكر، فقالت: يا خليفة رسول الله أرجع إلى زوجي الأول، فإن زوجي الآخر قد مسّني وطلّقني، فقال أبو بكر: قد شهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أتيته، وقال لك ما قال فلا ترجعي إليه، فلمّا قُبض أبو بكر أتت عمر (رضي الله عنه) وقالت له مثل ما قالت لأبي بكر، فقال عمر: لئن رجعت إليه لأرجمنّك، فإن الله تعالى قد أنزل {فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىٰ تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ} تفسير : {فَإِن طَلَّقَهَا} زوجها الثاني أو مات عنها بعد ما جامعها {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَآ} يعني على المرأة المطلّقة وعلى الزوج الأول {أَن يَتَرَاجَعَآ} بنكاح جديد، فذكر النكاح بلفظ التراجع {إِن ظَنَّآ} عَلِما، وقيل: رجوا، قالوا: ولا يجوز أن يكون بمعنى العلم لأنّ أحداً لا يعلم ما هو كائن إلاّ الله عزّ وجلّ {أَن يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ} يعني ما بيّن الله من حق أحدهما على الآخر، ومحلّ (أن) في قوله {أَن يَتَرَاجَعَآ} نصب بنزع حرف الجر أي في أن يتراجعا، وفي قوله {أَن يُقِيمَا} نصب بوقوع الظن عليه. وقال مجاهد: ومعناه إن علما أنّ نكاحهما على غير دلسة، وأراد بالدلسة التحليل، هذا مذهب سفيان والأوزاعي ومالك وأبي عبيدة وأحمد وإسحاق، قالوا في الرجل يطلّق امرأته ثلاثاً فتزّوج زوجاً غيره ليحلّها لزوجها الأول: إن النكاح فاسد، وكان الشافعي يقول: إذا تزوّجها ليحلّها فالنكاح ثابت إذا لم يشترط ذلك في عقد النكاح مثل أن يقول: أنكحك حتى أصيبك فتحلّي لزوجك الأول، فإذا اشترط هذا فالنكاح باطل، وما كان من شرط قبل عقد النكاح فلا يفسد النكاح. وقال نافع أتى رجل ابن عمر فقال: إنّ رجلا طلّق امرأته ثلاثاً، فانطلق أخ له من غير مراجعة فتزوجها ليحلّها للأول فقال: لا، إلاّ بنكاح رغبة، كنّا نعدّ هذا سفاحاً على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال عليه السلام: "حديث : لعن الله المحلّل والمحلَّل له ". تفسير : عقبة بن عامر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ألا أدلّكم على التيس المستعار؟" قالوا: بلى يا رسول الله، قال: "هو المحلِّل والمحلَّل له ". تفسير : قبيصة بن جابر الأسدي، قال: سمعت عمر بن الخطاب يخطب وهو على المنبر: والله لا أوتى بمحلّل ولا بمحلَّل له إلاّ رجمتهما. {وَتِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ يُبَيِّنُهَا} روى المفضل وأبان عن عاصم بالنون {لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ * وَإِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ} نزلت في رجل من الأنصار يُدعى ثابت بن يسار، طُلِّقت امرأته حتى إذا انقضت عدتها إلاّ يومين أو ثلاثة وكادت تبين منه، راجعها ثم طلقها، ففعل بها ذلك حتى مضيت لها تسعة أشهر مضارة لها بذلك، ولم يكن الطلاق يومئذ محصوراً، وكان إذا أراد الرجل أن يُضارّ امرأته طلقها ثم تركها حتى تحيض الحيضة الثالثة، ثم راجعها ثم طلّقها فتطويله عليها هو الضرار، فأنزل الله تعالى {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ} أي أمرهنّ في أن تبين بانقضاء العدة، ولم يرد إذا انقضت عدتهنّ لأنها إذا انقضت عدّتها لم يكن للزوج إمساكها، فالبلوغ ها هنا بلوغ مقاربة، وقوله بعد هذا {فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ} بلوغ انقضاء وانتهاء، والبلوغ يتناول المعنيين جميعاً، يقال: بلغ المدينة إذا صار إلى حدّها وإذا دخلها. {فَأَمْسِكُوهُنَّ} أي راجعوهنّ {بِمَعْرُوفٍ} قال محمد بن جرير: بمعروف أي بإشهاد على الرجعة وعقد لها دون الرجعة بالوطء {أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ} أي اتركوهنّ حتى تنقضي عدّتهنّ، وكنّ أملك لأنفسهنّ. {وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَاراً} مضارّة وأنتم لا حاجة بكم إليهنّ {لِّتَعْتَدُواْ} عليهن بتطويل العدّة {وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ} الاعتداء {فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ} ضرّها بمخالفة أمر الله عزّ وجلّ. مرّة الطيب، عن أبي بكر الصديق (رضي الله عنه) قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ملعون من ضارّ مسلماً أو ماكره ". تفسير : {وَلاَ تَتَّخِذُوۤاْ آيَاتِ ٱللَّهِ هُزُواً} الحسن عن أبي الدرداء قال: كان الرجل يطلق في الجاهلية ويقول: إنّما طلّقت وأنا لاعب فيرجع فيها ويعتق، فيقول مثل ذلك ويرجع فيه وينكح، ويقول مثل ذلك، فأنزل الله تعالى {وَلاَ تَتَّخِذُوۤاْ آيَاتِ ٱللَّهِ هُزُواً} يقول: حدود الله وقرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:" حديث : من طلق أو حرّر وأنكح وزعم أنّه لاعب فهو جدّ، وفي الخبر: خَمسٌ جدّهنّ جدّ وهزلهنّ جدّ: الطلاق، والعتاق، والنكاح، والرجعة، والنذر ". تفسير : وعن أبي موسى، قال:" حديث : غضب رسول الله صلى الله عليه وسلم على الأشعريين قال: يقول «أحدكم لامرأته: قد طلقتك، قد راجعتك، ليس هذا طلاق المسلمين، طلّقوا المرأة في قبل طمثها ". تفسير : وقال الكلبي {وَلاَ تَتَّخِذُوۤاْ آيَاتِ ٱللَّهِ هُزُواً} يعني قوله {فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ}. {وَٱذْكُرُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ} بالإيمان {وَمَآ أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِّنَ ٱلْكِتَابِ} يعني القرآن {وَٱلْحِكْمَةِ} يعني مواعظ القرآن والحدود والأحكام. {يَعِظُكُمْ بِهِ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ * وَإِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ} الآية، نزلت في جميلة بنت يسار أخت معقل بن يسار المزني، كانت تحت أبي البدّاح عاصم بن عدي بن عجلان، فطلّقها تطليقة واحدة ثم تركها حتى انقضت عدّتها ثم جاء يخطبها وأراد مراجعتها وكان رجل صدق، وكانت المرأة تحبّ مراجعته، فمنعها أخوها معقل وقال لها: لئن راجعتهِ لا أكلمك أبداً، وقال لزوجها: أفرشتك كريمتي وآثرتك بها على قومي فطلّقتها، ثم لم تراجعها حتى إذا انقضت عدّتها جئت تخطبها، والله لا أنكحك بها أبداً، وحمى أنفاً، فأنزل الله تعالى هذه الآية، فدعا رسول الله معقلا وتلاها عليه، فقال: فإني أؤمن بالله واليوم الآخر، فأنكحها إيّاه وكفّر يمينه على قول أكثر المفسّرين. وقال السدّي: نزلت هذه الآية في جابر بن عبد الله الأنصاري، وكانت له بنت عم فطلّقها زوجها تطليقة واحدة وانقضت عدّتها ثم أراد رجعتها، فأتى جابر فقال: طلّقت ابنة عمي ثم تريد أن تنكحها الثانية، وكانت المرأة تريد زوجها فأنزل الله {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ} فانقضت عدّتهن قال الزجّاج: الأجل آخر المدة وعاقبة الأُمور، قال لبيد: شعر : فاخرها بالبرّ لله الأجل تفسير : يريد عاقبة الأُمور. {فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ} فلا تمنعوهنّ، والعَضْل: المنع من التزوّج، وأنشد الأخفش: شعر : ونحن عضلنا بالرماح لسانا وما فيكم عن حرمة له عاضل تفسير : وأنشد: شعر : وأن قصائدي لك فاصطنعني كرائم قد عضلن عن النكاح تفسير : وأصل العضل الضيق والشدّة، يقال: عضلت المرأة والشاة إذا تشبث ولدهما في بطنهما فضاق عليه الخروج، وعضلت الدجاجة إذا تشبّث البيض فيها، وعضل الفضاء بالجُلَّس إذا ضاق عليهم لكثرتهم، ويقال: ذا عضال إذا ضاق علاجه فلا يطاق، ويقال: عضل الأمر إذا اشتدّ وضاق. قال عمر (رضي الله عنه): أعضل أهل الكوفة لا يرضون بأمير ولا يرضاهم أمير، وقال أوس بن حجر: شعر : وليس أخوك الدائم العهد بالذي يذمّك إن ولّى ويرضيك مقبلا ولكنّه النائي إذا كنت آمناً وصاحبك الأدنى إذا الأمر أعضلا تفسير : قال طاووس: لقد وردت عضل أقضية ما قام بها إلاّ ابن عباس، وكل مشكل عند العرب معضل ومنه قول الشافعي: شعر : إذا المعضلات بعدن عني كشفت حقائقها بالنظر تفسير : {أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ} الأوّل بنكاح جديد {إِذَا تَرَاضَوْاْ بَيْنَهُمْ بِٱلْمَعْرُوفِ} بعقد حلال ومهر جائز، ونظم الآية: فلا تعضلوهنّ أن ينكحن أزواجهنّ بالمعروف إذا تراضوا بينهم، وفي هذه الآية دليل قول من قال: لا نكاح إلاّ بولي لأنه تعالى خاطب الأولياء في التزويج، ولو كان للمرأة إنكاح نفسها لم يكن هناك عضل ولا لنهي الله الأولياء عن العضل معنى، يدلّ عليه ما روى أبو بردة عن أبي موسى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا نكاح إلاّ بولي ". تفسير : {ذٰلِكَ} أي ذلك الذي ذكرت من النهي {يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ مِنكُمْ يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ} وإنما قال ذلك موحداً والخطاب للأولياء؛ لأنّ الأصل في مخاطبة الجمع ذلكم ثم كثر ذلك حتى توهّموا أنّ الكاف من نفس الحرف، وليس بكاف الخطاب، فقالوا ذلك، وإذا قالوا هذا كانت الكاف موحدة منصوبة في الآيتين والجمع والمذكر والمؤنث. وقيل: ها هنا خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم فلذلك وحَّده ثم رجع إلى خطاب المؤمنين، فقال عزّ من قائل {ذٰلِكُمْ أَزْكَىٰ} خيرٌ وأفضل {لَكُمْ وَأَطْهَرُ} لقلوبكم من الريبة وذلك أنهما إذا كان في نفس كل واحد منهما علاقة حبّ لم يؤمن بأن يتجاوز ذلك إلى غير ما أحلّ الله لهما، ولم يؤمن من أوليائهما إن سبق إلى قلوبهم منهما لعلّهما أن يكونا بريئين من ذلك فيأثمون. {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ} من خبر كل واحد منهما لصاحبه {وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ}.