٢ - ٱلْبَقَرَة
2 - Al-Baqara (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
231
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن في الآية مسائل: المسألة الأولى: أول ما يجب تقديمه في هذه الآية أن لقائل أن يقول: لا فرق بين هذه الآية وبين قوله: {أية : ٱلطَّلَـٰقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَـٰنٍ } تفسير : [البقرة: 229] فتكون إعادة هذه الآية بعد ذكر تلك الآية تكريراً لكلام واحد في موضع واحد من غير فائدة وأنه لا يجوز. والجواب: أما أصحاب أبـي حنيفة فهم الذين حملوا قوله: {ٱلطَّلَـٰقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَـٰنٍ } على أن الجمع بين الطلقات غير مشروع، وإنما المشروع هو التفريق، فهذا السؤال ساقط عنهم، لأن تلك الآية في بيان كيفية الجمع والتفريق، وهذه الآية في بيان كيفية الرجعة، وأما أصحاب الشافعي رحمهم الله وهم الذين حملوا تلك الآية على كيفية الرجعة فهذا السؤال وارد عليهم، ولهم أن يقولوا: إن من ذكر حكماً يتناول صوراً كثيرة، وكان إثبات ذلك الحكم في بعض تلك الصور أهم لم يبعد أن يعيد بعد ذلك الحكم العام تلك الصورة الخاصة مرة أخرى، ليدل ذلك التكرير على أن في تلك الصورة من الاهتمام ما ليس في غيرها وههنا كذلك وذلك لأن قوله: {أية : ٱلطَّلَـٰقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَـٰنٍ } تفسير : [البقرة: 229] فيه بيان أنه لا بد في مدة العدة من أحد هذين الأمرين، وأما في هذه الآية ففيه بيان أن عند مشارفة العدة على الزوال لا بد من رعاية أحد هذين الأمرين ومن المعلوم أن رعاية أحد هذين الأمرين عند مشارفة زوال العدة أولى بالوجوب من سائر الأوقات التي قبل هذا الوقت، وذلك لأن أعظم أنواع الإيذاء أن يطلقها، ثم يراجعها مرتين عند آخر الأجل حتى تبقى في العدة تسعة أشهر، فلما كان هذا أعظم أنواع المضارة لم يقبح أن يعيد الله حكم هذه الصورة تنبيهاً على أن هذه الصورة أعظم الصور اشتمالاً على المضارة وأولاها بأن يحترز المكلف عنها. المسألة الثانية: قوله: {فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ } إشارة إلى المراجعة واختلف العلماء في كيفية المراجعة، فقال الشافعي رضي الله عنه: لما لم يكن نكاح ولا طلاق إلا بكلام، لم تكن الرجعة إلا بكلام، وقال أبو حنيفة والثوري رضي الله عنهما: تصح الرجعة بالوطء، وقال مالك رضي الله عنه: إن نوى الرجعة بالوطء كانت رجعة وإلا فلا. حجة الشافعي رضي الله عنه ما روي أن ابن عمر رضي الله عنه لما طلق زوجته وهي حائض فسأل عمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال عليه الصلاة والسلام «حديث : مره فليراجعها ثم ليمسكها»تفسير : حتى تطهر أمره النبـي صلى الله عليه وسلم بالمراجعة مطلقاً، وقيل: درجات الأمر الجواز فنقول: إنه كان مأذوناً بالمراجعة في زمان الحيض، وما كان مأذوناً بالوطء في زمان الحيض فيلزم أن لا يكون الوطء رجعة وحجة أبـي حنيفة رضي الله تعالى عنه أنه تعالى قال: {فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ } أمر بمجرد الإمساك، وإذا وطئها فقد أمسكها، فوجب أن يكون كافياً، أما الشافعي رضي الله تعالى عنه فإنه لما قال: إنه لا بد من الكلام، فظاهر مذهبه أن الإشهاد على الرجعة مستحب ولا يجب وبه قال مالك وأبو حنيفة رضي الله عنهما، وقال في «الإملاء»: هو واجب، وهو اختيار محمد بن جرير الطبري، والحجة فيه قوله تعالى: {فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ } ولا يكون معروفاً إلا إذا عرفه الغير، وأجمعنا على أنه لا يجب عرفان غير الشاهد، فوجب أن يكون عرفان الشاهد واجباً وأجاب الأولون بأن المراد بالمعروف هو المراعاة وإيصال الخير لا ما ذكرتم. المسألة الثالثة: لقائل أن يقول: إنه تعالى أثبت عند بلوغ الأجل حق المراجعة، وبلوغ الأجل عبارة عن انقضاء العدة، وعند انقضاء العدة لا يثبت حق المراجعة. والجواب من وجهين: أحدهما: المراد ببلوغ الأجل مشارفة البلوغ لا نفس البلوغ، وبالجملة فهذا من باب المجاز الذي يطلق فيه اسم الكل على الأكثر، وهو كقول الرجل إذا قارب البلد: قد بلغنا الثاني: أن الأجل اسم للزمان فنحمله على الزمان الذي هو آخر زمان يمكن إيقاع الرجعة إليه، بحيث إذا فات لا يبقى بعده مكنة الرجعة، وعلى هذا التأويل فلا حاجة بنا إلى المجاز. أما قوله تعالى: {وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا } ففيه مسألتان: المسألة الأولى: لقائل أن يقول: فلا فرق بين أن يقول: {فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ } وبين قوله: {وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا } لأن الأمر بالشيء نهي عن ضده فما الفائدة في التكرار؟. والجواب: الأمر لا يفيد إلا مرة واحدة، فلا يتناول كل الأوقات، أما النهي فإنه يتناول كل الأوقات، فلعله يمسكها بمعروف في الحال، ولكن في قلبه أن يضارها في الزمان المستقبل، فلما قال تعالى: {وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا } اندفعت الشبهات وزالت الاحتمالات. المسألة الثانية: قال القفال: الضرار هو المضارة قال تعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مَسْجِدًا ضِرَارًا } تفسير : [التوبة: 107] أي اتخذوا المسجد ضراراً ليضاروا المؤمنين، ومعناه رجع إلى إثارة العداوة وإزالة الألفة وإيقاع الوحشة، وموجبات النفرة، وذكر المفسرون في تفسير هذا الضرار وجوها أحدها: ما روي أن الرجل كان يطلق المرأة ثم يدعها، فإذا قارب انقضاء القرء الثالث راجعها، وهكذا يفعل بها حتى تبقى في العدة تسعة أشهر أو أكثر والثاني: في تفسير الضرار سوء العشرة والثالث: تضييق النفقة، واعلم أنهم كانوا يفعلون في الجاهلية أكثر هذه الأعمال رجاء أن تختلع المرأة منه بمالها. أما قوله تعالى: {لّتَعْتَدُواْ } ففيه وجهان الأول: المراد لا تضاروهن فتكونوا معتدين، يعني فتكون عاقبة أمركم ذلك وهو كقوله: {أية : فَٱلْتَقَطَهُ ءالُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً } تفسير : [القصص: 8] أي فكان لهم وهي لام العاقبة والثاني: أن يكون المعنى: لا تضاروهن على قصد الاعتداء عليهن، فحينئذٍ تصيرون عصاة الله، وتكونون متعمدين قاصدين لتلك المعصية، ولا شك أن هذا أعظم أنواع المعاصي. أما قوله تعالى: {وَمَن يَفْعَلْ ذٰلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ } ففيه وجوه أحدها: ظلم نفسه بتعريضها لعذاب الله وثانيها: ظلم نفسه بأن فوت عليها منافع الدنيا والدين، أما منافع الدنيا فإنه إذا اشتهر فيما بين الناس بهذه المعاملة القبيحة لا يرغب في التزوج به ولا معاملته أحد، وأما منافع الدين فالثواب الحاصل على حسن العشرة مع الأهل والثواب الحاصل على الانقياد لأحكام الله تعالى وتكاليفه. أما قوله تعالى: {وَلاَ تَتَّخِذُواْ آيَـٰتِ ٱللَّهِ هُزُوًا } ففيه وجوه الأول: أن من نسي فلم يفعله بعد أن نصب نفسه منصب من يطيع ذلك الأمر، يقال فيه أنه استهزأ بهذا الأمر ويلعب به، فعلى هذا كل من أمر بأنه تجب عليه طاعة الله وطاعة رسوله، ثم وصلت إليه هذه التكاليف التي تقدم ذكرها في العدة والرجعة والخلع وترك المضارة فلا يتشمر لأدائها، كان كالمستهزىء بها، وهذا تهديد عظيم للعصاة من أهل الصلاة وثانيها: المراد: ولا تتسامحوا في تكاليف الله كما يتسامح فيما يكون من باب الهزل والعبث والثالث: قال أبو الدرداء: كان الرجل يطلق في الجاهلية، ويقول: طلقت وأنا لاعب، ويعتق وينكح، ويقول مثل ذلك، فأنزل الله تعالى هذه الآية، فقرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: «حديث : من طلق، أو حرر، أو نكح، فزعم أنه لاعب فهو جد» تفسير : والرابع: قال عطاء: المعنى أن المستغفر من الذنب إذا كان مصراً عليه أو على مثله، كان كالمستهزىء بآيات الله تعالى، والأقرب هو الوجه الأول، لأن قوله: {وَلاَ تَتَّخِذُواْ آيَـٰتِ ٱللَّهِ هُزُوًا } تهديد، والتهديد إذا ذكر بعد ذكر التكاليف كان ذلك التهديد تهديداً على تركها، لا على شيء آخر غيرها، واعلم أنه تعالى لما رغبهم في أداء التكاليف بما ذكر من التهديد، رغبهم أيضاً في أدائها بأن ذكرهم أنواع نعمه عليهم، فبدأ أولاً بذكرها على سبيل الإجمال فقال: {وَٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ } وهذا يتناول كل نعم الله على العبد في الدنيا وفي الدين، ثم إنه تعالى ذكر بعد هذا نعم الدين، وإنما خصها بالذكر لأنها أجل من نعم الدنيا، فقال: {وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُم مّنَ ٱلْكِتَـٰبِ وَٱلْحِكْمَةِ يَعِظُكُم بِهِ } والمعنى أنه إنما أنزل الكتاب والحكمة ليعظكم به، ثم قال: {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ } أي في أوامره كلها، ولا تخالفوه في نواهيه {وَٱعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ بِكُلّ شَىْءٍ عَلِيمٌ }.
القرطبي
تفسير : فيه ست مسائل: الأُولىٰ ـ قوله تعالىٰ: {فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ} معنى «بَلَغْنَ» قاربْن؛ بإجماع من العلماء؛ ولأن المعنى يضطرّ إلى ذلك؛ لأنه بعد بلوغ الأجل لا خيار له في الإمساك، وهو في الآية التي بعدها بمعنى التناهي؛ لأن المعنى يقتضي ذلك، فهو حقيقة في الثانية مجاز في الأُولىٰ. الثانية ـ قوله تعالىٰ: {فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ} الإمساك بالمعروف هو القيام بما يجب لها من حق على زوجها؛ ولذلك قال جماعة من العلماء: إن من الإمساك بالمعروف أن الزوج إذا لم يجد ما ينفق على الزوجة أن يطلقها؛ فإن لم يفعل خرج عن حدّ المعروف، فيطلِّق عليه الحاكم من أجل الضرر اللاحق لها من بقائها عند من لا يقدر على نفقتها، والجوع لا صبر عليه؛ وبهذا قال مالك والشافعيّ وأحمد وإسحاق وأبو ثور وأبو عبيد ويحيى القطّان وعبد الرّحمٰن بن مهديّ، وقاله من الصحابة عمر وعلي وأبو هريرة، ومن التابعين سعيد بن المسيّب وقال: إن ذلك سُنّة. ورواه أبو هريرة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم. وقالت طائفة: لا يفرّق بينهما، ويلزمها الصبر عليه، وتتعلق النفقة بذمّته بحكم الحاكم؛ وهذا قول عطاء والزهريّ، وإليه ذهب الكوفيون والثوريّ؛ وٱحتجوا بقوله تعالىٰ: {أية : وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ} تفسير : [البقرة: 280] وقال: {أية : وَأَنْكِحُواْ ٱلأَيَامَىٰ مِنْكُمْ} تفسير : [النور: 32] الآية؛ فندب تعالىٰ إلى إنكاح الفقير، فلا يجوز أن يكون الفقر سبباً للفرقة، وهو مندوب معه إلى النكاح. وأيضاً فإن النكاح بين الزوجين قد ٱنعقد بإجماع فلا يفرّق بينهما إلاَّ بإجماع مثله، أو بسُنّة عن الرسول صلى الله عليه وسلم لا معارض لها. والحجّة للأوّل قوله صلى الله عليه وسلم في صحيح البخاريّ: «حديث : تقول المرأة إما أن تطعِمنِي وإما أن تطلقني»تفسير : فهذا نص في موضع الخلاف. والفرقة بالإعسار عندنا طلقة رجعية خلافاً للشافعيّ في قوله: إنها طلقة بائنة؛ لأن هذه فرقة بعد البناء لم يستكمل بها عدد الطلاق ولا كانت لِعوض ولا لضرر بالزوج فكانت رجعية؛ أصله طلاق المُولِي. الثالثة ـ قوله تعالىٰ: {أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ} يعني فطلقوهنّ؛ وقد تقدّم. {وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَاراً لِّتَعْتَدُواْ} روى مالك عن ثور بن زيد الديلي: أن الرجل كان يطلِّق ٱمرأته ثم يراجعها ولا حاجة له بها ولا يريد إمساكها؛ كيما يطوّل بذلك العدّة عليها وليُضارّها؛ فأنزل الله تعالىٰ: {وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَاراً لِّتَعْتَدُواْ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ} يعِظهم الله به. وقال الزجاج: «فقد ظلم نفسه» يعني عرض نفسه للعذاب، لأن إتيان ما نهى الله عنه تعرّضٌ لعذاب الله. وهذا الخبر موافق للخبر الذي نزل بترك ما كان عليه أهل الجاهلية من الطلاق والارتجاع حسب ما تقدّم بيانه عند قوله تعالىٰ: {ٱلطَّلاَقُ مَرَّتَانِ}. فأفادنا هذان الخبران أن نزول الآيتين المذكورتين كان في معنى واحد متقارب وذلك حبس الرجلِ المرأة ومراجعته لها قاصداً إلى الإضرار بها؛ وهذا ظاهر. الرابعة ـ قوله تعالىٰ: {وَلاَ تَتَّخِذُوۤاْ آيَاتِ ٱللَّهِ هُزُواً} معناه لا تأخذوا أحكام الله تعالىٰ في طريق الهزو (بالهزو) فإنها جِدٌّ كلها؛ فمن هزل فيها لزمته. قال أبو الدرداء: كان الرجل يطلّق في الجاهلية ويقول: إنما طلقت وأنا لاعب؛ وكان يعتِق وينكح ويقول: كنت لاعباً؛ فنزلت هذه الآية؛ فقال عليه السَّلام: «حديث : من طلّق أو حرّر أو نكح أو أنكح فزعم أنه لاعب فهو جدٌّ»تفسير : . رواه مَعْمَر قال: حدّثنا عيسى بن يونس عن عمرو عن الحسن عن أبي الدرداء فذكره بمعناه. وفي موطأ مالك أنه بلغه أن رجلاً قال لابن عباس: إني طلقت ٱمرأتي مائة مرّة فماذا ترى عليّ؟ فقال ٱبن عباس: طُلِّقت منك بثلاث، وسبع وتسعون ٱتخذت بها آيات الله هزواً. وخرّج الدارقطنيّ من حديث إسماعيل بن أبي أُمية القرشي حديث : عن عليّ قال: سمع النبيّ صلى الله عليه وسلم رَجُلاً طلق البتة فغضب وقال: «تتخذون آيات الله هزواً ـ أو دِين الله هزواً ولعباً من طلق ٱلبتة ألزمناه ثلاثاً لا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره»تفسير : . إسماعيل بن أبي أُمية هذا كوفيّ ضعيف الحديث. وروي عن عائشة: أن الرجل كان يطلق ٱمرأته ثم يقول: والله لا أورّثِك ولا أدعِك. قالت: وكيف ذاك؟ قال: إذا كِدتِ تقضين عدّتك راجعتك؛ فنزلت: {وَلاَ تَتَّخِذُوۤاْ آيَاتِ ٱللَّهِ هُزُواً}. قال علماؤنا: والأقوال كلها داخلة في معنى الآية؛ لأنه يُقال لمن سخر من آيات الله: ٱتخذها هزواً. ويُقال ذلك لمن كفر بها، ويُقال ذلك لمن طرحها ولم يأخذ بها وعمل بغيرها؛ فعلىٰ هذا تدخل هذه الأقوال في الآية. وآيات الله: دلائله وأمره ونهيه. الخامسة ـ ولا خلاف بين العلماء أن من طلق هازلاً أن الطلاق يلزمه، وٱختلفوا في غيره على ما يأتي بيانه في «براءة» إن شاء الله تعالىٰ. وخرّج أبو داود عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : ثلاث جِدّهن جِدّ وهزلِهن جِدّ النكاح والطلاق والرّجعة»تفسير : . وروي عن عليّ بن أبي طالب وٱبن مسعود وأبي الدّرداء كلهم قالوا: ثلاث لا لعب فيهنّ واللاعب فيهنّ جادّ: النكاح والطلاق والعِتاق. وقيل: المعنى لا تتركوا أوامر الله فتكونوا مقصرين لاعبين. ويدخل في هذه الآية الاستغفار من الذنب قولاً مع الإصرار فعلاً؛ وكذا كل ما كان في هذا المعنى فٱعلمه. السادسة ـ قوله تعالىٰ: {وَٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ} أي بالإسلام وبيان الأحكام. {وَٱلْحِكْمَةِ}: هي السنة المبيِّنة على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم مرادَ اللَّهِ فيما لم ينص عليه في الكتاب. {يَعِظُكُمْ بِهِ} أي يخوّفكم. {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} تقدّم.
البيضاوي
تفسير : {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنّسَاء فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ} أي آخر عدتهن، والأجل يطلق للمدة ولمنتهاها فيقال لعمر الإِنسان وللموت الذي به ينتهي قال:شعر : كُلّ حَيٍّ مُسْتَكْمِلٌ مُدَّةَ العُمُرِ وَمَوت إِذَا اْنَتَهَى أَجَلُه تفسير : والبلوغ هو الوصول إلى الشيء، وقد يقال للدنو منه على الاتساع، وهو المراد في الآية ليصح أو يرتب عليه. {فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ} إذ لا إمساك بعد انقضاء الأجل، والمعنى فراجعوهن من غير ضرار، أو خلوهن حتى تنقضي عدتهن من غير تطويل، وهو إعادة للحكم في بعض صوره للاهتمام به. {وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا} ولا تراجعوهن إرادة الإضرار بهن، كأن المطلق يترك المعتدة حتى تشارف الأجل ثم يراجعها لتطول العدة عليها، فنهي عنه بعد الأمر بضده مبالغة. ونصب ضراراً على العلة أو الحال بمعنى مضارين. {لّتَعْتَدُواْ} لتظلموهن بالتطويل أو الإِلجاء إلى الإِفتداء، واللام متعلقة بضرارًا إذ المراد تقييده. {وَمَن يَفْعَلْ ذٰلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ} بتعريضها للعقاب. {وَلاَ تَتَّخِذُواْ آيَـٰتِ ٱللَّهِ هُزُوًا} بالإِعراض عنها والتهاون في العمل بما فيها من قولهم لمن لم يجد في الأمر إنما أنت هازىء، كأنه نهي عن الهزؤ وأراد به الأمر بضده. وقيل؛ (كان الرجل يتزوج ويطلق ويعتق ويقول: كنت ألعب) فنزلت. وعنه عليه الصلاة والسلام: «حديث : ثلاث جدهن جد وهزلهن جد، الطلاق والنكاح والعتاق»تفسير : {وَٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ} التي من جملتها الهداية، وبعثة محمد صلى الله عليه وسلم بالشكر والقيام بحقوقها. {وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُم مّنَ ٱلْكِتَـٰبِ وَٱلْحِكْمَةِ } القرآن والسنة أفردهما بالذكر إظهاراً لشرفهما. {يَعِظُكُمْ بِهِ } بما أنزل عليكم. {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ بِكُلّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} تأكيد وتهديد.
