٢ - ٱلْبَقَرَة
2 - Al-Baqara (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
234
Tafseer
الرازي
تفسير : الحكـم الثالث عشر عـدة الوفـاة وفيه مسائل: المسألة الأولى: يتوفون معناه يموتون ويقبضون قال الله تعالى: {أية : ٱللَّهُ يَتَوَفَّى ٱلأَنفُسَ حِينَ مِوْتِـهَا } تفسير : [الزمر: 42] وأصل التوفي أخذ الشيء وافياً كاملاً، فمن مات فقد وجد عمره وافياً كاملاً، ويقال: توفي فلان، وتوفي إذا مات، فمن قال: توفي. كان معناه قبض وأخذ ومن قال: توفى. كان معناه توفى أجله واستوفى أكله وعمره وعليه قراءة علي عليه السلام يتوفون بفتح الياء. وأما قوله: {وَيَذَرُونَ } معناه: يتركون، ولا يستعمل منه الماضي ولا المصدر استغناءً عنه يترك تركاً، ومثله يدع في رفض مصدره وماضيه، فهذان الفعلان العابر والأمر منهما موجودان، يقال: فلان يدع كذا ويذر ويقال: دعه وذره أما الماضي والمصدر فغير موجودين منهما والأزواج ههنا النساء والعرب تسمي الرجل زوجاً وامرأته زوجاً له، وربما ألحقوا بها الهاء. المسألة الثانية: قوله: {وَٱلَّذِينَ } مبتدأ ولا بد له من خبر، واختلفوا في خبره على أقوال الأول: أن المضاف محذوف والتقدير، وأزواج الذين يتوفون منكم يتربصن والثاني: وهو قول الأخفش التقدير: يتربصن بعدهم إلا أنه أسقط لظهوره كقوله: السمن منوان بدرهم وقوله تعالى: {أية : وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ ٱلأَمُورِ } تفسير : [الشورى: 43] والثالث: وهو قول المبرد: والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً، أزواجهم يتربصن، قال: وإضمار المبتدأ ليس بغريب قال تعالى: {أية : قُلْ أَفَأُنَبّئُكُم بِشَرّ مّن ذٰلِكُمُ ٱلنَّارُ } تفسير : [الحج: 72] يعني هو النار، وقوله: {أية : فَصَبْرٌ جَمِيلٌ } تفسير : [يوسف: 18]. فإن قيل: أنتم أضمرتم ههنا مبتدأ مضافاً، وليس ذلك شيئاً واحداً بل شيئان، والأمثلة التي ذكرتم المضمر فيها شيء واحد.{أية : لاَ يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِى ٱلْبِلَـٰدِ * مَتَـٰعٌ قَلِيلٌ}تفسير : [آل عمران: 196، 197] والمعنى: تقلبهم متاع قليل الرابع: وهو قول الكسائي والفراء، أن قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ } مبتدأ، إلا أن الغرض غير متعلق ههنا ببيان حكم عائد إليهم، بل ببيان حكم عائد إلى أزوجهم، فلا جرم لم يذكر لذلك المبتدأ خبراً، وأنكر المبرد والزجاج ذلك، لأن مجىء المبتدأ بدون الخبر محال. المسألة الثالثة: قد بينا فيما تقدم معنى التربص، وبينا الفائدة في قوله: {بِأَنفُسِهِنَّ } وبينا أن هذا وإن كان خبراً إلا أن المقصود منه هو الأمر، وبينا الفائدة في العدول عن لفظ الأمر إلى لفظ الخبر. المسألة الرابعة: قوله: {وَعَشْرًا } مذكور بلفظ التأنيث مع أن المراد عشرة أيام، وذكروا في العذر عنه وجوهاً الأول: تغليب الليالي على الأيام وذلك أن ابتداء الشهر يكون من الليل، فلما كانت الليالي هي الأوائل غلبت، لأن الأوائل أقوى من الثواني، قال ابن السكيت: يقولون صمنا خمساً من الشهر، فيغلبون الليالي على الأيام، إذ لم يذكروا الأيام، فإذا أظهروا الأيام قالوا صمنا خمسة أيام الثاني: أن هذه الأيام أيام الحزن والمكروه، ومثل هذه الأيام تسمى بالليالي على سبيل الاستعارة، كقولهم: خرجنا ليالي الفتنة، وجئنا ليالي إمارة الحجاج والثالث: ذكره المبرد، وهو أنه إنما أنث العشر لأن المراد به المدة، معناه وعشر مدد، وتلك المدة كل مدة منها يوم وليلة الرابع: ذهب بعض الفقهاء إلى ظاهر الآية، فقال: إذا انقضى لها أربعة أشهر وعشر ليال حلت للأزواج، فيتأول العشرة بالليالي، وإليه ذهب الأوزاعي وأبو بكر الأصم. المسألة الخامسة: روي عن أبـي العالية أن الله سبحانه إنما حد العدة بهذا القدر لأن الولد ينفخ فيه الروح في العشر بعد الأربعة، وهو أيضاً منقول عن الحسن البصري. المسألة السادسة: اعلم أن هذه العدة واجبة في كل امرأة مات عنها زوجها إلا في صورتين أحداهما: أن تكون أمة فإنها تعتد عند أكثر الفقهاء نصف عدة الحرة، وقال أبو بكر الأصم: عدتها عدة الحرائر، وتمسك بظاهر الآية، وأيضاً الله تعالى جعل وضع الحمل في حق الحامل بدلاً عن هذه المدة، ثم وضع الحمل مشترك فيه الحرة والرقيقة، فكذا الاعتداد بهذه المدة يجب أن يشتركا فيه، وسائر الفقهاء قالوا: التنصيف في هذه المدة ممكن، وفي وضع الحمل غير ممكن، فظهر الفرق. الصورة الثانية: أن يكون المراد إن كانت حاملاً فإن عدتها تنقضي بوضع الحمل، فإذا وضعت الحمل حلت، وإن كان بعد وفاة الزوج بساعة، وعن علي عليه السلام: تتربص أبعد الأجلين، والدليل عليه القرآن والسنة. أما القرآن فقوله تعالى: {أية : وَأُوْلَـٰتُ ٱلأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ } تفسير : [الطلاق: 4] ومن الناس من جعل هذه الآية مخصصة لعموم قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوٰجًا } والشافعي لم يقل بذلك لوجهين الأول: أن كل واحدة من هاتين الآيتين أعم من الأخرى من وجه وأخص منها من وجه، لأن الحامل قد يتوفى عنها زوجها وقد لا يتوفى، كما أن التي توفى عنها زوجها قد تكون حاملاً وقد لا تكون، ولما كان الأمر كذلك امتنع جعل إحدى الآيتين مخصصة للأخرى والثاني: أن قوله: {وَأُوْلَـٰتُ ٱلأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ } إنما ورد عقيب ذكر المطلقات، فربما يقول قائل: هي في المطلقة لا في المتوفى عنها زوجها. فلهذين السببين لم يعول الشافعي في الباب على القرآن، وإنما عول على السنة، وهي ما روى أبو داود بإسناده أن سبيعة بنت الحرث الأسلمية كانت تحت سعد بن خولة، فتوفي عنها في حجة الوداع وهي حامل، فولدت بعد وفاة زوجها بنصف شهر، فلما طهرت من دمها تجملت للخطاب، فقال لها بعض الناس: ما أنت بناكح حتى تمر عليك أربعة أشهر وعشر، قالت سبيعة: فسألت النبـي صلى الله عليه وسلم عن ذلك فأفتاني بأني قد حللت حين وضعت حملي، فأمرني بالتزوج إن بدا لي، إذا عرفت هذا الأصل فههنا تفاريع الأول: لا فرق في عدة الوفاة بين الصغيرة والكبيرة وقال ابن عباس: لا عدة عليها قبل الدخول وهذا قول متروك لأن الآية عامة في حق الكل. الحكم الثاني: إذا تمت أربعة أشهر وعشر انقضت عدتها، وإن لم تر عادتها من الحيض فيها وقال مالك: لا تنقضي عدتها حتى ترى عادتها من الحيض في تلك الأيام، مثلاً إن كانت عادتها أن تحيض في كل شهر مرة فعليها في عدة الوفاة أربع حيض، وإن كانت عادتها أن تحيض في كل شهرين مرة فعليها حيضتان، وإن كانت عادتها أن تحيض في كل أربعة أشهر مرة فعليها حيضة واحدة، وإن كانت عادتها أن تحيض في كل خمسة أشهر مرة فههنا تكفيها الشهور حجة الشافعي رحمه الله أن هذه الآية دلت على أنه تعالى أمر المتوفى عنها زوجها بهذه المدة ولم يزد على هذا القدر فوجب أن يكون هذا القدر كافياً، ثم قال الشافعي: إنها إن ارتابت استبرأت نفسها من الريبة، كما أن ذات الإقراء لو ارتابت وجب عليها أن تحتاط. الحكم الثالث: إذا مات الزوج فإن كان بقي من شهر الوفاة أكثر من عشرة أيام فالشهر الثاني والثالث والرابع يؤخذ بالأهلة سواء خرجت كاملة أو ناقصة، ثم تكمل الشهر الأول بالخامس ثلاثين يوماً، ثم تضم إليها عشرة أيام، وإن مات وقد بقي من الشهر أقل من عشرة أيام اعتبر أربعة أشهر بعد ذلك بالأهلة وكمل العشر من الشهر السادس. المسألة السابعة: أجمع الفقهاء على أن هذه الآية ناسخة لما بعدها من الاعتداد بالحول وإن كانت متقدمة في التلاوة غير أبـي مسلم الأصفهاني فإنه أبـى نسخها، وسنذكر كلامه من بعد إن شاء الله تعالى، والتقدم في التلاوة لا يمنع التأخر في النزول، إذ ليس ترتيب المصحف على ترتيب النزول، وإنما ترتيب التلاوة في المصاحف هو ترتيب جبريل بأمر الله تعالى. المسألة الثامنة: اختلفوا في أن هذه العدة سببها الوفاة أو العلم بالوفاة، فقال بعضهم: ما لم تعلم بوفاة زوجها لا تعتد بانقضاء الأيام في العدة، واحتجوا بأنه تعالى قال: {يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ } ولا يحصل إلا إذا قصدت هذا التربص، والقصد إلى التربص لا يحصل إلا مع العلم بذلك، والأكثرون قالوا السبب هو الموت، فلو انقضت المدة أو أكثرها ثم بلغها خبر وفاة الزوج وجب أن تعتد بما انقضى، قالوا والدليل عليه أن الصغيرة التي لا علم لها يكفي في انقضاء عدتها انقضاء هذه المدة. المسألة التاسعة: المراد من تربصها بنفسها الامتناع عن النكاح، والامتناع عن الخروج من المنزل الذي توفي زوجها فيه: والامتناع عن التزين وهذا اللفظ كالمجمل لأنه ليس فيه بيان أنها تتربص في أي شيء إلا أنا نقول: الامتناع عن النكاح مجمع عليه، وأما الامتناع عن الخروج من المنزل فواجب إلا عند الضرورة والحاجة، وأما ترك التزين فهو واجب، لما روي عن عائشة وحفصة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث ليال إلا على زوج أربعة أشهر وعشراً» تفسير : وقال الحسن والشعبـي: هو غير واجب لأن الحديث يقتضي حل الإحداد لا وجوبه والله أعلم. واحتجوا بما روي عن أسماء بنت عميس قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : وتلبثي ثلاثاً ثم اصنعي ما شئت». تفسير : المسألة العاشرة: احتج من قال: إن الكفار ليسوا مخاطبين بفروع الشرائع بقوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ } فقوله: {مّنكُمْ } خطاب مع المؤمنين، فدل على أن الخطاب بهذه الفروع مختص بالمؤمنين فقط. وجوابه: أن المؤمنين لما كانوا هم العاملين بذلك خصهم بالذكر كقوله: {أية : إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرُ مَن يَخْشَـٰهَا } تفسير : [النازعات: 45] مع أنه كان منذراً للكل، لقوله تعالى: {أية : لِيَكُونَ لِلْعَـٰلَمِينَ نَذِيراً } تفسير : [الفرقان: 1]. وأما قوله تعالى: {فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ } فالمعنى إذا انقضت هذه المدة التي هي أجل العدة فلا جناح عليكم قيل الخطاب مع الأولياء لأنهم الذين يتولون العقد، وقيل: الخطاب مع الحكام وصلحاء المسلمين، وذلك لأنهن إن تزوجن في مدة العدة وجب على كل واحد منعهن عن ذلك إن قدر على المنع، فإن عجز وجب عليه أن يستعين بالسلطان، وذلك لأن المقصود من هذه العدة أنه لا يؤمن اشتمال فرجها على ماء زوجها الأول، وفي الآية وجه ثالث وهو أنه {لاَّ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ } تقديره: لا جناح على النساء وعليكم، ثم قال: {فِيمَا فَعَلْنَ فِى أَنفُسِهِنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ } أي ما يحسن عقلاً وشرعاً لأنه ضد المنكر الذي لا يحسن، وذلك هو الحلال من التزوج إذا كان مستجمعاً لشرائط الصحة، ثم ختم الآية بالتهديد، فقال: {وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ }. بقي في الآية مسائل: المسألة الأولى: تمسك بعضهم في وجوب الإحداد على المرأة بقوله تعالى: {فِيمَا فَعَلْنَ فِى أَنفُسِهِنَّ } فإن ظاهره يقتضي أن يكون المراد منه ما تنفرد المرأة بفعله، والنكاح ليس كذلك، فإنه لا يتم إلا مع الغير فوجب أن يحمل ذلك على ما يتم بالمرأة وحدها من التزين والتطيب وغيرهما. المسألة الثانية: تمسك أصحاب أبـي حنيفة بهذه الآية في جواز النكاح بغير ولي، قالوا: إنها إذا زوجت نفسها وجب أن يكون ذلك جائزاً لقوله تعالى: {وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِى أَنفُسِهِنَّ } وإضافة الفعل إلى الفاعل محمول على المباشرة، لأن هذا هو الحقيقة في اللفظة، وتمسك أصحاب الشافعي رضي الله تعالى عنه في أن هذا النكاح لا يصح إلا من الولي لأن قوله: {لاَّ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ } خطاب مع الأولياء ولولا أن هذا العقد لا يصح إلا من الولي وإلا لما صار مخاطباً بقوله: {لاَّ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ } وبالله التوفيق.
القرطبي
تفسير : . فيه خمس وعشرون مسألة: الأُولى ـ قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ} لما ذكر عز وجل عدّة الطلاق وٱتصل بذكرها ذكر الإرضاع، ذكر عدّة الوفاة أيضاً؛ لئلا يتوهم أن عدّة الوفاة مثل عدّة الطلاق. «والَّذِينَ» أي والرجال الذين يموتون منكم. {وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً} أي يتركون أزواجاً، أي ولهم زوجات؛ فالزوجات {يَتَرَبَّصْنَ}؛ قال معناه الزجاج وٱختاره النحاس. وحذْفُ المبتدأ في الكلام كثيرٌ؛ كقوله تعالى: {أية : قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذٰلِكُمُ ٱلنَّارُ} تفسير : [الحج: 72] أي هو النار. وقال أبو عليّ الفارسي: تقديره والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً يتربصن بعدهم؛ وهو كقولك: السَّمْن مَنَوانِ بدرهمٍ، أي منوان منه بدرهم. وقيل: التقدير وأزواج الذين يتوفون منكم يتربصن؛ فجاءت العبارة في غاية الإيجاز. وحكى المهدوِيّ عن سيبويه أن المعنى: وفيما يتلى عليكم الذين يتوفون. وقال بعض نُحَاةِ الكوفة: الخبر عن «الذين» متروك، والقصد الإخبار عن أزواجهم بأنهنّ يتربصْنَ؛ وهذا اللفظ معناه الخبر عن المشروعية في أحد الوجهين كما تقدّم. الثانية ـ هذه الآية في عدّة المتوفى عنها زوجها، وظاهرها العموم ومعناها الخصوص. وحكى المهدوِيّ عن بعض العلماء أن الآية تناولت الحوامل ثم نسخ ذلك بقوله {أية : وَأُوْلاَتُ ٱلأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} تفسير : [الطلاق: 4]. وأكثر العلماء على أن هذه الآية ناسخة لقوله عز وجل: {أية : وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً وَصِيَّةً لأَزْوَاجِهِمْ مَّتَاعاً إِلَى ٱلْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ} تفسير : [البقرة: 240] لأن الناس أقاموا بُرهة من الإسلام إذا توفى الرجل وخلّف ٱمرأته حاملاً أوصى لها زوجها بنفقة سَنَة وبالسُّكنى ما لم تخرج فتتزوّج؛ ثم نسخ ذلك بأربعة أشهر وعشر، وبالميراث. وقال قوم: ليس في هذا نسخ وإنما هو نقصان من الحول؛ كصلاة المسافر لما نقصت من الأربع إلى الاثنتين لم يكن هذا نسخاً. وهذا غلط بيِّن؛ لأنه إذا كان حكمها أن تعتدّ سنةً إذا لم تخرج، فإن خرجت لم تُمنع، ثم أزيل هذا ولزمتها العدّة أربعةَ أشهر وعشراً. وهذا هو النسخ، وليست صلاة المسافر من هذا في شيء. وقد قالت عائشة رضي الله عنها: فرضت الصلاة ركعتين ركعتين، فزِيد في صلاة الحضر وأُقرّت صلاة السفر بحالها؛ وسيأتي. الثالثة ـ عدّة الحامل المتوفى عنها زوجها وضع حملها عند جمهور العلماء. وروي عن علي بن أبي طالب وٱبن عباس أن تمام عدّتها آخر الأجلين؛ وٱختاره سحنون من علمائنا. وقد روي عن ٱبن عباس أنه رجع عن هذا. والحجة لما روي عن علي وٱبن عباس رَوْمُ الجمع بَيْن قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً} وبَيْن قوله: {أية : وَأُوْلاَتُ ٱلأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} تفسير : [الطلاق: 4] وذلك أنها إذا قعدت أقصى الأجليْن فقد عملت بمقتضى الآيتَيْن، وإن ٱعتدت بوضع الحمل فقد تركت العمل بآية عدّة الوفاة، والجمع أولى من الترجيح بٱتفاق أهل الأُصول. وهذا نظر حسن لولا ما يَعكّر عليه من حديث سُبَيْعَة الأسْلَميةِ وأنها نفِست بعد وفاة زوجها بليال، وأنها ذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأمرها أن تتزوّج؛ أخرجه في الصحيح. فبين الحديث أن قوله تعالى: {أية : وَأُوْلاَتُ ٱلأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} تفسير : [الطلاق: 4] محمول على عمومه في المطلقات والمتوفى عنهن أزواجهن، وأن عدّة الوفاة مختصة بالحائل من الصِّنفين؛ ويَعْتَضِد هذا بقول ٱبن مسعود: ومن شاء باهلته أن آية النِّسَاء القصرى نزلت بعد آية عدّة الوفاة. قال علماؤنا: وظاهر كلامه أنها ناسخة لها وليس ذلك مراده. والله أعلم. وإنما يعني أنها مخصّصة لها؛ فإنها أخرجت منها بعض متناولاتها. وكذلك حديث سُبَيْعة متأخرٌ عن عدّة الوفاة؛ لأن قصة سبيعة كانت بعد حَجّة الوَداع، وزوجها هو سَعْد بن خَوْلَة وهو من بني عامر بن لُؤَيّ وهو ممن شهد بدراً، توفى بمكة حينئذ وهي حامل، وهو الذي رَثَى له رسول الله صلى الله عليه وسلم من أن توفى بمكة، وولدت بعده بنصف شهر. وقال البخاريّ: بأربعين ليلة. وروى مسلم من حديث عمر بن عبد الله بن الأرقم أن سُبيعة سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك قالت: فأفْتَاني بأنِّي قد حللتُ حين وضعتُ حَمْلي، وأمرني بالتزوّج إن بَدَا لي. قال ٱبن شهاب: ولا أرى بأساً أن تتزوّج حين وَضعتْ وإن كانت في دمها، غير أن زوجها لا يَقْرُبْها حتى تطهر؛ وعلى هذا جمهور العلماء وأئمة الفقهاء. وقال الحسن والشعبيّ والنخعيّ وحَمّاد: لا تنكح النفساءُ ما دامت في دَمِ نِفاسها. فٱشترطوا شرطين: وَضْعَ الحمل، والطُّهْر من دَم النفاس. والحديث حجة عليهم، ولا حجة لهم في قوله: «حديث : فلما تَعَلَّتْ مِنْ نِفَاسِها تَجَمَّلَتْ لِلْخُطَّاب»تفسير : كما في صحيح مسلم وأبي داود؛ لأن «تَعَلّتْ» وإن كان أصله طهرت من دم نفاسها ـ على ما قاله الخليل ـ فيحتمل أن يكون المراد به هٰهنا تَعَلّت من آلام نفاسها؛ أي ٱستَقَلّت من أوجاعها. ولو سُلِّم أن معناه ما قال الخليل فلا حجة فيه؛ وإنما الحجة في حديث : قوله عليه السلام لسُبَيْعة: «قد حللت حين وضعت»تفسير : فأوقع الحِلّ في حين الوضع وعلّقه عليه، ولم يقل إذا ٱنقطع دمُكِ ولا إذا طهرتِ؛ فَصحّ ما قاله الجمهور. الرابعة ـ ولا خلاف بين العلماء على أن أجَلَ كلِّ حامل مطلقةٍ يملك الزوج رجعتها أو لا يملك، حُرّة كانت أو أَمَة أو مُدَبَّرة أو مكاتَبَة أن تضع حملها. وٱختلفوا في أجل الحامل المتوفى عنها كما تقدّم؛ وقد أجمع الجميع بلا خلاف بينهم أن رجلاً لو توفى وترك ٱمرأة حاملاً فٱنقضت أربعةُ أشهر وعشرٌ أنها لا تحل حتى تلد؛ فعُلِم أن المقصود الولادة. الخامسة ـ قوله تعالى: {يَتَرَبَّصْنَ} التربص: التأنِّي والتصبُّر عن النكاح، وترك الخروج عن مسكن النكاح وذلك بألاَّ تفارقه ليلاً. ولم يذكر الله تعالى السكنى للمتوفّى عنها في كتابه كما ذكرها للمطلَّقة بقوله تعالى: {أية : أَسْكِنُوهُنَّ} تفسير : [الطلاق: 6] وليس في لفظ العدّة في كتاب الله تعالى ما يدل على الإحْدَاد، وإنما قال: «يَتَرَبَّصْنَ» فبيَّنَتْ السنة جميع ذلك. والأحاديث عن النبيّ صلى الله عليه وسلم مُتَظَاهرة بأنّ التّربّص في الوفاة إنما هو بإحداد، وهو الامتناع من الزِّينَة ولبس المصبوغ الجميل والطّيّب ونحوه، وهذا قول جمهور العلماء. وقال الحسن ٱبن أبي الحسن: ليس الإحداد بشيء، إنما تتربّصُ عن الزوج، ولها أن تتَزيَّن وتَتطيّب؛ وهذا ضعيف لأنه خلاف السنة على ما نبينه إن شاء الله تعالى. وثبتحديث : أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال للفُرَيْعَة بنت مالك بن سِنَان وكانت متوَفًّى عنها: «امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله»تفسير : قالت: فٱعتددت فيه أربعة أشهر وعشراً؛ وهذا حديث ثابت أخرجه مالك عن سعيد بن إسحاق بن كعب بن عجرة، رواه عنه مالك والثوريّ ووهيب بن خالد وحماد بن زيد وعيسى بن يونس وعدد كثير وٱبن عيينة والقطان وشعبة، وقد رواه مالك عن ٱبن شهاب وحسبك! قال الباجِيّ: لم يرو عنه غيره، وقد أخذ به عثمان بن عفان. قال أبو عمر: وقضى به في ٱعتداد المتوفَّى عنها في بيتها، وهو حديث معروف مشهور عند علماء الحجاز والعراق أن المتوفى عنها زوجها عليها أن تعتدّ في بيتها ولا تخرج عنه، وهو قول جماعة فقهاء الأمصار بالحجاز والشام والعراق ومصر. وكان داود يذهب إلى أن المتوفى عنها زوجها ليس عليها أن تعتدّ في بيتها وتعتدّ حيث شاءت، لأن السكنى إنما ورد به القرآن في المطلقات؛ ومن حجته أن المسألة مسألة خلاف. قالوا: وهذا الحديث إنما ترويه ٱمرأة غير معروفة بحمل العلم؛ وإيجاب السكنى إيجاب حكم، والأحكام لا تجب إلا بنصِّ كتاب الله أو سنة أو إجماع. قال أبو عمر: أما السنة فثابتة بحمد الله، وأما الإجماع فمستغنًى عنه بالسنة؛ لأن الاختلاف إذا نزل في مسألة كانت الحجة في قول من وافقته السنة، وبالله التوفيق. وروي عن عليّ وٱبن عباس وجابر وعائشة مثل قول داود؛ وبه قال جابر بن زيد وعطاء والحسن البصريّ. قال ٱبن عباس: إنما قال الله تعالى: {يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً} ولم يقل يعتددن في بيوتهن، ولتعتدّ حيث شاءت؛ ورُوي عن أبي حنيفة. وذكر عبد الرزاق قال: حدّثنا مَعْمَر عن الزُّهريّ عن عروة قال: خرجت عائشة بأُختها أُمّ كلثوم ـ حين قُتل عنها زوجها طلحة بن عبيد الله ـ إلى مكة في عُمْرة، وكانت تُفتِي المتوفَّى عنها (زوجها) بالخروج في عدّتها. قال: وحدّثنا الثوريّ عن عبيد الله بن عمر أنه سمع القاسم بن محمد يقول: أبى الناس ذلك عليها. قال: وحدّثنا معمر عن الزهريّ قال: أخذ المترخِّصون في المتوفى عنها زوجها بقول عائشة، وأخذ أهل الوَرَع والعزْم بقول ٱبن عمر. وفي الموطأ: أن عمر بن الخطاب كان يردّ المتوفَّى عنهنّ أزواجهن من البَيْدَاء يمنعهن الحج. وهذا من عمر رضي الله عنه ٱجتهاد؛ لأنه كان يرى ٱعتداد المرأة في منزل زوجها المتوفَّى عنها لازماً لها؛ وهو مقتضى القرآن والسنة، فلا يجوز لها أن تخرج في حَجّ ولا عمرة حتى تنقضي عدّتها. وقال مالك: تردّ ما لم تحرِم. السادسة ـ إذا كان الزوج يملك رقبة المسكن فإن للزوجة العدّة فيه؛ وعليه أكثر الفقهاء: مالك وأبو حنيفة والشافعيّ وأحمد وغيرهم لحديث الفُرَيْعة. وهل يجوز بيع الدار إذا كانت مِلكاً للمتوفَّى وأراد ذلك الورثة؛ فالذي عليه جمهور أصحابنا أن ذلك جائز، ويشترط فيه العدّة للمرأة. قال ٱبن القاسم: لأنها أحق بالسكنى من الغُرَماء. وقال محمد بن الحكم: البيع فاسد؛ لأنها قد ترتاب فتمتدّ عدّتها. وجه قولَ ٱبن القاسم: أن الغالب السّلامةُ، والريبة نادرةٌ وذلك لا يؤثر في فساد العقود؛ فإن وقع البيع فيه بهذا الشرط فٱرتابتْ، قال مالك في كتاب محمد: هي أحقّ بالمقام حتى تنقضي الرِّيبةُ، وأحبّ إلينا أن يكون للمشتري الخيار في فسخ البيع أو إمضائه ولا يرجع بشيء؛ لأنه دخل على العدّة المعتادة، ولو وقع البيع بشرط زوال الريبة كان فاسداً. وقال سُحْنون: لا حجة للمشتري وإن تمادت الرِّيبةُ إلى خمس سنين؛ لأنه دخل على العدّة والعدّة قد تكون خمس سنين؛ ونحو هذا رَوى أبو زيد عن ٱبن القاسم. السابعة ـ فإن كان للزوج السكنى دون الرّقبة، فلها السكنى في مدّة العدّة، خلافاً لأبي حنيفة والشافعي؛ حديث : لقوله عليه السلام للفُرَيْعة ـ وقد علم أن زوجها لا يملك رقبة المسكن ـ: «امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله»تفسير : . لا يقال إن المنزل كان لها، فلذلك قال لها: «حديث : ٱمكثي في بيتك»تفسير : فإن مَعْمرا روى عن الزُّهريّ أنها ذكرت للنبيّ صلى الله عليه وسلم أن زوجها قُتل، وأنه تركها في مسكن ليس لها وٱستأذنته؛ وذكر الحديث. ولنا من جهة المعنى أنه ترك داراً يملك سكناها ملْكاً لا تَبِعة عليه فيه؛ فلزم أن تعتدّ الزوجةُ فيه؛ أصل ذلك إذا ملَك رقبتها. الثامنة ـ وهذا إذا كان قد أدّى الكِراء، وأما إذا كان لم يؤدّ الكراء فالذي في المدوّنة: أنه لا سكنى لها في مال الميت وإن كان موسراً؛ لأن حقها إنما يتعلق بما يملكه من السكنى مِلكاً تامّاً، وما لم ينقد عوضه لم يملكه مِلكاً تاماً، وإنما ملك العِوض الذي بيده، ولا حق في ذلك للزوجة إلا بالميراث دون السكنى؛ لأن ذلك مالٌ وليس بسكنى. وروى محمد عن مالك أن الكِراء لازم للميت في ماله. التاسعة ـ قوله صلى الله عليه وسلم للفُرَيْعة: «حديث : ٱمكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله» تفسير : يحتمل أنه أمرها بذلك لما كان زوجها قد أدَّى كراء المسكن، أو كان أُسْكِن فيه إلى وفاته، أو أن أهل المنزل أباحوا لها العدّة فيه بكراء أو غير كراء، أو ما شاء الله تعالى من ذلك مما رأى به أن المُقام لها فيه حتى تنقضي عدّتها. العاشرة ـ وٱختلفوا في المرأة يأتيها نَعْيُ زوجها وهي في بيت غير بيت زوجها؛ فأمرها بالرجوع إلى مسكنه وقراره مالكُ بن أنس؛ وروي ذلك عن عمر بن عبد العزيز (رضي الله عنه). وقال سعيد بن المسيِّب والنّخعيّ: تعتدّ حيث أتاها الخبر، لا تبرح منه حتى تنقضي العدّة. قال ٱبن المنذر: قول مالك صحيح، إلا أن يكون نقلها الزوج إلى مكان فتلزم ذلك المكان. الحادية عشرة ـ ويجوز لها أن تخرج في حوائجها من وقت ٱنتشار الناس بكرة إلى وقت هدوئهم بعد العتمة، ولا تبيت إلا في ذلك المنزل. وفي البخاريّ ومسلم عن أُم عطية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : لا تُحِدّ ٱمرأةٌ على ميّت فوقَ ثلاثٍ إلا على زوج أربعة أشهر وعشراً، ولا تلبَس ثوباً مصبوغاً إلا ثوبَ عَصْبٍ، ولا تكْتَحِل، ولا تَمَسّ طِيباً إلا إذا طَهُرت نُبْذَةً من قُسْط أو أَظْفَار»تفسير : . وفي حديث أُم حبيبة: «حديث : لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تحِدّ على ميّتٍ فوق ثلاثٍ إلا على زوج أربعةَ أشهر وعشراً»تفسير : الحديث. الإحداد: ترك المرأة الزينة كلها من اللباس والطِّيب والحُليّ والكُحْل والخضَاب بالحنّاء ما دامت في عدّتها؛ لأن الزينة داعية إلى الأزواج، فنهيت عن ذلك قطعاً للذرائع، وحمايةً لحُرمات الله تعالى أن تنتهَك، وليس دَهْن المرأة رأسها بالزيت والشَّيرج من الطيب في شيء. يقال: ٱمرأة حادٌّ ومُحِدٌّ. قال الأصمعيّ: ولم نعرف «حدّتْ». وفاعل «لا يحل» المصدر الذي يمكن صياغته من «تُحِد» مع «أن» المرادة؛ فكأنه قال: الإحداد. الثانية عشرة ـ وصفه عليه السلام المرأة بالإيمان يدل على صحة أحد القولين عندنا في الكتابية المتوفى عنها زوجها إنها لا إحداد عليها؛ وهو قول ٱبن كنانة وٱبن نافع، ورواه أشهب عن مالك، وبه قال أبو حنيفة وٱبن المنذر، وروى عنه ٱبن القاسم أن عليها الإحداد كالمسلمة؛ وبه قال الليث والشافعيّ وأبو ثور وعامة أصحابنا؛ لأنه حكم من أحكام العدّة فلزمت الكتابيةَ للمسلم كلزوم المسكن والعدّة. الثالثة عشرة ـ وفي قوله عليه السلام: «حديث : فوق ثلاث إلا على زوج»تفسير : دليل على تحريم إحداد المسلمات على غير أزواجهنّ فوق ثلاث، وإباحة الإحداد عليهم ثلاثاً تبدأ بالعدد من الليلة التي تستقبلها إلى آخر ثالثها؛ فإن مات حميمها في بقية يوم أو ليلة ألغته وحسبت من الليلة القابلة. الرابعة عشرة: هذا الحديث بحكم عمومه يتناول الزوجات كلَّهن المتوفَّى عنهنّ أزواجنّ، فيدخل فيه الإماءُ والحرائرُ والكبار والصغار؛ وهو مذهب الجمهور من العلماء. وذهب أبو حنيفة إلى أنه لا إحداد على أُمة ولا على صغيرة؛ حكاه عنه القاضي أبو الوليد الباجي. قال ٱبن المنذر: أما الأمة الزوجة فهي داخلة في جملة الأزواج وفي عموم الأخبار؛ وهو قول مالك والشافعيّ وأبى ثور وأصحاب الرأي؛ ولا أحفظ في ذلك عن أحد خلافاً، ولا أعلمهم يختلفون في الإحداد على أُمِّ الولد إذا مات سيدها؛ لأنها ليست بزوجة، والأحاديث إنما جاءت في الأزواج. قال الباجيّ: الصغيرة إذا كانت ممن تعقل الأمر والنهي وتلتزم ما حُدّ لها أُمرت بذلك، وإن كانت لا تدرك شيئاً من ذلك لصغرها فروَى ٱبن مُزَيْن عن عيسى يُجنِّبها أهلها جميع ما تجتنبه الكبيرة، وذلك لازم لها. والدليل على وجوب الإحداد على الصغيرة ما حديث : رُوي أن النبيّ صلى الله عليه وسلم. سألته ٱمرأة عن بنت لها تُوفّى عنها زوجها فٱشتكت عينها أفتكحلها؟ فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم «لا» مرّتين أو ثلاثاً؛ كل ذلك يقول «لا» ولم يسأل عن سِنّهاتفسير : ؛ ولو كان الحكم يفترق بالصغر والكبر لسأل عن سِنها حتى يبيّن الحكم، وتأخير البيان في مثل هذا لا يجوز، وأيضاً فإن كل من لزمتها العدّة بالوفاة لزمها الإحداد كالكبيرة. الخامسة عشرة ـ قال ٱبن المنذر: ولا أعلم خلافاً أن الخضاب داخل في جملة الزِّينة المنهيّ عنها. وأجمعوا على أنه لا يجوز لها لباس الثياب المُصْبَغة والمعَصْفَرة، إلا ما صُبِغ بالسواد فإنه رَخَّص فيه عروةُ بن الزبير ومالك والشافعي، وكرهه الزُّهْري. وقال الزُّهري: لا تلبس ثوب عَصْب، وهو خلاف الحديث. وفي المدوّنة قال مالك: لا تلبس رقيقَ عَصْب اليَمَن؛ ووسّع في غليظه. قال ٱبن القاسم: لأن رقيقه بمنزلة الثياب المصبغة وتلبس رقيق الثياب وغليظه من الحرير والكتّان والقُطن. قال ٱبن المنذر: ورخّص كلُّ من أحفظ عنه في لباس البياض؛ قال القاضي عِياض: ذهب الشافعي إلى أن كل صبغ كان زينة لا تمسّه الحادّ رقيقاً كان أو غليظاً. ونحوه للقاضي عبد الوهاب قال: كل ما كان من الألوان تتزين به النساء لأزواجهن فلتمتنع منه الحادّ. ومنع بعض مشايخنا المتأخرين جيِّد البياض الذي يُتَزيّن به، وكذلك الرفيع من السواد. وروى ٱبن الموّاز عن مالك: لا تلبس حليّاً وإن كان حديداً؛ وفي الجملة أن كل ما تلبسه المرأة على وجه ما يستعمل عليه الحُلِيّ من التجمّل فلا تلبسه الحادّ. ولم ينص أصحابنا على الجواهر واليَواقيت والزمُرُّد وهو داخل في معنى الحليِّ. والله أعلم. السادسة عشرة ـ وأجمع الناس على وجوب الإحداد على المتوفّى عنها زوجها، إلا الحسن فإنه قال: ليس بواجب؛ وٱحتج بما رواه عبد الله بن شدّاد بن الهاد حديث : عن أسماء بنت عُمَيس قالت: لما أُصيب جعفر بن أبي طالب قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تَسَلّبي ثلاثاً ثم ٱصنعي ما شئت»تفسير : . قال ٱبن المنذر: كان الحسن البصري من بين سائر أهل العلم لا يرى الإحداد، وقال: المطلقة ثلاثاً والمتوفى عنها زوجها تكتحلان وتختضِبان وتصنعان ما شاءا. وقد ثبتت الأخبار عن النبي صلى الله عليه وسلم بالإحداد، وليس لأحد بلغته إلا التسليم؛ ولعل الحسن لم تبلغه، أو بلغته فتأوّلها بحديث أسماء بنت عميس أنها ٱستأذنت النبي صلى الله عليه وسلم أن تحِدّ على جعفر وهي ٱمرأته؛ فأذن لها ثلاثة أيام ثم بعث إليها بعد ثلاثة أيام أن تطهري وٱكتحلي. قال ٱبن المنذر؛ وقد دفع أهل العلم هذا الحديث بوجوه؛ وكان أحمد بن حنبل يقول: هذا الشاذ من الحديث لا يؤخذ به؛ وقاله إسحاق. السابعة عشرة ـ ذهب مالك والشافعيّ إلى أنْ لا إحداد على مطلقة رجعية كانت أو بائنة واحدة أو أكثر؛ وهو قول ربيعة وعطاء. وذهب الكوفيون: أبو حنيفة وأصحابه والثوريّ والحسن بن حَىّ وأبو ثور وأبو عبيد إلى أن المطلقة ثلاثاً عليها الإحداد؛ وهو قول سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار وابن سيرين والحكم بن عيينة. قال الحكم: هو عليها أوكد وأشدّ منه على المتوفَّى عنها زوجها؛ ومن جهة المعنى أنهما جميعاً في عدّة يحفظ بها النسب. وقال الشافعيّ وأحمد وإسحاق: الإحتياط أن تتقي المطلقة الزينة. قال ٱبن المنذر: وفي قول النبيّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحِدّ على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشراً»تفسير : دليل على أن المطلقة ثلاثاً والمطلِّق حَيٌّ لا إحداد عليها. الثامنة عشرة ـ أجمع العلماء على أن من طلق زوجته طلاقاً يملك رجعتها ثم توفى قبل ٱنقضاء العدة أن عليها عدّة الوفاة وترثه. وٱختلفوا في عدّة المطلقة ثلاثاً في المرض؛ فقالت طائفة تعتد عدّة الطلاق؛ هذا قول مالك والشافعيّ ويعقوب وأبي عبيد وأبي ثور. قال ٱبن المنذر: وبه نقول؛ لأن الله تعالى جعل عدة المطلقات الأقْرَاء، وقد أجمعوا على المطلقة ثلاثاً لو ماتت لم يرثها المطلق، وذلك لأنها غير زوجة؛ وإذا كانت غير زوجة فهو غير زوج لها. وقال الثوريّ: تعتدّ بأقصى العدّتين. وقال النّعمان ومحمد: عليها أربعة أشهر وعشر تستكمل في ذلك ثلاث حِيَض. التاسعة عشرة ـ وٱختلفوا في المرأة يبلغها وفاة زوجها أو طلاقه؛ فقالت طائفة: العدّة في الطلاق والوفاة من يوم يموت أو يطلّق؛ هذا قول ٱبن عمر وٱبن مسعود وٱبن عباس، وبه قال مسروق وعطاء وجماعة من التابعين، وإليه ذهب مالك والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو عبيد والثوريّ وأبو ثور وأصحاب الرأي وٱبن المنذر. وفيه قول ثانٍ وهو أن عدّتها من يوم يبلغها الخبر؛ رُوي هذا القول عن عليّ، وبه قال الحسن البصريّ وقتادة وعطاء الخراسانيّ وجُلاَس بن عمرو. وقال سعيد بن المسيب وعمر بن عبد العزيز: إن قامت بيِّنة فعدّتها من يوم مات أو طلّق، وإن لم تقم بينة فمن يوم يأتيها الخبر؛ والصحيح الأوّل لأنه تعالى علق العدّة بالوفاة أو الطلاق، ولأنها لو علمت بموته فتركت الإحداد ٱنقضت العدّة، فإذا تركته مع عدم العلم فهو أهون؛ ألا ترى أن الصغيرة تنقضي عدّتها ولا إحداد عليها. وأيضاً فقد أجمع العلماء على أنها لو كانت حاملاً لا تعلم طلاق الزوج أو وفاته ثم وضعت حملها أن عدّتها منقضية. ولا فرق بين هذه المسألة وبين المسألة المختلف فيها. ووجه من قال بالعدّة من يوم يبلغها الخبر، أن العدّة عبادة بترك الزينة وذلك لا يصح إلا بقصدٍ ونية، والقصد لا يكون إلا بعد العلم. والله أعلم. الموفية عشرين ـ عدّة الوفاة تلزم الحرّة والأمة والصغيرة والكبيرة والتي لم تبلغ المحيض، والتي حاضت واليائسة من المحيض والكتابية دخل بها أو لم يدخل بها إذا كانت غير حامل ـ (وعدّة جميعهن إلا الأمة) أربعة أشهر وعشرة أيام؛ لعموم الآية في قوله تعالى: {يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً}. وعدّة الأمة المتوفَّى عنها زوجها شهران وخمس ليال. قال ٱبن العربيّ: نصف عدّة الحرة إجماعاً، إلا ما يحكى عن الأصم فإنه سوّى فيها بين الحرة والأُمة وقد سبقه الإجماع، لكن لصممه لم يسمع. قال الباجيّ: ولا نعلم في ذلك خلافاً إلا ما يروى عن ٱبن سيرين، وليس بالثابت عنه أنه قال: عدّتها عدّة الحرّة. قلت: قول الأصم صحيح من حيث النظر؛ فإن الآيات الواردة في عدة الوفاة والطلاق بالأشهر والأقْرَاء عامةٌ في حق الأمة والحرّة؛ فعدّة الحرّة والأمة سواء على هذا النظر؛ فإن العمومات لا فصل فيها بين الحرّة والأمة، وكما ٱستوت الأمة والحرّة في النكاح فكذلك تستوي معها في العدّة. والله أعلم. قال ٱبن العربيّ: وروى عن مالك أن الكتابية تعتدّ بثلاث حِيَض إذْ بها يَبْرأ الرحِم؛ وهذا منه فاسد جداً، لأنه أخرجها من عموم آية الوفاة وهي منها، وأدخلها في عموم آية الطلاق وليست منها. قلت: وعليه بناء ما في المدوّنة لا عدّة عليها إن كانت غير مدخول بها؛ لأنه قد علم براءة رحِمها، وهذا يقتضي أن تتزوّج مسلماً أو غيره إثر وفاته؛ لأنه إذا لم يكن عليها عدّة للوفاة ولا ٱستبراء للدخول فقد حلت للأزواج. الحادية والعشرون ـ وٱختلفوا في عدّة أُمّ الولد إذا توفي عنها سيدها؛ فقالت طائفة: عدّتها أربعة أشهر وعشر؛ قاله جماعة من التابعين منهم سعيد والزهريّ والحسن البصريّ وغيرهم، وبه قال الأوزاعيّ وإسحاق. وروى أبو داود والدارقطنِيّ عن قبيصة بن ذؤيب عن عمرو بن العاص قال: لا تلبّسوا علينا سنة نبيّنا صلى الله عليه وسلم، عدّة المتوفَّىٰ عنها زوجها أربعة أشهر وعشر؛ يعني في أُمّ الولد؛ لفظ أبي داود. وقال الدارقطنيّ: موقوف. وهو الصواب، وهو مرسل لأن قبيصة لم يسمع من عمرو. قال ٱبن المنذر: وضعّف أحمد وأبو عبيد هذا الحديث. ورّوي عن علي وٱبن مسعود أن عدّتها ثلاث حيض؛ وهو قول عطاء وإبراهيم النخعيّ وسفيان الثوريّ وأصحابِ الرأي؛ قالوا: لأنها عدّة تجب في حال الحرية، فوجب أن تكون عدّة كاملة؛ أصله عدّة الحرة. وقال مالك والشافعيّ وأحمد وأبو ثور: عدّتها حيضة؛ وهو قول ٱبن عمر. وروي عن طاوس أن عدّتها نصف عدّة الحرّة المتوفى عنها؛ وبه قال قتادة. قال ٱبن المنذر: وبقول ٱبن عمر أقول؛ لأنه الأقل مما قيل فيه وليس فيه سنة تتبع ولا إجماع يعتمد عليه. وذكر ٱختلافهم في عدّتها في العتق كهو في الوفاة سواء، إلاَّ أن الأوزاعيّ جعل عدّتها في العتق ثلاث حيَض. قلت: أصح هذه الأقوال قول مالك، لأن الله سبحانه قال: {وَٱلْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوۤءٍ} فشرط في تربّص الأقْرَاء أن يكون عن طلاق؛ فانتفى بذلك أن يكون عن غيره. وقال: {وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً} فعلّق وجوب ذلك بكون المتربِّصة زوجة؛ فدل على أن الأمة بخلافها. وأيضاً فإن هذه أمة موطوءة بمِلْك اليمين فكان ٱستبراؤها بحيضة؛ أصل ذلك الأمة. الثانية والعشرون ـ إذا ثبت هذا فهل عدّة أُمِّ الولد ٱستبراء محضٌ أو عدّة؛ فالذي ذكره أبو محمد في معونته أن الحيضة ٱستبراء وليست بعدّة. وفي المدوّنة أن أُمَّ الولد عليها العدّة، وأن عدّتها حيضة كعدّة الحرّة ثلاث حيض. وفائدة الخلاف أناإذا قلنا هي عدّة فقد قال مالك: لا أحب أن تواعد أحداً ينكحها حتى تحيض حيضة. قال ٱبن القاسم: وبلغني عنه أنه قال: لا تبيت إلاَّ في بيتها؛ فأثبت لمدّة ٱستبرائها حكم العدّة. الثالثة والعشرون ـ أجمع أهل العلم على أن نفقة المطلقة ثلاثا أو مطلقةٍ للزوج عليها رجعة وهي حامل واجبة؛ لقوله تعالىٰ: {أية : وَإِن كُنَّ أُوْلاَتِ حَمْلٍ فَأَنفِقُواْ عَلَيْهِنَّ حَتَّىٰ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} تفسير : [الطلاق: 6]. وٱختلفوا في وجوب نفقة الحامل المتوفَّىٰ عنها زوجها؛ فقالت طائفة: لا نفقة لها؛ كذلك قال جابر بن عبد الله وٱبن عباس وسعيد بن المسيب وعطاء والحسن وعكرمة وعبد الملك بن يعلى ويحيى الأنصاري وربيعة ومالك وأحمد وإسحاق، وحكى أبو عبيد ذلك عن أصحاب الرأي. وفيه قول ثانٍ وهو أن لها النفقة من جميع المال؛ ورُوي هذا القول عن عليّ وعبد الله وبه قال ٱبن عمر وشريح وٱبن سِيرين والشعبيّ وأبو العالية والنخعيّ وجُلاَس بن عمرو وحمّاد بن أبي سليمان وأيوب السختياني وسفيان الثوريّ وأبو عبيد. قال ٱبن المنذر: وبالقول الأوّل أقول؛ لأنهم أجمعوا على أن نفقة كل من كان يجبر على نفقته وهو حَيٌّ مثل أولاده الأطفال وزوجته ووالديه تسقط عنه؛ فكذلك تسقط عنه نفقة الحامل من أزواجه. وقال القاضي أبو محمد: لأن نفقة الحمل ليست بدّين ثابت فتتعلق بماله بعد موته، بدليل أنها تسقط عنه بالإعسار فبِأن تسقط بالموت أولى وأحرى. الرابعة والعشرون ـ قوله تعالىٰ: {أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً} ٱختلف العلماء في الأربعة الأشهر والعشر التي جعلها الله ميقاتاً لِعدّة المتوفّى عنها زوجها، هل تحتاج فيها إلى حيضة أم لا؛ فقال بعضهم: لا تبرأ إذا كانت ممن توطأ إلاَّ بحيضة تأتي بها في الأربعة الأشهر والعشر، وإلاَّ فهي مُسْتَرابة. وقال آخرون: ليس عليها أكثر من أربعة أشهر وعشرٍ، إلاَّ أن تستريب نفسها ريبةً بيِّنة؛ لأن هذه المدّة لا بدّ فيها من الحيض في الأغلب من أمر النساء إلاَّ أن تكون المرأة ممن لا تحيض أو ممن عرفت من نفسها أوعُرف منها أن حيضتها لا تأتيها إلا في أكثر من هذه المدة. الخامسة والعشرون ـ قوله تعالىٰ: {وَعَشْراً} روى وكيع عن أبي جعفر الرازيّ عن الربيع بن أنس عن أبي العالية أنه سئل: لم ضمت العشر إلى الأربعة الأشهر؟ قال: لأن الروح تنفخ فيها، وسيأتي في الحج بيان هذا إن شاء الله تعالىٰ. وقال الأصمعيّ: ويُقال إن ولد كل حامل يرتكض في نصف حملها فهي مرِكض. وقال غيره: أركضت فهي مرِكضة وأنشد:شعر : ومُرِكضةٌ صَرِيحِيٌّ أبوها تهان لها الغلامةُ والغلامُ تفسير : وقال الخَطّابيّ: قوله {وَعَشْراً} يريد والله أعلم ـ الأيام بلياليها. وقال المبرد: إنما أنث العشر لأن المراد به المدّة. والمعنى وعشر مدد، كل مدّة من يوم وليلة، فالليلة مع يومها مدّة معلومة من الدهر. وقيل: لم يقل عشرة تغليباً لحكم الليالي إذالليلة أسبق من اليوم والأيام في ضمنها. «وَعَشْراً» أخف في اللفظ؛ فتغلّب الليالي على الأيام إذا ٱجتمعت في التاريخ، لأن ٱبتداء الشهور بالليل عندالاستهلال، فلما كان أوّل الشهر الليلة غلب الليلة؛ تقول: صمنا خمساً من الشهر؛ فتغلب الليالي وإن كان الصوم بالنهار. وذهب مالك والشافعي والكوفيّون إلى أن المراد بها الأيام والليالي. قال ٱبن المنذر: فلو عقد عاقد عليها النكاح على هذا القول وقد مضت أربعة أشهر وعشر ليالي كان باطلاً حتى يمضي اليوم العاشر. وذهب بعض الفقهاء إلى أنه إذا ٱنقضى لها أربعة أشهر وعشر ليالي حلت للأزواج، وذلك لأنه رأى العدّة مبهمة فغلّب التأنيث وتأوّلها على الليالي. وإلى هذا ذهب الأوزاعيّ من الفقهاء وأبو بكر الأصم من المتكليمن. ورُوي عن ٱبن عباس أنه قرأ «أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرَ لَيَالٍ». قوله تعالىٰ: {فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِيۤ أَنْفُسِهِنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} فيه ثلاث مسائل: الأُولىٰ ـ أضاف تعالى الأجل إليهنّ إذ هو محدود مضروب في أمرهن، وهوعبارة عن ٱنقضاء العدّة. الثانية ـ قوله تعالىٰ: {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ} خطاب لجميع الناس، والتلبس بهذا الحكم هو للحكام والأولياء. {فِيمَا فَعَلْنَ} يريد به التزوّج فَما دونه من التزيُّن وٱطِّراح الإحداد. {بِٱلْمَعْرُوفِ} أي بما أذن فيه الشرع من ٱختيار أعيان الأزواج وتقدير الصداق دون مباشرة العقد؛ لأنه حق للأولياء كما تقدّم. الثالثة ـ وفي هذه الآية دليل على أن للأولياء منعهن من التبرُّج والتشوّف للزوج في زمان العِدّة. وفيها ردّ على إسحاق في قوله: إن المطلقة إذا طعنت في الحيضة الثالثة بانت وٱنقطعت رجعة الزوج الأوّل، إلاَّ أنه لا يحل لها أن تتزوّج حتى تغتسل. وعن شُريك أن لزوجها الرجعة ما لم تغتسل ولو بعد عشرين سنة؛ قال الله تعالىٰ: {فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِيۤ أَنْفُسِهِنَّ} وبلوغ الأجل هنا ٱنقضاء العدّة بدخولها في الدّم من الحيضة الثالثة ولم يذكر غسلاً؛ فإذا ٱنقضت عدّتها حلّت للأزواج ولا جناح عليها فيما فعلت من ذلك. والحديث عن ٱبن عباس لو صَحّ يحتمل أن يكون منه على الاستحباب، والله أعلم.
البيضاوي
تفسير : {وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوٰجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} أي أزواج الذين، أو والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً يتربصن بعدهم، كقولهم السمن منوان بدرهم. وقرىء {يتَوَفَّوْنَ} بفتح الياء أي يستوفون آجالهم، وتأنيث العشر باعتبار الليالي لأنها غرر الشهور والأيام، ولذلك لا يستعملون التذكير في مثله قط ذهاباً إلى الأيام حتى إنهم يقولون صمت عشراً ويشهد له قوله تعالى: {أية : إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ عَشْراً }تفسير : [طه: 103] ثم {أية : إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ يَوْماً }تفسير : [طه: 104] ولعل المقتضى لهذا التقدير أن الجنين في غالب الأمر يتحرك لثلاثة أشهر إن كان ذكراً، ولأربعة إن كان أنثى فاعتبر أقصى الأجلين، وزيد عليه العشر استظهاراً إذ ربما تضعف حركته في المبادي فلا يحس بها، وعموم اللفظ يقتضي تساوي المسلمة والكتابية فيه، كما قاله الشافعي والحرة والأمة كما قاله الأصم، والحامل وغيرها، لكن القياس اقتضى تنصيف المدة للأمة، والإِجماع خص الحامل منه لقوله تعالى: {أية : وَأُوْلَـٰتُ ٱلأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ }تفسير : [الطلاق: 4] وعن علي وابن عباس رضي الله تعالى عنهما إنها تعتد بأقصى الأجلين احتياطاً. {فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ } أي انقضت عدتهن. {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ } أيها الأئمة أو المسلمون جميعاً. {فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ } من التعرض للخطاب وسائر ما حرم عليهن للعدة. {بِٱلْمَعْرُوفِ} بالوجه الذي لا ينكره الشرع، ومفهومه أنهن لو فعلن ما ينكره فعليهم أن يكفوهن، فإن قصروا فعليهم الجناح. {وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ } فيجازيكم عليه. {وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُم بِهِ مِنْ خِطْبَةِ ٱلنِسَاء } التعريض والتلويح إيهام المقصود بما لم يوضع له حقيقة ولا مجازاً، كقول السائل جئتك لأسلم عليك، والكناية هي الدلالة على الشيء بذكر لوازمه وروادفه، كقولك الطويل النجاد للطويل، وكثير الرماد للمضياف. والخطبة بالضم والكسر اسم الحالة، غير أن المضمومة خصت بالموعظة والمكسورة بطلب المرأة، والمراد بالنساء المعتدات للوفاة، وتعريض خطبتها أن يقول لها إنك جميلة أو نافقة ومن غرضي أن أتزوج ونحو ذلك. {أَوْ أَكْنَنتُمْ فِي أَنفُسِكُمْ} أو أضمرتم في قلوبكم فلم تذكروه تصريحاً ولا تعريضاً. {عَلِمَ ٱللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ } ولا تصبرون على السكوت عنهن وعن الرغبة فيهن وفيه نوع توبيخ. {وَلَـٰكِن لاَّ تُوَاعِدُوهُنَّ سِرّاً} استدراك على محذوف دل عليه ستذكرونهن أي فاذكروهن ولكن لا تواعدوهن نكاحاً أو جماعاً، عبر بالسر عن الوطء لأنه مما يسر ثم عن العقد لأنه سبب فيه. وقيل معناه لا تواعدوهن في السر على أن المعنى بالمواعدة في السر المواعدة بما يستهجن. {إِلاَّ أَن تَقُولُواْ قَوْلاً مَّعْرُوفًا} وهو أن تعرضوا ولا تصرحوا والمستثنى منه محذوف أي: لا تواعدوهن مواعدة إلا مواعدة معروفة، أو إلا مواعدة بقول معروف. وقيل إنه استثناء منقطع من سراً وهو ضعيف لأدائه إلى قولك لا تواعدوهن إلا التعريض، وهو غير موعود. وفيه دليل حرمة تصريح خطبة المعتدة وجواز تعريضها إن كانت معتدة وفاة. واختلف في معتدة الفراق البائن والأظهر جوازه. {وَلاَ تَعْزِمُواْ عُقْدَةَ ٱلنّكَاحِ} ذكر العزم مبالغة في النهي عن العقد، أي ولا تعزموا عقد عقدة النكاح. وقيل معناه ولا تقطعوا عقدة النكاح فإن أصل العزم القطع. {حَتَّىٰ يَبْلُغَ ٱلْكِتَـٰبُ أَجَلَهُ} حتى ينتهي ما كتب من العدة. {وَٱعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنفُسِكُمْ} من العزم على ما لا يجوز. {فَٱحْذَرُوهُ } ولا تعزموا. {وَٱعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ } لمن عزم ولم يفعل خشية من الله سبحانه وتعالى. {حَلِيمٌ } لا يعاجلكم بالعقوبة.
ابن كثير
تفسير : هذا أمر من الله للنساء اللاتي يتوفى عنهن أزواجهن، أن يعتددن أربعة أشهر وعشر ليال، وهذا الحكم يشمل الزوجات المدخول بهن، وغير المدخول بهن، بالإجماع، ومستنده في غير المدخول بها عموم الآية الكريمة، وهذا الحديث الذي رواه الإمام أحمد وأهل السنن وصححه الترمذي: أن ابن مسعود سئل عن رجل تزوج امرأة، فمات عنها، ولم يدخل بها، ولم يفرض لها، فترددوا إليه مراراً في ذلك، فقال: أقول فيها برأيي، فإن يك صواباً فمن الله، وإن يك خطأ فمني ومن الشيطان، والله ورسوله بريئان منه: لها الصداق كاملاً، وفي لفظ: لها صداق مثلها، لا وكس ولا شطط، وعليها العدة، ولها الميراث، فقام معقل بن يسار الأشجعي فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى به في بروع بنت واشق، ففرح عبد الله بذلك فرحاً شديداً، وفي رواية: فقام رجال من أشجع فقالوا: نشهد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى به في بروع بنت واشق. ولا يخرج من ذلك إلا المتوفى عنها زوجها، وهي حامل، فإن عدتها بوضع الحمل، ولو لم تمكث بعده سوى لحظة؛ لعموم قوله: {أية : وَأُوْلَـٰتُ ٱلأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ}تفسير : [الطلاق: 4] وكان ابن عباس يرى أن عليها أن تتربص بأبعد الأجلين من الوضع، أو أربعة أشهر وعشر للجمع بين الآيتين، وهذا مأخذ جيد ومسلك قوي، لولا ما ثبتت به السنة في حديث سبيعة الأسلمية المخرج في الصحيحين من غير وجه، أنها توفي عنها زوجها سعد بن خولة وهي حامل، فلم تنشب أن وضعت حملها بعد وفاته، وفي رواية: فوضعت حملها بعده بليال، فلما تعلت من نفاسها، تجملت للخطاب، فدخل عليها أبو السنابل بن بعكك، فقال لها: ما لي أراك متجملة لعلك ترجين النكاح؟ والله ما أنت بناكح حتى يمر عليك أربعة أشهر وعشر. قالت سبيعة: فلما قال لي ذلك، جمعت عليّ ثيابي حين أمسيت، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألته عن ذلك، فأفتاني بأني قد حللت حين وضعت حملي، وأمرني بالتزويج إن بدا لي، قال أبو عمر بن عبد البر: وقد روي أن ابن عباس رجع إلى حديث سبيعة، يعني لما احتج عليه به، قال: ويصحح ذلك عنه، أن أصحابه أفتوا بحديث سبيعة كما هو قول أهل العلم قاطبة. وكذلك يستثنى من ذلك الزوجة إذا كانت أمة، فإن عدتها على النصف من عدة الحرة، شهران وخمس ليال على قول الجمهور؛ لأنها لما كانت على النصف من الحرة في الحد، فكذلك فلتكن على النصف منها في العدة. ومن العلماء كمحمد بن سيرين وبعض الظاهرية من يسوي بين الزوجات الحرائر والإماء في هذا المقام؛ لعموم الآية، ولأن العدة من باب الأمور الجبلية التي تستوي فيها الخليقة، وقد ذكر سعيد بن المسيب، وأبو العالية، وغيرهما، أن الحكمة في جعل عدة الوفاة أربعة أشهر وعشراً، لاحتمال اشتمال الرحم على حمل، فإذا انتظر به هذه المدة، ظهر إن كان موجوداً، كما جاء في حديث ابن مسعود الذي في الصحيحين وغيرهما: «حديث : إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوماً نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث إليه الملك فينفخ فيه الروح»تفسير : فهذه ثلاث أربعينات بأربعة أشهر، والاحتياط بعشر بعدها لما قد ينقص بعض الشهور، ثم لظهور الحركة بعد نفخ الروح فيه، والله أعلم. قال سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة: سألت سعيد بن المسيب: ما بال العشر؟ قال: فيه ينفخ الروح، وقال الربيع بن أنس: قلت لأبي العالية: لم صارت هذه العشر مع الأشهر الأربعة؟ قال: لأنه ينفخ فيه الروح، رواهما ابن جرير، ومن ههنا ذهب الإمام أحمد، في رواية عنه، إلى أن عدة أم الولد عدة الحرة ههنا، لأنها صارت فراشاً كالحرائر، وللحديث الذي رواه الإمام أحمد عن يزيد بن هارون، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن رجاء بن حيوة، عن قبيصة ابن ذؤيب، عن عمرو بن العاص أنه قال: لا تلبسوا علينا سنة نبينا، عدة أم الولد، إذا توفى عنها سيدها، أربعة أشهر وعشرًا. ورواه أبو داود عن قتيبة، عن غندر، وعن ابن المثنى، عن عبد الأعلى، وابن ماجه عن علي بن محمد، عن الربيع، ثلاثتهم عن سعيد بن أبي عروبة، عن مطر الوراق، عن رجاء بن حيوة، عن قبيصة، عن عمرو بن العاص، فذكره. وقد روي عن الإمام أحمد أنه أنكر هذا الحديث، وقيل: إن قبيصة لم يسمع عمراً، وقد ذهب إلى القول بهذا الحديث طائفة من السلف، منهم سعيد بن المسيب ومجاهد وسعيد بن جبير، والحسن وابن سيرين وأبو عياض والزهري وعمر بن عبد العزيز، وبه كان يأمر يزيد بن عبد الملك بن مروان، وهو أمير المؤمين، وبه يقول الأوزاعي وإسحاق ابن راهويه وأحمد بن حنبل في رواية عنه، وقال طاوس وقتادة: عدة أم الولد إذا توفي عنها سيدها نصف عدة الحرة شهران وخمس ليال. وقال أبو حنيفة وأصحابه، والثوري والحسن بن صالح بن حيي: تعتد بثلاث حيض، وهو قول علي وابن مسعود وعطاء وإبراهيم النخعي. وقال مالك والشافعي وأحمد في المشهور عنه: عدتها حيضة، وبه يقول ابن عمر والشعبي ومكحول والليث وأبو عبيد وأبو ثور والجمهور، وقال الليث: ولو مات وهي حائض، أجزأتها. وقال مالك: فلو كانت ممن لا تحيض، فثلاثة أشهر. وقال الشافعي والجمهور: شهر، وثلاثة أحب إليّ، والله أعلم. وقوله: {فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِىۤ أَنفُسِهِنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} يستفاد من هذا وجوب الإحداد على المتوفى عنها زوجها مدة عدتها؛ لما ثبت في الصحيحين من غير وجه عن أم حبيبة وزينب بنت جحش أم المؤمنين، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث، إلا على زوج أربعة أشهر وعشراً»تفسير : وفي الصحيحين أيضاً عن أم سلمة أن امرأة قالت: يا رسول الله إن ابنتي توفي عنها زوجها، وقد اشتكت عينها أفنكحلها؟ فقال: «حديث : لا»تفسير : كل ذلك يقول: ـ لا ـ مرتين أو ثلاثاً، ثم قال: «حديث : إنما هي أربعة أشهر وعشر، وقد كانت إحداكن في الجاهلية تمكث سنة»تفسير : قالت زينب بنت أم سلمة: كانت المرأة إذا توفي عنها زوجها، دخلت حفشاً، ولبست شر ثيابها، ولم تمس طيباً ولا شيئاً حتى تمر بها سنة، ثم تخرج، فتعطى بعرة فترمي بها، ثم تؤتى بدابة؛ حمار أو شاة أو طير، فتفتض به، فقلما تفتض بشيء إلا مات. ومن ههنا ذهب كثيرون من العلماء إلى أن هذه الآية ناسخة للآية التي بعدها، وهي قوله: {أية : وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَٰجًا وَصِيَّةً لأَِزْوَاجِهِم مَّتَـٰعًا إِلَى ٱلْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ}تفسير : [البقرة: 24] الآية، كما قاله ابن عباس وغيره، وفي هذا نظر كما سيأتي تقريره. والغرض أن الإحداد هو عبارة عن ترك الزينة من الطيب ولبس ما يدعوها إلى الأزواج من ثياب وحلي وغير ذلك، وهو واجب في عدة الوفاة قولاً واحداً، ولا يجب في عدة الرجعية قولاً واحداً، وهل يجب في عدة البائن؟ فيه قولان. ويجب الإحداد على جميع الزوجات المتوفى عنهن أزواجهن، سواء في ذلك الصغيرة والآيسة، والحرة والأمة، والمسلمة والكافرة؛ لعموم الآية، وقال الثوري وأبو حنيفة وأصحابه: لا إحداد على الكافرة، وبه يقول أشهب وابن نافع من أصحاب مالك، وحجة قائل هذه المقالة قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث، إلا على زوج أربعة أشهر وعشراً»تفسير : قالوا: فجعله تعبداً، وألحق أبو حنيفة وأصحابه والثوري الصغيرة بها؛ لعدم التكليف، وألحق أبو حنيفة وأصحابه الأمة المسلمة؛ لنقصها، ومحل تقرير ذلك كله في كتب الأحكام والفروع، والله الموفق للصواب. وقوله: {فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ} أي: انقضت عدتهن، قاله الضحاك والربيع بن أنس، {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ} قال الزهري: أي: على أوليائها. {فِيمَا فَعَلْنَ} يعني: النساء اللاتي انقضت عدتهن، قال العوفي عن ابن عباس: إذا طلقت المرأة، أو مات عنها زوجها، فإذا انقضت عدتها، فلا جناح عليها أن تتزين وتتصنع وتتعرض للتزويج، فذلك المعروف. وروي عن مقاتل بن حيان نحوه، وقال ابن جريج عن مجاهد {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِىۤ أَنفُسِهِنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ} قال: النكاح الحلال الطيب، وروي عن الحسن والزهري والسدي نحو ذلك.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ } يموتون {مِنكُمْ وَيَذَرُونَ } يتركون {أَزْوَٰجًا يَتَرَبَّصْنَ } أي ليتربصن {بِأَنفُسِهِنَّ } بعدهم عن النكاح {أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا } من الليالي، وهذا في غير الحوامل أما الحوامل فعدّتهن أن يضعن حملهن بآية (الطلاق)، والأمَةُ على النصف من ذلك بالسُّنَة {فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ } انقضت عدة تربصهن {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ } أيها الأولياء {فِيمَا فَعَلْنَ فِى أَنفُسِهِنَّ } من التزين والتعرض للخطّاب {بِٱلْمَعْرُوفِ } شرعا {وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ } عالم بباطنه كظاهره.
