Verse. 242 (AR)

٢ - ٱلْبَقَرَة

2 - Al-Baqara (AR)

وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِـيْمَا عَرَّضْتُمْ بِہٖ مِنْ خِطْبَۃِ النِّسَاۗءِ اَوْ اَكْنَنْتُمْ فِيْۗ اَنْفُسِكُمْ۝۰ۭ عَلِمَ اللہُ اَنَّكُمْ سَتَذْكُرُوْنَہُنَّ وَلٰكِنْ لَّا تُوَاعِدُوْھُنَّ سِرًّا اِلَّاۗ اَنْ تَقُوْلُوْا قَوْلًا مَّعْرُوْفًا۝۰ۥۭ وَلَا تَعْزِمُوْا عُقْدَۃَ النِّكَاحِ حَتّٰي يَبْلُغَ الْكِتٰبُ اَجَلَہٗ۝۰ۭ وَاعْلَمُوْۗا اَنَّ اللہَ يَعْلَمُ مَا فِىْۗ اَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوْہُ۝۰ۚ وَاعْلَمُوْۗا اَنَّ اللہَ غَفُوْرٌ حَلِيْمٌ۝۲۳۵ۧ
Wala junaha AAalaykum feema AAarradtum bihi min khitbati alnnisai aw aknantum fee anfusikum AAalima Allahu annakum satathkuroonahunna walakin la tuwaAAidoohunna sirran illa an taqooloo qawlan maAAroofan wala taAAzimoo AAuqdata alnnikahi hatta yablugha alkitabu ajalahu waiAAlamoo anna Allaha yaAAlamu ma fee anfusikum faihtharoohu waiAAlamoo anna Allaha ghafoorun haleemun

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ولا جُناح عليكم فيما عَرَّضتم» لوحتم «به من خطبة النساء» المتوفى عنهن أزواجهن في العدة كقول الإنسان: مثلا إنك لجميلة ومن يجد مثلك ورب راغب فيك «أو أكننتم» أضمرتم «في أنفسكم» من قصد نكاحهن «علم الله أنكم ستذكرونهن» بالخطبة ولا تصبرون عنهن فأباح لكم التعريض «ولكن لا تواعدوهن سرّاً» أي نكاحاً «إلا» لكن «أن تقولوا قولاً معروفا» أي ما عرف لكم شرعا من التعريض فلكم ذلك «ولا تعزموا عقدة النكاح» أي على عقده «حتى يبلغ الكتاب» أي المكتوب من العدة «أجله» بأن ينتهي «واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم» من العزم وغيره «فاحذروه» أن يعاقبكم إذا عزمتم «واعلموا أن الله غفور» لمن يحذره «حليم» بتأخير العقوبة عن مستحقها.

235

Tafseer

الرازي

تفسير : الحكـم الرابع عشر في خطبة النساء قوله تعالى: {وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُم بِهِ مِنْ خِطْبَةِ ٱلنِسَاء أَوْ أَكْنَنتُمْ فِى أَنفُسِكُمْ عَلِمَ ٱللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَـٰكِن لاَّ تُوَاعِدوهنَ سِراً إلا أن تَقُولوا قَوْلاً مَعْرُوفاً} وفي مسائل: المسألة الأولى: التعريض في اللغة ضد التصريح، ومعناه أن يضمن كلامه ما يصلح للدلالة على مقصوده ويصلح للدلالة على غير مقصوده إلا أن إشعاره بجانب المقصود أتم وأرجح وأصله من عرض الشيء وهو جانبه كأنه يحوم حوله ولا يظهره، ونظيره أن يقول المحتاج للمحتاج إليه: جئتك لأسلم عليك ولأنظر إلى وجهك الكريم ولذلك قالوا:شعر : وحسبك بالتسليم مني تقاضياً تفسير : والتعريض قد يسمى تلويحاً لأنه يلوح منه ما يريد والفرق بين الكناية والتعريض أن الكناية أن تذكر الشيء بذكر لوازمه، كقولك: فلان طويل النجاد، كثير الرماد، والتعريض أن تذكر كلاماً يحتمل مقصودك ويحتمل غير مقصودك إلا أن قرائن أحوالك تؤكد حمله على مقصودك، وأما الخطبة فقال الفراء: الخطبة مصدر بمنزلة الخطب وهو مثل قولك: أنه لحسن القعدة والجلسة تريد العقود والجلوس وفي اشتقاقه وجهان الأول: أن الخطب هو الأمر، والشأن يقال: ما خطبك، أي ما شأنك، فقولهم: خطب فلان فلانة، أي سألها أمراً وشأناً في نفسها الثاني: أصل الخطبة من الخطاب الذي هو الكلام، يقال: خطب المرأة خطبة لأنه خاطب في عقد النكاح، وخطب خطبة أي خاطب بالزجر والوعظ والخطب: الأمر العظيم، لأنه يحتاج فيه إلى خطاب كثير. المسألة الثانية: النساء في حكم الخطبة على ثلاثة أقسام أحدها: التي تجوز خطبتها تعريضاً وتصريحاً وهي التي تكون خالية عن الأزواج والعدد لأنه لما جاز نكاحها في هذه الحالة فكيف لا تجوز خطبتها، بل يستثنى عنه صورة واحدة، وهي ما روى الشافعي عن مالك عن نافع عن ابن عمر عن النبـي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : لا يخطبن أحدكم على خطبة أخيه» تفسير : ثم هذا الحديث وإن ورد مطلقاً لكن فيه ثلاثة أحوال. الحالة الأولى: إذا خطب امرأته فأجيب إليه صريحاً ههنا لا يحل لغيره أن يخطبها لهذا الحديث. الحالة الثانية: إذا وجد صريح الإباء عن الإجابة فههنا يحل لغيره أن يخطبها. الحالة الثالثة: إذا لم يوجد صريح الإجابة ولا صريح الرد للشافعي ههنا قولان أحدهما: أنه يجوز للغير خطبتها، لأن السكوت لا يدل على الرضا والثاني: وهو القديم وقول مالك: أن السكوت وإن لم يدل على الرضا لكنه لا يدل أيضاً على الكراهة، فربما كانت الرغبة حاصلة من بعض الوجوه فتصير هذه الخطبة الثانية مزيلة لذلك القدر من الرغبة. القسم الثاني: التي لا تجوز خطبتها لا تصريحاً ولا تعريضاً، وهي ما إذا كانت منكوحة للغير لأن خطبته إياها ربما صارت سبباً لتشويش الأمر على زوجها من حيث أنها إذا علمت رغبة الخاطب فربما حملها ذلك على الامتناع من تأدية حقوق الزوج، والتسبب إلى هذا حرام، وكذا الرجعة فإنها في حكم المنكوحة، بدليل أنه يصح طلاقها وظاهرها ولعانها، وتعتد منه عدة الوفاة، ويتوارثان. القسم الثالث: أن يفصل في حقها بين التعريض والتصريح وهي المعتدة غير الرجعية وهي أيضاً على ثلاثة أقسام: القسم الأول: التي تكون في عدة الوفاة فتجوز خطبتها تعريضاً لا تصريحاً، أما جواز التعريض فلقوله تعالى: {لاَّ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُم بِهِ مِنْ خِطْبَةِ ٱلنِسَاء } وظاهره أنه للمتوفى عنها زوجها، لأن هذه الآية مذكورة عقيب تلك الآية، أما أنه لا يجوز التصريح، فقال الشافعي: لما خصص التعريض بعدم الجناح وجب أن يكون التصريح بخلافه، ثم المعنى يؤكد ذلك، وهو أن التصريح لا يحتمل غير النكاح، فلا يؤمن أن يحملها الحرص على النكاح على الإخبار عن انقضاء العدة قبل أوانها بخلاف التعريض فإنه يحتمل غير ذلك فلا يدعوها ذلك إلى الكذب. القسم الثاني: المعتدة عن الطلاق الثلاث، قال الشافعي رحمه الله في «الأم»: ولا أحب التعريض لخطبتها، وقال في «القديم» و «الإملاء»: يجوز لأنها ليست في النكاح، فأشبهت المعتدة عن الوفاة وجه المنع هو أن المعتدة عن الوفاة يؤمن عليها بسبب الخطبة الخيانة في أمر العدة فإن عدتها تنقضي بالأشهر أما ههنا تنقضي عدتها بالإقراء فلا يؤمن عليها الخيانة بسبب رغبتها في هذا الخاطب وكيفية الخيانة هي أن تخبر بانقضاء عدتها قبل أن تنقضي. القسم الثالث: البائن التي يحل لزوجها نكاحها في عدتها، وهي المختلعة والتي انفسخ نكاحها بعيب أو عنة أو إعسار نفقته فههنا لزوجها التعريض والتصريح؛ لأنه لما كان له نكاحها في العدة فالتصريح أولى وأما غير الزوج فلا شك في أنه لا يحل له التصريح وفي التعريض قولان أحدهما: يحل كالمتوفى عنها زوجها والمطلقة ثلاثاً والثاني: وهو الأصح أنه لا يحل لأنها معتدة تحل للزوج أن ينكحها في عدتها فلم يحل التعريض لها كالرجعية. المسألة الثالثة: قال الشافعي: والتعريض كثير، وهو كقوله: رب راغب فيك، أو من يجد مثلك؟ أو لست بأيم وإذا حللت فأدريني، وذكر سائر المفسرين من ألفاظ التعريض: إنك لجميلة وإنك لصالحه، وإنك لنافعة، وإن من عزمي أن أتزوج، وإني فيك لراغب. أما قوله تعالى: {أَوْ أَكْنَنتُمْ فِى أَنفُسِكُمْ } فاعلم أن الإكنان الإخفاء والستر قال الفراء: للعرب في أكننت الشيء أي سترته لغتان: كننته وأكننته في الكن وفي النفس بمعنى، ومنه: {أية : مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ } تفسير : [النمل: 74]، و {أية : بَيْضٌ مَّكْنُونٌ } تفسير : [الصافات: 49] وفرق قوم بينهما، فقالوا: كننت الشيء إذا صنته حتى لا تصيبه آفة، وإن لم يكن مستوراً يقال: در مكنون، وجارية مكنونة، وبيض مكنون، مصون عن التدحرج وأما أكننت فمعناه أضمرت، ويستعمل ذلك في الشيء الذي يخفيه الإنسان ويستره عن غيره، وهو ضد أعلنت وأظهرت، والمقصود من الآية أنه لا حرج في التعريض للمرأة في عدة الوفاة ولا فيما يضمره الرجل من الرغبة فيها. فإن قيل: إن التعريض بالخطبة أعظم حالاً من أن يميل قلبه إليها ولا يذكر شيئاً فلما قدم جواز التعريض بالخطبة كان قوله بعد ذلك: {أَوْ أَكْنَنتُمْ فِى أَنفُسِكُمْ } جارياً مجرى إيضاح الواضحات. قلنا: ليس المراد ما ذكرتم بل المراد منه أنه أباح التعريض وحرم التصريح في الحال، ثم قال: {أَوْ أَكْنَنتُمْ فِى أَنفُسِكُمْ } والمراد أنه يعقد قلبه على أنه سيصرح بذلك في المستقبل، فالآية الأولى إباحة للتعريض في الحال، وتحريم للتصريح في الحال، والآية الثانية إباحة لأن يعقد قلبه على أنه سيصرح بذلك بعد انقضاء زمان العدة، ثم أنه تعالى ذكر الوجه الذي لأجله أباح ذلك، فقال: {عَلِمَ ٱللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ } لأن شهوة النفس إذا حصلت في باب النكاح لا يكاد يخلو ذلك المشتهي من العزم والتمني، فلما كان دفع هذا الخاطر كالشيء الشاق أسقط تعالى عنه هذا الحرج وأباح له ذلك. ثم قال تعالى: {وَلَـٰكِن لاَّ تُوَاعِدُوهُنَّ سِرّا } وفيه سؤالان: السؤال الأول: أين المستدرك بقوله تعالى: {وَلَـٰكِن لاَّ تُوَاعِدُوهُنَّ سِرّا } الجواب: هو محذوف لدلالة ستذكرونهن عليه، تقديره: علم الله أنكم ستذكرونهن فاذكرونهن ولكن لا تواعدوهن. السؤال الثاني: ما معنى السر؟. والجواب: أن السر ضد الجهر والإعلان، فيحتمل أن يكون السر ههنا صفة المواعدة على شيء: ولا تواعدوهن مواعدة سرية ويحتمل أن يكون صفة للموعود به على معنى ولا تواعدوهن بالشيء الذي يكون موصوفاً بوصف كونه سراً، أما على التقدير الأول وهو أظهر التقديرين، فالمواقعة بين الرجل وبين المرأة على وجه السر لا تنفك ظاهراً عن أن تكون مواعدة بشيء من المنكرات، وههنا احتمالات الأول: أن يواعدها في السر بالنكاح فيكون المعنى أن أول الآية إذن في التعريض بالخطبة وآخر الآية منع عن التصريح بالخطبة الثاني: أن يواعدها بذكر الجماع والرفث، لأن ذكر ذلك بين الأجنبـي والأجنبية غير جائز، قال تعالى لأزواج النبـي صلى الله عليه وسلم: {أية : فَلاَ تَخْضَعْنَ بِٱلْقَوْلِ } تفسير : [الأحزاب: 32] أي لا تقلن من أمر الرفث شيئاً {أية : فَيَطْمَعَ ٱلَّذِى فِى قَلْبِهِ مَرَضٌ } تفسير : [الأحزاب: 32] الثالث: قال الحسن: {وَلَـٰكِن لاَّ تُوَاعِدُوهُنَّ سِرّاً } بالزنا طعن القاضي في هذا الوجه، وقال: إن المواعدة محرمة بالإطلاق فحمل الكلام ما يخص به الخاطب حال العدة أولى. والجواب: روى الحسن أن الرجل يدخل على المرأة، وهو يعرض بالنكاح فيقول لها: دعيني أجامعك فإذا أتممت عدتك أظهرت نكاحك، فالله تعالى نهى عن ذلك الرابع: أن يكون ذلك نهياً عن أن يسار الرجل المرأة الأجنبية، لأن ذلك يورث نوع ريبة فيها الخامس: أن يعاهدها بأن لا يتزوج أحداً سواها. أما إذا حملنا السر على الموعود به ففيه وجوه الأول: السر الجماع قال امرؤ القيس:شعر : وأن لا يشهد السر أمثالي تفسير : وقال الفرزدق:شعر : موانع للأسرار إلا من أهلها ويخلفن ما ظن الغيور المشغف تفسير : أي الذي شغفه بهن، يعني أنهن عفائف يمنعن الجماع إلا من أزواجهن، قال ابن عباس رضي الله عنهما: المراد لا يصف نفسه لها فيقول: آتيك الأربعة والخمسة الثاني: أن يكون المراد من السر النكاح، وذلك لأن الوطء يسمى سراً والنكاح سببه وتسمية الشيء باسم سببه جائز. أما قوله تعالى: {إِلاَّ أَن تَقُولُواْ قَوْلاً مَّعْرُوفًا } ففيه سؤال، وهو أنه تعالى بأي شيء علق هذا الاستثناء. وجوابه: أنه تعالى لما أذن في أول الآية بالتعريض، ثم نهى عن المسارة معها دفعاً للريبة والغيبة استثنى عنه أن يساررها بالقول المعروف، وذلك أن يعدها في السر بالإحسان إليها، والاهتمام بشأنها، والتكفل بمصالحها، حتى يصير ذكر هذه الأشياء الجميلة مؤكداً لذلك التعريض والله أعلم. قوله تعالى: {وَلاَ تَعْزِمُواْ عُقْدَةَ ٱلنّكَاحِ حَتَّىٰ يَبْلُغَ ٱلْكِتَـٰبُ أَجَلَهُ وَٱعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِى أَنفُسِكُمْ فَٱحْذَرُوهُ وَٱعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ غَفورٌ حَليم }. اعلم أن في لفظ العزم وجوهاً الأول: أنه عبارة عن عقد القلب على فعل من الأفعال، قال تعالى: {أية : فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ } تفسير : [آل عمران: 159] واعلم أن العزم إنما يكون عزماً على الفعل، فلا بد في الآية من إضمار فعل، وهذا اللفظ إنما يعدى إلى الفعل بحرف على فيقال: فلان عزم على كذا إذا ثبت هذا كان تقدير الآية: ولا تعزموا على عقدة النكاح، قال سيبويه: والحذف في هذه الأشياء لا يقاس، فعلى هذا تقدير الآية: ولا تعزموا عقدة النكاح أن تقدروها حتى يبلغ الكتاب أجله والمقصود منه المبالغة في النهي عن النكاح في زمان العدة فإن العزم متقدم على المعزوم عليه، فإذا ورد النهي عن العزم فلأن يكون النهي متأكداً عن الإقدام على المعزوم عليه أولى. القول الثاني: أن يكون العزم عبارة عن الإيجاب، يقال: عزمت عليكم، أي أوجبت عليكم ويقال: هذا من باب العزائم لا من باب الرخص، وقال عليه الصلاة والسلام: «حديث : عزمة من عزمات ربنا» تفسير : وقال: «حديث : إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه» تفسير : ولذلك فإن العزم بهذا المعنى جائز على الله تعالى، وبالوجه الأول لا يجوز. إذا عرفت هذا فنقول: الإيجاب سبب الوجود ظاهراً، فلا يبعد أن يستفاد لفظ العزم في الوجود وعلى هذا فقوله: {وَلاَ تَعْزِمُواْ عُقْدَةَ ٱلنّكَاحِ } أي لا تحققوا ذلك ولا تنشئوه، ولا تفرغوا منه فعلاً، حتى يبلغ الكتاب أجله، وهذا القول هو اختيار أكثر المحققين. القول الثالث: قال القفال رحمه الله: إنما لم يقل ولا تعزموا على عقدة النكاح، لأن المعنى: لا تعزموا عليهن عقدة النكاح، أي لا تعزموا عليهن أن يعقدن النكاح، كما تقول: عزمت عليك أن تفعل كذا. فأما قوله تعالى: {عُقْدَةَ ٱلنّكَاحِ } فاعلم أن أصل العقد الشد، والعهود والأنكحة تسمى عقوداً لأنها تعقد كما يعقد الحبل. أما قوله تعالى: {حَتَّىٰ يَبْلُغَ ٱلْكِتَـٰبُ أَجَلَهُ } ففي الكتاب وجهان الأول: المراد منه: المكتوب والمعنى: تبلغ العدة المفروضة آخرها، وصارت منقضية والثاني: أن يكون الكتاب نفسه في معنى الفرض كقوله: {أية : كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلصّيَامُ } تفسير : [البقرة: 183] فيكون المعنى حتى يبلغ هذا التكليف آخره ونهايته، وإنما حسن أن يعبر عن معنى: فرض، بلفظ {كُتِبَ} لأن ما يكتب يقع في النفوس أنه أثبت وآكد وقوله: {حَتَّىٰ } هو غاية فلا بد من أن يفيد ارتفاع الخطر المتقدم، لأن من حق الغاية ضربت للحظر أن تقتضي زواله. ثم إنه تعالى ختم الآية بالتهديد فقال: {وَٱعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِى أَنفُسِكُمْ فَٱحْذَرُوهُ } وهو تنبيه على أنه تعالى لما كان عالماً بالسر والعلانية، وجب الحذر في كل ما يفعله الإنسان في السر والعلانية ثم ذكر بعد الوعيد الوعد، فقال: {وَٱعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ }.

