Verse. 239 (AR)

٢ - ٱلْبَقَرَة

2 - Al-Baqara (AR)

وَاِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاۗءَ فَبَلَغْنَ اَجَلَہُنَّ فَلَا تَعْضُلُوْھُنَّ اَنْ يَّنْكِحْنَ اَزْوَاجَہُنَّ اِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَہُمْ بِالْمَعْرُوْفِ۝۰ۭ ذٰلِكَ يُوْعَظُ بِہٖ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللہِ وَالْيَوْمِ الْاٰخِرِ۝۰ۭ ذٰلِكُمْ اَزْكٰى لَكُمْ وَاَطْہَرُ۝۰ۭ وَاللہُ يَعْلَمُ وَاَنْتُمْ لَا تَعْلَمُوْنَ۝۲۳۲
Waitha tallaqtumu alnnisaa fabalaghna ajalahunna fala taAAduloohunna an yankihna azwajahunna itha taradaw baynahum bialmaAAroofi thalika yooAAathu bihi man kana minkum yuminu biAllahi waalyawmi alakhiri thalikum azka lakum waatharu waAllahu yaAAlamu waantum la taAAlamoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن» انقضت عدتهن «فلا تعضلوهن» خطاب للأولياء أي تمنعوهن من «أن ينكحن أزواجهن» المطلقين لهن لأن سبب نزولها أن أخت معقل بن يسار طلقها زوجها فأراد أن يراجعها فمنعها معقل بن يسار كما رواه الحاكم «إذا تراضوا» أي الأزواج والنساء «بينهم بالمعروف» شرعا «ذلك» النهي عن العضل «يوعظ به من كان منكم يؤمن بالله واليوم الآخر» لأنه المنتفع به «ذلكم» أي ترك العضل «أزكى» خير «لكم وأطهر» لكم ولهم لما يُخشى على الزوجين من الريبة بسبب العلاقة بينهما «والله يعلم» ما فيه المصلحة «وأنتم لا تعلمون» ذلك فاتَّبعوا أوامره.

232

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن هذا هو الحكم السادس من أحكام الطلاق، وهو حكم المرأة المطلقة بعد انقضاء العدة وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: في سبب نزول الآية وجهان الأول: روي أن معقل بن يسار زوج أخته جميل بن عبد الله بن عاصم، فطلقها ثم تركها حتى انقضت عدتها، ثم ندم فجاء يخطبها لنفسه ورضيت المرأة بذلك، فقال لها معقل: إنه طلقك ثم تريدين مراجعته وجهي من وجهك حرام إن راجعتيه فأنزل الله تعالى هذه الآية، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم معقل بن يسار وتلا عليه هذه الآية فقال معقل: رغم أنفي لأمر ربـي، اللهم رضيت وسلمت لأمرك، وأنكح أخته زوجها والثاني: روي عن مجاهد والسدي أن جابر ابن عبد الله كانت له بنت عم فطلقها زوجها وأراد رجعتها بعد العدة فأبـى جابر، فأنزل الله تعالى هذه الآية، وكان جابر يقول فيّ نزلت هذه الآية. المسألة الثانية: العضل المنع، يقال: عضل فلان ابنته، إذا منعها من التزوج، فهو يعضلها ويعضلها، بضم الضاد وبكسرها وأنشد الأخفش:شعر : وإن قصائدي لك فاصطنعني كرائم قد عضلن عن النكاح تفسير : وأصل العضل في اللغة الضيق، يقال: عضلت المرأة إذا نشب الولد في بطنها، وكذلك عضلت الشاة، وعضلت الأرض بالجيش إذا ضاقت بهم لكثرتهم، قال أوس بن حجر:شعر : ترى الأرض منا بالفضاء مريضة معضلة منا بجيش عرمرم تفسير : وأعضل المريض الأطباء أي أعياهم، وسميت العضلة عضلة لأن القوى المحركة منشؤها منها، ويقال: داء عضال، للأمر إذا اشتد، ومنه قول أوس:شعر : وليس أخوك الدائم العهد بالذي يذمك إن ولى ويرضيك مقبلاً ولكنه النائي إذا كنت آمنا وصاحبك الأدنى إذا الأمر أعضلا تفسير : المسألة الثالثة: اختلف المفسرون في أن قوله: {فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ } خطاب لمن؟ فقال الأكثرون إنه خطاب للأولياء، وقال بعضهم إنه خطاب للأزواج، وهذا هو المختار، الذي يدل عليه أن قوله تعالى: {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ } جملة واحدة مركبة من شرط وجزاء، فالشرط قوله: {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ } والجزاء قوله: {فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ } ولا شك أن الشرط وهو قوله: {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنّسَاءَ } خطاب مع الأزواج، فوجب أن يكون الجزاء وهو قوله: {فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ } خطاباً معهم أيضاً، إذ لو لم يكن كذلك لصار تقدير الآية: إذا طلقتم النساء أيها الأزواج فلا تعضلوهن أيها الأولياء وحيئنذٍ لا يكون بين الشرط وبين الجزاء مناسبة أصلاً وذلك يوجب تفكك نظم الكلام وتنزيه كلام الله عن مثله واجب، فهذا كلام قوي متين في تقرير هذا القول، ثم إنه يتأكد بوجهين آخرين الأول: أن من أول آية في الطلاق إلى هذا الموضع كان الخطاب كله مع الأزواج، وألبتة ما جرى للأولياء ذكر فكان صرف هذا الخطاب إلى الأولياء على خلاف النظم والثاني: ما قبل هذه الآية خطاب مع الأزواج في كيفية معاملتهم مع النساء قبل انقضاء العدة، فإذا جعلنا هذه الآية خطاباً لهم في كيفية معاملتهم مع النساء بعد انقضاء العدة كان الكلام منتظماً، والترتيب مستقيماً، أما إذا جعلناه خطاباً للأولياء لم يحصل فيه مثل هذا الترتيب الحسن اللطيف، فكان صرف الخطاب إلى الأزواج أولى. حجة من قال الآية خطاب للأولياء وجوه الأول: وهو عمدتهم الكبرى: أن الروايات المشهورة في سبب نزول الآية دالة على أن هذه الآية خطاب مع الأولياء لا مع الأزواج، ويمكن أن يجاب عنه بأنه لما وقع التعارض بين هذه الحجة وبين الحجة التي ذكرناها كانت الحجة التي ذكرناها أولى بالرعاية لأن المحافظة على نظم الكلام أولى من المحافظة على خبر الواحد وأيضاً فلأن الروايات متعارضة، فروي عن معقل أنه كان يقول، إن هذه الآية لو كانت خطاباً مع الأزواج لكانت إما أن تكون خطاباً قبل انقضاء العدة أو مع انقضائها، والأول باطل لأن ذلك مستفاد من الآية، فلو حملنا هذه الآية على مثل ذلك المعنى كان تكراراً من غير فائدة، وأيضاً فقد قال تعالى: {فلا تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوٰجَهُنَّ إِذَا تَرٰضَوْاْ بَيْنَهُم بِٱلْمَعْرُوفِ } فنهى عن العضل حال حصول التراضي، ولا يحصل التراضي بالنكاح إلا بعد التصريح بالخطبة، ولا يجوز التصريح بالخطبة إلا بعد انقضاء العدة، قال تعالى: {أية : وَلاَ تَعْزِمُواْ عُقْدَةَ ٱلنّكَاحِ حَتَّىٰ يَبْلُغَ ٱلْكِتَـٰبُ أَجَلَهُ } تفسير : [البقرة: 235] والثاني: أيضاً باطل لأن بعد انقضاء العدة ليس للزوج قدرة على عضل المرأة، فكيف يصرف هذا النهي إليه، ويمكن أن يجاب عنه بأن الرجل قد يكون بحيث يشتد ندمه على مفارقة المرأة بعد انقضاء عدتها وتلحقه الغيرة إذا رأى من يخطبها، وحينئذٍ يعضلها عن أن ينكحها غيره إما بأن يجحد الطلاق أو يدعي أنه كان راجعها في العدة، أو يدس إلى من يخطبها بالتهديد والوعيد، أو يسيء القول فيها وذلك بأن ينسبها إلى أمور تنفر الرجل عن الرغبة فيها، فالله تعالى نهى الأزواج عن هذه الأفعال وعرفهم أن ترك هذه الأفعال أزكى لهم وأطهر من دنس الآثام. الحجة الثالثة لهم قالوا قوله تعالى: {أَن يَنكِحْنَ أَزْوٰجَهُنَّ } معناه: ولا تمنعوهن من أن ينكحن الذين كانوا أزواجاً لهن قبل ذلك، وهذا الكلام لا ينتظم إلا إذا جعلنا الآية خطاباً للأولياء، لأنهم كانوا يمنعونهن من العود إلى الذين كانوا أزواجاً لهن قبل ذلك، فأما إذا جعلنا الآية خطاباً للأزواج، فهذا الكلام لا يصح، ويمكن أن يجاب عنه بأن معنى قوله: {يَنكِحْنَ أَزْوٰجَهُنَّ } من يريدون أن يتزوجوهن فيكونون أزواجاً والعرب قد تسمي الشيء باسم ما يؤول إليه، فهذا جملة الكلام في هذا الباب. المسألة الرابعة: تمسك الشافعي رضي الله عنه بهذه الآية في بيان أن النكاح بغير ولي لا يجوز وبنى ذلك الاستدلال على أن الخطاب في هذه الآية مع الأولياء، قال: وإذا ثبت هذا وجب أن يكون التزويج إلى الأولياء لا إلى النساء، لأنه لو كان للمرأة أن تتزوج بنفسها أو توكل من يزوجها لما كان الولي قادراً على عضلها من النكاح، ولو لم يقدر الولي على هذا العضل لما نهاه الله عز وجل عن العضل، وحيث نهاه عن العضل كان قادراً على العضل، وإذا كان الولي قادراً على العضل وجب أن لا تكون المرأة متمكنة من النكاح، واعلم أن هذا الاستدلال بناءً على أن هذا الخطاب مع الأولياء، وقد تقدم ما فيه من المباحث، ثم إن سلمنا هذه المقدمة لكن لم لا يجوز أن يكون المراد بقوله: {وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ } أن يخليها ورأيها في ذلك، وذلك لأن الغالب في النساء الأيامى أن يركن إلى رأي الأولياء في باب النكاح، وإن كان الاستئذان الشرعي لهن، وإن يكن تحت تدبيرهم ورأيهم، وحينئذٍ يكونون متمكنين من منعهن لتمكنهم من تزويجهن، فيكون النهي محمولاً على هذا الوجه، وهو منقول عن ابن عباس في تفسير الآية، وأيضاً فثبوت العضل في حق الولي ممتنع، لأنه مهما عضل لا يبقى لعضله أثر، وعلى هذا الوجه فصدور العضل عنه غير معتبر، وتمسك أبو حنيفة رضي الله عنه بقوله تعالى: {أَن يَنكِحْنَ أَزْوٰجَهُنَّ } على أن النكاح بغير ولي جائز، وقال إنه تعالى أضاف النكاح إليها إضافة الفعل إلى فاعله، والتصرف إلى مباشره، ونهى الولي عن منعها من ذلك، ولو كان ذلك التصرف فاسداً لما نهى الولي عن منعها منه، قالوا: وهذا النص متأكد بقوله تعالى: {أية : حَتَّىٰ تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ } تفسير : [البقرة: 230] وبقوله: {أية : فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِى أَنفُسِهِنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ } تفسير : [البقرة: 234] وترويجها نفسها من الكفء فعل بالمعروف فوجب أن يصح، وحقيقة هذه الإضافة على المباشر دون الخطاب، وأيضاً قوله تعالى: {أية : وَٱمْرَأَةً مُّؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِىّ إِنْ أَرَادَ ٱلنَّبِىُّ أَن يَسْتَنكِحَهَا } تفسير : [الأحزاب: 50] دليل واضح مع أنه لم يحضر هناك ولي البتة، وأجاب أصحابنا بأن الفعل كما يضاف إلى المباشر قد يضاف أيضاً إلى المتسبب، يقال: بنى الأمير داراً، وضرب ديناراً، وهذا وإن كان مجازاً إلا أنه يجب المصير إليه لدلالة الأحاديث على بطلان هذا النكاح. المسألة الخامسة: قوله تعالى: {فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ } محمول في هذه الآية على انقضاء العدة، قال الشافعي رضي الله عنه: دل سياق الكلامين على افتراق البلوغين، ومعنى هذا الكلام أنه تعالى قال في الآية السابقة: {فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ } ولو كانت عدتها قد انقضت لما قال: {فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ } لأن إمساكها بعد انقضاء العدة لا يجوز، ولما قال: {أَوْ سَرّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ } لأنها بعد انقضاء العدة تكون مسرحة فلا حاجة إلى تسريحها، وأما هذه الآية التي نحن فيها فالله تعالى نهى عن عضلهن عن التزوج بالأزواج، وهذا النهي إنما يحسن في الوقت الذي يمكنها أن تتزوج فيه بالأزواج، وذلك إنما يكون بعد انقضاء العدة، فهذا هو المراد من قول الشافعي رضي الله عنه، دل سياق الكلامين على افتراق البلوغين. أما قوله تعالى: {إِذَا تَرٰضَوْاْ بَيْنَهُم بِٱلْمَعْرُوفِ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: في التراضي وجهان أحدهما: ما وافق الشرع من عقد حلال ومهر جائز وشهود عدول وثانيها: أن المراد منه ما يضاد ما ذكرناه في قوله تعالى: {أية : وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لّتَعْتَدُواْ } تفسير : [البقرة: 231] فيكون معنى الآية أن يرضى كل واحد منهما ما لزمه في هذا العقد لصاحبه، حتى تحصل الصحبة الجميلة، وتدوم الألفة. المسألة الثانية: قال بعضهم: التراضي بالمعروف، هو مهر المثل، وفرعوا عليه مسألة فقهية وهي أنها إذا زوجت نفسها ونقصت عن مهر مثلها نقصاناً فاحشاً، فالنكاح صحيح عند أبـي حنيفة، وللولي أن يعترض عليها بسبب النقصان عن المهر، وقال أبو يوسف ومحمد: ليس للولي ذلك. حجة أبـي حنيفة رحمه الله في هذه الآية هو قوله تعالى: {إِذَا تَرٰضَوْاْ بَيْنَهُم بِٱلْمَعْرُوفِ } وأيضاً أنها بهذا النقصان أرادت إلحاق الشين بالأولياء، لأن الأولياء يتضررون بذلك لأنهم يعيرون بقلة المهور، ويتفاخرون بكثرتها، ولهذا يكتمون المهر القليل حياء ويظهرون المهر الكثير رياء، وأيضاً فإن نساء العشيرة يتضررن بذلك لأنه ربما وقعت الحاجة إلى إيجاب مهر المثل لبعضهن، فيعتبرون ذلك بهذا المهر القليل، فلا جرم للأولياء أن يمنعوها عن ذلك وينوبوا عن نساء العشيرة ثم أنه تعالى لما بين حكمة التكليف قرنه بالتهديد فقال: {ذٰلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ مِنكُمْ يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلأَخِرِ } وذلك لأن من حق الوعظ أن يتضمن التحذير من المخالفة كما يتضمن الترغيب في الموافقة، فكانت الآية تهديداً من هذا الوجه. وفي الآية سؤالان: السؤال الأول: لم وحد الكاف في قوله تعالى: {ذٰلِكَ } مع أنه يخاطب جماعة؟. والجواب: هذا جائز في اللغة، والتثنية أيضاً جائزة، والقرآن نزل باللغتين جميعاً، قال تعالى: {أية : ذٰلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِى رَبّى } تفسير : [يوسف: 37] وقال: {أية : فَذٰلِكُنَّ ٱلَّذِى لُمْتُنَّنِى فِيهِ } تفسير : [يوسف: 32] وقال: {يُوعَظُ بِهِ } وقال: {أية : أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا ٱلشَّجَرَةِ } تفسير : [الأعراف: 22]. السؤال الثاني: لم خصص هذا الوعظ بالمؤمنين دون غيرهم؟. الجواب: لوجوه أحدها: لما كان المؤمن هو المنتفع به حسن تخصيصه به كقوله: {هُدًى لّلْمُتَّقِينَ } وهو هدى للكل، كما قال: {هُدًى لّلنَّاسِ } وقال: {أية : إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرُ مَن يَخْشَـٰهَا } تفسير : [النازعات: 45]، {أية : إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلذِكْرَ } تفسير : [يسۤ: 11] مع أنه كان منذراً للكل كما قال: {أية : لِيَكُونَ لِلْعَـٰلَمِينَ نَذِيراً } تفسير : [الفرقان: 1] وثانيها: احتج بعضهم بهذه الآية على أن الكفار ليسوا مخاطبين بفروع الدين، قالوا: والدليل عليه أن قوله: {ذٰلِكَ } إشارة إلى ما تقدم ذكره من بيان الأحكام، فلما خصص ذلك بالمؤمنين دل على أن التكليف بفروع الشرائع غير حاصل إلا في حق المؤمنين وهذا ضعيف، لأنه ثبت أن ذلك التكليف عام، قال تعالى: {أية : وَللَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ } تفسير : [آل عمران: 97] وثالثها: أن بيان الأحكام وإن كان عاماً في حق المكلفين، إلا أن كون ذلك البيان وعظاً مختص بالمؤمنين، لأن هذه التكاليف إنما توجب على الكفار على سبيل إثباتها بالدليل القاهر الملزم المعجز، أما المؤمن الذي يقر بحقيقتها، فإنها إنما تذكر له وتشرح له على سبيل التنبيه والتحذير، ثم قال: {ذٰلِكُمْ أَزْكَىٰ لَكُمْ وَأَطْهَرُ } يقال: زكا الزرع إذا نما فقوله: {أَزْكَىٰ لَكُمْ } إشارة إلى استحقاق الثواب الدائم، وقوله: {وَأَطْهَرُ } إشارة إلى إزالة الذنوب والمعاصي التي يكون حصولها سبباً لحصول العقاب، ثم قال: {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ } والمعنى أن المكلف وإن كان يعلم وجه الصلاح في هذه التكاليف على الجملة، إلا أن التفصيل في هذه الأمور غير معلوم والله تعالى عالم في كل ما أمر ونهى بالكمية والكيفية بحسب الواقع وبحسب التقدير، لأنه تعالى عالم بما لا نهاية له من المعلومات، فلما كان كذلك صح أن يقول: {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ } ويجوز أن يراد به والله يعلم من يعمل على وفق هذه التكاليف ومن لا يعمل بها وعلى جميع الوجوه فالمقصود من الآيات تقرير طريقة الوعد والوعيد.