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وسبق أن قال الحق: {أية : ٱلطَّلاَقُ مَرَّتَانِ} تفسير : [البقرة: 229] وبعدها قال: {أية : فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} تفسير : [البقرة: 229]. وهنا يتحدث الحق عن التسريح بقوله: {فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىٰ تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ} [البقرة: 230]. وذلك حتى يبين لنا أنه إن وصلت الأمور بين الزوجين إلى مرحلة اللا عودة فلابد من درس قاس؛ فلا يمكن أن يرجع كل منهما للآخر بسهولة. لقد أمهلهما الله بتشريع البينونة الصغرى التي يعقبها مهر وعقد جديدان فلم يرتدعا، فكان لابد من البينونة الكبرى، وهي أن تتزوج المرأة بزوج آخر وتجرب حياة زوجية أخرى. وبذلك يكون الدرس قاسياً. وقد يأخذ بعض الرجال المسألة بصورة شكلية، فيتزوج المرأة المطلقة ثلاثاً زواجاً كامل الشروط من عقد وشهود ومهر، لكن لا يترتب على الزواج معاشرة جنسية بينهما، وذلك هو "المحلل" الذي نسمع عنه وهو ما لم يقره الإسلام. فمن تزوج على أنه محلل ومن وافقت على ذلك المحلل فليعلما أن ذلك حرام على الاثنين، فليس في الإسلام محلل، ومن يدخل بنية المحلل لا تجوز له الزوجة، وليس له حقوق عليها، وفي الوقت نفسه لو طلقها ذلك الرجل لا يجوز لها الرجوع لزوجها السابق، لأن المحلل لم يكن زوجاً وإنما تمثيل زوج، والتمثيل لا يُثبت في الواقع شيئاً. ولذلك قال الحق: {فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىٰ تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ} [البقرة: 230]. والمقصود هنا النكاح الطبيعي الذي ساقت إليه الظروف دون افتعال ولا قصد للتحليل. وعندما يطلقها ذلك الرجل لظروف خارجة عن الإرادة وهي استحالة العشرة، وليس لأسباب متفق عليها، عندئذ يمكن للزوج السابق أن يتزوج المرأة التي كانت في عصمته وطلقها من قبل ثلاث مرات. {فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَآ أَن يَتَرَاجَعَآ إِن ظَنَّآ أَن يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} [البقرة: 230] أي أن يغلب على الظن أن المسائل التي كانت مثار خلاف فيما مضى قد انتهت ووصل الاثنان إلى درجة من التعقل والاحترام المتبادل، وأخذا درساً من التجربة تجعل كلا منهما يرضى بصاحبه. وبعد ذلك يقول الحق: {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقولُه تعالى: {إِن ظَنَّآ} [معناه] إِنْ أَيقَنا.

الأندلسي

تفسير : {فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىٰ تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ} يعني الزوج الذي طلق مرة بعد مرة وهو راجع إلى قوله: أو تسريح بإِحسان، أي: فإِن سرحها التسريحة الثالثة التي هي باقية من عدد الطلاق والنكاح يطلق على العقد وعلى الوطء فحمله السعيد ان ابن المسيب وابن جبير على العقد وقالا: إذا عقد عليها الثاني حلت للأول وإن لم يدخل بها ولم يصبها وخالفها الجمهور لحديث امرأة رفاعة. وقول الجمهور: مغيب الحشفة يحل ولفظة زوجاً غيره جواز نكاح المحلل فيحلل. وسواء اشترط ذلك أم لم يشترط ولا يندرج في ذلك وطىء السيد أمته المطلقة ثلاثاً. وفي الكلام جمل محذوفة يدل عليها مشروعية النكاح أي فإِن طلقها وانقضت عدتها منه فلا تحل له حتى يعقد عليها زوج آخر ويدخل بها ويصيبها ويطلقها وتنقضي عدتها منه حينئذٍ يحل للزوج المطلق ثلاثاً أن يتراجعا. {فَإِن طَلَّقَهَا} أي الثاني وانقضت عدتها منه. {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَآ} أي على الزوج المطلق ثلاثاً والزوجة. {أَن يَتَرَاجَعَآ} أي بنكاح جديد ويجوز أن يعود الضمير على الزوج الثاني وزوجته أي: فإِن طلقها الثاني فلا جناح عليهما أن