ابن كثير
تفسير : هذا أمر من الله عز وجل للرجال، إذا طلق أحدهم المرأة طلاقاً له عليها فيه رجعة، أن يحسن في أمرها إذا انقضت عدتها، ولم يبق منها إلا مقدار ما يمكنه فيه رجعتها، فإما أن يمسكها، أي: يرتجعها إلى عصمة نكاحه بمعروف، وهو أن يشهد على رجعتها، وينوي عشرتها بالمعروف، أو يسرحها، أي: يتركها حتى تنقضي عدتها، ويخرجها من منزله بالتي هي أحسن، من غير شقاق ولا مخاصمة ولا تقابح، قال الله تعالى: {وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِّتَعْتَدُواْ}، قال ابن عباس، ومجاهد ومسروق والحسن وقتادة والضحاك والربيع ومقاتل بن حيان وغير واحد: كان الرجل يطلق المرأة، فإذا قاربت انقضاء العدة راجعها ضراراً؛ لئلا تذهب إلى غيره، ثم يطلقها فتعتد، فإذا شارفت على انقضاء العدة طلق لتطول عليها العدة، فنهاهم الله عن ذلك، وتوعدهم عليه، فقال: {وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ} أي: بمخالفته أمر الله تعالى. وقوله تعالى: {وَلاَ تَتَّخِذُوۤاْ آيَـٰتِ ٱللَّهِ هُزُوًا} قال ابن جرير عند هذه الآية: أخبرنا أبو كريب، أخبرنا إسحاق بن منصور عن عبد السلام بن حرب، عن يزيد بن عبد الرحمن، عن أبي العلاء الأودي، عن حميد بن الرحمن، عن أبي موسى، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غضب على الأشعريين، فأتاه أبو موسى قال: يا رسول الله أغضبت على الأشعريين؟ فقال: «حديث : يقول أحدكم: قد طلقت، قد راجعت، ليس هذا طلاق المسلمين، طلقوا المرأة في قبل عدتها»تفسير : ثم رواه من وجه آخر عن أبي خالد الدلال، وهو يزيد بن عبد الرحمن، وفيه كلام. وقال مسروق: هو الذي يطلق في غير كنهه، ويضار امرأته بطلاقها وارتجاعها، لتطول عليها العدة، وقال الحسن وقتادة وعطاء الخراساني والربيع ومقاتل بن حيان: هو الرجل يطلق ويقول: كنت لاعباً، أو يعتق أو ينكح ويقول: كنت لاعباً، فأنزل الله: {وَلاَ تَتَّخِذُوۤاْ آيَـٰتِ ٱللَّهِ هُزُوًا} فألزم الله بذلك، وقال ابن مردويه: حدثنا إبراهيم بن محمد، حدثنا أبو أحمد الصيرفي، حدثني جعفر بن محمد السمسار، عن إسماعيل بن يحيى عن سفيان، عن ليث، عن مجاهد، عن ابن عباس، قال: طلق رجل امرأته، وهو يلعب لا يريد الطلاق، فأنزل الله: {وَلاَ تَتَّخِذُوۤاْ آيَـٰتِ ٱللَّهِ هُزُوًا} فألزمه رسول الله صلى الله عليه وسلم الطلاق. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا عصام بن رواد، حدثنا آدم، حدثنا المبارك بن فضالة عن الحسن، هو البصري، قال: كان الرجل يطلق ويقول: كنت لاعباً، ويعتق ويقول: كنت لاعباً، وينكح ويقول: كنت لاعباً، فأنزل الله: {وَلاَ تَتَّخِذُوۤاْ آيَـٰتِ ٱللَّهِ هُزُوًا}، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من طلق أو أعتق أو نكح أو أنكح، جاداً أو لاعباً، فقد جاز عليه»تفسير : وكذا رواه ابن جرير، من طريق الزهري، عن سليمان بن أرقم، عن الحسن مثله، وهذا مرسل، وقد رواه ابن مردويه، عن طريق عمرو بن عبيد، عن الحسن، عن أبي الدرداء موقوفاً عليه. وقال أيضاً: حدثنا أحمد بن الحسن بن أيوب، حدثنا يعقوب بن أبي يعقوب، حدثنا يحيى بن عبد الحميد، حدثنا أبو معاوية عن إسماعيل بن سلمة عن الحسن عن عبادة بن الصامت في قول الله تعالى: {وَلاَ تَتَّخِذُوۤاْ آيَـٰتِ ٱللَّهِ هُزُوًا}. قال: كان الرجل على عهد النبي صلى الله عليه وسلم يقول للرجل: زوجتك ابنتي، ثم يقول: كنت لاعباً، ويقول: قد أعتقت، ويقول: كنت لاعباً، فأنزل الله: {وَلاَ تَتَّخِذُوۤاْ آيَـٰتِ ٱللَّهِ هُزُوًا}، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ثلاث من قالهن لاعباً أو غير لاعب، فهن جائزات عليه: الطلاق والعتاق والنكاح»تفسير : والمشهور في هذا الحديث الذي رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه من طريق عبد الرحمن بن حبيب بن أردك عن عطاء عن ابن ماهك عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ثلاث جدهن جد، وهزلهن جد: النكاح والطلاق والرجعة»تفسير : وقال الترمذي: حسن غريب. وقوله: {وَٱذْكُرُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ}، أي: في إرساله الرسول بالهدى والبينات إليكم {وَمَآ أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّنَ ٱلْكِتَـٰبِ وَٱلْحِكْمَةِ}، أي: السنة {يَعِظُكُم بِهِ} أي: يأمركم وينهاكم ويتوعدكم على ارتكاب المحارم، {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ}، أي: فيما تأتون، وفيما تذرون، {وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ} أي: فلا يخفى عليه شيء من أموركم السرية والجهرية، وسيجازيكم على ذلك.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ } قاربن انقضاء عدّتهن {فَأَمْسِكُوهُنَّ } بأن تراجعوهن {بِمَعْرُوفٍ } من غير ضرار {أَوْ سَرّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ } اتركوهن حتى تنقضي عدّتهن {وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ } بالرجعة {ضِرَارًا } مفعول له {لِّتَعْتَدُواْ } عليهن بالإلجاء إلى الافتداء والتطليق وتطويل الحبس {وَمَن يَفْعَلْ ذٰلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ } بتعريضها إلى عذاب الله {وَلاَ تَتَّخِذُواْ آيَٰتِ ٱللَّهِ هُزُوًا } مهزوءاً بها بمخالفتها {وَٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ } بالإسلام {وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُم مّنَ ٱلْكِتَٰبِ } القرآن {وَٱلْحِكْمَةِ } ما فيه من الأحكام {يَعِظُكُمْ بِهِ } بأن تشكروها بالعمل بِهِ {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ بِكُلّ شَىْءٍ عَلِيمٌ } لا يخفى عليه شيء.
الشوكاني
تفسير : البلوغ إلى الشيء: معناه الحقيقي الوصول إليه، ولا يستعمل البلوغ بمعنى المقاربة إلا مجازاً لعلاقة مع قرينة كما هنا، فإنه لا يصح إرادة المعنى الحقيقي؛ لأن المرأة إذاً قد بلغت آخر جزء من مدّة العدّة، وجاوزته إلى الجزء الذي هو الأجل للانقضاء، فقد خرجت من العدّة، ولم يبق للزوج عليها سبيل. قال القرطبي في تفسيره: إن معنى: {بَلَغْنَ } هنا قاربن بإجماع العلماء. قال: ولأن المعنى يضطر إلى ذلك؛ لأنه بعد بلوغ الأجل لا خيار له في الإمساك، والإمساك بمعروف: هو القيام بحقوق الزوجية. أي: إذا طلقتم النساء، فقاربن آخر العدّة، فلا تضاروهنّ بالمراجعة من غير قصد؛ لاستمرار الزوجية، واستدامتها، بل اختاروا أحد أمرين: إما الإمساك بمعروف من غير قصد لضرار، أو التسريح بإحسان: أي: تركها حتى تنقضي عدّتها من غير مراجعة ضرار، ولا تمسكوهن ضراراً، كما كانت تفعل الجاهلية من طلاق المرأة حتى يقرب انقضاء عدّتها، ثم مراجعتها لا عن حاجة، ولا لمحبة، ولكن لقصد تطويل العدّة، وتوسيع مدّة الانتظار {ضِرَارًا } لقصد الاعتداء منكم عليهن والظلم لهنّ {وَمَن يَفْعَلْ ذٰلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ } لأنه عرضها لعقاب الله وسخطه. قال الزجاج: يعني عرّض نفسه للعذاب، لأن إتيان ما نهى الله عنه تعرض لعذاب الله {وَلاَ تَتَّخِذُواْ آيَـٰتِ ٱللَّهِ هزوا} أي: لا تأخذوا أحكام الله على طريقة الهزؤ، فإنها جدّ كلها، فمن هزل فيها فقد لزمته ــ نهاهم سبحانه أن يفعلوا كما كانت الجاهلية تفعل، فإنه كان يطلق الرجل منهم، أو يعتق، أو يتزوج، ويقول: كنت لاعباً. قال القرطبي، ولا خلاف بين العلماء أن من طلق هازلاً أن الطلاق يلزمه. قوله: {هُزُوًا وَٱذْكُرُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ } أي: النعمة التي صرتم فيها بالإسلام، وشرائعه بعد أن كنتم في جاهلية جهلاء، وظلمات بعضها فوق بعض، والكتاب: هو القرآن. والحكمة قال المفسرون: هي السنة التي سنها لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم {يَعِظُكُمْ بِهِ } أي: يخوفكم بما أنزل عليكم، وأفرد الكتاب، والحكمة بالذكر مع دخولهما في النعمة دخولاً أولياً، تنبيهاً على خطرهما، وعظم شأنهما. وقد أخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال: كان الرجل يطلق امرأته، ثم يراجعها قبل انقضاء عدّتها، ثم يطلقها، فيفعل بها ذلك يضارّها، ويعطلها، فأنزل الله: {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنّسَاء } الآية. وأخرج نحوه مالك، وابن جرير، وابن المنذر، عن ثور بن يزيد. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، والبيهقي، عن الحسن في قوله: {وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لّتَعْتَدُواْ } قال: هو الرجل يطلق امرأته، فإذا أرادت أن تنقضي عدّتها أشهد على رجعتها، يريد أن يطوّل عليها. وأخرج ابن ماجه، وابن جرير، والبيهقي، عن أبي موسى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ما بال أقوام يلعبون بحدود الله يقول: قد طلقتك، قد راجعتك، قد طلقتك، قد راجعتك، ليس هذا طلاق المسلمين، طلقوا المرأة في قبل عدّتها»تفسير : وقد أخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن عبادة بن الصامت قال: كان الرجل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول للرجل: زوَّجتك ابنتي، ثم يقول: كنت لاعباً، ويقول: قد أعتقت، ويقول: كنت لاعباً، فأنزل الله سبحانه: {وَلاَ تَتَّخِذُواْ آيَـٰتِ ٱللَّهِ هزواً} فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ثلاث من قالهنّ لاعباً، أو غير لاعب، فهن جائزات عليه: الطلاق، والنكاح، والعتاق»تفسير : وأخرج ابن مردويه، عن أبي الدرداء قال: كان الرجل يطلق، ثم يقول: لعبت، ويعتق، ثم يقول لعبت، فأنزل الله: {وَلاَ تَتَّخِذُواْ آيَـٰتِ ٱللَّهِ هزواً} فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من طلق، أو أعتق، فقال لعبت، فليس قوله بشيء، يقع عليه، فيلزمه». تفسير : وأخرج ابن مردويه أيضاً، عن ابن عباس قال: طلق رجل امرأته، وهو يلعب لا يريد الطلاق، فأنزل الله: {وَلاَ تَتَّخِذُواْ آيَـٰتِ ٱللَّهِ هزواً} فألزمه رسول الله صلى الله عليه وسلم الطلاق. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن أبي حاتم، عن الحسن مرفوعاً نحو حديث عبادة. وأخرج أبو داود، والترمذي وحسنه، وابن ماجه، والحاكم وصححه، عن أبي هريرة؛ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ثلاث جدّهنَّ جِدٌّ، وهزلهنّ جدّ: النكاح، والطلاق، والرجعة».
الماوردي
تفسير : قوله تعالى: {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ} أي قاربْن انقضاء عِدَدهن، كما يقول المسافر: بلغت بلد كذا إذا قاربه. {فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ} هو المراجعة قبل انقضاء العدة {أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ} وهو تركها حتى تنقضي العدة. {وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَاراً لّتَعْتَدُواْ} هو أن يراجع كلما طلّق حتى تطول عدتها إضراراً بها. {وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ} يعني في قصد الإضرار، وإن صحت الرجعة، والطلاق. رَوَى حميد بن عبد الرحمن، عن أبي موسى الأشعري: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غضب على الأشعريين، قالوا: يقول أحدهم قد طلقت، قد راجعت، ليس هذا بطلاق المسلمين، طلقوا المرأة في قبل عدتها ولا تتخذوا آيات الله هزواً. وروى سليمان بن أرقم: أن الحسن حدثهم: أن الناس كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يُطَلّق أو يعتق، فيقال: ما صنعت؟ فيقول: كنت لاعباً، قال رسول الله صلى اله عليه وسلم: "حديث : مَنْ طَلَّقَ لاَعِباً أَو أعْتَقَ لاَعِباً جَازَ عَليهِ ". تفسير : قال الحسن: وفيه نزلت: {وَلاَ تَتَّخِذُوا ءَايَاتِ اللهِ هُزُواً}.
ابن عبد السلام
تفسير : {فَبَلَغْنَ أَجَلهُنَّ} قاربن انقضاء العدة، بلغ البلد إذا قاربه {فَأَمْسِكُوهُنَ} ارتجعوهن. {سَرِّحُوهُنَّ} بتركهن حتى تنقضي العدة {وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا} بالارتجاع كلما طلق ليطول العدة، {وَلا تَتَّخِذُواْ ءَايَاتِ اللَّهِ هُزُوًا} كان أحدهم يطلق، أو يعتق ثم يقول "كنت لاعباً" فقال الرسول صلى الله عليه وسلم حديث : من طلق لاعباً، أو أعتق لاعباً فقد جاز عليه"تفسير : ، ونزلت {وَلاَ تَتَّخِذُوَاْ}.
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {وإذا طلقتم النساء} نزلت في ثابت بن يسار رجل من الأنصار طلق امرأته حتى إذا قرب انقضاء عدتها راجعها ثم طلقها يقصد بذلك مضارَّتها {فبلغن أجلهن} أي قاربن انقضاء عدتهن وشارفن منتهاها، ولم يرد انقضاء العدة لأنه لو انقضت عدتها لم يكن للزوج إمساكها فالبلوغ هنا بلوغ مقاربة كما يقال: بلغ فلان البلد إذا قاربه وشارفه، فهذا من باب المجاز الذي يطلق اسم الكل فيه على الأكثر. وقيل إن الأجل اسم للزمان فيحمل على الزمان الذي هو آخر زمان يمكن إيقاع الرجعة، فيه بحيث إذا فات لا يبقى بعده مكنة إلى الرجعة وعلى هذا التأويل فلا حاجة لنا إلى المجاز {فأمسكوهن} أي راجعوهن {بمعروف} وهو أن يشهد على رجعتها وأن يراجعها بالقول لا بالوطء {أو سرحوهن بمعروف} أي اتركوهن حتى تنقضي عدتهم فيملكن أنفسهن {ولا تمسكوهن ضراراً} أي لا تقصدوا بالرجعة المضارة بتطويل الحبس. وقيل: كانوا يضاروهن لتفتدي المرأة منه بمالها {لتعتدوا} أي لتظلموهن بمجاوزتكم في أمورهن حدود الله التي بينها لكم. وقيل معناه: لا تضاروهن على قصد الاعتداء عليهن {ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه} أي ضر نفسه بمخالفة أمر الله وتعريضها عذاب الله {ولا تتخذوا آيات الله هزواً} يعني بذلك ما بين من حلاله وحرامه وأمره ونهيه في وحيه وتنزيله، فلا تتخذوا ذلك استهزاءً ولعباً، فمن وجب عليه طاعة الله وطاعة رسوله ثم وصل إليه هذه الأحكام التي تقدم ذكرها في العدة والرجعة والخلع وترك المضارة فلا يتخذها هزواً، ففيه تهديد عظيم ووعيد شديد، وقيل: هو راجع إلى قوله فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان، فكل من خالف أمراً من أمور الشرع فهو متخذ آيات الله هزواً. وقيل: كان الرجل يطلق ويعتق ويتزوج ويقول كنت لاعباً فنهوا عن ذلك. عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : ثلاث جدهن جد وهزلهن جد: النكاح والطلاق والرجعة" تفسير : أخرجه أبو داود والترمذي. وقوله تعالى: {واذكروا نعمة الله عليكم} يعني بالإيمان الذي أنعم به الله عليكم فهداكم له وسائر نعمه التي أنعم بها عليكم {وما أنزل عليكم} أي واذكروا نعمته فيما أنزله عليكم {من الكتاب} يعني القرآن {والحكمة} يعني السنة التي علمها رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنها لكم. وقيل: المراد بالحكمة مواعظ القرآن {يعظكم به} أي بالكتاب الذي أنزله على نبيه صلى الله عليه وسلم {واتقوا الله} يعني خافوا الله فيما أمركم به ونهاكم عنه {واعلموا أن الله بكل شيء عليم} يعني أن الله تعالى يعلم ما أخفيتم من طاعة ومعصية في سر وعلن لا يخفى عليه شيء من ذلك.
ابن عرفة
تفسير : قوله تعالى: {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَاراً}. وقال قبل هذا: {أية : فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ}تفسير : وتقدّم أن المعروف أخف من الإحسان فالجمع بين الآيتين بأنه لما وقع الأمر بتسريحهن مقارنا للإحسان إليهن خاف أن يتوهّم أن الأمر بالإحسان إليهن عند تسريحهن للوجوب فعقبه بهذا تنبيها على أنه إحسان بمعروف فهو للندب لا للوجوب. ولفظ التسريح عندهم من الكنايات الظاهرة في الثلاث. وقوله "لاَ تُمْسِكُوهُنّ" قال أبو حيان: إن كان "ضرارا" حالا تعلقت اللاّم (من "لِّتَعْتَدُواْ" به أو بـ "وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ"، وإن كان مفعولا من أجله تعلقت اللام) بـ "ضرارا" أو كان علة للعلة كقولك: ضربت بني تأديبا لينتفع. ولا يجوز أن يتعلق بـ "لاَ تُمْسِكُوهُنَّ" فيكون الفعل قد تغير إلى علة وإلى عاقبة وهما مختلفان. قال ابن عرفة: ليس امتناعه من جهة الإعراب بل من جهة المعنى لأنه لا يقصد أحد (بإمساك زوجته أنه متعدّ حكم الله كما لا يقصد أحد) بالزنا أنه متعدّ حكم الله، وإنّما يقصد أضدادها فيؤول (أمره) إلى تعدى (حكم الله) والزاني يقصد اتّباع شهوته ويؤول أمره إلى أنه تعدى حدود الله. قوله تعالى: {وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ...}. قال ابن عرفة: هذا احتراس لأنّ من يأمره بأمر ويؤكده بالنّهي عن ضده ثم يزيد تأكيدا، فإنما يفعل ذلك لتعلق غرضه به وانتفاعه به وتضرره من (عدمه) فبين أنه تعالى لا يلحقه من فعل ذلك نفع ولا يناله من (تركه) ضرر بوجه. قوله تعالى: {وَلاَ تَتَّخِذُوۤاْ آيَاتِ ٱللَّهِ هُزُواً...}. ولم يقل: ولا تستهزئوا بآيات اللهِ، مع أن الاستهزاء بها أعم من اتّخاذها هزؤا ونفي الأعم أخص من نفي الأخص لأن اتّخاذ آيات الله هزؤا أخص من مطلق الاستهزاء. فالجواب أنّ الاستهزاء بها لو وقع لما وقع إلاّ على المعنى الأخص ولذلك أضاف الآية إلى الله تعالى إضافة تشريف. ونظيره قول الله تعالى: {أية : وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ}،تفسير : أجابوا بوجهين: إما بأن المبالغة في نفس الظلم أي لو كان وقع لكان عظيما لأنّ الحقير من العظيم، وإما باعتبار تعدد متعلقاته. وآيات الله إما أحكامه أو دلائل أحكامه وهو الظاهر لأن الزاني لم يستهزىء بالزنا ولا بتحريمه، (بل) بالدليل الدال على تحريمه. قوله تعالى: {لِّتَعْتَدُواْ}. لتعتدوا: متعلق بـ "ضرار" وهي لام العاقبة وليس متعلقاً بـ "تمسكوا".