القرطبي

تفسير : فيه أربع مسائل: الأُولىٰ ـ قوله تعالىٰ: {فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ} حديث : روى أن مَعْقِل بن يَسّار كانت أُخته تحت أبي البدّاح فطلقها حتى ٱنقضت عدّتها، ثم ندم فخطبها فرضيت وأبى أخوها أن يزوّجها وقال: وجهي من وجهك حرام إن تزوّجتيه. فنزلت الآية. قال مقاتل: فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم معقِلاً فقال: «إن كنت مؤمناً فلا تمنع أُختك عن أبي البدّاح» فقال: آمنت بالله، وزوّجها منهتفسير : . وروى البخاريّ عن الحسن: حديث : أن أُخت معقل بن يسار طلقها زوجها حتى ٱنقضت عدّتها فخطبها فأبى معقِلٌ فنزلت: {فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ} تفسير : . وأخرجه أيضاً الدارقطنيّ عن الحسن قال: حدّثني معقِل بن يسار قال: كانت لي أُخت فخطِبت إليّ فكنت أمنعها الناس، فأتى ٱبنُ عم لي فخطبها فأنكحتها إياه، فٱصطحبا ما شاء الله ثم طلقها طلاقاً رجعياً ثم تركها حتى ٱنقضت عدّتها فخطبها مع الخُطّاب؛ فقلت: منعتُها الناس وزوّجتك إياها ثم طلقتها طلاقاً له رجعة ثم تركتها حتى ٱنقضت عدّتها فلما خطبت إليّ أتيتني تخطبها مع الخطاب! لا أزوّجك أبدا! فأنزل الله، أو قال أنزلت: {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ} فكفّرت عن يميني وأنكحتها إياه. في رواية للبخاريّ: «فحمِيَ معقلٌ من ذلك آنفاً، وقال: خَلّى عنها وهو يقدر عليها ثم يخطبها! فأنزل الله الآية؛ فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأ عليه الآية فترك الحمِية وٱنقاد لأمر الله تعالىٰ. وقيل: هو معقل بن سنان (بالنون). قال النحاس: رواه الشافعيّ في كتبه عن معقل بن يَسّار أو سنان. وقال الطحاويّ: هو معقل بن سنان. الثانية ـ إذا ثبت هذا ففي الآية دليلٌ على أنه لا يجوز النكاح بغير وَلِيّ لأن أُخت معقل كانت ثيِّباً، ولو كان الأمر إليها دون وَلِيّها لزوّجت نفسها، ولم تحتج إلى وليها معقل؛ فالخطاب إذاً في قوله تعالىٰ: {فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ} للأولياء، وأن الأمر إليهم في التزويج مع رضاهنّ. وقد قيل: إن الخطاب في ذلك للأزواج، وذلك بأن يكون الارتجاع مضارّة عضلاً عن نكاح الغير بتطويل العدّة عليها. وٱحتج بها أصحاب أبي حنيفة على أن تزوّج المرأةُ نفسها قالوا: لأن الله تعالىٰ أضاف ذلك إليها كما قال: {فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىٰ تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ} ولم يذكر الولِيّ. وقد تقدّم القول في هذه المسألة مستوفًى. والأوّل أصح لما ذكرناه من سبب النزول. والله أعلم. الثالثة ـ قوله تعالىٰ: {فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ} بلوغ الأجل في هذا الموضع: تناهيه؛ لأن ٱبتداء النكاح إنما يتصوّر بعد ٱنقضاء العدّة، و «تَعْضُلُوهُنَّ» معناه تحبسوهنّ. وحكى الخليل: دَجَاجة مُعضِلٌ: قد ٱحتبس بيضها. وقيل: العضل التضييق والمنع وهو راجع إلى معنى الحبس؛ يُقال: أردت أمراً فعضلتني عنه أي منعتني عنه وضيقت عليّ. وأعضل الأمر: إذا ضاقت عليك فيه الحِيل؛ ومنه قولهم: إنه لَعُضْلَة من العُضْل إذا كان لا يقدر على وجه الحِيلة فيه. وقال الأزهريّ: أصل العضل من قولهم: عضلت الناقة إذا نشِب ولدها فلم يسهل خروجه، وعضلت الدجاجة: نشِب بيضها. وفي حديث معاوية: ـ«معضِلة ولا أبا حسنٍ»؛ أي مسألة صعبة ضيقة المخارج. وقال طاوس: لقد وردت عُضَل أقضيةٍ ما قام بها إلاَّ ٱبن عباس. وكل مُشكِل عند العرب مُعضِل؛ ومنه قول الشافعيّ:شعر : إذا ٱلْمُعْضِلاتُ تصدّينني كشفتُ حقائقَها بالنظرْ تفسير : ويُقال: أعضل الأمر إذا ٱشتدّ. وداءٌ عُضال أي شديدٌ عَسِرُ البْرْءِ أعيَا الأطبّاء. وعضل فلانٌ أيمِّه أي منعها؛ يَعْضُلها ويعضلها (بالضم والكسر) لغتان. الرابعة ـ قوله تعالىٰ: {ذٰلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ} ولم يقل «ذلكم» لأنه محمول على معنى الجمع. ولو كان «ذلكم» لجاز؛ مثل {ذٰلِكُمْ أَزْكَىٰ لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ} أي ما لكم فيه من الصلاح. {وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} ذلك.

البيضاوي

تفسير : {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنّسَاء فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ} أي انقضت عدتهن، وعن الشافعي رحمه الله تعالى دل سياق الكلامين على افتراق البلوغين. {فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوٰجَهُنَّ} المخاطب به الأولياء لما روي (أنها نزلت في معقل بن يسار حين عضل أخته جميلاء أن ترجع إلى زوجها الأول بالاستئناف) فيكون دليلاً على أن المرأة لا تزوج نفسها، إذ لو تمكنت منه لم يكن لعضل الولي معنى، ولا يعارض بإسناد النكاح إليهن لأنه بسبب توقفه على إذنهن. وقيل الأزواج الذين يعضلون نساءهم بعد مضي العدة ولا يتركونهن يتزوجن عدواناً وقسراً، لأنه جواب قوله {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنّسَاء}. وقيل الأولياء والأزواج. وقيل الناس كلهم، والمعنى: لا يوجد فيما بينكم هذا الأمر فإنه إذا وجد بينهم وهم راضون به كانوا الفاعلين له. والعضل الحبس والتضييق منه عضلت الدجاجة إذا نشب بيضها فلم يخرج. {إِذَا تَرٰضَوْاْ بَيْنَهُم} أي الخطاب والنساء وهو ظرف لأنه ينكحن أو لا تعضلوهن. {بِٱلْمَعْرُوفِ} بما يعرفه الشرع وتستحسنه المروءة، حال من الضمير المرفوع، أو صفة لمصدر محذوف، أو تراضياً كائناً بالمعروف. وفيه دلالة على أن العضل عن التزوج من غير كفؤ غير منهي عنه. {ذٰلِكَ} إشارة إلى ما مضى ذكره، والخطاب للجميع على تأويل القبيل، أو كل واحد، أو أن الكاف لمجرد الخطاب. والفرق بين الحاضر والمنقضي دون تعيين المخاطبين، أو للرسول صلى الله عليه وسلم على طريقة قوله:{أية : يأيُّهَا ٱلنَّبِىُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنّسَاء }تفسير : [الطلاق: 1] للدلالة على أن حقيقة المشار إليه أمر لا يكاد يتصوره كل أحد. {يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ مِنكُمْ يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ} لأنه المتعظ به والمنتفع. {ذٰلِكُمْ} أي العمل بمقتضى ما ذكر. {أَزْكَىٰ لَكُمْ } أنفع. {وَأَطْهَرُ } من دنس الآثام. {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ} ما فيه النفع والصلاح. {وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} لقصور علمكم.

ابن كثير

تفسير : قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: نزلت هذه الآية في الرجل يطلق امرأته طلقة أو طلقتين، فتنقضي عدتها، ثم يبدو له أن يتزوجها وأن يراجعها، وتريد المرأة ذلك، فيمنعها أولياؤها من ذلك، فنهى الله أن يمنعوها. وكذا روى العوفي عنه عن ابن عباس أيضاً، وكذا قال مسروق وإبراهيم النخعي والزهري والضحاك: إنها أنزلت في ذلك، وهذا الذي قالوه ظاهر من الآية، وفيها دلالة على أن المرأة لا تملك أن تزوج نفسها، وأنه لابد في تزويجها من ولي، كما قاله الترمذي وابن جرير عند هذه الآية، كما جاء في الحديث: «حديث : لا تزوج المرأة المرأة، ولا تزوج المرأة نفسها، فإن الزانية هي التي تزوج نفسها»تفسير : وفي الأثر الآخر: «حديث : لا نكاح إلا بولي مرشد وشاهدي عدل»تفسير : وفي هذه المسألة نزاع بين العلماء، محرر في موضعه من كتب الفروع، وقد قررنا ذلك في كتاب الأحكام، ولله الحمد والمنة. وقد روي أن هذه الآية نزلت في معقل بن يسار المزني وأخته، فقال البخاري رحمه الله في كتابه الصحيح عند تفسير هذه الآية: حدثنا عبيد الله بن سعيد، حدثنا أبو عامر العقدي، حدثنا عباد بن راشد، حدثنا الحسن، قال: حدثني معقل بن يسار، قال: كانت لي أخت تخطب إلي، قال البخاري: وقال إبراهيم: عن يونس، عن الحسن، حدثني معقل بن يسار، وحدثنا أبو معمر، وحدثنا عبد الوارث، حدثنا يونس عن الحسن: أن أخت معقل بن يسار طلقها زوجها، فتركها حتى انقضت عدتها، فخطبها، فأبى معقل، فنزلت: {فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَٰجَهُنَّ} وهكذا رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه وابن أبي حاتم وابن جرير وابن مردويه من طرق متعددة عن الحسن، عن معقل ابن يسار، به، وصححه الترمذي أيضاً، ولفظه: عن معقل بن يسار، أنه زوج أخته رجلاً من المسلمين، على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فكانت عنده ما كانت، ثم طلقها تطليقة لم يراجعها حتى انقضت عدتها، فهويها وهويته، ثم خطبها مع الخطاب، فقال له: يا لكع بن لكع أكرمتك بها، وزوجتكها، فطلقتها، والله لا ترجع إليك أبداً آخر ما عليك، قال: فعلم الله حاجته إليها، وحاجتها إلى بعلها، فأنزل الله: {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ} إلى قوله {وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} فلما سمعها معقل قال: سمع لربي وطاعة، ثم دعاه، فقال: أزوجك وأكرمك، زاد ابن مردويه: وكفرت عن يميني. وروى ابن جرير، عن ابن جريج، قال: هي جُمْل بنت يسار، كانت تحت أبي البداح. وقال سفيان الثوري، عن أبي إسحاق السبيعي، قال: هي فاطمة بنت يسار. وهكذا ذكر غير واحد من السلف، أن هذه الآية نزلت في معقل بن يسار وأخته. وقال السدي: نزلت في جابر بن عبد الله وابنة عم له، والصحيح الأول، والله أعلم. وقوله: {ذٰلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ مِنكُمْ يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ} أي: هذا الذي نهيناكم عنه من منع الولايا أن يتزوجن أزواجهن إذا تراضوا بينهم بالمعروف يأتمر به، ويتعظ به، وينفعل له {مَن كَانَ مِنكُمْ} أيها الناس {يُؤْمِنَّ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ} أي: يؤمن بشرع الله، ويخاف وعيد الله وعذابه، في الدار الآخرة، وما فيها من الجزاء {ذٰلِكُمْ أَزْكَىٰ لَكُمْ وَأَطْهَرُ} أي: اتباعكم شرع الله، في رد الموليات إلى أزواجهن، وترك الحمية في ذلك أزكى لكم وأطهر لقلوبكم {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ} أي: من المصالح، فيما يأمر به وينهى عنه {وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} أي: الخيرة فيما تأتون، ولا فيما تذرون.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ } انقضت عدتهن {فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ } خطاب للأولياء أي تمنعوهن من {أَن يَنكِحْنَ أَزْوٰجَهُنَّ } المطلقين لهن، لأن سبب نزولها أن أخت معقل بن يسار طلقها زوجها فأراد أن يراجعها فمنعها معقل بن يسار، كما رواه الحاكم {إِذَا تَرٰضَوْاْ } أي الأزواج والنساء {بَيْنَهُم بِٱلْمَعْرُوفِ } شرعاً {ذٰلِكَ } النهي عن العضل {يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ مِنكُمْ يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلأَخِرِ } لأنه المنتفع به {ذٰلِكُمْ } أي ترك العَضْل {أَزْكَىٰ } خير {لَّكُمْ وَأَطْهَرُ } لكم ولهم لما يُخْشَى على الزوجين من الريبة بسبب العلاقة بينهما {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ } ما فيه المصلحة {وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ } ذلك فاتبعوا أمره.