الشوكاني
تفسير : لما ذكر سبحانه عدّة الطلاق، واتصل بذكرها ذكر الإرضاع عقَّب ذلك بذكر عدّة الوفاة، لئلا يتوهم أن عدّة الوفاة مثل عدّة الطلاق. قال الزجاج: ومعنى الآية، والرجال الذين يتوفون منكم، ويذرون أزواجاً: أي: ولهم زوجات، فالزوجات يتربصن. وقال أبو علي الفارسي: تقديره، والذين يتوفون منكم، ويذرون أزواجاً يتربصن بعدهم، وهو: كقولك السمن مَنَوان بدرهم. أي: منه. وحكى المهدوي عن سيبويه أن المعنى: وفيما يتلى عليكم الذين يتوفون. وقيل: التقدير: وأزواج الذين يتوفون منكم يتربصن، ذكره صاحب الكشاف، وفيه أن قوله: {وَيَذَرُونَ أَزْوٰجًا } لا يلائم ذلك التقدير؛ لأن الظاهر من النكرة المعادة المغايرة. وقال بعض النحاة من الكوفيين: إن الخبر عن الذين متروك، والقصد الإخبار عن أزواجهم بأنهنّ يتربصنّ. ووجه الحكمة في جعل العدّة للوفاة هذا المقدار أن الجنين الذكر يتحرك في الغالب لثلاثة أشهر، والأنثى لأربعة، فزاد الله سبحانه على ذلك عشراً؛ لأن الجنين ربما يضعف عن الحركة، فتتأخر حركته قليلاً، ولا تتأخر عن هذا الأجل. وظاهر هذه الآية العموم، وأن كل من مات عنها زوجها تكون عدّتها هذه العدّة، ولكنه قد خصص هذا العموم قوله تعالى: {أية : وَأُوْلَـٰتُ ٱلأحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ } تفسير : [الطلاق: 4] وإلى هذا ذهب الجمهور. وروى عن بعض الصحابة، وجماعة من أهل العلم أن الحامل تعتدّ بآخر الأجلين جمعاً بين العام والخاص، وإعمالاً لهما، والحق ما قاله الجمهور، والجمع بين العام، والخاص على هذه الصفة لا يناسب قوانين اللغة، ولا قواعد الشرع، ولا معنى لإخراج الخاص من بين أفراد العام إلا بيان أن حكمه مغاير لحكم العام، ومخالف له. وقد صح صلى الله عليه وسلم عنه أنه أذن لسبيعة الأسلمية أن تتزوّج بعد الوضع، والتربص الثاني، والتصبر عن النكاح. وظاهر الآية عدم الفرق بين الصغيرة، والكبيرة، والحرّة والأمة، وذات الحيض، والآيسة، وأن عدّتهنّ جميعاً للوفاة أربعة أشهر وعشر. وقيل: إن عدّة الأمة نصف عدّة الحرة شهران وخمسة أيام. قال ابن العربي إجماعاً إلا ما يحكى عن الأصم، فإنه سوّى بين الحرة، والأمة، وقال الباجي: ولا نعلم في ذلك خلافاً إلا ما يروى عن ابن سيرين أنه قال: عدّتها عدّة الحرّة، وليس بالثابت عنه، ووجه ما ذهب إليه الأصمّ، وابن سيرين ما في هذه الآية من العموم، ووجه ما ذهب إليه من عداهما قياس عدّة الوفاة على الحد، فإنه ينصف للأمة بقوله سبحانه: {أية : فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى ٱلْمُحْصَنَـٰتِ مِنَ ٱلْعَذَابِ } تفسير : [النساء: 25]. وقد تقدم حديث: «حديث : طلاق الأمة تطليقتان، وعدّتها حيضتان» تفسير : وهو: صالح للإحتجاج به، وليس المراد منه: إلا جعل طلاقها على النصف من طلاق الحرة، وعدّتها على النصف من عدّتها، ولكنه لما لم يمكن أن يقال: طلاقها تطليقة ونصف، وعدّتها حيضة ونصف، لكون ذلك لا يعقل كانت عدّتها، وطلاقها ذلك القدر المذكور في الحديث جبراً للكسر، ولكن ها هنا أمر يمنع من هذا القياس الذي عمل به الجمهور، وهو أن الحكمة في جعل عدّة الوفاة أربعة أشهر وعشراً هو ما قدّمنا من معرفة خلوّها من الحمل، ولا يعرف إلا بتلك المدّة. ولا فرق بين الحرة، والأمة في مثل ذلك، بخلاف كون عدتها في غير الوفاة حيضتين، فإن ذلك يعرف به خلو الرحم، ويؤيد عدم الفرق ما سيأتي في عدّة أم الولد. واختلف أهل العلم في عدّة أم الولد لموت سيدها. فقال سعيد بن المسيب، ومجاهد، وسعيد بن جبير، والحسن، وابن سيرين، والزهري، وعمر بن عبد العزيز، والأوزاعي، وإسحاق، وابن راهويه، وأحمد بن حنبل في رواية عنه: أنها تعتدّ بأربعة أشهر وعشر لحديث عمرو بن العاص قال: لا تلبسوا علينا سنة نبينا صلى الله عليه وسلم: «عدّة أم الولد إذا توفي عنها سيدها أربعة أشهر وعشر». أخرجه أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، والحاكم وصححه، وضعفه أحمد، وأبو عبيد. وقال الدارقطني: الصواب: أنه موقوف. وقال طاوس، وقتادة: عدّتها شهران وخمس ليال. وقال أبو حنيفة، وأصحابه، والثوري، والحسن بن صالح: تعتدّ بثلاث حيض، وهو: قول عليّ، وابن مسعود، وعطاء، وإبراهيم النخعي. وقال مالك، والشافعي، وأحمد في المشهور عنه: عدّتها حيضة، وغير الحائض شهر، وبه يقول ابن عمر، والشعبي، ومكحول، والليث، وأبو عبيد، وأبو ثور، والجمهور. قوله: {فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ } المراد بالبلوغ هنا: انقضاء العدّة {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ أَنفُسِهِنَّ } من التزين، والتعرّض للخطاب {بِٱلْمَعْرُوفِ } الذي لا يخالف شرعاً، ولا عادة مستحسنة. وقد استدل بذلك على وجوب الإحداد على المعتدة عدة الوفاة. وقد ثبت ذلك في الصحيحين، وغيرهما من غير وجه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : لا يحلّ لامرأة تؤمن بالله، واليوم الآخر أن تحدّ على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشراً» تفسير : وكذلك ثبت عنه في الصحيحن، وغيرهما النهي عن الكحل لمن هي في عدّة الوفاة، والإحداد: ترك الزينة من الطيب، وليس الثياب الجيدة، والحليّ، وغير ذلك، ولا خلاف في وجوب ذلك في عدّة الوفاة، ولا خلاف في عدم وجوبه في عدّة الرجعية. واختلفوا في عدّة البائنة على قولين، ومحل ذلك كتب الفروع. وقد أخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، والبيهقي في سننه عن ابن عباس في قوله: {وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ } قال: كان الرجل إذا مات، وترك امرأته اعتدت سنة في بيته ينفق عليها من ماله. ثم أنزل الله: {وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ } الآية. فهذه عدة المتوفي عنها إلا أن تكون حاملاً، فعدتها أن تضع ما في بطنها. وقال في ميراثها: {أية : وَلَهُنَّ ٱلرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ }تفسير : [النساء: 12] فبين ميراث المرأة، وترك الوصية، والنفقة {فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ } يقول: إذا طلقت المرأة، أو مات عنها زوجها، فإذا انقضت عدتها، فلا جناح عليها أن تتزين، وتتصنع، وتتعرّض للتزويج، فذلك المعروف. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر عن أبي العالية قال: ضمت هذه الأيام العشر إلى الأربعة أشهر، لأن في العشر ينفخ فيه الروح. وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك في قوله: {فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ } يقول: إذا انقضت عدتها. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن شهاب في قوله: {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ } يعني أولياءها. وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم عن ابن عباس أنه كره للمتوفى عنها زوجها الطيب، والزينة، وأخرج مالك، وعبد الرزاق، وأهل السنن وصححه الترمذي، والحاكم عن الفريعة بنت مالك بن سنان، وهي أخت أبي سعيد الخدري أنها جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تسأل أن ترجع إلى أهلها في بني خدرة، وأن زوجها خرج في طلب أعْبُد لها أبقوا حتى إذا تطرف القدوم لحقهم فقتلوه. قالت: فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أرجع إلى أهلي، فإن زوجي لم يتركني في منزل يملكه، ولا نفقة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : نعم، تفسير : فانصرفت حتى إذا كنت في الحجرة، أو في المسجد، فدعاني، أو أمر بي، فدعيت، فقال: حديث : كيف قلت؟ تفسير : قالت: فرددت إليه القصة التي ذكرت له من شأن زوجي، فقال: حديث : امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله. تفسير : قالت: فاعتددت فيه أربعة أشهر وعشراً، قالت: فلما كان عثمان بن عفان أرسل إليّ، فسألني عن ذلك، فأخبرته، فاتبعه وقضى به.
الماوردي
تفسير : قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّونَ مِنكُم وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهُنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً} يعني بالتربص زمان العِدّة في المتوَّفى زوجُها، وقيل في زيادة العشرة على الأشهر الأربعة ما قاله سعيد بن المسيب وأبو العالية أن الله تعالى ينفخ الروح في العشرة، ثم ذكر العشر بالتأنيث تغليباً لليالي على الأيام إذا اجتمعت لأن ابتداء الشهور طلوع الهلال ودخول الليل، فكان تغليب الأوائل على الثواني أوْلى. واختلفوا في وجوب الإِحْدَادِ فيها على قولين: أحدهما: أن الإِحْدَاد فيها واجب، وهو قول ابن عباس، والزهري. والثاني: ليس بواجب، وهو قول الحسن. روى عبد الله ابن شداد بن الهاد، عن أسماء بنت عُمَيس قالت: لمّا أصيب جعفر بن أبي طالب، قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : تَسَلَّبي ثَلاَثاً ثُمَّ اصْنَعِي مَا شِئْتِ". تفسير : والإِحْدَادُ: الامتناع من الزينة، والطيب، والترجل، والنُّقْلة. ثم قال تعالى: {فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيكُم فِيمَا فَعَلنَّ فِي أَنْفُسِهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} فإن قيل: فما المعنى في رفع الجناح عن الرجال في بلوغ النساء أجلهن؟ ففيه جوابان: أحدهما: أن الخطاب تَوَجّه إلى الرجال فيما يلزم النساء من أحكام العِدّة، فإذا بلغن أجلهن ارتفع الجناح عن الرجال في الإنكار عليهن وأخذهن بأحكام عددهن. والثاني: أنه لا جناح على الرجال في نكاحهن بعد انقضاء عِدَدِهن. ثم قوله تعالى: {فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف} تأويلان: أحدهما: من طيب، وتزْين، ونقلة من مسكن، وهو قول أبي جعفر الطبري. والثاني: النكاح الحلال، وهو قول مجاهد. وهذه الآية ناسخة لقوله تعالى: {أية : وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً وَصِيَّةً لأزْوَاجِهِم مَتَاعاً إِلَى الْحَولِ غَيرَ إِخْرَاج} تفسير : [البقرة: 240] فإن قيل: فهي متقدمة والناسخ يجب أن يكون متأخراً، قيل هو في التنزيل متأخر، وفي التلاوة متقدم. فإن قيل: فَلِمَ قُدِّم في التلاوة مع تأخره في التنزيل؟ قيل: ليسبق القارىء إلى تلاوته ومعرفة حكمه حتى إن لم يقرأ ما بعده من المنسوخ أجزأه.
ابن عطية
تفسير : قوله عز وجل: {وَالذَّيِنَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَجاً يَتَرَبَّصْنَ بأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً} قال بعض نحاة الكوفيين: الخبر عن {الذين} متروك والقصد الإخبار عن أزواجهم بأنهن يتربصن، ومذهب نحاة البصرة أن خبر {الذين} مترتب بالمعنى، وذلك أن الكلام إنما تقديره يتربص أزواجهم، وإن شئت قدرته. وأزواج الذين يتوفون منكم يتربصن، فجاءت العبارة في غاية الإيجاز، وإعرابها مترتب على هذا المعنى المالك لها المتقرر فيها، وحكى المهدوي عن سيبويه أن المعنى: وفيما يتلى عليكم الذين يتوفون، ولا أعرف هذا الذي حكاه لأن ذلك إنما يتجه إذا كان في الكلام لفظ أمر بعد. مثل قوله: {أية : والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما} تفسير : [المائدة: 38]، وهذه الآية فيها معنى الأمر لا لفظه فيحتاج مع هذا التقدير إلى تقدير آخر يستغنى عنه إذا حضر لفظ الأمر، وحسن مجيء الآية هكذا أنها توطئة لقوله: {فلا جناح عليكم}، إذ القصد بالمخاطبة من أول الآية إلى آخرها الرجال الذين منهم الحكام والنظرة، وعبارة المبرد والأخفش ما ذكرناه، وهذه الآية هي في عدة المتوفى عنها زوجها، وظاهرها العموم ومعناها الخصوص في الحرائر غير الحوامل ولم تعن الآية لما يشذ من مرتابة ونحوها، وحكى المهدوي عن بعض العلماء أن الآية تناولت الحوامل ثم نسخ ذلك بقوله: {أية : وأولات الأحمال} تفسير : [الطلاق: 4]، وعدة الحامل وضع حملها عند جمهور العلماء، وروي عن علي بن أبي طالب وابن عباس وغيرهما أن تمام عدتها آخر الأجلين، والتربص الصبر والتأني بالشخص في مكان أو حال، وقد بين تعالى ذلك بقوله: {بأنفسهن}، والأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: متظاهرة أن التربص بإحداد وهو الامتناع عن الزينة ولبس المصبوغ الجميل والطيب ونحوه، والتزام المبيت مسكنها حيث كانت وقت وفاة الزوج. وهذا قول جمهور العلماء وهو قول مالك وأصحابه. وقال ابن عباس وأبو حنيفة فيما روت عنه وغيرهما: ليس المبيت بمراعى، تبيت حيث شاءت. وقال الحسن بن أبي الحسن: "ليس الإحداد بشيء، إنما تتربص عن الزواج، ولها أن تتزين وتتطيب". قال القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف. وقرأ جمهور الناس "يُتوفون" بضم الياء، وقرأ علي بن أبي طالب رضي الله عنه "يَتوفون" بفتح الياء، وكذلك روى المفضل عن عاصم، ومعناه يستوفون آجالهم، وجعل الله الأربعة الأشهر والعشر عبادة في العدة فيها استبراء للحمل، إذ فيها تكمل الأربعون والأربعون والأربعون، حسب الحديث الذي رواه ابن مسعود وغيره ثم ينفخ الروح، وجعل الله تعالى العشر تكملة إذ هي مظنة لظهور الحركة بالجنين وذلك لنقص الشهور أو كمالها ولسرعة حركة الجنين أو إبطائها، قاله سعيد بن المسيب وأبو العالية وغيرهما، وقال تعالى: {عشراً}، ولم يقل عشرة تغليباً لحكم الليالي إذ الليلة أسبق من اليوم والأيام في ضمنها، وعشر أخف في اللفظ، قال جمهور أهل العلم: ويدخل في ذلك اليوم العاشر وهو من العدة لأن الأيام مع الليالي، وحكى منذر بن سعيد - وروي أيضاً عن الأوزاعي -: أن اليوم العاشر ليس من العدة بل انقضت بتمام عشر ليالٍ، قال المهدوي: "وقيل المعنى وعشر مدد كل مدة من يوم وليلة"، وروي عن ابن عباس أنه قرأ "أربعة أشهر وعشر ليال". قوله عز وجل: {فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} أضاف تعالى الأجل إليهنّ إذ هو محدود مضروب في أمرهن، والمخاطبة بقوله {فلا جناح عليكم} عامة لجميع الناس، والتلبس بهذا الحكم هو للحكام والأولياء اللاصقين والنساء المعتدات، وقوله عز وجل {فيما فعلن} يريد به التزوج فما دونه من التزين واطراح الإحداد. قال مجاهد وابن شهاب وغيرهما: أراد بما فعلن النكاح لمن أحببن إذا كان معروفاً غير منكر. قال القاضي أبو محمد: ووجوه المنكر في هذا كثيرة، وقال بعض المفسرين: {بالمعروف} معناه بالإشهاد، وقوله تعالى: {والله بما تعملون خبير} وعيد يتضمن التحذير، و {خبير} اسم فاعل من خبر إذا تقصى علم الشيء.
ابن عبد السلام
تفسير : {أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً} زيدت العشر لأن الروح تنفخ فيها قاله ابن المسيب، وأبو العالية، وفي وجوب الإحداد فيها قولان: قال الرسول صلى الله عليه وسلم لأسماء بنت عميس لما أصيب جعفر بن أبي طالب: "حديث : تسلبي ثلاثاُ ثم أصنعي ما شئت "تفسير : {فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ} أي في تزوجكم بهن، أو سقط عنكم الإنكار عليهن إذا تزوجن بعد الأجل. {بِالْمَعْرُوفِ} بالنكاح المباح، أو بالطيب والزينة والانتقال من المسكن نَسخت هذه لقوله تعالى:{أية : وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ} تفسير : [البقرة: 240] وتقدم الناسخ على المنسوخ، لأن القارىء إذا وصل إلى الناسخ واقتصر عليه أجزأه.
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {والذين يتوفون} يعني يموتون {منكم} وأصل التوفي أخذ الشيء وافياً، فمن مات فقد استوفى عمره كاملاً، ويقال توفي فلان يعني قبض وأخذ {ويذرون} أي ويتركون {أزواجهن} والمراد بالأزواج هنا النساء لأن العرب تطلق اسم الزوج على الرجل والمرأة {ويتربص} أي ينتظرن {بأنفسهن أربعة أشهر وعشراً} يعني قدر هذه المدة وإنما قال عشراً بلفظ التأنيث لأن العرب إذا أبهمت في العدد من الليالي والأيام غلبوا الليالي حتى إن أحدهم ليقول: صمت عشراً من الشهر لكثرة تغليبهم الليالي على الأيام فإذا أظهروا الأيام قالوا صمنا عشرة أيام وقيل إن هذه الأيام أيام حزن ولبس إحداد فشبهها بالليالي على سبيل الاستعارة ووجه الحكمة في أن الله تعالى حد العدة بهذا القدر لأن الولد يركض في بطن أمه لنصف مدة الحمل، يعني يتحرك. وقيل: إن الروح ينفخ في الولد في هذه العشرة أيام، ويدل على ذلك ما روي عن ابن مسعود قال: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق: "حديث : إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوماً نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله إليه ملكاً يكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد، ثم ينفخ فيه الروح" تفسير : أخرجاه في الصحيحين بزيادة، فدل هذا الحديث على أن خلق الولد يجتمع في مدة أربعة أشهر ويتكامل خلقه بنفخ الروح فيه في هذه الأيام الزائدة. فصل: في حكم عدة المتوفي عنها زوجها والإحداد. وفي مسائل المسألة الأولى: عدة المتوفى عنها زوجها أربعة أشهر وعشر وعدة الأمة على نصف عدة الحرة شهران وخمسة أيام، وبه قال جمهور العلماء، وقال أبو بكر الأصم: عدة الأمة كعدة الحرائر وتمسك بظاهر هذه الآية، وعدة الحامل بوضع الحمل سواء فيه الحرة والأمة، ولو وضعت بعد وفاة زوجها بلحظة حل لها أن تتزوج، ويدل على هذا ما روي عن سبيعة الأسلمية أنها كانت تحت سعد بن خولة وهو من بني عامر بن لؤي، وكان ممن شهد بدراً، فتوفي عنها في حجة الوداع وهي حامل، فلم تلبث أن وضعت حملها بعد وفاته، فلما تعلت من نفاسها تجملت للخطاب فدخل عليها أبو السنابل بن بعكك رجل من بني عبد الدار فقال: ما لي أراك تجملت للخطاب لعلك ترجين النكاح وإنك والله ما أنت بناكح حتى تمر عليك أربعة أشهر وعشر. قالت سبيعة: فلما قال لي ذلك جمعت عليَّ ثيابي حين أمسيت وأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألته عن ذلك فأفتاني بأني قد حللت حين وضعت حملي وأمرني بالتزويج إن بدا لي، أخرجاه في الصحيحين، وفيه قال ابن شهاب: ولا أرى بأساً أن تتزوج حين وضعت وإن كانت في دمها غير أنه لا يقربها حتى تطهر، فعلى هذا حكم الآية عام في كل من توفي عنها زوجها بأن تعتد أربعة أشهر وعشراً، ثم خصص من هذا العموم أولات الأحمال بهذا الحديث وبقوله تعالى: {وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن}. المسألة الثانية: يجب على من توفي عنها زوجها الإحداد، وهو ترك الزينة والطيب ودهن الرأس بكل دهن والكحل المطيب، فإن اضطرت إلى كحل فيه زينة فيرخص لها، وبه قال مالك وأبو حنيفة. وقال الشافعي: تكتحل به بالليل وتمسحه بالنهار. عن أم سلمة قالت: "حديث : دخل عليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم حين توفي أبو سلمة وقد جعلت عليّ صبراً فقال: ما هذا يا أم سلمة؟ قلت: إنما هو صبر يا رسول الله ليس فيه طيب، فقال: إنه يشب الوجه فلا تجعليه إلاّ بالليل وتنزعيه بالنهار ولا تمتشطي بالطيب ولا بالحناء فإنه خضاب. قلت: بأي شيء أمتشط يا رسول الله؟ قال:بالسدر تغلفين به رأسك" تفسير : أخرجه أبو داود وللنسائي نحوه. قوله "فإنه يشب الوجه" أي يوقده ويحسنه وبنوره من شب النار إذا أوقدها. قوله "تغلفين به رأسك" أي تلطخين به رأسك والتغلف هو الغمرة على وجه المرأة وكذا رأسها إذا لطخته بشيء فأكثرت منه. ولا يجوز لها لبس الديباج والحرير والحلي والمصبوغ للزينة كالأحمر والأصفر ويجوز لها لبس ما صبغ لغير الزينة كالأسود والأزرق، ويجوز لها أن تلبس البياض من الثياب والصوف والوبر (ق) عن زينب بنت أبي سلمة قالت: دخلت على أم حبيبة زوج النبي صلى الله عليه وسلم حين توفي أبوها أبو سفيان بن حرب فدعت أم حبيبة بطيب فيه صفرة خلوق أو غيره فدهنت به جارية ثم مست بعارضيها ثم قالت: والله ما لي بالطيب من حاجة غير أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول على المنبر: "حديث : لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحدَّ على ميت فوق ثلاث إلاّ على زوج أربعة أشهر وعشراً" تفسير : قالت زينب: ثم دخلت على زينب بنت جحش حين توفي أخوها فدعت بطيب فمست منه ثم قالت: والله ما لي بالطيب من حاجة غير أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول على المنبر: "حديث : لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحدّ على ميت فوق ثلاث إلاّ على زوج أربعة أشهر وعشراً"تفسير : (م) عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحدَّ على ميت فوق ثلاث إلاّ على زوجها أربعة أشهر وعشراً"تفسير : (ق) عن أم عطية قالت: "كنا ننهى أن نحد على ميت فوق ثلاث إلاّ على زوج أربعة أشهر وعشراً ولا نكتحل ولا نتطيب ولا نلبس ثوباً مصبوغاً إلاّ ثوب عصب وقد رخص لنا عند الطهر إذا اغتسلت إحدانا من حيضتها في نبذة من كست أظفار" قولها: إلاّ ثوب عصب العصب بالعين واصاد المهملتين من البرود الذي صبغ غزله قبل النسج. قولها: نبذة من كست. النبذة الشيء اليسير. والكست لغة في القسط وهو شيء معروف يتبخر به. عن أم سلمة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا تلبس المتوفى عنها زوجها المعصفرة من الثياب ولا الممشقة ولا الحلي ولا تختضب ولا تكتحل ولا تطيب" تفسير : أخرجه أبو داود. قولها: ولا الممشقة الثياب. الممشقة هي المصبوغة بالمشق وهي المغرة، عن نافع: "أن صفية بنت عبدالله اشتكت عينها وهي حادٌّ على زوجها ابن عمر فلم تكتحل حتى كادت عيناها ترمضان" أخرجه مالك في الموطأ. المسألة الثالثة: اختلفوا في أن هذه المدة سببها الوفاة أو العلم بالوفاة، فقال بعضهم: ما لم تعلم بوفاة زوجها لا تعتد بانقضاء الأيام في العدة، واحتجوا على ذلك بأن الله تعالى قال: {يتربصن بأنفسهن} وذلك لا يحل إلاّ بالقصد إلى التربص ولا يحل ذلك إلاّ مع العلم. قال الجمهور: السبب هو الموت فلو انقضت المدة أو أكثرها أو بعضها ثم بلغها خبر موت الزوج وجب أن تعتد بما انقضى ويدل على ذلك أن الصغيرة التي لا علم لها يكفي في انقضاء عدتها هذه المدة. المسألة الرابعة: أجمع العلماء على أن هذه الآية ناسخة لما بعدها من الاعتداد بالحول وإن كانت هذا الآية متقدمة في التلاوة وسنذكر تمام الكلام عليه بعد في موضعه إن شاء الله تعالى، والله أعلم. وقوله تعالى: {فإذا بلغن أجلهن} أي انقضت عدتهن {فلا جناح عليكم} خطاب للأولياء لأنهم هم الذين يتولون العقد {فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف} يعني من التزين والتطيب والنقلة من المسكن الذي كانت معتدة فيه ونكاح من يجوز لها نكاحه وقيل إنما عنى بذلك النكاح خاصة، وقيل معنى قوله: {بالمعروف} هو النكاح الحلال الطيب. واحتج أصحاب أبي حنيفة على جواز النكاح بغير ولي بهذه الاية لأن إضافة الفعل إلى الفاعل محمول على المباشرة، وأجاب أصحاب الشافعي أن قوله تعالى: {فلا جناح عليكم} للأولياء ولو صح العقد بغير ولي لما كان مخاطباً. وأجيب على قوله فيما فعلن في أنفسهن إنما هو التزين والتطيب بعد انقضاء العدة لأنها تزوج نفسها {والله بما تعملون خبير} يعني أنه تعالى لا يخفى عليه خافية. والخبير في صفة الله تعالى هو العالم بكنه الشيء وحقيقته من غير شك والخبير في صفة المخلوقين إنما يستعمل في نوع من العلم وهو الذي يتوصل إليه بالاجتهاد والفكر، والله تعالى منزه عن ذلك كله.
ابن عرفة
تفسير : قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ...}. قال ابن عرفة: وتقدم لنا فيه سؤال وهو أن يقال: ما الفائدة في زيادة (منكم) ولو أسقط لكان اللَّفظ أعم فائدة؟ كما تقدم لنا الجواب عنه بقول بعضهم: إن العام إذا قيد بشيء غالب أمره أنه يتخصص به، وقد يكون تقييده موجبا لتأكيد عمومه كهذه الآية، فإن توهّم وقوع المخالفة ممن لم يدرك النبي صلى الله عليه وسلم (من المؤمنين) أشد من توهّم وقوع المخالفة ممن أدركه منهم فإذا خوطب بذلك من أدركه فأحرى من سواهم، فـ (منكم) تأكيد لا تخصيص. وأجيب أيضا بأنّ (منكم) تخصيص لا تأكيد. والمراد من المسلمين الحاضرين والغائبين وغلب فيها ضمير المخاطبين على غيرهم ويكون في الآية على هذا دليل على أنّ الكفار غير مخاطبين بفروع الشريعة. فإن قلت: ما فائدة قوله: "بِأَنْفُسِهِنَّ"؟ قلت: فائدته التنبيه على مجاهدة النفس بمنعها شهواتها وتحملها الصبر على النكاح حتى تنقضي العدة. فإن قلت: ظاهر الآية أن يكون التربص مقصودا لها. والمذهب على أنها إذا لم تعلم بوفاة زوجها إلاّ بعد مضي العدة فإنّها تجزيها تلك ولا تستأنف عدة أخرى بوجه؟ قلنا: الأغلب في النساء معرفة - وكذلك المذهب - في الأربعة أشهر وعشرا أنها تكفي بشرط أن تحيض فيها حيضة و هو الأعم الأغلب في النساء فإن لم تحض (واسترابت) رفعت إلى تسعة أشهر فإن زالت عنها/ الرّيبة فقد انقضت عدتها وإن (استرابت) بحس بطن فإنّها تمكث أقصى أمد الحمل، ولهذا قال في المدونة: والعدة في الطلاق بعد الرّيبة وفي الوفاة قبل الريبة. قوله تعالى: {أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً...}. قيل: أراد عشر ليال بأيامها وغلب اللّيالي لأنها أسبق. الزمخشري: ولا تراهم فقط يستعملون التّذكير فيه ذاهبين إلى الأيام تقول: صمت عشرا، ولو ذُكرت خرجت من كلامهم. قال المبرّد: وعشر مدد كل مدة منها يوم وليلة. وتعقبه أبو حيان بأنه لا حاجة إلى ذكر اللّيالي والعدد لأنهم مضوا على أن المعدود إذا كان مذكرا أو حذفته فلك في العدد وجهان إما التذكير الفصيح أو التأنيث. قال ابن عرفة: كان الشيوخ يحكون عن شيوخهم خلافا فيمن يشتري سلعة بعشرة دارهم وفي تونس القديم والجديد فكان سيدى الشيخ الفقيه أبو محمد عبد الله الزواوي يفتي بأن له أن يعطيه عنها ثمانية دراهم جديدة لأن غالب حال الناس التعامل بالجديد وهو الأكثر. وكان الشيخ الفقيه القاضي أبو القاسم بن زيتون يقول أسماء العدد نصوص فما يعطيه إلا عشرة دراهم قديمة كما وقع العقد بينهما. قلت: وذكرت هذا بعينه في سورة العنكبوت.
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَٰجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ} هذه الآيةُ في عدَّة المتوفَّىٰ عنها زوجُها، وظاهرها العمومُ، ومعناها الخصوصُ في الحرائرِ غيْرِ الحَوَامِلِ، ولم تعن الآية لما يشذُّ من مرتابةٍ ونحوها، وعدَّة الحَامِلِ: وضْعُ حملها؛ عند الجمهور. ورُوِيَ عن عليٍّ، وابن عبَّاس: أقصَى الأجلَيْن، وَيَتَرَبَّصْنَ: خبر يتضمَّن معنى الأمر، والتربُّص: الصبْر والتأنِّي. والأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم متظاهرة أن التربُّص بإِحْدَادٍ، وهو الٱمتناعُ عن الزينة، ولُبْس المَصْبُوغ الجميلِ، والطِّيب، ونحوه، والتزامِ المَبِيتِ في مَسْكنها؛ حيث كانَتْ وقت وفَاة الزَّوْج، وهذا قولُ جمهورِ العُلَماء، وهو قولُ مالكٍ، وأصحابه، وجعل اللَّه تعالَىٰ {أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} عبادةً في العِدَّة فيها ٱستبراءٌ للحَمْل؛ إِذ فيها تكمل الأربعون، والأربعون، والأربعون؛ حسب الحديثِ الَّذي رواه ابن مَسْعود وغيره، ثم ينفخ الرُّوحُ، وجعل تعالى العَشْر تكملةً؛ إِذ هي مَظِنَّةٌ لظهورِ الحركةِ بالجنينِ، وذلك لنقْصِ الشهور، أو كمالها، أو لسُرْعة حركةِ الجنين، أو إِبطائها. قاله ابن المُسَيِّب، وغيره. وقال تعالى: {وَعَشْرًا}؛ تغْليباً لحكْم الليالِي، وقرأ ابن عَبَّاس: «وَعَشْرَ لَيَالٍ»، قال جمهور العلماء: ويدخل في ذلك اليَوْمُ العَاشِر. وقوله تعالى: {فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ}: {فِيمَا فَعَلْنَ }: يريدُ به التزوُّجَ، فما دونَهُ من زينةٍ، وٱطِّراح الإِحداد؛ قاله مجاهد وغيره، إِذا كان مَعْرُوفاً غيْرَ منكر. قال: * ع *: ووجوه المُنْكَر كثيرةٌ، وقوله سبحانه: {وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} وعيدٌ يتضمَّن التحذيرَ، و {خَبِيرٌ }: اسم فاعلٍ مِن «خَبَرَ»، إِذا تَقَصَّى علْم الشيء.