يتراجعا وتكون الآية أفادت حكمين أحدهما أن المبتوتة ثلاثاً تحل للأول بعد نكاح زوج غيره وذلك بالشروط التي تقدمت وهذا مفهوم من صدر الآية. والحكم الثاني أن للزوج الثاني الذي طلقها يجوز له أن يراجعها لأنه ينزل منزلة الأول فيجوز لهما أن يتراجعا ويكون ذلك دفعاً لما يتبادر إليه الذهن من أنه إذا طلقها الثاني حلت للأول فلكونها حلت له اختصت به فلا يجوز للثاني أن يردها فيكون قوله: فلا جناح عليهما أن يتراجعا مبيّناً أن حكم الثاني حكم الأول وأنه لا يتحتم أن الأول يراجعها. وقوله: {إِن ظَنَّآ أَن يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ} الضمير عائد على ما فسروه من كونه للزوج الأول ومبتوتته ويكون جواز التراجع موقوفاً على نكاح زوج غيره وعلى ظنهما أن يقيما حدود الله ومفهوم الشرط الثاني أنه لا يجوز التراجع ان لم يظنا. قال الزمخشري: ومن فسر الظن هنا بالعلم فقدْ وَهَم من طريق اللفظ، والمعنى لأنك لا تقول علمت أن يقوم زيد ولكن علمت أنه يقوم زيد ولأن الانسان لا يعلم ما في الغد وإنما يظن ظناً. "انتهى". وما ذكره من أنك لا تقول من علمت أن يقوم زيد قد قاله غيره. قالوا: إن الناصبة للمضارع لا يعمل فيها فعل تحقيق نحو العلم واليقين وإنما يعمل في أن المشددة. قال أبو علي الفارسي في الإِيضاح: ولو قلت علمت أن يقوم زيد. فنصبت الفعل بأن لم يجز لأن هذا من موضع أنّ لأنها مما قد ثبت واستقر كما أنه لا يحسن أرجو أنك تقوم وظاهر كلام أبي علي مخالف لما ذكر سيبويه من أنه يجوز أن تقول ما علمت إلا أن يقوم زيد فاعمل علمت في أن قال بعض أصحابنا ووجه الجمع بينهما أنّ علمت قد تستعمل، ويراد بها العلم القطعي، فلا يجوز وقوع ان بعدها كما ذكره الفارسي، وقد تستعمل ويراد بها الظن القوي فيجوز أن تعمل في أن، ويدل على استعمالها ولا يراد بها العلم القطعي قوله: فإِن علمتموهن مؤمنات فالعلم هنا إنما يراد به الظن القوي لأن القطع بايمانهم غير متوصل إليه. وقول الشاعر: شعر : وأعلم علم الحق غير ظن وتقوى الله من خير المعاد تفسير : فقوله: علم حق يدل على أن العلم قد يكون غير علم حق، وكذلك قوله: غير ظن يدل على أنه يقال علمت وهو ظان. ومما يدل على صحة ما ذكره سيبويه من علمت قد تعمل في أن إذا أريد بها غير العلم القطعي. (قول جرير): شعر : ترضى عن الناس ان الناس قد علموا ان لأن يدانينا من خلقه أحد تفسير : فأتى بأن الناصبة للفعل بعد علمت. انتهى كلامه. وثبت بقول جرير ويتجويز سيبويه ان علم تدخل على ان الناصبة للمضارع فليس بوهم كما ذكر الزمخشري من طريق اللفظ وأما قوله: ولأن الانسان لا يعلم ما في غد وإنما يظن ظناً ليس كما ذكر بل الانسان يعلم أشياء كثيرة مما تكون في الغد ويجزم بها ولا يظنها. طلق ثابت بن يسار زوجته حتى إذا بقيت من عدتها يومان أو ثلاثة فتبين راجعها ثم أطلقها ثم راجعها ثم طلقها ثم راجعها حتى مضت سبعة أشهر مضارة لها ولم يكن الطلاق يومئذٍ محصوراً. فنزل: {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ} ولما كان الجمع مشاركاً للواحد في الحكم جاء الخطاب بالجمع. {فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ} أي ارجعوهن في العدة. {أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ} أي خلوهن حتى تنقضي العدة ونهي أن لا يكون الامساك. "ضرار" وضراراً مصدر لضار وانتصابه