٢ - ٱلْبَقَرَة
2 - Al-Baqara (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
233
Tafseer
الرازي
تفسير : الحكـم الثاني عشر فـي الرضـاع قوله تعالى: {والوالدات يرضعن أولادهن حلين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف لا تكلف نفس إلا وسعها لا تضار والدة بولدها ولا مولود له بولده وعلى الوارث مثل ذلك فإن أرادا فصالاً عن تراض منهما وتشاور فلا جناح عليهما}. اعلم أن في قوله تعالى: {وَٱلْوٰلِدٰتُ } ثلاثة أقوال الأول: أن المراد منه ما أشعر ظاهر اللفظ وهو جميع الوالدات، سواء كن مزوجات أو مطلقات، والدليل عليه أن اللفظ عام وما قام دليل التخصيص فوجب تركه على عمومه. والقول الثاني: المراد منه: الوالدات المطلقات، قالوا: والذي يدل على أن المراد ذلك وجهان أحدها: أن الله تعالى ذكر هذه الآية عقيب آية الطلاق، فكانت هذه الآية تتمة تلك الآيات ظاهراً، وسبب التعليق بين هذه الآية وبين ما قبلها أنه إذا حصلت الفرقة حصل التباغض والتعادي، وذلك يحمل المرأة على إيذاء الولد من وجهين أحدهما: أن إيذاء الولد يتضمن إيذاء الزوج المطلق والثاني: أنها ربما رغبت في التزوج بزوج آخر، وذلك يقتضي إقدامها على إهمال أمر الطفل فلما كان هذا الاحتمال قائماً لا جرم ندب الله الوالدات المطلقات إلى رعاية جانب الأطفال والاهتمام بشأنهم، فقال: {وَٱلْوٰلِدٰتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَـٰدَهُنَّ } والمراد المطلقات. الحجة الثانية لهم: ما ذكره السدي، قال: المراد بالوالدات المطلقات، لأن الله تعالى قال بعد هذه الآية: {وَعلَى ٱلْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ } ولو كانت الزوجية باقية لوجب على الزوج ذلك بسبب الزوجية لا لأجل الرضاع، واعلم أنه يمكن الجواب عن الحجة الأولى أن هذه الآية مشتملة على حكم مستقل بنفسه، فلم يجب تعلقها بما قبلها، وعن الحجة الثانية لا يبعد أن تستحق المرأة قدراً من المال لمكان الزوجية وقدراً آخر لمكان الرضاع فإنه لا منافاة بين الأمرين. القول الثالث: قال الواحدي في «البسيط»: الأولى أن يحمل على الزوجات في حال بقاء النكاح لأن المطلقة لا تستحق الكسوة وإنما تستحق الأجرة. فإن قيل: إذا كانت الزوجية باقية فهي مستحقة النفقة والكسوة بسبب النكاح سواء أرضعت الولد أو لم ترضع فما وجه تعليق هذا الاستحقاق بالإرضاع. قلنا: النفقة والكسوة يجبان في مقابلة التمكين، فإذا أشغلت بالحضانة والإرضاع لم تتفرغ لخدمة الزوج فربما توهم متوهم أن نفقتها وكسوتها تسقط بالخلل الواقع في خدمة الزوج فقطع الله ذلك الوهم بإجاب الرزق والكسوة، وإن اشتغلت المرأة بالإرضاع، هذا كله كلام الواحدي رحمه الله. أما قوله تعالى: {يُرْضِعْنَ أَوْلَـٰدَهُنَّ } ففيه مسألتان: المسألة الأولى: هذا الكلام وإن كان في اللفظ خبراً إلا أنه في المعنى أمر وإنما جاز ذلك لوجهين الأول: تقدير الآية: والوالدات يرضعن أولادهن في حكم الله الذي أوجبه، إلا أنه حذف لدلالة الكلام عليه والثاني: أن يكون معنى يرضعن: ليرضعن، إلا أنه حذف ذلك للتصرف في الكلام مع زوال الإيهام. المسألة الثانية: هذا الأمر ليس أمر إيجاب، ويدل عليه وجهان الأول: قوله تعالى: {أية : فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن } تفسير : [الطلاق: 6] ولو وجب عليها الرضاع لما استحقت الأجرة والثاني: أنه تعالى قال بعد ذلك: {أية : وَإِن تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَىٰ } تفسير : [الطلاق: 6] وهذا نص صريح، ومنهم من تمسك في نفي الوجوب عليها بقوله تعالى: {أية : وَعلَى ٱلْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ } تفسير : [البقرة: 233] والوالدة قد تكون مطلقة فلم يكن وجوب رزقها على الوالد إلا بسبب الإرضاع، فلو كان الإرضاع واجباً عليها لما وجب ذلك، وفيه البحث الذي قدمناه، إذا ثبت أن الإرضاع غير واجب على الأم فهذا الأمر محمول على الندب من حيث أن تربية الطفل بلبن الأم أصلح له من سائر الألبان، ومن حيث إن شفقة الأم عليه أتم من شفقة غيرها هذا إذا لم يبلغ الحال في الولد إلى حد الاضطرار بأن لا يوجد غير الأم، أو لا يرضع الطفل إلا منها، فواجب عليها عند ذلك أن ترضعه كما يجب على كل أحد مواساة المضطر في الطعام. أما قوله تعالى: {حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: أصل الحول من حال الشيء يحول إذا انقلب فالحول منقلب من الوقت الأول إلى الثاني، وإنما ذكر الكمال لرفع التوهم من أنه على مثل قولهم أقام فلان بمكان كذا حولين أو شهرين، وإنما أقام حولاً وبعض الآخر، ويقولون: اليوم يومان مذ لم أره، وإنما يعنون يوماً وبعض اليوم الآخر. المسألة الثانية: اعلم أنه ليس التحديد بالحولين تحديد إيجاب ويدل عليه وجهان الأول: أنه تعالى قال بعد ذلك: {لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ ٱلرَّضَاعَةَ } فلما علق هذا الإتمام بإرادتنا ثبت أن هذا الإتمام غير واجب الثاني: أنه تعالى قال: {فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَن تَرَاضٍ مّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا } فثبت أنه ليس المقصود من ذكر هذا التحديد إيجاب هذا المقدار، بل فيه وجوه الأول: وهو الأصح أن المقصود منه قطع التنازع بين الزوجين إذا تنازعا في مدة الرضاع، فقدر الله ذلك بالحولين حتى يرجعا إليه عند وقوع التنازع بينهما، فإن أراد الأب أن يفطمه قبل الحولين ولم ترض الأم لم يكن له ذلك، وكذلك لو كان على عكس هذا فأما إذا اجتمعا على أن يفطما الولد قبل تمام الحولين فلهما ذلك. الوجه الثاني: في المقصود من هذا التحديد هو أن للرضاع حكماً خاصاً في الشريعة، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب»تفسير : والمقصود من ذكر هذا التحديد بيان أن الارتضاع ما لم يقع في هذا الزمان، لا يفيد هذا الحكم، هذا هو مذهب الشافعي رضي الله عنه، وهو قول علي وابن مسعود وابن عباس وابن عمر وعلقمة والشعبـي والزهري رضي الله عنهم، وقال أبو حنيفة رضي الله عنه: مدة الرضاع ثلاثون شهراً. حجة الشافعي رضي الله عنه من وجوه: الحجة الأولى: أنه ليس المقصود من قوله: {لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ ٱلرَّضَاعَةَ } هو التمام بحسب حاجة الصبـي إلى ذلك، إذ من المعلوم أن الصبـي كما يستغني عن اللبن عند تمام الحولين، فقد يحتاج إليه بعد الحولين لضعف في تركيبه لأن الأطفال يتفاوتون في ذلك، وإذا لم يجز أن يكون المراد بالتمام هذا المعنى، وجب أن يكون المراد هو الحكم المخصوص المتعلق بالرضاع، وعلى هذا التقدير تصير الآية دالة على أن حكم الرضاع لا يثبت إلا عند حصول الإرضاع في هذه المدة. الحجة الثانية: روي عن علي رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : لا رضاع بعد فصال»تفسير : وقال تعالى: {أية : وَفِصَالُهُ فِى عَامَيْنِ } تفسير : [لقمان: 14]. الحجة الثالثة: ما روى ابن عباس رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : لا يحرم من الرضاع إلا ما كان في الحولين». تفسير : والوجه الثالث: في المقصود من هذا التحديد ما روى ابن عباس أنه قال للتي تضع لستة أشهر أنها ترضع حولين كاملين، فإن وضعت لسبعة أشهر أرضعت ثلاثة وعشرين شهراً، وقال آخرون: الحولان هذا الحد في رضاع كل مولود، وحجة ابن عباس رضي الله عنهما أنه تعالى قال: {أية : وَحَمْلُهُ وَفِصَـٰلُهُ ثَلاَثُونَ شَهْراً } تفسير : [الأحقاف: 15] دلت هذه الآية على أن زمان هاتين الحالتين هو هذا القدر من الزمان، فكما ازداد في مدة إحدى الحالتين انتقص من مدة الحالة الأخرى. المسألة الثالثة: روي أن رجلاً جاء إلى علي رضي الله عنه فقال: تزوجت جارية بكراً وما رأيت بها ريبة، ثم ولدت لستة أشهر، فقال علي رضي الله عنه قال الله: {وَحَمْلُهُ وَفِصَـٰلُهُ ثَلاَثُونَ شَهْراً } وقال تعالى: {وَٱلْوٰلِدٰتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَـٰدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ } فالحمل ستة أشهر الولد ولدك، وعن عمر أنه جىء بامرأة وضعت لستة أشهر، فشاور في رجمها، فقال ابن عباس: إن خاصمتكم بكتاب الله خصمتكم، ثم ذكر هاتين الآيتين واستخرج منهما أن أقل الحمل ستة أشهر. أما قوله تعالى: {لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ ٱلرَّضَاعَةَ } ففيه مسألتان: المسألة الأولى: قرأ ابن عباس رضي الله عنهما: {أن يكمل ٱلرَّضَاعَةِ } وقرىء {ٱلرِضَاعَةِ } بكسر الراء. المسألة الثانية: في كيفية اتصال هذه الآية بما قبلها وجهان الأول: أن تقدير الآية: هذا الحكم لمن أراد إتمام الرضاعة، وعن قتادة أنزل الله حولين كاملين، ثم أنزل اليسر والتخفيف فقال: {لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ ٱلرَّضَاعَةَ } والمعنى أنه تعالى جوز النقصان بذكر هذه الآية والثاني: أن اللام متعلقة بقوله: {يُرْضِعْنَ } كما تقول: أرضعت فلانة لفلان ولده، أي يرضعن حولين لمن أراد أن يتم الإرضاع من الآباء، لأن الأب يجب عليه إرضاع الولد دون الأم لما بيناه. أما قوله تعالى: {وَعلَى ٱلْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: {ٱلْمَوْلُودِ لَهُ } هو الوالد، وإنما عبر عنه بهذا الاسم لوجوه الأول: قال صاحب «الكشاف»: إن السبب فيه أن يعلم أن الوالدات إنما ولدن الأولاد للآباء، ولذلك ينسبون إليهم لا إلى الأمهات وأنشد للمأمون بن الرشيد:شعر : وإنما أمهات الناس أوعية مستودعات وللآباء أبناء تفسير : الثاني: أن هذا تنبيه على أن الولد إنما يلتحق بالوالد لكونه مولوداً على فراشه على ما قال صلى الله عليه وسلم: «حديث : الولد للفراش»تفسير : فكأنه قال: إذا ولدت المرأة الولد للرجل وعلى فراشه، وجب عليه رعاية مصالحه، فهذا تنبيه على أن سبب النسب واللحاق مجرد هذا القدر الثالث: أنه قيل في تفسير قوله: {أية : قَالَ ٱبْنَ أُمَّ } تفسير : [طهۤ: 94] أن المراد منه أن الأم مشفقة على الولد، فكان الغرض من ذكر الأم تذكير الشفقة، فكذا ههنا ذكر الوالد بلفظ المولود له تنبيهاً على أن هذا الولد إنما ولد لأجل الأب، فكان نقصه عائداً إليه، ورعاية مصالحه لازمة له، كما قيل: كلمة لك، وكلمة عليك. المسألة الثانية: أنه تعالى كما وصى الأم برعاية جانب الطفل في قوله تعالى: {وَٱلْوٰلِدٰتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَـٰدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ } وصى الأب برعاية جانب الأم حتى تكون قادرة على رعاية مصلحة الطفل فأمره برزقها وكسوتها بالمعروف، والمعرَّف في هذا الباب قد يكون محدوداً بشرط وعقد، وقد يكون غير محدود إلا من جهة العرف، لأنه إذا قام بما يكفيها في طعامها وكسوتها، فقد استغنى عن تقدير الأجرة، فإنه إن كان ذلك أقل من قدر الكفاية لحقها من الجوع والعري، فضررها يتعدى إلى الولد. المسألة الثالثة: أنه تعالى وصى الأم برعاية الطفل أولاً، ثم وصى الأب برعايته ثانياً، وهذا يدل على أن احتياج الطفل إلى رعاية الأم أشد من احتياجه إلى رعاية الأب، لأنه ليس بين الطفل وبين رعاية الأم واسطة ألبتة، أما رعاية الأب فإنما تصل إلى الطفل بواسطة، فإنه يستأجر المرأة على إرضاعه وحضانته بالنفقة والكسوة، وذلك يدل على أن حق الأم أكثر من حق الأب، والأخبار المطابقة لهذا المعنى كثيرة مشهورة، ثم قال تعالى: {لاَ تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا } وفيه مسائل: المسألة الأولى: التكليف: الإلزام، يقال: كلفه الأمر فتكلف وكلف، وقيل: إن أصله من الكلف، وهو الأثر على الوجه من السواد، فمعنى تكلف الأمر اجتهد أن يبين فيه أثره وكلفه ألزمه ما يظهر فيه أثره، والوسع ما يسع الإنسان فيطيقه أخذه، من سعة الملك أي العرض، ولو ضاق لعجز عنه، والسعة بمنزلة القدرة، فلهذا قيل: الوسع فوق الطاقة. المسألة الثانية: المراد من الآية أن أب هذا الصبـي لا يكلف الإنفاق عليه وعلى أمه، إلا ما تتسع له قدرته، لأن الوسع في اللغة ما تتسع له القدرة، ولا يبلغ استغراقها، وبين أنه لا يلزم الأب إلا ذلك، وهو نظير قوله في سورة الطلاق: {فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن } ثم قال: {وَإِن تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَىٰ } ثم بين في النفقة أنها على قدر إمكان الرجل بقوله: {أية : لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مّن سَعَتِهِ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا ءاتَاهُ ٱللَّهُ لاَ يُكَلّفُ ٱللَّهُ نَفْساً إِلاَّ مَا ءَاتـَٰهَا} تفسير : [الطلاق: 6، 7]. المسألة الثالثة: المعتزلة تمسكوا بهذه الآية على أن الله تعالى لا يكلف العباد إلا ما يقدرون عليه، لأنه أخبر أنه لا يكلف أحداً إلا ما تتسع له قدرته، والوسع فوق الطاقة، فإذا لم يكلفه الله تعالى ما لا تتسع له قدرته، فبأن لا يكلفه ما لا قدرة له عليه أولى. ثم قال: {لاَ تُضَارَّ وٰلِدَةٌ بِوَلَدِهَا } وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ ابن كثير وأبو عمرو وقتيبة عن الكسائي {لاَ تُضَارَّ } بالرفع والباقون بالفتح، أما الرفع فقال الكسائي والفراء إنه نسق على قوله: {لاَ تُكَلَّفُ } قال علي بن عيسى: هذا غلط لأن النسق بلا إنما هو إخراج الثاني مما دخل فيه الأول نحو: ضربت زيداً لا عمراً فأما أن يقال: يقوم زيد لا يقعد عمرو، فهو غير جائز على النسق، بل الصواب أنه مرفوع على الاستئناف في النهي كما يقال: لا يضرب زيد لا تقتل عمراً وأما النصب فعلى النهي، والأصل لا تضار فأدغمت الراء الأولى في الثانية وفتحت الثانية لالتقاء الساكنين، يقال: يضارر رجل زيداً، وذلك لأن أصل الكلمة التضعيف، فأدغمت إحدى الراءين في الأخرى، فصار لا تضار، كما تقول: لا تردد ثم تدغم فتقول: لا ترد بالفتح قال تعالى: {أية : يـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ } تفسير : [المائدة: 54] وقرأ الحسن: {لاَ تُضَارَّ } بالكسر وهو جائز في اللغة، وقرأ أبان عن عاصم {لاَ تُضَارر } مطهرة الراء مكسورة على أن الفعل لها. المسألة الثانية: قوله: {لاَ تُضَارَّ } يحتمل وجهين كلاهما جائز في اللغة، وإنما احتمل الوجهين نظراً لحال الإدغام الواقع في تضار أحدهما: أن يكون أصله لا تضار بكسر الراء الأولى، وعلى هذا الوجه تكون المرأة هي الفاعلة للضرار والثاني: أن يكون أصله لا تضارر بفتح الراء الأولى فتكون المرأة هي المفعولة بها الضرار، وعلى الوجه الأول يكون المعنى: لا تفعل الأم الضرار بالأب بسبب إيصال الضرار إلى الولد، وذلك بأن تمتنع المرأة من إرضاعه مع أن الأب ما امتنع عليها في النفقة من الرزق والكسوة، فتلقى الولد عليه، وعلى الوجه الثاني معناه: لا تضارر، أي لا يفعل الأب الضرار بالأم فينزع الولد منها مع رغبتها في إمساكها وشدة محبتها له، وقوله: {وَلاَ مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ } أي: ولا تفعل الأم الضرار بالأب بأن تلقي الولد عليه، والمعنيان يرجعان إلى شيء واحد، وهو أن يغيظ أحدهما صاحبه بسبب الولد. فإن قيل: لم قال {تُضَارَّ } والفعل لواحد؟. قلنا لوجوه أحدها: أن معناه المبالغة، فإن إيذاء من يؤذيك أقوى من إيذاء من لا يؤذيك والثاني: لا يضار الأم والأب بأن لا ترضع الأم أو يمنعها الأب وينزعه منها والثالث: أن المقصود لكل واحد منهما بإضرار الولد إضرار الآخر، فكان ذلك في الحقيقة مضارة. المسألة الثالثة: قوله: {لاَ تُضَارَّ وٰلِدَةٌ بِوَلَدِهَا } وإن كان خبراً في الظاهر، لكن المراد منه النهي، وهو يتناول إساءتها إلى الولد بترك الرضاع، وترك التعهد والحفظ. وقوله: {وَلاَ مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ } يتناول كل المضار، وذلك بأن يمنع الوالدة أن ترضعه وهي به أرأف وقد يكون بأن يضيق عليها النفقة والكسوة أو بأن يسيء العشرة فيحملها ذلك على إضرارها بالولد، فكل ذلك داخل في هذا النهي والله أعلم. أما قوله تعالى: {وَعَلَى ٱلْوَارِثِ مِثْلُ ذٰلِكَ } فاعلم أنه لما تقدم ذكر الولد وذكر الوالد وذكر الوالدات احتمل في الوارث أن يكون مضافاً إلى واحد من هؤلاء، والعلماء لم يدعوا وجهاً يمكن القول به إلا وقال به بعضهم. فالقول الأول: وهو منقول عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن المراد وارث الأب، وذلك لأن قوله: {وَعَلَى ٱلْوَارِثِ مِثْلُ ذٰلِكَ } معطوف على قوله: {وَعلَى ٱلْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ } وما بينهما اعتراض لبيان المعروف، والمعنى أن المولود له إن مات فعلى وارثه مثل ما وجب عليه من الرزق والكسوة، يعني إن مات المولود له لزم وارثه أن يقوم مقامه في أن يرزقها ويكسوها بالشرط المذكور، وهو رعاية المعروف وتجنب الضرار، قال أبو مسلم الأصفهاني هذا القول ضعيف، لأنا إذا حملنا اللفظ على وارث الولد والولد أيضاً وارثه، أدى إلى وجوب نفقته على غيره، حال ماله مال ينفق منه وإن هذا غير جائز، ويمكن أن يجاب عنه بأن الصبـي إذا ورث من أبيه مالاً فإنه يحتاج إلى من يقوم بتعهده وينفق ذلك المال عليه بالمعروف، ويدفع الضرار عنه، وهذه الأشياء يمكن إيجابها على وارث الأب. القول الثاني: أن المراد وارث الأب يجب عليه عند موت الأب كل ما كان واجباً على الأب وهذا قول الحسن وقتادة وأبـي مسلم والقاضي، ثم القائلون بهذا القول اختلفوا في أنه أي وارث هو؟ فقيل: هو العصبات دون الأم، والأخوة من الأم، وهو قول عمر والحسن ومجاهد وعطاء وسفيان وإبراهيم وقيل: هو وارث الصبـي من الرجال والنساء على قدر النصيب من الميراث، وهو قول قتادة وابن أبـي ليلى، قالوا: النفقة على قدر الميراث، وقيل: الوارث ممن كان ذا رحم محرم دون غيرهم من ابن العم والمولى وهو قول أبـي حنيفة وأصحابه، واعلم أن ظاهر الكلام يقتضي أن لا فضل بين وارث ووارث، لأنه تعالى أطلق اللفظ فغير ذي الرحم بمنزلة ذي الرحم، كما أن البعيد كالقريب، والنساء كالرجال، ولولا أن الأم خرجت من ذلك من حيث مر ذكرها بإيجاب الحق لها، لصح أيضاً دخولها تحت الكلام، لأنها قد تكون وارث كغيرها. القول الثالث: المراد من الوارث الباقي من الأبوين، وجاء في الدعاء المشهور: واجعله الوارث منا، أي الباقي وهو قول سفيان وجماعة. القول الرابع: أراد بالوارث الصبـي نفسه الذي هو وارث أبيه المتوفى فإنه إن كان له مال وجب أجر الرضاعة في ماله، وإن لم يكن له مال أجبرت أمه على إرضاعه، ولا يجبر على نفقة الصبـي إلا الوالدان، وهو قول مالك والشافعي. أما قوله تعالى: {مِثْلُ ذٰلِكَ } فقيل من النفقة والكسوة عن إبراهيم، وقيل: من ترك الإضرار عن الشعبـي والزهري والضحاك، وقيل: منهما عن أكثر أهل العلم. أما قوله تعالى: {فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَن تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا } فاعلم أن في الآية مسائل: المسألة الأولى: في الفصال قولان الأول: أنه الفطام لقوله تعالى: {أية : وَحَمْلُهُ وَفِصَـٰلُهُ ثَلاَثُونَ شَهْراً} تفسير : [الأحقاف: 15] وإنما سمي الفطام بالفصال لأن الولد ينفصل عن الاغتذاء بلبن أمه إلى غيره من الأقوات قال المبرد: يقال فصل الولد عن الأم فصلاً وفصالاً، وقرىء بهما في قوله: {وَحَمْلُهُ وَفِصَـٰلُهُ } والفصال أحسن، لأنه إذا انفصل من أمه فقد انفصلت منه، فبينهما فصال نحو القتال والضراب، وسمي الفصيل فصيلاً لأنه مفصول عن أمه، ويقال: فصل من البلد إذا خرج عنه وفارقه قال تعالى: {أية : فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِٱلْجُنُودِ } تفسير : [البقرة: 249] واعلم أن حمل الفصال ههنا على الفطام هو قول أكثر المفسرين. واعلم أنه تعالى لما بين أن الحولين الكاملين هو تمام مدة الرضاع وجب حمل هذه الآية على غير ذلك حتى لا يلزم التكرار، ثم اختلفوا فمنهم من قال: المراد من هذه الآية أن الفطام قبل الحولين جائز ومنهم من قال: إنها تدل على أن الفطام قبل الحولين جائز، وبعده أيضاً جائز وهذا القول مروي عن ابن عباس رضي الله عنهما. حجة القول الأول أن ما قبل الآية لما دل على جواز الفطام عند تمام الحولين كان أيضاً دليلاً على جواز الزيادة على الحولين وإذا كان كذلك بقيت هذه الآية دالة على جواز الفطام قبل تمام الحولين فقط. وحجة القول الثاني أن الولد قد يكون ضعيفاً فيحتاج إلى الرضاع ويضر به فطمه كما يضر ذلك قبل الحولين، وأجاب الأولون أن حصول المضرة في الفطام بعد الحولين نادر وحمل الكلام على المعهود واجب، والله أعلم. القول الثاني: في تفسير الفصال، وهو أن أبا مسلم لما ذكر القول الأول قال: ويحتمل معنى آخر، وهو أن يكون المراد من الفصال إيقاع المفاصلة بين الأم والولد إذا حصل التراضي والتشاور في ذلك ولم يرجع بسبب ذلك ضرر إلى الولد. المسألة الثانية: التشاور في اللغة: استجماع الرأي، وكذلك المشورة والمشورة مفعلة منه كالمعونة، وشرت العسل استخرجته، وقال أبو زيد: شرت الدابة وأشرتها أي أجريتها لاستخراج جريها، والشوار متاع البيت، لأنه يظهر للناظر، وقالوا: شورته فتشور، أي خجلته، والشارة هيئة الرجل، لأنه ما يظهر من زيه ويبدو من زينته، والإشارة إخراج ما في نفسك، وإظهاره للمخاطب بالنطق وبغيره. المسألة الثالثة: دلت الآية على أن الفطام في أقل من حولين لا يجوز إلا عند رضا الوالدين وعند المشاورة مع أرباب التجارب وذلك لأن الأم قد تمل من الرضاع فتحاول الفطام والأب أيضاً قد يمل من إعطاء الأجرة على الإرضاع، فقد يحاول الفطام دفعاً لذلك، لكنهما قلما يتوافقان على الإضرار بالولد لغرض النفس، ثم بتقدير توافقهما اعتبر المشاورة مع غيرهما، وعند ذلك يبعد أن تحصل موافقة الكل على ما يكون فيه إضرار بالولد، فعند اتفاق الكل يدل على أن الفطام قبل الحولين لا يضره البتة فانظر إلى إحسان الله تعالى بهذا الطفل الصغير كم شرط في جواز إفطامه من الشرائط دفعاً للمضار عنه، ثم عند اجتماع كل هذه الشرائط لم يصرح بالإذن بل قال: {لاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ } وهذا يدل على أن الإنسان كلما كان أكثر ضعفاً كانت رحمة الله معه أكثر وعنايته به أشد. قوله تعالى: {وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم فلا جناح عليكم إذا سلمتم ما آتيتم بالمعروف واتقوا الله واعلموا أن الله بما تعلمون بصير}. اعلم أنه تعالى لما بين حكم الأم وأنها أحق بالرضاع، بين أنه يجوز العدول في هذا الباب عن الأم إلى غيرها ثم في الآية مسائل: المسألة الأولى: قال صاحب «الكشاف»: استرضع منقول من أرضع، يقال: أرضعت المرأة الصبـي واسترضعها الصبـي، فتعديه إلى مفعولين، كما تقول: أنجح الحاجة واستنجحته الحاجة والمعنى: أن تسترضعوا المراضع أولادكم، فحذف أحد المفعولين للاستغناء عنه، كما تقول: استنجحت الحاجة ولا تذكر من استنجحته، وكذلك حكم كل مفعولين لم يكن آخرهما عبارة عن الأول، وقال الواحدي: {أَن تَسْتَرْضِعُواْ أَوْلَـٰدَكُمْ } أي لأولادكم وحذف اللام اجتزاءً بدلالة الاسترضاع، لأنه لا يكون إلا للأولاد، ولا يجوز دعوت زيداً وأنت تريد لزيد، لأنه تلبيس ههنا بخلاف ما قلنا في الاسترضاع، ونظير حذف اللام قوله تعالى: {أية : وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَّزَنُوهُمْ } تفسير : [المطففين: 3] أي كالوا لهم أو وزنوا لهم. المسألة الثانية: اعلم أنا قد بينا أن الأم أحق بالإرضاع، فأما إذا حصل مانع عن ذلك فقد يجوز العدول عنها إلى غيرها، منها ما إذا تزوجت آخر، فقيامها بحق ذلك الزوج يمنعها عن الرضاع، ومنها أنه إذا طلقها الزوج الأول فقد تكره الرضاع حتى يتزوج بها زوج آخر، ومنها أن تأتي المرأة قبول الولد إيذاء للزوج المطلق وإيحاشاً له، ومنها أن تمرض أو ينقطع لبنها، فعند أحد هذه الوجوه إذا وجدنا مرضعة أخرى وقبل الطفل لبنها جاز العدول عن الأم إلى غيرها، فأما إذا لم نجد مرضعة أخرى، أو وجدناها ولكن الطفل لا يقبل لبنها فههنا الإرضاع واجب على الأم. أما قوله تعالى: {إذا سلمتم ما آتيتم بالمعروف} ففيه مسألتان: المسألة الأولى: قرأ ابن كثير وحده {مَّا ءَاتَيْتُم } مقصورة الألف، والباقون {مَّا ءَاتَيْتُم } ممدودة الألف، أما المد فتقديره: ما آتيتموه المرأة أي أردتم إيتاءه وأما القصر فتقديره: ما آتيتم به، فحذف المفعولان في الأول وحذف لفظة بِه في الثاني لحصول العلم بذلك، وروى شيبان عن عاصم {مَا أُوتِيتُمْ } أي ما آتاكم الله وأقدركم عليه من الأجرة، ونظيره قوله تعالى: {أية : وَأَنفِقُواْ مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ } تفسير : [الحديد: 7]. المسألة الثانية: ليس التسليم شرطاً للجواز والصحة، وإنما هو ندب إلى الأولى والمقصود منه أن تسليم الأجرة إلى المرضعة يداً بيد حتى تكون طيبة النفس راضية فيصير ذلك سبباً لصلاح حال الصبـي، والاحتياط في مصالحه، ثم إنه تعالى ختم الآية بالتحذير، فقال: {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ }.
القرطبي
تفسير : وفيه ثمان عشرة مسألة: الأُولىٰ ـ قوله تعالىٰ: {وَٱلْوَالِدَاتُ} ٱبتداء. {يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ} في موضع الخبر. {حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ} ظرف زمان. ولما ذكر الله سبحانه النكاح والطلاق ذكر الولد؛ لأن الزوجين قد يفترقان وثَمّ ولد؛ فالآية إذاً في المطلّقات اللاّتي لهنّ أولاد من أزواجهنّ، قاله السدّيّ والضحاك وغيرهما، أي هنّ أحق برضاع أولادهنّ من الأجنبيات لأنهنّ أحْنَى وأرقّ، وٱنتزاع الولدِ الصغير إضرارٌ به وبها، وهذا يدل على أن الولد وإن فُطِم فالأُمّ أحق بحضانته لفضل حنوّها وشفقتها؛ وإنما تكون أحقّ بالحضانة إذا لم تتزوّج على ما يأتي. وعلى هذا يُشكِل قوله: {وَعلَى ٱلْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ} لأن المطلقة لا تستحق الكسوة إذا لم تكن رجعية بل تستحق الأُجرة إلاَّ أن يُحمل على مكارم الأخلاق فيقال: الأولىٰ ألاَّ تنقص الأُجرة عما يكفيها لَقُوتها وكسوتها. وقيل: الآية عامّة في المطلَّقات اللواتي لهنّ أولاد وفي الزوجات. والأظهر أنها في الزوجات في حال بقاء النكاح؛ لأنهنّ المستحقات للنفقة والكسوة؛ والزوجة تستحق النفقة والكسوة أرضعت أو لم ترضع؛ والنفقة والكسوة مقابلة التمكين، فإذا اشتغلت بالإرضاع لم يكمل التمكين؛ فقد يُتوهّم أن النفقة تسقط فأزال ذلك الوهم بقوله تعالىٰ: {وَعلَى ٱلْمَوْلُودِ لَهُ} أي الزوج {رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ} في حال الرضاع لأنه ٱشتغال في مصالح الزوج، فصارت كما لو سافرت لحاجة الزوج بإذنه فإن النفقة لا تسقط. الثانية ـ قوله تعالىٰ: {يُرْضِعْنَ} خبر معناه الأمر على الوجوب لبعض الوالدات، وعلى جهة الندب لبعضهنّ على ما يأتي. وقيل: هو خبر عن المشروعية كما تقدّم. الثالثة ـ وٱختلف الناس في الرّضاع هل هو حق للأُمّ أو هو حق عليها؛ واللفظ محتمل؛ لأنه لو أراد التصريح بكونه عليها لقال: وعلى الوالدات رضاع أولادهنّ كما قال تعالىٰ: {وَعلَى ٱلْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ} ولكن هو عليها في حال الزوجية، وهو عرف يلزم إذ قد صار كالشرط، إلاَّ أن تكون شريفة ذات ترفهٍ فعُرفها ألا ترضِع وذلك كالشرط. وعليها إن لم يقبل الولد غيرها واجبٌ، وهو عليها إذا عدم لاختصاصها به. فإن مات الأب ولا مال للصبيّ فمذهب مالك في «المدوّنة» أن الرضاع لازم للأم بخلاف النفقة. وفي كتاب ٱبن الجلاب: رضاعه في بيت المال. وقال عبد الوهاب: هو فقير من فقراء المسلمين. وأما المطلقة طلاق بينونة فلا رضاع عليها، والرضاع على الزوج إلاَّ أن تشاء هي؛ فهي أحق بأُجرة المِثل؛ هذا مع يسر الزوج فإن كان معدِماً لم يلزمها الرضاع إلاَّ أن يكون المولود لا يقبل غيرها فتُجْبَر حينئذٍ على الإرضاع. وكل من يلزمها الإرضاع فإن أصابها عذر يمنعها منه عاد الإرضاع على الأب. وروي عن مالك أن الأب إذا كان معدِماً ولا مال للصبيّ أن الرضاع على الأُمّ؛ فإن لم يكن لها لبن ولها مال فالإرضاع عليها في مالها. قال الشافعي: لا يلزم الرضاع إلاَّ والداً أو جداً وإن علا؛ وسيأتي ما للعلماء في هذا عند قوله تعالىٰ: {وَعَلَى ٱلْوَارِثِ مِثْلُ ذٰلِكَ}. يُقال: رضِع يَرْضَعَ رَضاعة ورضاعا، ورضَع يَرْضِع رِضاعاً ورَضاعة (بكسر الراء في الأوّل وفتحها في الثاني) وٱسم الفاعل راضع فيهما. والرَّضاعة: اللؤم (مفتوح الراء لا غير). الرابعة ـ قوله تعالىٰ: {حَوْلَيْنِ} أي سنتين، من حال الشيء إذا ٱنقلب؛ فالحول منقلب من الوقت الأوّل إلى الثاني. وقيل: سُمِّي العام حولاً لاستحالة الأُمور فيه في الأغلب. {كَامِلَيْنِ} قيد بالكمال لأن القائل قد يقول: أقمت عند فلان حولين وهو يريد حولاً وبعض حول آخر؛ قال الله تعالىٰ: {أية : فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ} تفسير : [البقرة؛ 203] وإنما يتعجل في يوم وبعض الثاني. وقوله تعالىٰ: {لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ ٱلرَّضَاعَةَ} دليل على أن إرضاع الحولين ليس حتماً فإنه يجوز الفِطام قبل الحولين، ولكنه تحديد لقطع التنازع بين الزوجين في مدّة الرّضاع، فلا يجب على الزوج إعطاءُ الأُجرة لأكثر من حولين. وإن أراد الأب الفَطْم قبل هذه المدة ولم ترض الأمّ لم يكن له ذلك. والزيادة على الحولين أو النقصان إنما يكون عند عدم الإضرار بالمولود وعند رضا الوالدين. وقرأ مجاهد وٱبن مُحَيْصِنْ «لمن أراد أن تُتِمَّ الرّضاعةُ» بفتح التاء ورفع «الرّضاعة» على إسناد الفعل إليها. وقرأ أبو حَيْوَة وابن أبي عَبْلَة والجارود بن أبي سَبْرَة بكسر الراء من «الرّضاعة» وهي لغة كالحَضارة والحِضارة. وروي عن مجاهد أنه قرأ «الرضعة» على وزن الفعلة. ورُوي عن ٱبن عباس أنه قرأ «أن يكمل الرضاعة». النحاس: لا يعرف البصريون «الرّضاعة» إلاَّ بفتح الراء، ولا «الرضاع» إلاَّ بكسر الراء؛ مثل القتال. وحكى الكوفيون كسر الراء مع الهاء وفتحَها بغير هاء. الخامسة ـ ٱنتزع مالك رحمه الله تعالىٰ ومن تابعه وجماعة من العلماء من هذه الآية أن الرّضاعة المحرِّمة الجارية مجَرى النّسب إنّما هي ما كان في الحولين؛ لأنه بٱنقضاء الحَوْلين تمَّت الرضاعةُ، ولا رضاعة بعد الحولين معتبرةً. هذا قوله في موطّئه، وهي رواية محمد بن عبد الحَكَم عنه، وهو قول عمر وٱبن عباس، ورُوي عن ٱبن مسعود، وبه قال الزهري وقتادة والشعبيّ وسفيان الثوريّ والأوزاعيّ والشافعيّ وأحمد وإسحاق وأبو يوسف ومحمد وأبو ثور. ورَوى ٱبنُ عبد الحكم عنه الحولين وزيادة أيام يسيرة. عبدُ الملك: كالشهر ونحوِه. ورَوى ٱبن القاسم عن مالك أنه قال: الرّضاع الحولين والشهرين بعد الحولين، وحكى عنه الوليد بن مسلم أنه قال: ما كان بعد الحولين من رَضاع بشهر أو شهرين أو ثلاثة فهو من الحولين، وما كان بعد ذلك فهو عبثٌ. وحُكي عن النعمان أنه قال: وما كان بعد الحولين إلى ستة أشهر فهو رضاع؛ والصحيح الأوّل لقوله تعالىٰ: {وَٱلْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ} وهذا يدل على ألاَّ حكم لما ٱرتضع المولود بعد الحولين. وروى سفيان عن عمرو بن دينار عن ٱبن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا رضاع إلاَّ ما كان في الحولين»تفسير : . قال الدراقطنِيّ: لم يسنده عن ٱبن عيينة غيرُ الهَيْثَمْ بن جميل، وهو ثقة حافظ. قلت: وهذا الخبر مع الآية والمعنى، ينفي رضاعة الكبير وأنه لا حرمة له. وقد رُوي عن عائشة القول به. وبه يقول الليث بن سعد من بين العلماء. ورُوي عن أبي موسى الأشعريّ أنه كان يرى رضاع الكبير. وروي عنه الرجوع عنه. وسيأتي في سورة «النساء» مبَيَّنا إن شاء الله تعالى. السادسة ـ قال جمهور المفسرين: إن هذين الحولين لكل ولد. وروي عن ٱبن عباس أنه قال: هي في الولد يمكث في البطن شتة أشهر، فإن مكث سبعة أشهر فرضاعه ثلاثة وعشرون شهراً، فإن مكث ثمانية أشهر فرضاعه ٱثنان وعشرون شهراً، فإن مكث تسعة أشهر فرضاعه أحد وعشرون شهراً؛ لقوله تعالى: {أية : وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاَثُونَ شَهْراً} تفسير : [الأحقاف: 15]. وعلى هذا تتداخل مدّة الحمل ومدّة الرّضاع ويأخذ الواحد من الآخر. السابعة ـ قوله تعالى: {وَعلَى ٱلْمَوْلُودِ لَهُ} أي وعلى الأب. ويجوز في العربية «وعلى المولود لهم» كقوله تعالى: {أية : وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ}تفسير : [يونس: 42] لأن المعنى وعلى الذي ولد له و «الذي» يعبر به عن الواحد والجمع كما تقدّم. الثامنة ـ قوله تعالى: {رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ} الرزق في هذا الحكم الطعام الكافي، وفي هذا دليل على وجوب نفقة الولد على الوالد لضعفه وعجزه. وسماه الله سبحانه للأُمّ؛ لأن الغذاء يصل إليه بواسطتها في الرّضاع كما قال: {أية : وَإِن كُنَّ أُوْلاَتِ حَمْلٍ فَأَنفِقُواْ عَلَيْهِنَّ}تفسير : [الطلاق: 6] لأن الغذاء لا يصل إلا بسببها. وأجمع العلماء على أن على المرء نفقة ولده الأطفال الذين لا مال لهم. حديث : وقال صلى الله عليه وسلم لهند بنت عتبة وقد قالت له: إن أبا سفيان رجل شحيحٌ وإنه لا يعطيني من النفقة ما يكفيني ويكفي بنيّ إلاّ ما أخذت من ماله بغير علمه فهل عليّ في ذلك جناح؟ فقال ـ: «خذِي ما يكفيك وولدكِ بالمعروف»تفسير : . والكسوة: اللباس. وقوله: «بالمعروف» أي بالمتعارف في عرف الشرع من غير تفريط ولا إفراط. ثم بيّن تعالى أن الإنفاق على قدر غِنَى الزوج ومَنْصِبها من غير تقدير مُدٍّ ولا غيره بقوله تعالى: {لاَ تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا} على ما يأتي بيانه في الطلاق إن شاء الله تعالى. وقيل المعنى: أي لا تُكلَّف المرأةُ الصبرَ على التقتير في الأُجرة، ولا يكلف الزوج ما هو إسراف بل يراعي القصد. التاسعة ـ في هذه الآية دليل لمالكٍ على أن الحضانة للأُم؛ فهي في الغلام إلى البلوغ، وفي الجارية إلى النكاح؛ وذلك حق لها، وبه قال أبو حنيفة. وقال الشافعيّ: إذا بلغ الولد ثمان سنين وهو سنّ التمييز، خُيِّر بين أبويْه، فإنه في تلك الحالة تتحرّك همته لتعلم القرآن والأدب ووظائف العبادات، وذلك يستوي فيه الغلام والجارية. وروَى النسائيّ وغيره عن أبي هريرة حديث : أن ٱمرأةً جاءت إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم فقالت له: زوجي يريد أن يذهب بٱبني، فقال له النبيّ صلى الله عليه وسلم: «هذا أبوك وهذه أُمّك فخذ أيهما شئت» فأخذ بيد أُمّهتفسير : . وفي كتاب أبي داود عن أبي هريرة قال: حديث : جاءت ٱمرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا قاعد عنده فقالت: يا رسول الله، إن زوجي يريد أن يذهب بٱبني، وقد سقاني من بئر أبي عِنَبَة، وقد نفعني، فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «1649;سْتَهِما عليه» فقال زوجها: من يحاقّنِي في ولدي! فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «هذا أبوك وهذه أُمك فخذ بيد أحدهما شئت» فأخذ بيد أُمّه فٱنطلقت بهتفسير : . ودليلنا ما رواه أبو داود عن الأُوزاعيّ قال: حدّثني عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه عبد الله بن عمرو حديث : أن ٱمرأة جاءت إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، إن ٱبني هذا كان بطني له وِعاءً، وثديي له سِقاءً، وحِجري له حِواء، وإن أباه طلقني وأراد أن ينتزعه مني؛ فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أنت أحق به ما لم تنكحي»تفسير : . قال ٱبن المنذر: أجمع كل من يُحفظ عنه من أهل العلم على أن الزوجين إذا ٱفترقا ولهما ولد أن الأُمّ أحق به ما لم تنكح. وكذا قال أبو عمر: لا أعلم خلافاً بين السلف من العلماء في المرأة المطلقة إذا لم تتزوّج أنها أحق بولدها من أبيه ما دام طفلاً صغيراً لا يميز شيئاً إذا كان عندها في حِرز وكفاية ولم يثبت فيها فسق ولا تبرج. ثم ٱختلفوا بعد ذلك في تخييره إذا ميز وعقل بين أبيه وأُمه وفيمن هو أولى به؛ قال ٱبن المنذر: وثبت أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قضى في ٱبنة حمزة للخالة من غير تخيير. روى أبو داود عن عليّ قال: حديث : خرج زيد بن حارثة إلى مكة فقدِم بٱبنة حمزة، فقال جعفر: أنا آخذها أنا أحقّ بها، ٱبنة عمي وخالتها عندي والخالة أُمّ. فقال عليّ: أنا أحق بها، ٱبنة عمي وعندي ٱبنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي أحق بها. فقال زيد: أنا أحق بها، أنا خرجت إليها وسافرت وقدمت بها. فخرج النبيّ صلى الله عليه وسلم فذكر حديثاً قال: «وأما الجارية فأقضِي بها لجعفر تكون مع خالتها وإنما الخالة أُمّ»».تفسير : العاشرة ـ قال ٱبن المنذر: وقد أجمع كل من يُحفظ عنه من أهل العلم على ألاّ حق للأُمّ في الولد إذا تزوّجت. قلت: كذا قال في كتاب الأشراف له. وذكر القاضي عبد الوهاب في شرح الرسالة له عن الحسن أنه لا يسقط حقها من الحضانة بالتزوّج. وأجمع مالك والشافعيّ والنعمان وأبو ثور على أن الجدّة أم الأُم أحق بحضانة الولد. وٱختلفوا إذا لم يكن لها أُمّ وكان لها جدة هي أُم الأب فقال مالك: أُم الأبِ أحق إذا لم يكن للصبيّ خالة. وقال ٱبن القاسم قال مالك: وبلغني ذلك عنه أنه قال: الخالة أولى من الجدة أم الأب. وفي قول الشافعيّ والنعمان: أم الأب أحق من الخالة. وقد قيل: إن الأب أولى بٱبنه من الجدّة أم الأب. قال أبو عمر: وهذا عندي إذا لم يكن له زوجة أجنبية. ثم الأُخت بعد الأب ثم العمة. وهذا إذا كان كل واحد من هؤلاء مأموناً على الولد، وكان عنده في حِرز وكفاية؛ فإذا لم يكن كذلك لم يكن له حق في الحضانة، وإنما ينظر في ذلك إلى من يحوط الصبيّ ومن يحسن إليه في حفظه وتعلُّمه الخير. وهذا على قول من قال إن الحضانة حق الولد؛ وقد روي ذلك عن مالك وقال به طائفة من أصحابه؛ وكذلك لا يرون حضانة لفاجرة ولا لضعيفة عاجزة عن القيام بحق الصبيّ لمرض أو زمانة. وذكر ٱبن حبيب عن مطرِّف وٱبن الماجشون عن مالك أن الحضانة للأُم ثم الجدّة للأُم ثم الخالة ثم الجدّة للأب ثم أُخت الصبيّ ثم عمّة الصبيّ ثم ٱبنة أخي الصبي ثم الأب. والجدّة للأب أولى من الأُخت والأُخت أولى من العمَّة والعمة أولى ممن بعدها، وأولى من جميع الرجال الأولياء. وليس لابنة الخالة ولا لابنة العمة ولا لبنات أخوات الصبي من حضانته شيءٌ. فإذا كان الحاضن لا يُخاف منه على الطفل تضييع أو دخول فساد كان حاضناً له أبداً حتى يبلغ الحُلُم. وقد قيل: حتى يثغر، وحتى تتزوّج الجارية، إلا أن يريد الأب نقلة سفر وإيطان فيكون حينئذ أحقّ بولده من أُمّه وغيرها إن لم ترد الانتقال. وإن أراد الخروج لتجارة لم يكن له ذلك. وكذلك أولياء الصبيّ الذين يكون مآله إذا ٱنتقلوا للاستيطان. وليس للأُمّ أن تنقل ولدها عن موضع سكنى الأب إلا فيما يقرب نحو المسافة التي لا تقصر فيها الصلاة. ولو شرط عليها في حين ٱنتقاله عن بلدها أنه لا يترك ولده عندها إلا أن تلتزم نفقته ومئونته سنين معلومة فإن التزمت ذلك لزمها: فإن ماتت لم تتبع بذلك ورثتها في تركتها. وقد قيل: ذلك دَيْن يؤخذ من تركتها؛ والأوّل أصح إن شاء الله تعالى؛ كما لو مات الولد أو كما لو صالحها على نفقة الحمل والرضاع فأسقطت لم تتبع بشيء من ذلك. الحادية عشرة: إذا تزوّجت الأُم لم ينزع منها ولدها حتى يدخل بها زوجها عند مالك. وقال الشافعيّ: إذا نكحت فقد ٱنقطع حقها. فإن طلقها لم يكن لها الرجوع فيه عند مالك في الأشهر عندنا من مذهبه. وقد ذكر القاضي إسماعيل وذكره ٱبن خويزِ منداد أيضاً عن مالك أنه ٱختلف قوله في ذلك؛ فقال مرة: يردّ إليها. وقال مرة: لا يردّ. قال ٱبن المنذر: فإذا خرجت الأُم عن البلد الذي به ولدها ثم رجعت إليه فهي أحق بولدها في قول الشافعيّ وأبي ثور وأصحاب الرأي. وكذلك لو تزوّجت ثم طلقت أو توفى عنها زوجها رجعت في حقها من الولد. قلت وكذلك قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب؛ فإن طلقها الزوج أو مات عنها كان لها أخذه لزوال العذر الذي جاز له تركه. الثانية عشرة ـ فإن تركت المرأة حضانة ولدها ولم ترِد أخذه وهي فارغة غير مشغولة بزوج ثم أرادت بعد ذلك أخذه نظر لها؛ فإن كان تركها له من عذر كان لها أخذه، وإن كانت تركته رفضا له ومقتا لم يكن لها بعد ذلك أخذه. الثالثة عشرة ـ وٱختلفوا في الزوجين يفترقان بطلاق والزوجة ذمّية؛ فقالت طائفة: لا فرق بين الذمّية والمسلمة وهي أحق بولدها؛ هذا قول أبي ثور وأصحابِ الرأي وٱبنِ القاسم صاحبِ مالك. قال ٱبن المنذر: وقد روينا حديثاً مرفوعاً موافقاً لهذا القول؛ وفي إسناده مقال. وفيه قول ثان أن الولد مع المسلم منهما؛ هذا قول مالك وسوّار وعبد الله ابن الحسن، وحكي ذلك عن الشافعيّ. وكذلك ٱختلفوا في الزوجين يفترقان؛ أحدهما حر والآخر مملوك؛ فقالت طائفة: الحرّ أولى؛ هذا قول عطاء والثوريّ والشافعيّ وأصحابِ الرأي. وقال مالك: في الأب إذا كان حراً وله ولد حر والأم مملوكة: إن الأم أحق به إلا أن تباع فتنتقل فيكون الأب أحق به. الرابعة عشرة ـ قوله تعالى: {لاَ تُضَآرَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلاَ مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ} المعنى: لا تأبى الأُمّ أن ترضعه إضراراً بأبيه أو تطلب أكثر من أجر مثلها، ولا يحل للأب أن يمنع الأُم من ذلك مع رغبتها في الإرضاع؛ هذا قول جمهور المفسرين. وقرأ نافع وعاصم وحمزة والكسائي «تضار» بفتح الراء المشدّدة وموضعه جزم على النهي؛ وأصله لا تضارر على الأصل، فأدغمت الراء الأُولى في الثانية وفتحت الثانية لالتقاء الساكنين؛ وهكذا يفعل في المضاعَف إذا كان قبله فتح أو ألف؛ تقول: عض يا رجل، وصار فلانا يا رجل. أي لا ينزع الولد منها إذا رضيت بالإرضاع وألِفَها الصبيُّ. وقرأ أبو عمرو وٱبن كثير وأبان عن عاصم وجماعة «تضار» بالرفع عطفا على قوله: «تكلف نفس» وهو خبر والمراد به الأمر. وروى يونس عن الحسن قال يقول: لا تضارّ زوجها، تقول: لا أُرضعه؛ ولا يضارّها فينزعه منها وهي تقول: أنا أرضعه. ويحتمل أن يكون الأصل «تضارِر» بكسر الراء الأُولى؛ ورواها أبان عن عاصم، وهي لغة أهل الحجاز. فـ «والدة» فاعله؛ ويحتمل أن يكون «تُضَارَر» فـ «والدة» مفعول ما لم يسم فاعله. وروي عن عمر ابن الخطاب رضي الله عنه أنه قرأ «لا تُضَارَر» براءين الأُولى مفتوحة. وقرأ أبو جعفر بن القعقاع «تُضَارْ» بإسكانِ الراء وتخفيفها. وكذلك «لا يُضَارْ كَاتبٌ» وهذا بعيد لأن المثلين إذا إجتمعا وهما أصليان لم يجز حذف أحدهما للتخفيف؛ فإما الإدغام وإما الإظهار. وروي عنه الإسكان والتشديد. وروي عن ٱبن عباس والحسن «لا تضارِر» بكسر الراء الأُولى. الخامسة عشرة ـ قوله تعالى: {وَعَلَى ٱلْوَارِثِ مِثْلُ ذٰلِكَ} هو معطوف على قوله: «وعَلَى الْمَوْلُودِ» وٱختلفوا في تأويل قوله: {وَعَلَى ٱلْوَارِثِ مِثْلُ ذٰلِكَ} فقال قتادة والسدّي والحسن وعمر بن الخطاب رضي الله عنه: هو وارث الصبيّ أن لو مات. قال بعضهم: وارثه من الرجال خاصة يلزمه الإرضاع؛ كما كان يلزم أبا الصبيّ لو كان حياً؛ وقاله مجاهد وعطاء. وقال قتادة وغيره: هو وارث الصبيّ من كان من الرجال والنساء، ويلزمهم إرضاعه على قدر مواريثهم منه؛ وبه قال أحمد وإسحاق. وقال القاضي أبو إسحاق إسماعيل بن إسحاق في كتاب «معاني القرآن» له: فأما أبو حنيفة فإنه قال: تجب نفقة الصغير ورضاعه على كل ذِي رحِم محرم؛ مثل أن يكون رجل له ٱبن أُخت صغير محتاج وٱبن عم صغير محتاج وهو وارثه؛ فإن النفقة تجب على الخال لابن أُخته الذي لا يرثه، وتسقط عن ٱبن العم لابن عمه الوارث. قال أبو إسحاق: فقالوا قولاً ليس في كتاب الله ولا نعلم أحداً قاله. وحكى الطبريّ عن أبي حنيفة وصاحبيه أنهم قالوا: الوارث الذي يلزمه الإرضاع هو وارثه إذا كان ذا رحِم محرم منه؛ فإن كان ٱبن عم وغيره ليس بذي رحِم محرم فلا يلزمه شيء. وقيل: المراد عصبة الأب عليهم النفقة والكسوة. قال الضحاك: إن مات أبو الصبيّ وللصبيّ مال أخذ رضاعه من المال، وإن لم يكن له مال أخذ من العصبة، وإن لم يكن للعصبة مال أجبرت الأُم على إرضاعه. وقال قبيصة بن ذؤيب والضحاك وبشير بن نصر قاضي عمر بن عبد العزيز: الوارث هو الصبيّ نفسه؛ وتأوّلوا قوله: «وعلى الوارِثِ» المولودِ، مثل ما على المولود له، أي عليه في ماله إذا ورِث أباه إرضاعُ نفسه. وقال سفيان: الوارث هنا هو الباقي من والدي المولود بعد وفاة الآخر منهما؛ فإن مات الأب فعلى الأُم كفاية الطفل إذا لم يكن له مال، ويشاركها العاصب في إرضاع المولود على قدر حظِّه من الميراث. وقال ٱبن خُوَيْزِ مَنْدَاد: ولو كان اليتيم فقيراً لا مال له، وجب على الإمام القيام به من بيت المال؛ فإن لم يفعل الإمام وجب ذلك على المسلمين، الأخصِّ به فالأخص؛ والأُمّ أخص به فيجب عليها إرضاعه والقيام به، ولا ترجع عليه ولا على أحد. والرضاع واجب والنفقة ٱستحباب: ووجه الاستحباب قوله تعالى: {وَٱلْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ} وواجب على الأزواج القيام بهنّ؛ فإذا تعذر ٱستيفاء الحق لهنّ بموت الزوج أو إعساره لم يسقط الحقُّ عنهنّ؛ ألا ترى أن العدّة واجبةٌ عليهنّ والنفقة والسكنى على أزواجهنّ، وإذا تعذرت النفقة لهن لم تسقط العدّة عنهنّ. وروى عبد الرحمن بن القاسم في الأسدية عن مالك بن أنس رحمه الله أنه قال: لا يلزم الرجل نفقة أخٍ ولا ذِي قرابة ولا ذِي رحِم منه. قال: وقول الله عز وجل {وَعَلَى ٱلْوَارِثِ مِثْلُ ذٰلِكَ} هو منسوخ. قال النحاس: هذا لفظ مالك، ولم يبيِّن ما الناسخ لها ولا عبد الرحمن ابن القاسم، ولا علمت أن أحداً من أصحابهم بيّن ذلك؛ والذي يشبه أن يكون الناسخ لها عنده والله أعلم، أنه لما أوجب الله تعالى للمتوفي عنها زوجها من مال المتوفى نفقةَ حول والسُّكنَى ثم نسخ ذلك ورفعه؛ نسخ ذلك أيضاً عن الوارث. قلت: فعلى هذا تكون النفقة على الصبيّ نفسه من ماله، لا يكون على الوارث منها شيء على ما يأتي. قال ٱبن العربي: قوله {وَعَلَى ٱلْوَارِثِ مِثْلُ ذٰلِكَ} قال ٱبن القاسم عن مالك هي منسوخة؛ وهذا كلام تشْمَئزّ منه قلوبُ الغافلين، وتحتار فيه ألباب الشاذِّين، والأمر فيه قريب! وذلك أن العلماء المتقدّمين من الفقهاء والمفسرين كانوا يُسمّون التخصيصَ نسخاً؛ لأنه رفع لبعض ما يتناوله العموم مسامَحةً، وجرى ذلك في ألسنتهم حتى أشكل ذلك على من بعدهم، وتحقيق القول فيه: أن قوله تعالى: {وَعَلَى ٱلْوَارِثِ مِثْلُ ذٰلِكَ} إشارة إلى ما تقدّم؛ فمن الناس من ردّه إلى جميعه من إيجاب النفقة وتحريم الإضرار، منهم أبو حنيفة من الفقهاء، ومن السلف قتادة والحسن ويسند إلى عمر. وقالت طائفة من العلماء: إن معنى قوله تعالى: {وَعَلَى ٱلْوَارِثِ مِثْلُ ذٰلِكَ} لا يرجع إلى جميع ما تقدّم، وإنما يرجع إلى تحريم الإضرار؛ والمعنى: وعلى الوارث من تحريم الإضرار بالأُم ما على الأب؛ وهذا هو الأصل، فمن ٱدّعى أنه يرجع العطف فيه إلى جميع ما تقدّم فعليه الدليل. قلت: قوله «وهذا هو الأصل» يريد في رجوع الضمير إلى أقرب مذكور، وهو صحيح؛ إذ لو أراد الجميع الذي هو الإرضاع والإنفاق وعدم الضرر لقال: وعلى الوارث مثل هؤلاء؛ فدل على أنه معطوف على المنع من المضارّة؛ وعلى ذلك تأوّله كافّة المفسرين فيما حكى القاضي عبد الوهاب، وهو أن المراد به أن الوالدة لا تضارّ ولدها في أن الأب إذا بَذَل لها أجرة المثل ألاّ ترضعه، {وَلاَ مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ} في أن الأُم إذا بذلت أن ترضعه بأجرة المثل كان لها ذلك؛ لأنّ الأُمّ أرفق وأحنّ عليه، ولبنها خير له من لبن الأجنبية. قال ٱبن عطية: وقال مالك رحمه الله وجميع أصحابه والشعبيّ أيضاً والزهريّ والضحاك وجماعة من العلماء: المراد بقوله «مثل ذلك» ألاّ تُضَارّ؛ وأما الرزق والكسوة فلا يجب شيء منه. وروى ٱبن القاسم عن مالك أن الآية تضمنت أن الرزق والكسوة على الوارث، ثم نسخ ذلك بالإجماع من الأُمّة في ألاّ يضارّ الوارث؛ والخلاف هل عليه رزق وكسوة أم لا. وقرأ يحيى بن يعمر «وعلى الْوَرَثَةِ» بالجمع، وذلك يقتضي العموم؛ فإن ٱستدلوا بقوله عليه السلام. «حديث : لا يقبل الله صدقة وذو رحم محتاج»تفسير : قيل لهم الرحم عموم في كل ذي رحِم، مَحْرَماً كان أو غير محرم، ولا خلاف أن صرف الصدقة إلى ذي الرَّحِم أولى لقوله عليه السلام: «حديث : اجعلها في الأقربين»تفسير : فحمل الحديث على هذا، ولا حجة فيه على ما راموه؛ والله أعلم. وقال النحاس: وأما قول من قال {وَعَلَى ٱلْوَارِثِ مِثْلُ ذٰلِكَ} ألاّ يُضَارّ فقول حسن؛ لأن أموال الناس محظورة فلا يخرج شيء منها إلا بدليل قاطع. وأما قول من قال على ورثة الأب فالحجة أن النفقة كانت على الأب، فورثته أُولى من ورثة الابن. وأما حجة من قال على ورثة الابن فيقول: كما يرثونه يقومون به. قال النحاس: وكان محمد بن جرير يختار قول من قال الوارث هنا الابن؛ وهو وإن كان قولاً غريباً فالاستدلال به صحيح والحجة به ظاهرة؛ لأنّ ماله أولى به. وقد أجمع الفقهاء إلاّ من شَذّ منهم أن رجلاً لو كان له ولد طفل وللوَلد مال، والأب موسر أنه لا يجب على الأب نفقة ولا رضاع، وأن ذلك من مال الصبي. فإن قيل: قد قال الله عز وجل {وَعلَى ٱلْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ}؛ قيل: هذا الضمير للمؤنث، ومع هذا فإن الإجماع حَدٌّ للآية مبيِّن لها، لا يسع مسلماً الخروج عنه. وأما من قال: ذلك على من بقي من الأبوين، فحجته أنه لا يجوز للأُم تضييع ولدها، وقد مات من كان ينفق عليه وعليها. وقد ترجم البخاريّ على رد هذا القول «باب ـ وعلى الوارث مثل ذلك، وهل على المرأة منه شيء» وساق حديث أُمّ سَلَمَة وهِنْد. والمعنى فيه: أن أُمّ سلمة كان لها أبناء من أبي سلمة ولم يكن لهم مال. فسألتِ النبيّ صلى الله عليه وسلم فأخبرها أن لها في ذلك أجْراً. فدل هذا الحديث على أن نفقة بنيها لا تجب عليها، ولو وجبت عليها لم تقل للنبيّ صلى الله عليه وسلم: ولستُ بتاركتهم. وأما حديث هند فإن النبيّ صلى الله عليه وسلم أطلقها على أخذ نفقتها ونقة بنيها من مال الأب، ولم يوجبها عليها كما أوجبها على الأب. فٱستدل البخاريّ من هذا على أنه لما لم يلزم الأُمهاتِ نفقات الأبناء في حياة الآباء فكذلك لا يلزمهنّ بموت الآباء. وأما قول من قال إن النفقة والكسوة على كل ذي رحِم محرَم فحجته أن على الرجل أن ينفق على كل ذي رحِم محرم إذا كان فقيراً. قال النحاس: وقد عُورِضَ هذا القول بأنه لم يؤخذ من كتاب الله تعالى ولا من إجماعٍ ولا من سنة صحيحة، بل لا يعرف من قولٍ سوى ما ذكرناه. فأما القرآن فقد قال الله عز وجل: {وَعَلَى ٱلْوَارِثِ مِثْلُ ذٰلِكَ} فإن كان على الوارث النفقة والكسوة فقد خالفوا ذلك فقالوا: إذا ترك خاله وٱبن عمه فالنفقة على خاله وليس على ٱبن عمه شيء؛ فهذا مخالف نصّ القرآن لأن الخال لا يرث مع ٱبن العم في قول أحد، ولا يرث وحده في قول كثير من العلماء، والذي ٱحتجوا به من النفقة على كل ذي رحِم محرَم، أكثر أهل العلم على خلافه. السادسة عشرة ـ قوله تعالى: {فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً} الضمير في «أرَادَا» للوالدين. و «فِصَالاً» معناه فِطاماً عن الرضاع، أي عن الاغْتِذَاء بلبن أُمّه إلى غيره من الأقوات. والفِصَالُ والفَصل: الفِطام؛ وأصله التفريق، فهو تفريق بين الصبيّ والثّدي؛ ومنه سُمِّي الفَصِيل؛ لأنه مفصول عن أُمه. {عَن تَرَاضٍ مِّنْهُمَا} أي قبل الحولين. {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا} أي في فصله؛ وذلك أن الله سبحانه لما جعل مدّة الرضاع حولين بَيَّن أن فطامهما هو الفطام، وفصالهما هو الفصال ليس لأحد عنه مَنْزَع؛ إلاّ أن يتفق الأبوان على أقل من ذلك العدد من غير مضارّة بالولد؛ فذلك جائز بهذا البيان. وقال قتادة: كان الرضاع واجباً في الحولين وكان يحرم الفطام قبله، ثم خُفِّف وأبيح الرضاع أقل من الحولين بقوله: {فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً} الآية. وفي هذا دليل على جواز الاجتهاد في الأحكام بإباحة الله تعالى للوالدين التشاوُر فيما يؤدّي إلى صلاح الصغير؛ وذلك موقوف على غالب ظنونهما لا على الحقيقة واليقين، والتشاوُر: ٱستحراج الرأي، وكذلك المشاوَرة، والمُشورَة كالمعونة، وشَرْت العسل: ٱستخرجته، وشُرْت الدابة وشوّرتها أي أجريتها لاستخراج جريها، والشِّوَار: متاع البيت؛ لأنه يظهر للناظر، والشّارة: هيئة الرجل، والإشارة: إخراج ما في نفسك وإظهاره. السابعة عشرة ـ قول تعالى: {وَإِنْ أَرَدتُّمْ أَن تَسْتَرْضِعُوۤاْ أَوْلاَدَكُمْ} أي لأولادكم غير الوالدة؛ قاله الزجاج. قال النحاس: التقدير في العربية أن تسترضعوا أجنبية لأولادكم؛ مثل {أية : كَالُوهُمْ أَوْ وَّزَنُوهُمْ}تفسير : [المطففين: 3] أي كالوا لهم أو وزنوا لهم؛ وحذفت اللام لأنه يتعدى إلى مفعولين أحدهما بحرف؛ وأنشد سيبويه:شعر : أمرتُك الخيرَ فٱفعلْ ما أُمرتَ به فقد تركتُك ذا مَال وذا نَشَبِ تفسير : ولا يجوز: دعوتُ زيداً، أي دعوتُ لزيد؛ لأنه يؤدّي إلى التلبيس، فيعتبر في هذا النوع السَّماع. قلت: وعلى هذا يكون في الآية دليل على جواز ٱتخاذ الظِّئْر إذا ٱتفق الآباء والأُمهات على ذلك. وقد قال عِكرمة في قوله تعالى {لاَ تُضَآرَّ وَالِدَةٌ} معناه الظِّئْر؛ حكاه ٱبن عطية. والأصل أن كل أُمٍّ يلزمها رضاع ولدها كما أخبر الله عز وجل؛ فأمر الزوجات بإرضاع أولادهن، وأوجب لهن على الأزواج النفقة والكسوة والزوجيةُ قائمة؛ فلو كان الرضاع على الأب لذكره مع ما ذكره من رزقهنّ وكسوتهنّ؛ إلا أن مالكاً رحمه الله دون فقهاء الأمصار ٱستثنى الحسيبة فقال: لا يلزمها رضاعة؛ فأخرجها من الآية وخصصها بأصل من أُصول الفقه وهو العمل بالعادة. وهذا أصل لم يتفطَّن له إلا مالك. والأصل البديع فيه أن هذا أمر كان في الجاهلية في ذوى الحَسَب وجاء الإسلام فلم يغيره؛ وتَمَادى ذوو الثَّرْوَة والأحساب على تفريغ الأُمّهات للمُتْعَة بدفع الرُّضَعاء للمراضع إلى زمانه فقال به، وإلى زماننا فتحققناه شرعاً. الثامنة عشرة ـ قوله تعالى: {إِذَا سَلَّمْتُم} يعني الآباء، أي سلمتم الأُجرة إلى المرضعة الظِّئْر؛ قاله سفيان. مجاهد: سلّمتم إلى الأُمهات أجرهن بحساب ما أرضعن إلى وقت إرادة الاسترضاع. وقرأ الستة من السبعة «مَا آتَيْتُمْ» بمعنى ما أعطيتم. وقرأ ٱبن كثير «أَتَيْتُمْ» بمعنى ما جئتم وفعلتم؛ كما قال زُهَيْر:شعر : وما كان مِنْ خَيْرٍ أتَوْهُ فإنما توارثَه آباءُ آبائهم قَبْلُ تفسير : قال قتادة والزهريّ: المعنى سلّمتُم ما أتَيْتُم من إرادة الاسترضاع، أي سلم كل واحد من الأبويْن ورَضيَ؛ وكان ذلك على ٱتفاق منهما وقصدِ خير وإرادةِ معروف من الأمر. وعلى هذا الاحتمال فيدخل في الخطاب «سلمتم» الرجال والنساء، وعلى القولين المتقدّمين الخطاب للرجال. قال أبو عليّ: المعنى إذا سلمتم ما آتيتم نقده أو إعطاءه؛ فحذف المضاف وأُقيم الضمير مقامه، فكان التقدير: ما آتيتموه، ثم حذف الضمير من الصلة؛ وعلى هذا التأويل فالخطاب للرجال؛ لأنهم الذين يعطون أجْرَ الرضاع. قال أبو عليّ: ويحتمل أن تكون «ما» مصدرية، أي إذا سلمتم الإتيان، والمعنى كالأوّل، لكن يستغنى عن الصفة من حذف المضاف ثم حذف الضمير.