الشوكاني

تفسير : الخطاب في هذه الآية بقوله: {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ } وبقوله: {فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ} إما أن يكون للأزواج، ويكون معنى العَضْل منهم أن يمنعوهنّ من أن يتزوجن مَنْ أردْن من الأزواج بعد انقضاء عدّتهنّ لحمية الجاهلية، كما يقع كثيراً من الخلفاء، والسلاطين غيرة على من كنّ تحتهم من النساء أن يصرن تحت غيرهم؛ لأنهم لما نالوه من رياسة الدنيا، وما صاروا فيه من النخوة، والكبرياء، يتخيلون أنهم قد خرجوا من جنس بني آدم إلا من عصمه الله منهم بالورع، والتواضع؛ وإما أن يكون الخطاب للأولياء، ويكون معنى إسناد الطلاق إليهم أنهم سبب له لكونهم المزوّجين للنساء المطلقات من الأزواج المطلقين لهنّ. وبلوغ الأجل المذكور هنا المراد به: المعنى الحقيقي، أي: نهايته لا كما سبق في الآية الأولى. والعضل: الحبس. وحكى الخليل دجاجة معضلة قد احتبس بيضها. وقيل: العضل: التضييق والمنع، وهو راجع إلى معنى الحبس، يقال أردت أمراً، فعضلتني عنه، أي: منعتني، وضيقت عليّ، وأعضل الأمر: إذا ضاقت عليك فيه الحيل. وقال الأزهري: أصل العضل من قولهم عضلت الناقة: إذا نشب ولدها، فلم يسهل خروجه، وعضلت الدجاجة: نشب بيضها، وكل مشكل عند العرب معضل، ومنه قول الشافعي رحمه الله:شعر : إذا المْعضِلاتُ تصدّين لي كشفتُ حَقَائِقها بالنظر تفسير : ويقال أعضل الأمر: إذا اشتد، وداء عُضال. أي: شديد عسير البرء أعيا الأطباء، وعضل فلان أيمِّه: أي: منعها يعضلها بالضم، والكسر لغتان. قوله: {أَن يَنكِحْنَ } أي: من أن ينكحن، فمحله الجر عند الخليل، والنصب عند سيبويه، والفراء، وقيل: هو بدل اشتمال من الضمير المنصوب في قوله: {فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ }. وقوله: {أَزْوٰجَهُنَّ } إن أريد به المطلقون لهنّ، فهو مجاز باعتبار ما كان، وإن أريد به من يردْن أن يتزوّجنه، فهو مجاز باعتبار ما سيكون. وقوله: {ذٰلِكَ } إشارة إلى ما فصل من الأحكام، وإنما أفرد مع كون المذكور قبله جمعاً حملاً على معنى الجمع بتأويله بالفريق، ونحوه. وقوله: {ذٰلِكُمْ } محمول على لفظ الجمع، خالف سبحانه ما بين الإشارتين افتناناً. وقوله: {أَزْكَىٰ } أي: أنمى وأنفع: {وَأَطْهَرُ } من الأدناس {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ } ما لكم فيه الصلاح {وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ } ذلك. وقد أخرج البخاري، وأهل السنن، وغيرهم عن مَعْقِل بن يسار؛ قال: كانت لي أخت، فأتاني ابن عم، فأنكحتها إياه، فكانت عنده ما كانت، ثم طلقها تطليقة لم يراجعها حتى انقضت العدة، فَهَويِهَا، وهويتَه، ثم خطبها مع الخُطَّاب فقلت له: يا لكع أكرمتك بها، وزوّجتكها، فطلقتها، ثم جئت تخطبها، والله لا ترجع إليك أبداً، وكان رجلاً لا بأس به، وكانت المرأة تريد أن ترجع إليه، فعلم الله حاجته إليها، وحاجتها إلى بعلها، فأنزل الله: {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنّسَاء } الآية، قال: ففيَّ نزلت هذه الآية، فكفَّرْتُ عن يميني، وأنكحتها إياه. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية في الرجل يطلق امرأته طلقة، أو طلقتين، فتنقضي عدّتها، ثم يبدو له تزويجها، وأن يراجعها، وتريد المرأة ذلك، فمنعها وليها من ذلك، فنهى الله أن يمنعوها. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، عن السدّي قال: نزلت هذه الآية في جابر بن عبد الله الأنصاري، كانت له ابنة عم، فطلقها زوجها تطليقة، وانقضت عدّتها، فأراد مراجعتها فأبى جابر، فقال: طلقت بنت عمنا، ثم تريد أن تنكحها الثانية؟ وكانت المرأة تريد زوجها، فأنزل الله: {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنّسَاء }. وأخرج ابن أبي حاتم، عن مقاتل: {إِذَا تَرٰضَوْاْ بَيْنَهُم بِٱلْمَعْرُوفِ } يعني بمهر، وبينة، ونكاح مؤتنف. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن مردويه، عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : أنكحوا الأيامى، تفسير : فقال رجل: يا رسول الله ما العلائق بينهم؟ قال: حديث : ما تراضى عليه أهلهنّ. تفسير : وأخرج ابن المنذر، عن الضحاك قال: {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ } قال: الله يعلم من حبّ كل واحد منهما لصاحبه ما لا تعلم أنت أيها الوليّ.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَآءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ} بلوغ الأجل ها هنا [تناهيه]، بخلاف بلوغ الأجل في الآية التي قبلها، لأنه لا يجوز لها أن تنكح غيره قبل انقضاء عدتها، قال الشافعي: فدخل اختلاف المعنيين على افتراق البلوغين. ثم قال تعالى: {فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ} وفي العضل قولان: أحدهما: أنه المنع، ومنه قولهم: داء عضال إذا امتنع من أن يُداوَى، وفلان عُضَلَةٌ أي داهية، لأنه امتنع بدهائه. والقول الثاني: أن العضل الضيق، ومنه قولهم: قد أعضل بالجيش الفضاء، إذا ضاق بهم. وقال عمر بن الخطاب: قد أعضل بي أهل العراق، لا يرضون عن والٍ، ولا يرضى عنهم والٍ، وقال أوس بن حجر. شعر : وليس أخُوكَ الدَّائِمُ العَهْدِ بالَّذِي يذُمُّك إن ولَّى وَيُرْضِيك مُقبِلاً ولكنه النَّائي إذا كُنتَ آمِناً وصاحِبُكَ الأدْنَى إذا الأمْرُ أعْضَلاَ تفسير : فنهى الله عز وجل أولياء المرأة عن عضلها ومنعها من نكاح مَنْ رضيته من الأزواج. وفي قوله عز وجل: {إِذَا تَرَاضَوا بَينَهُم بِالْمَعْرُوفِ} تأويلان: أحدهما: إذا تراضى الزوجان. والثاني: إذا رضيت المرأة بالزوج الكافي. قال الشافعي: وهذا بيّن في كتاب الله تعالى يدل على أن ليس للمرأة أن تنكح بغير وليّ. واختلف أهل التأويل فيمن نزلت فيه هذه الآية على ثلاثة أقاويل: أحدها: أنها نزلت في معقل بن يسار زوّج أخته، ثم طلقها زوجها وتراضيا بعد العدة أن يتزوجها، فَعَضَلَهَا معقل، وهذا قول الحسن، وقتادة، ومجاهد. والثاني: أنها نزلت في جابر بن عبد الله مع بنت عم له، وقد طلقها زوجها، ثم خطبها فأبى أن يزوجه بها، وهذا قول السدي. والثالث: أنها نزلت عموماً في نهي كل ولي عن مضارة وليّته من النساء أن يعضلها عن النكاح، وهذا قول ابن عباس، والضحاك، والزهري.

ابن عبد السلام

تفسير : {فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ} بانقضاء العدة. {تَعْضُلُوهُنَّ} العضل المنع، داء عضال: ممتنع أن يداوي، فلان عضلة: داهية، لامتناعه بدهائه، أو العضل: التضييق، أعضل بالجيش الفضاء، وقال عمرـ رضي الله تعالى عنه ـ: "أعضل رأيي في أهل العراق لا يرضون عن والٍ ولا يرضى عنهم والٍ". نزلت في معقل بن يسار لما طُلقت أخته، رغب مطلقها في نكاحها فعضلها، أو نزلت في جابر بن عبد الله طُلقت بنت عم له ثم رغب زوجها في نكاحها فعضلها، أو تعم كل ولي عاضل. {تَرَاضَواْ بَيْنَهُم بِالْمَعْرُوفِ} بالزوج الكافي، أو بالمهر.

الخازن

تفسير : قوله عز وجل: {وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن} نزلت في معقل بن يسار المزني عضل أخته جميلة، وكانت تحت أبي القداح عاصم بن عدي فطلقها معقل بن يسار قال: كانت لي أخت تخطب إلي وأمنعها من الناس فأتاني ابن عم لي فأنكحتها إياه فاصطحبا ما شاء الله ثم طلقها طلاقاً له رجعة ثم تركها حتى انقضت عدتها، فلما خطبت إلي أتاني يخطبها مع الخطاب، فقلت له: خطبت إلي فمنعتها الناس وآثرتك بها فزوجتك ثم طلقتها طلاقاً لك فيه رجعة، ثم تركتها حتى انقضت عدتها، فلما خطبت إلي أتيتني تخطبها مع الخطاب والله لا أنكحها لك أبداً، ففي ذلك نزلت هذه الآية: {وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن} الآية، فكفرت عن يميني وأنكحتها إياه أخرجه البخاري، وقيل إن جابر بن عبدالله كانت له ابنة عم فطلقها زوجها تطليقة، فلما انقضت عدتها أراد أن يرتجعها فأبى جابر وقال: طلقت ابنة عمنا ثم تريد أن تنكحها الثانية، وكانت المرأة تريد زوجها قد رضيته فنزلت هذه الآية: وأراد ببلوغ الأجل في قوله {فبلغن أجلهن} انقضاء العدة بخلاف الآية التي قبل هذه الآية. قال الشافعي: دل اختلاف الكلامين على افتراق البلوغين {فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن} خطاب للأولياء، والمعنى لا تضيقوا عليهن أيها الأولياء، فتمنعوهن من مراجعة أزواجهن بنكاح جديد تبتغون بذلك مضارتهن فهو خطاب عام لجميع الأولياء، وإن كان سبب الآية خاصاً. وأصل العضل المنع والتضييق ومنه قول أوس بن حجر: شعر : وليس أخوك الدائم العهد بالذي يذمك إن ولى ويرضيك مقبلا ولكنه النائي إذا كنت آمناً وصاحبك الأدنى إذا الأمر أعضلا تفسير : يعني إذا أضاق الأمر، وفي الآية دليل للشافعي ومن وافقه في أن المرأة لا تلي عقد النكاح ولا تأذن فيه إذ لو كانت تملك ذلك لم يكن عضل ولا لنهي الولي عن العضل معنى، وقوله تعالى: {إذا تراضوا بينهم بالمعروف} يعني إذا تراضى الخطاب والنساء، والمعروف هنا ما وافق الشرع من عقد حلال ومهر جائز. وقيل هو أن يرضى كل واحد منهما بما التزمه لصاحبه بحق العقد حتى تحصل الصحبة الحسنة والعشرة الجميلة {ذلك} أي ذلك الذي ذكر من النهي {يوعظ به من كان منكم يؤمن بالله واليوم الآخر} يعني أن المؤمن هو الذي ينتفع بالوعظ دون غيره {ذلكم أزكى لكم وأطهر} يعني أنه خير لكم وأطهر لقلوبكم وأطيب عند الله {والله يعلم} يعني ما في ذلك من الزكاة والتطهير {وأنتم لا تعلمون} يعني ذلك.

ابن عرفة

تفسير : قوله تعالى: {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ... }. الخطاب للأزواج وقيل الأول و أمّا الثاني فقيل للأزواج وقيل للأولياء فإن كان للأزواج فالمعنى: أن ينكحن أزواجهن الذين يرغبن فيهم ويصلحون لهنّ. قال ابن عرفة: / ومنهم من قال الخطاب للجميع لأن المفعول إذا لم يكن شخصا بعينه فيمكن أن يكون فاعلا مفعولا. وقوله: {فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ} ليس المراد به (نساءكم) المطلقات بل المراد لا تعضلوا النّساء بالإطلاق فيقال للرّجال: إذا طلقت امرأتك لا تعضل النّساء، أي لا تمنعها هي من التزويج ولا تمنع وليّتك من التّزويج. قالوا: وبلوغ الأجل هنا حقيقة وليس المراد مقاربته. قال ابن عرفة: ليس مرادهم أنّه يجب (هنا حمله على حقيقته) وإنّما يريدون أن الاصل في الإطلاق الحقيقة، اقترن بالأول ما أوجب صرفه عن حقيقته إلى مجازه وبقي هذا على الأصل فيصح حمله على المجاز فإن (صح بأن) خوطب الأزواج فظاهر، وان خوطب الأولياء فالمراد نهي الأولياء عن عضل المرأة عن التزويج في العدة بقرب فراغها خوف الضرار، لو فرض جواز ذلك وهم ممنوعون منه شرعا فأحرى أن يُنهوا عن ذلك بعد العدة حيث هم متمكنون من المنع والإباحة. قوله تعالى: {إِذَا تَرَاضَوْاْ بَيْنَهُمْ بِٱلْمَعْرُوفِ...}. إن قلت: ما أفاد قوله "بينهم"؟ قلنا: أفاد ذلك قصر ذلك على تراضي الزوجين خشية أن يظن توقفه على تراضي عموم العشيرة وسائر القرابات. قوله تعالى: {ذٰلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ مِنكُمْ يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلأَخِرِ...}. أي يوعظ به الوعظ النافع المحصل للانزجار. قوله تعالى: {ذٰلِكُمْ أَزْكَىٰ لَكُمْ وَأَطْهَرُ...}. أي يزكيكم، فيجعل لكم صعود الدّرجات في الجنات، ويطهركم من الآثام ويبعدكم عن الدّركات والحلول في النار. وقوله تعالى: {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ}. إما باعتبار عاقبة الأمر في المستقبل وإما لكون العلم القديم مباينا للعلم الحديث ولا مماثلة فيهما بوجه.