ابن عادل
تفسير : في "الَّذِينَ" أوجهٌ: أحدها: أنَّها مبتدأٌ لا خبر له، بل أخبر عن الزوجات المتصل ذكرهنَّ به؛ لأنَّ الحديث معهنَّ في الاعتداد، فجاء الخبر عن المقصود، إذ المعنى: من مات عنها زوجها، تربَّصت، وإليه ذهب الكسائيُّ والفراء؛ وأنشد الفراء: [الطويل] شعر : 1130- لَعَلِّيَ إِنْ مَالَتْ بِيَ الرِّيحُ مَيْلَةً عَلَى ابْنِ أَبِي ذِبَّانَ أَنْ يَتَنَدَّمَا تفسير : فقال: لَعَلِّيَ" ثم قال: "أَنْ يَتَنَدَّمَ" فأخبر عن ابن أبي ذِبَّانَ، فترك المتكلم؛ إذ التقدير: لعلَّ ابن أبي ذبَّان أن يتندَّم إن مالت بي الرِّيح ميلةً. وقال آخر: [الطويل] شعر : 1131- بَنِي أَسَدٍ إِنَّ ابْنَ قَيْسٍ وَقَتْلَهُ بِغَيْرِ دَمٍ دَارُ المَذَلَّةِ حُلَّتِ تفسير : فأخبر عن قتله بأنه دار مذلَّةٍ، وترك الإخبار عن ابن قيسٍ. وتحرير مذهب الكسائيِّ والفرَّاء: أنه إذا ذكر اسمٌ، وذكر اسم مضافٌ إليه فيه معنى الإخبار ترك عن الأول، وأخبر عن الثاني؛ نحو: "إنَّ زَيْداً وَأُخْتهُ مُنْطَلِقَةٌ"، المعنى: إن أخت زيدٍ منطلقةٌ، لكنَّ الآية الكريمة والبيت الأول ليسا من هذا الضَّرب، وإنما الذي أورده شبيهاً بهذا الضرب. قوله: [الوافر] شعر : 1132- فَمَنْ يَكُ سَائِلاً عَنِّي فَإِنِّي وَجِرْوَةَ لاَ تَرُودُ وَلاَ تُعَارُ تفسير : وأنكر المبرد والزجاج ذلك؛ قالا: لأن مجيء المبتدأ بدون الخبر محال، وليس هذا موضع البحث في هذا المذهب ودلائله. الثاني: أنَّ له خبراً اختلفوا فيه على وجوه: أحدها: أنه "يَتَرَبَّصْنَ"، ولا بدَّ من حذفٍ يصحِّحُ وقوع هذه الجملة خبراً عن الأول؛ لخلوِّها من الرابط، والتقدير: وأزواجُ الَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ يَتَرَبَّصْنَ؛ ويدلُّ على هذا المحذوف قوله: {وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً} فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه لتلك الدلالة عليه. والتقدير: يتربَّصن بعدهم، أو بعد موتهم، قاله الأخفش. وثالثها: أنَّ "يَتَرَبَّصْنَ" خبرٌ لمبتدأ محذوفٍ، التقدير: أزواجهم يتربَّصْنَ، وهذه الجملة خبرٌ عن الأوَّل، قاله المبرِّد. ورابعها: أنَّ الخبر محذوفٌ بجملته قبل المبتدأ، تقديره: فيما يتلى عليكم حكم الذين يتوفَّون، ويكون قوله "يَتَرَبَّصْنَ" جملةً مبيِّنَةً للحكم، ومفسِّرة له، فلا موضع لها من الإعراب، ويعزى هذا لسيبويه. قال ابن عطيَّة: وَحَكَى المَهْدَوِيُّ عن سيبويه أنَّ المعنى: "وَفِيمَا يُتْلَى عَلَيْكُم الذين يُتَوَفَّونَ"، ولا أعرفُ هذا الذي حكاه؛ لأنَّ ذلك إنما يتَّجه إذا كان في الكلام لفظ أمرٍ بعد المبتدأ، نحو قوله تعالى: {أية : وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ فَٱقْطَعُوۤاْ}تفسير : [المائدة:38] {أية : ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِي فَٱجْلِدُواْ}تفسير : [النور:2] وهذه الآية فيها معنى الأمر، لا لفظه، فتحتاج مع هذا التقدير إلى تقدير آخر يستغنى عنه إذا حضر لفظ الأمر. وخامسها: أن بعض الجملة قام مقام شيء مضافٍ إلى عائدِ المبتدأ، والتقدير: "وَالَّذِينَ يُتَوفَّوْنَ مِنْكُمْ ويَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ أَزْوَاجُهُمْ" فحذف "أَزْوَاجُهُمْ" بجملته، وقامت النون التي هي ضمير الأزواج مقامهنَّ بقيد إضافتهنَّ إلى ضمير المبتدأ. وقال القرطبيُّ: المعنى: والرِّجَالُ الَّذِينَ يَمُوتُونَ مِنْكُمْ" "وَيَذَرُونَ" ـ أي: يتركون - "أَزْوَاجاً" - أي: ولهم زوجاتٌ - فالزَّوجات "يَتَرَبَّصْنَ" قال معناه الزَّجَّاج واختاره النَّحاس، وحذف المبتدأ في القرآن كثيرٌ؛ قال تعالى: {أية : قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذٰلِكُمُ ٱلنَّارُ}تفسير : [الحج:72] أي هو النَّار. وقرأ الجمهور "يُتَوَفَّوْنَ" مبنيّاً لما لم يسمَّ فاعله، ومعناه: يموتون ويقبضون؛ قال تعالى: {أية : ٱللهُ يَتَوَفَّى ٱلأَنفُسَ حِينَ مِوْتِـهَا}تفسير : [الزمر:42]، وأصل التوفي أخذ الشيء وافياً كاملاً، فمن مات، فقد وجد عمره وافياً كاملاً. وقرأ علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - ورواها المفضَّل عن عاصم - بفتح الياء على بنائه للفاعل، ومعناه: يَسْتَوْفُونَ آجَالَهُمْ، قاله الزمخشريُّ. ويُحكى أن أبا الأسود كان خلف جنازةٍ، فقال له رجلٌ: من المتوفِّي؟ بكسر الفاء، فقال: الله، وكان أحد الأسباب الباعثة لعلي بن أبي طالب - رضي الله عنه - على أن أمره بوضع كتابٍ في النَّحو. وقد تقدَّم البحث في قوله تعالى: {أية : يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوۤءٍ}تفسير : [البقرة:228] وهل "بِأَنْفُسِهِنَّ" تأكيدٌ أو لا؟ وهل نصبُ "قُرُوء" على الظرف، أو المفعوليَّة؟ وهو جارٍ هاهنا. قوله: "مِنكُمْ" في محلِّ نصبٍ على الحال من مرفوع "يتَوَفَّوْنَ" والعامل فيه محذوفٌ، تقديره: حال كونهم منكم، و "مِنْ" تحتمل التبعيض وبيان الجنس والأزواج هاهنا. فصل في معنى "التربص" و "التَّرَبُّصُ": التأنِّي والتصبُّر عن النِّكاح، وترك الخروج عن مسكن النكاح بألاَّ تفارقه ليلاً، ولم يذكر الله تعالى السُّكنى للمتوفَّى عنها في كتابه كما ذكرها للمطلَّقة بقوله: {أية : أَسْكِنُوهُنَّ}تفسير : [الطلاق:6]، وليس في لفظ العدَّة في القرآن ما يدلُّ على الإحداد وإنما قال: "يَتَرَبَّصْنَ" فبينت السُّنَّة جميع ذلك. قوله: {أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً} إنما قال "عَشْراً" من غير تاء تأنيثٍ في العدد والمراد عشرة أيام؛ لوجوه: الأول: أنَّ المراد "عَشْرَ لَيَالٍ" مع أيامها، وإنما أوثرت الليالي على الأَيام في التاريخ لسبقها؛ قال الزمخشريُّ: "وقيل "عَشْراً" ذهاباً إلى الليالي، والأيام داخلةٌ فيها، ولا تراهم قطُّ يستعملون التذكير ذاهبين فيه إلى الأيام، تقول: "صُمْتُ عَشْراً"، ولو ذكَّرْت خرجت من كلامهم، ومن البيِّن قوله تعالى: {أية : إِلاَّ عَشْراً}تفسير : [طه:103]،{أية : إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ يَوْماً}تفسير : [طه:104]. الثاني: قال المبرِّد: إنَّ حذف التاء؛ لأجل أنَّ التقدير عشر مددٍ كلُّ مدة منها يومٌ وليلةٌ، تقول العرب: "سِرْنَا خَمْساً" أي: بين يوم وليلة؛ قال: [الطويل] شعر : 1133- فَطَافَتْ ثَلاَثاً بَيْنَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ وَكَانَ النَّكِيرُ أَنْ تُضِيفَ وَتَجْأَرَا تفسير : والثالث: أنَّ المعدود مذكَّرٌ وهو الأيام، وإنما حذفت التاء؛ لأنَّ المعدود المذكر، إذا ذكر وجب لحاق التاء في عدده؛ قالوا "صُمْنَا خَمْسَةَ أَيَّام"، وإذا حذف لفظاً، جاز في العدد الوجهان: ذكر التاء وعدمها، حكى الكسائيُّ: "صُمْنَا مِنَ الشَّهْرِ خَمْساً"، ومنه الحديث: "حديث : وَأَتْبَعَهُ بِسِتٍّ مِنْ شَوَّالٍ"تفسير : ، وقال الشاعر: [الطويل] شعر : 1134- وَإِلاَّ فَسِيرِي مِثْلَ مَا سَارَ رَاكِبٌ تَيَمَّمَ خَمْساً لَيْسَ فِي سَيْرِهِ أَمَمْ تفسير : نصَّ النحويون على ذلك. قال أبو حيَّان: "فَلا يُحْتَاجُ إلى تأويلها بالليالي ولا بالمدد؛ كما قدَّره الزَّمخشريُّ والمُبَرِّد على هذا"، قال: "وإذا تقرر هذا، فجاء قوله: "وَعَشْراً" على أحد الجازئين، وإنما حسن حذف التاء هنا؛ لأنه مقطع كلام، فهو شبيهٌ بالفواصل؛ كما حسَّن قوله: {أية : إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ عَشْراً}تفسير : [طه:103] كونه فاصلةً، فقوله: "ولو ذَكَّرْتَ لَخَرجْتَ من كَلاَمِهِمْ" ليس كما ذكر، بل هو الأفصح، وفائدة ذكره "إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاَّ يَوْماً" بعد قوله "إِلاَّ عَشْراً" أنه على زعمه أراد الليالي، والأيام داخلةٌ معها، فقوله: "إِلاَّ يَوْماً" دليلٌ على إرادةِ الأيَّام". قال أبو حيان: "وهذا عندنا يدلُّ على أنَّ المراد بالعشر الأيَّام؛ لأنهم اختلفوا في مدَّة اللَّبث، فقال بعضهم: "عَشْراً" وقال بعضهم: "يَوْماً" فدلَّ على أنَّ المقابل باليوم إنما هو أيام؛ إذ لا يحسن في المقابلة أن يقول بعضهم: عَشْرُ لَيَالٍ، فيقول البعضُ: يَوْمٌ". الرابع: أنَّ هذه الأيَّام [أيَّام حزن ومكروه، ومثل هذه الأيَّام] تسمَّى بالليالي على سبيل الاستعارة؛ كقولهم: "خَرَجْنَا لَيَالِيَ الفِتْنَةِ، وجئنا لياليَ إِمَارَة الحَجَّاج". الخامس: أنَّ المراد بها الليالي، وإليه ذهب الأوزاعيُّ وأبو بكر الأصمُّ، وبعض الفقهاء قالوا: إذا انقضى لها أربعة أشهرٍ وعشر ليالٍ، حلَّت للأزواج. فصل لما ذكر الله تعالى عدَّة الطلاق، واتصل بذكرها ذكر الرَّضاع، ذكر عدَّة الوفاة أيضاً؛ لئلاَّ يتوهَّم أن عدة الوفاة مثل عدَّة الطلاق. فصل فيمن تستثنى من هذه العدَّة هذه العدَّة واجبةٌ على كلِّ امرأةٍ مات عنها زوجها، إلاَّ في صورتين: الأولى: أن تكون أمَةً، فإنَّها تعتدُّ عند أكثر الفقهاء نصف عدة الحرَّة. وقال أبو بكر الأصمُّ: عدتها عدَّة الحرَّة؛ لظاهر هذه الآية، ولأن الله تعالى جعل وضع الحمل في حقِّ الحامل بدلاً عن هذه المُدَّة؛ فوجب أن يشتركا فيه. وأجاب الفقهاء بأنَّ التنصيف في هذه المدة ممكنٌ، وفي وضع الحمل غير ممكن، فظهر الفرق. الصُّورة الثانية: أن تكون حاملاً، فعدَّتها بوضع الحمل، ولو كان بعد وفاة الزَّوج بلحظة. وعن عليٍّ - رضي الله عنه -: أن تتربّصن بأبعد الأجلين. واستدلَّ الجمهور بقوله تعالى: {أية : وَأُوْلاَتُ ٱلأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ}تفسير : [الطلاق:4]. فإن قيل: هذه الآية إنما وردت عقيب ذكر المطلَّقات؛ [فيكون للمطلَّقات] لا للمتوفَّى عنها زوجها. فالجواب: أنَّ دلالة الاقتران ضعيفةٌ، والاعتبار إنَّما هو بعموم اللفظ. وأيضاً: قال عبد الله بن مسعود: "أُنْزِلَتْ سورةُ النِّساء القُصْرَى بعد الطُّولى" أراد بالقصرى "سُورَة الطَّلاَقِ"، وبالطُّولى "سُورَة البَقَرَةِ"، وأراد به قوله تعالى في سورة الطلاق: {أية : وَأُوْلاَتُ ٱلأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} تفسير : [الطلاق:4] نزلت بعد قوله: {يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً} فحمله على الفسخ، وعامَّة الفقهاء خصُّوا الآية بحديث سبيعة، وهو ما روي في "الصَّحِيحَينِ": أنَّ سُبَيْعَة الأسلميَّة كانت تحت سعد بن خولة، فتوفِّي عنها في حجَّة الوداع، وهي حاملٌ، فولدت بعد وفاة زوجها بنصف شهرٍ، فلمَّا طهرت من دمها تجمَّلت للخطَّاب، فدخل عليها أبو السَّنابل بن بعكك، رجلٌ من بني عبد الدَّار، فقال لها: ما لي أراك متجمِّلةً، لعلَّك تريدين النِّكاح، والله ما أنت بناكح حتَّى تمرَّ عليك أربعة أشهرٍ وعشرٌ، قالت سبيعة: فسألت النَّبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، قالت: فأفتاني بأنِّي قد حللت حين وضعت حملي، وأمرني بالتَّزويج، إن بدا لي. ولا فرق في عدَّة الوفاة بين الصَّغيرة والكبيرة، وقال ابن عبَّاس: لا عدَّة عليها قبل الدُّخول. فصل في عدة أم الولد المتوفى عنها سيدها اختلفوا في عدَّة أمِّ الولد، إذا توفِّي عنها سيِّدها، فقال سعيد بن المسيَّب، والزُّهريُّ، والحسن البصريُّ، وجماعةٌ: عدَّتها أربعة أشهرٍ وعشرٌ، وبه قال الأوزاعيُّ، وإسحاق. وروي عن عليٍّ، وابن مسعود: أن عدَّتها ثلاث حيضٍ، وهو قول عطاء وإبراهيم النَّخعيِّ وسفيان الثوريِّ وأصحاب الرَّأي. قال مالكٌ: لا تنقضي عدَّتها في هذه المدَّة حتى ترى عادتها من الحيض في تلك المدَّة، مثل إن كانت عادتها أن تحيض في كلِّ شهر فعليها حيضتان، وإن كانت عادتها أن تحيض في كلِّ أربعة أشهر مرَّة، فهاهنا يكفيها الشُّهور، وهذا خلاف ظاهر الآية، فإن ارتابت، استبرأت نفسها من الرِّيبة؛ كما أنَّ ذات الأقراء، لو ارتابت وجب عليها أن تحتاط. فصل إذا مات الزوج، وقد بقي من شهر الوفاة أكثر من عشرة أيَّامٍ، فالشَّهر الثاني والثالث والرابع يؤخذ بالأهلَّة، سواءٌ خرجت ناقصةً أو كاملةً، ثم تكمل الشهر الأوَّل من الخامس ثلاثين يوماً، ثم تضمُّ إليها عشرة أيَّامٍ. وإن مات، وقد بقي من الشَّهر أقلُّ من عشرة أيامٍ، اعتبر أربعة أشهر بعد ذلك بالأهلَّة، وكمل العشرين من الشَّهر السادس. فصل في كون الآية ناسخة أجمع الفقهاء على أنَّ هذه الآية ناسخة لما بعدها من الاعتداد بالحول، وإن كانت متقدِّمة في التِّلاوة غير أبي مسلم الأصفهانيِّ، فإنّه أبى نسخها، وسيأتي كلامه إن شاء الله تعالى. والتقدُّم في التلاوة لاّ يمنع التأخُّر في النزول. فصل في ابتداء هذه المدَّة اختلفوا في ابتداء هذه المدَّة، فقال بعضهم: ابتداؤها من حين العلم بالوفاة؛ لقوله تعالى: {يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ} والتربص بأنفسهن لا يحصل إلاَّ بقصد التربُّص، والقصد لا يكون إلا مع العلم. وقال الأكثرون: ابتداؤها من حيث الموت؛ لأنَّه سببها، فلو انقضت المدَّة أو أكثرها، ثم بلغها خبر الوفاة، اعتدَّت بما انقضى من المدَّة، ويدلُّ على ذلك أنَّ الصَّغيرة الَّتي لا علم لها يكفي في انقضاء عدَّتها مضيُّ هذه المدة. فصل في وجوب نفقة الحامل قال القرطبيُّ: أجمع العلماء على أنَّ نفقة المطلَّقة إذا كانت حاملاً واجبة؛ لقوله تعالى: {أية : وَإِن كُنَّ أُوْلاَتِ حَمْلٍ فَأَنفِقُواْ عَلَيْهِنَّ حَتَّىٰ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ}تفسير : [الطلاق:6]، واختلفوا في وجوب نفقة الحامل المتوفّى عنها زوجها، فقال ابن عبّاس، وسعيد بن المسيَّب، وعطاء، والحسن، وعكرمة، ويحيى الأنصاريُّ، وربيعة، ومالك، وأحمد، وإسحاق: ليس لها نفقةٌ، وحكاه أبو عبيد عن أصحاب الرأي. وروي عن عليّ، وعبد الله: أنَّ لها النفقة من جميع المال، وبه قال ابن عمر، وشريحٌ، وابن سيرين، والشَّعبيُّ، وأبو العالية، والنَّخعيُّ، وحماد بن أبي سلمان، وأيُّوب السَّختيانيُّ وسفيان الثوريُّ، وأبو عبيدٍ. فصل روي عن أبي العالية وسعيد بن المسيَّب؛ أن الله تعالى حدَّ العدة بهذا القدر؛ لأنَّ الولد ينفخ فيه الرُّوح في العشر بعد الأربعة، وهو منقولٌ عن الحسن البصريِّ. فصل احتجَّ من قال إنَّ الكفَّار ليسوا مخاطبين بفروع الإسلام؛ بقوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ} قالوا: هذا خطابٌ مع المؤمنين، فاختصَّ بهم، وجوابه أنَّ المؤمنين، لمَّا كانوا هم العاملين بذلك، خصَّهم بالذِّكر؛ كقوله: {أية : إِنَّمَآ أَنتَ مُنذِرُ مَن يَخْشَاهَا}تفسير : [النازعات:45] مع أنَّه كان منذراً للكلِّ؛ لقوله تعالى: {أية : لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً}تفسير : [الفرقان:1]. قوله: {فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ} أي إذا انقضت هذه المدة، {فلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ} قيل الخطاب مع الأولياء؛ لأنَّهم الذين يتولَّون العقد. وقيل الخطاب للحكَّام. قوله: {فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ} أي: مِن اختيار الأَزواج دون العقد، فإن العقد إلى الوَلِيِّ. وقيل: فيما فَعَلْنَ من التَّزَيُّن للرجالِ زينةً لا يشكرها الشَّرْع. فصل في وجوب الإحداد في عدَّة الوفاةِ يجب عليها الإحدادُ في عدَّة الوفاة، وهو الامتناع من الزِّينة والطِّيب، فلا يجُوز لها تدهينُ رأسها بأيِّ دُهْن كان، سواء كان فيه طِيبٌ أو [لم يكن]، [ولها تدهِينُ جسدها بدُهن لا طيب فيه، فإن كان فيه طيبٌ، فلا يجوز]، ولا يجُوزُ لها أن تكتحل بكُحلٍ فيه طيبٌ وفيه زينةٌ، كالكُحْل الأسود، ولا بأس بالكُحل الفارسيِّ الذي لا زينة فيه، فإن اضطرت إلى كُحل فيه زينةٌ فرخص فيه كثيرٌ من أهْل العلم منهم سالم بنُ عبد الله، وسليمان بنُ يسارٍ، وعطاءٌ والنخعيُّ، وبه قال مالكٌ وأصحاب الراي. وقال الشَّافعيُّ: تكتحلُ به ليلاً وتمسحهُ نهاراً. قالت أمُّ سلمة: دخل عليَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين تُوُفِّي أبو سلمة، وقد جعلت عليَّ صبراً، فقال: إنَّه يَشُبُّ الوجه، فلا تجعليه إلاَّ باللَّيل وتنزعيه بالنَّهار. ولا يجوز لها الخضابُ، ولا لُبسُ الوشي والدِّيباج والحُليِّ، ويجوزُ لها لُبْس البيض من الثِّياب، ولُبْسُ الصوف والوبر، ولا تلبسُ الثَّوب المصبوغ؛ كالأَحمر، والأصفر، والأَخضر النَّاضر، ويجوزُ ما صُبغ لغير زينةٍ؛ كالسَّواد والكُحْليِّ. وقال سفيان: لا تلْبَسُ المصبُوغ بحالٍ. فصل في العدة في بيت الزوج قال القرطبيُّ: إذا كان الزوج يملكُ رقبة المَسكن، فإنَّ للزوجة العدَّة فيه، وعليه أكثرُ الفقهاءِ، وإِن كان للزَّوج السكنى دون الرَّقبة، فلها السكنى في مدَّة العدَّة؛ خلافاً لأبي حنيفة والشَّافعيِّ؛ لقوله - عليه الصَّلاة والسَّلام - للفُريعة - وقد علم أن زوجها يملك رقبة المسكن ـ: "حديث : أمْكُثي في بيتِكِ حَتَّى يَبْلُغَ الكِتَابُ أَجَلَهُ ". تفسير : وهذا إذا كان قد أدَّى الكراء، فإِن كان لم يُؤَدِ الكراء، فالذي في "المُدَوَّنَة" أنَّه لا سكْنَى لها في مالِ المَيِّت، وإن كان مُوسِراً؛ لأنَّ حقَّها إنما يتعلق بما يملكه مِنَ السُّكْنَى ملكاً تامّاً، وما لَمْ ينقد عوضه لم يملكه مِلكاً تامّاً، وإنَّما ملك العوضَ الذي بيده، ولا حقَّ في ذلك للزَّوجة إلاَّ بالميراثِ، دون السُّكْنَى؛ لأنَّ ذلك مالٌ، وليس بسكْنَى. ورُوي عن مالكٍ: أن الكِراء لازمٌ للميِّت في ماله. فصل ولها أن تخْرج في حوائجها نهاراً إلى بعد العتمة، ولا تبينُ إِلاَّ في منزلها، وقوله ـ عليه الصَّلاة والسَّلام ـ "حديث : لا يحلُّ لامْرَأَةٍ تؤمِنُ بالله واليَوْمِ الآخِر"تفسير : يدلُّ على أنَّ الكتابيَّة لا إحداد عليها، وبه قال أبو حنيفة، ورُوِيَ عن مالك أَنَّ عليها الإحداد؛ كالمسلمة، وبه قال الشافعيُّ. فصل والإحدادُ واجبٌ على جميع الزَّوجات الحرائِر والإِماء والصغار والكبار، وذهب أبو حنيفة أنَّه لا إحدادَ على أمة، ولا على صغيرة، وقال الحسن: الإحْدَادُ ليس بواحبٍ. قوله: "بِٱلْمَعْرُوفِ" فيه أربعةُ أوجهٍ: أحدها: أن يكونَ حالاً من فاعل "فَعَلْنَ"، أي: فَعَلْنَ مُلْتَبسَاتٍ بالمعروف ومُصَاحِباتٍ له. والثاني: أنه مفعولٌ به، أي: تكونُ الباءُ باءَ التعدية. الثالث: أن يكونَ نعتَ مصدر محذوفٍ، أي: فَعَلْنَ فِعْلاً بالمعروف، أي: كائناً، ويجيءُ فيه مذهب سيبويه: أنه حالٌ من ضميرِ المصدرِ المعرفةِ، أي: فَعَلْنَهُ - أي الفعلَ - ملتبساً بالمعروف، وهو الوجهُ الرابعُ. قوله: {بِمَا تَعْمَلُونَ} متعلق بـ "خَبِيرٌ"، وَقُدِّمَ لأجلِ الفاصلةِ، و "مَا" يجوزُ أن تكونَ مصدريةً، وأن تكونَ بمعنى "الذي" أو نكرةً موصوفة، وهو ضعيفٌ، وعلى هذين القولين، فلا بدَّ من عائدٍ محذوفٍ، وعلى الأَوَّل لا يُحتاجُ إليه، إلا على رأي ضعيفٍ. فصل تَمَسَّكَ أصحابُ أبي حنيفة في جواز النِّكاح بغير وليِّ بقوله تعالى: {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِيۤ أَنْفُسِهِنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ} قالوا: وإضافةُ الفعل إلى الفاعل محمولٌ على المباشرة؛ لأنَّ هذا هو الحقيقة في اللفظ. والجوابُ أنَّ هذا الخطابَ مع الأَولياء، أو الحُكَّام؛ كما تقدَّم، وتقدير الآية: لا جُنَاحَ على النِّسَاء وعلَيْكُم، ثم قال: {فِيمَا فَعَلْنَ فِيۤ أَنْفُسِهِنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ} أي: ما يحسُنُ عقلاً وشرعاً؛ لأَنَّ المعروف ضدُّ المنْكَر الذي لا يحْسُن، وذلك هو الحلالُ من التزويج إذا كان مستجمعاً لِشرائط الصِّحَّة، والله أعلم.
البقاعي
تفسير : ولما ذكر الرضاع وكان من تقاديره ما إذا مات الأب ذكر عدة الوفاة لذلك وتتميماً لأنواع العدد فقال. وقال الحرالي: لما ذكر عدة الطلاق الذي هو فرقة الحياة انتظم برأس آيته ذكر عدة الوفاة الذي هو فراق الموت واتصل بالآية السابقة لما انجر في ذكر الرضاع من موت الوالد وأمر الوارث وكذلك كل آية تكون رأساً لها متصلان متصل بالرأس النظير لها المنتظمة به ومتصل بالآية السابقة قبلها بوجه ما- انتهى. فقال: {والذين} أي وأزواج الذين {يتوفون منكم} أي يحصل وفاتهم بأن يستوفي أنفسهم التي كانت عارية في أبدانهم الذي أعارهم إياها. قال الحرالي: من الوفاة وهو استخلاص الحق من حيث وضع، إن الله عز وجل نفخ الروح وأودع النفس ليستوفيها بعد أجل من حيث أودعها فكان ذلك توفياً تفعلاً من الوفاء وهو أداء الحق {ويذرون} من الوذر وهو أن يؤخذ المرء عما شأنه إمساكه {أزواجاً} بعدهم. ولما أريد تأكيد التربص مراعاة لحق الأزواج وحفظاً لقلوب الأقارب واحتياطاً للنكاح أتى به في صيغة الخبر الذي من شأنه أن يكون قد وجد وتمّ فقال: {يتربصن} أي ينتظرن أزواجهن لانقضاء العدة. ولما كان الممنوع إنما هو العقد والتعرض له بالأفعال دون طلبه بالتعريض قال معبراً بالنفس لذلك وللتنبيه على أن العجلة عن ذلك إنما تكون شهوة نفسانية بهيمية ليكون ذلك حاوياً على البعد عنها: {بأنفسهن} فلا يبذلنها لزوج ولا يخرجن من منزل الوفاة ويتركن الزينة وكل ما للنفس فيه شهوة تدعو إلى النكاح كما بينت ذلك السنّة {أربعة أشهر وعشراً} إن كن حرائر ولم يكن حمل سواء كانت صغيرة أو كبيرة تحيض أو لا، ابتداؤها من حين الوفاة لأنها السبب وغلب الليالي فأسقط التاء لأن أول الشهر الليل {فإذا بلغن أجلهن} ولما كان الله سبحانه وتعالى قد جعل المسلمين كالجسد الواحد وكان الكلام في أزواج الموتى أعلم سبحانه وتعالى بأنه يجب على إخوانهم المسلمين من حفظ حقوقهم ما كانوا يحفظونه لو كانوا أحياء بقوله: {فلا جناح عليكم} أي يا أهل الدين {فيما} ولما كان لا بد من إذن المرأة وقد تأذن للقاضي على رغم الولي عند عضله مثلا أسند الفعل إليهن فقال: {فعلن في أنفسهن} أي من النكاح ومقدماته التي كانت ممنوعة منها بالإحداد، ولا يحمل هذا على المباشرة ليكون دليلاً على - إنكاح المرأة نفسها لمعارضة آية {ولا تعضلوهن} المتأيدة بالسنّة. ولما كان ذلك قد لا يكون على وجه شرعي قال: {بالمعروف} لينصرف إلى الكامل فلا يكون في ذلك شوب نكارة، فإن فعلن ما ينكر كان على الناس الجناح بترك الأمر كما عليهن بالفعل؛ وأجمع الفقهاء غير أبي مسلم الأصفهاني على أن هذه الآية ناسخة لآية العدة بالحول، والتقدم في التلاوة لا يمنع التأخر في النزول لأن الترتيب ليس على ترتيب النزول - نقل ذلك الشمس الأصفهاني، ويرد عليه ما سيأتي نقله له عن مجاهد. ولما كان التقدير: فالله حد لكم هذه الحدود فاحفظوها عطف عليه قوله محذراً من التهاون في شيء منها في أنفسهم أو من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في حق غيرهم: {والله} أي الذي له صفات الكمال {بما تعملون} من سر وعلانية. ولما كان هنا من أمر العدة ما لم تعرفه العرب قبل فربما أنكرته القلوب لكونها لم تفهم سره وكان أمر النكاح إن قيد بالمعروف باطناً ختم بقوله {خبير *} أي يعلم خفايا البواطن كما يعلم ظواهرها فاحذروا مخالفته وأطيعوا أمره. ولما حد سبحانه وتعالى هذه المدة لمنعهن عن الرجال بين أن التعريض بالخطبة ليس داخلاً في المنع فقال: {ولا جناح عليكم} أي إثم يميل {فيما عرضتم به} أي قلتموه وأنتم تقصدون ما هو بعيد عنه كأنه في جانب وهو في جانب آخر لا يتأدى إليه إلا بدورة كأنت جميلة أو نافعة، وأنا عازم على أن أتزوج، وعسى أن ييسر الله لي قرينة صالحة وقال الحرالي: من التعريض وهو تفعيل من العرض والعرض وهو إلقاء القول عرضاً أي ناحية على غير قصد إليه وصمد نحوه - انتهى. والفرق بينه وبين الكناية أنه كلام ظاهر في معنى يقصد به غير معناه الظاهر فلا يفهم المراد إلا بالقرائن، كقول المحتاج: جئت لأسلم عليك وأنظر وجهك الكريم، ويسمى التلويح أيضاً، والكناية ذكر اللازم وإرادة الملزوم، وقد أفهم نوط الحل بالتعريض تحريم التصريح المقابل له وللكناية، والصريح اسم لما هو ظاهر المراد عند السامع بحيث يسبق إلى فهمه المراد ولا يسبق غيره عند الإطلاق {من خطبة} وهي الخطاب في قصد التزوج. وقال الحرالي: هي هيئة الحال فيما بين الخاطب والمخطوبة التي النطق عنها هو الخطبة بالضم {النساء} المتوفى عنهن أزواجهن ومن أشبههن في طلاق بائن بالثلاث أو غيرها. ولما أحل له التعريض وكان قد يعزم على التصريح إذا حل له ذلك نفى عنه الحرج فيه بقوله {أو أكننتم} أي أضمرتم {في أنفسكم} من تصريح وغيره سواء كان من شهوات النفس أو لا. قال الحرالي: من الكن - بالفتح - وهو الذي من معناه الكن - بالكسر - وهو ما وارى بحيث لا يوصل به إلى شيء. ولما كان لله سبحانه وتعالى بهذه الأمة عناية عظيمة في التخفيف عنها أعلمها بذلك بقوله على سبيل التعليل: {علم الله} أي بما له من صفات الكمال {أنكم ستذكرونهن} أي في العدة فأذن لكم في ذلك على ما حد لكم. قال الحرالي: ففيه إجراء الشرعة على الحيلة الخاص بهذه الأمة انتهى. ولما كان التقدير: فاذكروهن، استثنى منه قوله: {ولكن لا تواعدوهن} أي في ذكركم إياهن {سراً} ولما كان السر يطلق على ما أسر بالفعل وما هو أهل أن يسر به وإن جهر بين أن المراد الثاني وهو السر بالقوة فقال: {إلا أن تقولوا} أي في الذكر لهن {قولاً معروفاً} لا يستحيي منه عند أحد من الناس، فآل الأمر إلى أن المعنى لا تواعدوهن إلا ما لا يستحيي من ذكره فيسر وهو التعريض؛ فنصت هذه الآية على تحريم التصريح بعد إفهام الآية الأولى لذلك اهتماماً به لما للنفس من الداعية إليه. ولما كانت عدة الوفاة طويلة فكان حبس النفس فيها عن النكاح شديداً وكانت إباحة التعريض قريبة من الرتع حول الحمى وكان من يرتع حول الحمى يوشك أن يواقعه خصها باتباعها النهي عن العقد قبل الانقضاء حملاً على التحري ومنعاً من التجري فقال: {ولا تعزموا} أي تبتّوا أي تفعلوا فعلاً بتاً مقطوعاً به غير متردد فيه {عقدة النكاح} أي النكاح الذي يصير معقوداً للمعتدة عدة هي فيها بائن فضمن العزم البتة ولذلك أسقط "على" وأوقعه على العقدة التي هي من آثاره ولا تتحقق بدونه فكأنه قال: ولا تعزموا على النكاح باقين عقدته، وهو أبلغ مما لو قيل: ولا تعقدوا النكاح، فإن النهي عن العزم الذي هو سبب العقد نهي عن العقد بطريق الأولى. قال الحرالي: والعقدة توثيق جمع الطرفين المفترقين بحيث يشق حلها وهو معنى دون الكتب الذي هو وصلة وخرز {حتى يبلغ الكتاب} أي الذي تقدم فيما أنزلت عليكم منه بيان عدة من زالت عصمتها من رجل بوفاه أو طلاق، أو ما كتب وفرض من العدة {أجله} أي أخر مدته التي ضربها للعدة. ولما أباح سبحانه وتعالى التعريض وحظر عزم العقدة وغلظ الأمر بتعليقه بالكتاب وبقي بين الطرفين أمور كانت الشهوة في مثلها غالبة والهوى مميلاً غلظ سبحانه وتعالى الزواجر لتقاوم تلك الدواعي فتولى تلك الأمور تهديد قوله تعالى: {واعلموا} أي أيها الراغبون في شيء من ذلك {أن الله} وله جميع الكمال {يعلم ما في أنفسكم} كله {فاحذروه} ولا تعزموا على شر فإنه يلزم من إحاطة العلم إحاطة القدرة. ولما هددهم بعلمه وكان ذلك النهاية في التهديد وكان كل أحد يعلم من نفسه في النقائص ما يجل عن الوصف أخبرهم بما أوجب الإمهال على ذلك من منه بغفرانه وحلمه حثاً على التوبة وإقامة بين الرجاء والهيبة فقال: {واعلموا أن الله} أي كما اقتضى جلاله العقوبة اقتضى جماله العفو فهو لذلك {غفور} أي ستور لذنوب الخطائين إن تابوا {حليم *} لا يعاجل أحد العقوبة فبادروا بالتوبة رجاء غفرانه ولا تغتروا بإمهاله فإن غضب الحليم لكونه بعد طول الأناة لا يطاق، ويجوز أن يكون التقدير: ولا تصرحوا للنساء المعتدات بعقدة النكاح في عدة من العدد؛ والسر في تفاوتها أن عدة الوفاة طولت مراعاة للورثة إلى حد هو أقصى دال على براءة الرحم، لأن الماء يكون فيه أربعين يوماً نطفة ومثلها علقة ومثلها مضغة ثم ينفخ فيه الروح فتلك أربعة أشهر، وقد تنقص الأشهر أربعة أيام فزيدت عليها وجبرت بما أتم أقرب العقود إليها؛ وفي صحيح مسلم رضي الله تعالى عنه تقدير المدة الأولى "باثنين وأربعين يوماً" وفي رواية: "خمس وأربعين" وفي رواية: "بضع وأربعين" فإذا حمل البضع على ست وزيد ما قد تنقصه الأشهر صارت أربعة أشهر وعشراً؛ ولم تزد على ذلك مراعاة للمرأة لما قيل: إنه يقل صبر النساء بعد ذلك، واقتصر في الاستبراء على قرء وهو أقل دال على براءة الرحم لأن السيد يكون مخالطاً للأمة غالباً فيشق الصبر، وثلثت عدة الحرة جرياً على سنة الشارع في الاستظهار بالتثليث مع زوال علة الإسراع من المخالطة، ولأن أكثر الطلاق رجعي فربما كان عن غيظ فمدت ليزول فيتروى، وكانت عدة الأمة من الطلاق بين الاستبراء وعدة الحرة لما تنازعها من حق السيد المقتضي للقصر وحق الزوج المقتضي للطول مع عدم إمكان التصنيف - والله سبحانه وتعالى أعلم. ولما تمت أحكام العدد وما يتبعها مما حق الرجال فيه أغلب أتبعها أحكام الأصدقة، ولما كان الكلام قد طال في أحكام الطلاق والموت ولم يذكر الصداق وكان قد ختم تلك الأحكام بصفتي الغفر والحلم وكان الصداق معلوماً عندهم قبل الإسلام اقتضى ذلك السؤال: هل يجب للمفارقة صداق أو هو مما دخل تحت المغفرة والحلم فلا يجب؟ فقيل: {لا جناح عليكم} أي لا تبعة من مهر ولا غيره إلا ما يأتي من المتعة، وأصل الجناح الميل من الثقل {إن طلقتم النساء} أي إن طلق أحد منكم ما يملك عصمته منهن {ما لم تمسوهن} أي تجامعوهن. من المس ومن المماسة في القراءة الأخرى وهو ملاقاة الجرمين بغير حائل بينهما - قاله الحرالي {أو تفرضوا لهن فريضة} أي تسموا لهن مهراً معلوماً. أي لا جناح عليكم ما لم يقع أحد الأمرين أي مدة انتفائه ولا ينتفي الأحد المبهم إلا بانتفاء الأمرين معاً فإذا انتفيا انتفى الجناح وإن وجدا أو أحدهما وجد، فإن وجد المسيس وجب المسمى أو مهر المثل. وإن وجد الفرض وجب نصفه إن خلا عن مسيس. قال الحرالي: ففي إنبائه صحة عقد النكاح مع إهمال ذكر الصداق لا مع إبطاله، ففيه صحة نكاح التفويض ونكاح التأخير لذكر الصداق، فبان به أن الصداق ليس ركناً فيه وأن إبطاله مانع من بنائه، فيكون له ثلاثة أحوال من رفع الجناح فيه عن المهمل الذي لم يمس فيه كأنه كان يستحق فرضاً ما فرفع عنه جناحه من حيث إن على الماس كلية النحلة وعلى الفارض شطر النحلة فرفع عنه جناح الفرض وجبر موضع الفرض بالإمتاع، ولذلك ألزمت المتعة طائفة من العلماء - انتهى. ولما كان التقدير: وطلقوهن إن أردتم وراعوا فيهن ما أوجبت من الحقوق لكم وعليكم عطف عليه قوله: {ومتعوهن} أي جبراً لما وقع من الكسر بالطلاق على حسب حال المطلقين، والمطلقة من غير مس ولا فرض تستحقه للمتعة بالإجماع - نقله الأصبهاني. و {على الموسع} منهم أي الذي له في حاله سعة. وقال الحرالي: هو من الإيساع وهو المكنة في السعة التي هي أكثر من الكفاية {قدره} من القدر وهو الحد المحدود في الشيء حساً أو معنى {وعلى المقتر} أي الذي في حاله ضيق. قال الحرالي: هو من الإقتار وهو النقص من القدر الكافي - انتهى {قدره} أي ما يقدر عليه ويطيقه، وقراءة فتح الدال كقراءة إسكانها فإنهما لغتان أو أن الفتح مشير إلى التفضل بتحمل شيء ما فوق القدرة {متاعاً} أي تمتيعاً {بالمعروف} وهو ما ليس فيه في الشرع نكارة {حقاً على المحسنين *} أي الذين صار الإحسان لهم وصفاً لازماً، والإحسان غاية رتب الدين كأنه كما قال الحرالي إسلام ظاهر يقيمه إيمان باطن يكمله إحسان شهودي - انتهى. فالكلام على هذا النظام إلهاب وتهييج لا قيد، وإنما كانت إحساناً لأن ملاك القصد فيها كما قال الحرالي ما تطيب به نفس المرأة ويبقى باطنها وباطن أهلها سلماً أو ذا مودة {أية : لعل الله يحدث بعد ذلك أمراً} تفسير : [الطلاق: 1] انتهى. ولا شك في أن هذا إحسان. ولما نفي الجناح بانتفاء المسيس والفرض فأفهم أنهما إذا وجدا وجد الجناح بوجوب المفروض كله أتبعه ما إذا انتفى أحدهما فقط فذكر الحكم عند انتفاء المسيس وحده صريحاً في ضد المفوضة السابقة وأفهم بذلك ما إذا انتفى الفرض وحده تلويحاً فقال: {وإن طلقتموهن} أي الزوجات {من قبل أن تمسوهن} أي تجامعوهن سواء كانت هناك خلوة أو لا {وقد} أي والحال أنكم {فرضتم} أي سميتم {لهن فريضة} أي مهراً مقدراً {فنصف} أي فالمأخوذ نصف {ما فرضتم} أي سميتم لهن من الصداق لا غير. ولما أوجب لها ذلك بعثها على تركه لأن الزوج لم ينتفع منها بشيء بالتعبير بالعفو فقال: {إلا أن يعفون} أي النساء فإن النون ضميرهن والواو لام الفعل فلا يؤخذ منكم شيء {أو يعفوا الذي بيده} أي إليه ولكن لما كان أغلب الأعمال باليد أسندت كلها إليها فصارت كناية عن القدرة {عقدة النكاح} وهو الزوج الذي إن شاء أبقاها وإن شاء حلها فيسمح لها بالجميع كان التعبير بهذا هزاً للزوج إلى العفو في نظير ما جعل إليه من هذا دونها. قال الحرالي: إذا قرن هذا الإيراد بقوله: {ولا تعزموا عقدة النكاح} خطاباً للأزواج قوي فسر من جعل الذي بيده عقدة النكاح هو الزوج معادلة للزوجات، ومن خص عفوهن بالمالكات أي الراشدات خص هذا بالأولياء فكان هذا النمط من التهديف للاختلاف ليس عن سعة إيهام وكأنه عن تبقية بوجه ما من نهاية الإفصاح فمنشأ الخلاف فيه دون منشأ الخلاف من خطابات السعة بالإيهام - انتهى. وجعل الإمام هذا مفهوماً من التعبير بالعقدة لأنها تدل على المفعول كالأكلة واللقمة والذي بيده ذلك الزوج والذي بيد الولي العقد وهو المصدر كالأكل واللقم لا العقدة الحاصلة بعد العقد {وأن تعفوا} أيها الرجال والنساء {أقرب} أي من الحكم بالعدل الذي هو السواء. ولما كان المقام للترغيب عبر باللام الدالة على مزيد القرب دون إلى فقال: {للتقوى} أما من المرأة فلأجل أن الزوج لم ينل منها شيئاً ولا حظي بطائل فهو أقرب إلى رضاه، وأما من الرجل فلما أشار إليه بجعل العقدة بيده فإنه كما ربطها باختياره حلها باختياره فدفعه الكل أقرب إلى جبر المرأة ورضاها، ومن فعل الفضل كان بفعله ذلك أقرب إلى أن يفعل الواجب بمن لم يفضل. ولما كان العفو فضلاً من العافي وإحساناً لها منه وكانوا إنما يتفاخرون بالفضائل أكده بقوله: {ولا تنسوا} أي تتركوا ترك المنسي، والتعبير بالنسيان آكد في النهي {الفضل} أي أن تكونوا مفضلين في جميع ما مضى لا مفضلاً عليكم، فإن اليد العليا خير من اليد السفلى، وزاده تأكيداً بقوله: {بينكم} أي حال كونه واقعاً فيكم من بعضكم لبعض ليس شيء منه خارجاً عنكم، ولن ينال الله منه شيء لأنه غني عن كل شيء، فما أمركم به إلا لنفعكم خاصة، لئلا يتأذى الزوج ببذل لم ينتفع في مقابله من المرأة بشيء، ولا المرأة بطلاق لم يحصل لها في نظير ما يلحقها من الكسر بسببه شيء، وهو يصح أن يكون بالتغليب خطاباً للقبيلين. وخصه الحرالي بالرجال فقال: فمن حق الزوج الذي له فضل الرجولة أن يكون هو العافي وأن لا يؤاخذ النساء بالعفو، ولذلك لم يأت في الخطاب أمر لهن ولا تحريض، فمن أقبح ما يكون حمل الرجل على المرأة في استرجاع ما آتاها بما يصرح به قوله: {أية : أو آتيتم إحداهن قنطاراً فلا تأخذوا منه شيئاً} تفسير : [آل عمران: 20] فينبغي أن لا تنسوا ذلك الفضل فتجرون عليه حيث لم تلزموا به - انتهى. ثم علل ذلك مرغباً مرهباً بقوله: {إن الله} أي الذي له الكمال كله {بما تعملون} أي وإن دق {بصير} وأفهم ذلك: وإن طلقتموهن بعد المسيس وقبل الفرض فجميع مهر المثل.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس في ناسخه والبيهقي في سننه عن ابن عباس في قوله {والذين يتوفون} الآية. قال: كان الرجل إذا مات وترك امرأته اعتدت سنة في بيته ينفق عليها من ماله، ثم أنزل الله {والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشراً} فهذه عدة المتوفى عنها إلا أن تكون حاملاً فعدتها أن تضع ما في بطنها. وقال في ميراثها {أية : ولهن الربع مما تركتم}تفسير : [النساء: 12] فبين ميراث المرأة، وترك الوصية والنفقة {فإذا بلغن أجلهن فلا جناح عليكم} يقول: إذا طلقت المرأة أو مات عنها، فإذا انقضت عدتها فلا جناح عليها أن تتزين وتتصنع وتتعرض للتزويج، فذلك المعروف. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات عن أبي العالية قال: ضمت هذه الأيام العشر إلى الأربعة أشهر، لأن العشر ينفخ فيه الروح. وأخرج ابن جرير عن قتادة قال: سألت سعيد بن المسيب ما بال العشر؟ قال: فيه ينفخ الروح. وأخرج ابن أبي حاتم عن ربيعة ويحيى بن سعيد. أنهما قالا في قوله {وعشراً} عشر ليال. وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك في قوله {فإذا بلغن أجلهن} يقول: إذا انقضت عدتها. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن شهاب في قوله {فلا جناح عليكم} يعني أولياءها. وأخرج الفريابي وعبد بن حميد والبخاري وأبو داود والنسائي وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم والبيهقي من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد {والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشراً} قال: كانت هذه العدة تعتد عند أهل زوجها واجباً ذلك عليها، فأنزل الله {أية : والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً وصية لأزواجهم متاعاً إلى الحول غير إخراج فإن خرجن فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن من معروف}تفسير : [البقرة: 240] قال: فجعل الله لها تمام السنة سبعة أشهر وعشرين ليلة وصية، إن شاءت سكنت في وصيتها، وإن شاءت خرجت. وهو قول الله {غير إخراج} وقال عطاء: قال ابن عباس: نسخت هذه الآية عدتها في أهله، فتعتد حيث شاءت. وهو قول الله {غير إخراج} قال عطاء: إن شاءت اعتدت عند أهله وسكنت في وصيتها، وإن شاءت خرجت، لقول الله {فإن خرجن فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن} قال عطاء: ثم جاء الميراث فنسخ السكنى، فتعتد حيث شاءت ولا سكنى لها. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم عن ابن عباس. أنه كره للمتوفى عنها زوجها، الطيب والزينة. وقال: إنما قال الله {والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشراً} ولم يقل: في بيوتكم، تعتد حيث شاءت. وأخرج مالك وعبد الرزاق وابن سعد وأبو داود والترمذي وصححه والنسائي وابن ماجة والحاكم وصححه عن الفريعة بنت مالك بن سنان وهي أخت أبي سعيد الخدري. حديث : أنها جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تسأله أن ترجع إلى أهلها في بني خدرة، وأن زوجها خرج في طلب أعبد لها أبقوا حتى إذا تطرّف القدوم لحقهم فقتلوه. قالت: فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ارجع إلى أهلي، فإن زوجي لم يتركني في منزل يملكه ولا نفقة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "نعم" فانصرفت حتى إذا كنت في الحجرة أو في المسجد فدعاني، أو أمر بي فدعيت فقال: كيف قلت؟ قالت: فرددت عليه القصة التي ذكرت له من شأن زوجي. فقال: امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله. قالت: فاعتددت فيه أربعة أشهر وعشراً. قالت: فلما كان عثمان بن عفان أرسل إلي فسألني عن ذلك فأخبرته، فاتبعه وقضى به ". تفسير : وأخرج مالك وعبد الرزاق عن عمر بن الخطاب: أنه كان يرد المتوفى عنهن أزواجهن من البيداء يمنعهن من الحج. وأخرج مالك وعبد الرزاق عن ابن عمر قال: لا تبيت المتوفى عنها زوجها ولا المبتوتة إلا في بيتها. وأخرج مالك وعبد الرزاق والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي من طريق حميد بن نافع عن زينب بنت أبي سلمة. أنها أخبرته هذه الأحاديث الثلاثة قالت زينب: دخلت على أم حبيبة زوج النبي صلى الله عليه وسلم حين توفي أبوها سفيان بن حرب، فدعت بطيب فيه صفرة خلوق أو غيره فأدهنت به جارية، ثم مست به بطنها، ثم قالت: والله ما لي بالطيب من حاجة غير أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول على المنبر"حديث : لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث ليال إلا على زوج أربعة أشهر وعشراً"تفسير : وقالت زينب: دخلت على زينب بنت جحش حين توفي أخوها عبد الله فمسحت منه، ثم قالت: والله ما لي بالطيب من حاجة غير أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول على المنبر"حديث : لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر، أن تحد على ميت فوق ثلاث ليال، إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا تفسير : . وقالت زينب: سمعت أمي أم سلمة تقول:حديث : جاءت امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، إن ابنتي توفي عنها زوجها وقد اشتكت عينها أفنكحلها؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا، مرتين أو ثلاثاً كل ذلك يقول: لا، ثم قال: إنما هي أربعة أشهر وعشر"تفسير : وقد كانت إحداكن في الجاهلية ترمي بالبعرة عند رأس الحول قال حميد: فقلت لزينب: وما ترمي بالبعرة عند رأس الحول؟ فقالت زينب: كانت المرأة إذا توفي عنها زوجها دخلت حفشاً ولبست شَرَّ ثيابها، ولم تمس طيباً ولا شيئاً حتى تمر بها سنة، ثم تؤتى بدابة حمار أو شاة أو طائر فتقتض به، فقلما تقتض بشيء إلا مات، ثم تخرج فتعطى بعرة فترمي بها، ثم تراجع بعد ذلك ما شاءت من طيب أو غيره. وأخرج مالك ومسلم من طريق صفية بنت أبي عبيد عن عائشة وحفصة أمي المؤمنين رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشراً"تفسير : وقد أخرج النسائي وابن ماجة حديث صفية عن حفصة وحدها، وحديث عائشة من طريق عروة عنها. وأخرج البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة عن أم عطية قالت: قال النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشراً، فإنها لا تكتحل، ولا تلبس ثوباً مصبوغاً إلا ثوب عصب، ولا تمس طيباً إلا إذا طهرت نبذة من قسط أو اظفار ". تفسير : وأخرج أبو داود والنسائي عن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : المتوفى عنها زوجها لا تلبس المعصفر من الثياب، ولا الممشقة، ولا الحلي، ولا تختضب، ولا تكتحل ". تفسير : وأخرج أبو داود والنسائي عن أم سلمة قالت "حديث : دخل عليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم حين توفي أبو سلمة وقد جعلت على عيني صبراً، قال: ما هذا يا أم سلمة؟ قلت: إنما هو صبر يا رسول الله ليس فيه طيب. قال: إنه يشب الوجه فلا تجعليه إلا بالليل، ولا تمتشطي بالطيب ولا بالحناء فإنه خضاب. قلت: بأي شيء امتشط يا رسول الله؟ قال: بالسدر تغلفين به رأسك ". تفسير : وأخرج مالك عن سعيد عن المسيب وسليمان بن يسار قالا: عدة الأمة إذا توفي عنها زوجها شهران وخمس ليال. وأخرج مالك عن ابن عمر قال: عدة أم الولد إذا هلك سيدها حيضة. وأخرج مالك عن القاسم بن محمد قال: عدة أم الولد إذا توفي عنها سيدها حيضتان. وأخرج مالك عن القاسم بن محمد، أن يزيد بن عبد الملك فرق بين رجال ونسائهم أمهات لأولاد رجال هلكوا، فتزوجوهن بعد حيضة أو حيضتين، ففرق بينهم حتى يعتددن أربعة أشهر وعشراً. قال القاسم بن محمد: سبحان الله! يقول الله في كتابه {والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً} ما هن لهم بأزواج. وأخرج أحمد وأبو داود وابن ماجة والحاكم وصححه عن عمرو بن العاص قال: لا تلبسوا علينا سنة نبينا في أم الولد، إذا توفي عنها سيدها عدتها أربعة أشهر وعشر.
ابو السعود
تفسير : {وَٱلَّذِينَ} على حذف المضافِ أي وأزواجُ الذين {يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ} أي تُقبض أرواحُهم بالموت فإن التوفيَ هو القبضُ يقال: توفّيتُ مالي من فلان واستوفيتُه منه أي أخذته وقبضته، والخطاب لكافة الناس بطريق التلوينِ {وَيَذَرُونَ أَزْوٰجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} أو على حذف العائد إلى المبتدأ في الخبر أي يتربصن بعدَهم كما في قولهم: السمنُ مَنَوانِ بدرهم أي مَنَوانِ منه وقرىء يَتَوفون بفتح الياء أي يستوفون آجالَهم، وتذكيرُ العشر باعتبار الليالي لأنها غُررُ الشهور والأيام ولذلك تراهم لا يكادون يستعملون التذكير في مثله أصلاً حتى إنهم يقولون: صُمت عشراً ومن البـين في ذلك قولُه تعالى: {أية : إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ عَشْراً } تفسير : [طه، الآية 103] ثم {أية : إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ يَوْماً } تفسير : [طه، الآية 104] ولعل الحكمةَ في هذا التقديرِ أن الجنينَ إذا كان ذكراً يتحرك غالباً لثلاثة أشهر وإن كان أنثى يتحرك لأربعة فاعتُبر أقصىٰ الأجلين وزيد عليه الأيام العشر استظهاراً إذ ربما تضعف الحركة فلا يُحس بها. وعمومُ اللفظ يقتضي تساوي المسلمة والكتابـية والحرة والأمة في هذا الحكم ولكن القياسَ اقتضى التنصيفَ في الأَمَة، وقولُه عز وجل: {أية : وَأُوْلَـٰتُ ٱلأحْمَالِ } تفسير : [الطلاق، الآية 4] خَصَّ الحاملَ منه. وعن علي وابنِ عباس رضي الله عنهم أنها تعتدُّ بأبعد الأجلين احتياطاً {فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ} أي انقضت عدتُهن {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ} أيها الحكامُ والمسلمون جميعاً {فِيمَا فَعَلْنَ فِى أَنفُسِهِنَّ} من التزيُّن والتعرُّض للخُطّاب وسائرِ ما حُرِّم على المعتدة {بِٱلْمَعْرُوفِ} بالوجه الذي لا ينكره الشرعُ، وفيه إشارةٌ إلى أنهن لو فعلن ما ينكره الشرعُ فعليهم أن يكفّوهن عن ذلك وإلا فعليهم الجُناحُ {وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} فلا تعملوا خلافَ ما أُمرتم به.
القشيري
تفسير : لمّا كان حق الميت أعظم لأن فراقه لم يكن بالاختيار كانت مدة الوفاء له أطول. وكانت عدة الوفاة في ابتداء الإسلام سَنَةً، ثم رُدت إلى أربعة أشهر وعشرة أيام لتتحقق براءة الرحم عن ماء الزوج، ثم إذا انقضت العدة أبيح لها التزوج بزوجٍ آخر. والميت لا يستديم وفاءه إلى آخر العمر أحدٌ كما قيل: شعر : وكما تَبْلى وجوهٌ في الثرى فكذا يَبْلَى عليهن الحَزَن
اسماعيل حقي
تفسير : {والذين يتوفون منكم} اى يموتون ويقبض ارواحهم بالموت. وقرىء بفتح الياء اى يستوفون آجالهم واعمارهم. واصل التوفى اخذ الشىء وافيا كاملا يقال توفى الشىء واستوفاء فمن مات فقد اخذ عمره وافيا كاملا واستوفاه {ويذرون أزواجا} اى يتركون نساء من بعدهم وهو جمع زوج والمنكوحة تسمى زوجا وزوجة والتذكير اغلب قال تعالى {أية : اسكن أنت وزوجك الجنة} تفسير : [البقرة: 35]. ويجمع ازواجا على لغة التذكير وزوجات على لغة التأنيث {يتربصن بانفسهن} الباء للتعدية اى يجعلنها متربصة منتظرة بعد موتهم لئلا يبقى المبتدأ بلا عائد {أربعة أشهر وعشرا} اى فى تلك المدة فلا يتزوجن الى انقضاء العدة قوله عشرا اى عشرة ايام وتأنيث العشر باعتبار الليالى لان التاريخ عند العرب بالليلة بناء على انها اول الشهر واليوم تبع لها ولعل الحكمة فى تقدير عدة الوفاة باربعة اشهر وعشر ان الجنين اذا كان ذكرا يتحرك غالبا لثلاثة اشهر وان كان انثى يتحرك لاربعة فاعتبر اقصى الاجلين وزيد عليه العشر استظهارا اى استعانة بتلك الزيادة على العلم بفراغ الرحم اذ ربما تضعف الحركة فى المبادى فلا يحس بها وكانت عدة الوفاة فى اول الاسلام سنة فنسخت بهذه الا الحوامل فان عدتها بوضع الحمل قال تعالى {أية : وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن} تفسير : [الطلاق: 4]. والا الاماء فان عدة المتوفى عنها زوجها اذا كانت امة شهران وخمسة ايام نصف عدة الحرة باجماع السلف وقوله تعالى {والذين يتوفون منكم} خطاب مع المؤمنين فدل على ان الخطاب بهذه الفروع مختص بالمؤمنين فقط فلا وجه لايجاب العدة المذكورة على الكتابية {فإذا بلغن أجلهن} اى انقضت عدتهن {فلا جناح عليكم} الخطاب للحكام وصلحاء المسلمين لانهن ان تزوجن فى مدة العدة وجب على كل واحد منعهن عن ذلك ان قدر عليه وان عجز وجب عليه ان يستعين بالسلطان {فيما فعلن فى أنفسهن} من التزين والتعرض للخطاب وسائر ما حرم على المعتدة {بالمعروف} حال من فاعل فعلن اى فعلن ملتبسات بالوجه الذى لا ينكره الشرع {والله بما تعملون خبير} فيجازيكم عليه فلا تعملون خلاف ما امرتم به شعر : هركه عاصى شود بامر خدا بيخ اورابكند قهر خدا تفسير : واعلم ان المراد بالتربص هنا الامتناع عن النكاح والامتناع عن الخروج من المنزل الذى توفى عنها زوجها فيه والامتناع عن التزين وهذا اللفظ كالمجمل لانه ليس فيه بيان انها تتربص فى أى شىء الا انا نقول الامتناع عن النكاح مجمع عليه واما الامتناع عن الخروج من المنزل فواجب الا عند الضرورة والحاجة واما ترك التزين فهو واجب لما روى عن عائشة وحفصة رضى الله عنهما ان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال "حديث : لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر ان تحد على ميت فوق ثلاث ليال الا على زوجها اربعة اشهر وعشراbr>". تفسير : وانما وجب الحداد لانه لما حرم عليها النكاح فى العدة امرت بتجنب الزينة حتى لا تكون بصفة الملتمسة للازواج ولاظهار التأسف على فوت نعمة النكاح الذى كان سبب مؤونتها وكفايتها من النفقة والسكنى وغير ذلك. والحداد على الميت ثلاثة ايام وتمس المرأة الطيب فى الثالث لئلا يزيد الحداد على ثلاثة ايام فانها لو مسته فى الرابع لازداد الحداد من اليوم الرابع. وهو حرام ومن السنة ان يتوقى رسوم الجاهلية من شق الجيوب وضرب الخدود وحلق الشعر كما كان عادة العرب وكذا قطعه كما كان عادة العجم وكذا رفع الصوت بالبكاء والنوح وقد برىء رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ممن يفعل شيأ من ذلك لانها عادات الجاهلية واكثر اهالى هذا الزمان فى اكثر البلدان مبتلون بامثال هذه العادات لا سيما النساء فانهن يلبسن الالبسة السود الى ان تمضى ايام بل شهور كثيرة وربما ترى رجلا لا يلبس لباس الجمع والاعياد فلو سئل فيه لاجاب بقوله مات ابى او امى او غيرهما وذلك بعد ما مضى من زمان الوفاة شهور. وكذا الرافضة قد تغالت فى الحزن لمصيبة الحسين رضى الله عنه واحدت عليها حيث اتخذوا يوم عاشوراء مأتما لقتله رضى الله عنه فيقيمون فى مثل هذا اليوم العزاء ويطيلون النوح والبكاء ويظهرون الحزن والكآبة ويفعلون فعل غير اهل الاصابة ويتعدون الى سب بعض الصحابة وهذا عمل اهل الضلال المستوجبين من الله الخزى والنكال كأنهم لم يسمعوا ما ورد فى النهى عن الحداد ومن الله الرشاد. والاشارة فى الآية ان موت المسلم لم يكن فراقا اختياريا للزوج فكانت مدة وفاته اطول فكذا العبد الطالب فان حال الموت بينه وبين مطلوبه من غير اختياره فالوفاء بحصول مطلوبه فى مدة كرم محبوبه كما قال تعالى {أية : ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله} تفسير : [النساء: 100]. ففى هذا تسلية قلوب المؤمنين لئلا يقطع عليهم طريق الطلب وساوس الشيطان وهو رجس النفس بان طلب الحق امر عظيم وشأن خطير وانت ضعيف والعمر قصير فان منادى الكرم من سرادقات الفضل ينادى ألا من طلبنى وجدنى فان الطلاب فى طلبى كذا فى التأويلات النجمية قدس الله تعالى نفسه الزاكية القدسية المرضية.
ابن عجيبة
تفسير : قلت: و {الذين يُتوفون}: مبتدأ: و {يتربصن}: خبر، ولا بد من الحذف ليصح الإخبار، إما من الصدر أو من العَجزُ، أي: وأزواج الذين يتوفون، أو الذين يتوفون أزواجهن يتربصن. يقول الحقّ جلّ جلاله: {والذين} يموتون منكم، أيها المؤمنون، ويتركون {أزواجاً}، فلا يتزوجن حتى {يتربصن} أي: يمكثن {بأنفسهن أربعة أشهر} وعشرة أيام؛ لأن الجنين يتحرك لثلاثة أشهر إن كان ذكراً، ولأربعة إن كان أنثى في الغالب، وزيد عشرةً، استظهاراً، هذا في غير الحامل، أما الحامل، فعدتها وضع حملها. {فإذا بلغن أجلهن} أي: انقضت عدتهن، {فلا جناح عليكم} أيها الأولياء {فيما فعلن في أنفسهن} من التزين والتعرض للنكاح أو التزوج، {بالمعروف}، بحيث لا ينكره الشرع من تزين ونكاح، {والله بما تعملون خبير} فيجازيكم على ما فعلتم. {ولا جناح عليكم} أيها الخُطَّاب {فيما عرَّضتم به} للمعتدات {من خطبة النساء}؛ كقول الرجل: إني لراغب في صحبتكم، وإني أريد أن أتزوج في هذه الساعة. وإنك لنافقة، أو لا يصلح لك أن تبقى بلا زوج، ونحو هذا، {أو أكننتم} أي: أضمرتم {في أنفسكم} في زمن العدة من أمر التزوج دون تصريح، {علم الله أنكم} ستذكرون النساء المعتدات، وتتكلمون في نكاحهن، حرصاً وتمنياً، فعرّضُوا بذلك، {ولكن لا تواعدوهن سرّاً} أي: في الخلوة، أو لا تواعدوهن نكاحاً أو جماعاً، {إلا أن تقولوا قولاً معروفاً} وهو التعريض بالألفاظ المتقدمة. ولا تقطعوا {عقدة النكاح}، وتعزموا على فعله {حتى يبلغ} كتاب المعتدة {أجله}، وتنقضي العدة، {واعملوا أن الله يعلم ما في أنفسكم} من الرغبة والحرص، {فاحذروه} فإنَّ الحرص على الشيء، والرغبة فيه، قبل أوانه، ربما يعاقب صاحبه بحرمانه، وما قُدِّر لكَ لا يكون لغيرك، وما كان لغيرك لا يكون لك، ولو فعلت ما فعلت، {واعلموا أن الله غفور} لِمَا استعجلتم؛ فإن الإنسان خُلق عجولاً، {حليم} فلا يعاجلكم ولا يفضح سرائركم. الإشارة: إذا ماتت النفس عن الهوى، وتركت حظوظاً وشهوات، فلا ينبغي أن يردها إلى ذلك حتى تتربص مدة، فيظهر عليها آثارُ الزهد؛ من السكون إلى الله، والتأنس بمشاهدة الله حتى تغيب عما سواه. فإذا بلغت هذا الوصف فلا جناح على المريد أن يسعفها فيما تفعل بالمعروف، من غير سَرَفٍ ولا ميل إلى هوى، لأن فعلها حينئذٍ بالله، ومن الله، وإلى الله، {والله بما تعملون خبير} لا يخفى عليه شيء من أمرها، ولا جناح عليكم، أيها المريدون، إن تزكت نفوسكم،وطهرت من الأغيار قلوبكم، فيما عرضتم به من خطبة أبكار الحقائق وثيبات العلوم، أو أكننتم في أنفسكم من المعارف والفهوم، علم الله أنكم ستذكرون ذلك باللسان قبل أن يصل الذوق إلى الجَنَان، فلا تصرحوا بعلوم الحقائق مع كل الخلائق؛ فإن ذلك من فعل الزنادق، إلا أن تقولوا قولاً معروفاً، إشارة أو تلويحاً، فعلمنا كله إشارة، فإذا صار عبارة خفي. ولا تطلبوا علم الحقائق قبل بلوغ أجله، وهو موت النفوس، والزهد في الفلوس، وكمال التربية، وتمام التصفية، {واعملوا أن الله يعلم ما في أنفسكم} من الشرة إليها قبل أوانها، {فاحذروه} أن يعاقبكم بحرمانها، {واعلموا أن الله غفور حليم} لا يعاجلكم بحرمان قصدكم، إن صح مقصدكم، والله تعالى أعلم، وبالله التوفيق.
الطوسي
تفسير : المعنى: هذه الآية ناسخة لقوله: {أية : والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً وصية لأزواجهم متاعاً إلى الحول غير إخراج}تفسير : وإن كانت مقدمة عليه في التلاوة وعدة كل متوفى عنها زوجها: أربعة أشهر وعشراً سواء كانت مدخولا بها، أو غير مدخول، حرة كانت أو أمة، فان كانت حبلى، فعدتها أبعد الأجلين، من وضع الحمل أو مضى الأربعة أشهر، وعشرة أيام، وهو المروى عن علي (ع)، ووافقنا في الأمة الأصم، وخالف باقي الفقهاء في ذلك، وقالوا: عدتها نصف عدة الحرة: شهران وخمسة أيام، وإليه ذهب قوم من أصحابنا، وقالوا في عدة الحامل: إنها بوضع الحمل، وإن كان بعد على المغتسل، وروي ذلك عن عمر، وأبي مسعود البدري، وأبي هريرة. وعندنا أن وضع الحمل يختص بعدة المطلقة. والذي يجب على المعتدة في عدة الوفاة اجتنابه في قول ابن عباس،، وابن شهاب: الزينة، والكحل بالاثمد، وترك النقلة عن المنزل. وقال الحسن في احدى الروايتين عن ابن عباس: إن الواجب عليها الامتناع من الزواج لا غير. وعندنا أن جميع ذلك واجب. الاعراب: وقوله: {والذين} رفع بالابتداء {ويتوفون منكم} في صلة الذين {ويذرون أزواجاً} عطف عليه، وخبر الذين قيل فيه أربعة أقوال: أولها - أن تكون الجملة على تقدير {والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً} أزواجهم {يتربصن}. الثاني - على تقدير {يتربصن} بعدهم أزواجهم. الثالث - أن يكون الضمير في يتربصن لما عاد الى مضاف في المعنى، كان كان بمنزلته على تقدير {يتربصن} أزواجهم: هذا قول الزجاج والأول قول أبي العباس، والثاني قول الأخفش ونظير قول الزجاج أن تقول: إذا مات، وخلف ابنتين، يرثان الثلثين، المعنى يرث إبنتاه الثلثين. الرابع - أن يعدل عن الاخبار عن الأزواج، لأن المعنى عليه، والفايدة فيه ذهب إليه الكسائي، والفراء، وأنكر ذلك أبو العباس، والزجاج، لأنه لا يكون مبتدأ لا خبر له، ولا خبر إلا عن مخبر عنه، وأنشد الفراء: شعر : لعلّي إن مالت بي الريح ميلة على ابن أبي ديان أن يتندما تفسير : المعنى لعل إبن أبي ديّان أن يتندم، وهذا يجوز على حذف أن يتندم لأجلي وقال أيضاً: شعر : نحن بما عندنا وأنت بما عندك راض والرأي مختلف تفسير : وقال أبو عبيدة: نظير الآية قول شدّاد بن عنتر: شعر : فمن يك سائلا عنى فاني وحروة لا ترود ولا نعار تفسير : حروة اسم فرسه وإنما حذف الخبر من الأول، لأن خبر الثاني يدل عليه، لأنه أراد فاني حاضر، وفرسي حاضرة لا ترود، ولا نعار، فدل بقوله: لا ترود ولا نعار: على أنها حاضرة بتوعد وتتهدد في قول أبي العباس. وقوله: {يذرون} يتركون وترك ماضيه يترك تركاً. وتقول ذره تركاً وكذلك يدع ليذر سواء، والعلة في ذلك أنهم كرهوا الواوات في أول الكلام حتى أنهم لم يحلقوها، أو على جهة الزيادة أصلا، ففي رفض وذر: دليل على الكراهة لها أصلية، وليس بعد الضعف إلا الاتباع فلما ضعفت أصلية امتنعت زيادة، فان قيل كيف قال وعشراً بالتأنيث وإنما العدة على الأيام والليالي، ولذلك لم يجز أن تقول: عندي عشر من الرجال والنساء. قيل لتغليب الليالي على الأيام إذا اجتمعت في التاريخ, وغيره، لأن ابتداء شهور الأهلة الليالي منذ طلوع الهلال فلما كانت الأوائل غلبت، لأن الأوائل أقوى من الثواني وقال الشاعر: شعر : أقامت ثلاثاً بين يوم وليلة وكان النكير أن تضيف وتجأرا تفسير : معنى تضيف تميل وحكى الفراء: صمنا عشراً من شهر رمضان ولو أضاف الى الأيام فقال عشرة أيام، لم يجز إلا التذكير، وإنما جاز في الأول لأنه بمعنى عشر من رمضان وقع العمل في نهاره. اللغة: وقوله: {فإذا بلغن أجلهن} يقال: أجله تأجيلاً: إذا أخره، والآجل نقيض العاجل، وتأجل تأجلا واستاجله استئجالا، وأجلوا ما لهم يأجلونه أجلا: إذا حبسوه في المرعى، لأنهم أخروه فيه والأجل: غاية الوقت في محل الدين وغيره، لتأخره الى ذلك الوقت وأجل الشىء يأجل وهو آجل نقيض العاجل. لتأخره عن وقت غيره، وفعلته من أجل كذا أي لعاقبة كذا وهي متأخرة عن وقت الفعل الذي دعت. إليه والأجل: القطيع من نفر الوحش، وجمعه آجال، وقد تأجل الصوار أي صار قطيعاً لتأخر بعضه عن بعض، وآجل عليهم شراً آجلاً أي خبأه، لأنه أعقبهم شراً، وهو متأخر عن وقت فعله. والآجلة الآخرة، والعاجلة الدنيا. والمأجل شبه حوض واسع يؤجّل فيه ماء البئر أياماً، ثم يفجر في الزرع، وهو بالفارسية: (كرجه) وذلك لتأخر الماء فيه. وقوله: {والله بما تعملون خبير} فالخبير: العالم، لأنه عالم بمخبر الخبر. والخبار: الأرض السهلة فيها حجارة، وأحفار. وأخبرت بالشيء إخباراً، لأنه تسهيل لطريق العلم به، واستخبره استخباراً، وتخبر تخبراً، وخبرّه تخبيراً، وأخبره إخباراً، وتخبر القوم: بينهم خبرة: إذا اشتروا شاة، فذبحوها، واقتسموا لحمها، والشاة: خبيرة. والمخبرة: المزادة العظيمة. والخابرة: أن يزرع على النصف، أو الثلث، أو نحوه. والاكار: الخبير. والمخابرة: المؤاكرة، وذلك لتسهيل الزراعة. وأصل الباب السهولة. المعنى: وقوله: {فإذا بلغن أجلهن} أي انقضت هذه المدة، وهي الأربعة أشهر وعشراً {فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف} أي لا جناح عليكم أن تتركوهن إذا انقضت هذه المدة أن يتزوجن، وأن يتزين زينة لا ينكر مثلها. وهو معنى قوله {بالمعروف}.
الجنابذي
تفسير : {وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ} توفّى الشّيء اخذه بتمام اجزائه وتوفّى الانسان اخذ روحه بتمام فعليّاتها، واستعمال التّوفّى فى قبض الرّوح للاشعار بأنّه لا يبقى بعد الموت فى الدّنيا من الانسان الاّ مادّة قابلة لا مدخليّة لها فى الانسان لا فى حقيقته ولا فى تشخّصه {وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ} قد مضى بيان التّربّص بالأنفس عند قوله تعالى {والمطلّقات يتربّصن بأنفسهنّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً} اى عشرة ايّام لكنّه انّث العشر لتقدير اللّيالى جمع اللّيلة تميزاً. بيان حكمة عدّة النّساء اعلم انّ الحكمة فى العدّة، عدّة اشياء: الاوّل حفظ حرمة المؤمن، والثّانى ترقّب حصول الرّغبة من الطّرفين بمضىّ مدّة لم يتضاجعا وحصول المراجعة والمواصلة بينهما فانّ الطّلاق والفرقة مبغوضان لله، والوصال والالفة محبوبان له، والثّالث تبرئة الرّحم من الحمل، والرّابع مراعاة تعلّق قلب المرأة بالزّوج وقطعه فانّها تسكن حرقة المرأة بعد الطّلاق فى ثلاثة اشهر وحرقة المتوفّى عنها زوجها لا تسكن الاّ فى اربعة اشهر وعشراً كما فى الخبر، والخامس مراعاة صبر المرأة عن الجماع وطاقتها فانّ المرأة تصبر عنه اربعة اشهر ولذلك تقرّر ذلك فى القسم والايلاء وهذا ايضاً مذكور فى الخبر وقد يتخلّف بعض ذلك فى بعض الموارد فانّ المطلّقة الغير المدخولة والمطلّقة اليائسة لا عدّة لهما، والامة والمتعة تعتدّ ان فى الطّلاق وفى انقضاء المدّة اوهبتها نصف الحرّة الدّائمة وفى الوفاة كالحرّة الدّائمة على خلافٍ، وذات الاقراء تعتدّ بالاقراء، وذات الاشهر بالاشهر بعد التربّص قبل الطّلاق بثلاثة اشهر، وتعتدّ من طلاق الغائب من حين الطّلاق ومن وفاته من حين وصول الخبر، روى عن الباقر (ع) انّه قال: كلّ النّكاح اذا مات الزّوج فعلى المرأة حرّة كانت او امة وعلى اىّ وجه كان النّكاح منه متعة او تزويجاً او ملك يمين فالعدّة اربعة اشهر وعشراً وقد اشرنا الى انّ فى بعض هذه خلافاً {فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ} اى آخر مدّة عدّتهنّ يعنى اذا انقضت العدّة {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ} ايّها الاولياء او الازواج او الاولياء والازواج جميعاً {فِيمَا فَعَلْنَ فِيۤ أَنْفُسِهِنَّ} من النّكاح واجابة الخطاب والتّعرّض لهم {بِٱلْمَعْرُوفِ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} فاحذروا ولا تمنعوا النّساء بعد انقضاء العدّة من التزويج ولمّا علّق تعالى نفى الحرج بسبب الخطبة والنّكاح على انقضاء العدّة توهّم من مفهوم المخالفة انّه قبل انقضاء العدّة يكون الحرج ثابتاً على الرّجال المذكورين ولا يكون الاّ بسبب اثم النّساء فى التّعرّض للخطاب حينئذٍ واثمهنّ فى ذلك يلزمه اثم الخُطّاب فى ذلك فرفع ذلك التّوهّم بقوله تعالى {وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ}.