البيضاوي
تفسير : {وَٱلْوٰلِدٰتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَـٰدَهُنَّ} أمر عبر عنه بالخبر للمبالغة ومعناه الندب، أو الوجوب فيخص بما إذا لم يرتضع الصبي إلا من أمه أو لم يوجد له ظئر، أو عجز الوالد عن الاستئجار. والوالدات يعم المطلقات وغيرهن. وقيل يختص بهن إذ الكلام فيهن. {حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ} أكده بصفة الكمال لأنه مما يتسامح فيه. {لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ ٱلرَّضَاعَةَ} بيان للمتوجه إليه الحكم أي ذلك لمن أراد إتمام الرضاعة، أو متعلق بيرضعن فإن الأب يجب عليه الإرضاع كالنفقة، والأم ترضع له. وهو دليل على أن أقصى مدة الإرضاع حولان ولا عبرة به بعدهما وأنه يجوز أن ينقص عنه. {وَعلَى ٱلْمَوْلُودِ لَهُ} أي الذي يولد له يعني الوالد، فإن الولد يولد له وينسب إليه. وتغيير العبارة للإِشارة إلى المعنى المقتضى لوجوب الإِرضاع ومؤن المرضعة عليه. {رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ} أجرة لهن، واختلف في استئجار الأم، فجوزه الشافعي، ومنعه أبو حنيفة رحمه الله تعالى ما دامت زوجة أو معتدة نكاح. {بِٱلْمَعْرُوفِ} حسب ما يراه الحاكم ويفي به وسعه. {لاَ تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا} تعليل لإِيجاب المؤن والتقييد بالمعروف، ودليل على أنه سبحانه وتعالى لا يكلف العبد بما لا يطيقه وذلك لا يمنع إمكانه. {لاَ تُضَارَّ وٰلِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلاَ مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ} تفصيل له وتقرير، أي لا يكلف كل واحد منهما الآخر ما ليس في وسعه، ولا يضاره بسبب الولد. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب {لاَ تُضَار} بالرفع بدلاً من قوله {لاَ تُكَلَّفُ}، وأصله على القراءتين تضارر بالكسر على البناء للفاعل أو الفتح على البناء للمفعول، وعلى الوجه الأول يجوز أن يكون بمعنى تضر والباء من صلته أي لا يضر الوالدان بالولد فيفرط في تعهده ويقصر فيما ينبغي له. وقرىء {لاَ تُضَار} بالسكون مع التشديد على نية الوقف وبه مع التخفيف على أنه من ضاره يضيره، وإضافة الولد إليها تارة وإليه أخرى استعطاف لهما عليه، وتنبيه على أنه حقيق بأن يتفقا على استصلاحه والإِشفاق فلا ينبغي أن يضرا به، أو أن يتضارا بسببه. {وَعَلَى ٱلْوَارِثِ مِثْلُ ذٰلِكَ} عطف على قوله وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن، وما بينهما تعليل معترض. والمراد بالوارث وارث الأب وهو الصبي أي مؤن المرضعة من ماله إذا مات الأب. وقيل الباقي من الأبوين من قوله عليه الصلاة والسلام «حديث : واجعله الوارث منا»تفسير : وكلا القولين يوافق مذهب الشافعي رحمه الله تعالى إذ لا نفقة عنده فيما عدا الولادة. وقيل وارث الطفل وإليه ذهب ابن أبي ليلى. وقيل وارثه المحرم منه، وهو مذهب أبي حنيفة. وقيل عصابته وبه قال أبو زيد وذلك إشارة إلى ما وجب على الأب من الرزق والكسوة. {فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَن تَرَاضٍ مّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ} أي فصالاً صادراً عن التراضي منهما والتشاور بينهما قبل الحولين، والتشاور والمشاورة والمشورة والمشورة استخراج الرأي، من شُرْتْ العسل إذا استخرجته. {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا} في ذلك وإنما اعتبر تراضيهما مراعاة لصلاح الطفل، وحذراً أن يقدم أحدهما على ما يَضُرُّ بِهِ لغرض أو غيره. {وَإِنْ أَرَدتُّمْ أَن تَسْتَرْضِعُواْ أَوْلَـٰدَكُمْ} أي تسترضعوا المراضع لأولادكم، يقال أرضعت المرأة الطفل واسترضعتها إياه، كقولك أنجح الله حاجتي واستنجحته إياها، فحذف المفعول الأول للاستغناء عنه. {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ} فيه وإطلاقه يدل على أن للزوج أن يسترضع الولد ويمنع الزوجة من الإرضاع. {إِذَا سَلَّمْتُم } إلى المراضع. {مَّاءاتيتم} ما أردتم إيتاءه كقوله تعالى: {أية : إِذَا قُمْتُمْ إِلَى ٱلصَّلاةِ }تفسير : [المائدة: 6] وقراءة ابن كثير {مَّا ءاتَيْتُم}، من أتى إحساناً إذا فعله. وقرىء «أوتيتم» أي ما آتاكم الله وأقدركم عليه من الأجرة. {بِٱلْمَعْرُوفِ } صلة سلمتم، أي بالوجه المتعارف المستحسن شرعاً. وجواب الشرط محذوف دل عليه ما قبله، وليس اشتراط التسليم لجواز الاسترضاع بل لسلوك ما هو الأولى والأصلح للطفل. {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ } مبالغة في المحافظة على ما شرع في أمر الأطفال والمراضع. {وَٱعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} حث وتهديد.
ابن كثير
تفسير : هذا إرشاد من الله تعالى للوالدات أن يرضعن أولادهن كمال الرضاعة، وهي سنتان، فلا اعتبار بالرضاعة بعد ذلك، ولهذا قال: {لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ ٱلرَّضَاعَةَ} وذهب أكثر الأئمة إلى أنه لا يحرم من الرضاعة إلا ما كان دون الحولين، فلو ارتضع المولود وعمره فوقهما لم يحرم. قال الترمذي: (باب ما جاء أن الرضاعة لا تحرم إلا في الصغر دون الحولين) حدثنا قتيبة، حدثنا أبو عوانة عن هشام بن عروة، عن فاطمة بنت المنذر، عن أم سلمة، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا يحرم من الرضاع إلا ما فتق الأمعاء في الثدي، وكان قبل الفطام»تفسير : هذا حديث حسن صحيح، والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وغيرهم، أن الرضاعة لا تحرم إلا ما كان دون الحولين، وما كان بعد الحولين الكاملين، فإنه لا يحرم شيئاً، وفاطمة بنت المنذر بن الزبير بن العوام، وهي امرأة هشام بن عروة. (قلت): تفرد الترمذي برواية هذا الحديث، ورجاله على شرط الصحيحين، ومعنى قوله: «حديث : إلا ما كان في الثدي»تفسير : أي: في محال الرضاعة قبل الحولين، كما جاء في الحديث الذي رواه أحمد عن وكيع، وغندر عن شعبة، عن عدي بن ثابت، عن البراء بن عازب، قال: لما مات إبراهيم بن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن ابني مات في الثدي، إن له مرضعاً في الجنة»تفسير : ، وهكذا أخرجه البخاري من حديث شعبة، وإنما قال عليه السلام ذلك؛ لأن ابنه إبراهيم عليه السلام، مات وله سنة وعشرة أشهر، فقال: إن له مرضعاً، يعني: تكمل رضاعه، ويؤيده ما رواه الدارقطني من طريق الهيثم بن جميل عن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا يحرم من الرضاع إلا ما كان في الحولين»تفسير : ثم قال: ولم يسنده عن ابن عيينة غير الهيثم بن جميل، وهو ثقة حافظ. (قلت): وقد رواه الإمام مالك في الموطأ عن ثور بن يزيد، عن ابن عباس مرفوعاً، ورواه الدراوردي عن ثور، عن عكرمة، عن ابن عباس، وزاد: «حديث : وما كان بعد الحولين فليس بشيء»تفسير : وهذا أصح. وقال أبو داود الطيالسي، عن جابر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا رضاع بعد فصال، ولا يتم بعد احتلام»تفسير : وتمام الدلالة من هذا الحديث في قوله تعالى: {أية : وَفِصَالُهُ فِى عَامَيْنِ أَنِ ٱشْكُرْ لِي}تفسير : [لقمان: 14]، وقال: {أية : وَحَمْلُهُ وَفِصَـٰلُهُ ثَلاَثُونَ شَهْرًا}تفسير : [الأحقاف: 15] والقول بأن الرضاعة لا تحرم بعد الحولين، يروى عن علي وابن عباس وابن مسعود وجابر وأبي هريرة وابن عمر وأم سلمة وسعيد بن المسيب وعطاء والجمهور، وهو مذهب الشافعي وأحمد وإسحاق والثوري وأبي يوسف ومحمد ومالك في رواية، وعنه أن مدته سنتان وشهران، وفي رواية: وثلاثة أشهر. وقال أبو حنيفة: سنتان وستة أشهر. وقال زفر بن الهذيل: ما دام يرضع فإلى ثلاث سنين، وهذا رواية عن الأوزاعي، قال مالك: ولو فطم الصبي دون الحولين، فأرضعته امرأة بعد فصاله، لم يحرم لأنه قد صار بمنزلة الطعام، وهو رواية عن الأوزاعي، وقد روي عن عمر وعلي أنهما قالا: لا رضاع بعد فصال، فيحتمل أنهما أرادا الحولين؛ كقول الجمهور؛ سواء فطم أو لم يفطم، ويحتمل أنهما أرادا الفعل؛ كقول مالك، والله أعلم. وقد روي في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها، أنها كانت ترى رضاع الكبير يؤثر في التحريم، وهو قول عطاء بن أبي رباح والليث بن سعد، وكانت عائشة تأمر بمن تختار أن يدخل عليها من الرجال لبعض نسائها، فترضعه، وتحتج في ذلك بحديث سالم مولى أبي حذيفة، حيث أمر النبي صلى الله عليه وسلم امرأة أبي حذيفة أن ترضعه، وكان كبيراً، فكان يدخل عليها بتلك الرضاعة، وأبى ذلك سائر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ورأين ذلك من الخصائص، وهو قول الجمهور، وحجة الجمهور، وهم الأئمة الأربعة، والفقهاء السبعة، والأكابر من الصحابة، وسائر أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم سوى عائشة ما ثبت في الصحيحين عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : انظرن من إخوانكن فإنما الرضاعة من المجاعة» تفسير : وسيأتي الكلام على مسائل الرضاع وفيما يتعلق برضاع الكبير، عند قوله تعالى: {أية : وَأُمَّهَـٰتُكُمُ الْلاَّتِى أَرْضَعْنَكُمْ} تفسير : [النساء: 23]. وقوله: {وَعلَى ٱلْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ} أي: وعلى والد الطفل نفقة الوالدات وكسوتهن بالمعروف، أي: بما جرت به عادة أمثالهن في بلدهن من غير إسراف ولا إقتار، بحسب قدرته في يساره، وتوسطه وإقتاره، كما قال تعالى: {أية : لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّآ ءَاتَاهُ ٱللَّهُ لاَ يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْساً إِلاَّ مَآ ءَاتَاهَا سَيَجْعَلُ ٱللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً }تفسير : [الطلاق: 7] قال الضحاك: إذا طلق زوجته، وله منها ولد، فأرضعت له ولده، وجب على الوالد نفقتها وكسوتها بالمعروف. وقوله: {لاَ تُضَآرَّ وَٰلِدَةٌ بِوَلَدِهَا} أي: بأن تدفعه عنها لتضر أباه بتربيته، ولكن ليس لها دفعه إذا ولدته حتى تسقيه اللبن الذي لا يعيش بدون تناوله غالباً، ثم بعد هذا لها دفعه عنها إذا شاءت، ولكن إن كانت مضارة لأبيه، فلا يحل لها ذلك، كما لا يحل له انتزاعه منها لمجرد الضرار لها، ولهذا قال: {وَلاَ مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ} أي: بأن يريد أن ينتزع الولد منها إضراراً بها، قاله مجاهد وقتادة والضحاك والزهري والسدي والثوري وابن زيد وغيرهم. وقوله تعالى: {وَعَلَى ٱلْوَارِثِ مِثْلُ ذٰلِكَ} قيل: في عدم الضرار؛ لقربه، قاله مجاهد والشعبي والضحاك، وقيل: عليه مثل ما على والد الطفل من الإنفاق على والدة الطفل والقيام بحقوقها وعدم الإضرار بها، وهو قول الجمهور، وقد استقصى ذلك ابن جرير في تفسيره، وقد استدل بذلك من ذهب من الحنفية والحنبلية إلى وجوب نفقة الأقارب بعضهم على بعض، وهو مروي عن عمر بن الخطاب وجمهور السلف، ويرجح ذلك بحديث الحسن عن سمرة مرفوعاً: «حديث : من ملك ذا رحم محرم، عتق عليه»تفسير : وقد ذكر أن الرضاعة بعد الحولين ربما ضرت الولد إما في بدنه أو في عقله. وقال سفيان الثوري، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة: أنه رأى امرأة ترضع بعد الحولين، فقال: لا ترضعيه. وقوله: {فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَن تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا} أي: فإن اتفق والدا الطفل على فطامه قبل الحولين، ورأيا في ذلك مصلحة له، وتشاورا في ذلك وأجمعا عليه، فلا جناح عليهما في ذلك، فيؤخذ منه أن انفراد أحدهما بذلك دون الآخر لا يكفي، ولا يجوز لواحد منهما أن يستبد بذلك من غير مشاورة الآخر، قاله الثوري وغيره، وهذا فيه احتياط للطفل وإلزام للنظر في أمره، وهو من رحمة الله بعباده حيث حجر على الوالدين في تربية طفلهما، وأرشدهما إلى ما يصلحهما ويصلحه، كما قال في سورة الطلاق: {أية : فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَـأََتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُواْ بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَإِن تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَىٰ}تفسير : [الطلاق: 6]. وقوله تعالى: {وَإِنْ أَرَدتُّمْ أَن تَسْتَرْضِعُوۤاْ أَوْلَـٰدَكُمْ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُم مَّآ ءَاتَيْتُم بِٱلْمَعْرُوفِ} أي: إذا اتفقت الوالدة والوالد على أن يستلم منها الولد، إما لعذر منها، أو لعذر له، فلا جناح عليهما في بذله، ولا عليه في قبوله منها إذا سلمها أجرتها الماضية بالتي هي أحسن، واسترضع لولده غيرها بالأجرة بالمعروف، قاله غير واحد. وقوله: {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} أي: في جميع أحوالكم {وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} أي: فلا يخفى عليه شيء من أحوالكم وأقوالكم.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَٱلْوٰلِدٰتُ يُرْضِعْنَ } أي ليرضعن {أَوْلَٰدَهُنَّ حَوْلَيْنِ } عامين {كَامِلَيْنِ } صفة مؤكِّدة ذلك {لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ ٱلرَّضَاعَةَ } ولا زيادة عليه {وَعلَى ٱلْمَوْلُودِ لَهُ } أي الأب {رِزْقُهُنَّ } إطعام الوالدات {وَكِسْوَتُهُنَّ } على الإرضاع إذا كن مطلقات {بِٱلْمَعْرُوفِ } بقدر طاقته {لاَ تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا } طاقتها {لاَ تُضَآرَّ وٰلِدَةٌ بِوَلَدِهَا } أي بسببه بأن تُكْرَهَ على إرضاعه إذا امتنعت {وَلاَ } يضار {مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ } أي بسببه بأن يكلف فوق طاقته وإضافة (الولد) إلى كل منهما في الموضعين للاستعطاف {وَعَلَى ٱلْوَارِثِ } أي وارث الأب وهو الصبي أي على وليه في ماله {مِثْلُ ذٰلِكَ } الذي على الأب للوالدة من الرزق والكسوة {فَإِنْ أَرَادَا } أي الوالدان {فِصَالاً } فطاماً له قبل الحولين صادراً {عَن تَرَاضٍ } اتفاق {مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ } بينهما لتظهر مصلحة الصبي فيه {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا } في ذلك {وَإِنْ أَرَدتُّم } خطاب للآباء {أَن تَسْتَرْضِعُواْ أَوْلَٰدَكُمْ } مراضع غير الوالدات {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ } فيه {إِذَا سَلَّمْتُم } إليهن {مَّآ ءَاتَيْتُم } أي أردتم إيتاءه لهن من الأجرة {بِٱلْمَعْرُوفِ } بالجميل كطيب النفس {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } لا يخفى عليه شيء منه.
الشوكاني
تفسير : لما ذكر الله سبحانه النكاح والطلاق، ذكر الرضاع؛ لأن الزوجين قد يفترقان، وبينهما ولد، ولهذا قيل: إن هذا خاص بالمطلقات. وقيل: هو عام. وقوله: {يُرْضِعْنَ } قيل: هو خبر في معنى الأمر للدلالة على تحقق مضمونه، وقيل: هو خبر على بابه ليس هو في معنى الأمر على حسب ما سلف في قوله: {يَتَرَبَّصْنَ } وقوله: {كَامِلَيْنِ } تأكيد للدلالة على أن هذا التقدير تحقيقي لا تقريبي. وقوله: {لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ ٱلرَّضَاعَةَ } أي: ذلك لمن أراد أن يتم الرضاعة، وفيه دليل على أن إرضاع الحولين ليس حتماً، بل هو التمام، ويجوز الاقتصار على ما دونه. وقرأ مجاهد، وابن محيصن: «لمن أراد أن تتم» بفتح التاء، ورفع الرضاعة على إسناد الفعل إليها. وقرأ أبو حيوة، وابن أبي عبلة، والجارود ابن أبي سَبْرَة بكسر الراء من الرضاعة، وهي لغة. وروي عن مجاهد أنه قرأ: "الرضعة"، وقرأ ابن عباس: «لمن أراد أن يكمل الرضاعة». قال النحاس: لا يعرف البصريون الرضاعة إلا بفتح الراء. وحكى الكوفيون جواز الكسر. والآية تدل على وجوب الرضاع على الأم لولدها، وقد حُمِل ذلك على ما إذا لم يقبل الرضيع غيرها. قوله: {وَعلَى ٱلْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ } أي: على الأب الذي يولد له، وآثر هذا اللفظ دون قوله: وعلى الوالد للدلالة على أن الأولاد للآباء لا للأمهات، ولهذا ينسبون إليهم دونهنّ، كأنهنّ إنما ولدن لهم فقط، ذكر معناه في الكشاف، والمراد بالرزق هنا: الطعام الكافي المتعارف به بين الناس، والمراد بالكسوة: ما يتعارفون به أيضاً، وفي ذلك دليل على وجوب ذلك على الآباء للأمهات المرضعات. وهذا في المطلقات، وأما غير المطلقات، فنفقتهنّ، وكسوتهنّ واجبة على الأزواج من غير إرضاعهنّ لأولادهنّ. وقوله: {لاَ تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا } هو: تقييد لقوله: {بِٱلْمَعْرُوفِ } أي: هذه النفقة، والكسوة الواجبتان على الأب بما يتعارفه الناس لا يكلف منها إلا ما يدخل تحت وسعه وطاقته لا ما يشق عليه، ويعجز عنه، وقيل: المراد: لا تكلف المرأة الصبر على التقتير في الأجرة، ولا يكلف الزوج ما هو إسراف، بل يراعي القصد. قوله: {لاَ تُضَارَّ } قرأ أبو عمرو، وابن كثير، وجماعة ورواه أبان عن عاصم بالرفع على الخبر. وقرأ نافع، وابن عامر، وحمزة، والكسائي، وعاصم في المشهور عنه: «تضار» بفتح الراء المشدّدة على النهي، وأصله: لا تضار، أو لا تضارر على البناء للفاعل، أو المفعول: أي: لا تضارر الأب بسبب الولد بأن تطلب منه ما لا يقدر عليه من الرزق، والكسوة، أو بأن تفرط في حفظ الولد، والقيام بما يحتاج إليه، ولا تضارر من زوجها بأن يقصر عليها في شيء مما يجب عليه، أو ينتزع ولدها منها بلا سبب، وهكذا قراءة الرفع تحتمل الوجهين. وقرأ عمر بن الخطاب: «لا تضارر» على الأصل بفتح الراء الأولى؛ وقرأ أبو جعفر بن القعقاع: «لا تضار» بإسكان الراء، وتخفيفها، وروى عنه الإسكان، والتشديد. وقرأ الحسن، وابن عباس: «لا تضارر» بكسر الراء الأولى؛ ويجوز أن تكون الباء في قوله: بولده، صلة لقوله تضارّ على أنه بمعنى تضر. أي: لا تضرّ والدة بولدها، فتسيء تربيته، أو تقصر في غذائه، وأضيف الولد تارة إلى الأب، وتارة إلى الأم، لأن كل واحد منهما يستحق أن ينسب إليه مع ما في ذلك من الاستعطاف، وهذه الجملة تفصيل للجملة التي قبلها وتقريرها. أي: لا يكلف كل واحد منهما الآخر ما لا يطيقه، فلا تضاره بسبب ولده. قوله: {وَعَلَى ٱلْوَارِثِ } هو: معطوف على قوله: {وَعلَى ٱلْمَوْلُودِ لَهُ } وما بينهما تفسير للمعروف، أو تعليل له معترض بين المعطوف، والمعطوف عليه. واختلف أهل العلم في معنى قوله: {وَعَلَى ٱلْوَارِثِ مِثْلُ ذٰلِكَ } فقيل: هو وارث الصبي: أي: إذا مات المولود له كان على وارث هذا الصبي المولود إرضاعه كما كان يلزم أباه ذلك، قاله عمر بن الخطاب، وقتادة، والسدّي، والحسن، ومجاهد، وعطاء، وأحمد، وإسحاق، وأبو حنيفة، وابن أبي ليلى على خلاف بينهم، هل يكون الوجوب على من يأخذ نصيباً من الميراث، أو على الذكور فقط، أو على كل ذي رحم له، وإن لم يكن، وارثاً منه، وقيل: المراد بالوارث: وارث الأب تجب عليه نفقة المرضعة، وكسوتها بالمعروف، قاله الضحاك. وقال مالك في تفسير هذه الآية بمثل ما قاله الضحاك، ولكنه قال: إنها منسوخة، وإنها لا تلزم الرجل نفقة أخ، ولا ذي قرابة، ولا ذي رحم منه، وشرطه الضحاك بأن لا يكون للصبيّ مال، فإن كان له مال أخذت أجرة رضاعه من ماله. وقيل: المراد: بالوارث المذكور في الآية هو: الصبي نفسه. أي: عليه من ماله إرضاع نفسه إذا مات أبوه، وورث من ماله، قاله قبيصة بن ذؤيب، وبشير بن نصر قاضي عمر بن عبد العزيز. وروي عن الشافعي، وقيل: هو الباقي من والدي المولود بعد موت الآخر منهما، فإذا مات الأب كان على الأم كفاية الطفل، إذا لم يكن له مال، قاله سفيان الثوري، وقيل: إن معنى قوله تعالى: {وَعَلَى ٱلْوَارِثِ مِثْلُ ذٰلِكَ } أي: وارث المرضعة يجب عليه أن يصنع بالمولود كما كانت الأم تصنعه به من الرضاع، والخدمة، والتربية. وقيل: إن معنى قوله تعالى: {وَعَلَى ٱلْوَارِثِ مِثْلُ ذٰلِكَ } أنه يحرم عليه الإضرار بالأم كما يحرم على الأب، وبه قالت طائفة من أهل العلم، قالوا: وهذا هو الأصل، فمن ادّعى أنه يرجع فيه العطف إلى جميع ما تقدم، فعليه الدليل. قال القرطبي: وهو الصحيح، إذ لو أراد الجميع الذي هو: الرضاع، والإنفاق، وعدم الضرر يقال: وعلى الوارث مثل هؤلاء، فدل على أنه معطوف على المنع من المضارّة، وعلى ذلك تأوّله كافة المفسرين فيما حكى القاضي عبد الوهاب. قال ابن عطية، وقال مالك، وجميع أصحابه، والشعبي، والزهري، والضحاك، وجماعة من العلماء: المراد بقوله: {مثل ذلك}ألاّ تضارّ. وأما الرزق، والكسوة، فلا يجب شيء منه. وحكى ابن القاسم، عن مالك، مثل ما قدمنا عنه، في تفسير هذه الآية، ودعوى النسخ. ولا يخفى عليك ضعف ما ذهبت إليه هذه الطائفة، فإن ما خصصوا به معنى قوله: {وَعَلَى ٱلْوَارِثِ مِثْلُ ذٰلِكَ } من ذلك المعنى. أي: عدم الإضرار بالمرضعة قد أفاده قوله: {لاَ تُضَارَّ وٰلِدَةٌ بِوَلَدِهَا } لصدق ذلك على كل مضارّة ترد عليها من المولود له، أو غيره. وأما قول القرطبي: لو أراد الجميع لقال مثل هؤلاء، فلا يخفى ما فيه من الضعف البيّن، فإن اسم الإشارة يصلح للمتعدد كما يصلح للواحد بتأويل المذكور، أو نحوه. وأما ما ذهب إليه أهل القول الأوّل من أن المراد بالوارث: وارث الصبيّ، فيقال عليه إن لم يكن وارثاً حقيقة مع وجود الصبيّ حياً، بل هو وارث مجازاً باعتبار ما يئول إليه. وأما ما ذهب إليه أهل القول الثاني، فهو وإن كان فيه حمل الوارث على معناه الحقيقي، لكن في إيجاب النفقة عليه مع غنى الصبيّ ما فيه، ولهذا قيده القائل به بأن يكون الصبي فقيراً، ووجه الاختلاف في تفسير الوارث ما تقدّم من ذكر الوالدات، والمولود له والولد، فاحتمل أن يضاف الوارث إلى كل منهم. قوله: {فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً } الضمير للوالدين. والفصال: الفطام عن الرضاع. أي: التفريق بين الصبيّ، والثدي، ومنه سمي الفصيل؛ لأنه مفصول عن أمه. وقوله: {عَن تَرَاضٍ مّنْهُمَا } أي: صادراً عن تراض من الأبوين إذا كان الفصال قبل الحولين: {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا } في ذلك الفصال. سبحانه لما بين أن مدّة الرضاع حولين كاملين قيد ذلك بقوله: {لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ ٱلرَّضَاعَةَ } وظاهره أن الأب وحده إذا أراد أن يفصل الصبيّ قبل الحولين كان ذلك جائزاً له، وهنا اعتبر سبحانه تراضي الأبوين وتشاورهما فلا بدّ من الجمع بين الأمرين: بأن يقال إن الإرادة المذكورة في قوله: {لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ ٱلرَّضَاعَةَ } لا بدّ أن تكون منهما، أو يقال: إن تلك الإرادة إذا لم يكن الأبوان للصبيّ حيين بأن كان الموجود أحدها، أو كانت المرضعة للصبي ظئراً غير أمه. والتشاور: استخراج الرأي يقال: شُرْتُ العسل: استخرجته، وشُرْتُ الدابة: أجريتها لاستخراج جريها، فلا بدّ لأحد الأبوين إذا أراد فصال الرضيع أن يراضي الآخر، ويشاوره حتى يحصل الاتفاق بينهما على ذلك. قوله: {وَإِنْ أَرَدتُّمْ أَن تَسْتَرْضِعُواْ أَوْلَـٰدَكُمْ } قال الزجاج: التقدير أن تسترضعوا لأولادكم غير الوالدة. وعن سيبويه أنه حذف اللام؛ لأنه يتعدّى إلى مفعولين، والمفعول الأول محذوف، والمعنى: أن تسترضعوا المراضع أولادكم {إذا سلمتم ما آتيتم} بالمدّ، أي: أعطيتم، وهي قراءة الجماعة إلا ابن كثير، فإنه قرأ بالقصر. أي: فعلتم، ومنه قول زهير:شعر : وَمَا كَانَ مِنْ خَيْرِ أتَوْه فَإنَّما توارثَه آباءُ آبائهم قَبْلُ تفسير : والمعنى أنه لا بأس عليكم أن تسترضعوا أولادكم غير أمهاتهم إذا سلمتم إلى الأمهات أجرهنّ بحساب ما قد أرضعن لكم، إلى وقت إرادة الاسترضاع، قاله سفيان الثوري، ومجاهد. وقال قتادة، والزهري: إن معنى الآية: إذا سلمتم ما آتيتم من إرادة الاسترضاع أي: سلم كل واحد من الأبوين ورضي، وكان ذلك عن اتفاق منهما، وقصد خير وإرادة معروف من الأمر، وعلى هذا، فيكون قوله: {سَلَّمْتُم } عاماً للرجال، والنساء تغليباً، وعلى القول الأول الخطاب للرجال فقط، وقيل: المعنى: إذا سلمتم لمن أردتم استرضاعها أجرها، فيكون المعنى إذا سلمتم ما أردتم إيتاءه. أي: إعطاءه إلى المرضعات بالمعروف، أي: بما يتعارفه الناس من أجر المرضعات من دون مماطلة لهنّ، أو حط بعض ما هو لهنّ من ذلك، فإن عدم توفير أجرهنّ يبعثهنّ على التساهل بأمر الصبيّ، والتفريط في شأنه. وقد أخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وأبو داود في ناسخه، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في سننه، عن مجاهد في قوله: {وَٱلْوٰلِدٰتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَـٰدَهُنَّ } قال: المطلقات {حَوْلَيْنِ } قال: سنتين {لاَ تُضَارَّ وٰلِدَةٌ بِوَلَدِهَا } يقول: لا تأبى أن ترضعه ضراراً لتشق على أبيه {وَلاَ مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ } يقول: ولا يضارّ الوالد بولده، فيمنع أمه أن ترضعه ليحزنها بذلك {وَعَلَى ٱلْوَارِثِ } قال: يعني الوليّ من كان {مِثْلُ ذٰلِكَ } قال: النفقة بالمعروف، وكفالته، ورضاعه إن لم يكن للمولود مال، وأن لا تضارّ أمه {فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَن تَرَاضٍ مّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ } قال: غير مسيئين في ظلم أنفسهما، ولا إلى صبيهما، فلا جناح عليهما {وَإِنْ أَرَدتُّمْ أَن تَسْتَرْضِعُواْ أَوْلَـٰدَكُمْ } قال: خيفة الضيعة على الصبيّ {فَلاَ جُنَاحَ} قال: حساب ما أرضع به الصبيّ. وأخرج ابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير في تفسير هذه الآية أنه قال: المراد بقوله: {إذا سلمتم ما آتيتم} هي في الرجل يطلق امرأته، وله منها ولد. وقال في قوله: {وَٱلْوٰلِدٰتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَـٰدَهُنَّ حَوْلَيْنِ } قال: ما أعطيتم الظئر من فضل على أجرها. وأخرج أبو داود في ناسخه، عن زيد بن أسلم في قوله: {وَٱلْوٰلِدٰتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَـٰدَهُنَّ } قال: إنها المرأة تطلق، أو يموت عنها زوجها. وأخرج سعيد بن منصور، وابن جرير، وابن المنذر، والحاكم، والبيهقي في سننه، عن ابن عباس في التي تضع لستة أشهر؛ أنها ترضع حولين كاملين، وإذا وضعت لسبعة أشهر أرضعت ثلاثة وعشرين شهراً لتمام ثلاثين شهراً، وإذا وضعت لتسعة أشهر أرضعت إحدى وعشرين شهراً، ثم تلا: {أية : وَحَمْلُهُ وَفِصَـٰلُهُ ثَلاَثُونَ شَهْراً } تفسير : [الأحقاف: 15] وأخرج ابن جرير عن الضحاك في قوله: {وَعلَى ٱلْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ } قال: على قدر الميسرة. وأخرج أبو داود في ناسخه، وابن أبي حاتم، عن زيد بن أسلم في قوله: {لاَ تُضَارَّ وٰلِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلاَ مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ } ليس لها أن تلقي ولدها عليه، ولا يجد من يرضعه، وليس له أن يضارها، فينتزع منها ولدها، وهي تحب أن ترضعه {وَعَلَى ٱلْوَارِثِ } قال: هو وليّ الميت. وأخرج ابن أبي حاتم، عن عطاء، وإبراهيم، والشعبي في قوله: {وَعَلَى ٱلْوَارِثِ } قال: هو وارث الصبي ينفق عليه. وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، عن قتادة نحوه، وزاد: إذا كان المولود لا مال له، مثل الذي على والده من أجر الرضاع. وأخرج عبد بن حميد، عن الحسن نحوه. وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، عن ابن سيرين نحوه أيضاً. وأخرج ابن جرير، عن قبيصة بن ذؤيب في قوله: {وَعَلَى ٱلْوَارِثِ مِثْلُ ذٰلِكَ } قال: هو الصبيّ. وأخرج وكيع عن عبد الله بن مُغَفَّل نحوه. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي عن ابن عباس في قوله: {وَعَلَى ٱلْوَارِثِ مِثْلُ ذٰلِكَ } قال: لا يضارّ. وأخرج ابن جرير، عن الضحاك: {فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً } قال: الفطام. وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير عن مجاهد؛ قال: التشاور فيما دون الحولين ليس لها أن تفطمه إلا أن يرضى، وليس له أن يفطمه إلا أن ترضى. وأخرجوا أيضاً عن عطاء في قوله تعالى: {وَإِنْ أَرَدتُّمْ أَن تَسْتَرْضِعُواْ أَوْلَـٰدَكُمْ } قال: أمه أو غيرها {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُم } قال: إذا سلمت لها أجرها {مَّا ءاتَيْتُم } ما أعطيتم.
الماوردي
تفسير : قوله تعالى: {وَالْوَلِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَدَهُنَّ حَوْلَينِ كَامِلَيْنِ} والحول السنة، وفي أصله قولان: أحدهما: أنه مأخوذ من قولهم: حال الشيء إذا انقلب عن الوقت الأول، ومنه استحالة الكلام لانقلابه عن الصواب. والثاني: أنه مأخوذ من التحول عن المكان، وهو الانتقال منه إلى المكان الأول. وإنما قال حولين كاملين، لأن العرب تقول: أقام فلان بمكان كذا حولين وإنما أقام حولاً وبعض آخر، وأقام يومين وإنما أقام يوماً وبعض آخر، قال الله تعالى: {أية : وَاذْكُرُوا اللهَ في أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَومَينِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيهِ} تفسير : [البقرة: 203] ومعلوم أن التعجل في يوم وبعض يوم. واختلف أهل التفسير فيما دلت عليه هذه الآية من رضاع حولين كاملين، على تأويلين: أحدهما: أن ذلك في التي تضع لستة أشهر فإن وضعت لتسعة أشهر أرضعت واحداً وعشرين شهراً، استكمالاً لثلاثين شهراً، لقوله تعالى: {أية : وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاَثُونَ شَهْراً} تفسير : [الأحقاف: 15] وهذا قول ابن عباس. والثاني: أن ذلك أمر برضاع كل مولود اختلف والداه في رضاعه أن يرضع حولين كاملين، وهذا قول عطاء والثوري. ثم قال تعالى: {وَعَلَى الْمَولُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} يريد بالمولود له الأب عليه في ولده للمرضعة له رزقهن وكسوتهن بالمعروف وفيه قولان: أحدهما: أن ذلك في الأم المطلقة إذا أرضعت ولدها فلها رزقها من الغذاء، وكسوتها من اللباس. ومعنى بالمعروف أجرة المثل، وهذا قول الضحاك. والثاني: أنه يعني به الأم ذات النكاح، لها نفقتها وكسوتها بالمعروف في مثلها، على مثله من يسار، وإعسار. ثم قال تعالى: {لاَ تُضَار وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا} أي لا تمتنع الأم من إرضاعه إضراراً بالأب، وهو قول جمهور المفسرين. وقال عكرمة: هي الظئر المرضعة دون الأم. ثم قال تعالى: {وَلاَ مَولُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ} وهو الأب في قول جميعهم، لا ينزع الولد من أمه إضراراً بها. ثم قال تعالى: {وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذلِكَ} فيه أربعة أقاويل: أحدها: أن الوارث هو المولود نفسه، وهذا قول قبيصة بن ذؤيب. والثاني: أنه الباقي من والدي بعد وفاة الآخر منهما، وهو قول سفيان. والثالث: أنه وارث الولد، وهذا قول الحسن، والسدي. والرابع: أنه وارث الولد، وفيه أربعة أقاويل: أحدها: وارثه من عصبته إذا كان أبوه ميتاً سواء كان عماً أو أخاً أو ابن أخ أو ابن عم دون النساء من الورثة، وهذا قول عمر بن الخطاب، ومجاهد. والثاني: ورثته من الرجال والنساء، وهو قول قتادة. والثالث: هم مِنْ ورثته من كان منهم ذا رحم محرم، وهذا قول أبي حنيفة. والرابع: أنهم الأجداد ثم الأمهات، وهذا قول الشافعي. وفي قوله تعالى: {مثل ذلك} تأويلان: أحدهما: أن على الوارث مثل ما كان على والده من أجرة رضاعته ونفقته، وهو قول الحسن، وقتادة، وإبراهيم. والثاني: أن على الوارث مثل ذلك في ألاَّ تضار والدة بولدها، وهذا قول الضحاك، والزهري. ثم قال تعالى: {فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَن تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيهِمَا} والفصال: الفصام، سمي فصالاً لانفصال المولود عن ثدي أمه، من قولهم قد فاصل فلان فلاناً إذا فارقه من خلطة كانت بينهما. والتشاور: استخراج الرأي بالمشاورة. وفي زمان هذا الفِصال عن تراض قولان: أحدهما: أنه قبل الحولين إذا تراضى الوالدان بفطام المولود فيه جاز، وإن رضي أحدهما وأبى الآخر لم يجز، وهذا قول مجاهد، وقتادة، والزهري، والسدي. والقول الثاني: أنه قبل الحولين وبعده، وهذا قول ابن عباس. ثم قال تعالى: {وَإِنْ أَرَدتُّمْ أَن تَسْتَرْضِعُوا أَوْلاَدَكُم} يعني لأولادكم، فحذف اللام اكتفاء بأن الاسترضاع لا يكون للأولاد، وهذا عند امتناع الأم من إرضاعه، فلا جناح عليه أن يسترضع له غيرها ظِئْراً. {إذا سَلَّمْتُم مَّا ءَاتَيتُم بِالْمَعْرُوفِ} فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: إذا سلمتم أيها الآباء إلى الأمهات أجور ما أرضعن قبل امتناعهن، وهذا قول مجاهد، والسدي. والثاني: إذا سلّمتم الأولاد عن مشورة أمهاتهم إلى من يتراضى به الوالدان في إرضاعه، وهذا قول قتادة، والزهري. والثالث: إذا سلّمتم إلى المرضعة التي تستأجر أجرها بالمعروف، وهذا قول سفيان.
ابن عطية
تفسير : قوله عز وجل: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ} {يرضعن أولادهن} خبر، معناه: الأمر على الوجوب لبعض الوالدات، والأمر على جهة الندب والتخيير لبعضهن، فأما المرأة التي في العصمة فعليها الإرضاع، وهو عرف يلزم إذ قد صار كالشرط إلا أن تكون شريفة ذات ترفه فعرفها أن لا ترضع وذلك كالشرط، فإن مات الأب ولا مال للصبي فمذهب مالك في المدونة أن الرضاع لازم للأم، بخلاف النفقة، وفي كتاب ابن الجلاب: رضاعه في بيت المال، وقال عبد الوهاب: هو من فقراء المسلمين، وأما المطلقة طلاق بينونة فلا رضاع عليها، والرضاع على الزوج إلا أن تشاء هي، فهي أحق به بأجرة المثل. هذا مع يسر الزوج، فإن كان معدماً لم يلزمها الرضاع إلا أن يكون المولود لا يقبل غيرها فتجبر حينئذ على الإرضاع، ولها أجر مثلها في يسر الزوج، وكل ما يلزمها الإرضاع فإن أصابها عذر يمنعها منه عاد الإرضاع على الأب، وروي عن مالك أن الأب إذا كان معدماً ولا مال للصبي فإن الرضاع على الأم، فإن كان بها عذر ولها مال فالإرضاع عليها في مالها. وهذه الآية هي في المطلقات، قاله السدي والضحاك وغيرهما، جعلها الله حداً عند اختلاف الزوجين في مدة الرضاع فمن دعا منهما إلى إكمال الحولين فذلك له، وقال جمهور المفسرين: إن هذين الحولين لكل واحد، وروي عن ابن عباس أنه قال: "هي في الولد الذي يمكث في البطن ستة أشهر، فإن مكث سبعة أشهر فرضاعه ثلاثة وعشرون شهراً، فإن مكث ثمانية أشهر فرضاعه اثنان وعشرون شهراً، فإن مكث تسعة أشهر فرضاعه أحد وعشرون شهراً". قال القاضي أبو محمد: كأن هذا القول انبنى على قوله تعالى: {أية : وحمله وفصاله ثلاثون شهراً} تفسير : [الأحقاف: 15]، لأن ذلك حكم على الإنسان عموماً، وسمي العام حولاً لاستحالة الأمور فيه في الأغلب، ووصفهما {بكاملين} إذ مما قد اعتيد تجوزاً أن يقال في حول وبعض آخر حولين، وفي يوم وبعض آخر مشيت يومين وصبرت عليك في ديني يومين وشهرين. وقوله تعالى: {لمن أراد أن يتم الرضاعة} مبني على أن الحولين ليسا بفرض لا يتجاوز، وقرأ السبعة "أن يُتم الرضاعةَ" بضم الياء ونصب الرضاعة، وقرأ مجاهد وابن محيصن وحميد والحسن وأبو رجاء "تَتم الرضاعةُ" بفتح التاء الأولى ورفع الرضاعة على إسناد الفعل إليها، وقرأ أبو حيوة وابن أبي عبلة والجارود بن أبي سبرة كذلك، إلا أنهم كسروا الراء من الرضاعة، وهي لغة كالحَضارة والحِضارة، وغير ذلك. وروي عن مجاهد أنه قرأ "الرضعة" على وزن الفعلة، وروي عن ابن عباس أنه قرأ "أن يكمل الرضاعة" بالياء المضمومة، وانتزع مالك رحمه الله وجماعة من العلماء من هذه الآية أن الرضاعة المحرمة الجارية مجرى النسب إنما هي ما كان في الحولين، لأن بانقضاء الحولين تمت الرضاعة فلا رضاعة، وروي عن قتادة أنه قال: "هذه الآية تضمنت فرض الإرضاع على الوالدات، ثم يسر ذلك وخفف بالتخيير الذي في قوله: {لمن أراد}. قال القاضي أبو محمد: وهذا قول متداع. قوله عز وجل: {وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لاَ تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا لاَ تُضَآرَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلاَ مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدَهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ} {المولود له} اسم جنس وصنف من الرجال، والرزق في هذا الحكم الطعام الكافي، وقوله {بالمعروف} يجمع حسن القدر في الطعام وجودة الأداء له وحسن الاقتضاء من المرأة، ثم بين تعالى أن الإنفاق على قدر غنى الزوج ومنصبها بقوله: {لا تكلف نفس إلا وسعها}، وقرأ جمهور الناس: "تُكلف" بضم التاء "نفسٌ" على ما لم يُسمَّ فاعله، وقرأ أبو رجاء "تَكَلَّفُ" بفتح التاء بمعنى تتكلف "نفسٌ" فاعله، وروى عنه أبو الأشهب "لا نُكَلِّف" بالنون "نفساً" بالنصب، وقرأ أبو عمرو وابن كثير وأبان عن عاصم "لا تضارُ والدة" بالرفع في الراء، وهو خبر معناه الأمر، ويحتمل أن يكون الأصل "تضارِر" بكسر الراء الأولى فوالدة فاعل، ويحتمل أن يكون "تضارَر" بفتح الراء الأولى فوالدة مفعول لم يسم فاعله، ويعطف مولود له على هذا الحد في الاحتمالين، وقرأ نافع وحمزة والكسائي وعاصم {لا تضارَّ} بفتح الراء المشددة، وهذا على النهي، ويحتملَ أصله ما ذكرنا في الأولى، ومعنى الآية في كل قراءة: النهي عن أن تضار الوالدة زوجها المطلق بسبب ولدها، وأن يضارها هو بسبب الولد، أو يضار الظئر، لأن لفظة نهيه تعم الظئر، وقد قال عكرمة في قوله: {لا تضار والدة} : معناه الظئر، ووجوه الضرر لا تنحصر، وكل ما ذكر منها في التفاسير فهو مثال. وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قرأ "لا تضارَرُ" براءين الأولى مفتوحة. وقرأ أبو جعفر بن القعقاع "لا تضارْ" بإسكان الراء وتخفيفها، وروي عنه الإسكان والتشديد، وروي عن ابن عباس "لا تضارِر" بكسر الراء الأولى. واختلف العلماء في معنى قوله تعالى: {وعلى الوارث مثل ذلك}. فقال قتادة والسدي والحسن وعمر بن الخطاب رضي الله عنه وغيرهم: هو وارث الصبي إن لو مات، قال بعضهم: وارثه من الرجال خاصة يلزمه الإرضاع كما كان يلزم أبا الصبي لو كان حياً، وقاله مجاهد وعطاء، وقال قتادة أيضاً وغيره: هو وارث الصبي من كان من الرجال والنساء، ويلزمهم إرضاعه قدر مواريثهم منه. وحكى الطبري عن أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد بن الحسن أنهم قالوا: الوارث الذي يلزمه إرضاع المولود هو وليه ووارثه إذا كان ذا رحم محرم منه، فإن كان ابن عم وغيره وليس بذي رحم محرم فلا يلزمه شيء. قال القاضي أبو محمد: وفي هذا القول تحكم، وقال قبيصة بن ذؤيب والضحاك وبشير بن نصر قاضي عمر بن عبد العزيز: الوارث وهو الصبي نفسه،أي عليه في ماله إذا ورث أباه إرضاع نفسه، وقال سفيان رحمه الله: "الوارث هو الباقي من والدي المولود بعد وفاة الآخر منهما"، ويرى مع ذلك إن كانت الوالدة هي الباقية أن يشاركها العاصب في إرضاع المولود على قدر حظه من الميراث. ونص هؤلاء الذين ذكرت أقوالهم على أن المراد بقوله تعالى: {مثل ذلك} الرزق والكسوة، وذكر ذلك أيضاً من العلماء إبراهيم النخعي وعبيد الله بن عبد الله ابن عتبة بن مسعود والشعبي والحسن وابن عباس وغيرهم وقال مالك رحمه الله في المدونة وجميع أصحابه والشعبي أيضاً والزهري والضحاك وجماعة من العلماء: المراد بقوله {مثل ذلك} أن لا يضار، وأما الرزق والكسوة فلا شيء عليه منه، وروى ابن القاسم عن مالك أن الآية تضمنت أن الرزق والكسوة على الوارث ثم نسخ ذلك. قال القاضي أبو محمد: فالإجماع من الأمة في أن لا يضار الوارث، والخلاف هل عليه رزق وكسوة أم لا؟، وقرأ يحيى بن يعمر"وعلى الورثة مثل ذلك" بالجمع. قوله عز وجل: {فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَن تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدتُّمْ أَن تَسْتَرْضِعُواْ أَوْلاَدَكُمْ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُم مَّآ ءَاتَيْتُم بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُواْ اللَّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} الضمير في {أرادا} للوالدين، و {فصالاً} معناه "فطاماً" عن الرضاع، ولا يقع التشاور ولا يجوز التراضي إلا بما لا ضرر فيه على المولود، فإذا ظهر من حاله الاستغناء عن اللبن قبل تمام الحولين فلا جناح على الأبوين في فصله، هذا معنى الآية، وقاله مجاهد وقتادة وابن زيد سفيان وغيرهم، وقال ابن عباس: "لا جناح مع التراضي في فصله قبل الحولين وبعدهما". قال القاضي أبو محمد: وتحرير القول في هذا أن فصله قبل الحولين لا يصح إلا بتراضيهما وأن لا يكون على المولود ضرر، وأما بعد تمامهما فمن دعا إلى الفصل فذلك له إلا أن يكون في ذلك على الصبي ضرر، وقوله تعالى: {وإن أردتم أن تسترضعوا} مخاطبة لجميع الناس تجمع الآباء والأمهات، أي لهم اتخاذ الظئر مع الاتفاق على ذلك، وأما قوله تعالى: {إذا أسلمتم} فمخاطبة للرجال خاصة، إلا على أحد التأويلين في قراءة من قرأ "أتيتم"، وقرأ الستة من السبعة "آتيتم" بالمد، المعنى أعطيتم، وقرأ ابن كثير "أتيتم" بمعنى ما جئتم وفعلتم كما قال زهير: [الطويل]. شعر : وما كان من خير أتوه فإنما توارثه آباء آبائهم قبلُ تفسير : قال أبو علي:"المعنى إذا سلمتم ما أتيتم نقده أو إعطاءه أو سوقه، فحذف المضاف وأقيم الضمير مقامه فكان التقدير ما أتيتموه، ثم حذف الضمير من الصلة". قال القاضي أبو محمد: ويحتمل اللفظ معنى آخر قاله قتادة، وهو إذا سلمتم ما أتيتم من إرادة الاسترضاع، أي سلم كل واحد من الأبوين ورضي وكان ذلك عن اتفاق منهما وقصد خير وإرادة معروف من الأمر. وعلى هذا الاحتمال. فيدخل في الخطاب بــ {سلمتم} الرجال والنساء، وعلى التأويل الذي ذكره أبو علي وغيره: فالخطاب للرجال، لأنهم الذين يعطون أجر الرضاع، قال أبو علي: ويحتمل أن تكون {ما} مصدرية، أي إذا سلمتم الإتيان، والمعنى كالأول، لكن يستغنى عن الصنعة من حذف المضاف، ثم حذف الضمير، قال مجاهد: "المعنى إذا سلمتم إلى الأمهات أجرهن بحساب ما أرضعن إلى وقت إرادة الاسترضاع"، وقال سفيان: "المعنى إذا سلمتم إلى المسترضعة وهي الظئر أجرها بالمعروف". وباقي الآية أمر بالتقوى وتوقيف على أن الله تعالى بصير بكل عمل، وفي هذا وعيد وتحذير، أي فهو مجاز بحسب عملكم.
ابن عبد السلام
تفسير : {حَوْلَيْنِ} من حال الشيء إذا انقلب، لانقلابه عن الوقت الأول واستحالة الكلام انقلابه عن الصواب، أو من التحول عن المكان، لانتقاله من الزمن الأول. {كَامِلَيْنِ} قيدهما بالكمال، لأنهم يطلقون الحولين يريدون أحدهما وبعض الآخر، ومنه {أية : فَمَن تَعَجَّلَ فَي يَوْمَيْنِ}تفسير : [البقرة: 203]، أَمرٌ بإكمالها لمن كان حملها ستة أشهر لقوله تعالى: {أية : وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاَثُونَ شَهْراً} تفسير : [الأحقاف: 15]، فإن كان حملها تسعاً أرضعت إحدى وعشرين شهراً، قاله ابن عباس ـ رضي الله تعالى عنهماـ: أو هو عام في كل مولود طالت مدة حمله، أو قصرت. {الْمَوْلُودِ لَهُ} الأب، عليه رزق الأم المطلقة إذا أرضعت ولدها ومؤنتها {بِالْمَعْرُوفِ} بأجرة مثلها، أو رزق الأم المنكوحة وكسوتها بالمعروف لمثلها على مثله من يسار، أو إعسار. {لا تُضَآرَّ وَالدِةٌ} لا تمتنع من الإرضاع إضراراً بالأب عند الجمهور، أو الوالدة هي الظئر، ولا ينتزع الأب المولود له الولد من أمه إضراراً {وَعَلَى الْوَارِثِ} وهو المولود، أو الباقي من أبويه بعد موت الآخر، أو وارث الوالد، أو وارث الابن من عصبته كالعم وابنه، والأخ وابنه دون الوارث من النساء، أو ذوي الرحم المَحْرم من الورثة، أو الأجداد ثم الأمهات. {مِثْلُ ذَلِكَ} ما كان على الأب من أجرة رضاعه ونفقته، أو من أن لا تضار والدة بولدها {فِصَالاً} فطاماً بفصل الولد من ثدي أمه، فاصلت: فلاناً فارقته [{وَتَشَاوُرٍ}] التشاور: استخراج الرأي بالمشاورة. والفصال بالتراضي قبل الحولين، أو قبلهما وبعدهما. {تَسْتَرْضِعُواْ} لأولادكم بحذف [اللام اكتفاء بأن الاسترضاع لا يكون إلا للولد] وهذا عند امتناع الأم من رضاعه {سَلَّمْتُم} إلى الأمهات أجر رضاعهن قبل امتناعهن، أو سلمتم الأولاد إلى المرضعة برضى الأبوين، أو سلمتم إلى الظئر أجرها.