ابن عادل

تفسير : الكلامُ في صدرِ هذه الآية كالتي قبلها، إلاَّ أنَّ الخِطابَ في: "طَلَّقتم" للأزواجِ، وفي: "فَلاَ تعضُلُوهُنَّ" للأولياء؛ لأنه يروَى في سبب نُزُولِ هذه الآيةِ وجهان: الأول: أَنَّ معقل بن يسار زوَّج أخته جميل بن عبد الله بن عاصمٍ، وقيل: كانت تحت أبي الدَّحْدَاحِ عاصم بن عدي بن عجلان فطلقها، ثم تركها حتى انقضَتْ عدَّتها، ثم ندم؛ فجاء يخطبُها، فقال: زوجتُك، وفرشتُك، وأكرمتُك؛ فطلقتها ثم جئت تخطِبُها؟! لا والله، لا تعود إليك أبداً، وكانت المرأةُ تُرِيدُ أَنْ ترجع إليه، فقال لها معقل: إنه طلَّقكِ ثُمَّ تريدين مراجعته؟ وجهي مِنْ وَجْهِك حرامٌ، إنْ راجعته؛ فأنزل اللهُ هذه الآيةَ، فدعا رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - معقل بن يسار، وتلا عليه الآيةَ، فقال: رغم أنْفِي لأَمْرِ رِبِّي، اللَّهُمّ رضيتُ، وسلّمْتُ لأَمْرك، وأَنكح أُخْتَه زوْجَها. الثاني: روَى مجاهد، والسدي: أَنَّ جابر بن عبد الله، كانت له ابنةُ عَمٍّ فطلقها زَوْجُها، وأراد رجعتها بعد العِدّة؛ فأَبَى جابر؛ فأنزل اللهُ - تعالى - هذه الآيةَ، وكان جابرٌ يقولَ: فِيَّ نزلت هذه الآيةُ. وقيل: الخطابُ فيهما للأزواج، ونُسِبَ العَضْلُ إليهم؛ لأنهم كذلك كانوا يفعلون، يُطَلِّقُونَ، ويأْبَونَ أن تتزوج المرأَةُ بعدَهم؛ ظلماً وقهراً. قوله: "أَزْوَاجَهُنَّ" مجازٌ؛ لأنه إذا أُريد به المطلِّقون، فتسميتُهم بذلك اعتباراً بما كانوا عليه، وإن أُريد بهم غيرُهم مِمَّن يُرِدْنَ تزويجهم فباعتبار ما يؤولون إليه. قال ابن الخطيب: وهذا هو المختارُ؛ لأن قوله: {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ} شرطٌ، والجزاءُ قوله: "فلا تَعْضُلُوهُنَّ" والشرطُ خطابٌ مع الأزواجِ، فيكون الجزاءُ خِطَاباً معهم أيضاً؛ لأنه لو لم يكن كذلك، لصار تقديرُ الآيةِ: إذا طلقتم النساء أَيُّها الأزواج، فلا تعضُلُوهُنَّ أيها الأولياءُ، وحينئذٍ لا يكونُ بين الشرطِ والجزاءِ مناسبةٌ أصلاً، وذلك يُوجِبُ تفكيك نظم الآيةِ، وتنزيه كلام اللهِ ـ عز وجل ـ عن مثل هذا، واجبٌ. ثم يتأكدُ بوجهين آخرين: الأول: أَنَّه من أَوَّل آية الطَّلاق إلى هذا الموضع، خطابٌ مع الأزواجِ، ولم يجرِ للأولياءِ ذِكْرٌ أَلْبَتَّة، وصرفُ الخِطَابِ إلى الأَولياءِ خِلاَفُ النَّظْمِ. الثاني: أَنَّ ما قبل هذه الآيةِ خطابٌ مع الأَزواجِ في كيفيةِ مُعاملتهم مع النساءِ بعد انقضاءِ العِدَّة، فكان صَرْفُ الخِطابِ إلى الأزواجِ، أولى؛ لأنه تَرتيبٌ حَسَنٌ لَطِيفٌ. واستدلَّ الأولُونَ بما تقدَّمَ مِنْ سَبب النزولِ. ويمكِنُ الجوابُ عنه من وجهين: الأول: أَنَّ المحافظة على نظمِ كَلاَمِ الله - تعالى -، أَوْلى من المحافظة على خبر الواحِدِ. الثاني: أَنَّ الرَّوايتين في سبب النزولِ تَعَارَضَتَا؛ فَرُوِيَ أَنَّ معقل كان يقولُ: فِيّ نزلت هذه الآية، وجابرٌ كان يقولُ فيّ نزلت، وإذا تعارضت الروايتان تساقطتا فبقي ما ذكرناه من التَّمَسك بنظم كَلاَمِ الله ـ تعالى ـ سليماً عن المعارِضِ، وفي هذه الاستدلالِ نظرٌ، ولا تعارُضَ بين الخبرين؛ لأن مدلولَهُمَا واحدٌ. واحتجوا أيضاً بأن هذه الآيةَ لو كانت خطاباً مع الأزواج، فلا تخْلُوا إِمَّا أَنْ تكونَ خِطَاباً معهم قبل انقضاءِ العِدَّةِ، أو بعد انقضائِها. والأولُ باطل؛ لأنَّ ذلك مستفادٌ من الآيةِ الأُولَى، فلما حملنا هذه الآيةَ على هذا المعنى، كان تكراراً من غير فائدةٍ، وأيضاً فقد قال تعالى: {فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْاْ بَيْنَهُمْ بِٱلْمَعْرُوفِ} فنهى عن العضل حال حُصُولِ التراضي، ولا يحصلُ التراضِي بالنكاح، إلاَّ بعد التصريح بالخطبة ولا يجوزُ التصريح بالخطبة إلاَّ بعد انقضاء العِدَّة، وقال تعالى: {أية : وَلاَ تَعْزِمُوۤاْ عُقْدَةَ ٱلنِّكَاحِ حَتَّىٰ يَبْلُغَ ٱلْكِتَابُ أَجَلَهُ}تفسير : [البقرة:235]. والثاني - أيضاً - باطلٌ؛ لأنَّ بعد انقضاءِ العدَّةِ، ليس للزوج قدرةٌ على عضلِ المرأة، فكيف يُصْرفُ هذا النهي إليه؟! ويمكنُ أن يُجابَ: بأن الرجل يمكن أَنْ يَكُونَ بحيثُ يشتد نَدَمُه على مفارقَةِ المرأة، بعد انقضاءِ عدَّتها، وتلحقُه الغيرة، إذا رأى مَنْ يخطبُها، وحينئذٍ يعضلها عن من يَنْكِحها، إِمَّا بأن يجحد الطلاق، أو يَدَّعي أنه كان راجعها في العدَّة، أو يدس إلى مَنْ يخطبها بالتهديد والوعيد، أو يسيء القول فيها: بأنْ ينسبها إلى أمورٍ تُنَفِّر الرجال عنها، فَنَهَى اللهُ تعالى الأزواج عن هذه الأَفعالِ، وعرَّفَهم أن تركها أزكَى، وأطهر، من دنسِ الآثام. واحتجوا - أيضاً - بقوله تعالى: {أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ} قالوا: معناه: ولا يَمْنَعُوهن أَنْ يَنْكِحْنَ الذين كانوا أزواجاً لهُنَّ قبل ذلك، وهذا الكلامُ لا ينتظِمُ إلاَّ إذا جعلنا الآيةَ خطاباً للأولياءِ. ويمكن الجوابُ: بأنَّ معنى قوله: {أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ} أن يَنكحنَ مَنْ يُرِدْنَ أن يتزوَّجنَه، فيكونون أزواجاً لهن والعربُ تسمي الشَّيْءَ بما يَؤُول إليه. [وقيل: الخِطَابُ فيهما للأَولياء، وفيهِ بُعْدٌ؛ من حيثُ إنَّ الطلاقَ لا يُنْسَبُ إليهم إلا بمجازٍ بعيدٍ، وهو أنْ جَعَلَ تَسَبُّبَهُمْ في الطَّلاقِ طَلاَقاً] والفاءُ في "فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ" جوابُ "إذا". والعَضْلُ: قيل: المَنْعُ، ومنه: "عَضَلَ أَمَتَهُ"، مَنَعَها من التزوُّجِ، يَعْضلُها بكسر العينِ وضَمِّها؛ قال ابن هرمزٍ: [الوافر] شعر : 1118- وَإِنَّ قَصَائِدِي لَكَ فَاصْطَنِعْنِي كَرَائِمُ قَدْ عُضِلْنَ عَنِ النِّكَاحِ تفسير : وقال: [الطويل] شعر : 1119- وَنَحْنُ عَضَلْنَا بِالرِّمَاحِ نِسَاءَنَا وَمَا فِيكُمُ عَنْ حُرْمَةِ اللهِ عَاضِلُ تفسير : ومنه: "دَجَاجَةٌ مُعْضِلٌ"، أي: احتبسَ بَيْضُها، وقيل: أَصلهُ الضِّيقُ؛ قال أوس: [الطويل] شعر : 1120- تَرَى الأَرْضَ مِنَّا بِالْقَضَاءِ مَرِيضَةً مُعَضَّلَةً مِنَّا بِجَيْشٍ عَرَمْرَمِ تفسير : أي: ضَيِّقة بِهم، وعَضَلَتِ المَرْأَة، أي: نَشَبَ وَلَدُها في بَطْنِهَا، وكذلك عضلت الشَّاةُ، وأَعْضَلَ الدَّاءُ الأَطِبَّاء: إِذَا أَعياهُمْ، ويُقَالُ: دَاءٌ عُضَالٌ، أي: ضَيِّقُ العِلاج؛ وقالت ليلى الأخيلية: [الطويل] شعر : 1121- شَفَاهَا مِنَ الدَّاءِ العُضَالِ الَّذِي بِهَا غُلاَمٌ إِذَا هَزَّ القَنَاةَ شَفَاهَا تفسير : والمُعْضِلاتُ: المُشْكِلاَتُ؛ لضِيق فَهْمِها؛ قال الشافعيُّ: [المتقارب] شعر : 1122- إِذَا المُعْضِلاَتُ تَصَدَّيْنَنِي كَشَفْتُ حَقَائِقَهَا بِالنَّظَرْ تفسير : قوله تعالى: "أَن يَنكِحْنَ" فيه وجهان: أحدهما: أنه بدلٌ من الضميرِ المنصوبِ في "تَعْضُلُوهُنَّ" بدلُ اشْتِمالٍ، فيكون في محلِّ نصب، أي: فلا تَمْنَعُوا نكاحَهُنَّ. والثاني: أَنْ يَكُونَ على إسقاط الخافِضِ، وهو إمَّا "مِنْ"، أو "عَنْ" فيكونُ في محلِّ "أَنْ" الوجهان المشهُورانِ: أعني مذهب سيبويه، ومذهب الخليل. و "يَنْكِحْنَ" مضارعُ "نَكَحَ" الثّلاثيّ، وكانَ قياسُه أنْ تُفْتَحَ عينُه؛ لأنَّ لامَه حرف حَلقٍ. قوله: {إِذَا تَرَاضَوْاْ} في ناصبِ هذا الظَّرْفِ وجهان: أحدهما: "ينكِحْنَ" أي: أَنْ ينكِحْنَ وقتَ التَّراضِي. والثاني: أَنْ يكونَ "تَعْضُلُوهنَّ" أي: لا تعضُلوهنَّ وقتَ التَّراضِي، والأولُ أظهرُ. و"إذا" هنا مُتَمحِّضَة للظرفيةِ. والضميرُ في "تراضَوا" يجوزُ أَنْ يَعُودَ إلى الأوْلياءِ وللأزواج، وأَنْ يَعُودَ على الأَزْوَاجِ والزوجاتِ، ويكونُ مِنْ تَغْلِيبِ المذكرِ على المؤنثِ. قوله: "بَيْنَهُمْ" ظرفُ مكانٍ مجازيّ، وناصبُه "تراضَوا". قوله: {بِٱلْمَعْرُوفِ} فيه أربعةُ أوجهٍ: أحدها: أنه متعلقٌ بتراضَوا، أي: تَرَاضَوا بما يَحْسُن مِنَ الدِّينِ والمروءَةِ. والثاني: أن يتعلَّق بـ "يَنْكِحْنَ" فيكون "ينكِحْنَ" ناصباً للظرفِ، وهو "إِذا"؛ ولهذا الجارِّ أيضاً. والثالث: أَن يتعلَّق بمحذوفٍ على أَنَّه حالٌ من فاعل تَرَاضَوا. والرابع: أنه نعتُ مصدرٍ محذوفٍ، دلَّ عليه الفعلُ، أي: تراضياً كائناً بالمعروف. فصل تمسّكَ بهذه الآيةِ مَنْ يشترط الوَلِيَّ في النكَاحِ؛ بناءَ على أَنَّ الخطاب في هذه الآية للأولياء، قال: لأَنَّ المرأة لو كانت تُزوِّج نفسها، أَوْ تُوكِّلُ مَنْ يُزوِّجها، ما كان الوليُّ قادراً على عضلها من النِّكاح، ولو لم يكن قادراً على العضلِ لما نهاهُ اللهُ عن العضل وقد تقدم ما فيه من البحث، وإِنْ سلم، فلم لا يجوزُ أَنْ يكون المرادُ بالنَّهي عنِ العضلِ أَنْ يخليها ورأيها في ذلك؛ لأَنَّ الغالب في الأَيَامَى أَن يرجعن إلى رأي الأَولياء، في بَابِ النكاحِ، وإِنْ كان الاستئذان الشرعي حاصِلاً لهن، وأَنْ يكُنَّ تحت رأيهم، وتدبيرهم، وحينئذٍ يكُونون مُتمكِّنين مِنْ منعهنَّ؛ لتمكنهم مِنْ تخليتهن، فيكون النَّهي محمولاً على هذا الوجه، وهذا منقولٌ عن ابن عبَّاسٍ، في تفسير هذه الآيةِ. وأيضاً فثبوتُ العضلِ في حَقِّ الولي مُمْتَنِعٌ؛ لأنه متى عضل القريبُ فلا يبقى لعضله أثرٌ. وتمسَّك أبو حنيفة بقوله تعالى: {أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ} على أَنَّ النكاح بغير وَليٍّ جائزٌ، قال: لأنه أَضَافَ النكاح إليها إضافة الفعْل إلى فاعله، ونهى الوليَّ عَنْ منعها منه، قال: ويتأكَّدُ هذا بقوله تعالى: {أية : حَتَّىٰ تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ}تفسير : [البقرة:230]، وبقوله: {أية : فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِيۤ أَنْفُسِهِنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ}تفسير : [البقرة:234]، وتزويجها نفسها مِنَ الكُفءِ، فعلٌ بالمعروفِ؛ فوجب أَنْ يَصِحَّ. وقوله تعالى: {أية : وَٱمْرَأَةً مُّؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ}تفسير : [الأحزاب:50] دليلٌ واضِحٌ مع أَنَّهُ لم يحضر هناك ولي البتَّةَ. وأجاب الأولون: بأن الفِعْل كما يُضافُ إلى المباشر، قد يُضافُ إلى المتسبّب، يقال: بنى الأمِيرُ داراً، وضرب ديناراً، وإنْ كان مجازاً، إلاَّ أنَّهُ يجب المصيرُ إليه؛ لدلالةِ الأَحاديث على بُطْلان هذا النِّكَاح. فصل في اختلاف البلوغين قال الشَّافعيُّ - رحمه اللهُ - دلَّ سياقُ الكلامينِ - أي في الآيتين - على افتراق البُلُوغين، ومعناه أَنَّه تعالى قال في الآية الأولى: {أية : فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ}تفسير : [البقرة:231] ولو كانت عِدَّتها قد انقضت، لما قال: {فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ} لأن إمساكها بعد العدّة لا يجوزُ وتكون مُسَرَّحَةً، فلا حاجة إلى تسريحها، وأما هذه الآية، فإنه نهى عن عضلهن عن التَّزويج، وهذا النَّهْي إِنَّما يحسن في الوقت الذي يمكنها أَنْ تتزوَّج فيه، وذلك إِنَّما يكونُ بعد انقضاءِ العِدَّة، فهذا هو المرادُ مِنْ قول الشافعي "دَلَّ سياقُ الكَلاَمينِ على افْتِراق البلوغين". فصل في معنى التراضي بالمعروف في التَّراضي بالمعرُوف، وجهان: أحدهما: ما وافَقَ الشَّرعَ مِنْ عقدٍ حلالٍ، ومهرٍ جائِزٍ، وشُهُودٍ عُدُول. الثاني: هو ما يُضادُّ قوله: {أية : وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَاراً لِّتَعْتَدُواْ}تفسير : [البقرة:231] فيكون معناه: أَنْ يرضى كُلُّ واحدٍ منهما بما لزمه بحق هذا العقد لصاحبه؛ حتى تحصل الصُّحبةُ الجميلةُ، وتدوم الأُلفَةُ. قال بعضهم: التراضِي بالمعرُوف، هو مهرُ المِثْلِ، وفَرَّعُوا عليه مسأَلةً فقهيةً، وهي أنَّها إِذا زوَّجت نفسها بأَنْقص مِنْ مَهْرِ مِثْلِها، نقصاناً فاحشاً، فالنكاحُ صحيحٌ عند أَبِي حنيفة، وللوَلِي أَنْ يَعْتَرِض عليها بسبب ذلك النُّقْصَانِ. وقال أَبُو يوسُف ومحمَّد ليس للوَلِيِّ ذلك. قوله: "ذٰلِكَ" مبتدأٌ و "يُوعَظُ" وما بعده خبرهُ. والمُخَاطبُ قيل: إمَّا الرسُولُ - عليه الصلاة والسلام - أو كلُّ سامع، ولذلك جيءَ بالكافِ الدالَّةِ على الواحد، وقيل: للجماعةِ، وهو الظَّاهِرُ، فيكونُ "ذلك" بمعنى: "ذلكم"، ولذلك قال بعده: "مِنكُمْ" وهو جائِزٌ في اللُّغة، والتَّثْنِية والجمع أيضاً جائِزٌ، قال تعالى: {أية : ذٰلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّيۤ}تفسير : [يوسف:37] وقال: {أية : فَذٰلِكُنَّ ٱلَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ}تفسير : [يوسف:32] وقال: {أية : ذَٰلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ}تفسير : [الطلاق:2] وقال: {أية : أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا ٱلشَّجَرَةِ}تفسير : [الأعراف:22] وإِنَّما وحَّدَ الخطاب وهو للأَولياء؛ لأن الأَصل في مخاطبة الجمع "لَكُمْ" ثم كثر حتَّى توهَّموا أن "الكَافَ" مِنْ نفسِ الحرفِ، وليست بكافِ خِطابٍ؛ فقالوا ذلك، فإِذَا قالوا هذا، كانتِ الكافُ مُوَحَّدَةً منصوبةً في الاثنين، والجمع، والمؤَنَّثِ، و "مَنْ كان" في محلِّ رفعٍ؛ لقيامه مقامَ الفاعل. وفي "كان" اسمُها، يعودُ على "مَنْ" و "يؤمِنُ" في محلِّ نصبٍ، خبراً لـ "كان" و "مِنْكُمْ": إمَّا متعلِّقٌ بكانَ عندَ مَنْ يرى أنها تعمَلُ في الظَّرفِ وشبهِهِ، وإمَّا بمَحْذُوفٍ على أنه حالٌ من فاعل يُؤمِنُ. فإن قيل: لِمَ أتى باسمِ الإشارة البعيدِ والمشارُ إليه قريب وهو الحكم المذكورُ في العَضْل؟ والجواب: أَنَّ ذلك دليلٌ على تعظيم المُشارِ إليه. وخَصَّصَ هذا الوعظِ بالمؤمنينَ دون غيرهم؛ لأنَّهُم المنتفِعُون به فلذلك حسنَ تخصيصهم؛ كقوله: {أية : هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ}تفسير : [البقرة:2] وهو هدى لِلْكُلِّ، كما قال: {أية : هُدًى لِّلنَّاسِ}تفسير : [البقرة:185]، وقال: {أية : إِنَّمَآ أَنتَ مُنذِرُ مَن يَخْشَٰهَا}تفسير : [النازعات:45] {أية : إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلذِّكْرَ}تفسير : [يس:11]، مع أَنَّهُ كان منذراً لِلْكُلِّ؛ كما قال: {أية : لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً}تفسير : [الفرقان:1]. فصل في خطاب الكفار بفروع الشريعة احتجُّوا بهذه الآيةِ على أَنَّ الكفار ليسُوا بمخاطبين بفروع الإِسلام؛ لأن تَخْصِيصهُ المؤمنين بالأَحكام المُشَار إليها، دليلٌ على أَنَّ التكليف مختصٌّ بِمَنْ يؤمنُ باللهِ واليوم الآخر. وأُجيبوا بأَنَّ التكليف قد ورد عامّاً؛ قال تعالى {أية : وَللَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ مَنِ ٱسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً}تفسير : [آل عمران:97] وبيانُ الأَحكام وإن كان عامّاً في حق كل المكلَّفين، إلاَّ أَنَّه قد يكونُ ذلك البيانُ وعظاً للمؤمنين؛ لأن هذه التكاليف إِنَّما تتوجه على الكُفَّار على سبيل إثباتها بالدليل القاهر الملزم المعجز، وأَمَّا المؤمنُ المقرُّ فإِنَّما تدكرُ له وتُشْرَحُ على سبيل العظةِ، والتحذير. قوله تعالى: {أية : أَزْكَىٰ لَكُمْ وَأَطْهَرُ}تفسير : [البقرة:232] زكا الزرعُ إذا نما وأَلِفُ أزكى منتقلةٌ عن واو، وقوله: "أزكى" إشارةٌ إلى استحقاقِ الثَّوابِ، وقوله: "أَطْهَرُ" إشارة إلى إزالة الذنُوبِ. قال المفَسِّرون: أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ مِنَ الرِّيبةِ. و "لكم" متعلقٌ بمحذوفٍ؛ لأنه صفةٌ لـ "أَزْكَىٰ" فهو في محلِّ رفع وقوله: "وَأَطْهَرُ" أي: لَكُمْ، والمُفَضَّلُ عليه محذوفٍ؛ لِلْعِلْم به، أي: مِنَ العَضْل. قوله: {وَٱللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} معناه: أَنَّ المكلَّف وَإِنْ كان يعلمُ وجه الصَّلاح في هذه التكاليف على الجملة، إلاَّ أَنَّ التفصيل غير معلومٍ، واللهُ تعالى عالِمٌ في كل ما أَمَر ونهى، بالكمية والكَيْفية بحسب الواقِع وبِحسب التقدير؛ لأنَّه تعالى عالِمٌ بما لا نهايةَ له من المعلُوماتِ. قال بعض المفسِّرين: معناه أَنَّ لكُل واحدٍ من الزوجين، قَدْ يكونُ في نفسه من الآخر علاقةُ حُبٍّ لم يُؤمن أَنْ يتجاوزَ ذلك إلى غير ما أَحَلَّ اللهُ لهما، ولم يُؤمن من الأَولياء أنْ يسبق إلى قُلُوبهم منهما ما لعلهما أَنْ يكُونا بريئين من ذلك، فَيَأثمون واللهُ يعلم من حُبِّ كُلِّ واحدٍ منهما لصاحبه، ما لا تعلمون أَنْتم.