على أنه مفعول من أجله. وقيل: مصدر في موضع الحال أي مضارين لهن. {لِّتَعْتَدُواْ} أي لتظلموهن بالجائهن إلى أخذ أموالهن بالافتداء. وهو متعلق بضرار فهو علة للعلة، كما تقول: ضربت ابني تأديباً لينتفع. {وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ} أي الامساك على سبيل الضرر. {فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ} بتعريضها للعذاب ولما تقدمت آيات تضمنت الأسر والنهي في النكاح وأمر الحيض والايلاء والطلاق والعدة والرجعة والخلع وحدّ تعالى حدوداً لا تتعدى أكد ذلك بالنهي عن اتخاذ "آيات الله" التي منها هذه الآيات لنازلة في شأن النساء. {هُزُواً} بل تؤخذ وتتقبل بجد واجتهاد إذ هي والآيات النازلة في سائر التكاليف بين العبد. وربه وبين العبد والناس لا فرق فيها. ويقال: هزأ به. هزأ: استخف. {وَمَآ أَنزَلَ} معطوف على نعمة وهي خصوص بعد عموم إذ ما أنزل هو من النعمة. وفي خطابه تعالى بقوله: عليكم، تشريف وتعظيم لهم وهو في الحقيقة نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، والكتاب: القرآن، والحكمة: السنة. والضمير في به:عائد على ما الموصولة. والخطاب في طلقتم وفي: {فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ} للأزواج. نهي الأزواج المطلقون عن العضل إذ كانوا يفعلون ذلك ظلماً وقهراً وحمية الجاهلية لا يتركون مطلقاتهن يتزوجن بمن شئن من الأزواج. والمعنى في أزواجهن من يردن أن يتزوجنه سمواً أزواجاً باعتبار ما يؤلون إليه. والعضل: المنع. عضل ايمه: منعها من النكاح. والمضارع بضم الضاد وكسرها. {إِذَا تَرَاضَوْاْ} أي الخطاب والنساء. وإذا معمول لينكحن. و{بِٱلْمَعْرُوفِ} متعلق بتراضوا أو بينكحن. {ذٰلِكَ} الخطاب للرسول عليه السلام أو لكل سامع. و{مِنكُمْ} خطاب للمنهيين عن العضل. ويتعلق بكان أو بمحذوف فيكون في موضع الحال من الضمير المستكن في يؤمن وخص المؤمنين لأنه لا ينتفع بالوعظ الأهم. {ذٰلِكُمْ أَزْكَىٰ} أي ترك العضل والتمكين من التزويج أزكى لما فيه من امتثال أمر الله. {وَأَطْهَرُ} للزوجين لما يخشى عليها من الريبة بسبب العلاقة التي بين الرجال. {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ} بواطن الأمور ومالها.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يقول تعالى: { فَإِنْ طَلَّقَهَا } أي: الطلقة الثالثة { فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ } أي: نكاحا صحيحا ويطؤها، لأن النكاح الشرعي لا يكون إلا صحيحا، ويدخل فيه العقد والوطء، وهذا بالاتفاق. ويشترط أن يكون نكاح الثاني، نكاح رغبة، فإن قصد به تحليلها للأول، فليس بنكاح، ولا يفيد التحليل، ولا يفيد وطء السيد، لأنه ليس بزوج، فإذا تزوجها الثاني راغبا ووطئها، ثم فارقها وانقضت عدتها { فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا } أي: على الزوج الأول والزوجة { أَنْ يَتَرَاجَعَا } أي: يجددا عقدا جديدا بينهما، لإضافته التراجع إليهما، فدل على اعتبار التراضي. ولكن يشترط في التراجع أن يظنا { أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ } بأن يقوم كل منهما، بحق صاحبه، وذلك إذا ندما على عشرتهما السابقة الموجبة للفراق، وعزما أن يبدلاها بعشرة حسنة، فهنا لا جناح عليهما في التراجع. ومفهوم الآية الكريمة، أنهما إن لم يظنا