النسفي
تفسير : {وَٱلْوٰلِدٰتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَـٰدَهُنَّ } خبر في معنى الأمر المؤكد كـ {يَتَرَبَّصْنَ } وهذا الأمر على وجه الندب أو على وجه الوجوب إذا لم يقبل الصبي إلا ثدي أمه، أو لم توجد له ظئر، أو كان الأب عاجزاً عن الاستئجار، أو أراد الوالدات المطلقات وإيجاب النفقة والكسوة لأجل الرضاع {حَوْلَيْنِ } ظرف {كَامِلَيْنِ } تأمين وهو تأكيد لأنه مما يتسامح فيه فإنك تقول: أقمت عند فلان حولين ولم تستكملهما {لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ ٱلرَّضَاعَةَ } بيان لمن توجه إليه الحكم أي هذا الحكم لمن أراد إتمام الرضاعة. والحاصل أن الأب يجب عليه إرضاع ولده دون الأم، وعليه أن يتخذ له ظئراً إلا إذا تطوعت الأم بإرضاعه وهي مندوبة إلى ذلك ولا تجبر عليه، ولا يجوز استئجار الأم ما دامت زوجة أو معتدة {وَعلَى ٱلْمَوْلُودِ لَهُ } الهاء يعود إلى اللام الذي بمعنى «الذي»، والتقدير: وعلى الذي يولد له وهو الوالد، و«له» في محل الرفع على الفاعلية كـ «عليهم» في {أية : ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ } تفسير : [الفاتحة: 7] وإنما قيل «على المولود له» دون الوالد ليعلم أن الوالدات إنما ولدن لهم إذ الأولاد للآباء والنسب إليهم لا إليهن فكان عليهم أن يرزقوهن ويكسوهن إذا أرضعن ولدهم كالأظار، ألا ترى أنه ذكره باسم الوالد حيث لم يكن هذا المعنى وهو قوله: {أية : وَٱخْشَوْاْ يَوْماً لاَّ يَجْزِى وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ وَلاَ مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئاً }تفسير : [لقمان: 33] {رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ } بلا إسراف ولا تقتير، وتفسيره ما يعقبه وهو أن لا يكلف واحد منهما ما ليس في وسعه ولا يتضارا {لاَ تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا } وجدها أو قدر إمكانها. والتكليف إلزام ما يؤثره في الكلفة. وانتصاب «وسعها» على أنه مفعول ثانٍ لـ «تكلف» لا على الاستثناء ودخلت إلا بين المفعولين. {لاَ تُضَارَّ } مكي وبصري بالرفع على الإخبار ومعناه النهي وهو يحتمل البناء للفاعل والمفعول وأن يكون الأصل «تضارر» بكسر الراء أو «تضارر» بفتحها. الباقون «لا تضار» على النهي والأصل «تضارر» أسكنت الراء الأولى وأدغمت في الثانية فالتقى الساكنان ففتحت الثانية لالتقاء الساكنين {وٰلِدَةٌ بِوَلَدِهَا } أي لا تضار والدة زوجها بسبب ولدها وهو أن تعنف به وتطلب منه ما ليس بعدل من الرزق والكسوة، وأن تشغل قلبه بالتفريط في شأن الولد، وأن تقول بعدما ألفها الصبي أطلب له ظئر أو ما أشبه ذلك {وَلاَ مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ } أي ولا يضار مولود له امرأته بسبب ولده بأن يمنعها شيئاً مما وجب عليه من رزقها وكسوتها أو يأخذه منها وهي تريد إرضاعه. وإذا كان مبنياً للمفعول فهو نهي عن أن يلحق بها الضرار من قبل الزوج، وعن أن يلحق الضرار بالزوج من قبلها بسبب الولد، أو تضار بمعنى تضر والباء من صلته أي لا تضر والدة ولدها فلا تسيء غذاءه وتعهده ولا تدفعه إلى الأب بعد ما ألفها، ولا يضر الوالد به بأن ينتزعه من يدها أو يقصر في حقها فتقصر هي في حق الولد. وإنما قيل «بولدها» و«بولده» لأنه لما نهيت المرأة عن المضارة أضيف إليها الولد استعطافاً لها عليه وذلك الوالد {وَعَلَى ٱلْوَارِثِ } عطف على قوله «وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن» وما بينهما تفسير للمعروف معترض بين المعطوف والمعطوف عليه أي وعلى وارث الصبي عند عدم الأب «مثل ذلك» أي مثل الذي كان على أبيه في حياته من الرزق والكسوة. واختلف فيه؛ فعند ابن أبي ليلى: كل من ورثه، وعندنا: من كان ذا رحم محرم منه لقراءة ابن مسعود رضي الله عنه «وعلى الوارث ذي الرحم المحرم مثل ذلك»، وعند الشافعي رحمه الله: لا نفقة فيما عدا الولاد. {فَإِنْ أَرَادَا } يعني الأبوين {فِصَالاً } فطاماً صادراً {عَن تَرَاضٍ مّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ } بينهما {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا } في ذلك زادا على الحولين أو نقصا، وهذه توسعة بعد التحديد، والتشاور استخراج الرأي من شرت العسل إذا استخرجته، وذكره ليكون التراضي عن تفكر فلا يضر الرضيع، فسبحان الذي أدب الكبير ولم يهمل الصغير واعتبر اتفاقهما، لأن للأب النسبة والولاية وللأم الشفقة والعناية. {وَإِنْ أَرَدتُّمْ أَن تَسْتَرْضِعُواْ أَوْلَـٰدَكُمْ } أي لأولادكم عن الزجاج. وقيل: استرضع منقول من أرضع، يقال أرضعت المرأة الصبي واسترضعتها الصبي معدّى إلى مفعولين أي أن تسترضعوا المراضع أولادكم فحذف أحد المفعولين يعني غير الأم عند إبائها أو عجزها {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُم } إلى المراضع {مَّا ءاتَيْتُم } ما أردتم إيتاءه من الأجرة. أتيتم مكي من أتى إليه إحساناً إذا فعله ومنه قوله {أية : كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيّاً }تفسير : [مريم: 61] أي مفعولاً، والتسليم ندب لا شرط للجواز {بِٱلْمَعْرُوفِ } متعلق بـ «سلمتم» أي سلمتم الأجرة إلى المراضع بطيب نفس وسرور {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } لا تخفى عليه أعمالكم فهو يجازيكم عليها. {وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ } تقول توفيت الشيء واستوفيته إذا أخذته وافياً تاماً أي تستوفى أرواحهم {وَيَذَرُونَ } ويتركون {أَزْوٰجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ } أي وزوجات الذين يتوفون منكم يتربصن أي يعتددن، أو معناه يتربصن بعدهم بأنفسهن فحذف بعدهم للعلم به. وإنما احتيج إلى تقديره لأنه لا بد من عائد يرجـع إلى المبتدأ في الجملة التي وقعت خبراً. «يتوفون»: المفضل أي يستوفون آجالهم {أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا } أي وعشر ليال والأيام داخلة معها ولا يستعمل التذكير فيه ذهاباً إلى الأيام تقول صمت عشراً ولو ذكرت لخرجت من كلامهم {فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ } فإذا انقضت عدتهن {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ } أيها الأئمة والحكام {فِيمَا فَعَلْنَ فِى أَنفُسِهِنَّ } من التعرض للخاطب {بِٱلْمَعْرُوفِ } بالوجه الذي لا ينكره الشرع {وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ } عالم بالبواطن. {وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُم بِهِ مِنْ خِطْبَةِ ٱلنِسَاء } الخطبة الاستنكاح، والتعريض أن تقول لها إنك لجميلة أو صالحة ومن غرضي أن أتزوج ونحو ذلك من الكلام الموهم أنه يريد نكاحها حتى تحبس نفسها عليه إن رغبت فيه، ولا يصرح بالنكاح فلا يقول إني أريد أن أتزوجك. والفرق بين الكناية والتعريض أن الكناية أن تذكر الشيء بغير لفظه الموضوع له، والتعريض أن تذكر شيئاً تدل به على شيء لم تذكره كما يقول المحتاج للمحتاج إليه جئتك: لأسلم عليك ولأنظر إلى وجهك الكريم، ولذلك قالوا: وحسبك بالتسليم مني تقاضيا فكأنه إمالة الكلام إلى غرض يدل على الغرض {أَوْ أَكْنَنتُمْ فِى أَنفُسِكُمْ } أو سترتم وأضمرتم في قلوبكم فلم تذكروه بألسنتكم لا معرضين ولا مصرحين {عَلِمَ ٱللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ } لا محالة ولا تنفكون عن النطق برغبتكم فيهن فاذكروهن {وَلَـٰكِن لاَّ تُوَاعِدُوهُنَّ سِرّا } جماعة لأنه مما يسر أي لا تقولوا في العدة إني قادر على هذا العمل {إِلاَّ أَن تَقُولُواْ قَوْلاً مَّعْرُوفًا } وهو أن تعرضوا ولا تصرحوا.و«إلا» متعلق بـ «لا تواعدوهن» أي لا تواعدوهن مواعدة قط إلا مواعدة معروفة غير منكرة {وَلاَ تَعْزِمُواْ عُقْدَةَ ٱلنّكَاحِ } من عزم الأمر وعزم عليه. وذكر العزم مبالغة في النهي عن عقد النكاح لأن العزم على الفعل يتقدمه فإذا نهى عنه كان عن الفعل أنهى، ومعناه ولا تعزموا عقد عقدة النكاح، أو ولا تقطعوا عقدة النكاح لأن حقيقة العزم القطع ومنه الحديث «حديث : لا صيام لمن لم يعزم الصيام من الليل» تفسير : وروي لمن لم يبيت الصيام أي ولا تعزموا على عقدة النكاح {حَتَّىٰ يَبْلُغَ ٱلْكِتَـٰبُ أَجَلَهُ } حتى تنقضي عدتها. وسميت العدة كتاباً لأنها فرضت بالكتاب يعني حتى يبلغ التربص المكتوب عليها أجله أي غايته {وَٱعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِى أَنفُسِكُمْ } من العزم على ما لا يجوز {فَٱحْذَرُوهُ } ولا تعزموا عليه {وَٱعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ } لا يعاجلكم بالعقوبة. ونزل فيمن طلق امرأته ولم يكن سمى لها مهراً ولا جامعها {لاَّ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ } لا تبعة عليكم من إيجاب مهر {إِن طَلَّقْتُمُ ٱلنّسَاءَ } شرط، ويدل على جوابه «لا جناح عليكم» والتقدير: إن طلقتم النساء فلا جناح عليكم {مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ } ما لم تجامعوهن، و«ما» شرطية أي إن لم تمسوهن «تماسوهن»: حمزة وعلي حيث وقع لأن الفعل واقع بين اثنين {أَوْ تَفْرِضُواْ لَهُنَّ فَرِيضَةً } إلا أن تفرضوا لهن فريضة أو حتى تفرضوا، وفرض الفريضة تسمية المهر وذلك أن المطلقة غير الموطوءة لها نصف المسمى إن سمى لها مهر، وإن لم يسم لها مهر فليس لها نصف مهر المثل بل تجب المتعة، والدليل على أن الجناح تبعة المهر قوله «وإن طلقتموهن» إلى قوله «فنصف ما فرضتم» فقوله «فنصف ما فرضتم» إثبات للجناح المنفي ثمة {وَمَتِّعُوهُنَّ } معطوف على فعل محذوف تقديره فطلقوهن ومتعوهن. والمتعة درع وملحفة وخمار {عَلَى ٱلْمُوسِعِ } الذي له سعة {قَدَرُهُ } مقداره الذي يطيقه. قدره فيهما: كوفي غير أبي بكر وهما لغتان {وَعَلَى ٱلْمُقْتِرِ } الضيق الحال. {قَدَرُهُ} ولا تجب المتعة عندها إلا لهذه وتستحب لسائر المطلقات {مَّتَـٰعًا } تأكيد لمتعوهن أي تمتيعاً {بِٱلْمَعْرُوفِ } بالوجه الذي يحسن في الشرع والمروءة {حَقّاً } صفة لـ «متاعاً» أي متاعاً واجباً عليهم أو حق ذلك حقاً {عَلَى ٱلْمُحْسِنِينَ } على المسلمين، أو على الذين يحسنون إلى المطلقات بالتمتيع. وسماهم قبل الفعل محسنين كقوله عليه السلام «من قتل قتيلاً فله سلبه» وليس هذا الإحسان هو التبرع بما ليس عليه إذ هذه المتعة واجبة. ثم بين حكم التي سمى لها مهراً في الطلاق قبل المس فقال {وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ } «أن» مع الفعل بتأويل المصدر في موضع الحر أي من قبل مسكم إياهن {وَقَدْ فَرَضْتُمْ } في موضع الحال {لَهُنَّ فَرِيضَةً } مهراً {فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إلاَّ أَن يَعْفُونَ } يريد المطلقات. و «أن» مع الفعل في موضع النصب على الاستثناء كأنه قيل: فعليكم نصف ما فرضتم في جميع الأوقات إلا وقت عفوهن عنكم من المهر. والفرق بين الرجال «يعفون» «والنساء «يعفون» أن الواو في الأول ضميرهم والنون علم الرفع، والواو في الثاني لام الفعل والنون ضميرهن، والفعل مبني لا أثر في لفظه للعامل {أَوْ يَعْفُوَاْ } عطف على محله {ٱلَّذِى بِيَدِهِ عُقْدَةُ ٱلنّكَاحِ } هو الزوج كذا فسره علي رضي الله عنه وهو قول سعيد ابن جبير وشريح ومجاهد وأبي حنيفة والشافعي على الجديد رضي الله عنهم، وهذا لأن الطلاق بيده فكان بقاء العقد بيده، والمعنى أن الواجب شرعاً هو النصف إلا أن تسقط هي الكل أو يعطي هو الكل تفضلاً، وعند مالك والشافعي في القديم هو الولي. قلنا: هو لا يملك التبرع بحق الصغيرة فكيف يجوز حمله عليه؟ {وَأَن تَعْفُواْ } مبتدأ خبره {أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ } والخطاب للأزواج والزوجات على سبيل التغليب ذكره الزجاج أي عفو الزوج بإعطاء كل المهر خير له، وعفو المرأة بإسقاط كله خير لها أو للأزواج {وَلاَ تَنسَوُاْ ٱلْفَضْلَ } التفضل {بَيْنِكُمْ } أي ولا تنسوا أن يتفضل بعضكم على بعض {إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } فيجازيكم على تفضلكم. {حَـٰفِظُواْ عَلَى ٱلصَّلَوٰتِ } داوموا عليها بمواقيتها وأركانها وشرائطها {وٱلصَّلَوٰةِ ٱلْوُسْطَىٰ } بين الصلوات أي الفضلى من قولهم للأفضل الأوسط. وإنما أفردت وعطفت على الصلوات لانفرادها بالفضل. وهي صلاة العصر عند أبي حنيفة رحمه الله وعليه الجمهور لقوله عليه السلام يوم الأحزاب «حديث : شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر ملأ الله بيوتهم ناراً »تفسير : وقال عليه السلام«حديث : إنها الصلاة التي شغل عنها سليمان حتى توارت بالحجاب»تفسير : وفي مصحف حفصة «والصلاة الوسطى صلاة العصر» ولأنها بين صلاتي الليل وصلاتي النهار، وفضلها لما في وقتها من اشتغال الناس بتجاراتهم ومعايشهم. وقيل: صلاة الظهر لأنها في وسط النهار، أو صلاة الفجر لأنها بين صلاتي النهار وصلاتي الليل، أو صلاة الغرب لأنها بين الأربع والمثنى، ولأنها بين صلاتي مخافتة وصلاتي جهر، أو صلاة العشاء لأنها بين وترين، أو هي غير معينة كليلة القدر ليحفظوا الكل. {وَقُومُواْ لِلَّهِ } في الصلاة {قَـٰنِتِينَ } حال أي مطيعين خاشعين أو ذاكرين الله في قيامكم. والقنوت أن تذكر الله قائماً أو مطيلين القيام {فَإِنْ خِفْتُمْ } فإن كان بكم خوف من عدو أو غيره {فَرِجَالاً } حال أي فصلوا راجلين وهو جمع راجل كقائم وقيام {أَوْ رُكْبَانًا } وحداناً بإيماء ويسقط عنه التوجه إلى القبلة {فَإِذَا أَمِنتُمْ } فإذا زال خوفكم {فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ } فصلوا صلاة الأمن {كَمَا عَلَّمَكُم } أي ذكراً مثل ما علمكم {مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ } من صلاة الأمن. {وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوٰجًا وَصِيَّةً لأَزْوَاجِهِم } بالنصب شامي وأبو عمرو وحمزة وحفص أي فليوصوا وصية عن الزجاج. غيرهم بالرفع أي فعليهم وصيةٌ {مَّتَـٰعًا } نصب بالوصية لأنها مصدر أو تقديره متعوهن متاعاً {إِلَى ٱلْحَوْلِ } صفة لـ «متاعاً» {غَيْرَ إِخْرَاجٍ } مصدر مؤكد كقولك «هذا القول غير ما تقول»، أو بدل من «متاعاً» والمعنى أن حق الذين يتوفون عن أزواجهم أن يوصوا قبل أن يحتضروا بأن تمتع أزواجهم بعدهم حولاً كاملاً أي ينفق عليهن من تركته ولا يخرجن من مساكنهن، وكان ذلك مشروعاً في أول الإسلام ثم نسخ بقوله تعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوٰجًا } تفسير : إلى قوله {أية : أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} تفسير : والناسخ متقدم عليه تلاوة ومتأخر نزولاً كقوله تعالى: {أية : سَيَقُولُ ٱلسُّفَهَاء مِنَ ٱلنَّاسِ }تفسير : [البقرة: 142]. مع قوله تعالى: {أية : قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي ٱلسَّمَاء }تفسير : [البقرة: 144]. {فَإِنْ خَرَجْنَ } بعد الحول {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِى أَنفُسِهِنَّ } من التزين والتعرض للخطاب {مِن مَّعْرُوفٍ } مما ليس بمنكر شرعاً {وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكُيمٌ } فيما حكم.
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {والوالدات} يعني المطلقات اللاتي لهن أولاد من أزواجهن وقيل المراد بهن جميع الوالدت سواء كن مطلقات أو متزوجات، ويدل عليه أن اللفظ عام، وما قام على دليل التخصيص فوجب تركه على عمومه، ولأنه ظاهر اللفظ فوجب حمله عليه {يرضعن أولادهن} هذا خبر بمعنى الأمر، والتقدير والوالدات يرضعن أولادهن في حكم الله الذي أوجبه، وهذا الأمر ليس أمر إيجاب، وإنما هو أمر ندب واستحباب لأن تربية الطفل بلبن الأم أصلح له من لبن غيرها ولكمال شفقتها عليه ويدل على أنه لا يجب على الوالدة إرضاع الولد. قوله: {فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن} ولو وجب عليها الرضاع لما استحقت الأجرة وقال تعالى: {وإن تعاسرتم فسترضع له أخرى} هذا نص صريح في ذلك، فإن لم يوجد من يرضع الطفل أو لم يقبل غير لبن أمه وجب عليها إرضاعه كما يجب على كل أحد مواساة المضطر، فإن رغبت الأم في إرضاع ولدها، فهي أولى به من غيرها {حولين كاملين} الحول السنة، وأصله من حال يحول إذا انقلب، وإنما قال كاملين للتوكيد لأنه مما يتسامح فيه، تقول: أقمت عند فلان حولاً وإن لم تستكمله، فبين الله أنهما حولان كاملان أربعة وعشرون شهراً، وهذا التحديد بالحولين ليس تحديد إيجاب، ويدل على ذلك قوله بعده: {لمن أراد أن يتم الرضاعة} فلما علق الإتمام بإرادتنا علمنا أن هذا الإتمام غير واجب، فثبت أن المقصود من هذا التجديد قطع النزاع بين الزوجين في مقدار زمن الرضاعة فقدر الله تعالى ذلك بالحولين حتى يرجعا إليه عند التنازع، قال ابن عباس في رواية عكرمة: إذا وضعت الولد لستة أشهر أرضعته حولين وإن وضعته لسبعة أشهر أرضعته ثلاثاً وعشرين شهراً، وإن وضعته لتسعة أشهر أرضعته أحداً وعشرين شهراً، كل ذلك ثلاثون شهراً، لقوله تعالى: {وحمله وفصاله ثلاثون شهراً} وقال في رواية الوالي عنه: هو حد لكل مولود في أي وقت ولد لا ينقص رضاعه عن حولين إلاّ باتفاق من الأبوين، فأيهما أراد فطام الولد قبل الحولين فليس له ذلك إلاّ إذا اتفقا عليه يدل على ذلك قوله: {فإن أرادا فصالاً عن تراض منهما} وقيل: فرض الله على الوالدات إرضاع الولد حولين ثم أنزل التخفيف فقال: لمن أراد أن يتم الرضاعة، أي هذا منتهى الرضاع لمن أراد إتمام الرضاعة، وليس فيما دون ذلك حد محدود، وإنما هو على مقدار إصلاح الطفل وما يعيش به {وعلى المولود له} يعني الأب، وإنما عبر عنه بهذا لأن الوالدات إنما ولدن للآباء، ولذلك ينسب الولد للأب دون الأم قال بعضهم: شعر : وإنما أمهات الناس أوعية مستودعات وللآباء أبناء تفسير : وقيل: إن هذا تنبيه على أن الولد إنما يلتحق بالوالد لكونه مولود على فراشه، فكأنه قال: إذا ولدت المرأة الولد لأجل الرجل وعلى فراشه وجب عليه رعاية مصالحه {رزقهن} أي طعامهن {وكسوتهن} أي لباسهن {بالمعروف} أي على قدر الميسرة {لا تكلف نفس إلاّ وسعها} يعني طاقتها، والمعنى أن أبا الولد لا يكلف في الإنفاق عليه وعلى أمه إلاّ قدر ما تتسع به مقدرته ولا يبلغ إسراف القدرة {لا تضار والدة بولدها} يعني لا ينزع الولد من أمه بعد أن رضيت بإرضاعه ولا يدفع إلى غيرها وقيل معناه لا تكره الأم على إرضاع الولد إذا قبل الصبي لبن غيرها لأن ذلك ليس بواجب عليها {ولا مولود له بولده} يعني لا تلقي المرأة الولد إلى أبيه وقد ألفها تضاره بذلك، وقيل معناه لا يلزم الأب أن يعطي أم الولد أكثر مما يجب عليه لها إذا لم يرضع الولد من غير أمه، فعلى هذا يرجع الضرار إلى الوالدين فيكون المعنى: لا يضار كل واحد منهما صاحبه بسبب الولد. وقيل يحتمل أن يكون الضرر راجعاً إلى الولد. والمعنى: لا يضار لكل واحد من الأبوين الولد فلا ترضعه حتى يموت فيتضرر بذلك ولا ينفق عليه الأب أو ينزعه من أمه فيضره بذلك، فعلى هذا تكون الباء صلة، والمعنى لا تضار والدة ولدها ولا أب ولده {وعلى الوارث مثل ذلك} يعني وعلى وارث أبي الولد إذا مات مثل ما كان يجب عليه من النفقة والكسوة فيلزم وارث الأب أن يقوم مقامه في القيام بحق الولد. وقيل: المراد بالوارث وارث الصبي الذي لو مات الصبي ورثه فعلى هذا الوارث مثل ما كان على أبي الصبي في حال حياته، واختلف في أي وارث هو فقيل هم عصبة الصبي كالجد والأخ والعم وابنه. وقيل: هو كل وارث له من الرجال والنساء، وبه قال أحمد: فيجبرون على نفقة الصبي كل على قدر سهمه منه. وقيل هو من كان ذا رحم محرم منه وبه قال أبو حنيفة. وقيل المراد بالوارث الصبي نفسه، فعلى هذا تكون أجرة رضاع الصبي في ماله فإن لم يكن له مال فعلى الأم ولا يجبر على نفقة الصبي غير الأبوين، وبه قال مالك والشافعي. وقيل معناه على الوارث ترك المضارة {فإن أرادا} يعني الوالدين {فصالاً} يعني فطام الولد قبل الحولين {عن تراض منهما} أي على اتفاق من الوالدين في ذلك {وتشاور} أي يشاورون أهل العلم في ذلك حتى يخبروا أن الفطام قبل الحولين لا يضر بالولد، والمشاورة استخراج الرأي بما فيه مصلحة {فلا جناح عليهما} أي فلا حرج ولا إثم على الوالدين في الفطام قبل الحولين إذا لم يضر بالولد {وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم} أي لأولادكم مراضع غير أمهاتهم إذا أبت أمهاتهم إرضاعهم أو تعذر ذلك لعلة بهن من انقطاع لبن أو غير ذلك أو أردن التزويج {فلا جناح عليكم إذا سلمتم} يعني إلى المراضع {ما آتيتم} يعني لهن من أجرة الرضاع وقيل إذا سلمتم إلى أمهاتهم من أجرة الرضاع بقدر ما أرضعن {بالمعروف} أي بالإحسان والإجمال أمروا أن يكونوا عند تسليم الأجرة مستبشري الوجوه ناطقين بالقول الجميل مطيبين لأنفس المراضع بما أمكن حتى يؤمن من تفريطهن بقطع معاذيرهن {واتقوا الله} يعني وخافوا الله فيما فرض عليكم من الحقوق وفيما أوجب عليكم لأولادكم {واعلموا أن الله بما تعملون بصير} يعني لا يخفى عليه خافية من جميع أعمالكم سرها وعلانيتها، فإنه تعالى يراها ويعلمها.
ابن عرفة
تفسير : قوله تعالى: {وَٱلْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ...}. قال ابن عرفة: هذا عام مخصوص بالعادة فالشريفة التي ليس من عادتها الإرضاع لا يطلب ذلك منها. ونص الأصوليون على صحة التخصيص بالعادة. واعتبره مالك في حديث غسل الإناء من ولوغ الكلب سبعا، فخصصه بالماء دون الطعام لان العادة تحفّظ النّاس على الطعام، فالغالب أنّ الكلب لا يصل إليه بخلاف الماء. قال ابن عطية: فإن مات الأب ولا مال للابن، فذكر مالك في المدونة أنّ الرضاع لازم للأم بخلاف النفقة. وفي كتاب (ابن) الجلاب: رضاعه في بيت المال. وقال عبد الوهاب: هو من فقراء المسلمين. قال ابن عرفة: هذان يرجعان إلى قول واحد، لأن الفقر يستدعي الإعطاء من بيت المال. قال ابن عطية: وانتزع مالك وجماعة من العلماء من هذه الآية أنّ الرّضاعة المحرمة الجارية مجرى النّسب إنّما هي ما كان في الحولين لأن بانقضاء الحولين تمت الرضاعة فلا رضاعة. قال ابن عرفة: من يطالعه يتوهم (قصد) التحريم على الرّضاع في الحولين. وفي المدونة: ولا يحرم رضاع الكبير إلاّ ما قارب الحولين ولم يفصل مثل شهر أو شهرين، وأما لو فصل بعد الحولين وبعد حول حتى استغنى بالطعام فلا يحرم ما رضع بعد ذلك. قال ابن عرفة: فالرضاع فيما زاد على الحولين بقربهما ينشر الحرمة. قال ابن عطية: وروي عن قتادة أنه نزل أولا: {وَٱلْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ} ثم نسخت بقوله تعالى: {لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ ٱلرَّضَاعَةَ}. ابن عطية: وهذا القول متداع (مبتدع). قال ابن عرفة: أي متناف لأن الشيء إنما ينسخ بنقيضه وما محمله عندي هنا إلا أنّه نسخ في الأخف. قوله تعالى: {وَعلَى ٱلْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ...}. قال ابن عرفة: ولو قيل: نفقتهن وكسوتهن، لكان فيه حُجة لمن يقول: إن الكسوة غير داخلة في النفقة، وهي مسألة اختلف فيها الشيوخ ابن زرب وغيره من الأندلسيين. قيل لابن عرفة: المطلقة في العدة لا كسوة لها؟ فقال: وكذلك الكسوة هنا ثابتة للزوجة على زوجها وإن لم يكن إرضاع. قوله تعالى: {بِٱلْمَعْرُوفِ...}. عدل بين الآباء والأبناء فلا تبالغ في طلبه و لا يقصّر هو في الإعطاء. قوله تعالى: {لاَ تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا...}. دليل على أنّ تكليف ما لا يطاق غير واقع كمذهبنا أنه جائز غير واقع. قيل لابن عرفة: بل (هي) دليل على أنه غير جائز كمذهب المعتزلة ويكون من باب السلب والإيجاب كما تقول: الحائط لا يبصر؟ فقال: الأكثر في الكلام أن لا ينفى إلا ما هو ممكن قابل للثبوت والوقوع. قوله تعالى: {فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَن تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ}. قال ابن عطية: فِصَالا، أي فطاما. وفصاله قبل الحولين لا يكون إلاّ برضاهما وألاّ يكون على المولود فيه ضرر. وأما بعد تمامهما فمن دَعَا إلى الفصل فذلك له إلاّ أن يكون على الصبي فيه ضرر. قال ابن عرفة: فعلى هذا ينبغي أن تحمل الآية على (أن) التراضي والتشاور قبل انقضاء الحولين لأنه جعل التشاور بعدهما غير معتبر. ابن عرفة: وتقدم لنا سؤال وهو أن التراضي سبب عن التشاور ((لأن المشورة) (تحصّل) التراضي أو عدمه فكان الأنسب تقديم التشاور على التراضي)). قال: وتقدم الجواب بأنه أفاد عدم الاقتصار على تراضيهما فإذا تراضيا على الفصال وكانت مشورتهما للغير تنتج أن المصلحة في عدم الفصال فلا عبرة بما تراضيا عليه. قيل لابن عرفة: أو يجاب بأنّه لو قيل: عن تشاور وتراض، لأفاد تبعية أحدهما للآخر فإن المستشير أضعف رتبة (من) المستشار فقدم الرضى ليفيد اعتبار رضاهما معا من غير تبعية؟ فقال ابن عرفة: ليس في الآية أن أحدهما يستشير مع الآخر وإنّما يَسْتَشِيرَانِ مع الأجنبي. قال ابن عرفة: (وعبر) بـ (إنْ) دون (إِذَا) لأن النفوس مجبولة على محبة الولد فإرادتهم الفصال أقل بالنسبة إلى إرادة الرضاع، فكأنه غير واقع، أو يكون أفاد أنّه (غير) (مرجوح) شرعا. وعبر في الثاني بـ (إذا) لأن استرضاع الولد للأجنبية (مرجوح) بالنسبة إلى إرضاع أمه. قيل لابن عرفة: ما الفائدة في هذه الآية مع أن معناها مستفاد من قوله: {وَٱلْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ ٱلرَّضَاعَةَ} فمفهومها أن من لم يرد الإتمام فلا جناح عليه في الفصال. فقال: هذا جاء احتراسا لأن مفهوم تلك أن من أراد الفصال له ذلك فاقتضت الآية هذه اعتبار رضاهما معا بذلك. فقيل: قوله لمن أراد أن يتم الرضاعة يفيد هذا لأنه إن أراد أحدهما (الفصال) وأراد الآخر الإتمام لم يتراضيا معا بالفصال؟ فقال: أفادت هذه زيادة الأمر بمشورتهما غيرهما. قال: وقوله {تَرَاضٍ مِّنْهُمَا} ولم يقل: عن تراضيهما، ليفيد التفسير بعد الإتمام كما قال الزمخشري في قوله الله تعالى: {أية : وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ ٱلْقَوَاعِدَ مِنَ ٱلْبَيْتِ }. تفسير : قوله تعالى: {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا...}. دليل على مرجوحية الفصال لأن اللّفظ غالب استعماله في فعل المرجوح. قوله تعالى: {إِذَا سَلَّمْتُم مَّآ آتَيْتُم بِٱلْمَعْرُوفِ...}. قرىء: "مَّآ أُتِيتُمْ". قال ابن عرفة: وفي هذه القراءة تهييج على الأمر بالتّسليم لأن تسليم الإنسان ما لا يملك أهون عليه من تسليم ما يملك. ومعنى قوله "مَّآ آتَيْتُم" بالنّصب أن يعطي الأب (الأم) دينارا على الإرضاع ثم يريد أن يسترضع الولد (عند) الأجنبية فلا جناح (عليهما) إذا سلم الدّينار للأم ولم يسترجعه من عندها. قال أبو حيان: "إذا سَلّمتُم شرطٌ"، قالوا: وجوابها ما يدل عليه الشرط الأول وجوابه وذلك المعنى هو العامل في (إذا) وهو متعلق تعلق بما يتعلق به (عليكم). أبو حيان: وظاهره خطأ لأن القول بأن العامل في (إذا) المعنى الذي يدل عليه الشرط وجوابه مع القول بأنّها تتعلق بما تعلق به (عليكم) متناف. قال: ابن عرفة: لأنه إذا كان العامل في (إذا) ما تعلق به (عليكم) فيكون (إذا) جوابا للشرط الأول فقد قلتم إن الشرط الأول (جوابها) فيلزم التناقض. قيل لابن عرفة: أو يريد بالتنافي أنّها إذا كان العامل فيها ما تعلق به (عليكم) يكون (إذا) ظرفا وقد جعلتموها شرطا وهذا تناقض. قوله تعالى: {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ...}. إشارة إلى مراعاة حق الولد في ذلك لأنه لا يتكلم ولا يخبر بشيء. قوله تعالى: {وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ }. ابن عرفة: الوصف بـ (بصير) أشدّ في الوعيد والتخويف من الوصف بـ (عليم) لأن الإنسان قد يتجرأ على مخالفة سيده الغائب عنه وإن علم أنه يعلم ولا يتجرأ على مخالفته إذا كان حاضرا يشاهده وينظر إليه. فائدة: سئل الشيخ ابن عرفة عن امرأة سقطت حضانتها لولدها إما لتزويج أو سفه أو عجز أو غير ذلك ثم إنها اشتاقت إلى الولد وأخذته فبقي عندها عاما كاملا ثم طلبت من أبيه نفقته فادّعى أنّه كان ينفق عليه؟ فقال ابن عرفة: بأنّ القول قولها فتحلف وتستحق، وقصارى الأمر أن تكون كالأجنبية إذا أنفقت على الولد. وقد قال في المدونة: القول قولها. وهذه لما سقطت حضانتها صارت كالأجنيبة. انتهى.
القمي النيسابوري
تفسير : القراءات: {لا تضار} بضم الراء: أبو عمرو وسهل ويعقوب وابن كثير وقتيبة. الباقون بفتح الراء ولا خلاف في قوله {أية : ولا يضار كاتبٌ ولا شهيد} تفسير : [البقرة: 282] بالفتح {ما أتيتم} مقصوراً: ابن كثير. الباقون بالمد {يتوفون} بفتح الياء وما بعده: المفضل. الباقون بضم الياء {النساء أو} بهمزتين: عاصم وعلي وحمزة وخلف وابن عامر. الباقون {النساء} وروى الخزاعي وابن شنبوذ عن أهل مكة {النساء أو}. {تماسوهن} حيث وقعت: علي وحمزة وخلف. الباقون {تمسوهن} {قدره} بالتحريك: يزيد وابن ذكوان وروح وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد. الباقون بالإسكان. الوقوف: {الرضاعة} ط {بالمعروف} ط {وسعها} ج لاستئناف اللفظ مع قرب المعنى {مثل ذلك} ج {عليهما} ط لابتداء الحكم في استرضاع الأجنبية {بالمعروف} ط {بصير} هـ {وعشراً} ج {بالمعروف} ط {خبير} هـ {أنفسكم} ط {معروفاً} ط {أجله} ط لابتداء الأمر {فاحذروه} ج للفصل بين موجبي الخوف والرجاء ولهذا كررت كلمة "واعلموا" تقديره غفور حليم فارجوه والوقف أليق {حليم} هـ {فريضة} ج لعطف المختلفتين {ومتعوهن} ج لانقطاع النظم مع اتصال المعنى، لأن الجملة الثانية لتقدير المأمور في الأولى {قدره} الثاني ج لأن "متاعاً" مصدر "متعوهن" والوقف لبيان أنه غير متصل بما يليه من الجملتين العارضتين {بالمعروف} ج لأن "حقاً" يصلح نعتاً للمتاع أي متاعاً حقاً، ويصلح مصدر المحذوف أي حق ذلك حقاً. {المحسنين} ط {النكاح} ط {للتقوى} ط {بينكم} هـ {بصير} هـ. التفسير: الحكم الثاني عشر: الإرضاع والوالدات. قيل: هن المطلقات والمزوجات لأن ظاهر اللفظ مشعر بالعموم. وقيل: المطلقات ولهذا ذكرت عقيب آية الطلاق. وتحقيقه أنه إذا حصلت الفرقة استتبعت التباغض والتعاند المتضمن لإيذاء الولد ليتأذى الزوج، وربما رغبت في التزوج بزوج آخر فيهمل أمر الطفل، فندب الله تعالى الوالدات المطلقات إلى رعاية جانب الأطفال والاهتمام بشأنهم. وأيضاً إنه تعالى قال في الآية: {وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف} ولو كانت الزوجية باقية لوجب ذلك للزوجية لا للرضاع ذكره السدي. وقال الواحدي في البسيط: الأولى أن يحمل على المزوجات في حال بقاء النكاح، لأن المطلقة لا تستحق النفقة وإنما تستحق الأجرة، ثم إن النفقة والكسوة تجبان في مقابلة التمكين، فإذا اشتغلت بالإرضاع والحضانة لم تتفرغ لخدمة الزوج، فلعل متوهماً يتوهم أن مؤنتها قد سقطت بالخلل الواقع في الخدمة فأزيل ذلك الوهم بإيجاب الرزق والكسوة وإن اشتغلت بالإرضاع ويرضعن مثل يتربصن في أنه خبر في معنى الأمر المؤكد، وهذا الأمر على سبيل الندب بدليل قوله تعالى {أية : فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن} تفسير : [الطلاق: 6] ولو وجب عليها الإرضاع لم تستحق الأجرة. وإنما كان ندباً من حيث إن تربية الطفل بلبن الأم أصلح، ولأن شفقتها أكثر، ولا يجوز استئجار الأم عند أبي حنيفة ما دامت زوجة أو معتدة من نكاح، وعند الشافعي يجوز، فإذا انقضت عدتها جاز بالاتفاق. وقد يفضي الأمر إلى الوجوب إذا لم يقبل الصبي إلا ثدي أمه، أو لم توجد له ظئر، أو كان الأب عاجزاً عن الاستئجار. {حولين} أي عامين، والتركيب يدور على الانقلاب. فالحول منقلب من الوقت الأول إلى الثاني، و {كاملين} توكيد كقوله {أية : تلك عشرة كاملة} تفسير : [البقرة: 196] فقد يقال: أقمت عند فلان حولين. وإنما أقام حولاً وبعض الآخر. وليس التحديد بالحولين تحديد إيجاب لقوله تعالى بعد ذلك {لمن أراد أن يتم الرضاعة} أي هذا الحكم لمن أراد إتمام الإرضاع، أو اللام متعلقة بيرضعن كما تقول: أرضعت فلانة لفلان ولده أي يرضعن حولين لمن أراد أن يتم الرضاعة من الآباء، لأن الأب يجب عليه إرضاع الولد دون الأم وعليه أن يتخذ له ظئراً إلا إذا تطوعت الأم بإرضاعه. ثم المقصود من ذكر التحديد قطع التنازع بين الزوجين إذا تنازعا في مدة الرضاعة، فإن أراد أحدهما أن يفطمه قبل الحولين ولم يرض الآخر لم يكن له ذلك. أما إذا اجتمعا على أن يفطما قبل تمام الحولين فلهما ذلك. وأيضاً فللرضاع حكم خاص في الشريعة وهو قوله صلى الله عليه وسلم "حديث : يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب"تفسير : فيعلم من التحديد أن الإرضاع ما لم يقع في هذا الزمان لا يفيد هذا الحكم هذا هو مذهب الشافعي وبه قال علي وابن مسعود وابن عباس وابن عمر وعلقمة والشعبي والزهري. وعن أبي حنيفة أن مدة الرضاع ثلاثون شهراً. وقرئ {أن يتم الرضاعة} برفع الفعل تشبيهاً لأن بما لتآخيهما في التأويل أي في المصدر لأن كلمة "ما" ستارة تقع مصدرية فلا تنصب. وقرئ {الرضاعة} بكسر الراء. {وعلى المولود له} وعلى الذي يولد له وهو الوالد وله في عمل الرفع على الفاعلية لما عليهم في المغضوب عليهم. وإنما قيل: {المولود له} دون الوالد ليعلم أن الوالدات إنما ولدت لهم ولذلك ينسبون إليهم لا إلى الأمهات. وفيه تنبيه على أن الولد إنما يلحق بالوالد لكونه مولوداً على فراشه ما قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : الولد للفراش"تفسير : وفيه أن نفع الأولاد عائد إلى الآباء فيجب عليهم رعاية مصالحه كما قيل: كله لك فكله عليك. فعليهم رزقهن وكسوتهن إذا أرضعه ولدهم كالأظآر ألا ترى أنه ذكره باسم الوالد حيث لم تكن هذه المعاني مقصودة وذلك قوله {أية : واخشوا يوماً لا يجزي والدٌ عن ولده ولا مولودٌ هو جاز عن والده شيئاً}تفسير : [لقمان: 33] {بالمعروف} تفسيره ما يتلوه وهو أن لا يكلف واحد منهما ما ليس في وسعه ولا يتضار. وأيضاً المعروف في هذا الباب قد يكون محدوداً بشرط وعقد، وقد يكون غير محدود إلا من جهة العرف، لأنه إذا قام بما يكفيها في طعامها وكسوتها فقد استغنى عن تقدير الأجرة، إذ لو كان ذلك أقل من قدر الكفاية لحقها ضرر من الجوع والعري، ويتعدى ذلك الضرر إلى الولد. وفي الآية دليل على أن حق الأم أكثر من حق الأب لأنه ليس بين الأم والطفل واسطة، وبين الأب وبينه واسطة، فإنه يستأجر المرأة على الإرضاع والحضانة بالنفقة والكسوة. والتكليف: الإلزام. قيل: أصله من الكلف وهو الأثر على الوجه. فمعنى تكلف الأمر اجتهد أن يبين فيه أثره. وكلفه ألزمه ما يظهر فيه أثره. والوسع ما يسع الإنسان ولا يعجز عنه ولهذا قيل: الوسع فوق الطاقة. من قرأ {لا تضار} بالرفع فعلى الإخبار في معنى النهي، ويحتمل البناء للفاعل والمفعول على أن الأصل تضار بكسر الراء، أو تضار بفتحها. ومن قرأ بالفتح فعلى النهي صريحاً، ويحتمل البناءين أيضاً. وتبيين ذلك أنه قرئ {لا تضارر} و {لا تضارر} بالجزم وكسر الراء الأولى وفتحها. ومعنى لا تضار والدة زوجها بسبب ولدها وهو أن تعنف به وتطلب منه ما ليس بعدل من الزرق والكسوة وأن تشغل قلبه بسبب التفريط في شأن الولد، وأن تقول بعد ما ألفها الصبي: اطلب له ظئراً ونحو ذلك {ولا يضار مولودٌ له} امرأته بسبب ولده بأن يمنعها شيئاً مما وجب عليه من الرزق والكسوة، أو يأخذه منها وهي تريد إرضاعه، أو يكرهها على الإرضاع. وهكذا إذا كان مبنياً للمفعول كان نهياً عن أن يلحق بها الضرر من قبل الزوج، وعن أن يلحق الضرر بالزوج من قبلها بسبب الولد. ويحتمل أن يكون تضار بمعنى تضر، والباء من صلته أي لا تضر والدة بولدها بأن تسيء غذاءه وتعهده أو تفرّط فيما ينبغي له ولا تدفعه إلى الأب بعد ما ألفها، ولا يضر الوالد به بأن ينتزعه من يدها أو يفرط في شأنها فتقصر هي في حق الولد. وإنما قيل: {بولدها} و {بولده} لأن المرأة لما نهيت عن المضارة أضيف إليها الولد استعطافاً لها عليه وأنه ليس بأجنبي منها فمن حقها أن تشفق عليه وكذلك الوالد. قوله سبحانه {وعلى الوارث مثل ذلك} للعلماء فيه أقوال من حيث إنه تقدم ذكر الوالد والولد والوالدة واحتمل في الوارث أن يكون مضافاً إلى كل واحد من هؤلاء. فعن ابن عباس أن المراد وارث الأب، وقوله {وعلى الوارث} عطف على قوله {وعلى المولود له رزقهن} وما بينهما تفسير للمعروف. فالمعنى وعلى وارث المولود مثل ما وجب عليه من الرزق والكسوة أي إن مات المولود ألزم من يرثه أن يقوم مقامه في أن يرزقها ويكسوها بالشرط المذكور من العدل وتجنب الضرار. وقيل: المراد وارث الولد الذي لو مات الصبي ورثه، فيجب عليه عند موت الأب كل ما كان واجباً على الأب، وهذا قول الحسن وقتادة وأبي مسلم والقاضي. ثم اختلفوا في أنه أيّ وارث هو؟ فقيل: العصبات دون الأم والأخوة من الأم وهو قول عمر والحسن ومجاهد وعطاء وسفيان وإبراهيم. وقيل: هو وارث الصبي من الرجال والنساء على قدر النصيب من الميراث، عن قتادة وابن أبي ليلى. وقيل: وعلى الوارث ممن كان ذا رحم محرم دون غيرهم من ابن العم والمولى عن أبي حنيفة وأصحابه. وعند الشافعي لا نفقة فيما عدا الولاد أي الأب والابن. وقيل: المراد من الوارث هو الصبي نفسه فإنه إن مات أبوه وورثه وجبت عليه أجرة رضاعه في ماله إن كان له مال، فإن لم يكن له مال أجبرت الأم على إرضاعه. وقيل: المراد من الوارث الباقي من الأبوين كما في الدعاء المروي "واجعله الوارث منا" أي الباقي وهو قول سفيان وجماعة {فإن أرادا فصالاً} أي فطاماً وليس من باب المفاعلة وإنما هو ثلاثي على "فعال" كالعثار والإباق. وذلك أن الولد ينفصل عن الاغتذاء بثدي أمه إلى غيره من الأقوات. وعن أبي مسلم أنه يحتمل أن يكون المراد من الفصال إيقاع المفاصلة بين الولد والأم إذا حصل التراضي والتشاور في ذلك، ولم يرجع ضرر إلى الولد وليكن الفصال صادراً {عن تراضٍ منهما وتشاور} مع أرباب التجارب وأصحاب الرأي {فلا جناح عليهما} في ذلك زادا على الحولين لضعف في تركيب الصبي، أو نقصاً. وهذه أيضاً توسعة بعد التحديد وذلك أن الأم قد تمل من الإرضاع فتحاول الفطام والأب أيضاً قد يمل إعطاء الأجرة على الإرضاع فيطلب الفطام دفعاً لذلك لكنهما قد يتوافقان على الإضرار بالولد لغرض النفس فلهذا اعتبرت المشاورة مع غيرهما، وحينئذٍ يبعد موافقة الكل على ما يكون فيه إضرار بالولد، وإن اتفقوا على الفطام قبل الحولين وهذا غاية العناية من الرب بحال الطفل الضعيف، ومع اجتماع الشروط لم يصرح بالإذن بل رفع الحرج فقط. ولما بيّن حكم الأم وأنها أحق بالرضاع بيّن أنه يجوز العدول في هذا الباب عنها إلى غيرها فقال: {وإن أردتم أن تسترضعوا} أي المراضع أولادكم {فلا جناح عليكم} يقال: أرضعت المرأة الصبي واسترضعتها الصبي بزيادة السين مفعولاً ثانياً كما تقول: أنجا لحاجة واستنجته إياها. فحذف أحد المفعولين للعلم به. وعن الواحدي: التقدير أن تسترضعوا لأولادكم فحذف اللام للعلم به مثل {وإذا كالوهم أو وزنوهم} أي كالوا لهم أو وزنوا لهم. ومن موانع الإرضاع للأم ما إذا تزوجت بزوجٍ آخر، فقيامها بحق ذلك الزوج يمنعها عن الإرضاع. ومنها أنه إذا طلقها الزوج الأول فقد تكره الإرضاع ليتزوج بها زوج آخر. ومنها أن تأبى المرأة قبول الولد إيذاء للزوج المطلق. ومنها أن تمرض أو ينقطع لبنها. فعند أحد هذه الأمور إذا وجدنا مرضعة أخرى وقبل الطفل لبنها جاز العدول عن الأم إلى غيرها، فإن لم نجد مرضعة أخرى أو وجدنا ولكن لا يقبل الطفل لبنها فالإرضاع واجب على الأم. {إذا سلمتم} إلى المراضع {ما آتيتم} ما آتيتموه المرأة أي ما أردتم إيتاءه مثل {إذا قمتم إلى الصلاة} قرأ {ما أتيتم} بالقصر فهو من أتى إليه إحساناً إذا فعله كقوله تعالى {إنه كان وعده مأتياً} أي مفعولاً. وروى شيبّان عن عاصم {ما أوتيتم} أي ما آتاكم الله وأقدركم عليه من الأجرة، وليس التسليم شرطاً للجواز والصحة وإنما هو ندب إلى الأولى. وفيه حث على أن الذي يعطي المرضعة يجب أن يكون يداً بيد حتى يكون أهنأ وأطيب لنفسها لتحتاط في شأن الصبي، ولهذا قيد التسليم بأن يكون بالمعروف وهو أن يكونوا حينئذٍ مستبشري الوجوه ناطقين بالقول الجميل مطيبين لأنفس المراضع بما أمكن قطعاً لمعاذيرهن. ثم أكد الجميع بأن ختم الآية بنوع من التحذير فقال: {واتقوا الله واعلموا أن الله بما تعملون بصير}. الحكم الثالث عشر: عدة الوفاة {والذين يتوفون} ومعناه يموتون ويقبضون قال: {أية : الله يتوفى الأنفس حين موتها} تفسير : [الزمر: 42] وأصل التوفي أخذ الشيء كاملاً وافياً. ويبنى للمفعول ومعناه ما قلنا، وللفاعل ومعناه استوفى أجله ورزقه وعليه قراءة علي رضي الله عنه {يتوفون} بفتح الياء. والذي يحكى أن أبا الأسود الدؤلي كان يمشي خلف جنازة فقال له رجل: من المتوفي - بكسر الفاء -؟ فقال: الله. وكان أحد الأسباب الباعثة لعليّ رضي الله عنه على أن أمره بأن يضع كتاباً في النحو. فلعل السبب فيه أن ذلك الشخص لم يكن بليغاً وهذا المعنى من مستعملات البلغاء فلهذا لم يعتد بقوله، وحمله على متعارف الأوساط {ويذرون} يتركون ولا يستعمل منه الماضي والمصدر استغناء عنهما بتصاريف ترك. والأزواج ههنا النساء {يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر} مثل قوله {أية : يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء} تفسير : [البقرة: 228] وقد مر. {وعشراً} أي يعتددن هذه المدة وهي أربعة أشهر وعشرة أيام. وإنما قيل: {عشراً} ذهاباً إلى الليالي والأيام داخلة معها. قال في الكشاف: ولا نراهم قط يستعملون التذكير فيه ذاهبين إلى الأيام. وقيل في سبب التغليب: إن مبدأ الشهر من الليل، والأوائل أقوى من الثواني. وأيضاً هذه الأيام أيام الحزن، وأيام المكروه خليقة أن تسمى ليالي استعارة، أو المراد عشر مدد كل منها يوم بليلته. وذهب الأوزاعي والأصم إلى ظاهر الآية وأنها إذا انقضت لها أربعة أشهر وعشر ليال حلت للأزواج نقل عن الحسن وأبي العالية أنه تعالى إنما حد العدة بهذا القدر لأن الولد ينفخ فيه الروح في العشر بعد الأربعة. قلت: ولعل هذا من الأمور التي لا يعقل معناها كأعداد الركعات ونصب الزكوات، وإنما الله ورسوله أعلم بذلك. وهذه العدة واجبة على كل امرأة مات زوجها إلا إذا كانت أمة فإن عدتها نصف عدة الحرة عند أكثر الفقهاء. وعن الأصم أن عدتها عدة الحرائر تمسكاً بظاهر عموم الآية، وقياساً على وضع الحمل وإلا إذا كانت المرأة حاملاً فإنها إذا وضعت الحمل حلت وإن كان بعد وفاة الزوج بساعة لقوله تعالى {أية : وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن} تفسير : [الطلاق: 4]. ولو زعم قائل أن ذلك في الطلاق فليعول على قصة سبيعة الأسلمية، ولدت بعد وفاة زوجها بنصف شهر فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: حديث : حللت فانكحي من شئت. تفسير : وعن علي رضي الله عنه أنها تتربص أبعد الأجلين. ولا فرق في عدة الوفاة بين الصغيرة والكبيرة وذات الأقراء وغيرها والمدخول بها وغيرها. وقال ابن عباس: لا عدة عليها قبل الدخول. ورد بعموم الآية، ولهذا أيضاً لم يفرق بين أن ترى المعتدة في المدة المذكورة دم الحيض على عادتها أو لا تراه خلافاً لمالك فإنه قال: لا تنقضي عدتها حتى ترعادتها من الحيض في تلك الأيام مثل التي كانت عادتها. فإن كانت عادتها أن تحيض في كل شهر مرة فعليها في عدة الوفاة أربع حيض، وإن كانت عادتها أن تحيض في كل شهرين مرة فعليها حيضتان، وإن كانت عادتها أن تحيض في كل أربعة أشهر مرة يكفيها حيضة واحدة، وإن كانت عادتها أن تحيض في كل خمسة أشهر مرة فههنا يكفيها الشهور، ثم مذهب الشافعي أنها إن ارتابت استبرأت نفسها من الريبة، كما أن ذات الأقراء لو ارتابت وجب عليها أن تحتاط وتعتبر المدة بالهلال ما أمكن، فإن مات الزوج في خلال شهر هلالي والباقي أكثر من عشرة أيام فتعد ما بقي وتحسب ثلاثة أشهر بعده بالأهلة وتكمل ذلك الباقي ثلاثين وتضم إليها عشرة أيام، فإذا انتهت من اليوم الأخير إلى الوقت الذي مات فيه الزوج فقد انقضت العدة، وإن كان الباقي دون عشرة أيام فتعده وتحسب أربعة أشهر بالأهلة وتكمل الباقي عشرة من الشهر السادس، وإن كان الباقي عشرة أيام فتعتد بها وبأربعة أشهر بالأهلة بعدها، وإن انطبق الموت على أول الهلال فتعتد بأربعة أشهر بالأهلة وبعشرة أيام من الشهر الخامس. واختلفوا في أن هذه المدة سببها الوفاة أو العلم بالوفاة؟ فعن بعضهم - ويوافقه جديد قول الشافعي - أنها ما لم تعلم بوفاة زوجها لا تعتد بانقضاء الأيام في العدة لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : امرأة المفقود امرأته حتى يأتيها يقين موته أو طلاقه"تفسير : وأيضاً فالنكاح معلوم بيقين فلا يزال إلا بيقين. وقال الأكثرون: السبب هو الموت. فلو انقضت المدة أو أكثرها ثم بلغها خبر وفاة الزوج وجب أن تعتد بما انقضى، والدليل عليه أن الصغيرة التي لا علم لها تكفي في انقضاء عدتها هذه المدة. ثم المراد من تربصها بنفسها الامتناع عن النكاح بالإجماع، والامتناع عن الخروج من المنزل إلا عند الضرورة والحاجة والإحداد ويعني به ترك التزين بثياب الزينة وترك التحلي والتطيب والتدهن والاكتحال بالإثمد، ويحرم عليها أن تخضب بالحناء ونحو ذلك فيما يظهر من اليدين والرجلين والوجه. ولا منع منه فيما تحت الثياب ولا منع من التزين في الفرش والبسط والستور وأثاث البيت ومن التنظيف بغسل الرأس والامتشاط وقلم الأظفار والاستحداد ودخول الحمام وإزالة الأوساخ. والعدة تنقضي إن تركت الإحداد ولكنّها تعصي لما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث ليال إلا على زوج أربعة أشهر وعشراً"تفسير : وعن الحسن والشعبي أنه غير واجب لأن الحديث يقتضي حل الإحداد لا وجوبه لكنه صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : المتوفى عنها زوجها لا تلبس المعصفر من الثياب ولا الممشقة ولا الحلى ولا تختضب ولا تكتحل"تفسير : والممشقة المصبوغة بالمشق وهو الطين الأحمر. وقد يحتج بقوله {والذين يتوفون منكم} من قال: الكفار ليسوا مخاطبين بفروع الشرائع وإلا لم يخص الخطاب في {منكم} بالمؤمنين. والجواب إنما خصوا بالخطاب لأنهم هم العاملون بذلك كقوله تعالى {أية : إنما أنت منذر من يخشاها} تفسير : [النازعات: 45] مع أنه منذر للكل {أية : ليكون للعالمين نذيراً} تفسير : [الفرقان: 1] {فإذا بلغن أجلهن} إذا انقضت عدتهن {فلا جناح عليكم} أيها الأولياء لأنهم الذين يتولون العقد، أو أيها الحكام وصلحاء المسلمين لأنهن إذا تزوجن في مدة العدة وجب على كل أحد منعهن عن ذلك، فإن عجز استعان بالسلطان وذلك لأن المقصود من هذه العدة الأمن من اشتمال فرجها على ماء زوجها الأول. وقيل: معناه لا جناح عليكم وعلى النساء فيما فعلن في أنفسهن من التعرض للخطاب بالتزين والتطيب ونحوهما مما تنفرد المرأة بفعله، وفيه دليل على وجوب الإحداد بالمعروف بالوجه الذي يحسن عقلاً وشرعاً. وقد يحمل أصحاب أبي حنيفة الفعل ههنا على التزويج فيستدلونه به على جواز النكاح بلا ولي. بعد تسليم أن المراد من الفعل هو التزويج أن الفعل قد يسند إلى المسبب مثل "بنى الأمير داراً" وقد تقدم في قوله {أية : أن ينكحن أزواجهن} تفسير : [البقرة: 232] ثم ختم الآية بالتهديد المشتمل على الوعيد فقال: {والله بما يعملون خبير}. الحكم الرابع عشر: خطبة النساء وذلك قوله سبحانه {ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء} والتعريض ضد التصريح ومعناه أن تضمر كلامك كي يصلح للدلالة على المقصود وعلى غير المقصود إلا أن إشعاره بجانب المقصود أتم وأرجح، ولهذا قد يقال: إنه سوق الكلام لموصوف غير مذكور كما يقول المحتاج: جئتك لأنظر إلى وجهك الكريم. ومنه قول الشاعر: شعر : وحسبك بالتسليم مني تقاضياً تفسير : وأصله من عرض الشيء وهو جانبه كأنه يحوم حوله ولا يظهره ولهذا قيل: "حديث : إن في المعاريض لمندوحة عن الكذب"تفسير : وهو قسم من أقسام الكناية. والخطبة أصلها من الخطب وهو الأمر والشأن خطب فلان فلانة أي سألها أمراً وشأناً في نفسها. وكذا في الخطبة والخطاب فإن في كل منهما شأناً. ثم النساء على ثلاثة أقسام: أحدها: أن تجوز خطبتها تعريضاً وتصريحاً وهي الخالية عن الزوج والعدة إلا إذا كان قد خطبها آخر وأجيب إليه، وعليه يحمل قوله صلى الله عليه وسلم "حديث : لا يخطب أحدكم على خطبة أخيه"تفسير : فإن وجد صريح الإباء أو لم يوجد صريح الإجابة ولا صريح الرد فالأصح أنه يجوز خطبتها لأن السكوت لا يدل على الرضا خلافاً لمالك. وثانيها: ما لا يجوز خطبتها تعريضاً ولا تصريحاً وهي منكوحة الغير، لأن خطبتها ربما صارت سبباً لتشويش الأمر على زوجها، ولامتناع المرأة عن أداء حقوق الزوج إذا وجدت راغباً فيها، وكذا الرجعية فإنها في حكم المنكوحة بدليل أنه يصح طلاقها وظهارها ولعانها وتعتد منه عدة الوفاة ويتوارثان. وثالثها: ما يفصل في حقها بين التعريض والتصريح وهي المعتدة غير الرجعية سواء كانت معتدة عن وفاة، أو عن طلقات ثلاث، أو عن طلقة بائنة كالمختلعة، أو عن فسخ. وسبب ا لتحريم أنها مستوحشة بالطلاق فربما كذبت في انقضاء العدة بالأقراء مسارعة إلى مكافاة الزوج. وأما المعتدة عن وفاة فظاهر الآية يدل على أنها في حقها لأنها ذكرت عقيب آية عدة المتوفى عنها زوجها، ثم إنه خص التعريض بعدم الجناح فوجب أن يكون التصريح بخلافه، ثم المعنى يؤكد ذلك وهو أن التصريح لا يحتمل غير النكاح، فالغالب أن يحملها الحرص على النكاح على الإخبار عن انقضاء العدة قبل أوانها بخلاف التعريض فإنه يحتمل غير ذلك فلا يدعوها إلى الكذب. قال الشافعي: والتعريض كثير كقوله "رب راغب فيك" أو "من يجد مثلك" أو "لست بأيم" و "إذا حللت فأعلميني". وعد آخرون من ألفاظ التعريض أو يقول لها: "إنك لجميلة" أو "صالحة" و "من غرضي أن أتزوج" و "عسى الله أن ييسر لي امرأة صالحة" ونحو ذلك من الكلام الموهم أنه يريد نكاحها حتى تحبس نفسها عليه إن رغبت فيه. والتصريح أن يقول: إني أريد أن أنكحك أو أتزوجك أو أخطبك. وعن أبي جعفر محمد بن علي أنها دخلت عليه امرأة وهي في العدة فقال: قد علمت قرابتي من رسول الله صلى الله عليه وسلم وحق جدي عليّ وقدمي في الإسلام. فقالت: غفر الله لك أتخطبني في عدتي وأنت يؤخذ عنك؟ فقال: إنما أخبرتك بقرابتي من نبي الله. قد دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على أم سلمة وكانت عند ابن عمها أبي سلمة فتوفي عنها فلم يزل يذكر لها منزلته من الله وهو متحامل على يده حتى أثر الحصير في يده. فما كانت تلك خطبة {أو أكننتم في أنفسكم} أو سترتم وأضمرتم في قلوبكم فلم تذكروه بألسنتكم، لا معرّضين ولا مصرحين. أباح التعريض في الحال أولاً ثم أباح أن يعقد قلبه على أنه سيصرح بذلك بعد انقضاء العدة، ثم ذكر الوجه الذي لأجله أباح التعريض فقال: {علم الله أنكم ستذكرونهن} لأن شهوة النفس إذا حصلت في باب النكاح لم يكد المرء يصبر عن النطق بما ينبئ عن ذلك فأسقط الله تعالى عنه الحرج. ثم قال: {ولكن} أي فاذكروهن ولكن {لا تواعدوهن سراً} والسر وقع كناية عن النكاح الذي هو الوطء لأنه مما يسر. ثم عبر به عن النكاح الذي هو العقد لأنه سبب فيه كما فعل بالنكاح {إلا أن تقولوا قولاً معروفاً} وهو أن تعرضوا ولا تصرحوا. والمعنى لا تواعدوهن مواعدة سرية إلا مواعدة الإحسان إليها والاهتمام بمصالحها حتى يصير ذكر هذه الأشياء مؤكداً لذلك التعريض. فالمواعدة المنهي عنها إما أن تكون المواعدة في السر بالنكاح فيكون منعاً من التصريح، وإما المواعدة بذكر الجماع كقوله: إن نكحتك آنك الأربعة والخمسة. وعن ابن عباس أو كقوله: دعيني أجامعك فإذا أتممت عدتك أظهرت نكاحك. عن الحسن أو يكون ذلك نهياً عن مسارة الرجل المرأة الأجنبية لأن ذلك يورث نوع ريبة، أو نهياً أن يواعدها أن لا تتزوج بأحد سواه. ويحتمل أن يكون السر صفة للموعود به أي لا تواعدوهن بشيء يوصف بكونه سراً إلا بأن تقولوا قولاً معروفاً وهو التعريض. وعن ابن عباس هو أن يتواثقا أن لا تتزوج غيره {ولا تعزموا عقدة النكاح} من عزم الأمر وعزم عليه. والعزم عقد القلب على فعل من الأفعال معناه ولا تعزموا عقد عقدة النكاح، أو لا تعزموا عقدة النكاح أن تعقدوها، وإذا نهى عن العزم فعن نفس الفعل أولى. وقيل: معنى العزم القطع أي لا تحققوا ذلك ولا توجبوه ومنه قوله صلى الله عليه وسلم"حديث : لا صيام لمن لم يعزم الصيام من الليل"تفسير : وروي "حديث : لم يبيت الصيام"تفسير : وقيل: لا تعزموا عليهن أن يعقدن النكاح مثل عزمت عليك أن تفعل كذا. وأصل العقد الشد والعهود والأنكحة تسمى عقوداً تشبيهاً بالحبل الموثق بالعقد {حتى يبلغ الكتاب أجله} المراد منه المكتوب أي تبلغ العدة المفروضة آخرها وانقضت، ويحتمل أن يكون مصدراً بمعنى الفرض أي حتى يبلغ هذا التكليف نهايته. وباقي الآية بيان موجبي الخوف والرجاء كما تقدم. الحكم الخامس عشر: حكم المطلقة قبل الدخول وقبل فرض المهر وذلك قوله عز من قائل {لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة} واعلم أن عقد النكاح يوجب بدلاً على كل حال، وذلك البدل إما أن يكون مذكوراً أو غير مذكور. فإن كان مذكوراً فإن حصل الدخول استقر كله وعدتها ثلاثة قروء كما سبق، وإن لم يحصل الدخول سقط نصف المذكور بالطلاق كما يجيء في الآية التالية، وإن لم يكن البدل مذكوراً فإن لم يحصل الدخول فحكمها في هذه الآية وهو أن لا مهر لها ويجب لها المتعة، وإن حصل الدخول فحكمها غير مذكور في هذه الآيات إلا أنهم اتفقوا على أن الواجب فيها مهر المثل قياساً على الموطوءة بالشبهة، بل أولى لوجود النكاح الصحيح. وقد يستنبط حكمها من قوله تعالى {أية : فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن}تفسير : [النساء: 24] ويحتمل أن يقال: هذه الآية تدل على أنه لا مهر للتي لا تكون ممسوسة ولا مفروضاً لها، فيعرف من ذلك وجود المهر للممسوسة غير المفروض لها وللمفروض لها غير الممسوسة. وقد سلف حكم الممسوسة المفروض لها فتبين اشتمال القرآن على أحكام جميع الأقسام. فإن قيل: ظاهر الآية مشعر بأن نفي الجناح على المطلق مشروط بعدم المسيس وليس كذلك، فإنه لا جناح عليه أيضاً بعد المسيس. قلنا: لعل الآية وردت لبيان إباحة الطلاق على الإطلاق، وهذا الإطلاق لا يصح إلا قبل المسيس إذ بعده يحتاج إلى أن يكون الطلاق في طهر لم يجامعها فيه، أو لعل "ما" بمعنى "التي" لا للمدة. والتقدير: لا جناح عليكم إن طلقتم النساء اللاتي لم تمسوهن. ولا يلزم منه وجود الجناح في تطليق غيرهن، أو المراد من الجناح في الآية لزوم المهر أي لا مهر عليكم ولا تبعة في تطليقهن، فإن الجناح في اللغة الثقل يقال: جنحت السفينة إذا مالت بثقلها. ومما يؤكد ذلك أنه نفي الجناح ممدوداً إلى غاية هي إما المسيس أو الفرض. والجناح الذي ثبت عند أحد هذين الأمرين هو لزوم المهر فحصل القطع بأن الجناح المنفي في أول الآية هو لزوم المهر. وأيضاً إن تطليق النساء قبل المسيس إما أن يكون قبل تقدير المهر أو بعده. وفي القسم الثاني أوجب نصف المفروض كما يجيء فيجب أن يكون المنفي في القسم الأول مقابل المثبت في الثاني. واتفقوا على أن المراد بالمسيس أو المماسة في الآية الجماع، ولا يخفى حسن موقع هذه الكناية، وفيه تأديب للعباد في اختيار أحسن الألفاظ للتخاطب والتفاهم. والفرض في اللغة التقدير أي تقدروا مقدراً من المهر. ومعنى "أو" ههنا أن رفع الجناح منوط بعدم المسيس، أو بعدم الفرض على سبيل منع الخلوة فقط، ولهذا صح اجتماعهما في هذا الحكم. وقيل: إنها بمعنى الواو. وقيل: بمعنى "إلا أن" وقيل: بمعنى "حتى" والكل تعسف. ثم إنه تعالى لما بيّن أنها لا مهر لها قبل المسيس والتسمية، ذكر أن لها المتعة فقال: {ومتعوهن} فذهب الشافعي وأبو حنيفة إلى أنها واجبة نظراً إلى الأمر، وأنه للوجوب ظاهراً وهو قول شريح والشعبي والزهري. وعن مالك: ويروى عن الفقهاء السبعة من أهل المدينة أنهم كانوا لا يرونها واجبة لأنه تعالى قال في آخر الآية: {حقاً على المحسنين} فجعلها من باب الإحسان. ورد بأن لفظ "على" منبئ عن الوجوب. وكذا قوله {حقاً} وأصل المتعة والمتاع ما ينتفع به انتفاعاً منقضياً ولهذا قيل: الدنيا متاع. ويسمى التلذذ تمتعاً لانقطاعه بسرعة. {على الموسع قدره وعلى المقتر قدره} أوسع الرجل إذا كان في سعة من ماله، وأقتر ضده من القترة وهي الغبار، فكأنه التصق بالأرض لضيق ذات يده. وقدره أي قدراً مكانه وطاقته فحذف المضاف، أو قدره مقداره الذي يطيقه لأن ما يطيقه هو الذي يختص به. والقدر والقدر لغتان في جميع معانيهما، وفي الآية دليل على أن تقدير المتعة مفوض إلى الاجتهاد كالنفقة التي أوجبها الله تعالى للزوجات وبيّن أن الموسع يخالف المقتر. قال الشافعي: المستحب على الموسع خادم، وعلى المتوسط ثلاثون درهماً، وعلى المقتر مقنعة. وعن ابن عباس أنه قال: أكثر المتعة خادم، وأقلها مقنعة، وأي قدر أدى جاز في جانبي الكثرة والقلة، والنظر في اليسار والإعسار إلى العادة. وقال أبو حنيفة: المتعة لا تزاد على نصف مهر المثل، لأن حال المرأة التي سمي لها المهر أحسن من حال التي لم يسم لها. ثم لما لم يجب زيادة على نصف المسمى إذا طلقها قبل الدخول فهذه أولى. {متاعاً} تأكيد لمتعوهن أي تمتيعاً بالمعروف بالوجه الذي يحسن في الدين والمروءة، وعلى قدر حال الزوج في الغنى والفقر، وعلى ما يليق بالزوجة بحسب الشرف والوضاعة حق ذلك {حقاً على المحسنين} لأنهم الذين ينتفعون بهذا البيان، أو من أراد أن يكون محسناً فهذا شأنه وطريقته، أو على المحسنين إلى أنفسهم في المسارعة إلى طاعة الله تعالى. الحكم السادس عشر: حكم المطلقة قبل الدخول وبعد فرض المهر وذلك قوله سبحانه {وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن} الآية. واعلم أن مذهب الشافعي أن الخلوة لا تقرر المهر. وقال أبو حنيفة: الخلوة الصحيحة تقرر المهر وهي أن لا يكون هناك مانع حسي أو شرعي. فالحسي نحو الرتق والقرن والمرض أو يكون معهما ثالث وإن كان نائماً. والشرعي كالحيض والنفاس وصوم الفرض وصلاة الفرض والإحرام المطلق فرضاً كان أو نفلاً. وقوله {وقد فرضتم} في موضع الحال. ومعنى قوله {فنصف ما فرضتم} فعليكم نصف ذلك، أو فنصف ما فرضتم ساقط أو ثابت {لا أن يعفون} أي المطلقات على أزواجهن فتقول المرأة: ما رآني ولا خدمته ولا استمتع بي فكيف آخذ منه شيئاً؟ والفرق بين قولك "النساء يعفون" وبين "الرجال يعفون" هو أن الواو في الأول لام الفعل والنون ضمير جماعة النساء ولم يحذف منه شيء، وإنما وزنه يفعلن والفعل مبني لا أثر في لفظه للعامل، والواو في الثاني ضمير جماعة الذكور واللام محذوف ووزنه "يعفون" والنون علامة الرفع، فقوله {أو يعفو} عطف على محل {أن يعفون} والذي بيده عقدة النكاح الولي وهو قول الشافعي، ويروى عن الحسن ومجاهد وعلقمة. وقيل: الزوج وهو مذهب أبي حنيفة ويروى عن علي وسعيد بن المسيب. وكثير من الصحابة والتابعين قالوا: ليس للولي أن يهب مهر مولاته صغيرة كانت أو كبيرة. وأيضاً الذي بيد الولي هو عقدة النكاح، فإذا عقد حصلت العقدة أي المعقودة كالأكلة واللقمة، ثم هذه العقدة بيد الزوج لا الولي وعن جبير بن مطعم أنه تزوج امرأة وطلقها قبل الدخول فأكمل لها الصداق وقال: أنا أحق بالعفو. حجة الأولين أن الصادر عن الزوج هو أن يعطها كل المهر وذلك يكون هبة والهبة لا تسمى عفواً اللهم إلا أن يقال: كان الغالب عندهم أن يسوق إليها المهر عند التزوج فإذا طلقها استحق أن يطالبها بنصف ما ساق إليها، فإذا ترك المطالبة فقد عفا عنها. أو يقال: سماه عفواً على طريقة المشاكلة، أو لأن العفو والتسهيل. فعفو الرجل هو أن يبعث إليها كل الصداق على وجه السهولة. حجة أخرى لو كان المراد به الزوج وقد قال أولاً: {وإن طلقتموهن} ناسب أن يقال: {إلا أن يعفون} أو تعفو على سبيل الخطاب أيضاً، وأجيب بأن سبب العدول عن الخطاب إلى الغيبة هو التنبيه على المعنى الذي لأجله يرغب في العفو. والمعنى إلا أن يعفون أو يعفو الزوج الذي حبسها بأن ملك عقدة نكاحها عن الأزواج ثم لم يكن منها سبب في الفراق، وإن فارقها الزوج فلا جرم كان حقيقاً بأن لا ينقصها من مهرها ويكمل لها صداقها. ثم قال الشافعي: إذا ثبت أن الذي بيده عقدة النكاح هو الولي، فهم منه أن النكاح لا ينعقد بدون الولي، وذلك للحصر المستفاد من تقديم {بيده} على {عقدة النكاح} فتبين أنه ليس في يد المرأة من ذلك شيء {وأن تعفوا أقرب للتقوى} قيل: اللام بمعنى "إلى" والتقدير: العفو أقرب إلى التقوى. والخطاب للرجال والنساء جميعاً إلا أنه غلب الذكور لأصالتهم وكمالهم، وإنما كان عفواً لبعض عن البعض أقرب إلى حصول معنى الاتقاء لأن من سمح بترك حقه تقرباً إلى ربه فهو من أن يأخذ حق غيره أبعد، ولأنه إذا استحق بذلك الصنع الثواب فقد اتقى العقاب واحترز عنه {ولا تنسوا الفضل} لا تتركوا التفضل والتسامح فيما بينكم، وليس نهياً عن النسيان فإن ذلك غير مقدور، بل المراد منه الترك. وذلك أن الرجل إذا تزوج المرأة فقد يتعلق قلبها به فإذا طلقها قبل المسيس صار ذلك سبباً لتأذيها منه. وأيضاً إذا كلف الرجل أن يبذل لها مهرها من غير أن يكون قد انتفع بها صار ذلك سبباً لتأذيه منها، فلا جرم ندب الله تعالى كلاً منهما إلى تطييب قلب الآخر ببذل كل المهر أو تركه وإلا فالتنصيف. عن جبير بن مطعم أنه دخل على سعد بن أبي وقاص فعرض عليه بنتاً له فتزوجها. فلما خرج طلقها وبعث إليها بالصداق كملاً فقيل له: لم تزوجتها؟ فقال: عرضها علي فكرهت رده. قيل: فلم بعثت بالصداق؟ قال: فأين الفضل؟ ثم إنه تعالى ختم الآية بما يجري مجرى الوعد والوعيد على العادة المعلومة فقال: {إن الله بما تعملون بصير}.