القرطبي

تفسير : قوله تعالىٰ: {وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ ٱلنِّسَآءِ} إلى قوله {مَّعْرُوفاً} فيه تسع مسائل: الأُولىٰ ـ قوله تعالىٰ: {وَلاَ جُنَاحَ} أي لا إثم، والجناح الإثم، وهو أصح في الشرع. وقيل: بل هوالأمر الشاق، وهو أصح في اللغة؛ قال الشماخ: شعر : إذا تعلُو براكبها خليجا تذكّر ما لديه من الجُناح تفسير : وقوله: {عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ} المخاطبة لجميع الناس؛ والمراد بحكمها هو الرجل الذي في نفسه تزوّج معتدّة؛ أي لا وزْر عليكم في التعريض بِالخطبة في عدّة الوفاة. والتعريض: ضدّ التصريح، وهو إفهام المعنى بالشيء المحتمل له ولغيره وهو من عُرْض الشيء وهو جانبه؛ كأنه يحوم به على الشيء ولا يظهره. وقيل؛ هو من قولك عرَّضت الرجل، أي أهديت إليه تُحْفة، وفي الحديث: أن ركباً من المسلمين عرَّضوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر ثياباً بيضاً؛ أي أهْدُوا لهما. فالمعرّض بالكلام يوصل إلى صاحبه كلاماً يفهم معناه. الثانية ـ قال ٱبن عطية: أجمعت الأُمَّة على أن الكلام مع المعتدّة بما هو نص في تزوّجها وتنبيه عليه لا يجوز، وكذلك أجمعت الأُمَّة على أن الكلام معها بما هو رَفَثٌ وذِكر جماع أو تحريض عليه لا يجوز، وكذلك ما أشبهه، وجُوّز ما عدا ذلك. ومن أعظمه قرباً إلى التصريح حديث : قول النبي صلى الله عليه وسلم لفاطمة بنت قيس: «كوني عند أُم شريك ولا تسبقيني بنفسك»تفسير : . ولا يجوز التعريض لخطبة الرجعية إجماعاً لأنها كالزوجة. وأما من كانت في عدّة البينونة فالصحيح جواز التعريض لخطبتها والله أعلم. وروي في تفسير التعريض ألفاظ كثيرة جِماعها يرجع إلى قسمين: الأول ـ أن يذكرها لوليها يقول له لا تسبقني بها. والثاني ـ أن يشير بذلك إليها دون واسطة؛ فيقول لها: إني أُريد التزويج؛ أو إنك لجميلة، إنك لصالحة، إن الله لسائق إليك خيراً، إنّي فيك لراغب، ومن يرغب عنك! إنك لنافقة، وإن حاجتي في النساء، وإن يقدّر الله أمراً يكن. هذا هو تمثيل مالك وٱبن شهاب. وقال ٱبن عباس: لا بأس أن يقول: لا تسبقيني بنفسك، ولا بأس أن يهدي إليها، وأن يقوم بشغلها في العدّة إذا كانت من شأنه؛ قاله إبراهيم. وجائز أن يمدح نفسه ويذكر مآثره على وجه التعريض بالزواج؛ وقد فعله أبو جعفر محمد بن علي بن حسين، قالت سكينة بنت حنظلة ٱستأذن عليّ محمد بن عليّ ولم تنقض عدّتي من مهلك زوجي فقال: قد عرفِت قرابتي من رسول الله صلى الله عليه وسلم وقرابتي من عليّ وموضعي في العرب. قلت غفر الله لك يا أبا جعفر! إنك رجل يؤخذ عنك، تخْطُبني في عدّتي! قال: إنما أخبرتك بقرابتي من رسول الله صلى الله عليه وسلم ومِنْ عليّ. حديث : وقد دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على أُم سلمة وهي مَتأيِّمة من أبي سَلَمة فقال: «لقد علمتِ أني رسول الله وخيرته وموضعي في قومي» تفسير : كانت تلك خِطبة؛ أخرجه الدّارقطنِيّ. والهدية إلى المعتدّة جائزة، وهي من التعريض؛ قاله سُحْنون وكثير من العلماء وقاله إبراهيم. وَكرِهَ مجاهدٌ أن يقول لها: لا تسبقيني بنفسك ورآه من المواعدة سِرّاً. قال القاضي أبو محمد بن عطية: وهذا عندي على أن يتأوّل قول النبيّ صلى الله عليه وسلم لفاطمة أنه على جهة الرأي لها فيمن يتزوّجها لا أنه أرادها لنفسه وإلاَّ فهو خلاف لقول النبي صلى الله عليه وسلم. الثالثة ـ قوله تعالىٰ: {مِنْ خِطْبَةِ ٱلنِّسَآءِ} الخِطْبة (بكسر الخاء): فعل الخاطب من كلام وقصد وٱستلطاف بفعل أو قول. يُقال: خطبها يخْطُبها خَطْباً وخِطْبَةً. ورجل خَطّاب كثير التصرف في الخِطْبة؛ ومنه قوله الشاعر: شعر : بَرَّحَ بالعَيْنَيْن خَطّابُ الكُثَبْ يقولُ إنِّي خاطِبٌ وقد كذَبْ وَإنَّمـا يَخْطُـبُ عُسّـاً مَـن حَلَـبْ تفسير : والخَطِيب: الخاطِب. والخِطِّيبيَ: الخِطْبَة؛ قال عدِيّ بن زيد يذكر قصد جَذِيمَة الأبْرَش لخِطْبَة الزَّبّاء:شعر : لِخَطِّيبيَ الَّتي غَدَرَتْ وَخَانَتْ وهُنَّ ذَوَاتُ غَائِلَةٍ لْحِينَا تفسير : والخِطْبُ؛ الرجل الذي يخطُب المرأة؛ ويُقال أيضاً: هي خِطْبُه وخِطْبَتُه التي يخطُبها. والخِطْبَة فِعلة كحِلسة وقِعدة: والخُطْبَة (بضم الخاء) هي الكلام الذي يُقال في النكاح وغيره. قال النحاس: والخُطْبَة ما كان لها أوّل وآخر؛ وكذا ما كان على فَعْلة نحو الأَكْلَة والضَّغْطَة. الرابعة ـ قوله تعالىٰ: {أَوْ أَكْنَنتُمْ فِيۤ أَنْفُسِكُمْ} معناه سترتم وأضمرتم من التزوّج بهابعد ٱنقضاء عدّتها. والإكْنَان: السِّتْر والإخفاء؛ يُقال: كننته وأكننته بمعنى واحد. وقيل: كننته أي صُنْته حتى لا تصيبه آفةٌ وإن لم يكن مستوراً؛ ومنه بَيضٌ مَكْنُونٌ ودِرٌّ مكنون. وأكنَنْته أسررته وسترته. وقيل: كنَنْت الشيء (من الأجْرام) إذا سترته بثوب أو بيت أو أرض ونحوه. وأكْنَنْت الأمر في نفسي. ولم يسمع من العرب «كننته في نفسي». ويُقال: أكنّ البيتُ الإنسان؛ ونحو هذا. فرفع الله الجُنَاح عمن أراد تزوّج المعتدّة مع التعريض ومع الإكنان، ونهى عن المُوَاعَدَة التي هي تصريح بالتزويج وبناءٌ عليه وٱتفاق على وَعْد. ورَخّص لعلمه تعالىٰ بغَلَبَة النفوس وطَمَحِها وضعف البشر عن ملكها. الخامسة ـ استدلت الشافعية بهذه الآية على أن التعريض لا يجب فيه حَدٌّ؛ وقالوا: لما رفع الله تعالىٰ الحرج في التعريض في النكاح دَلّ على أن التعريض بالقَذْف لا يوجب الحدّ؛ لأنّ الله سبحانه لم يجعل التعريض في النكاح مقام التصريح. قلنا هذا ساقط لأن الله سبحانه وتعالى لم يأذن في التصريح بالنكاح في الخِطبة، وأذن في التعريض الذي يفهم منه النكاح، فهذا دليل على أن التعريض يفهم منه القذف؛ والأعراض يجب صيانتها، وذلك يوجب حدّ المعرِّض؛ لئلا يتطرّق الفَسَقة إلى أخذ الأعراض بالتعريض الذي يفهم منه ما يفهم بالتصريح. السادسة ـ قوله تعالىٰ: {عَلِمَ ٱللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ} أي إما سِرّاً وإما إعلاناً في نفوسكم وبألسنتكم؛ فرخص في التعريض دون التصريح. الحسن: معناه ستخطبونهنَّ. السابعة ـ قوله تعالى: {وَلَـٰكِن لاَّ تُوَاعِدُوهُنَّ سِرّاً} أي على سرّ فحذف الحرف؛ لأنه مما يتعدى إلى مفعولين أحدهما بحرف جر. وٱختلف العلماء في معنى قوله تعالىٰ: {سِرّاً} فقيل: معناه نكاحاً، أي لا يقل الرجل لهذا المعتدة تزوّجيني؛ بل يعرّض إن أراد، ولا يأخذ ميثاقها وعهدها ألا تنكح غيره في استسرار وخفية؛ هذا قول ٱبن عباس وٱبن جبير ومالك وأصحابه والشعبيّ ومجاهد وعكرمة والسدّيّ وجمهور أهل العلم. «وسِرّاً» على هذا التأويل نصب على الحال، أي مستسِرين. وقيل: السر الزنا، أي لا يكونن منكم مواعدة على الزنا في العدّة ثم التزوّج بعدها. قال معناه جابر بن زيد وأبو مِجْلزَ لاحق بن حُميد، والحسن بن أبي الحسن وقتادة والنخعيّ والضحاك، وأن السر في هذه الآية الزنا، أي لا تواعدوهنّ زنا، وٱختاره الطبريّ؛ ومنه قول الأعشىٰ:شعر : فَلاَ تقرَبَنّ جارةً إنّ سرّها عليك حرامٌ فٱنْكِحَنْ أو تَأَبَّدا تفسير : وقـال الحُطَيئة:شعر : ويحرم سِرُّ جارتهم عليهم ويأكل جارُهم أنفَ القِصاعِ تفسير : وقيل: السر الجِماع، أي لا تصفوا أنفسكم لهن بكثرة الجماع ترغيباً لهن في النكاح فإنّ ذكر الجماع مع غير الزوج فُحْشٌ؛ هذا قول الشافعيّ. وقال ٱمرؤ القيس:شعر : ألاَ زعمت بَسْباسة اليومَ أنني كبِرْتُ وألاَّ يُحِسن السِرّ أمْثَالِي تفسير : وقــال رؤبــة:شعر : فكُـفّ عـن إسرارهـا بعـد العَسَـقْ تفسير : أي كف عن جماعها بعد ملازمته لذلك. وقد يكون السر عقدة النكاح، سِرّاً كان أو جهراً، قال الأعشىٰ:شعر : فلن يطلبوا سِرّها للغِنَى ولن يُسْلِموها لإزهادها تفسير : وأراد أن يطلبوا نكاحها لكثرة مالها، ولن يسلموها لقِلة مالها. وقال ٱبن زيد: معنى قوله {وَلَـٰكِن لاَّ تُوَاعِدُوهُنَّ سِرّاً} أن لا تنكحوهنّ وتكتمون ذلك؛ فإذا حلّت أظهرتموه ودخلتم بهن؛ وهذا هو معنى القول الأوّل؛ فٱبن زيد على هذا قائل بالقول الأوّل؛ وإنما شَذّ في أن سمى العقد مُوَاعَدَةً، وذلك قَلِقٌ. وحكى مكيّ والثعلبي عنه أنه قال: الآية منسوخة بقوله تعالىٰ: {وَلاَ تَعْزِمُوۤاْ عُقْدَةَ ٱلنِّكَاحِ}. الثامنة ـ قال القاضي أبو محمد بن عطية: أجمعت الأُمة على كراهة المواعدة في العدّة للمرأة في نفسها، وللأب في ابنته البكر، وللسيد في أمَتِه. قال ٱبن الموّاز: وإما الولِيّ الذي لا يملك الجبر فأكرهُهُ وإن نزل لم أفسخُه. وقال مالك رحمه الله فيمن يواعد في العدّة ثم يتزوج بعدها: فراقها أحب إليّ، دخل بها أو لم يدخل، وتكون تطليقة واحدة؛ فإذا حلّت خطبها مع الخطّاب؛ هذه رواية ٱبن وهب، وروى أشْهَبُ عن مالك أنه يفرق بينهما إيجاباً؛ وقاله ٱبن القاسم. وحكى ٱبن الحارث مثلَه عن ٱبن الماجشون، وزاد ما يقتضي أن التحريم يتأبّد. وقال الشافعيّ: إن صرّح بالخطبة وصرحت له بالإجابة ولم يعقد النكاح حتى تنقضي العدّة فالنكاح ثابت والتصريح لهما مكروه؛ لأن النكاح حادث بعد الخِطبة؛ قاله ٱبن المنذر. التاسعة ـ قوله تعالىٰ: {إِلاَّ أَن تَقُولُواْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً} ٱستثناء منقطع بمعنى لكن؛ كقوله {إِلاَ خطأً} أي لكن خطأ. والقول المعروف هو ما أُبيح من التعريض. وقد ذكر الضحاك أن من القول المعروف أن يقول للمعتدّة: ٱحبسي عليَّ نفسك فإن لي بك رغبة؛ فتقول هي: وأنا مثل ذلك؛ وهذا شبه المواعدة. قوله تعالىٰ: {وَلاَ تَعْزِمُوۤاْ عُقْدَةَ ٱلنِّكَاحِ حَتَّىٰ يَبْلُغَ ٱلْكِتَابُ أَجَلَهُ} فيه تسع مسائل: الأُولىٰ ـ قوله تعالىٰ: {وَلاَ تَعْزِمُوۤاْ} قد تقدّم القول في معنى العزم؛ يُقال: عزم الشيءَ وعزم عليه. والمعنى هنا: ولا تعزِموا على عقدة النكاح. ومن الأمر البَيِّن أن القرآن أفصح كلام؛ فما ورد فيه فلا معترض عليه، ولا يشك في صحته وفصاحته؛ وقد قال الله تعالىٰ: {أية : وَإِنْ عَزَمُواْ ٱلطَّلاَقَ} تفسير : [البقرة: 227] وقال هنا: {وَلاَ تَعْزِمُوۤاْ عُقْدَةَ ٱلنِّكَاحِ} والمعنى: لا تعزِموا على عقدة النكاح في زمان العدّة ثم حذف على ما تقدّم. وحكى سيبويه: ضُرب فلانٌ الظهرَ والبطنَ؛ أي على. قال سيبويه: والحذف في هذه الأشياء لا يُقاس عليه. قال النحاس: ويجوز أن يكون «ولا تعقدوا عقدة النكاح»؛ لأن معنى «تعزموا» وتعقدوا واحدٌ. ويُقال: «تعُزموا» بضم الزاي. الثانية ـ قوله تعالىٰ: {حَتَّىٰ يَبْلُغَ ٱلْكِتَابُ أَجَلَهُ} يريد تمام العدّة. والكتاب هنا هو الحَدّ الذي جُعل والقَدْر الذي رُسِم من المدّة؛ سمّاها كتاباً إذْ قد حَدّه وفرضَه كتاب الله كما قال: {أية : كِتَابَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ} تفسير : [النساء: 24] وكما قال: {أية : إِنَّ ٱلصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَّوْقُوتاً} تفسير : [النساء: 103]. فالكتاب: الفرض، أي حتى يبلغ الفرض أجله؛ {أية : كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلصِّيَامُ} تفسير : [البقرة: 183] أي فرض. وقيل: في الكلام حذف، أي حتى يبلغ فرضُ الكتابِ أجله؛ فالكتاب على هذا التأويل بمعنى القرآن. وعلى الأوّل لا حذف فهو أولى، والله أعلم. الثالثة ـ حرّم الله تعالىٰ عقد النكاح في العدّة بقوله تعالىٰ: {وَلاَ تَعْزِمُوۤاْ عُقْدَةَ ٱلنِّكَاحِ حَتَّىٰ يَبْلُغَ ٱلْكِتَابُ أَجَلَهُ} وهذا من المحكم المجمع على تأويله، أن بلوغ أجله ٱنقضاء العدّة. وأباح التعريض في العدّة بقوله: {وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ ٱلنِّسَآءِ} الآية. ولم يختلف العلماء في إباحة ذلك، وٱختلفوا في ألفاظ التعريض على ما تقدّم. وٱختلفوا في الرجل يخطب ٱمرأة في عدّتها جاهلاً، أو يواعدها ويعِقد بعد العدّة؛ وقد تقدّم هذا في الآية التي قبلها. وٱختلفوا إن عزم العُقْدَةَ في العدّة وعُثِر عليه ففسخ الحاكم نكاحه؛ وذلك قبل الدخول وهي: الرابعة ـ فقول عمر بن الخطاب وجماعةٍ من العلماء أن ذلك لا يؤبّد تحريماً، وأنه يكون خاطباً من الخطاب؛ وقاله مالك وٱبن القاسم في المدوّنة في آخر الباب الذي يليه «ضرب أجل المفقود». وحكي ٱبن الجَلاّب عن مالك رواية أن التحريم يتأبّد في العقد وإن فسخ قبل الدخول؛ ووجهه أنه نكاح في العِدّة فوجب أن يتأبّد به التحريم؛ أصله إذا بَنَى بها. وأما إن عقد في العِدّة ودخل بعد ٱنقضائها وهي: الخامسة ـ فقال قوم من أهل العلم: ذلك كالدخول في العِدْة؛ يتأبّد التحريم بينهما. وقال قوم من أهل العلم: لا يتأبّد بذلك تحريم. وقال مالك: يتأبَّد التحريم. وقال مرّة: وما التحريم بذلك بالبين؛ والقولان له في المدوّنة في طلاق السنة.وأما إن دخل في العدّة وهي: السادسة ـ فقال مالك والليث والأوزاعيّ: يفرق بينهما ولا تحل له أبداً. قال مالك والليث: ولا بملك اليمين؛ مع أنهم جوّزوا التزويج بالمزنيّ بها. وٱحتجوا بأن عمر بن الخطاب قال: لا يجتمعان أبداً. قال سعيد: ولها مهرها بما ٱستحلّ من فرجها؛ أخرجه مالك في موطئه وسيأتي. وقال الثوريّ والكوفيون والشافعيّ: يفرّق بينهما ولا يتأبّد التحريم بل يفسخ بينهما ثم تعتدّ منه، ثم يكون خاطباً من الخطاب. وٱحتجوا بإجماع العلماء على أنه لو زنى بها لم يحرم عليه تزويجها؛ فكذلك وطؤه إياها في العِدّة. قالوا: وهو قول عليّ. ذكره عبد الرزاق. وذكر عن ٱبن مسعود مثله؛ وعن الحسن أيضاً. وذكر عبد الرزاق عن الثوريّ عن أشعث عن الشعبيّ عن مسروق أن عمر رجع عن ذلك وجعلهما يجتمعان. وذكر القاضي أبو الوليد الباجيّ في المنتقى فقال: لا يخلو الناكح في العدّة إذا بني بها أن يبني بها في العِدّة أو بعدها؛ فإن كان بنى بها في العدّة فإن المشهور من المذهب أن التحريم يتأبّد؛ وبه قال أحمد بن حنبل. وروى الشيخ أبو القاسم في تفريعه أنّ في التي يتزوّجها الرجل في عدّة من طلاق أو وفاة عالماً بالتحريم روايتين؛ إحداهما ـ أن تحريمه يتأبّد على ما قدّمناه. والثانية ـ أنه زانٍ وعليه الحدّ، ولا يُلحق به الولد، وله أن يتزوّجها إذا ٱنقضت عدّتها؛ وبه قال الشافعيّ وأبو حنيفة. ووجه الرواية الأُولىٰ ـ وهي المشهورة ـ ما ثبت من قضاء عمر بذلك، وقيامه بذلك في الناس، وكانت قضاياه تسير وتنتشر وتنقل في الأمصار، ولم يُعلم له مخالفٌ؛ فثبت أنه إجماع. قال القاضي أبو محمد: وقد رُوي مثل ذلك عن عليّ بن أبي طالب، ولا مخالف لهما مع شهرة ذلك وٱنتشاره؛ وهذا حكم الإجماع. ووجه الرواية الثانية أن هذا وطء ممنوع فلم يتأبد تحريمه؛ كما لو زوّجت نفسها أو تزوّجت متعة أو زنت. وقد قال القاضي أبو الحسن: إن مذهب مالك المشهور في ذلك ضعيف من جهة النظر. والله أعلم. وأسند أبو عمر: حدّثنا عبد الوارث بن سفيان حدثنا قاسم بن أصبغ بن محمد بن إسماعيل عن نعيم بن حماد عن ٱبن المبارك عن أشعث عن الشعبيّ عن مسروق قال: بلغ عمر بن الخطاب أن ٱمرأة من قريش تزوّجها رجل من ثَقِيف في عدّتها فأرسل إليهما ففرّق بينهما وعاقبهما وقال: لا تنكحْها أبداً وجعل صداقها في بيت المال؛ وفشا ذلك في الناس فبلغ علياً فقال: يرحم الله أمير المؤمنين! ما بال الصداق وبيت المال! إنما جهِلاً فينبغي للإمام أن يردّهما إلى السنة. قيل: فما تقول أنت فيهما؟ فقال: لها الصداق بما ٱستحِلّ من فرجها، ويفرّق بينهما ولا جلد عليهما، وتكمِّل عدّتها من الأوّل، ثم تعتدّ من الثاني عدّة كاملة ثلاثة أقراء ثم يخطبها إن شاء. فبلغ ذلك عمر فخطب الناس فقال: أيها الناس، ردّوا الجهالات إلى السنة. قال الكِيا الطبريّ: ولا خلاف بين الفقهاء أن من عقد على ٱمرأة نكاحها وهي في عدّة من غيره أن النكاح فاسد. وفي ٱتفاق عمر وعليّ على نفي الحدّ عنهما ما يدل على أن النكاح الفاسد لا يوجب الحدّ؛ إلاَّ أنه مع الجهل بالتحريم متفق عليه، ومع العلم به مختلف فيه. وٱختلفوا هل تعتدّ منهما جميعاً، وهذه مسألة العِدّتين وهي: السابعة ـ فروى المدنيون عن مالك أنها تتم بقية عدّتها من الأوّل، وتستأنف عدّة أُخرى من الآخر؛ وهو قول الليث والحسن بن حَيّ والشافعيّ وأحمد وإسحاق. ورُوي عن عليّ كما ذكرنا، وعن عمر على ما يأتي. وروى محمد بن القاسم وٱبن وهب عن مالك: أن عدّتها من الثاني تكفيها من يوم فُرّق بينه وبينها، سواء كانت بالحمل أو بالأقراء أو بالشهور؛ وهو قول الثوريّ والأُوزاعيّ وأبي حنيفة. وحجتهم الإجماع على أن الأوّل لا ينكحها في بقية العدّة منه؛ فدل على أنها في عدّة من الثاني، ولولا ذلك لنكحها في عدّتها منه. أجاب الأوّلون فقالوا: هذا غير لازم لأن منع الأوّل من أن ينكحها في بقية عدّتها إنما وجب لما يتلوها من عدّة الثاني؛ وهما حقان قد وجبا عليها لزوجين كسائر حقوق الآدميين، لا يدخل أحدهما في صاحبه. وخرّج مالك عن ٱبن شهاب عن سعيد بن المسيب وعن سليمان بن يَسار أن طُلَيْحَة الأسدية كانت تحت رشيد الثقفيّ فطلقها فنكحت في عدّتها فضربها عمر بن الخطاب وضرب زوجها بالْمُخَفَقة ضربات وفرّق بينهما؛ ثم قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: أيّما ٱمرأة نَكحت في عدّتها فإن كان زوجها الذي تزوّج بها لم يدخل بها فُرّق بينهما، ثم ٱعتدّت بقية عدّتها من الزوج الأوّل، ثم كان الآخر خاطباً من الخُطّاب؛ وإن كان دخل بها فُرّق بينهما ثم ٱعتدّت بقية عدّتها من الأوّل، ثم ٱعتدّت من الآخر ثم لا يجتمعان أبداً. قال (مالك): وقال سعيد بن المسيب: ولها مهرها بما ٱسْتَحَل من فرجها. قال أبو عمر: وأما طُلَيْحة هذه فهي طليحة بنت عبيد الله أُخت طلحة بن عبيد الله التِّيميّ، وفي بعض نسخ الموطأ من رواية يحيى: طليحة الأسدية وذلك خطأ وجهل، ولا أعلم أحداً قاله. الثامنة ـ قوله «فضربها عمر بالمِخْفَقَة وضرب زوجها ضربات» يريد على وجه العقوبة لما ٱرتكباه من المحظور وهو النكاح في العدّة. وقال الزهريّ: فلا أدري كم بلغ ذلك الجلد. قال: وجلد عبد الملك في ذلك كل واحد منهما أربعين جلدة. قال: فسئل عن ذلك قُبَيْصَة بن ذُؤَيْب فقال: لو كنتم خففتم فجلدتم عشرين! وقال ٱبن حبيب في التي تتزوّج في العدّة فيمسها الرجل أو يقبل أو يباشر أو يغمِز أو ينظر على وجه اللذة أن على الزوجين العقوبة وعلى الوليّ وعلى الشهود ومن علم منهم أنها في عدّة، ومن جهل منهم ذلك فلا عقوبة عليه. وقال ٱبن الموّاز: يجلد الزوجان الحدّ إن كانا تعمدَا ذلك؛ فيحمل قول ٱبن حبيب على من علم بالعدّة، ولعله جهل التحريم ولم يتعمد ٱرتكاب المحظور فذلك الذي يعاقب؛ وعلى ذلك كان ضرب عمر المرأةَ وزوجها بالمِخْفَفَة ضربات. وتكون العقوبة والأدب في ذلك بحسب حال المعاقَب. ويحمل قول ٱبن الموّاز على أنهما عَلِمَا التحريم وٱقتحما ٱرتكاب المحظور جرأة وإقداماً. وقد قال الشيخ أبو القاسم: إنهما روايتان في التعمد؛ إحداهما يُحدّ، والثانية يُعاقب ولا يُحدّ. التاسعة ـ قوله تعالى: {وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِيۤ أَنْفُسِكُمْ فَٱحْذَرُوهُ} هذا نهاية التحذير من الوقوع فيما نهى عنه.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى: {وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ} أن تعرضوا بخطبة النساء في عدتهن من وفاة أزواجهن من غير تصريح، قال الثوري وشعبة وجرير وغيرهم، عن منصور، عن مجاهد، عن ابن عباس في قوله: {وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُم بِهِ مِنْ خِطْبَةِ ٱلنِّسَآءِ} قال: التعريض أن يقول: إني أريد التزويج، وإني أحب امرأة من أمرها ومن أمرها ـ يعرض لها بالقول بالمعروف ـ وفي رواية: وددت أن الله رزقني امرأة، ونحو هذا، ولا ينتصب للخطبة، وفي رواية: إني لا أريد أن أتزوج غيرك إن شاء الله، ولوددت أني وجدت امرأة صالحة، ولا ينتصب لها ما دامت في عدتها. ورواه البخاري تعليقاً، فقال: وقال لي طلق بن غنام: عن زائدة، عن منصور، عن مجاهد، عن ابن عباس: {وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُم بِهِ مِنْ خِطْبَةِ ٱلنِّسَآءِ} هو أن يقول: إني أريد التزويج، وإن النساء لمن حاجتي، ولوددت أن ييسر لي امرأة صالحة. وهكذا قال مجاهد وطاوس وعكرمة وسعيد بن جبير وإبراهيم النخعي والشعبي والحسن وقتادة والزهري ويزيد بن قسيط ومقاتل بن حيان والقاسم بن محمد وغير واحد من السلف والأئمة في التعريض: إنه يجوز للمتوفى عنها زوجها من غير تصريح لها بالخطبة، وهكذا حكم المطلقة المبتوتة يجوز التعريض لها، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لفاطمة بنت قيس حين طلقها زوجها أبو عمرو بن حفص آخر ثلاث تطليقات، فأمرها أن تعتد في بيت ابن أم مكتوم، وقال لها: فإذا حللت فآذنيني، فلما حلت، خطب عليها أسامة بن زيد مولاه، فزوجها إياه، فأما المطلقة فلا خلاف في أنه لا يجوز لغير زوجها التصريح بخطبتها ولا التعريض لها، والله أعلم. وقوله: {أَوْ أَكْنَنتُمْ فِىۤ أَنفُسِكُمْ} أي: أضمرتم في أنفسكم من خطبتهن، وهذا كقوله تعالى: { أية : وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ }تفسير : [القصص: 69] وكقوله: {أية : وَأَنَاْ أَعْلَمُ بِمَآ أَخْفَيْتُمْ وَمَآ أَعْلَنتُمْ}تفسير : [الممتحنة: 1] ولهذا قال: {عَلِمَ ٱللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ} أي: في أنفسكم، فرفع الحرج عنكم في ذلك. ثم قال: {وَلَـٰكِن لاَّ تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا} قال أبو مجلز وأبو الشعثاء جابر بن زيد والحسن البصري وإبراهيم النخعي وقتادة والضحاك والربيع بن أنس وسليمان التيمي ومقاتل بن حيان والسدي: يعني: الزنا، وهو معنى رواية العوفي عن ابن عباس، واختاره ابن جرير، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: {وَلَـٰكِن لاَّ تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا} لا تقل لها: إني عاشق، وعاهديني أن لا تتزوجي غيري، ونحو هذا، وكذا روي عن سعيد بن جبير والشعبي وعكرمة وأبي الضحى والضحاك والزهري ومجاهد والثوري: هو أن يأخذ ميثاقها أن لا تتزوج غيره. وعن مجاهد: هو قول الرجل للمرأة: لا تفوتيني بنفسك؛ فإني ناكحك، وقال قتادة: هو أن يأخذ عهد المرأة، وهي في عدتها، أن لا تنكح غيره، فنهى الله عن ذلك، وقدم فيه، وأحل الخطبة، والقول بالمعروف. وقال ابن زيد: {وَلَـٰكِن لاَّ تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا} هو أن يتزوجها في العدة سراً، فإذا حلت أظهر ذلك، وقد يحتمل أن تكون الآية عامة في جميع ذلك، لهذا قال: {إِلاَّ أَن تَقُولُواْ قَوْلاً مَّعْرُوفًا} قال ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير والسدي والثوري وابن زيد: يعني به ما تقدم من إباحة التعريض؛ كقوله: إني فيك لراغب، ونحو ذلك، وقال محمد بن سيرين: قلت لعبيدة: ما معنى قوله: {إِلاَّ أَن تَقُولُواْ قَوْلاً مَّعْرُوفًا}؟ قال: يقول لوليها: لا تسبقني بها، يعني: لا تزوجها حتى تعلمني، رواه ابن أبي حاتم. وقوله: {وَلاَ تَعْزِمُواْ عُقْدَةَ ٱلنِّكَاحِ حَتَّىٰ يَبْلُغَ ٱلْكِتَـٰبُ أَجَلَهُ} يعني: ولا تعقدوا العقدة بالنكاح حتى تنقضي العدة. قال ابن عباس ومجاهد والشعبي وقتادة والربيع بن أنس وأبو مالك وزيد بن أسلم ومقاتل بن حيان والزهري وعطاء الخراساني والسدي والثوري والضحاك: {حَتَّىٰ يَبْلُغَ ٱلْكِتَـٰبُ أَجَلَهُ} يعني: ولا تعقدوا العقد بالنكاح حتى تنقضي العدة، وقد أجمع العلماء على أنه لا يصح العقد في العدة. واختلفوا فيمن تزوج امرأة في عدتها، فدخل بها، فإنه يفرق بينهما، وهل تحرم عليه أبداً؟ على قولين: الجمهور على أنها لا تحرم عليه، بل له أن يخطبها إذا انقضت عدتها. وذهب الإمام مالك إلى أنها تحرم عليه على التأبيد، واحتج في ذلك بما رواه عن ابن شهاب وسليمان بن يسار، أن عمر رضي الله عنه، قال: أيما امرأة نكحت في عدتها، فإن كان زوجها الذي تزوج بها لم يدخل بها فرق بينهما، ثم اعتدت بقية عدتها من زوجها الأول، وكان خاطباً من الخطاب، وإن كان دخل بها، فرق بينهما، ثم اعتدت بقية عدتها من زوجها الأول، ثم اعتدت من الآخر، ثم لم ينكحها أبداً. وقالوا: ومأخذ هذا أن الزوج لما استعجل ما أحل الله، عوقب بنقيض قصده، فحرمت عليه على التأبيد؛ كالقاتل يحرم الميراث. وقد روى الشافعي هذا الأثر عن مالك. قال البيهقي: وذهب إليه في القديم، ورجع عنه في الجديد؛ لقول علي: إنها تحل له. (قلت): قال: ثم هو منقطع عن عمر. وقد روى الثوري عن أشعث، عن الشعبي، عن مسروق، أن عمر رجع عن ذلك، وجعل لها مهرها، وجعلهما يجتمعان. وقوله: {وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِىۤ أَنفُسِكُمْ فَٱحْذَرُوهُ}، توعدهم على ما يقع في ضمائرهم من أمور النساء، وأرشدهم إلى إضمار الخير دون الشر، ثم لم يؤيسهم من رحمته، ولم يقنطهم من عائدته، فقال: {وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ}.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُم } لوّحتم {بِهِ مِنْ خِطْبَةِ ٱلنِسَآء } المتوفى عنهن أزواجهن في العدّة كقول الإنسان مثلاً: إنك لجميلة، ومن يجد مثلك؟ ورُبَّ راغب فيك {أَوْ أَكْنَنتُمْ } أضمرتم {فِى أَنفُسِكُمْ } من قصد نكاحهن {عَلِمَ ٱللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ } بالخطبة ولا تصبرون عنهن فأباح لكم التعريض {وَلَٰكِن لاَّ تُوَاعِدُوهُنَّ سِرّاً } أي نكاحاً {إِلآ } لكن {أَن تَقُولُواْ قَوْلاً مَّعْرُوفًا } أي ما عرف شرعاً من التعريض فلكم ذلك {وَلاَ تَعْزِمُواْ عُقْدَةَ ٱلنِّكَاحِ } أي على عقده {حَتَّىٰ يَبْلُغَ ٱلْكِتَٰبُ } أي المكتوب من العدّة {أَجَلَهُ } بأن ينتهي {وَٱعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِى أَنفُسِكُمْ } من العزم وغيره {فَٱحْذَرُوهُ } أن يعاقبكم إذا عزمتم {وَٱعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ } لمن يحذره {حَلِيمٌ } بتأخيره العقوبة عن مستحقها.

الشوكاني

تفسير : الجناح: الإثم، أي: لا إثم عليكم، والتعريض ضد التصريح، وهو: من عرض الشيء. أي: جانبه، كأنه يحوم به حول الشيء، ولا يظهره. وقيل: هو من قولك: عرضت الرجل. أي: أهديت له. ومنه أن ركباً من المسلمين عرضوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبا بكر ثياباً بيضاً، أي: أهدوا لهما، فالمعرض بالكلام يوصل إلى صاحبه كلاماً يفهم معناه. وقال في الكشاف: الفرق بين الكناية، والتعريض، أن الكناية أن يذكر الشيء بغير لفظه الموضوع له، والتعريض أن يذكر شيئاً يدل به على شيء لم يذكره، كما يقول المحتاج للمحتاج إليه: جئتك لأسلم عليك، ولأنظر إلى وجهك الكريم، ولذلك قالوا:شعر : وحسبك بالتسليم مني تقاضياً تفسير : وكأنه إمالة الكلام إلى عرض يدل على الغرض، ويسمى التلويح؛ لأنه يلوح منه ما يريده. انتهى. والخطبة بالكسر: ما يفعله الطالب من الطلب، والاستلطاف بالقول، والفعل، يقال: خطبها يخطبها خطبة، وخطباً. وأما الخطبة بضم الخاء، فهي الكلام الذي يقوم به الرجل خاطباً. وقوله: {أَكْنَنتُمْ } معناه سترتم، وأضمرتم من التزويج بعد انقضاء العدة. والإكنان: التستر والإخفاء: يقال: أكننته، وكننته بمعنى واحد. ومنه {أية : بيض مكنون}تفسير : [الصافات: 9]، ودر مكنون. ومنه أيضاً أكنّ البيت صاحبه. أي: ستره. وقوله: {عَلِمَ ٱللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ } أي: علم الله أنكم لا تصبرون عن النطق لهنّ برغبتكم فيهن، فرخص لكم في التعريض دون التصريح. وقال في الكشاف: إن فيه طرفاً من التوبيخ كقوله: {عَلِمَ ٱللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنفُسَكُمْ}. وقوله: {وَلَـٰكِن لاَّ تُوَاعِدُوهُنَّ سِرّا } معناه: على سرّ، فحذف الحرف؛ لأن الفعل لا يتعدى إلى المفعولين. وقد اختلف العلماء في معنى السر، فقيل: معناه نكاحاً. أي: لا يقل الرجل لهذه المعتدّة تزوّجيني بل يعرض تعريضاً. وقد ذهب إلى أن معنى الآية هذا جمهور العلماء، وقيل: السرّ: الزنا، أي: لا يكن منكم مواعدة على الزنا في العدّة، ثم التزويج بعدها. قاله جابر بن زيد، وأبو مجلز، والحسن، وقتادة، والضحاك، والنخعي، واختاره ابن جرير الطبري، ومنه قول حطيئة:شعر : وَيَحْرُمُ سِرُّ جَارَتِهِم عَلَيهم وَيَأْكُلُ جَارُهُم أنفَ القِصَاعِ تفسير : وقيل: السرّ: الجماع، أي: لا تصفوا أنفسكم لهنّ بكثرة الجماع ترغيباً لهنّ في النكاحّ، وإلى هذا ذهب الشافعي في معنى الآية، ومنه قول امرىء القيس:شعر : ألاَ زَعَمْت بَسْبَاسة اليوم أنَّني كِبرْتُ وَأنْ لا يُحْسِن السِرّ أمثَاليِ تفسير : ومثله قول الأعشى:شعر : فَلَنْ تَطْلُبُوا سِرَّها لْلغِنَى وَلنْ تَسْلِموها لأَزْهَادِهَا تفسير : أراد: تطلبون نكاحها لكثرة مالها، ولن تسلموها لقلة مالها، والاستدراك بقوله: {لَكِنِ } من مقدّر محذوف دلّ عليه {سَتَذْكُرُونَهُنَّ } أي: فاذكروهنّ {وَلَـٰكِن لاَّ تُوَاعِدُوهُنَّ سِرّا }. قال ابن عطية: أجمعت الأمة على أن الكلام مع المعتدة بما هو رفث من ذكر جماع، أو تحريض عليه لا يجوز. وقال أيضاً: أجمعت الأمة على كراهة المواعدة في العدّة للمرأة في نفسها، وللأب في ابنته البكر، وللسيد في أمته. قوله: {إِلاَّ أَن تَقُولُواْ قَوْلاً مَّعْرُوفًا } قيل: هو استثناء منقطع بمعنى لكن، والقول المعروف: هو ما أبيح من التعريض. ومنع صاحب الكشاف أن يكون منقطعاً، وقال: هو مستثنى من قوله: {لاَّ تُوَاعِدُوهُنَّ } أي: لا تواعدوهنّ مواعدة قط إلا مواعدة معروفة غير منكرة؛ فجعله على هذا استثناء مفرغاً، ووجه منع كونه منقطعاً أنه يؤدي إلى جعل التعريض موعوداً، وليس كذلك؛ لأن التعريض طريق المواعدة، لا أنه الموعود في نفسه. قوله: {وَلاَ تَعْزِمُواْ عُقْدَةَ ٱلنّكَاحِ } قد تقدّم الكلام في معنى العزم، يقال: عزم الشيء، وعزم عليه، والمعنى هنا: لا تعزموا على عقدة النكاح، ثم حذف "على". قال سيبويه: والحذف في هذه الآية لا يقاس عليه. وقال النحاس: يجوز أن يكون المعنى، ولا تعقدوا عقدة النكاح؛ لأن معنى تعزموا، وتعقدوا واحد، وقيل: إن العزم على الفعل يتقدّمه، فيكون في هذا النهي مبالغة؛ لأنه إذا نهى عن المتقدم على الشيء، كان النهي عن ذلك الشيء بالأولى. قوله: {حَتَّىٰ يَبْلُغَ ٱلْكِتَـٰبُ أَجَلَهُ } يريد حتى تنقضي العدّة، والكتاب هنا هو: الحدّ، والقدر الذي رسم من المدّة، سماه كتاباً؛ لكونه محدوداً، ومفروضاً كقوله تعالى: {أية : إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً }تفسير : [النساء: 103] وهذا الحكم أعني تحريم عقد النكاح في العدّة مجمع عليه. وقد أخرج عبد الرزاق، وسعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، والبخاري، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي عن ابن عباس في قوله: {وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُم بِهِ مِنْ خِطْبَةِ ٱلنِسَاء } قال: التعريض أن تقول: إني أريد التزويج، وإني لأحب المرأة من أمرها، وأمرها، وإن من شأني النساء، ولوددت أن الله يسر لي امرأة صالحة. وأخرج ابن جرير عنه أنه يقول لها: إن رأيت أن لا تسبقيني بنفسك، ولوددت أن الله قد هيأ بيني وبينك، ونحو هذا من الكلام. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عنه قال: يقول إني فيك لراغب، ولوددت أني تزوجتك. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير عن الحسن في قوله: {أَوْ أَكْنَنتُمْ } قال: أسررتم. وأخرج عبد الرزاق عن الضحاك مثله. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير عن الحسن في قوله: {عَلِمَ ٱللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ } قال: بالخطيئة. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير عن مجاهد قال: ذكره إياها في نفسه. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: {وَلَـٰكِن لاَّ تُوَاعِدُوهُنَّ سِرّا } قال: يقول لها إني عاشق، وعاهديني أن لا تتزوّجي غيري ونحو هذا {إِلاَّ أَن تَقُولُواْ قَوْلاً مَّعْرُوفًا } وهو قوله: إن رأيت أن لا تسبقيني بنفسك. وأخرج ابن جرير عنه في السرّ أنه الزنا، كان الرجل يدخل من أجل الزنا، وهو يعرض بالنكاح، وأخرج عبد الرزاق، وابن المنذر عنه في قوله: {إِلاَّ أَن تَقُولُواْ قَوْلاً مَّعْرُوفًا } قال: يقول: إنك لجميلة، وإنك إليّ خير، وإن النساء من حاجتي. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عنه في قوله: {وَلاَ تَعْزِمُواْ عُقْدَةَ ٱلنّكَاحِ } قال: لا تنكحوا {حَتَّىٰ يَبْلُغَ ٱلْكِتَـٰبُ أَجَلَهُ } قال: حتى تنقضي العدّة.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {وَلاَ جُنَاحَ عَلَيكُم فِيمَا عَرَّضْتُم بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ} أما التعريض، فهو الإشارة بالكلام إلى ما ليس فيه ذكر النكاح، وأما الخِطبة بالكسر فهي طلب النكاح، وأما الخُطبة بالضَّمِ فهي كلام يتضمن وعْظاً أو بلاغاً. والتعريض المباح في العدة أن يقول لها: ما عليك أَيْمة ولعل الله أن يسوق إليك خيراً، أو يقول: رُبَّ رجلٍ يَرْغب فيك، غلى ما جرى مجرى هذه الألفاظ. ثم قال تعالى: {أو أكننتم في أنفسكم} يعني ما أسررتموه من عقدة النكاح. ثم قال تعالى: {عَلِمَ اللهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِن لاَّ تُوَاعِدُوهُنَّ سِرّاً} في السر خمسة تأويلات: أحدها: أنه الزنى، وهو قول الحسن، وأبي مجلز، والسدي، والضحاك وقتادة. والثاني: ألا تأخذوا ميثاقهن وعهودهن في عِددهن ألا ينكحن غيركم، وهذا قول ابن عباس، وسعيد بن جبير، والشعبي. والثالث: ألا تنكحوهن في عِددهن سراً، وهو قول عبد الرحمن بن زيد. والرابع: أن يقول لها: لا تفوتني نفسك، وهو قول مجاهد. والخامس: الجماع، وهو قول الشافعي. ثم قال تعالى: {إلا أن تقولوا قولاً معروفاً} معناه: قولوا قولاً معروفاً، وهو التعريض. ثم قال تعالى: {وَلاَ تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحَ حَتَى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ}. وفي الكلام حذف وتقديره: ولا تعزموا على عقدة النكاح، يعني التصريح بالخطبة. وفي {حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ} قولان: أحدهما: معناه فرض الكتاب أجله، يريد انقضاء العدّة، فحذف الفرض اكتفاء بما دل عليه الكلام. والثاني: أنه أراد بالكتاب الفرض تشبيهاً بكتاب.