السيوطي

تفسير : أخرج وكيع والبخاري وعبد بن حميد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والحاكم والبيهقي من طرق عن معقل بن يسار قال‏:‏ كانت لي أخت فأتاني ابن عم لي فانكحتها إياه، فكانت عنده ما كانت ثم طلقها تطليقة لم يراجعها حتى انقضت العدة، فهويها وهويته ثم خطبها مع الخطاب، فقلت له‏:‏ يا لكع أكرمتك بها وزوجتكها فطلقتها ثم جئت تخطبها، والله لا ترجع إليك أبداً، وكان رجلاً لا بأس به، وكانت المرأة تريد أن ترجع إليه فعلم الله حاجته إليها وحاجتها إلى بعلها، فأنزل الله تعالى ‏{‏وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن‏} ‏ قال‏:‏ ففي نزلت هذه الآية‏.‏ فكفرت عن يميني وأنكحتها إياه‏.‏ وفي لفظ‏:‏ فلما سمعها معقل قال‏:‏ سمع لربي وطاعة، ثم دعاه فقال‏:‏ أزوجك وأكرمك‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس قال‏:‏ نزلت هذه الآية في الرجل يطلق امرأته طلقة أو طلقتين، فتقضي عدتها ثم يبدو له تزوجها وان يراجعها، وتريد المرأة ذلك فيمنعها أولياؤها من ذلك، فنهى الله أن يمنعوها‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ‏ {‏فلا تعضلوهن‏} ‏ يقول‏:‏ فلا تمنعوهن‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد قال‏:‏ نزلت هذه الآية في امرأة من مزينة، طلقها زوجها وأبينت منه فعضلها أخوها معقل بن يسار يضارها خيفة أن ترجع إلى زوجها الأول‏.‏ وأخرج ابن جرير عن ابن جريج قال‏:‏ نزلت هذه الآية في معقل بن يسار وأخته جمل بنت يسار، كانت تحت أبي البداح، طلقها فانقضت عدتها، فخطبها فعضلها معقل‏.‏ وأخرج ابن جرير عن أبي إسحق الهمداني‏.‏ أن فاطمة بنت يسار طلقها زوجها، ثم بدا له فخطبها فأبى معقل فقال‏:‏ زوجناك فطلقتها وفعلت‏.‏ فأنزل الله ‏ {‏فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن‏}‏ ‏. ‏وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن السدي قال‏:‏ نزلت هذه الآية في جابر بن عبد الله الأنصاري كانت له ابنة عم فطلقها زوجها تطليقة، وانقضت عدتها فأراد مراجعتها فأبى جابر فقال‏:‏ طلقت بنت عمنا ثم تريد أن تنكحها الثانية، وكانت المرأة تريد زوجها، فأنزل الله ‏ {‏وإذا طلقتم النساء‏.‏‏.‏‏.‏‏} ‏ الآية‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم من طريق السدي عن أبي مالك ‏ {‏وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن إذا تراضوا بينهم بالمعروف‏} ‏ قال‏:‏ إذا رضيت الصداق‏.‏ قال‏:‏ طلق رجل امرأته فندم وندمت‏.‏ فأراد أن يراجعها فأبى وليها، فنزلت هذه الآية‏.‏ وأخرج ابن المنذر عن أبي جعفر قال‏:‏ إن الولي في القرآن‏.‏ يقول الله ‏ {‏فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن‏}‏ ‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل ‏{‏إذا تراضوا بينهم بالمعروف‏} ‏ يعني بمهر، وبينة، ونكاح، مؤتنف‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن مردويه عن ابن عمر قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"حديث : ‏انكحوا الأيامى‏.‏ فقال رجل‏:‏ يا رسول الله صلى الله عليه وسلم ما العلائق بينهم‏؟‏ قال‏: ما تراضى عليه أهلوهن‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن المنذر عن الضحاك قال ‏{‏والله يعلم وأنتم لا تعلمون‏}‏ قال‏:‏ الله يعلم من حب كل واحد منهما لصاحبه ما لا تعلم أنت أيها الولي‏.‏

ابو السعود

تفسير : {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنّسَاء فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ} بـيانٌ لحكم ما كانوا يفعلونه عند بلوغِ الأجل حقيقةً بعد بـيانِ حُكمِ ما كانوا يفعلونه عند المشارفة إليه، والعضْلُ الحبسُ وللتضيـيق ومنه عضَلت الدجاجةُ إذا نشِبَ بـيضُها ولم يخرج والمراد المنعُ والخطاب إما للأولياء لما رُوي أنها نزلت في معقِل بنِ يسارَ حين عضَل أخته جميلة أن ترجِع إلى زوجها الأول بالنكاح وقيل: نزلت في جابرِ بن عبدِ اللَّه حين عضَل ابنةَ عمٍّ له، وإسنادُ التطليق إليهم لتسبُّبهم فيه كما ينبىء عنه تصدّيهم للعضل ولعل التعرضَ لبلوغ الأجل مع جواز التزوج بالزوج الأول قبله أيضاً لوقوع العضلِ المذكور حينئذ وليس فيه دلالةٌ على أن ليس للمرأة أن تزوِّج نفسَها وإلا لما احتيج إلى نهي الأولياء عن العضل لما أن النهيَ لدفع الضرر عنهن فإنهن وإن قدَرْن على تزويج أنفسِهن لكنهن يحترزن عن ذلك مخافةً للوم والقطيعة، وإما للأزواج حيث كانوا يعضُلون مطلقاتِهم ولا يدَعونهن يتزوجْن ظُلما وقسراً لحمية الجاهلية، وإما للناس كافة فإن إسناد ما فعله واحد منهم إلى الجميع شائعٌ مستفيضٌ والمعنى إذا وجد فيكم طلاق فلا يقعْ فيما بـينكم عضلٌ سواء كان ذلك من قبل الأولياء أو من جهة الأزواج أو من غيرهم، وفيه تهويلٌ لأمر العضل وتحذيرٌ منه وإيذانٌ بأن وقوع ذلك بـين ظَهرانيهم وهم ساكتون عنه بمنزلة صدوره عن الكل في استتباع اللائمةِ وسِرايةِ الغائلة {أَن يَنكِحْنَ} أي مِنْ أن ينكِحن فمحلُه النصبُ عند سيبويه والفراء والجرُّ عند الخليل على الخلاف المشهور وقيل: هو بدل اشتمال من الضمير المنصوب في تعضُلوهن وفيه دَلالةٌ على صحة النكاح بعبارتهن {أَزْوٰجَهُنَّ} إن أريد بهم المطلقون فالزوجية إما باعتبار ما كان وإما باعتبار ما يكون وإلا فباعتبار الأخير {إِذَا تَرٰضَوْاْ} ظرفٌ لِلا تعضُلوا، وصيغةُ التذكير باعتبار تغليبِ الخطاب على النساء، والتقيـيدُ به لأنه المعتاد لا لتجويز المنع قبل تمام التراضي وقيل: ظرفٌ لأن ينكحن وقوله تعالى: {بَيْنَهُمْ} ظرفٌ للتراضي مفيدٌ لرسوخه واستحكامه {بِٱلْمَعْرُوفِ} الجميلِ عند الشرع المستحسنِ عند الناس، والباءُ إما متعلقةٌ بمحذوف حالٍ من فاعل تراضوا أو نعتٍ لمصدر محذوفٍ أي تراضِياً كائناً بالمعروف، وإما بتراضَوا بما يحسُن في الدين والمروءة وفيه إشعارٌ بأن المنعَ من التزوج بغير كفؤ أو بما دون مَهرِ المثل ليس من باب العضْل. {ذٰلِكَ} إشارةٌ إلى ما فصل من الأحكام، وما فيه من البُعد لتعظيم المشار إليه، والخطابُ لجميع المكلفين كما فيما بعده والتوحيدُ إما باعتبار كلِّ واحدٍ منهم، وإما بتأويل القَبـيل والفريق، وإما لأن الكافَ لمجرد الخطابِ والفرقِ بـين الحاضِرِ والمنقضي دون تعيـينِ المخاطَبـين أو للرسول صلى الله عليه وسلم كما في قوله تعالى: {أية : يـٰأيُّهَا ٱلنَّبِىُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنّسَاء} تفسير : [الطلاق، الآية 1] للدلالة على أن حقيقةَ المشارِ إليه أمرٌ لا يكاد يعرِفه كلُّ واحد {يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ مِنكُمْ يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلأخِرِ} فيسارع إلى الامتثال بأوامرِه ونواهيه إجلالاً له وخوفاً من عقابه، وقوله تعالى: {مّنكُمْ} إما متعلق بكان عند من يجوز عملها في الظروف وشبهها، وإما بمحذوف وقع حالاً من فاعل يؤمن أي كائناً منكم {ذٰلِكُمْ} أي الاتعاظُ به والعملُ بمقتضاه {أَزْكَىٰ لَكُمْ} أي أنمى وأنفعُ {وَأَطْهَرُ} من أدناس الآثام وأوضارِ الذنوب {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ} ما فيه من الزكاء والطُهر {وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} ذلك، أو والله يعلمُ ما فيه صلاحُ أمورِكم من الأحكام والشرائعَ التي من جملتها ما بـينه هٰهنا وأنتم لا تعلمونها فدعُوا رأيكم وامتثِلوا أمرَه تعالى ونهيَه في كل ما تأتون وما تذرون.

القشيري

تفسير : تضمنت الآية نهي الأولياء عن مضارتهن، وتركَ حمية الجاهلية، والانقيادَ لحكم الله في تزويج النساء إنْ أردن النكاح من دون استشعار الأنفة والحمية. بل إذا رضيت بكفوٍ يخطبها فحرام عليكم ظلمها. والتذويبُ عن أوصاف البشرية بقهر النفس أشَدُّ مجاهدةً وأصدقُ معاملة لله.

اسماعيل حقي

تفسير : {وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن} اى استوفين عدتهن فالبلوغ هنا عبارة عن حقيقة الانتهاء لان المذكور بعده النكاح ولا يكون ذلك الا بعد الانقضاء العدة {فلا تعضلوهن} العضل المنع والحبس والتضييق. والمخاطب بالخطاب الاول هو الازواج. وبالثانى هو الاولياء لما روى ان الآية نزلت فى معقل ابن يسار حين منع اخته جميلة ان ترجع الى زوجها الاول البداح عبيد الله بن عاصم فانه جاء يخطبها بعد انقضاء العدة وارادت المرأة الرجوع فلما سمع معقل الآية قال ارغم انفى وازوج اختى واطيع ربى فالمعنى اذا طلقتم النساء ايها الازواج فلا تعضلوهن ايها الاولياء وهذا وان كان مما لا يخفى ركاكته الا ان جملة الخلائق من حيث حضورهم فى علمه تعالى لما كانت بمثابة جماعة واحدة صح توجيه احد الخطابين الواقعين فى كلام واحد الى بعض وتوجيه الخطاب الآخر الى البعض الآخر ولعل التعريض لبلوغ الاجل مع جواز تزوج الاول قبله ايضا لدفع العضل المذكور حينئذ وليس فيه دلالة على ان ليس للمرأة ان تزوج نفسها والا لاحتيج الى نهى الاولياء عن العضل لما ان النهى لدفع الضرر عنهن فانهن وان قدرن على تزويج انفسهن لكنهن يحترزن عن ذلك مخافة اللوم والقطيعة. وقيل الخطابان للازواج حيث كانوا يعضلون مطلقاتهم ولا يدعونهن يتزوجن من شئن من الازواج ظلما وقسرا واتباعا لحمية الجاهلية {أن ينكحن} اى لا تمنعوهن من ان يتزوجن وفيه دلالة على صحة النكاح بعبارتهن {ازواجهن} ان اريد بهم المطلقون فالزوجية اما باعتبار ما كان واما باعتبار ما يكون والا فبالاعتبار الاخير على معنى ان ينكحن انفسهن ممن شئن ان يكونوا ازواجا لهن {إذا تراضوا} اى الخطاب والنساء ظرف لقوله ان ينكحن اى ان ينكحن وقت التراضى {بينهم} ظرف للتراضى مفيد لرسوخه واستحكامه {بالمعروف} حال من فاعل تراضوا اى اذا تراضوا ملتبسين بالمعروف من العقد الصحيح والمهر الجائز والتزام حسن المعاشرة وشهود عدول. والمعروف ما يعرف الشرع وتستحسنه المروءة وفيه اشعار بان المنع من التزوج بغير كفؤ وبما دون مهر المثل ليس من باب العضل {ذلك} اشارة الى ما مضى ذكره اى الامر الذى تلى عليكم من ترك العضل ايها الاولياء او الازواج وتوحيد كاف الخطاب مع كون المخاطب جمعا اما على تأويل القبيل او كل واحد او لكون الكاف لمجرد توجيه الكلام الى الحاضر مع قطع النظر عن كونه واحدا او جمعا {يوعظ به} اى ينهى ويؤمر به {من كان يؤمن بالله واليوم الآخر} لانه المتعظ به والمنتفع {ذلكم} اى الاتعاظ به والعمل بمقتضاه {ازكى لكم} انمى لكم وانفع من زكا الزرع اذا نما فيكون اشارة الى استحقاق الثواب {واطهر} من ادناس الآثام واوضار الذنوب والمفضل عليه محذوف للعلم اى من العضل {والله يعلم} ما فيه من النفع والصلاح والتفضيل {وانتم لا تعلمون} لقصور علمكم فان المكلف وان كان يعلم وجه الصلاح فى هذه التكاليف على سبيل الاجمال الا ان التفصيل غير معلوم له واما الله تعالى فانه العالم بتفاصيل الحكم فى كل ما امر به ونهى عنه وبينه لعباده شعر : برو علم يك ذره بوشيده نيست كه بنهان وبيدا بنزدش يكيست تفسير : فدعوا رأيكم وامتثلوا امره تعالى ونهيه فى كل ما تأتون وما تذرون وذلك كما ان الوالد يحمى ولده عن بعض الاطعمة صونا له عن انحراف مزاجه فذلك محض اصلاح له لما انه يعلم ما لا يعلمه فقد وعظنا الله فى الكتاب بكل ما هو خير وصواب ونهانا عن كل ما يؤدى الى هلاك وتباب ولكن سماع النصيحة لا يتيسر الا لاولى الالباب كما قال الامام الغزالى قدس سره العالى النصيحة سهل والمشكل قبولها لانها فى مذاق متبع الهوى مر اذ المناهى محبوبة فى قلوبهم فالواعظ انما ينفع المؤمن الحقيقى وهو ما وصفه الله فى كتابه فقال {أية : إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم} تفسير : [الأَنفال: 2]. وعن ابن مسعود رضى الله عنه السعيد من وعظ بغيره ومثالكم فى استماعكم ما قيل ان رجلا اصطاد طيرا فقال له لا تذبحنى فأى فائدة لك بل خلنى واعلمك ثلاث حكم تنفعك كلها. الاولى لا تترك الفائدة المعلومة بالمظنونة. والثانية لا تصدق الشىء المستحيل. والثالثة لا تمدن يدك الى ما لم تبلغه فلما خلاه وطار قال ان فى حوصلتى جوهرة كبيرة لو استخرجتها لفزت فأخذ يدنو منه والطير يتباعد منه فقال يا احمق ما اسرع ما نسيت الحكم تركت الفائدة المعلومة بالمظنونة حيث خليتنى والآن تمد يدك الى ما لم تنل وصدقتنى فى المستحيل فان حوصلتى لا تسع الا حبة او حبتين فكيف يحتمل فيها الجوهرة الكبيرة فكذلك انتم فى استماعكم ـ روى ـ ان شقيق البلخى قدس سره كان تاجرا فى اول امره يتجر فى بلاد النصارى فقال له امير النصارى فى أى مدة تجئ وتذهب فقال اجئ فى ثلاثة اشهر واشترى السلع فى ثلاثة واذهب فى ثلاثة وابيع السلع فى ثلاثة فقال الملك فهذه الشهور السنة فما تعبد ربك فتأثر قلبه من هذا الكلام فقام عن التجارة واشتغل بالعبادة فان كان التوفيق رفيق عبد لا يزال يقطع المسافات وان مسه الآفات الى ان الى المقصود واذا وكل الى نفسه لا يفيده ملام ولا يؤثر فيه كلام. ومن النصائح التى نصح بها رسول الله صلى الله عليه وسلم امته قوله عليه الصلاة والسلام "حديث : علامة اعراض الله عن العبد اشتغاله بما لا يعنيه وان امرأ ذهبت ساعة من عمره فى غير ما خلق له لجدير ان تطول عليه حسرته ومن جاوز الاربعين ولم يغلب خيره شره فليتجهز الى النارbr>". تفسير : وفى هذه النصيحة كفاية لاهل العلم: قال السعدى قدس سره شعر : بكوى آنجه دانى سخن سودمند و كر هيج كس را نيايد بسند كه ردا بشيمان بر آرد خروش كه آوخ جراحق نكردم بكوش تفسير : اللهم اجعلنا من المتعظين بمواعظ كلمك.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: العَضْل: المنع والتضييق والتعسير، يقال: أعضلت الدجاجةُ، إذا عسر بيضُها. يقول الحقّ جلّ جلاله: {وإذا طلقتم النساء} فانقضت عدتهن {فلا} تمنعوهن، أيها الأولياء، من {أن ينكحن أزواجهن} الذي كانوا يملكوهن ثم طلقوا، أو الخُطَّاب الأجانب، {إذا تراضَوْا بينهم بالمعروف} أي: بأن كانوا أكفاء لهن، وبذلوا من المهر ما يناسبهن، أو كانت رشيدة. {ذلك} الذي ذكرنا لكم - يتعظ به، ويقف معه، من كان {يؤمن بالله واليوم الآخر}؛ لأنه هو الذي ينجع فيه الوعظ وينتفع بالتذكير، {ذلكم أزكى لكم} أي: أرفع لقدركم، إن تمسكتم به، {وأطهر} لكم من الذنوب والعيوب، {والله يعلم} ما فيه صلاحكم، {وأنتم لا تعلمون}. نزلت الآية في مَعْقِلَ بنِ يَسَارٍ، زوَّج أُخْتَه ثم طلقها زوجُها، وأمهلها حتى انقضت عِدَّتُهَا، ثم جاء يَخْطُبُهَا، فقال مَعْقِلُ: تَرَكها حتى ملكت نفسها، ثم جاء يخطُبها، والله لا أُزوجها منه أبداً. والمرأة أرادت أن ترجع إليه، فنزلت الآية، فرجع معقل عن قسمه وزَوَّجَها. وفيه دليل أن المرأة لا تُزَوج نفسها، خلافاً لأبي حنيفة. والله تعالى أعلم. الإشارة: ينبغي للشيوخ إذا تحققوا من المريدين كمال اليقين، وظهر عليهم أمارات الرشد، ألا يمنعوهم من تعاطي الأسباب، وأخذ ما جاءهم من الدنيا، بلا استشراف ولا طمع، فقد يكون ذلك عوناً لهم على الدين، وعمارة لزاوية الذاكرين، فذلك أزكى لهم وأطهر لقلوبهم، {والله يعلم وأنتم لا تعلمون}.