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: "وَإِذَا طَلَّقْتُمُ": شرطٌ، جوابه "فَأَمْسِكُوهُنَّ"، وقوله: "فَبَلَغْنَ" عطفٌ على فعل الشرط، والبلوغ: الوصول إلى الشيء: بلغه يبلغه بلوغاً؛ قال امرؤ القيس: [الطويل] شعر : 1115- وَمَجْرٍ كَغُلاَّنِ الأُنَيْعِمِ بالِغٍ دِيَارَ العَدُوِّ ذِي زُهَاءٍ وَأَرْكَانِ تفسير : ومنه: البلغة، والبلاغ: اسم لما يتبلَّغ به. قوله تعالى: "بمعروفٍ" في محلِّ نصبٍ على الحال، وصاحبها: إمَّا الفاعل أي: مصاحبين للمعروف، أو المفعول، أي: مصاحباتٍ للمعروف. قوله: "ضِرَاراً" فيه وجهان: أظهرهما: أنه مفعول من أجله، أي: لأجل الضِّرار. والثاني: أنه مصدرٌ في موضع الحال، أي: حال كونكم مضارِّين لهنَّ. قوله: "لِّتَعْتَدُواْ" هذه لام العلّة، أي: لا تضارُّوهنَّ على قصد الاعتداء عليهن، فحينئذٍ تصيرون عصاةً لله تعالى، وتكونوا معتدين؛ لقصدكم تلك المعصية. وأجاز أبو البقاء: أن تكون لام العاقبة، أي: الصيرورة، كقوله: {أية : فَٱلْتَقَطَهُ ءَالُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً}تفسير : [القصص:8]، وفي متعلقها وجهان: أحدهما: أنه "لاَ تُمْسِكُوهُنَّ". والثاني: أنه المصدرُ، إنْ قلنا: إنه حالٌ، وإنْ قُلْنَا: إنه مفعولٌ من أجله، تعلَّقت به فقط؛ وتكون علةً للعلة؛ كما تقول: "ضربتُ ابني؛ تأديباً؛ لينتفع"، فالتأديب علةٌ للضرب، والانتفاع علةٌ للتأديب، ولا يجوز أن تتعلَّق - والحالة هذه - بـ "لا تُمْسِكُوهُنَّ". و "تَعْتَدُوا" منصوبٌ بإضمار "أنْ" وهي وما بعدها في محلِّ جر بهذه اللام، كما تقدَّم تقريره، وأصل "تَعْتَدُوا": تَعْتَدِيُوا، فأُعِلَّ كنظائره. قوله: {وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ} أدغم أبو الحارث، عن الكسائي، اللام في الذال، إذا كان الفعل مجزوماً كهذه الآية، وهي في سبعة مواضع في القرآن: {وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ} [البقرة:331] في موضعين، {أية : وَمَن يَفْعَلْ ذٰلِكَ فَلَيْسَ مِنَ ٱللهِ فِي شَيْءٍ}تفسير : [آل عمران:28]، {أية : وَمَن يَفْعَلْ ذٰلِكَ عُدْوَاناً وَظُلْماً}تفسير : [النساء:30]، {أية : وَمَن يَفْعَلْ ذٰلِكَ ٱبْتَغَآءَ مَرْضَاتِ ٱللهِ}تفسير : [النساء:114]، {أية : وَمَن يَفْعَلْ ذٰلِكَ يَلْقَ أَثَاماً}تفسير : [الفرقان:68]، {أية : وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْخَاسِرُونَ}تفسير : [المنافقون:9]. وجاز لتقارب مخرجيهما، واشتراكهما في: الانفتاح، والاستفال، والجهر. وتحرَّز من غير المجزوم نحو: يفعل ذلك. وقد طعن قومٌ على هذه الرواية، فقالوا: لا تصحُّ عن الكسائي؛ لأنها تخالف أصوله، وهذا غير صواب. فصل في سبب النزول هذه الآية نزلت في رجلٍ من الأنصار يدعى: ثابت بن يسارٍ، طلّق امرأته، حتى إذا قارب انقضاء عدّتها، راجعها، ثمَّ طلَّقها؛ يقصد مضارَّتها. فإن قيل: ذكر هذه الآية بعد قوله: {أية : ٱلطَّلاَقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ}تفسير : [البقرة:229] تكريرٌ لكلامٍ واحدٍ، في موضوعٍ واحدٍ، من غير زيادة فائدةٍ، وهو لا يجوز؟! فالجواب: أمَّا على قول أصحاب أبي حنيفة، فالسؤال ساقطٌ عنهم؛ لأنهم حملوا قوله تعالى: {أية : ٱلطَّلاَقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ}تفسير : [البقرة:229] على أن الجمع بين الطلقات غير مشروعٍ، وإنَّما المشروع هو التفريق، فإن تلك الآية في بيان كيفية الجمع والتفريق، وهذه في بيان كيفية المراجعة. وأمَّا على قول أصحاب الشافعي، الذين حملوا تلك الآية على كيفية المراجعة، فلهم أن يقولوا: إنَّ من ذكر حكماً يتناول صوراً كثيرة وكان إثبات ذلك الحكم في بعض تلك الصور أهمَّ، أن يعيد بعد ذلك الحكم العامِّ تلك الصورة الخاصَّة مرَّةً أخرى؛ ليدلَّ ذلك التكرير على أن في تلك الصورة من الاهتمام، ما ليس في غيرها، وهاهنا كذلك؛ لأن قوله: {أية : ٱلطَّلاَقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ}تفسير : [البقرة:229] فيه بيان أنه لا بدَّ في مدَّة العدَّة من أحد هذين الأمرين، ومن المعلوم أنَّ رعاية أحد هذين الأمرين عند مشارفة زوال العدة، أولى بالوجوب من سائر الأوقات التي قبله؛ لأن أعظم أنواع الإيذاء، أن يطلقها، ثم يراجعها مرتين عند آخر الأجل؛ حتى تبقى في العدة تسعة أشهرٍ، فلمَّا كان هذا أعظم أنواع المضارة، حسن إعادة حكم هذه الصورة، تنبيهاً على أنَّ هذه الصورة أعظم اشتمالاً على المضارة، وأولى بأن يحترز المكلف عنها. فصل في معنى الإمساك بالمعروف قال القرطبيُّ: الإمساك بالمعروف، هو القيام بما يجب لها من حقٍّ على زوجها؛ وكذلك قال جماعةٌ من العلماء: إنَّ من الإمساك بالمعروف أنَّ الزوج إذا لم يجد ما ينفق على الزوجة، أن يطلقها، فإن لم يفعل خرج عن حدِّ المعروف، فيطلِّق عليه الحاكم من أجل الضرر اللاَّحق بها؛ لأن في بقائها عند من لا يقدر على نفقتها، ضرراً، والجوع لا يصبر أحدٌ عليه، وبهذا قال مالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو عبيدة، وأبو ثور، وعبدالرحمن بن مهدي، وهو قول عمر، وعلي، وأبي هريرة. وقال سعيد بن المسيَّب: إنَّ ذلك سنةٌ، ورواه أبو هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم. وقالت طائفةٌ: لا يفرَّق بينهما، ويلزمها الصبر عليه، وتتعلّق النفقة بذمَّته، بحكم الحاكم؛ لقوله تعالى: {أية : وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ}تفسير : [البقرة:280]. وحجَّة الأوَّلين الآية، وقوله ـ عليه الصَّلاة والسَّلام ـ: "حديث : تقول المرأة إمَّا أَنْ تُطْعِمني وَإِمَّا أَنْ تُطَلِّقَنِي"تفسير : . رواه البخاري في "صحيحه". فصل قوله: {فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ} إشارةٌ إلى المراجعة، واختلف العلماء في كيفيتها؛ فقال الشَّافعيُّ: لما لم يكن النكاح والطلاق إلاَّ بكلامٍ، لم تكن الرجعة - أيضاً - إلاَّ بكلامٍ. وقال أبو حنيفة، والثوري، وأحمد: تصحُّ بالوطء. حجة الشافعي: حديث : أنَّ ابن عمر طلَّق زوجته، وهي حائض؛ فسأل عمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فقال: "مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا" تفسير : فأمره - عليه الصَّلاة والسَّلام - بالمراجعة في تلك الحال. والوطء في زمن الحيض لا يجوز. وقد يجاب عن هذا؛ بأنَّنا لم نخصَّ الرجعة في الوطء، بل قد يكون في صورةٍ بالوطءِ، وفي صورة بالقول. وحجَّة أبي حنيفة، قوله تعالى: {فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ} أمرٌ بمجرد الإمساك، والوطء إمساكٌ، فوجب أن يكون كافياً. فإن قيل: إنه تعالى أثبت حقَّ المراجعة عند بلوغ الأجل، وبلوغ الأجل وهو عبارةٌ عن انقضاء العدَّة، لا يثبت حقَّ المراجعة. فالجواب من وجهين: الأول: أنَّ المراد مشارفة البلوغ لا نفس البلوغ؛ كقول الرجل إذا قارب البلد: "قد بلغنا"، وقول الرجل لصاحبه: "إذا بلغتَ مكَّةَ، فاغْتَسلْ بِذِي طُوى" يريد مشارفة البلوغ، لا نفس البلوغ، وهو من باب مجاز إطلاق اسم الكلِّ على الأَكْثر. الثاني: الأَجَل اسمٌ للزمان، فنحمله على الزمان الذي هو آخر زمانٍ يمكن إيقاع الرجعة فيه، بحيث إذا مات، لا يبقى بعده إمكان الرجعة على هذا، فلا حاجة إلى المجاز فإن قيل: لا فرق بين قوله: {أَمسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ}، وبين قوله: {وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَاراً}؛ لأن الأمر بالشيء نهيٌ عن ضدِّه، فما فائدة التكرار؟ فالجواب: الأمر لا يفيد إلاَّ مرةً واحدةً؛ فلا يتناول كلَّ الأوقات؛ أمَّا النهيُ فإنه يتناول كلَّ الأوقات، فلعلَّه يمسكها بالمعروف في الحال، ولكن في قلبه أن يضارَّها في الزمان المستقبل، فلما قال: {وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَاراً} انْدَفَعَتْ الشبهات، وزالت الاحتمالات. فصل في بيان معنى الضرار و "الضرار": هو المضارَّةُ؛ قال تعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مَسْجِداً ضِرَاراً} تفسير : [التوبة:107]، ومعناه راجعٌ إلى إثارة العداوة، وإزالة الألفة، وإيقاع الوحشة؛ وذكر المفسرون فيه وجوهاً: أحدها: ما تقدَّم في سَببِ نُزولِ الآيةِ من تطويلِ العِدَّةِ تسعة أشْهُرٍ، فأكثر. ثانيها: "الضرارُ" سوء العشرة. وثالثها: تضييق النفقة، وكانوا يفعلون في الجاهلية أكثر هذه الأعمال؛ لكي تختلع المرأة عنه بمالها. قوله تعالى: {فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ} فيه وجوه: أحدها: ظلم نفسه؛ بتعريضها للعذاب. وثانيها: ظلم نفسه؛ بأن فوَّت عليها منافع الدنيا والدِّين: أمَّا منافع الدنيا: فإنَّه إذا اشتهر بين الناس بهذه المعاملة القبيحة فلا يرغب أحدٌ في تزويجه، ولا معاملته. وأما منافع الدِّين فتضييعه للثواب الحاصل على حسن عشرة الأهل، والثواب على الانقياد لأحكام الله تعالى. قوله: {وَلاَ تَتَّخِذُوۤاْ آيَاتِ ٱللهِ هُزُواً} فيه وجوه: أحدها: أنَّ من أمر بشيء، فلم يفعله بعد أن نصَّب نفسه منصب الطائعين، يقال: إنه استهزأ بذلك الأمر ولعب به؛ فعلى هذا يكون المراد أنَّ من وصلت إليه هذه التكاليف المتقدمة من العدَّة، والرَّجعة، والخلع، وترك المضارَّة، ويسأم لأدائها يكون كالمستهزئ بها، وهذا تهديدٌ عظيمٌ للعصاة من أهل الصلاة، وغيرهم. وثانيها: ولا تتسامحوا في تكاليف الله تعالى، ولا تتهاونوا بها. وثالثها: قال أبو الدَّرداء: كان الرجل يطلِّق في الجاهلية، ويقول: "طَلَّقْتُ، وَأَنَا لاَعِبٌ" ويعتق، وينكح، ويقول مثل ذلك؛ فنزلت هذه الآية، فقرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: "حديث : مَنْ طَلَّقَ، أَوْ حَرَّرَ، أَوْ نَكَحَ، فَزَعَمَ أَنَّهُ لاَعِبٌ فَهو جدٌّ ". تفسير : وروى أبو هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : ثَلاَثٌ جَدُّهُنَّ جدٌّ وَهَزْلُهُنَّ جدٌّ؛ الطَّلاَقُ وَالنِّكَاحُ وَالعتَاقُ ". تفسير : ورابعها: قال عطاءٌ: معناه أنَّ المستغفِر من الذنبِ إذا كان مُصرّاً عليه، أو على غيره، كان مُسْتهزئاً بآيات الله تعالى. وقال مالكٌ في "الموطأ": بلغنا أَنَّ رجُلاً قال لابن عبَّاسٍ: إني طلقتُ امرأَتي مائةَ مَرَّةٍ، فماذا ترى؟ فقال ابنُ عبَّاسٍ: طُلِّقَتْ منك بثلاثٍ؛ وسَبْعٌ وتسعون اتخذت آياتِ الله هُزُواً. والأَقربُ هو الأَوَّلُ؛ لأنه تهديد بعد ذكرِ تكاليفَ، فيكون تهدِيداً عليها، لا على غيرها. ولمَّا رَغَّبهم في أداءِ التكاليف بالتهديد، رغبهم - أيضاً - بذكر نعمِهِ عليهم في الدنيا والدين، فقال: {واذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُم} أي: بالإسلام، وبيان الأَحكام. ويجوز في "عليكم" وجهان: أحدهما: أن يتعلَّق بنفسِ "النعمة"، إن أريدَ بها الإِنعامُ؛ لأنها اسمُ مصدرٍ؛ كنباتٍ من أَنْبَتَ، ولا تمنع تاءُ التأنيث من عملِ هذا المصدرِ؛ لأنه مبنيٌّ عليها كقوله: [الطويل] شعر : 1116- فَلَوْلاَ رَجَاءُ النَّصْرِ مِنْكَ وَرَهْبَةٌ عِقَابَكَ قَدْ كَانُوا لَنَا كَالْمَوَارِدِ تفسير : فأعملَ "رهبةٌ" في "عِقَابَكَ"، وإنما المحذُورُ أن يعمل المصدرُ الذي لاَ يُبنَى عليها، نحو: ضربٌ وضَرْبَةٌ، ولذلك اعتذر الناس عن قوله: [الطويل] شعر : 1117- يُحايي بِهِ الْجَلْدُ الَّذِي هُوَ حَازِمٌ بِضَربَةِ كَفَّيْهِ الْمَلاَ وَهْوَ رَاكِبُ تفسير : بأنَّ المَلاَ، وهو السرابُ، منصوبٌ بفعلٍ مقدَّرٍ لا بضربةٍ. والثاني: أن يتعلَّقَ بمحذوفٍ، على أنه حالٌ من "نِعْمَة" إنْ أريد بها المُنْعَمُ به، فعلى الأول تكون الجلالةُ في محلِّ رفعٍ، لأنَّ المصدرَ رافعٌ لها تقديراً؛ إذ هي فاعلةٌ به، وعلى الثاني في محلِّ جرٍّ لفظاً وتقديراً. قوله: {وَمَآ أَنزَلَ عَلَيْكُمْ} يجوزُ في "ما" وجهان: أحدهما: أن تكونَ في محلِّ نصب؛ عطفاً على "نعمة"، أي: اذكروا نعمتَه والمُنَزَّل عليكم، فعلى هذا يكون في قوله: "يَعِظُكُم" حالاً، وفي صاحبها ثلاثةُ أوجهٍ: أحدها: أنه الفاعلُ: في "أنزل" وهو اسمُ الله تعالى، أي: أنزله واعظاً به لكم. والثاني: أنه "ما" الموصولةُ، والعاملُ في الحالِ: اذكروا. والثالث: أنه العائد على "ما" المحذوفُ، أي: وما أنزلهُ موعوظاً به، فالعاملُ في الحالِ على هذا القولِ وعلى القولِ الأولِ "أَنْزَلَ". والثاني: من وَجْهي "ما": أَنْ تكونَ في محلِّ رفع بالابتداء، ويكونَ "يَعِظُكُم" على هذا في محل رفعٍ؛ خبراً لهذا المبتدإِ، أي: والمُنَزَّلُ عليكم موعوظٌ به. وأولُ الوَجْهَيْنِ أقوى وأحسنُ. قوله: "عَلَيْكُمْ" متعلِّقٌ بـ "أَنْزَلَ" و "من الكتابِ" متعلِّقٌ بمحذوفٍ، لأنه حالٌ، وفي صاحبِهِ وجهان: أحدهما: أنه "ما" الموصولةُ. والثاني: أنه عائدُها المحذوفُ، إذ التقديرُ: أنزله في حالِ كونِهِ من الكتابِ. و "مِنْ" يجوز أن تكونَ تَبْعِيضِيةً، وأَنْ تكونَ لبيانِ الجنسِ عند مَنْ يرى ذلك. والضمير في "به" يعودُ على "ما" الموصولةِ". والمرادُ من "الكِتابِ": القرآنُ، ومن "الحِكْمَةِ": "السُّنَّةُ". يَعظُكُمْ بِهِ أي: يخوفكم به، ثم قال: {وَٱتَّقُواْ ٱللهَ} أي: في أَوَامرِه، ولا تُخالِفُوه في نواهيه، {وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: كان الرجل يطلق امرأته ثم يراجعها قبل انقضاء عدتها، ثم يطلقها فيفعل بها ذلك يضارها ويعضلها. فأنزل الله {وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف ولا تمسكوهن ضراراً لتعتدوا}. وأخرج مالك وابن جرير وابن المنذر عن ثور بن زيد الديلي أن الرجل كان يطلق المرأة ثم يراجعها ولا حاجة له بها، ولا يريد امساكها إلا كيما يطول عليها بذلك العدة ليضارها، فأنزل الله {ولا تمسكوهن ضراراً لتعتدوا ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه} يعظهم الله بذلك. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن السدي قال: نزلت هذه الآية في رجل من الأنصار يدعى ثابت بن يسار، طلق امرأته حتى إذا إنقضت عدتها إلا يومين أو ثلاثة راجعها ثم طلقها، ففعل ذلك بها حتى مضت لها تسعة أشهر يضارها، فأنزل الله {ولا تمسكوهن ضراراً لتعتدوا}. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير والبيهقي عن مجاهد في قوله {ولا تمسكوهن ضراراً لتعتدوا} قال: الضرار أن يطلق الرجل المرأة تطليقة ثم يراجعها عند آخر يوم يبقى من الاقراء، ثم يطلقها ثم يراجعها عند آخر يوم يبقى من الاقراء يضارها بذلك. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير والبيهقي عن الحسن في هذه الآية {ولا تمسكوهن ضراراً لتعتدوا} قال: هو الرجل يطلق امرأته فإذا أرادت أن تنقضي عدتها أشهد على رجعتها ثم يطلقها، فإذا أرادت أن تنقضي عدتها أشهد على رجعتها يريد أن يطول عليها. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مسروق في الآية قال: هو الذي يطلق امرأته ثم يدعها حتى إذا كان في آخر عدتها راجعها، ليس به ليمسكها ولكن يضارها ويطول عليها ثم يطلقها، فإذا كان في آخر عدتها راجعها، فذلك الذي يضار، وذلك الذي يتخذ آيات الله هزواً. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن عطية في الآية قال: الرجل يطلق امرأته ثم يسكت عنها حتى تنقضي عدتها إلا أياماً يسيرة ثم يراجعها، ثم يطلقها فتصير عدتها تسعة أقراء أو تسعة أشهر، فذلك قوله {ولا تمسكوهن ضراراً لتعتدوا} . وأخرج ابن ماجة وابن جرير والبيهقي عن أبي موسى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم"حديث : ما بال أقوام يلعبون بحدود الله يقول: قد طلقتك قد راجعتك قد طلقتك قد راجعتك قد طلقتك قد راجعتك، ليس هذا طلاق المسلمين، طلقوا المرأة في قبل عدتها ". تفسير : وأخرج أبو بكر بن أبي داود في كتاب المصاحف عن عروة قال: نزلت {بمعروف ولا تمسكوهن ضراراً لتعتدوا} . وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن عبادة بن الصامت قال: كان الرجل على عهد النبي صلى الله عليه وسلم يقول للرجل زوجتك ابنتي، ثم يقول: كنت لاعباً. ويقول: قد أعتقت. ويقول: كنت لاعباً. فأنزل الله {ولا تتخذوا آيات الله هزواً} فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " حديث : ثلاث من قالهن لاعباً أو غير لاعب فهن جائزات عليه: الطلاق، والعتاق، والنكاح ". تفسير : وأخرج ابن أبي عمر في مسنده وابن مردويه عن أبي الدرداء قال: كان الرجل يطلق ثم يقول: لعبت. ويعتق، ثم يقول: لعبت. فأنزل الله {ولا تتخذوا آيات الله هزواً} فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : من طلق أو أعتق فقال: لعبت. فليس قوله بشيء، يقع عليه ويلزمه ". تفسير : وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال "طلق رجل امرأته وهو يلعب لا يريد الطلاق، فأنزل الله {ولا تتخذوا آيات الله هزواً} فألزمه رسول الله صلى الله عليه وسلم الطلاق". وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف وابن جرير وابن أبي حاتم عن الحسن قال: كان الرجل يطلق ويقول: كنت لاعباً، ويعتق ويقول: كنت لاعباً، وينكح ويقول: كنت لاعباً. فأنزل الله {ولا تتخذوا آيات الله هزواً} وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : من طلق، أو أعتق، أو نكح، أو أنكح، جاداً أو لاعباً فقد جاز عليه ". تفسير : وأخرج الطبراني من طريق الحسن عن أبي الدرداء قال: كان الرجل في الجاهلية يطلق، ثم يقول: كنت لاعباً، ثم يعتق ويقول: كنت لاعبا. فأنزل الله {ولا تتخذوا آيات الله هزواً} فقال النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : من طلق، أو حرم، أو نكح، أو أنكح، فقال: إني كنت لاعباً فهو جاد ". تفسير : وأخرج أبو داود والترمذي وحسنه وابن ماجة والحاكم وصححه والبيهقي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " حديث : ثلاث جدهن جد وهزلهن جد. النكاح، والطلاق، والرجعة ". تفسير : وأخرج البخاري في تاريخه والبيهقي عن عمر بن الخطاب قال: أربع مقفلات: النذر، والطلاق، والعتق، والنكاح. وأخرج مالك وعبد الرزاق والبيهقي في المصنف عن سعيد بن المسيب قال: ثلاث ليس فيهن لعب. النكاح، والطلاق، والعتاق. وأخرج عبد الرزاق عن أبي الدرداء قال: ثلاث اللاعب فيهن كالجاد: النكاح، والطلاق، والعتاق. وأخرج عبد الرزاق عن علي بن أبي طالب قال: اربع لا لعب فيهن. النكاح، والطلاق، والعتاقة، والصدقة. وأخرج عبد الرزاق من طريق عبد الكريم بن أمية عن جعدة بن هبيرة. أن عمر بن الخطاب قال: ثلاث اللاعب فيهن والجاد سواء: الطلاق، والصدقة، والعتاقة. قال عبد الكريم. وقال طلق بن حبيب: والهدي، والنذر. وأخرج عبد الرزاق عن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " حديث : من طلق وهو لاعب فطلاقه جائز، ومن أعتق وهو لاعب فعتقه جائز، ومن أنكح وهو لاعب فنكاحه جائز ". تفسير : وأخرج مالك والشافعي وعبد الرزاق وابن المنذر والبيهقي عن ابن عباس. أنه جاءه رجل فقال: إني طلقت امرأتي ألفاً. وفي لفظ: مائة قال: ثلاث تحرمها عليك وبقيتهن وزر، اتخذت آيات الله هزواً. وأخرج عبد الرزاق والبيهقي عن ابن مسعود. أن رجلاً قال له: إني طلقت امرأتي مائة. قال: بانت منك بثلاث وسائرهن معصية. وفي لفظ: عدوان. وأخرج عبد الرزاق عن داود بن عبادة بن الصامت قال: طلق جدي امرأة له ألف تطليقة، فانطلق أبي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له، فقال النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : ما اتقى الله جدك، أما ثلاث فله، واما تسعمائة وسبعة وتسعون فعدوان وظلم، إن شاء عذبه وإن شاء غفر له ". تفسير : وأخرج عبد الرزاق عن مجاهد قال: سئل ابن عباس عن رجل طلق امرأته عدد النجوم قال: يكفيه من ذلك رأس الجوزاء.