ابن عطية

تفسير : {وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُم بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَآءِ أَوْ أَكْنَنتُمْ فِي أَنفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِن لاَّ تُوَاعِدُوهُنَّ سِرّاً إلاَّ أَن تَقُولُواْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً} المخاطبة بهذه الآية لجميع الناس، والمباشر لحكمها هو الرجل في نفسه تزويج معتدة، والتعريض هو الكلام الذي لا تصريح فيه كأنه يعرض لفكر المتكلم به، وأجمعت الأمة على أن الكلام مع المعتدة بما هو نص في تزويجها وتنبيه عليه لا يجوز، وكذلك أجمعت على أن الكلام معها بما هو رفث وذكر جماع أو تحريض عليه لا يجوز. وجوز ما عدا ذلك، ومن أعظمه قرباً إلى التصريح قول النبي صلى الله عليه وسلم لفاطمة بنت قيس:"كوني عند أم شريك ولا تسبقيني بنفسك". ومن المجوز قول الرجل: إنك لإلى خير، وإنك لمرغوب فيك، وإني لأرجو أن أتزوجك، وإن يقدر أمر يكن، هذا هو تمثيل مالك وابن شهاب وكثير من أهل العلم في هذا، وجائز أن يمدح نفسه ويذكر مآثره على جهة التعريض بالزواج، وقد فعله أبو جعفر محمد بن علي بن حسين، واحتج بأن النبي صلى الله عليه وسلم فعله مع أم سلمة، والهدية إلى المعتدة جائزة، وهي من التعريض، قاله سحنون وكثير من العلماء. قال القاضي أبو محمد: وقد كره مجاهد أن يقول لا تسبقيني بنفسك، ورآه من المواعدة سراً، وهذا عندي على أن يتأول قول النبي صلى الله عليه وسلم لفاطمة بنت قيس إنه على جهة الرأي لها فيمن يتزوجها لا أنه أرادها لنفسه، وإلا فهو خلاف لقوله صلى الله عليه وسلم، والخطبة بكسر الخاء فعل الخاطب من كلام وقصد واستلطاف بفعل أو قول، يقال خطبها يخطبها خطباً وخطبة ورجل خطّاب كثير التصرف في الخطبة، ومنه قول الشاعر: [الرجز] شعر : برح بالعينين خطّاب الكثبْ يقول إني خاطب وقد كذبْ وإنما يخطب عساً من حلبْ تفسير : والخطبة "فِعلة" كجلسة "وقِعدة"، والخُطبة بضم الخاء هي الكلام الذي يقال في النكاح وغيره، {أو أكنتم} معناه سترتم وأخفيتم، تقول العرب: كننت الشيء من الأجرام، إذا سترته في بيت أو ثوب أو أرض ونحوه، وأكننت الأمر في نفسي، ولم يسمع من العرب كننته في نفسي، وتقول أكن البيت الإنسان ونحو هذا، فرفع الله الجناح عمن أراد تزوج المعتدة مع التعريض ومع الإكنان، ونهى عن المواعدة التي هي تصريح بالتزويج وبناء عليه واتفاق على وعد، فرخص لعلمه تعالى بغلبة النفوس وطمحانها وضعف البشر عن ملكها، وقوله تعالى {ستذكرونهن}، قال الحسن: معناه ستخطبونهن. قال القاضي أبو محمد: كأنه قال إن لم تنهوا، وقال غير الحسن: معناه علم الله أنكم ستذكرون النساء المعتدات في نفوسكم وبألسنتكم لمن يخف عندكم فنهى عن أن يوصل إلى التواعد معها لما في ذلك من هتك حرمة العدة، وقوله تعالى: {ولكن لا تواعدوهن سراً} ذهب ابن عباس وابن جبير ومالك وأصحابه والشعبي ومجاهد وعكرمة والسدي وجمهور أهل العلم إلى أن المعنى لا توافقوهن بالمواعدة والتوثق وأخذ العهود في استسرار منكم وخفية، فــ {سراً} على هذا التأويل نصب على الحال أي مستسرين. وقال جابر بن زيد وأبو مجلز لاحق بن حميد والحسن بن أبي الحسن والضحاك وإبراهيم النخعي: السر في هذه الآية الزنا أي لا تواعدوهن زنى. قال القاضي أبو محمد: هكذا جاءت عبارة هؤلاء في تفسير السر وفي ذلك عندي نظر، وذلك أن السر في اللغة يقع على الوطء حلاله وحرامه، لكن معنى الكلام وقرينته ترد إلى أحد الوجهين، فمن الشواهد قول الحطيئة: [الوافر] شعر : وَيَحْرُمُ سِرُّ جَارتِهِمْ عَلَيْهِمْ وَيَأْكُلُ جَارُهُمْ أَنْفَ القِصَاعِ تفسير : فقرينة هذا البيت تعطي أن السر أراد به الوطء حراماً، وإلا فلو تزوجت الجارة كما يحسن لم يكن في ذلك عار، ومن الشواهد قول الآخر: [الطويل] شعر : أَخَالَتَنَا سِرُّ النّساءِ مُحَرَّمٌ عليَّ، وَتَشْهَادُ النَّدامى مَعَ الْخَمْرِ لئن لم أصبّحْ داهناً ولفيفَها وناعبَها يوماً براغيةِ البكْرِ تفسير : فقرينة هذا الشعر تعطي أنه أراد تحريم جماع النساء عموماً في حرام وحلال حتى ينال ثأره، والآية تعطي النهي عن أن يواعد الرجل المعتدة أن يطأها بعد العدة بوجه التزويج، وأما المواعدة في الزنى فمحرم على المسلم مع معتدة وغيرها، وحكى مكي عن ابن جبير أنه قال: "سراً: نكاحاً"، وهذه عبارة مخلصة، وقال ابن زيد: "معنى قوله {ولكن لا تواعدوهن سراً} أي لا تنكحوهن وتكتمون ذلك فإذا حلت أظهرتموه ودخلتم بهن". قال القاضي أبو محمد: فابن زيد في معنى السر مع القول الأول أي خفية، وإنما شذ في أن سمى العقد مواعدة، وذلك قلق لأن العقد متى وقع وإن تكتم به فإنما هو في عزم العقدة، وحكى مكي عنه أنه قال: "الآية منسوخة بقوله: {ولا تعزموا عقدة النكاح} وأجمعت الأمة على كراهية المواعدة في العدة للمرأة في نفسها، وللأب في ابنته البكر، وللسيد في أمته، قال ابن المواز: "فأما الولي الذي لا يملك الجبر فأكرهه، وإن نزل لم افسخه"، وقال مالك رحمه الله فيمن يواعد في العدة ثم يتزوج بعدها: "فراقها أحب إليّ دَخَلَ بها أو لم يدخل وتكون تطليقة واحدة، فإذا حلت خطبها مع الخطاب"، هذه رواية ابن وهب، وروى أشهب عن مالك أنه يفرق بينهما إيجاباً، وقاله ابن القاسم، وحكى ابن حارث مثله عن ابن الماجشون، وزاد ما يقتضي أن التحريم يتأبد، وقوله تعالى: {إلا أن تقولوا قولاً معروفاً} استثناء، منقطع، والقول المعروف هو ما أبيح من التعريض، وقد ذكر الضحاك أن من القول المعروف أن يقول الرجل للمعتدة احبسي عليَّ نفسك فإن لي بك رغبة، فتقول هي وأنا مثل ذلك. قال القاضي أبو محمد: وهذه عندي مواعدة، وإنما التعريض قول الرجل: إنكم لأكفاء كرام، وما قدر كان، وإنك لمعجبة، ونحو هذا. قوله عز وجل: {وَلاَ تَعْزِمُواْ عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِى أَنفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ} عزم العقدة عقدها بالإشهاد والولي، وحينئذ تسمى {عقدة}، وقوله تعالى {حتى يبلغ الكتاب أجله} يريد تمام العدة، و {الكتاب} هنا هو الحد الذي جعل والقدر الذي رسم من المدة، سماه كتاباً إذ قد حده وفرضه كتاب الله، كما قال: {أية : كتاب الله عليكم} تفسير : [النساء: 24]، وكما قال: {أية : إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً} تفسير : [النساء: 103]، ولا يحتاج عندي في الكلام إلى حذف مضاف، وقد قدر إسحاق في ذلك حذف مضاف أي فرض الكتاب، وهذا على أن جعل الكتاب القرآن، واختلف أهل العلم إن خالف أحد هذا النهي وعزم العقدة قبل بلوغ الأجل. قال القاضي أبو محمد: وأنا أفصل المسألة إن شاء الله تعالى، أما إن عقد العدة وعثر عليه ففسخ الحاكم نكاحه وذلك قبل الدخول: فقول عمر بن الخطاب وجماعة من العلماء إن ذلك لا يؤبد تحريماً، وقاله مالك وابن القاسم في المدونة في آخر الباب الذي يليه ضرب أجل امرأة المفقود، وقال الجميع: يكون خاطباً من الخطّاب، وحكى ابن الجلاب عن مالك رواية أن التحريم يتأبد في العقد في العدة وإن فسخ قبل الدخول، وأما إن عقد في العدة ودخل بعد انقضائها فقال قوم من أهل العلم: ذلك كالدخول في العدة يتأبد التحريم بينهما، وقال قوم من أهل العلم: لا يتأبد بذلك تحريم، وقال مالك مرة: يتأبد التحريم، وقال مرة: وما التحريم بذلك بالبين، والقولان له في المدونة في طلاق السنة، وأما إن دخل في العدة فقول عمر بن الخطاب ومالك وجماعة من أصحابه والأوزاعي والليث وغيرهم من أهل العلم: إن التحريم يتأبد، وقول علي بن أبي طالب رضي الله عنه وابن مسعود وإبراهيم وأبي حنيفة والشافعي وجماعة من العلماء وعبد العزيز بن أبي سلمة: إن التحريم لا يتأبد وإن وطىء في العدة، بل يفسخ بينهما ثم تعتد منه ثم يكون خاطباً من الخطاب، قال أبو حنيفة والشافعي: تعتد من الأول فإذا انقضت العدة فلا بأس أن يتزوجها الآخر، وحكى ابن الجلاب رواية في المذهب أن التحريم لا يتأبد مع الدخول في العدة، ذكرها في العالم بالتحريم المجترىء لأنه زان، وأما الجاهل فلا أعرف فيها خلافاً في المذهب. حدثني أبو علي الحسين بن محمد الغساني مناولة، قال نا أبو عمر بن عبد البر، نا عبد الوارث بن سفيان، نا قاسم بن أصبغ، عن محمد بن إسماعيل، عن نعيم بن حماد، عن ابن المبارك، عن أشعث، عن العشبي، عن مسروق، قال: بلغ عمر بن الخطاب أن امرأة من قريش تزوجها رجل من ثقيف في عدتها، فأرسل إليهما ففرق بينهما وعاقبهما، وقال: "لا تنكحها أبداً". وجعل صداقها في بيت المال، وفشا ذلك في الناس، فبلغ علياً فقال: "يرحم الله أمير المؤمنين، ما بال الصداق وبيت المال؟ إنما جهلا فينبغي للإمام أن يردهما إلى السنة"، قيل: فما تقول أنت فيها؟. قال: لها الصداق بما استحل من فرجها، ويفرق بينهما، ولا حد عليهما، وتكمل عدتها من الأول، ثم تعتد من الثاني عدة كاملة ثلاثة أقراء، ثم يخطبها إن شاء" فبلغ ذلك عمر بن الخطاب فخطب الناس فقال: "يا أيها الناس ردوا الجهالات إلى السنة"، وهذا قول الشافعي والليث في العدة من اثنين، وقال مالك وأصحاب الرأي والأوزاعي والثوري: عدة واحدة تكفيهما جميعاً سواء كانت بالحمل أو بالإقراء أو بالأشهر، وروى المدنيون عن مالك مثل قول علي بن أبي طالب والشافعي في إكمال العدتين، واختلف قول مالك رحمه الله في الذي يدخل في العدة عالماً بالتحريم مجترماً، فمرة قال: العلم والجاهل فيه سواء لا حد عليه، والصداق له لازم، والولد لاحق، ويعاقبان ولا يتناحكان أبداً، ومرة قال: العالم بالتحريم كالزاني يحد، ولا يلحق به الولد، وينكحها بعد الاستبراء، والقول الأول أشهر عن مالك رحمه الله. وقوله تعالى {واعلموا} إلى آخر الآية: تحذير من الوقوع فيما نهى عنه، وتوقيف على غفره وحلمه في هذه الأحكام التي بيَّنَ ووسَّعَ فيها من إباحة التعريض ونحوه.

ابن عبد السلام

تفسير : {عَرَّضْتُم} الإشارة بالكلام إلى ما ليس له فيه ذكر، كقوله ما عليكِ أيمة، ورغب راغب فيك، ولعل الله أن يسوق إليكِ خيراً {خِطْبَةِ} طلب النكاح، والخُطْبة: الكلام الذي يتضمن الوعظ والإبلاغ {أَكْنَنتُمْ} سترتم. {سِرّاً} زنا، أو الجماع، أو قوله: "لا تفوتيني نفسك" أو نكاحها في العدة سِراً، أو أخذه ميثاقها أن لا تنكح غيره. {قَوْلاً مَّعْرُوفاً} هو التعريض. {وَلاَ تَعْزِمُواْ عُقْدَةَ} على عقدة يريد التصريح {الْكِتَابُ أَجَلَهُ} فرض الكتاب، أو أراد بالكتاب الفرض تشبيهاً بكتاب الدَّين.

الخازن

تفسير : قوله عز وجل: {ولا جناح} أي لا حرج {عليكم فيما عرضتم به} أي لوحتم وأشرتم به والتعريض ضد التصريح ومعناه أن يضمن كلامه ما يصلح للدلالة على مقصوده ويصلح للدلالة على غير مقصوده ولكن إشعاره بجانب المقصود أتم وأرجح وقيل هو الإشارة إلى الشيء بما يفهم السامع مقصوده من غير تصريح به وقيل التعريض من الكلام ما له ظاهر وباطن {من خطبة النساء} يعني المعتدات في عدتهن والخطبة بالكسر طلب النكاح والتماسه وقيل هو ذكر النساء والخطبة بالضم كلام منظوم له أول وآخر، ومعنى الآية فيما عرضتم به من ذكر النساء عندهن. والتعريض بالخطبة في العدة مباح وهو أن يقول: إنك لجميلة، وإنك لصالحة وإن غرضي التزويج وإني فيك لراغب وعسى الله أن ييسر لي امرأة صالحة ونحو ذلك، من الكلام الموهم من غير تصريح لأن يقول إني أريد أن أنكحك أو أتزوجك ونحو ذلك ويدل على صحة هذا التأويل ما روي عن ابن عباس في قوله تعالى: {فيما عرضتم به من خطبة النساء} هو أن يقول: إني أريد التزويج، وإن النساء لمن حاجتي، ولوددت أن تيسر لي امرأة صالحة، أخرجه البخاري. وروي أن سكينة بنت حنظلة تأيمت فدخل عليها أبو جعفر محمد بن علي الباقر في عدتها فقال: قد علمت قرابتي من رسول الله صلى الله عليه وسلم وحق جدي عليّ وقدمي في الإسلام. فقالت سكينة: غفر الله لك أتخطبني في العدة وأنت يؤخذ عنك؟ فقال: إنما أخبرتك بقرابتي من رسول الله صلى الله عليه وسلم قد دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على أم سلمة وهي في عدة زوجها أبي سلمة فذكر لها منزلته من الله عز وجل وهو متحامل على يده حتى أثر الحصير في يده صلى الله عليه وسلم من شدة تحامله عليها فما كانت تلك خطبة {أو أكننتم} يعني أضمرتم {في أنفسكم} يعني من نكاحهن وقيل هو أن يدخل ويسلم ويهدي إن شاء ولا يتكلم بشيء، والمقصود أنه لا حرج عليكم في التعريض للمرأة في عدة الوفاة، ولا فيما يضمر الرجل في نفسه من الرغبة فيها {علم الله أنكم ستذكرونهن} يعني بقلوبكم لأن شهوة النفس والتمني لا يخلو منه أحد، فلما كان هذا الخاطر كالشيء الشاق أسقط عنه الحرج {ولكن لا تواعدوهن سراً} اختلفوا في معنى هذا السر المنهيّ عنه فقيل هو الزنا كان الرجل يدخل على المرأة يعرض بالنكاح ومراده الزنا ويقول لها: دعيني فإذا وفيت عدتك أظهرت نكاحك، فنهوا عن ذلك. وقيل هو قول بالرجل للمرأة لا تفوتيني نفسك فإني ناكحك. وقيل: هو أن يأخذ عليها العهد والميثاق أن لا تتزوج غيره وقيل هو أن يخطبها في العدة وقال الشافعي: السر الجماع، وهو رواية عن ابن عباس. قال الكلبي: لا تصفوا أنفسكم لهن بكثرة الجماع، ويدل على أن لفظ السر كناية عن الجماع قول امرئ القيس: شعر : ألا زعمت بسباسة اليوم أنني كبرت وألا يحسن السر أمثالي تفسير : بسباسة اسم امرأة. وإنما وقع الكناية عن الجماع بالسر لأنه مما يسر والله تعالى حييّ كريم فكنى به عن لفظ الجماع الصريح. ومعنى الآية: لا تواعدوهن مواعدة سرية أو لا تواعدوهن بالشيء الموصوف بالسرّ وقيل في معنى الآية أن الله تعالى أن أذن في أول الآية في التعريض بالخطبة ومنع في آخرها عن التصريح بالخطبة {إلاّ أن تقولوا قولاً معروفاً} يعني هو ما ذكر من التعريض بالخطبة. وقيل: هو إعلام ولي المرأة أنه راغب في نكاحها {ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله} أي لا تحققوا العزم على عقدة النكاح في العدة حتى تنقضي وإنما سماها الله كتاباً لأنها فرضت به {واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه} أي فخافوه {واعلموا أن الله غفور حليم} لا يعجل بالعقوبة على من جاهره بالمعصية بل يستر عليه.

ابن عرفة

تفسير : قوله تعالى: {وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُم بِهِ مِنْ خِطْبَةِ ٱلنِّسَآءِ...}. الزمخشري الكناية: هي أن يذكر الشيء بغير لفظه الموضوع له مثل: فلان جبان، (القلب) عظيم الرماد. والتعريض: أن يذكر شيئا يستدل به على شيء لم يذكره. ابن عرفة: فلفظه يقتضي أن الكناية ترجع لدلالة المطابقة والتعريض لدلالة الالتزام ولهذا كان بعضهم يقول في قولك: رأيت أسدا يريد به رجلا شجاعا إنه مطابقة ويرد على من كان يقول: إنّه مجاز ولذلك فرقوا بين دلالة اللفظ وبين الدلالة باللفظ لأن المطابقة دلالة اللّفظ على تمام مسماه بالإطلاق وما عرض من جعله مجازا، إلا أنه (فسر دلالة المطابقة بأنها دلالة اللّفظ على) تمام ما وضع له أوّلا. قلت: قال القزويني في الإيضاح الكناية لفظ أريد به لازم معناه مع جواز إرادة ذلك كقولك فلان: كثير رماد القدر، كناية عن الكرم. وطويل نجاد السيف كناية عن طول قامة الرجل. ومثله: بَعِيدَةٌ (مَهْوَى) القرط كناية عن طول قامة المرأة. قيل لابن عرفة: هل يجوز لمن عنده أربع نسوة أن يعرض ويواعد خامسة؟ فقال: الظاهر الجواز وهو أخف من المواعدة في العدة لأن من تزوج في العدة تحرم عليه للأبد، ومن تزوج خامسة يجبر على تطليق واحدة ونكاحه صحيح، وأيضا فالمواعد في العدة غير قادر على تنجيز (العقد عليها في الحال ومتزوج الخامسة) قادر على تطليق واحدة في الحال ويتزوجها. فإن قلت: (ليس) قادرا على أن يطلقها طلقة بائنة؟ قلنا: هو قادر على أن يطلقها بالثلاث. قيل لشيخنا القاضي أبي عبد الله: محمد بن القاضي أبي العباس أحمد بن حيدرة كان يقول: هذا إذا كان التعريض من أحد الجانبين فقط. وأما إذا وقع منهما التعريض فظاهر المذهب أنه كصريح المواعدة. فإن قلت: إذا نفي الجناح في التعريض فأحرى أن ينتفي عما يخطر بالقلب فما فائدة عطفه عليه. قلت: فائدته الإشعار بالتّسوية بينه وبين ما في النفس من الجواز أي هما سواء في رفع الحرج عن صاحبهما وعلى الحكم بتعريض الرجل للمرأة لأنه الأغلب والأكثر وجودا أن الرجال يخطبون النّساء فهو مفهوم خرج مخرج الغالب فيستفاد منه جواز العكس قياسا عليه. قوله تعالى: {وَلَـٰكِن لاَّ تُوَاعِدُوهُنَّ سِرّاً...}. الزمخشري: المستدرك مقدر، أي فاذكروهنّ وَلكِن لاَ تُوَاعدوهنّ سِرّا. قال ابن عرفة: هذا يتخرج من الخلاف في أنّ ما بعد (لَكِن) إن كان مناقضا لما قبلها جاز بلا خلاف وإن وافقه امتنع اتّفاقا فإن خالفه فقولان، ومفهومه تحريم المواعدة جهرا من باب أحرى. قوله تعالى: {إِلاَّ أَن تَقُولُواْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً...}. جلعها الزمخشري متصلا أمّا مستثنى من مصدر "تُوَاعِدُوهُنَّ" أي إلاّ مواعدة القول المعروف فينتصب على المصدر أو مفرعا من مجرور أي إلاّ بالقول المعروف فينتصب على إسقاط حرف الجر، ومنع انفصاله على استثنائه من "سِرّا" لعدم تسلّط العامل عليه فلا يجوز: لاَ تُوَعِدُوهُنّ إِلاّ التعريض. ورده أبو حيان بمنع الحصر لأن المنفصل قسمان ما تسلط عليه العامل. مثل: مَا رَأَيْتُ أَحَدا (إِلاّ حِمَارا) فالحجازيون أوجبوا نصبه والتميميون أجازوا اتباعه لما قبله. وما لم يسلط عليه العامل نحو ما زاد إلا ما نقص. (قلت: وعبر القرافي عمّا يتسلط عليه العامل بأن يكون الحكم على المستثنى بنقيض الحكم على المستثنى منه، وعمّا لا يتسلط عليه بأن يكون الحكم بغير النقيض مثل ما زاد إلا ما نقص)، فالزيادة هي نقيض عدم الزيادة وذلك بعد أن قال: الاستثناء المتصل هو أن يكون الحكم على المستثنى بنقيض الحكم على المستثنى منه وأن يكون استثناء من غير الجنس فإن اختل أحدهما أو هما / كان منقطعا ومثل الحكم بعدم النقيض فقول الله تعالى: {أية : لاَ تَأْكُلُوۤاْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِٱلْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ}تفسير : فظاهره جواز أكل التجارة بالباطل وليس كذلك. وتعقب ابن عرفة منع الزمخشري الانفصال وتعليله بأنه مشترك الالزام بين المتصل والمنفصل. وأجيب عن ذلك بأن (المفرّغ) أصله مستثنى من شيء محذوف تقديره في الآية: وَلَـكِن لاَ تُوَاعِدُوهُنّ سِرّا بشيء من الأشياء بالقول المعروف. ونظيره: ما مررت إلاّ بزيد، أي ما مررت بأحد فليس (فيه) مشترك الإلزام. وتعقب ابن عرفة قول أبي حيان في: ما رأيت أحدا إلاّ حمارا بأن ذلك إنّما هو في النقيض. قيل لابن عرفة: قد ذكر القرافي والشلوبين وغيرهما ومثلوه بقول الله تعالى: {أية : لاَ يَذُوقُونَ فِيهَا ٱلْمَوْتَ إِلاَّ ٱلْمَوْتَةَ ٱلأُولَىٰ }؟ تفسير : فقال: هذا منفي، مع صحة قولك لا يذوقون إلاّ الموتة الأولى. فقيل له: لايجوز لا يذوقون إلاّ الموتة الأولى؟ فقال: (سقط فيها). قلت: قال بعضهم: كلام أبي حيان صحيح وما تقدم للقرافي بيّنه. قوله تعالى: {وَلاَ تَعْزِمُواْ عُقْدَةَ ٱلنِّكَاحِ حَتَّىٰ يَبْلُغَ ٱلْكِتَابُ أَجَلَهُ...}. أبو البقاء: عقدة مصدر مضاف إلى المفعول، أو على إسقاط حرف الجر كقول عنترة: شعر : ولقد أبيت على الطوى وأظلّه حتى أنال به كريم المأكل تفسير : أي وأظل عليه. قيل لابن عرفة: تقدم النهي عن المواعدة في العدة وهي أدنى من هذا والنهي عن الأدنى يستلزم النهي عما فوقه من باب أحرى؟ فقال: دلالة المطابقة أقوى. قيل له: والأول من دلالة المطابقة مثل: {أية : فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ }. تفسير : فقال: الصحيح عنهم أنّه من دلالة الالتزام؟ قال: والعزم منهم من يفسره هنا بالفعل وهو عقد النكاح. ومنهم من فسره بالنية، أي لا تنووا عقدة النكاح وهو الصحيح لأن العزم هو الجزم بفعل الشيء فهو أمر قلبي. قال الله تعالى: {أية : فَإِذَا عَزَمَ ٱلأَمْرُ}.تفسير : وَمما (يؤيده) هنا قوله: {وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِيۤ أَنفُسِكُمْ فَٱحْذَرُوهُ}. فدل على أنّه أمر قلبي. وحكى ابن عطية عن ابن الجلاب: أن العقد في العدة يوجب حرمتها أبدا. وكان بعضهم يقيده بما إذا تعمد ذلك فإن وقع العقد خطأ لم يتأبد التحريم. قيل لابن عرفة: الصواب العكس لأن النكاح متى كانت له شبهة تأبد فيه التحريم ومتى لم تكن له شبهة لم يتأبد التحريم؟ فقال ابن عرفة: ليس كذلك لأن (عليه) المعاقبة بنقيض المقصود. قوله تعالى: {وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِيۤ أَنفُسِكُمْ فَٱحْذَرُوهُ...}. عبر فيه بِـ (اعْلَمُوا) وبـ(احْذَرُوهُ) تأكيدا في التنفير عن ذلك والعقوبة من المواطأة هنا على ما في النفس والإصرار عليه.

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالى: {وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُم بِهِ مِنْ خِطْبَةِ ٱلنِّسَآءِ...} الآية: تصريحُ خطبةِ المعتدَّة حرامٌ، والتعريضُ جائزٌ، وهو الكلام الذي لا تصريحَ فيه، {أَوْ أَكْنَنتُمْ}: معناه: سترتم، وأخفيتم. وقوله تعالى: {سَتَذْكُرُونَهُنَّ} قال الحَسَن: معناه: ستخطُبُونَهُنَّ، وقال غيره: معناه: علم اللَّه أنكم ستذكُرونَ النِّسَاء المعتدَّاتِ في نفوسكم وبألسنتكُمْ، فنهَىٰ عن أنْ يوصل إِلى التواعُدِ معَهُنَّ. * ع *: والسرُّ، في اللغة: يقع على الوَطْء حلالِهِ وحرامِهِ، والآية تعطي النهْيَ عن أنْ يواعد الرجُلُ المعتدَّةَ؛ أن يطأها بعد العدَّة بوجْه التزويجِ، وقال ابن جُبَيْر: {سِرًّا}، أيْ: نكاحاً، وهذه عبارة مخلصة. وأجمعتِ الأمة على كراهةِ المواعَدَةِ في العدَّةِ. وقوله تعالى: {إِلاَّ أَن تَقُولُواْ قَوْلاً مَّعْرُوفًا } استثناءٌ منقطعٌ، والقولُ المعروف هو ما أبيح من التعريض؛ كقول الرجُل: إِنَّكم لأَكْفَاءٌ كِرَامٌ، وما قُدِّرَ كَانَ، ونحو هذا. وقوله تعالى: {وَلاَ تَعْزِمُواْ عُقْدَةَ ٱلنِّكَاحِ حَتَّىٰ يَبْلُغَ ٱلْكِتَـٰبُ أَجَلَهُ}: عزمُ العقدةِ: عَقْدها بالإِشهاد، والوليِّ، وحينئذ: تسمى عُقْدة. * ت *: والظاهر أن العَزْم غَيْرُ العقد، وقوله تعالى: {حَتَّىٰ يَبْلُغَ ٱلْكِتَـٰبُ أَجَلَهُ}: يريد تمام العدَّة، والكتاب هنا هو الحدُّ الذي جُعِل، والقَدْر الذي رُسِمَ من المدَّة، وقوله: {وَٱعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنفُسِكُمْ فَٱحْذَرُوهُ...} الآية: تحذيرٌ من الوقوع فيما نَهَىٰ عْنه، وتوقيفٌ علَىٰ غَفْره وحِلْمه.