الطوسي

تفسير : النزول: قال قتادة، والحسن: إن هذه الآية نزلت في معقل بن يسار حين عضل أخته أن ترجع الى الزوج الأول، فانه طلقها، وخرجت من العدة ثم أراد أن يجتمعا بعقد آخر على نكاح آخر، فمنعها من ذلك، فنزلت فيه الآية. وقال السدي: نزلت في جابر بن عبد الله عضل بنت عم له. والوجهان لا يصحان على - مذهبنا -، لأن عندنا أنه لا ولاية للأخ، ولا لابن العم عليها وإنما هي ولية نفسها، فلا تأثير لعضلها. المعنى, والوجه في ذلك أن تحمل الآية على المطلقين، لأنه خطاب لهم بقوله {وإذا طلقتم النساء} نكاية قال: {فلا تعضلوهن} بأن تراجعوهن عند قرب انقضاء عدتهن؛ ولا رغبة لكم فيهن، وإنما تريدون الاضرار بهن، فان ذلك مما لا يسوغ في الدين، والشرع، كما قال في الأولى: {ولا تمسكوهن ضراراً لتعتدوا} ولا يطعن على ذلك قوله: {أن ينكحن أزواجهن}، لأن المعنى فيه من يصيروا أزواجهن، كما أنهم لا بد لهم من ذلك إذا حملوا على الزوج الأول، لأن بعد انقضاء العدة لا يكون زوجاً، ويكون المراد من كان أزواجهن، فما لهم إلا مثل ما عليهم. ويجوز أن يحمل العضل في الآية على الجبر، والحيلولة بينهن، وبين التزويج دون ما يتعلق بالولاية، لأن العضل هو الحبس. اللغة: وقيل: إن العضل مأخوذ من المنع. وقيل: إنه مأخوذ من الضيق، قال أوس بن حجر: شعر : وليس أخوك الدائم العهد بالذي يذمّك إن ولّى ويرضيك مقبلا ولكنه النائي إذا كنت آمنا وصاحبك الأدنى إذا الأمر أعضلا تفسير : وتقول: عضل المرأة يعضلها اذ منعها من التزويج ظلماً. وفي بعض اللغات يعضلها - بكسر الضاد - في المضارع. وأعضل الداء الأطباء إذا أعياهم أن يقوموا به، لأنه امتنع عليهم بشدة، وهو داء عضال. والأمر المعضل: الذي يغلب الناس، لامتناعه بصعوبته. وعضلت عليه إذا ضيقت عليه بما يحول بينه، وبين، ما يريد ظلماً، لأنك منعته بالضيق عليه مما يريد. وعضلت المرأة بولدها إذا عسرت ولادتها وكذلك أعضلت، وأعسرت، لأن الولد امتنع من الخروج عسراً. وفلان عضلة من العضل: أي داهية من الدواهي، لأنه امتنع بدهائه. وعضل الوادي بأهله: إذا ضاق بأهله: وعضلة الساق: لحمة مكتنزة. وأصل الباب المنع. وقيل أصله التضييق. الاعراب، والمعنى: موضع (أن) من قوله: {أن ينكحن أزواجهن} جر عند الخليل، والكسائي، وتقديره: من أن، ونصب عند غيرهما بالفعل. وقوله: {ذلك يوعظ به} إنما قال بلفظ التوحيد وإن كان الخطاب للجميع لأحد ثلاثة أوجه: أحدها - أن (ذا) لما كان منها ما يستعمل الكاف معه كثيراً، صار بمنزلة شيء واحد. ولا يجوز على ذلك (أيها القوم هذا غلامك). وقال الفراء: توهم أن الكاف من (ذا)، وأنكر ذلك الزجاج، وقال: ليس في أفصح اللغات بناء على توهم خطأ. والوجه ما قلناه من التشبيه مما جعلت الكلمتان فيه بمنزلة شيء واحد. والوجه الثاني - على تقدير: ذلك أيها القبيل. والوجه الثالث - أن يكون خطاباً للرسول (صلى الله عليه وسلم). وقوله: {والله يعلم} معناه أنه يعلم من مصالح العباد ما لا يعلمون. وقوله {من كان منكم يؤمن بالله واليوم الآخر} (من) في موضع رفع بـ (يوعظ)، وإنما خص المؤمن بالوعظ لأحد ثلاثة أقوال: أحدها - لأنهم المشفقون بالوعظ، فنسب اليهم، كما قال {أية : هدى للمتقين}تفسير : و{أية : إنما أنت منذر من يخشاها}.تفسير : والثاني - لأنهم أولى بالاتعاض. الثالث - إنما يلزمه الوعظ بعد قبوله الايمان واعترافه بالله تعالى.

الجنابذي

تفسير : {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ} اى وصلن الى آخر العدّة من غير انقضاء لها او بلغن اخرها بحيث انقضت العدّة {فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ} اى لا تمنعوهنّ ايّها الازواج {أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ} الّذين خطبوهنّ وكانوا غيركم او لا تعضلوا ايّها الاولياء على ان يكون الخطاب الثّانى غير الاوّل، او على ان يكون الخطاب الاوّل للاولياء أيضاً باعتبار انّهم كانوا معينين للطّلاق ان ينكحن ازواجهنّ الّذين كانوا ازواجهم قبل الطّلاق {إِذَا تَرَاضَوْاْ} اى الخطّاب والنّساء او الازواج السّابقة والنّساء {بَيْنَهُمْ بِٱلْمَعْرُوفِ ذٰلِكَ} المذكور من الاحكام والآيات السّابقة المذكورة جملةً او من منع عضل النّساء {يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ مِنكُمْ يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ} فانّ من لم يذعن بالله حالاً ولا باليوم الآخر كانت الآيات فى الوعد والوعيد اسماراً له {ذٰلِكُمْ} اتى بأداة خطاب الجمع هاهنا بخلاف سابقه لكون الحكم متوجّهاً هاهنا الى جميع المخاطبين بخلاف السّابق يعنى انّ تخلية النّساء وعدم منعهنّ عن الازواج كان خاصّاً بالازواج او الاولياء او كان الخطاب خاصّاً بمحمّد (ص) {أَزْكَىٰ لَكُمْ} من الزّكوة بمعنى النّمو والتنعّم او الصّلاح {وَأَطْهَرُ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ} ما ينفعكم ممّا يضرّكم ولذا يأمركم بما تكرهونه وينهاكم عمّأ تحبّونه لنفع ذلك ومضرّة هذا {وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} ولذا تحبّون الضارّ وتكرهون النّافع.

الهواري

تفسير : قوله: {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ} أي فانقضت العدة {فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ} أي: فلا تحبسوهن {أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُم بِالْمَعْرُوفِ}. ذكروا عن الحسن قال: قدم رجل المدينة فرغب فيه معقل بن يسار فزوّجه أخته، فكان بينهما شيء، فطلقها واحدة. فلما انقضت العدة خطبها، فأرادت أن تتزوّجه، فغضب معقل فقال: زوجته ثم طلَّقها، والله لا ترجع إليه آخر ما عليه، فأنزل الله هذه الآية. قوله: {ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ مِنكُمْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ} أي لقلب الرجل وقلب المرأة من الريبة {وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ}. علم الله حاجته إليها وحاجتها إليه. قوله: {وَالْوَالِدَاتُ} [يعني المطلقات في تفسير مجاهد] {يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ}. ذكر بعض المفسرين قال: أنزل الله في أول هذه الآية: {حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ} ثم أنزل اليسر والتخفيف فقال: {لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ}. ذكروا عن ابن عمر وابن عباس أنهما كانا لا يريان الرضاع بعد الحولين شيئاً. قوله: {وَعَلَى المَوْلُودِ لَهُ} يعني الأب {رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} أي كلٌّ على قدر ميسرته. {لاَ تُكَلِّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا}. كقوله: {أية : لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلاَّ مَا ءَاتاهَا} تفسير : [الطلاق:7] أي ما أعطاها. وكقوله: (أية : لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ) تفسير : [الطلاق:7]. قوله: {لاَ تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلاَ مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ} ذكر بعض المفسّرين قال: نهى الله الوالد عن الضرار: أن ينزعه من أمه إذا رضيت أن ترضعه بما كان مسترضعاً به غيرَها ويدفعه إلى غيرها. ونهيت الوالدة أن تضارّ بولدها فتدفعه إلى زوجها إضراراً، إذا أعطاها ما كان مسترضعاً به غيرَها. قوله: {وَعَلَى الوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ} [تفسير قتادة. قال: على وارث المولود إن كان المولود لا مال له {مِثْلُ ذَلِكَ} أي: مثل الذي كان على والده لو كان حيّاً من أجر الرضاع]. وقال الحسن: على الرجال دون النساء. والوارث: وارث الصبي إذا مات والد الصبي وبقي وارثه، فعليه يكون وليس على الأم منه شيء، ولا على الأخوة من الأم، وذلك في النفقة والضرار. [وقال ابن عباس: {وَعَلَى الوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ} هو في الضرار]. قوله: {فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً} [يعني فِطاماً] {عَن تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ} قبل انقضاء الحولين، بعد أن يستطيع الطعام ولا تدخل عليه ضرورة فيه. قال بعض المفسّرين: {عَن تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ} إذا كان ذلك عن رضى منهما ومشورة. {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا}. قال: {وَإِنْ أَرَدتُمْ أَن تَسْتَرْضِعُوا أَوْلاَدَكُمْ} أي لأولادكم {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُم مَّا ءَاتَيْتُم بِالمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} يقول: إن تراضيا أن يسترضعاه {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُم مَّا ءَاتَيْتُم بِالمَعْرُوفِ} [تفسير مجاهد: حساب ما رضع الصبي إذا تراضيا أن يسترضعا له، إذا خافا الضيعة عليه].

اطفيش

تفسير : {وإذَا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلغْنَ أجَلَهُنَّ}: أى قطعته وتجاوزته فليس كالأول بمعنى المشارفة، لأن الأول فيه الرجعة، فظهر أنه بمعنى مقاربة الانقضاء والثانى فيه التزويج، فظهر أنه بانقضاء، وذلك على أن الخطاب فى تعضلوهن للأولياء أو للأزواج بعد انقضاء العدة أو للناس، كلهم وأما إن جعلناه للأزواج قبل الانقضاء، فالبلوغ هنا أيضا بمعنى مشارفة الانقضاء كالأول، وعلى هذا الوجه الأخير تكون لأزواج المذكورة بعد من يمكن أن يخترنه أن يكون لهن زوجا، ومعنى عضلهن على هذا مراجعتهن بقصد منها عمن تختاره لو لم يراجعها إلا بعضل الإنصاف. {فَلاَ تعْضلُوهُنَّ}: تمنعوهن. {أنْ يَنكِحْنَ}: يتزوجن. {أزْواجَهُنَّ}: أى الذى كانوا لهن أزواجاً وطلقوا، فالصحيح أن الخطاب فى تعضلوهن للأولياء، والأزواج من كانوا أزواجا وطلقوا، وانقضت العدة، والدليل على انقضائها النهى عن الفعل، لأن للزوج أن يراجعها قبل الانقضاء رضى الولى أو أبى، إلا أن يقال قد يعضلها بالحمية والغلبة بعد انقضاء العدة أيضاً، فنهى عن ذلك. قال الحسن: حدثنى معقل بن يسار المزنى: كنت زوجت أختاً لى من رجل، يعنى عاصم بن عدى، فطلقها حتى إذا انقضت عدتها جاء يخطبها فقلت له: زوجتك وأفرشتك وأكرمتك فطلقتها، ثم جئت تخطبها لا والله لا تعود إليها أبداً. قال معقل، وكان الرجل لا بأس به، وأختى تريد الرجوع إليه، فنزلت الآية. فقلت: الآن أفعل يا رسول الله، فكفرت عن يمينى وزوجتها إياه وفى رواية عن معقل بن يسار: كانت لى أخت تخطب إلى وأمنعها من الناس فأتانى ابن عمر لى يعنى عاصم بن عدى، قدم المدينة فأنحكتها إياه واصطحبا ما شاء الله، وكان بينهما شئ فطلقها واحدة، فلما انقضت عدتها خطبت إلى فأتانى ليخطبها فى الخطاب، وقلت له: خطبت فمنعتها من الناس وآثرتك بها فزوجتك، ثم طلقتها طلاقا لك فيه رجعة ثم تركتها حتى انقضت عدتها، ولما خطبت إلى أتيتنى تخطبها مع الخطاب، والله لا نكحتها أبدا ففىَّ نزلت: {وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن} الآية فكفرت عن يمينى وأنكحتها إياه أبدا، فالخطاب للأزواج قطعا فى: طلقتم. وللأولياء فى: تعضلوهن. ومعنى ينكحن يتزوجن بنكاح جديد بولى وصداق ومثل ذلك ما قيل: إن الآية فى جابر بن عبد الله، كانت له ابنة عم فطلقها زوجها تطليقة، ولما انقضت عدتها أراد أن يرتجعها بنكاح جديد فأبى جابر وقال طلقت ابنة عمنا وتريد أن تنكحها الثانية، وكانت المرأة تريده فنزلت الآية. وقيل الخطاب للأزواج قبل انقضاء العدة، وعضلهم إياهن مراجعتهن لا بقصد المعروف، بل بقصد الإضرار، وقيل للأزواج بعد، قيل انقضاء العدة كانوا يمنعونهن من التزوج بعد العدة عدوانا عليهن وقهرا وحمية الجاهلية، أو ندما عنها وغيرة بأن يتوعد من يتزوجها بسوء، أو منع ما يرجعوا منه أو بسوء كلام فيها، أو يجحد الطلاق أو يدعوى المراجعة أو نحو ذلك، وهذان القولان أولى من الأول لاتحاد الخطاب عليهما للأزواج، بخلاف الأول فإن الخطاب فى تعضلوهن عليه للأولياء، لكن مع ذلك ابتدأت بالقول الأول لما مر من سبب النزول فيه تظهر ما يخفى، وجملة الخلق فى علمه تعالى بمثابة واحد، فيصح توجيه أحد الخطابين الواقعين فى كلام واحد إلى بعض، والخطاب الآخر للبعض الآخر ويضعف القول، لأن الخطاب للأزواج قبل انقضاء العدة أنه لو كان كذلك لم يشترط تراضى الزوج والمرأة فى قوله: {إذا تراضوا} إلخ، لأن له رجعتها بلا رضى منها، وعلى الأول الأزواج من تسميته الشئ باسم ما كان عليه، وقيل المراد بالأزواج من يمكن أن يكون زوجا سواء جعلنا الخطاب فى تعضلوهن لمن طلقهن أو للأولياء، فيكون تسمية للشئ باسم ما يئول إليه فيدخل فيه الزوج الأولى باعتبار أن يكون أيضاً بعد ذلك زوجا لها، كما كان، وقيل الخطاب فى تعضلوهن للناس كلهم واختاره الزمخشرى، على أن المعنى لا يوجد فيما بينكم عضل لأنه إذا وجد منهم وهم راضوان كانوا فى حكم العاضلين، وقيل الخطاب فى تعضلوهن للأولياء والأزواج، والآية دليل لنا وللشافعية على أنه لا نكاح إلا بولى إذ ترجح بمعرفة سبب النزول، أن الخطاب بالعضل للأولياء، إذ لو تمكنت المرأة من تزويج نفسها أو توكيل من يزوجها لم يكن لعضل الولى معنى إن كان لا يؤثر،، ولما أسند إليه العضل علمنا أنه قادر على العضل يتأثر عضلا بألا تتزوج إن عضل، وإما إسناد النكاح إليهن فى ينكحن فلأنهن سبب برضاهن، وإذنهن، فلا دليل فى ينكحن لأبى حنيفة ومالك على جواز تزوجهن بلا ولى، والحديث قاض بما قلنا لا نكاح إلا بولى. {إذَا تَراضَوْا بَيْنَهُم}: الأزواج الخطاب والنساء، وإذا ظرف يجوز تعليقه بينكحن، ويجوز تعليقه بتعضلوهن، واختار بعضهم الأول، والذى عندى اختار تعليقه بتعضلوهن وهو خارج عن شرطية والصدر كذلك يقال، والذى يظهر جواز بقائها على الأصل من شرطية والصدرية، فيتعلق بجواب محذوف مقدر بعدها، أى إذا تراضوا بينهم بالمعروف فلا تعضلوهن أن ينكحنهم. {بِالمعْرُوفِ}: أى بما يعرف بالشرع والمروءة أعنى خصال المرء الكامل، وذلك عام وقيل المعروف صداق المثل، وهذا لا يصح فى قول تفسير العضل بالرجعة، إذ لا صداق فى الرجعة، اللهم إلا رجعة الفداء لكنها ليست بمطلن صداق، بل بالذى وقع فيه الفداء إلا إن اتفقا على نقص أو زيد، والقول الأول فى قوله: {بالمعروف} أولى لعمومه، وهو حال من واو تراضوا أى تراضوا ثابتين بالمعروف وملتبسين به من العقد الصحيح، أو المهر الجائز، والتزام حسن المعاشرة، وشهود عدول، وغير ذلك أو متعلق بمحذوف نعت لمصدر محذوف، أى تراضوا تراضيا ثابتا وملتبسا بالمعروف، والباء على الأوجه للإلصاق، وفى اشتراط التراضى بالمعروف للنهى عن العضل دليل على أن العضل عن التزوج من غير كفؤ غير منهى عنه، بل قال أبو حنيفة إذا زوجت نفسها بأقل من مهر مثلها فللأولياء أن يتعرضوا. {ذَلِكَ}: أى ترك العضل والخطاب للأولياء أو للأزواج أو لهم للناس، وإفراد الكاف لتأويل القبيل، أو لكون الخطاب عاما عموما بدلياً أو أفرد لكون الخطاب موجهاً لغير الجماعة، بل لمطلق حاضر ولو من غير المخاطبين، قيل أو لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو كان الخطاب قبل وبعد للجماعة، كقوله:{أية : يا أيها النبى إذا طلقتم النساء}،تفسير : والحكمة فى الإشارة إليه صلى الله عليه وسلم وحده أن حقيقة الحكم المذكور لا يتحقق تصوره إلا عنده، والمسلمون على مراتبهم بعده، وأجاز بعض أن تكون الكاف فى ذلك لمجرد الخطاب بدون اعتبار إفراد أو تثنية أو جمع، وأن تكون للإشعار بانقطاع المشار إليه عن الحضور بدون ذلك الاعتبار أيضاً. {يوعَظُ بِه مَن كانَ مِنكُمْ يُؤمِنُ بالله واليَومِ الآخِرِ}: وكذلك غيره، لكنه خص لأنه المنتفع بالوعظ، والمعنى يدخل مقتضى الوعظ فى قلبه فيتأثر به. {ذَلكُمْ}: أى العمل بمقتضى ما ذكر، فلكون العمل يشارك المسلمون فيه النبى، صلى الله عليه وسلم، جمع الخطاب هنا وأفرد فى الأول لاختصاصه صلى الله عليه وسلم بإدراك حقائق الحكم وإدراك الكامل. {أزْكَى لَكُمْ}: خير لكم تنتفعون به انتفاعا عظيما كما ينتفع بالزرع الأنمى. {وأطْهَرُ} أشد زوالا للذنوب التى هى كالأنجاس، أو أزكى من العضل وأطهر منه، وذلك لأنه قد تتوهم النفس أن فى العضل زكا وطهارة ما لو خرجا عن التعضيل أى زكى وطاهر لكم، وقيل أزكى لكم وأطهر بمعنى أفضل وأطيب للقلب، إذ يخشى الزنى بينهما إن لم يتراجعا. {وَاللّهُ يَعْلَمُ}: ما فى ترك العضل من المصالح والمنافع، أو من الزكاة والطهر على التفضيل الذى لا يدركه البشر، أو يعلم ما تستعجلون به من الشرائع، أو حاجة كل إلى الآخر. {وَأنْتم لا تَعْلَمُونَ}: ذلك لقصور علمكم.