أن يقيما حدود الله، بأن غلب على ظنهما أن الحال السابقة باقية، والعشرة السيئة غير زائلة أن عليهما في ذلك جناحا، لأن جميع الأمور، إن لم يقم فيها أمر الله، ويسلك بها طاعته، لم يحل الإقدام عليها. وفي هذا دلالة على أنه ينبغي للإنسان، إذا أراد أن يدخل في أمر من الأمور، خصوصا الولايات، الصغار، والكبار، نظر في نفسه، فإن رأى من نفسه قوة على ذلك، ووثق بها، أقدم، وإلا أحجم. ولما بين تعالى هذه الأحكام العظيمة قال: { وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ } أي: شرائعه التي حددها وبينها ووضحها. { يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ } لأنهم هم المنتفعون بها، النافعون لغيرهم. وفي هذا من فضيلة أهل العلم، ما لا يخفى، لأن الله تعالى جعل تبيينه لحدوده، خاصا بهم، وأنهم المقصودون بذلك، وفيه أن الله تعالى يحب من عباده، معرفة حدود ما أنزل على رسوله والتفقه بها. ثم قال تعالى: { وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ } أي: طلاقا رجعيا بواحدة أو ثنتين. { فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ } أي: قاربن انقضاء عدتهن. { فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ } أي: إما أن تراجعوهن، ونيتكم القيام بحقوقهن، أو تتركوهن بلا رجعة ولا إضرار، ولهذا قال: { وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا } أي: مضارة بهن { لِتَعْتَدُوا } في فعلكم هذا الحلال، إلى الحرام، فالحلال: الإمساك بمعروف (1) والحرام: المضارة، { وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ } ولو كان الحق يعود للمخلوق فالضرر عائد إلى من أراد الضرار. { وَلا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا } لما بين تعالى حدوده غاية التبيين، وكان المقصود، العلم بها والعمل، والوقوف معها، وعدم مجاوزتها، لأنه تعالى لم ينزلها عبثا، بل أنزلها بالحق والصدق والجد، نهى عن اتخاذها هزوا، أي: لعبا بها، وهو التجرؤ عليها، وعدم الامتثال لواجبها، مثل استعمال المضارة في الإمساك، أو الفراق، أو كثرة الطلاق، أو جمع الثلاث، والله من رحمته جعل له واحدة بعد واحدة، رفقا به وسعيا في مصلحته. { وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ } عموما باللسان ثناء وحمدا، وبالقلب اعترافا وإقرارا، وبالأركان بصرفها في طاعة الله، { وَمَا أَنزلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ } أي: السنة اللذين بيّن لكم بهما طرق الخير ورغبكم فيها، وطرق الشر وحذركم إياها، وعرفكم نفسه ووقائعه في أوليائه وأعدائه، وعلمكم ما لم تكونوا تعلمون. وقيل: المراد بالحكمة أسرار الشريعة، فالكتاب فيه، الحكم، والحكمة فيها، بيان حكمة الله في أوامره ونواهيه، وكلا المعنيين صحيح، ولهذا قال { يَعِظُكُمْ بِهِ } أي: بما أنزل عليكم، وهذا مما يقوي أن المراد بالحكمة، أسرار الشريعة، لأن الموعظة ببيان الحكم والحكمة، والترغيب، أو الترهيب، فالحكم به، يزول الجهل، والحكمة مع الترغيب، يوجب الرغبة، والحكمة مع الترهيب يوجب الرهبة. { وَاتَّقُوا اللَّهَ } في جميع أموركم { وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } فلهذا بيّن لكم هذه الأحكام بغاية الإحكام والإتقان التي هي جارية مع المصالح في كل زمان ومكان، [فله الحمد والمنة].