ابن عادل

تفسير : قال القرطبيُّ: لا جناح، أي: لا إِثْمَ والجناحُ: الإثمُ، وهو أصح في الشَّرع. وقيل: بل هو الأَمر الشاقُّ، وهو أصحُّ في اللغة؛ قال الشَّمَّاخ: [الوافر] شعر : 1135- إِذَا تَعْلُو بِرَاكِبِهَا خَلِيجاً تَذَكَّرُ مَا لَدَيْهِ مِنَ الجُنَاحِ تفسير : و "التَّعْريضُ" في اللغة: ضدُّ التصريح، ومعناه: أن يضمِّن كلامَهُ ما يصلحُ للدَّلالة على مقصُوده، ويصلُحُ للدَّلالة على غير مقصُوده، إلا أن إشعَاره بجانب المقصُود أتَمُّ وأرجحُ. وأصلُهُ مِنْ عُرض الشيء، وهو جانبُهُ؛ كأنَّه يحوم حولَهُ؛ ولا يظهر، ونظيره أن يقول المُحتاج للمحتاج إليه: جئتُكَ لأُسلمَ عَلَيك، ولأنْظر إلى وجهك الكريم؛ ولذلك قال: [الطويل] شعر : 1136-.............................. وَحَسْبُكَ بِالتَّسْلِيمِ مِنِّي تَقَاضِيَا تفسير : والتعريض قد يُسمَّى تلويحاً؛ لأنَّه يَلُوحُ منه ما يريدُه، والفرقُ بين الكناية والتعريض: أنَّ الكناية ذكرُ الشَّيء بذكر لوازمه؛ كقولك فلانٌ طويلُ النجادِ، كثيرُ الرماد؛ لأنَّ النجاد عبارةٌ عن حَمِيلَةِ السَّيفِ، إذا كانت حميلةُ سيفهِ طويلةً، لزم منه أن يكونَ الرَّجُل طويلاً، وكذلك إذا كان كثير الرمَادِ، لزم منه أن يكون كثير الطَّبخ للأَضياف، وغيرهم، والتعريضُ أنْ يذكر كلاماً يحتمل المقصُود وغيره، إلاَّ أنَّ قرينة الحال تؤكِّد حمله على المقصُود. وقال الفراء: الخِطْبَةُ مصدرٌ بمعنى الخَطْب، وهي مثل قولك: إِنَّه لَحَسَنُ القِعْدةِ والجِلْسَةِ تريد: القُعُود والجُلُوس والخطبَةُ مصدرٌ في الأصل بمعنى الخَطْبِ، والخَطْب: الحاجة، ثم خُصَّت بالتماس النكاح؛ لأنه بعضُ الحاجات، يقال: ما خَطْبُكَ؟ أي: ما حاجتُك. وفي اشتقاقه وجهان: الأول: الأمر والشأن يقال ما خطبُكَ؟ أي: ما شأنُكَ؟ فقولهم: خَطَبَ فلانٌ فُلانَةً، أي: سَأَلَهَا أَمراً وشأناً في نفسِها. والثاني: أصلُ الخِطْبة من الخطابة الَّذي هو الكلامُ، يقال: خَطَبَ المرأة، أي: خاطبها في أمر النِّكاح، والخطب: الأمر العظيم؛ لأنَّه يحتاجُ لخطاب كثيرٍ. والخطبة بالضَّم، الكلامُ المشتملُ على الوعظِ والزَّجرِ، وكلاهما من الخَطْبِ الذي هو الكلامُ، وكانت سَجاح يُقال لها خِطْبٌ فتقول: نِكْحٌ. قوله تعالى: {مِنْ خِطْبَةِ ٱلنِّسَآءِ} في محلِّ نصبٍ على الحالِ، وفي صاحبها وجهان: أحدهما: الهاءُ المجرورةُ في "بِهِ". والثاني: "مَا" المجرورة بـ "فِي"، والعاملُ على كِلا التقديرين محذوفٌ، وقال أبو البقاء: حالٌ من الهاءِ المجرورةِ، فيكونُ العاملُ فيه "عَرَّضْتُمْ"، ويجوزُ أن يكونَ حالاً من "مَا" فيكونُ العاملُ فيه الاستقرارَ. قال شهاب الدين: وهذا على ظاهره ليس بجيِّدٍ؛ لأنَّ العاملَ فيه محذوفٌ؛ على ما تقرَّر، إلا أَنْ يريدَ من حيث المعنى لا الصناعةُ، فقد يجوزُ له ذلك. والخِطبة بكسر الخاء - فعلُ الخاطِب -: من كلام وقصدٍ، واستلطافٍ، بفعل أَو قولٍ. يقال: خطبها يخطبها خطباً، أو خطبةً، ورجل خَطّاب كثيرُ التصرفِ في الخطبةِ، والخطيبُ: الخاطِبُ، والخِطِّيبَى: الخِطْبة، والخطبة فعلهُ: كجلسةٍ، وقعدةٍ، وخُطبة - بضمِّ الخاءِ - هي الكلامُ الذي يقال في النكاح، وغيره. قال النحاس: "والخُطبة" ما كان لها أَوَّل وآخِر، وكذلك ما كان على فعله، نحو الأَكلة، والضَّغطَة. فصل في جواز التعريض بالخطبة في عدة الوفاة التعريضُ بالخطبة مباحٌ في عدَّة الوفاة، وهو أَنْ يقول: رُبَّ راغبٍ فيك، ومَنْ يجدُ مثلك، إنَّك لجميلة إنَّك لصالِحَةٌ، إنّك عليّ كريمةٌ، إنِّي فيك لراغِبٌ، وإن مِنْ غرضي أَنْ أَتزوَّج، وإِنْ جمع اللهُ بيني وبينك بالحلالِ أعجبتني، وإِنْ تزوَّجتُك لأُحسن إليك، ونحو ذلك من الكلامِ، من غير أَنْ يقول: أَنحكيني. والمرأةُ تجيبه بمثله، إِنْ رغبتْ فيه. وقال إبراهيم: لا بأس أَنْ يُهدي لها ويقوم بشغلها في العدة، إذا كانت غير شابةٍ. روي أَنَّ سُكَيْنةَ بنت حنظلة؛ بانت من زوجها، فدخل عليها أَبُو جعفرٍ محمَّد بن علي الباقر في عِدّتها، وقال: يا ابنة حنظلة، أنا مَنْ قد عَلِمْت قرابتي مِنْ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - وحقَّ جَدِّي عليِّ، وقدَمي في الإسلام، فقالت له سُكينة: أَتخطبني وأنا في العدَّة، وأَنْتَ يؤخذُ عنك؟ فقال أو قد فعلت؟ إِنَّما أخبرتُك بقرابتي مِنْ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. وقد دخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على أُمِّ سلمة، وهي في عِدَّةٍ من زوجها، أبي سلمة، فذكر لها منزلتهُ مِنَ الله - عز وجلَّ - وهو متحامِلٌ على يده؛ حتَّى أثَّر الحصيرُ في يده من شدَّة تحامله على يده. فصل والنٍّساء في حكم الخِطبة على ثلاثة أقسامٍ: الأول: التي يجوز خِطْبتُها تعريضاً، وتصريحاً، وهي الخاليةُ عن الأَزْوَاجِ والعدد إلاَّ أَنْ يكونَ خطبها غيره؛ لقوله ـ عليه الصلاة والسلام ـ: "حديث : لا يَخْطِبَنَّ أَحَدُكُمْ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيْهِ"تفسير : ، وهذا الحديثُ وإِنْ كان مطلقاً ففيه ثلاثةُ أجوالٍ: الحالة الأولى: أَنْ يخطب الرجلُ، فيجاب صريحاً؛ فهاهنا لا يَحِلُّ لغيره أَنْ يخطبها. الحالة الثانية: أَنْ يُجابَ بالردِّ صريحاً؛ فهاهنا يَحِلُّ لغيره أَنْ يخطبها. الحالة الثالثة: ألاَّ يوجد صريحُ الإجابة، ولا صريحُ الرَّدِّ؛ فهاهنا فيه خلافٌ. فقال بعضهم تجوزُ خطبتها؛ لأَن السكوتَ لَمْ يدُلَّ على الرِّضا وهو الجديدُ عن الشَّافعيَّ. وقال مالكٌ: لا يجوزُ، وهو القديمُ؛ لأنَّ السكوت وإِنْ لم يدُلَّ على الرضا، لكنه لا يدلُّ أيضاً على الكراهة، فربَّمَا حصلت الرغبةُ مِنْ بعضِ الوجوه؛ فتصيرُ هذه الخِطبةُ الثانية مزيلة لذلك القدر من الرغبة. القسم الثاني: التي لا تجوز خِطْبتُها؛ لا تصريحاً، ولا تعريضاً، وهي زوجة الغير؛ لأَنَّ خطبتها ربما صارت سبباً لتشويش الأَمر على زوجها، مِنْ حيثُ إنها إذا علمت رغبة الخاطب، فربما حملها ذلك على الامتناع مِنْ تأدية حُقُوق الزوج، والتسبب إلى هذا حرامٌ، والرجعية كذلك؛ لأنها في حكم الزوجة؛ لصحة طلاقها، وظهارها، ولعانها، وعِدَّتُها منه عِدَّة الوفاة إذا مات عنها ويتوارثان. القسم الثالث: أَنْ يفصل في حقِّها بين التعريض، والتَّصريح، وهي المعتدة غير الرجعيَّة، وهي ثلاثة أقسامٍ: الأول: المعتدة عِدَّة الوفاةِ، يجوز خطبتها تعريضاً؛ لقوله تعالى: {وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ ٱلنِّسَآءِ} فظاهره أنها المتوفَّى عنها زوجها؛ لأنها مذكورةٌ عقب تلك الآية، ولمّا خُصِّصَ التعريضُ بعدم الجناح، دلّ على أنّ التصريحَ بخلافِهِ، والمعنى يُؤكِّدُه؛ لأن التصريح لا يحتمل غير النكاح، فربما حملها الحِرص على النكاح، على الإِخبار بانقضاء العِدَّة قبل أَوانها بخلافِ التعريضِ، فإنَّه يحتمل غير ذلك، فلا يدعوها إلى الكذب. الثاني: المعتدةُ عن الطلاق الثلاث، والبائن باللِّعان والرَّضاع ففي جواز التعريض بخطبتها خلافٌ. فقيل: يجوز التعريض بخطبتها، لأنّها ليست في نكاحٍ، فأشبهت المتوفى عنها. وقيل: لا يجوزُ لأنّ عدتها بالأَقراءِ، فلا يُؤمن عليها الكَذِب في الإخبارِ بانقضاء عدَّتها؛ لرغبتها في الخُطَّاب. الثالث: البائِنُ لطلاقٍ أَوْ فسخٍ، وهي التي يجوزُ لزوجها نكاحُها في عدَّتها كالمختلعة، والتي انفسخ نكاحُها بعيبٍ أو عُنَّةٍ، أَو إعسار نفقةٍ، فهذه يجوزُ لزوجها التصريحُ، والتعريضُ؛ وأَمَّا غيرُ الزوج، فلا يحلُّ له التصريحُ، وفي التعريض خلافٌ، والصحيحُ: أنّه لا يحِلُّ لأنها مُعتدةٌ، تحلُّ للزوجِ أَنْ يستنكحها في عِدَّتها، فلم يحلَّ التعريض لها كالرجعية. وقيل: هي كالمتوفَّى عنها زوجها، والمطلقة ثلاثاً. قوله تعالى: "أَوْ أَكْنَنتُمْ" "أَوْ" هنا للإباحةِ، أو التخيير، أو التفصيلِ، أو الإِبهامِ على المخاطبِ، "وأَكَنَّ" في نفسِهِ شيئاً، أي: أَخْفَاهُ، وكَنَّ الشيء بثوبٍ ونحوه: أي سَتَرَهُ به، فالهمزةُ في "أَكَنَّ" للتفرقة بين الاستعمالَيْنِ كـ "أَشْرَقَتْ، وشَرَقَتْ". وقال الفراءُ: للعرب في "أَكْنَنْتُ الشَيْءَ" أي: سترتهُ، لغتان: كنَنْتُه، وأَكْنَنْتُه في الكِنِّ، وفي النَّفْس؛ بمعنى، ومنه {أية : مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ}تفسير : [القصص:69]، و {أية : بَيْضٌ مَّكْنُونٌ}تفسير : [الصافات:49] وفرَّق قومٌ بينهما، فقالوا: كننتُ الشيء، إذا صُنته حتَّى لا تُصيبه آفةٌ، وإن لم يكن مستُوراً يقال: دُرٌّ مكنونٌ وجاريةٌ مكنونةٌ، وبيضٌ مكنونٌ مصونٌ عن التدحرج؛ وأمَّا "أَكْنَنْتُ" فمعناه: أضمرت ويستعمل ذلك في الشيء الذي يُخفيه الإنسانُ، ويستره عن غيره، وهو ضِدُّ أَعْلنتُ وأظهرت، ومفعول "أكنَّ" محذوفٌ يعودُ على "ما" الموصولة في قوله: "فِيمَا عَرَّضْتُمْ" أي: أو أكْنَنْتُمُوهُ، فـ "فِيۤ أَنْفُسِكُمْ" متعلِّقٌ بـ "أَكْنَنتُمْ"، ويضعُفُ جعلُهُ حالاً من المفعولِ المقدَّرِ. فصل في عدوم وجوب الحد بالتعريض استدلَّ بعضهم بهذه الآية على أنَّه لا يجب الحدُّ بالتعريض بالقذف [لأن الله تعالى لمَّا دفع الجَرَج في التعريض بالنِّكاح، دلَّ على أنَّ التعريض بالقذف] لا يوجب الحد. وأُجيب بأنّ الله ـ تعالى ـ لم يحلَّ التصريح بالخطبة في النكاح للمعتدَّة، وأَذِن في التعريض الذي يُفهم منه النكاحُ، فهذه يدلُّ على أَنَّ التعريض يُفهم منه القذف والأعراضِ يجب صيانتها، وذلك يوجب الحدَّ على المعرِّض؛ لئلا يتعرض الفسقةُ إلى أخذ الأَعراضِ بالتعريض الذي يُفهم منه ما يُفهم بالتصريح. فصل في المقصود من الآية والمقصودُ من الآية أَنّه لا حرج في التعريض للمرأة في عِدَّة الوفاة، ولا فيما يُضمره الرجلُ من الرغبة فيها. فإن قيل: إنَّ التعريضَ بالخطبة أعظم حالاً مِنْ أَنْ يميل بقلبه إليها، ولا يذكر باللِّسان شيئاً، فلمّا قدّم جواز التعريض بالخطبة، كان قوله بعد ذلك {أَوْ أَكْنَنتُمْ فِيۤ أَنْفُسِكُمْ} جارٍ مجرى إيضاح الواضحات. فالجواب: ليس المرادُ ما ذكرتم، بل المرادُ أنّه أباح التعريض، وحرّم التصريح في الحالِ، ثم قال: {أَوْ أَكْنَنتُمْ فِيۤ أَنْفُسِكُمْ} والمرادُ: أَنْ يعقد قلبه على أنه سيصرحُ بذلك في المستقبلِ، ففي أوَّل الآيةِ أباح التعريض في الحالِ، وحرَّم التصريح في الحالِ، وهاهنا أباح له أن يعقد عليه على أنَّه سيصرِّحُ بذلك بعد انقضاء العدّة، ثم إنّه تعالى ذكر الوجه الذي لأجله أباح ذلك، فقال: "عَلِمَ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ" لأنَّ شهوةَ النفس إذا حصلت للنكاح، لا يكاد يخلُو ذلك المشتهي من العزم، والتَّمَنِّي، فلمّا كان دفع هذا الخَاطر، كالشيء الشَّاقِّ أَسقط عنه هذا الحرج، وأباحَ له ذلك، ثُمَّ قال: {وَلَـٰكِن لاَّ تُوَاعِدُوهُنَّ سِرّاً} وهذا الاستدراك فيه ثلاثةُ أوجهٍ: أحدها: أنه استدراكٌ من الجملةِ قبله، وهي قوله: "سَتَذْكُرُونَهُنَّ"؛ فإنَّ الذِّكر يقع على أنحاء كثيرةٍ، ووجوهٍ متعددةٍ، فاسْتُدْرِكَ منه وجهٌ نُهِيَ فيه عن ذِكْرٍ مخصُوص، ولو لم يُسْتَدْرَكْ، لكانَ من الجائز؛ لاندراجِهِ تحت مطلقِ الذِّكْرِ، وهو نظيرٌ: "زَيْدٌ سَيَلْقَى خَالِداً، ولَكِنْ [لاَ] يواجهُهُ بِشَرٍّ"، لمَّا كانت أَحوالُ اللقاءِ كثيرةً، من جملتها مواجهته بالشَّرِّ، استُدْرِكَتْ هذه الحالةُ من بينها. والثاني: - قاله أبو البقاء -: أنه مستدرَكٌ من قوله: "فِيمَا عَرَّضْتُمْ" وليس بواضحٍ. والثالث: - قاله الزمخشريٌّ - أنَّ المُسْتَدْرَكَ منه جملةٌ محذوفةٌ قبل "لَكِنْ" تقديرُهُ: "فَاذْكُرُوهُنَّ، وَلَكِنْ لاَ تُوَاعِدُوهُنَّ سِرّاً" وقد تقدَّم أنَّ المعنى على الاستدرَاكِ من الجملةِ قبلَه، فلا حاجة إلى حذف؛ وإنما الذي يحتاجُهُ ما بعدَ "لَكِنْ" وقوعُ ما قبلها من حيثُ المعنى، لا من حيثُ اللفظُ؛ لأنَّ نَفْيَ المواجهةِ بالشَّرِّ يستدعي وقوعَ اللقاءِ. قوله: "سِرّاً" فيه خمسةُ أوجهٍ: أحدها: أن يكونَ مفعولاً ثانياً. والثاني: أنه حالٌ من فاعلِ "تُوَاعِدُوهُنَّ"، أي: لا تُوَاعِدُوهُنَّ مُسْتَخِفين بذلك. والثالث: أنه نعت مصدرٍ محذوفٍ، أي: مواعدةً سِرّاً. والرابع: أنه حالٌ من ذلك المصدر المُعَرَّف، أي: المواعدةَ مستخفيةً. والخامس: أَنْ ينتصِبَ على الظرف مجازاً، أي: في سِرٍّ. وعلى الأقوالِ الأربعةِ: فلا بُدَّ من حذفِ مفعولٍ، تقديرهُ: لا تُوَاعِدُوهُنَّ نِكَاحاً. والسِّرُّ: ضدُّ الجهرِ: وقيل: يُطْلَقُ على الوَطْءِ، وعلى الزِّنا بخُصُوصيَّةٍ؛ وأنشدوا للحُطَيْئة: [الوافر] شعر : 1137- وَيَحْرُمُ سِرُّ جَارَتِهِمْ عَلَيْهمْ وَيَأْكُلُ جَارُهُمْ أُنُفَ القِصَاعِ تفسير : وقول الآخر ـ هو الأعشى ـ: [الطويل] شعر : 1138- وَلاَ تَقْرَبَنَّ جَارَةَ إِنَّ سِرَّهَا حَرَامٌ عَلَيْكَ فَانْكِحَنْ أَوْ تَأَبَّدَا تفسير : وقال الفرزدق: [الطويل] شعر : 1139- مَوَانِعُ لِلأَسْرَارِ إِلاَّ مِنَ أهْلِهَا وَيُخْلِفْنَ مَا ظَنَّ الغَيُورُ الْمُشَفْشِفُ تفسير : أي: الذي شَغفه بهن، يعني: أنهنَّ عفائفُ يمنعن الجماعَ إلاَّ من أَزواجِهِنَّ؛ وقال امرؤ القيس: [الطويل] شعر : 1140- أَلاَ زَعَمَتْ بَسْبَاسَةُ اليَوْمَ أَنَّني كَبِرتُ وَأَلاَّ يُحْسِنُ السَّرَّ أَمْثَالِي تفسير : فصل في بيان السر في الآية اختلفوا في السِّرِّ هنا، فقال قومٌ: هو الزِّنا، كان الرجلُ يدخل على المرأةِ مِنْ أجلِ الزِّنْيَة وهو يُعرِّضُ بالنِّكاح، ويقول لها: دعيني أُجامِعْكِ، فإذا وَفَيْتِ عِدَّتك، أظهرتُ نكاحك قاله الحسن، وقتادة، وإبراهيم، وعطاءٌ، ورواه عطيةٌ عن ابن عباس. وقال زيد بن أسلم: أي: لا يُنْكِحها سرّاً فيمسكها فإذا حلّت، أظهرت ذلك. وقال مجاهدٌ: هو قول الرجل لا تفوِّتيني بنفسك، فإنِّي ناكِحُك. وقال الشعبيُّ، والسدّيُّ: لا يؤخَذُ ميثاقها، ألاَّ ينكح غيرها. وقال عكرمة: لا يخطبها في العِدَّة. وقال الكلبيُّ ورُوِيَ عن ابن عباس: أي تصفُوا أنفُسكم لهُنَّ بكثرةِ الجماع، فيقول آتيتك الأَربعة والخَمْسَة، وأشباه ذلك، وإنما قيل للزِّنا والجماع سِرّاً؛ لأنه يكون في خفاءٍ بين الرجل والمرأةِ. فصل في كراهة المواعدة في العدّة حكى القرطبيُّ، عن ابن عطيَّة، قال: أجمعتِ الأُمَّةُ على كراهة المواعدة في العدة للمرأة في نفسها، وللأَبِ في ابنته البِكْر، والسيّد في أمتِه. قال ابن المواز: وأمّا الوليّ الذي لا يملكُ الجبر، فأكرهُهُ. وقال مالكٌ - رحمه اللهُ - فيمَنْ يواعد في العدَّة، ثم يتزوج بعدها: فراقها أَحَبُّ إليّ، دخل بها، أو لم يدخل، وتكون تطليقةً واحدةً هذه رواية ابن وهبٍ، وروى أشهب عن مالكٍ، أنّه يفرِّق بينهما إيجاباً، وقاله ابنُ القاسِمِ، وحكى ابن الحارِث مثلهُ عن ابن الماجشون، ورأى ما يقتضي أَنَّ التحريم يتأبدُّ، وقال الشافعيُّ إِنْ صرَّح بالخطبة، وصرَّحت له بالإجابة، ولم ينعقد النكاح [حتى] تنقضي العِدَّة، فالنكاح ثابت [والتصريح لهما مكروهٌ] قوله: {إِلاَّ أَن تَقُولُواْ} في هذا الاستثناءِ قولان: أحدهما: أنه استثناءٌ منقطعٌ؛ لأنه لا يندرج تحت "سِرّ" على أيِّ تفسيرٍ فَسَّرْتَه به، كأنه قال لكنْ قولُوا قولاً معروفاً. والثاني: أنه متصلٌ، وفيه تأويلان ذكرهما الزمخشري فإنه قال: فَإِنْ قلتَ: بِمَ يَتَعَلَّقُ حرفُ الاستثناء؟ [قلتُ]: بـ "لاَّ تُوَاعِدُوهُنَّ"، أي: لا تواعِدُوهُنَّ مواعدةً قطٌّ إلا مواعدةً معروفةً غيرَ مُنْكَرَةٍ، أو لاَ تُوَاعِدُوهُنَّ إلا بأَنْ تقولوا، أي: لا تواعِدُوهُنَّ إلاَّ بالتعريضِ، ولا يكونُ استثناءً منقطعاً من "سِرّاً"؛ لأدائِهِ إلى قولك: "لاَ تُوَاعِدُوهُنَّ إلاَّ التعرِيضَ" انتهى، فجعلَهُ استثناءً متصلاً مُفَرَّغاً على أحدِ تأويلين: الأول: أنه مستثنىً من المصدرِ؛ ولذلك قدَّره: لا تواعِدُوهُنَّ مواعدةً إلاَّ مواعدةً معروفةً. والثاني: أنه من مجرور محذوفٍ؛ ولذلك قَدَّره بـ "إِلاَّ بَأَنْ تَقُولُوا"؛ [لأنَّ التقدير عنده: لا تُوَاعِدُوهُنَّ بشيءٍ، إلا بَأَنْ تقولُوا، ثم أَوْضَحَ قوله بأنْ تَقُولُوا] بالتعريض، فلمَّا حُذِفَت الباءُ من "أَنْ"، وهي باءُ السببيةِ بقي في "أَن" الخلافُ المشهورُ بعد حذفِ حرفِ الجرِّ، هل هي في محلِّ نصبٍ أم جَرٍّ؟ وقوله: "لأدائِهِ إلى قولك... إلى آخره" يعني أنه لا يصِحُّ تسلُّط العامِل عليه، فإنَّ القولَ المعروفَ عندَهُ المرادُ به التعريضُ، وأنت لو قلْتَ: "لاَ تُوَاعِدُوهُنَّ إِلاَّ التَّعْرِيض" لأنَّ التعريض ليس مواعداً. وردَّ عليه أبو حيان: بأنَّ الاستثناء المنقطع ليس مِنْ شرطِهِ صحَّةُ تسلُّطِ العامِل عليه، بل هو على قسمين: قسم يَصِحُّ فيه ذلك، وفيه لغتان: لغةُ الحجازِ وجوبُ النصب مطلقاً، نحو: "مَا جَاءَ أَحَدٌ إِلاَّ حِمَاراً" ولغةُ تميم إجراؤه مجرى المتصل، فيجرونَ فيه النصبَ والبدلية بشرطه. وقِسْم لا يصحُّ فيه ذلك، نحو: "مَا زَادَ إِلاَّ مَا نَقَصَ"، و "مَا نَفَعَ إِلاَّ مَا ضَرَّ"، وحكمُ هذا النّصبُ عند العرب قاطبةً، فالقسمان يشتركان في التقديرِ بـ "لَكِنْ" عند البصريين، إلاَّ أنَّ أحدهما يصحُّ تسلُّط العامِل عليه في قولك: "مَا جَاءَ أَحَدٌ إِلاَّ حِمَار" لو قلت: "مَا جَاءَ إِلاَّ حِمَارٌ"، صَحَّ؛ بخلافِ القسمِ الثاني؛ فإنَّه لا يتوجَّه عليه العامل وقد تقدم البحثُ في مثل هذا كثيراً. فصل في القول المعروف ما هو؟ قال بعضُ المفسرين: هو التعريض بالخطبة. وقال آخرون: لمّا أُذِن في أوّل الآيةِ بالتعريض، ثم نهي عن المسارَّة معها؛ دفعاً للريبةِ، استثني منه المسارَّة بالقولِ بالمعروفِ، وهو أَنْ يعدها في السرِّ بالإحسان إليها، والاهتمام بشأنها، والتكفُّل بمصالحها؛ حتى يصير ذِكرُ هذه الأَشياء الجميلة، مُؤكِّداً لذلك التعريض. قوله: "وَلاَ تَعْزِمُوۤاْ" في لفظ "العَزْمِ" وجوه: الأول: أنّه عبارةٌ عن عقدِ القلب على فعلٍ من الأَفعالِ، قال تعالى: {أية : فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللهِ}تفسير : [آل عمران:159] فلا بُدَّ في الآيةِ من إضمار فعلٍ، وهذا اللفظ إنما يُعَدَّى للفعل بحرفِ "عَلَى" فيقال: فلان عزم على كذا، فيكونُ تقدير الآيةِ: "ولا تَعْزمُوا على عُقدة النكاح حتى يبلُغَ الكِتَابُ أَجَلَهُ" والمقصودُ منه المبالغة في النهي عن النكاح في زمان العِدَّة، فإنّ العزم متقدمٌ على المعزوم عليه، فإذا ورد النهي عن الإِقدام على المعزوم عليه كان أولى. الثاني: أنَّ العزم عبارةٌ عن الإِيجاب، يقال: عزمتُ عليكم، أي: أَوجبتُ، ويقال هذا من باب العزائم، لا من باب الرُّخَصِ؛ وقال - عليه الصلاة والسلام - "حديث : عَزْمَةٌ مِنْ عَزَائِمِ رَبِّنَا"تفسير : وقال:"حديث : إِنَّ اللهَ تَعالى يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى رُخَصُهُ كَمَا تُؤْتَى عَزَائِمُهُ"تفسير : ، فالعزمُ بهذا المعنى جائزٌ على الله تعالى، وبالوجه الأول لا يجوز. وإذا ثبتَ هذا فنقولُ: الإيجابُ سببُ الوجود ظاهراً، فلا يبعد أَنْ يُستفاد لفظ العزمِ من الوجودِ، وعلى هذا فقوله: {وَلاَ تَعْزِمُوۤاْ عُقْدَةَ ٱلنِّكَاحِ}، أي: لا تحقِّقُوا، ولا تُنْشئُوا، ولا تُفرِّعوا منه فعلاً؛ حتى يبلغ الكتابُ أَجَلَهُ وهذا اختيارُ أَكْثَر المحققين. الثالث: قال القفَّال: إنما لم يقُلْ: ولا تعزِمُوا على عقدةِ النكاح؛ لأن معناهُ: ولا تعقدوا عُقْدة. قال القرطبيُّ: عزم الشيء عليه قال تعالى: {أية : وَإِنْ عَزَمُواْ ٱلطَّلاَقَ}تفسير : [البقرة:227] وقال هنا: {وَلاَ تَعْزِمُوۤاْ عُقْدَةَ ٱلنِّكَاحِ}. وحكى سيبويه: ضُرِبَ فلانٌ الظهر والبطنَ أي: "عَلَى". قال سيبويه: والحذفُ في هذه الأَشياء لا يقاسُ عليه. وقال النحاسُ: ويجوز أَنْ يكون ولا تعقِدُوا عُقدة النكاح؛ لأَنَّ معنى "تَعْزِمُوا" و "تَعْقِدُوا" واحدٌ. ويقال: تعزُمُوا، بضم الزاي. فصل اعلم أنَّ الإِنسان إذا فعل فعلاً فلا بُدَّ أَنْ يتقدَم ذلك الفعلَ ستُّ مُقَدِّماتٍ. الأولى: أن يسنح له ذلك الفعل، ومعنى" يَسْنَحُ له": أن يَجْنح إلى فعله، ويعرِضُ له فعله. وثانيها: أَنْ يفكِّر في فعله أَنْ يفعله، أم لا. وثالثها: أن يخطِرَ بباله فعله، بمعنى أنه يترجَّحُ فعله على تركه. ورابعها: أن يريدُ فِعْلَهُ. وخامسها: أَنْ يَهمّ بفعله، وهو عزمٌ غيرَ جازِمٍ. وسادسها: أَنْ يعزِم عَزْماً جازِماً فيفعله. فصل في أصل العقد وأَصل العقد: الشدُّ، والمعهود، والأنكحةُ تُسمَّى عُقُوداً لأنها تعقد كعقود الحبل في التوثيق. قوله: "عُقْدَةَ" في نصبه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه مفعولٌ به على أنه ضمَّن "عَزَمَ" معنى ما يتعدَّى بنفسه، وهو: تَنْوُوا أو تُبَاشِرُوا، ونحو ذلك. والثاني: أنه منصوبٌ على إسقاط حرف الجر، وهو "عَلَى"؛ فإنَّ "عَزَمَ" يتعدَّى بها، قال: [الوافر] شعر : 1141- عَزَمْتُ عَلَى إقَامةِ ذِي صَبَاحٍ لأَمْرٍ مَّا يُسَوَّدُ مَنْ يَسُودُ تفسير : وحذفها جائز، كقول عنترة، [الكامل] شعر : 1142- وَلَقَدْ أَبِيتُ عَلَى الطَّوَى وَأظَلُّهُ حَتَّى أَنَالَ بِهِ كَرِيمَ المَطْعِمِ تفسير : أي: وَأَظَلُّ عليه. والثالث: أنه منصوبٌ على المصدر؛ فإنَّ المعنى: ولا تعقدوا عقدة؛ فكأنه مصدرٌ على غير الصَّدر؛ نحو: قعدت جلوساً، والعقدة مصدرٌ مضاف للمفعول، والفاعل محذوفٌ، أى: عُقْدتكم النِّكاح. قوله تعالى: {حَتَّىٰ يَبْلُغَ ٱلْكِتَابُ أَجَلَهُ} فى "الكتاب" وجهان: أحدهما: أن المراد به المكتوب، والمعنى: حتى تبلغ العدَّة المفروضة آخرها. الثانى: أن يكون المراد "الكتابَ" نفسه، لأنه فى معنى الفرض؛ كقوله: {أية : كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلصِّيَامُ}تفسير : [البقرة:183] فيكون المعنى: حتى يبلغ هذا التكليف آخره ونهايته، وقال تعالى: {أية : إِنَّ ٱلصَّلَٰوةَ كَانَتْ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَّوْقُوتاً}تفسير : [النساء:103] أى: مفروضة. قال القرطبى: وقيل: فى الكلام حذف، أى: حتى يبلغ فرض الكتاب أجله، فالكتاب على هذا المعنى بمعنى القرآن. ثم قال تعالى: {وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللهَ يَعْلَمُ مَا فِيۤ أَنْفُسِكُمْ} وهذا تنبيه على أنّه تعالى لمّا كان عالماً بالسرّ، والعلانية؛ وجب الحذر منه فى السرِّ، والعلانية، فالهاء فى "فَٱحْذَرُوهُ" تعود على الله تعالى، ولا بدَّ من حذف مضاف، أى: فاحذروا عقابه. ويحتمل أن تعود على "مَا" فى قوله "مَا فِى أَنْفُسِكُمْ" بمعنى ما في أنفسكم من العزم على ما لا يجوز، قاله الزمخشريُّ. ثم قال: {وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ} أي: لا يعجِّل بالعقوبة.