القشيري
تفسير : تضمنت الآية الأمر بحسن العِشْرة، وتَرْكِ المغايظَة مع الزوجة، والمحك على وجه اللجاج؛ فإِمَّا تخلية سبيلٍ من غير جفاء أو قيامٌ بحق الصحبة على شرط الوفاء.
اسماعيل حقي
تفسير : {وإذا طلقتم النساء} اى نساءكم {فبلغن أجلهن} اى آخر عدتهن وشارفن منتهاها ولم يرد حقيقة انقضاء العدة لان العدة اذا انقضت لم يكن للزوج امساكها بالمعروف نزلت فى رجل من الانصار يدعى ثابت بن يسار طلق امرأته حتى اذا قرب انقضاء عدتها راجعها ثم طلقها بقصد مضارتها {فأمسكوهن بمعروف} اى راجعوهن من غير طلب اضرار لهن بالرجعة. والمعروف ما الفته العقول واستحسنته النفوس شرعا وعرفا وعادة والمراد به هنا حسن المعاشر {أو سرحوهن بمعروف} او خلوهن حتى تنقضى عدتهن من غير تطويل {ولا تمسكوهن ضرارا} اى ولا تراجعوهن ارادة الاضرار بهن بتطويل العدة والحبس على ان يكون انتصاب ضرارا على العلة او مضارين على الحال. فان قلت لا فرق بين قوله {فأمسكوهن بمعروف} وبين قوله {لا تمسكوهن ضرارا} لان الامر بالشىء نهى عن ضده فما الفائدة فى التكرار قلت ان الامر لا يفيد التكرار ولا يدل على كون امتثال المأمور به مطلوبا فى كل الاوقات فدل لا تمسكوهن على المبالغة فى التوصية بالامساك بالمعروف لدلالته على ان الامساك المذكور مطلوب منه فى جميع الاوقات {لتعتدوا} متعلق بضرار اذ المراد تقييده اى لتظلموهن بالالجاء الى الافتداء {ومن يفعل ذلك} اى ما ذكر من الامساك المؤدى الى الظلم {فقد ظلم نفسه} فى ضمن ظلمه لهن بتعريضها للعقاب {ولا تتخذوا آيات الله} المنطوية على الاحكام المذكورة او جميع آياته وهى داخلة فيها دخولا اوليا {هزوا} اى مهزوا بها بالاعراض عنها والتهاون فى العمل بما فيها والنهى كناية عن الامر بضده لان المخاطبين مؤمنون ليس من شأنهم الهزؤ بآيات الله اى جدوا فى الاخذ بها والعمل بما فيها وارعوها حق رعايتها: قال الحكيم السنانى قدس سره شعر : دانشت هست وكاربستن كو خنجرت هست وصف شكستن كو تفسير : ولما رغبهم فى رعاية التكاليف والعمل بها بالتهديد على التهاون بها اكد ذلك الامر بذكر نعم الله عليهم بان يشكروها ويقوموا بحقوقها فقال {واذكروا نعمت الله} كائنة {عليكم} حيث هداكم الى ما فيه سعادتكم الدينية والدنيوية اى قابلوها بالشكر والقيام بحقوقها وقيل واذكروا انعام الله عليكم بان خلقكم رجالا وجعل لكم ازواجا تسكنون اليها وجعل النكاح والطلاق والرجعة بايديكم ولم يضيق عليكم كما ضيق على الاولين حين احل لهم امرأة واحدة ولم يجوز لهم بعد موت المرأة نكاح اخرى {وما أنزل عليكم} عطف على نعمة الله اى وما انزله الله عليكم {من الكتاب والحكمة} اى القرآن والسنة افردهما بالذكر اظهارا لشرفهما {يعظكم به} اى بما انزل عليكم حال من فاعل انزل وهو ضمير انزل اى اذكروا نعمة الله وما انزله عليكم واعظا به لكم ومخوفا {واتقوا الله} فى شأن المحافظة عليه والقيام بحقوقه الواجبة {واعلموا أن الله بكل شىء عليم} فلا يخفى عليه شىء مما تأتون وما تذرون فيؤاخذكم بافانين العذاب والاشارة فى الآية ان الاذية والمضارة ليست من الاسلام ولا من آثار الايمان ولا من شعار المسلمين عموما كما قال عليه السلام "حديث : المؤمن من امنه الناسbr>". تفسير : وقال "حديث : المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويدهbr>". تفسير : ويتضمن حسن المعاشرة مع الخلق جميعا. فاما الزوجان ففيهما خصوصية بالامر بحسن المعاشرة معهن وترك اذيتهن والمغايظة معهن على وجه اللجاج فاما تخلية سبيل من غير جفاء او قيام بحق الصحبة على شرائط الوفاء بلا اعتداء {ومن يفعل ذلك} [البقرة: 231]. اى من الاذية والمضارة والاعتداء بالجفاء {فقد ظلم نفسه} [البقرة: 231] لان الله تعالى يجازى الظالم والمظلوم يوم القيامة بان يكافىء المظلوم من حسنات الظالم ويجازى الظالم من سيآت المظلوم والظالم اذا اساء الى غيره صارت نفسه مسيئة واذا احسن صارت نفسه محسنة فترجع اساءة الظالم الى نفسه لا الى نفس غيره حقيقة فانه ظلم نفسه لا غيره ولهذا قال تعالى {أية : إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها}تفسير : [الإسراء: 7]. قال السعدى قدس سره شعر : مكن تا توانى دل خلق ريش وكر ميكنى ميكنى بيخ خويش تفسير : {ولا تتخذوا آيات الله هزوا} اى بتلاوة ظاهرها من غير تدبر معانيها وتفهم اشاراتها وتحقق اسرارها وتتبع حقائقها والتنور بانوارها والاتعاظ بمواعظها وحكمها. يقال ان الوعظ كالشاهين فانما يقع على الحى لا على الميت فمن مات قلبه ونعوذ بالله من ذلك لم يتأثر بالمواعظ قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم "حديث : انتم اليوم على بينة من ربكمbr>". تفسير : يعنى على بيان قد بين لكم طريقكم "حديث : ما لم تظهر فيكم السكرتان سكرة العيش وسكرة الجهل" تفسير : ـ روى ـ انه ضلت راحلة الحسن البصرى فى طريق الحج فلقيه صبى فسأله فعرفها فلما وجد الراحلة سأله الصبى يا شيخ ما تأكل وما تلبس قال آكل خبز الشعير والبس الصوف لاكسر شهوتى بهما قال الصبى كل ما شئت والبس كذلك بعد ان يكونا حلالين قال واين تبيت قال فى الخص وهو بيت من القصب قال لا تظلم وبت حيث شئت فقال الحسن لولا صباك لكسبت منك ما تكلمت به فتبسم الصبى وقال اراك غافلا اخبرتك بالدنيا فقبلت واخبرتك بالدين فتأنف من كلامى ارجع الى منزلك فلا حج لك: قال السعدى قدس سره شعر : مرد بايد كه كيرد اندر كوش ور نوشته است بند بر ديوار
ابن عجيبة
تفسير : قلت: {ضراراً}: مفعول له، أو حال، أي: مُضَارِّين. يقول الحقّ جلّ جلاله: {وإذا طلقتم النساء} فَقَرُبَ بلوغُ أَجَل عِدَّتِهِنَّ {فأمسكوهن} بالرجعة متلبسين بالمعروف والإحسان إليها، {أو سرحوهن} يتزوجن غيركم {بمعروف} لا إضرار فيه، {ولا تمسكوهن} بنية طلاقهن {ضراراً} أي: لأجل الضرر بتطويل عدتهن {لتعتدوا} عليهن {ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه}. نزلت في رجل قال لامرأته: لا آويك، ولا أدعك تحلِّين لغيري. فقالت: كيف؟ فقال: أطلقك، فإذا دنا مُضِيُّ عِدَّتِك راجعتك، فَشَكَتْ ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت الآية. وكان بعضهم يطلق، ويعتق، ثم يرجع، ويقول: كُنت أهزأ بذلك وألعب، فنزل قوله تعالى: {ولا تتخذوا آيات الله هزواً} أي: مهزوءاً بها، وفي الحديث: "حديث : ثَلاَثٌ هزْلُهُنَّ جدٌ: النّكَاحُ، والطَّلاقُ، والرَّجْعَةُ"تفسير : . {واذكروا نعمة الله عليكم} بالهداية وبعثة الرسول، {وما أنزل عليكم من الكتاب} فيه ما تحتاجون إليه ظاهراً وباطناً، {والحكمة} أي: السنة المطهرة، {يعظكم} بذلك ويزكيكم {واتقوا الله} فيما يأمركم به، وينهاكم عنه، {واعلموا أن الله بكل شيء عليم}؛{حديث : يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ}تفسير : [الأنعَام: 3]. الإشارة: يقال للمريدين المتجردين إذا طلقتم الدنيا، وآيستم أنفسكم من الرجوع إليها حتى تمكَّن اليقين من القلب بحيث انقطع الاهتمام بالرزق من القلب، وزالت عنه الشكوك والأوهام، فإذا رجعت إليه الدنيا، فإما أن يمسكها بمعروف بأَنْ تكون في يده لا في قلبه، أو يسرحها من يده، بسبب مقام الإحسان الذي عوضه الله عنها، ولا تمسكوا الدنيا، أيها الفقراء، قبل كمال اليقين، فإنها ضرر لكم، فقد أخذت الرجال لا سيما الأطفال. {ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه}؛ حيث حرمها الوصول، وتركها في حيرة الأوهام تجول، فاحذروا لذيذ عاجلها، لكريه آجلها، {ولا تتخذوا آيات الله هزواً} بالرخص والتأويلات، {واذكروا نعمة الله عليكم} بالعداية إلى الطريق، {وما أنزل عليكم من الكتاب}: فيه بيان التحقيق {والحكمة} التي هي إصابة عين التوفيق، {واتقوا الله} فلا تركنوا إلى شيء سواه، فإن مالت قلوبكم إلى شيء من السوى، أو نزعت إلى محبة الهوى فاعلموا {أن الله بكل شيء عليم} فيبعدكم بعد الوصول. ولا حول ولا قوة إلا بالله العليّ العظيم.
الطوسي
تفسير : قوله: {فبلغن أجلهنّ} معناه: انقضى عدتهنّ بالأقراء، أو الأشهر، أو الوضع. والمعنى: إذا بلغن قرب انقضاء عدّتهن، لأن بعد انقضاء العدة ليس له إمساكها، والامساك ها هنا المراجعة قبل انقضاء العدة، وبه قال ابن عباس، والحسن، ومجاهد، وقتادة، قد يقال لمن دنا من البلد: فلان قد بلغ البلد. والمراد {بالمعروف} هذا الحق الذي يدعو إليه العقل، أو الشرع للمعرفة بصحته، بخلاف المنكر الذي يزجر عنه العقل، أو السمع لاستحالة المعرفة بصحته، فما يجوز المعرفة بصحته: معروف، وما لا يجوز المعروف بصحته منكر. والمراد به ها هنا أن يمسكها على الوجه الذي أباحه الله له: من القيام بما يجب لها من النفقة، وحسن العشرة، وغير ذلك، ولا يقصد الاضرار بها. وقد بينا أن التسريح أصله إرسال الماشية في المرعى ومنه قوله: {أية : حين تريحون وحين تسرحون}.تفسير : وقوله: {ولا تمسكوهن ضراراً لتعتدوا} معناه: لا تراجعوهن لا لرغبة فيهن بل لطلب الاضرار بهن إما في تطويل العدة، أو طلب المفاداة أو غير ذلك، فان ذلك غير جائز. وقوله: {ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه} فالظلم الضرر الذي ليس لأحد أن يضرّ به. وقوله: {ولا تتخذوا آيات الله هزواً} يعني ما ذكره من الاحكام في الطلاق بما يجوز فيه المراجعة، وما لهم على النساء من التربص حتى لعرا أو رفعوه مما ليس لهم عن ذلك وروي عن أبي الدرداء وأبي موسى الأشعري: أنهم قالوا: كان الرجل يطلق أو يعتق ثم يقول: إنما كنت لاعباً، فلذلك قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): حديث : من طلق لاعباً، أو أعتق لاعباً، فقد جاز عليه . تفسير : وقوله: {واعلموا أن الله بكل شيء عليم} معناه: التنبيه على أنه لا يسقط الجزاء على عمل من أعمالهم، لخفائه عنه، لأنه {بكل شيء عليم} والأجل هو انقضاء مدة الانتظار. والامساك ها هنا: المنع من الذهاب والتسريح: الارسال بتركهن بانقضاء العدة.