الالوسي

تفسير : {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ} أي انقضت عدتهن كما يدل عليه السياق. {فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوٰجَهُنَّ} أي لا تمنعوهن ذلك، وأصل العضل الحبس والتضييق، ومنه عضلت الدجاجة بالتشديد إذا نشبت بيضتها ولم تخرج، والفعل مثلث العين، واختلف في الخطاب فقيل ـ واختاره الإمام ـ أنه للأزواج المطلقين حيث كانوا يعضلون مطلقاتهم بعد مضي العدة ولا يدعونهن يتزوجن ظلماً وقسراً لحمية الجاهلية، وقد يكون ذلك بأن يدس إلى من يخطبهن ما يخيفه أو ينسب إليهن ما ينفر الرجل من الرغبة فيهن، وعليه يحمل الأزواج على من يردن أن يتزوجنه، والعرب كثيراً ما تسمي الشيء باسم ما يؤول إليه، وقيل واختاره القاضي ـ إنه للأولياء فقد أخرج البخاري والترمذي والنسائي وابن ماجه وأبو داود وخلق كثير من طرق شتى عن معقل بن يسار قال: «كانت لي أخت فأتاني ابن عم لي فأنكحتها إياه فكانت عنده ما كانت ثم طلقها تطليقة، ولم يراجعها حتى انقضت العدة فهويها وهويته ثم خطبها مع الخطاب فقلت له: يا لكع أكرمتك بها وزوجتكها فطلقتها ثم جئت تخطبها، والله لا ترجع إليك أبداً وكان رجلاً لا بأس به وكانت المرأة تريد أن ترجع إليه فعلم الله تعالى حاجته إليها وحاجتها إلى بعلها فأنزل الله تعالى هذه الآية، قال: ففي نزلت فكفرت عن يميني وأنكحتها إياه» وفي لفظ «فلما سمعها معقل قال: سمعاً لربـي وطاعة ثم دعاه فقال: أزوجك وأكرمك» وعليه يحمل الأزواج على الذين كانوا أزواجاً وخطاب التطليق حينئذٍ إما أن يتوجه لما توجه له هذا الخطاب ويكون نسبة التطليق للأولياء باعتبار التسبب كما ينبىء عنه التصدي للعضل، وإما أن يبقى على ظاهره للأزواج المطلقين ويتحمل تشتيت الضمائر اتكالاً على ظهور المعنى، وقيل: ـ واختاره الزمخشري ـ إنه لجميع الناس فيتناول عضل الأزواج والأولياء جميعاً، ويسلم من انتشار ضميري الخطاب والتفريق بين الإسنادين مع المطابقة لسبب النزول، وفيه تهويل أمر العضل بأن من حق الأولياء أن لا يحوموا حوله وحق الناس كافة أن ينصروا المظلوم، وجعل بعضهم الخطابات السابقة/ كذلك، وذكر أن المباشرة لتوقفها على الشروط العقلية والشرعية توزعت بحسبها كما إذا قيل لجماعة معدودة أو غير محصورة: أدوا الزكاة وزوجوا الأكفاء وامنعوا الظلمة كان الكل مخاطبين والتوزع على ما مر. هذا وليس في الآية على أي وجه حملت دليل على أنه ليس للمرأة أن تزوج نفسها كما وهم ونهي الأولياء عن العضل ليس لتوقف صحة النكاح على رضاهم بل لدفع الضرر عنهن لأنهن وإن قدرن على تزويج أنفسهن شرعاً لكنهن يحترزن عن ذلك مخافة اللوم والقطيعة أو مخافة البطش بهن، وفي إسناد النكاح إليهن إيماء إلى عدم التوقف وإلا لزم المجاز وهو خلاف الظاهر، وجوز في أن (ينكحن) وجهان: الأول: أنه بدل اشتمال من الضمير المنصوب قبله. والثاني: أن يكون على إسقاط الخافض والمحل إما نصب أو جر على اختلاف الرأيين. {إِذَا تَرٰضَوْاْ} ظرف ـ للا تعضلوا ـ والتذكير باعتبار التغليب والتقييد به لأنه المعتاد لا لتجويز المنع قبل تمام التراضي، وقيل ظرف لأن ينكحن. وقوله تعالى: {بَيْنَهُمْ} ظرف للتراضي مفيد لرسوخه واستحكامه {بِٱلْمَعْرُوفِ} أي بما لا يكون مستنكراً شرعاً ومروءة، والباء إما متعلقة بمحذوف وقع حالاً من فاعل {تَرٰضَوْاْ} أو نعتاً لمصدر محذوف أي تراضياً كائناً بالمعروف وإما بتراضوا أو بينكحن؛ وفي التقييد بذلك إشعار بأن المنع من التزوج بغير كفء أو بما دون مهر المثل ليس من باب العضل. {ذٰلِكَ} إشارة إلى ما فصل والخطاب للجمع على تأويل القبيل أو لكل واحد واحد أو أن الكاف تدل على خطاب قطع فيه النظر عن المخاطب وحدة وتذكيراً وغيرهما. والمقصود الدلالة على حضور المشار إليه عند من خوطب للفرق بين الحاضر والمنقضي الغائب أو للرسول صلى الله عليه وسلم ليطابق ما في سورة الطلاق، وفيه إيذان بأن المشار إليه أمر لا يكاد يتصوره كل أحد بل لا بد لتصور ذلك من مؤيد من عند الله تعالى. {يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ مِنكُمْ يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلاْخِرِ} خصه بالذكر لأنه المسارع إلى الامتثال إجلالاً لله تعالى وخوفاً من عقابه، و {مّنكُمْ} إما متعلق ـ بكان ـ على رأي من يرى ذلك وإما بمحذوف وقع حالاً من فاعل {يُؤْمِنُ} {ذٰلِكُمْ} أي الاتعاظ به والعمل بمقتضاه {أَزْكَىٰ لَكُمْ} أي أعظم بركة ونفعاً {وَأَطْهَرُ} أي أكثر تطهيراً من دنس الآثام، وحذف لكم اكتفاءً بما في سابقه، وقيل: إن المراد أطهر لكم ولهم لما يخشى على الزوجين من الريبة بسبب العلاقة بينهما {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ} ما فيه من المصلحة {وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} ذلك فلا رأي إلا الاتباع، ويحتمل تعميم المفعول في الموضعين ويدخل فيه المذكور دخولاً أولياً وفائدة الجملة الحث على الامتثال.

ابن عاشور

تفسير : المراد من هذه الآية مخاطبة أولياء النساء بألا يمنعوهن من مراجعة أزواجهن بعد أن أمر المفارقين بإمساكهن بمعروف ورغبهم في ذلك، إذ قد علم أن المرأة إذا رأت الرغبة من الرجل الذي كانت تألفه وتعاشره لم تلبث أن تقرن رغبته برغبتها، فإن المرأة سريعة الانفعال قريبة القلب، فإذا جاء منع فإنما يجيء من قبل الأولياء ولذلك لم يذكر الله ترغيب النساء في الرضا بمراجعة أزواجهن ونهى الأولياء عن منعهن من ذلك. وقد عرف من شأن الأولياء في الجاهلية وما قاربها، الأنفة من أصهارهم، عند حدوث الشقاق بينهم وبين ولاياهم، وربما رأوا الطلاق استخفافاً بأولياء المرأة وقلة اكتراث بهم، فحملتهم الحمية على قصد الانتقام منهم عند ما يرون منهم ندامة، ورغبة في المراجعة وقد روى في «الصحيح» أن البداح بن عاصم الأنصاري طلق زوجه جُميلا ــــ بالتصغير وقيل جُمْلا وقيل جميلة ـــ ابنة معقل بن يسار فلما انقضت عدتها، أراد مراجعتها، فقال له أبوها معقل بن يسار: «إنك طلقتها طلاقاً له الرجعة، ثم تركتها حتى انقضت عدتها، فلما خطبت إليَّ أتيتني تخطبها مع الخطاب، والله لا أنكحتكها أبداً» فنزلت هذه الآية، قال معقل «فكفرت عن يميني وأرجعتها إليه» وقال الواحدي: نزلت في جابر بن عبد الله كانت له ابنة عم طلقها زوجها وانقضت عدتها، ثم جاء يريد مراجعتها، وكانت راغبة فيه، فمنعه جابر من ذلك فنزلت. والمراد من أجلهن هو العدة، وهو يعضد أن ذلك هو المراد من نظيره في الآية السابقة، وعن الشافعي «دل سياق الكلامين على افتراق البلوغين» فجعل البلوغ في الآية الأولى، بمعنى مشارفة بلوغ الأجل، وجعله هنا بمعنى انتهاء الأجل. فجملة {وإذا طلقتم النساء} عطف على { أية : وإذا طلقتم النساء فبلغت أجلهن فأمسكوهن بمعروف } تفسير : [البقرة: 231] الآية. والخطاب الواقع في قوله {طلقتم} و{تعضلوهن} ينبغي أن يحمل على أنه موجه إلى جهة واحدة دون اختلاف التوجه، فيكون موجهاً إلى جميع المسلمين، لأن كل واحد صالح لأن يقع منه الطلاق إن كان زوجاً، ويقع منه العضل إن كان ولياً، والقرينة ظاهرة على مثله فلا يكاد يخفى في استعمالهم، ولما كان المسند إليه أحد الفعلين، غير المسند إليه الفعل الآخر، إذ لا يكون الطلاق ممن يكون منه العضل ولا العكس، كان كل فريق يأخذ من الخطاب ما هو به جدير، فالمراد بقوله: {طلقتم} أوقعتم الطلاق، فهم الأزواج، وبقوله {فلا تعضلوهن} النهي عن صدور العضل، وهم أولياء النساء. وجعل في «الكشاف» الخطاب للناس عامة أي إذا وجد فيكم الطلاق وبلغ المطلقات أجلهن، فلا يقع منكم العضل ووجه تفسيره هذا بقوله: «لأنه إذا وجد العضل بينهم وهم راضون كانوا في حكم العاضلين». والعضل: المنع والحبس وعدم الانتقال، فمنه عضَّلت المرأة بالتشديد إذا عسرت ولادتها وعضَّلت الدجاجة إذا نشب بيضها فلم يخرج، والمعاضلة في الكلام: احتباس المعنى حتى لا يبدو من الألفاظ، وهو التعقيد، وشاع في كلام العرب في منع الولي مولاته من النكاح. وفي الشرع هو المنع بدون وجه صلاح، فالأب لا يعد عاضلاً برد كفء أو اثنين، وغير الأب يعد عاضلاً برد كفء واحد. وإسناد النكاح إلى النساء هنا لأنه هو المعضول عنه، والمراد بأزواجهن طالبو المراجعة بعد انقضاء العدة، وسماهن أزواجاً مجازاً باعتبار ما كان، لقرب تلك الحالة، وللإشارة إلى أن المنع ظلم؛ فإنهم كانوا أزواجاً لهن من قبل، فهم أحق بأن يُرَجَّعن إليهم. وقوله: {إذا تراضوا بينهم بالمعروف} شرط للنهي، لأن الولي إذا علم عدم التراضي بين الزوجين، ورأى أن المراجعة ستعود إلى دخل وفساد فله أن يمنع مولاته نصحاً لها، وفي هذا الشرط إيماء إلى علة النهي: وهي أن الولي لا يحق له منعها مع تراضي الزوجين بعود المعاشرة، إذ لا يكون الولي أدرى بميلها منها، على حد قولهم في المثل المشهور «رضي الخصمان ولم يرض القاضي». وفي الآية إشارة إلى اعتبار الولاية للمرأة في النكاح بناء على غالب الأحوال يومئذٍ؛ لأن جانب المرأة جانب ضعيف مطموع فيه، معصوم عن الامتهان، فلا يليق تركها تتولى مثل هذا الأمر بنفسها؛ لأنه ينافي نفاستها وضعفها، فقد يستخف بحقوقها الرجال، حرصاً على منافعهم وهي تضعف عن المعارضة. ووجه الإشارة: أن الله أشار إلى حقين: حق الولي بالنهي عن العضل؛ إذ لو لم يكن الأمر بيده لما نهي عن منعه، ولا يقال: نهي عن استعمال ما ليس بحق له لأنه لو كان كذلك لكان النهي عن البغي والعدوان كافياً، ولجيء بصيغة: ما يكون لكم ونحوها وحق المرأة في الرضا ولأجله أسند الله النكاح إلى ضمير النساء، ولم يقل: أن تُنكحوهن أزواجهن، وهذا مذهب مالك والشافعي وجمهور فقهاء الإسلام، وشذ أبو حنيفة في المشهور عنه فلم يشترط الولاية في النكاح، واحتج له الجصاص بأن الله أسند النكاح هنا للنساء وهو استدلال بعيد استعمال العرب في قولهم: نكحت المرأة، فإنه بمعنى تزوجت دون تفصيل بكيفية هذا التزوج لأنه لا خلاف في أن رضا المرأة بالزوج هو العقد المسمى بالنكاح، وإنما الخلاف في اشتراط مباشرة الولي لذلك دون جبر، وهذا لا ينافيه إسناد النكاح إليهن، أما ولاية الإجبار فليست من غرض هذه الآية؛ لأنها واردة في شأن الأيامى ولا جبر على أيم باتفاق العلماء. وقوله: {ذلك يوعظ به} إشارة إلى حكم النهي عن العضل، وإفراد الكاف مع اسم الإشارة مع أن المخاطب جماعة، رعياً لتناسي أصل وضعها من الخطاب إلى ما استعملت فيه من معنى بعد المشار إليه فقط، فإفرادها في أسماء الإشارة هو الأصل، وأما جمعها في قوله {ذلكم أزكى لكم} فتجديد لأصل وضعها. ومعنى أزكى وأطهر أنه أوفر للعرض وأقرب للخير، فأزكى دال على النماء والوفر، وذلك أنهم كانوا يعضلونهن حمية وحفاظاً على المروءة من لحاق ما فيه شائبة الحطيطة، فأعلمهم الله أن عدم العضل أوفر للعرض؛ لأن فيه سعياً إلى استبقاء الود بين العائلات التي تقاربت بالصهر والنسب؛ فإذا كان العضل إباية للضيم، فالإذن لهن بالمراجعة حلم وعفو ورفاء للحال وذلك أنفع من إباية الضيم. وأما قوله: {وأطهر} فهو معنى أنزه، أي إنه أقطع لأسباب العداوات والإحن والأحقاد بخلاف العضل الذي قصدتم منه قطع العود إلى الخصومة، وماذا تضر الخصومة في وقت قليل يعقبها رضا ما تضر الإحن الباقية والعداوات المتأصلة، والقلوب المحرَّقة. ولك أن تجعل {أزكى} بالمعنى الأول، ناظراً لأحوال الدنيا، وأطهر بمعنى فيه السلامة من الذنوب في الآخرة، فيكون أطهر مسلوب المفاضلة، جاء على صيغة التفضيل للمزاوجة مع قوله {أزكى}. وقوله: {والله يعلم وأنتم لا تعلمون} تذييل وإزالة لاستغرابهم حين تلقى هذا الحكم، لمخالفته لعاداتهم القديمة، وما اعتقدوا نفعاً وصلاحاً وإباء على أعراضهم، فعلمهم الله أن ما أمرهم به ونهاهم عنه هو الحق، لأن الله يعلم النافع، وهم لا يعلمون إلاّ ظاهراً، فمفعول {يعلم} محذوف أي والله يعلم ما فيه كمال زكاتكم وطهارتكم؛ وأنتم لا تعلمون ذلك.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 232- وإذا طلقتم النساء وأتممتم عدتهن، وأرادت إحداهن أن تستأنف زواجاً جديداً من المطلق أو من رجل آخر غيره، فلا يحل للأولياء ولا للزوج المطلق أن يمنعوهنَّ من ذلك إذا تراضى الطرفان على عقد جديد وإرادة حياة كريمة تؤدى إلى حسن العشرة بينهما، ذلك يوعظ به من كان منكم يؤمن بالله وباليوم الآخر، ذلكم أدعى إلى تنمية العلاقات الشريفة فى مجتمعكم وأطهر فى نفوسكم من الأدناس والعلاقات المريبة، والله يعلم من مصالح البشر وأسرار نفوسهم ما يجهلون الوصول إليه. 233- وعلى الأمهات أن يقمن بإرضاع أولادهن مدة عامين تامين مراعاة لمصلحة الطفل، إذا طلب أحد الوالدين أو كلاهما استيفاء مدة الرضاعة تامة لاحتياج الولد إليها، ويلزم الوالد - باعتبار الولد منسوباً إليه - بالإنفاق على الأمهات حينئذٍ بإطعامهن وكسوتهن على قدر طاقته بلا إسراف ولا تقتير فإنه لا يلزم إنسان إلا بما يقدر عليه ويستطيعه. ولا ينبغى أن يُهضَم حق الأم فى نفقتها أو حضانة ولدها، كما لا ينبغى أن يكون الولد سبباً فى إلحاق الضرر بأبيه بأن يكلف فوق طاقته أو يحرم حقه فى ولده، وإذا مات الأب أو كان فقيراً عاجزاً عن الكسب كانت النفقة على وارث الولد لو كان له مال، فإن رغب الوالدان أو كلاهما فى فطام الطفل قبل تمام العامين وقد تراضيا على ذلك ونظرا إلى مصلحة الرضيع فلا تبعة عليهما، وإذا شئتم - أيها الأباء - أن تتخذوا مراضع للأطفال غير أمهاتهم فلا تبعة عليكم فى ذلك، ولتدفعوا إليهن ما اتفقتم عليه من الأجر بالرضا والمحاسنة، وراقبوا الله فى أعمالكم، واعلموا أنه مطلع عليها ومجازيكم بها.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: بلغن أجلهن: أي انتهت عدتهن. فلا تعضلوهن: أي لا تمنعوهن من التزوج مرة أخرى بالعودة إلى الرجل الذي طلقها ولم يراجعها حتى انقضت عدتها. إذا تراضوا بينهم بالمعروف: إذا رضي الزوج المطلق أن يردها إليه ورضيت هي بذلك. ذلك يوعظ به: أي النهي عن العضل يُكلف به أهل الإِيمان إذ هم القادرون على الطاعة. ذلكم أزكى لكم: أي ترك العضل خير لكم من العضل وأطهر لقلوبكم؛ إذ العضل قد يسبب ارتكاب الفاحشة. معنى الآية الكريمة: ينهى الله تعالى أولياء أمور النساء أن يمنعوا المطلقة طلقة أو طلقتين فقط من أن تعود إلى زوجها الذي طلقها وبانت منه بانقضاء عدتها، إذا رضيت هي بالزواج منه مرة أخرى ورضي هو به وعزما على المعاشرة الحسنة بالمعروف وكانت هذه الآية استجابة لأخت معقل بن يسار رضي الله عنه حيث أرادت أن ترجع إلى زوجها الذي طلقها وبانت منه بانقضاء العدة فمنعها أخوها معقل. وقوله تعالى: {ذٰلِكَ يُوعَظُ بِهِ} أي هذا النهي عن العضل يوجه إلى أهل الإِيمان بالله واليوم الآخر فهم الأحياء الذين يستجيبون لله ورسوله إذا أمروا أو نهوا. وأخيراً أخبرهم تعالى أن عدم منع المطلقة من العودة إلى زوجها خير لهم، حالا ومآلاً وأطهر لقلوبهم ومجتمعهم. وأعلمهم أنه يعلم عواقب الأمور وهم لا يعلمون فيجب التسليم بقبول شرعه، والانصياع لأمره ونهيه. فقال تعالى: {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ}. هداية الآية من هداية الآية: 1- حرمة العضل أي منع المطلقة أن ترجع إلى من طلقها. 2- وجوب الولاية على المرأة، لأن الخطاب في الآية كان للأولياء "ولا تعضلوهن". 3- المواعظ تنفع أهل الإِيمان لحياة قلوبهم. 4- في امتثال أوامر الله واجتناب نواهيه الخير كله، والطهر جميعه.