السيوطي

تفسير : أخرج وكيع والفريابي وعبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد والبخاري وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي عن ابن عباس في قوله ‏{‏ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء‏} ‏ قال‏:‏ التعريض أن يقول إني أريد التزويج، وإني لأحب امرأة من أمرها وأمرها، وإن من شأني النساء لوددت أن الله يسر لي امرأة صالحة من غير أن ينصب لها‏. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في الآية قال‏:‏ يعرض لها في عدتها يقول لها‏:‏ إن رأيت أن لا تسبقيني بنفسك ولوددت أن الله قد هيأ بيني وبينك، ونحو هذا من الكلام فلا حرج‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس ‏{‏ولا جناح عليكم فيما عرضتم‏}‏ قال‏:‏ يقول‏:‏ إني فيك لراغب، ولوددت أني تزوجتك حتى يعلمها أنه يريد تزويجها، من غير أن يوجب عقدة أو يعاهدها على عهد‏. وأخرج مالك والشافعي وابن أبي شيبة والبيهقي عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه‏.‏ أنه كان يقول في قول الله ‏ {‏ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء‏} ‏ أن يقول الرجل للمرأة وهي في عدتها‏:‏ إنك علي لكريمة، وإني فيك لراغب، والله سائق إليك خيراً أو رزقاً، أو نحو هذا من القول‏. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير عن إبراهيم قال‏:‏ لا بأس بالهدية في تعريض النكاح‏. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن الحسن في قوله ‏{‏أو أكننتم‏} ‏ قال‏:‏ أسررتم‏.‏ وأخرج عبد الرزاق عن الضحاك‏.‏ مثله‏.‏ وأخرج ابن جرير عن السدي في قوله ‏{‏أو أكننتم في أنفسكم‏} ‏ قال‏:‏ أن يدخل فيسلم ويهدي إن شاء ولا يتكلم بشيء‏.‏ وأخرج وكيع وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير عن الحسن في قوله ‏{‏علم الله أنكم ستذكرونهن‏} قال‏:‏ بالخطبة‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير عن مجاهد في قوله ‏ {‏علم الله أنكم ستذكرونهن‏} ‏ قال‏:‏ ذكره إياها في نفسه‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ‏{‏ولكن لا تواعدوهن سرا‏ً} قال‏:‏ لا يقول لها إني عاشق وعاهديني أن لا تتزوجي غيري، ونحو هذا ‏ {‏إلا أن تقولوا قولاً معروفا‏ً} ‏ وهو قوله‏:‏ إن رأيت أن لا تسبقيني بنفسك‏. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله {‏ولكن لا تواعدوهن سرا‏ً}‏ قال‏:‏ الزنا، كان الرجل يدخل من أجل الزنا وهو يعرض بالنكاح‏.‏ وأخرج عبد الرزاق عن الحسن وأبي مجلز والنخعي‏.‏ مثله‏.‏ وأخرج الطستي في مسائله عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله ‏{لا تواعدوهن سراً‏}‏ قال‏:‏ السر‏:‏ الجماع‏.‏ قال‏:‏ وهل تعرف العرب ذلك‏؟‏ قال‏:‏ نعم، أما سمعت قول امرىء القيس‏:‏ شعر : ألا زعمت بسباسة اليوم أنني كبرت وأن لا يحسن السر أمثالي تفسير : وأخرج البيهقي عن مقاتل بن حيان قال‏:‏ بلغنا أن معنى ‏ {‏لا تواعدوهن سرا‏ً} ‏ الرفث من الكلام، أي لا يواجهها الرجل في تعريض الجماع من نفسه‏.‏ وأخرج عبد الرزاق عن مجاهد في قوله ‏ {‏لا تواعدوهن سرا‏ً} ‏ قال‏:‏ الذي يأخذ عليها عهداً أو ميثاقاً أن تحبس نفسها ولا تنكح غيره‏. وأخرج عن سعيد بن جبير‏.‏ مثله‏.‏ وأخرج سفيان وابن أبي شيبة عن مجاهد في قوله ‏{‏لا تواعدوهن سرا‏ً} ‏ قال‏:‏ لا يخطبها في عدتها ‏{‏إلا أن تقولوا قولاً معروفا‏ً} ‏ قال‏:‏ يقول‏:‏ إنك لجميلة، وإنك لفي منصب، وإنك لمرغوب فيك‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن ابن عباس في قوله ‏ {‏إلا أن تقولوا قولاً معروفا‏ً} قال‏:‏ يقول‏:‏ إنك لجميلة، وإنك لإِلى خير، أو أن النساء من حاجتي‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ‏ {‏ولا تعزموا عقدة النكاح‏} ‏ قال‏:‏ لا تنكحوا حتى يبلغ الكتاب أجله قال‏:‏ حتى تنقضي العدة‏. وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة عن مجاهد‏.‏ مثله‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن أبي مالك ‏{‏ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله‏}‏ قال‏:‏ لا يواعدها في عدتها‏:‏ إني أتزوّجك حين تنقضي عدتك‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة ‏{‏واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه‏} ‏ قال‏:‏ وعيد‏.‏

ابو السعود

تفسير : {وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ} خطابٌ للكل {فِيمَا عَرَّضْتُم بِهِ} التعريضُ والتلويحُ إبهامُ المقصودِ بما لم يوضَعْ له حقيقةً ولا مجازاً كقول السائل: جئتُك لأُسلِّم عليك وأصلُه إمالةُ الكلام عن نهجه إلى عُرُضٍ منه أي جانب والكناية هي الدِلالةُ على الشيء بذكر لوازمِه وروادِفه كقولك: طويلُ النِّجاد للطويل وكثيرُ الرماد للمِضْياف {مِنْ خِطْبَةِ ٱلنِسَاء} الخِطبة بالكسر كالقِعدة والجِلسة ما يفعلُه الخاطبُ من الطلب والاستلطاف بالقول والفعل فقيل: هي مأخوذةٌ من الخَطْب أي الشأن الذي له خطرٌ لما أنها شأن من الشؤون ونوع من الخُطوب وقيل: من الخطاب لأنها نوعُ مخاطبة تجري بـين جانب الرجل وجانب المرأة والمرادُ بالنساء المعتداتُ للوفاة والتعريضُ لخطبتهن أن يقول لها: إنك لجميلةٌ أو صالحةٌ أو نافعة، ومن غرضي أن أتزوَّجَ ونحوُ ذلك مما يوهم أنه يريد نِكاحَها حتى تحبِسَ نفسَها عليه إن رغبت فيه ولا يصرح بالنكاح {أَوْ أَكْنَنتُمْ فِى أَنفُسِكُمْ} أي أضمرتم في قلوبكم فلم تذكروه تصريحاً ولا تعريضاً {عَلِمَ ٱللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ} ولا تصبِرون على السكوت عنهن وعن إظهار الرغبة فيهن وفيه نوعُ توبـيخٍ لهم على قلة التثبت {وَلَـٰكِن لاَّ تُوَاعِدُوهُنَّ سِرّا} استدراكٌ محذوفٌ دل عليه {سَتَذْكُرُونَهُنَّ} [البقرة، الآية 235] أي فاذكُروهن ولكن لا تواعدوهن نِكاحاً بل اكتفوا بما رُخّص لكم من التعريض، والتعبـيرُ عن النكاح بالسر لأن مُسبَّبَه الذي هو الوطء مما يُسرّ به وإيثارُه على اسمه للإيذان بأنه ينبغي أن يُسرّ به ويكتَم، وحملُه على الوطء ربما يُوهم الرُّخصة في المحظور الذي هو التصريحُ بالنكاح وقيل: انتصابُ سراً على الظرفية أي لا تواعدوهن في السر على أن المراد بذلك المواعدةُ بما يُستهجن وفيه ما فيه {إِلاَّ أَن تَقُولُواْ قَوْلاً مَّعْرُوفًا} استثناءٌ مفرَّغ مما يدل عليه النهي أي لا تواعدوهن مواعدةً ما إلا مواعدةً معروفة غيرَ منْكرةٍ شرعاً وهي ما يكون بطريق التعريض والتلويح أو إلا مواعدةً بقول معروف، أو لا تواعدوهن بشيء من الأشياء إلا بأن تقولوا قولاً معروفاً وقيل: هو استثناءٌ منقطعٌ من (سراً) وهو ضعيف لأدائه إلى جعل التعريض موعوداً وليس كذلك {وَلاَ تَعْزِمُواْ عُقْدَةَ ٱلنّكَاحِ} من عزم الأمرَ إذا قصده قصداً جازماً وحقيقتُه القطع بدليل قوله عليه السلام: «حديث : لا صيامَ لمن لم يعزِمِ الصيامَ من الليل» تفسير : وروي «حديث : لمن لم يبـيّت الصيام»تفسير : والنهي عنه للمبالغة في النهي عن مباشرة عقدِ النكاح أي لا تعزِموا عُقدة النكاح {حَتَّىٰ يَبْلُغَ ٱلْكِتَـٰبُ أَجَلَهُ} أي (تبلُغَ) العدةُ المكتوبة المفروضةُ آخِرَها وقيل: معناه لا تقطعوا عقدة النكاحِ أي لا تُبرِموها ولا تلزَموها ولا تَقَدَّموا عليها، فيكونُ نهياً عن نفس الفعل لا عن قصده. {وَٱعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِى أَنفُسِكُمْ} من ذواتِ الصُدور التي من جملتها العزمُ على ما نُهيتم عنه {فَٱحْذَرُوهُ} بالاجتناب عن العزم ابتداءً أو إقلاعاً عنه بعد تحققِه {وَٱعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ} يغفِرُ لمن يُقلعُ عن عزمه خشيةً منه تعالى {حَلِيمٌ} لا يعاجلُكم بالعقوبة فلا تستدلوا بتأخيرها على أن ما نُهيتم عنه من العزم ليس مما يستتبعُ المؤاخذةَ، وإظهارُ الاسمِ الجليلِ في موضع الإضمارِ لإدخال الروعة.

التستري

تفسير : قوله: {وَلَـٰكِن لاَّ تُوَاعِدُوهُنَّ سِرّاً}[235] أي مناكحة. قوله: {وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِيۤ أَنفُسِكُمْ فَٱحْذَرُوهُ}[235] أي علم ما في غيب أنفسكم قبل خلقه لكم من فعل حركة أو سكون بخير أمر به وأعان على فعله، وفعل ما نهى عنه، ولم يعصم من نزل به، وخلى من شاء مع الهوى لإظهار فعل ما نهى عنه، ولم يعصم عدلاً منه وحكماً، فكان معنى قوله: { مَا فِيۤ أَنفُسِكُمْ}[235] أي ما لم تفعلوه، و{فِيۤ أَنفُسِكُمْ} [235] أي ما ستفعلونه، {فَٱحْذَرُوهُ}[235] أي اضرعوا إليه فيه حتى يكون هو الذي يتولى الأمر بالمعونة والتوفيق على الطاعة، ويعصم عن النهي بالنصر والتأييد. ألا ترون إلى قول عبدالله بن مسعود رضي الله عنهما: اللهم إن كنا عندك في أم الكتاب أشقياء محرومين فامْحُ ذلك عنا وأثبتنا سعداء مرحومين، فإنك تمحو ما تشاء، وتثبت وعندك أم الكتاب.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِيۤ أَنْفُسِكُمْ} [الآية: 235]. أى: علم ما فى أنفسكم قبل أن يخلقكم فاحذروه أى: فاحذروا أن يكون فى أسراركم سواه فيعرض عنكم.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ ٱلنِّسَآءِ أَوْ أَكْنَنتُمْ فِيۤ أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ ٱللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَـٰكِن لاَّ تُوَاعِدُوهُنَّ سِرّاً إِلاَّ أَن تَقُولُواْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً}. أبيح من ذلك ما كان فيه استجلاب للمودة، وتأسيس لحال الوصلة. وحُرِّمَ منه ما فيه ارتكاب المحظورات من إلمام بذنب أو عِدةٌ بِجُرْمٍ. قوله جلّ ذكره: {وَلاَ تَعْزِمُوۤاْ عُقْدَةَ ٱلنِّكَاحِ حَتَّىٰ يَبْلُغَ ٱلْكِتَابُ أَجَلَهُ وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِيۤ أَنْفُسِكُمْ فَٱحْذَرُوهُ وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ}. أي تنقضي عدة الأول فإِن حُرْمة الماضي لا تضيع.

اسماعيل حقي

تفسير : {ولا جناح عليكم} علم الله تعالى ان المرأة اذا مات زوجها قد يكون لها مال او جمال او معنى يرغب الناس فيها فاطلق للراغب ان يعرض بالخطبة فى العدة فقال تعالى ولا جناح عليكم {فيما عرضتم به} التعريض افهام المعنى الشىء المحتمل له ولغيره {من خطبة النساء} الخطبة بالكسر التماس النكاح وبالضم الكلام المشتمل على الوعظ والزجر من الخطاب الذى هو الكلام يقال خطب المرأة اى خاطبها فى امر النكاح وبالضم الكلام المشتمل على الوعظ والزجر من الخطاب الذى هو الكلام يقال خطب المرأة اى خاطبها فى امر النكاح والمراد بالنساء المعتدات للوفاة واما النساء اللاتى لا تكون منكوحة الغير ولا معتده من طلاق رجعى فان خطبهن جائزة تصريحا وتعريضا الا ان يخطبها رجل فيجاب بالرضى صريحا فههنا لا يجوز لغيره ان يخطبها لقوله عليه السلام "حديث : لا يخطبن احدكم على خطبة اخيهbr>". تفسير : وان اجيب بالرد صريحا فههنا يحل لغيره ان يخطبها وان لم يوجد صريح الاجابة ولا صريح الرد ففيه خلاف والتى هى معتدة عن الطلاق الثلاث والبائن باللعان والرضاع ففى جواز التعريض بخطبتها خلاف واما البائن التى يحل لزوجها نكاحها فى عدتها كالمختلعة والتى انفسخ نكاحها بعيب او عنة او اعسار نفقة فههنا يجوز لزوجها التعريض والتصريح واما غير الزوج فلا يحل له التصريح والتعريض لانها معتدة يحل للزوج ان يستبيحها فى عدتها لا يحل له التعريض بخطبتها كالرجعية ثم التعريض بالخطبة ان يقول لها فى العدة انك لجميلة صالحة ومن غرضى ان اتزوج او اشتهى امرأة مثلك او انا محتاج الى امرأة صفتها كذا أو يقول انى حسن الخلق كثير الانفاق جميل العشرة محسن الى النساء فيصف نفسه ليرغب فيه او يقول رب راغب فيك وحريص عليك ونحو ذلك مما يوهم انه يريد نكاحها حتى تحبس نفسها عليه ان رغبت فيه ولا يصرح بالنكاح بان يقول انى اريد ان انكحك او اتزوجك او اخطبك او غير ذلك فانه كما لا يجوز ان ينكحها فى عدتها لا يجوز له ان يخطبها صريحا فيها {أو أكننتم فى انفسكم} مفعول اكننتم محذوف وهو الضمير الراجع الى ما الموصولة فى قوله فيما عرضتم اى او اكننتموه فى انفسكم اى اضمرتم فى قلوبكم من نكاحهن فلم تذكروه صريحا ولا تعريضا. الآية الاولى لاباحة التعريض فى الحال وتحريم التصريح فى الحال وهذه الآية اباحة لان يعقد قلبه على انه سيصرح بذلك بعد انقضاء زمان العدة ثم انه تعالى ذكر الوجه الذى لاجله اباح ذلك فقال {علم الله إنكم ستذكرونهن} لا محالة ولا تنفكون عن النطق برغبتكم فيهن فالمقصود بيان وجه اباحة الخطبة بطريق التعريض {ولكن لا تواعدوهن سرا} نصب على انه مفعول ثان لتواعدوهن وهو استدراك عن محذوف دل عليه ستذكرونهن اى فاذكروهن واظهروا لهن رغبتكم ولكن لا تواعدوهن نكاحا بل اكتفوا بما رخص لكم من التعريض والتعبير عن النكاح بالسر لان مسببه الذى هو الوطئ مما يسر به {إلا أن تقولوا قولا معروفا} استثناء مفرغ مما يدل عليه النهى اى لا تواعدوهن مواعدة ما الا مواعدة غير منكرة شرعا وهى ما تكون بطريق التعريض والتلويح {ولا تعزموا} العزم عبارة عن عقد القلب على فعل من الافعال يتعدى بنفسه وبعلى. قال الراغب ودواعى الانسان الى الفعل على مراتب السانح ثم الخاطر ثم التفكر فيه ثم الارادة ثم الهمة ثم العزم فالهمة اجماع من النفس على الامر والعزم هو العقد على امضائه {عقدة النكاح} اى لا تعزموا عقد عقدة النكاح لان العزم عبارة عن عقد القلب على فعل فلا يتعلق الا بالفعل والاضافة فى قوله عقدة النكاح بيانية فلا تكون العقدة بمعنى ربط المكلف اجراء التصرف بل المراد به الحاصل بالمصدر وهو الارتباط الشرعى الحاصل بعقد العاقدين والمقصود النهى عن تزوج المعتدة فى زمان عدتها الا انه نهى عن العزم على عقد النكاح للمبالغة فى النهى عن النكاح فى زمان العدة فان العزم على الشىء متقدم عليه والنهى عن مقدمات الشىء يستلزم النهى عن ذلك الشىء بطريق الاولى {حتى يبلغ الكتاب أجله} الكتاب بمعنى المكتوب وهو المفروض والمعنى حتى تبلغ العدة المفروضة آخرها {واعلموا أن الله يعلم ما فى انفسكم} من العزم على ما لا يجوز {فاحذروه} بالاجتناب عن العزم ابتداء واقلاعا عنه بعد تحققه {واعلموا أن الله غفور} لمن عزم ولم يفعل خشية من الله تعالى {حليم} لا يعاجلكم بالعقوبة فلا تستدلوا بتأخيرها على ان ما نهيتم عنه من العزم ليس مما يستتبع المؤاخذة فاجتنبوا اسباب العقوبة واعملوا بما أمركم به ربكم واغتنموا زمان الحياة حتى لا تتأسفوا كما قال المفرطون المتحسرون شعر : جون توانستم ندانستم جه سود جون بدانستم توانستم نبود تفسير : وقد وبخ الله تعالى من مال الى شهواته وهوى نفسه فى هذه الآيات من غير ان يكون له رخصة شرعية فلا بد للعاقل ان يختار رضى الله تعالى على رضى نفسه ولا يكون له مطلب اعلى من مال او امرأة او غيرهما الا الله تعالى قال عليه الصلاة والسلام "حديث : من كانت هجرته الى الله ورسوله فهجرته الى الله ورسوله ومن كانت هجرته الى دنيا يصيبها او امرأة يتزوجها فهجرته الى ما هاجر اليهbr>". تفسير : فتأمل كيف جعل جزاء كل مؤمّل ما امله وثواب كل قاصد ما قصده واعتبر كيف لم يكرر ذكر الدنيا اشعارا بعدم اعتبارها لخساستها ولان وجودها لعب ولهو فكأنه كلا وجود وانظر الى قوله عليه السلام "حديث : فهجرته الى ما هاجر اليهbr>". تفسير : وما تضمن من ابعاد ما سواه تعالى وتدبر هذا الامر اذ ذكر الدنيا والمرأة مع انها منها يشعر بان المراد كل شىء فى الدنيا من شهوة او مال وان المراد بالحديث الخروج عن الدنيا بل وعن كل شىء لله. قال ابو سليمان الدارانى قدس سره ثلاث من طلبهن فقد ركن الى الدنيا طلب معاش او تزوج امرأة او كتب الحديث. واعلم انه ينبغى لطالب الحق ان يحصل من العلوم الشرعية ما يفرق به بين الحق والباطل ويشتغل بالعلوم الرسمية والقوانين المتداولة قدر ما يقدر على استخراج الحديث والتفسير من غير تعمق فى الفلسفيات وغوامض العلوم فانه زائد على قدر الكفاية منهى عنه على اصول اهل الشريعة والطريقة فهذا اول الامر فى هذا الباب. واما امر النهاية وهو ما بعد التحصيل والتكميل فان السالك بقدر اشتغاله بالعلوم الظاهرة زاد بعدا عن درك الحق لان السلوك يبتنى على التخلى والانقطاع وترك الكلام والاستماع وتفريغ الباطن من العلائق ولو كانت علوما وطرح المشاغل الخارجية والداخلية من البين خصوصا وعموما فقول بعضهم بنفى الاشتغال لاهل السلوك يبتنى على هذا المعنى لا على الترك من الاصل كما يزعمه جهلة الصوفية نعوذ بالله من هذا فان العلم مطلقا هو النور وبه يهتدى السالك الى مسالكه. واما ارباب النهاية من اهل السلوك فلا يمكن حصر احوالهم فانهم لا يحتجبون لا بالكثرة عن الوحدة ولا بعكسها اذ هم تجاوزوا عن مقام الاغيار بل شاهدوا أينما قلبوا الاحداق الانوار بل حققوا بالحقيقة فلا اغيار عندهم لا حقيقة ولا اعتبارا ولذا حبب الى النبى عليه السلام النساء وذلك لان محبته عليه السلام ليست كما يعرفها الناس بل سرها مستور لا يطلع عليه الا من فاز بالوراثة الكبرى. يقول الفقير جامع هذه المجالس النفيسة انما بسطت الكلام فى هذا المقام لئلا يظن احد ان قوله فيما سبق او كتب من خرافات الصوفية بل له محمل على ما اشرت اليه ومن لم يسلك هذا الطريق لم يعرف قدر خطوات اهل التحقيق والتدقيق.

الطوسي

تفسير : المعنى: قال ابن عباس: التعريض المباح في العدة هو قول الرجل: أريد التزويج، وأحب امرأة من حالها، ومن أمرها، وشأنها، فيذكر بعض الصفة التي هي عليها، هذا قول ابن عباس. وقال القاسم بن محمد، وعامر تقول: إنك لنافقة، وإنك لعجبة جميلة، وإن قضى الله شيئاً كان. اللغة: والخطبة: الذكر الذي يستدعي به الى عقدة النكاح، والخطبة: الوعظ المنسق على ضرب من التأليف. وقيل الخطبة: ماله أوّل، وآخر، مثل الرسالة. والخطبة للحال نحو الجلسة، والعقدة، تقول: خطب المرأة يخطبها خطبة، لأنه خاطب في عقد النكاح. وخطب خطبة، لأنه خاطب بالزجر، والوعظ على ضرب من تأليف اللفظ المخصوص. وخاطب مخاطبة، وخطاباً، وتخاطبوا تخاطباً. والخطب: الأمر العظيم. والخطبان: الحنظل الذي تشتدّ خضرته حتى تستحيل الى الغبرة، والصفرة. وأصل الباب الخطاب. والفرق بين التعريض، والكناية أن التعريض: تضمين الكلام دلالة على شيء ليس فيه ذكر له، والكناية: العدول عن الذكر الأخص بالشيء الى ذكر يدل عليه, فالأول كقول القائل: ما أقبح البخل، يعرض بأن المخاطب بخيل، ولعن الله الملحدين، يعرض له بالالحاد. والثاني كقولك: زيد ضربته، كنيت عنه بالهاء الموجودة في (ضربته). وقوله: {أو أكننتم في أنفسكم} فالاكنان: إسرار العزم على النكاح دون إظهاره على قول ابن زيد، ومجاهد. وقال قوم: هو معنى التعريض بالخطبة إن شئت أظهرته، وان شئت أضمرته. وتقول: كننت الشيء: إذا سترته، أكنه كنّاً وكنوناً وأكننته إكناناً إذا أضمرته، لأنك سترته في نفسك. واستكن الرجل، وأكنن إذا صار في كن، لأنه صار فيما يستره. والكناية الجعبة غير أنها صغيرة تتخذ للنبل. والكة: امرأة الابن أو ابن الاخ. والجمع كنائن. وسمي الكانون كانوناً، لأنه يحتاج إليه في وقت الاكتنان من البرد، ومنه قوله: {أية : كأنهن بيض مكنون}تفسير : {أية : وربك يعلم ما تكن صدورهم وما يعلنون}تفسير : وأصل الباب الكنّ: الستر. والفرق بين الاكنان والكن: أن الاكنان: الاضمار في النفس، ولا يقال كننته في نفسي. وقيل: كننته معناه صنته كما قال: {كأنهن بيض مكنون}. المعنى: وقوله: {لا تواعدوهن سراً} قال الحسن، وإبراهيم، وأبومجيلة: السرّ المنهي عنه ها هنا الزنا. وقال ابن عباس، وسعيد بن جبير، والشعبي: هو العهد على الامتناع من تزويج غيرك. وقال مجاهد: هو أن تقول لها لا تفوتيني بنفسك، فاني ناكحك. وقال ابن زيد: هو اسرار عقدة النكاح في العدة. اللغة: والسرّ في اللغة على ثلاثة أوجه: الاخفاء في النفس، والشرف في الحسب، يقال: فلان في سرّ قومه إذا كان في شرفهم، وصميمهم. والجماع في الفرج قال الشاعر: شعر : ألا زعمت بسباسة اليوم أنني كبرت وألا يشهد السر أمثالي تفسير : وقال رؤبة: شعر : فعفّ عن أسرارها بعد العسق ولم يضعها بين فرك وعشق تفسير : العشق اللصوق وقال الحطيئة: شعر : ويحرم سرُ جارتهم عليهم ويأكل جارهم أنف القصاع تفسير : وقوله: {إلا أن تقولوا قولا معروفاً} يعنى التعريض الذي أباحه الله تعالى. و (إلا) بمعنى (لكن) لأن ما قبلها هو المنهي عنه، وما بعدها هو المأذون فيه. وتقديره: ولكن قولوا قولا معروفاً. وقوله: {ولا تعزموا عقدة النكاح}: تقديره على عقدة النكاح، وحذفت على، لدلالة العزم عليها، لأنه لا يكون إلا على معزوم عليه، كما قيل: ضربه الظهر والبطن أي على الظهر والبطن. والعقد: الشد، تقول: عقد يعقد عقداً، وأعقدت العسل إعقاداً، واعتقد صحة الأمر اعتقاداً, وتعاقدوا على الأمر تعاقداً، وعاقدة معاقدة، وعقّد كلامه تعقيداً، وتعقد تعقداً، وانعقدا نعقاداً، وعقد العبد، لانه كعقد الحبل في التوثيق. والعقد: السمط من الجوهر. والعقد: الرمل للتداخل. وعقد اليمين: خلاف اللغو. وناقة عاقد أي لاقح، لأنها تعقد بذنبها، فيظهر أنها قد لقحت. المعنى: وقوله: {حتى يبلغ الكتاب أجله} معناه انقضاء العدة بلا خلاف. والكتاب الذي يبلغ أجله هو القرآن ومعناه: فرض الكتاب أجله. ويجوز أن يكون الكتاب نفسه هو الفرض، ذكره الزجاج، ووجه ثالث أن يكون ذلك على وجه التشبيه بكتاب الدين، ذكره الجبائي. وقوله: {والله غفور حليم} قد بينا أن الحلم من الله هو إمهال العقوبة المستحقة. وقال أبو علي الجبائي هو كل فعل يضاد حدوث العقوبة في الانسان، وهو من الانسان ترك العقاب. والله تعالى لا يجوز عليه الترك، فهو ما وصفنا من نعمه التي تضاد عقوبته.

الجنابذي

تفسير : {وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ} ايّها الخُطّاب {بِهِ} لا فيما صرّحتم به {مِنْ خِطْبَةِ ٱلنِّسَآءِ} واكتفى بنفى الجناح عن الخطّاب عن ذكر انتفاعه عن النّساء والرّجال المذكورين، والتّعريض ان يذكر شيئاً للمرأة ويشير الى ارادة نكاحها بعد انقضاء عدّتها والرّغبة فيها حتّى لا تجيب غيره وتحبس نفسها له {أَوْ أَكْنَنتُمْ فِيۤ أَنْفُسِكُمْ} من غير اظهارٍ بألسنتكم لا تصريحاً ولا تلويحاً {عَلِمَ ٱللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ} فأباح لكم التّعريض بخطبتهنّ لا التّصريح بها فانّه خلاف حفظ حرمة المؤمن {وَلَـٰكِن لاَّ تُوَاعِدُوهُنَّ سِرّاً} استدراك عن محذوف مستفاد من قوله {عَلِمَ ٱللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ} اى فاذكروهنّ ولكن لا تواعدوهنّ سرّاً اى فى مكانٍ خال او مواعدة مكان خال، او هو نفسه مفعول مطلق نوعىّ من غير لفظ الفعل فانّ الخلوة مع الاجنبيّة المرغوبة تدعو الى ما لا يرضيه الشّرع، او لا تواعدوهنّ جماعاً وفعلاً يستتر به فانّه كثيراً ما يكنّى عن الجماع وما يستقبح بالسرّ اى لا تواعدوهنّ المضاجعة والملاعبة، او لا تواعدوهنّ العقد قبل انقضاء العدّة، او كثرة المضاجعة معهنّ بعد النّكاح حتّى لا يملن الى غيركم بان تصفوا أنفسكم بكثرة المضاجعة، او لا تواعدوهنّ خلوة بان تقول قبل انقضاء العدّة للمرأة الّتى تريد نكاحها: موعدك ببيت آل فلان وقد أشير اشارة ما الى الكلّ فى الاخبار {إِلاَّ أَن تَقُولُواْ} استثناء متّصل فى كلام تامّ بدل من السّرّ او استثناء مفرّغ اى لا تواعدوهنّ سرّاً بشيءٍ او لشيءٍ او فى حال او مواعدة شيءٍ الاّ ان تقولوا {قَوْلاً مَّعْرُوفاً} من التّعريض المرخّص فيه {وَلاَ تَعْزِمُوۤاْ عُقْدَةَ ٱلنِّكَاحِ} اى عقده والفرق بينهما كالفرق بين المصدر واسمه، والنّهى عن العزم عليها مبالغة فى النّهى عنها {حَتَّىٰ يَبْلُغَ ٱلْكِتَابُ} اى المفروض من العدّة {أَجَلَهُ وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِيۤ أَنْفُسِكُمْ} من العزم على العقد او الرّفث او الفسوق {فَٱحْذَرُوهُ} اى الله، او ما فى أنفسكم من العزم المذكور، او وعد السّرّ {وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ} يغفر ما فى نفوسكم اذا لم تفعلوا {حَلِيمٌ} لا يعاجل عقوبة من يرتكب ما نهى عنه فلا تغتّروا بعدم المؤاخذة سريعاً.