الهواري
تفسير : قوله: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً}. وفي العشر ينفخ في الولد الروح. نسخت هذه الآية الآية التي بعدها في التأليف: (أية : وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً وَصِيَّةً لأَِزْوَاجِهِم مَّتَاعاً إِلَى الحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ) تفسير : [البقرة:240] وهذه قبل هذه في التنزيل، ووضعت في هذا الموضع. قال الحسن: وكان جبريل عليه السلام يأتي النبي عليه السلام فيقول: يا محمد، إن الله يأمرك أن تضع آية كذا بين ظهراني كذا وكذا من السورة كذا. وذكروا عن ابن عباس وعثمان بن عفان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ينزل عليه الثلاث الآيات والأربع الآيات والخمس الآيات جميعاً، أو أقل من ذلك أو أكثر، فيقول: اجعلوا آية كذا وكذا في سورة كذا وكذا في موضع كذا وكذا، واجعلوا آية كذا وكذا في سورة كذا وكذا في موضع كذا وكذا. ذكروا عن عبد الله بن مسعود أنه قال: نسخ من هذه الآية الحاملُ المتوَفَّى عنها زوجُها فقال في سورة النساء القصرى: (أية : وَأُوْلاَتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ)تفسير : [الطلاق:4]. وذكروا أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه سأل أبي بن كعب عن عدّة الحامل المتوفّى عنها زوجها فقال: أجلها أن تضع حملها؛ فقال: أقاله رسول الله؟ قال: نعم. وقال ابن عباس وعلي: أجلها أبعد الأجلين. ويقول ابن عباس وعلي: بهذا نأخذ وعليه نعتمد. وإنما قول الله: {وَأُوْلاَتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} في المطلقات دون المتوفى عنهن أزواجهن. قوله: {فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ} أي انقضاء العدة {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ} أي: فلا إثم عليكم {فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ بِالمَعْرُوفِ} يعني التزويج {وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ}. قوله: {وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُم بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنتُمْ فِي أَنفُسِكُمْ} أي: أسررتم وأضمرتم. ذكر مجاهد عن ابن عباس قال: التعريض ما لم ينصب للخطبة. وقال عكرمة: التعريض أن يقول: إنك في نفسي، وما يقدَّر من أمر يكن. وقال الحسن: يقول: احبسي نفسك علي، فإني أفعل بك كذا وكذا، وأصدقك كذا وكذا. قال: {عَلِمَ اللهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِن لاَّ تُوَاعِدُوهُنَّ سِرّاً}. قال بعض المفسّرين: لا يأخذ ميثاقها في عدّتها أن لا تنكح غيره، نهى الله عن ذلك وعن الفاحشة والخضع من القول. وقال مجاهد: لا يقول: لا تفوتيني بنفسك فإني أنكحك. وقال الحسن: {لاَّ تُوَاعِدُوهُنَّ سِرّاً} هو الزنا. قوله: {إِلاَّ أَن تَقُولُوا قَوْلاً مَّعْرُوفاً} هو التعريض ما لم ينصب للخطبة. قوله: {وَلاَ تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الكِتَابُ أَجَلَهُ} قال: حتى تنقضي العدة. {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ} يقول: احذروا أن تخفوا في أنفسكم شيئاً من الزنا في تفسير الحسن: أو تزوّجوهن في العدّة، وفي جميع الأشياء بعد.
اطفيش
تفسير : {والَّذِينَ يُتوفَّوْنَ مِنْكُم}: بالبناء للمفعول، أى يقبضون، أى تقبض أرواحهم بالبناء للمفعول، والفاعل الله أو الملائكة، وإن شئت فقل معناه يماتون بالبناء للمفعول، وأصل التوفى أخذ الشئ وافياً كاملاً، وكذلك قد أخذ الله أو الملك من كمل عمره، وقرأ على وعاصم من رواية الفضل عنه بفتح الياء بنا للفاعل، وهو الواو، أى يستوفون آجالهم، وقيل لا يصح ذلك عن على، بل حكى أن أبا الأسود الدؤلى كان يمشى خلف جنازه، فقال له رجل: من المتوفٍّى، وكسر الفاء، فقال: الله! فكان ذلك من جملة الأسباب الباعث لعلى على أن أمر أبا الأسود أن يضع كتابا فى النحو، فهذه الحكاية تنفى أن يقرأ على بالبناء للفاعل. {وَيَذَرُون أزْواجاً}: يتركون أزواجا زوج بمعنى المرأة المقارنة لزوجها، وكل زوجة كذلك، والأكثر فى المفرد زوج بلا تاء، ويدل عليه أيضا الجمع على أزواج، فإن جمع المقرون بالفاء على أفعال لا يصح، وحفظت شاذا جاء على أفعال وهو بالتاء فى قول الجوهرى، وهو صفات، قال الجوهرى: تجمع على أصفاء وشمل الأزواج الكتابيات، لأن الصحيح أن المشركين مخاطبون بفرع الإيمان، وقال أبو حنيفة: لم يخاطبوا بها فلو تزوجت قبل عدة الوفاة لم تفرق عنده. {يَتَربَّصَّنَ}: ينتظرن. {بِأنفُسِهنَّ}: أى يقهرن أنفسهن بالتأخر عن التزوج وعن التزين، ومقدمات التزوج والنكاح، كالخطبة، وعن الخروج إلا لما لا بد منه، والذين مبتدأ وجملة يتربصن خبره، والرابط محذوف، أى يتربصن بعدهم أو بعد توفيهم، كقول العرب: السمن منوان بدرهم، فمنوان بدرهم مبتدأ وخبر، والجملة خبر السمن، ورابطها محذوف، أى منوان منه أو حذف المضاف، وناب الذين عنه فروعى فى الربط ذلك المضاف المحذوف لا المضاف إليه، فالرابط النون من {يتربصن} والتقدير وأزواج الذين يتوفون منكم ويذرونهن يتربصن، ولما حذف أظهر مفعول يذرون وهو أزواجا لم يجعل ضميراً، إذ لم يظهر مرجعه، ويجوز ألا يقدر مضاف، ويحصل الرابط مع ذلك بالنون من حيث إنها عائدة إلى أزواج الذين يتوفون، ألا ترى أنه لو قيل تتربص أزواجهم. {أرْبَعَةَ أشْهُرٍ وعَشْراً}: عشر ليال ودخل النهار العاشر عند الجمهور. وقرأ ابن عباس وعشرة أيام لا أيام بدليل أنه لم يقل وعشرة، وهكذا تغلب الليالى بالذكر لأنها مبتدأ الشهور والأيام، وناسب هنا أن ذلك العدد أيام حزن على زوجها، وترك الزينة، فالنهار أيضاً كالليل إلا الحوامل، فعدتهن أن يضعن حملهن وإلا الأمة فشهران وخمسة أيام، وقال أبو بكر: الأصح هى كالحرة وعن على: عدة الحامل المتوفى عنها أقصى الأجلين إن وضعت قبل أربعة أشهر وعشراً، وقيل شهرين وخمس إن كانت أمه تربصت حتى تتم ذلك، وإن مضى ذلك ولم تضع، فحتى تضع، وكذا قال ابن عباس، وبقولهما نأخذ، وعليه نعتمد وهو أحوط، وبه قال سحنون وابن أبى يعلى، والقول الأولى لأبى هريرة، واختلف النقل عن ابن مسعود. روى ابن عمر سأل أبى بن كعب عن عدة الحامل المتوفى عنها؟ فقال: أجلها أن تضعَ حملها، فقال: أقاله رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم. وعلى هذا فلو وضعت بعد الوفاة للحظة حل لها أن تتزوج، ويدل على ذلك ما روى عن سبيعة الأسلمية، كانت تحت سعد بن خولة وهى من بنى عامر بن لؤى، قلت: وقيل من حلفائهم، وكان ممن شهد بدراً فتوفى عنها فى حجة الوداع وهى حامل، فلم تنشب أن وضعت حملها بعد وفاته، أى فلم تلبث عن وضعه، أى وضعته قريباً من موته، فلما تعلت من نفاسها تجملت للخطاب، فدخل عليها أبو السنابل رجل من بنى عبد الدار - فقال: مالى أراك تعجلت للخطاب لعلك ترجين النكاح، وإنك والله ما أنت بناكحة حتى تمر عليك أربعة أشهر وعشراً. قالت سبيعة فلما قال لى ذلك، جمعت علىَّ ثيابى حين أمسيت، وأتيت النبى، صلى الله عليه وسلم، فسألته عن ذلك، فأفتانى بأنى قد حللت حين وضعت حملى، أمرنى بالتزوج إن بدا لى، قال ابن أشهب: لا أرى بأسا أن تتزوج حين وضعت، وإن كانت فى دمها، إلا أنه لا يقربها حتى تطهر، وعلى هذا فالآية عامة مخصوصة بقوله تعالى: {أية : وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن} تفسير : والحامل المتوفى عنها تنظر الوضع فقط قرب أو طال، ولو إلى سنة وسنتين أو أكثر، ولفظ الحديث مذكور فى صحيح البخارى" وصحيح مسلم، ولفظه فى صحيح الربيع أبو عبيدة عن جابر بن زيد، عن ابن عباس:حديث : اختلفت أنا وأبو سلمة ابن عبد الرحمن فى المرأة الحامل إذا وضعت بعد وفاة زوجها بليال؟ قال: فقلت عدتها آخر الأجلين. قال أبو سلمة: إذا وضعت حلت، فجاء أبو هريرة فسئل فقال: أنا مع أبى سلمة، فبعث عكرمة مولى ابن عباس إلى أم سلمة فسألها عن ذلك فقالت: ولدت سبيعة الأسلمية بعد وفاة زوجها بليال، فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم: فقال: "قد حلت"تفسير : قال الربيع: قال أبو عبيدة: هذه رخصة من النبى صلى الله عليه وسلم، يعنى رخص لها ترخيصاً ليس لغيرها، وأما العمل فكما قال ابن عباس، وهو المأخوذ به عندنا، وهو قول الله، عز وجل، فى كتابه قال ابن عبد البر لولا حديث سبيعه لكان القول كا قال على وابن عباس لأنهما عدتان مجتمعتان بصفتين، وقد اجتمعتا فى الحامل المتوفى عنها زوجها، فلا تخرج من عدتها إلا بيقين وهو آخر الأجلين، وقال ابن حجر: ولأن القاعدة الأصولية تقتضى ترجيح مذهبهما، لأن الدليلين إذا كان منهما عاما من وجه، خاصا من وجه، فإنه يخص عموم كل منهما بخصوص الآخر عملا بالدليلين معاً، وها هنا كذلك، فإن قوله:{أية : وأولات الأحْمَالِ}تفسير : الآية ظاهرة العموم فى كل حامل، فيخص بقوله: {والذين يتوفون منكم} فلا بد فى المتوفى عنها زوجها من أربعة أشهر وعشر، وهذه الآية ظاهرها العموم فى كل متوفى عنها زوجها حاملا كانت أو غير حامل، فيخص عمومها بقوله:{أية : وأولات الأحمال}تفسير : الآية، فلا بد من وضع الحامل، وإن زادت على أربعة أشهر وعشر، فقد عمل بالدليلين معاً بخلافه على مذهب غيرهما، فإنه عمل فيه بعموم آية الطلاق، وذلك أن الخاص يخصص العام تأخر أو تقدم أو جهل التاريخ. وقال أبو حنيفة المتأخر عاما أو خاصا ناسخ للمتقدم، وآية الطلاق متأخرة عن آية البقرة كما ذهب إليه ابن مسعود، قال من شاء باهلته عند الحجر الأسود أن سورة النساء القصرى أى سورة الطلاق نزلت بعد سورة البقرة: {وأولات الأحمال} عام بذاته وأزواجا عم بالعرض لوقوعه فى حيز الموصول العام، وفى رواية قيل لابن عباس فى امرأة وضعت بعد وفاة زوجها بعشرين ليلة أيصلح أن تتزوج؟ قال: لا، إلى آخر الأجلين. فقال أبو سلمة: قال الله عز وجل:{أية : وأولات الأحمال}تفسير : الآية، فقال ابن عباس إنما ذلك فى الطلاق، وهذه المرأة هى سبيعة المذكورة فى حديث الربيع والبخارى ومسلم وهى سبيعة ابنة الحارث، وهى من المهاجرات، وصرح فى هذه الرواية بعدد الليالى، وأكثر الروايات إبهامها كما فى رواية هؤلاء المحدثين الثلاثة، وفى رواية توفيت بعد وفاة زوجها بثلاثة وعشرين يوما أو خمسة وعشرين يوما، وفى بعضها بخمسة عشر، وفى بعضها بأربعين ليلة، وفى رواية لم أمكث إلا شهرين، وكانت العدة ما ذكر، لأن الجنين فى الغالب يتحرك فى ما قبل الثلاثة أشهر إن كان ذكراً وأربعة أشهر وعشراً إن كان أنثى، فاعتبر أقصى الأجلين، وزيد عليه الشعر زيادة فى براءة الرحم، وذلك لنقص الشهور، وكمالها وسرعة حركة الجنين وإبطائها، كما قال ابن المسيب وغيره، ولأنه قد تضعف حركة الجنين أولا فلا يحس بها، والمشهور أن الجنين مطلقا يتحرك الأربعة وعشر، وقيل لأن الولد يكون نطفة أربعين يوماً، وأربعين علقة، وأربعين مضغة، ثم ينفخ فيه الروح فى العشرة، وعن ابن مسعود رضى الله عنه: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق:"حديث : أن خلق أحدكم يجمع فى بطن أمه أربعين يوما، ثم يكون علقة، مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله ملكاً يكتب رزقه وأجله وعمله وشقى أو سعيد، ثم ينفخ فيه الروح"تفسير : الحديث. ومعنى المصدوق الذى أخبره غيره بصدق، فإن جبريل أخبره وصدق فى إخباره، والظاهر أن العدة استبراء الرحم، فهى معقولة المعنى فيكفى مضى المدة من حين مات، ولو لم تعلم المرأة، وبه قال جمهور الأمة ويدل له أن الصغيرة التى لا علم لها، والمجنونة تكفيها هذه المدة، وقيل تبدأ العدة من حين علمت، والسبب العلم، وعلى الأول السبب الموت، والقولان فى المذهب وشهر فيه الثانى بقوله تعالى: {يتربصن}، وهو دال على تعمد العدة وقصدها، ويجاب بأن ما هو معقول المعنى لا يشترط فيه القصد، وذلك أنا أمرنا بغسل النجس، فلو زال بلا عمد من بدون أو ثوب بشدة الماء وبقصد إلى تنضيفه من وسخ فقط، لكفى، وأما ترك الزينة، فعن جابر بن زيد، عن أبى سعيد قالت حفصة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : "لا يحل لأمرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث ليال إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا"تفسير : وقال جابر: بلغنى عن أم حبيبة زوج النبى صلى الله عليه وسلم، لما توفى أبوها أبو سفيان بن حرب دعت بطيب فيه صفرة خلوق فدهنت به جارية ثم مسحت به عارضيها، فقالت ما والله مالى بالطيب من حاجة، إلا أنى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث ليال إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا"تفسير : ومثله فى البخارى ومسلم، وقال أيضا: بلغنى عن أم سلمة زوج النبى صلى الله عليه وسلمحديث : جاءت امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: يا رسول الله إلى ابنتى توفى عنها زوجها وقد اشتكت عينها أفنكحلها؟ فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا ثلاثا" ثم قال: "إنما هى أربعة أشهر وعشرا"تفسير : وحديث : عن أم سلمة قالت: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم حين توفى أبو سلمة وقد جعلت على صبرا، فقال: "ما هذا يا أم سلمة؟" إنما هو صبر يا رسول الله ليس فيه طيب. فقال: "إنه يشب الوجه فلا تجعليه إلا بالليل وتنزعيه بالنهار ولا تمشطين بالطيب ولا بالحناء فإنه خصاب" قلت: بأى شئ أمتشط يا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "بالسدر تخلقى به رأسك"تفسير : وعن عائشة رضى الله عنها، أن البى صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : لا يحل لأمرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد فوق ثلاث إلا على زوجها"تفسير : وعن أم عطية: كنا ننهى أن نحد على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا، ولا تكتحل ولا تتطيب ولا تلبس ثوبا مصبوغاً إلا ثواب عصب، وقد رخص لنا عند الطهر إذا اغتسلت إحدانا من حيضتها فى نبذة من كست أظفار، وعن أم سلمة عنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا تلبس المتوفى عنها زوجها المعصفر من الثياب ولا الممشقة بالمشق، ولا الحلى ولا تختضب، ولا تكتحل ولا تتطيب"تفسير : ، وأخرج مالك فى المطأ عن نافع، أن صفية بنت عبد الله اشتكت عينها وهى حاد على زوجها ابن عمر فلم تكتحل حتى كادت عيناها ترمضان. يقال حدث فهى حاد حداد بالكسر، وأحدت إحداداً فهى محد تركت الزينة والطيب وغيرهما ودواعى الجماع بعد موت زوجها، ويقال: جدت - بالجيم - أى قطعت الزينة وأفاد الإجماع وجوب الحداد على المرأة من وفاة زوجها، ودخلت الصبية بلفظ المرأة لأنها قد يطلق لفظ المرأة عليها أو بالقياس عليها، وعليه فخصت المرأة بالذكر جريا على الغالب، ومعنى وجوبه على الصبية خطاب الولى بمنعها، ووجب ذلك على المتوفى عنها، ولو لم يدخل بها أو طلقها ومات فى العدة الرجعية وكذا المكاتبة لا على السرية خلاف لأبى حنيفة للتقييد بالزوج فى الخبر، والحداد من حق الزوج، وحفظاً للنسب، فيجب على زوجه الكتابية، ولو قيل لم تخاطب بفروع التوحيد والتقييد بقوله: {أية : تؤمن بالله واليوم الآخر}تفسير : زجر فلا مفهوم له خلافا لأبى حنيفة وأبى ثور، وبعض المالكية، ولا تدخل الذمية بلفظ {تؤمن بالله واليوم الآخر} كما زعم بعض لقوله تعالى: {أية : قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر} تفسير : الآية قال النووى: التقييد بالإيمان وجهه أن المؤمن هو الذى ينقاد للشرع، وما أمر أولى، وفى رواية عند المالكية أن الكتابية تعتد بالأقراء، وهو قول من قال لا حداد عليها، ودخل بالميت من تحقق موته ومن حكم بموته كالمفقود والغائب. وقالت المالكية لا حداد على زوجة المفقود والغائب، وليس الحداد على غير الزوج واجب، إذ لو طالبها الزوج بالجماع لم يحل لها منعه، وفى رواية عمرو بن شعيب أنه صلى الله عليه وسلم رخص للمرأة أن تحد على أبيها سبعة أيام، وعلى غيره ثلاثة أيام، وسواء الأجنبى والأقرب، وهو حديث مرسل أو معضل، ولا حداد على مطلقة زوجها حى اجماعا فى الرجعة. وأما البائن وزوجها حى فلا حداد عليها عند الجمهور، وأوجبه عليها أبو حنيفة وأبو ثور وأبو عبيدة قياسا على المتوفى عنها، وبه قال بعض الشافعية وبعض المالكية، وحجة الجمهور أن الحى مانع لها قائم لنفسه، والميت ليس كذلك، فشرع له الحداد منعا لها من دواعى الجماع، ولا حداد على المطلقة قبل الدخول، وأن للحى تجديد النكاح البائن إن لم تحرم ولم يكن ثلاثا، ومعنى يشب الوجه يحسنه وينوره، من شب النار إذا أوقدها، وتخلقى به رأسك تلطخى به، والنبذة الشئ اليسير والكست القسط شئ معروف يبخر به، والممشقة المسبوغة بالمشق وهو المغرة، ولا تلبس الديباج والحرير والحلى والمصبوغ للزينة، كالأحمر والأصفر، وجاز ما صبغ لغير الزينة كالأسود والأزرق، وقيل لا تلبسهما، والأول أولى، لأن المقصود المتنزه عن الزينة، ولعل الخلاف لفظى، فمن أجاز الأسود رآه فى أرضه غير زينة، ومن منعه رأى أهل أرضه يتزينون به. {فَإذَا بلغْنَ أجَلَهُنَّ}: وصلن آخره وخرجن منه، وذلك انقضاء عدتهن. {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ}: أيها الأولياء والأَئمة، أو المسلمون جميعا، أما الأولياء فلأنهم أحق بنهيهن عن المنكر، وهم الذين يلون تزويجهن فليحذرونهن عن دواعى النكاج، ودواعى التزوج إذا لم يجز ذلك لكونهن فى العدة، ويتركوهن إذا جاز لهن ذلك، وكذلك الأئمُة لا يتركون الناس إلى المنكر، والنهى واجب على كل مكلف من المسلمين وغيرهم. {فِيِمَا فَعّلْنَ فى أنْفُسِهنَّ بِالمعْرُوفِ}: من التزين والتجمل للخطاب والتطيب لهم، وطلب التزوج أو التعريض به، والخروج من منزل العدة، والتزوج بالكفؤ أو بكل من يجوز لها إذا هويته ولو لم يكن كفوءً إذْ خفت المعصية، وقيل: المراد بالمعروف التزوج، وقيل النكاح الحلال الطيب، والأول العام أولى وهو قول مجاهد يشمل التزوج وطرح الحداد وغير ذلك مما حرم عليها فى العدة، وإن فعلن ما لا يكون معروفاً فى الشرع فعلى من علم به من الأولياء أو الأئمة والمسلمين أن يكفوهن، وإن لم يكفوهن فعليهم الجناح وهو الإثم مثل أن تتزوج فى العدة، فيلزم المسلمين أن يفرقوا بينهما وإن لم يقدروا استعانوا بالسلطان، وبالمعروف متعلق بفعل أو حال من نون فعلن، أو من عائدها المحذوف، واحتج أبو حنيفة بقوله تعالى: {فيما فعلن}: على جواز النكاح بلا ولى، والجواب أن هن سبب فى العقد، ولذلك نسب إليهن الفعل الشامل للنكاح والتزين وغيره، ولتحقق النكاح بالولى، ولذلك قال ولا جناح عليكم. {وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُون خَبِيرْ}: فيجازيكم عليه، والخبير فى صفة الله العالم بحقيقة الشئ الخفى بلا شك، وفى صفة المخلوق. العالم بالأمر الخفى بعد اجتهاد وفكر.
اطفيش
تفسير : {وَالَّذِينَ يُتَوَفوْنَ} تقبض أرواحهم، بلَّغاً أو أطفالاً، أحراراً أو عبيداً، عقلاء أو مجانين، والذى يتوفاهم هو الله. قال رجل لأبى الأسود خلف جنازة: من المتوفى، بكسر الفاء، فقال: الله. والصواب أن يقول: من المتوفى، بفتح الفاء، وفيه وجه آخر، وهو أن يقال للميت متوف بكسر الفاء، بمعنى مستوف لأجله، كما قرأ يتوفون، بفتح الياء، ولم يخبر أبو الأسود على ذلك سائله، لأن سائله لا معرفة له بذلك {مِنْكُمْ} أيها المسلمون، وأما المشركون فكذلك، إلا ان المنتفع بالخطاب المسلمون، فيفسربهم، ولا مانع من أن المخاطبين المسلمون والمشركون {وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً} مسلمات وكتابيات، ذوات أقراء، أو غيرهن، صغارا أو كبارا، مدخولا بهن أو غير مدخول بهن إلا الحامل، فأقصى الأجلين، أجل الوضع وأجل الوفاة، وهو الأصح، وهو قول على وابن عباس، وإلا الأمة فنصف الحرة، وقيل كالحر، وقالت الحنفية، الكتابية كالمسلمة بشرط أن تكون تحت مسلم بناء على أن المشرك غير مخاطب بالفروع، والمفرد الزوج، الأنثى بلا تاء، وهو اللغة الفصحى، لا الزوجة بالتاء، لأن فعلة لا يجمع على أفعال، والزوجة بالتاء للمؤنث لغة تميم وبعض قيس {يَتَرَبَّصْنَ} أى وأزواج الذين يتوفون يتربصن، والذين يتوفون ويذرون أزواجا يتربصن بعدهم، أو بهم، أو تتربص أزواجهم، فأصمر لهن، والضمير لا يضاف، فحذف المضاف إليه، فالنون عائد إلى قولك أزواجهم، وقولك أزواجهم مشتمل على ضمير الذين، فنهى عائدة إلى ما أضيف إلى الضمير، فربط بذلك الضمير، وقيل، يقدر مبتدأ، أى أزواجهم يتربصن، وفيه أن تقدير المضاف قبل الذين أخف من هذا {بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً} أى عشر ليال مع أيامهن، وذكر الليالى لأنهن أوائل الأيام والشهور، وأراد عشرة أيام، فحذف التاء، كقوله تعالى: "أية : إن لبثتم إلا عشراً}تفسير : [طه: 103] أى، إلا عشرة أيام، لقوله، {أية : إن لبثتم إلا يوما} تفسير : [طه: 104] ولكن لا مانع من أن يراد إلا عشر ليال مع قوله إلا يوما، وذكر بعض أن قاعدة تذكير المعدود وتأنيثه إنما هو إذا ذكر المعدود، وأما عند حذفه فيجوز الأمران مطلقا. والجنين يتحرك مطلقا لأربعة أشهر وزيد عشرة، إذ قد تخفى حركته فى المبدأ، ولا يتحقق ما قيل، إن الذى يتحرك لثلاثة والأنثى لأربعة، فاعتبر الأكثر، واستتم بعشرة لخفاء الحركة فى المبدأ، والآية لعمومها شاملة لغير المدخول بها، وقال ابن عباس، لا عدة لغير المدخول بها، والحامل المتوفى عنها تعتد عند على بأقصى الأجلين، وقال غيره، بأربعة أشهر وعشر، والجمهور على أَن العدة من حين علمت بالموت ولو بعد امام الأربعة والعشر، وقيل من حين الموت {فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ} تمام أربعة أَشهر وعشر {فَلا جُنَاحَ} لا إثم {عَلَيْكُمْ} أَيها المتولون لأَمور الإسلام، كالأَمر بالمعروف، والنهى عن المنكر، وقيل الخطاب للأولياء {فِيمَا فَعَلْنَ فِى أَنْفُسِهِنَّ} من التزيين للخطاب بالثياب، واللباس الحسن والكلام الحسن، وإظهار زينة الوجه واليد لهم، وإظهار الساق والشعر والصدر للنساء، ونحو ذلك مما يحل إظهاره لهن ليصفنه لمن يريد الزواج {بِالْمَعْرُوفِ} شرعا، لا بكشف ما لا يحل من بدن، ولا عند من لا يتقى الله ولا بخلوة به، وأما قبل بلوغ الأجل فى المطلقة فإنما تحبب لزوجها بأكثر من ذلك كله غير كشف العورة الكبرى، فإن رآها متولو الأمر تتعرض قبل بلوغ الأجل لغيره بكلام أو زينة أو تبرج، أو تتعرض له أو لغيره بعد بلوغ الأجل بغير المعروف فعليهم الإثم إن لم يمنعوها {وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ} والخطاب لمن خوطب قبل، وقيل للأزواج {خَبِيرٌ} فيجازيكم.
الالوسي
تفسير : {وَٱلَّذِينَ} مبتدأ {يُتَوَفَّوْنَ} أي تقبض أرواحهم فإن التوفي هو القبض يقال: توفيت مالي من فلان واستوفيته منه أي قبضته وأخذته. وقرأ علي كرم الله تعالى وجهه فيما رواه أبو عبد الرحمن السلمي عنه والمفضل عن عاصم {يَتَوَفَّوْنَ}/ بفتح ـ الياء ـ أي يستوفون آجالهم فعلى هذا يقال للميت متوفي بمعنى مستوف لحياته، واستشكل بما حكي أن أبا الأسود كان خلف جنازة فقال له رجل: من المتوفي؟ بكسر الفاء فقال: الله تعالى وكأن هذا أحد الأسباب لعلي كرم الله تعالى وجه على أن أمره بوضع كتاب النحو، وأجاب السكاكي بأن سبب التخطئة أن السائل كان ممن لم يعرف وجه صحته فلم يصلح للخطاب به {مّنكُمْ} في محل نصب على الحال من مرفوع {يُتَوَفَّوْنَ} و ـ من ـ تحتمل التبعيض وبيان الجنس والخطاب لكافة الناس بتلوين الخطاب {وَيَذَرُونَ} أي يتركون ويستعمل منه الأمر ولا يستعمل اسم الفاعل ولا اسم المفعول وجاء الماضي على شذوذ {أَزْوٰجاً} أي نساءً لهم. {يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ} خبر عن (الذين) والرابط محذوف أي لهم أو بعدهم، ورجح الأول: بقلة الإضمار وبما في اللام من الإيماء إلى أن العدة حق المتوفى، وقيل: خبر لمحذوف أي أزواجهم يتربصن، والجملة خبر (الذين) وبعض البصريين قدر مضافاً في صدر الكلام أي أزواج الذين وهن نساؤهم، وفيه أنه لا يبقى ـ ليذرون أزواجاً ـ فائدة جديدة يعتد بها، ويروى عن سيبويه ـ أن (الذين) ـ مبتدأ والخبر محذوف أي فيما يتلى عليكم حكم الذين الخ، وحينئذٍ يكون جملة ـ يتربصن ـ بياناً لذلك الحكم وفيه كثرة الحذف، وذهب بعض المحققين إلى أن {ٱلَّذِينَ} مبتدأ و (يتربصن) خبره والرابط حاصل بمجرد عود الضمير إلى الأزواج لأن المعنى يتربص الأزواج اللاتي تركوهن، وقد أجاز الأخفش والكسائي مثل ذلك ولولا أن الجمهور على منعه لكان من الحسن بمكان. {أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} لعل ذلك العدد لسر تفرد الله تعالى بعلمه أو علمه من شاء من عباده، والقول ـ بأنه لعل المقتضي لذلك أن الجنين في غالب الأمر يتحرك لثلاثة أشهر إن كان ذكراً ولأربعة إن كان أنثى فاعتبر أقصى الأجلين وزيد عليه العشرة استظهاراً إذ ربما تضعف حركته في المبادي فلا يحس بها مع ما فيه من المنافاة للحديث الصحيح «حديث : إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً نطفة ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم يبعث الله تعالى ملكاً بأربع كلمات فيكتب عمله وأجله ورزقه وشقي أو سعيد ثم ينفخ فيه الروح»تفسير : لأن ظاهره أن نفخ الروح بعد هذه المدة مطلقاً ـ لا يروي الغليل ولا يشفي العليل، وتأنيث العشر قيل: لأن التمييز المحذوف هو الليالي وإلى ذلك ذهب ربيعة ويحيـى بن سعيد، وقيل: بل هو باعتبار الليالي لأنها غرر الشهور ولذلك لا يستعملون التذكير في مثله ذهاباً إلى الأيام حتى إنهم يقولون ـ كما حكى الفراء ـ صمنا عشراً من شهر رمضان مع أن الصوم إنما يكون في الأيام ويشهد له قوله تعالى: {أية : إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ عَشْراً } تفسير : [طه: 103] ثم {أية : إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ يَوْماً }تفسير : [طه: 104] وذكر أبو حيان أن قاعدة تذكير العدد وتأنيثه إنما هي إذا ذكر المعدود، وأما عند حذفه فيجوز الأمران مطلقاً ولعله أولى مما قيل. واستدل بالآية على وجوب العدة على المتوفى عنها سواء كان مدخولاً بها أو لا، وذهب ابن عباس رضي الله تعالى عنهما إلى أنه لا عدة للثانية وهو محجوج بعموم اللفظ كما ترى، وشملت الآية المسلمة والكتابية وذات الأقراء والمستحاضة والآيسة والصغيرة والحرة والأمة ـ كما قاله الأصم ـ والحامل وغيرها لكن القياس اقتضى تنصيف المدة للأمة والإجماع خص الحامل عنه لقوله تعالى: {أية : وَأُوْلَـٰتُ ٱلأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ }تفسير : [الطلاق: 4] وعن علي كرم الله تعالى وجهه وابن عباس أنها تعتد بأقصى الأجلين احتياطاً وهو لا ينافي الإجماع بل فيه عمل بمقتضى الآيتين، واستدل بعضهم بها على أن العدة من الموت حيث علقت عليه فلو لم يبلغها موت الزوج إلا بعد مضي العدة حكم بانقضائها وهو/ الذي ذهب إليه الأكثرون والشافعي في أحد قوليه، ويؤيده أنّ الصغيرة التي لا علم لها يكفي في انقضاء عدّتها هذه المدّة، وقيل: إنها ما لم تعلم بوفاة زوجها لا تنقضي عدّتها بهذه الأيام لما روي «امرأة المفقود امرأة حتى يأتيها تبين موته أو طلاقه». {فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ} أي انقضت عدّتهن {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ} أيها القادرون عليهن، وقيل: الخطاب للأولياء، وقيل: لجميع المسلمين {فِيمَا فَعَلْنَ فِى أَنفُسِهِنَّ} مما حرّم عليهنّ في العدّة، وفي التقييد إشارة إلى علة النهي {بِٱلْمَعْرُوفِ} أي بالوجه الذي يعرفه الشرع ولا ينكره، وقيد به للإيذان بأنه لو فعلن خلاف ذلك فعليهم أن يكفوهنّ، فإن قصروا أثموا {وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} فلا تعملوا خلاف ما أمرتم به والظاهر: أنّ المخاطب به هو المخاطب في سابقه، وجوّز أن يكون خطاباً للقادرين من الأولياء والأزواج فيكون فيه تغليبان ـ الخطاب على الغيبة ـ والذكور على الإناث ـ وفيه تهديد للطائفتين، ويحتمل أن يكون وعداً ووعيداً لهما.