القطان

تفسير : فلا تعضلوهن: لا تمنعوهن عن الزواج. أزكى: أطهر. كان من عادات العرب في الجاهلية ان يتحكم الرجال في تزويج النساء، إذ لم يكن يزوّج المرأة الا وليُّها، وقد يزوجها بمن تكره، ويمنعها ممن تحب، ولمصلحته هو. اخرج البخاري وأبو داود والترمذي عن معقل بن يسار قال: كان لي أخت فأتاني ابن عم لي فأنكحتها أياه. فكانت عنده ما كانت ثم طلقها تطليقة ولم يراجعها حتى انقضت عدتها. ثم خُطبت إلي فأتاني مع الخُطاب يخطبها، فقلت له: خُطبت إليّ فمنعتها الناس فآثرتك. ثم إنك طلقتها طلاقا لك فيه رجعة. فلما خُطبت إليَ أتيتني تخطبها مع الخطاب! والله لا ترجع إليك أبدا. وكان لا بأس به، وكانت المرأة تريد ان ترجع اليه، فعلم الله حاجته اليها وحاجتها الى بعلها فأنزل الله الآية. قال: ففيَّ نزلت، فكفّرت عن يميني وأنكحتها اياه. ومعنى الآية: يا أيها الذين آمنوا اذا طلقتم النساء وانقضت عدتهنّ وأراد أزواجهن أو غيرهم أن ينكحوهنّ وأردن هن ذلك ـ فلا تمنعوهن من الزواج. هذا اذا رضي كل من الرجل والمرأة بالآخر زوجا، على حسن العشرة. ذلك يوعظ به من كان منكم يؤمن بالله وباليوم الآخر، وهو أدعى الى تنمية العلاقات الشريفة في مجتمعكم وأطهر في نفوسكم من الادناس والعلاقات المريبة. والله يعلم من مصالح البشر وأسرار نفوسهم ما لا تعلمون.

د. أسعد حومد

تفسير : {أَزْوَاجَهُنَّ} {تَرَاضَوْا} {ٱلآخِرِ} (232) - فَإذا طَلَّقَ الرَّجُلُ زَوْجَتَهُ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَينِ، وَأرَادَ مُرَاجَعَتَهَا، وَرَغِبَتْ هِيَ فِي العَوْدَةِ إِلَيهِ، فَلَيْسَ لأَهْلِهَا أنْ يَمْنَعُوهَا مِنْ ذَلِكَ إذا تَرَاضَيَا. وَاحْتِرامُ أمْرِ اللهِ هَذا يَأْتَمِرُ بِهِ، وَيَتَّعِظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤمِنُ بِاللهِ، وَبِاليَوْمِ الآخِرِ. وَاتِّبَاعُ المُؤْمِنينَ شَرْعَ اللهِ، وَرَدُّ المُؤْمِنَاتِ إلى أزْوَاجِهِنَّ، وَتَرْكُ الحَميَّةِ الجَاهِليَّةِ .. هُوَ أَزْكَى لِلْمُؤْمِنينَ، وَأَطْهَرُ لِقُلُوبِهِمْ. وَاللهُ يَعْلَمُ مَا فِيهِ الخَيْرُ وَالمَصْلَحَةُ فِيما يَأمُرُ بِهِ، وَيَنْهَى عَنْهُ. وَأنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ أَيْنَ يَكُونُ الخَيْرُ فِيمَا تَأتُونَ وَفِيمَا تَذَرُونَ. لا تَعْضُلُوهُنَّ - لا تَمْنَعُوهُنَّ. أزْكَى لَكُمْ - أَنْمَى لَكُمْ وَأَنْفَعُ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : {فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ} [البقرة: 232] هنا أي فانتهت العدة، ولم يستنفد الزوج مرات الطلاق، ولم يعد للزوج حق في أن يراجعها إلا بعد عقد ومهر جديدين. هب أن الزوج أراد أن يعيد زوجته إلى عصمته مرة أخرى، وهنا قد يتدخل أهل اللدد والخصومة من الأقارب، ويقفون في وجه إتمام الزواج، والزوجان ربما كان كل منهما يميل إلى الآخر، وبينهما سيال عاطفي ونفسي لا يعلمه أحد، لكن الذين دخلوا في الخصومة من الأهل يقفون في وجه عودة الأمور إلى مجاريها، خوفاً من تكرار ما حدث أو لأسباب أخرى، ونقول لهؤلاء: ما دام الزوجان قد تراضيا على العودة فلا يصح أن يقف أحد في طريق عودة الأمور إلى ما كانت عليه. وقوله الحق: {فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ} [البقرة: 232] نعرف منه أن العضل هو المنع، والكلام للأهل والأقارب وكل من يهمه مصلحة الطرفين من أهل المشورة الحسنة. و{أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ} [البقرة: 232] أي الذين طلقوهن أولاً. والمعنى: لا تمنعوا الأزواج أن يعيدوا إلى عصمتهم زوجاتهم اللائي طلقوهن من قبل. وليعلم الأهل الذين يصرون على منع بناتهم من العودة لأزواجهن أنهم بالتمادي في الخصومة يمنعون فائدة التدرج في الطلاق التي أرادتها حكمة الله. إن حكمة التشريع في جعل الطلاق مرة، ومرتين هي أن من لم يصلح في المرة الأولى قد يصلح في المرة الثانية، وإذا كان الله العليم بنفوس البشر قد شرع لهم أن يطلقوا مرة ومرتين، وأعطى فسحة من الوقت لمن أخطأ في المرة الأولى ألا يخطئ في الثانية، لذلك فلا يصح أن يقف أحد حجر عثرة أمام إعادة الحياة الزوجية من جديد. وقوله الحق: {أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ} [البقرة: 232] ونلحظ هنا أن الحق سبحانه وتعالى ينسب النكاح للنسوة، فقال: {يَنكِحْنَ} [البقرة: 232] وهذا يقتضي رضاء المرأة عن العودة للزوج فلا يمكن أن يطلقها أولاً ثم لا يكون لها رأي في العودة إليه. {إِذَا تَرَاضَوْاْ بَيْنَهُمْ بِٱلْمَعْرُوفِ} [البقرة: 232] وما داموا تراضوا ورأوا أن عودة كل منهم للآخر أفضل، فليبتعد أهل السوء الذين يقفون في وجه رضا الطرفين، وليتركوا الحلال يعود إلى مجاريه. {ذٰلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ مِنكُمْ يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ ذٰلِكُمْ أَزْكَىٰ لَكُمْ وَأَطْهَرُ} [البقرة: 232] إن هذا تشريع ربكم وهو موعظة لكم يا من تؤمنون بالله رباً حكيماً مشرعاً وعالماً بنوازع الخير في نفوس البشر. وكلمة "وأطهر" تلفتنا إلى حرمة الوقوف في وجه المرأة التي تريد أن ترجع لزوجها الذي طلقها ثم انتهت العدة، وأراد هو أن يتزوجها من جديد، إن الحق يبلغنا: ولا تقفوا في وجه رغبتهما في العودة لأي سبب كان، لماذا يا رب؟ وتأتي الإجابة في قوله الحق: {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 232] تأمل جمال السياق القرآني وكيف خدم قوله تعالى: {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 232] المعنى الذي تريده الآيات. إن الله يعلم وأنتم لا تعلمون أن في عودة الأمور لمجاريها بين الزوجين أزكى وأطهر. ويقول الحق بعد ذلك: {وَٱلْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ ٱلرَّضَاعَةَ ...}.

مجاهد بن جبر المخزومي

تفسير : أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ} [الآية: 232]. نزلت في امرأَة من مزينة. طلقها زوجها تطليقة فعضَلها أَخوها معقل بن يسار أَن تتزوجه. أنبا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: {وَٱلْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ}. قال: يعني الوالدات المطلقات. {لاَ تُضَآرَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا}. يقول: لا تأَبى أَن ترضعه ضرارا، ليشق على أَبيه. {وَلاَ مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ}. يقول: ولا يضار الوالد بولده، فيمنع أُمه أَن ترضعه ليحزنها بذلك. {وَعَلَى ٱلْوَارِثِ مِثْلُ ذٰلِكَ}. يعني الولي من كان. {فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَن تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ}. يقول: غير مسيئين في ظلم أَنفسهما، ولا إِلى صبيهما دون الحولين فلا جناح عليهما، {وَإِنْ أَرَدتُّمْ أَن تَسْتَرْضِعُوۤاْ أَوْلاَدَكُمْ} خيفة الضيعة على الصبي {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُم مَّآ آتَيْتُم بِٱلْمَعْرُوفِ} [الآية: 233]. بحساب ما أُرضع به الصبي.

زيد بن علي

تفسير : وقولهُ تعالى: {فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ} قالَ زيدُ بن علي عليهما السَّلامُ: معناهُ لاَ تُضيقُوا عَليهُنَّ، وَلاَ تَحبِسُوهنَّ عن الأَزواجِ. تفسير : وقولهُ تعالى: {إِذَا تَرَاضَوْاْ بَيْنَهُمْ بِٱلْمَعْرُوفِ} معناهُ تَزويجٌ صَحيحٌ.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : هذا خطاب لأولياء المرأة المطلقة دون الثلاث إذا خرجت من العدة، وأراد زوجها أن ينكحها، ورضيت بذلك، فلا يجوز لوليها، من أب وغيره; أن يعضلها; أي: يمنعها من التزوج به حنقا عليه; وغضبا; واشمئزازا لما فعل من الطلاق الأول. وذكر أن من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فإيمانه يمنعه من العضل، فإن ذلك أزكى لكم وأطهر وأطيب مما يظن الولي أن عدم تزويجه هو الرأي: واللائق وأنه يقابل بطلاقه الأول بعدم التزويج له كما هو عادة المترفعين المتكبرين. فإن كان يظن أن المصلحة في عدم تزويجه، فالله { يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ } فامتثلوا أمر من هو عالم بمصالحكم، مريد لها، قادر عليها، ميسر لها من الوجه الذي تعرفون وغيره. وفي هذه الآية، دليل على أنه لا بد من الولي في النكاح، لأنه نهى الأولياء عن العضل، ولا ينهاهم إلا عن أمر، هو تحت تدبيرهم ولهم فيه حق.

النسائي

تفسير : قوله تعالى: {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ} [232] 61- أنا سَوَّار بن عبد الله بن سَوَّار، نا أبو داود الطيالسي، نا عبَّاد بن راشد قال: سمعت الحسن يقول: حدثني معقل بن يسار قال: كانت لي أُخت تُخْطَب، فأمنعها، فخطبها ابن عمٍّ لي، فزوجتها إيَّاه، فاصطحبا ما شاء الله أن يصطحبا، ثم طلقها طلاقا له عليها رجعة، فتركها حتى انقضت عدَّتها، وخطبها الخُطَّاب، جاء فخطبها فقلت: يا لُكيع، خطبت أختي فمنعتها الناس، وآثرتُك بها. طلقتها فلما انقضت عدتها، جئت تخطبها؟ لا والله الذي لا إله إلا هو لا أزوِّجكما، ففيَّ نزلت الآية {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ / أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْاْ} فقلت: سمعا وطاعة وكفَّرت عن يميني، وأنكحتُها. 62- أنا أبو بكر بن علي، حدثنا سُريْج بن يونس، [عن هُشَيم]، أنا يونُس، عن الحسن، عن معقل بن يسار قال: زوَّجت أختي رجلا منَّا، فطلقها، فلما انقضت العدة خطبها إلي، ووافقها ذلك، فقلت له: زوَّجتك وآثرتُك، ثم طلقتها، ما هي بالتي تعود إليك، فنزلت {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْاْ بَيْنَهُمْ بِٱلْمَعْرُوفِ} فقلت لما نزلت هذه الآية: أَمَا إنها ستعود إليك.

همام الصنعاني

تفسير : 286- عبد الرزاق، قال: حدثنا معمر، عن الحسن وقتادة، في قوله تعالى: {فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ}: [الآية: 232]، قالا: نزلت في معقل بن يسار، كانت أخته تحت رجل فَطَلَّقها، حتّى إذا مَضَتْ عِدَّتُها جاءَ رجل فخطبها فعضلها معقل بن يسار وأبى أن يُنكِحَها إياه، فنزلت فيها هذه الآية، يَعْني به الأوْلياء، يقُول: {فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ}.