الثعالبي
تفسير : قوله تعالى: {وَٱلْوٰلِدَٰتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَـٰدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ ٱلرَّضَاعَةَ} {يُرْضِعْنَ أَوْلَـٰدَهُنَّ}: خبر معناه الأمرُ على الوجوب لبَعْضِ الوالداتِ، وعلى الندْبِ لبعضهنَّ، فيجب على الأمِّ الإِرضاع، إِن كانَتْ تحت أبيه، أو رجعيَّةً، ولا مانع من عُلُوِّ قدْرٍ بغير أجر، وكذلك إِن كان الأبُ عديماً، أو لم يقبلِ الولَدُ غيرها. وهذه الآياتُ في المطلَّقات جعَلَها اللَّه حدًّا عند اختلاف الزوجَيْن في مدَّة الرَّضَاع، فمَنْ دعا منهما إِلى إِكمالِ الحَوْلَيْنِ، فذلك له. وقوله تعالى: {لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ ٱلرَّضَاعَةَ} مبنيٌّ علَىٰ أن الحولَيْن ليسا بفَرْض، لا يُتَجَاوَزُ، وٱنتزع مالِكٌ - رحمه اللَّه - وجماعةٌ من العلماء من هذه الآيةِ؛ أنَّ الرضاعةَ المحرِّمة الجاريةَ مَجْرى النَّسَبِ، إِنما هي ما كان في الحولَيْن؛ لأنَّ بٱنقضاءِ الحولَيْنِ، تمَّتِ الرَّضَاعة، فلا رضَاعَة. * ت *: فلو كان رضاعُه بعد الحولَيْن بمدَّة قريبة، وهو مستمرُّ الرضاعِ، أو بعد يومَيْن من فِصَالِهِ - اعتبر، إِذ ما قارب الشيْءَ فله حكمه. انتهى. وقوله تعالى: {وَعلَى ٱلْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ...} الاية: المولودُ له: اسم جنْسٍ، وصنْفٌ من الرجال، والرِّزْقُ في هذا الحكم: الطعامُ الكافِي. وقوله: «بالمَعْرُوفِ» يجمع حُسْن القَدْر في الطعام، وجَوْدَةَ الأداء له، وحُسْنَ الاقتضاء من المرأةِ. ثم بيَّن سبحانه؛ أنَّ الإِنفاق علَىٰ قدر غِنَى الزوْجِ بقوله: {لاَ تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا}، وقرأ أبو عمرو، وابن كَثِيرٍ، وأبانُ عن عاصمٍ: «لاَ تُضَارُّ وَالِدَةٌ»؛ بضم الراء، وهو خبر، معناه الأمر، ويحتمل أن يكون الأصلُ: لاَ تُضَارِرُ؛ بكسر الراءِ الأولَىٰ، فـــ «وَالِدَةٌ» فاعلةٌ، ويحتمل بفَتْح الرَّاء الأولى، فـــ «وَالِدَةٌ»: مفعولٌ لم يسمَّ فاعله، ويعطف «مولود له» على هذا الحدِّ في الٱحتمالَيْن، وقرأ نافعٌ، وحمزةُ، والْكسَائِيُّ، وعاصمٌ: لاَ تُضَارَّ؛ بفتح الراء، وهذا على النهْيِ، ويحتمل أصله ما ذكرنا في الأُولَىٰ، ومعنى الآية في كلِّ قراءة: النهْيُ عن الإِضرار، ووجوهُ الضَّرَرِ لا تنحصرُ، وكل ما ذُكِرَ منْها في التفاسير، فهو مثالٌ. * ت *: وفي الحديثِ: «حديث : لاَ ضَرَرَ، وَلاَ ضِرَارَ»تفسير : ، رواه مالكٌ في «الموطإ» مرسلاً. قال النوويُّ في «الحِلْية»: ورويناه في «سُنَن الدَّارَقُطْنِيِّ» وغيره من طرقٍ متصلاً، وهو حسن انتهى. وقوله تعالى: {وَعَلَى ٱلْوَارِثِ مِثْلُ ذَٰلِكَ} قال مالكٌ، وجميع أصحابه، والشَّعْبِيُّ، والزُّهْرِيُّ، وجماعةٌ من العلماء: المرادُ بقوله: {مِثْلُ ذَٰلِكَ}: أَلاَّ يُضَارَّ، وأمَّا الرزقُ، والكُسْوة، فلا شيء علَيْه منه، قال: * ع *: فالإِجماع من الأُمَّة في ألاَّ يُضَارَّ الوارثُ، وإِنَّما الخلافُ، هل عليه رزقٌ وكُسْوَة أم لا؟ وقوله تعالى: {فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً...} الآية: أي: فإِن أراد الوالَدانِ، وفِصَالاً: معناه: فِطَاماً عن الرَّضَاع. وتحرير القول في هذا: أن فَصْله قَبْل الحولَيْن لا يصحُّ إلا بتراضيهما وألاَّ يكونَ على المولودِ ضَرَرٌ، وأمَّا بعد تمامهما، فمن دعا إِلى الفَصْل، فذلك له إِلاَّ أن يكون في ذلك علَى الصبيِّ ضَرَرٌ. وقوله تعالى: {وَإِنْ أَرَدتُّمْ أَن تَسْتَرْضِعُواْ أَوْلَـٰدَكُمْ} مخاطبة لجميعِ النَّاسِ، يجمع الآباءَ والأمهاتِ، أي: لهم اتخاذُ الظِّئْر، مع الاتفاقِ علَىٰ ذلك، وأما قوله: {إِذَا سَلَّمْتُم }، فمخاطبةٌ للرجال خاصَّة إِلا عَلَى أحد التأويلَيْن في قراءة مَنْ قرأ: «أُوتِيتُمْ»، وقرأ السِّتَّة من السبعةِ: «آتَيْتُمْ»؛ بالمدِّ؛ بمعنى أَعْطَيْتم، وقرأ ابن كثير: «أَتَيْتُمْ»؛ بمعنى: فعلتم؛ كما قال زُهَيْرٌ: [الطويل] شعر : وَمَا كَانَ مِنْ خَيْرٍ أَتَوْهُ فَإِنَّمَا تَوَارَثَهُ آبَاءُ آبائِهِمْ قَبْلُ تفسير : فأحد التأويلين في هذه القراءة كالأول، والتأويل الثَّاني لقتادَةَ، وهو إِذا سلَّمتم ما آتيتم من إِرادة الاِسترضاع، أيْ: سلم كلُّ واحدٍ من الأبوين، ورضي، وكان ذلك عَلَى اتفاقٍ منهما، وقَصْدِ خَيْرٍ، وإِرادةِ مَعْروفٍ، وعلَىٰ هذا الاِحتمال يدخلُ النساءُ في الخطاب. * ت *: وفي هذا التأويل تكلُّف. وقال سفيانُ: المعنَىٰ: إِذا سلَّمتم إِلى المستَرْضعة، وهي الظِّئْر أَجْرَها بالمَعْروف. وباقي الآية أمْرٌ بالتقْوَى، وتوقيفٌ على أن اللَّه تعالى بصيرٌ بكلِّ عمل، وفي هذا وعيدٌ وتحذيرٌ، أي: فهو مُجازٍ بحَسَبِ عَمَلِكُم.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {وَٱلْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ} كقوله {أية : وَٱلْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ}تفسير : [البقرة:228] فليُلْتفتْ إليه. قال القرطبي: لما ذكر اللهُ تعالى النِّكاح والطَّلاق ذكر الولد؛ لأن الزَّوجين قد يفترِقانِ وثمَّ وَلَدٌ فالآية إِذن في المطلَّقاتِ اللاتي لهُنَّ أولادٌ من أزواجهنَّ، قاله السُّدِّيُّ، وغيره. قال: "وَالوَالِدَاتُ" ولم يقل والزَّوجاتُ، لأن أُمَّ الطِّفل قد تكُونُ مَطَلَّقَةً والوالدُ والوالدةُ صفتان غالبتانِ، جاريتانِ مَجْرى الجوامد؛ ولذلك لم يُذْكر موصوفهما. وقوله: "حَوْلَينِ" منصُوبٌ على ظرفِ الزمانِ، ووصفهما بكاملين دفعاً للتجوُّز، إِذْ قَد يُطْلَقُ "الحَوْلاَنِ" على الناقصين شهراً وشهرين، من قولهم أَقَامَ فلانٌ بمكان كذا حَوْلَين أو شهرين وإِنَّما أقامَ حَوْلاً وبعض الآخر، ومثله: {أية : فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ}تفسير : [البقرة:203] ومعلومٌ أنه يتعجَّل في يومٍ، وبعض اليوم الثَّاني، والحَولُ مِنْ حال الشَّيءُ يحولُ إذا انقلب، فالحَوْلُ مُنقلب من الوقْتِ الأَول إلى الثاني. وسُمِّيت السنةُ حولاً؛ لتحوُّلها، والحَوْلُ أيضاً: الحَيْلُ، ويُقالُ: لا حول ولا قوةَ، ولا حَيْلَ وَلاَ قُوَّةَ. فصل في تفسير "الوالدات" في "الوَالِدَات" ثلاثةُ أقوال: أحدها: أَنَّ المراد منهُ جميعُ الوَالِدَاتِ سواءٌ كُنَّ مطلقاتٍ، أو متزوِّجاتٍ لعُمُومِ اللَّفظِ. الثاني: المرادُ مِنْهُ المطلقاتُ؛ لأَنَّه ذكر هذه الآية عقيب آية الطَّلاقِ، ومناسبتهُ من وجهين: الأول: أنه إذا طُلِّقَت المرأةُ، فيحصلُ التباغض، فقد تُؤذِي المرأةُ الطفلَ لأَمرين: إِمَّا لأنَّ إيذاءَهُ يتضمَّنُ إيذاءَ الأَبِ، وإِمَّا لرغبتها في زوجٍ آخر فيفضي إلى إِهْمالِ أَمْرِ الطِّفْلِ. الثاني: قال السُّدِّيُّ: ومما يدلُّ على أَنَّ المراد منه المطلقاتُ، قوله بعد ذلك: {وَعلَى ٱلْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ}. ولو كانت زوجةً، لوجب على الزَّوج ذلك مِنْ غير إرضاعٍ. ويمكن الجوابُ عن الأَوَّل: أَنَّ هذه الآية مشتملةٌ على حُكم مستقلٍّ بنفسه، فلم يجب تعلُّقُها بما قبلها، وعن قول السديّ: أَنَّه لا يبعُدُ أَنْ تستحِقَّ المرأةُ قدراً مِنَ المالِ، لمكانِ الزوجيَّة، وقَدْراً آخر للإرضاع، ولا مُنافاة بين الأَمرينِ. القول الثالث: قال الواحديُّ في "البَسيط" الأَولى أَنْ يحمل على الزوجاتِ في حالِ بقاء النكاحِ؛ لأن المُطلَّقة لا تستحقُّ إلاَّ الأجرة. فإِنْ قيل: إذا كانت الزوجيةُ باقيةً، فهي مستحقةٌ للنفقة، والكُسْوةِ؛ بسبب النكاحِ سَوَاءٌ أَرْضَعت الولد، أَوْ لَمْ تُرضِعهُ، فما وجهُ تعليق هذا الاستِحقاق بالإِرضاع؟ قلنا: النفقةُ والكسوةُ يجبانِ في مُقابلةِ التمكين، فإذا اشتغلت بالحضانة والإرضاع ولم تتفرغْ لِخدمة الزوج، رُبَّما توهَّمَ مُتوهِّمٌ أَنَّ نفقتها وكسوتها تسقطُ بالخلل الواقع في خدمة الزوجِ؛ فقطعَ اللهُ ذلك الوَهْمَ بإيجاب الرِّزقِ إذا اشتغلت المرأَةُ بالرضاعِ. فصل هذا الكلامُ، وإِنْ كان خبراً فمعناه الأَمْرُ؛ وتقديره: يرضِعْنَ أَوْلادهنّ في حُكْمِ الله الذي أَوجبه؛ إِلاَّ أنه حذف ذلك للتصرف في الكَلامِ مع زوالٍ الإِيهامِ، وهو أَمرُ استحباب، لا إيجابٍ؛ لأنها لو وجب عليها الرضاعُ لما استحقتِ الأُجرة، وقد قال: {أية : فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ}تفسير : [الطلاق:6] وقال: {أية : وَإِن تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَىٰ}تفسير : [الطلاق:6] وإذا ثبت الاستحبابُ، فهو من حيث إِنَّ تربيةَ الطفلِ بلبنِ الأُمِّ أَصْلَحُ له من سائِرِ الأَلبان، ومن حيثُ إِنَّ شفقةَ الأُم أَتَمُّ مِنْ شفقةِ غيرها. فصل قال القُرطبي: اختلف الناسُ في الرضاع: هَلْ هو حَقٌّ عليها أو هو حق عليه؟ واللفظُ محتملٌ؛ لأنه لو أراد التَّصريح بوجوبه لقال: وعلى الوَالِدَاتِ رضاعُ أَولادهُنَّ؛ كما قال: {وَعلَى ٱلْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ} ولكن هو حقٌّ عليها في حَقّ الزَّوجيَّة؛ لأنه يلزمُ في العُرْفِ إذْ قد صار كالشَّرط، إلاَّ أنْ تكونَ شريفةً ذات ترفُّهٍ، فعُرفها ألاَّ تُرْضِعَ وذلك كالشرط؛ ويجب عليها إن لم يقبل غيرها، وهو عليها إذا كان الأبُ مُعدماً؛ لاختصاصها به، فإِن ماتَ الأَبُ ولا مال لِلصَّبِيِّ، فذهب مالكٌ في "المُدَوَّنَةِ" إلى أَنَّ الرضاعَ لازمٌ للأُمِّ بخلاف النَّفقةِ، وفي كتاب "ابن الجلاب": رضاعه في بيتِ المالِ، فأَمَّا المطلَّقةُ طلاقاً بائِناً، فلا رضاع عليها، والرَّضَاعُ على الزَّوج إلاَّ أَنْ تشاء الأُمُّ، فهي أَحَقُّ بأجرةِ المثل، إذا كان الزوجُ مُوسِراً، فإِن كان معدماً، لم يلزمها الرضاعُ إلاَّ أَنْ يكون المولود لا يقبلُ غيرها فتجبر على الرَّضاع وكل من لزمها الإرضاعُ، فأَصابها عُذْرٌ يمنعها منه، عاد الإِرضاع على الأَبِ، وعن مالكٍ: أَنَّ الأَبَ إذا كان مُعدماً، ولا مال للصبي أَنَّ الرضاعَ على الأم لَمْ يكن لها لبنٌ؛ ولها مالٌ، فَإِنَّ الإِرضاع عليها في مالها. وقال الشَّافعيُّ: لا يلزم الرضاعُ إلاَّ والداً أو جَدّاً وإن عَلاَ. فصل في تحديد الحولين اختلف العلماءُ في تحديد الحولينِ فقال بعضهم: هو حَدٌّ لبعضِ المولُودين. روى عكرمة عن ابن عبَّاس: أَنَّها إذا وضعت لستَّةِ أشهرٍ، فإِنَّها تُرْضِعه حولين كاملين، وإن وضعتْ لسبعةِ أشهُر، ترضعُه ثلاثةً وعشرينَ شهراً، وإنْ وضعت لتسعةِ أشهر، تُرضِعه إحدى وعشرين شهراً؛ كل ذلك تمامُ ثلاثين شهراً؛ لقوله تعالى: {أية : وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَٰثُونَ شَهْراً}تفسير : [الأحقاف:15]. وقال آخرون: هو حَدٌّ لكُلِّ مولُودٍ، لا يُنقصُ رضاعُهُ عن حولين، إلاَّ باتِّفاق الأَبوين فأَيُّهما أراد الفِطَامَ قبل تمام الحولينِ، ليس له ذلك إلاَّ أَنْ يجتمعا عليه؛ لقوله تعالى: {فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَن تَرَاضٍ مِّنْهُمَا} وهذا قولُ ابن جريجٍ، والثوري، ورواية الوالبي، عن ابن عباس. وقيل: المرادُ من الآية: بيانُ الرضاع الذي يثبتُ به الحرمةُ، أن يكون في الحولينِ، ولا يحرم ما يكون بعدَ الحولين. قال قتادة: فرض اللهُ على الوالداتِ إِرضاعُ حولينِ كاملين ثم أنزل التخفيف؛ فقال {لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ ٱلرَّضَاعَةَ}، أي: هذا منتهى الرضاع، ليس فيما دُونَ ذلك حَدٌّ محدودٌ، إِنَّمَا هو على قَدْرِ صلاحِ الصَّبي، وما يعيشُ به، وهذا قولُ عليّ، وابن مسعود، وابن عباسٍ، وابن عمر، وعلقَمة، والشَّعبيِّ، والزهريّ - رضي الله عنهم -. وقال أبو حنيفة: مدةُ الرَّضاعِ ثلاثُون شهراً، واحتج الأَولون بقوله تعالى: {أية : وَفِصَٰلُهُ فِي عَامَيْنِ}تفسير : [لقمان:14] وقال ـ عليه السلام والصلاة ـ "حديث : لا رضاع بعد فصال " تفسير : وروى ابن عباس قال: قال - عليه الصلاة والسلام - "حديث : لاَ يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ إِلاَّ مَا كَانَ فِي الحَوْلَيْنِ ". تفسير : فصل رُوِيَ أَنَّ رجلاً جاء إلى علي ـ رضي الله عنه - فقال: تزوجتُ جاريةً بكراً، وما رأيتُ بها ريبةٌ، ثم وَلَدت لستَّةِ أشهرٍ، فقال عليٌّ - رضي الله عنه - قال الله تعالى: {أية : وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاَثُونَ شَهْراً}تفسير : [الأحقاف:15] وقال تعالى: {وَٱلْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ} فالحملُ ستَّةُ أشهرٍ؛ الولدُ ولدكَ. وعن عُمَر - رضي الله عنه - أنه جِيء بامرأةٍ، وضعت لستةِ أشهر، فشاور في رجمِها، فقال ابنُ عباسٍ: إِنْ خاصَمْتكُم بكتابِ اللهِ - تعالى - خَصَمْتُكُمْ، ثم ذكر هاتين الآيتين واستخرج منهما أَنَّ أَقَلَّ الحملِ ستةُ أشهرٍ، قال: فكأنما أَيْقَظَهُمْ. قوله: "لِمَنْ أَرَادَ" في هذا الجارِّ ثلاثةُ أوجهٍ: أحدها: أنه متعلقٌ بيُرْضِعْنَ، وتكونُ اللامُ للتعليل، و "مَنْ" وَاقِعَةٌ على الآباء، أي: الوالداتُ يُرْضِعْنَ لأجْلِ مَنْ أَرَادَ إِتْمام الرَّضاعةِ مِنَ الآباءِ، وهذا نظيرُ قولك: "أَرْضَعَتْ فلانةٌ لفلانٍ ولدَه". والثاني: أنها للتَّبيين؛ فتتعلَّق بمحذوفٍ، وتكونُ هذه اللامُ كاللامِ في قوله تعالى: {أية : هَيْتَ لَكَ}تفسير : [يوسف:23]، وفي قولهم: "سُقْياً لك". فاللامُ بيانٌ للمدعوِّ له بالسَّقْي وللمُهَيَّت به، وذلك أَنَّه لمّا ذكر أنَّ الوالداتِ يُرْضِعْنَ أولاَدَهُنَّ حولين كاملين، بيَّنَ أنَّ ذلك الحُكم إنما هو لمَنْ أرادَ أن يتُمَّ الرَّضاعة؛ و "مَنْ" تحتمِلُ حينئذٍ أَنْ يُرادَ بها الوَالِدَاتُ فقط، أَوْ هُنَّ والوالدون معاً، كلُّ ذلك محتملٌ. والثالث: أنَّ هذه اللامَ خبرٌ لمبتدإ محذوفٍ، فتتعلَّقُ بمحذوفٍ، والتقديرُ: ذلك الحُكمُ لِمَن أرادَ. و "مَنْ" على هذا تكون للوالداتِ والوالدَيْنِ معاً. قوله: {أَن يُتِمَّ ٱلرَّضَاعَةَ} "أَنْ" وما في حَيَِّزها في محلِّ نصبٍ؛ مفعولاً بأراد، أي: لِمَنْ أَرادَ إِتْمَامَها. والجمهورُ على "يُتمَّ الرَّضَاعَةَ" بالياء المضمومة من "أَتَمَّ" وإِعْمَالُ أنْ الناصبَة، ونصبِ "الرَّضَاعةَ" مفعولاً به، وفتح رائها. وقرأ مجاهدٌ، والحسنُ، وابنُ محيصن، وأَبُو رجاء: "تَتِمَّ" بفتح التاءِ من تَمَّ، و "الرضَاعَةُ" بالرفعِ فاعلاً، وقرأ أبو حيوة، وابنُ أَبِي عبلة كذلك، إلا أنهما كَسَرا راءَ "الرَّضَاعَة"، وهي لغةٌ كالحَضارةِ، والحِضارة، والبَصْرِيُّونَ يقولون: فتحُ الرَّاءِ مع هاءِ التأنيث، وكسرُها مع عدمِ الهاء، والكُوفيُّون يزعمُونَ العكسَ. وقرأ مجاهدٌ - ويُرْوى عن ابن عبَّاسٍ -: "أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ" برفعِ "يُتِمُّ" وفيها قولان: أحدهما: قولُ البصريِّين: أنها "أَنْ" الناصبةُ، أُهْمِلت؛ حَمْلاً عَلَى "مَا" أُخْتِها؛ لاشتراكِهمَا في المَصْدرية، وأَنشدوا على ذلك قوله: [مجزوء الكامل] شعر : 1123- إِنِّي زَعِيمٌ يَا نُوَيْـ ـــقَـةُ إِنْ أَمِنْتِ مِنَ الرَّزَاحِ أَنْ تَهْبِطِينَ بِلاَدَ قَـوْ مٍ يَرْتَعُونَ مِنَ الطِّلاَحِ تفسير : وقول الآخر: [البسيط] شعر : 1124- يَا صَاحِبَيَّ فَدَتْ نُفُوسَكُمَا وَحَيْثُمَا كُنْتُمَا لَقِّيتُمَا رَشَدَا أَنْ تَقْرَآنِ عَلَى أَسْمَاءَ وَيْحَكُمَا مِنِّي السَّلاَمَ وَأَلاَّ تُشْعِرَا أَحَدَا تفسير : فَأَهْمَلَها، ولذلك ثَبَتَ نونُ الرفع، وأَبَوْا أَنْ يَجعلُوها المخفَّفة مِنَ الثقيلةِ لوجهين: أحدهما: أنه لم يُفْصَل بينها وبين الجملة الفعلية بعدها. والثاني: أَنَّ ما قبلها ليس بفعلِ علمٍ ويقينٍ. القول الثاني: وهو قول الكوفيِّين أنها المخفَّفة من الثَّقيلة، وشذَّ وقوعها موقع الناصبة، كما شذَّ وقوع "أنْ" الناصبة موقعها في قوله: [البسيط] شعر : 1125-................ قَدْ عَلِمُوا أَلاَّ يَدَانِيَنَا فِي خَلْقِهِ أَحَدٌ تفسير : وقرأ مجاهدٌ: "الرَّضْعَة" بوزن القصعة. وعن ابن عباس أنّه قرأ أن يكمل الرضاعة. فصل قال القرطبيُّ: قوله تعالى: {لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ ٱلرَّضَاعَةَ} يدل على أنَّ إرضاع الحولين ليس حتماً؛ لأنه يجوز الفطام قبل الحولين ولكنه تحديد لقطع التَّنازع بين الزَّوجين في مدَّة الرضاع، ولا يجب على الأب إعطاء الأجرة، لأكثر من حولين، وإن أراد الأب الفطام قبل هذه المدة، ولم ترض الأمُّ، لم يكن له ذلك. والرَّضْعُ: مصُّ الثدي، ويقال للَّئيم: راضعٌ، وذلك أنه يخاف أن يحلب الشاة؛ فيسمع منه الحلب؛ فيطلب منه اللبن، فيرتضع ثدي الشاة بفمه. قوله: {وَعلَى ٱلْمَوْلُودِ لَهُ} هذا الجارُّ خبرٌ مقدَّمٌ، والمبتدأ قوله: "رِزْقُهُنَّ"، و "أَلْ" في المولود موصولةٌ، و "لَهُ" قَائِمٌ مقام الفاعل للمولود، وهو عائد الموصول، تقديره: وعلى الذي ولد له رزقهنَّ، فحذف الفاعل، وهو الوالدات، والمفعول، وهو الأولاد، وأقيم هذا الجارُّ والمجرور مقام الفاعل. وذكر بعض النَّاس أنه لا خلاف في إقامة الجارِّ والمجرور مقام الفاعل، إلاَّ السُّهيليَّ، فإنَّه منع من ذلك؛ وليس كما ذكر هذا القائل، فإنَّ البصريِّين أجازوا هذه المسألة مطلقاً، والكوفيُّون قالوا: إن كان حرف الجرِّ زائداً جاز نحو: ما ضربَ من أحدٍ، وإن كان غير زائدٍ، لم يجز، ولا يجوز عندهم أن يكون الاسم المجرور في موضع رفعٍ باتفاقٍ بينهم. ثم اختلفوا بعد هذا الاتفاق في القائم مقام الفاعل. فذهب الفرَّاء: إلى أنَّ حرف الجرِّ وحده في موضع رفعٍ، كما أنَّ "يَقُومُ" من "زَيْدٌ يَقُومُ" في موضع رفعٍ. وذهب الكسائيُّ، وهشام: إلى أنَّ مفعول الفعل ضميرٌ مستترٌ فيه، وهو ضميرٌ مبهمٌ من حيث أن يراد به ما يدلُّ عليه الفعل من مصدرٍ، وزمانٍ، ومكانٍ، ولم يدلَّ دليلٌ على أحدها. وذهب بعضهم إلى أنَّ القائم مقام الفاعل ضمير المصدر، فإذا قلت: "سِيرَ بزيدٍ" فالتقدير: سِير هو، أي: السَّيْرُ؛ لأنَّ دلالة الفعل على مصدره قويةٌ، ووافقهم في هذا بعض البصريين. قوله: "بِٱلْمَعْرُوفِ" يجوز أن يتعلَّق بكلٍّ من قوله: "رزقُهنَّ" و "كِسْوَتُهنَّ" على أنَّ المسألة من باب الإعمال، وهو على إعمال الثاني، إذ لو أعمل الأول، لأُضمر في الثاني، فكان يقال: وكسوتهنَّ به بالمعروف. هذا إن أُريد بالرزق والكسوة، المصدران، وقد تقدَّم أنَّ الرزق يكون مصدراً، وإن كان ابن الطَّراوة قد رَّد على الفارسيّ ذلك؛ في قوله: {أية : مَا لاَ يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقاً مِّنَ ٱلسَّمَٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ شَيْئاً}تفسير : [النحل:73] كما سيأتي تحقيقه في النَّحل، إن شاء الله تعالى. وإن أُريد بهما اسم المرزوق، والمكسوِّ كالطِّحن، والرِّعي، فلا بدَّ من حذف مضافٍ، تقديره: اتِّصال، أو دفع، أو ما أشبه ذلك، ممَّا يصحُّ به المعنى، ويكون "بالمعروف" متعلِّقاً بمحذوفٍ، على أنه حالٌ منهما. وجعل أبو البقاء العامل في هذه الحال الاستقرار الذي تضمَّنه "على". والجمهور على "كِسْوَتهنَّ" بكسر الكاف، وقرأ طلحة بضمِّها، وهما لغتان في المصدر، واسم المكسوِّ وفعلها يتعدَّى لاثنين، وهما كمفعولي "أَعْطَى" في جواز حذفهما، أو حذف أحدهما؛ اختصاراً أو اقتصاراً، قيل: وقد يتعدَّى إلى واحدٍ؛ وأنشدوا: [المتقارب] شعر : 1126- وَأَرْكَبُ في الرَّوْعِ خَيْفَانَةٌ كَسَا وَجْهَهَا سَعَفٌ مُنْتَشِرْ تفسير : ضمَّنه معنى غطَّى، وفيه نظرٌ؛ لاحتمال أنَّه حذف أحد المفعولين؛ للدلالة عليه، أي: كَسَا وجهها غبار أو نحوه. فصل و "المولود له" هو الوالد، وإنَّما عبَّر عنه بهذا الاسم لوجوه: أحدها: قال الزَّمخشريُّ: والسَّبب فيه أن يعلم أنَّ الوالدات إنما ولدت الأولاد للآباء ولذلك ينسبون إليهم لا إلى الأمَّهات؛ وأنشدوا للمأمون: [البسيط] شعر : 1127- وَإِنَّمَا أُمَّهَاتُ النَّاسِ أَوْعِيَةٌ مُسْتَوْدَعَاتٌ وَلِلآبَاءِ أَبْنَاءُ تفسير : وثانيها: أنّه تنبيهٌ على أَنَّ الولد إنما يلتحق بالوالد؛ لكونه مولوداً على فراشه، على ما قاله - عليه الصَّلاة والسَّلام -: "حديث : الوَلَدُ لِلْفِرَاشِ" تفسير : فكأنّه قال: إذا ولدت المرأة الولد لأجل الرَّجل وعلى فراشه، وجب عليه رعاية مصالحه، [فنبه على أنَّ سبب النَّسب، والالتحاق محدودٌ بهذا القدر. وثالثها: ذكر الوالد بلفظ "المَوْلُودِ [لَهُ]" تنبيهاً على أنَّ نفقته عائدةٌ إليه، فيلزمه رعاية مصالحه] كما قيل: كلُّه لك، وكلُّه عليك. فإن قيل: فما الحكمة في قول موسى - عليه الصَّلاة والسَّلام - لأخيه: {أية : قَالَ يَبْنَؤُمَّ}تفسير : [طه:94] ولم يذكر أباه. فالجواب: أنّه أراد بذكر الأم [أنْ] يذكر الشفقة فإنَّ شفقة الأمِّ أعظم من شفقة الأب. فصل اعلم أنَّ الله تعالى كما وصَّى الأمَّ برعاية جانب الطِّفل، في قوله: {وَٱلْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ} - وصَّى برعاية جانب الأمِّ، حتَّى تقوى على رعاية مصلحة الطفل، فأمره برزقها، وكسوتها بالمعروف، وهذا المعروف قد يكون محدوداً بشرطٍ وعقدٍ، وقد يكون غير محدودٍ إلاَّ من جهة العرف لأنّه إذا قام بما يكفيها من طعام وكسوتها، فقد استغنى عن تقدير الأجرة فإنه إن لم يقم بما يكفيها من ذلك، تضرَّرت وضررها يتعدى إلى الولد، ولمّا وصَّى الأمَّ برعاية الطفل أوّلاً، ثم وصَّى الأب برعايته ثانياً، دلَّ على أنَّ احتياج الطفل إلى رعاية الأمِّ أشدُّ من احتياجه إلى رعاية الأب؛ لأنَّه ليس بين الطفل وبين رعاية الأمّ واسطةٌ أَلْبَتَّةَ؛ ورعاية الأب إنَّما تصل إلى الطفل بواسطة، فإنّه يستأجر المرأة على رضاعته، وحضانته بالنفقة، والكسوة، وذلك يدلُّ على أنَّ حقَّ الأمِّ أكثر من حقِّ الأب، والأخبار المطابقة لهذا المعنى كثيرةٌ مشهورةٌ. قوله: {لاَ تُكَلَّفُ نَفْسٌ} الجمهور على "تُكَلَّفُ" مبنياً للمفعول، "نفسٌ" قائم مقام الفاعل، وهو الله تعالى، "وُسْعَهَا" مفعول ثانٍ، وهو استثناءٌ مفرغٌ؛ لأنَّ "كَلَّفَ" يتعدَّى لاثنين. قال أبو البقاء: "ولو رُفِعَ الوُسْعُ هنا، لم يَجُزْ؛ لأنه ليس ببدَلٍ". وقرأ أبو جراء: "لاَ تَكَلَّفُ نَفْسٌ" بفتح التَّاء، والأصل: "تَتَكَلَّفُ" فحذفت إحدى التاءين؛ تخفيفاً: إمَّا الأولى، أو الثانية على خلافٍ في ذلك تقدَّم، فتكون "نَفْسٌ" فاعلاً، و "وُسْعَها" مفعولٌ به، استثناء مفرَّغاً أيضاً. وروى أبو الأشهب عن أبي رجاء أيضاً: "لا يُكَلِّفُ نَفْساً" بإسناد الفعل إلى ضمير الله تعالى، فتكون "نَفْساً" و "وُسْعَها" مفعولين. والتكليفُ: الإلزام، وأصله من الكلف، وهو الأثر من السَّواد في الوجه؛ قال: [البسيط] شعر : 1128- يَهْدِي بِهَا أَكْلَفُ الخَدَّيْنِ مُخْتَبَرٌ مِنَ الْجِمَالِ كَثِيرُ اللَّحْمِ عَيْثُومُ تفسير : فمعنى "تَكَلَّفَ الأَمْرَ"، أي: اجتهد في إظهار أثره. وفلانٌ كَلِفٌ بكذا: أي مُغْرًى به. و "الوُسْعُ" هنا ما يسع الإنسان فيطيق أخذه من سعة الملك أي الغرض، ولو ضاق لعجز عنه، فالسَّعة بمنزلة القدرة، ولهذا قيل: الوسع فوق الطَّاقة، والمراد منه: أنَّ أبا الصّبي لا يتكلّف الإنفاق عليه، وعلى أُمِّه، إلاَّ ما تتسع له قدرته، لأنَّ الوسع ما تتَّسع له القدرة، ولا يبلغ استغراق القدرة؛ وهو نظير قوله تعالى: {أية : لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّآ ءَاتَٰهُ ٱللهُ لاَ يُكَلِّفُ ٱللهُ نَفْساً إِلاَّ مَآ ءَاتَٰهَا}تفسير : [الطلاق:7]. فصل في احتجاج المعتزلة بالآية تمسَّك المعتزلة بهذه الآية في أنَّ الله ـ تعالى ـ لا يكلّف العبد ما لا يقدر عليه. وقوله: "لاَ تُضَآرَّ" ابن كثير، وأبو عمرو: "لا تُضَارُّ" برفع الراء مشددةً، وتوجيهها واضح، لأنه فعلٌ مضارعٌ لم يدخل عليه ناصبٌ ولا جازمٌ فرفع، وهذه القراءة مناسبةٌ لما قبلها، من حيث إنه عطف جملة خبريّةٌ على خبرية مثلها من حيث اللفظ وإلاَّ فالأولى خبريةٌ لفظاً ومعنًى، وهذه خبريةٌ لفظاً نهييَّةٌ معنًى ويدل عليه قراءة الباقين كما سيأتي. قال الكسائيُّ والفراء: هو نسقٌ على قوله: "لاَ يُكَلِّفُ". قال علي بن عيسى: هذا غلطٌ؛ لأنَّ النَّسق بـ "لا" إنَّما هو إخراج على إخراج الثَّاني مما دخل فيه الأوَّل نحو: "ضربتُ زيداً لا عمراً" فأمّا أن يقال: يقوم زيدٌ لا يقعد عمرو، فهو غير جائزٍ على النِّسق، بل الصواب أنَّه مرفوعٌ على الاستئناف في النَّهي كما يقال: لا تضرب زيداً لا تقتل عمراً. وقرأ باقي السَّبعة: بفتح الراء مشدّدةً، وتوجيهها أنَّ "لا" ناهيةٌ، فهي جازمةٌ، فسكنت الراء الأخيرة للجزم، وقبلها راء ساكنةٌ مدغمةٌ فيها، فالتقى ساكنان؛ فحرَّكنا الثانية لا الأولى، وإن كان الأصل الإدغام، وكانت الحركة فتحةً، وإن كان أصل التقاء الساكنين الكسر؛ لأجل الألف؛ إذ هي أُخت الفتحة، ولذلك لمَّا رخَّمت العرب "إِسْحَارّ" وهو اسم نباتٍ، قالوا: "إِسحارَ" بفتح الراء خفيفةً، لأنهم لمَّا حذفوا الراء الأخيرة، بقيت الراء الأولى ساكنةً، والألف قبلها ساكنةٌ؛ فالتقى ساكنان، والألف لا تقبل الحركة؛ فحرَّكوا الثاني وهو الراء، وكانت الحركة فتحةً؛ لأجل الألف قبلها ساكنة، ولم يكسروا وإن كان الأصل، لما ذكرنا من مراعاة الألف. وقرأ الحسن بكسرها مشدَّدةً، على أصل التقاء السَّاكنين، ولم يراع الألف. وقرأ أبو جعفرٍ بسكونها مشدَّدةً، كأنه أجرى الوصل مجرى الوقف، فسكَّن، وروي عنه وعن ابن هرمز: بسكونها مخففة، وتحتمل هذه وجهين: أحدهما: أن يكون من "ضارَ" "يَضِيرُ"، ويكون السكون لإجراء الوصل مجرى الوقف. والثاني: أن يكون من ضارَّ يُضَارُّ بتشديد الراء، وإنما استثقل تكرير حرف هو مكرر في نفسه؛ فحذف الثاني منهما، وجمع بين الساكنين - أعني الألف والراء - إمَّا إجراءً للوصل مجرى الوقف، وإمَّا لأنَّ الألف قائمةٌ مقام الحركة، لكونها حرف مدٍّ. وزعم الزمخشريُّ "أَنَّ أَبَا جَعْفَرٍ إنما اخْتَلَسَ الضَّمة، فتَوَهَّم الراوي أنه سَكَّنَ، وليس كذلك" انتهى. وقد تقدَّم شيءٌ من ذلك عند {أية : يَأْمُرُكُمْ}تفسير : [البقرة:67] ونحوه. ثم قراءة تسكين الرَّاء: تحتمل أن تكون من رفعٍ، فتكون كقراءة ابن كثير، وأبي عمرو، ويحتمل أن تكون من فتح، فتكون كقراءة الباقين، والأول أولى؛ إذ التسكين من الضمة أكثر من التسكين من الفتحة؛ لخفَّتها. وقرأ ابن عبَّاس: بكسر الراء الأولى، والفكِّ، وروي عن عمر بن الخطاب: "لا تُضَارَرْ" بفتح الرَّاء الأولى، والفكِّ؛ وهذه لغة الحجاز، أعني: [فكَّ] المثلين فيما سكن ثانيهما للجزم أو للوقف، نحو: لم نمرر، وامرُرْ، وبنو تميم يدغمون، والتنزيل جاء باللغتين نحو: {أية : مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ}تفسير : [المائدة:54] في المائدة، قرئ في السَّبع بالوجهين، وسيأتي بيانه واضحاً. ثمَّ قراءة من شدَّد الراء: مضمومةً أو مفتوحةً، أو مكسورةً، أو مسكَّنةً، أو خفَّفها تحتمل أن تكون الراء الأولى مفتوحة، فيكون الفعل مبنياً للمفعول، وتكون "وَالِدَة" مفعولاً لم يسمَّ فاعله، وحذف الفاعل؛ للعلم به، ويؤيده قراءة عمر رضي الله عنه. ويكون معنى الآية {لاَ تُضَآرَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا} فينزع الولد منها إلى غيرها بعد أن رضيت بإرضاعه {وَلاَ مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ} أي: لا تلقيه المرأة إلى أبيه بعدما ألفها؛ تُضَارُّهُ بذلك. وقيل: معناه لا تضارُّ والدةٌ؛ فتكره على إرضاعه، إذا كرهت إرضاعه، وقبل الصّبيُّ من غيرها؛ لأنَّ ذلك ليس بواجبٍ عليها، ولا مولودٌ له بولده فيحتمل أن يعطي الأمَّ أكثر مما يجب لها، إذا لم يرتضع الولد من غيرها. وأن تكون مكسورةٌ، فيكون الفعل مبنياً للفاعل، وتكون "والدة" حينئذٍ فاعلاً به، ويؤيده قراءة ابن عباسٍ. وفي المفعول على هذا الاحتمال ثلاثة أوجه: أحدها - وهو الظاهر - أنه محذوف تقديره: لا تُضَارِرْ والدةٌ زوجَها، بسبب ولدها بما لا يَقْدِرُ عليه مِنْ رِزْقٍ وكُسْوةٍ ونحو ذلك، ولا يُضَارِرْ مَوْلُود له زوجته بسبب ولده بما وجب لها من رزق وكسوةٍ، فالباء للسببية. والثاني: - قاله الزمخشريُّ - أن يكون "تُضارَّ" بمعنى تضرُّ، وأن تكون الباء من صلته أي: لا تضرُّ والدةٌ بولدها، فلا تسيءُ غذاءه، وتعهُّده، ولا يضرُّ الوالد به بأن ينزعه منها بعدما ألفها انتهى. ويعني بقوله "الباءُ مِنْ صِلتِه"، أي: تكون متعلقةً به، ومعدِّيةً له إلى المفعول، كهي في "ذَهَبْتُ بزيدٍ" ويكون ضارَّ بمعنى أضرَّ، فاعل بمعنى أفعل، ومثله: ضاعفتُ الحسابَ وأضعفته، وباعدته وأبعدته، فعلى هذا، نفس المجرور بهذه الباء، هو المفعول به في المعنى، والباء على هذا للتَّعدية، كما نظَّرنا بـِ "ــذَهَبْتُ بزيدٍ"، فإنه بمعنى أذهبته. والثالث: أنَّ الباء مزيدةٌ، وأنَّ "ضَارَّ" بمعنى ضرَّ، فيكون "فَاعَلَ" بمعنى "فَعَل" المجرّد، والتقدير: لا تضرُّ والدةٌ ولدها بسوء غذائه وعدم تعهُّده، ولا يضرُّ والدٌ ولده بانتزاعه من أمه بعدما ألفها، ونحو ذلك. وقد جاء "فاعل" بمعنى فعل المجرَّد نحو: واعدته، ووعدته، وجاوزته وجزته، إلاَّ أنَّ الكثير في فاعل الدَّلالة على المشاركة بين مرفوعه ومنصوبه، ولذلك كان مرفوعه منصوباً في التَّقدير، ومنصوبه مرفوعاً في التقدير، فمن ثمَّ كان التوجيه الأول أرجح من توجيه الزمخشريِّ، وما بعده، وتوجيه الزمخشريِّ أوجه ممَّا بعده. فإن قيل: لم قال "تُضَارّ" والفعل واحد؟ قلنا: معناه لا يضار الأمُّ والأب بألاَّ ترضع الأم، أو يمنعها الأب وينزعه منها، أو يكون معناه أنّ كلَّ واحدٍ يقصد بإضرار الولد إضرار الآخر؛ فيكون في الحقيقة مضارَّة. فصل في أحكام الحضانة قال القرطبي: في هذه الآية دليلٌ لمالك على أنَّ الحضانة للأم، وهي في الغلام إلى البلوغ، وفي الجارية إلى النِّكاح، وذلك حقٌّ لها. وقال الشَّافعيُّ: إذ بلغ الولد ثماني سنين، وهو سنُّ التَّمييز، خيَّر بين أبويه، فإنه في تلك الحالة تتحرّك همّته لتعلُّم القرآن، والأدب، والعبادات، وذلك يستوي فيه الغلام والجارية. وروى أبو هريرة: "حديث : أنَّ امرأَةً جاءت إلى النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم فقالت له: إنَّ زَوْجِي يُرِيدُ أَنْ يذْهَبَ بابني، وقد سَقَانِي من بئرِ أبي عنبة وقد نفعني، فقال النَّبيُّ لله صلى الله عليه وسلم: "اسْتَهِما عليه" فقال زوجها: من يحاقُّني في ولدي؟ فقال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: "هذا أبُوكَ، وهذه أُمُّكَ، فَخُذْ بِيد أيِّهمَا شِئْتَ" فأخذ بيد أُمه فانطلقت به ". تفسير : ودليلنا ما روى أبو داود، عن عبد الله بن عمرو: حديث : أَنَّ امرأةً قَالَتْ: يا رَسُولَ اللهِ إِنَّ ابني هذا كَانَتْ بَطْنِي له وِعَاء، وَثَدْيِي لَهُ سِقَاء، وحِجْرِي لَهُ حِوَاء، وَإِنَّ أَبَاهُ طَلَّقني، وأراد أن ينزعه مني، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أَنْتِ أَحَقُّ به ما لم تُنْكَحِي" . تفسير : فصل من أحق بالحضانة إذا تزوجت الأم؟ قال ابن المنذر: أجمع كلُّ من نحفظ عنه من أهل العلم على ألاَّ حقَّ للأمّ في الولد إذا تزوَّجت. وقال مالك، والشَّافعيُّ، والنُّعمان، وأبو ثور: إنَّ الجدَّة أُمَّ الأُمِّ أحقُّ بحضانة الولد، واختلفوا إذا لم يكن له أُمٌّ، وكانت له جدَّةٌ أمُّ أبٍ، فقال مالكٌ: أمُّ الأب أحقُّ إذا لم يكن للصَّبي خالةٌ. وقال الشَّافعيُّ: أمُّ الأب أحقُّ من الخالة. فصل الحضانة للقادر على حقوق الولد ولا حضانة لفاجرةٍ، ولا لضعيفة عاجزةٍ عن القيام بحقِّ الولد. وروي عن مالك: أنَّ الحضانة للأُمّ، ثم الجدَة للأمّ، ثم الخالة، ثمّ الجدة للأب، ثم أخت الصَّبيِّ، ثم عمَّته. فصل قال القرطبيُّ: إذا تزوّجت الأمُّ لم ينزع منها ولدها حتى يدخل بها زوجها في المشهور عندنا. وقال ابن المنذر: إذا خرجت الأمُّ عن بلد ولدها، ثمَّ رجعت إليه، فهي أحقُّ بولدها: في قول الشَّافعيِّ، وأبي ثور، وأصحاب الرّأي وكذلك لو تزوَّجت ثمَّ طلِّقت، أو توفِّي عنها زوجها، رجعت إلى حقّها في الولد، فإن تركت حقَّها من الحضانة، ولم ترد أخذه، وهي فارغةٌ غير مشغولةٍ، بزوجٍ، ثم أرادت بعد ذلك أخذه كان لها ذلك. وقال القرطبيُّ: إن كان تركها له من عذر، كان لها ذلك، وإن تركته رفضاً له، ومقتاً، لم يكن لها بعد ذلك أخذه. فصل فإن طلَّقها الزَّوج، وكانت الزَّوجة ذِمّيةٌ، فلا حضانة لها. وقال أبو ثورٍ، وأصحاب الرَّأي، وابن القاسم: لا فرق بين الذِّميَّة والمسلمة. وكذلك اختلفوا في الزَّوجين؛ يفترقان أحدهما [حرٌّ] والآخر مملوكٌ. قوله: "له" في محلِّ رفعٍ لقيامه مقام الفاعل. قوله: {لاَ تُضَآرَّ وَالِدَةٌ} فيه دلالةٌ على ما يقوله النَّحويُّون، وهو أنَّه إذا اجتمع مذكَّرٌ ومؤنَّثٌ، معطوفاً أحدهما على الآخر، كان حكم الفعل السابق عليهما للسابق منهما، تقول: قام زيدٌ وهندٌ، فلا تلحق علامة تأنيثٍ، وقامت هندٌ وزيدٌ، فتُلحق العلامة، والآية الكريمة من هذا القبيل، ولا يستثنى من ذلك إلاَّ أن يكون المؤنث مجازيّاً، فيحسن ألاَّ يراعى المؤنَّث، وإن تقدَّم؛ كقوله تعالى: {أية : وَجُمِعَ ٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ}تفسير : [القيامة:9]. وفي هذه الجمل من علم البيان: الفصل، والوصل. أما الفصل: وهو عدم العطف بين قوله: "لا تُكَلَّفُ نفسٌ" وبين قوله: "لا تضارَّ"؛ لأنَّ قوله: "لا تُضارَّ" كالشَّرح للجملة قبلها؛ لأنه إذا لم تُكَلَّف النفس إلاَّ طاقتها، لم يقع ضررٌ، لا للوالدة، ولا للمولود له. وكذلك أيضاً لم يعطف: "لا تُكَلَّفُ نفسٌ" على ما قبلها؛ لأنها مع ما بعدها تفسيرٌ لقوله "بالمعروف". وأمَّا الوصل: وهو العطف بين قوله: {وَٱلْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ}، وبين قوله: {وَعلَى ٱلْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ}؛ فلأنَّهما جملتان متغايرتان في كلٍّ منهما حكمٌ ليس في الأخرى. ومنه أيضاً إبراز الجملة الأولى مبتدأً وخبراً، وجعل الخبر فعلاً؛ لأنَّ الإرضاع مما يتجدَّدُ دائماً. وأُضيفت الوالداتُ للأولاد؛ تنبيهاً على شفقتهنَّ، وحثاً لهنَّ على الإرضاع. وجيء بالوالدات بلفظ العموم، وإن كان جمع قلَّة؛ لأنَّ جمع القلَّة متى حلِّي بأل، عمَّ، وكذلك "أَوْلاَدَهُنَّ" عامٌّ؛ لإضافته إلى ضمير العامِّ، وإن كان - أيضاً - جمع قلَّةٍ. وفيها أيضاً إبراز الجملة الثانية مبتدأً وخبراً، والخبر جارٌّ ومجرورٌ بحرف "على" الدالِّ على الاستعلاء المجازيّ في الوجوب، وقدِّم الخبر؛ اعتناءً به. وقدِّم الرزقُ على الكسوة؛ لأنه الأهمُّ في بقاء الحياة، ولتكرره كل يومٍ. وأبرزت الثالثة فعلاً، ومرفوعه، وجعل مرفوعه نكرةً في سياق النفي؛ ليعمَّ، ويتناول ما سبق لأجله من حكم الوالدات في الإرضاع، والمولود له في الرزق، والكسوة الواجبتين عليه للوالدة. وأبرزت الرابعة كذلك؛ لأنَّها كالإيضاح لما قبلها؛ والتفصيل بعد الإجمال؛ ولذلك لم يعطف عليها كما ذكرته لك. ولمَّا كان تكليف النفس فوق الطاقة، ومضارَّةُ أحد الزوجين للآخر ممَّا يتكرَّر ويتجدَّد، أتى بهاتين الجملتين فعليتين، وأدخل عليهما حرف النَّفي وهو "لا"؛ لأنه موضوعٌ للاستقبال غالباً. وأمَّا في قراءة من جزم، فإنَّها ناهيةٌ، للاستقبال فقط، وأضاف الولد إلى الوالدة والمولود له؛ تنبيهاً على الشفقة والاستعطاف، وقدَّم ذكر عدم مضارَّة الوالدة على ذكر عدم مضارة الوالد؛ مراعاةً لما تقدَّم من الجملتين، إذ قد بدأ بحكم الوالدات وثنَّى بحكم الوالد. قوله: {وَعَلَى ٱلْوَارِثِ مِثْلُ ذٰلِكَ} هذه جملةٌ من مبتدأ وخبر، قدَّم الخبر؛ اهتماماً، ولا يخفى ما فيها، وهي معطوفة على قوله: {وَعلَى ٱلْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ} وما بينهما اعتراضٌ؛ لأنه كالتَّفسير لقوله: "بِالْمَعْرُوفِ" كما تقدَّم التنبيه عليه. والألف واللاَّم في "الوَارِثِ" بدلٌ من الضَّمير عند من يرى ذلك، ثم اختلفوا في ذلك الضَّمير هل يعود على المولود له، وهو الأب، فكأنه قيل: وعلى وارثه، أي: وارث المولود له، أو يعود على الولد نفسه، أي: وارث الولد؟ وهذا على حسب اختلافهم في الوارث. وقرأ يحيى بن يعمر: "الوَرَثَةِ" بلفظ الجمع، والمشار إليه بقوله: "مثلُ ذلك" إلى الواجب من الرزق والكسوة، وهذا أحسن من قول من يقول: أشير به إلى الرزق والكسوة. وأشير بما للواحد للاثنين؛ كقوله: {أية : عَوَانٌ بَيْنَ ذٰلِكَ}تفسير : [البقرة:68]. وإنما كان أحسن؛ لأنه لا يحوج إلى تأويلٍ، وقيل: المشار إليه هو عدم المضارَّة، قاله الشعبيُّ، والزهري، والضحاك، وقيل: منهما وهو قول الجمهور. وقيل: أجرة المثل. فصل في المراد بـ "الوارث" في المراد بـ "الوارث" أربعة أقوالٍ: أحدها: قال ابن عباس: المراد وارث الأب؛ لأنَّ قوله: {وَعَلَى ٱلْوَارِثِ مِثْلُ ذٰلِكَ} معطوفٌ على قوله: {وَعلَى ٱلْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ} وما بينهما اعتراضٌ لبيان المعروف، والمعنى أنَّ المولود له إن مات، فعلى وارثه مثل ما وجب عليه، أي: يقوم وارثه مقامه في رزقها وكسوتها بالمعروف وتجنُّب الإضرار. قال أبو مسلم الأصبهانيُّ: وهذا ضعيفٌ؛ لأنَّ الولد أيضاً يرثه فيؤدِّي ذلك إلى وجوب نفقته على غيره حال ما له مال ينفق منه، وهذا غير جائزٍ. قال ابن الخطيب: ويمكن أن يجاب بأنَّ الصبيَّ إذا ورث من أبيه مالاً، فإنَّه يحتاج إلى من يقوم بتعهُّده والنَّفقة عليه بالمعروف، ويدفع الضَّرر عنه، وهذه الأشياء يمكن إيجابها على وارث الأب. القول الثاني: أنَّ المراد وارث الصبيِّ، فيجب عليه عند موت الأب كل ما كان واجباً على الأب، هذا قول الحسن، وقتادة، وأبي مسلم، والقاضي، ثم اختلفوا في أنه أيُّ وارثٍ هو؟ فقيل: العصبات من الرِّجال، وهو قول عمر بن الخطَّاب، والحسن، ومجاهد، وعطاء، وسفيان، وإبراهيم. وقيل: هو وارث الصبيِّ من الرِّجال والنساء على قدر مواريثهم منه، وهو قول قتادة وابن أبي ليلى، ومذهب أحمد وإسحاق. وقيل: المراد من كان ذا رحمٍ محرمٍ دون غيرهم؛ كابن العمِّ والمولى، وهو قول أبي حنيفة. وظاهر الآية يقتضي أَلاَّ فرق بين وارثٍ ووارثٍ، ولولا أن الأمَّ خرجت من حيث إنَّه أوجب الحقَّ لها، لصحَّ دخولها تحت الكلام؛ لأنَّها قد تكون وارثةً للصبيِّ كغيرها. القول الثالث: المراد من الوارث الباقي من الأبوين، كا جاء في الدعاء: "واجْعَلْهُ الوَارِثَ مِنَّا" أي: الباقي، وهو قول سفيان وجماعة. القول الرابع: المراد الصبيُّ نفسه الذي هو وارث أبيه المتوفَّى، فإن كان له مالٌ، وجب أجرة رضاعه في ماله، وإن لم يكن له مال، فعلى الأمِّ، ولا يجبر على نفقة الصبيِّ إلاَّ الوالدان، وهو قول مالكٍ والشافعيِّ. قوله: {فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً}. في الفصال قولان: أحدهما: أنَّه الفطام؛ لقوله تعالى: {أية : وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاَثُونَ شَهْراً}تفسير : [الأحقاف:15] وإنَّما سمي الفطام بالفصال؛ لأنَّ الولد ينفصل عن الاغتذاء بثدي أمِّه إلى غيره من الأقوات. والثاني: قال أبو مسلم: ويحتمل أن يكون المراد من الفصال إيقاع المفاصلة بين الولد والأمِّ، إذا حصل التراضي والتشاور في ذلك، ولم يرجع بسبب ذلك ضررٌ إلى الولد. قال المبرِّد: والفصال، يقال: فصل الولد عن الأمِّ فصلاً وفصالاً، والفصال أحسن؛ لأنَّه إذا انفصل عن أمِّه، فقد انفصلت منه، فبينهما فصالٌ، نحو القتال والضِّراب، وسمِّي الفصيل فصيلاً؛ لأنَّه مفصولٌ عن أمِّه؛ ويقال: فصل من البلد، إذا خرج عنها وفارقها؛ قال تعالى: {أية : فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِٱلْجُنُودِ}تفسير : [البقرة:249]، وحمل الفصال على الفطام هو قول أكثر المفسرين. اعلم أنَّه لمَّا بيَّن تمام مدَّة الرضاع بقوله: {حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ} وجب حمل هذه الآية على غير ذلك، حتى لا يلزم التَّكرار، واختلفوا في ذلك: فمنهم من قال: إنَّها تدلُّ على جواز الفطام قبل الحولين وبعدهما، وهو مرويٌّ عن ابن عبَّاس. قوله تعالى: {عَن تَرَاضٍ} فيه وجهان: أظهرهما: أنه متعلِّقٌ بمحذوفٍ؛ إذ هو صفةٌ لـ "فِصَالاً" فهو في محلِّ نصبٍ، أي: فصالاً كائناً عن تَرَاضٍ، وقدَّره الزمخشريُّ: صادراً عن تَرَاضٍ، وفيه نظرٌ من حيث كونه كوناً مقيَّداً. والثاني: أنه متعلقٌ بـ "أَرَادَا"، قاله أبو البقاء، ولا معنى له إلاَّ بتكلّف. والفصال، والفصل: الفطام، وأصله التفريق، فهو تفريقٌ بين الصبيِّ والثَّدي، ومنه سمِّي الفصيل؛ لأنَّه مفصولٌ عن أمه. و "عَنْ" للمجاوزة مجازاً؛ لأنَّ التَّراضي معنًى، لا عينٌ. و "تَرَاضٍ" مصدر تفاعل، فعينه مضمومةٌ، وأصله: تفاعلٌ تراضوٌ، ففعل فيه ما فعل بـ "أدْلٍ" جمع دلوٍ، من قلب الواو ياءً، والضمة قلبها كسرةً، إذ لا يوجد في الأسماء المعربة واوٌ قبلها ضمةٌ لغير الجمع إلا ويفعل بها ذلك تخفيفاً. قوله تعالى: "مِّنْهُمَا" في محلِّ جرٍّ صفةً لـ "تَرَاضٍ"، فيتعلَّق بمحذوفٍ، أي: تَرَاضٍ كائنٍ أو صادرٍ منهما، و "مِنْ" لابتداء الغاية. وقوله: "وَتَشَاوُرٍ" [حذفت "مِنْهُمَا" لدلالة ما قبلها عليها، والتقدير: وتشاور منهما]، ويحتمل أن يكون التَّشاور من أحدهما، مع غير الآخر؛ لتتفق الآراء منهما، ومن غيرهما على المصلحة. قوله: {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا} الفاء جواب الشَّرط، وقد تقدَّم نظير هذه الجملة، ولا بُدَّ قبل هذا الجواب من جملةٍ قد حذفت؛ ليصحَّ المعنى بذلك، تقديره: ففصلاه أو فعلا ما تراضيا عليه، فلا جناح عليهما في الفصال، أو في الفصل. فصل في التشاور التشاور في اللُّغة: استخراج الرَّأْي، وكذلك المشورة كالمعونة، وشرت العسل، إذا استخرجته. وقال أبو زيدٍ: شُرت الدَّابَّةَ، وشَوَّرْتُهَا، أجريتها لاستخراج جريها في الموضع الذي تعرض فيه الدوابُّ، يقال له: الشّوار، والشَّوار بالفتح متاع البيت؛ لأنَّه يظهر للنَّاظر، ويقال: شوَّرته فتشوَّر، أي: خجلته، والشَّارة: هيئة الرَّجل؛ لأنَّه ما يظهر من زينته ويبدو منها، والإشارة: إخراج ما في نفسك وإظهاره للمخاطب بالنُّطق وغيره. فصل في مدة الفطام دلَّت الآية على أن الفطام في أقلَّ من حولين لا يجوز إلاَّ عند رضا الوالدين، وعند المشاورة مع أرباب التَّجارب، وذلك لأنَّ الأمَّ قد تملُّ من الرَّضاع فتحاول الفطام؛ والأب أيضاً قد يملُّ من عطاء الأجرة على الإِرْضَاع، فيحاول الفِطَام؛ دَفْعاً لذلك، لكنهما قلَّما يتوافقان على الإضرار بالولد؛ لغرض النَّفس، ثم بتقدير توافقهما: اعتبر المشاورة مع غيرهما، وعند ذلك يبعد حصول موافقة الكلِّ على ما يكون فيه ضرر الولد، فعند اتِّفاق الكلِّ على أنَّ الفطام قبل الحولين لا يضرُّ الولد ألبتَّة يجوز الفطام. فانظر إلى إحسان الله تعالى بهذا الطفل الصغير، كم شرط في جواز فطامه من الشروط؛ دفعاً للمضارِّ عنه، ثم عند اجتماع هذه الشَّرائط لم يصرِّح بالإذن، بل قال: {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا}. قوله: {وَإِنْ أَرَدتُّمْ أَن تَسْتَرْضِعُوۤاْ أَوْلاَدَكُمْ}. "أن" وما في حيِّزها في محلِّ نصبٍ، مفعولاً بـ "أَرَاد" وفي "اسْتَرْضَعَ" قولان للنَّحويين: أحدهما: أنه يتعدَّى لاثنين، ثانيهما بحرف الجرِّ، والتقدير: أن تسترضعوا المراضع لأولادكم، فحذف المفعول الأوَّل وحرف الجر من الثاني، فهو نظير "أَمَرْتُ الخَيْرَ"، ذكرت المأمور به، ولم تذكر المأمور؛ لأنَّ الثاني منهما غير الأوَّل، وكلُّ مفعولين كانا كذلك، فأنت فيهما بالخيار بين ذكرهما وحذفهما، وذكر الأوَّل، دون الثاني والعكس. قال الواحديُّ: {أن تَسْتَرْضِعُوا أَوْلاَدَكُمْ}، أي: لأَوْلاَدِكُمْ وحذف اللام، اجتزاءً بدلالة الاسترضاع؛ لأنَّه لا يكون إلاَّ للأولاد، ولا يجوز: "دَعَوْتُ زَيْداً" وأنت تريد لزيد؛ لأنَّه لا يلتبس هاهنا خلاف ما قلنا في الاسترضاع، ونظير حذف "اللاَّم" قوله تعالى: {أية : وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ}تفسير : [المطففين:3] أي: كالو لهم، أو وزنوا لهم. والثاني: أنه متعدٍّ إليهما بنفسه، ولكنه حذف المفعول الأول، وهذا رأي الزمخشريِّ، ونظَّر الآية الكريمة بقولك: "أَنَجَحَ الحَاجَةَ" "وَاسْتَنْجَحَتْهُ الحَاجَةُ" وهذا يكون نقلاً بعد نقلٍ؛ لأنَّ الأصل "رَضِعَ الوَلَدُ"، ثم تقول: "أَرْضَعَت المَرْأَةُ الوَلَدَ"، ثم تقول: "اسْتَرْضَعْتُهَا الوَلَدَ"؛ هكذا قال أبو حيَّان. قال شهاب الدين: وفيه نظر؛ لأنَّ قوله "رضِعَ الوَلَدُ" يشعر أنَّ هذا لازمٌ، ثم عدَّيته بهمزة النقل، ثم عدَّيته ثانياً بسين الاستفعال، وليس كذلك، لأنَّ "رَضِعَ الوَلَدُ" متعدٍّ، غاية ما فيه أنَّ مفعوله غير مذكورٍ، وتقديره: رَضِعَ الوَلَدُ أُمَّهُ؛ لأنَّ المادَّة تقتضي مفعولاً به؛ كضرب، وأيضاً فالتعدية بالسين قول مرغوبٌ عنه، والسين للطلب على بابها؛ نحو: اسْتَسْقَيْتُ زَيْداً مَاءً، واسْتَطْعَمْتُهُ خُبْزاً؛ فكما أنَّ ماءً وخبزاً منصوبان، لا على إسقاط الخافض كذلك "أَوْلاَدَكُمْ"، وقد جاء [استفعل] للطَّلب، وهو معدًّى إلى الثاني بحرف جرٍّ، وإن كان "أَفْعَلَ" الذي هو أصله متعدِّياً لاثنين، نحو: "أَفْهَمَنِي زَيْد المَسْأَلَةَ" واستفهمته عنها، ويجوز حذف "عَنْ"، فلم يجيء مجيءَ "اسْتَسْقَيْتُ" و "اسْتَطْعَمْتُ" من كون ثانيهما منصوباً، لا على إسقاط الخافض. وفي هذا الكلام التفاتٌ وتلوينٌ، أمَّا الالتفات: فإنه خروجٌ من ضمير الغيبة في قوله: "فَإِنْ أَرَادُوا" إلى الخطاب في قوله: "وَإِنْ أَرَدتُّمْ"؛ إذ المخاطب الآباء والأمهات، وأمَّا التلوين في الضمائر، فإنَّ الأول ضمير تثنيةٍ، وهذا ضمير جمعٍ، والمراد بهما الآباء والأمهات أيضاً؛ وكأنه رجع بهذا الضمير المجموع إلى الوالدات والمولُودِ له، ولكنه غَلَّبَ المُذَكَّرَ، وهو المولودُ له، وإنْ كان مفرداً لفظاً، و "فَلاَ جُنَاحَ" جوابُ الشرطِ. قوله: {إِذَا سَلَّمْتُم مَّآ ءَاتَيْتُم} "إِذَا" شرطٌ حذف جوابه؛ لدلالة الشرط الأول وجوابه عليه، قال أبو البقاء: وذلك المعنى هو العاملُ في "إذا" وهو متعلِّق بما تعلَّق به "عَلَيْكُم"، وهذا خطأٌ في الظاهر؛ لأنه جعل العامل فيها أولاً ذلك المعنى المدلول عليه بالشَّرط الأوَّل وجوابه، فقوله ثانياً "وهو متعلِّق بما تعلَّق به عَلَيْكُم" تناقضٌ، اللهم إلا أن يقال: قد يكون سقطت من الكاتب ألفٌ، وكان الأصل "أَوْ هُوَ مُتَعَلِّقٌ" فيصحُّ، إلاَّ أنه إذا كان كذلك، تمحَّضت "إِذَا" للظرفية، ولم تكن للشرط، وكلام هذا القائل يشعر بأنها شرطيةٌ في الوجهين على تقدير الاعتذار عنه. وليس التَّسليم شرطاً للجواز والصحَّة، وإنَّما هو ندب إلى الأولى، والمقصود منه أن يسلِّم الأجرة إلى المرضعة يداً بيدٍ، حتى تطيب نفسها، ويصير ذلك سبباً لصلاح حال الطِّفل، والاحتياط في مصالحه. وقرأ الجمهور: "آتَيْتُمْ" بالمدِّ هنا وفي الرُّوم: {أية : وَمَآ ءَاتَيْتُمْ مِّن رِّباً}تفسير : [الروم:39] وقصرهما ابن كثير. وروى شيبان عن عاصم "أُوتِيتُمْ" مبنيّاً للمفعول، أي: ما أقدركم الله عليه، فأمَّا قراءة الجمهور، فواضحةٌ؛ لأنَّ "آتَى" بمعنى "أَعْطَى"، فهي تتعدَّى لاثنين، أحدهما ضمير يعود على "مَا" الموصولة، والآخر ضميرٌ يعود على المراضع، والتقدير: ما آتيتموهنَّ إيَّاه، فـ "هُنَّ" هو المفعول الأوَّل؛ لأنه الفاعل في المعنى، والعائد هو الثاني؛ لأنه هو المفعول في المعنى، والكلام على حذف هذا الضمير، وهو منفصلٌ قد تقدَّم ما عليه من الإشكال، والجواب عند قوله: {أية : وَممَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ}تفسير : [البقرة:3]. وأمَّا قراءة القصر، فمعناها جئتم وفعلتم يقال: أَتَيْتُ جميلاً، إذا فعلته؛ قال زهيرٌ: [الطويل] شعر : 1129- وَمَا كَانَ مِنْ خَيْرٍ أَتَوْهُ فَإِنَّمَا تَوَارَثَهُ آبَاءُ آبَائِهِمْ قَبْلُ تفسير : أي: فعلوه، والمعنى: إذا سلَّمتم ما جئتم وفعلتم. فعلى هذه القراءة يكون التَّسليم بمعنى الطَّاعة، والانقياد، لا بمعنى تسليم الأجرة، يعني: إذا سلَّمتم لأمره وانقدتم لحكمه. وقال أبو عليٍّ: ما أتيتم نقده أو إعطاءه، فحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه، وهو عائد الموصول، فصار: آتيتموه، أي: جئتموه. وأما قراءة عاصم، فمعناها: ما آتاكم الله وأقدركم عليه من الأجرة، وهو في معنى قوله تعالى: {أية : وَأَنفِقُواْ مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ}تفسير : [الحديد:7]. ثم حذف عائد الموصول، وأجاز أبو البقاء أن يكون التقدير: ما جئتم به، فحذف، يعني: حذف على التَّدريج بأن حذف حرف الجرِّ أولاً؛ فاتَّصل الضمير منصوباً بفعلٍ، فحذف. و"ما" فيها وجهان: أظهرهما: أنها بمعنى "الَّذِي" وأجاز أبو عليٍّ فيها أن تكون موصولةً حرفيَّةً، ولكن ذكر ذلك مع قراءة القصر خاصَّةً، والتقدير: إذا سلَّمتم الإتيان، وحينئذٍ يستغنى عن ذلك الضَّمير المحذوف، ولا يختصّ ذلك بقراءة القصر، بل يجوز أن تكون مصدريَّةً مع المدِّ أيضاً؛ على أن المصدر واقعٌ موقع المفعول، تقديره: إذا سلَّمتم الإعطاء، أي: المعطى. والظاهر في "مَا" أن يكون المراد بها الأُجرة التي تتعاطاها المرضع، والخطاب على هذا في قوله: "سَلَّمْتُمْ" و "آتَيْتُمْ" للآباء خاصَّة، وأجازوا أن يكون المراد بها الأولاد، قاله قتادة والزهري، وفيه نظرٌ؛ من حيث وقوعها على العقلاء؛ وعلى هذا فالخطاب في "سَلَّمْتُمْ" للآباء والأمَّهات. قوله تعالى: {بِٱلْمَعْرُوفِ} فيه ثلاثة أوجهٍ: أحدها: أن يتعلَّق بـ "سَلَّمْتُمْ" أي: بالقول الجميل. والثاني: أن يتعلَّق بـ "آتَيْتُمْ". والثالث: أن يكون حالاً من فاعل "سَلَّمْتُمْ"، أو "آتَيتُمْ"، فالعامل فيه حينئذٍ محذوفٌ، أي: مُلْتَبِسِينَ بالمعروف. فصل قد تقدَّم أنَّ الأمَّ أحقُّ بالرَّضاع، فإن حصل ثمَّ مانعٌ عن ذلك، جاز العدول عنها إلى غيرها، مثل أن تتزوَّج بزوجٍ آخر، فإنَّ قيامها بحقِّ ذلك الزوج يمنعها من الرَّضاع. ومنها: إذا طلَّقها الزوج الأوَّل، فقد تكره الرَّضاع؛ حتى يتزوَّج بها زوجٌ آخر. ومنها: أن تأبى المرأة إرضاع الولد؛ إيذاءً للزَّوج المطلِّق وإيحاشاً له. ومنها: أن تمرض، أو ينقطع لبنها. فعند أحد هذه الوجوه، إذا وجدنا مرضعةً أخرى، وقبل الطفل لبنها، جاز العدول عن الأمِّ إلى غيرها. فأمَّا إذا لم نجد مرضعةً أخرى أو وجدناها، لكنَّ الطفل لا يقبل لبنها، فهاهنا الإرضاع واجبٌ على الأمِّ. ثم إنَّه تعالى ختم الآية بالتَّحذير، فقال: {وَٱتَّقُواْ ٱللهَ وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}.