الجنابذي
تفسير : {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ} اى آخر عدّتهنّ بحيث ما خرجن من العدّة ولذا فسّره المفسّرون بقرب آخر المدّة {فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ} بشيءٍ ما يعرفه الشّرع والعقل حسناً يعنى راجعوهنّ وامسكوهنّ بنحو امساك الازواج واداء حقوق الزوجيّة {أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ} والتّسريح بالمعروف ان يخلّى سبيلهنّ ولا يمنعن عمّا يفعلن فى انفسهنّ ويعطين ما يسرّون به {وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَاراً} لمضارّتهنّ او امساك ضرار او مضارّين او مضارّات بان تراجعوهنّ لان تحسبوهنّ ان ينكحن ولا تقوموا بحقوقهنّ {لِّتَعْتَدُواْ} عليهنّ بمنعهنّ عن نكاح الغير وعن حقوق الزوجيّة او الجائهنّ الى الافتداء كما هو ديدن اهل الزّمان اذا كرهوا الازواج، عن الصّادق (ع) انّه سئل عن هذه الآية فقال: الرّجل يطلّق حتّى اذا كادت ان يخلو اجلها راجعها ثمّ طلّقها يفعل ذلك ثلاث مرّات فنهى الله عن ذلك {وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ} فانّ ظلمه للمرأة يضرّ المرأة فى دنياها والاغلب انّه ينفعها فى عقباها لكن هذا الظّالم يضرّ بدنيا نفسه وعقباها ولا ينتفع فى شيءٍ منهما فهو من الاخسرين اعمالاً {وَلاَ تَتَّخِذُوۤاْ آيَاتِ ٱللَّهِ} احكامه الشّرعيّة القالبيّة وآياته التدوينيّة وآياته الآفاقيّة والانفسيّة وخصوصاً الآيات الكبرى {هُزُواً وَٱذْكُرُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ} النّعمة امّا مصدر بمعنى الانعام اى انعام الله عليكم فعليكم متعلّق بها او اسم مصدر بمعنى ما ينعم به والمعنى واذكروا نعمة الله وارادة عليكم من الله فالظرف حال وعلى اىّ تقدير فالمعنى لا تنظروا الى الآيات من حيث انفسها حتّى تتّخذوها هزواً واذكروا انعام الله بها عليكم وكونها آيات الله حتّى تشكروا وجودها، او المعنى واذكروا نعم الله عليكم من غير التفات الى النّهى السّابق ومن غير اختصاص للنّعم بالآيات والنّعمة ما يوافق الانسان ويريده لا ما لا يوافقه ويكرهه، ولمّا كان الانسان ذا مراتب وقد يكون ما يوافق مرتبة منه منافراً لمرتبة اخرى منه كان تحقيق النّعمة حقيقاً بالبيان فنقول: تحقيق النّعمة ومراتبها بحسب مراتب الانسان انّ الانسان بما هو انسان عبارة عن اللّطيفة السيّارة الانسانيّة المتّحدة فى كلّ مرتبة مع تلك المرتبة بوجهٍ والمغايرة لها بحسب الذّات والآثار بوجهٍ، فانّ كلّ مرتبة منه محدودة بحدود خاصّة موقوفة على تعيّن خاصّ بخلاف تلك اللّطيفة فانّها غير محدودة وغير واقفة على شأن من الشؤون، بل لها السّير الى ما لا نهاية له من الولاية المطلقة فموافقات المراتب ان كانت موافقة لتلك اللّطيفة كانت نعماً للانسان بما هو انسان ولاّ كانت نقماً له فجعل الشّهوة فى الرّجل والمرأة وخلق آلات التّناسل بالوضع المخصوص وتقاضى الشّهوة للابوين وتحريكها لهما وتقاربهما وايصال النّطفة الى المقرّ المخصوص وامتزاج النّطفتين وجعل الرّحم عاشقاً لها حافظاً ايّاها ممسكاً لها، وجعل الدّم فى الرّحم غذاءً لها وتوجّه نفس الامّ الى حفظها وتربيتها وايصال الغذاء اليها وجعله سبباً لنموّها نعم من الله على الانسان؛ وهكذا جميع ما ينفعه ويلزمه الى اوان البلوغ وبعد البلوغ كلّما يعينه فى سيره الى الله من القرناء والنّاصحين والانبياء والزّاجرين وبالجملة كلّما ينفعه فى سيره الى الله سواء كان نافعاً فى مقام بشريّته او غير نافع، وسواء عدّ نعمة او نقمة نعم من الله تعالى عليه فتوفير الاموال وتصحيح الانفس وانذار الانبياء وتبشير الاولياء (ع) نعمة من الله تعالى كما انّ الابتلاء فى الاموال والانفس وزجر الاشقياء واذا هم للمؤمنين كان نعمة منه تعالى ولذا قال تعالى: {أية : لَتُبْلَوُنَّ فِيۤ أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُوۤاْ أَذًى كَثِيراً، وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذٰلِكَ مِنْ عَزْمِ ٱلأُمُورِ} تفسير : [آل عمران:186] بطريق التأكيد والقسم، فموسى (ع) ودعوته ولطفه كانت نعمة كما انّ فرعون وقهره وشدّته كانت ايضاً نعمة للمؤمنين، ونعم ما قال المولوىّ قدّس سرّه مشيراً الى انّ اللطف والقهر كليهما نعمة للمؤمنين: شعر : جونكه بى رنكَى شد موسيئى با موسيئى در جنكَ شد جون ببيرنكَى رسى كان داشتى موسى وفرعون دارند آشتى يانه جنكَ است اين براى حكمتست همجو جنكَ خر فروشان صنعت است يا نه اينست ونه آن حيرانى است كَنج بايدكَنج در ويرانى است تفسير : فكلّما اعان الانسان بحسب التّكوين او بحسب التّكليف على السّير الى مقامه الّذى هو الولاية المطلقة الّتى لا حدّ لها كان نعمة له، واذا وصل الانسان الى ذلك المقام تمّ النّعمة عليه بل صار بنفسه نعمة تامّة فانّ الولاية هى النّعمة لا غير الولاية، وما كان متّصلاً بالولاية بان كان ناشئاً منها او راجعاً اليها كان نعمة بسبب اتّصاله بها، وما لم يكن كذلك لم يكن نعمة كائناً ما كان، والمراد بالنّعمة هاهنا امّا نعمة الآيات او مطلق ما يعين الانسان فى انسانيّته فيكون قوله تعالى: {وَمَآ أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِّنَ ٱلْكِتَابِ وَٱلْحِكْمَةِ} من قبيل ذكر الخاصّ بعد العامّ او خصوص الانبياء والاولياء فيكون قوله: {وَمَآ أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِّنَ ٱلْكِتَابِ وَٱلْحِكْمَةِ} من قبيل عطف المغاير والمراد بالكتاب النّبوّة والرّسالة واحكامهما والكتاب التّدوينىّ من آثارهما وبالحكمة الولاية وآثارها {يَعِظُكُمْ بِهِ} مستأنفٌ جواب لسؤالٍ عن حال ما انزل او عن علّة النّزول او حال عن ما او عن فاعل انزل {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} اى سخطه فى الغفلة عن حيثيّة النّعمة وفى عدم الاتّعاظ {وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} فيعلم استهزاءكم وغفلتكم واتّعاظكم وعدمها وعدو وعيد، ولمّا كان النّفوس ضنينة بتخلية النّساء بعد الطّلاق وانقضاء العدّة وبتزويجهنّ قدّم النّهى عن الاستهزاء بالاحكام وعدم الاعتداد بها والامر بتذكّر النّعم وأحكام الشّريعة وحكمها ومصالحها حتّى يكون معيناً على امتثال الاوامر والنّواهى ثمّ عقّبه بالامر بالتّقوى والوعد والايعاد بذكر احاطة علمه بالجليل والحقير ثمّ قال: {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ}.
اطفيش
تفسير : {وإذَا طَلَّقْتمُ}: أيها الأزواج. {النِّساء}: تطليقاً رجعيا. {فَبَلغْنَ أَجَلهُنَّ} أو قاربن بلوغه، لأن بعد انقضاء الأجل لا إمساك له ولا تسريح، بل مضت لسبيلها قال ابن هشام: يعبر بالفعل عن مشارفته نحو: {وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن، فأمسكوهن} أى فشارفن انقضاء العدة انتهى. قلت ذلك من مجاز الأول، لأن الطلاق مرجعه إلى بلوغ الأجل، أو يقدر مضاف، أى فبلغن آخر أجلهن، أو سمى البعض باسم الكل، وإن جعلنا الأجل اسما لمنتهى المدة كما يطلق عليها كلها فلا مجاز، وعلى كل وجه خص الآخر بالذكر لأنه وقت الفوت، فيجود نظر. فيراجع أو يتركه فتفوته، وقد كان قبل ذلك فى فسحة فيتروى فيها لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا، وإلا فله الإمساك بالرجعة أول العدة أيضا، ووسطها، ولكن التعميم الذى يترتب عليه الفوت باتصال هو آخر العدة والبلوغ يطلق على الوصول وعلى الدنو، والآية تحتملها، لأن المعنى وصلنا آخر العدة فيه بمقدار ما تمكن الرجعة أو دنو من انقضائها، وإنما الممنوع أن يقال وصلنا تمام العدة، لأنها إذا تمت عدتها لم تصح مراجعتها، والمعنيان يناسبهما معا قوله تعالى: {فَأمْسِكوهُنَّ}: بالرجعة بالإشهاد عندنا وعند الشافعية، وبالوطء عند المالكية وغيرهم، ويأتى ذلك إن شاء الله فى سورة الطلاق. {بمعْرُوفٍ}: بلا قصد إضرار لهن، بل بالوفاء بالحقوق، فهو متعلق بمحذوف حال مقدرة، والباء للمصاحبة، ويجوز أن يكون المعروف هو الإشهاد، فتعلق بأمسكوهن، فتكون للآلة. {وَلا تُمسِكُوهنَّ}: بأن تراجعوهن، لتكونوا إذا بلغن أجلهن بعد أن تطلقوهن بعد الرجعة، راجعتموهن لتطول المدة فيتألمن بذلك، فإن كن لا يحضن فذلك تسعة أشهر، وإن كن يحضن فقد يكون ذلك أقل أو أكثر بكثير. روى أن رجلا قال لامرأته: والله لأطلقن ثم. لأحبسنك تسع حيض لا تقدرين على أن تتزوجى، قالت: وكيف ذلك؟ قال: أطلقك ثم أراجعك عند مقاربة العدة، ثم أطلقك أو أفعل ذلك فنزل {وإذا طلقتم النساء} الآية، وإن قلت لا تمسكوهن ضرارا يغنى عنه، فأمسكوهن بمعروف، إذ الأمر نهى عن تركه جزماً، قلت الأمر لا يدل على التكرير على الصحيح، فذكر لا تمسوهن. {ضِرَاراً}: دفعا لما يتوهموا من أن يمسها زمانا بمعروف، وفى قلبه أن يضارها بعد. {لتَعْتَدُوا}: لتظلموهن أو لتلجئوهنَّ إلى الفداء، وضرارا مفعول لأجله متعلق يتمسكوا، ولتعتدوا متعلق بضرارا أو يتمسكوا، ولتعتدوا متعلق بضراراً تعليل له، فلم تتوارد علتان على مفعول واحد بلا تبعية، أى لا ترجعوهن لتضاروهن بالرجعة لتجاوز الحد إليهن بالإلجاه للفداء. أو ضرارا حال، أى ذوى ضرار أو مضارين أو مبالغة عائدة إلى النهى، أو ضمن الإمساك معنى الإضرار، فيكون ضرارا مفعولا مطلقاً ولتعتدوا فى هذه الأوجه متعلق بضرار، أو يتمسكوا، والمفاعلة هنا للمبالغة، أعنى لفظ ضرار فإنه بوزن فعال بمعنى المفاعلة فى الأصل، أو لمواققة المجرد، وقيل الضرار الجزاء على الضر، وبسطته فى شرح النيل فى حديث: "حديث : لا ضرر ولا، ضرار فى الإسلام"تفسير : أى لا تراجعوهن لتنتقموا منهن، وإنما ذكر الإمساك بمعروف، وذكر النهى عن الإمساك بالضرار، مع أن ذلك يكفى عنه قوله: {فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف}، لينبه على أن الإمساك بمعروف، وترك الإمساك ضرار أولى بالمراعاة عند مشارفة انقضاء العدة، لأن أعظم المضارة تطليقها، مع ألا يردها إلا عند قرار انقضائها. {وَمَنْ يَفْعلْ ذلكَ}: المذكور مما نهى الله عنه. {فَقَدْ ظَلَم نَفْسه}: بتعريضها للعقاب. {وَلاَ تَتَّخِذُوا آياتِ اللّهِ هُزُواً}: أى جدوا الأخذ بها والعمل بما فيها، وكنى عن هذا بالنهى عن اتخاذها هزواً وإلا فالمسلم لا يستهزئ بها، بل المشترك، أو شبه ترك العمل بها مع الإقرار بها والانتصاب مصب الطائع المستهزئ ويجوز أن يراد لا تتخذوا ما فيه حكم الله هزواً من تزوج وطلاق وعتاق ونحوها، قال أبو الدرداء من رواية الحسن عنه: كان الرجل يطلق فى الجاهلية ويقول طلقت وأنا لاعب، ويعتق وينكح ويقول ذلك، فنزلت الآية. فقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : ثلاثة جدهن جد وهزلهن جد: النكاح والطلاق والعتاق"تفسير : وروى الرجعة مكان العدة، وفى رواية الظهار مكان الطلاق، وعن أبى الدرداء، ثلاثة لا يلعب فيهن أحد اللاعب فيهن كالجاد: العتاق والطلاق والنكاح، والاحتمال الأول أولى، لأن ذلك الكلام مذكور بعد التكاليف المخصوصة فيكون تهديدا عليها. {واذكُرُوا نِعْمَت اللّهِ عَلَيْكُم}. أى إنعام الله عليكم الذى من جملته الهداية للإسلام، وبعث محمد، صلى الله عليه وسلم، وذكر ذلك هو القيام بشكره وحقوقه والأمر بذكر النعمة تأكيد لمراعاة التكاليف المذكورة. {ومَا أنْزَلَ عَليْكُم مِنَ الكِتَابِ}: القرآن. {والحِكْمَةِ}: السنة الموحاة إليه، صلى الله عليه وسلم، وقيل الحكمة: مواعظ القرآن فعطفها على الكتاب عطف خاص على عام إعظاماً لها فى مقام الأمر والنهى، لأنها سبب فى الابتداء والانتهاء، وقيل الحكمة الأحكام وهو أيضاً خاص بعد عام لمزيته وقوله: {ما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة} داخل فى قوله: {نعمت الله} فعطف ما على نعمة خاص على عام للمزية، لأن نعمة الدين أشرف، وإن قلت كيف يدخل القرآن والحكمة فى الإنعام بالمعنى المصدرى؟ قلت يكفى فى ذلك أنهما نزلا بإنعام الله تعالى، ولو قدرت مضافا أى وإنزال ما أنزل إليكم أو أبقيت نعمة على معنى الشئ المنعم به وعلقت فيه مع ذلك على، لأنه يسعه لفظه بإنعام ومنعم به لظهر لك بلا إشكال، ومن للبيان أو للبتعيض، أمرهم بذكر البعض المنزل من الكتاب والحكمة، وأما ما سينزل فملعولم بأنه ملحق فى ذلك بما نزل. {يَعِظُكُم بِهِ}: حال من ما أو من ضمير ما المستكن فى أنزل والرابط هاء به فإنها عائدة إلى ما ولا يصح أن يكون حالا من ضمير الله الفاعل النائب عنه ضمير ما بعد حذفه، وبناء أنزل المفعول، أى واعظاً لكم به لأن الأصل لا يراعى الفاعل الذى ناب عنه المفعول إلا فى كلام آخر مستقل، وقد ارتكب بعض المحققين هنا هذا وما ذكرتهُ أولى وآكد، وهدد بقوله: {واتَّقُوا اللّهَ}: احذروا معاصيه فإنها لا تخفى عليه كما قال: {وَاعْلَمُوا أنَّ اللّهَ بِكُلِّ شَئ}: من طاعة ومعصية وغيرهما. {عَلِيمٌ}: فيعاقب المصر على معصيته.
اطفيش
تفسير : {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَآءَ} مطلقا {فَبَلَغْنَ} سمى مقاربة الأجل بلوغا للجوار أو للمشارفة، أو لتسبب المقاربة للوقوع، وتبعد الاستعارة تشبيها للدانى بالواقع، وكأنه قيل قاربن {أَجَلَهُنَّ} الأجل مطلق اللحظة التى تلى المدة، أو اللحظة الأخيرة من المدة، أو نفس المدة، والمراد هنا آخر العدة بقدر ما يراجع، بدليل قوله {فَأَمْسِكُوهُنَّ} بالمراجعة {بِمَعْرُوفٍ} من الحقوق بلا ضرر، وذلك تسمية للجزاء باسم الكل، أو يقد مضاف، أى آخر الأجل، وظاهر بعض أن الأجل بمعنى آخر المدة حقيقة أيضا، والأولى أنه مجاز للمشارفة أو استعارة، تشبيها لقريب الوقوع بالواقع {أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ} دعوهن بلا مراجعة فيخرجن عنهم، ويتزوجنهم برضاهن أو غيرهم، كأنه قيل، ابقوهن على حكم التطليق الواقع حتى يفتن، وإذا جازت المراجعة فى آخر المدة فأولى أن تجوز قبل الأخير فلم يذكر ذلك للعلم به، ولأن الذى يفلعونه هو الرجعة آخر العدة ضرارا {وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ} بالمراجعة {ضِرَاراً} أى ضرا، أو سمى فعلها الذى كان سببا لضره ضرا للمشاكلة على عموم المجاز، فصحت المفاعلة فتدخل من لم تضره بالأولى {لِّتَعْتَدُواْ} عليهن بإطالة الحبس، أو بالإلجاء بذلك إلى الفداء، كما فعل ذلك ثابت بن يسار، كلما بقى يومان أو ثلاثة راجعها فطلقها حتى مضت لها تسعة أشهر، ونزلت الأية فيه على ما روى عن السدى، ولتعتدوا بدل من ضراراً، أو علة للعلة والمعلول معا، ويتعين هذا الوجه إذا جعلنا ضراراً بمعنى مضارين، أو ذوى ضراء، أو ضراراً عاقبة ولتعتدوا علة فيتعلقان معاً بلا تمسكوهن، والمعنى لضرار، وفى جمعها تأكيد كما فى الجمع بين قوله عز وجل، فأمسكوهن، ولا تمسكوهن ألا ترى أن الأمر بالشىء نهى عن ضده الذى لا ضد له إلا هو، ولكن الأمر لا يعم الأوقات، والنهى للتكرير، وقيل: الضرار تطويل المدة، والاعتداء الإلجاء {وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ} الإمساك المؤدى للضرار {فَقَدْ ظَلَمَ نفْسَهُ} بتعريضها للعقاب المترتب عليه بالضرار، كان الرجل يطلق زوجته حتى إذا شارفت انقضاء العدة راجعها ليطيل عدتها لأنها تعتد بالأخير {وَلاَ تَتَّخِذُوآْ ءَايَٰتِ اللهِ هُزُواً} مهزوءاً بها، أو ذات هزء بألا تعملوا بها، وبأن تراجعوا بلا رغبة بل لإضرار، وبأن ينكح ويطلق ويعتق، ثم يقول، أنا ألعب، ونزلت الآية لذلك، وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : ثلاثة جدهن جد، وهزلهن جد، النكاح والعتاق والطلاق"تفسير : ، ولفظ أبى الدرداء ثلاث، اللاعب فيهن كالجاد، النكاح والطلاق والعتاق، ولفظ أبى هريرة: ثلاث هزلهن جد، النكاح والطلاق والرجعة، كل ذلك مرفوع، وعن عمر عنه صلى الله عليه وسلم، "حديث : أربع مغفلات، النذر والطلاق والعتق والنكاح" تفسير : {وَاذْكُرُواْ} بالشكر والقيام بحق النعمة {نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ} كالهداية ورسالة النبى صلى الله عليه وسلم {وَمَآ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِّنَ الْكِتَٰبِ} القرآن {وَالْحِكْمَةِ} عطف خاص على عام. والحكمة القرآن، أى الجامع بين أنه قرآن وحكمة، أو هى القرآن والسنة، أو السنة، كما قال الشافعى معرفة الدين والفقه فيه والاتباع له، كما قال ابن وهب عن مالك، والفصل بين الحق والباطل، كما قيل، والإصابة فى القول والعمل كما قيل، والموعظة كما قال مقاتل، أعنى، أن الآية لجميع ذلك، وأصل الحكمة الرد وتلك المعانى ترد عن الجهل والخطأ {يَعِظُكُمْ بِهِ} يوصيكم ترغيباً وترهيباً {وَاتَّقُواْ اللهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللهَ بِكُلِّ شَىءٍ عَلِيمٌ} فهو لا يأمر إلا بما هو حكمة ويجازيكم على الموافقة والمخالفة فيما مضى من الأحكام وغيرها كالعضل فى قوله تعالى: {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ} أى أيها الأزواج {النِّسَآءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ} اللحظة بعد تمام العدة، أى انقضت عدتهن {فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ} لا تمنعوهن أيها الأولياء، وفى الآية جواز تعدد المخاطب، بأن يخاطب ببعض الكلام غير المخاطب ببعضه الآخر فالحق الجواز إذا بان المراد، كما جاء فى غيره هذه الآية الخطاب بالكاف للنبى صلى الله عليه وسلم، وبالكاف والميم للأمة {أَن يَنْكِحْنَ} يتزوجن {أَزْوَٰجَهُنَّ} أى من كانوا أزواجاً لهن، فذلك من مجاز الكون. طلق عاصم بن عدى زوجه جُمْل، وقيل جميل بالتصغير، وأراد تزوجها بعد انقضاء العدة ورضيت ورضى أخوها معقبل بن يسار فزوجه بها ثانياً، ثم طلقها ثانياً، وطلبها ابن عم له بعد العدة للتزوج، ومنعها أخوها معقل بن يسار، وهو ابن عم عاصم أيضاً، وحلف ألا يزوجها أبداً لأحد، فنزلت الآية فزوجها بابن عمه الآخر، فكفر يمينه. وروى البخارى وأبو داود والنسائى والحاكم وابن ماجه والترمذى عن معقل بن يسار، كانت لى أخت فأتانى ابن عم لى فأنكحتها إياه، فكانت، عنده ما كانت، ثم طلقها تطليقة ولم يراجعها حتى انقضت العدة، فهوتها وهويَتْه، ثم خطبها مع الخطاب فقلت له: يالكع، أكرمتك بها وزوجتكها، وطلقت ثم جئت تخطبها، والله لا ترجع إليك أبداً، وكان رجلاً لا بأس به، وكانت المرأة تريد أن ترجع إليه، وعلم الله حاجته إليها وحاجتها إليه فأنزل هذه الآية، قال: ففىَّ نزلت، فكفرت عن يمينى، وأنكحتها إياه، وفى لفظ، فلما سمعها معقل قال: سمعاً لربى وطاعة، ثم دعاه، فقال: أزوجها وأكرمها. وقيل: الخطاب فى تعضلوهن للأَزواج المطلقين لهن، فيكون المراد بالأزواج فى قوله: أن ينكحن أزواجهن، من أردن أن يكون بعد العدة زوجا غير الأول وسمى غير الزوج زوجا لأن حبهن لأن يكون زوجا لهن سبب لتزوجهن به فكأنه من مجاز الأول، ومن لم يشترط فى مجاز الأول التحقق ولا الرجحان، بل مطلق الإمكان فظاهر أنه منه، وكان أهل الجاهلية يمنعون من طلقوهن أن يتزوجن غيرهم، ترفعا أن يطأها غيره، وقيل: الخطاب فى تعضلوهن من للأَولياء والأزواج، أى لا يمنعهن الأزواج المطلقون عن تزوج أزواج آخرين، ولا الأولياء، عن تزوج المطلقين لهن، وقيل الخطاب للناس كلهم، أى لا يكون فيكم عضل بمنع ولا برضاء به عن المطلقين ولا عن غيرهم، فيكون عموم المجاز، ويجوز كون الخطاب أيضا فى طلقتم للأَولياء والأزواج من عموم المجاز، لأن الأولياء سبب لأنهم يعرضون لتخليص وليتهم من الأزواج إذًا {تَرَٰضَوْا بَيْنَهُمْ} أى الأزواج والنساء، رضى كل منهم الآخر، وإذا عائد إلى ينكحن، وإن جعلنا عائداً إلى تعضلوهن فلأن التراضى معتاد، لا لتجويز العضل إذا لم يتراضوا {بِالْمَعْرُوفِ} اللائق شرعا وعادة ومروة {ذَٰلِكَ} المذكور من أحكام الطلاق والإيلاء واليمين، أو ما فى السورة، أو النهى عن العضل، وإفراد الخطاب للعموم البدلى، أوله صلى الله عليه وسلم، أو تأويل الفريق الأزواج أو الأولياء، ولا يصح ما قيل إن الكاف لمجرد الخطاب، إذ لا خطاب بلا مخاطب، بفتح الطاء {يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ} هذا بإعادة كاف ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، كقوله تعالى: "أية : يَٰأَيُّهَا النَّبِىُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَآءَ" تفسير : [الطلاق: 1] فى تشخيصه من عموم لا أن نداءه وخطابه كندائهم وخطابهم، وفى أن الكلام معه والحكم يعمهم، ولأنه الأشد إتقاناً للأَمر المنزل من الله عز وجل، وخص من يؤمن لأنه المتعظ، والحكم يعم، أو معنى يوعظ يجعل الوعظ مؤثراً فيه، وقس على هذا فى كل ما أمكن ولو لم أذكره، بأن تحمل الفعل على تأثيره مثل قوله تعالى: "أية : إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ" تفسير : [يس: 11] أى يؤثر إنذارك فى من اتبع الذكر {ذَٰلِكُمْ} أى ترك العضل أو العمل بمقتضى الوعظ {أَزْكَى} أنفع، فهو من نحو الخير وزيادته {لَكُمْ وَأَطْهَرُ} لكم من دنس الآثام والفتنة والخصام والريبة، وهما من زكى طهر بتحقيقهما، ولا داعى إلى جعلها من المشدد بحذف الزائد وأفعل خارج عن التفضيل، أو يعتبر ما يتوهم فى غير ما وعظوا به من زكاة وطهر {وَاللهُ يَعْلَمُ} مصالحكم الدنيوية والأخروية كلها {وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} ذلك إلا قليلا، فاستزيدوا من الله العلم والعمل.