اطفيش

تفسير : {وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ}: أيها الرجال المريدون للتزوج. {فِيما عَرَّضْتُم بهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّساءِ}: التعريض إلقاء المقصود فى وهم السامع، أعنى فى قلبه بلفظ لم يوضع لذلك المقصود حقيقة ولا مجازا، واختصار هذا أن نقول إيهام المقصود بما لم يوضع له حقيقة ولا مجازا، كقول الفقير أنا ذو عيال أو منذ يوم ما ذقت طعاما، أو القمر شبيه بالرغيف ونحو ذلك مما يصلح للمقصود وغيره، لكن دلالته بجانب المقصود أتم وأرجح، ويسمى التعريض تلويحاً، لأنه يلوح بالمقصود، ففى معنى الآية يقول مريد: تتزوج امرأة ما أحسن ثيابك، أو ليتنى وجدت مثلك، أو أنى أريد بالتزوج، أو أنك جميلة أو صالحة، أو من غرضى التزوج، أو أنى فيك لراغب، أو عسى الله أن ييسر لى امرأة صالحة، ونحو ذلك ما ليس تصرحياً بالتزوج، كما قيل فى حد التعريض الإشارة إلى الشئ بما يفهم السامع مقصوده بلا تصريح به، وكما قيل ما له من الكلام ظاهر وباطن وأريد الباطن، وهذا ضعيف لأنه يشمل الكناية والمجاز، وماله ظاهر وباطن، وأريد الباطن، وهذا ضعيف لأنه يشمل الكناية والمجاز، وماله ظاهر باطن، وأريد ظاهره، والكناية الدلالة على الشئ يلازمه، وتطلق أيضا على اللفظ الدال على المراد بذكر لازمه. كطويل النجاد، كناية على طول القامة، لأن من طالت قامته يناسب طول النجاد، وهو علاقة السيف، والخطبة بكسر الخاء طلب المرأة للتزوج: واشتقاقه من الخطب بمعنى الشأن، يقال ما خطبك؟ أى ما شأنك؟ فيقال خطب المرأة أى سألها فى نفسها شأنا، أو من الخطب الذى بمعنى الكلام: يقال خطبها أى تكلم لها فى أمر النكاح، والخطب الأمر العظيم، لأنه يحتاج فيه إلى خطاب كثير، الخطبة بالضم الزجر والوعظ، و {من خطبة النساء} حال من ما أو من الهاء فى به، ومن للبيان، أى وهو خطبة النساء، وذاك جنس، أو للتبعيض أى بعض خطبتهن، وذلك إفراد وأل فى النساء للعهد الذكرى، والمراد النساء المعتدات، أعنى اللاتى فى العدة لم يخرجن منها، وهى عدة الوفاء لأنهن المذكورات عقب:{أية : والذين يتوفون منكم}تفسير : والظاهر أن التى حرمت على زوجها أبدا، والتى طلقها ثلاثا يجوز أيضا التعريض لهما فى العدة، وكذا التى لا تصح رجعتها، بل تجديد النكاح كالمنفسخة لعنة أو عيبا لأنهن ليس فى نكاح، وأما التى تصح رجعتها، ولكن لا يملكها زوجها إلا برضاها، فقيل كذلك، وقيل: لا يجوز وهو الصحيح، وفى الحوطة، وقيل لا يجوز التعريض إلا المتوفى عنها، لأنه ورد فى المتوفى عنها قيل، ولأنهن يعتددن بالأقراء فلعلهن كَذَبن فى انقضآء العدة رغبة فى الخطاب بتعريض. وأما المطلقة رجعياً يملكه زوجها فيحرم التعريض لها، وإذا لم تجز الرجعة أو جازت برضاها فقط فلزوجها التعريض والتصريح، وأما التى خرجت من العدة أو من لم تتزوج فتخطب تعريضا أو تصريحا إلا أن سبقه غيره فى خطبتها فلا حتى ترده تصريحا، وإن سكتت فلا يخطبها لأن السكوت لا يدل على الرضا جزما، ولا على الكراهة، وقد تحقق أن الأول خطبها فلا يدخل هو فى الخطبة إلا على علم بحال جوازها له، وهو غير عالم لعل سكوتها لم ترد به الرد، هذا ما ظهر لى وبه قال مالك والشافعى فى قديمه، وقال فى الجديد: لأن السكوت لا يدل على الرضا، وفيه أنه لا يدل أيضا على الكراهة، وفسر ابن عباس التعريض بأن يقول: أريد التزويج، وإن النساء لمن حاجتى ولوددت أنه يسرت إلى امرأة صالحة، وعن مجاهد: التعريض أن يقول لها إنك فى نفسى، وما يقدر من أمر يكون، وقال الحسن: أن يقول احبسى نفسك على فإنى أفعل بك كذا وكذا وأهدفك كذا وكذا، وروى بن المبارك عن عبد الرحمن بن سليمان عن خالتة سكينة ابنة حنطلة أنها قالت: دخل على أبو جعفر محمد بن على الباقر فى عدتى فقال: قد علمت قرابتى من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحق جدى على بن أبى طالب، وقدامى فى الإسلام، فقلت: غفر الله لك أتخطبنى فى عدتى، وأنت يؤخذ عنك العلم. فقال: أوقد فعلت، أى بكسر التاء أى أوقد نسبتنى إلى السفه إنما أخبرتك بقرابتى من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وموضعى، قد دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على أم سلمة، وهى فى عدة زوجها أبى سلمة، فذكر لها منزلته عند الله عز وجل، وهو متحامل على يده حتى أثر الحصير فى يده من شدة تحامله عليها فما كانت تلك خطبة يعنى يد نفسه صلى الله عليه وسلم. {أو أكْننتُم فى أنْفُسِكُمْ}: أضمرتم فى قلوبكم ما أردتم من تزوجهن لم تصرحوا ولم تعرضوا فمفعول {أكننتم} مقدر، كما رأيت ويجوز تقديره ضميرا عائداً إلى ما فى قوله فيما عرضتم به أو كنتموه والاكنان الاخفاء فى النفس، ولكن الإخفاء فى غيره كالإخفاء فى البيت أو فى الوعاء أو غير ذلك كما قال هنا فى الأنفس: {أكننتم} وفى قوله: {وما تكن صدورهم}، وهو مضارع أكن ومصدره إكنان، وقال فى الإخفاء فى غير النفس: {أية : بيض مكنون}،تفسير : وهو اسم مفعول الثلاثى وقال أبو زيد: هما سواء النفس وغيرها، وقيل معنى الإكنان أن يدخل ويسلم ويهدى إن شاء بلا كلام. {عَلِمَ اللّهُ أنَّكُم سَتَذْكُرونَهنَّ}: فى قلوبكم، ولا بد لأن الرجل لا يخلو من اشتهاء المرأة ضرورة، فأسقط الله عنه الحرج، لما يكون فى قلبه من اشتهائها، وعلم الله أنكم كنتم ستذكرونهن بألسنتكم أيضا، فأباح ذلك لهم بلا تصريح بخطبة، وقال الحسن: علم الله أنكم ستخطبونهن بعد انقضاء العدة بالتصريح، أى علم الله أن فى قلوبكم ذكرهن، فأخروا التصريح به إلى انقضاء العدة، وفى الآية نوع توبيخ كقوله تعالى:{أية : علم الله أنكُم كنتم تختانون أنفسكم}. تفسير : {ولكِنْ لاَ تُواعِدُوهُنَّ سِرّاً}: أى فاذكروهن بألسنتكم،لكن لا تواعدوهن نكاحاً وجماعاً، فإن لفظ السر موضع للخفاء، واستعمل بمعنى الوطء كناية، لأن الخفاء لازم للوطء، لأن الوطء يكون فى خفاء، ثم استعمل لفظ السر المكنى به عن الوطء فى معنى عقدة النكاح، فهو مجاز مبنى على كناية وعلاقة هذا المجاز السببيه أو المسببية أو هما، لأن عقد النكاح سبب للوطء وذلك أنه كان الرجل يقول: لا تفوتينى بنفسك فإنى ناكحك، كما قال مجاهد، وقيل ذلك أن يأخذ العهد والميثاق عليها ألا تتزوج غيره، وقيل أن يخطبها فى العدة، والسر فى ذلك كله التزوج وهو أولى، يكون أول الآية تعريضا للنكاح وآخرها منعا للتصريح به، وأما إذا فسرنا السر بالجماع وهو الوطء الحرام كما قال الحسن فكناية وسرا على الوجهين مفعول ثان لتواعد، ويجوز أن يكون سرا مصدرا منصوبا على الظرفية الزمانية، أى فى سر، أى فى وقت سرا أو منصوبا على نزع الخافط وهو فى، وعلى هذين الوجهين المفعول محذوف، أى لا تواعدوهن نكاحاً أو وطأ فى سر، وهذه المواعدة محرمة جهرا أيضا ولكن لما كانت تقع فى خفاء بأنهم لا يجهرون بمواعدة التزوج ولا بالوطء الحرام فهو عن عين ما يفعلونه وهو المواعدة بذلك فى السر، وأيضا إذا حرم فى السر فأولى أن يجرم فى الجهر، قيل كان الرجل يدخل على المرأة بعرض بالنكاح، ومراده الزنى ويقول دعينى، فإذا أوفيت عدتك أظهرت نكاحك فنهو عن ذلك، وقال الكلبى لا تصفوا أنفسكم لهن بكثرة الجماع {إلاَّ أنّ تَقُولُوا قَوْلا مَّعْروفاً}: استثناء متصلا مفرع مفعول مطلق، والناصب فيه هو قوله: تواعد، لكن المستثنى منه محذوف أى لا تواعدوهن مواعدة قولكم إلا قولا معروفا إلا مواعدة معروفة، أو يقدر إلا مواعدة بقولكم قولا معروفا، وهى أنَ يتعرض بالتزوج ولا يصرحوا به، ويجوز أن يكون تفريقاً بحرف جر محذوف، أى لا تواعدوهن إلا بقولكم قولا معروفاً وهو التعريض فقط وقبل القول المعروف، أى يعلم وليها أنه راغب فى نكاحها وإنما لم أجعل أن تقولوا مفعولا ثانيا لتواعد لأنه قد أستوفا مفعولية الهاء سراً، أو الهاء ومحذوفا، وأما إن جعلنا سرا ظرفا أو مقدراً بقى ولم تقدر مفعولا آخر فيصح أن يكون أن تقولوا مفعولا ثانيا، أى لتواعدوهن فى السر إلا قولكم قولا معرفا، أى إلا مقولا معروفا، ويجوز أن يكون استثناء منقطعاً، والمستثنى منه هو قوله سراً، ولا يقال هذا ضعيف من حيث إنه يقتضى أن يكون القول المعروف وهو التعريض موعود، أو هو غير موعود، لأنا نقول لا يقتضى ذلك، وإنما يقتضيه لو كان الاستثناء متصلا، وأما إذا كان منقطعا فمن شأن المنقطع ألا يدخل فى المستثنى منه، ولا يتسلط عليه معنى عامله كما هنا، وكما تقول أكرم زيدا إلا أن يشاء الله، أى لكن مشيئة الله هى القاضية، ولا تواعدوهن سراً، ولكن قولكم قولا معروفا، جايز لكم أو يتسلط معنى عامله عليه دون أن يدخل فى المستثنى منه، نحو قام القوم إلا بعيراً، ويجوز أن يكون القول موعودا على تفسير. بمفعول فإن المعنى وهو المعرض به موعوده. {وَلاَ تعْزِمُوا عُقدةَ النِّكاحِ}: العزم عبارة عن عقد القلب على فعل من الأفعال وهو يتعدى بنفسه تارة كما هنا، فإن عقدة النكاح مفعول لتعزم، وكما فى قوله تعالى:{أية : وإن عزموا الطلاق}،تفسير : وتارة بعلى، تقول عزمت على فعل كذا، ويجوز أن يكون هنا منصوبا على نزع على أى ولا تعزموا عقدة النكاح، ولعله إنما يتعدى بنفسه لتضمنه معنى القطع، أى لا تجزموا عقدة النكاح، رأيت القاضى ذكره قولا إذ قلل، وقيل معناه لا تقطعوا عدة النكاح، فإن أصل العزم القطع إلخ أو لتضمنه معنى القصد أى لا تقصدوا قصدا جازماً، والعقدة إما بمعنى العقد وهو المعنى المصدر، وهو إيقاع الزوجية وإنما بمعنى الحاصل من المعنى المصدر، وهو الارتباط الحاصل بلك المعنى المصدرى، وعلى هذا فيقدر مضاف، أى لا تعزموا عقدة النكاح، وهنا إشكال باق هو أنه لا بأس على الزوج والمرأة والولى أن ينووا فى قلوبهم قطعا أن يتزوج بها إذا انقضت عدتها بلا تعريض، أوبه فما معنى النهى عن العزم؟ قلت: المعنى لا تعقدوا النكاح بالعدة، ولا تذكروا أنكم تعقدونه بعدها فنهى عن ذلك أبلغ نهى، أدناها أن نعزم على ذلك، والنهى عن مقدمة الشئ أبلغ من النهى عن فعل الشئ، ويجوز أن يكون المعنى لا يجوز لكم أتنووا أن تعقدوا النكاح فى العدة؟ أو أن تنووا أن تذكروا أن تعقدوه بعدها، أو المعنى لا تحرموا عقدة النكاح بالنطق به. {حتَّى يَبْلُغ الكِتَابُ}: أى المكتوب، أى المفروض وهو العدة. {أجَلَهُ}: أى آخره فينصرم، كلهُ وقيل الكتاب القرآن، أى حتى يبلغ فرض الكتاب أجلهُ. {واعْلَمُوا أنَّ اللّهَ يَعْلَمُ ما فى أنفُسِكُم}: من العزم على ما يجوز وغير العزم قال الحسن ما فى أنفسكم من الزنى أو التزيج قبل العدة، أو التصريح بالخطبة فيها. فَاحْذَرُوهُ}: أى احذروا عقابه والهاء لله، ويجوز عودها إلى ما فى أنفسهكم وأزيُلوه منها، وهو ما لا يجوز شرعاً من زنى وغيره، ونسب للحسن. {واعْلَمُوا أَنَّ اللّهَ غَفُورٌ}: لمن عزم على ما لا يجوز ولم يفعله خشية اتعالى أو فعله وتاب وأصلح الفساد. {حَليمٌ}: لا يعاجل بالعقوبة على من عزم، أو فعل، بل لمهل فإن لم يتب لم يعجزه.

اطفيش

تفسير : {وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ} أيها الناس {فِيمَا عَرَّضْتُم بِهِ} لوحتم به من عرض الكلام، أى جانبه، واللفظ حقيقة، وفهم الملوح إليه ليس حقيقة ولا مجازا، وقيل: اللفظ غير حقيقة ولا مجاز، كما أن الكناية كذلك، إذا لم يرد المعنى الموضوع، كما إذ قلت كثير الرماد للجواد، حيث لا رماد له، ويقال: التعريض، أن تذكر شيئا مقصودا بلفظه الحقيقى أو المجازى أو الكنائى لتدل به على شىء آخر لم يذكر فى الكلام، ويقال، مثل قولك: طويل النجاد كناية، ومثل قول الفقير: جئت لأسلم عليك كناية وتعريض، فبينهما عموم وخصوص من وجه {مِنْ خِطْبَةِ} من الخطب وهو الشأن، أو الخطاب، والخطاب توجيه الكلام للإفهام، ومنه الخطبة بالكسر، وهى كلام يستدعى به إلى عقد النكاح، والخطبة بالضم الوعظ المتسق على ضرب من التأليف {النِّسَآءِ} فى عدتهن من موت، أو زواجهن، مثل أن يقول: أنتِ جميلة، أو أنا أرغب فيكِ، وأحب مثلك، أو ليتنى وجدتك، إو إذا تمت عدتك فأخبرتنى، أو أريد التزوج {أَوْ أَكْنَنْتُمْ} سترتم {فِى أَنْفُسِكُمْ} من قصد تزوجهن، وعلل قوله: {لا جناح عليكم...} الخ بقوله {عَلِمَ اللهُ} علماً أزليّاً، ولا أول لعلمه ولا آخر، باعتبار النوع والشخص، لا النوع فقط {أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ} لا طاقة لكم على الصبر عنهن فأباح لكم التعريض فى عدة الوفاء لا التصريح، وإنما تكون السين للتأكيد لو كان الذكر فى مسقتبل قريب، وليس المراد ذلك، بل علم فى الأزل بلا أول أنه سيخلفهم ويتزوجون ويموتون، فيقصد القاصد تزوج المتوفى عنها، والآية توبيخ للرجال على قلة الصبر عنهن، وعدم المجاحدة، فقال: اذكروهن {وَلَكِنْ لاَّ تُوَاعِدُوهُنَّ} ولكن استدراك على محذوف، دل عليه ستذكرونهن، كما قدره المفسر بقوله اذكروهن {سِرًّا} تزوجا تصريحا، سمى سرا لأنه سبب الوطء الذى يسر وملزومه، أو سرا وطئا، ولكن لا يصح هذا إلا على أن الاستثناء منقطع فى قوله {إِلاَّ أَن تَقُولُواْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً} فى الشرع من التعريض، لا فحش فيه، أى لا تواعدوهن بالقول المستهجن، لكن واعدوهن بالقول المعروف، الذى لا يستحيا منه، أو متصل، أى لا تواعدوهن مواعدة ما إلا مواعدة معروفة أو إلا مواعدة بقول معروف، أو لا تقولوا فى وعد الجماع، أو طلب الامتناع عن الغير إلا قولكم قولا معروفا، فلا يقبل: رغبت فى وطئك، وقيل: لا تواعدوهن فى موضع سر، أى خفاء، فذلك مواعدة بالوطء، لأنه تكون فى الخفاء لقبحها، فلا يقل لها: إنى قوى الوطء، أو إنى أفعل كذا وكذا مما يكون تحت اللحاف، ويجوز التعريض للبائن بحرمتها أبدا بوجه من وجوه التحريم، أو بطلاق الثلاث، أو طلاق من تكون الاثنتان أو الواحدة فى حقها ثلاثاً، والبائن التى لا يجوز مراجعتها وجاز تزوجه لها فى العدة منه أو بعدها فى قول، ولا يجوز التعريض فى بائن يصح رجعتها برضاها {وَلاَ تَعْزِمُواْ عٌقْدَةَ النِّكَاحِ} أى لا تعقدوا النكاح، وذكر العزم تأكيد للنهى، كالنهى عن فعل الشىء بالنهى عن قربه، فنهى عن العقد بالنهى عن سببه وملزومه، أَو المراد حقيقة النهى عن العزم. فكيف العقد، والعزم القطع، أى تبرموها، وذلك قطع للشك والتردد بالجزم، وقيل: لا تقطعوا عقدة نكاح الأول المتوفى، ورد بأنه لا يعرف العزم بمعنى صريح القطع، بل بمعنى قطع التردد، اللهم إلا على التجوز فيصح، وأما رده بأنه لا تنقطع عقدة الأول بعقد الثانى، لأن عقده لغو، فلا يتم، لأن المراد لا تتعاطوا صورة قطعها، ولو كانت لا تنقطع تحقيقاً، وعقدة مفول به، ويجوز أَن يكون مفعولا مطلقا، لتضمين تعزموا معنى تعقدوا {حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَٰبُ} المكتوب، أى المفروض {أَجَلَهُ} وهو آخر الأربعة والعشر، وزعم بعض الشافعية: أنه يجوز العزم فى العدة على العقد بعدها، وهو خطأ، لأنه تصريح بالنكاح {وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا فِى أَنْفُسِكُمْ} من العزم فلا بأس بلا تصريح، ومن عدم العزم {فَاحْذَرُوهُ} احذروا عقابه على عقد النكاح قبل الأجل {واعْلَمُواْ أَنَّ اللهَ غَفُورٌ} للحاذر التائب {حَلِيمٌ} يؤخر العقاب لمستحقه إلى وقته، فلا تظنوا أن تأخيره عن من أَصر ترك له، ومن صمم على قصد المناهى يؤاخذ، فكيف من يفعل، ولكن أَرجو الغفران والرحمة، لكن لا يكتب عليه أَنه فعل، بل إنه عزم.

الالوسي

تفسير : {وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ} أيها الرجال المبتغون للزواج. {فِيمَا عَرَّضْتُم بِهِ مِنْ خِطْبَةِ ٱلنِسَاء} بأن يقول أحدكم ـ كما روى البخاري وغيره عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ـ إني أريد التزوّج، وإني لأحب امرأة من أمرها وأمرها، وإنّ من شأني النساء، ولوددت أنّ الله تعالى كتب لي امرأة صالحة، أو يذكر للمرأة فضله وشرفه، فقد روي «حديث : أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل على أمّ سلمة وقد كانت عند ابن عمها أبـي سلمة فتوفي عنها فلم يزل يذكر لها منزلته من الله تعالى وهو متحامل على يده حتى أثر الحصير في يده من شدّة تحامله عليها وكان ذلك تعريضاً لها» تفسير : والتعريض في الأصل إمالة الكلام عن نهجه إلى عرض منه وجانب، واستعمل في أن تذكر شيئاً مقصوداً في الجملة بلفظه الحقيقي أو المجازي أو الكنائي ليدل بذلك الشيء على شيء آخر لم يذكر في الكلام مثل أن تذكر المجيء للتسليم بلفظه ليدل على التقاضي وطلب العطاء، وهو غير الكناية لأنها أن تذكر معنى مقصوداً بلفظ آخر يوضع له لكن استعمل في الموضوع ـ لا على وجه القصد ـ بل لينتقل منه إلى الشيء المقصود، فطويل النجاد مستعمل في معناه لكن لا يكون المقصود بالإثبات بل لينتقل منه إلى طول القامة، وقرّر بعض المحققين أنّ بينهما عموماً من وجه، فمثل قول المحتاج: جئتك لأسلم عليك كناية وتعريض، ومثل ـ زيد طول النجاد ـ كناية لا تعريض، ومثل قولك: في عرض من يؤذيك وليس المخاطب ـ آذيتني فستعرف ـ تعريض بتهديد المؤذي لا كناية والمشهور: تسمية التعريض تلويحاً لأنه يلوح منه ما تريده، وعدوا جعل السكاكي له اسماً للكناية البعيدة لكثرة الوسائط مثل ـ كثير الرماد ـ للمضياف اصطلاحاً جديداً وفي «الكشف»: وقد يتفق عارض يجعل الكناية في حكم المصرح به كما في الاستواء على العرش وبسط اليد، ويجعل الالتفات في التعريض نحو المعرّض به كما في قوله تعالى: {أية : وَلاَ تَكُونُواْ أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ } تفسير : [البقرة: 41] فلا ينتهض نقضاً على الأصل. والخطبة ـ بكسر الخاء ـ قيل: الذكر الذي يستدعى به إلى عقد النكاح أخذاً من الخطاب، وهو توجيه الكلام للإفهام ـ وبضمها ـ الوعظ المتسق على ضرب من التأليف، وقيل: إنهما اسم الحالة غير أنّ ـ المضمومة ـ خُصت بالموعظة ـ والمكسورة ـ بطلب المرأة والتماس نكاحها ـ وأل ـ في (النساء) للعهد، والمعهودات هي الأزواج المذكورة في قوله تعالى: {أية : وَيَذَرُونَ أَزْوٰجًا } تفسير : [البقرة: 234] ولا يمكن حملها على الاستغراق لأنّ من النساء من يحرم التعريض بخطبتهن في العدّة ـ كالرجعيات والبائنات ـ في قول، والأظهر عند/ الشافعي رضي الله تعالى عنه جوازه في عدّتهنّ قياساً على معتدات الوفاة لا يقال: كان ينبغي أن تقدّم هذه الآية على قوله تعالى: {أية : فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ }تفسير : [البقرة: 234] لأنّ ما فيها من أحكام النساء قبل البلوغ إلى الأجل لأنا نقول: لا نسلم ذلك، بل هي من أحكام الرجال بالنسبة إليهن، فكان المناسب أن يذكر بعد الفراغ من أحكامهنّ قبل البلوغ من الأجل وبعده، واستدل إلكيا بالآية على نفي الحدّ بالتعريض في القذف لأنه تعالى جعل حكمه مخالفاً لحكم التصريح، وأيد بما روي: «من عرض عرضنا، ومن مشى على الكلأ ألقيناه في النهر» واستدل بها على جواز نكاح الحامل من الزنا إذ لا عدّة لها، ولا يخفى ما فيه. {أَوْ أَكْنَنتُمْ فِى أَنفُسِكُمْ} أي أسررتم في قلوبكم من نكاحهنّ بعد مضي عدّتهنّ ولم تصرحوا بذلك لهنّ {عَلِمَ ٱللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ} ولا تصبرون على السكوت عنهنّ وعن إظهار الرغبة فيهنّ، فلهذا رخص لكم ما رخص، وفيه نوع ما من التوبيخ. {وَلَـٰكِن لاَّ تُوَاعِدُوهُنَّ سِرّا} استدراك عن محذوف دل عليه {سَتَذْكُرُونَهُنَّ} أي فاذكروهن ولكن لا تواعدوهن نكاحاً بل اكتفوا بما رخص لكم، وجواز أن يكون استدراكا عن {لاَّ جُنَاحَ} فإنه في معنى ـ عرّضوا بخطبتهنّ ـ أو أكنوا في أنفسكم ولكن الخ، وحمله على الاستدراك على ما عنده، ـ ليس بشيء ـ وإرادة النكاح من ـ السر ـ بواسطة إرادة الوطء منه إذ قد تعارف إطلاقه عليه لأنه يسر، ومنه قول امرىء القيس:شعر : ألا زعمت بسباسة اليوم أنني كبرت وأن لا يحسن ـ السر ـ أمثالي تفسير : وإرادة العقد من ذلك لما بينهما من السببية والمسببية، ولم يجعل من أوّل الأمر عبارة عن العقد لأنه لا مناسبة بينهما في الظاهر، والمروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنّ ـ السر ـ هنا الجماع، وتوهم الرخصة حينئذ في المحظور الذي هو التصريح ـ بالنكاح ـ مما لا يكاد يخطر ببال، وعن سعيد بن جبير ومجاهد، وروي عن الحبر أيضاً أنه العهد على الامتناع عن التزوّج بالغير ـ وهو على هذه الأوجه نصب على المفعولية ـ وجوّز انتصابه على الظرفية، أي: لا تواعدوهنّ في السر، على أن المراد بذلك المواعدة بما يستهجن. {إِلاَّ أَن تَقُولُواْ قَوْلاً مَّعْرُوفًا} وهو التعريض الذي عرف تجويزه، والمستثنى منه ما يدل عليه النهي أي: لا تواعدوهن نكاحاً مواعدة ما إلا مواعدة معروفة؛ أو إلا مواعدة بقول معروف، أو لا تقولوا في وعد الجماع أي طلب الامتناع عن الغير إلا قولكم قولاً معروفاً والاستثناء في جميع ذلك متصل، وفي الكلام على الوجه الأوّل تصريح بما فهم من {وَلاَ جُنَاحَ} على وجه يؤكد ذلك الرفع وهو نوع من الطرد ـ والعكس حسن ـ وعلى الأخيرين تأسيس لمعنى ربما يعلم بطريق المقايسة إذ حملوا ـ التعريض ـ فيهما على ـ التعريض ـ بالوعد لها أو الطلب منها، وهو غير ـ التعريض ـ السابق لأنه بنفس الخطبة وإذا أريد الوجه الرابع وهو الأخير من الأوجه السابقة احتمل الاستثناء الاتصال والانقطاع، والانقطاع في المعنى أظهر على معنى: لا تواعدوهنّ بالمستهجن ولكن واعدوهن بقول معروف لا يستحيا منه في المجاهرة من حسن المعاشرة والثبات إن وقع النكاح، وبعض قال بذلك إلا أنه جعل الاستثناء من {سِرّا} وضعف بأنه يؤدّي إلى كون التعريض موعوداً، وجعله من قبيل {أية : إَلاَّ مَن ظَلَمَ }تفسير : [النمل: 11] يأبـى أن يكون استثناءاً منه بل من أصل الحكم. {وَلاَ تَعْزِمُواْ عُقْدَةَ ٱلنّكَاحِ} أي لا تقصدوا قصداً جازماً عقد عقدة النكاح وفي النهي عن مقدّمة الشيء نهي/ عن الشيء على وجه أبلغ، وصح تعلق النهي به لأنه من الأفعال الباطنة الداخلة تحت الاختيار ولذا يثاب على النية، والمراد به العزم المقارن لأن من قال: لا تعزم على السفر في صفر مثلا لم يفهم منه النهي عن عزم فيه متأخر الفعل إلى ربيع، وذلك لأن القصد الجازم حقه المقارنة وتقدير المضاف لصحة التعلق لأنه لا يكون إلا على الفعل، و ـ العقدة ـ ليست به لأنها موضع العقد وهو ما يعقد عليه ولم يقدره بعضهم، وجعل الإضافة بيانية فالعقدة حينئذ نفس النكاح وهو فعل، ويحتمل أن يكون الكلام من باب {أية : حُرّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَـٰتُكُمْ } تفسير : [النساء: 23] وعلى كل تقدير هي مفعول به، وجوز أن تكون مفعولاً مطلقاً على أن معنى ـ لا تعزموا ـ لا تعقدوا فهو على حد ـ قعدت جلوساً ـ وأن الإضافة من إضافة المصدر إلى مفعوله، وقيل: المعنى لا تقطعوا ولا تبرموا عقدة النكاح فيكون النهي عن نفس الفعل لا عن قصده كما في الأول، وبهذا ينحط عنه، ومن الناس من حمل العزم على القطع ضد الوصل وجعل المعنى لا تقطعوا عقدة نكاح الزوج المتوفى بعقد نكاح آخر ولا حاجة حينئذ إلى تقدير مضاف أصلاً، وفيه بحث أما أولاً: فلأن مجيء العزم بمعنى القطع ضد الوصل في اللغة محل تردد، وقول الزمخشري: حقيقة العزم القطع بدليل قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا صيام لمن لم يعزم الصيام من الليل»تفسير : وروي «حديث : لم يبيت» تفسير : ليس بنص في ذلك بل لا يكاد يصح حمله إذ الدليل لا يساعده إذ لا خفاء في أن المراد بعزم الصوم ليس قطعة بمعنى الفك بل الجزم وقطع التردد، وأما ثانياً: فلأنه لا معنى للنهي عن قطع عقدة نكاح الزوج الأول حتى ينهى عنه إذ لا تنقطع عقدة نكاح المتوفى بعقد نكاح آخر لأن الثاني لغو، ومن هنا قيل: إن المراد لا تفكوا عقدة نكاحكم ولا تقطعوها، ونفي القطع عبارة عن نفي التحصيل فإن تحصيل الثمرة من الشجرة بالقطع، وهذا كما ترى مما لا ينبغي أن يحمل عليه كلام الله تعالى العزيز. {حَتَّىٰ يَبْلُغَ ٱلْكِتَـٰبُ أَجَلَهُ} أي ينتهي ما كتب وفرض من العدة {وَٱعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِى أَنفُسِكُمْ} من العزم على ما لا يجوز أو من ذوات الصدور التي من جملتها ذلك {فَٱحْذَرُوهُ} ولا تعزموا عليه أو ـ احذروه ـ بالاجتناب عن العزم ابتداءاً أو إقلاعاً عنه بعد تحققه {وَٱعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ} يغفر لمن يقلع عن عزمه أو ذنبه خشية منه {حَلِيمٌ} لا يعاجل بالعقوبة فلا يتوهم من تأخيرها أن ما نهى عنه لا يستتبع المؤاخذة وإعادة العامل اعتناءاً بشأن الحكم، ولا يخفى ما في الجملة مما يدل على سعة رحمته تبارك اسمه.