السيوطي
تفسير : أخرج وكيع وسفيان وعبد الرزاق وآدم وعبد بن حميد وأبو داود في ناسخه وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن مجاهد في قوله {والوالدات يرضعن أولادهن} قال: المطلقات {حولين} قال: سنتين {لا تضار والدة بولدها} يقول: لا تأبى أن ترضعه ضراراً لتشق على أبيه {ولا مولود له بولده} يقول: ولا يضار الوالد بولده فيمنع أمه أن ترضعه ليحزنها بذلك {وعلى الوارث} قال: يعني الولي من كان مثل ذلك قال: النفقة بالمعروف، وكفله، ورضاعه، إن لم يكن للمولود مال، وأن لا تضار أمه {فإن أرادا فصالاً عن تراض منهما وتشاور} قال: غير مسببين في ظلم أنفسهما ولا إلى صبيهما {فلا جناح عليهما وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم} قال: خيفة الضيعة على الصبي {فلا جناح عليكم إذا سلمتم ما آتيتم بالمعروف} قال: حساب ما أرضع به الصبي. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله {والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين} قال: هو الرجل يطلق امرأته وله منها ولد فهي أحق بولدها من غيرها فهن يرضعن أولادهن {لمن أراد أن يتم الرضاعة} يعني يكمل الرضاعة {وعلى المولود له} يعني الأب الذي له ولد {رزقهن} يعني رزق الأم {لا تكلف نفس إلا وسعها} يقول: لا يكلف الله نفساً في نفقة المراضع إلا ما أطاقت {لا تضار والدة بولدها} يقول: لا يحمل الرجل امرأته أن يضارها فينزع ولدها منها وهي لا تريد ذلك {ولا مولود له بولده} يعني الرجل يقول: لا يحملن المرأة إذا طلقها زوجها أن تضاره فتلقي إليه ولده مضارة له {فإن أرادا فصالاً} يعني الأبوين أن يفصلا الولد عن اللبن دون الحولين {عن تراض منهما} يقول: اتفقا على ذلك {وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم فلا جناح عليكم} يعني لا حرج على الإِنسان أن يسترضع لولده ظئراً، ويسلم لها أجرها {إذا سلمتم} لأمر الله يعني في أجر المراضع {ما آتيتم بالمعروف} يقول: ما أعطيتم الظئر من فضل على أجرها {واتقوا الله} يعني لا تعصوه، ثم حذرهم فقال {واعلموا أن الله بما تعملون بصير} أي بما ذكر عليم. وأخرج الحاكم وصححه عن أبي أمامة حديث : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ثم انطلق بي فإذا أنا بنساء تنهش ثديهن الحيات. فقلت: ما بال هؤلاء؟ فقيل لي: هؤلاء اللواتي يمنعن أولادهن ألبانهن . تفسير : وأخرج أبو داود في ناسخه عن زيد بن أسلم في قوله {والوالدات يرضعن أولادهن} قال: إنها المرأة تطلق أو يموت عنها زوجها. وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر والحاكم والبيهقي في سننه عن ابن عباس. في التي تضع لستة أشهر أنها ترضع حولين كاملين، وإذا وضعت لسبعة أشهر أرضعت ثلاثة وعشرين لتمام ثلاثين شهراً، وإذا وضعت لتسعة أشهر أرضعت احداً وعشرين شهراً، ثم تلا {أية : وحمله وفصاله ثلاثون شهراً}تفسير : [الأحقاف: 15]. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين} فجعل الله الرضاع حولين كاملين {لمن أراد أن يتم الرضاعة} ثم قال {فإن أرادا فصالاً عن تراض} فلا حرج إن أرادا أن يفطماه قبل الحولين وبعده. وأخرج ابن أبي حاتم والبيهقي عن أبي الأسود الديلي أن عمر بن الخطاب رفعت إليه امرأة ولدت لستة أشهر فهمّ برجمها، فبلغ ذلك علياً فقال: ليس عليها رجم، قال الله تعالى {والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين} وستة أشهر فذلك ثلاثون شهراً. وأخرج وكيع وعبد الرزاق وابن أبي حاتم عن فايد بن عباس قال: أتي عثمان بامرأة ولدت في ستة أشهر فأمر برجمها، فقال ابن عباس: إنها إن تخاصمك بكتاب الله تخصمك، يقول الله {والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين} ويقول الله في آية آخرى {أية : وحمله وفصاله ثلاثون شهراً}تفسير : [الأحقاف: 15] فقد حملته ستة أشهر فهي ترضعه لكم حولين كاملين، فدعا بها عثمان فخلى سبيلها. وأخرج ابن جرير من وجه آخر من طريق الزهري. مثله. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن أبي حاتم عن الزهري قال: سئل ابن عمر وابن عباس عن الرضاع بعد الحولين فقرأ {والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين} ولا نرى رضاعاً بعد الحولين يحرم شيئاً. وأخرج ابن جرير من طريق أبي الضحى قال: سمعت ابن عباس يقول {والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين} قال: لا رضاع إلا في هذين الحولين. وأخرج الترمذي وصححه عن أم سلمة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : لا يحرم من الرضاع إلا ما فتق الأمعاء في الثدي، وكان قبل الفطام ". تفسير : وأخرج ابن عدي والدارقطني والبيهقي عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : لا يحرم من الرضاع إلا ما كان في الحولين ". تفسير : وأخرج الطيالسي والبيهقي عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : لا رضاع بعد فصال، ولا يتم بعد احتلام ". تفسير : وأخرج عبد الرزاق في المصنف وابن عدي عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : لا يتم بعد حلم، ولا رضاع بعد فصال، ولا صمت يوم إلى الليل، ولا وصال في الصيام، ولا نذر في معصية، ولا نفقة في معصية، ولا يمين في قطيعة رحم، ولا تعرب بعد الهجرة، ولا هجرة بعد الفتح، ولا يمين لزوجة مع زوج، ولا يمين لولد مع والد، ولا يمين لمملوك مع سيده، ولا طلاق قبل نكاح، ولا عتق قبل ملك ". تفسير : وأخرج ابن أبي داود في المصاحف عن الأعمش قال: في قراءة عبد الله (لمن أرادت أن يكمل الرضاعة). وأخرج ابن جرير عن الضحاك في قوله {وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف} قال: على قدر الميسرة. وأخرج أبو داود في ناسخه وابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم في قوله {لا تضار والدة بولدها ولا مولود له بولده} يقول: ليس لها أن تلقي ولدها عليه، ولا يجد من يرضعه، وليس له أن يضارها فينزع منها ولدها وتحب أن ترضعه {وعلى الوارث} قال: هو ولي الميت. وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء وإبراهيم والشعبي {وعلى الوارث} قالوا: وارث الصبي ينفق عليه. وأخرج عبد بن حميد عن الحسن {وعلى الوارث مثل ذلك} قال: كان يلزم الوارث النفقة. وفي لفظ: نفقة الصبي إذا لم يكن له مال على وارثه. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة {وعلى الوارث مثل ذلك} يقول: على وارث المولود إذا كان المولود لا مال له، مثل الذي على والده من أجر الرضاع. وأخرج عبد بن حميد عن ابن جريج قال: قلت لعطاء: ما قوله {وعلى الوارث مثل ذلك}؟ قال: وارث المولود مثل ما ذكر الله. قلت: أيحبس وارث المولود إن لم يكن للمولود مال بأجر مرضعته وإن كره الوارث؟ قال: أفيدعه يموت؟ وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن ابن سيرين. أن امرأة جاءت تخاصم في نفقة ولدها وإرث ولدها إلى عبد الله بن عتبة بن مسعود، فقضى بالنفقة من مال الصبي، وقال لوارثه: ألا ترى {وعلى الوارث مثل ذلك} ولو لم يكن له مال لقضيت بالنفقة عليك. وأخرج عبد بن حميد عن إبراهيم قال: يجبر الرجل إذا كان موسراً على نفقة أخيه إذا كان معسراً. وأخرج عبد بن حميد عن حماد قال: يجبر على كل ذي رحم محرم. وأخرج سفيان وعبد الرزاق وأبو عبيد في الأموال وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم والنحاس في ناسخه والبيهقي عن سعيد بن المسيب: أن عمر بن الخطاب حبس بني عم علي منفوس كلالة بالنفقة عليه مثل العاقلة. وأخرج سفيان بن عيينة عن مجاهد في قوله {وعلى الوارث مثل ذلك} قال: على وارث الصبي أن يسترضع له مثل ما على أبيه. وأخرج ابن جرير والنحاس عن قبيصة بن ذؤيب في قوله {وعلى الوارث} قال: هو الصبي. وأخرج وكيع عن عبد الله بن مغفل قال: رضاع الصبي من نصيبه. وأخرج ابن جرير وابن المنذر من طريق عطاء الخراساني عن ابن عباس {وعلى الوارث مثل ذلك} قال: نفقته حتى يفطم، إن كان أبوه لم يترك له مالاً. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي من طريق مجاهد والشعبي عن ابن عباس {وعلى الوارث مثل ذلك} قال: أن لا يضار. وأخرج ابن جرير عن الضحاك {فإذا أرادا فصالاً} قال: الفطام. وأخرج وكيع وسفيان وعبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في الآية قال: التشاور فيما دون الحولين، ليس لها أن تفطمه إلا أن يرضى، وليس له أن يفطمه إلا أن ترضى. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن عطاء {وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم} قال: أمه أو غيرها {فلا جناح عليكم إذا سلمتم} قال: إذا سلمت لها أجرها {ما آتيتم} قال: ما أعطيتم. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن شهاب {وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم فلا جناح عليكم} إذا كان ذلك عن طيب نفس من الوالد والوالدة.
ابو السعود
تفسير : {وَٱلْوٰلِدٰتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَـٰدَهُنَّ} شروعٌ في بـيان الأحكام المتعلقة بأولادهن خصوصاً واشتراكاً وهو أمرٌ أُخرِجَ مُخرجَ الخبر مبالغةً في الحمل على تحقق مضمونِه ومعناه الندبُ أو الوجوبُ إن خص بمادة عدم قَبول الصبـيِّ ثديَ الغير أو فقدانِ الظِئْر أو عجزِ الوالدِ عن الاستئجار، والتعبـيرُ عنهن بالعنوان المذكور لِهزّ عَطفِهن نحوَ أولادِهن، والحكمُ عام للمطلقات وغيرهن، وقيل: خاصٌّ بهن إذ الكلامُ فيهن {حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ} التأكيدُ بصفة الكمال لبـيان أن التقديرَ تحقيقيٌّ لا تقريبـيٌّ مبني على المسامحة المعتادة {لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ ٱلرَّضَاعَةَ} بـيانٌ لمن يُتوجّه إليه الحكمُ أي ذلك لمن أراد إتمامَ الرضاعة وفيه دلالةٌ على جواز النقص وقيل: اللام متعلقة بـيرضعن فإن الأبَ يجبُ عليه الإرضاعُ كالنفقة، والأمُ ترضع له كما يقال: أرضعت فلانةٌ لفلان ولدَه {وَعلَى ٱلْمَوْلُودِ لَهُ} أي الوالد فإن الولد يولد له ويُنسَب إليه، وتغيـيرُ العبارة للإشارة إلى المعنى المقتضي لوجوب الإرضاعِ، ومؤونة المرضعة عليه {رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ} أجرةٌ لهن، واختلف في استئجار الأمِّ وهو غيرُ جائز عندنا ما دامت في النكاح أو العدة، جائزٌ عند الشافعي رحمه الله {بِٱلْمَعْرُوفِ} حسبما يراه الحاكم ويفي به وسعَه {لاَ تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا} تعليل لإيجاب المُؤَن بالمعروف أو تفسيرٌ للمعروف وهو نص على أنه تعالى لا يكلف العبدَ ما لا يُطيقُه وذلك لا ينافي إمكانه. {لاَ تُضَارَّ وٰلِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلاَ مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ} تفصيلٌ لما قبله وتقريرٌ له، أي لا يكلِّف كلُّ واحد منهما الآخَرَ ما لا يُطيقه، ولا يُضارُّه بسبب ولده وقرىء لا تضارُّ بالرفع بدلاً من لا تكلف وأصله على القراءتين لا تضارِّ بالكسر على البناء للمفعول وعلى الوجه الأول يجوز أن يكون بمعنى تضرّ والباء من صلته أي لا يُضَر الوالدان بالولد فيُفَرَّط في تعهده ويُقصَّر فيما ينبغي له وقرىء لا تضارّ بالسكون مع التشديد على نية الوقف وبه مع التخفيف على أنه من ضاره يَضيرُه وإضافة الولد إلى كل منهما لاستعطافهما إليه وللتنبـيه على أنه جدير بأن ينفِقا على استصلاحه ولا ينبغي أن يُضَرَّا به أو يُتضارّا بسببه. {وَعَلَى ٱلْوَارِثِ مِثْلُ ذٰلِكَ} عطف على قوله تعالى: {عَلَىٰ ٱلْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ} [البقرة، الآية 233] الخ وما بـينهما تعليل أو تفسيرٌ معترِضٌ، والمرادُ به وارثُ الصبـيِّ ممن كان ذا رحِمٍ محرَمٍ منه وقيل: عَصَباتُه وقال الشافعي رحمه الله: هو وارثُ الأب وهو الصبـيُّ أي تُمأنُ المرضعةُ من ماله عند موت الأب، ولا نزاعَ فيه وإنما الكلام فيما إذا لم يكن للصبـيِّ مالٌ وقيل: الباقي من الأبوين من قوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : واجعله الوارثَ منا» تفسير : وذلك إشارةٌ إلى ما وجب على الأب من الرزق والكسوةِ {فَإِنْ أَرَادَا} أي الوالدان {فِصَالاً} أي فِطاماً عن الرَّضاع قبل تمام الحولين، والتنكيرُ للإيذان بأنه فصال غيرُ معتاد {عَن تَرَاضٍ} متعلق بمحذوف ينساق إليه الذهنُ أي صادراً عن تراض {مِنْهُمَا} أي من الوالدين لا من أحدهما فقط لاحتمال إقدامه على ما يضُرُّ بالولد بأن تمَلَّ المرأةُ الإرضاعِ ويبخَلَ الأبُ بإعطاء الأجرة {وَتَشَاوُرٍ} في شأن الولد وتفحُّصٍ عن أحواله وإجماعٍ منهما على استحقاقه للفِطام والتشاور من المَشورة وهي استخراجُ الرأي من شُرتُ العسلَ إذا استخرجته وتنكيرُهما للتفخيم {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا} في ذلك لما أن تراضِيَهما إنما يكون بعد استقرار رأيِهما أو اجتهادِهما على أن صلاحَ الولدِ في الفِطام وقلما يتفقان على الخطأ {وَإِنْ أَرَدْتُّمُ} بـيانق لحكم عدم اتفاقِهما على الفطام، والالتفاتُ إلى خطاب الآباءِ لجذبهم إلى الامتثال بما أُمروا به {أَن تَسْتَرْضِعُواْ أَوْلَـٰدَكُمْ} بحذف المفعول الأول استغناءً عنه أي أن تسترضعوا المراضِعَ لأولادكم يقال: أرضعتِ المرأةُ الصبـيَّ واسترضعتُها إياه، وقيل: إنما يتعدَّى إلى الثاني بحرف الجرِّ يقال: استرضعتُ المرأةَ للصبـيِّ أي أن تسترضعوا المراضِعَ لأولادكم فحُذف حرفُ الجر أيضاً كما في قوله تعالى: {أية : وَإِذَا كَالُوهُمْ} تفسير : [المطففين، الآية 3] أي كالوا لهم {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ} أي في الاسترضاع وفيه دلالة على أن للأب أن يسترضِعَ للولد ويمنعَ الأمَّ من الإرضاع {إِذَا سَلَّمْتُم} أي إلى المراضع {مَّا ءَاتَيْتُم} أي ما أردتم إيتاءَه كما في قوله تعالى: {أية : فَإِذَا قَرَأْتَ ٱلْقُرْءانَ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ} تفسير : [النحل، الآية 98] وقرىء ما أَتيتم من أتى إليه إحساناً إذا فعله وقرىء ما أُوتيتم أي من جهة الله عز وجل كما في قوله تعالى: {أية : وَأَنفِقُواْ مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ } تفسير : [الحديد، الآية 7] وفيه مزيدُ بعثٍ لهم إلى التسليم {بِٱلْمَعْرُوفِ} متعلقٌ بسلَّمتم أي بالوجه المتعارَفِ المستحسَن شرعاً، وجوابُ الشرط محذوفٌ لدلالة المذكور عليه وليس التسليمُ بشرطٍ للصحة والجواز، بل هو ندبٌ إلى ما هو الأليقُ والأَولى فإن المراضعَ إذا أُعطين ما قُدّر لهن ناجزاً يداً بـيد كان ذلك أدخلَ في استصلاح شؤون الأطفال {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} في شأن مراعاةِ الأحكامِ المذكورة {وَٱعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} فيجازيكم بذلك، وإظهارُ الاسم الجليلِ في موضع الإضمارِ لتربـية المهابة، وفيه من الوعيد والتهديد ما لا يخفى.
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {وَٱلْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ ٱلرَّضَاعَةَ}. غايةُ الرحمة التي يُضْرب بها المَثَلُ رحمةُ الأمهات؛ فأَمَرَ الله سبحانه الأمهاتِ بإكمال الرحمة بإرضاع المولود حَوْلَين كاملين، وقطعُ الرضاعة عنه قبل الحولين إشارةٌ إلى أن رحمة الله بالعبد أتمُّ من رحمة الأمهات. ثم قال جلّ ذكره: {وَعلَى ٱلْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ}. يعني الأب عليه رزقهن وكسوتهن - أي المرضعات - بالمعروف. لمَّا يَنُبْن عنك وَجَبَ حَقَّهُن عليك، فإِنَّ مَنْ لك كله فعليك كله. ثم قال جلّ ذكره: {لاَ تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا}. إدخارُ المستطاع بُخْلٌ، والوقوفُ - عند العجز - عذر. ثم قال جلّ ذكره: {لاَ تُضَآرَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا}. في الإرضاع وما يجب عليه. {وَلاَ مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى ٱلْوَارِثِ مِثْلُ ذٰلِكَ}. يعني الوالد بولده يعني فيما يلزم من النفقة والشفقة. فكما يجب حق المولود على الوالدين يجب حق الوالدين على المولود. ثم قوله جلّ ذكره: {فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَن تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدتُّمْ أَن تَسْتَرْضِعُوۤاْ أَوْلاَدَكُمْ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُم مَّآ آتَيْتُم بِٱلْمَعْرُوفِ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}. يعني فطاماً قبل الحولين، فلا جناح بعدما كان القصد الصلاح. اشتملت الآية على تمهيد طريق الصحبة، وتعليم محاسن الأخلاق في أحكام العسرة وإن من لا يَرْحَم لا يُرْحَم. وقال صلى الله عليه وسلم لمن ذكر أنه لم يُقَبِّل أولاده: "حديث : إن الله لا ينزع الرحمة إلا من قلب شقي ".
اسماعيل حقي
تفسير : {والوالدات} اى جميع الوالدات مطلقات كن او مزوجات لان اللفظ عام وما قام دليل التخصيص فوجب تركه على عمومه {يرضعن} خبر فى معنى الامر اى ليرضعن والرضع مص الثدى للبن {أولادهن} جمع ولد وهو المولود ذكرا كان او انثى ومعنى الامر الندب ووجه الندب ان تربية الطفل بلبن الام اصلح له من سائر الالبان وان شفقة الام اتم من شفقة غيرها ثم ان حكم الندب انما هو على تقدير ان لا يضطر الولد الى لبن امه اما اذا بلغ حالة الاضطرار بان لا يوجد غير الام او لا يرضع الطفل الا منها او عجز الوالد عن الاستئجار فحينئذ يجب عليها الارضاع عند ذلك كما يجب على كل احد مواساة المضطر فى الطعام. واعلم ان حق الارضاع لهن الى ان يتزوجن بغير آباء الاولاد ان كانت مطلقات لانهن يشتغلن بخدمة الازواج فلا يتفرغن لحضانتهم على الوجه الاليق ولان الربيب يتضرر بالراب فانه ينظر اليه شزرا وينفق عليه نزرا {حولين} سنتين اصله من حال الشىء يحول اذا انقلب والحول منقلب من الوقت الاول الى الثانى {كاملين} تامين اكده بصفة الكمال لانه مما يتسامح فيه فيقال اقمت عند فلان حولين بمكان كذا وانما اقام فيه حولا وبعض الحول {لمن أراد أن يتم الرضاعة} بيان للذى توجه اليه حكم الارضاع كأنه قيل هذا الحكم لمن فقيل لمن اراد ان يتم الرضاعة ومن يحتمل ان يراد بها الوالدات فقط او هن والآباء معا. واعلم ان مدة الرضاع عند ابى حنيفة حولان ونصف وعندهما حولان فقط استدلالا بهذه الآية ولا يباح ارضاع بعد هذا الوقت المخصوص على الخلاف لان اباحته ضرورية لانه جزء الآدمى فيتقدر بقدر الضرورة وقال ابو حنيفة هذه الآية محمولة على مدة استحقاق الاجرة فان الاجماع على ان مدت الرضاع فى استحقاق اجر الرضاع على الاب مقدرة بحولين حتى ان الاب لا يجبر على اعطاء اجرة بعد الحولين قال تعالى {فإن أرادا فصالا عن تراض} الآية ولو حرم الرضاع بعد الحولين لم يكن لقوله {عن تراض منهما وتشاور} فائدة فالرضاع الذى ثبت به الحرمة هو ما يكون فى ثلاثين شهرا عنده ولا يحرم ما يكون بعدها وعندهما هو ما يكون فى الحولين ولا يحرم ما يكون بعد الحولين وهو مذهب الشافعى ايضا ثم ان اتمام الحولين غير مشروط عند ابى حنيفة للآية اى لان فى قوله تعالى {لمن أراد أن يتم الرضاعة} دلالة على جواز النقص ولو ارادت التكميل لها مطالبة النققة واذا نقصت من غير اضرار لا تجبر على الكمال يعنى اذا فطم قبل مضى العدة واستغنى بالطعام لم تكن رضاعا وان لم يستغن يثبت به الحرمة وهو رواية عن ابى حنيفة وعليه الفتوى ذكره الزيلعى ثم انه تعالى كما وصى الام برعاية جانب الطفل فى قوله والولدات الخ وصى الاب برعاية جانب الام حتى تتقوى على رعاية مصلحة الطفل فامره بان يرزقها ويكسوها بالمعروف سواء كان ذلك المعروف محدودا بشرط وعقد ام لا وقد يكون غير محدود الا من جهة العرف لانه اذا قام بما يكفيها من طعامها وكسوتها فقد استغنى عن تقدير الاجرة فقال {وعلى المولود له} اى وعلى الذى يولد له وهو الوالد وانما لم يقل على الوالد ليعلم ان الاولاد للآباء لان الزوجة انما تلد الولد للزوج ولذلك ينسبون اليهم لا الى الامهات ـ روى ـ ان المأمون بن الرشيد لما طلب الخلافة عابه حشام ابن على فقال بلغنى انك تريد الخلافة وكيف تصلح لها وانت ابن امة فقال كان اسماعيل عليه السلام ابن امة. واسحق ابن حرة فاخرج الله من صلب اسماعيل خير ولد آدم صلى الله عليه وسلم وانشد شعر : لا تزرين بفتى من ان يكون له ام من الروم او سوداء دعجاء فانما امهات الناس اوعية مستودعات وللابناء آباء مكن زنهاراصل عودجوبست به بيه دودش جو مستثنى وخوبست تفسير : {رزقهن وكسوتهن} اى رزق الامهات اذا ارضعن اولادهم ولباسهن وكذا اجر الرضاع للاظئار لانهن يحتجن الى ما يقمن به ابدانهن لان الولد انما يغتذى باللبن وانما يحصل لها ذلك بالاغتذاء وتحتاج هى الى التستر فكان هذا من الحوائج الضرورية {بالمعروف} حسبما يراه الحاكم ويفى به وسعه. فان قيل اذا كانت الزوجية باقية فهى مستحقة للنفقة والكسوة بسبب النكاح سواء ارضعت الولد أو لم ترضعه فما وجه تعلق هذا الاستحقاق بالارضاع. قلنا النفقة والكسوة تجبان فى مقابلة التمكين فاذا اشتغلت بالحضانة والارضاع لم تتفرغ لخدمة الزوج فربما يتوهم متوهم ان نفقتها وكسوتها تسقطان بالخلل الواقع فى خدمة الزوج فقطع الله ذلك الوهم بايجاب الرزق والكسوة وان اشتغلب المرأة بالارضاع هذا ما قال الواحدى فى البسيط {لا تكلف نفس الا وسعها} التكليف الالزام ومعنى تكلف الامر اظهار اثره وقوله وسعها مفعول ثان لان كلف يتعدى الى اثنين كأنه قيل لم لم تجب مؤونة الامهات على انفسهن ولم قيدت تلك المؤون بكونها بالمعروف فاجيب بانهن غير قادرات على الكسب لضعف بنيتهن واحتباسهن لمنفعة الازواج فلو اوجب مؤنهن على انفسهن لزم تكليف العاجز وكذا لو اوجب تلك المؤن على الازواج على خلاف المعروف {لا تضار والدة بولدها} نهى اصله لا تضارر بكسر الرآء الاولى فتكون المرأة هى الفاعلة او بفتح الراء الاولى فتكون المرأة هى المفعول بها الضرار وعلى الاول يكون المعنى لا تفعل المرأة الضرار بالاب بولدها اى بسبب ايصال الضرر الى الولد وذلك بان تمتنع المرأة من ارضاعه مع ان الاب يوسع عليها فى النفقة والكسوة فتلقى الولد عليه {ولا مولود له بولده} اى لا يفعل الاب الضرار بالام بان ينزع الولد منها مع رغبتها فى امساكه وشدة محبتها له وعلى الوجه الثانى لا يفعل الاب الضرار بالام بان ينزع الولد منها ولا مولود له بولده اى ولا تفعل الام الضرار بالاب بان تلقى الولد عليه والمعنيان يرجعان الى شىء واحد وهو ان يغيظ احدهما صاحبه بسبب الولد واضافة الولد الى كل منهما لاستعطافهما اليه لانه ليس باجنبى من كل واحد منهما فالحق ان يشفق عليه كل منهما وللتنبيه على انه جدير بان يتفقا على استصلاحه ولا ينبغى ان يضرا به او يتضارا بسببه {وعلى الوارث} وهو الذى لو مات الصبى ورثه اى وارث الصبى عند عدم الاب ممن كان ذا رحم محرم منه بحيث لا يجوز النكاح على تقدير ان يكون احدهما ذكرا والآخر انثى لا كل وارث سوآء كان ذا رحم محرم منه او لم يكن وسوآء كان من الرجال او النساء {مثل ذلك} اى مثل ما وجب على الاب من الرزق والكسوة واجر الرضاع ونفقة المحارم تجب عندنا بهذه الآية {فإن أرادا} اى الولدان {فصالا} وهو الفطام سمى فصالا لانه انما يكون بفصل الطفل عن الاغتذاء بلبن امه الى غيره من الاقوات اى فطاما للصغير عن الرضاع قبل تمام الحولين صادرا {عن تراض منهما} اى من الوالدين لا من احدهما فقط لاحتمال اقدامه على ما يضر بالولد بان تمل المرأة الارضاع ويبخل الاب باعطاء الاجرة وربما يضر الفطام بجمسه بقطع غذائه قبل وقت فصاله {وتشاور} فى شأن الولد وتفحص عن احواله واجماع منهما على استحقاقه للفطام. والتشاور من المشورة وهى استخراج الرأى من المستشار وانما اعتبر اتفاق الوالدين لما فى الاب من الولاية وفى الام من الشفقة وهى اعلم بحال الصبى {فلا جناح عليهما} فى ذلك ولا حرج لما ان تراضيهما انما يكون بعد استقرار رأيهما واجتهادهما فى ان صلاح الولد فى الفطام وقلما يتفقان على الخطأ فالحاصل سواء زادا على الحولين الى ثلاثين شهرا او نقصا فلا جناح عليهما فى ذلك بعد استقرار رأيهما الى ما هو خير للصبى {وإن أردتم} ايها الآباء {أن تسترضعوا} المراضع {أولادكم} فالمفعول الاول محذوف واسترضع يتعدى الى اثنين بنفسه يقال رضع الولد امه وارضعت المرأة ولدها واسترضعتها الولد وقيل يتعدى الى الثانى بحرف الجر والتقدير لاولادكم اى اذا طلبتم ان تأخذوا ظئر الارضاع اولادكم {فلا جناح عليكم} اى لا اثم عليكم فى الاسترضاع. وفيه دلالة على ان للاب ان يسترضع الولد ويمنع الام من الارضاع {إذا سلمتم} اى الى المراضع {ما آتيتم} اى ما اردتم ايتاءه كما فى قوله تعالى {أية : فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله} تفسير : [النحل: 98]. {بالمعروف} متعلق بسلمتم اى بالوجه المتعارف المستحسن شرعا وليس التسليم بشرط للصحة والجواز بل هو ندب الى ما هو الاليق والاولى فان المراضع اذا اعطين ما قدر لهن ناجزا يدا بيد كان ذلك ادخل فى اصلاح شؤون الاطفال. وقيل المراد من المعروف ان يكون الاجر من الحلال لان المرضع اذا اكلت الحلال كان اللبن انفع للصبى واقرب الى صلاحه قالوا العادة جارية ان من ارتضع امرأة فالغالب عليه اخلاقها من خير وشر ولذا قيل انه ترضعه امرأة صالحة كريمة الاصل فان لبن المرأة الحمقاء يسرى واثر حمقها يظهر يوما ما وفى الحديث "حديث : الرضاع يغير الطباعbr>". تفسير : ومن ثمه لما دخل الشيخ ابن محمد الجوينى بيته ووجد ابنه الامام ابا المعالى يرتضع ثدى غير امه اختطفه منها ثم نكس رأسه ومسح بطنه وادخل اصبعه فى فيه ولم يزل يفعل ذلك حتى خرج ذلك اللبن قائلا يسهل على موته ولا تفسد طباعه بشرب لبن غير امه ثم لما كبر الامام كان اذا حصلت له كبوة فى المناظرة يقول هذه من بقايا تلك الرضعة {واتقوا الله} فى شأن مراعاة الاحكام المذكورة فى امر الاطفال والمراضع {واعلموا أن الله بما تعملون بصير} فيجازيكم بذلك. وفيه من الوعيد والتهديد ما لا يخفى: قال الحسين الكاشى شعر : كر برهنه بره برون آيى زود در تهمت جنون آيى جامه ظاهرى كه نيست ببر توفضيحت شوى ميان بشر فكر آن كن كه بى لباس ورع جه كنى در مقام هول وفزع خويشتن در لباس تقوى دار تاشوى دردوكون بر خوردار تفسير : والآية مشتملة على تمهيد قواعد الصحبة وتعظيم محاسن الاخلاق فى احكام العشرة بل انها اشتملت على شيوع الرحمة والشفقة على البرية فان من لا يرحم لا يرحم قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم لمن ذكر انه لمن يقبل اولاده "حديث : ان الله لا ينزع الرحمة الا من قلب شقىbr>". تفسير : وفى الحديث "حديث : حب الاولاد ستر من النار وكراماتهم جواز على الصراط والاكل معهم برآءة من النارbr>". تفسير : وفى الحديث "حديث : اربع نفقات لا يحسب العبد بهن يوم القيامة نفقة على ابويه ونفقة على افطاره ونفقة على سحوره ونفقة على عيالهbr>". تفسير : واللطف والمرحمة ممدوح جدا عموما وخصوصا وفى الحديث "حديث : ان امرأة بغيا رأت كبا فى يوم حار يطيف ببئر قد ادلع لسانه من العطش فنزعت له فغفر لهاbr>". تفسير : قال البخارى فنزعت خفها فاوثقته اى احكمته بخمارها فنزعت له من الماء فغفر لها بذلك والحديث يدل على غفران الكبيرة من غير توبة وهو مذهب اهل السنة وعلى ان من اطعم محتاجا الى الغذاء يستحق المثوبة والجزاء. فعلى العاقل العمل بالكتاب والسنة.
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحقّ جلّ جلاله: ويجب على الوالدات أن {يُرضعن أولادهن حولين كاملين} إذا كُنَّ في العصمة، ولا شرف لهن؛ لجرى العُرف بذلك، أو مطلقاتٍ، ولم يقبل الولد غيرهنَّ هذا {لمن أراد أن يتم الرضاعة}، فإن اتفقا على فطامه قبلهما، جاز، كما يأتي. ويجب {على المولود له} وهو الأب، رزق أمهات أولادة، {وكسوتهن}؛ إذ هو الذي يُنسب المولود له، وذلك {بالمعروف}، لا يُكلف الله نفساً إلا ما في وُسْعها وتُطيقه، فلا {تضارَّ والدةٌ بولدها}، بحيث ترضعه وهي مريضة، أو انقطع لبنها. بل يجب على الأب أن يستأجر من يرضعه، ولا يضار {مولولد له بولده}، بحيث يكلف من الإنفاق والكسوة فوق جهده. فإن مات الأب وترك مالاً - فعلى {الوارث} الكبير {مثل ذلك} من الكسوة والإنفاق، يُجريها من مال الأب، ويحسبها من حق الصبي، فإن لم يكن للأب مال - فعلى جماعة المسلمين. {فإن أراد} أي: الأب والمرضعة، {فصالاً} أي: فطاماً للصبي قبل تمام الحولين، {عن تراضٍ منهما وتشاور} بينهما، {فلا جناح عليهما}، إن لم يخف على الولد ضعف. {وإن أردتم}، أيها الأزواج، {أن تسترضعوا أولادكم} عند غير الأم، برضاها، {فلا جناح عليكم} في ذلك {إذا سلمتم} أي: أعطيتم للمراضع، {ما آتيتم} أي: ما أردتم إيتاءه من الأجرة {بالمعروف} من غير مَطْلٍ ولا تقتير. والشرط إنما هو على وجه الكمال والإحسان، {واتقوا الله} فيما كُلفتم به من الحقوق، {واعلموا أن الله} لا يخفى عليه شيء من أموركم؛ فإنه {بما تعملون بصير}. الإشارة: اعلم أن تربية الولاية في قلب المريد، على نمط تربية الطفل الصغير، تنبت في قلب المريد وقت عقد الصحبة بينهما، ثم لا تزال تنمو، أو الشيخ يرضعه بلبن الإمداد حتى يتم أوان رضاعه، ولذلك قالوا: الثدي الميتة لا ترضع. هـ. يشيرون إلى أن الشيخ الميت لا يُربى، فلا يزال الشيخ يُربى الروح، ويمدها حتى تدخل بلد الإحسان، وتشتعل فكرتها. وهذا تمام الحولين في حقها، وهو أوان كمال الحقيقة والشريعة لمن أراد إتمامها، فتأكل الروح حينئذٍ من كل شيء، وتشرب من كل شيء، وتستمد من الأشياء كلها، ثم لا يزال يحاذيها بهمته حتى تَرشُد، فيطلق لها التصرف، فتصلح لتربية غيرها. وعلى الشيخ رزقُ المريدين من قوت القلوب وكسوتهم، تقيهم من إصابة الذنوب والعيوب، إلا ما سبق به القضاء في علم الغيوب، فليس في طَوْق أحدٍ دفعُه، لا تُكلف نفسٌ إلا وسعها، فإذا مات الشيخ، ووصَّى بمن يرث مقامه، فعلى الوارث مثلُ ذلك، فإن أراد المريد انفصالاً عن الشيخ، وتعمير بلد، أو تذكير عباد الله، عن تراض منهما وتشاور من الشيخ، فلا جناح عليهما، وإن أردتم، أيها الشيوخ، أن تسترضعوا أولادكم بإرسال منْ يُذكِّرُهم، ويمدهم، نائباً عنكم، فلا جناح عليكم إذا سلمتم لهم من الإمداد ما يمدهم به، واتقوا الله في شأن المريدين، في جبر كسرهم، وقبول عذرهم، واعلموا أن الله بما تعملون بصير.
الطوسي
تفسير : القراءة: قرأ ابن كثير، وأهل البصرة، وقتيبة: {لا تضار} - بتشديد الراء - ورفعها. وقرأ أبو جعفر بتخفيفها وسكون. الباقون بتشديدها وفتحها. وقرأ ابن كثير {ما آتيتم} قصرا، وكذلك {أية : ما آتيتم من رباً}تفسير : في الروم. قوله: {يرضعن أولادهن حولين كاملين} في حكم الله الذي أوجبه على عباده, فحذف للدلالة عليه. الثاني - لأنه وقع موقع يرضعن، صرفا في الكلام مع رفع الاشكال. ولو كان خبراً لكان كذباً، لوجود والوالدات يرضعن أولادهن أكثر من حولين، وأقل منهما. وفي الآية بيان لأمرين: أحدهما مندوب، والثاني فرض، فالمندوب: هو أن يجعل الرضاع تمام الحولين، هي التي تستحق المرضعة الأجر فيهما، ولا تستحق فيما زاد عليهما، وهو الذي بينه الله تعالى بقوله: {أية : فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن}،تفسير : فتثبت المدة التي تستحق بها الأجرة على ما أوجبه الله في هذه الآية. اللغة: تقول: رُضع يرضَع، ورضِع يرضع رضاعة، وأرضعته أمه إرضاعاً، وارتضاعاً، واسترضع استرضاعاً، وراضعه رضاعاً، ومراضعة. ولئيم راضع، لأنه يرضع لبن ناقته من لؤمه، لألاّ يسمع الضيف صوت الشخب. والرضعتان: الثنيتان: مقدمتا الاسنان، لأنه يشرب عليهما اللبن. وأصل الباب الرضع: مصّ الثدي، لشرب اللبن منه. ومعنى {حولين} سنتان، وهو مأخوذ من الانقلاب في قولك: حال الشيء عما كان عليه يحول، فالحول، لأنه انقلب عن الوقت الأول الى الثاني، ومنه الاستحالة في الكلام، لأنقلابه عن الصواب. وقيل أخذ من الانتقال من قولك: تحول عن المكان. وإنما قال: {كاملين} فان كانت التثنية تأتي على استيفاء العدة، لرفع التوهم، وإنه على طريقة التغليب، كقولهم: سرنا يوم الجمعة. وإن كان السير في بعضه. وقد يقال: أقمنا حولين، وإن كانت الاقامة في حولين، وبعض آخر فهو لرفع الايهام الذي يعرض في الكلام. المعنى: فان قيل: هل يلزم في كل مولود قيل: فيه خلاف: قال ابن عباس: لا، لأنه يعتبر ذلك بقوله: {أية : وحمله وفصاله ثلاثون شهراً} تفسير : فان ولدت المرأة لستة أشهر، فحولين كاملين، وإن ولدت لسبعة أشهر، فثلاثة وعشرون شهراً، وإن ولدت لتسعة أشهر، فاحد وعشرين شهراً تطلب بذلك التكملة لثلاثين شهراً في الحمل والفصال الذي سقط به الفرض، وعلى هذا تدل أخبارنا، لأنهم رووا: أن ما نقص عن إحدى وعشرين شهراً فهو جور على الصبي. وقال الثوري: هو لازم في كل ولد إذا اختلف والداه، رجعا الى الحولين من غير نقصان، ولا زيادة، ولا يجوز لهما غير ذلك، والرضاع بعد الحولين لا حكم له في التحريم - عندنا - وبه قال ابن مسعود وابن عباس وابن عمرو وأكثر العلماء، وروي عن عائشة أن رضاع الكثير يؤثر. وقال أبو علي الجبائي لم يقم بهذا حجة ولا نزل له ظاهر القرآن. وقوله: {وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف} معناه أنه يجب على الأب إطعام أم الولد وكسوتها ما دامت في الرضاعة اللازمة إذا كانت مطلقة، وبه قال الضحاك والثوري وأكثر المفسرين. اللغة، والحجة: يقال كساه يكسوه كسوة: إذا ألبسه الثياب واكتسى هو اكتساء: إذا لبس، واكتست الأرض بالنبات إذا تغطت به، وكسوته مدحاً أو ذماً: إذا أثنيت عليه أو ذممته. والكساء معروف، وأصل الباب الكسوة: اللباس. وقوله: {لا تكلف نفس إلا وسعها} يدل على فساد قول المجبرة: في حسن تكليف ما لا يطاق لأنه إذا لم يجز أن يكلف مع عدم الجدة لم يجز أن يكلف مع عدم القدرة، لأنه إنما لم يحسن في الأول من حيث أنه لا طريق له الى إداء ما كلفه من غير جدة، فكذلك لا سبيل له الى إداء ما كلف الى الطاعة مع عدم القدرة، ولا ينافي ذلك قوله: {أية : فضلوا فلا يستطيعون سبيلاً}تفسير : لأنه ليس المراد نفي القدرة وإنما معناه: أنه يثقل عليهم كما يقول القائل: لا أستطيع أن أنظر الى كذا معناه: أنه يثقل عليّ، ويقال: كلف وجهه كلفاً، وبخدّه كلف أي أثر، والكلف بالشيء الايلاع به، لأنه لزوم يظهر أثره عليه، وكلف كلفا: إذا أحب. وتكلف الأمر تكلفاً: تحمله. وكلفه تكليفاً: ألزمه. وأصل الباب الكلف: ظهور الاثر. وقوله: {لا تضار والدة بولدها} أصله تضارر - بكسر الراء الأولى - وقيل - بفتحها - وأسكنت وأدغمت في الراء بعدها. ومن فتحها بالتقاء الساكنين، وهو الأقوى فيما قبله فتحة أو ألف نحو عضّ ولا تضار زيداً. وقال بعضهم: لا يجوز ألاّ تضارر بفتح الراء الأولى، لأن المولود لا يصح منه مضمارة، لأن الأفصح لو كان كذلك الكسر. قال الرماني: غلط في الاعتلالين أما الأول، فلأنه ينقلب عليه في تضارّ إذا المضارة من إثنين في الحقيقة، وإن لم يسم الفاعل. ولأنه إنما يرجع ذلك الى الزوج، والمرأة الأولى والولد. فأما الأفصح، فعلى خلاف ما ذكر، لأن الفتح لغة أهل الحجاز، وبني أسد، وكثير من العرب، وهو القياس، لأنه إذا جاز مدّ بالضم للاتباع، كانت الفتحة بذلك أولى، لأنها أخف، ولأنه يجوز مدّ بالفتح طلباً للخفة، فاذا اجتمع الاتباع والاستخفاف كان أولى، وقوله: إن الفتحة في تضار: هي الفتحة في الراء الاولى، دعوى منه لا دليل عليها. ويدل على صحة ما قلناه: قوله: {أية : من يرتد منكم}تفسير : {أية : ولا يضار كاتب}تفسير : كل ذلك بالفتح دون الكسر. المعنى: وإنما قيل: {يضار} والفعل من واحد لانه لما كان معناه المبالغة كان بمنزلته من إثنين، وذلك لانه يضره إن رجع عليه، منه ضرورة، فكأنه قيل: لا تضار والدة من الزوج بولدها. ولو قيل في ولدها لجاز في المعنى، وكذلك فرض الوالد. وعن أبي جعفر وأبي عبد الله (ع) أي لا يترك جماعها خوف الحمل لاجل ولدها المرتضع {ولا مولود له بولده} يعني لا تمنع نفسها من الأب خوف الحمل، فيضر ذلك بالأب وقيل: {لا تضار والدة بولدها} بأن ينزع الولد منها، ويسترضع إمرأة أخرى مع إجابتها الى الرضاع باجرة المثل {ولا مولود له} بولده أي لا تمتنع هي من الارضاع إذا أعطيت أجرة مثلها، والأولى حمل الآية على عموم ذلك. وقيل: معناه أنّ على الوالدة ألاّ تضار بولدها فيما يجب عليها من تعاهده، والقيام بأمره، ورضاعه، وغذاءه. وعلى الوالد ألاّ يضار بولده فيما يجب عليه من النفقة عليه، وعلى أمه، وفي حفظه، وتعاهده. وقوله: {وعلى الوارث مثل ذلك} قال الحسن، وقتادة، والسدي: الوارث للولد. وقال قبيضة بن ذؤيب: هو الوالد، والأول أقوى. فان قيل: أعلى كل وارث له، أم على بعضهم؟ قيل: ذكر أبو علي الجبائي: أن على كل وارث نفقة الرضاع الأقرب فالأقرب يؤخذ به. وأما نفقة ما بعد الرضاع، فاختلفوا، فعندنا يلزم الوالدين - وإن عليا - النفقة على الولد وإن نزل، ولا يلزم غيرهم. وقال قوم: يلزم العصبة دون الأم، والأخوة من الأم، ذهب اليه عمر، والحسن. وقيل: على الوارث من الرجال، والنساء على قدر النصيب من الميراث، ذكره قتادة، وعموم الآية يقتضيه، غير أنا خصصناه بدليل. وقال أبو حنيفة، وأبو يوسف، ومحمد: على الوارث ممن كان ذا رحم محرم دون من كان ذا رحم ليس بمحرّم، كابن العم وابن الأخت، فأوجبوا على ابن الأخت ولم يوجبوه على ابن العم وإن كان وارثه في تلك الحال، وكذلك العمة وابن العمة حكا ذلك أبو علي الجبائي، والبلخي. وقال سفيان {وعلى الوارث}: أي الباقي من أبويه، وهذا مثل ما قلناه. وقد روي في أخبارنا: أن على الوارث كائناً من كان النفقة، وهو ظاهر القرآن، وبه قال قتادة، وأحمد، واسحاق، والحسن وإبراهيم. اللغة: والميراث: تركة الميت، تقول: ورث يرث إرثاً، ووأرثه ميراثاً، وتوارثوا توارثاً، وورّثه توريثاً. وأورته الحي ضعفاً. والتراث: الميراث. وورّثت النار، وأورثتها: إذا حركت جمرها، ليشتعل، لأنه تظهر فيه النار عن الأول، كظهور الميراث في الثاني عن الأول. المعنى: وقوله: {مثل ذلك} يعنى من النفقة، وبه قال ابراهيم. وقال الضحاك: من ترك المضارة. والمفهوم من الكلام، وعند أكثر العلماء: الأمران معاً، وهو أليق بالعموم. وقوله: {فإن أرادا فصالاً} فالفصال: الفطام، لانفصال المولود عن الاغتذاء بثدي أمه الى غيره من الاغتذاء. فان قيل: أي فصال ذاك أقبل الحولين أم بعدهما؟ قيل: فصال الحولين، لأن الفرض معلوم إذا تنازعا رجعا إليه، فأما بعد الحولين، فلا يجب على واحد منهما اتباع الآخر في دعائه. وبه قال مجاهد، وقتاده، وابن شهاب، وسفيان وابن زيد. وروي عن ابن عباس: أنه إذا تراضيا على الفصال قبله أو بعده مضى، فان لم يتراضيا رجعا الى الحولين. اللغة: وأصل الباب الفرق، يقال: فصل يفصل فصلا، وفاصله مفاصلة، وتفاصلوا تفاصلا، واستفصلوا استفصالا وانفصل انفصالا، وفصّله تفصيلا، وتفصل تفصلا. وفواصل القلادة: شذر بين نظم الذهب. والفصل: القضاء بين الحق، والباطل، وهو الفيصل. وفصيلة الرجل بنو أبيه، لانفصالهم من أصل واحد. والفصيل: الواحد من أولاد الابل، لأنه فصل عن أمه والفصيل: حائط قصير دون السور. المعنى: وقوله: {فلا جناح عليهما} يعني لا حرج، على قول ابن عباس، وهو مأخوذ من {أية : جنحوا للسلم}تفسير : أي مالوا. والجناح: الميل عن الاستقامة. وقوله: {إذا سلمتم ما آتيتم بالمعروف} معناه على قول مجاهد، والسدي: أجر الأم بمقدار ما أرضعت أجرة المثل. وقال سفيان: أجرة المسترضعة. وقال ابن شهاب: سلّمتم الاسترضاع. وقال ابن جريج: أجرة الأم والنظير. وقوله: {أن تسترضعوا أولادكم} معناه: لأولادكم، وحذفت اللام لدلالة الاسترضاع عليه من حيث أنه لا يكون إلا للأولاد، ولا يجوز: دعوت زيداً، تريد لزيد، لأنه يجوز أن يكون المدعو، والمدعو له، إذ معنى دعوت زيداً لعمرو، خلاف دعوت زيداً فقط، فلا يجوز للالباس. وفي الآية دلالة على أن الولادة لستة أشهر تصح، لأنه إذا ضم الى الحولين كان ثلاثين شهراً، وروي عن علي (ع) وابن عباس ذلك. الاعراب: ومن رفع {لا تضار} فعلا استئناف النفي. وقال الكسائي، والفراء: هو منسوق على {لا تكلف}. قال الرماني هذا غلط، لأن النسق بـ (لا) إنما هو على إخراج الثاني مما دخل فيه الأول، نحو ضربت زيداً لا عمراً، فأما أن يقوم زيد لا يقعد عمرو، فلا يجوز على النسق، ولكن يرفع على استئناف النفي بـ (لا)، فكذلك "لا تضار" مستأنف في اللفظ متصل في المعنى، وقوله: {أية : وإن تصبروا وتتقوا}تفسير : إنما جاز في موضع الجزم للاتباع، وليس ذلك في {لا تضار}. اللغة: والوسع: الطاقة مأخوذ من سعة المسلك الى العرض، فيتمكن لذلك. ولو ضاق لأعجز عنه، والسعة فيه بمنزلة القدرة، فلذلك قيل: الوسع بمعنى الطاقة. وقوله: {وتشاور} فالتشاور مأخوذ من الشور، وهو اجتناء العسل، تقول: شرت العسل، وأنا اشوره شوراً، واشيره إشارة: إذا اجتنيته من مكانه. والمشورة: استخراج الرأي من المستشار، لأنه يجتنى منه. وشاوره مشاورة، وأشار عليه إشارة، واستشار استشارة. واستشار العسل: إذا اجتناه وأشار الى الشيء إشارة: إذا أومىء اليه، والمشيرة الاصبع الذي تسمى السبابة لأنه يشار بها الشباب، وغيره. والشابة: الهيبة، واللباس الحسن لأنه مما يشاب اليه لحسنه والتشوير: استخراج سير الدابة كالاحسان.
الجنابذي
تفسير : {وَٱلْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ} بعد ذكر النّكاح وذكر انّ النّساء حرث للولد وانجراره الى ذكر الطّلاق ذكر تعالى الاولاد وكيفيّة ارضاع الوالدات والجملة خبرٌ فى معنى الأمر او اخبارٌ عن مدّة الارضاع واشعارٌ بعدم وجوب الارضاع عليهنّ فكأنّه تعالى قال: والوالدات ان اردن ان يرضعن اولادهنّ يرضعنهم {حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ} التّأكيد به لانّ كثيراً ما يتسامح فيقال: حولين لحول كامل وجزءٍ من الحول الثّانى، روى انّها لا تجبر الحرّة على ارضاع الولد وتجبر امّ الولد، وروى انّه ليس للصبىّ لبن خيرٌ من لبن امّه {لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ ٱلرَّضَاعَةَ} يعنى هذا الحكم لمن اراد من النّساء او الرّجال ان يتمّ الرضاعة والاّ جاز الاقتصار على اقلّ من ذلك او يرضعن للآباء الّذين ارادوا ان يتموّا الرضاعة {وَعلَى ٱلْمَوْلُودِ لَهُ} اى الاباء والتّادية بهذه العبارة للاشارة الى انّ الاولاد للآباء ولا شركة للامّهات فيهم وللاشارة الى علّة الحكم {رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ} بالنّسبة الى المعطى بان لا يكون بنحو يضرّه وبالنّسبة الى المنفق عليها بان لا يكون غير موافق لما يقتضيه شأن امثالها، ظاهر الآية وجوب الارضاع على الامّهات كنّ فى بيوت الآباء اوّلاً، ووجوب الانفاق على الآباء كنّ فى بيوتهم او فى بيوت ازواج غيرهم ولكنّ الاخبار والفتاوى غير ذلك {لاَ تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا} قد فسّر الوسع بالجدّة وبالطّاقة لكنّ المراد به فى القرآن كلّما استعمل هو ما تسعه النّفس سواء كان من الاموال او من الافعال فهو اسم مصدر بمعنى ما تسعه النّفس اى مال يسعه مال النّفس بمعنى انّه لا يظهر بالانفاق النّقصان فيه او فعل تسعه النّفس بمعنى انّه لا يظهر على النّفس منه كلفة فوسع النّفس دون طاقتها فى الفعال، ودون التضرّر به فى الاموال، وهو تعليل للتّقييد بالمعروف كما انّ قوله تعالى {لاَ تُضَآرَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا} بدل تفصيلىّ من قوله {لاَ تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا} على قراءة رفع لا تضارّ وامّا على قراءة فتحها فهى منقطعة عمّا قبلها مستأنفة {وَلاَ مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ} ويجوز جعل لا تضارّ مبنيّاً للفاعل ومبنيّاً للمفعول ولا فرق فيهما بحسب المعنى، والمضارّة بالولد اعمّ من التمانع عن حقوق الزوجيّة خوفاً على الولد، او التقتير فى الانفاق عليها بحسب ماله او بحسب حالها، والاجحاف فى ماله كذلك، او منعها من ارضاع الولد مع ميلها ذلك، او ابائها عنه مع ان لم يوجد بدلها، اولم يألف الولد بغيرها، عن الصّادق (ع): اذا طلّق الرّجل المرأة وهى حبلى أنفق عليها حتّى تضع حملها فاذا وضعته اعطاها اجرها ولا يضارّها الاّ ان يجد من هو أرخص اجراً منها فان هى رضيت بذلك الاجر فهى احقّ بابنها حتّى تفطمه {وَعَلَى ٱلْوَارِثِ مِثْلُ ذٰلِكَ} وهذا من المجملات المحتاجة الى البيان يعنى على وارث المولود له الانفاق والكسوة للمرضعة بعد موت المولود له لكن بقدر اجرة الرّضاع من مال الولد ان كان له ارثٌ {فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً} اى قبل الحولين والاّ فبعد الحولين لا حاجة الى التّقييد بقوله تعالى {عَن تَرَاضٍ مِّنْهُمَا} يستفاد من هذا القيد انّ رضى الامّ شرط فى فطام الولد وهو كذلك قبل الحولين لانّ لها الحضانة فى الحولين وهى تقتضى ان يكون الفطام قبلهما برضاها {وَتَشَاوُرٍ} منهما طلباً لما هو صلاح الولد، والامر بمشورة الامّ هاهنا مع كراهة مشورة النّساء لكونها ابصر بحال الولد {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا} فى الفطام قبلهما وهذا توسعة فى الرّضاع بعد تحديده بالحولين والتّضييق فيه، ولمّا قال {وَٱلْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ} {وعلى المولود له رزقهنّ وكسوتهنّ} توهّم من ظاهره وجوب ارضاع الوالدات ووجوب انفاق الآباء فأراد رفع ذلك التّوهّم وانّ هذا أمر غير واجب الاّ بعوارض فقال: {وَإِنْ أَرَدتُّمْ أَن تَسْتَرْضِعُوۤاْ} تطلبوا من يرضع {أَوْلاَدَكُمْ} غير الامّهات {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ} وهذا ايضاً من المجملات فانّه بظاهره يدلّ على جواز الاسترضاع من غير الامّهات مع وجودهنّ وارضاعهنّ بلا اجرة او باجرة مثل اجرة الغير وكفاية لبنهنّ لهم وليس كذلك لانّه ينافى حضانتهنّ الواجبة على القول به {إِذَا سَلَّمْتُم مَّآ آتَيْتُم} ما اردتم او ينبغى ايتاؤه المراضع او الامّهات على حسب الشّرط او على حسب امر الله تعالى يعنى انّ للامّهات حقّاً عليكم من النّفقة والكسوة اذا كنّ ازواجكم ومن التّسريح باحسان اذا كنّ مطلّقاتٍ وللمرضعات غير الامّهات حقّاً عليكم بسبب ارضاع اولادكم فاذا آتيتم كلّ ذات حقّ حقّها بحيث يكنّ راضيات منكم فلا جناح عليكم وللاشارة الى استرضائهنّ اضاف قوله تعالى {بِٱلْمَعْرُوفِ} والاخبار فى انّ المرضعة كيف ينبغى ان تكون وانّ اللّبن يؤثّر فى نفس الرّضيع وانّ لبن الامّهات خير الالبان للاولاد كثيرة {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} تحذير للآباء عن التّعدّى على الامّهات او الاولاد بسبب اللّجاج او شحّ النّفوس او الخطاب للآباء والامّهات جميعاً {وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} فأطيعوه ولا تخالفوا أمره ونهيه ترغيب وتهديد.