الالوسي
تفسير : {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنّسَاء فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ} أي آخر عدتهن فهو مجاز من قبيل استعمال الكل في الجزء إن قلنا: إن الأجل حقيقة في جميع المدة ـ كما يفهمه كلام الصحاح ـ وهو الدائر في كلام الفقهاء، ونقل الأزهري عن الليث يدل على أنه حقيقة في الجزء الأخير، وكلا الاستعمالين ثابت في الكتاب الكريم، فإن كان من باب الاشتراك فذاك وإلا فالتجوّز من الكل إلى الجزء الأخير أقوى من العكس ـ والبلوغ ـ في الأصل الوصول وقد يقال للدنوّ منه ـ وهو المراد في الآية ـ وهو إمّا من مجاز المشارفة أو الاستعارة تشبيهاً للمتقارب الوقوع بالواقع ليصح أن يرتب عليه: {فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ} إذ لا إمساك بعد انقضاء الأجل لأنها حينئذٍ غير زوجة له ولا في عدّته فلا سبيل له عليها ـ والإمساك ـ مجاز عن المراجعة لأنها سببه ـ والتسريح ـ بمعنى الإطلاق وهو مجاز عن الترك، والمعنى فراجعوهن من غير ضرار أو خلوهن حتى تنقضي عدّتهنّ من غير تطويل، وهذا إعادة للحكم في صورة بلوغهنّ أجلهنّ اعتناءاً لشأنه ومبالغة في إيجاب المحافظة عليه، ومن الناس من حمل ـ الإمساك بالمعروف ـ على عقد النكاح وتجديده مع حسن المعاشرة ـ والتسريح بالمعروف ـ على ترك العضل عن التزوّج بآخر، وحينئذٍ لا حاجة إلى القول بالمجاز في {بَلَغْنَ} ولا يخفى بعده عن سبب النزول، فقد أخرج ابن جرير وابن المنذر عن السدي أنّ رجلاً من الأنصار يدعى ثابت بن يسار طلق زوجته حتى إذا انقضت/ عدّتها إلا يومين أو ثلاثة راجعها ثم طلقها ففعل ذلك بها حتى مضت لها تسعة أشهر يضارها فأنزل الله تعالى هذه الآية {وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا} تأكيد للأمر ـ بالإمساك بالمعروف ـ وتوضيح لمعناه وهو أدل منه على الدوام والثبات؛ وأصرح في الزجر عما كانوا يتعاطونه، و (ضراراً) نصب على العلية أو الحالية أي لا ترجعوهن للمضارّة أو مضارين، ومتعلق النهي القيد ـ واللام ـ في قوله تعالى: {لّتَعْتَدُواْ} متعلق بـ {ضِرَارًا} أي لتظلموهن بالإلجاء إلى الافتداء، واعترض بأن ـ الضرار ـ ظلم ـ والاعتداء ـ مثله فيؤول إلى: ولا تمسكوهن ظلما لتظلموا وهو كما ترى، وأجيب بأنّ المراد ـ بالضرار ـ تطويل المدة ـ وبالاعتداء ـ الإلجاء، فكأنه قيل: لا تمسكوهنّ بالتطويل لتلجئوهنّ إلى الاختلاع والظلم قد يقصد ليؤدّي إلى ظلم آخر، والمشهور أن هذا الوجه متعين على الوجه الأوّل في {ضِرَارًا} ولا يجوز عليه أن يكون هذا علة لما كان هو له إذ المفعول له لا يتعدّد إلا بالعطف، أو على البدل ـ وهو غير ممكن لاختلاف الإعراب ـ ويجوز أن يكون كذلك على الوجه الثاني، وجوّز تعلقه بالفعل مطلقاً إذا جعلت ـ اللام ـ للعاقبة، ولا ضرر في تعدّي الفعل إلى علة وعاقبة لاختلافهما وإن كانت ـ اللام ـ حقيقة فيهما على رأي. {وَمَن يَفْعَلْ ذٰلِكَ} المذكور وما فيه من البعد للإيذان ببعد منزلته في الشر والفساد {فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ} بتعريضها للعذاب، أو بأن فوّت على نفسه منافع الدين من الثواب الحاصل على حسن المعاشرة، ومنافع الدنيا من عدم رغبة النساء به بعد لاشتهاره بهذا الفعل القبيح {وَلاَ تَتَّخِذُواْ ءايَـٰتِ ٱللَّهِ} المنطوية على الأحكام المذكورة في أمر النساء أو جميع آياته وهذه داخلة فيها {هُزُواً} مهزوءاً بها بأن تعرضوا عنها، وتتهاونوا في المحافظة عليها لقلة اكتراثكم بالنساء وعدم مبالاتكم بهن، وهذا نهي أريد به الأمر بضده، أي جدّوا في الأخذ بها والعمل بما فيها وارعوها حق رعايتها. وأخرج ابن أبـي عمرة وابن مردويه عن أبـي الدرداء قال: كان الرجل يطلق ثم يقول: لعبت ويعتق، ثم يقول: لعبت فنزلت، وأخرج أبو داود والترمذي وحسنه وابن ماجه والحاكم وصححه عن أبـي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ثلاث هزلهنّ جد النكاح والطلاق والرجعة» تفسير : وعن أبـي الدرداء: «حديث : ثلاث اللاعب فيها كالجاد، النكاح والطلاق والعتاق»تفسير : وعن عمر رضي الله تعالى عنه: «حديث : أربع مقفلات النذر والطلاق والعتق والنكاح»تفسير : . {وَٱذْكُرُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ} أي قابلوها بالشكر والقيام بحقوقها ـ والنعمة ـ إمّا عامة فعطف {وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُم} عليها من عطف الخاص على العام، وإمّا أن تخص بالإسلام ونبوّة محمد صلى الله عليه وسلم وخصا بالذكر ليناسب ما سبقه، وليدل على أن ما كانوا عليه من الإمساك إضراراً من سنن الجاهلية المخالفة، كأنه لما قيل: جدّوا في العمل بالآيات على طريق الكناية أكد ذلك بأنه شكر النعمة فقوموا بحقه، ويكون العطف تأكيداً على تأكيد لأن الإسلام ونبوّة محمد صلى الله عليه وسلم يشملان إنزال الكتاب والسنة ـ وهو قريب من عطف التفسير ـ ولا بأس أن يسمى عطف التقرير، قيل: ولو عمم النعمة لم يحسن موقعه هذا الحسن، ولا يخفى أنه في حيز المنع، والظرف الأوّل متعلق بمحذوف وقع حالاً من نعمة أو صفة لها على رأي من يجوّز حذف الموصول مع بعض الصلة، ويجوز أن يتعلق بنفسها إن أريد بها الإنعام لأنها اسم مصدر كنبات من أنبت ولا يقدح في عمله ـ تاء التأنيث ـ لأنه مبني عليها كما في قوله:شعر : فلولا رجاء النصر منك وهيبة عقابك قد كانوا لنا كالموارد تفسير : والظرف الثاني متعلق بما عنده وأتى به تنبيهاً للمأمورين وتشريفاً لهم، و {مَا} موصولة حذف عائدها من الصلة، و {مِنْ} في قوله تعالى: {مّنَ ٱلْكِتَـٰبِ وَٱلْحِكْمَةِ} بيانية، والمراد بهما القرآن الجامع للعنوانين، أو القرآن والسنة، والإفراد بالذكر بعد الاندراج في المذكور إظهاراً للفضل وإيماءاً إلى أن الشرف وصل إلى غاية لا يمكن معها الاندراج، وذاك من قبيل:شعر : فإن تفق الأنام وأنت منهم فإن المسك بعض دم الغزال تفسير : {يَعِظُكُمْ بِهِ} أي: بما أنزل حال من فاعل {أَنَزلَ} أو من مفعوله، أو منهما معاً، وجوّز أن يكون {مَا} مبتدأ وهذه الجملة خبره و {مّنَ ٱلْكِتَـٰبِ} حال من العائد المحذوف، وقيل: الجملة معترضة للترغيب والتعليل. {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} في أوامره والقيام بحقوقه {وَٱعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ بِكُلّ شَىْء عَلِيمٌ} فلا يخفى عليه شيء مما تأتون وما تذرون فليحذر من جزائه وعقابه، أو أنه عليم بكل شيء فلا يأمر إلا بما فيه الحكمة والمصلحة فلا تخالفوه، وفي هذا العطف ما يؤكد الأوامر والأحكام السابقة، وليس هذا من التأكيد المقتضي للفصل، لأنه ليس إعادة لمفهوم المؤكد ولا متحداً معه.
ابن عاشور
تفسير : عطف على جملة: { أية : فإن طلقها فلا جناح عليهما أن يتراجعا } تفسير : [البقرة: 230] الآية عطف حكم على حكم، وتشريع على تشريع، لقصد زيادة الوصاة بحسن المعاملة في الاجتماع والفرقة، وما تبع ذلك من التحذير الذي سيأتي بيانه. وقوله: {فبلغهن أجلهن} مؤذن بأن المراد: وإذا طلقتم النساء طلاقاً فيه أجل. والأجل هنا لما أضيف إلى ضمير النساء المطلقات علم أنه أجل معهود بالمضاف إليه، أعني أجل الانتظار وهو العدة، وهو التربص في الآية السابقة. وبلوغ الأجل: الوصول إليه، والمراد به هنا مشارفة الوصول إليه بإجماع العلماء؛ لأن الأجل إذا انقضى زال التخيير بين الإمساك والتسريح، وقد يطلق البلوغ على مشارفة الوصول ومقاربته، توسعاً أي مجازاً بالأوْل. وفي القاعدة الخامسة من الباب الثامن من «مغني اللبيب» أن العرب يعبرون بالفعل عن أمور: أحدها، وهو الكثير المتعارف عن حصول الفعل وهو الأصل. الثاني: عن مشارفته نحو { أية : وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً وصية لأزواجهم } تفسير : [البقرة: 240] أي يقاربون الوفاة، لأنه حينَ الوصية. الثالث: إرادته نحو { أية : إذا قمتم إلى الصلوات فاغسلوا } تفسير : [المائدة: 6]. الرابع: القدرة عليه نحو { أية : وعداً علينا إنا كنا فاعلين } تفسير : [الأنبياء: 104] أي قادرين. والأجل في كلام العرب يطلق على المدة التي يمهل إليها الشخص في حدوث حادث معين، ومنه قولهم: ضرب له أجلاً { أية : أيما الأجلين قضيت } تفسير : [القصص: 28]. والمراد بالأجل هنا آخر المدة، لأن قوله: {فبلغن} مؤذن بأنه وصول بعد مسير إليه، وأسند (بلغن) إلى النساء لأنهن اللاتي ينتظرن انقضاء الأجل، ليخرجن من حبس العدة، وإن كان الأجل للرجال والنساء معاً، للأوَّلين توسعة للمراجعة، وللأخيرات تحديداً للحِل للتزوج. وأضيف الأجل إلى ضمير النساء لهاته النكتة. والقول في الإمساك والتسريح مضى قريباً. وفي هذا الوجه تكرير الحكم المفاد بقوله تعالى: { أية : فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان } تفسير : [البقرة: 229] فأجيب عن هذا بما قاله الفخر: إن الآية السابقة أفادت التخيير بين الإمساك والتسريح في مدة العدة، وهذه أفادت ذلك التخيير في آخر أوقات العدة، تذكيراً بالإمساك وتحريضاً على تحصيله، ويستتبع هذا التذكير الإشارة إلى الترغيب في الإمساك، من جهة إعادة التخيير بعد تقدم ذكره، وذكر التسريح هنا مع الإمساك، ليظهر معنى التخيير بين أمرين وليتوسل بذلك إلى الإشارة إلى رغبة الشريعة في الأمساك وذلك بتقديمه في الذكر؛ إذ لو يذكر الأمران لما تأتى التقديم المؤذن بالترغيب وعندي أنه على هذا الوجه أعيد الحكم، وليبني عليه ما قصد من النهي عن الضرار وما تلا ذلك من التحذير والموعظة وذلك كله مما أبعد عن تذكره الجمل السابقة التي اقتضى الحال الاعتراض بها. وقوله: {أو سرحوهن بمعروف} قيد التسريح هنا بالمعروف، وقيد في قوله السالف {أو تسريح بإحسان}، بالإحسان للإشارة إلى أن الإحسان المذكور هنالك، هو عين المعروف الذي يعرض للتسريح، فلما تقدم ذكره لم يُحتج هنا إلى الفرق بين قيده وقيد الإمساك. أو لأن إعادة أحوال الإمساك والتسريح هنا ليبنى عليه النهي عن المضارة، والذي تخاف مضارته بمنزلة بعيدة عن أن يطلب منه الإحسان، فطلب منه الحق، وهو المعروف الذي عدم المضارة من فروعه، سواء في الإمساك أو في التسريح، ومضارة كل بما يناسبه. وقال ابن عرفة: «تقدم أن المعروف أخف من الإحسان فلما وقع الأمر في الآية الأخرى بتسريحهن مقارناً للإحسان، خيف أن يتوهم أن الأمر بالإحسان عند تسريحهن للوجوب فعقبه بهذا تنبيهاً على أن الأمر للندب لا للوجوب». وقوله: {ولا تمسكوهن ضراراً} تصريح بمفهوم {فأمسكوهن بمعروف} إذ الضرار ضد المعروف، وكأن وجه عطفه مع استفادته من الأمر بضده التشويه بذكر هذا الضد لأنه أكثر أضداد المعروف يقصده الأزواج المخالفون لحكم الإمساك بالمعروف، مع ما فيه من التأكيد، ونكتته تقرير المعنى المراد في الذهن بطريقتين غايتهما واحدة وقال الفخر: نكتة عطف النهي على الأمر بالضد في الآية هي أن الأمر لا يقتضي التكرار بخلاف النهي، وهذه التفرقة بين الأمر والنهي غير مسلمة، وفيها نزاع في علم الأصول، ولكنه بناها على أن الفرق بين الأمر والنهي هو مقتضى اللغة. على أن هذا العطف إن قلنا: إن المعروف في الإمساك حيثما تحقق انتفى الضرار، وحيثما انتفى المعروف تحقق الضرار، فيصير الضرار مساوياً لنقيض المعروف، فلنا أن نجعل نكتة العطف حينئذٍ لتأكيد حكم الإمساك بالمعروف: بطريقي إثبات ونفي، كأنه قيل: (ولا تمسكوهن إلاّ بالمعروف)، كما في قول السموأل شعر : : تسيل على حد الظُّباتِ نُفُوسنا وليستْ على غير الظُّبات تسيل تفسير : والضرار مصدر ضارَّ، وأصل هذه الصيغة أن تدل على وقوع الفعل من الجانبين، مثل خاصم، وقد تستعمل في الدلالة على قوة الفعل مثل: عافاك الله، والظاهر أنها هنا مستعملة للمبالغة في الضر، تشنيعاً على من يقصده بأنه مفحش فيه. ونصب {ضراراً}على الحال أو المفعولية لأجله. وقوله: {لتعتدوا} جُرَّ باللام ولم يعطف بالفاء؛ لأن الجر باللام هو أصل التعليل، وحذف مفعول «تعتدوا» ليشمل الاعتداء عليهن وعلى أحكام الله تعالى، فتكون اللام مستعملة في التعليل والعاقبة. والاعتداء على أحكام الله لا يكون علة للمسلمين، فنزل منزلة العلة مجازاً في الحصول، تشنيعاً على المخالفين، فحرف اللام مستعمل في حقيقته ومجازه. وقوله{فقد ظلم نفسه} جعل ظلمهم نساءهم ظلماً لأنفسهم، لأنه يؤدي إلى اختلال المعاشرة واضطراب حال البيت وفوات المصالح بشغب الأذهان في المخاصمات. وظلم نفسه أيضاً بتعريضها لعقاب الله في الآخرة. {وَلاَ تَتَّخِذُوۤاْ آيَـٰتِ ٱللَّهِ هُزُوًا وَٱذْكُرُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَآ أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّنَ ٱلْكِتَـٰبِ وَٱلْحِكْمَةِ يَعِظُكُم بِهِ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ}. عطف هذا النهي على النهي في قوله: {ولا تمسكوهن ضراراً لتعتدوا} لزيادة التحذير من صنيعهم في تطويل العدة، لقصد المضارة، بأن في ذلك استهزاء بأحكام الله التي شرع فيها حق المراجعة، مريداً رحمة الناس، فيجب الحذر من أن يجعلوها هزءاً. وآيات الله هي ما في القرآن من شرائع المراجعة نحو قوله: { أية : والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء } تفسير : [البقرة: 228] إلى قوله { أية : وتلك حدود الله يبينها لقوم يعلمون } تفسير : [البقرة: 230]. والهزء بضمتين مصدر هزأ به إذا سخر ولعب، وهو هنا مصدر بمعنى اسم المفعول، أي لا تتخذوها مستهزأ به، ولما كان المخاطب بهذا المؤمنين، وقد علم أنهم لم يكونوا بالذين يستهزئون بالآيات، تعين أن الهزء مراد به مجازه وهو الاستخفاف وعدم الرعاية، لأن المستخف بالشيء المهم يعد لاستخفافه به، مع العلم بأهميته، كالساخر واللاعب. وهو تحذير للناس من التوصل بأحكام الشريعة إلى ما يخالف مراد الله، ومقاصد شرعه، ومن هذا التوصل المنهي عنه، ما يسمى بالحيل الشرعية بمعنى أنها جارية على صور صحيحة الظاهر، بمقتضى حكم الشرع، كمن يهب ماله لزوجه ليلة الحول ليتخلص من وجوب زكاته، ومن أبعد الأوصاف عنها الوصف بالشرعية. فالمخاطبون بهذه الآيات محذرون أن يجعلوا حكم الله في العدة، الذي قصد منه انتظار الندامة وتذكر حسن المعاشرة، لعلهما يحملان المطلق على إمساك زوجته حرصاً على بقاء المودة والرحمة، فيغيروا ذلك ويجعلوه وسيلة إلى زيادة النكاية، وتفاقم الشر والعداوة. وفي «الموطأ» أن رجلاً قال لابن عباس: إني طلقت امرأتي مائة طلقة فقال له ابن عباس «بانت منك بثلاث، وسبع وتسعون اتخذت بها آيات الله هزءاً» يريد أنه عمد إلى ما شرعه الله من عدد الطلاق، بحكمة توقع الندامة مرة أولى وثانية، فجعله سبب نكاية وتغليظ، حتى اعتقد أنه يضيق على نفسه المراجعة إذ جعله مائة. ثم إن الله تعالى بعد أن حذرهم دعاهم بالرغبة فقال: {واذكروا نعمت الله عليكم} فذكرهم بما أنعم عليهم بعد الجاهلية بالإسلام، الذي سماه نعمة كما سماه بذلك في قوله: { أية : واذكروا نعمت الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخواناً } تفسير : [آل عمران: 103] فكما أنعم عليكم بالإنسلاخ عن تلك الضلالة، فلا ترجعوا إليها بالتعاهد بعد الإسلام. وقوله: {وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة} معطوف على (نعمة)، وجملة {يعظكم به} حال ويجوز جعله مبتدأ؛ وجملة {يعظكم} خبراً، والكتاب: القرآن. والحكمة: العلم المستفاد من الشريعة، وهو العبرة بأحوال الأمم الماضية وإدراك مصالح الدين، وأسرار الشريعة، كما قال تعالى، بعد أن بين حكم الخمر والميسر { أية : كذلك يبين الله لكم الأَيات لعلكم تتفكرون في الدنيا والآخرة } تفسير : [البقرة: 219، 220] ومعنى إنزال الحكمة أنها كانت حاصلة من آيات القرآن كما ذكرنا، ومن الإيماء إلى العلل، ومما يحصل أثناء ممارسة الدين، وكل ذلك منزل من الله تعالى بالوحي إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ومن فسر الحكمة بالسنة فقد فسرها ببعض دلائلها. والموعظة والوعظ: النصح والتذكير بما يلين القلوب، ويحذر الموعوظ. وقوله: {واتقوا الله واعلموا أن الله بكل شيء عليم} تذكير بالتقوى وبمراعاة علمهم بأن الله عليم بكل شيء تنزيلاً لهم في حين مخالفتهم بأفعالهم لمقاصد الشريعة، منزلة من يجهل أن الله عليم، فإن العليم لا يخفى عليه شيء، وهو إذا علم مخالفتهم لا يحول بين عقابه وبينهم شيء، لأن هذا العليم قدير.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ} الآية. ظاهر قوله تعالى في هذه الآية الكريمة: {فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ} [البقرة: 231] انقضاء عدتهن بالفعل، ولكنه بين في موضع آخر أنه لا رجعة إلا في زمن العدة خاصة، وذلك في قوله تعالى: {أية : وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ} تفسير : [البقرة: 228]. لأن الإشارة في قوله: {ذَلِكَ} راجعة إلى زمن العدة المعبر عنه بثلاثة قروء في قوله تعالى: {أية : وَٱلْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ} تفسير : [البقرة: 228] الآية. فاتضح من تلك الآية أن معنى {فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ} [البقرة: 231] أي: قاربن انقضاء العدة، وأشرفن على بلوغ أجلها. قوله تعالى: {وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَاراً لِّتَعْتَدُواْ} الآية. صرح تعالى في هذه الآية الكريمة بالنهي عن إمساك المرأة مضارة لها. لأجل الاعتداء عليها بأخذه ما أعطاها. لأنها إذا طال عليها الإضرار افتدت منه. ابتغاء السلامة من ضرره. وصرح في موضع آخر بأنها إذا أتت بفاحشة مبينة جاز له عضلها، حتى تفتدى منه وذلك في قوله تعالى: {أية : وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ ُلِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَآ آتَيْتُمُوهُنَّ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ} تفسير : [النساء: 19] واختلف العلماء في المراد بالفاحشة المبينة. فقال جماعة منهم هي: الزنا، وقال قوم هي: النشوز والعصيان وبذاء اللسان. والظاهر شمول الآية للكل كما اختاره ابن جرير. وقال ابن كثير: إنه جيد، فإذا زنت أو أساءت بلسانها، أو نشزت جازت مضاجرتها. لتفتدي منه بما أعطاها على ما ذكرنا من عموم الآية.