ابن عاشور
تفسير : انتقال إلى بيان عدة الوفاة بعد الكلام عن عدة طلاق وما اتصل بذلك من أحكام الإرضاع عقب الطلاق، تقصيا لما به إصلاح أحوال العائلات، فهو عطف قصة على قصة. ويتوفون مبني للمجهول، وهو من الأفعال التي التزمت العرب فيها البناء للمجهول مثل عني واضطر، وذلك في كل فعل قد عرف فاعله ما هو، أو لم يعرفوا له فاعلاً معيناً. وهو من توفاه الله أو توفاه الموت فاستعمال التوفي منه مجاز، تنزيلاً لعمر الحي منزلة حق للموت، أو لخالق الموت، فقالوا: توفى فلان كما يقال: توفى الحق ونظيره قبض فلان، وقبض الحق فصار المراد من توفى: مات، كما صار المراد من قبض وشاع هذا المجاز حتى صار حقيقة عرفية وجاء الإسلام فقال الله تعالى: { أية : الله يتقى الأنفس } تفسير : [الزمر: 42] وقال: { أية : حتى يتوفاهن الموت } تفسير : [النساء: 15] وقال: { أية : قل يتوفاكم ملك الموت } تفسير : [السجدة: 11] فظهر الفاعل المجهول عندهم في مقام التعليم أو الموعظة، وأبقي استعمال الفعل مبنياً للمجهول فيما عدا ذلك إيجازاً وتبعاً للاستعمال. وقوله: {يتربصن بأنفسهن} خبر (الذين) وقد حصل الربط بين المبتدأ والخبر بضمير {يتربصن}، العائد إلى الأزواج، الذي هو مفعول الفعل المعطوف على الصلة، فهن أزواج المتوفين؛ لأن الضمير قائم مقام الظاهر، وهذا الظاهر قائم مقام المضاف إلى ضمير المبتدأ، بناء على مذهب الأخفش والكسائي من الاكتفاء في الربط بعود الضمير على اسم مضاف إلى مثل العائد، وخالف الجمهور في ذلك، كما في «التسهيل» و«شرحه»، ولذلك قدروا هنا: (ويذرون أزواجاً يتربصن) بعدهم كما قالوا: «السَّمْن مَنَوَانِ بِدِرْهَم» أي منه، وقيل: التقدير: وأزواج الذين يتوفون منكم إلخ يتربصن، بناء على أنه حذف لمضاف، وبذلك قدر في «الكشاف» داعي إليه كما قال التفتازاني، وقيل التقدير: ومما يتلى عليكم حكم الذين يتوفون منكم، ونقل ذلك عن سيبويه، فيكون {يتربصن}: استئنافاً، وكلها تقديرات لا فائدة فيها بعد استقامة المعنى. وقوله: {يتربصن بأنفسهن} تقدم بيانه عند قوله تعالى: { أية : والمطلقات يتربصن بأنفسهن } تفسير : [البقرة: 228]. وتأنيث اسم العدد في قوله: {وعشراً} لمراعاة الليالي، والمراد: الليالي بأيامها؛ إذ لا تكون ليلة بلا يوم ولا يوم بلا ليلة، والعرب تعتبر الليالي في التاريخ والتأجيل، يقولون: كتب لسبع خلون في شهر كذا، وربما اعتبروا الأيام كما قال تعالى: { أية : فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم } تفسير : [البقرة: 196] وقال: { أية : أياماً معدودات } تفسير : [البقرة: 184] لأن عمل الصيام إنما يظهر في اليوم لا في الليلة. قال في «الكشاف»: والعرب تجري أحكام التأنيث والتذكير في أسماء الأيام إذا لم تجر على لفظ مذكور، بالوجهين قال تعالى: { أية : يتخافتون بينهم إن لبثتم إلا عشراً نحن أعلم بما يقولون إذ يقول أمثلهم طريقة إن لبثتم إلا يوماً } تفسير : [طه: 103 ــــ 104] فأراد بالعشر: الأيام ومع ذلك جردها من علامة تذكير العدد، لأن اليوم يعتبر مع ليلته. وقد جعل الله عدة الوفاة منوطة بالأمد الذي يتحرك في مثله الجنين تحركاً بيناً، محافظة على أنساب الأموات؛ فإنه جعل عدة الطلاق ما يدل على براءة الرحم دلالة ظنية وهو الأقراء على ما تقدم؛ لأن المطلق يعلم حال مطلقته من طهر وعدمه، ومن قربانه إياها قبل الطلاق وعدمه، وكذلك العلوق لا يخفى فلو أنها ادعت عليه نسباً وهو يوقن بانتفائه، كان له في اللعان مندوحة، أما الميت فلا يدافع عن نفسه، فجعلت عدته أمداً مقطوعاً بانتفاء الحمل في مثله وهو الأربعة الأشهر والعشرة، فإن الحمل يكون نطفة أربعين يوماً، ثم علقة أربعين يوماً، ثم مضغة أربعين يوماً، ثم ينفخ فيه الروح، فما بين استقرار النطفة في الرحم إلى نفخ الروح في الجنين أربعة أشهر، وإذ قد كان الجنين عقب نفخ الروح فيه يقوى تدريجاً، جعلت العشر الليالي الزائدة على الأربعة الأشهر، لتحقق تحرك الجنين تحركاً بيناً، فإذا مضت هذه المدة حصل اليقين بانتفاء الحمل؛ إذ لو كان ثمة حمل لتحرك لا محالة، وهو يتحرك لأربعة أشهر، وزيدت عليها العشر احتياطاً لاختلاف حركات الأجنة قوة وضعفاً، باختلاف قوى الأمزجة. وعموم {الذين} في صلته وما يتعلق بها من الأزواج، يقتضي عموم هذا الحكم في المتوفى عنهن، سواء كن حرائر أم إماء، وسواء كن حوامل أم غير حوامل، وسواء كن مدخولاً بهن أم غير مدخول بهن، فأما الإماء فقال جمهور العلماء: إن عدتهن على نصف عدة الحرائر قياساً على تنصيف الحد، والطلاق، وعلى تنصيف عدة الطلاق، ولم يقل بمساواتهن للحرائر، في عدة الوفاة إلاّ الأصم، وفي رواية عن ابن سيرين إلاّ أمهات الأولاد فقالت طائفة: عدتهن مثل الحرائر، وهو قول سعيد والزهري والحسن والأوزاعي وإسحاق وروي عن عمرو بن العاص، وقالت طوائف غير ذلك. وإن إجماع فقهاء الأسلام على تنصيف عدة الوفاة في الأمة المتوفى زوجها لمن معضلات المسائل الفقهية، فبنا أن ننظر إلى حكمة مشروعية عدة الوفاة، وإلى حكمة مشروعية التنصيف لذي الرق، فيما نصف له فيه حكم شرعي، فنرى بمسلك السبر والتقسيم أن عدة الوفاة إما أن تكون لحكمة تحقق النسب أو عدمه، وإما أن تكون لقصد الإحداد على الزوج، لما نسخ الإسلام ما كان عليه أهل الجاهلية من الإحداد حولاً كاملاً، أبقى لهن ثلث الحول، كما أبقى للميت حق الوصية بثلث ماله، وليس لها حكمة غير هذين؛ إذ ليس فيها ما في عدة الطلاق من حكمة انتظار ندامة المطلق، وليس هذا الوجه الثاني بصالح للتعليل، لأنه لا يظن بالشريعة أن تقرر أوهام أهل الجاهلية، فتبقي منه تراثاً سيئاً، ولأنه قد عهد من تصرف الإسلام إبطال تهويل أمر الموت والجزع له، الذي كان عند الجاهلية عرف ذلك في غير ما موضع من تصرفات الشريعة، ولأن الفقهاء اتفقوا على أن عدة الحامل من الوفاة وضع حملها، فلو كانت عدة غير الحامل لقصد استبقاء الحزن لاستوتا في العدة، فتعين أن حكمة عدة الوفاة هي تحقق الحمل أو عدمه، فلننقل النظر إلى الأمة نجد فيها وصفين: الإنسانية والرق، فإذا سلكنا إليهما طريق تخريج المناط، وجدنا الوصف المناسب لتعليل الاعتداد الذي حكمته تحقق النسب هو وصف الإنسانية؛ إذ الحمل لا يختلف حاله باختلاف أصناف النساء وأحوالهن الاصطلاحية أما الرق فليس وصفاً صالحاً للتأثير في هذا الحكم، وإنما نصفت للعبد أحكام ترجع إلى المناسب التحسيني: كتنصيف الحد لضعف مروءته، ولتفشي السرقة في العبيد، فطرد حكم التنصيف لهم في غيره. وتنصيف عدة الأمة في الطلاق الواردُ في الحديث، لعلة الرغبة في مراجعة أمثالها، فإذا جاء راغب فيها بعد قرأين تزوجت، ويطرد باب التنصيف أيضاً. فالوجه أن تكون عدة الوفاة للأمة كمثل الحرة، وليس في تنصيفها أثر، ومستند الإجماع قياس مع وجود الفارق. وأما الحوامل فالخلاف فيهن قوي؛ فذهب الجمهور إلى أن عدتهن من الوفاة وضع حملهن، وهو قول مالك، عمر وابنه وأبي سلمة بن عبد الرحمن وأبي هريرة، وهو قول عمر: «لو وضعت حملها وزوجها على سريره لم يدفن لحلت للأزواج» وحجتهم حديث : حديث سبيعة الأسلمية زوج سعد بن خولة، توفي عنها بمكة عام حجة الوداع وهي حامل فوضعت حملها بعد نصف شهر كما في «الموطأ»، أو بعد أربعين ليلة، فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لها: "قد حللت فانكحي إن بدا لك" تفسير : واحتجوا أيضاً بقوله تعالى في آية سورة [الطلاق: 4] { أية : وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن } تفسير : وعموم (أولات الأحمال)، مع تأخر نزول تلك السورة عن سورة البقرة يقضي بالمصير إلى اعتبار تخصيص عموم ما في سورة البقرة، وإلى هذا أشار قول ابن مسعود من شاء باهلتُه، لنزلت سورة النساء القصرى يعني سورة { أية : يا أيها النبي إذا طلقتم } تفسير : [الطلاق: 1] ــــ بعد الطولى» أي السورة الطولى أي البقرة ــــ وليس المراد سورة النساء الطولى. وعندي أن الحجة للجمهور، ترجع إلى ما قدمناه من أن حكمة عدة الوفاة هي تيقن حفظ النسب، فلما كان وضع الحمل أدل شيء على براءة الرحم كان مغنياً عن غيره، وكان ابن مسعود يقول: «أتجعلون عليها التغليظ ولا تجعلون عليها الرخصة» يريد أنها لو طال أمد حملها لما حلت. وعن علي وابن مسعود أن عدة الحامل في الوفاة أقصى الأجلين، واختاره سحنون من المالكية فقال بعض المفسرين: إن في هذا القول جمعاً بين مقتضى الآيتين، وقال بعضهم: في هذا القول احتياط، وهذه العبارة أحسن؛ إذ ليس في الأخذ بأقصى الأجلين جمع بين الآيتين بالمعنى الأصولي؛ لأنّ الجمع بين المتعارضين معناه أن يعمل بكلّ منهما: في حالة أو زمن أو أفراد، غير ما أعمل فيه بالآخر، بحيث يتحقق في صورة الجمع عمل بمقتضى المتعارضين معاً، ولذلك يسمون الجمع بإعمال النصين، والمقصود من الاعتداد تحديد أمد التربص والانتظار، فإذا نحن أخذنا بأقصى الأجلين، أبطلنا مقتضى إحدى الآيتين لا محالة؛ لأننا نلزم المتوفى عنها بتجاوز ما حددته لها إحدى الآيتين، ولا نجد حالة نحقق فيها مقتضاهما، كما هو بين، فأحسن العبارتين أن نعبر بالاحتياط وهو أن الآيتين تعارضتا بعموم وخصوص وجهي، فعمدنا إلى صورة التعارض وأعملنا فيها مرة مقتضى هذه الآية، ومرة مقتضى الأخرى، ترجيحاً لأحد المقتضَيين في كل موضع بمرجح الاحتياط فهو ترجيح لا جمع لكن حديث سبيعة في الصحيح أبطل هذا المسلك للترجيح كما أن ابتداء سورة [الطلاق:4 ] بقوله تعالى: { أية : وإذا طلقتم النساء } تفسير : ينادي على تخصيص عموم قوله: { أية : وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن } تفسير : [الطلاق: 4] هنالك بالحوامل المطلقات، وقد قيل: إن ابن عباس رجع إلى قول الجمهور وهو ظاهر حديث «الموطأ» في اختلافه وأبي سلمة في ذلك، وإرسالهما من سأل أم سلمة رضي الله عنها، فأخبرتهما بحديث سبيعة. فإن قلت: كيف لا تلتفت الشريعة على هذا إلى ما في طباع النساء من الحزن على وفاة أزواجهن؟ وكيف لا تبقى بعد نسخ حزن الحول الكامل مدة ما يظهر فيها حال المرأة؟ وكيف تحل الحامل للأزواج لو وضعت حملها وزوجها لما يوضع عن سريره كما وقع في قول عمر؟ قلت: كان أهل الجاهلية يجعلون إحداد الحول فرضاً على كل متوفى عنها، والأزواج في هذا الحزن متفاوتات، وكذلك هن متفاوتات في المقدرة على البقاء في الانتظار لقلة ذات اليد في غالب النساء، فكن يصبرن على انتظار الحول راضيات أو كارهات، فلما أبطل الشرع ذلك فيما أبطل من أوهام الجاهلية، لم يكترث بأن يشرع للنساء حكماً في هذا الشأن، ووكله إلى ما يحدث في نفوسهن وجِدَتهن، كما يوكل جميع الجبليات والطبيعيات إلى الوجدان؛ فإنه لم يعين للناس مقدار الأكلات والأسفار والحديث ونحو هذا، وإنما اهتم بالمقصد الشرعي وهو حفظ الأنساب، فإذا قضى حقه فقد بقي للنساء أن يفعلن في أنفسهن ما يشأن من المعروف، كما قال: {فلا جناح عليكم فيما فعلن} فإذا شاءت المرأة بعد انقضاء العدة أن تحبس نفسها فلتفعل. أما الأزواج غير المدخول بهن فعليهن عدة الوفاة دون عدة الطلاق لعموم هذه الآية، ولأن لهن الميراث، فالعصمة تقررت بوجه معتبر، حتى كانت سبب إرث، وعدم الدخول بالزوجة لا ينفي احتمال أن يكون الزوج قد قاربها خفية، إذ هي حلال له، فأوجب عليها الاعتداد احتياطاً لحفظ النسب، ولذلك قال مالك، وإن كان للنظر فيه مجال، فقد تقاس المتوفى عنها زوجها الذي لم يدخل بها على التي طلقها زوجها قبل أن يمسها، التي قال الله تعالى فيها: { أية : يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها } تفسير : [الأحزاب: 49]. وقد ذكروا حديث بروع بنت واشق الأشجعية، رواه الترمذي عن معقل بن سنان الأشجعي: حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى في بروع بنت واشق وقد مات زوجها، ولم يفرض لها صداقاً، ولم يدخل بها أن لها مثل صداق نسائها، وعليها العدة ولها الميراث تفسير : ولم يخالف أحد في وجوب الاعتداد عليها، وإنما اختلفوا في وجوب مهر المثل لها. وقوله: {فإذا بلغن أجلهن} أي إذا انتهت المدة المعينة بالتربص، أي إذا بلغن بتربصهن تلك المدة، وجعل امتداد التربص بلوغاً، على وجه الإطلاق الشائع في قولهم بلغ الأمد، وأصله اسم البلوغ وهو الوصول، استعير لإكمال المدة تشبيهاً للزمان بالطريق الموصلة إلى المقصود. والأجل مدة من الزمن جعلت ظرفاً لإيقاع فعل في نهايتها أو في أثنائها تارة. وضمير {أجلهن} للأزواج اللائي توفي عنهن أزواجهن، وعرف الأجل بالإضافة إلى ضميرهن دون غير الإضافة من طرق التعريف لما يؤذن به إضافة أجل من كونهن قضين ما عليهن، فلا تضايقوهن بالزيادة عليه. وأسند البلوغ إليهن وأضيف الأجل إليهن، تنبيهاً على أن مشقة هذا الأجل عليهن. ومعنى الجناح هنا: الحرج، لإزالة ما عسى أن يكون قد بقي في نفوس الناس من استفظاع تسرع النساء إلى التزوج بعد عدة الوفاة وقبل الحول، فإن أهل الزوج المتوفى قد يتحرجون من ذلك، فنفى الله هذا الحرج، وقال: {فيما فعلن في أنفسهن} تغليظاً لمن يتحرج من فعل غيره، كأنه يقول لو كانت المرأة ذات تعلق شديد بعهد زوجها المتوفى، لكان داعي زيادة تربصها من نفسها، فإذا لم يكن لها ذلك الداعي، فلماذا التحرج مما تفعله في نفسها. ثم بين الله ذلك وقيده بأن يكون من المعروف نهياً للمرأة أن تفعل ما ليس من المعروف شرعاً وعادة،كالإفراط في الحزن المنكر شرعاً وعادة، أو التظاهر بترك التزوج بعد زوجها، وتغليظاً للذين ينكرون على النساء تسرعهن للتزوج بعد العدة، أو بعد وضع الحمل، كما فعلت سبيعة أي فإن ذلك من المعروف. وقد دل مفهوم الشرط في قوله: {فإذا بلغن أجلهن} على أنهن في مدة الأجل منهيات عن أفعال في أنفسهن كالتزوج وما يتقدمه من الخطبة والتزين، فأما التزوج في العدة فقد اتفق المسلمون على منعه، وسيأتي تفصيل القول فيه عند قوله تعالى: { أية : ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء } تفسير : [البقرة: 235]. وأما ما عداه، فالخلاف مفروض في أمرين: في الإحداد، وفي ملازمة البيت. فأما الإحداد فهو مصدر أحدَّت المرأة إذا حزنت ولبست ثياب الحزن وتركت الزينة، ويقال حداد، والمراد به في الإسلام ترك المعتدة من الوفاة الزينة والطيب ومصبوغ الثياب إلاّ الأبيض، وترك الحلي، وهو واجب بالسنة ففي الصحيح « حديث : لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث إلاَّ على زوج أربعة أشهر وعشراً » تفسير : ولم يخالف في هذا إلاّ الحسن البصري، فجعل الإحداد ثلاثة أيام لا غير وهو ضعيف. والحكمة من الإحداد سد ذريعة كل ما يوسوس إلى الرجال من رؤية محاسن المرأة المعتدة، حتى يبتعدوا عن الرغبة في التعجل بما لا يليق، ولذلك اختلف العلماء في الإحداد على المطلقة، فقال مالك والشافعي وربيعة وعطاء: لا إحداد على مطلقة، أخذاً بصريح الحديث، وبأن المطلقة يرقبها مطلقها ويحول بينها وبين ما عسى أن تتساهل فيه، بخلاف المتوفى عنها كما قدمناه. وقال أبو حنيفة والثوري وسعيد بن المسيب وسليمان بن يسار، وابن سيرين: تحد المطلقة طلاق الثلاث كالمتوفى عنها، لأنهما جميعاً في عدة يحفظ فيها النسب، والزوجة الكتابية كالمسلمة في ذلك عند مالك، تجبر عليه وبه قال الشافعي، والليث، وأبو ثور، لاتحاد العلة، وقال أبو حنيفة وأشهب وابن نافع وابن كنانة من المالكية: لا إحداد عليها، وقوفاً عند قوله صلى الله عليه وسلم « حديث : لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر » تفسير : فوصفها بالإيمان، وهو متمسك ضئيل، لأن مورد الوصف ليس مورد التقييد، بل مورد التحريض على امتثال أمر الشريعة. وقد شدد النبي صلى الله عليه وسلم في أمر الإحداد، ففي «الموطأ»: حديث : أن امرأة جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: إن ابنتي توفي عنها زوجها وقد اشتكت عينيها، أفتكحلهما ــــ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لا لا" مرتين أو ثلاثاً إنما هي أربعة أشهر وعشراً وقد كانت إحداكن في الجاهلية ترمى بالبعرة على رأس الحول تفسير : .وقد أباح النبي صلى الله عليه وسلم لأم سلمة في مدة إحدادها على أبي سلمة أن تجعل الصبر في عينيها بالليل وتمسحه بالنهار، وبمثل ذلك أفتتْ أم سلمة امرأة حاداً اشتكت عينيها أن تكتحل بكحل الجلاء بالليل وتمسحه بالنهار، روي ذلك كله في «الموطأ»، قال مالك: «وإن كانت الضرورة فإن دين الله يسر»: ولذلك حملوا نهي النبي صلى الله عليه وسلم المرأة التي استفتته أمها أن تكتحل على أنه علم من المعتدة أنها أرادت الترخص، فقيضت أمها لتسأل لها. وأما ملازمة معتدة الوفاة بيت زوجها فليست مأخوذة من هذه الآية؛ لأن التربص تربص بالزمان لا يدل على ملازمة المكان، والظاهر عندي أن الجمهور أخذوا ذلك من قوله تعالى: { أية : والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً وصية لأزواجهم متاعاً إلى الحول غير إخراج } تفسير : [البقرة: 240] فإن ذلك الحكم لم يقصد به إلاّ حفظ المعتدة، فلما نسخ عند الجمهور بهذه الآية، كان النسخ وارداً على المدة وهي الحول، لا على بقية الحكم، على أن المعتدة من الوفاة أولى بالسكنى من معتدة الطلاق التي جاء فيها { أية : لا تخرجوهن من بيوتهن } تفسير : [الطلاق: 1] وجاء فيها { أية : أسكنوهن من حيث سكنتم } تفسير : [الطلاق: 6] وقال المفسرون والفقهاء: ثبت وجوب ملازمة البيت بالسنة، ففي «الموطأ» و«الصحاح» أن حديث : النبي صلى الله عليه وسلم قال للفُرَيْعة ابنة مالك بن سنان الخدري، أخت أبي سعيد الخدري لما توفي عنها زوجها: "امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله" تفسير : وهو حديث مشهور، وقضى به عثمان بن عفان وفي «الموطأ» أن عمر بن الخطاب كان يرد المتوفى عنهن أزواجهن من البيداء يمنعهن الحج، وبذلك قال ابن عمر، وبه أخذ جمهور فقهاء المدينة والحجاز والعراق والشام ومصر، ولم يخالف في ذلك إلاّ علي وابن عباس وعائشة وعطاء والحسن وجابر بن زيد وأبو حنيفة وداود الظاهري، وقد أخرجت عائشة رضي الله عنها أختها أم كلثوم حين توفي زوجها طلحة بن عبيد الله إلى مكة في عمرة، وكانت تفتي بالخروج، فأنكر كثير من الصحابة ذلك عليها، قال الزهري: فأخذ المترخصون بقول عائشة، وأخذ أهل العزم والورع بقول ابن عمر. واتفق الكل على أن المرأة المعتدة تخرج للضرورة، وتخرج نهاراً لحوائجها، من وقت انتشار الناس إلى وقت هدوئهم بعد العتمة، ولا تبيت إلاّ في المنزل، وشروط ذلك وأحكامه، ووجود المحل للزوج، أو في كرائه، وانتظار الورثة بيع المنزل إلى ما بعد العدة، وحكم ما لو ارتابت في الحمل فطالت العدة، مبسوطة في كتب الفقه والخلاف، فلا حاجة بنا إليها هنا. ومن القراءات الشاذة في هذه الآية ما ذكره في «الكشاف» أن علياً قرأ {والذين يتوفون} بفتح التحتية على أنه مضارع تَوفى، مبنياً للفاعل بمعنى مات بتأويل إنه توفى أجله أي استوفاه. وأنا، وإن كنت التزمت ألا أتعرض للقراءات الشاذة، فإنما ذكرت هذه القراءة لقصة طريفة فيها نكتة عربية، أشار إليها في «الكشاف» وفصلها السكاكي في «المفتاح»، وهي أن علياً كان يشيع جنازة، فقال له قائل من المتوفي؟ بلفظ اسم الفاعل (أي بكسر الفاء سائلاً عن المتوفى ــــ بفتح الفاء ــــ فلم يقل: فلان بل قال «الله» مخطئاً إياه، منبهاً له بذلك على أنه يحق أن يقول: من المتوفى بلفظ اسم المفعول، وما فعل ذلك إلاّ لأنه عرف من السائل أنه ما أورد لفظ المتوفي على الوجه الذي يكسوه جزالة وفخامة، وهو وجه القراءة المنسوبة إليه ــــ أي إلى علي ــــ (والذين يتوفون منكم) بلفظ بناء الفاعل على إرادة معنى: والذين يستوفون مدة أعمارهم. وفي «الكشاف» أن القصة وقعت مع أبي الأسود الدؤلي، وأن علياً لما بلغته أمر أبا الأسود أن يضع كتاباً في النحو، وقال: إن الحكاية تناقضها القراءة المنسوبة إلى علي، فجعل القراءة مسلمة وتردد في صحة الحكاية، وعن ابن جني: أن الحكاية رواها أبو عبد الرحمن السلمي عن علي، قال ابن جني «وهذا عندي مستقيم لأنه على حذف المفعول أي والذين يتوفون أعمارهم أو آجالهم، وحذف المفعول كثير في القرآن وفصيح الكلام». وقال التفتازاني «ليس المراد أن للمتوفي معنيين: أحدهما الإماتة وثانيهما الاستيفاء وأخذ الحق، بل معناه الاستيفاء وأخذ الحق لا غير، لكن عند الاستعمال قد يقدر مفعوله النفس فيكون الفاعل هو الله تعالى أو الملك، وهذا الاستعمال الشائع، وقد يقدر مدة العمر فيكون الفاعل هو الميت لأنه الذي استوفى مدة عمره، وهذا من المعاني الدقيقة التي لا يتنبه لها إلاّ البلغاء، فحين عرف عليٌّ من السائل عدم تنبهه لذلك لم يحمل كلامه عليه».
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً}. ظاهر هذه الآية الكريمة أن كل متوفي عنها تعتد بأربعة أشهر وعشر، ولكنه بين في موضع آخر أن محل ذلك ما لم تكن حاملاً، فإن كانت حاملاً كانت عدتها وضع حملها، وذلك في قوله: {أية : وَأُوْلاَتُ ٱلأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} تفسير : [الطلاق: 4] ويزيده إيضاحاً ما ثبت في الحديث المتفق عليه من إذن النَّبي صلى الله عليه وسلم لسبيعة الأسلمية في الزواج بوضع حملها بعد وفاة زوجها بأيام، وكون عدة الحامل المتوفى عنها بوضع حملها هو الحق، كما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم خلافاً لمن قال: تعتد بأقصى الأجلين. ويروى عن علي وابن عباس والعلم عند الله تعالى. تنبيهان الأول: هاتان الآيتان أعني قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً} [البقرة: 234] وقوله: {أية : وَأُوْلاَتُ ٱلأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} تفسير : [الطلاق: 4] من باب تعارض الأعمين من وجه، والمقرر في الأصول الترجيح بينهما، والراجح منهما يخصص به عموم المرجوح كما عقده في المراقي بقوله: شعر : وإن يك العموم من وجه ظهر فالحكم بالترجيح حتماً معتبر تفسير : وقد بينت السنة الصحيحة أن عموم: {وَأُوْلاَتُ ٱلأَحْمَالِ} [الطلاق: 4] مخصص لعموم {وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ} [البقرة: 234] الآية. مع أن جماعة من الأصوليين ذكروا أن الجموع المنكرة لا عموم لها، وعليه فلا عموم في آية البقرة. لأن قوله: {وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً} [البقرة: 234] جمع منكر فلا يعم بخلاف قوله: {أية : وَأُوْلاَتُ ٱلأَحْمَالِ} تفسير : [الطلاق: 4] فإنه مضاف إلى معرف بأل، والمضاف إلى المعرف بها من صيغ العموم، كما عقده في مراقي السعود بقوله عاطفاً على صيغ العموم: شعر : وما معرفاً بأل قد وجدا أو بإضافة إلى معرف إذا تحقق الخصوص قد نفى تفسير : الثاني: الضمير الرابط للجملة بالموصول محذوف. لدلالة المقام عليه أي: والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً يتربصن بعدهم أربعة أشهر وعشراً كقول العرب: السمن منوان بدرهم. أي: منوان منه بدرهم.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 234- والذين يُتَوفَّوْن منكم من الرجال ويتركون زوجات لهم غير حوامل فعليهن أن يمكثن بعدهم دون تعرض للزواج مدة أربعة أشهر هلالية وعشر ليال بأيامها استبراء للرحم وحداداً على الأزواج. فإذا انتهت هذه المدة فلا تبعة عليكم أيها الأولياء لو تركتموهن يأتين من شريف الأعمال التى يرضاها الشرع ليصلن بها إلى الزواج. فلا ينبغى أن تمنعوهن من ذلك ولا يجوز لهن أن يأتين من الأعمال ما ينكره الشرع ويأباه، فإن الله مطلع على سرائركم ويعلم أعمالكم فيحاسبكم على ما تعملون. 235- ولا إثم عليكم - أيها الرجال - فى مدة العدة إذا ألمحتم للمعتدات من وفاة بالزواج وأضمرتم ذلك فى قلوبكم، فإن الله يعلم أنكم لا تصبرون عن التحدث فى شأنهن لميل الرجال إلى النساء بالفطرة، ولهذا أباح لكم التلويح دون التصريح، فلا تعطوهن وعداً بالزواج إلا أن يكون ذلك إشارة لا نكر فيها ولا فحش، ولا تبرموا عقد الزواج حتى تنقضى العدة، وأيقنوا أن الله مطلع على ما تخفونه فى قلوبكم، فخافوا عقابه ولا تقدموا على ما نهاكم عنه، ولا تيأسوا من رحمته إن خالفتم أمره فإنه واسع المغفرة يقبل التوبة من عباده ويعفو عن السيئات، كما أنه حليم لا يعجل بالعقوبة لمن انتهك المحرمات.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: يتوفون: يوفيهم الله تعالى ما كتب لهم من العمر فيموتون. ويذرون أزواجاً: يتركون زوجات لهم. يتربصن بأنفسهن: ينتظرن حتى انقضاء عدتهن وهي أربعة أشهر وعشر ليال. بلغن أجلهن: بلغن انتهاء العدة. لا جناح عليكم: لا حرج عليكم أيها الأولياء فيما فعلن في أنفسهن من مس الطيب والتجمل والتعرض للخطاب. لا جناح عليكم: لا إثم عليكم في التعريض دون التصريح بالخطبة، كما لا إثم في إضمار الرغبة في النفس. حتى يبلغ الكتاب أجله: أي حتى تنتهي العدة. معنى الآيتين: ما زال السياق في بيان أحكام الطلاق والعدد والنفقات ففي هذه الآية [234] أن على من مات عليها زوجها أن تنتظر أربعة أشهر وعشر ليال إن كانت حرة أو نصف المدة إن كانت أمة فلا تتجمل ولا تمس طيباً ولا تتعرض للخطاب بحال تنقضي عدتها المذكورة في الآية إلا أن تكون حاملا فإن عدتها تنقضي بوضع حملها لقوله تعالى من سورة الطلاق: {أية : وَأُوْلاَتُ ٱلأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} تفسير : [الآية: 4] فإذا بلغت أجلها أي انتهت المدة التي هي محدة فيها فلا جناح على ذوي زوجها المتوفى ولا على ذويها هي فيما تفعل بنفسها من ترك الإِحداد والتعرض للخطاب للتزوج هذا معنى قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِيۤ أَنْفُسِهِنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ} أي بما هو مباح لهن ووعظهم في ختام الآية بقوله {وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} فاحذروه فلا تعملون إلا ما أذن فيه لكم. أما الآية الثانية [235] فقد تضمنت تحريم خطبة المرأة المعتدة من طلاق أو وفاة فلا يحل خطبتها لما في ذلك من الضرر؟ إذ قد تحمل هذه الخطبة من رجل مرغوب فيه لماله أو دينه أو نسبه أن تدعى المرأة انقضاء عدتها وهي لم تنقض، وقد تفوت على زوجها المطلق لها فرصة المراجعة وهذا كله ضرر محرم. كما تضمنت الآية في صدرها رفع الحرج أي الإِثم في التعريض بالخطبة دون اللفظ الصريح المحرم فقال تعالى: {وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ} أيها المسلمون فيما عرضتم من خطبة النساء المعتدات نحو قوله: إني راغب في الزواج: أو إذا انقضت عدتك تشاورنيني إن أردت الزواج. كما تضمنت الكشف عن نفسية الرجل إذ قال تعالى: {عَلِمَ ٱللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ} مبدين رغبتكم في الزواج منهن فرخص لكم في التعريض دون التصريح، ولكن لا تواعدوهن سراً هذا اللفظ هو الدال على تحريم خطبة المعتدة من وفاة أو من طلاق بائن، أما الطلاق الرجعي فلا يصح الخطبة فيه تعريضاً ولا تصريحاً لأنها في حكم الزوجة، وقوله إلا أن تقولوا قولا معروفا هو الإِذن بالتعريض. كما تضمنت هذه الآية حرمة عقد النكاح على المعتدة حتى تنتهي عدتها إذ قال تعالى: {وَلاَ تَعْزِمُوۤاْ عُقْدَةَ ٱلنِّكَاحِ حَتَّىٰ يَبْلُغَ ٱلْكِتَابُ أَجَلَهُ}، والمراد من الكتاب المدة التي كتب الله على المعتدة أن تتربص فيها. وختمت الآية بوعظ الله تعالى المؤمنين حيث أمرهم أن يعلموا أن الله يعلم ما في أنفسهم ولا يخفى عليه شيء من أعمالهم وتصرفاتهم فليحذروه غاية الحذر فلا يخالفوه في أمره ولا في نهيه. كما أعلمهم أنه تعالى غفور لمن تاب منهم بعد الذنب حليم عليهم لا يعاجلهم بالعقوبة ليتمكنوا من التوبة. هداية الآيتين من هداية الآيتين: 1- بيان عدة الوفاة وهي أربعة أشهر وعشر ليال، وبينت السنّة أن عدة الأمة على النصف. 2- وجوب الإِحداد على المتوفى عنها زوجها وهو عدم التزيّن ومس الطيب وعدم التعرض للخطاب وملازمة المنزل الذي توفى عنها زوجها وهي فيه فلا تخرج منه إلا لضرورة قصوى. 3- حرمة خطبة المعتدة، وجواز التعريض لها بلفظ غير صريح. 4- حرمة عقد النكاح على معتدة قبل انقضاء عدتها وهذا من باب أولى مادام الخطبة محرمة ومن عقد على امرأة قبل انقضاء عدتها يفرق بينهما ولا تحل له بعد عقوبة لهما. 5- وجوب مراقبة الله تعالى في السر والعلن واتقاء الأسباب المفضية بالعبد إلى فعل محرم.
القطان
تفسير : والذين يُتوفون منكم ايها الرجال ويتركون زوجات لهم، فعلى الزوجات ان يمكثن بعدهم دون تعرض للزواج مدة اربعة اشهر وعشر ليال قمرية. وذلك حتى يَتبين ان هذه غير حامل. وكانت المرأة في الجاهلية تلقى الكثير من العنت من الأهل والناس بعد وفاة زوجها. كانت اذا ترمّلت دخلت مكاناً رديئاً ولبست شر ثيابها ولم تمسّ طيباً ولا زينة طيلة سنة. وبعد ذلك تخرج، وتقوم بعمل بعض الشعائر السخيفة فتأخذ بعرة وتقذفها، وتركب دابة، وأشياء أخرى مثل هذه السخافات. فلما جاء الاسلام خفف عنها وجعل المدة اربعة أشهر وعشرة أيام. فاذا انتهت المدة فلا يجوز لأحد ان يمنعها ان تمارس عملها، وتتزوج من تشاء. {وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} اي محيط بدقائق اعمالكم. فاذا جعلتم نساءكم تسير على نهج الشرع الشريف صلحت أحوالكم وسعدتم في دنياكم وأحسن الله جزاءكم في أُخراكم.
د. أسعد حومد
تفسير : {أَزْوَاجاً} (234) - يَأمُرُ اللهُ تَعَالَى النِّسَاءَ اللَّواتِي يُتَوفَّى عَنْهُنَّ أزْوَاجُهُنَّ بِأنْ يَعْتَدِدْنَ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ وَعَشْرَ ليَالٍ (وَالحُكْمُ يَشْمَلُ الزَّوْجَاتِ المَدْخُولَ بِهِنَّ وَغَيْرَ المَدْخُولِ بِهِنَّ)، وَلا يَشُذُّ عَنْ هَذِهِ الحَالَةِ إلاّ المُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُها وَهِيَ حَامِلٌ، فَإنَّ عِدَّتَهَا تَكُونُ بِوَضْعِ حَمْلِها. فَإذا انْقَضَتْ عِدَّتُهُنَّ (بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ)، فَلاَ جُنَاحَ عَلَيهِنَّ وَلا حَرَجَ في الزّينَةِ وَالتَّصَنُّعِ، وَالتَّعرُّضِ للتَّزْويجِ، وَلا فِي أنْ يَأتِينَ شَريفَ الأعْمَالِ التي يَرْضَاهَا الشَّرْعُ، لِيَصِلْن بِها إلى الزَّواجِ. واللهُ خَبيرٌ بِمَا يَفْعَلُهُ العِبَادُ. (وَخِلالَ مُدَّةِ العِدَّةِ لاَ يَحِلُّ للزَّوْجَةِ أنْ تَتَعَرَّضَ لِلخِطْبَةِ وَلا للزَّوَاجِ، وَلا للخُرُوجِ مِنَ المَنْزِلِ إِلاَّ لعُذْرٍ شَرْعِيٍّ).