الأعقم
تفسير : {والوالدات يرضعن اولادهن حولين} الآية، قيل: هو عام في جميع الزوجات، وقيل: المطلقات، قيل: معناه الامر وإن كانت صيغته صيغة الخبر، قوله تعالى: {حولين كاملين} يعني عامين تامين اربعة وعشرين شهراً وقد اختلف العلماء في هذا الحد هل هو لكل مولود ولكن اذا اتت به لستة اشهر فحولين وان ولدت لسبعة اشهر فثلاثة وعشرين شهراً في الحمل وان ولدت لتسعة اشهر فاحدى وعشرين يطلب بذلك الجملة ثلاثين شهراً، وقيل: هو حد لكل مولود ويأتي وقت يولد لا ينقص ولا يزيد الا ان يتراضيَا قبل الحولين فحيِنئذٍ فطماه فان اختلفا لم يفطماه وروي ذلك عن ابن عباس أيضاً، وقال جماعة: المراد به بيان التحريم الواقع بالرضاع في الحولين يحرم وفيما بعده لا يحرم، وروي ذلك عن أمير المؤمنين (عليه السلام) وابن عمر وابن مسعود والزهري والشعبي، وقال قتادة: فرض الله تعالى على الوالدات ان يرضعن أولادهن حولين كاملين ثم انزل الله تعالى الرخصة بعد ذلك فقال تعالى: {لمن اراد ان يتم الرضاعة} يعني ان هذا يسمى الرضاع وليس فيما دونه حد محدود وانما هو على مقدار صلاح الصبي {وعلى المولود له} يعني الاب {رزقهن} يعني الطعام والادام {وكسوتهن بالمعروف} يعني على قدر اليسار لان الله تعالى عالمٌ باختلاف الناس في الغنى والفقر وجعل حق الحضانة للأم والنفقة على الاب {لا تُكلّف نفس الا وسعها} يعني لا تلزم الا دون طاقتها {لا تضار والدة بولدها} يعني لا يلحق بالأم ضرر لأجل ولدها بنزع الولد منها ودفعه الى غيرها بعد أن رضيت بارضاعه {ولا مولود له بولده} يعني الأب لا يضار بولده بالقائه اليه مضارةً، وقيل: لا تضار والدة بان تكره على الرضاع والاب بان يُلزم اكثر مما يجب عليه، قوله تعالى: {وعلى الوارث مثل ذلك} قيل: أراد وارث الصبي من الرجال والنساء على قدر النصيب من الميراث، وقيل: على الوارث ممن كان ذا رحم محرم دون غيرهم، وقيل: على الوارث يعني الصَّبي نفسه الذي هو وارث أَبيْهِ يعني ان اجرة الرضاع في ماله فان لم يكن له مال أُجبرت الأم على الرضاع {فان أرادا} يعني الوالدين {فصالاً} يعني فطاماً قبل الحولين فان لم يتراضيَا رجع الى الحولين، وقيل: فصالاً مفاصلةً بين الوالد والوالدة، قوله تعالى: {عن تراض منهما وتشاورٍ} لان الأم تعلم من تربي الصبي ما لا يعلم الاب بشرط التراضي والمشاورة {وان اردتم} ايها الآباء {ان تسترضعوا اولادكم} يعني تطلبوا مراضع لهم غير امهاتهم لإباء الام الرضاع او لعلة بهن او لانقطاع او طلب نفقة فوق الوسع او طلب النكاح او خوف الضيعة {فلا جناح عليكم} أي لا حرج عليكم ولا ضيق في ذلك {اذا سلمتم ما آتيتم بالمعروف} قيل: أجرة الأم بمقدار ما ارضعت، وقيل: أجرة المسترضعة اي لا حرج عليكم {واتقوا الله} يعني معاصيه وعذابه {والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً} الآية تدل على ان عدة الوفاة {أربعة اشهر وعشراً} وهذا عام الا في قوله تعالى: {أية : وأولات الأحمال أجهلن أن يضعن حملهن} تفسير : [الطلاق: 4] وروي عن ابن مسعود ان سورة النساء القصرى نزلت بعد الآية في سورة البقرة، وقيل: "عدتها أبعد الأجلين" عن علي (عليه السلام) وعن جماعة {يتربصن} اي ينتظرن انقضاء العدة، وقيل: انما زاد عشراً لأن الروح ينفخ في الجسد فيها {فلا جناح عليكم} يعني الاولياء {فيما فعلن في أنفسهنَّ} من الزينة، قوله تعالى: {ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساءِ أو أكننتم} اي اسررتم واضمرتم {ولكن لا تواعدوهن سراً} والسر وقع كناية عن النكاح الذي هو الوطء لانه مما يُسر، وقيل: الزنا، وقيل: السر عقد النكاح، وقيل: السر الجماع يعني لا تصفو انفسكم بكثرته {إلا أن تقولوا قولاً معروفاً} قيل: هو التعريض من غير تصريح، قوله تعالى: {ولا تعزموا عقدة النكاح} قيل: لا تضمروا النكاح، وقيل: لا تعزموا النكاح {حتى يبلغ الكتاب أجله} يعني تنقضي العدَّة ومعنى الكتاب القرآن ومعناه فرض الكتاب اجله، وقيل: الكتاب الفرض ومثله {كتب عليكم الصيام} يعني فرض الله اجله {واعلموا ان الله يعلم ما في أنفسكم} يعني يعلم ضمائرهم وما يسرونه {فاحذروه} اي احذروا عقابه ولا تخالفوا امره.
اطفيش
تفسير : {وَالوَالِداتُ}: المطلقات رجعيا أو بائنا، وغير المطلقات لعموم اللفظ ولا موجب للتخصيص، وقيل المراد الوالدات المطلقات، لأن الكلام فى المطلقات قبل هذا فليعقب بهذا فيهن، ليبين كيف حكم الولد إذا كان للمطلقة، إذ قد يختلفان ولا سيما أن يستوحشن أحدهما فيقصد، أى الآخر فيقصد بإذاء ولده، وأيضا قد ترغب فى التزوج فتمهل أمن الطفل وكذا هو فراعى الله جانب صلاح الطفل، ولقوله تعالى: {وعلى المولود رزقهن وكسوتهنّ بالمعروف}، ولو كانت الزوجة باقية لوجب ذلك لهما لأجل الزوجية لا لأجل الرضاع، والجواب أنه لا يجب تعلق الآية بما قبلها، وأنه تستحق جزءاً من المال للزوجية، وجزءاً للرضاع؛ ثم إنه لا يخفى ما فى قول بعض أن المراد غير المطلقات؛ وأن المطلقة لا لا تستحق الكسوة، بل الآخرة، وإن قيل تستحق الكسوة إلى النفقة بالنكاح، فما وجه تعلق ذلك بالإرضاع؟ فلنا وجهه أنه قد يقال إنه يسقط ذلك لها لاشتغالها بالطفل عن الاشتغال بأمر الزوج، فأوجب الله لها ذلك ولو اشتغلت بالطفل. {يُرْضِعْنَ أوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ}: لفظ الكلام إخبار والمعنى أمر أى لترضع الوالدات أولادهن للمبالغة، كأنه أمرن بالإرضاع حولين كاملين، فوعدن بالامتثال على الكمال، وشرعن فيه فصار يخبر عنهن بأنهن يرضعن أولادهن حولين كاملين، والأمر هنا للندب لقوله تعالى:{أية : فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن}،تفسير : ولو وجب عليها لما استحقت الأجرة وقوله تعالى: {وإنْ تعاسرتم فسترضع له أخرى} ووجه الندب أن لبن الأم أصلح للولد فى التربية، لأن الولد منها وأنها أشفق إلا إن لم يقبل عن غيرها أو لم يوجد غيرها أو وجد بالأجرة ولم يجد الأب ما يأجر به، فيجب عليها كما يجب على كل أحد مواساة المضطر، وقيل إن لم يطلقها أو طلقها رجعيا وجب عليها إرضاعه، ولا تجد أجرة، وبه قال أبو حنيفة، وأجاز لها أن تطلب الأجرة فى عدة البائن، وبه قال الشافعى، وقال الحسن: لا يجوز. وإذا تمت عدتها جاز إجماعا، ولك أن تحمل الأمر فى الآية على ما يشمل الواجب وغيره من باب عموم المجاز، بأن يطلق على مطلق الطلب أو من جمع الحقيقة، والمجاز على قول بالجواز، ويجوز أن يكون الكلام إخباراً لفظا ومعنى، أى الحكم الشرعى أن يرضعن أولادهن حولين كاملين، والحول العام، وسمى حولا لأنه يحول وينقلب، ووصف الحولين الكاملين تأكيداً ودفعا للمسامحة، لأنك قد تقول: أقمت عند فلان حولين ولم تستكملهما، وتقول: لم أره منذ عامين، وتريد العام وبعض العام. {لمَنْ أرادَ أنْ يُتمَّ الرَّضَاعَةَ}: اللام للبيان، وهى متعلقة بمحذوف خبر لمحذوف، أى ذلك الحكم ثابت أو نازل أو مبين لمن أراد أن يتم الرضاعة، ويجوز تعليقها بيرضعن، فتكون للتعليل أو للنفع، ومن للابتداء، وإذا جعلناها للبيان كانت من للابتداء، والأمهات الوالدات أولهن فقط، أو لهم ولهن وغيرهم من يتشوف إلى معرفة حكم الله ليأمر به وينفذه، أو يفعله، وقرأ ابن عباس: {لمن أراد أن يكمل الرضاعة} وقرأ الرضاعة بكسر الراء وقرأ الرضعة بفتحها وإسكان الضاد، وقرأ أن يتم الرضاعة بضم الميم فقيل على إهمال إن حمل على ما المصدرية إذ هما معا مصدريتان وهو لغة، وقيل على حذف واو الجماعة من الخط شذوذا بعد حذفها من اللفظ لئلا يلتقى ساكنان، وعلى هذا علامة النصب حذف النون، والأب يجب عليه الإرضاع كالنفقة، والأم ترضع له كما مر تعليق اللام ليرضعن، وقوله: {لمن أراد} دليل على أن إتمام الحولين غير واجب، إذ علقه بالإرادة، جعل الله الآية حدا عند اختلاف الزوجين فى مدة الرضاع، فمن دعا منهما إلى تمام الحولين فذلك له، وإن اتفقا على النقص منهما جاز إن لم تكن فيه مضرة للولد، وكان أصلح له، ويدل على ذلك أيضا قوله تعالى: {فإن أرادا فصالا} الآية، ومن دعا منهما إلى الزيادة على الحولين فليس ذلك له إلاّ برضا الآخر إلا أن تضرر الولد بعدم الزيادة، وعلى كل حال فلا رضاع بعد الحولين، أعنى أنه لا تحرم عليه من أرضعته بعدهما، ولا يحرم عليها ولا تحرم عليه أمها أو ابنتها أو جدتها أو أختها، وكذا من جانبه، وكذا إن كان الولد أنثى لا يحرم عليها من أوضعتها أو ابنها أو أخوها، وكذا ما أشبه ذلك وبسطته فى الفروع. وقال أبو حنيفة مدة الرضاع للحرمة ثلاثون شهراً وحديث "حديث : لا رضاع بعد عامين"تفسير : حجة عليه إذ ورد فى الحرمة، والآية دليل على أن أقصى مدة الحمل حولان، روى أن رجلا جاء إلى على فقال؛ تزوجت جارية بكراً وما رأيت بها ريبة، ثم ولدت لستة أشهر، فقال على، قال الله تعالى:{أية : وحمله وفصاله ثلاثون شهراً}،تفسير : وقال الله تعالى: {والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين}، فالحمل ستة أشهر، والولد ولدك وجئ عمر رضى الله عنه بامرأة وضعت لستة أشهر فساور فى رحمها فقال ابن عباس رضى الله عنهما: إن خاصمتكم بكتاب لله حججتكم، ثم قرأ الآيتين، جعل حولين للرضاع وستة أشهر للحمل، فذلك ثلاثون شهراً، وروى عكرمة عن ابن عباس أنها إذا وضعت الولد لستة أشهر أرضعته حولين، وإن وضعته لسبعة أشهر أرضعته ثلاثة وعشرين شهراً، وإن وضعته لتسعة أشهر أرضعته واحداً وعشرين شهراً كل ذلك ثلاثون شهرا، وزعم قتادة أن الله تعالى فرض الإرضاع حولين ثم أنزل التخفيف فقال: {لمن أراد أن يتم الرضاعة}، يروى أن بين نزول قوله تعالى: {لمن أراد أن يتم الرضاعة}، ونزول من قبله زمانا وزعم بعض أن قوله: {فإن أرادا فصالا} إلخ ناسخ لوجوب الحولين الكاملين وليس كذلك فإن التخيير قبل ذلك إذ قال لمن أراد أن يتم الرضاعة. {وَعَلَى الموْلُودِ لَهُ رِزْقُهنَّ وَكِسْوتُهنَّ بالمعْرُوفِ}: المولود له هو الأب الوالد، فإن المرأة تلد له وينسب الولد إليه، أو اللام بمعنى من فإن المرأة تلد من زوجها، وله نائب فاعل، والأصل وعلى الوالدة المرأة الولد له، وحذف الفاعل وهو المرأة، وبنى الوصف للمفعول وحذف المفعول أيضاً، وهو الولد، وناب له عن الفاعل، وهو متعلق بمولود، وإنما قال: {وعلى المولود له} ولم يقل وعلى الأب أو على الولد ليشعر بأن الأم ولدت للأب أو من الأب، فيشعر بأن الإرضاع عليها لأنها ولدت، وبأن على الأب مؤن درِّ المرضعة لكونها ولدت له ومنه، وبأن عليه الإرضاع إن أبت منه، لأنها ولدت له، ومنه، ولو قال: وعلى الوالد أشعر بأن عليه ذلك، لأنه والد ولم يشعر بأنها ترضعه لأنها ولدته، ولا بأن ذلك عليه لكونها ولدت له وتعليق ذلك يكون ولدت له آكد من مجرد تعليقه بكونه والداً لأن القيام بمن ينسب إليه أعظم، وهو ينسب إلى الأب، روى أن المأمون بن الرشيد لما طلب الخلافة عابه هشام ابن على وقال: بلغنى أنك تريد الخلافة، وكيف تصلح لها وأنت ابن أمة فقال: كان إسماعيل ابن أمة، وإسحاق عليهما السلام بن حرة فأخرج الله من صلب إسماعيل خير ولد آدم وأنشد. شعر : لا تزرين فتى من أن تكون له أم من الروم سوداء دعجاء فإنما أمّهات الناس أوعية مستودعات وللآباء أبناء تفسير : والأولى إبقاء اللام على أصلها، ففى قوله: {المولود له} إشارة إلى أن الولد للفراش، وبالمعروف متعلق بما تتعلق به على المولود أو بعلى المؤلود لنيابته عن متعلقه، أو بتنازعه رزقهن وكسوتهن لدلالتهما على الحدث، ولو كان بمعنى نفس المال المعطى والثياب التى تلبس، ومعنى قوله: {بالمعروف} بقدر طاقته وجوده الأداء له وحسن الاقتضاء من المرأة، وبذلك يأمر الحاكم وإلى تفسيره أشار بقوله: {لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إلاَّ وُسْعَها}: فالرزق والكسوة على قدر غنى الزوج طلق أو أمسك، وهذه الجملة تعليل جمل لإيجاب إتفاقها، وكونه بالمعروف، كأنه قيل لم وجب الرزق والكسوة عليه، وكونه بالمعروف كأنه قيل: لم وجب الرزق والكسوة عليه، وكانا بالمعروف فأجيب بأنهن غير قادرات لضعفهن وحسبهن بحق الأزواج، ولا يصل الأزواج إلى ما لا طاقة لهم عليه. {لا تُضارَّ وَالِدةٌ بِوَلَدِها وَلاَ مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ}: أى لا يضر الزوج امرأته الوالدة بسبب ولدها، ولا تضر الزوجة زوجها الذى ولدته له بسبب ولده، وأما الأولى وهو أن يضر الزوج المرأة بالولد، وهو أن ينتزع منها الولد وهى راغبة فى إرضاعه، أو يضيق عليها فى النفقة، أو تكره على إرضاعه، وقد قبل من غيرها، ووجد الأب الأجرة أو تكره على إرضاعه بلا أجرة أو بدون مثلها، وأما الثانى وهو أن تضر المرأة زوجها المولود له بالولد، فهو أن تمتنع من إرضاعه وتلقيه إليه مع أنه يوسع عليها فى النفقة، أو تطلب أكثر من أجرة مثلها فليس لها ذلك، ولو يقبل من غيرها، وقد علمت أن الفعل مبنى للمفعول، وضار الوالدات الولد، وضار الوالد الوالدة، وأن الباء للسببية، وجئ بصيغة المفاعلة للمبالغة الراجعة إلى النهى أن الفعل فى المفاعلة أقوى منه بدونها، أى نهيت نهيا عظيما، ونهى نهيا عظيما عن الضر أو الموافقة المجرد، أو لحقيقة مفاعلة، أى لا يفصل كل منهما جزاء الآخر على أمر يسبق بينهما وهو مجزوم، وعلامة جزمه سكون مقدر على الراء منع من ظهوره حركة التخلص من التقاء الساكنين على غير حدهما، وهما الراءان، وكانت فتحة للتخفيف، والأصل لا تضار وبراء مفتوحة فساكنة سكنت الأولى وأدغمت فى الثانية بعد فتح هذه الثانية، ويجوز أن يكوم مبنياً للفاعل والمفعول محذوف على هذا، أى لا تضار والدة والد أبو لدها، ولا يضارها والد بولده، وجئ بالفاعلة لما مر آنفا، والأصل تضارر براء مكسورة فساكنة سكنت الأولى المكسورة وأدغمت فى الثانية الساكنة بعد فتح هذه الثانية على حد ما مر، والدليل على أن لا ناهية فتح الراء، إذ لو كانت نافية لضمت، ويدل عليه أيضاً قراءة الحسن لا تضار بكسر الراء، ولو كان نفياً لضم، والكسرة على هذه القراءة على أصل التخلص من التقاء الساكنين، والفعل عليها مبنى للفاعل أو للمفعول، والأصل لا تضارر بكسر الراء الأولى، وفتحها وإسكان الثانية سكنت الأولى، وأدغمت فى الثانية بعد كسر هذه الثانية، ودل على النهى أيضاً قراءة من قرأ: لا تضارر بفتح الأولى وإسكان الثانية، وقراءة من قرأ لا تضارر بكسر فإسكان، وقرأ يعقوب وابن كثير وأبو عمر ولا تضار بالرفع على أن لا نافية، والمعنى النهى بدليل تلك القراءة وهو مبنى للفاعل أو المفعول على حد ما مر ويجوز أن يكون المعنى فى هذه القراءة النفى كاللفظ، فتكون الجملة بدلا من قوله: {لا تكلف} ويجوز فى أوجه البناء للفاعل من هؤلاء القراءات كلهن أن تكون الباء لغير السببية، بل للإلصاق، أى لا يلحق الضرر بالولد المرأة ولا الرجل، أى لا يضاران به بأن يفرطا فى تعهد مصالحه، وأطلق بعض فى مثل هذه الباء بهذا المعنى أنها للتعدية وجئ بصيغة المفاعلة لموافقة المجرد، وللمبالغة، أو لأن الأب يضر الأم بضر الولد، والأم تضره بضر الولد، فهما ضاران كل للاخر بواسطة الولد، فكأنهما يضران الولد ويضرهما، ويجوز كون الباء زائدة فى المفعول فى الوجه. وقرأ أبو جعفر لا تضار بالسكون مع التشديد على نية الوقف، كأنه أجرى الوصل فى مجرى الوقف فسكن، وقرأ الأعرج: لا تضار بالسكون والتخفيف على أنه من ضاره بالتخفيف يضره، بمعنى ضره، والسكون لإجراء الوصل مجرى الوقف، واختلس الضمة فظنه الراوى سكونا، وعن كاتب عمر بن الخطاب لا تضار بالبناء للمفعول والفك والحزم وإسقاط الألف من أضره، وأضيف الولد إليهما استعطافاً لها عليه، وتنبيها على أنه حقيق بأن يتفقا على صلاحه، وللتأكيد فى ذلك أعيد الظاهر قيل ولا مولود له بولده، ولم يقل ولا مولود له به، وإلا فحق الولد كما مر أن يضاف للأب، كأنه قيل ليس بأجنبى منهما، فمن حقه أن تعطف عليه وقرأ ولا تضار بطاء مشالة بعدها همزة مفتوحة قراءة ضمامة خفيفة أى لا تعامل الوالدة أو الوالد بضر، وهى من تتخذ لإرضاع الولد غير أمه، وهو بكسر فإسكان، والجمع اضار وضرار، أى لا يتخذ له مرضعه إن كرهت أمه ولا تتخذها هى إن كره أبوه. {وَعَلى الوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ}: معطوف على قوله: {وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف}، أى وعلى من يرث الولد لو مات الولد ولم يكن يحجبه مثل ما على الأب من الرزق والكسوة بلا مضارة، يعنى إن مات الأب ولم يكن له مال لزم لولده على من يرثه ولده مثل ما لزمه، هذا قول الحسن أبى زيد وهو العصبة كالجد والأخ الشقيق، أو الأبوى والعم الشقيق أو الأبوى، وابن العم، وقال أحمد وابن أبى ليلى؛ كل من يرث الصبى من الرجال والنساء عصباً أو غيره كل يعطى على قدر سهمه فى الإرث من الصبى كأخ لأم وأخت لها، وقال أبو حنيفة: من كان ذا محرم منه. وقيل المراد بالوارث الصبى نفسه إن مات أبوه وورثه، أى موته الصبى فى مال الصبى نفسه، وإن لم يكن له أجبرت الأم، وبه قال مالك والشافعى، وقال سفيان وجماعة: الوارث الباقى من الأبوين كقوله صلى الله عليه وسلم فى دعائه:"حديث : واجعله الوارث منى"تفسير : أى الباقى. قال السعد فى هذا المعنى: هنا قلق ولو صح فى اللغة إذ ليس لقولنا فالنفقة على الأب أو على من بقى من الأب والأم معنى يعتد به، وقد يقال المعنى النفقة على الأب عند بقائهما، وعلى الباقى منهما إذا مات أحدهما فلا قلق، وقيل المراد على الوارث مثل ذلك من عدم المضارة. {فإنْ أرادا فِصَالاً} أى فإن أرادت الوالدة والمولود له فطاماً لولدهما قبل تمام الحولين، بأن كان يستغنى عن الرضاع بالطعام، ولا يدخل عليه ضرر بذلك، والفصل ضد الوصل، وسمى الفطام فصالا، لأنه يكون بفصل الولد عن الاغتذاء بلبن أمه أو غيرها من الطعام، وقيل الآية فى النقص من الحولين، والزيادة عليهما فقرأ {فإن أراد} بإسقاط ألف الاثنين لغة الحجاز تفخيم اللام المفتوحة بعد الطاء والظاء والصاد المهملة المفتوحات والساكنات، كبطل وظلم والصلاة، وأظلم وأصلح ولم يقرأ بلغتهم فى ذلك التفخيم إلا ورش، وقرأ بعضهم بتفخيم اللام الأولى فى صلصال؛ مع أنها ساكنة، وزاد عبد العزيز بن محمد بن على وهو من شيوخ أبى عمر الدانى عن ورش تفخيما بعد الضاد المعجمة، نحو إن فضله وفضل الله، واختلف النقل عن ورش إذا فصل الألف بين الام وتلك الحروف كطال وفصلالا أو كان بعد اللام بالشروط المذكورة ألف ممالة كيصلى وتصلى ويصلى سعيراً ويصليها؛ أو سكنت اللام مع الشروط للوقف مثل أن يوصل إذا وقف عليه فقيل عنه بالتغليظ وهو المشهور، وقيل بالترقيق. إلا إن كانت تلك الألف الممالة رأس آية، فيرقق اللام على المشهور عنه، ووجه ذلك كله المناسبة لما قبل أو بعد، فتلك الحروف مطبقة مستعلية شديدة مجهورة إلا الصاد ففيه الإطباق والاستعلاء فقط، والإمالة تقتضى التسفل وفخم بعض القراء اللام الساكنة فى صلصال. {عَن تَراضٍ مِنْهُما}: نعتا لفصالا، أى ثابتا عن تراض. أو النعت كون خاص، أى صادر عن تراض وهو مصدر تراض أعِلَّ كقاض، وأصله ترضى بضم الضاد وكسر الياء لحرف الجر ثقلت الكسرة، وكذا تثقل الضمة رفعاً، فحذفت الكسرة لثقلها بعد أن قلبت ضمة الضاد كسرة؛ لئلا تنقلب الياء واواً فيلزم اسم عربى آخره واو لازمة، قبلها ضمة لازمة، ولما حذفت كسرة الياء كانت ساكنة فحذفة للساكن بعدها هو التنوين والتراضى أن يرضى كل واحد منهما بما رضى به الآخر من الفصال. {وتَشَاوُرٍ}: مشاورة فى المصلحة، وهو المصلحة. وهو استخراج الرأى، كقولك شار العسل يشوره استخراجه. {فَلاَ جُناحَ عَلَيْهِما}: فى ذلك الفصال إذا وافق صلاح الطفل وهو المعتبر، ولا يعتبر صلاحهما مع وجود الضر فيه للطفل. {وإنْ أرَدتُّم أنّ تَسْتَرضِعُوا أوْلادَكُم}: السين وهمزة الوصل المحذوفة والتاء التانية للتعدية داخلات على رضع الثلاثى المتعدى لواحد لتعديته إلى ثانٍ، فالأول هو أولاد وهو الفاعل فى المعنى، والثانى محذوف أى مراضع أو أظآرٍ أى أن تصير واو أولادكم ترضعون المراضع أو الأظار بفتح ياء يرضع، يقال: رضع الصبى المرأة أى مص لبنها، وإنما جعلت أولاد هو المفعول الأول، لأنه الفاعل فى المعنى، وأما ما قال غيرى من أن أولاد هو الثانى، والأول محذوف، أى أن تسترضعوا مراضع أولادكم فلا يصح، لأن النساء المراضع ليس فاعلات معنى، لأنهن ليس يمصصن من الصبى، بل بالعكس، وإن قيل هن فاعلات معنى، لأنهن يرضعن الصبى بضم ياء يرضعن، أى يسقينه اللبن من أثديهن، قلت نعم لكن هذا من أرضع الرباعى، وليست الآية منه لأن الاستفعال لا يكون من الرباعى، وقيل إنه يتعدى إلى الأول بنفسه، وإلى الثانى بحرف، وإن التقدير أن تسترضعوا المراضع أولادكم، فحذف المفعول الأول وحرف الجر من الثانى، وفيه الإشكال المذكور، مع تكلف حذفين، نعم قيل يقال أرضعت المرأة الطفل واسترضعتها أياه، لكن يحتمل أن إياه مفعول أولا آخر ولعل استرضعت من الثلاثى، ويقال أنحج الله حاجتى واستحجته إياها فنقول إن استحجته من نحج كاستخرجت من خرج، والخطاب للآباء، وكذا فيما بعد، وقيل الخطاب هنا وفى وعليكم للآباء والأمهات وفى سلمت ما آتيتم للاباء فقط وقيل هو فيه يضا للآباء والأمهات، لأن الأم ولو كانت ليست معطية لكن رضيت بالاسترضاع ووافقت عليه، وعدت مسلمة مؤتية وفيه تكلف وكذا فى الذى قبله. {فَلاَ جُناحَ عَلَيْكم} فى الاسترضاع، وظاهر هذا أنه يجوز اتخاذ المرضعة ولو أحبَت الأم أن ترضعه هى ولا مانع منها، والذى يظهر أن معنى الآية أنه يجوز الاسترضاع برضاها أو بمانع عنها بشرط أن يسلموا ما أتوا بالمعروف، وإن لم يسلموا فلا يجوز فكأنه قيل إذا صار إلى الاسترضاع بحيث يجوز له، فشرط نفى الإثم أن يسلم ما أتى بالمعروف كما قال: {إذا سَلَّمتُم ما آتيْتُم بالمعْرُوفِ}: فالأم أحق بالرضاع، فإن منها من القيام به تزوجها بزوج آخر تشتغل بحقوقه، أو أبت الإرضاع مطلقا، أو أبته إيذاء لمطلقها أو أبته لمرضعها، أو لانقطاع لبنها، أو كان الولد لا يقبلها أو فى لبنها ضر له اتخذ الأب مرضعة وإن لم يكن ذلك لم يقبل غيرها أو لم يوجد غيرها وجب عليها، والمعنى فلا إثم عليكم أيها الآباء إذا سلمتم إلى المراضع ما أردتم إيتاءه لهنّ من الأجرة، فالفعل مستعمل فى لازمه أو مسبه فإن إرادة الشئ تستلزمه اللزوم البيانى، وتسبب له، إنما أولته بالإرادة لئلا يلزم تحصيل الحاصل، فإن آتيتم بحسب لفظه حاصل، أى قد وقع الإيتاء وحصل، وسلمتم مستقبل مطلوب الحصول لدخول إذا عليه، ومعنى سلمتم وآتيتم واقع على شئ واحد، فكأنه قيل بحسب اللفظ إذا سلمتم فى المستقبل نفس الشئ الذى سلمتم فى الماضئ، فيكون تحصيلا لتسليم ما حصل تسليمه، فأولت الثانى بالإرادة، وكذلك يقال فى قرءاة ابن كثير: {ما أتيتم} بلا مدة وكذا قرأ فى الروم وما أتيتم من رباً، فالأول من الإيتاء مبعنى تصيير الشئ آتيا، ويفسرونه بالإعطاء، والثانى وهو قراءة ابن كثير من الإتياء بمعنى الفعل، يقال أتيت جميلا أى فعلت جميلا، فالمعنى عليها إذا سلمتم ما فعلتم، قال أبو على ما آتيتم نقده أو إعطاء فحذف المضاف وحذف المضاف إليه الرابط بعد، أى آتيتموه، وقرأ شيبان عن عاصم ما آتيتم بالمد والواو بعد الهمزة والبناء للمفعول، ولا تأويل فيه بالإرادة، لأن المعنى ما آتاكم لله وأقدركم عليه، وبالمعرف متعلق بسلمتم، أى بما عرف فى الشرع من كونكم فى حال تسليم الأجرة مستبشرى الوجوه ناطقين بالجميل: مطيبين لأنفس المراضع بما أمكن، ومعنى تعليق نفى الجناح بتسليم الأجرة أنه لا جناح عليكم إذا سلمتموها حين عقد الأجرة، أو أخرتموها برضى المرضعة بأجل أو بلا أجل، وسلمتموها بعد، فالتسليم شامل للتسلم نقدا أو عاجلا أو آجلا بحسب رضاهما واتفقاهما، فإن خالف اتفاقهما إتم وإن شئت فقل التسليم أريد بة نقد الأجرة، لكن ليس شرطا لجواز الاسترضاع، لأنه يجوز الاسترضاع بلا أجرة وبالعاجل والآجل برضاها، بل هو شرط لنفى الجناح الذى هو بمعنى التفريط فى حق الطفل لأن نفسها تطيب بنقد الأجرة. {وَاتَّقُوا اللّهَ}: فى أمر الأطفال والمراضع. {واعْلَموا أَنَّ اللّهَ بما تَعْملُونَ بَصِيرٌ}: لا يخفى عنه شئ فهو مجاز لكم بما فعلتم من خير أو شر، فهذا حث على الإيتمار وتهديد على عدمه.
اطفيش
تفسير : {وَالْوَٰلِدَٰتُ} مسلمات، أو كتابيات، حرائر أو إماء، باقيات أو مطلقات {يُرْضِعْنَ أَوْلَٰدَهُنَّ} فى الحكم الشرعى، أو أرضعن يا والدات، كما مر فى يتربصن، والأمر للندب عند قدرة الأب، أو سيد الزوج على الإجارة، أو وجود غير الأم، وقبول الولد لغيرها، وللوجوب عند فقد ذلك، فيكون من عموم المجاز، خروجا من الجميع بين الحقيقة والمجاز، وأضاف الولد لهن استعطافا ولأن الإرضاع من خصائص الولادة لا الزوجية، وجاء الحديث، أن الأم أحق بالولد ما لم تتزوج، وقيل: المراد المطلقات، فيعلم حكم غيرهن من وجوب نفقة الزوج على زوجها، ويدل له أن نفقة غيرهن للزوجية، لا للإرضاع إلا أن قوله: وعلى المولود له، يدل على أنها للولادة، والولادة علة للإرضاع لمطلقها، ولتتفرغ للتزوج لغيره، وأن الباقية هى فى نفقة الزوج على العادة من قبل، وقيل المراد الباقيات لأن المطلقة لا تستحق الكسرة بل الأجرة {حَوْلَيْنِ} عامين، سمى العام حولا لتحوله، وعلى الاسمية لا توجبها، فلا يرد عدم تسية لأيام والشهور حولا {كَامِلَيْنِ} لا ناقصين، لأنه يقال حولان ولو مع نقص، كما قال: الحج أشهر، كما يقال، عشرة ذى الحجة، والمراد تسعة، أو مع ليلة الأضحى، وليس ذلك حدا واجبا، إنما هو قطع للنزاع بين الزوجين، فلو قطع الرضاع قبل الحولين عنه لقوته ومضرة الرضاع، أو زيد عليها لجاز، وقد قيل ذلك {لِمَنْ أَرَادَ} من الزوجين، أو يرضعن لمن أراد، وهو الأب {أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ} بلا نقص ولا زيادة، ويجب النقص أو الزيادة لعارض ضر، ولا عبرة للرضاع بعد الحولين فى تحريم النكاح، وإباحة المصافحة، قال النبى صلى الله عليه وسلم، حديث : لا رضاع فصالتفسير : ، أى لا حكم رضاع، وعن أبى حنيفة مدة الرضاع ثلاثون شهراً، وعن زفر ثلاث سنين {وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ} وهو الأب {رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} لأجل ولادته له، كما أن الإرضاع علته ولادتهن له، وتعليق الحكم بمعنى المشتق يؤذن بعلية معنى ما منه الاشتقاق، وعبر بالمولود له ليتقوى أن المؤونة عليه لأنه ولد له، ولذا لم يقل، وعلى الوالد، مع أنه أنسب بقوله، والوالدات، فعليه الرزق والكسورة، ولو لم يطلقها إن أرادت الأجرة، وهو زيادة على نفقة الزوجية، وقال أبو حنيفة، ليس لها الأجرة ما بقيت غير مطلقة أو مطلقة لم تخرج من العدة، ولكن أمروا بالمؤونة لئلا يتوهم أنه لا نفقة لهن لاشتغالهن عن الأزواج بالأولاد، كما أن لها النفقة عليها إذا سافرت بإذنه فى حاجته، والمعروف ما يراه الحاكم شرعا ومروءة بقد طاقة المولود له، ونفقة ولد لأمة من حر على مالك لأمة، لأنه عبده {لاَ تُكَلَّفُ نَفْسٌ} لا تكلف زوجها ولا يكلفها ولا يكلفهما الله {إِلاَّ وُسْعَهَا} فى جميع أمورها ونفقة الزوجات والأولاد وغير ذلك، وعلى الأب نفقة الولد من ماله، وإن كان للولد مال فمن مال الولد، ولا حد فى نفقة الزوجة والمطلقة والمرضعة سوى ما يليق بالنظر كما قال العاصمى: شعر : وكل راجع إلى افتراض موكل إلى اجتهاد القاضى بحسب الأوقات والأعيان والسمر والزمان والمكان حديث : وقد قال صلى الله عليه وسلم لهند، ما يكفيك وولدكتفسير : ، لكن لا بد من ذكر بعض الفروع ليرتاح إليها الطالب، فاللزوجة السكن وجلباب وملحفة ومقنعة ووقاية وخف مما قدر له من مال، وفى أثر، على الغنى البساط والكساء والمنفعة والجلباب والكرزية فإن كان غنيا فليصبغ والكساء بالأرجوان والمقنع والجلباب باللك، وإن كان أوسط صبغت القوة، أو مفلساً فبالدباغ، وهو تاكوت، والأمر على ما يعتاد، وقد لا يصبغ أهل بلد، وقد يكفيها أكثر أو أقل، وفى أثر، لها قميص وملحفة ورداء وخمار ومربع ووقاية وخف وقرق وإن كان أوسط فقميص وحولية ومقنع ومربع ووقاية وقرق، وإن كان فقيراً فعباءة ووقاية ولا تدرك ما تصلى به فوق ذلك، وعليه غسل ما نجس من ثيابها أو اتسخ، وعليه الماء لصلاتها، والمشهور عند قومنا وعليه الأكثر، أن نفقة الزوجة بحسب ما يصلح، وقال الشافعى، على المعنى مدان من بر فى اليوم، وعلى الوسد مد ونصف، وعلى الفقير مد، وهو قول لأصحابنا ولمالك، وفى إدراكها الحناء قولان: وعليه فراش صيفاً وغطاء وفرش شتاء، ولباس الصيف غير لباس الشتاء، وكذا المرقد والسكنى، ولها بعد الطلاق ما لها قبله ما لم تتم العدة، وفى أثر على الغنى أربع ويبات يومية أمسين فى الشهر، وعلى الأوسط ثلاث وعلى المعسر ويبتان، وهى ضعف وبية ابناين، وويبة ونص يويبة يفرن وذلك بالويبة القديمة، وهى تسع الويبة المستعملة، وهى أربعة عشر مدا، فعلى الغنى عشرة أمداد وثلثا مد، هذا ما يقتضيه كلام بعض، ونصف قرن من زيت مع كل ويبة إذا رخص، وإذا غلا فنصفه مع كل ويبتين، وذلك تضييق، والأولى ما قبل إن على الوس ربع صاع من الحب لكل يوم، ومَنَّا تمر، وفى وقت البر بر ووقت الذرة ذرة، وإن كانت ممن يأكل البر على الاستمرار فلها و درهمان أو ثلاثة لكل شهر إذا ما ورد على ما يرى الحاكم. وويبة أمسين اثنا عشر مدّاً بمعيار بلدنا، وهو مد النبى صلى الله عليه وسلم، فهى المكيال المسمى فى عرفنا حثية، وأما ويبة ابناين فثمانية أمداد، وأما ويبة يفرن فتسعة أمداد وثلاثة أخماس المد، والفرن نحو الجوة الصغيرة، وهو المكيال المسمى فى عرفنا وعرف نفوسة نقاصة، وفى الجرة الكبيرة أربع فقاصات، وهن أربعة قرون، وأما ويبة العرب فاربعة وعشرون مدًّا، وقيل اثنان وعشرون، والقفيز ست عشرة حيتة، وهو اثنان وثمانون ثمنة، والثمنة ستة أمداد. قال أبو عبدالله محمد بن عمرو بن أبى ستة: ومما وجد يخط عمنا أحمد أبى ستة رحمه الله، وأسنده إلى من قبله من المشايخ، إن الفقير يفرض عليه فى النفقة الكاملة صاعان، يعنى بكيل جربة، بين الشعير والقمح الثمن قمح أو ذرة والباقى شعير فى كل شهر، مع نصف صاع زيتا مع ثلث درهم لحما أو سمكا، وفى الرضاع لكل شهر درهمان، يعنى على الرضيع، وإذا خرج من حد الرضاع فله ثلث النفقة، وإذا تمت أربع سنين يفرض له تصف النفقة، فإذا بلغ خمس أو ست سنين يفرض له النفقة الكاملة. قال البيسانى رحمه الله: ونفقة الصغير إذا طلقت أمه، ولو تزوجت ثلث نفقة إذا فصل عن الرضاع حتى يبلغ خمسة أشبار، ثم نصف النفقة حتى يصل ستة أشبار، ثم ثلث النفقة حتى يبلغ، وقيل فى ذلك بنظر العدول، وفى أثر، للأُم نفقة الرضيع حتى يفطم زيادة على نفقتها إذا طلقت، ونفقته على الفقير بعد الفطام ثلث النفقة الكاملة، وهى صاعان بكيل جربة، الثمن قمح وذرة والباقى شعير فى كل شهر مع نصف صاع زيتا، وثلثى درهم لحما أو سمكا إلى أن تتم أربع سنين، أو حتى يبلغ خمسة أشباب، وقيل: أربعة أشبار ونصفا، فيكون له نصف هذه النفقة الكاملة، واعترض التحديد بالأشبار، لأن من الصبيان الطويل القليل الأكل وضده، وإذا بلغ خمسا أو ستا كملت، وقيل إن كان فى سبعة فنصف نفقة أمه، أو فى خمسة فثلثها، أو فى عشرة إلى اثنتى عشرة فثلثاها، وللرضيع أوقية فى الشهر، وللحاضنة ثمن الأوقيه فى الشهر. وذكر أبو عبدالله محمد بن عمرو بن أبى ستة فى حاشيته على تفسير الشيخ هود، رحمهما الله، أنه إذا بلغ ست سنين فثلثا النفقة حتى يبلغ، كقول بعض المشارقة إذا بلغ ستة أشبار فثلثها إلى البلوغ، وقيل: إذا بلغ خمسة أشبار ونصفا فثلثاها إلى البلوغ، وقيل: إذا بلغ ستة أشبار ولم يبلغ نقص من التامة قليلا، وفى أثر، للرصيع على الغنى ثلاثة دراهم وعلى المتوسط درهمان ونصف وعلى الفقير درهمان {لاَ تُضَآرُّ وَٰلِدَةٌ} أى لا يضرها أبو الولد {بِوَلَدِهَا} إخبار عما فى الشرع، أو نهى غائب بلا النافية أو الناهية، أى لا ينزعه منها أبوه، وقد أحبت إرضاعه، وقيل: منها بلا النافية تلحقه منها، ولا تكره على إرضاعه، إذا أبت {وَلاَ مَوْلُودٌ لَّهُ} أى لا تضر أبا الولد {بِوَٰلَدِهِ} بأن تكلفه فوق طاقته فى الإنفاق، أو بأن تلقيه إليه وقد ألفها، والمفاعلة بمعنى الفعل أو على بابها، بأن يكون فى كل منهما ضر للآخر، يجازيه بشأن الولد، أو الباء صلة على البناء للفاعل، أى لا يضران ولدهما وإضافة الولد إليهما عطف لهما إليه، ليتفقا على صلاحه {وَعَلَى الْوَارِثِ} وارث الولد، لأن أل كالعوض عن الضمير، الضمير لأقرب مذكور، أى من يكون وارثاً لذلك الولد لو مات، من سائر قرابة الولد الصابين له، كما قال عمر بن الخطاب وأبو زيد، فإنه يمون مرضعته من ماله، وإن كان للولد مال فمن مال الولد، هذا مذهبنا ومذهب ابن أبى ليلى، وقيل: كل من يرثه من القرابة، وقال أبو حنيفة: الوارث الذى لو كان ذكرا والولد أنثى، أو بالعكس، لم يتزوجا، وبذلك قال حماد وابن مسعود إذ قرأ: وعلى الوارث ذى الرحم المحرم مثل ذلك، وقيل: الوارث الولد، إذ هو وارث الأب إن مات الأب، وقيل: الأم إن مات الأب، ومذهب الشافعى، أنه لا نفقة على غير الفروع والأصول، وعنه: الوارث وارث الأب، وهو الصبى، فإن مؤن الصبى من مال الصبى إن كان له مال، وقد قيل: الوارث الباقى، أى من بقى من أبويه، وهو الأم بعد موت الأب، روى الترمذى عنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : اللهم متعنا بأسماعنا وأبصارنا وقوانا ما أحييتنا، واجعلها الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا" تفسير : {مِثْلُ ذَٰلِكَ} مثل ما وجب على الأب من الرزق والكسوة {فَإِنْ أَرَادَا} الأب والأم {فِصَالاً} فطاماً قبل الحولين لولدهما {عَنْ تَرَاضٍ} اتفاق متعلق بصادراً محذوفاً أو ثابتاً، أى صادراً عن تراض، أو ثابتاً عن تراض، أو بأرادا {مِّنْهُمَا} لا برضاء من أحدهما فقط، لاحتمال أن تمل الأم من إرضاعه والقيام به، أو يبخل الأب بالأجرة فيضر الولد، واعتبرت الأم مع أن الولى الأب، لأنها أشفق على الولد وأصبر له وأنظر لمصلحته {وَتَشَاوُرٍ} استخراج رأيهما، من شار العسل بشوره، أى استخرجه، وذلك لحلاوة النصح، كالعسل، والمراد التشاور بينهما لولاية الأب بالنفقة والأم بالشفقة، ولو اتفقنا على فصل قبل الحولين مع مضرة الولد بذلك لم يجز {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا} فى ذلك الفصال قب الحولين، وكما يجوز الفصال قبل الحولين باتفاقهما مع عدم مضرة الولد يجوز اتفاقهما على الزيادة على الحولين، بل قدر يجوز دخول هذا فى الآية، لأن التنكير فى فصالا للإيذان بأنه فصال غير متعارف، وكما يحصل عدم التعارف بالنقص يحصل بالزيادة، وقوله: {فإن أرادا فصالاً...} الخ مقابل لقوله: {يرضعن أولادهن حولين كاملين}، وإن أرادت الزيادة بلا أجرة، وكانت نفعاً للولد لم تمنع، أو ضرّاً منعت {وَإِنْ أَرَدْتُّمْ أَن تَسْتَرْضِعُواْ أَوْلَٰدَكُمْ} غير أمهاتكم، فحذف المفعول الثانى، أى تجعلوا أولادكم راضعين غير أمهاتهمن أى ماضين لهن، أو حذف الأول، أى تصيرونهن مرضعات، أى مصيرات الأولاد ماضين، وإنما يراد غير الأمهات لمضرة فيهن، كبرص أو جذام، أو لإرادتهن التزوج، أو لطلبهن ما فوق أجرة المثل، قال بعض الشافعية: أو وجد الأب من يرضعهم بلا أجرة، أو بأجرة أقل مما طلبت الأم، وقد صلحت لهم غير أمهاتهم، وقيل: إذا أرادتهم الأمهات بأجرة المثل فهن أولى ممن يرضعنهم بلا أجرة أو بأقل، وحق الإرضاع للأب، وواجب على إطلاقه عند الشافعى، وأن له أن يمنع الأم من إرضاعه، ومذهبنا ومذهب الحنفية، أن الأم أحق بإرضاع ولدها، وأنه ليس للأب منعها من الإرضاع إذا رضيت، لقوله تعالى: {والوالدات يرضعن أولادهن} فحق الإرضاع للأم، وإن كان مندوباً وليس بواجب عليها، وإلا لم يكن للأمر كبير فائدة، فإن الأب إن قدر أن يمنع الأم إذا رضيت بالإرضاع فكيف تمتثل الأمر، فإطلاق ما هنا مقيد بما هنالك، وكأنه قيل: وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم ورضيت الأم {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ} فى استرضاع غير الأمهات {إِذَا سَلَّمْتُم} أعطيتم، أى نويتم تسليما، لا مكرا {مَّآ ءَاتَيْتُمْ} أثبتم بالعقد والوعد، ولا يشترط النقد، كأنه قيل: إذا أثبتم فى العقد للأجرة ما من شأنه أن يثبت، سواء نقدا، أو عاجلا أو آجلا، وقيل: المراد فى الآية النقد، إرشاداً للمصلحة، وتطييباً لنفس المرضعة، لا شرطاً، لكن أخرج مخرج الشرط تأكيداً {بِالْمَعْرُوفِ} فى الإعطاء، وفيما يعطى، وفى القول والمعاملة الحسنة {وَاتَّقُواْ اللهَ} فى كل شئونكم من شأن الأزواج والمراضع والأولاد {وَاعْلَمُوآ أَنَّ اللهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} لا تخفى عليه تقواكم أو معصيتكم.
الالوسي
تفسير : {وَٱلْوٰلِدٰتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَـٰدَهُنَّ} أمر أخرج مخرج الخبر مبالغة ومعناه الندب أو الوجوب إن خص بما إذا لم يرتضع الصبـي إلا من أمه أو لم يوجد له ظئر أو عجز الوالد عن الاستئجار والتعبير عنهن بالعنوان المذكور لاستعطافهن نحو أولادهن والحكم عام للمطلقات وغيرهن كما يقتضيه الظاهر، وخصه بعضهم بالوالدات المطلقات وهو المروي عن مجاهد وابن جبير وزيد بن أسلم، واحتج عليه بأمرين: الأول: أن الله تعالى ذكر هذه الآية عقيب آيات الطلاق فكانت من تتمتها وإنما أتمها بذلك لأنه إذا حصلت الفرقة ربما يحصل التعادي والتباغض وهو يحمل المرأة غالباً على إيذاء الولد نكاية بالمطلق وإيذاءاً له وربما رغبت في التزوج بآخر وهو كثيراً ما يستدعي إهمال أمر الطفل وعدم مراعاته فلا جرم أمرهن على أبلغ وجه برعاية جانبه والاهتمام بشأنه، والثاني: أن إيجاب/ الرزق والكسوة فيما بعد للمرضعات يقتضي التخصيص إذ لو كانت الزوجية باقية لوجب على الزوج ذلك بسبب الزوجية لا الرضاع، وقال الواحدي: الأولى أن يخص بالوالدات حال بقاء النكاح لأن المطلقة لا تستحق الكسوة وإنما تستحق الأجرة ولا يخفى أن الحمل على العموم أولى ولا يفوت الغرض من التعقيب؛ وإيجاب الرزق والكسوة للمرضعات لا يقتضي التخصيص لأنه باعتبار البعض على أنه على ما قيل: ليس في الآية ما يدل على أنه للرضاع ومن قال: إنه له جعل ذلك أجرة لهن إلا أنه لم يعبر بها وعبر بمصرفها الغالب حثاً على إعطائها نفسها لذلك أو إعطاء ما تصرف لأجله فتدبر. {حَوْلَيْنِ} أي عامين والتركيب يدور على الانقلاب وهو منصوب على الظرفية و {كَامِلَيْنِ} صفته، ووصف بذلك تأكيداً لبيان أن التقدير تحقيقي لا تقريبـي مبني على على المساحة المعتادة {لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ ٱلرَّضَاعَةَ} بيان للمتوجه عليه الحكم، والجار في مثله خبر لمحذوف أي ذلك لمن أراد إتمام الرضاعة وجوز أن يكون متعلقاً ـ بيرضعن ـ فإن الأب يجب عليه الإرضاع كالنفقة للأم والأم ترضع له وكون الرضاع واجباً على الأب لا ينافي أمرهن لأنه للندب أو لأنه يجب عليهن أيضاً في الصور السابقة. واستدل بالآية على أنّ أقصى مدة الإرضاع حولان ولا يعتد به بعدهما فلا يعطى حكمه وأنه يجوز أن ينقص عنهما، وقرىء {أَن يُتِمَّ} بالرفع واختلف في توجيهه فقيل: حملت (أن) المصدرية على ما أختها في الإهمال كما حملت أختها عليها في الإعمال في قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : كما تكونوا يولى عليكم» تفسير : على رأي، وقيل: أن يتموا بضمير الجمع باعتبار معنى من وسقطت الواو في اللفظ لالتقاء الساكنين فتبعها الرسم. {وَعلَى ٱلْمَوْلُودِ لَهُ} أي الوالد فإن الولد يولد له وينسب إليه ولم يعبر به مع أنه أخصر وأظهر للدلالة على علة الوجوب بما فيه من معنى الانتساب المشيرة إليه اللام وتسمى هذه الإشارة إدماجاً عند أهل البديع وإشارة النص عندنا، وقيل: عبر بذلك لأن الوالد قد لا تلزمه النفقة وإنما تلزم المولود له كما إذا كانت تحته أمة فأتت بولد فإن نفقته على مالك الأم لأنه المولود له دون الوالد، وفيه بعد لأن المولود له لا يتناول الوالد والسيد تناولاً واحداً وحكم العبيد دخيل في البين {رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ} أي إيصال ذلك إليهن أي الوالدات أجرة لهن، واستئجار الأم جائز عند الشافعي وعندنا لا يجوز ما دامت في النكاح أو العدة {بِٱلْمَعْرُوفِ} أي بلا إسراف ولا تقتير أو حسب ما يراه الحاكم ويفي به وسعه. {لاَ تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا} تعليل لإيجاب المؤن بالمعروف أو تفسير للمعروف ولهذا فصل وهو نص على أنه تعالى لا يكلف العبد بما لا يطيقه ولا ينفي الجواز والإمكان الذاتي فلا ينتهض حجة للمعتزلة، ونصب {وُسْعَهَا} على أنه مفعول ثان ـ لتكلف ـ وقرىء و (لا تكلف) بفتح ـ التاء ـ و(لا نكلف) ـ بالنون ـ. {لاَ تُضَارَّ وٰلِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلاَ مَوْلُودٌ بِوَلَدِهِ} تفصيل لما يفهم من سابقه وتقريب له إلى الفهم وهو الداعي للفصل، والمضارة مفاعلة من الضرر، والمفاعلة إما مقصودة والمفعول محذوف أي تضار والدة زوجها بسبب ولدها وهو أن تعنف به وتطلب ما ليس بعدل من الرزق والكسوة وأن تشغل قلبه بالتفريط في شأن الولد وأن تقول بعد أن ألفها الصبـي أطلب له ظئراً مثلاً ولا يضار مولود له امرأته بسبب ولده بأن يمنعها شيئاً مما وجب عليه من رزقها وكسوتها، أو يأخذ الصبـي منها وهي تريد إرضاعه أو يكرهها على الإرضاع وإما غير مقصودة، والمعنى/ لا يضر واحد منهما الآخر بسبب الولد، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب (لا تُضَارُ) بالرفع فتكون الجملة بمنزلة بدل الاشتمال مما قبلها، وقرأ الحسن (تُضَارِ) بالكسر وأصله تضار مكسور الراء مبنياً للفاعل وجوز فتحها مبنياً للمفعول، ويبين ذلك أنه قرىء ـ (ولا تضارر)، (ولا تضارر) ـ بالجزم وفتح الراء الأولى وكسرها، وعلى تقدير البناء للمفعول يكون المراد النهي عن أن يلحق بها الضرار من قبل الزوج وأن يلحق الضرار بالزوج من قبلها بسبب الولد، والباء على كل تقدير سببية ولك أن تجعل فاعل بمعنى فعل والباء سيف خطيب، ويكون المعنى لا تضر والدة ولدها بأن تسيء غذاءه وتعهده وتفرط فيما ينبغي له وتدفعه إلى الأب بعدما ألفها ولا يضر الوالد ولده بأن ينزعه من يدها أو يقصر في حقها فتقصر هي في حقه، وقرأ أبو جعفر ـ (لا تضارّْ) ـ بالسكون مع التشديد على نية الوقف، وعن الأعرج ـ (لا تضارْ) ـ بالسكون والتخفيف، وهو من ضار يضير ونوى الوقف كما نواه الأول، وإلا لكان القياس حذف الألف، وعن كاتب عمر رضي الله تعالى عنه ـ (لا تضرر) ـ والتعبير بالولد في الموضعين، وإضافته إليها تارة وإليه أخرى للاستعطاف، والإشارة إلى ما هو كالعلة في النهي ولذا أقام المظهر مقام المضمر، ومن غريب التفسير ما رواه الإمامية عن السيدين الصادق والباقر رضي الله تعالى عنهما أن المعنى ـ لا تضار ـ والدة بترك جماعها خوف الحمل لأجل ولدها الرضيع ـ ولا يضار ـ مولود له بمنعه عن الجماع كذلك لأجل ولده، وحينئذٍ تتعين الباء للسببية، ويجب أن يكون الفعلان مبنيين للمفعول ولا يظهر وجه لطيف للتعبير بالولد في الموضعين، وتخرج الآية عما يقتضيه السياق، وبعيد عن الباقر والصادق الإقدام على ما زعمه هذا الراوي الكاذب. {وَعَلَى ٱلْوَارِثِ مِثْلُ ذٰلِكَ} عطف على قوله تعالى: {وَعلَى ٱلْمَوْلُودِ لَهُ} الخ وما بينهما تعليل أو تفسير معترض والمراد بالوارث وارث الولد فإنه يجب عليه مثل ما وجب على الأب من الرزق والكسوة بالمعروف إن لم يكن للولد مال، وهو التفسير المأثور عن عمر وابن عباس وقتادة ومجاهد وعطاء وإبراهيم والشعبـي وعبد الله بن عتبة وخلق كثير، ويؤيده أن أل كالعوض عن المضاف إليه الضمير ورجوع الضمير لأقرب مذكور وهو الأكثر في الاستعمال، وخص الإمام أبو حنيفة هذا الوارث بمن كان ذا رحم محرم من الصبـي، وبه قال حماد ويؤيده قراءة ابن مسعود (وعلى الوارث ذي الرحم المحرم مثل ذلك)، وقيل: عصباته؛ وبه قال أبو زيد، ويروى عن عمر رضي الله تعالى عنه ما يؤيده، وقال الشافعي: المراد وارث الأب وهو الصبـي أي مؤن الصبـي من ماله إذا مات الأب، واعترض أن هذا الحمل يأباه أنه لا يخص كون المؤنة في ماله إذا مات الأب بل إذا كان له مال لم يجب على الأب أجرة الإرضاع بل يجب عليه النفقة على الصبـي وأجرة الإرضاع من مال الصبـي بحكم الولاية وفيه نظر، وقيل: المراد الباقي من الأبوين، وقد جاء الوارث بمعنى الباقي كما في قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : اللهم متعني بسمعي وبصري واجعلهما الوارث مني»تفسير : قيل: وهذا يوافق مذهب الشافعي إذ لا نفقة عنده فيما عدا الولاد ولا يخفى ما في ذلك من البحث لأن ـ من ـ إن كانت للبيان لزم التكرار أو الركاكة أو ارتكاب خلاف الظاهر، وإن كانت للابتداء كان المعنى الباقي غير الأبوين وهو يجوز أن يكون من العصبات أو ذوي الأرحام الذين ليست قرابتهم قرابة الولاد وكون ذلك موافقاً لمذهب الشافعي إنما يتأتى إذا تعين كون الباقي ذوي قرابة الولاد وليس في اللفظ ما يفيده كما لا يخفى. {فَإِنْ أَرَادَا} أي الوالدان {فِصَالاً} أي فطاماً للولد قبل الحولين وهو المروي عن مجاهد وقتادة وأهل البيت، وقيل: قبلهما أو بعدهما وهو مروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وعلى الأول: يكون هذا تفصيلاً لفائدة {لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ} وبياناً لحكم إرادة عدم الإتمام، والتنكير للإيذان بأنه ـ فصال ـ غير معتاد، وعلى الثاني: توسعة في الزيادة والتقليل في مدة/ الرضاعة بعد التحديد والتنكير للتعميم، ويجوز على القولين أن يكون للإشارة إلى عظمه نظراً للصبـي لما فيه من مفارقة المألوف {عَن تَرَاضٍ} متعلق بمحذوف ينساق إليه الذهن وإن كان كوناً خاصاً أي: صادراً عن تراض وجوز أن يتعلق بأراد {مِنْهُمَا} أي الوالدين لا من أحدهما فقط لاحتمال إقدامه على ما يضر الولد بأن تمل الأم أو يبخل الأب {وَتَشَاوُرٍ} في شأن الولد وتفحص أحواله وهو مأخوذ من الشور وهو اجتناء العسل وكذا ـ المشاورة والمشورة والمشورة ـ والمراد من ذلك استخراج الرأي وتنكيره للتفخيم. {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا} في ذلك وإنما اعتبر رضا المرأة مع أن ولي الولد هو الأب وصلاحه منوط بنظره مراعاة لصلاح الطفل لأن الوالدة لكمال شفقتها على الصبـي ربما ترى ما فيه المصلحة له. {وَإِنْ أَرَدْتُّمُ} خطاب للآباء هزاً لهم للامتثال على تقدير عدم الاتفاق على عدم الفطام {أَن تَسْتَرْضِعُواْ أَوْلَـٰدَكُمْ} بحذف المفعول الأول استغناءاً عنه أي ـ تسترضعوا المراضع أولادكم ـ من أرضعت المرأة طفلاً واسترضعتها إياه كقولك أنجح الله تعالى حاجتي واستنجحتها إياه، وقد صرح الإمام الكرماني بأن الاستفعال قد جاء لطلب المزيد كالاستنجاء لطلب الإنجاء والاستعتاب لطلب الاعتاب وصرح به غيره أيضاً فلا حاجة إلى القول بأنه من رضع بمعنى أرضع ولم يجعل من الأول أول الأمر لعدم وجوده في كلامهم فإنه بمعزل عن التحقيق، وقيل: إن استرضع إنما يتعدى إلى الثاني بحرف الجر يقال: استرضعت المرأة للصبـي والمراد: أن تسترضعوا المراضع لأولادكم فحذف الجار كما في قوله تعالى: {أية : وَإِذَا كَالُوهُمْ }تفسير : [المطففين: 3] أي كالوا لهم {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ} أي في ذلك، واستدل بالإطلاق على أن للزوج أن ـ يسترضع للولد ويمنع الزوجة من الإرضاع ـ وهو مذهب الشافعية، وعندنا أن الأم أحق برضاع ولدها وأنه ليس للأب أن يسترضع غيرها إذا رضيت أن ترضعه لقوله تعالى: {وَٱلْوٰلِدٰتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَـٰدَهُنَّ} وبه يخصص هذا الإطلاق وإلى ذلك يشير كلام ابن شهاب {إِذَا سَلَّمْتُم} إلى المراضع {مَّا ءاتَيْتُم} أي ضمنتم والتزمتم أو أردتم إتيانه لئلا يلزم تحصيل الحاصل، وقرأ ابن كثير (أتيتم) من أتى إليه إحساناً إذا فعله، وشيبان عن عاصم (أوتيتم) أي ما آتاكم الله تعالى وأقدركم عليه من الأجرة {بِٱلْمَعْرُوفِ} متعلق بسلمتم أي بالوجه المتعارف المستحسن شرعاً وجوز أن يتعلق بآتيتم وأن يكون حالاً من فاعله أو فاعل الفعل الذي قبله، وجواب الشرط محذوف دل عليه ما قبله وليس التسليم شرطاً لرفع الإثم بل هو الأولى والأصلح للطفل فشبه ما هو من شرائط الأولية بما هو من شرائط الصحة للاعتناء به فاستعير له عبارته، وقيل: لا حاجة إلى هذا لأن نفي الإثم بتسليم الأجرة مطلقاً غير مقيد بتقديمها عليه يعني لا جناح عليكم في الاسترضاع لو لم تأثموا بالتعدي في الأجرة وتظلموا الأجير، وفيه تأمل لأن الإثم إذا لم يسلم بعد إنما هو بالتعدي، والاسترضاع كان قبل خالياً عما يوجب الإثم {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} في شأن مراعاة الأحكام {وَٱعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} لا تخفى عليه أعمالكم فيجازيكم عليها، وفي إظهار الاسم الجليل تربية للمهابة، وفي الآية من التهديد ما لا يخفى.