الواحدي
تفسير : {وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهنَّ} أَيْ: قاربن انقضاء عدتهنَّ {فأمسكوهنَّ بمعروف} أَيْ: راجعوهنّ بإشهادٍ على الرَّجعة وعقد لها لا بالوَطْء كما يقول أبو حنيفة {أو سرحوهنَّ بمعروف} أَي: اتركوهنَّ حتى تنقضي عدتهنَّ ويكنَّ أملك بأنفسهنَّ {ولا تمسكوهنَّ ضراراً} أَيْ: لا تُراجعوهنَّ مضارَّةً وأنتم لا حاجة بكم إليهنَّ {لتعتدوا} عليهنَّ بتطويل العِدَّة {ومن يفعل ذلك} الاعتداء {فقد ظلم نفسه} ضرَّها وأثم فيما بينه وبين الله عزَّ وجلَّ {ولا تتخذوا آيات الله هزواً} كان الرَّجل يُطلِّق في الجاهليَّة ويقول: إنَّما طلَّقت وأنا لاعبٌ، فيرجع فيها، فأنزل الله تعالى هذه الآية. {واذكروا نعمة الله عليكم} بالإِسلام {وما أنزل عليكم من الكتاب} يعني: القرآن {والحكمة} مواعظ القرآن. {وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهنَّ} انقضت عدتهنَّ {فلا تعضلوهنَّ} لا تمنعوهنَّ {أن ينكحن أزواجهنَّ} بنكاحٍ جديدٍ، أَي: الذين كانوا أزواجاً لهنَّ. نزلت في أخت معقل بن يسار طلَّقها زوجها، فلمَّا انقضت عدَّتها جاء يخطبها، فأبى معقلٌ أن يُزوِّجها ومنعها بحقِّ الولاية {إذا تراضوا بينهم بالمعروف} بعقدٍ حلالٍ ومهرٍ جائزٍ {ذلك} أَيْ: أَمْرُ اللَّهِ بتَرْكِ العضل {يوعظ به مَنْ كان منكم يؤمن بالله واليوم الآخر ذٰلكم أزكى} أَيْ: ترك العضل خير {لكم} وأفضلُ {وأطهر} لقلوبكم من الرِّيبة، وذلك أنَّهما إذا كان في قلب كلِّ واحدٍ منهما علاقةُ حبِّ لم يُؤمن عليهما {والله يعلم} ما لكم فيه من الصَّلاح. {والوالداتُ يرضعن أولادهن} لفظه لفظ الخبر ومعناه الأمر، وهو أمر استحبابٍ لا أمر إيجابٍ. يريد: إنهنَّ أحقُّ بالإِرضاع من غيرهنَّ إذا أردن ذلك {حولين} سنتين {كاملين} تامين، وهذا تحديدٌ لقطع التَّنازع بين الزَّوجين إذا اشتجرا في مدَّة الرَّضاع. يدلُّ على هذا قوله: {لمن أراد} أَيْ: هذا التَّقدير والبيان {لمن أراد أن يتمَّ الرضاعة}، {وعلى المولود له} أَي: الأب {رزقهن وكسوتهنَّ} رزق الوالدات ولباسهنَّ. قال المفسرون: وعلى الزَّوج رزق المرأة المُطلَّقة وكسوتها إذا أرضعت الولد {بالمعروف} بما يعرفون أنَّه عدلٌ على قدر الإِمكان،وهو معنى قوله: {لا تكلف نفس إلاَّ وسعها} لا تلزم نفسٌ إلاَّ ما يسعها {لا تضار والدة بولدها} لا ينزع الولد منها إلى غيرها بعد أَنْ رضيت بإرضاعه، وألفها الصَّبيُّ، ولا تُلقيه هي إلى أبيه بعدما عرفها تُضَارُّه بذلك، وهو قوله: {ولا مولود له بولده}، {وعلى الوارث مثل ذلك} هذا نسقٌ على قوله: {وعلى المولود له رزقهن وكسوتهنَّ} بمعنى: على وارث الصبيِّ - الذي لو مات الصبيُّ وله مالٌ ورثه - مثل الذي كان على أبيه في حياته، وأراد بالوارث مَنْ كان من عصبته كائناً من كان من الرِّجال {فإن أرادا} يعني: الأبوين {فصالاً} فطاماً للولد {عن تراضٍ منهما} قبل الحولين {وتشاور} بينهما {فلا جناح عليهما وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم} مراضع غير الوالدة {فلا جناح عليكم} فلا إثم عليكم {إذا سلمتم ما آتيتم بالمعروف} أَيْ: إذا سلَّمتم إلى الأُمِّ أجرتها بمقدار ما أرضعت. {والذين يتوفون منكم} أَيْ: يموتون {ويذرون} ويتركون [ويُخَلِّفُون] {أزواجاً} نساءً {يتربصن بأنفسهنَّ} خبرٌ في معنى الأمر {أربعة أشهر وعشرا} هذه المدَّة عدَّة المُتوفَّى عنها زوجها إلاَّ أن تكون حاملاً {فإذا بلغن أجلهنَّ} انقضت عدَّتهنَّ {فلا جناح عليكم} أيُّها الأولياء {فيما فعلن في أنفسهنَّ بالمعروف} أَيْ: مِنْ تزوُّج الأكفاء بإذن الأولياء. هذا تفسير المعروف ها هنا، لأنَّ التي تُزَوِّج نفسها سمَّاها النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم زانية، وهذه الآية ناسخةٌ لقوله تعالى: {أية : متاعاً إلى الحول غير إخراج} تفسير : الآية.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: أجلهن: أجل المطلقة مقاربة انتهاء أيام عدتها. أو سرحوهن: تسريح المطلقة تركها بلا مراجعة لها حتى تنقضي عدتها وتبين من زوجها. ضراراً: مضارة لها وإضراراً بها. لتعتدوا: لتتجاوزوا حد الإِحسان إلى الإِساءة. هزواً: لعباً بها بعدم التزامكم بتطبيق أحكامها. نعمة الله: هنا هي الإِسلام. الحكمة: السنة النبوية. يعظكم به: بالذي أنزله من أحكام الحلال والحرام؛ لتشكروه تعالى بطاعته. معنى الآية الكريمة ما زال السياق في بيان أحكام الطلاق والخلع والرجعة في هذه الآية يأمر تعالى عباده المؤمنين إذا طلق أحدهم امرأته وقاربت نهاية عدتها أن يراجعها فيمسكها بمعروف، والمعروف هو حسن عشرتها أو يتركها حتى تنقضي عدتها ويسرحها بمعروف فيعطيها كامل حقوقها ولا يذكرها إلا بخير ويتركها تذهب حيث شاءت. وحرم على أحدهم أن يراجع امرأته من أجل أن يضرّ بها فلا هو يحسن إليها ولا يطلقها فتستريح منه، فقال تعالى: {وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَاراً لِّتَعْتَدُواْ} يريد عليهن حتى تضطر المرأة المظلومة إلى المخالعة فتفدي نفسها منه بمال وأخبر تعالى: أن من يفعل هذا الإضرار فقد عرض نفسه للعذاب الأخروي. كما نهى تعالى المؤمنين عن التلاعب بالأحكام الشرعية، وذلك بإهمالها وعدم تنفيذها فقال تعالى: {وَلاَ تَتَّخِذُوۤاْ آيَاتِ ٱللَّهِ هُزُواً} وأمرهم أن يذكروا نعمة الله عليهم حيث منَّ عليهم بالإِسلام دين الرحمة والعدالة والإِحسان وذلك ليشكروه بامتثال أوامره واجتناب نواهيه. كما عليهم أن يذكروا نعمة الله عليهم زيادة على الإِسلام وهي نعمة إنزال الكتاب. والحكمة ليعظهم بذلك فيأمرهم بما فيه سعادتهم وكمالهم، وينهاهم عما فيه شقاؤهم وخسرانهم: ثم أمرهم بتقواه عز وجل, فقال {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} وأعلمهم أنه أحق أن يُتقى لأنه بكل شيء عليم لا يخفى عليه من أمرهم شيء فليحذروا أن يراهم على معصيته مجانبين لطاعته. هداية الآية من هداية الآية: 1- لا يحل للمطلق أن يراجع امرأته من أجل أن يضرّ بها ويظلمها حتى تخالعه بمال. 2- حرمة التلاعب بالأحكام الشرعية بعدم مراعاتها، وتنفيذها. 3- وجوب ذكر نعمة الله على العبد وذلك بذكرها باللسان، والاعتراف بها في الجنان. 4- وجوب تقوى الله تعالى في السر والعلن. 5- مراقبة الله تعالى في سائر شؤون الحياة لأنه بكل شيء عليم.
القطان
تفسير : بلغن اجلهن: آخر عِدتهن. ولا تمسكوهن ضِراراً: أي قصدَ الإضرار بهن. واذا طلقتم النساء وقرب انتهاء عدتهن، فاعزموا احد الأمرين: امساك بالمعروف، قاصدين اقامة العدل وحسن العشرة. أو طلاق بالمعروف حتى تذهب المرأة في حال سبيلها. ولا تمسكوهن ضِراراً لتعتدوا. اذ لا يجوز ان يكون القصد من المراجعة إلحاق الضرر بها حتى تلجئوها الى افتداء نفسها. من يفعل ذلك فقد ظلم نفسه في الدنيا. بسلوك طريق الشر وحرمان نفسه سعادة الحياة الزوجية. واستحق سخط الله عليه. {وَلاَ تَتَّخِذُوۤاْ آيَاتِ ٱللَّهِ هُزُواً} وفي هذا وعيد لمن يتهاون في الأحكام التي شرعها الله لعباده. {وَٱذْكُرُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ} بتنظيم الحياة الزوجية تنظيما عاليا، وبما انزل عليكم من كتاب مبين للرسالة المحمدية وما فيه من حكم وقصص تتعظون بها وتهتدون. {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ } بامتثال أمره ونهيه في أمر النساء وتوثيق الصلة الزوجية. {وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} فلا يخفى عليه شيء مما يُسرّ العبد أو يعلنه وهو مجازيكم بما كنتم تعملون.