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : والعدة - كما عرفنا - هي الفترة الزمنية التي شرعها الله بعد زواج انتهى بطلاق أو بوفاة الزوج. والعدة إما أن تكون بعد طلاق، وإما بعد وفاة زوج، فإن كانت العدة بعد طلاق فمدتها ثلاثة قروء، والقرء - كما عرفنا - هو الحيضة أو الطهر، فإن كانت المطلقة صغيرة لم تحض بعد أو كانت كبيرة تعدت سن الحيض فالعدة تنقلب من القروء إلى الأشهر وتصبح "ثلاثة أشهر". وعرفنا أن من حق الزوج أن يراجع زوجته بينه وبين نفسه دون تدخل الزوجة أو ولي أمرها، له ذلك في أثناء فترة العدة في الطلاق الرجعي، فإن انتهت عدتها فقد سقط حقه في مراجعة الزوجة بنفسه، وله أن يراجعها، ولكن بمهر وعقد جديدين ما دام قد بقى له حق أي لم يستنفد مرات الطلاق. وقد قلنا: إن تعدت الطلقات اثنتين وأصبحت هناك طلقة ثالثة فلابد من زوج آخر يتزوجها بالطريقة الطبيعية لا بقصد أن يحللها للزوج الأول. وأما عدة المتوفي عنها زوجها فقد عرفنا أن القرآن ينص على أنها تتربص بنفسها أربعة أشهر وعشراً، هذا إن لم تكن حاملاً، فإن كانت حاملاً فعدتها أبعد الأجلين، فإن كان الأجل الأبعد هو أربعة أشهر وعشراً فتلك عدتها، وإن كان الأجل الأبعد هو الحمل فعدتها أن ينتهي الحمل. لكن أليس من الجائز أن يموت زوجها وهي في الشهر التاسع من الحمل فتلد قبل أن يدفن؟ وهل يعني ذلك أن عدتها انتهت؟ لا، إنها تنتهي بأبعد الأجلين وهو في هذه الحالة مرور أربعة أشهر وعشراً، وإن قال بعض الفقهاء: إن عدة الحامل بوضع الحمل. لكن إذا لم يكن زوجها متوفَّى عنها فعدتها أن تضع حملها، وإن شاءت أن تتزوج بعد ذلك فلها ذلك ولو بعد لحظة. وبعض الناس يفسرون الحكمة من جعل عدة المتوفى عنها زوجة أربعة أشهر وعشراً، فيقولون: لأنها إن كانت حاملاً بذكر فسيظهر حملها عندما يتحرك بعد ثلاثة أشهر، وإن كانت حاملاً بأنثى فستتحرك بعد أربعة أشهر ونعطيها مهلة عشر ليالٍ. ونقول لهم: جزاكم الله خيراً على تفسيركم، لكن العدة ليست لاستبراء الرحم؛ لأنها لو كانت لاستبراء الرحم لانتهت عدة المرأة بمجرد ولادتها. ولو كان الأمر للتأكد من وجود حمل أو عدمه، لكانت عدتها ثلاث حيضات إن كانت من ذوات الحيض، وإن كانت من غير ذوات الحيض لصغر أو لكبر سن لكانت عدتها ثلاثة أشهر. لكن الله اختصها بأربعة أشهر وعشر وفاءً لحق زوجها عليها وإكراماً لحياتهما الزوجية. إذن فالله عز وجل جعل المتوفى عنها زوجها تتربص أقصى مدة يمكن أن تصبر عليها المرأة. فالمرأة ساعة تكون متوفى عنها زوجها لا تخرج من بيتها ولا تتزين ولا تلقى أحداً وفاءً للزوج، فإذا انتهت عدتها أي مضت عليها الأربعة الأشهر والعشرة، {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِيۤ أَنْفُسِهِنَّ} [البقرة: 234] وهو يعني أن تتزين في بيتها وتخرج دون إبداء زينة وأن يتقدم لها من يريد خطبتها. وقوله تعالى: {أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً} [البقرة: 234] والمقصود بهذه المدة أربعة أشهر وعشر ليال. وهنا لفتة تشريعية إيمانية تدل على استطراق كل حكم شرعي في جميع المكلفين وإن لم يكن الحكم ماساً لهم؛ فالمتوفى عنها زوجها تربصت أربعة أشهر وعشراً وبلغتها في مدة العدة، وكان من حكم الله عليها ألا تتزين وألا تكتحل وألا تخرج من بيتها وفاءً لحق زوجها فإذا بلغت الأجل وانتهى قال: {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِيۤ أَنْفُسِهِنَّ} [البقرة: 234]، ولم يقل: فلا جناح عليهن. لقد وجه الخطاب هنا للرجال؛ لأن كل مؤمن له ولاية على كل مؤمنة، فإذا رأى في سلوكها أو أسلوب عنايتها بنفسها ما ينافي العدة فله أن يتدخل. مثلاً إذا رآها تتزين قال لها أو أرسل إليها من يقول لها: لماذا تتزينين؟ إن قول الله: {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ} [البقرة: 234] يجعل للرجال قوامة على المتوفى عنها زوجها، فلا يقولون: لا دخل لنا؛ لأن الحكم الإيماني حكم مستطرق في كل مؤمن وعلى كل مؤمن. فالحق سبحانه وتعالى يقول: {أية : وَتَوَاصَوْاْ بِٱلْحَقِّ وَتَوَاصَوْاْ بِٱلصَّبْرِ}تفسير : [العصر: 3]. إن قوله الحق: "تواصوا" لا يعني أن قوماً خُصوا بأنهم يُوصون غيرهم وقوماً آخرين يُوصيهم غيرهُم، بل كل واحد منا موصٍ في وقت؛ وموصىً من غيره في وقت آخر، هذا هو معنى "وتواصوا". فإذا رأيت في غيرك ضعفاً في أي ناحية من نواحي أحكام الله، فلك أن توصيه. وكذلك إن رأى غيرُك فيك ضعفاً في أي ناحية من النواحي فله أن يوصيك، وعندما نتواصى جميعاً لا يبقى لمؤمن بيننا خطأ ظاهر. إذن فالآية لا تَخُص بالوصاية جماعة دون أخرى إنما الكل يتواصون، لأن الأغيار البشرية تتناوب الناس أجمعين. فأنت في فترة ضعفي رقيب علي، فتوصيني، وأنا في فترة ضعفك رقيب عليك، فأوصيك. ولذلك جاء قول الحق: {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ} [البقرة: 234] إنه سبحانه لم يوجه الخطاب للنساء، ولكن خاطب به المؤمنين ولم يخص بالخطاب أولياء أمور النساء فحسب وإنما ترك الحكم للجميع حتى لا يقول أحد: لا علاقة لي بالمرأة التي توفى عنها زوجها ولتفعل ما تشاء. إن لها أن تتزين بالمتعارف عليه إسلامياً في الزينة، ولها أن تتجمل في حدود ما أذن الله لها فيه. ويختتم الحق هذه الآية بقوله: {وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} [البقرة: 234] أي والله أعلم بما في نفسها وبما في نيتها. وهب أنها فعلت أي فعل على غير مرأى من أحد فلا تعتقد أن المجتمع وإن لم يشهد منها ذلك أن المسألة انتهت، لا، إنّ الله عليم بما تفعل وإن لم يطلع عليها أحد من الناس. إن الحق سبحانه وتعالى قد حمى بكل التشريعات السابقة حق الزوج حتى تنتهي العدة، وحق المتوفى عنها زوجها في أثناء العدة، وحمى أيضاً بكل التشريعات كرامة المرأة. وجعل المرأة حرماً لا يقترب منه أحد يخدش حجابها، إنّ عليها عدة محسوبة في هذا الوقت لرجل آخر، فلا يحق لأحد أن يقترب منها. لماذا؟ لأن المرأة خاصة إذا كانت مطلقة قد تتملكها رغبة في أن تثأر لنفسها ولكرامتها، وربما تعجلت التزوج، وربما كانت مسائل الافتراق أو الخلاف ناشئة عن اندساس رغبة راغب فيها، وبمجرد أن يتم طلاقها وتعيش فترة العدة فقد يحوم حولها الراغبون فيها، أو تستشرف هي من ناحيتها من تراه صالحاً كزوج لها. ولذلك يفرض الحق سياجاً من الزمن ويجعل العدة كمنطقة حرام ليحمي المرأة حماية موضوعية لا شكلية. التشريع - لأنه من إله رحيم - لا يهدر عواطف النفس البشرية: لا من ناحية الذي يرغب في أن يتزوج، ولا من ناحية المرأة التي تستشرف أن تتزوج، فيعالج هذه المسألة بدقة وبحزم وبحسم معاً - جل شأنه -: {وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ ٱلنِّسَآءِ ...}.
الصابوني
تفسير : [18] عدة الوفاة التحليل اللفظي {يُتَوَفَّوْنَ}: أي يموتون ويُقبضون قال تعالى: {أية : ٱللَّهُ يَتَوَفَّى ٱلأَنفُسَ حِينَ مَوْتِـهَا} تفسير : [الزمر: 42] وأصل التوفي: أخذ الشيء وافياً كاملاً، فمن مات فقد استوفى عمره ورزقه. قال أبو السعود: "أي تقبض أرواحهم بالموت، فإن التوفي هو القبض يقال: توفيت مالي أي قبضته". وقال الإمام الفخر: "يقال: توفىّ فلان، وتُفي إذا مات، فمن قال: تُوفّى كان معناه قُبض وأخذ، ومن قال: تَوفّى كان معناه توفى أجله واستوفى عمره". {وَيَذَرُونَ}: أي يتركون، وهذا الفعل لا يستعمل منه الماضي ولا المصدر، ومثله (يدع) ليس له ماضٍ ولا مصدر، يقال: فلان يَدع كذا ويَذر، ويأتي منهما الأمر يقال: دعْهُ وذرْه قال تعالى: {أية : ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً} تفسير : [المدثر: 11]. {أَزْوَاجاً}: الأزواج هٰهنا: النساء، والعرب تسمي الرجل زوجاً وامرأته زوجاً له، وربما ألحقوا بها الهاء فقالوا: زوجة وهو خلاف الأفصح. {يَتَرَبَّصْنَ}: التربص الانتظار ومنه قوله تعالى: {أية : فَتَرَبَّصُواْ حَتَّىٰ يَأْتِيَ ٱللَّهُ بِأَمْرِهِ }تفسير : [التوبة: 24] وقد تقدم. {بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ}: الأجل: المدة المضروبة للشيء، ويقال للمدة المضروبة لحياة الإنسان: أجل قال تعالى: {أية : فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ...} تفسير : [الأعراف: 34] والمراد هنا: انقضاء العدة. {خَبِيرٌ}: الخبير العالم بالأمور خفيّها وجليّها الذي لا تخفى عليه خافية. المعنى الإجمالي يقول الله جل ثناؤه ما معناه: الذين يموتون من رجالكم، ويتركون أزواجهم بعد الموت، على هؤلاء الزوجات أن ينتظرن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرة أيام، يمكثن في العدة حداداً على أزواجهن، فلا يتعرضن للخُطَّاب، ولا يتزينن ولا يتطيّبن، ولا يخرجن من بيوت أزواجهن ما دُمْن في العدة فإذا انقضت عدتهن فلا جناح ولا إثم عليكم أيها الأولياء في تركهنّ أن يتزوجن، ويفعلن ما أباحه لهن الشرع من الزينة والتطيب، والله عليم بأعمالكم. خبير بأفعالكم، لا تخفى عليه خافية فاتقوه وأطيعوه في ما أمركم به، ومنه الحداد على الأزواج. وجوه الإعراب قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ} في إعرابه وجهان: أحدهما أن {ٱلَّذِينَ} مبتدأ، و {يُتَوَفَّوْنَ} مضارع مبني للمجهول، والخبر محذوف تقديره: فيما يتلى عليكم حكم الذين يتوفون. والثاني: أن المبتدأ محذوف و(الذين) قام مقامه تقديره: وأزواج الذين يتوفون منكم، ودل على المحذوف قوله: {وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً} والخبر {يَتَرَبَّصْنَ}. قال الطبري: "فإن قال قائل: فأين الخبر عن الذين يتوفون؟ قيل: متروك لأنه لم يقصد الخبر عنهم، وإنما قصد الخبر عن الواجب على المعتدات في وفاة أزواجهن، فصرف الخبر عنهم إلى الخبر عن أزواجهم، وهو نظير قول الشاعر: شعر : لعلّي إنْ مالتْ بي الريحُ ميلة على ابن أبي زبّان أن يتندما تفسير : لطائف التفسير اللطيفة الأولى: الفصيح المستعمل في التعبير عن الموت أن يقال: تُوفي فلان، بالبناء للمفعول، والتعبير باسم الفاعل يعده البعض لحناً، لأنه مقبوضٌ لا قابض، وقد روي عن أبي الأسود الدؤلي أنه كان خلف جنازة، فقال له رجل: من المُتَوفّي؟ فقال: "اللهُ تعالى" وكان هذا من أسباب وضع أحكام النحو. اللطيفة الثانية: الزوج يطلق على الذكر والأنثى، وهو في الأصل العدد المكّون من اثنين، وسمي كل من الرجل والمرأة (زوجاً) لأن حقيقة الزوج مكونة من شيئين اتحدا فصارا شيئاً واحداً، ولهذا وضع لهما لفظ واحد، فهما في الظاهر شيئان، وفي الباطن شيء واحد، ومقتضى الزوجية أن يتحدا حتى يكون كل منهما كأنه عين الآخر. اللطيفة الثالثة: روى ابن جرير الطبري عن أم سلمة رضي الله عنها، أن امرأة توفي عنها زوجها، واشتكت عينها، فأتت النبي صلى الله عليه وسلم تستفتيه في الكحل فقال لها: "حديث : لقد كانت إحداكنّ تكون في شر أحلاسها، فتمكث في بيتها في بيتها حولاً إذا توفي زوجها، فيمر عليها الكلب فترميه بالبعرة، أفلا أربعة أشهر وعشراً؟! ". تفسير : اللطيفة الرابعة: الحكمة في تحديد عدة الوفاة بأربعة أشهر وعشرة أيام، هي أن الغاية الأصلية معرفة براءة الرحم، والجنين يتكون في بطن أمه أربعين يوماً نطفة، ثم أربعين يوماً علقه، ثم أربعين يوماً مضغة، كما دل على ذلك الحديث الصريح الصحيح، فهذه مائة وعشرون يوماً، ثم تنفخ فيه الروح بعد هذه المدة، فزيدت العشر لذلك، وقد سئل أبو العالية: لم ضمت العشر إلى الأربعة أشهر؟ فقال: لأن الروح فيها تنفخ. الأحكام الشرعية الحكم الأول: هل الآية ناسخة لآية الاعتداد بالحول؟ ذهب جمهور العلماء إلى أن هذه الآية ناسخة لقوله عز وجل: {أية : وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً وَصِيَّةً لأَزْوَاجِهِمْ مَّتَاعاً إِلَى ٱلْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ} تفسير : [البقرة: 240] فقد كانت العدة حولاً كاملاً، ثم نسخ ذلك بأربعة أشهر وعشر، وهذه الآية وإن كانت متقدمة في (التلاوة) على آية الاعتداد بالحول، إلاّ أنها متأخرة في (النزول) فإن ترتيب المصحف ليس على ترتيب النزول بل هو توقيفي فتكون ناسخة، وذهب بعضهم إلى أنه ليس في الآية نسخ، وإنما هو نقصان من الحول كصلاة المسافر لما نقصت من أربع إلى اثنين لم تكن نسخاً وإنما كانت تخفيفاً. قال القرطبي: "وهذا غلطٌ بيّن، لأنه إذا كان حكمها أن تعتد سنة، ثم أزيل هذا ولزمتها العدة أربعة أشهر وعشراً فهذا هو النسخ، وليست صلاة المسافر من هذا في شيء". الحكم الثاني: ما هي عدة الحامل المتوفي عنها زوجها؟ عدة الحامل المتوفي عنها زوجها (وضع الحمل) لقوله تعالى: {أية : وَأُوْلاَتُ ٱلأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} تفسير : [الطلاق: 4] فالآية هذه قد خصّصت العموم الوارد في قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ...} وهذا قول جمهور العلماء. وروي عن علي وابن عباس رضي الله عنهما أن الحامل تعتدّ بأبعد الأجلين، بمعنى أنها إذا كانت حاملاً فوضعت الحمل ولم تنته مدة العدة (أربعة أشهر وعشر) تبقى معتدة حتى تنتهي المدة، وإذا انتهت المدة ولم تضع الحمل تنتظر حتى وضع الحمل، فإذا قعدت أبعد الأجلين فقد عملت بمقتضى الآيتين، وإن اعتدت بوضع الحمل فقد تركت العمل بآية عدة الوفاة، والجمع أولى من الترجيح. قال القرطبي: وهذا نظرٌ حسن لولا ما يعكر عليه من حديث (سبيعة الأسلمية) وهو في الصحيح. حجة الجمهور: استدل الجمهور على أن عدة الحامل وضع الحمل بالكتاب والسنة: أ - أما الكتاب فقوله تعالى: {أية : وَأُوْلاَتُ ٱلأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} تفسير : [الطلاق: 4]، فهذه عامة في المطلّقة والمتوفى عنها زوجها، وقد جعل الله العدة فيها بوضع الحمل. ب - وأما السنة فما روي حديث : عن (سُبيعة الأسلمية) أنها كانت تحت (سعد بن خولة) وهو ممن شهد بدراً، فتوفي عنها في حجة الوداع وهي حامل، فلم تنْشبْ (أي تلبث) أن وضعت حملها بعد وفاته، فلما تعلّت من نفاسها (أي طهرت من دم النفاس) تجمّلت للخُطّاب، فدخل عليها أبو السنابل بن بعكك فقال لها: ما لي أراك متجملة، لعلّك ترجِّينَ النكاح؟ والله ما أنت بناكح حتى يمرّ عليك أربعة أشهر وعشر. قالت سبيعة: فلما قال لي ذلك جمعتُ عليّ ثيابي حين أمسيتُ، فأتيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألته عن ذلك فأفتاني بأني قد حللْتُ حين وضعت حملي، وأمرني بالتزوج إن بدا لي ". تفسير : قال ابن عبد البر: "وقد روي أن ابن عباس رجع إلى حديث (سُبيْعة) لمّا احتُج به عليه، قال: ويصحّح ذلك أن أصحابه أفتوا بحديث سُبيْعة كما هو قول أهل العلم قاطبة". وقال القرطبي: "فبيّن الحديثُ أن قوله تعالى: {أية : وَأُوْلاَتُ ٱلأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} تفسير : [الطلاق: 4] محمول على عمومه في المطلقات، والمتوفّى عنهن أزواجهن، وأن عدة الوفاة مختصة بالحائل من الصنْفين، ويعتضد هذا بقول ابن مسعود: "من شاء باهلته، إن آية النساء القصرى نزلت بعد آية عدة الوفاة". الحكم الثالث: ما هو الإحداد، وكم تحد المرأة على زوجها؟ أوجبت الشريعة الغراء أن تحد المرأة على زوجها المتوفى مدة العدة وهي (أربعة أشهر وعشر) ويجوز لها أن تحد على قريبها الميت ثلاثة أيام، ويحرم عليها أن تحد عليه فوق ذلك، لما روي في "الصحيحين" عن زينب بنت أم سلمة قالت: دخلت على أم حبيبة حين توفي أبو سفيان (أبوها) فدعت أم حبيبة بطيبٍ فيه صفرة خلوق وغيره فدهنت منه جارية ثم مسّت بعارضيها، ثم قالت: والله ما لي بالطيب من حاجة غير أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول على المنبر:حديث : لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحدّ على ميت فوق ثلاث إلاّ على زوج أربعة أشهر وعشراً ". تفسير : معنى الإحداد: والإحداد هو ترك الزينة، والتطيب، والخضاب، والتعرض لأنظار الخاطبين، وهو إنما وجب على الزوجة وفاءً للزوج، ومراعاة لحقه العظيم عليها، فإن الرابطة الزوجية أقدس رباط، فلا يصح شرعاً ولا أدباً أن تنسى ذلك الجميل، وقد كانت المرأة تحد على زوجها حولاً كاملاً تفجعاً وحزناً على زوجها، فنسخ الله ذلك وجعله أربعة أشهر وعشراً. روى البخاري ومسلم حديث : عن أم سلمة أن امرأة قالت يا رسول الله: "إنّ ابنتي تُوفّي عنها زوجها، وقد اشتكت عينها أفنكحلها؟ فقال: لا، مرتين أو ثلاثاً كل ذلك يقول: لا! ثم قال: إنما هي أربعة أشهر، وقد كانت إحداكنّ في الجاهلية تمكث سنة"تفسير : . قالت زينب بنت أم سلمة: كانت المرأة إذا توفي عنها زوجها دخلت حفشاً، ولبست شر ثيابها، ولم تمسّ طيباً ولا شيئاً حتى تمر بها سنة، ثم تخرج فتعطى بعرة فترمي بها، ثم تؤتى بدابة حمارٍ أو شاة فتفتضّ بها، فقلما تفتضّ بشيء إلا مات. وقد استنبط بعض العلماء وجوب الإحداد من قوله تعالى: {فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِيۤ أَنْفُسِهِنَّ} أي من زينةٍ وتطيب، فيفيد تحريم ذلك في العدة وهو استنباط حسن دقيق، وقال بعضهم: الإحداد يكون بالتربص عن الأزواج والنكاح خاصة وهو ضعيف. قال ابن كثير: "والإحداد هو عبارة عن ترك الزينة من الطيب، ولبس ما يدعوها إلى الأزواج من ثياب وحلي وغير ذلك، وهو واجب في عدة الوفاة قولاً واحداً، ولا يجب في عدة الرجعية قولاً واحداً، وهل يجب في عدة البائن فيه قولان، ويجب الإحداد على جميع الزوجات المتوفى عنهن أزواجهن، سواء في ذلك الصغيرة، والآيسة، والحرة، والأمة، والمسلمة، والكافرة لعموم الآية". الحكم الرابع: لماذا شرعت العدة على المرأة؟ ذكر العلماء لحكمة مشروعية العدة وجوهاً عديدة نجملها فيما يلي: أ - معرفة براءة الرحم حتى لا تختلط الأنساب بعضها ببعض. ب - للتعبد امتثالاً لأمر الله عز وجل حيث أمر بها النساء المؤمنات. جـ - إظهار الحزن والتفجع على الزوج بعد الوفاة اعترافاً بالفضل والجميل. د - تهيئة فرصة للزوجين (في الطلاق) لإعادة الحياة الزوجية عن طريق المراجعة. هـ - التنويه بفخامة أمر النكاح حيث لا يتم إلا بانتظار طويل، ولولا ذلك لأصبح بمنزلة لعب الصبيان، يتم ثم ينفك في الساعة. خاتمة البحث: حكمة التشريع فرض الله العدة على المسلمة، حفاظاً على كرامة الأسرة، ورعاية لها من التحلل والتفكك واختلاط الأنساب، وإحداداً على الزوج بإظهار التفجع والحزن عليه بعد الوفاة، احتراماً للرابطة المقدسة (رابطة الزواج) واعترافاً بالفضل والجميل لمن كان شريكاً في الحياة، وقد كانت العدة في الجاهلية حولاً كاملاً، وكانت المرأة تحد على زوجها شرّ حداد وأقبحه، فتلبس شرّ ملابسها، وتسكن شر الغُرف وهو (الحفش) وتترك الزينة والتطيب والطهارة، فلا تمسّ ماءً، ولا تقلّم ظفراً، ولا تزيل شعراً، ولا تبدو للناس في مجتمعهم، فإذا انتهى العام خرجت بأقبح منظر، وأنتن رائحة، فتنتظر مرور كلب لترمي عليه بعرة احتقاراً لهذه المدة التي قضتها، وتعظيماً لحق زوجها عليها. فلما جاء الإسلام أصلح هذه الحال، فجعل الحداد رمز (طهارة) لا رمز (قذارة)، وجعل العدة على نحو الثلث مما كانت عليه، ولم يحرّم إلا الزينة والطيب والتعرض لأنظار الخاطبين من مريدي الزواج، دون النظافة والطهارة فإنهما شعار المسلم، وأباح له الجلوس في كل مكان من البيت، كما أباح لها الاجتماع مع النساء والمحارم من الرجال. ونساء المسلمين اليوم لا يسرن على هدي الإسلام في الحداد، فمنهن من تغالي في الحداد، وتغرق في النوح والندب، والخروج على المألوف من العادات، في اللباس والطعام والشراب، ولا يخصصن الزوج بما خصه به الشرع، بل ربما حددن على آبائهن أو أولادهن السنة والسنتين، وربما تركن الحداد على الزوج بعد الأربعين. فالخير كل خير في إصلاح هذه العادات الرديئة في الحداد، إذ لا فائدة فيها إلاّ إفناء المال في تغيير اللباس والأثاث والرياش، وفساد آداب المعاشرة، ولا سبيل إلاّ بالعودة لأحكام الشرع بالحداد ثلاثة أيام على القريب، وأربعة أشهر وعشراً على الزوج، وجعل الحداد مقصوراً على ترك الزينة والطيب والخروج من المنزل.
الأندلسي
تفسير : {وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ} لما تقدم ذكر عدة الحيض واتصل الكلام إلى ذكر الرضاع وكان فيه وعلى الوارث مثل ذلك ذكر عدة الوفاة. وقرىء يتوفون مبنياً للفاعل ومبنياً للمفعول أي يتوفاهم الله أو يستوفون آجالهم، والذين: مبتدأ، وخبره مختلف في تقديره واختار ان يكون يتربصن وحذف ما يحصل به الربط وهو مجرور أي يتربصن لوفاتهم ودل عليه يتوفون. "وأزواجاً" ظاهر في كل زوجة توفي عنها بعلها من أمة كتابية وغيرهما. والتربص هنا: الصبر على التزويج. وإذا كان المعدود مذكراً وحذف فالأكثر ارتباط التاء ويجوز حذفها. ومنه قول العرب: ضمناً من الشهر خمساً، وما ورد في الحديث: ثم اتبعه بست من شوال، يريد خمسة وستة وحسن ذلك في قوله: وعشراً لأنه كالفاصلة ومقطع الجملة. وقال الزمخشري: وقيل عشراً ذهاباً الى الليالي والأيام داخلة معها ولا تراهم قط يستعملون التذكير فيه ذاهبين الى الأيام تقول: صمت عشراً ولو ذكرت خرجت من كلامهم ومن البين فيه أن لبثتم إلا عشراً ان لبثتم إلا يوماً. "انتهى". ولا يحتاج إلى تأويل عشراً بانها ليال لأجل حذف التاء ولا إلى تأويلها بعدد كما ذهب إليه المبرد بل الذي نقل أصحابنا أنه إذا كان المعدود مذكراً وحذفته فلك فيه وجهان أحدهما وهو الأصل أن تبقى العدد على ما كان عليه ولم تحذف المعدود فتقول: صمت خمسة، تريد خمسة أيام. قالوا: وهو الفصيح. قالوا: ويجوز ان تحذف منه كله تاء التأنيث، وحكى الكسائي عن أبي الجراح: صمنا من الشهر خمساً، ومعلوم ان الذي يصام من الشهر إنما هي الأيام واليوم مذكر وكذلك قوله: شعر : وإلا فسيرى مثل ما سار راكب تيمم خمساً ليس في سيره أمَم تفسير : يريد خمسة أيام. وعلى ذلك ما جاء في الحديث ثم اتبعه بست من شوال وإذا تقرر هذا فجاء قوله: وعشراً على أحد الجائزين وحسّنه هنا أنه مقطع كلامه، فهو مشبه بالفواصل فقوله: ولو ذكرت لخرجت كما حسن قوله: {أية : إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ عَشْراً} تفسير : [طه: 103] كونه فاصلة، فلذلك اختير مجيء هذا على أحد الجائزين. من كلامهم ليس كما ذكر بل لو ذكر لكان أتى على الكثير الذي نصوا على أنه الفصيح إذ حاله عندهم محذوفاً كحالة مثبتاً في الفصيح وجوزوا الذي ذكره الزمخشري على أن غيره أكثر منه. وقوله: ولا تراهم قط يستعملون التذكير فيه، ليس كما ذكر بل استعمال التذكير هو الكثير الفصيح كما ذكرنا. وقوله: ومن البين فيه إن لبثتم إلا عشراً قد بينا مجيء هذا على الجائز فيه وإن محسن ذلك إنما هو كونه فاصلة، وقوله: {أية : إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ يَوْماً} تفسير : [طه: 104] فائدة ذكر الزمخشري هذا أنه على زعمه أراد الليالي والأيام داخلة معها، فأتى بقوله: إلا يوماً، للدلالة على ذلك. وهذا يدل عندنا على أن قوله: عشراً، إنما يريد بها الأيام لأنهم اختلفوا في مدة اللبث، فقال قوم: عشر، وقال أمثلهم طريقة يوم. فقوله: إلا يوماً مقابل لقولهم: إلا عشراً، ومبين أنه أريد بالعشر الأيام إذ ليس من التقابل أن يقول بعضهم: عشر ليالي، ويقول بعض: يوماً والأشهر بالأهلية. وهذه الآية ناسخة للاعتداد بالحول وعمومها معارض لعموم وأدلات الاحمال أجلهن أن يضعن حملهن والسنة الثابتة بينت أن عدة الحامل بوضع حملها سواء كانت متوفي عنها زوجها أم غير ذلك. {فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ} أي انقضاء هذه المدة المضروبة في التربص. {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ} خطاب للأولياء ومن يقوم مقامهم من الحكام. {فِيمَا فَعَلْنَ فِيۤ أَنْفُسِهِنَّ} أي من التزويج والتهيؤ له. {بِٱلْمَعْرُوفِ} بالوجه الذي ينكره الشرع.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : أي: إذا توفي الزوج، مكثت زوجته، متربصة أربعة أشهر وعشرة أيام وجوبا، والحكمة في ذلك، ليتبين الحمل في مدة الأربعة، ويتحرك في ابتدائه في الشهر الخامس، وهذا العام مخصوص بالحوامل، فإن عدتهن بوضع الحمل، وكذلك الأمة، عدتها على النصف من عدة الحرة، شهران وخمسة أيام. وقوله: { فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ } أي: انقضت عدتهن { فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ } أي: من مراجعتها للزينة والطيب، { بِالْمَعْرُوفِ } أي: على وجه غير محرم ولا مكروه. وفي هذا وجوب الإحداد مدة العدة، على المتوفى عنها زوجها، دون غيرها من المطلقات والمفارقات، وهو مجمع عليه بين العلماء. { وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ } أي: عالم بأعمالكم، ظاهرها وباطنها، جليلها وخفيها، فمجازيكم عليها. وفي خطابه للأولياء بقوله: { فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ } دليل على أن الولي ينظر على المرأة، ويمنعها مما لا يجوز فعله ويجبرها على ما يجب، وأنه مخاطب بذلك، واجب عليه.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 112 : 61 - سفين عن بن جريج عن مجاهد في قوله تبارك وتعالى {وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِيۤ أَنْفُسِهِنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ} قال: هو المعروف، النكاح الحلال الطيب [الآية 234].
النسائي
تفسير : قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً} [234] 63- أنا محمد بن عبد الأعلى، أنا خالد - يعني ابن الحارث، أنا بان عون، عن محمد قال: لقيت مالكا فقلت: [كيف] كان ابن مسعود يقول في شأن سُبَيعة، قالت: [قال] أتجعلون عليها التغليظ، ولا تجعلون لها الرُّخصة، لأُنزلت سورة النساء القُصرى بعد الطُّولى. 64- أنا محمد بن سلمة، أنا ابنُ القاسم، عن مالك، عن سعيد بن إسحاق بن كعب بن عُجرة، عن عمَّته زينب بنت كعب بن عُجرة، أن الفُرَيعة بنت مالك بن سنان - وهي أُخت أبي سعيد الخدري، أخبرتها حديث : أنها جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تسأله أترجع إلى أهلها بني خُدرة، فإن زوجها خرج في طلب أعبد له أبقوا حتى إذا كانوا في طرف القَدوم لحقهم فقتلوه، قالت: [فسألت] رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أرجع إلى أهلي، فإن زوجي لم يتركني في مسكن يملكه ولا نفقة، قالت: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "نعم"، فخرجت حتى إذا كُنت في الحجرة، أو في المسجد دعاني أو أمر بي، فدُعيت، فقال: "كيف فعلت؟" قالت: فرددت عليه، فقال: "امكثي في بيتك حتى يبلُغ الكتاب/ أجله" تفسير : فاعتددت أربعة أشهر وعشرا، فلما كان عثمان أرسل إليَّ فأخبرته، فاتَّبعه، وقضى به. ذيل التفسير قوله تعالى: [{وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً} [234]] 4/ 739- أخبرنا محمد بن سلمة والحارث بن مسكين - قراءة عليه وأنا أسمع واللفظ له - قال: أنبأنا ابن القاسم، عن مالك، عن عبد الله بن أبي بكر، عن حُميد بن نافع، عن زينب بنت أبي سلمة أنها أخبرته بهذه الأحاديث الثلاثة، قالت زينب: حديث : دخلتُ على أم حبيبة زوج النبي صلى الله عليه وسلم حين تُوفي أبوها أبو سفيان بن حرب فدعت أم حبيبة بطيب فدهنت منه جارية ثم مست بعارضيها ثم قالت: والله مالي بالطيب من حاجة غير أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تُحِدُّ على ميت فوق ثلاث ليالٍ إلا على زوج أربعة أشهرٍ وعشرا ". تفسير : قال زينب: حديث : ثم دخلَتْ على زينب بنت جحش حين توفي أخوها وقد دعت بطيب ومسَّت منه ثم قالت: والله مالي بالطِّيب من حاجة غير أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول على المِنبر: "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تحدُّ على ميت فوق ثلاث ليالٍ إلا على زوج أربعة أشهرٍ وعشرا ". تفسير : وقالت زينب: سمعت أمَّ سلمة تقول: حديث : جاءت امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله إن ابنتي تُوُفي عنها زوجها وقد استكت عينها أفأكحُلُها؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا" ثم قال: "إنما هي أربعة أشهر وعشرا وقد كانت إحداكنَّ في الجاهلية ترمي بالبَعْرة عند رأس الحَوْل ". تفسير : قال حُميد: فقلت لزينب: وما ترمي بالبَعرة عند رأس الحول؟ قالت زينب: كانت المرأة إذا توفي عنها زوجها دخلت حِفشاً ولبست شر ثيابها ولم تمس طيبا ولا شيئا حتى تمر بها سنة ثم تُؤتَى بدابَّة حمار أو شاة أو طير فتفتضُّ به فقلما تفتض بشيء إلا مات ثم تخرج فتُعطى بعرة فترمي بها وتُراجع بعد ما شاءت من طيب أو غيره. قال مالك: تَفتَض تمسح به. في حديث محمد: قال مالك: الحِفشْ الخُصُّ. 5/ 740- (عن) عمرو بن منصور، (عن) عبد الله بن يوسف، أخبرنا مالك، عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن حميد بن نافع، عن زينب ابنة سلمة أنها أخبرته هذه الأحاديث الثلاثة: قالت زينب: حديث : دخلتُ على أم حبيبة زوج النبي صلى الله عليه وسلم حين توفي أبوها أبو سفيان بن حرب فدعت أم حبيبة بطيب فيه صُفرة - خَلُوق أو غيره - فدهنت منه جارية ثم مسَّت بعارضَيها ثم قالت: والله مالي بالطيب من حاجة، غير أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لا يحلُّ لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تُحِدَّ على ميت فوق ثلاث ليال، إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا ". تفسير : قالت زينب: حديث : فدخلتُ على زينب ابنة جحش حين توفي أخوها، فدعت بطيب فمسَّت به ثم قالت: أما والله مالي بالطيب من حاجة، غير أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول على المنبر: "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تُحِدَّ فوق ثلاث ليال إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا ". تفسير : قالت زينب: وسمعت أم سلمة تقول: حديث : جاءت امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله إن ابنتي تُوفي عنها زوجها وقد استكت عينها، أفتكْحُلها؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا" - مرتين أو ثلاثا كل ذلك يقول: "لا" ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنما هي أربع أشهر وعشر، وقد كانت إحداكنَّ في الجاهلية ترمي بالبعرة على رأس الحَوْل ". تفسير : 6/ 741- أخبرنا هنَّاد بن السَّري، عن وكيع، عن شعبة، قال: حدثني حُميد بن نافع، عن زينب بنت أم سلمة، قالت أم حبيبة: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تُحِدُّ عل ميت فوق ثلاث أيام إلا على زوج أربع أشهر وعشرا ". تفسير : 7/ 742- أخبرنا محمد بن عبد الأعلى، قال: حدثنا خالد، قال: حدثنا شُعبة، عن حميد بن نافع، عن زينب بنت أم سلمة - قلت: عن أمها؟ قالت: نعم - إنَّ النبي صلى الله عليه وسلم سُئل عن امرأة تُوفي عنها زوجها فخافوا على عينها أتكتَحيل؟ فقال: "حديث : قد كانت إحداكنَّ تمكث في بيتها في شرِّ أحلاسها حولا، ثم خرجت، فلا؛ أربعة أشهر وعشرا! ".
همام الصنعاني
تفسير : 301- عبد الرزاق، قال ابن جريج، وقال مُجَاهِدُ في قوله تعالى: {فِيمَا فَعَلْنَ فِيۤ أَنْفُسِهِنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ}: [الآية: 234]، قال: هو النكاح الحلال الطيب.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):