ابن عاشور
تفسير : انتقال من أحكام الطلاق والبينونة؛ فإنه لما نهى عن العضل، وكانت بعض المطلقات لهن أولاد في الرضاعة ويتعذر عليهن التزوج وهن مرضعات؛ لأن ذلك قد يضر بالأولاد، ويقلل رغبة الأزواج فيهن، كانت تلك الحالة مثار خلاف بين الآباء والأمهات، فلذلك ناسب التعرض لوجه الفصل بينهم في ذلك، فإن أمر الإرضاع مهم، لأن به حياة النسل، ولأن تنظيم أمره من أهم شؤون أحكام العائلة. وأعلم أن استخلاص معاني هذه الآية من أعقد ما عرض للمفسرين. فجملة {والوالدات يرضعن} معطوفة على جملة { أية : وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن } تفسير : [البقرة: 232] والمناسبة غير خفية. والوالدت عام لأنه جمع معرف باللام، وهو هنا مراد به خصوص الوالدات من المطلقات بقرينة سياق الآي التي قبلها من قوله: { أية : والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء } تفسير : [البقرة: 228] ولذلك وصلت هذه الجملة بالعطف للدلالة على اتحاد السياق، فقوله: {والوالدات} معناه: والوالدات منهن، أي من المطلقات المتقدم الإخبار عنهن في الآي الماضية، أي المطلقات اللائي لهن أولاد في سن الرضاعة، ودليل التخصيص أن الخلاف في مدة الإرضاع لا يقع بين الأب والأم إلاّ بعد الفراق، ولا يقع في حالة العصمة؛ إذ من العادة المعروفة عند العرب ومعظم الأمم أن الأمهات يرضعن أولادهن في مدة العصمة، وأنهن لا تمتنع منه من تمتنع إلاّ لسبب طلب التزوج بزوج جديد بعد فراق والد الرضيع؛ فإن المرأة المرضع لا يرغب الأزواج منها؛ لأنها تشتغل برضيعها عن زوجها في أحوال كثيرة. وجملة {يرضعن} خبر مراد به التشريع، وإثبات حق الاستحقاق، وليس بمعنى الأمر للوالدات والإيجاب عليهن؛ لأنه قد ذكر بعد أحكام المطلقات، ولأنه عقب بقوله {وإن أردتم أن تسترضعوا} فإن الضمير شامل للآباء والأمهات على وجه التغليب كما يأتي، فلا دلالة في الآية على إيجاب إرضاع الولد على أمه، ولكن تدل على أن ذلك حق لها، وقد صرح بذلك في سورة الطلاق بقوله { أية : وإن تعاسرتم فسترضع له أُخرى } تفسير : [الطلاق: 6] ولأنه عقب بقوله: {وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف} وذلك أجر الرضاعة، والزوجة في العصمة ليس لها نفقة وكسوة لأجل الرضاعة، بل لأجل العصمة. وقوله: {أولادهن} صرح بالمفعول مع كونه معلوماً، إيماء إلى أحقية الوالدات بذلك وإلى ترغيبهن فيه؛ لأن في قوله: {أولادهن} تذكيراً لهن بداعي الحنان والشفقة، فعلى هذا التفسير ـــ وهو الظاهر من الآية والذي عليه جمهور السلف ـــ ليست الآية واردة إلاّ لبيان إرضاع المطلقات أولادهن، فإذا رامت المطلقة إرضاع ولدها فهي أولى به، سواء كانت بغير أجر أم طلبت أجر مثلها، ولذلك كان المشهور عن مالك: أن الأب إذا وجد من ترضع له غير الأم بدون أجر وبأقل من أجر المثل، لم يُجب إلى ذلك، كما سنبينه. ومن العلماء من تأول الوالدات على العموم، سواء كن في العصمة أو بعد الطلاق كما في القرطبي والبيضاوي، ويظهر من كلام ابن الفرس في «أحكام القرآن» أنّ هذا قول مالك. وقال ابن رشد في «البيان والتحصيل»: إن قوله تعالى: {والوالدات يرضعن أولادهن} ومحمول على عمومه في ذات الزوج وفي المطلقة مع عسر الأب، ولم ينسبه إلى مالك، ولذلك قال ابن عطية: قوله: {يرضعن} خبر معناه الأمر على الوجوب لبعض الوالدات، والأمر على الندب والتخيير لبعضهن وتبعه البيضاوي، وفي هذا استعمال صيغة الأمر في القدر المشترك وهو مطلق الطلب ولا داعي إليه. والظاهر أن حكم إرضاع الأم ولدها في العصمة يستدل له بغير هذه الآية، ومما يدل على أنه ليس المراد الوالدات اللائي في العصمة قوله تعالى: {وعلى المولود له رزقهن} الآية، فإن اللائي في العصمة لهن النفقة والكسوة بالأصالة. والحول في كلام العرب: العام، وهو مشتق من تحول دورة القمر أو الشمس في فلكه من مبدأ مصطلح عليه، إلى أن يرجع إلى السمت الذي ابتدأ منه، فتلك المدة التي ما بين المبدأ والمرجع تسمى حولاً. وحول العرب قمري وكذلك أقره الإسلام. ووصف الحولين بكاملين تأكيد لرفع توهم أن يكون المراد حولاً وبعض الثاني؛ لأن إطلاق التثنية والجمع في الأزمان والأسنان، على بعض المدلول، إطلاق شائع عند العرب، فيقولون: هو ابن سنتين ويريدون سنة وبعض الثانية، كما مر في قوله: { أية : الحج أشهر معلومات } تفسير : [البقرة: 197]. وقوله: {لمن أراد أن يتم الرضاعة}، قال في «الكشاف»: «بيان لمن توجه إليه الحكم كقوله: { أية : هيت لك } تفسير : [يوسف: 23]، فلك بيان للمُهَيَّت له أي هذا الحكم لمن أراد أن يتم الإرضاع» أي فهو خبر مبتدأ محذوف، كما أشار إليه، بتقدير هذا الحكمُ لمِن أراد. قال التفتازاني: «وقد يصرح بهذا المبتدأ في بعض التراكيب كقوله تعالى: { أية : ذلك لمن خشى العنت منكم } تفسير : [النساء: 25] ومَا صْدَقُ (مَنْ) هنا من يهمه ذلك: وهو الأب والأم ومن يقوم مقامهما من ولي الرضيع وحاضنه. والمعنى: أن هذا الحكم يستحقه من أراد إتمام الرضاعة، وأباه الآخر، فإن أرادا معاً عدم إتمام الرضاعة فذلك معلوم من قوله: {فإن أرادا فصالاً} الآية. وقد جعل الله الرضاع حولين رعياً لكونهما أقصى مدة يحتاج فيها الطفل للرضاع إذا عرض له ما اقتضى زيادة إرضاعه، فأما بعد الحولين فليس في نمائه ما يصلح له الرضاع بعدُ، ولما كان خلاف الأبوين في مدة الرضاع لا ينشأ إلاّ عن اختلاف النظر في حاجة مزاج الطفل إلى زيادة الرضاع، جعل الله القول لمن دعا إلى الزيادة، احتياطاً لحفظ الطفل. وقد كانت الأمم في عصور قلة التجربة وانعدام الأطباء، لا يهتدون إلى ما يقوم للطفل مقام الرضاع؛ لأنهم كانوا إذا فطموه أعطوه الطعام، فكانت أمزجة بعض الأطفال بحاجة إلى تطويل الرضاع، لعدم القدرة على هضم الطعام وهذه عوارض تختلف. وفي عصرنا أصبح الأطباء يعتاضون لبعض الصبيان بالإرضاع الصناعي، وهم مع ذلك مجمعون على أنه لا أصلح للصبي من لبن أمه، ما لم تكن بها عاهة أو كان اللبن غير مستوف الأجزاء التي بها تمام تغذية أجزاء بدن الطفل، ولأن الإرضاع الصناعي يحتاج إلى فرط حذر في سلامة اللبن من العفونة: في قوامه وإنائه. وبلاد العرب شديدة الحرارة في غالب السنة؛ ولم يكونوا يحسنون حفظ أطعمتهم من التعفن بالمكث، فربما كان فطام الأبناء في العام أو ما يقرب منه يجر مضار للرضعاء، وللأمزجة في ذلك تأثير أيضاً. وعن ابن عباس أن التقدير بالحولين للولد الذي يمكث في بطن أمه ستة أشهر، فإن مكث سبعة أشهر، فرضاعه ثلاثة وعشرون شهراً، وهكذا بزيادة كل شهر في البطن ينقص شهر من مدة الرضاعة حتى يكون لمدة الحمل والرضاع ثلاثون شهراً؛ لقوله تعالى: { أية : وحمله وفصله ثلاثون شهراً } تفسير : [الأحقاف: 15]، وفي هذا القول منزع إلى تحكيم أحوال الأمزجة؛ لأنه بمقدار ما تنقص مدة مكثه في البطن، تنقص مدة نضج مزاجه. والجمهور على خلاف هذا وأن الحولين غاية لإرضاع كل مولود. وأخذوا من الآية أن الرضاع المعتبر هو ما كان في الحولين، وأن ما بعدهما لا حاجة إليه، فلذلك لا يجاب إليه طالبه. وعبر عن الوالد بالمولود له، إيماء إلى أنه الحقيق بهذا الحكم؛ لأن منافع الولد منجرة إليه، وهو لاحق به ومعتز به في القبيلة حسب مصطلح الأمم، فهو الأجدر بإعاشته، وتقويم وسائلها. والرزق: النفقة، والكسوة: اللباس، والمعروف: ما تعارفه أمثالهم وما لا يجحف بالأب. والمراد بالرزق والكسوة هنا ما تأخذه المرضع أجراً عن إرضاعها، من طعام ولباس لأنهم كانوا يجعلون للمراضع كسوة ونفقة، وكذلك غالب إجاراتهم؛ إذ لم يكن أكثر قبائل العرب أهل ذهب وفضة، بل كانوا يتعاملون بالأشياء، وكان الأجراء لا يرغبون في الدرهم والدينار، وإنما يطلبون كفاية ضروراتهم، وهي الطعام والكسوة، ولذلك أحال الله تقديرهما على المعروف عندهم من مراتب الناس وسعتهم، وعقبه بقوله: {لا تكلف نفس إلا وسعها}. وجمل: {لا تكلف نفس إلا وسعها} إلى قول: {ولا مولود له بولده} معترضات بين جملة {وعلى المولود} وجملة {وعلى الوارث} فموقع جملة لا تكلف نفس إلا وسعها تعليل لقوله {بالمعروف}، وموقع جملة {لا تضار وَالدة} إلى آخرها موقع التعليل أيضاً، وهو اعتراض يفيد أصولاً عظيمة للتشريع ونظام الاجتماع. والتكليف تفعيل بمعنى جعله ذا كلفة، والكلفة: المشقة، والتكلف: التعرض لما فيه مشقة، ويطلق التكليف على الأمر بفعل فيه كلفة، وهو اصطلاح شرعي جديد. والوسع، بتثليث الواو: الطاقة، وأصله من وسع الإناء الشيء إذا حواه ولم يبق منه شيء، وهو ضد ضاق عنه، والوسع هو ما يسعه الشيء فهو بمعنى المفعول، وأصله استعارة؛ لأن الزمخشري في «الأساس» ذكر هذا المعنى في المجاز، فكأنهم شبهوا تحمل النفس عملاً ذا مشقة باتساع الظرف للمحوي، لأنهم ما احتاجوا لإفادة ذلك إلاّ عند ما يتوهم الناظر أنه لا يسعه، فمن هنا استعير للشاق البالغ حد الطاقة. فالوسع إن كان بكسر الواو فهو فعل بمعنى مفعول كذبح، وإن كان بضمها فهو مصدر ــــ كالصلح والبرء ــــ صار بمعنى المفعول، وإن كان بفتحها فهو مصدر كذلك بمعنى المفعول كالخلق والدرس والتكليف بما فوق الطاقة منفي في الشريعة. وبني فعل تكلف للنائب ليحذف الفاعل، فيفيد حذفه عموم الفاعلين، كما يفيد وقوع نفس، وهو نكرة في سياق النفس، عموم المفعول الأول لفعل تكلف: وهو الأنفس المكلفة، وكما يفيد حذف المستثنى في قوله: {إلا وسعها} عموم المفعول الثاني لفعل تكلف، وهو الأحكام المكلف بها، أي لا يكلف أحد نفساً إلاّ وسعها، وذلك تشريع من الله للأمة بأن ليس لأحد أن يكلف أحداً إلاّ بما يستطيعه، وذلك أيضاً وعد من الله بأنه لا يكلف في التشريع الإسلامي إلاّ بما يستطاع: في العامة والخاصة، فقد قال في آيات ختام هذه السورة { أية : لا يكلف الله نفساً إلا وسعها } تفسير : [البقرة: 286]. والآية تدل على عدم وقوع التكليف بما لا يطاق في شريعة الإسلام، وسيأتي تفصيل هذه المسألة عند قوله تعالى: {لا يكلفو الله نفساً إلا وسعها} في آخر السورة. وجملة {لا تضار والدة بولدها} اعتراض ثان، ولم تعطف على التي قبلها تنبيهاً على أنها مقصودة لذاتها، فإنها تشريع مستقل، وليس فيها معنى التعليل الذي في الجملة قبلها بل هي كالتفريع على جملة {لا تكلف نفس إلا وسعها}؛ لأن إدخال الضر على أحد بسبب ما هو بضعة منه، يكاد يخرج عن طاقة الإنسان؛ لأن الضرار تضيق عنه الطاقة، وكونه بسبب من يترقب منه أن يكون سبب نفع أشد ألماً على النفس، فكان ضره أشد. ولذلك اختير لفظ الوالدة هنا دون الأم كما تقدم في قوله: {يرضعن أولادهن} وكذلك القول في {ولا مولود له بولده} وهذا الحكم عام في جميع الأحوال من فراق أو دوام عصمة، فهو كالتذييل، وهو نهي لهما عن أن يكلف أحدهما الآخر ما هو فوق طاقته، ويستغل ما يعلمه من شفقة الآخر على ولده فيفترص ذلك لإحراجه، والإشفاق عليه. وفي «المدونة»: عن ابن وهب عن الليث عن خالد بن يزيد عن زيد بن أسلم في قوله تعالى: {لا تضار والدة بولدها} الآية «يقول ليس لها أن تلقي ولدها عليه ولا يجد من يرضعه، وليس له أن ينتزع منها ولدها، وهي تحب أن ترضعه» وهو يؤيد ما ذكرناه. وقيل: الباء في قوله: {بولدها وبولده} باء الإلصاق وهي لتعدية {تضار} فيكون مدخول الباء مفعولاً في المعنى لفعل {تضار} وهو مسلوب المفاعلة مراد منه أصل الضر، فيصير المعنى: لا تضر الوالدة ولدها ولا المولود له ولده أي لا يكن أحد الأبويين بتعنته وتحريجه سبباً في إلحاق الضر بولده أي سبباً في إلجاء الآخر إلى الامتناع مما يعين على إرضاع الأم ولدها فيكون في استرضاع غير الأم تعريض المولود إلى الضر ونحو هذا من أنواع التفريط. وقرأ الجمهور: (لا تضار) بفتح الراء مشددة على أن (لا) حرف نهي و(تضار) مجزوم بلا الناهية والفتحة للتخلص من التقاء الساكنين الذي نشأ عن تسكين الراء الأولى ليتأتى الإدغام وتسكين الراء الثانية للجزم وحرك بالفتحة لأنها أخف الحركات. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو برفع الراء على أن (لا) حرف نفي والكلام خبر في معنى النهي، وكلتا القراءتين يجوز أن تكون على نية بناء الفعل للفاعل بتقدير: لا (تضارر) بكسر الراء الأولى وبنائه للنائب بتقدير فتح الراء الأولى، وقرأه أبو جعفر بسكون الراء مخففة مع إشباع المد كذا نقل عنه في كتاب «القراءات» والظاهر أنه جعله من ضار يضير لا من ضار المضاعف. ووقع في «الكشاف» أنه قرأ بالسكون مع التشديد على نية الوقف أي إجراء للوصل مجرى الوقف ولذلك اغتفر التقاء الساكنين. وقوله: {وعلى الوارث مثل ذلك} معطوف على قوله: {وعلى المولود له رزقهن} وليس معطوفاً على جملة {لا تضار والدة} لأن جملة {لا تضار} معترضة، فإنها جاءت على الأسلوب الذي جاءت عليه جملة {لا تكلف نفس إلا وسعها} التي هي معترضة بين الأحكام لا محالة لوقوعها موقع الاستئناف من قوله {بالمعروف}، ولما جاءت جملة {لا تضار} بدون عطف علمنا أنها استئناف ثان مما قبله ثم وقع الرجوع إلى بيان الأحكام بطريق العطف، ولو كان المراد العطف على المستأنفات المعترضات لجيء بالجملة الثالثة بطريق الاستئناف. وحقيقة الوارث هو من يصير إليه مال الميت بعد الموت بحق الإرث. والإشارة بقوله {ذلك} إلى الحكم المتقدم وهو الرزق والكسوة بقرينة دخول على عليه الدالة على أنه عديل لقوله: {وعلى المولود له رزقهن} وجوز أن يكون {ذلك} إشارة إلى النهي عن الإضرار المستفاد من قوله: {لا تضار والدة بولدها} كما سيأتي، وهو بعيد عن الاستعمال؛ لأنه لما كان الفاعل محذوفاً وحكم الفعل في سياق النهي كما هو في سياق النفي علم أن جميع الإضرار منهي عنه أياً ما كان فاعله، على أن الإضرار منهي عنه فلا يحسن التعبير عنه بلفظ على الذي هو من صيغ الإلزام والإيجاب، على أن ظاهر المِثل إنما ينصرف لمماثلة الذوات وهي النفقة والكسوة لا لمماثلة الحكم وهو التحريم. وقد علم من تسمية المفروض عليه الإنفاق والكسوة وارثاً أن الذي كان ذلك عليه مات، وهذا إيجاز. والمعنى: فإن مات المولود له فعلى وارثه مثل ما كان عليه فإن على الواقعة بعد حرف العطف هنا ظاهرة في أنها مثل على التي في المعطوف عليه. فالظاهر أن المراد وارث الأب وتكون أل عوضاً عن المضاف إليه كما هو الشأن في دخول أل على اسم غير معهود ولا مقصود جنسه وكان ذلك الاسم مذكوراً بعد اسم يصلح لأن يضاف إليه كما قال تعالى: { أية : لئن لم ينته لنسفعا بالناصية } تفسير : [العلق: 15] وكما قال: { أية : وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى } تفسير : [النازعات: 40 ــــ 41] أي نهى نفسه؛ فإن الجنة هي مأواه، وقول إحدى نساء حديث أم زرع: «حديث : زوجي المَسُّ مَسُّ أَرْنَب والرِّيح رِيح زَرْنَب» تفسير : وما سماه الله تعالى وارثاً إلاّ لأنه وارث بالفعل لا من يصلح لأن يكون وارثاً على تقدير موت غيره؛ لأن اسم الفاعل إنما يطلق على الحال ما لم تقم قرينة على خلافه فما قال: {وعلى الوارث} إلاّ لأن الكلام على الحق تعليق بهذا الشخص في تركة الميت وإلاّ لقال: وعلى الأقارب أو الأولياء مثل ذلك على أنه يكون كلاماً تأكيداً حينئذٍ؛ لأن تحريم الإضرار المذكور قبله لم يذكر له متعلق خاص؛ فإن فاعل {تضار} محذوف. والنهي دال على منع كل إضرار يحصل للوالدة فما فائدة إعادة تحريم ذلك على الوارث كما قدمناه آنفاً. واتفق علماء الإسلام على أن ظاهر الآية غير مراد؛ إذ لا قائل بوجوب نفقة المرضع على وارث الأب، سواء كان إيجابها على الوارث في المال الموروث بأن تكون مبدأة على المواريث للإجماع على أنه لا يبدأ إلاّ بالتجهيز ثم الدين ثم الوصية، ولأن الرضيع له حظه في المال المرورث وهو إذا صار ذا مال لم تجب نفقته على غيره أم كان إيجابها على الوارث لو لم يسعها المال الموروث فيكمِّل من يده، ولذلك طرقوا في هذا باب التأويل إما تأويل معنى الوارث وإما تأويل مرجع الإشارة وإما كليهما. فقال الجمهور: المراد وارث الطفل أي من لو مات الطفل لورثه هو، روي عن عمر بن الخطاب وقتادة والسدي والحسن ومجاهد وعطاء وإسحاق وابن أبي ليلى وأبي حنيفة وأحمد بن حنبل فيتقرر بالآية، أن النفقة واجبة على قرابة الرضيع وهم بالضرورة قرابة أبيه أي إذا مات أبوه ولم يترك مالاً: تجب نفقة الرضيع على الأقارب. على حسب قربهم في الإرث ويجري ذلك على الخلاف في توريث ذي الرحم المَحْرَم فهؤلاء يرون حقاً على القرابة إنفاق العاجز في مالهم كما أنهم يرثونه إذا ترك مالاً فهو من المواساة الواجبة مثل الدية. وقال الضحاك وقبيصة بن ذؤيب وبشير بن نصر قاضي عمر بن عبد العزيز: المراد وارث الأب وأريد به نفس الرضيع. فالمعنى: أنه إذا مات أبوه وترك مالاً فنفقته من إرثه. ويتجه على هذا أن يقال: ما وجه العدول عن التعبير بالولد إلى التعبير بالوارث؟ فتجيب بأنه للإيماء إلى أن الأب إنما وجبت عليه نفقة الرضيع لعدم مال للرضيع، فلهذا لما اكتسب مالاً وجب عليه في ماله؛ لأن غالب أحوال الصغار ألا تكون لهم أموال مكتسبة سوى الميراث، وهذا تأويل بعيد؛ لأن الآية تكون قد تركت حكم من لا مال له. وقيل: أريد بالوارث المعنى المجازي وهو الذي يبقى بعد انعدام غيره كما في قوله تعالى: { أية : ونحن الوارثون } تفسير : [الحجر: 23] يعني به أم الرضيع قاله سفيان فتكون النفقة على الأم قال التفتازاني في «شرح الكشاف» «وهذا قَلق في هذا المقام إذ ليس لقولنا: فالنفقة على الأب وعلى من بقي من الأب والأم معنى يعتد به» يعني أن إرادة الباقي تشمل صورة ما إذا كان الباقي الأب ولا معنى لِعطفه على نفسه بهذا الاعتبار. وفي «المدونة» عن زيد بن أسلم وربيعة أن الوارث هو ولي الرضيع عليه مثل ما على الأب من عدم المضارة. هذا كله على أن الآية محكمة لا منسوخة وأن المشار إليه بقوله: {مثل ذلك} هو الرزق والكسوة. وقال جماعة: الإشارة بقوله: {مثل ذلك} راجعة إلى النهي عن المشارة. قال ابن عطية: وهو لمالك وجميع أصحابه والشعبي والزهري والضحاك اهــــ. وفي «المدونة» في ترجمة ما جاء فيمن تلزم النفقة من كتاب إرخاء الستور عن ابن القاسم قال مالك {وعلى الوارث مثل ذلك} أي ألا يضار. واختاره ابن العربي بأنه الأصل فقال القرطبي: يعني في الرجوع إلى أقرب مذكور، ورجحه ابن عطية بأن الأمة أجمعت على ألا يضار الوارث. واختلفوا: هل عليه رزق وكسوة اهــــ يعني مورد الآية بما هو مجمع على حكمه ويترك ما فيه الخلاف. وهنالك تأويل بأنها منسوخة، رواه أسد بن الفرات عن ابن القاسم عن مالك قال: «وقول الله عز وجل: {وعلى الوارث مثل ذلك} هو منسوخ فقال النحاس: «ما علمت أحداً من أصحاب مالك بين ما الناسخ، والذي يبينه أن يكون الناسخ لها عند مالك أنه لما أوجب الله للمتوفى عنها زوجها نفقةَ حول، والسكنى من مال المتوفى، ثم نسخ ذلك نسخ أيضاً عن الوارث» يريد أن الله لما نسخ وجوب ذلك في تركة الميت نسخ كل حق في التركة بعد الميراث، فيكون الناسخ هو الميراث، فإنه نسخ كل حق في المال على أولياء الميت. وعندي أن التأويل الذي في «مدونة سحنون» بعيد لما تقدم آنفاً، وأن ما نحاه مالك في رواية أسد بن الفرات عن ابن القاسم هو التأويل الصحيح، وأن النسخ على ظاهر المراد منه، والناسخ لهذا الحكم هو إجماع الأمة على أنه لاحق في مال الميت، بعد جهازه وقضاء دينه، وتنفيذ وصيته، إلاّ الميراث فنُسخ بذلك كل ما كان مأموراً به أن يدفع من مال الميت مثل الوصية في قوله تعالى: { أية : كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيراً الوصية للوالدين } تفسير : [البقرة: 180] الآية، ومثل الوصية بسكنى الزوجة وإنفاقها في قوله تعالى: { أية : والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً وصية لأزواجهم يتربصن بأنفسهن } تفسير : [البقرة: 240] ونسخ منه حكم هذه الآية وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « حديث : إن الله أعطى كل ذي حق حقه ألا لا وصية لوارث » تفسير : هذا إذا حمل الوارث في الآية على وارث الميت أي إن ذلك حق على جميع الورثة أيّاً كانوا بمعنى أنه مبدأ المواريث. وإذا حمل الوارث على من هو بحيث يرث الميت لو ترك الميت مالاً، أعني قريبه، بمعنى أن عليه إنفاق ابن قريبه، فذلك منسوخ بوضع بيت المال وذلك أن هذه الآية شرعت هذا الحكم في وقت ضعف المسلمين، لإقامة أود نظامهم بتربية أطفال فقرائهم، وكان أولى المسلمين بذلك أقربهم من الطفل فكما كان يرث قريبه، لو ترك مالاً ولم يترك ولداً فكذلك عليه أن يقام ببينة، كما كان حكم القبيلة في الجاهلية في ضم أيتامهم ودفع دياتهم، فلما اعتز الإسلام صار لجامعة المسلمين مال، كان حقاً على جماعة المسلمين القيام بتربية أبناء فقرائهم، وفي الحديث الصحيح « حديث : من ترك كـَّلاً، أو ضياعاً، فعليَّ، ومن ترك مالاً فلوارثه » تفسير : ولا فرق بين إطعام الفقير وبين إرضاعه، وما هو إلاّ نفقة، ولمثله وضع بيت المال. وقوله: {فإن أراد فصالاً} عطف على قوله {يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة} لأنه متفرع عنه، والضمير عائد على الوالدة والمولود له الواقعين في الجمل قبْل هذه. والفصال: الفطام عن الإرضاع، لأنه فصل عن ثدي مرضعه. وعن في قوله: {عن تراض} متعلقة بأرادا أي إرادة ناشئة عن التراضي، إذ قد تكون إرادتهما صورية أو يكون أحدهما في نفس الأمر مرغماً على الإرادة، بخوف أو اضطرار. وقوله: {وتشاور} هو مصدر شاور إذا طلب المشورة. والمشورة قيل مشتقة من الإشارة لأن كل واحد من المتشاورين يشير بما يراه نافعاً فلذلك يقول المستشير لمن يستشيره: بماذا تشير عليَّ كأنَّ أصله أنه يشير للأمر الذي فيه النفع، مشتق من الإشارة باليد، لأن الناصح المدبر كالذي يشير إلى الصواب ويعينه له من لم يهتد إليه، ثم عدي بعلى لما ضمن معنى التدبير، وقال الراغب: إنها مشتقة من شار العسل إذا استخرجه، وأياً ما كان اشتقاقها فمعناها إبداء الرأي في عمل يريد أن يعمله من يشاور وقد تقدم الكلام عليها عند قوله تعالى: { أية : وإذ قال ربك للملائكة إنى جاعل في الأرض خليفة } تفسير : [البقرة: 30] وسيجيء الكلام عليها عند قوله تعالى: { أية : وشاورهم في الأمر } تفسير : في سورة آل عمران (159)، وعطف التشاور على التراضي تعليماً للزوجين شؤون تدبير العائلة، فإن التشاور يظهر الصواب ويحصل به التراضي. وأفاد بقوله: {فلا جناح عليهما} أن ذلك مباح، وأن حق إرضاع الحولين مراعى فيه حق الأبوين وحق الرضيع، ولما كان ذلك يختلف باختلاف أمزجة الرضعاء جعل اختلاف الأبوين دليلاً على توقع حاجة الطفل إلى زيادة الرضاع، فأعمل قول طالب الزيادة منهما، كما تقدم، فإذا تشاور الأبوان وتراضيا بعد ذلك على الفصال كان تراضيهما دليلاً على أنهما رأيا من حال الرضيع ما يغنيه عن الزيادة، إذ لا يظن بهما التمالؤ على ضر الولد، ولا يظن إخفاء المصلحة عليهما بعد تشاورهما، إذ لا يخفى عليهما حال ولدهما. وقوله: {وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم فلا جناح عليكم} انتقال إلى حالة إرضاع الطفل غيرَ والدته إذا تعذر على الوالدة إرضاعه، لمرضها، أو تزوجها أو إن أبت ذلك حيث يجوز لها الإباء، كما تقدم في الآية السابقة، أي إن أردتم أن تطلبوا الإرضاع لأولادكم فلا إثم في ذلك. والمخاطب بأردتم: الأبوان باعتبار تعدد الأبوين في الأمة وليس المخاطب خصوص الرجال، لقوله تعالى فيما سبق {والوالدات يرضعن أولادهن} فعلم السامع أن هذا الحكم خاص بحالة تراضي الأبوين على ذلك لعذر الأم، وبحالة فقد الأم. وقد علم من قوله: {فلا جناح عليكم} أن حالة التراضي هي المقصودة أولاً، لأن نفي الجناح مؤذن بتوقعه، وإنما يتوقع ذلك إذا كانت الأم موجودة وأريد صرف الابن عنها إلى مرضع أخرى، لسبب مصطلح عليه، وهما لا يريدان ذلك إلاّ حيث يتحقق عدم الضر للابن، فلو علم ضر الولد لم يجز، وقد كانت العرب تسترضع لأولادها، لا سيما أهل الشرف. وفي الحديث « حديث : واسْتُرضِعْت في بني سعد » تفسير : . والاسترضاع أصله طلب إرضاع الطفل، أي طلب أن ترضع الطفل غير أمه، فالسين والتاء في (تسترضعوا) للطلب ومفعوله محذوف، وأصله أن تسترضعوا مراضع لأولادكم، لأن الفعل يعدَّى بالسين والتاء الدالين على الطلب إلى المفعول المطلوب منه الفعل فلا يتعدى إلاّ إلى مفعول واحد، وما بعده يعدى إليه بالحرف وقد يحذف الحرف لكثرة الاستعمال، كما حذف في استرضع واستنجح، فعدي الفعل إلى المجرور على الحذف والإيصال، وفي الحديث « حديث : واسترضعت في بني سعد » تفسير : ووقع في «الكشاف» ما يقتضي أن السين والتاء دخلتا على الفعل المهموز المتعدي إلى واحد فزادتاه تعدية لثان، وأصله أرضعت المرأة الولد، فإذا قلت: استرضعتُها صار متعدياً إلى مفعولين، وكأنَّ وجهه أننا ننظر إلى الحدث المراد طلبه، فإن كان حدثاً قاصراً، فدخلت عليه السين والتاء، عدي إلى مفعول واحد، نحو استنهضته فنهض، وإن كان متعدياً فدخلت عليه السين والتاء عدي إلى مفعولين، نحو استرضعتها فأرضعت، والتعويل على القرينة، إذ لا يطلب أصل الرضاع لا من الولد ولا من الأم، وكذا: استنجحت الله سعيي، إذ لا يطلب من الله إلاّ إنجاح السعي، ولا معنى لطلب نجاح الله، فبقطع النظر عن كون الفعل تعدى إلى مفعولين، أو إلى الثاني بحذف الحرف، نرى أنه لا معنى لتسلط الطلب على الفعل هنا أصلاً، على أنه لولا هذا الاعتبار، لتعذر طلب وقوع الفعل المتعدي بالسين والتاء، وهو قد يطلب حصوله فما أوردوه على «الكشاف»: من أن حروف الزيادة إنما تدخل على المجرد لا المزيد مدفوع بأن حروف الزيادة إذا تكررت، وكانت لمعان مختلفة جاز اعتبار بعضها داخلاً بعد بعض، وإن كان مدخولها كلِّها هو الفعل المجرد. وقد دل قوله: {وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم فلا جناح عليكم} على أنه ليس المراد بقوله {يرضعن} تشريع وجوب الإرضاع على الأمهات، بل المقصود تحديد مدة الإرضاع وواجبات المرضع على الأب، وأما إرضاع الأمهات فموكول إلى ما تعارفه الناس، فالمرأة التي في العصمة، إذا كان مثلها يُرضع، يعتبر إرضاعها أولادها من حقوق الزوج عليها في العصمة، إذ العرف كالشرط، والمرأة المطلقة لا حق لزوجها عليها، فلا ترضع له إلاّ باختيارها. ما لم يعرض في الحالين مانع أو موجب، مثل عجز المرأة في العصمة عن الإرضاع لمرض، ومثل امتناع الصبي من رضاع غيرها، إذا كانت مطلقة بحيث يخشى عليه، والمرأة التي لا يرضع مثلها وهي ذات القدر، قد علم الزوج حينما تزوجها أن مثلها لا يرضع، فلم يكن له عليها حق الإرضاع. هذا قول مالك، إذ العرف كالشرط، وقد كان ذلك عرفاً من قبل الإسلام وتقرر في الإسلام، وقد جرى في كلام المالكية في كتب الأصول: أن مالكاً خصص عموم الوالدات بغير ذوات القدر، وأن المخصص هو العرف، وكنا نتابعهم على ذلك ولكني الآن لا أرى ذلك متجهاً ولا أرى مالكاً عمد إلى التخصيص أصلاً، لأن الآية غير مسوقة لإيجاب الإرضاع، كما تقدم. وقوله: {إذا سلمتم ما آتيتم بالمعروف} أي إذا سلمتم إلى المراضع أجورهن. فالمراد بما آتيتم: الأجر، ومعنى آتى في الأصل دفع؛ لأنه معدى أتى بمعنى وصل، ولما كان أصل إذا أن يكون ظرفاً للمستقبل مضمناً معنى الشرط، لم يلتئم أن يكون مع فعل {آتيتم} الماضي. وتأول في «الكشاف» {آتيتم} بمعنى: أردتم إيتاءه، كقوله تعالى: { أية : إذا قمتم إلى الصلاة } تفسير : [المائدة: 6] تبعاً لقوله: {وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم}، والمعنى: إذا سلمتم أجور المراضع بالمعروف، دون إجحاف ولا مطل. وقرأ ابن كثير {أتيتم} بترك همزة التعدية. فالمعنى عليه: إذا سلمتم ما جئتم، أي ما قصدتم، فالإتيان حينئذٍ مجاز عن القصد، كقوله تعالى: { أية : إذ جاء ربه بقلب سليم } تفسير : [الصافات: 84] وقال زهير: شعر : وما كان من خير أَتوه فإنما توارثَه آباءُ آبائِهم قَبْلُ تفسير : وقوله: {واتقوا الله} تذييل للتخويف، والحث على مراقبة ما شرع الله، من غير محاولة ولا مكابدة، وقوله: {واعلموا أن الله} تذكير لهم بذلك، وإلاّ فقد علموه. وقد تقدم نظيره آنفاً.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {وَإِنْ أَرَدتُّمْ أَن تَسْتَرْضِعُوۤاْ أَوْلاَدَكُمْ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ} الآية. ذكر في هذه الآية الكريمة أن الرجل إذا أراد أن يطلب لولده مرضعة غير أمه لا جناح عليه في ذلك، إذا سلم الأجرة المعينة في العقد، ولم يبين هنا الوجه الموجب لذلك ولكنه بينه في سورة الطلاق بقوله تعالى: {أية : وَإِن تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَىٰ} تفسير : [الطلاق: 6] والمراد بتعاسرهم: امتناع الرجل من دفع ما تطلبه المرأة، وامتناع المرأة من قبول الإرضاع بما يبذله الرجل ويرضى به.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: حولين: عامين. وعلى المولود له: أي على الأب. بالمعروف: بحسب حاله يساراً وإعساراً. وسعها: طاقتها وما تقدر عليه. لا تضار والدة بولدها: أي لا يحل أن تؤذى أم الولد بمنعها من إرضاع ولدها، أو بمنعها الأجرة على إرضاعه هذا في حال طلاقها، أو موت زوجها. ولا مولود له: أي ولا يضار الوالد كذلك بأن يجبر على إرضاع الولد من أمه المطلقة أو يطالب بأجرة لا يطيقها. وعلى الوارث: الوارث هو الرضيع نفسه إن كان له مال وإلا فعلى من يكفله من عصبته. فصالا: فطاماً للولد قبل نهاية العامين. معنى الآية الكريمة: بمناسبة بيان أحكام الطلاق وقد تطلق المرأة أحياناً وهي حامل ذكر تعالى أحكام الرضاع وقال تعالى: {وَٱلْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ ٱلرَّضَاعَةَ} أي على الأم المطلقة أن ترضع ولدها حولين كاملين إن أرادت هي وأب الرضيع إتمام الرضاعة، وأن على المولود له وهو الأب ان كان موجوداً نفقة المرضعة طعاماً وشرابا وكسوة بالمعروف بحسب حال الوالد من الغنى والفقر، إذ لا يكلف الله نفساً إلا ما آتاها من قدرة. ثم نبّه تعالى على أنه لا يجوز أن تؤذى الوالدة بسبب ولدها بأن تمنع من إرضاع ولدها أو تكره على إرضاعه وهي لا تريد ذلك، أو تحرم النفقة مقابل الإِرضاع أو يضيق عليها فيها كما لا يجوز أن يضار أي يؤذى المولود له وهو الأب: بأن يجبر على إرضاع ولده من أمه وقد طلقها ولا أن يطالب بنفقة باهظة لا يقدر عليها. وعلى الوارث وهو الرضيع نفسه إن كان له مال. فإن لم يكن له مال فعلى عصبته الذكور الأقرب فالأقرب أي عليهم أجرة الإرضاع فإن لم يكن للولد مال وليس له عصبة وجب على الأم أن ترضعه مجاناً لأنها أقرب الناس إليه ثم ذكر تعالى رخصتين في الإرضاع الأولى إن أراد الأبوان فطام الولد قبل عامين فإن لهما ذلك بعد التشاور في ذلك وتقدير مصلحة الولد من هذا الفطام المبكر. فقال تعالى: {فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَن تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا} أي لا تضييق ولا حرج. والثانية إن أراد المولود له أن يسترضع لولده من مرضعا غير أمه فله ذلك إن طابت به نفس الأم قال تعالى: {وَإِنْ أَرَدتُّمْ أَن تَسْتَرْضِعُوۤاْ أَوْلاَدَكُمْ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ} بشرط أن يسلم الأجرة المتفق عليها بالمعروف بلا إجحاف ولا مماطلة، وأخيراً وعظ الله كلاً من المُرْضِع والمُرْضَع له بتقواه في هذه الحدود التي وضعها لهما، وأعلمهم أنه بما يعملون بصير فليحذروا مخالفة أمره، وارتكاب نهيه. فسبحانه من إلهٍ عظيمٍ برٍ رحيم. هداية الآية من هداية الآية: 1- وجوب إرضاع الأم ولدها الرضعة الأولى "اللَّبا" إن كانت مطلقة وسائر الرضاع إن كانت غير مطلقة. 2- بيان الحد الأعلى للرضاع وهو عامان تامان. ولذا فالزيادة عليهما غير معتبرة شرعاً. 3- جواز أخذ الأجرة على الإِرضاع. 4- وجوب نفقة الأقارب على بعضهم في حال الفقر. 5- جواز إرضاع الوالد ولده من مرضع غير والدته.
القطان
تفسير : الحول: العام. الوسع: ما تتسع له القدرة. الفصال: الفطام. على جميع الوالدات، مطلقات او غير مطلقات، أن يرضعن أولادهن مدة سنتين كاملتين، ويجوز انقاص هذه المدة برضى الوالدين اذا رأيا ذلك من مصلحة المولود. والآية تفيد وجوب الإرضاع على الأم ولا يكون الاسترضاع الا حيث لا يمكنها ذلك. وقد اتفق الفقهاء على وجوب الإرضاع عليها ديانةً، لأن لبن الأم هو الغذاء الأمثل للمولود. والرضاعة تفيد الام ولا تضرها الا في أحوال شاذة يقررها الطبيب الامين الموثوق. والفطام الطبيّ يكون تدريجيا، ويجوز أن يفطم الصغير لأقل من عامين كما قدمنا اذا كانت صحته تعاونه. {وَعلَى ٱلْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ} بما ان الوالدات حملن للوالد وأرضعن له، فعليه ان ينفق عليهن ما فيه الكفاية من طعام وشراب وكسوة، وذلك ليقمن بحق الولد ويحفظنه ويرعينه. ويكون ذلك الانفاق حسب البيئة التي تعيش فيها المرأة ولا تلحقها منه غضاضة في نوعه، ولا في طرق أدائه. وهو على قدر طاقة الوالد بلا إسراف ولا تقتير. {لاَ تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا} ولا ينبغي ان يكون ذلك الانفاق سبباً في إلحاق المولود ضرراً بأمه بأن يهضم حقها في نفقتها، ولا سبباً في الحاق الضرر بأبيه بأن يكلَّف فوق طاقاته. واذا مات الأب او كان فقيراً عاجزا عن الكسب كانت النفقة على وارث الولد لو كان له مال. فان رغب الوالدان بالتراضي في فطام الطفل قبل تمام العامين فلهما ذلك، لأنهما صاحبا الحق المشترك في الولد. وان شئتم أيها الآباء ان تتخذوا مراضع للأطفال غير امهاتهم فلا مانع من ذلك اذا أديتم لهن الأجور المتعارف عليها لأمثالهن، والا فإن المرضع لن تهتم بالطفل ولا بارضاعه، ولا بنظافته. واتقوا الله فلا تفرّطوا في شيء من هذه الأحكام وراقبوه في اعمالكم، واعلموا انه مطلع عليها مجازيكم بها. القراءات: قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، ويعقوب "لا تضار" بالرفع.
د. أسعد حومد
تفسير : {وَٱلْوَالِدَاتُ} {أَوْلاَدَهُنَّ} {وَالِدَةٌ} {أَوْلاَدَكُمْ} {آتَيْتُم} (233) - يُرشدُ اللهُ تَعَالَى الوَالِدَاتِ إلى أنَّ كَمَالَ مُدَّةِ الرَّضَاعَةِ لِلطفْلِ هِيَ سَنَتَانِ. وَعَلَى وَالِدِ الطِّفْلِ نَفَقَةُ الوَالِدَاتِ المُطَلَّقَاتِ، وَكِسْوَتُهُنَّ بِمَا جَرَتْ بِهِ عَادَةُ أمْثَالِهِنَّ، مِنْ غَيْرِ إِسْرافٍ وَلا إقْتَارٍ، بِحَسَبِ قُدْرَةَ الزَّوْجِ وَيَسَارِهِ. وَيُنَبِّهُ اللهُ الوَالِدَاتِ والآباءَ إلى ضَرُورَةِ عَدَمِ التَّصَرُّفِ تَحْتَ شُعُورِ الرَّغْبة فِي الإِضْرارِ، فَلَيْسَ لِلزَّوْجَةِ أنْ تَتْرُكَ رَضَاعَة ابْنِها إلى مُدَّتِهَا (سَنَتَينِ) لِلإِضْرَارِ بِالزَّوْجِ. وَلَيْسَ لِلْزَّوْجِ أنْ يَنْتَزِعَ الوَلَدَ مِنْ أمِّهْ قَبْلَ أنْ تَتِمَّ مُدَّةُ رَضَاعَتِهِ لِلإِضْرَارِ بِهَا وَإيذَائِها. وَعَلَى وَارِثِ الطِّفْلِ - إنْ كَانَ وَالِدُهُ قَدْ مَاتَ، أَوْ كَانَ فَقِيراً، أوْ عَاجِزاً عَنِ الكَسْبِ - أنْ يَقُومَ بِالإِنْفَاقِ عَلَى الطِّفْلِ وَأمِّهِ، وَعَليهِ عَدَمُ الإِضْرَارِ بِهَا. أمَّا إذا أرَادَ أبَوا الطِّفْلِ فِطَامَهُ، قَبْلَ مُضِيِّ الحَوْلَيْنِ، وَرَأيَا فِي ذَلِكَ مَصْلَحَةً لَهُ، وَتَشَاوَرا فِي ذَلِكَ، وَاتَّفَقَا عَلَيهِ، فَلاَ جُنَاحَ عَلَيهِما، وَلاَ حَرَجَ وَلاَ بَأْسَ فِي ذَلِكَ. وَإذا اتَّفَقَ الوَالِدَانِ عَلَى أنْ يَسْتَلِمَ الوَالِدُ الوَلَدَ مِنْهَا، إمَّا لِعُذْرٍ مِنْهَا، أوْ لِعُذْرٍ مِنْهُ جُنَاحَ عَلَيْهِ فِي عَرْضِهِ عَلَيْها، وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهَا فِي قَبُولِهَا مِنْهُ، إذا دَفَعَ إليها أجْرَتَها عَنِ المُدَّةِ المَاضِيَةِ بِالمَعْرُوفِ، وَقَامَ بِدَفْعِ الوَلدِ إلى مُرْضِعَةٍ أُخْرَى. وَيَحُثُّ اللهُ المُؤْمِنينَ عَلَى التَّقْوى فِي جَميعِ الأحْوالِ، وَعَلَى تَرْكِ التَّصَرُّفِ بِرغبَةِ المضَارَّةِ وَالإِيذَاءِ، وَأنْ يَعْلَمُوا أنَّ اللهَ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَهُ، وَلاَ يَخْفَى عَليهِ مِنْهُ شَيءٌ، وَأنَّهُ سَيُحَاسِبُهُمْ عَلَيهِ. وَعَلَى الوَارِثِ - وَارِثِ الوَلَدِ عِنْدَ عَدَمِ وُجُودِ الأبِ. أرَادا فِصَالاً - فِطَاماً لِلْوَلَدِ قَبْلَ الحَوْلَينِ. سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ - إذا دَفَعْتُمْ مَا التَزَمْتُمْ بِهِ.
الثعلبي
تفسير : {وَٱلْوَالِدَاتُ} المطلقات اللاتي لهنّ أولاد من أزواجهنّ المطلقين ولدنهم قبل الطلاق أو بعده {يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ} يعني أنهنّ أحق برضاعهنّ من غيرهنّ، أمر استحباب لا أمر إيجاب من أنه رضاعهن عليهنّ لأنه سبحانه وتعالى قال في سورة الطلاق {أية : فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} تفسير : [الطلاق: 6] إلى {أية : لَهُ أُخْرَىٰ} تفسير : [الطلاق: 6]. ثم بيّن حدّ الرضاع فقال: {حَوْلَيْنِ} أي سنتين، وأصله من قولهم: حالَ الشيء إذا انتقل وتغيّر {كَامِلَيْنِ} على التأكيد كقوله تلك عشرة كاملة، وقال أهل المعاني: إنما قال {كَامِلَيْنِ} لأنّ العرب تقول: أقام فلان مقام كذا حولين أوشهرين وإنما أقام حولا وبعض آخر، ويقولون: اليوم يومان مذ لم أره، وإنما يعنون يوماً وبعض آخر، ومنه قوله {فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ} ومعلوم أنه يتعجل أو يتأخر في يوم ونصف، ومثلها كثير، فبيّن الله أنهما حولان كاملان أربعة وعشرين شهراً من يوم ولد إلى أن يُفطم. واختلف العلماء في هذا الحدّ أهو حدّ لكل مولود أو حدّ لبعض دون بعض؟ فروى عكرمة عن ابن عباس: إذا وضعت لستة أشهر فإنها ترضعه حولين كاملين، أربعة وعشرين شهراً، وإذا وضعته لسبعة أشهر أرضعته ثلاثة وعشرين شهراً، وإذا وضعته لتسعة أشهر أرضعته إحدى وعشرين شهراً، كل ذلك تمام ثلاثين شهراً، قال الله تعالى: {أية : وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاَثُونَ شَهْراً} تفسير : [الأحقاف: 15]. وقال قوم: هو حدّ لكل مولود في وقت وأن لا ينقص من حولين ولا يزيد إلاّ أن يشاء الزيادة؛ فإن أراد الأب يفطمه قبل الحولين ولم ترضَ الأُم فليس له ذلك، وإذا قالت الأُم: أنا أفطمه قبل الحولين، وقال الأب: لا، فليس لها أن تفطمه حتى يتفقا جميعاً على الرضا، فإن اجتمعا قبل الحولين فطماه وإن اختلفا لم يفطماه قبل الحولين، وذلك قوله {عَن تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ} ويشاور هذا قول ابن جريج والثوري ورواية الوالبي عن ابن عباس. وقال آخرون: المراد بهذه الآية الدلالة على الرضاع ما كان في الحولين، فإنّ ما بعد الحولين من الرضاع يحرم، وهو قول علي وعبد الله وابن عباس وابن عمر وعلقمة والشعبي والزهري، وفي الحديث: "حديث : لا رضاع بعد الحولين"تفسير : ، وإنما يحرم من الرضاع ما أنبت اللحم وأنشر العظم. وقال قتادة والربيع: فرض الله عزّوجل على الوالدات أن يرضعن أولادهنّ حولين كاملين ثم أنزل الرخصة والتخفيف بعد ذلك فقال: {لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ ٱلرَّضَاعَةَ} أي هذا منتهى الرضاع، وليس فيما دون ذلك وقت محدود، وإنما هو على مقدار صلاح الصبي وما يعيش به، وقرأ أبو رجاء {لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ ٱلرَّضَاعَةَ} بكسر الراء، قال الخليل والفرّاء: هما لغتان، مثل الوِكالة والوَكالة والدِّلالة. وقرأ مجاهد وابن محجن (لمن أراد أن يتم الرضعة) وهي فعلة كالمرّة الواحدة، وقرأ عكرمة وحميد وعون العقيلي (لمن أراد أن تتم الرضاعة) بتاء مفتوحة ورفع الرضاعة على أن الفعل لها، وقرأ ابن عباس (يكمل الرضاعة). {وَعلَى ٱلْمَوْلُودِ لَهُ} يعني الأب {رِزْقُهُنَّ} طعامهنّ وقوتهنّ {وَكِسْوَتُهُنَّ} لباسهنّ، وقرأ طلحة عن مصرف {وَكُسْوَتُهُنَّ} بضم الكاف، وهما لغتان مثل أُسوه وإسوة ورشوه ورشوة {بِٱلْمَعْرُوفِ} علم الله تفاوت أحوال خلقه في الغنى والفقر، فقال {بِٱلْمَعْرُوفِ} أي على قدر الميسرة جعل الرضاعة على الأم والنفقة على الأب {لاَ تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا} والتكليف الإلزام، قال الشاعر: شعر : تكلّفني معيشة آل فهر ومن لي بالصلائق والصناب تفسير : والوسْع ما يسع الإنسان فيطيقه ولا يضيق عليه، وهو اسم كالجهد والوجد، وقيل: الوسع يعني الطاقة، ورُفع (النفس) باسم الفعل المجهول لأنّه وضع موضع الفاعل، وانتصب (الوسع) بخبر الفعل المجهول، لأنّه أُقيم مقام المفعول، نظيرها في سورة الطلاق. {لاَ تُضَآرَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا} قرأ ابن محجن وابن كثير وشبل وأبو عمرو وسلام ويعقوب وقتيبة برفع الراء مشددة وأجازه أبو حاتم على الخبر مسبوقاً على قوله {أية : لاَ يُكَلِّفُ ٱللَّهُ} تفسير : [الطلاق: 7] وأصله فلا يضارر فأُدغمت الراء في الراء، وقرأ نافع وابن عامر وعاصم وحمزة والكناني وخلف {لاَ تُضَآرَّ} مشددة منصوبة الراء، واختاره أبو عبيد على النهي وأصله لا تضارر فأدغمت وحرّكت إلى أخفّ الحركات وهو النصب، ويدلّ عليه قراءة عمر: لا تضارر على إظهار التضعيف، وقرأ الحسن: لا تضارّ براء مدغمة مكسورة لأنها لمّا أُدغمت سُكّنت، وبجزمه تحرّك إلى الكسر، وروى أبان عن عاصم: لا تُضارر مظهرة مكسورة على أنّ الفعل لها، وقرأ أبو جعفر لا تضار بجزم الراء وتخفيفه على الحذف طلباً للخفّة. ومعنى الآية {لاَ تُضَآرَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا} فينزع الولد منها إلى غيرها بعد أن رضيت بإرضاعه وألفها الصبي {وَلاَ مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ} ولا تلقيه هي إلى أبيه بعد ما عرفها تضارّه بذلك. وقيل: معناه {لاَ تُضَآرَّ وَالِدَةٌ} فيكرهها على الرضاعة إذا قبل من غيرها، وكرهت هي إرضاعه؛ لأنّ ذلك ليس بواجب عليها {وَلاَ مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ} فيحمل على أن يعطي الأم إذا لم يرضع الولد إلاّ منها أكثر ممّا يحب لها عليه، فهذان القولان على مذهب الفعل المجهول على معنى أنه يفعل ذلك بها وبوالده والمولود له مفعولان، وأصل الكلمة يضارّ بفتح الراء الأُولى، ويحتمل أن يكون الفعل لهما، وأن يكون تضارّ على مذهب ما قد سُمّي فاعله، والمعنى: لا يضارّ والده فتأبى أن ترضع ولدها لتشقّ على أبيه ولا مولود له، ولا يضارّ الأب أم الصبي فيمنعها من إرضاعه وينزعه منها، وعلى هذا المذهب أصله لا يضارر بكسر الراء الأُولى، وعلى هذه الأقوال يرجع الضرار إلى الوالدين بضرّ كل واحد منهما صاحبه بسبب الولد. ويجوز أن يكون الضرار راجعاً إلى الصبي أي لا يضارّ كل واحد منهما الصبي، فلا ترضعه الأم حتى يموت، أولا ينفق عليها الأب أو ينزعه من أُمه حتى يضرّ بالصبي وبكون الياء زائدة معناه: لا تضارّ الأم ولدها ولا أب ولده، وكل هذه الأقاويل مروية عن المفسّرين. {وَعَلَى ٱلْوَارِثِ مِثْلُ ذٰلِكَ} اختلف أهل الفتاوى فيه أي وارث هو؟ ووارث من هو؟ فقال قوم: هو وارث الصبي، معناه: وعلى وارث الصبي الذي لو مات الصبي وله خال ورثه، مثل الذي كان على أبيه في حياته. ثم اختلفوا أي وارث هو من ورثته؟ فقال بعضهم: هو عصبته كائناً من كان من الرجال دون النساء، مثل الجد والأخ وابن الأخ والعم وابن العم ونحوهم، وهو قول عمر (رضي الله عنه) والزهري والحسن ومجاهد وعطاء ومذهب سفيان، قال: إذا لم يبلغ نصيب الصبي ما ينفق عليه أجرت العصبة الذين يرثونه أن يسترضعوه. قال ابن سيرين: أتى عبد الله بن عتبة في رضاع صبي يتيم ومنعه وليه؛ فجعل رضاعه في ماله، وقال لوارثه: لو لم يكن له مال لجعلنا رضاعه في مالك، ألاترى أنّ الله عزّ وجلّ يقول {وَعَلَى ٱلْوَارِثِ مِثْلُ ذٰلِكَ} ؟ قال الضحاك: إنْ مات أبُ الصبي وللصبي المال أخذ رضاعه من المال، وإنْ لم يكن له مال أخذ من العصبة، وإن لم يكن للعصبة مال أجرت عليه أُمّه. وقال بعضهم: هو ويرث الصبي كائناً من كان من الرجال والنساء، وهو قول قتادة والحسن بن صالح وابن أبي ليلى ومذهب أحمد وإسحاق وأبي ثور قالوا: يجبر على نفقته كل وارث على قدر ميراثه، عصبةً كانوا أو غيرهم. وقال بعضهم: هو من كان ذا رحم محرم من ورثة المولود؛ فمن لم يكن بمحرم مثل ابن العم والمولى وما أشبههما فليسوا ممن عناهم الله بقوله {وَعَلَى ٱلْوَارِثِ مِثْلُ ذٰلِكَ} وإن كانوا من جملة العصبة لا يجبرون على النفقة، وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد، قال: لا يجبر على نفقة الصبي إلاّ ذو رحمه المحرم، وقال آخرون {وَعَلَى ٱلْوَارِثِ مِثْلُ ذٰلِكَ} يعني الصبي نفسه الذي هو وارث أبيه المتوفى فإنّ عليه أجر رضاعه في ماله إن كان له مال، فإن لم يكن له مال أجبر أمّه على رضاعه، ولا يجبر على نفقة الصبي إلاّ الوالدان، وهو قول مالك والشافعي. وقيل: هو الباقي من والديّ المولود بعد وفاة الآخر منهما عليه مثل ذلك، يعني: مثل ما كان على الأب من أجر الرضاع والنفقة والكسوة، قاله أكثر العلماء، وقال الشعبي والزهري: {وَعَلَى ٱلْوَارِثِ مِثْلُ ذٰلِكَ} يعني أن لا يضارّ. {فَإِنْ أَرَادَا} يعني الوالدان {فِصَالاً} فطاماً قبل الحولين وأصل الفصل القطع {عَن تَرَاضٍ مِّنْهُمَا} جميعاً به واتفاقاً عليه {وَتَشَاوُرٍ} وهو استخراج الرأي، وأصله من شرت الدابة وشوّرتها إذا استخرجت ما عندها من (الغدد) ويقال لعلم ذلك: المشوار. {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدتُّمْ} أيها الآباء {أَن تَسْتَرْضِعُوۤاْ أَوْلاَدَكُمْ} مراضع غير أمهاتهم إذا أَبين مراضاتهم أن يرضعنه، أو لعلّة بهنّ أو انقطاع لبنهنّ، أو أردن النكاح، أو خفتم الضيعة على أولادكم {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُم} إلى أُمهاتهم أجرهن بقدر ما أرضعن، وقيل: سلّمتم أجور المراضع إليهن. وقيل: إذا سلّمتم الاسترضاع عن تراض واتفاق دون الضرار وذلك قوله تعالى {مَّآ آتَيْتُم بِٱلْمَعْرُوفِ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ * وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ} أي يُقبضون ويموتون، وأصل التوفي أخذ الشيء وافياً، وقرأ علي بن أبي طالب كرّم الله وجهه بفتح الياء أي يتوفون أعمارهم وأرزاقهم وتوفى واستوفى بمعنى واحد {وَيَذَرُونَ} ويتركون {أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ} فإن قيل: فأين الخبر عن قوله {وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ} قيل: هو متروك فإنه لم يقصد الخبر عنهم، وذلك جائز في الاسم يذكر ويكون تمام خبره في اسم آخر، أن يقول الأول ويخبر عن الثاني فيكون معناه {وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً} كقول الشاعر: شعر : بني أسد أنّ ابن قيس وقتله بغير دم دار المذلّة حلّت تفسير : فألغى ابن قيس وقد ابتدأ بذكره، وأخبر عن قتله أنه ذلّ، وأنشد: شعر : لعلّي أن مالت بي الريح ميلة على ابن أبي ذبان أن يتندما تفسير : فقال: لعلّي ثم قال: يتندما لأن المعنى فيه عدا قول الفرّاء. وقال الزجّاج: معناه: {وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً} أزواجهم يتربصن بأنفسهنّ. وقال الأخفش: خبره في قوله {يَتَرَبَّصْنَ} أي يتربصن بعدهم. وقال قطرب: معناه ينبغي لهنّ أن يتربصن أي ينتظرن ويحتبسن بأنفسهن، معتدّات على أزواجهن، تاركات الطيب والزينة والأزواج والنقلة عن المسكن الذي كنّ يسكنّه في حياة أزواجهنّ أربعة أشهر وعشراً إلاّ أن يكنّ حوامل فيتربصن إلى أن يضعن حملهن، فإذا ولدنَ انقضت عدّتهنّ. روى الزهري عن عروة عن عائشة أنها كانت تفتي للمتوفى عنها زوجها حتى تنقضي عدّتها أن لا تلبس مصبوغاً، وتلبس البياض ولا تلبس السواد، ولا تتزيّن ولا تلبس حليّاً ولا تكتحل بالأثمد ولا بكحل فيه طيب وإنْ وجعت عينها، ولكنها تتحلّى بالصبر وما بدا لها من الأكحال سوى الأثمد مما ليس فيه طيب. وروى نافع عن زينب بنت أم سلمة أنّ امرأة من قريش جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت:" حديث : إن ابنتي توفي زوجها وقد اشتكت عينها حتى خفت على عينها وهي تريد الكحل، فقال عليه الصلاة والسلام: قد كانت احداكنّ تلبس أطمار ثيابها وتجلس في أخسّ بيوتها وتمكث حولا في بيتها، فإذا كان الحول خرجت فمن كملت رمته ببعرة أفلا أربعة أشهر وعشراً ". تفسير : وروى نافع عن صفية بنت عبد الرحمن عن حفصة بنت عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : لا يحلّ لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث إلاّ على زوج، فإنها تحدّ عليه أربعة أشهر وعشراً ". تفسير : وقال سعيد بن المسيّب: الحكمة في هذه المدّة أن فيها ينفخ الروح في الولد، وإنّما قال وعشراً بلفظ المؤنث لأنه أراد الليالي لأن العرب إذا أتممت العدد من الليالي والأيام غلّبت عليه الليالي فيقولون: صمنا عشراً، والصوم لا يكون إلاّ بالنهار، قال الشاعر: شعر : وطافت ثلاثاً بين يوم وليلة وكان النكير أن يضيف ويجار تفسير : أي يخاف فاضح، ويدلّ عليه قراءة ابن عباس: أربعة أشهر وعشر ليال، وقال المبرّد: إنّما أنّث العشر لأنّه أراد به المدد. {فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ} يعني انقضاء العدّة { فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ} يخاطب الأولياء {فِيمَا فَعَلْنَ فِيۤ أَنْفُسِهِنَّ} من البر في أن يتولّوه لهنّ {بِٱلْمَعْرُوفِ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ}.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : انظر إلى عظمة الإسلام ها هو ذا الحق سبحانه يتكلم عن إرضاع الوالدات لأولادهن بعد عملية الطلاق، فالطلاق يورث الشقاق بين الرجل والمرأة، والحق سبحانه وتعالى ينظر للمسألة نظرة الرحيم العليم بعباده، فيريد أن يحمي الثمرة التي نتجت من الزواج قبل أن يحدث الشقاق بين الأبوين، فيبلغنا: لا تجعلوا شقاقكم وخلافكم وطلاقكم مصدر تعاسة للطفل البريء الرضيع. وهذا كلام عن المطلقات اللاتي تركن بيوت أزواجهن، لأن الله يقول بعد ذلك: {وَعلَى ٱلْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ} [البقرة: 233] وما دامت الآية تحدثت عن "رزقهن وكسوتهن" فذلك يعني أن المرأة ووليدها بعيدة عن الرجل، لأنها لو كانت معه لكان رزق الوليد وكسوته أمراً مفروغاً منه. والحق سبحانه يفرض هنا حقاً للرضيع، وأمه لم تكن تستحقه لولا الرضاع. وبعض الناس فهموا خطأ أن الرزق والكسوة للزوجات عموماً ونقول لهم: لا. إن الرزق والكسوة هنا للمطلقات اللاتي يرضعن فقط. ويريد الحق سبحانه أن يجعل هذا الحق أمراً مفروغاً منه، فشرع حق الطفل في أن يتكفله والده بالرزق والكسوة حتى يكون الأمر معلوماً لديه حال الطلاق. وقوله تعالى: {وَٱلْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ} [البقرة: 233] نلحظ فيه أنه لم يأت بصيغة الأمر فلم يقل: يا والدات أرضعن، لأن الأمر عرضة لأن يطاع وأن يعصي، لكن الله أظهر المسألة في أسلوب خبري على أنها أمر واقع طبيعي ولا يخالف. ويقول الحق: {وَعلَى ٱلْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ} [البقرة: 233] ولنتأمل عظمة الأداء القرآني في قوله: {وَعلَى ٱلْمَوْلُودِ لَهُ} [البقرة: 233] إنه لم يقل: "وعلى الوالد"، وجاء بـ "المولود له" ليكلفه بالتبعات في الرزق والكسوة، لأن مسئولية الإنفاق على المولود هي مسئولية الوالد وليست مسئولية الأم، وهي قد حملت وولدت وأرضعت والولد يُنسب للأب في النهاية يقول الشاعر: شعر : فـإنـمـا أمـهـات الـنـاس أوعـيـة مسـتـودعـات وللآبـاء أبـنـاء تفسير : وما دام المولود منسوباً للرجل الأب، فعلى الأب رزقه وكسوته هو وعليه أيضاً رزق وكسوة أمه التي ترضعه بالمعروف المتعارف عليه بما لا يسبب إجحافاً وظلماً للأب في كثرة الإنفاق، ويقول الحق: {لاَ تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا} [البقرة: 233] هنا الحديث عن الأم والأب. فلا يصح أن ترهق المطلقة والد الرضيع بما هو فوق طاقته، وعليها أن تكتفي بالمعقول من النفقة. ويتابع الحق: {لاَ تُضَآرَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلاَ مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ} [البقرة: 233] ولا زال الحق يُذكرُ الأب بأن المولود له هو، وعليه ألا يضر والدة الطفل بمنع الإنفاق على ابنه، وألا يتركها تتكفف الناس من أجل رزقه وكسوته، وفي الوقت نفسه يُذَكرُ الأم: لا تجعلي رضيعك مصدر إضرار لأبيه بكثرة الإلحاح في طلب الرزق والكسوة. إنه عز وجل يضع لنا الإطار الدقيق الذي يكفل للطفل حقوقه، فهناك فرق بين رضيع ينعم بدفء الحياة بين أبوين متعاشرين، ووجوده بين أبوين غير متعاشرين. والحق سبحانه وتعالى يعطينا لفتة أخرى هي أن والد المولود قد يموت فإذا ما مات الوالد فمن الذي ينفق على الوليد الذي في رعاية أمه المطلقة؟ هنا يأتينا قول الحق بالجواب السريع: {وَعَلَى ٱلْوَارِثِ مِثْلُ ذٰلِكَ} [البقرة: 233]. إن الحق يقرر مسئولية الإنفاق على من يرث والد الرضيع، صحيح أن الرضيع سيرث في والده، لكن رعاية الوليد اليتيم هي مسئولية من يرث الوصاية وتكون له الولاية على أموال الأب إن مات. وهكذا يضمن الله عز وجل حق الرضيع عند المولود له وهو أبوه إذا كان حياً، وعند من يرث الأب إذا تُوفي. وبذلك يكون الله عز وجل قد شَرَّع لصيانة أسلوب حياة الطفل في حال وجود أبويه، وشرع له في حال طلاق أبويه وأبوه حيٌّ، وشرع له في حال طلاق أبويه ووفاة أبيه. ويتابع الحق: {فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَن تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا} [البقرة: 233]. انظر إلى الرحمة في الإسلام؛ فطلاق الرجل لزوجته لا يعني أن ما كان بينهما قد انتهى، ويضيع الأولاد ويشقون بسبب الطلاق، فقوله تعالى: {عَن تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ} [البقرة: 233] دليل على أن هناك قضية مشتركة ما زالت بين الطرفين وهي ما يتصل برعاية الأولاد، وهذه القضية المشتركة لابد أن يُلاحظ فيها حق الأولاد في عاطفة الأمومة، وحقهم في عاطفة الأبوة، حتى ينشأ الولد وهو غير محروم من حنان الأم أو الأب، وإن اختلفا حتى الطلاق. إن عليهما أن يلتقيا بالتشاور والتراضي في مسألة تربية الأولاد حتى يشعروا بحنان الأبوين، ويكبر الأولاد دون آلام نفسية، ويفهمون أن أمهم تقدر ظروفهم وكذلك والدهم وبرغم وجود الشقاق والخلاف بينهما فقد اتفقا على مصلحة الأولاد بتراضٍ وتشاور. إن ما يحدث في كثير من حالات الطلاق من تجاهل للأولاد بعد الطلاق هي مسألة خطيرة؛ لأنها تترك رواسب وآثاراً سلبية عميقة في نفوس الأولاد، ويترتب عليها شقاؤهم وربما تشريدهم في الحياة. وما ذنب أولاد كان الكبار هم السبب المباشر في مجيئهم للحياة؟ أليس من الأفضل أن يوفر الآباء لهم الظروف النفسية والحياتية التي تكفل لهم النشأة الكريمة؟ إن منهج الله أمامنا فلماذا لا نطبقه لنسعد به وتسعد به الأجيال القادمة؟ والحق سبحانه وتعالى قال في أول الآية: {وَٱلْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ} [البقرة: 233] لكن ماذا يكون الحال إن نشأت ظروف تقلل من فترة الرضاعة عن العامين، أو نشأت ظروف خاصة جعلت فترة الرضاعة أطول من العامين؟ هنا يقول الحق: {فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَن تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا} [البقرة: 233]. إنه جل وعلا يبين لنا أن الفصال أي الفطام يجب أن يكون عن تراض وتشاور بين الوالدين ولا جناح عليهما في ذلك. ويقول الحق: {وَإِنْ أَرَدتُّمْ أَن تَسْتَرْضِعُوۤاْ أَوْلاَدَكُمْ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُم مَّآ آتَيْتُم بِٱلْمَعْرُوفِ} [البقرة: 233]، و{أَن تَسْتَرْضِعُوۤاْ أَوْلاَدَكُمْ} [البقرة: 233] أي أن تأتوا للطفل بمرضعة، فإن أردتم ذلك فلا لوم عليكم في ذلك. إن المطلق حين يوكل إلى الأم أن ترضع وليدها فالطفل يأخذ من حنان الأم الموجود لديها بالفطرة، لكن هب أن الأم ليست لديها القدرة على الإرضاع أو أن ظروفها لا تسعفها على أن ترضع لضعف في صحتها أو قوتها، عند ذلك فالوالد مُطالب أن يأتي لابنه بمرضعة، وهذه المرضعة التي ترضع الوليد تحتاج إلى أن يعطيها الأب ما يُسخِّيها ويجعلها تقبل على إرضاع الولد بأمانة، والإشراف عليه بصدق. ويختم الحق هذه الآية الكريمة بقوله: {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [البقرة: 233]، إن الحق يحذر أن يأخذ أحد أحكامه ويدعي بظاهر الأمر تطبيقها، لكنه غير حريص على روح هذه الأحكام، مثال ذلك الأب الذي يريد أن يدلس على المجتمع، فعندما يرى الأب مرضعة ابنه أمام الناس فهو يدعي أنه ينفق عليها، ويعطيها أجرها كاملاً، ويقابلها بالحفاوة والتكريم بينما الواقع يخالف ذلك. إن الله يحذر من يفعل ذلك: أنت لا تعامل المجتمع وإنما تعامل الله و{ٱللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}. ويقول الحق بعد ذلك: {وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً ...}.