ابن عاشور

تفسير : عطف على الجملة التي قبلها، فهذا من الأحكام المتعلقة بالعدة، وقد تضمنت الآيات التي قبلها أحكام عدة الطلاق وعدة الوفاة، وأن أمد العدة محترم، وأن المطلقات إذا بلغن أجلهن جاز أن يفعلن في أنفسهن ما أردن من المعروف، فعلم من ذلك أنهن إذا لم يبلغنه لا يجوز ذلك فالتزوج في مدة الأجل حرام، ولما كان التحدث في التزوج إنما يقصد منه المتحدث حصول الزواج، وكان من عادتهم أن يتسابقوا إلى خطبة المعتدة ومواعدتها، حرصاً على الاستئثار بها بعد انقضاء العدة فبينت الشريعة لهم تحريم ذلك، ورخصت في شيء منه ولذلك عطف هذا الكلام على سابقه. والجناح الإثم وقد تقدم في قوله تعالى: { أية : فلا جناح عليه أن يطوف بهما } تفسير : [البقرة: 158]. وقوله: {ما عرضتم به} ما موصولة، وما صْدَقها كلام، أي كلام عرضتم به، لأن التعريض يطلق على ضرب من ضروب المعاني المستفادة من الكلام، وقد بينه بقوله: {من خطبة النساء} فدل على أن المراد كلام. ومادة فعَّل فيه دالة على الجعل مثل صوَّر، مشتقة من العرض ــــ بضم العين ــــ وهو الجانب أي جعل كلامه بجانب، والجانب هو الطرف، فكأن المتكلم يحيد بكلامه من جادة المعنى إلى جانب. ونظير هذا قولهم جَنَبَه، أي جعله في جانب. فالتعريض أن يريد المتكلم من كلامه شيئاً، غير المدلول عليه بالتركيب وضعاً، لمناسبة بين مدلول الكلام وبين الشيء المقصود، مع قرينة على إرادة المعنى التعريضي، فعلم ألا بد من مناسبة بين مدلول الكلام وبين الشيء المقصود، وتلك المناسبة: إما ملازمة أو مماثلة، وذلك كما يقول العافى لرجل كريم: جئت لأسلم عليك ولأنظر وجهك، وقد عبر عن إرادتهم مثل هذا أمية بن أبي الصلت في قوله: شعر : إذَا أَثَنى عليكَ المرءُ يوماً كفاهُ عن تَعَرُّضه الثَّنَاء تفسير : وجعل الطيبي منه قوله تعالى: { أية : وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلٰهين من دون الله } تفسير : [المائدة: 116]. فالمعنى التعريضي في مثل هذا حاصل من الملازمة، وكقول القائل «المسلم من سلم المسلمون من لسانه» في حضرة من عرف بأذى الناس، فالمعنى التعريضي حاصل من علم الناس بمماثلة حال الشخص المقصود للحالة التي ورد فيها معنى الكلام، ولما كانت المماثلة شبيهة بالملازمة ـــ لأن حضور المماثل في الذهن يقارن حضور مثيله ـــ صح أن نقول إن المعنى التعريضي بالنسبة إلى المركبات شبيه بالمعنى الكنائي بالنسبة إلى دلالة الألفاظ المفردة، وإن شئت قلت: المعنى التعريضي من قبيل الكناية بالمركب فخص باسم التعريض كما أن المعنى الكنائي من قبيل الكناية باللفظ المفرد، وعلى هذا فالتعريض من مستتبعات التراكيب، وهذا هو الملاقى لما درج عليه صاحب «الكشاف» في هذا المقام، فالتعريض عنده مغاير للكناية من هذه الجهة وإن كان شبيهاً بها، ولذلك احتاج إلى الإشارة إلى الفرق بينهما، فالنسبة بينهما عنده التباين. وأما السكاكي فقد جعل بعض التعريض من الكناية وهو الأصوب، فصارت النسبة بينهما العموم والخصوص الوجهي، وقد حمل الطيبي والتفتازاني كلام «الكشاف» على هذا، ولا إخاله يتحمله. وإذ قد تبين لك معنى التعريض، وعلمت حد الفرق بينه وبين الصريح فأمثلة التعريض والتصريح لا تخفى، ولكن فيما أثر من بعض تلك الألفاظ إشكال لا ينبغي الإغضاء عنه في تفسير هذه الآية. إن المعرض بالخطبة تعريضه قد يريده لنفسه وقد يريده لغيره بوساطته، وبين الحالتين فرق ينبغي أن يكون الحكم في المتشابه من التعريض، فقد روي حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لفاطمة ابنة قيس، وهي في عدتها من طلاق زوجها عمرو بن حفص آخر الثلاث «كوني عند أم شريك ولا تسبقيني بنفسك»تفسير : أي لا تستبدي بالتزوج قبل استئذاني وفي رواية «فإذا حللت فآذنيين» وبعد انقضاء عدتها خطبها لأسامة بن زيد، فهذا قول لا خطبة فيه وإرادة المشورة فيه واضحة. ووقع في «الموطأ»: أن القاسم بن محمد كان يقول في قوله تعالى: {ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء} أن يقول الرجل للمرأة وهي في عدتها من وفاة زوجها: «إنك عليَّ لكريمة وإني فيك لراغب». فأما إنك عليَّ لكريمة فقريب من صريح إرادة التزوج بها وما هو بصريح، فإذا لم تعقبه مواعدة من أحدهما فأمره محتمل، وأما قوله إني فيك لراغب فهو بمنزلة صريح الخطبة وأمره مشكل، وقد أشار ابن الحاجب إلى إشكاله بقوله: «قالوا ومثل إني فيك لراغب أكثر هذه الكلمات تصريحاً فينبغي ترك مثله» ويذكر عن محمد الباقر أن النبي صلى الله عليه وسلم عرض لأم سلمة في عدتها من وفاة أبي سلمة، ولا أحسب ما روي عنه صحيحاً. وفي «تفسير ابن عرفة»: «قيل إن شيخنا محمد بن أحمد بن حيدرة كان يقول: «إذا كان التعريض من أحد الجانبين فقط وأما إذا وقع التعريض منهما فظاهر المذهب أنه كصريح المواعدة». ولفظ النساء عام لكن خص منه ذوات الأزواج، بدليل العقل ويخص منه المطلقات الرجعيات بدليل القياس ودليل الإجماع، لأن الرجعية لها حكم الزوجة بإلغاء الفارق، وحكى القرطبي الإجماع على منع خطبة المطلقة الرجعية في عدتها، وحكى ابن عبد السلام عن مذهب مالك جواز التعريض لكل معتدة: من وفاة أو طلاق، وهو يخالف كلام القرطبي، والمسألة محتملة لأن للطلاق الرجعي شائبتين، وأجاز الشافعي التعريض في المعتدة بعد وفاة ومنعه في عدة الطلاق، وهو ظاهر ما حكاه في «الموطأ» عن القاسم بن محمد. وقوله: {أو أكننتم في أنفسكم} الإكنان الإخفاء. وفائدة عطف الإكنان على التعريض في نفي الجناح، مع ظهور أن التعريض لا يكون إلاّ عن عزم في النفس، فنفي الجناح عن عزم النفس المجرد ضروري من نفي الجناح عن التعريض، أنَّ المراد التنبيه على أن العزم أمر لا يمكن دفعه ولا النهي عنه، فلما كان كذلك، وكان تكلم العازم بما عزم عليه جبلة في البشر، لضعف الصبر على الكتمان، بين الله موضع الرخصة أنه الرحمة بالناس، مع الإبقاء على احترام حالة العدة، مع بيان علة هذا الترخيص، وأنه يرجع إلى نفي الحرج، ففيه حكمة هذا التشريع الذي لم يبين لهم من قبل. وأخر الإكنان في الذكر للتنبيه على أنه أفضل وأبقى على ما للعدة من حرمة، مع التنبيه على أنه نادر وقوعه، لأنه لو قدمه لكان الانتقال من ذكر الإكنان إلى ذكر التعريض جارياً على مقتضى ظاهر نظم الكلام في أن يكون اللاَّحق زائد المعنى على ما يشمله الكلام السابق، فلم يتفطن السامع لهذه النكتة، فلما خولف مقتضى الظاهر علم السامع أن هذه المخالفة ترمي إلى غرض، كما هو شأن البليغ في مخالفة مقتضى الظاهر، وقد زاد ذلك إيضاحاً بقوله عقبه: {علم الله أنكم ستذكرونهن} أي علم أنكم لا تستطيعون كتمان ما في أنفسكم، فأباح لكم التعريض تيسيراً عليكم، فحصل بتأخير ذكر {أو أكنتم} فائدة أخرى وهي التمهيد لقوله: {علم الله أنكم ستذكرونهن} وجاء النظم بديعاً معجزاً، ولقد أهمل معظم المفسرين التعرض لفائدة هذا العطف، وحاول الفخر توجيهه بما لا ينثلج له الصدر ووجهه ابن عرفة بما هو أقرب من توجيه الفخر، ولكنه لا تطمئن له نفس البليغ. فقوله: {ولكن لا تواعدوهن سراً} استدراك دل عليه الكلام، أي علم الله أنكم ستذكرونهن صراحة وتعريضاً؛ إذ لا يخلو ذو عزم من ذكر ما عزم عليه بأحد الطريقين، ولما كان ذكر العلم في مثل هذا الموضع كناية عن الإذن كما تقول: علمت أنك تفعل كذا تريد: إني لا أؤاخذك لأنك لو كنت تؤاخذه، وقد علمت فعله، لآخذته كما قال: { أية : علم الله أنكم كنت تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم } تفسير : [البقرة: 187] هذا أظهر ما فسر به هذا الاستدراك وقيل: هذا استدراك على كلام محذوف أي فاذكروهن ولكن لا تواعدوهن، أي لا تصرحوا وتواعدوهن، أي تعدوهن ويعدنكم بالتزوج. والسر أصله ما قابل الجهر، وكنى به عن قربان المرأة قال الأعشى: شعر : ولا تقربنَّ جارة إنَّ سِرَّها عليك حرام فانكحن أو تأبدا تفسير : وقال امرؤ القيس: شعر : ألا زعمتْ بسباسَةُ الحي أنني كبرْتُ وأن لا يحسن السر أمثالي تفسير : والظاهر أن المراد به في هاته الآية حقيقته، فيكون {سراً} منصوباً على الوصف لمفعول مطلق أي وعداً صريحاً سراً، أي لا تكتموا المواعدة، وهذا مبالغة في تجنب مواعدة صريح الخطبة في العدة. وقوله: {إلا أن تقولوا قولاً معروفاً} استثناء من المفعول المطلق أي إلا وعداً معروفاً، وهو التعريض الذي سبق في قوله: {فيما عرضتم به} فإن القول المعروف من أنواع الوعد إلا أنه غير صريح، وإذا كان النهي عن المواعدة سراً، علم النهي عن لمواعدة جهراً بالأولى، والاستثناء على هذا في قوله: {إلا أن تقولوا قولاً معروفاً} متصل، والقول المعروف هو المأذون فيه، وهو التعريض، فهو تأكيد لقوله: {ولا جناح عليكم فيما عرضتم به} الآية. وقيل: المراد بالسر هنا كناية، أي لا تواعدوهن قرباناً، وكنى به عن النكاح أي الوعد الصريح بالنكاح، فيكون {سراً} مفعولاً به لتواعدوهن، ويكون الاستثناء منقطعاً، لأن القول ليس من أنواع النكاح، إذ النكاح عقد بإيجاب وقبول، والقول خطبة: صراحة أو تعريضاً وهذا بعيد: لأن فيه كناية على كناية، وقيل غير ذلك مما لا ينبغي التعريج عليه، فإن قلتم حظر: صريح الخطبة والمواعدة، وإباحة التعريض بذلك يلوح بصور التعارض، فإن مآل التصريح والتعريض واحد، فإذا كان قد حصل بين الخاطب والمعتدة العلم بأنه يخطبها وبأنها توافقه، فما فائدة تعلق التحريم والتحليل بالألفاظ والأساليب، إن كان المفاد واحداً قلت: قصد الشارع من هذا حماية أن يكون التعجل ذريعة إلى الوقوع فيما يعطل حكمة العدة، إذ لعل الخوض في ذلك يتخطى إلى باعث تعجل الراغب إلى عقد النكاح على المعتدة بالبناء بها؛ فإن دبيب الرغبة يوقع في الشهوة، والمكاشفة تزيل ساتر الحياء فإن من الوازع الطبيعي الحياء الموجود في الرجل، حينما يقصد مكاشفة المرأة بشيء من رغبته فيها، والحياء في المرأة أشد حينما يواجهها بذلك الرجل، وحينما تقصد إجابته لما يطلب منها، فالتعريض أسلوب من أساليب الكلام يؤذن بما لصاحبه من وقار الحياء فهو يقبض عن التدرج إلى ما نهي عنه، وإيذانه بهذا الاستحياء يزيد ما طبعت عليه المرأة من الحياء فتنقبض نفسها عن صريح الإجابة، بله المواعدة فيبقى حجاب الحياء مسدولاً بينهما وبرقع المروءة غير منضى وذلك من توفير شأن العدة فلذلك رخص في التعريض تيسيراً على الناس، ومنع التصريح إبقاء على حرمات العدة. وقوله: {ولا تعزموا عقدة النكاح} العزم هنا عقد النكاح لا التصميم على العقد، ولهذا فعقدة النكاح منصوب على المفعول به، والمعنى: لا تعقدوا عقدة النكاح، أخذ من العزم بمعنى القطع والبت، قاله النحاس وغيره، ولك أن تجعله بمعناه المشهور أي لا تصمموا على عقدة النكاح، ونهي عن التصميم لأنه إذا وقع وقع ما صمم عليه. وقيل: نهى عن العزم مبالغة، والمراد النهي عن المعزوم عليه، مثل النهي من الاقتراب في قوله: { أية : تلك حدود الله فلا تقربوها } تفسير : [البقرة: 187] وعلى هذين الوجهين فعقدة النكاح منصوب على نزع الخافض، كقولهم ضربة الظهر والبطن، وقيل ضمن عزم معنى أبرم قاله صاحب «المغني» في الباب الثامن. والكتاب هنا بمعنى المكتوب أي المفروض من الله وهو العدة المذكورة بالتعريف للعهد. والأجل المدة المعينة لعمل ما، والمراد به هنا مدة العدة المعينة بتمام، كما أشار إليه قوله: { أية : فإذا بلغن أجلهن } تفسير : [البقرة: 234] آنفاً. والآية صريحة في النهي عن النكاح في العدة وفي تحريم الخطبة في العدة وفي إباحة التعريض. فأما النكاح أي عقده في العدة، فهو إذا وقع ولم يقع بناء بها في العدة فالنكاح مفسوخ اتفاقاً، وإنما اختلفوا هل يتأبد به تحريم المرأة على العاقد أو لا؟ فالجمهور على أنه لا يتأبد، وهو قول عمر بن الخطاب، ورواية ابن القاسم عن مالك في «المدونة»، وحكى ابن الجلاب عن مالك رواية أنه يتأبد، ولا يعرف مثله عن غير مالك. وأما الدخول في العدة ففيه الفسخ اتفاقاً، واختلف في تأبيد تحريمها عليه فقال عمر بن الخطاب ومالك والليث والأوزاعي وأحمد بن حنبل بتأبد تحريمها عليه، ولا دليل لهم على ذلك إلا أنهم بنوه على أصل المعاملة بنقيض المقصود الفاسد، وهو أصل ضعيف، وقال علي وابن مسعود وأبو حنيفة والثوري والشافعي: بفسخ النكاح ولا يتأبد التحريم، وهو بعد العدة خاطب من الخطاب، وقد قيل: إن عمر رجع إليه وهو الأصح، وعلى الزوج مهرها بما استحل منها، وقد تزوج رويشد الثقفي طليحة الأسدية في عدتها ففرق عمر بينهما وجعل مهرها على بيت المال، فبلغ ذلك علياً فقال: «يرحم الله أمير المؤمنين ما بال الصداق وبيت المال، إنما جهلا فينبغي للإمام أن يردهما للسنة» قيل له: «فما تقول أنت»؟ قال: «لها الصداق بما استحل منها ويفرق بينهما ولا جلد عليهما» واستحسن المتأخرون من فقهاء المالكية للقاضي إذا حكم بفسخ نكاح الناكح في العدة ألا يتعرض في حكمه للحكم بتأبيد تحريمها، لأنه لم يقع التنازع في شأنه لديه، فينبغي له أن يترك التعريج عليه، لعلهما أن يأخذا بقول من لا يرون تأبيد التحريم. وأما الخطبة في العدة والمواعدة فحرام مواجهة المرأة بها، وكذلك مواجهة الأب في ابنته البكر، وأما مواجهة ولي غير مجبر فالكراهة، فإذا لم يقع البناء في العدة بل بعدها، فقال مالك: يفرق بينهما بطلقة ولا يتأبد تحريمها، وروى عنه ابن وهب: فراقها أحب إليَّ، وقال الشافعي: الخطبة حرام، والنكاح الواقع بعد العدة صحيح. {وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِىۤ أَنفُسِكُمْ فَٱحْذَرُوهُ وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ} عطف على الكلام السابق في قوله: {ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء} إلى قوله: {حتى يبلغ الكتاب أجله} وابتدىء الخطاب باعلموا لما أريد قطع هواجس التساهل والتأول، في هذا الشأن، ليأتي الناس ما شرع الله لهم عن صفاء سريرة من كل دخل وحيلة، وقدم تقدم نظيره في قوله: { أية : واعلموا أنكم ملاقوه } تفسير : [البقرة: 223]. وقوله: {واعلموا أن الله غفور حليم} تذييل، أي فكما يؤاخذكم على ما تضمرون من المخالفة يغفر لكم ما وعد بالمغفرة عنه كالتعريض لأنه حليم بكم، وهذا دليل على أن إباحة التعريض رخصة كما قدمنا، وأن الذريعة تقتضي تحريمه، لولا أن الله علم مشقة تحريمه على الناس للوجوه التي قدمناها، فلعل المراد من المغفرة هنا التجاوز لا مغفرة الذنب؛ لأن التعريض ليس بإثم، أو يراد به المعنى الأعم الشامل لمغفرة الذنب والتجاوز عن المشاق، وشأن التذييل التعميم.

الواحدي

تفسير : {ولا جناح عليكم فيما عرَّضتم به} أَيْ: تكلَّمتم به من غير تصريح، وهو أن يُضمِّن الكلام دلالةً على ما يريد {من خطبة النساء} أَي: التماس نكاحهنَّ في العدَّة. يعني: المتوفَّى عنها الزَّوج يجوز التعريض بخطبتها في العدَّة، وهو أن يقول لها وهي في العدَّة: إنَّك لجميلةٌ، وإنَّك لنافقةٌ، وإنَّك لصالحةٌ، وإنَّ من عزمي أَنْ أتزوَّج، وما اشبه ذلك {أو أَكْنَنْتُمْ} أسررتم وأضمرتم {في أنفسكم} من خطبتهنَّ ونكاحهنَّ {علم الله أنكم ستذكرونهنَّ} يعني: الخطبة {ولكن لا تواعدوهن سراً} أَيْ: لا تأخذوا ميثاقهنَّ أن لا ينكحن غيركم {إلاَّ أن تقولوا قولاً معروفاً} أَي: التَّعرض بالخطبة كما ذكرنا {ولا تعزموا عقدة النكاح} أيْ: لا تصححوا عقدة النِّكاح {حتى يبلغ الكتاب أجله} حتى تنقضي العدَّة المفروضة {واعلموا أنَّ الله يعلم ما في أنفسكم} أَيْ: مُطَّلعٌ على ما في ضمائركم. {فاحذروه} فخافوه.

القطان

تفسير : لا جناح: لا اثم. خطبة النساء، بكسر الخاء: طلب الزواج منهنّ. أكْنَنْتُم: أخفيتم. ولا اثم على الرجال ان يلمّحوا للمرأة أثناء العِدة بالرغبة في الزواج، ولا فيما يكتمه الرجل في نفسه من رغبة في الزواج من المرأة، اثناء عدّتها. ان الله يعلم ان الرجال لا يصبرون عن التحدث في شأنهن، ولهذا أباح التعريض دون التصريح. ولكن لا يجوز ان تواعدوهن على الزواج سراً، فإن المواعدة على هذه الحال مظنّةٌ للقيل والقال. {إِلاَّ أَن تَقُولُواْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً} لا يستحي منه أحد من الناس. فقد أخرج الطبري عن ابن المبارك عن عبدالرحمن بن سليمان عن خالته سكينة بنت حنظلة، قالت: دخل عليَّ محمد بن علي زين العابدين (المعروف بالإمام الباقر) وانا في عِدّتي فقال: يا ابنة حنظلة انا من علمتِ قرابتي من رسول الله، وحقّ جدّي عليٍّ وقدمي في الاسلام. فقلت: غفر الله لك يا ابا جعفر، اتخطبني في عدتي، وانت يؤخذ عنك؟ فقال: أوَقد فعلت؟ انما اخبرتك بقرابتي من رسول الله وموضعي. وقد دخل رسول الله على أم سلمة بعد وفاة زوجها فلم يزل يذكر لها منزلته من الله فما كانت تلك خِطبة. {وَلاَ تَعْزِمُوۤاْ عُقْدَةَ ٱلنِّكَاحِ حَتَّىٰ يَبْلُغَ ٱلْكِتَابُ أَجَلَهُ} ولا تبرموا عقد الزواج حتى تنقضي العدة. واذا وقع العقد فانه يكون باطلا. واعلموا ان الله يعلم ما تضمرونه في قلوبكم من العزم على ما لا يجوز، فاحذروا ولا تقدموا على ما نهاكم عنه، ولا تيأسوا من رحمته ان خالفتم، إنه واسع المغفرة حليم لا يعجَل بالعقوبة امهالاً لإصلاح زلاّتكم.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلْكِتَابُ} (235) - وَلا جُنَاحَ عَلَيكُمْ أيُّها الرِّجَالُ وَلا حَرَجَ وَلا إثْمَ فِي أنْ تُعَرِّضُوا بِخِطْبَةِ النِّسَاءِ وَهُنَّ في العِدَّةِ، مِنْ غَيرِ تَصْرِيحٍ، كَأنْ يَقُولَ أحَدُكُمْ أريدُ الزَّوَاجَ ... وَلا جُنَاحَ عَليكُمْ فِيما أضْمَرْتُمُوهُ فِي أنفُسكُمْ مِنْ خِطْبَتِهِنَّ. وَاللهُ يَعْلَمُ أنَّكُمْ سَتَذْكُرونَهُنَّ في أنْفُسِكُمْ سِرّاً، فَرَفَعَ عَنْكُمْ هذا الحَرَجَ، وَلَكِنْ لا تُعْطُوهُنَّ وَعْداً بالزَّواجِ، إلا أنْ يَكُونَ ذَلِكَ إشَارَةً لا نُكْرَ فيها وَلا فُحْشَ وَلاَ تَقُولُوا لَهُنَّ إنَّكُمْ عَاشِقون مَثَلاً، وَلا تَطْلُبُوا مِنْهُنَّ الوَعْدَ بِعَدَمِ الزَّوَاجِ مِنْ غَيْرِكُمْ .. إلخ فَذلِكَ مِمَّا نَهَى اللهُ تَعَالَى عَنْهُ. وَلاَ تَعْقدُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى تَنْقَضِيَ العِدَّةُ (يَبْلُغَ الكِتَابُ أجَلَهُ) وَإذَا تَزَوَّجَ الرَّجُلُ مِن امْرأَةٍ وَهِيَ في العِدَّةِ، فَقَدْ أجْمَعَ الفُقَهَاءُ عَلَى أنَّ هذا الزَّوَاجَ بَاطِلٌ. وَلكِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا حَوْلَ حُرْمَةِ المَرْأةِ عَلَى الرَّجُلِ أبَداً. فَقَالَ بَعْضُ الفُقَهَاءِ: إنَّها تَحْرُمُ عَلَيهِ أبَداً، وَقَالَ آخَرُونَ إنَّها لاَ تَحْرُمُ عَلَيهِ أبَدَاً، وَلَهُ أنْ يَتَقَدَّمَ إلى خِطْبَتِها إذا انْقَضَتْ عِدَّتُهَا، وَيَعْقِدَ عَلَيْهَا بَعْدَ ذَلِكَ. ويُذَكِّر اللهُ المُؤْمِنينَ بِأنَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي نُفُوسِهِمْ، وَلِذَلِكَ فَإنَّهُ يُرِيدُهُمْ ألاَّ يُضْمِرُوا فِي أنْفُسِهِمْ إلاَّ الخَيْرَ. وَالذي تَخْطُرُ عَلَى بَالِهِ خَوَاطِرُ شِرِّيرَةٌ جَعَلَ اللهُ لَهُ بَاباً لِلتَّوبَةِ وَالاسْتِغْفَارِ مِمَّا خَطَرَ لَهُ، فَاللهُ كَثيرُ الحِلْمِ لاَ يُعَجِّلُ بِالعُقُوبَةِ لِمَنْ قَارَفَ المُحَرَّمَاتِ، لَعَلَّهُ يَتُوبُ وَيَسْتَغْفِرُ رَبَّهُ وَيَرْجِعُ إليهِ. عَرَّضْتُمْ بِهِ - لَوَّحْتُمْ بِهِ وَأشَرْتُمْ إليْهِ. أكْنَنْتُمْ - أسْرَرْتُمْ وَأخْفُيْتُمْ. لاَ تُواعِدُوهُنَّ سِرّاً - لاَ تَذْكُرُوا لَهُنَّ صَرِيحَ النِّكَاحِ. يَبْلُغَ الكِتَابُ أجَلَهُ - يَنْتَهِيَ المَفْرُوضُ مِنَ العِدَّةِ.