د. أسعد حومد
تفسير : {آيَاتِ} {نِعْمََةِ} {ٱلْكِتَابِ} (231) - يَأمُرُ اللهُ تَعَالَى الرِّجَالَ المُؤْمِنينَ إذَا طَلَّقَ أحَدُهُمُ زَوْجَتَهُ طَلاَقاً، لَهُ عَليها رَجْعَةٌ فِيه، أنْ يُحْسِنَ فِي أمْرِها إذا قَارَبَتْ عِدَّتُهَا عَلَى الانْقِضَاءِ، وَلَمْ يَبْقَ فِيهَا إلاَّ مِقْدَارُ مَا يُمْكِنُهُ مِنْ مُراجَعَتِها، فَإمَّا أنْ يُمْسِكَها بِمَعْرُوفٍ (أيْ يُراجِعُها وَيُعيدُهَا إلى عِصْمَتِهِ)، فَيُشْهِدَ عَلَى رَجْعَتِهَا، وَهُوَ يَنْوِي مُعَاشَرَتَها بِالمَعْرُوفِ، أوْ يُسَرِّحَهَا وَيَتْرُكَها تَنْقَضِي عِدَّتُها وَيُخْرِجَها مِنْ مَنْزِلِهِ بِالتِي هِيَ أحْسَنُ، بِدُونِ خِصَامٍ وَلا شِقَاقٍ. وَيُكَرِّرُ اللهُ أمْرَهُ للرِّجَالِ بِأنْ لا يُمْسِكُوا زَوْجَاتِهِمْ للاضْرَارِ وَالاعْتِدَاءِ. (أيْ أنْ لا يُرَاجِعُوهُنَّ وَهُمْ يُرِيدُونَ مضَارَّتَهُنَّ وَإيذاءَهُنَُّ بِالحَبْسِ وَتَطْويلِ مُدَّةِ العِدَّةِ لِيُلْجِئُوهُنَّ إلى الافْتِدَاءِ). وَحَذَّرَ اللهُ مَنْ يُخَالِفُ أمْرَه بِأنَّه يَكُونُ قَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ. وَنَهَى اللهُ المُؤْمِنينَ عَنِ التَّلاعُبِ فِي الطَّلاقِ والتَّسَلِّي فِيه، وَعَدَّ ذَلِكَ مِنْ قَبيلِ اتِّخَاذِ آياتِ اللهِ هُزْواً وسُخْرِيَةً. وَقَالَ تَعَالَى: اذْكُرُوا يَا أيُّها المُؤْمِنُونَ نِعْمَةَ اللهِ عَلَيكُمْ في إرْسَالِ الرَّسُولِ إليكُمْ بِالهُدَى وَالبَيِّنَاتِ وَمَا أنْزَلَ اللهُ عَلَيْكُمْ مِنَ الكِتَابِ وَالحِكْمَةِ (أي القُرآنِ وَالسُّنَّةِ)، وَاللهُ يَعِظُكُمْ بِهِ فَيَأْمُرُكُمْ وَيَنْهَاكُمْ وَيَتَوعَّدُكُمْ عَلَى ارْتِكَابِ المُحَرَّمَاتِ، فَاتَّقُوا اللهَ في جَمِيعِ أَعْمَالِكُمْ وَأَحْوَالِكُمْ. فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ - شَارَفْنَ انْقِضَاءَ عِدَّتِهِنَّ. وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً - مضارَّةً لَهُنَّ. هُزْواً - سُخْرِيَةً بِالتَّهَاوُنِ فِي المُحَافَظَةِ عَلَيْها. الكِتَابِ وَالحِكْمَةِ - القُرآنِ وَالسُّنَّةِ وَمَعْرِفَةِ الأحْكَامِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : ولنلاحظ قوله: {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ} [البقرة: 231] ونسأل: هل إذا بلغت الأجل وانتهت العدة، هل يوجد بعدها إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان؟، هل يوجد إلا التسريح؟. إن هناك آية بعد ذلك تقول: {أية : وَإِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْاْ بَيْنَهُمْ بِٱلْمَعْرُوفِ}تفسير : [البقرة: 232]. إذن نحن أمام آيتين كل منهما تبدأ بقوله: {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ} [البقرة: 231]. لكن تكملة الآية الأولى هو: {فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ} [البقرة: 231] وتكملة الآية الثانية هو: {أية : فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ} تفسير : [البقرة: 232]. ما سر هذا الاختلاف إذن؟ نقول: إن البلوغ يأتي بمعنيين، المعنى الأول: أن يأتي البلوغ بمعنى المقاربة مثل قوله تعالى: {أية : إِذَا قُمْتُمْ إِلَى ٱلصَّلاةِ فٱغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ} تفسير : [المائدة: 6]. أي عندما تقارب القيام إلى الصلاة فافعل ذلك. والمعنى الثاني: يطلق البلوغ على الوصول الحقيقي والفعلي. إن الإنسان عندما يكون مسافراً بالطائرة ويهبط في بلد الوصول فهو يلاحظ أن الطيار يعلن أنه قد وصل إلى البلد الفلاني. إذن مرة يطلق البلوغ على القرب ومرة أخرى يطلق على البلوغ الحقيقي. وفي الآية الأولى {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ} [البقرة: 231] هنا طلق الرجل زوجته لكن عدتها لم تنته بل قاربت على الانتهاء فربما يمكنه أن يسرحها أو يمسكها بإحسان، وأصبح للزوج قدر من زمن العدة يبيح له أن يمسك أو يسرح، لكنه زمن قليل. إن الحق يريد أن يتمسك الزوج بالإبقاء إلى آخر لحظة ويستبقي أسباب الالتقاء وعدم الانفصال حتى آخر لحظة، وهذه علة التعبير بقوله: "فبلغن أجلهن" أي قاربن بلوغ الأجل. إن الحق يريدنا أن نتمسك باستبقاء الحياة الزوجية إلى آخر فرصة تتسع للإمساك، فهي لحظة قد ينطق فيها الرجل بكلمة يترتب عليها إما طلاق، وإما عودة الحياة الزوجية. أما الآية الثانية وهي قوله تعالى: {أية : وَإِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ} تفسير : [البقرة: 232] فالله سبحانه وتعالى يريد أن يحصر مناقشة الأسباب في الانفصال أو الاستمرار بين الزوج والزوجة فقط فلا تتعدى إلى غير الزوج والزوجة؛ لأن بين الاثنين من الأسباب ما قد تجعل الواحد منهما يُلين جانبه للآخر. لكن إذا ما دخل طرف ثالث ليست عنده هذه فسوف تكبر في نفسه الخصومة ولا توجد عنده الحاجة فلا يبقى على عشرة الزوجين. فإذا ما دخل الأب أو الأخ أو الأم في النزاع فسوف تشتعل الخصومة، وكل منهم لا يشعر بإحساس كل من الزوجين للآخر، ولا بليونة الزوج لزوجته، ولا بمهادنة الزوجة لزوجها، فهذه مسائل عاطفية ونفسية لا توجد إلا بين الزوج والزوجة، أما الأطراف الخارجية فلا يربطها بالزوج ولا بالزوجة إلا صلة القرابة. ومن هنا فإن حرص تلك الأطراف الخارجية على بقاء عشرة الزوجين لا يكون مثل حرص كل من الزوجين على التمسك بالآخر. ولذلك يجب أن نفهم أن كل مشكلة تحدث بين زوج وزوجته ولا يتدخل فيها أحد تنتهي بسرعة بدون أم أو أب أو أخ، ذلك لأنه تدخل طرفٍ خارجي لا يكون مالكاً للدوافع العاطفية والنفسية التي بين الزوجين، أما الزوجان فقد تكفي نظرة واحدة من أحدهما للآخر لأن تعيد الأمور إلى مجاريها. فقد يُعجب الرجل بجمال المرأة ويشتاق إليها، فينسى كل شيء. وقد ترى المرأة في الرجل أمراً لا تحب أن تفقده منه فتنسى ما حدث بينهما، وهكذا. لكن أين ذلك من أمها وأمه، أو أبيها وأبيه؟ ليس بين هؤلاء وبين الزوجين أسرار وعواطف ومعاشرة وغير ذلك. ولهذا فأنا أنصح دائماً بأن يظل الخلاف محصوراً بين الزوج والزوجة؛ لأن الله قد جعل بينهما سيالاً عاطفياً. والسيال العاطفي قد يسيل إلى نزوع ورغبة في شيء ما، وربما تكون هذه الرغبة هي التي تصلح وتجعل كلا من الطرفين يتنازل عن الخصومة والطلاق. ولذلك شاءت إرادة الله عز وجل ألا يطلق الرجل زوجته وهي حائض، لماذا؟ لأن المرأة في فترة الحيض لا يكون لزوجها رغبة فيها، وربما ينفر منها، لكن يريد الحق عز وجل ألا يطلق الرجل زوجته إلا في طهر لم يسبق له أن عاشرها فيه معاشرة الزوج زوجته وبعد أن تغتسل من الحيض، وذلك حتى لا يطلقها إلا وهو في أشد الأوقات رغبة لها. إذن فالحق سبحانه وتعالى يريد أن تكون الخلافات بين الزوج والزوجة في إطار الحياة الزوجية، حتى يحفظهما سياج المحبة والمودة والرحمة. لكن تدخل الأطراف الأخرى يحطم هذا السياج، أياً كان الطرف أما أو أبا أو أخا. ويقول الحق: {وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَاراً لِّتَعْتَدُواْ} [البقرة: 231] أي لا تبقي أيها الرجل على الحياة الزوجية من أجل الإضرار بالمرأة وإذلالها، ومعنى الضرار أنك تصنع شيئاً في ظاهره أنك تريد الخير وفي الباطن تريد الشر. ولذلك أطلق اللفظ على "مسجد الضرار" فظاهر بنائه أنه مسجد بني للصلاة فيه، وفي الباطن كان الهدف منه هو الكفر والتفريق بين المؤمنين. وكذلك الضرار في الزواج؛ يقول الرجل أنا لا أريد طلاقها وسأعيدها لبيتها، يقول ذلك ويُبيت في نفسه أن يعيدها ليذلها وينتقم منها، وذلك لا يقره الإسلام؛ بل وينهى عنه. إن الحق عز وجل يحذر من مثل هذا السلوك فيقول: {وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَاراً لِّتَعْتَدُواْ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ} [البقرة: 231] فإياك أن تظن أنك حين تعتدي على زوجتك بعد أن تراجعها أنك ظلمتها هي، لا، إنما أنت تظلم نفسك؛ لأنك حين تعتدي على إنسان فقد جعلت ربه في جانبه، فإن دعا عليك قِبل الله دعوته، وبذلك تحرم نفسك من رضا الله عنك، فهل هناك ظلم أكثر من الظلم الذي يأتيك بسخط الله عليك. ويتابع الحق سبحانه وتعالى: {وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلاَ تَتَّخِذُوۤاْ آيَاتِ ٱللَّهِ هُزُواً} [البقرة: 231] أي خذوا نظام الله على أنه نظام جاء ليحكم حركة الحياة حكماً بلا مراوغة وبلا تحليق في خيال كاذب، إنما هو أمر واقعي، فلا يصح أن يهزأ أحد بما أنزله الله من أنظمة تصون حياة وكرامة الإنسان رجلاً كان أو امرأة. {وَٱذْكُرُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَآ أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِّنَ ٱلْكِتَابِ وَٱلْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ} [البقرة: 231] ونعمة الله عليهم التي يذكرهم الله بها في معرض الحديث عن الطلاق هي أنه - سبحانه - يلفتهم إلى ما كانوا عليه قبل أن يشرع لهم أين كان حظ المرأة في الجاهلية في أمور الزواج والطلاق، وما أصبحت عليه بعد نزول القرآن؟ لقد صارت حقوقها مصونة بالقرآن. إن الحق عز وجل يمتن على المؤمنين ليلفت نظرهم إلى حالتهم قبل الإسلام؛ فقد كان الرجل يطلق امرأته ويعيدها، ثم يطلقها ويعيدها ولو ألف مرة دون ضابط أو رابط. وكان يحرم عليها المعاشرة الزوجية شهوراً ويتركها تتعذب بلوعة البعد عنه، ولا تستطيع أن تتكلم. وكانت المرأة إذا مات زوجها تنفى من المجتمع فلا تظهر أبداً ولا تخرج من بيتها وكأنها جرثومة، وقبل ذلك كله كانت مصدر عار لأبيها، فكان يقتلها قبل أن تصل إلى سن البلوغ بدعوى الحرص على عرضه وشرفه. باختصار كان الزواج أقرب إلى المهازل منه إلى الجد، فجاء الإسلام، فحسم الأمور حتى لا تكون فوضى بلا ضوابط وبلا قوانين. فاذكروا أيها المؤمنون نعمة الله عليكم بالإسلام، وانظروا إلى ما أنعم به عليكم من نظام أسري يلهث العالم شرقه وغربه ليصل إلى مثله. كنتم أمة بلا حضارة وبلا ثقافة، تعبدون الأصنام وتقيمون الحرب وتشعلونها بينكم على أتفه الأسباب وأدونها، وتجهلون القراءة والكتابة، ثم نزل الله عليكم هذا التشريع الراقي الناضج الذي لم تصل إليه أية حضارة حتى الآن. أَلاَ تذكرون هذه النعمة التي أنتم فيها بفضل من الله؟ لذلك قال سبحانه: {وَٱذْكُرُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَآ أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِّنَ ٱلْكِتَابِ وَٱلْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ} [البقرة: 231] والكتاب هو القرآن، والحكمة هي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. ويختتم الحق تلك الآية الكريمة بقوله: {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [البقرة: 231]. فإياكم أن تتهموا دينكم بأنه قد فاته شيء من التشريع لكم، فكل تشريع جاهز في الإسلام، لأن الله عليم بما تكون عليه أحوال الناس، فلا يستدرك كون الله في الواقع على ما شرع الله في كتابه، لأنه سبحانه خالق الكون ومنزل التشريع. وبعد ذلك يقول الحق: {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ ...}.
الصابوني
تفسير : المنَاسَبَة: لا تزال الآيات الكريمة تتحدث عن أحكام الطلاق وتوضّح طريقته وشروطه وآدابه وتنهى عن الإِيذاء والإِضرار فوجه المناسبة إِذاً ظاهر. اللغَة: {فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ} أي قاربن من الانتهاء من العدة. {ضِرَاراً} أي بقصد الإِضرار، قال القفال: الضرّار هو المضارّة كقوله: {أية : مَسْجِداً ضِرَاراً} تفسير : [التوبة: 107] أي ليضاروا المؤمنين. {تَعْضُلُوهُنَّ} العضل: المنع والتضييق يقال: أعضل الأمر أي أشكل وضاقت فيه الحيل وداء عُضال أي عسير أعيا الأطباء، قال الأزهري: وأصله من عضلت الناقة إِذا نشب ولدها فلم يسهل خروجه. {يُوعَظُ بِهِ} يوصى ويؤمر به. {أَزْكَىٰ} أنمى وأنفع يقال: زكا الزرع إِذا نما بكثرةٍ وبركة. {وَأَطْهَرُ} الطهارة: التنزه عن الدَّنس والمعاصي. سَبَبُ النّزول: روي أنّ "معقل بن يسار" زوَّج أخته رجلاً من المسلمين على عهد النبيّ صلى الله عليه وسلم فكانت عنده ما كانت ثم طلقها تطليقة لم يراجعها حتى انقضت العدّة، فهويها وهويته ثم خطبها مع الخطّاب فقال له: يا لُكَع، أي "يا لئيم" أكرمتك بها وزوجتك فطلقتها!! والله لا ترجع إِليك أبداً فعلم الله حاجته إِليها وحاجتها إِلى بعلها فأنزل الله {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ..} الآية فلما سمعها معقل قال: سمعاً لربي وطاعة ثم دعاه فقال: أزوجك وأكرمك. التفسِير: {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ} أي إِذا طلقتم يا معشر الرجال النساء طلاقاً رجعياً وقاربن انقضاء العدة {فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ} أي فراجعوهنّ من غير ضرار ولا أذى أو اتركوهن حتى تنقضي عدتهن بإِحسان من غير تطويل العدّة عليهن {وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَاراً لِّتَعْتَدُواْ} أي لا تراجعوهن إِرادة الإِضرار بهنّ لتظلموهن بالإِلجاء إِلى الافتداء، وفيه زجرٌ لما كان عليه الناس حيث كان الزوج يترك المعتدة حتى إِذا شارفت انقضاء العدّة يراجعها للإِضرار بها ليطوّل عليها العدّة لا للرغبة فيها {وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ} أي من يمسكها للإِضرار بها أو ليكرهها على الافتداء فقد ظلم بذلك العمل نفسه لأنه عرّضها لعذاب الله {وَلاَ تَتَّخِذُوۤاْ آيَاتِ ٱللَّهِ هُزُواً} أي لا تهزؤوا بأحكام الله وأوامره ونواهيه فتجعلوا شريعته مهزوءاً بها بمخالفتكم لها { وَٱذْكُرُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَآ أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِّنَ ٱلْكِتَابِ وَٱلْحِكْمَةِ} أي اذكروا فضل الله عليكم بهدايتكم للإِسلام وما أنعم به عليكم من القرآن العظيم والسنّة المطهّرة {يَعِظُكُمْ بِهِ} أي يرشدكم ويذكّركم بكتابه وهدي رسوله إِلى سعادتكم في الدارين {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} أي خافوا الله وراقبوه في أعمالكم واعلموا أنه تعالى لا تخفى عليه خافية من أحوالكم ثم أمر تعالى الأولياء بعدم عضل النساء الراغبات في العودة إِلى أزواجهن فقال: {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ} أي إِذا طلقتم النساء وانقضت عدتهن {فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْاْ بَيْنَهُمْ بِٱلْمَعْرُوفِ} أي فلا تمنعوهن يا معشر الأولياء من العودة لأزواجهن إِذا صلحت الأحوال بين الزوجين وظهرت أمارات الندم ورضي كل منهما إِلى العودة لصاحبه والسير بما يرضي الله {ذٰلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ مِنكُمْ يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ} أي ما نهيتكم عنه من الإِضرار والعضل يُنصح به ويوعظ من كان يؤمن بالله واليوم الآخر لأنه هو المنتفع بالمواعظ الشرعية {ذٰلِكُمْ أَزْكَىٰ لَكُمْ وَأَطْهَرُ} أي الاتعاظ بما ذكر والتمسك بأوامر الله خير وأنفع لكم وأطهر من الآثام وأوضار الذنوب {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} أي والله يعلم ما هو أصلح لكم من الأحكام والشرائع وأنتم لا تعلمون ذلك، فامتثلوا أمره تعالى ونهيه في جميع ما تأتون وما تذرون. البَلاَغَة: 1- {فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ} أي قاربن انقضاء عدتهن أُطلق اسم الكل على الأكثر فهو مجاز مرسل لأنه لو انقضت العدّة لما جاز له إِمساكها والله تعالى يقول: {فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ}. 2- {وَٱذْكُرُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَآ أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِّنَ ٱلْكِتَابِ وَٱلْحِكْمَةِ} هو من باب عطف الخاص على العام لأن النعمة يراد بها نعم الله والكتاب والسنّة من أفراد هذه النعم. 3- {وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} بين كلمة "اعلموا" و "عليم" من المحسنات البديعية ما يسمى بجناس الاشتقاق. 4- {أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ} يراد بأزواجهن "المطلقين" لهن فهو من باب المجاز المرسل والعلاقة اعتبار ما كان. فَائِدَة: قال الإِمام الفخر: الحكمة في إِثبات حق الرجعة أنّ الإِنسان ما دام مع صاحبه لا يدري هل تشقُّ عليه المفارقة أو لا؟ فإِذا فارقه فعند ذلك يظهر، فلو جعل الله الطلقة الواحدة مانعةً من الرجوع لعظمت المشقة على الإِنسان إِذ قد تظهر المحبة بعد المفارقة، ثم لما كان كمال التجربة لا يحصل بالمرة الواحدة أثبت تعالى حق المراجعة مرتين، وهذا يدل على كمال رحمته تعالى ورأفته بعباده.
زيد بن علي
تفسير : وقولُه تعالى: { فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ} معناهُ بَلغَ النِّساءُ فِي عَدَّتِهنَّ منتهى كُلِ قُرءٍ أَوْ شَهرٍ. وعِدَّةُ المطلَّقةِ إِذا كان مَدخُولاً بِهَا ثَلاثَةُ قُروءٍ إِنْ كَانتْ تَحيضُ وإِنْ كانتْ ممن لاَ تَحيضُ لِصغَرٍ أَوْكِبَرٍ؛ فَثلاثَة أَشْهرٍ، وإِنْ كَانتْ حاملاً؛ فحتَّى تضعَ حَملَهَا. وإِنْ طَلَّقَها قَبلَ أَنْ يَدخُلَ بِهَا؛ فَلاَ عِدَّةَ عليهَا. والمُتوفَى عَنهَا زَوجُهَا دَخَلَ بِها أَوْ لَمْ يَدْخُلْ صَغيرةً كانتْ أَوْ كَبيرةً. كَانتْ تَحيضُ أَوْ لاَ تحيضُ. فعِدَّتُهَا أَربعةُ أَشهرٍ وعَشرةُ أَيامٍ مِنْ سَاعةِ مَوتِ زَوجِهَا. إِلاَّ أَنْ تَكونَ حَامِلاً فعِدَّتُهَا أَنْ تَضَعَ حَملَهَا.
الجيلاني
تفسير : {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ} أي: قرب انقضاء عدتهن {فَأَمْسِكُوهُنَّ} أي: فعليكم بعدما قرب انقضاء مدة العدة أن تراجعوهن فيها وتمسكوهن {بِمَعْرُوفٍ} مستحسن عقلاً وشرعاً {أَوْ سَرِّحُوهُنَّ} وفارقوهن {بِمَعْرُوفٍ} حتى لا يتضررن بعدم الزواج وطول المدة {وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ} أي: ولا تراجعوهن {ضِرَاراً} أي: بمجرد أن تضروهن {لِّتَعْتَدُواْ} أي: تبقوا مدة طويلة بلا محبة ومودة حتى يأتيهن الموت كما يفعله الجهال غيره وحمية {وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ} الفعلة منكم {فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ} بتعريضها على عقاب الله بإبطال حكمته وتعطيل محل خلقه وقدرته. {وَلاَ تَتَّخِذُوۤاْ} أيها المؤمنون {آيَاتِ ٱللَّهِ} النازلة عليكم {هُزُواً} تتهاونون عليها وتأخذونها سهلاً، احذوا عن انتقامه {وَٱذْكُرُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ} المنعمة {عَلَيْكُمْ} واشكروا لها {وَ} خصوصاً {مَآ أَنزَلَ عَلَيْكُمْ} لإصلاح حالكم {مِّنَ ٱلْكِتَابِ} المبين لكم طريق المعاش في النشأة الأولى {وَٱلْحِكْمَةِ} الموصلة إلى ذروة التوحيد في النشأة الأخرى لكي {يَعِظُكُمْ بِهِ} فعليكم أن تتعظوا وتتذكروا به {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} عن مساخطته وانتقاماته ولا تتجاوزوا عن حدوده المبينة في كتابه {وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ} المحيط بكم وبحالاتكم {بِكُلِّ شَيْءٍ} صدر عنكم من الخير والشر والنفع والضر العائد لنفوسكم {عَلِيمٌ} [البقرة: 231] بالعلم الحضوري، لا يعرب عن علمه شيء مما ظهر وكان، ويظهر ويكون. {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ} أيها المؤمنون {ٱلنِّسَآءَ فَبَلَغْنَ} بعد الطلاق {أَجَلَهُنَّ} من المعدة المفروضة المقدرة لاستبراء الرحم {فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ} أي: لا تحبسوهن ولا تعيروهن إن أردن {أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْاْ بَيْنَهُمْ بِٱلْمَعْرُوفِ} كما يفعله الجهال من الحمية الجاهلية {ذٰلِكَ} التذكر والعظمة المنزلة من عند الله {يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ مِنكُمْ يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ} بجميع ما أنزل من الأحكام والمواعظ {وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ} بجميع ما فيه من النكال والعذاب والحساب العقاب {ذٰلِكُمْ} أي: الأحكام والمواعظ والأخلاق والآداب {أَزْكَىٰ لَكُمْ} لتزيكة نفوسكم من الأهواء والآراء الباطلة {وَأَطْهَرُ} لقلوبكم عن متابعتها {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ} مصالح عباده {وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 232] فعليكم الامتثال والانقياد على وجه التعبد.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 105 : 80 - سفين عن هشام بن عروة عن أبيه قال، كان الرجل يطلق امرأته، فإِذا حاضت حيضة أو حيضتين ودنت الحيضة الثالثة، راجعها ليضارها ذلك. فنزلت {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَاراً لِّتَعْتَدُواْ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ} [الآية 231]. 106 : 81 - سفين عن الأعمش عن أبي الضحى عن مسروق مثله.
همام الصنعاني
تفسير : 285- عبد الرزاق، قال: حدثنا معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَاراً}: [الآية: 231]، قال: هو الرجل يطلّقُ امْرأتهُ فإذا بقي من عدتها يَسيرٌ راجَعَها، يُضارُّها بذلِكَ، ويُطوِّلُ عَلَيْها، فنهاهم اللهُ عن ذلكَ، فأمرهم أن يُمسكوهن، بمعروف أوْ يُسرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):