الصابوني
تفسير : المنَاسَبَة: لما ذكر تعالى جملة من الأحكام المتعلقة بالنكاح والطلاق والعدة والرجعة والعَضْل، ذكر في هذه الآية الكريمة حكم الرضاع لأنّ الطلاق يحصل به الفراق فقد يطلّق الرجل زوجته ويكون لها طفل ترضعه وربما أضاعت الطفل أو حرمته الرضاع انتقاماً من الزوج وإيذاءً له في ولده، لذلك وردت هذه الآية لندب الوالدات المطلقات إِلى رعاية الأطفال والاهتمام بشأنهم، ثم أعقب ذلك ببيان حكم الفراق بين الزوجين بالموت وما يجب على المرأة من العدَّة فيه رعايةً لحق الزوج، كما ذكر تعالى موضوع خطبة المرأة في حالة العدّة، وموضوع استحقاق المرأة لنصف المهر أو كامل المهر بعد الفراق أو الطلاق. اللغَة: {فِصَالاً} الفِصال والفَصْل: الفطام سمي به لأن الولد ينفصل عن لبن أمه إِلى غيره من الأقوات، قال المبرّد: الفِصال أحسن من الفصل لأنه إِذا انفصل عن أمه فقد انفصلت عنه فبينهما فِصال كالقِتال والضراب. {تَشَاوُرٍ} التشاور: استخراج الرأي ومثله المشاورة والمشورة مأخوذ من الشَّوْر وهو استخراج العسل. {يَذَرُونَ} يتركون وهذا الفعل لا يستعمل منه الماضي ولا المصدر. {عَرَّضْتُمْ} التعريض: الإِيماء والتلويح من غير كشفٍ وإظهار، مأخوذ من عرض الشيء أي جانبه كقول الفقير للمحسن: جئت لأنظر إِلى وجهك الكريم. {خِطْبَةِ} بكسر الخاء طلب النكاح وبالضم الموعظة كخُطبة الجمعة والعيدين. {أَكْنَنتُمْ} سترتم وأضمرتم والإِكنان: السرُّ والخفاء. {عُقْدَةَ ٱلنِّكَاحِ} من العقد وهو الشدُّ وفي المثل "يا عاقد اذكر حلاً" قال الراغب: العُقدة اسم لما يعقد من نكاح أو يمين أو غيرهما. {حَلِيمٌ} يمهل العقوبة فلا يعجّل بها للعاصي. {ٱلْمُقْتِرِ} الفقير يقال: أقتر الرجل إِذا افتقر. سَبَبُ النّزول: رويحديث : أنّ رجلاً من الأنصار تزوج امرأةً من بني حنيفة ولم يسمّ لها مهراً ثم طلّقها قبل أن يمسَّها فنزلت الآية {لاَّ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ} فقال له النبيّ صلى الله عليه وسلم "متِّعْها وَلوْ بِقَلَنْسُوَتِكَ ". تفسير : التفسِير: {وَٱلْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ} أي الواجب على الأمهات أن يرضعن أولادهنّ لمدة سنتين كاملتين {لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ ٱلرَّضَاعَةَ} أي إِذا شاء الوالدان إتمام الرضاعة ولا زيادة عليه {وَعلَى ٱلْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ} أي وعلى الأب نفقة الوالدات المطلقات وكسوتهن بما هو متعارف بدون إِسراف ولا تقتير لتقوم بخدمته حق القيام {لاَ تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا} أي تكون النفقة بقدر الطاقة لأنه تعالى لا يكلّف نفساً إِلا وسعها {لاَ تُضَآرَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلاَ مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ} أي لا يضرَّ الوالدان بالولد فيفرِّطا في تعهده ويقصّرا في ما ينبغي له، أو يضارَّ أحدهما الآخر بسبب الولد فترفض الأم إرضاعه لتضرّ أباه بتربيته، وينتزع الأب الولد منها إِضراراً بها مع رغبتها في إِرضاعه ليغيظ أحدهما صاحبه، قاله مجاهد {وَعَلَى ٱلْوَارِثِ مِثْلُ ذٰلِكَ} أي وعلى الوارث مثلُ ما على والد الطفل من الإِنفاق على الأم والقيام بحقوقها وعدم الإِضرار بها والمراد به وارثُ الأب وقيل: وارثُ الصبي، والأول اختيار الطبري {فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَن تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا} أي فإِذا اتفق الوالدان على فطامه قبل الحولين ورأيا في ذلك مصلحة له بعد التشاور فلا إِثم عليهما {وَإِنْ أَرَدتُّمْ أَن تَسْتَرْضِعُوۤاْ أَوْلاَدَكُمْ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُم مَّآ آتَيْتُم بِٱلْمَعْرُوفِ} أي وإِن أردتم أيها الآباء أن تطلبوا مرضعةً لولدكم غير الأم بسبب عجزها أو إِرادتها الزواج فلا إِثم عليكم شريطة أن تدفعوا لها ما اتفقتم عليه من الأجر، فإِن المرضع إِذا لم تكرم لا تهتم بالطفل ولا تُعنى بإِرضاعه {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} أي راقبوا الله في جميع أفعالكم فإِنه تعالى لا يخفى عليه شيء من أقوالكم وأحوالكم {وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً} أي على النساء اللواتي يموت أزواجهن أن يمكثن في العدّة أربعة أشهر وعشرة أيام حداداً على أزواجهنَّ وهذا الحكم لغير الحامل أما الحامل فعدتها، وضع الحمل لقوله تعالى: {أية : وَأُوْلاَتُ ٱلأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} تفسير : [الطلاق: 4] {فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِيۤ أَنْفُسِهِنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ} أي فإِذا انقضت عدتهن فلا إِثم عليكم أَيها الأولياء في الإذن لهنّ بالزواج وفعل ما أباحه لهنّ الشرع من الزينة والتعرض للخطّاب {وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} أي عليم بجميع أعمالكم فيجازيكم عليها {وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ ٱلنِّسَآءِ} أي لا إِثم عليكم أيها الرجال في التعريض بخطبة النساء المتوفّى عنهن أزواجهن في العدّة، بطريق التلميح لا التصريح، قال ابن عباس: كقول الرجل: وددتُ أنّ الله يسَّر لي امرأةً صالحة، وإِن النساء لمن حاجتي {أَوْ أَكْنَنتُمْ فِيۤ أَنْفُسِكُمْ} أي ولا إِثم عليكم أيضاً فيما أخفيتموه في أنفسكم من رغبة الزواج بهنّ {عَلِمَ ٱللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَـٰكِن لاَّ تُوَاعِدُوهُنَّ سِرّاً إِلاَّ أَن تَقُولُواْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً} أي قد علم الله أنكم ستذكرونهن في أنفسكم ولا تصبرون عنهن فرفع عنكم الحرج، فاذكروهنَّ ولكنْ لا تواعدوهنَّ بالنكاح سرّاً إِلا بطريق التعريض والتلويح وبالمعروف الذي أقرّه لكم الشرع {وَلاَ تَعْزِمُوۤاْ عُقْدَةَ ٱلنِّكَاحِ حَتَّىٰ يَبْلُغَ ٱلْكِتَابُ أَجَلَهُ} أي ولا تعقدوا عقد النكاح حتى تنتهي العدّة {وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِيۤ أَنْفُسِكُمْ فَٱحْذَرُوهُ} أي احذروا عقابه في مخالفتكم أمره {وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ} أي يمحو ذنب من أناب ولا يعاجل العقوبة لمن عصاه. ثم ذكر تعالى حكم المطلقة قبل المساس فقال: {لاَّ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُواْ لَهُنَّ فَرِيضَةً} أي لا إِثم عليكم أيها الرجال إِن طلقتم النساء قبل المسيس "الجماع" وقبل أن تفرضوا لهنَّ مهراً، فالطلاق في مثل هذه الحالة غير محظور إِذا كان لمصلحة أو ضرورة {وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى ٱلْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى ٱلْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعاً بِٱلْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى ٱلْمُحْسِنِينَ} أي فإِذا طلقتموهنَّ فادفعوا لهنَّ المتعة تطييباً لخاطرهن وجبراً لوحشة الفراق، على قدر حال الرجل في الغنى والفقر، الموسر بقدر يساره، والمعسر بقدر إِعساره، تمتيعاً بالمعروف حقّاً على المؤمنين المحسنين {وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ} أي وإِذا طلقتموهن قبل الجماع وقد كنتم ذكرتم لهنَّ مهراً معيناً فالواجب عليكم أن تدفعوا نصف المهر المسمّى لهن لأنه طلاقٌ قبل المسيس {إِلاَّ أَن يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَاْ ٱلَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ ٱلنِّكَاحِ} أي إِلا إِذا أسقطت المطلّقة حقها أو أسقط وليُّ أمرها الحق إِذا كانت صغيرة، وقيل: هو الزوج لأنه هو الذي يملك عُقدة النكاح وذلك بأن يسامحها بكامل المهر الذي دفعه لها واختاره ابن جرير، وقال الزمخشري: القول بأنه الوليُّ ظاهر الصحة {وَأَن تَعْفُوۤاْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ} الخطاب عام للرجال والنساء، قال ابن عباس: أقربهما للتقوى الذي يعفو {وَلاَ تَنسَوُاْ ٱلْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} أي لا تنسوا أيها المؤمنون الجميل والإِحسان بينكم، فقد ختم تعالى الآيات بالتذكير بعدم نسيان المودّة والإِحسان والجميل بين الزوجين، فإِذا كان الطلاق قد تمَّ لأسباب ضرورية قاهرة فلا ينبغي أن يكون هذا قاطعاً لروابط المصاهرة ووشائج القربى. البَلاَغَة: 1- {وَٱلْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ} أمرٌ أُخرج مخرج الخبر مبالغة في الحمل على تحقيقه أي ليرضعن كالآية السابقة {أية : وَٱلْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ} تفسير : [البقرة: 228]. 2- {أَن تَسْتَرْضِعُوۤاْ أَوْلاَدَكُمْ} فيه إٍِيجاز بالحذف أي تسترضعوا المراضع لأولادكم، كما أنّ فيه الالتفات من الغيبة إِلى الخطاب لأنّ ما قبله {فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً} وفائدة هذا الالتفات هز مشاعر الآباء نحو الأبناء. 3- {وَلاَ تَعْزِمُوۤاْ عُقْدَةَ ٱلنِّكَاحِ} ذكر العزْم للمبالغة في النهي عن مباشرة النكاح، فإِذا نهي عنه كان النهي عن الفعل من باب أولى. 4- {مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ} كنّى تعالى بالمسّ عن الجماع تأديباً للعباد في اختيار أحسن الألفاظ فيما يتخاطبون به. 5- {وَأَن تَعْفُوۤاْ} و {لاَ تَنسَوُاْ ٱلْفَضْلَ} الخطاب عام للرجال والنساء ولكنه ورد بطريق التغليب. 6- {وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ} إِظهار الاسم الجليل في موضع الإِضمار لتربية المهابة والروعة. الفَوائِد الأولى: التعبير بلفظ "الوالدات" دون قوله "والمطلقات" أو النساء المطلقات لاستعطافهن نحو الأولاد، فحصول الطلاق لهنَّ لا ينبغي أن يحرمهنَّ عاطفة الأمومة. الثانية: أضاف تعالى الولد في الآية الكريمة إِلى كلٍّ من الأبوين في قوله: {وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا} و {مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ} وذلك لطلب الاستعطاف والإِشفاق عليه، فالولد ليس أجنبياً عن الوالدين هذه أمه وذاك أبوه فمن حقهما أن يشفقا عليه ولا تكون العداوة بينهما سبباً للإِضرار به. الثالثة: الحكمة في إِيجاب المتعة للمطلقة هي جبر إِيحاش الطلاق قال ابن عباس: إِن كان معسراً متعها بثلاثة أثواب، وإِن كان موسراً متّعها بخادم. الرابعة: روي أنّ الحسن بن علي متّع زوجته بعشرة آلاف درهم فقالت المرأة: "متاعٌ قليلٌ من حبيبٍ مفارق" وسبب طلاقه إيّاها ما روي أنه لما أصيب عليٌّ كرّم الله وجهه وبويع الحسن بالخلافة قالت له: لتهنك الخلافة يا أمير المؤمنين! فقال: يُقتل عليٌّ وتظهرين الشماتة؟ اذهبي فأنت طالق ثلاثاً، فتلفعت بجلبابها وقعدت حتى انقضت عدتها فبعث إِليها بعشرة آلاف متعة وبقية ما بقي لها من صداقها فقالت ذلك، فلما أخبره الرسول بكى وقال: لولا أنني طلقتها ثلاثاً لراجعتها.
الصابوني
تفسير : [17] أحكام الرضاع التحليل اللفظي {وَٱلْوَالِدَاتُ}: جمع والدة بالتاء، والوالد: الأب، والوالدة: الأم، وهما الوالدان كذا في "اللسان"، قال في "البحر": وكان القياس أن يقال: والد، لكن قد أطلق على الأب والد فجاءت التاء في الوالدة للفرق بين المذكر والمؤنث من حيث الإطلاق اللغوي، وكأنه روعي في الإطلاق أنهما أصلان للولد فأطلق عليهما والدان. {حَوْلَيْنِ}: أي سنتين من حال الشيء إذا انقلب، فالحول منقلبٌ من الوقت الأول إلى الثاني. قال الراغب: والحول السنة اعتباراً بانقلابها ودوران الشمس في مطالعها ومغاربها. {ٱلْمَوْلُودِ لَهُ}: أي الأب، لأن الأولاد ينسبون إلى الآباء لا إلى الأمهات قال الشاعر: شعر : فإنّما أمهاتُ الناسِ أوعيةٌ مستودَعاتٌ وللآباء أبناء تفسير : {فِصَالاً}: فطاماً عن الرضاع، والفِصَال والفَصْلُ: الفطام، وإنما سمي الفطام بالفصال، لأن الولد ينفصل عن الاغتذاء بلبن أمه إلى غيره من الأقوات. قال المبرّد: يقال: فصل الولد عن الأم فصلاً وفصالاً، والفصالُ أحسن، لأنه إذا انفصل عن أمه فقد انفصلت منه فبينهما فصال نحو القتال، والضراب ومنه سمي الفصيل لأنه مفصول عن أمه. {وَتَشَاوُرٍ}: التشاور في اللغة: استخراج الرأي ومثله المشاورة والمشورة مأخوذ من الشور وهو استخراج العسل. قال الراغب: والتشاور والمشاورة والمشورة: استخراج الرأي بمراجعة البعض إلى البعض من قولهم: شِرتُ العسل إذا استخرجته من موضعه. {تَسْتَرْضِعُوۤاْ}: أي تطلبوا الرضاع لأولادكم يقال: استرضع أي طلب الرضاع، مثل: استفتح طلب الفتح، واستنصر طلب النصر. والمعنى: إذا أردتم أيها الآباء أن تسترضعوا المراضع لأولادكم أي تطلبوا لهم من يرضعهم فلا إثم عليكم ولا حرج. {بِٱلْمَعْرُوفِ}: أي بالوجه المتعارف المستحسن شرعاً الذي أمركم به الدين. {بَصِيرٌ}: أي مطلع على أعمالكم، لا تخفى عليه خافية والمراد أنه مجازيكم عليها إن خيراً فخير، وإن شراً فشر. المعنى الإجمالي أمر الله تعالى الوالدات (المطلّقات) بإرضاع أولادهن مدة سنتين كاملتين إذا شاء الوالدان إتمام الرضاعة، وأنّ على الولد كفاية المرضع التي تقوم بإرضاع ولده، والإنفاق عليها لتقوم بخدمته حق القيام، وتحفظه من عاديات الأيام، وأن يكون ذلك الإنفاق بحسب المعروف والقدرة والطاقة لأن الله لا يكلف نفساً إلا وسعها. ثم حذّر تعالى كلاً من الوالدين أن يضارّ أحدهما الآخر بسبب الولد، فلا يحل للأم أن تمتنع عن إرضاع الولد إضراراً بأبيه، وأن تقول له مثلاً: اطلب له ظئراً غيري، ولا يحل للأب أن ينزع الولد منها مع رغبتها في إرضاعه، ليغيظ أحدهما صاحبه بسبب الولد. ثمّ بيّن تعالى أن الوالدين إذا أرادا فطام ولدهما بعد التشاور والتراضي قبل تمام الحولين فلا إثم ولا حرج إذا رأيا استغناء الطفل عن لبن أمه بالغذاء، فإن هذا التحديد إنما هو لمصلحة الطفل ودفع الضرر عنه، والوالدان أدرى الناس بمصلحته وأشفقهم عليه وإن أردتم - أيها الآباء - أن تطلبوا مرضعة لولدكم غير الأم بسبب إبائها، أو عجزها أو إرادتها الزواج، فلا إثم عليكم في ذلك، بشرط أن تدفعوا إلى هذه المرضعة ما اتفقتم عليه من الأجر، ولا تبخسوها حقها، فإن المرضع إذا لم تكرم لا تهتم بالطفل ولا تُعنى بإرضاعه ولا بسائر شؤونه، فأحسنوا معاملتهن ليحسنّ أمور أولادكم، واتقوا الله أيها المؤمنون واعلموا أن الله مطلّع عليكم لا تخفى عليه خافية من شؤونكم وأنه مجازيكم عليها يوم الدين {أية : يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَٱلأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ} تفسير : [الانفطار: 19]. وجوه القراءات 1 - قرأ الجمهور {لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ ٱلرَّضَاعَةَ} وقرأ مجاهد (أن تَتمّ الرضاعةُ) بالتاء وبرفع الرضاعة، وقرأ أبو رجاء وابن أبي عبلة (الرّضاعة) بكسر الراء. قال الزجاج "الرّضاعة" بفتح الراء وكسرها والفتح أكثر. 2 - قرأ الجمهور {لاَ تُضَآرَّ وَالِدَةٌ} وقرأ ابن كثير وأبو عمرو (لا تضارّ) بالرفع على أن (لا) نافية. 3 - قوله تعالى: {إِذَا سَلَّمْتُم مَّآ آتَيْتُم} قرأ الجمهور {آتَيْتُم} بالمد، وقرأ ابن كثير {أتيتم} بالقصر. وجوه الإعراب أولاً - قوله تعالى: {وَعلَى ٱلْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ} الجار والمجرور خبر مقدم، و(رزقهن) مبتدأ مؤخر وهو مضاف أي رزق المرضعات و(بالمعروف) متعلق بـ (رزقهن). ثانياً - قوله تعالى: {لاَ تُضَآرَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا} لا ناهية جازمة و(تضارّ) أصلها (تضارر) سكنت الراء الأخيرة للجزم والراء الأولى للإدغام فالتقى ساكنان فحرك الأخير منهما بالفتح للتخلص من التقاء الساكنين و(والدة) فاعل والمفعول به محذوف تقديره: لا تضارّ والدة زوجها بسبب ولدها. ثالثاً - قوله تعالى: {وَإِنْ أَرَدتُّمْ أَن تَسْتَرْضِعُوۤاْ أَوْلاَدَكُمْ} استرضع يتعدى لمفعولين الثاني بحرف الجر والمعنى: أن تسترضعوا المراضع لأولادكم، حذف المفعول الأول للاستغناء عنه. قال الواحدي: "أي لأولادكم وحذف اللام اجتزاء بدلالة الاسترضاع لأنه لا يكون إلاّ للأولاد، ونظيره قوله تعالى: {أية : وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَّزَنُوهُمْ} تفسير : [المطففين: 3] أي كالوا لهم أو وزنوا لهم". وجه الارتباط في الآيات السابقة مناسبة هذه الآية لما قبلها من الآيات، أنه تعالى لما ذكر جملة من الأحكام المتعلقة بالنكاح، والطلاق، والعدة، والرجعة، والعضل، ذكر في هذه الآية الكريمة حكم الرضاع، لأن الطلاق يحصل به الفراق، فقد يطلّق الرجل زوجته ويكون لها طفل ترضعه، وربما أضاعت الطفل أو حرمته الرضاع انتقاماً من الزوج وإيذاءً له، لذلك وردت هذه الآية لندب الوالدات المطلّقات إلى رعاية جانب الأطفال والاهتمام بشأنهم. لطائف التفسير اللطيفة الأولى: ورد الأمر بصيغة الخبر للمبالغة أي ليرضعن، والجملة ظاهرها الخبر وحقيقتها الأمر كقوله: {أية : وَٱلْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ} تفسير : [البقرة: 228] والتعبير عنهن بلفظ (الوالدات) دون قوله: والمطلقات أو النساء المطلقات لاستعطافهن نحو الأولاد، فحصول الطلاق لهن لا ينبغي أن يحرمهن عاطفة الأمومة. اللطيفة الثانية: العدول عن قوله: وعلى الوالد إلى قوله: {وَعلَى ٱلْمَوْلُودِ لَهُ} فيه لطيفة وهي أن الأولاد يتبعون الأب ويلتحقون بنسبه دون الأم، فالموجب المقتضي للإنفاق على الأمهات والمرضعات كون الأولاد لهم فعليهم تجب النفقة، واللفظ يشعر بالمنحة وشبه التمليك ولهذا أتى به دون لفظ الوالد. قال الزمخشري: "فإن قلت: لم قيل (المولود له) دون الوالد؟ قلت: ليعلم أن الوالدات إنما ولدن لهم، لأن الأولاد للآباء ولذلك ينسبون إليهم لا إلى الأمهات". اللطيفة الثالثة: قال أبو حيان: وصف الله تعالى الحولين بالكمال (حولين كاملين) دفعاً للمجاز الذي يحتمله ذكر الحولين، إذ يقال: أقمتُ عند فلان حولين وإن لم يستكملهما، وهي صفة توكيد كقوله تعالى: {أية : تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ} تفسير : [البقرة: 196]. اللطيفة الرابعة: قوله تعالى: {لاَ تُضَآرَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلاَ مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ} أضاف الولد في الآية إلى كل من الأبوين {وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا} و{مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ} وذلك لطلب الاستعطاف والإشفاق، فالولد ليس أجنبياً عن الوالدين، هذه أمه وذاك أبوه، فمن حقهما أن يشفقا عليه، ولا تكون العداوة بينهما سبباً للإضرار بالولد. قال العلامة أبو السعود: "إضافة الولد إلى كلٍ منهما لاستعطافهما إليه، وللتنبيه على أنه جدير بأن يتفقا على استصلاحه، ولا ينبغي أن يضرا به أو يتضارّا بسببه". اللطيفة الخامسة: في قوله تعالى: {أَن تَسْتَرْضِعُوۤاْ أَوْلاَدَكُمْ} التفات من الغيبة إلى الخطاب، وتلوين في التعبير لأن الآية قبله {فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً} جاء بضمير التثنية للغائب، وهنا جاء بضمير الجمع للمخاطب، وفائدة هذا الالتفات هز مشاعر الآباء إلى امتثال أمر الله في الأبناء. الأحكام الشرعية الحكم الأول: ما المراد بالوالدات في الآية الكريمة؟ أ - قال بعضهم: لفظ الوالدات في الآية خاص بالمطلقات، وهو قول مجاهد والضحاك، والسدّي. واستدلوا بأن الآيات السابقة كانت في أحكام المطلقات وهذه وردت عقيبها تتمة لها، وبأن الله أوجب على الوالد رزقهن وكسوتهن، ولو كنّ أزواجاً لما كان هناك حاجة إلى هذا الإيجاب، لأن النفقة واجبة على الزوج من أجل الزوجة، ثم تعليل الحكم بالنهي عن المضارّة بالولد يدل على أن المراد بالوالدات المطلقات، لأنّ التي في عصمة الزوجية لا تضارّ ولدها. ب - وقال بعضهم: إنه خالص بالوالدات الزوجات في حال بقاء النكاح، وهو اختيار الواحدي كما نقله عنه الرازي والقرطبي، ودليلهم أن المطلّقة لا تستحق الكسوة، وإنما تستحق الأجرة فلما قال تعالى {رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ} دلّ على أن المراد بهن الأمهات الزوجات. جـ - وقال آخرون: المراد بالوالدات العموم أي جميع الوالدات سواءً كنّ مزوجات أو مطلقات، عملاً بظاهر اللفظ فهو عام ولا دليل على تخصيصه وهو اختيار القاضي أبو يعلى، وأبو سليمان الدمشقي مع آخرين، ولعل هذا القول هو الأرجح وقد ذهب إليه أبو حيان في "البحر المحيط". الحكم الثاني: هل يجب على الأم إرضاع ولدها؟ ذهب بعض العلماء إلى أنه يجب على الأم إرضاع ولدها لظاهر قوله تعالى: {وَٱلْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ} فهو أمر في صورة الخبر أي: (ليرضعن أولادهن). وهذا مذهب مالك أن الرضاع واجب على الأم في حال الزوجيّة فهو حق عليها إذا كانت زوجة، أو إذا لم يقبل الصبي ثدي غيرها، أو إذا عُدم الأب، واستثنوا من ذلك الشريفة بالعُرف، وأما المطلقة طلاق بينونة فلا رضاع عليها، والرضاع على الزوج إلاّ أن تشاء هي إرضاعه فهو أحق، ولها أجرة المثل. وذهب جمهور الفقهاء إلى أن الأمر هنا للندب، وأنه لا يجب على الوالدة إرضاع ولدها إلاّ إذا تعينّت مرضعاً بأن كان لا يقبل غير ثديها، أو كان الوالد عاجزاً عن استئجار ظئر (مرضعة) ترضعه، أو قدر ولكنه لم يجد الظئر، واستدلوا بقوله تعالى: {أية : وَإِن تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَىٰ} تفسير : [الطلاق: 6] ولو كان الإرضاع واجباً لكلفها الشرع به، وإنما ندب لها الإرضاع لأن لبن الأم أصلح للطفل، وشفقة الأم عليه أكثر. الحكم الثالث: ما هي مدة الرضاع الموجب للتحريم؟ ذهب جمهور الفقهاء (مالك والشافعي وأحمد) إلى أن الرضاع الذي يتعلق به حكم التحريم، ويجري به مجرى النسب بقوله عليه السلام: "حديث : يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب" تفسير : هو ما كان في الحولين واستدلوا بقوله تعالى: {وَٱلْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ} وبما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : لا رضاع إلاّ ما كان في الحولين ". تفسير : وذهب أبو حنيفة إلى أن مدة الرضاع المحرّم سنتان ونصف لقوله تعالى: {أية : وَحَمْلُهُ وَفِصَٰلُهُ ثَلٰثُونَ شَهْراً}تفسير : [الأحقاف: 15]. قال العلامة القرطبي: "والصحيح الأول لقوله تعالى: {حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ} وهذا يدل على أن لا حكم لما ارتضع المولود بعد الحولين، ولقوله عليه السلام: "حديث : لا رضاع إلا ما كان في الحولين" تفسير : وهذا الخبر مع الآية والمعنى ينفي رضاعة الكبير وأنه لا حرمة له، وقد روي عن عائشة القول به، وبه يقول: (الليث بن سعد) وروي عن أبي موسى الأشعري أنه كان يرى رضاع الكبير، وروي عنه الرجوع عنه". الحكم الرابع: كيف تقدر نفقة المرضع؟ دل قوله تعالى: {وَعلَى ٱلْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ} على وجوب النفقة للمرضع على الزوج، والنفقة تكون على قدر حال الأب من السعة والضيق لقوله تعالى: {لاَ تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا} وقد دل على ذلك أيضاً قوله تعالى: {أية : لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّآ آتَاهُ ٱللَّهُ} تفسير : [الطلاق: 7] وأخذ الفقهاء من آية البقرة {وَعلَى ٱلْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ} وجوب نفقة الولد على الوالد، لأن الله أوجب نفقة المطلقة على الوالد في زمن الرضاع لأجل الولد، فتجب نفقته على أبيه ما دام صغيراً لم يبلغ سن التكليف. قال الجصاص في تفسيره "أحكام القرآن": وقد حوت الآية الكريمة الدلالة على معنيين: أحدهما: أن الأم أحقّ برضاع ولدها في الحولين، وأنه ليس للأب أن يسترضع له غيرها إذا رضيت بأن ترضعه. والثاني: أن الذي يلزم الأب في نفقة الرضاع إنما هو سنتان. وفي الآية دلالة على أن الأب لا يشارك في نفقة الرضاع لأن الله أوجب هذه النفقة على الأب للأم، وهما جميعاً وارثان، ثم جعل الأب أولى بإلزام ذلك من الأم مع اشتراكهما في الميراث، فصار ذلك أصلاً في اختصاص الأب بإلزام النفقة دون غيره، كذلك حكمه في سائر ما يلزمه من نفقة الأولاد الصغار، والكبار الزمنى، يختص هو بإيجابه عليه دون مشاركة غيره فيه لدلالة الآية عليه. الحكم الخامس: ما المراد من قوله تعالى: {وَعَلَى ٱلْوَارِثِ مِثْلُ ذٰلِكَ}؟ واختلف المفسّرون في المراد من لفظ {ٱلْوَارِثِ} في الآية الكريمة على أقوال: أ - قال بعضهم: المراد وارث المولود أي وارث الصبي لو مات، وهو قول عطاء ومجاهد، وسعيد بن جبير، وقد اختلف أصحاب هذا القول فقال بعضهم وارثه من الرجال خاصة هو الذي تلزمه النفقة، وقال آخرون: وارثه من الرجال أو النساء وهو قول (أحمد) وإسحاق، وقال آخرون: وارثه كل ذي رحم محرم من قرابة المولود، وهو قول (أبي حنيفة) وصاحبيه. ب - وقال بعضهم: المراد بالوارث هو وارث الأب وهو مروي عن الحسن، والسُدّي. جـ - وقال بعضهم: المراد بالوارث الباقي من والدي الولد بعد وفاة الآخر وهو قول سفيان الثوري. د - وقال آخرون: المراد بالوارث الصبي نفسه فتجب النفقة عليه في ماله إن كان له مال. وقد رجح الطبري الرأي الأخير واختاره من بين بقية الأقوال والله أعلم بالصواب. ما ترشد إليه الآيات الكريمة 1 - على الأمهات إرضاع الأبناء، لأن لبن الأم أصلح وشفقتها على ولدها أكمل. 2 - نسب الأولاد للآباء، والآباءُ أحق بالتعهد والحماية والإنفاق. 3 - النفقة على قدر طاقة الوالد عسراً ويسراً ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها. 4 - نفقة الصغير تجب على وارثه عند فقد أبيه لأن الغُرْم بالغنم. 5 - فطام الطفل قبل عامين ينبغي أن يكون بمشورة ورضى الأبوين. خاتمة البحث: حكمة التشريع حث الله تعالى الأمهات على إرضاع الأبناء، وحدّد مدة الرضاع بعامين كاملين، لأن هذه المدة يستغني بها الطفل عن ثدي أمه، ويبدأ بالتغذي بعدها عن طريق تناول الطعام والشراب... وليس هناك لبن يعادل لبن الأم، فهو أفضل غذاء باتفاق الأطباء فالولد قد تكوّن من دمها في أحشائها، فلما برز إلى الوجود تحوّل الدم إلى لبنٍ يتغذى منه، فهو اللبن الذي يلائمه ويناسبه لأنه قد انفصل من الأم، وقد قضت الحكمة الإلهية أن تكون حالة لبن الأم في التغذية ملائمة لحال الطفل بحسب درجات سنه، فإذا أرضعته مرضع لضرورة وجب التدقيق في صحتها، ومعرفة أخلاقها وطبائعها، لأن لبنها يؤثر في جسم الطفل وأخلاقه وآدابه، إذ هو يخرج من دمها ويمتصه الولد، فيكون دماً له ينمو به اللحم، ويُنشز العظم، فيؤثر فيه جسمياً وخلقياً، وقد لوحظ أن تأثير انفعالاتها النفسية والعقلية أشد من تأثير صفاتها البدنية فيه، فما بالك بآثار عقلها وشعورها وملكاتها النفسية؟! والأم حين ترضع ولدها لا ترضعه اللبن فحسب، بل ترضعه العطف والرحمة والحنان، فينشأ مجبولاً على الرحمة، محباً للخير، وعلى العكس حال أولئك الذين يحرمون عطف وحنان أمهاتهم، يكونون معقّدين، وتفتعل في نفوسهم نوازع القسوة والشر والانتقام، وقد فطن علماء التربية والتهذيب في الأمم الراقية إلى هذا الأمر، حتى كان نساء القياصرة يرضعن أولادهن بأنفسهن، ولا يرضين تسليمهم إلى المراضع. فأين هذا مما نراه اليوم من التهاون في رضاعة الأولاد وسائر شؤونهم!! حتى الأمهات اللواتي فطرهن الله تعالى على التلذذ بإرضاع أولادهن والغبطة به، قد صار نساء الأغنياء منهن في هذا الزمان يرغبن عنه ترفعاً وطمعاً في السمن وبقاء الجمال وكل هذا مقاوم لسنة الفطرة، ومفسد لتربية الأولاد، ولسنا نرى ديناً تعرض لمحاسن تربية النشء مثل ما تعرض له الإسلام، فاللهم وفقنا للاهتداء بهديه الكريم إنك سميع مجيب الدعاء.
الأندلسي
تفسير : {وَٱلْوَالِدَاتُ} والولادة من خصائص النساء كالحيض لكنه لما كان يطلق والد على الأب دخلته التاء للمؤنث فقيل والدات فجمع بالألف والتاء. وباب ما يخص النساء كحائض لا يجوز جمعه بالألف والتاء إلا شاذاً ولفظ والدات شامل للزوجات والمطلقات. و{يُرْضِعْنَ} خبر أي في حكم الله الذي شرعه أو خبر صورة ومعناه أمر ندب لا إيجاب لاستحقاق الأجرة. {حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ} وصفهما بالكمال دفعاً لمجاز ترك الاستغراق. وجعل تعالى ذلك حداً لمدة الرضاع لكنه ليس من الحد الذي لا يتجاوز، إذ قال: {لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ ٱلرَّضَاعَةَ} فمن لم يرد الاتمام فله فطمه دون ذلك لمن لا ضرر عليه في فطمه. ولمن متعلق بيرضعن، واللام للتعليل. ومن: هو الأب أو للتبيين كهي بعد سقيالك، ومن: للوالدة أولها وللأب. وقرىء أن يتم برفع الميم. فالكوفي يقول: هي مخففة من الثقيلة. والبصري يقول: هي الناصبة ألغيت حملاً على ما المصدرية اختها. وقرىء الرضاعة - بفتح الراء وكسرها - كالحضارة والحضارة. {وَعلَى ٱلْمَوْلُودِ لَهُ} الْ كمن موصولة روعي اللفظ فافرد الضمير في له. ويجوز في العربية مراعاة المعنى، فيقال: لهم. ولم يقرأ به. وحذف الفاعل ثم المفعول به وأقيم الجار والمجرور مقام الفاعل وذلك على مذهب البصريين، والكوفي لا يجيز ذلك إلا أن كان حرف الجر زائداً نحو: ما ضرب من أحد، على تفصيل لهم في ذلك. وجاء بلفظ المولود له لا بلفظ الأب ولا بلفظ الوالد أشعاراً بالمنحة وشبه التمليك وحيث لم يرد هذا المعنى جاء التصريح بلفظ الوالد كقوله تعالى: {أية : لاَّ يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ}تفسير : [لقمان: 33]. وان أريد بالرزق والكسوة المصدرين فلا حذف أو المرزوق والثياب فعلى حذف أي إيصال أو دفع وبالمعروف ملحوظ فيهما. وقرىء بضم الكاف وكسرها. {لاَ تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا} ظاهره العموم وتندرج فيه المرضعة والوالد والوسع ما احتملته الطاقة. وقرىء لا تكلف - بضم التاء - مبنياً للمفعول وبفتحها مبنياً للفاعل أي لا تتكلف وحذفت التاء الواحدة. وقرىء لا نكلف بالنون نفساً بالنصب وقرىء "لا تضار" برفع الراء وبفتحها فالرفع نفي في معنى النهي والفتح نهي. وكذا كسر الراء. وقرىء به وبسكونها مشددة أجراً للوصل مجرى الوقف وبسكون الراء مخففة وهو مضارع من ضار مرفوع، أجرى في الوصل مجرى الوقف. ومن قرأ بتشديد الراء جاز أن يكون مبنياً للفاعل ومبنياً للمفعول وقرىء بالفك بكسر الراء الأولى وبفتحها وسكون الثانية فيهما والباء في بولدها للسبب. {وَعَلَى ٱلْوَارِثِ مِثْلُ ذٰلِكَ} هو معطوف على وعلى المولود أي وعلى وارث المولود له. وفي تعيينه عشرة أقوال: أظهرها أنه إذا كان وارثاً للمولود له ومات وفني ما ورث الولد إن كان غير جائز ما تركه أبوه فإِنه يجب عليه رزق أم الصغير وكسوتها بالمعروف مدة الارضاع. ومثل ذلك هو الرزق والكسوة اللذان كانا على المولود ينتقلان على الوارث. {فَإِنْ أَرَادَا} أي الوالدة والمولود له. {فِصَالاً} أي فطاماً للولد وذلك قبل تمام الحولين فلا بد من تراضيهما فلو رضي أحدهما وأبى الآخر لم يجبر. وآخر التشاور لأنه به يظهر صلاح الأمور والآراء وفسادها ويحتمل أن يكون التشاور منهما أي يشاور أحدهما الآخر، أو يشاور أحدهما أو كلاهما غيرهما. {وَإِنْ أَرَدتُّمْ} خطاب الآباء والأمهات وفيه خروج من غيبة إلى خطاب. {أَن تَسْتَرْضِعُوۤاْ} تتخذوا. لـ {أَوْلاَدَكُمْ} مراضع واسترضع متعد إلى اثنين بنفسه. يقال: أرضعت المرأة الصبي واسترضعت المرأة الصبي. أو متعد إلى واحد بنفسه وإلى الآخر بحرف جر أي تسترضعوا المرضعات لأولادكم. {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ} أي من الاسترضاع. {إِذَا سَلَّمْتُم} خطاب للآباء. {مَّآ آتَيْتُم بِٱلْمَعْرُوفِ} وهو أجور المراضع إذ في إيتاء المراضع الأجرة معجلاً هنيئاً توطين لأنفسهن واستعطاف منهن على الأولاد. وقرىء ما أتيتم بالقصر. وقرىء ما أوتيتم مبنياً للمفعول أي ما أعطاكم الله وأقدركم عليه من الأجرة بالمعروف أي بالجميل الذي تطيب النفس به وتعين على تحسين نشأة الصبي.
الجيلاني
تفسير : {وَٱلْوَالِدَاتُ} سواءً كانت مطلقات أو غيرها {يُرْضِعْنَ} ولا يضيعن {أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ ٱلرَّضَاعَةَ} أي: يرضعن للأب الذي أراد إتما إرضاع ولده {وَعلَى ٱلْمَوْلُودِ لَهُ} أي: على الأب {رِزْقُهُنَّ} أي: رزق المرضعات {وَكِسْوَتُهُنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ} المتعارف {لاَ تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا} إذ من سنته سبحانه أن لا يكلف عبده إلا بما يطيقه ويقدر عليه؛ لذلك {لاَ تُضَآرَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا} بأن ألزم عليها بأنه ولدك لا بد لك أن تسترضعيه بلا أجرةٍ {وَلاَ} يضار أيضاً {مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ} بأن حمل عليه ما ليس في وسعه ن أجرة الرضاعة. {وَ} إن لم يكن المولود له موجوداً يجب {عَلَى ٱلْوَارِثِ} الحائز لأمواله {مِثْلُ ذٰلِكَ} أي: ما يجب على المولود له لإرضاع ولده {فَإِنْ أَرَادَا} المولود له والمرضعة قبل انقضاء الحولين {فِصَالاً} فطاماً صادراً {عَن تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ} أي: شورة واقعة بينهما {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا} في هذا الفطام إن لم يتضرر الرضعي، وإن تضرر فللحاكم أن يمنعها؛ لإفضائه إلى تضييع الرضيع وتخريب بناء الله {وَإِنْ أَرَدتُّمْ} أيها المؤمنون {أَن تَسْتَرْضِعُوۤاْ أَوْلاَدَكُمْ} أي: تطلبوا المرضعة لإرضاع رضيعكم سواء كانت المرضعة أم الرضيع أملا لا {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُم مَّآ آتَيْتُم بِٱلْمَعْرُوفِ} أي: لا ضيق ولا تعب عليكم أن تسلموا باطلريق المعروف المستحسن ما سميتم من الأجرة للإرضاع قبل انقضاء مدة الرضاع {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} عن تضييع الرضيع وتنقيص أجرة المرضعة {وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [البقرة: 233] يجازيكم على مقتضى علمه. {وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ} أيها المؤمنون {وَيَذَرُونَ} يتركون {أَزْوَاجاً} واحدة أو اثنتين أو ثلاثاً أو أربعاً فعليهن أن {يَتَرَبَّصْنَ} ينتظرن ويعتددن {بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً} حتى يعلم ويظهر أنهن حاملات أم لا {فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ} بأن تنقضي المدة المذكورة {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا} أيها الحكام {فَعَلْنَ} إصلاح {فِيۤ أَنْفُسِهِنَّ} من طلب الخطبة والخاطب والناكح والتجسس عنه والعروض عليه إن صدر عنهن هذه الأمور {بِٱلْمَعْرُوفِ} المستحسن في الشرع والعرف، وإلا فعليكم الجناح أيها الحكام عند الله إن لم يمنعوهن {وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ} أيها الحكام من التهاون في إجراء أحكامه وحفظ حدوده {خَبِيرٌ} [البقرة: 234] يؤاخذكم عليه ويجازيكم بمقتضى خبرته.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : ثم أخبر عن أوضاع الوالدات بعد حكم المطلقات بقوله تعالى: {وَٱلْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ} [البقرة: 233]، والإشارة فيها أنها تدل من أولها إلى آخرها على أصناف ألطافه، وأوصاف إعطائه في الآية، ونعمائه مع عبيده، وأمانه أنه تبارك وتعالى أرحم بهم من الوالدات الشفيقة على ولدها في الحقيقة على أن غاية الرحمة التي يضرب بها المثل رحمة الأمهات، فالله سبحانه وتعالى أمر الأمهات بإكمال الرحمة، وإرضاع المولدات، وقال: {وَٱلْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ} [البقرة: 233]، وفي قطع الرضاع على المولود قبل الحولين، إشارة إلى أن - رحمة الله - للعبد أتم من رحمة الأمهات، ثم رحم على الأمهات المرضعات، وقال الله تعالى: {وَعلَى ٱلْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ} البقرة: 233]، ثم اشتملت رحمته بالعدل والنصفة على الأقرباء والضعفة فقال: {لاَ تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا لاَ تُضَآرَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلاَ مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ} [البقرة: 233]، في الإرضاع، وما يجب عليها من الشفقة والوالد بولده فيما يلزمه من النفقة، ثم أن الله تعالى كما أوجب حق الولد عن الوالدين أوجب حق الوالدين على المولود، وقال: {وَعَلَى ٱلْوَارِثِ مِثْلُ ذٰلِكَ} [البقرة: 233]، وهو المولود؛ ثم أنه تعالى لما علم ضعف الإنسانية، وعجز البشرية خفف عنهم، ورخص في الفطام قبل الحولين والاسترضاع للوالدين، وقال: {فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَن تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدتُّمْ أَن تَسْتَرْضِعُوۤاْ أَوْلاَدَكُمْ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُم مَّآ آتَيْتُم بِٱلْمَعْرُوفِ} [البقرة: 233]، بعد أن راعيتم مصلحة المولود؛ ثم وعدوا وعد كل واحد منهم في رعاية الآخر وإهماله بقوله تعالى: {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ} [البقرة: 233]، كلكم في رعاية الحقوق وإهمالها {بَصِيرٌ} [البقرة: 233]، فيجازي المحسن بالإحسان، والمسيء بالإساءة، وهذا أيضاً من كمال اللطف والرحمة، واعلم أن الآية مشتملة على تمهيد قواعد الصبحة وتعظيم محاسن الأخلاق في أحكام العشرة؛ بل أنها اشتملت على مسبوغ الرحمة، والشفقة على البرية، فإن من لا يرحم لا يرحم، وقال النبي صلى الله عليه وسلم لمن ذكر أنه لم يقبل أولاده: "حديث : إن الله لا ينزل الرحمة إلا من قلب شقي ". تفسير : ثم أخبر عن عدة المتوفى عنها زوجها ومدتها وحكمها بعد انقضاء عدتها بقوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً} [البقرة: 234]. والإشارة فيها أن موت المسلم لم يكن فراقاً اختياريا للزوج فكانت عدة وفاته أطول، وكذلك العبد الطالب، وإن حال الموت بينه وبين مطلوبه من غير اختياره، فالوفاء بحصول مطلوبه في ذمة كرمه محبوبه كما قال الله تعالى: {أية : وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ ٱلْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلىَ ٱللَّهِ}تفسير : [النساء: 100]، ففي هذا التسلية قلوب المريدين؛ لئلا يقطع طريق الطلب وساوس الشيطان وهواجس النفس بأن طلب الحق بأمر عظيم وشأن خطير، وأنت ضعيف، والعمر قصير، فإن منادي الكرم من سرادقات الفضل ينادي "حديث : ألا من طلبني وجدني"، تفسير : فأين الطلاب في طلبي {فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ} [البقرة: 234]، وانقضت عدة الطلب بمضي مدة العمر {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ} [البقرة: 234]، يا أهل الإسلام {فِيمَا فَعَلْنَ فِيۤ أَنْفُسِهِنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ} [البقرة: 234]، في طلب المرام فإن الناقد بصير {وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} [البقرة: 234]، فلا يضيع عمل عامل منكم بالنقير والقطمير، {أية : وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَٰعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً}تفسير : [النساء: 140]. ثم أخبر عن تعريض الخطبة قبل انقضاء العدة بقوله تعالى: {وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ ٱلنِّسَآءِ أَوْ أَكْنَنتُمْ فِيۤ أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ ٱللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَـٰكِن لاَّ تُوَاعِدُوهُنَّ سِرّاً إِلاَّ أَن تَقُولُواْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً} [البقرة: 235]، الإشارة فيها أن الله تعالى من كمال رأفته، وشمول عاطفته يظهر آثار فضله، وكرمه في حق الخاطب والزوجة والمتوفي جميعاً؛ ففي حق الخاطب أن رخص له في الخطبة بالتعريض، وإن منعه بالتصريح، كيلا يفوته نكاح مرغوبته بأن يسبقه فيه غيره، وقال تعالى: {وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ ٱلنِّسَآءِ} [البقرة: 235]، إلى قوله قولاً معروفاً، وفي الزوجة بما أجاز للمعرض في خطبتها تسلية لقلبها بأنها تنكح بعد زوجها، ويعوضها الله بدلاً خيراً من زوجها أو مثله، وفي المتوفى برعاية حقه بعد وفاته؛ لأن لا يصرخ أحد في خطبته زوجته ولا يغرم عقدة النكاح حتى يتم عدتها في حفظ وفاته؛ وقال تعالى: {وَلاَ تَعْزِمُوۤاْ عُقْدَةَ ٱلنِّكَاحِ حَتَّىٰ يَبْلُغَ ٱلْكِتَابُ أَجَلَهُ} [البقرة: 235]، ثم قال تعالى: {وَٱعْلَمُوۤاْ} [البقرة: 235]؛ أي: الرجال والنساء {أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ} [البقرة: 235]، بعلمه الأزلي {مَا فِيۤ أَنْفُسِكُمْ} [البقرة: 235]، ما قدر من السعادة والشقاوة والرزق والأمل والأجل والعمل وما دبر وما ركب وما عنى وما خلق ما دبر من التسويل، والتعديل وحسن الاستعداد، وفي أحسن تقويم، وما ركب من الروح والقلب والسر والعقل والشهوة والهوى والغضب، وما عنى من خواص مفردات العناصر ومركباتها، وخاصية النباتية والأوصاف الحيوانية والبهيمية والسبعية والشيطانية والأخلاق الملكية والروحانية، وما خلق لحظة فلحظة فيها من الدواعي والخواطر الخير والشر والحركة والسكون الأقوال والأفعال {فَٱحْذَرُوهُ} [البقرة: 235]، بمراقبة السرائر والضمائر في الباطن وبمحافظة ما أمركم به، وما نهاكم عنه في الظاهر، فاحذروا في البواطن بتزكية النفوس عن المذمومات من الأوصاف، وبتجلية القلوب المحمودات من الأخلاق، وتصفية الأرواح من قطع التعلق بالمكونات، وبتعرض الأسرار لأنوار الجذبات، وفي الظاهر بالاحتراز عن المخالفات، والتزام المتابعة، وإن زالت أقدامكم بزلة من الزلات، وابتليتم من سبق الكتاب بآفة من الآفات، فاعتصموا بحبل التوبة، والاستغفار {وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ} [البقرة: 235]، ولولا حلمه لعجل بعقوبة الأسرار، وما أمهل الأخيار فلي زلة من الزلات إلى أن يتداركها بالتوبة والاستغفار. ثم أخبر عن أحوال المطلقات، وما لهن من المهور والمطلقات: {لاَّ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُواْ لَهُنَّ فَرِيضَةً} [البقرة: 236]، الآيتين والإشارة فيهما أن مفارقة الأشكال من الأصدقاء والعيال لمصلحة دنيوية؛ إذ لا جناح عليكم فيها فكيف يكون عليكم جناح بأن فارقتموهم لمصلحة دينية؛ بل أنتم مأمورون بمفارقتهم لزيارة بيت الله، فكيف لزيارة بيت الله، فإن الواجب في زيارة بيت الله مفارقة الأهل والأوطان، وفي زيارة الله مفارقة الأراوح والأبدان "دع نفسك وتعال"، {أية : قُلِ ٱللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ}تفسير : [الأنعام: 91] وفي قوله: {وَمَتِّعُوهُنَّ} [البقرة: 236]، إشارة إلى أن من ترك من الطلاب وأهل الإرادة مالا ً فليمتع به أقرباؤه حين فارقهم في الله سبحانه ليزيل عنهم بحلاوة المال مرارة الفراق، فإن الفطام عن المال صفات الشديد، وتنفيق المال عليهم بقدر قربهم في القرابة وبعدهم؛ بل يقسم بينهم فرائض الله كالميراث، فإنه قد مات عنهم بالحقيقة، وإن هذا {مَتَاعاً بِٱلْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى ٱلْمُحْسِنِينَ} [البقرة: 236]، لأن الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فالمحسن من لا يكون نظره إلى غير الله وفي قوله تعالى: {وَأَن تَعْفُوۤاْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ} [البقرة: 237]، إشارة إلى أن الوصول إلى تقوى الله حق تقاته إنما هو بترك ما سوى الله والتجاوز عنه، فإن المواصلة إلى الخالق على قدر المفارقة عن المخلوق والتقرب إلى الله تعالى بقدر التعبد عما سواه، وفي قوله تعالى: {وَلاَ تَنسَوُاْ ٱلْفَضْلَ بَيْنَكُمْ} [البقرة: 237]، هاهنا في الدنيا، فإن حلول الجنة ودخولها هناك لا ينال إلا من فضلة لقوله الذي أحلنا دار المقامة من فضله {إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ} [البقرة: 237]، وفي وجدان الفضل وفقدانه {بَصِيرٌ} [البقرة: 237]. ثم أخبر عن وحدان الفضل وفقدانه بقوله تعالى: {حَافِظُواْ عَلَى ٱلصَّلَوَٰتِ وٱلصَّلَٰوةِ ٱلْوُسْطَىٰ} [البقرة: 238]، الآيتين والإشارة فيهما أن الله تعالى أشار في حفظ الصلاة بصورة المفاعلة التي بين الاثنين وقال: حافظوا على الصلاة يعني محافظة الصلاة كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: قال الله تعالى: "حديث : قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين فنصفها لي ونصفها لعبدي ولعبدي ما سأل"؛ تفسير : فمعناه أني أحافظكم بقدر التوفيق والإجابة والقبول والإنابة عليها، فحافظوا أنتم على الصلاة بالصدق والإخلاص والحضور والخشوع والمناجاة بالتذلل والانكسار والاستعانة والاستهداء والسكون والوقار والهيبة والتعظيم وحفظ القلوب بدوام المشهود، فإنما هي الصلاة الوسطى؛ لأن القلب هو الذي في وسط الإنسان ما هو واسطة ين الروح والجسد، ولهذا سمي القلب فالإشارة في تخصيص المحافظة على الصلاة الوسطى هي القلب بدوام الشهود، فإن البدن ساعة يحفظ أركان الصلاة وأبنيتها، وساعة يخرج منها فلا سبيل إلى حفظ صورتها يبعث الدوام ولا إلى حفظ معانيها بوصف الحضور والشهود، وإنما هو من شأن القلب لقوله تعالى: {أية : إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى ٱلسَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ}تفسير : [ق: 37]، فإنه من نعت أرباب القلوب أنهم في صلواتهم دائمون والإشارة إليهم في قوله تعالى: {وَقُومُواْ للَّهِ قَٰنِتِينَ} [البقرة: 238]، رأي لعين الله فانتين أي: طالبين ومعنى الآية في التحقيق أن حافظوا على صورة الصلاة بشرائطها المأمور بها عموماً، وحافظوا على معاني الصلاة وحقائقها بدوام شهود القلب للرب في الصلاة بعد الخروج خصوصاً {وَقُومُواْ للَّهِ} أي: اجعلوا القيام إلى الصلاة معراجاً في طلب الحق {قَٰنِتِينَ} طالبين من الله الوصول إليه لا تسألوا عنه غير إذا قال: "حديث : ولعبدي ما سأل ".
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : هذا خبر بمعنى الأمر، تنزيلا له منزلة المتقرر، الذي لا يحتاج إلى أمر بأن { يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ } . ولما كان الحول، يطلق على الكامل، وعلى معظم الحول قال: { كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ } فإذا تم للرضيع حولان، فقد تم رضاعه وصار اللبن بعد ذلك، بمنزلة سائر الأغذية، فلهذا كان الرضاع بعد الحولين، غير معتبر، لا يحرم. ويؤخذ من هذا النص، ومن قوله تعالى: {أية : وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا } تفسير : أن أقل مدة الحمل ستة أشهر، وأنه يمكن وجود الولد بها. { وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ } أي: الأب { رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ } وهذا شامل لما إذا كانت في حباله أو مطلقة، فإن على الأب رزقها، أي: نفقتها وكسوتها، وهي الأجرة للرضاع. ودل هذا، على أنها إذا كانت في حباله، لا يجب لها أجرة، غير النفقة والكسوة، وكل بحسب حاله، فلهذا قال: { لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلا وُسْعَهَا } فلا يكلف الفقير أن ينفق نفقة الغني، ولا من لم يجد شيئا بالنفقة حتى يجد، { لا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ } أي: لا يحل أن تضار الوالدة بسبب ولدها، إما أن تمنع من إرضاعه، أو لا تعطى ما يجب لها من النفقة، والكسوة أو الأجرة، { وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ } بأن تمتنع من إرضاعه على وجه المضارة له، أو تطلب زيادة عن الواجب، ونحو ذلك من أنواع الضرر. ودل قوله: { مَوْلُودٌ لَهُ } أن الولد لأبيه، لأنه موهوب له، ولأنه من كسبه، فلذلك جاز له الأخذ من ماله، رضي أو لم يرض، بخلاف الأم. وقوله: { وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ } أي: على وارث الطفل إذا عدم الأب، وكان الطفل ليس له مال، مثل ما على الأب من النفقة للمرضع والكسوة، فدل على وجوب نفقة الأقارب المعسرين، على القريب الوارث الموسر، { فَإِنْ أَرَادَا } أي: الأبوان { فِصَالا } أي: فطام الصبي قبل الحولين، { عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا } بأن يكونا راضيين { وَتَشَاوُرٍ } فيما بينهما، هل هو مصلحة للصبي أم لا؟ فإن كان مصلحة ورضيا { فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا } في فطامه قبل الحولين، فدلت الآية بمفهومها، على أنه إن رضي أحدهما دون الآخر، أو لم يكن مصلحة للطفل، أنه لا يجوز فطامه. وقوله: { وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ } أي: تطلبوا لهم المراضع غير أمهاتهم على غير وجه المضارة { فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ } أي: للمرضعات، { وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } فمجازيكم على ذلك بالخير والشر.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 107 : 71 - سفين عن منصور عن إبراهيم قال، إذا قام الرضاع على ثمن، فالأم أحق. [الآية 233]. 108 : 57 - سفين عن المغيرة عن إبراهيم في قول الله جل وعز {وَعَلَى ٱلْوَارِثِ مِثْلُ ذٰلِكَ} قال، الرضاع. [الآية 233]. 109 : 58 - سفين عن عيسى عن مجاهد قال، الرضاع، ولا يضار. 110 : 59 - سفين عن ليث عن مجاهد في قوله جل وعز {فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَن تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ} قال، التشاور فيما دون الحولين. قال، إن أرادت أن تفطم، فليس لها ذاك. وإن أراد أن يفطم ولم ترده، فليس له ذاك ما دون الحولين حتى يجتمعا أو يصطلحا. 111 : 60 - سفين عن السدي في قول الله جل وعز {وَإِنْ أَرَدتُّمْ أَن تَسْتَرْضِعُوۤاْ أَوْلاَدَكُمْ} من امرأة أخرى {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُم} لهذه "لأجرها بالمعروف".
همام الصنعاني
تفسير : 287- عبد الرزاق، قال: حدّثنا معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {لاَ تُضَآرَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا}: [الآية: 233]، يقول: لا ترمِ به إلى أبيه ضِراراً، {وَلاَ مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ}: [الآية: 233]، يقول: ولا الوالد فَيَنْتَزِعُه منها ضِراراً إذا رضيت من أجْرِ الرَّضاع بما يَرْضَى بِهِ غيرُها، وهيَ أحَقُّ بهِ إذا رضِيت بذلك، وعلى وارث الصَّبيِّ مثل ما عَلى أبيهِ إذا كان قد هَلَكَ أبوه ولم يكُن له مالٌ، فإنَّ على الوارث أجْر الرِّضاعِ. 288- عبد الرزاق، قال: حدثنا ابن جُريج أنَّ عَمْرو بن شُعَيْبٍ أخبره، أنَّ سعيد بن المسيَّب أخبره، أنّ عمر بن الخطاب قال في قوله تعالى: {وَعَلَى ٱلْوَارِثِ مِثْلُ ذٰلِكَ}: [الآية: 233]، قال: وقَف بني عمّ على منفوس، كَلالة بالنفقة عليه مثل العاقِلة، فقالوا: لا مَالَ لَهُ، قال: ولو، يوقفهم بالنفقة عليه.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):