الثعلبي

تفسير : {وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ} يا معشر الرجال {فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ ٱلنِّسَآءِ} النساء المعتدّات، وأصل التعريض التلويح بالشيء. قال الشاعر: شعر : كما خطّ عبرانيّة بيمينه بتيماء حبر ثم عرّض أسطرا تفسير : والتعريض في الكلام ما كان من لحن الكلام الذي يفهم به السامع من غير تصريح، وأصله من عرض الشيء وهو جانبه يقال: أضرب به عرض الحائط كأنه يحوم حوله ولا يظهره، وتعريض الخطبة المذكورة في هذه الآية على ما جاء في التفسير هو أن يقول لها وهي في العدة: إنّك لجميلة، وإنك لصالحة، وإنّك لنافعة، وإنّ من عزمي أن أتزوج، وإني فيك لراغب، وإني عليك لحريص، ولعلّ الله أن يسوق إليك خيراً، وإنْ جمع الله بيننا بالحلال أعجبني، ولئن تزوجتك لأعطيتك ولأحسن إليك ونحوها من الكلام من غير أن يقول لها: انكحي. قال إبراهيم: لا بأس أن يهدي لها ويقوم بشغلها في العدة إذا كانت من شأنه. وروى ابن عوف عن محمد عن عبيدة في هذه الآية قال: يقول لوليّها لا سبقني إليها. قال مجاهد قال رجل لامرأة في جنازة زوجها: لا تسبقيني بنفسك، فقالت: قد سُبقت، وروى ابن المبارك عن عبد الرحمن بن سليمان عن خالته، أن سكينة بنت حنظلة قالت: دخل عليّ أبو جعفر محمد بن علي وأنا في عدّتي فقال: يابنت حنظلة، أنا من قد علمت من قرابتي من رسول الله صلى الله عليه وسلم وحق جدّي عليّ وقدمه في الإسلام، فقالت: غفر الله لك يا أبا جعفر، أتخطبني في عدّتي وأنت يؤخذ عنك؟ فقال: أو لقد فعلت إنما أُجرتك بقرابتي من رسول الله صلى الله عليه وسلم وموضعي، قد دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على أُم سلمة وكانت عند ابن عمها أبي سلمة وتوفي عنها زوجها، فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر لها منزلته من الله وهو متحامل على يده حتى أثّر الحصير في يده من شدة تحامله على يده فما كانت تلك خطبة. وقال ابن يزيد في هذه الآية: كان أبي يقول: كلّ شيء كان دون أن يعزما عقدة النكاح فهو زنا، قال الله عزّ وجلّ {وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ ٱلنِّسَآءِ} والخطبة التماس النكاح، وهو مصدر قولك: خطب الرجل المرأة يخطبها خطبة وخطباً. وقال قوم: هي مثال الجلسة والقعدة والركبة، ومعنى قولهم خطب فلان فلانة: سألها خطبة إلى ما في نفسها أي حاجاته وأمره من قولهم ما خطبك أي حاجتك وأمرك، قال الله {أية : فَمَا خَطْبُكَ يٰسَامِرِيُّ} تفسير : [طه: 95] وقال الأخفش: الخطبة: الذكر، والخطبة المشهد، فيكون معناه: فيما عرّضتم به من تخطبون النساء عندهنّ {أَوْ أَكْنَنتُمْ} أسررتم وأضمرتم {فِيۤ أَنْفُسِكُمْ} في خطبتهنّ وزواجهنّ، يقال: كننت الشيء وأكننته لغتان، وقال ثعلب: أكننت الشيء خفيته في نفسي وكننته سترته، وقال السدي: هو أن يدخل فيساويهنّ إن شاء ولا يتكلم بشيء. {عَلِمَ ٱللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ} بقلوبكم، وقال الحسن: يعني الخطبة {وَلَـٰكِن لاَّ تُوَاعِدُوهُنَّ} بيوم، قال بعضهم: هو الزنا وكان الرجل يدخل على المرأة من أجل الريبة وهو يعرّض بالنكاح فيقول لها: دعيني فإذا وفيت عدّتك أظهرت نكاحك، فنهى الله تعالى عن ذلك، هذا قول الحسن وقتادة وإبراهيم وجابر بن زيد وابن أبي مجلز والضحّاك والربيع وعطاء، وهي رواية عطية عن ابن عباس، يدلّ عليه قول الأعشى: شعر : ولا تقربنّ جارةً إنّ سرّها عليك حرام (وانكحن أو تأبّدا) تفسير : وقال الحطيئة: شعر : ويحرم سرّ جارتهم عليهم ويأكل جارهم أنف القصاع تفسير : وقال مجاهد: هو قول الرجل للمرأة: لا تفوتيني نفسك، فإنّي أنكحك. الشعبي والسدي: لا يأخذ ميثاقها أن لا تنكح غيره. كرمة: لا يخطبها في العدة. سعيد بن جبير: لا يقايضها على كذا وكذا من المال على أن لا تتزوج غيره، وهذه التأويلات كلها متقاربة، والسرّ على هذه الأقوال النكاح، قال امرؤ القيس: شعر : ألا زعمت بسباسة اليوم أنني كبرت وأن لا يحسن السرّ أمثالي تفسير : قال الأعشى: شعر : فلم يطلبوا سرّها للغنى ولم يسلموها لإزهادها تفسير : أي نكاحها، وقال الكلبي: لا تواعدوهنّ سرّاً أي لا تصفوا أنفسكم لهنّ بكثرة الجماع فيقول لها آتيك الأربعة والخمسة وأشباه ذلك، وعلى هذا القول السرّ هو الجماع نفسه، وقال الفرزدق: شعر : موانع للأسرار إلاّ لأهلها ويخلفن ما ظنّ الغيورالمشفشف تفسير : يعني أنهنّ عفائف اليد عن الجماع إلاّ من أزواجهنّ. قال رؤبة: شعر : فعفّ عن أسرارها بعد الغسق ولم يضعها بين فرك وعشق تفسير : يعني عفّ عن غشيانها بعد ما لزمته لذلك. وقال زيد بن أسلم: لا تواعدوهنّ سرّاً أي لا تنكحوهنّ سرّاً، ثم يمسكها حتى إذا حلّت أظهرت ذلك، وأصل السرّ ما أخفيته في نفسك، وإنما قيل للنكاح والزنا والجماع السرّ لأنها تكون بين الرجل والمرأة في خفاء، ويقال أيضاً للفرج سرّ لأنّه لا يظهر، وأنشد ثعلب عن ابن الأعرابي: شعر : لمّا رأت سرّي تغيّر وانحنى من دون (نهمة) سرّها حين انثنى تفسير : ثم استثنى فقال {إِلاَّ أَن تَقُولُواْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً} قيل عدة جميلة، وقال مجاهد: هو التعرض من غير أن يصرّح ويبوح، و(أنْ) في محل نصب بدلا من السرّ، وقال عبد الرحمن بن زيد: هذا كلّه منسوخ بقوله {وَلاَ تَعْزِمُوۤاْ عُقْدَةَ ٱلنِّكَاحِ} أي لا تصححوا عقدة النكاح، وقال ابن الزجاج: ولا تعزموا على عقدة النكاح، كما يقال: يضرب يد الطهر واليُمن وقال عنترة: شعر : ولقد أبيت على الطوى وأظلّه حتى أنال به كريم المطعم تفسير : أي وأظل عليه. {حَتَّىٰ يَبْلُغَ ٱلْكِتَابُ أَجَلَهُ} حتى تنقضي العدّة وإنما سماها كتاباً لأنها فرض من الله تعالى كقوله {كُتِبَ عَلَيْكُمُ}. {وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِيۤ أَنْفُسِكُمْ فَٱحْذَرُوهُ} فخافوا الله {وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ} لا يعجل بالعقوبة، تقول العرب: ضع الهودج على أحلم الجمال. {لاَّ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ} الآية،" حديث : نزلت في رجل من الأنصار تزوج بامرأة من بني حنيفة، ولم يسمّ لها مهراً، ثم طلّقها قبل أن يمسّها فأنزل الله تعالى هذه الآية، فلمّا نزلت قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم متّعها ولو بقلنسوتك"تفسير : ، فذلك قوله {لاَّ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ} تجامعوهنّ. قرأ حمزة والكسائي وخلف: تماسّوهنّ بالألف على المفاعلة لأنّ بدن كل واحد منهما يمسّ بدن صاحبه فيتماسّان جميعاً، دليله قوله {أية : مِن قَبْلِ أَن يَتَمَآسَّا} تفسير : [المجادلة: 4] وقرأ الباقون: تمسّوهنّ بغير ألف لأن الغشيان إنما هو من فعل الرجل، دليله قوله {أية : وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ} تفسير : [مريم: 20]. {أَوْ تَفْرِضُواْ لَهُنَّ فَرِيضَةً} أي توجدوا لهنّ صداقاً، يقال فرض السلطان لفلان أي أثبت له صدقة في الديوان، فإنْ قيل: ما الوجه في نفي الجناح عن المطلق وهل على الرجل جناح لو طلّق بعد المسيس فيوضع عنه قبل المسيس؟ قيل: روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : ما بال أقوام يلعبون بحدود الله يقولون: طلّقتك، راجعتك؟"تفسير : ، وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا تطلّقوا نساءكم إلاّ عن ريبة؛ فإنّ الله لا يحبّ الذوّاقين ولا الذوّاقات ". تفسير : وقال عليه السلام: "حديث : أبغض الحلال عند الله الطلاق"تفسير : ، وقال عليه السلام: "حديث : إنّ الله يبغض كل مطلاق مذواق ". تفسير : فلمّا قال رسول الله هذا ظنّوا أنهم يأثمون في ذلك فأخبر الله تعالى أنه لا جناح في تطليق النساء إذا كان على الوجه المندوب، فربّما كان الفراق أروح من الإمساك، وقيل: معنى قوله {لاَّ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ} أي لا سبيل عليكم للنساء إن طلّقتموهنّ ما لم تمسّوهنّ ولم تكونوا فرضتم لهنّ فريضة في أتباعكم بصداق ولا نفقة. وقيل: معناه {لاَّ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ} في أي وقت شئتم لأنه لا سنّة في طلاقهنّ، فللرجل أن يطلّقهن إذا لم يكن مسّهنّ حائضاً أو طاهراً، وفي كل وقت أحبّ، وليس كذلك في المدخول بها لأنّه ليس لزوجها طلاقها إن كانت من أهل الأقراء إلاّ العدة ظاهراً في طهر لم يجامعها فيه، فإن طلّقها حائضاً آيساً وقع الطلاق. {وَمَتِّعُوهُنَّ} أي زوّدوهنّ وأعطوهنّ من مالكم ما يتمتعن به، والمتعة والمتاع ما تبلغ به من الزاد {عَلَى ٱلْمُوسِعِ} أي الغني {قَدَرُهُ وَعَلَى ٱلْمُقْتِرِ} الفقير {قَدَرُهُ} أي إمكانه وطاقته، قرأ أبو جعفر وحفص وحمزة والكسائي وخلف وابن ذكوان بفتح الدال فيهما، واختاره أبو عبيدة قال: لما فيهما من الفخامة، وقرأ الآخرون بجزم الدال فيهما واختاره أبو حاتم وهما لغتان، قال: نطق بهما القرآن فتصديق الفتح قوله: {أية : فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا} تفسير : [الرعد: 17] وتصديق الجزم قوله: {أية : وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ} تفسير : [الزمر: 67] تقول العرب: القضاء والقدر، وقال أبو يزيد الأنصاري: القضاء والقدر بتسكين الدال، وقال الشاعر وهو الفرزدق: شعر : وما صبّ رملي في حديد مجاشع مع القدر إلاّ حاجة لي أريدها تفسير : وقال بعضهم: القدْر المصدر والقدَر الاسم {مَتَاعاً} نصب على المصدر أي متعوهن متاعاً، ويجوز أن يكون نصباً على القطع لأنّ المتاع نكرة والقدر معرفة {بِٱلْمَعْرُوفِ} أي ما أمركم الله به من غير ظلم ولا مطل {حَقّاً} نصب على الحكاية تقديره: أخبركم حقاً، وقيل على القطع. حكم الآية قال المفسّرون: قيل: هذا في الرجل يتزوج المرأة ولا يسمّي لها صداقاً فطلقها قبل أن يمسها فلها المتعة ولا فريضة لها بإجماع العلماء، واختلفوا في متعة المطلقة فيما عدا ذلك، فقال قوم: لكل مطلقة متعة كائنة من كانت وعلى أي وجه وقع الطلاق، فالمتعة واجبة تقضى لها في مال المطلّق كما تقضى عليه سائر الديون الواجبة عليه، سواء دخل بها أو لم يدخل، فرض لها أو لم يفرض إذا كان الطلاق من قبله، فأما إذا كان الفراق من قبلها فلا متعة لها ولا مهر، وهو قول الحسن وسعيد بن جبير وأبي العالية ومحمد بن جرير، قال: لقوله تعالى: {وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِٱلْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى ٱلْمُتَّقِينَ} فأوجب المتعة لجميع المطلقات ولم يفرّق، ويكون معنى الآية على هذا القول: لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهنّ وقد فرضتم لهنّ فريضة أو لم تفرضوا لهنّ فريضة، لأنّ كل منكوحة إنما هي احدى اثنتين: مُسمّى لها الصداق أو غير مسمّى لها فعلمنا بالذي نقلوا من قوله {أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً} أن المعنيّة بقوله: {لاَّ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ} المفروضات لهن {وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ} وغير المفروض لها إذ لا معنى لقول القائل: {لاَّ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ ما لم تفرضوا لهنّ فريضة} ثم قال: {وَمَتِّعُوهُنَّ} يعني الجميع. وقال آخرون: المتعة واجبة لكل مطلّقة سوى المطلقة المفروض لها إذا طُلّقت قبل الدخول فإنه لا متعة لها وإنما لها نصف الصداق المسمّى، وهذا قول عبد الله بن عمر ونافع وعطاء ومجاهد ومذهب الشافعي، ويكون وجه الآية على هذا القول لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهنّ ولم تفرضوا لهنّ فريضة، الألف زائدة كقوله {أَوْ يَزِيدُونَ} ونحوها، ثم أمر بالمتعة لهنّ. ويجوز أن يكون قوله {وَمَتِّعُوهُنَّ} راجعاً إلى المطلقات غير المفروضات قبل المسيس دون المفروضات لهنّ، ويكون قوله في عقبه: وإن طلقتموهنّ من قبل أن تمسّوهنّ مختصاً له، فجرى في أول الآية على ظاهر العموم في المفروضات وغير المفروضات، وفي قوله {وَمَتِّعُوهُنَّ} على التخصيص في غير المفروضات للآية التي بعدها. وقال الزهري: متعتان يقضي بأحدهما السلطان ولا يقضي بالأخرى، بل يلزمه فيما بينه وبين الله، فأمّا التي يقضي بها السلطان فهو فيمن طلق قبل أن يفرض لها ويدخل بها فإنه يؤخذ بالمتعة وهو قوله: {حَقًّا عَلَى ٱلْمُحْسِنِينَ}. والمتعة التي تلزم فيما بينه وبين الله تعالى ولا يقضي به السلطان هي فيمن طلق بعدما يدخل بها ويفرض لها وهو قوله: {حَقّاً عَلَى ٱلْمُتَّقِينَ} وقال بعضهم: ليس شيء من ذلك بواجب، وإنما المتعة إحسان والأمر بها أمر ندب واستحباب لا أمر فرض وإيجاب، وهو قول أبي حنيفة، وروى ابن سيرين أنّ رجلا طلّق امرأة وقد دخل بها، فخاصمته إلى شريح في المتعة فقال شريح: لا تاب أن يكون من المحسنين ولا تاب أن يكون من المتقين ولم يجبره على ذلك. واختلفوا في قدر المتعة ومبلغها، فقال ابن عباس والشعبي والزهري والربيع بن أنس: أعلاها خادم وأوسطها ثلاثة أثواب: درع وخمار (وجلباب) وإزار، ودون ذلك النفقة، ثم دون ذلك الكسوة، شيء من الورق، وهذا مذهب الشافعي قال: أعلاها خادم على الموسع، وأوسطها ثوب، وأقلّها أقلّ ماله ثمن. قال الحسن: ثلاثون درهماً، وكان شريح يمتّع بخمسمائة درهم، ومتّع عبد الرحمن بن عوف أم أبي سلمة حين طلّقها جاريةً سوداء، ومتّع الحسن بن علي (رضي الله عنه) امرأة له بعشرة آلاف درهم، فقالت: متاع قليل من حبيب مفارق. قال أبو حنيفة: متاعها إذا اختلف الزوج والمرأة فيها قدر نصف مهر مثلها ولا تجاوز ذلك، والصحيح أن الواجب من ذلك على قدر عسر الرجل ويسره كما قال تعالى، ولو كان المعتبر فيه المهر لكان يقول: ومتعوهنّ على قدرهنّ وقدر صداق مثلهنّ، فلمّا قال {عَلَى ٱلْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى ٱلْمُقْتِرِ قَدَرُهُ} دلّ على أنّ المعتبر فيه حال الرجل لا حال المرأة، وروى ابن أبي زائدة عن صبيح بن صالح قال: سئل عامر: بكم يمتّع الرجل امرأته؟ قال: على قدر ماله. تفصيل حكم الآية من تزوّج امرأة على غير مهر مسمّى فالنكاح جائز، فإن طلبت الفرض أمرناه أن يفرض لها، وإن لم يفرض لها ودخل بها فلها مهر مثلها، فإن طلقها قبل الدخول فلها المتعة ولا مهر لها، وإن مات عنها بعد الدخول فلها مهر مثلها، وإن مات عنها قبل الدخول والتسمية ففيها قولان: أحدهما: لها مهر مثلها، وهو مذهب أهل العراق، والدليل عليه حديث بروع بنت واسق الأشجعية حين توفي عنها زوجها ولم يفرض لها ولا دخل بها فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بمهر (نسائها) لا وكس ولا شطط، وعليها العدة، ولها الميراث. والقول الثاني: أنّ لها الميراث وعليها العدة ولا مهر لها، بل لها المتعة كما لو طلّقها قبل الدخول والتسمية، وهو قول علي، وكان يقول في حديث بروع: لا يقبل قول أعرابي من أشجع على كتاب الله وسنّة رسوله. {وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ} الآية هنا في الرجل يتزوج المرأة، وقد سمّى لها صداقاً، ثم يطلقها قبل أن يمسّها فلها نصف الصداق، وليس لها أكثر من ذلك، ولا عدة عليها، وإن لم يدخل بها حتى توفي فلا خلاف أنّ لها المهر كاملا والميراث، وعليها العدة، والمسّ ههنا الجماع. وقال أبو حنيفة وأصحابه: إن خلا رجل بامرأة ولم يجامعها حتى فارقها فإنّ المهر الكامل يلزمه، والعدّة تلزمها لخبر ابن مسعود: قضى الخلفاء الراشدون فيمن أغلق باباً وأرخى ستراً أن لها المهر وعليها العدّة، وأما الشافعي فلا يلزم مهراً كاملا ولا عدّة إذ لم يكن دخول بظاهر القرآن. قال شريح: لم أسمع الله تعالى ذكر في كتابه باباً ولا ستراً، إنما زعم أنه لم يمسّها فلها نصف الصداق، وهو مذهب ابن عباس. وهذه الآية ناسخة الآية التي في سورة الأحزاب {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا نَكَحْتُمُ ٱلْمُؤْمِنَاتِ} [49] الآية، إلى قوله: {فَمَتِّعُوهُنَّ} قد كان لها المتاع، فلمّا نزلت هذه الآية نسخت ما كان قبلها وأوجبت للمطلقة المفروض لها قبل المسيس نصف مهرها المسمّى، ولا متاع لها كما قال عزّ من قائل: {وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ} تجامعوهنّ. {وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً} أوجبتم لهنّ صداقاً، وسمّيتم لهنّ مهراً، وأصل الفرض القطع، ومنه قيل لحزّ الميزان والقوس: فرضة، وللنصيب فريضة لأنّه قطعه من الشيء {فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ} أي نصف المهر المستحق، وقرأ السلمي فنُصف بضم النون حيث وقع، وهما لغتان. ثم قال {إِلاَّ أَن يَعْفُونَ} يعني النساء، ومحل يعفون نصب بأن إلاّ أنّ جمع المؤنث في الفعل المضارع يستوي في الرفع والنصب والجزم، يكون في كل حال بالنون تقول: هنّ يضربن، ولن يضربن، ولم يضربن لأنها لو سقطت النون لاشتبه بالمذكر. {أَوْ يَعْفُوَاْ} قرأ الحسن ساكنة الواو كأنه استثقل الفتحة في الواو كما استثقلت الضمّة فيها {ٱلَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ ٱلنِّكَاحِ} اختلف العلماء فيه، فقال بعضهم: هو الولي، ومعنى الآية إلاّ أن يعفون أي يهبن ويتركن النصف فلا يطالبن الأزواج إذا كنّ ثيّبات بالغات رشيدات جائزات الأمر، أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح وهو وليها، فيترك ذلك النصف إذا كانت بكراً أو غير جائزة الأمر، ويجوز عفوه عليها وإن كرهت، فإن عفت المرأة وأبى الولي فالعفو جائز، فإن عفى الولي وأبت المرأة فالعفو جائز بعد أن لا تريد ضراراً، وهذا قول (علي) وأصحاب عبد الله وإبراهيم وعطاء والحسن والزهري والسدي وأبو صالح وأبي زيد وربيعة الرأي، ورواية العوفي عن ابن الحسن. وروى معمر عن ابن طاووس عن أبيه وعن إسماعيل بن شرواس قالا: الذي بيده عقدة النكاح هو الولي، وقال عكرمة: أذن الله تعالى هو في العفو ورضي به وأمر به، فأيّ امرأة عفت جاز عفوها وانْ شحّت وضنّت عفا وليها وجاز عفوه، وهذا مذهب فقهاء الحجاز إلاّ أنهم قالوا: يجوز عفو ولي البكر فإذا كانت ثيّباً فلا يجوز عفوه عليها. وقال بعضهم: الذي بيده عقدة النكاح هو الزوج، ومعنى الآية: إلاّ أن تعفو النساء فلا يأخذن شيئاً من المهر، أويعفو الزوج فيعطيها الصداق كاملا، وهذا قول علي وسعيد بن المسيب والشعبي ومجاهد ومحمد بن كعب القرضي ونافع والربيع وقتادة وابن حبّان والضحّاك ورواية عمار بن أبي عمار عن ابن عباس، وهو مذهب (أهل) العراق لا يرون سبيلا للولي على شيء من صداقها إلاّ بإذنها، ثيّباً كانت أو بكراً، قالوا: لإجماع الجميع من أنّ ولي المرأة لو أبرأ زوجها من مهرها قبل الطلاق أنه لا يجوز ذلك، فكذلك إبراؤه وعفوه بعد الطلاق لا يجوز، ولإجماعهم أيضاً على أنه لو وهب وليّها من مالها لزوجها درهماً بعد البينونة أثم ما لم يكن له ذلك، وكانت تلك الهبة باطلة والمهر مال من أموالها، فوجب أن يكون الحكم كحكم بإبراء، مالها ولإجماعهم أنّ من الأولياء من لا يجوز عفوه عليها بالإجماع، وهم بنو الأخوة وبنو الأعمام وما يفرق الله (بعض) في الآية. عن عيسى بن عاصم قال: سمعت شريحاً يحدّث قال: سألني علي عن الذي بيده عقدة النكاح، فقلت: ولي المرأة، فقال: لا، بل الزوج، وروي أن رجلا زوّج اخته وطلقها زوجها قبل أن يدخل بها؛ فعفا أخوها عن المهر فأجازه شريح، ثم قال: أنا أعفو عن نساء بني مرّة فقال عامر: لا والله ما قضى شريح قضاء أردأ ولا هو أحمق فيه منه أن يجيز عفو الأخ، قال: رجع بعدُ شريح عن قوله، وقال: هو الزوج. وعن القاسم قال: كان أشياخ الكوفة ليأتون شريحاً فيخاصمونه في قوله {ٱلَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ ٱلنِّكَاحِ} حتى يجثو على ركبتيه فيقول شريح: إنه الزوج، إنه الزوج. روى شعبة عن أبي بشر عن سعيد بن جبير قالوا: هو الزوج، وقال طاووس ومجاهد: هو الولي فكلّمتهما في ذلك فرجعا عن قولهما وتابعا سعيد وقالا: هو الزوج، وروى محمد بن شعيب مرسلا أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : الذي بيده عقدة النكاح الزوج، يعفو فيعطي الصداق كاملا ". تفسير : وعن صالح بن كيسان أن جبير بن مطعم تزوّج امرأة ثم طلّقها قبل أن يبني بها فأكمل لها الصداق وقال: أنا أحقّ بالعفو وتأوّل قوله: {أَوْ يَعْفُوَاْ ٱلَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ ٱلنِّكَاحِ} فيكون وجه الآية على هذا التأويل {ٱلَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ} نفسه في كل حال قبل الطلاق وبعده، فلمّا أدخل الألف واللام حذف الهاء كقوله {فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِىَ الْمَأْوَى} يعني مأواه، وقال النابغة: شعر : لهم شيمة لم يعطها الله غيرهم من الناس فالأحلام غير عوازب تفسير : يعني وأحلامهم فكذلك قوله {عُقْدَةُ ٱلنِّكَاحِ} بمعنى عقدة نكاحه {وَأَن تَعْفُوۤاْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ} قال سيبويه موضعه رفع بالإبتداء أي والعفو أقرب للتقوى وألزم، بمعنى إلى أي، إلى التقوى: والخطاب ههنا للرجال والنساء، لأنّ المذكر والمؤنث إذا اجتمعا غلب المذكر، ومعناه وعفوكم عن بعض أقرب إلى التقوى لأنّ هذا العفو ندب وإذا سارع إليه وأتى به كان معلوماً أنه لما كان فرضاً أشد استعمالا ولمّا نهى عنه أشد تجنباً وقرأ الشعبي: وأن يعفو بالياء جعله خبراً عن الذي بيده عقدة النكاح. {وَلاَ تَنسَوُاْ ٱلْفَضْلَ بَيْنَكُمْ} قرأ علي بن أبي طالب وأبو داود والنخعي (وَلاَ تَناسَوُاْ ٱلْفَضْلَ) من المفاعلة بين اثنين كقوله: {أية : وَلاَ تَنَابَزُواْ بِٱلأَلْقَابِ} تفسير : [الحجرات: 11] وقرأ يحيى بن يعمر {وَلاَ تَنسَوِاْ ٱلْفَضْلَ} بكسر الواو، وقرأ الباقون {وَلاَ تَنسَوُاْ ٱلْفَضْلَ} بضم الواو، ومعنى الفضل إتمام الرجل الصداق أو ترك المرأة النصف، حثّ الله تعالى الزوج والمرأة على الفضل والإحسان وأمرهما جميعاً أن يسبقا إلى العفو. {إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : و{عَرَّضْتُمْ} [البقرة: 235] مأخوذة من التعريض. والتعريض: هو أن تدل على شيء لا بما يؤديه نصاً، ولكن تعرض به تلميحاً. إن الحق سبحانه وتعالى يريد أن يجعل للعواطف تنفيساً من هذه الناحية، والتنفيس ليس مجرد تعبير عن العاطفة، ولكن رعاية للمصلحة، فمن الجائز أنه لو حرّم التعريض لكان في ذلك ضياع فرصة الزواج للمرأة، أو قد يفوت - هذا المنع - الفرصة على من يطلبها من الرجال؛ لذلك يضع الحق القواعد التي تفرض على الرجل والمرأة معاً أدب الاحتياط، وكأنه يقول لنا: أنا أمنعكم أن تخطبوا في العدة أو تقولوا كلاماً صريحاً وواضحاً فيها، لكن لا مانع من التلميح من بعيد. مثلاً يثني الرجل على المرأة؛ ويعدد محاسنها بكلام لا يعد خروجاً على آداب الإسلام مثل هذا الكلام هو تلميح وتعريض، وفائدته أنه يعبر عما في نفس قائله تجاه المطلقة فتعرف رأيه فيها، ولو لم يقل ذلك فربما سبقه أحد إليها وقطع عليه السبيل لإنفاذ ما في نفسه، ومنعه من أن يتقدم لخطبتها بعد انتهاء العدة، وقد يدفعه ذلك لأن يفكر تفكيراً آخر: للتعبير بأسلوب وشكل خاطئ. إذن فالتعريض له فائدة في أنه يُعرف المطلقة رأي فلان فيها حتى إن جاءها غيره لا توافق عليه مباشرة. وهكذا نرى قبساً من رحمة الله سبحانه وتعالى بنا، بأن جعل العدة كمنطقة حرام تحمي المرأة، وجعل التعريض فرصة للتعبير عن العاطفة التي تؤسس مصلحة من بعد ذلك. إن الحق يقول: {وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ ٱلنِّسَآءِ} [البقرة: 235] والخطبة مأخوذة من مادة "الخاء" و"الطاء" و"الباء" وتدل على أمور تشترك في عدة معالم: منها خُطبة بضم الخاء، ومنها خَطْب وهو الأمر العظيم، ومنها المعنى الذي نحن بصدده وهو الخِطبة بكسر الخاء. وكل هذه المعالم تدل على أن هناك الأمر العظيم الذي يُعالج، فالخطب أمر عظيم يهز الكيان، وكذلك الخُطبة لا يلقيها الخطيب إلا في أمر ذي بال، فيعظ المجتمع بأمر ضروري. والخِطبة كذلك أمر عظيم؛ لأنه أمر فاصل بين حياتين: حياة الانطلاق، وحياة التقيد بأسرة وبنظام. وكلها معان مشتركة في أمر ذي بال، وأمر خطير. وهو سبحانه وتعالى يقول: {وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ ٱلنِّسَآءِ أَوْ أَكْنَنتُمْ فِيۤ أَنْفُسِكُمْ} [البقرة: 235] أي لا جناح عليكم أن وضعتم في أنفسكم أمراً يخفى على المرأة، وللمسلم أن يكنن ويخفي في نفسه ما يشاء، ولكن ما الذي يُدري ويعلم المطلقة أنها في بالك يا من أسررت أمرها في نفسك؟ إنك لابد أن تلمح وأن تعرض بأسلوب يليق باحترام المرأة. ويقول الحق: {عَلِمَ ٱللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ} [البقرة: 235]، إن الذي خلقك يعلم أنها ما دامت في بالك، ومات زوجها عنها أو طلقها فقد أصبحت أملاً بالنسبة لك، فلو أنه ضيق عليك لعوق عواطفك، ولضاعت منك الفرصة لأن تتخذها زوجة من بعد ذلك، ولهذا أباح الحقُّ التعريض حتى لا يقع أحدكم في المحظور وهو {لاَّ تُوَاعِدُوهُنَّ سِرّاً} [البقرة: 235] بأن تأخذوا عليهن العهد ألا يتزوجن غيركم، أو يقول لها: تزوجيني. بل عليه أن يعرض ولا يفصح ولا يصرح. إن المواعدة في السر أمر منهي عنه، لكن المسموح به هو التعريض بأدب، {إِلاَّ أَن تَقُولُواْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً} [البقرة: 235] كأن يقول: "يا سعادة من ستكون له زوجة مثلك". ومثل ذلك من الثناء الذي يُطرب المرأة. ونعلم جميعاً أن المرأة في مثل حال المطلقة أو المتوفى عنها زوجها تملك شفافية وألمعية تلتقط بها معنى الكلام ومراده. ويتابع الحق: {وَلاَ تَعْزِمُوۤاْ عُقْدَةَ ٱلنِّكَاحِ حَتَّىٰ يَبْلُغَ ٱلْكِتَابُ أَجَلَهُ} [البقرة: 235] وهكذا نرى أن مجرد العزم الأكيد أمر نهى عنه. والعزم مقدم على الفعل فإذا نهى عنه كان النهي عن الفعل أقوى وأشد وأنهى، فلك أن تنوى الزواج منها وتتوكل على الله، لكن لا تجعله أمراً مفروغاً منه، إلا بعد أن تتم عدتها، فإن بلغ الكتاب أجله وانتهت عدتها فاعزموا عقدة النكاح. فكأن عقدة النكاح تمر بثلاث مراحل: المرحلة الأولى: وهي التعريض أي التلميح. والمرحلة الثانية: هي العزم الذي لا يصح ولا يستقيم أن يتم إلا بعد انتهاء فترة العدة. والمرحلة الثالثة: هي العقد. والمقصود بهذه المراحل أن يأخذ كل طرف فرصته للتفكير العميق في هذا الأمر الجاد، فإن كان التفكير قد هدى إلى العزم فإن للإنسان أن يعقد بعد انتهاء العدة، وإن كان التفكير قد اهتدى إلى الابتعاد وصرف النظر عن مثل هذا الأمر فللإنسان ما يريد. ويريد الحق من هذه المراحل أن يعطي الفرصة في التراجع إن اكتشف أحد الطرفين في الآخر أمرا لا يعجبه. وكل هذه الخطوات تدل على أن العقد لا يكون إلا بعزم، فلا يوجد عقد دون عزم، إن الحق يريد من المسلم ألا يقدم على عقدة النكاح إلا بعد عزم. والعزم معناه التصميم على أنك تريد الزواج بحق الزواج وبكل مسئولياته، وبكل مهر الزواج، ومشروعيته، وإعفافه؛ فالزواج بدون أرضية العزم مصيره الفشل. ومعنى العزم: أن تفكر في المسألة بعمق وروية في نفسك حتى تستقر على رأي أكيد، ثم لك أن تقبل على الزواج على أنه أمر له ديمومة وبقاء لا مجرد شهوة طارئة ليس لها أرضية من عزيمة النفس عليها. ولذلك فإن الزواج القائم على غير رويّة، والمعلق على أسباب مؤقتة كقضاء الشهوة لا يستمر ولا ينجح. ومثل ذلك زواج المتعة؛ فالعلة في تحريم زواج المتعة أن المقدم عليه لا يريد به الاستمرار في الحياة الزوجية، وما دام لا يقصد منه الديمومة فمعناه أنه هدف للمتعة الطارئة. والذين يبيحون زواج المتعة مصابون في تفكيرهم؛ لأنهم يتناسون عنصر الإقبال بديمومة على الزواج، فما الداعي لأن تقيد زواجك بمدة؟ إن النكاح الأصيل لا يُقيد بمثل هذه المدة. وتأمل حمق هؤلاء لتعلم أن المسألة ليست مسألة زواج، إنما المسألة هي تبرير زنى، وإلا لماذا يشترط في زواج المتعة أن يتزوجها لمدة شهر أو أكثر؟ إن الإنسان حين يشترط تقييد الزواج بمدة فذلك دليل على غباء تفكيره وسوء نيته؛ لأن الزواج الأصيل هو الذي يدخل فيه بديمومة، وقد ينهيه بعد ساعة إن وجد أن الأمر يستحق ذلك، ولن يعترض أحد على مثل هذا السلوك، فلماذا تقيد نفسك بمدة؟ إن المتزوج للمتعة يستخدم الذكاء في غير محله، قد يكون ذكياً في ناحية ولكنه قليل الفطنة في ناحية أخرى. إن على الإنسان أن يدخل على الزواج بعزيمة بعد تفكير عميق وروية ثم ينفذ العزم إلى عقد. حذار أن تضع في نفسك مثل هذا الزواج المربوط على مطامع وأهداف في نفسك كعدم الديمومة أو لهدف المتعة فقط، فكل ما يفكر فيه بعض الناس من أطماع شهوانية ودنيوية هي أطماع زائلة. اصرف كل هذه الأفكار عنك؛ لأنك إن أردت شيئاً غير الديمومة في الزواج، وإرادة الإعفاف؛ فالله سبحانه وتعالى يعلمه وسيرد تفكيرك نقمة عليك فاحذره. إن الله سبحانه لا يحذر الإنسان من شيء إلا إذا كان مما يغضبه سبحانه. لذلك يذيل الحق هذه الآية الكريمة بقوله: {وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِيۤ أَنْفُسِكُمْ فَٱحْذَرُوهُ وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ} [البقرة: 235]. وهو سبحانه يعلم ضعف النفس البشرية وأنها قد تضعف في بعض الأحيان، فإن كان قد حدث منها شيء فالله يعطيها الفرصة في أن يتوب صاحبها لأنه سبحانه هو الغفور الحليم. وبعد ذلك يقول الحق سبحانه: {لاَّ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُواْ لَهُنَّ فَرِيضَةً ...}.

مجاهد بن جبر المخزومي

تفسير : أنبا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ ٱلنِّسَآءِ} قال: هو قول الرجل للمرأَة في عدتها: إِنك لجميلة، وإِنك لتعجبين. ويضمر خطبتها ولا يبديه لها، هذا كله حل معروف. {وَلَـٰكِن لاَّ تُوَاعِدُوهُنَّ سِرّاً} [الآية: 235]. يقول: لا يقول لها: لا تسبقيني بنفسك، فإِني ناكحك، هذا لا يحل. أَنبا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: ثنا آدم قال: نا ورقاءُ عن المغيرة عن الشعبي / 7ظ /، في قوله: {إِلاَّ أَن يَعْفُونَ} يعني المرأَة و {ٱلَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ ٱلنِّكَاحِ} [الآية: 237]، هو الولي.

الصابوني

تفسير : [19] خطبة المرأة واستحقاق المهر التحليل اللفظي {عَرَّضْتُمْ}: التعريض: الإيماء والتلويح من غير كشفٍ أو إظهار، وهو أن تفهم المخاطب بما تريد بضرب من الإشارة بدون تصريح، وهو مأخوذ من عرْض الشيء أي جانبه. قال في "اللسان": وعرّض بالشيء: لم يبيّنه، والتعريض خلاف التصريح، والمعاريض: التورية بالشيء عن الشيء وفي الحديث: "حديث : إنّ في المعاريض لمندوحة عن الكذب"تفسير : والتعريضُ في خِطْبة المرأة: أن يتكلم بكلام يشبه خطبتها ولا يصرّح به كأن يقول: إنك لجميلة، وإنك لنافقة، وإنك إلى خير، كما يقول المحتاج للمعونة: جئت لأسلّم عليك، ولأنظر إلى وجهك الكريم، ولذلك قالوا: شعر : وحسبك بالتسليم مني تقاضينا تفسير : {خِطْبَةِ ٱلنِّسَآءِ}: الخطبة بكسر الخاء طلب النكاح، وبالضم معناها: ما يوعظ به من الكلام كخطبة الجمعة، وفي الحديث "حديث : لا يخطِبن أحدكم على خِطْبة أخيه ". تفسير : {أَكْنَنتُمْ}: سترتم وأضمرتم، والإكنان: السرّ والخفاء. قال ابن قتيبة: أكننتُ الشيء: إذا سترته، وكننتُه: إذا صُنته، ومنه قوله تعالى: {أية : كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَّكْنُونٌ} تفسير : [الصافات: 49]. {لاَّ تُوَاعِدُوهُنَّ سِرّاً}: المراد بالسر هنا: النكاح ذكره الزجاج وأنشد: شعر : ويحرم سرّ جارتهم عليهم ويأكل جارُهم أنف القصاع تفسير : قال ابن قتيبة: استعير السرّ للنكاح، لأن النكاح يكون سراً بين الزوجين. والمعنى: لا تواعدوهن بالزواج وهنّ في حالة العدة إلا تلميحاً. {عُقْدَةَ ٱلنِّكَاحِ}: العُقدة من العقد وهو الشدُ، وفي المثل: (يا عاقدُ اذكر حلاً). قال الراغب: العُقدة: اسم لما يعقد من نكاح، أو يمين، أو غيرهما. وقال الزجاج معناه: لا تعزموا على عقدة النكاح، حذفت (على) استخفافاً كما قالوا: ضرب زيد الظهر والبطن، معناه: على الظهر والبطن. {أَجَلَهُ}: أي نهايته، والمراد بالكتاب: الفرض الذي فرضه الله على المعتدة من المكث في العدة. ومعنى قوله: {حَتَّىٰ يَبْلُغَ ٱلْكِتَابُ أَجَلَهُ}: أي حتى تنقضي العدة. {فَٱحْذَرُوهُ}: أي اتقوا عقابه ولا تخالفوا أمره، وفيه معنى التهديد والوعيد. {حَلِيمٌ}: يمهل العقوبة فلا يعجّل بها، ومن سنته تعالى أنه يمهل ولا يهمل. {ٱلْمُوسِعِ}: الذي يكون في سعة لغناه، يقال أوسع الرجل: إذا كثر ماله. {ٱلْمُقْتِرِ}: الذي يكون في ضيق لفقره، يقال: أقتر الرجل: إذا افتقر، وأقتر على عياله وقتّر إذا ضيّق عليهم في النفقة. {تَمَسُّوهُنَّ}: المسّ: إمساك الشيء باليد، ومثلُه المِساسُ والمسيسُ. قال الراغب: المسُ كاللمس ويقال لما يكون إدراكه بحاسة اللمس، وكنيّ به عن الجماع فقيل: مسّها وماسّها قال تعالى: {أية : وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ} تفسير : [آل عمران: 47]. {فَرِيضَةً}: الفريضة في الأصل ما فرضه الله على العباد، والمراد بها هنا المهر لأنه مفروض بأمر الله. {يَعْفُونَ}: معناه: يتركن ويصفحن والمراد أن تسقط المرأة حقها من المهر. المعنى الإجمالي بيّن تعالى حكم خطبة النساء المعتدات بعد وفاة أزواجهن فقال جل ثناؤه ما معناه: "لا ضيق ولا حرج عليكم أيها الرجال، في إبداء الرغبة بالتزوج بالنساء المعتدات، بطريق التلميح لا التصريح، فإن الله تعالى يعلم ما أخفيتموه في أنفسكم من الميل نحوهن، والرغبة في الزواج بهن، ولا يؤاخذكم على ذلك، ولكن لا يصح أن تجهروا بهذه الرغبة وهنّ في حالة العدة، إلاّ بطريق التعريض وبالمعروف، بشرط ألاّ يكون هناك فحش أو إفحاش في الكلام، ولا تعزموا النية على عقد النكاح حتى تنتهي العدة، واعلموا أن الله مطلع على أسراركم وضمائركم ومحاسبكم عليه. ثم ذكر تعالى حكم المطلّقة قبل الفرض والمسيس، فرفع الإثم عن الطلاق قبل الدخول، لئلا يتوهم أحد أن الطلاق في هذه الحالة محظور، وأمر بدفع المتعة لهن تطييباً لخاطرهن، على قدر حال الرجل في الغنى والفقر، وجعله نوعاً من الإحسان لجبر وحشة الطلاق، وأمّا إذا كان الطلاق قبل المساس وقد ذُكر المهر، فللمطلّقة نصف المسمّى المفروض، إلا إذا أسقطت حقها، أو دفع الزوج لها كامل المهر، أو أسقط ولي أمرها الحق إذا كانت صغيرة. ثم ختم تعالى الآية بالتذكير بعدم نسيان المودة، والإحسان، والجميل بين الزوجين، فإذا كان الطلاق قد تمّ لأسباب ضرورية قاهرة، فلا ينبغي أن يكون هذا قاطعاً لروابط المصاهرة ووشائج القربى. سبب النزول قال الخازن في "تفسيره": "حديث : نزلت هذه الآية {وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ ٱلنِّسَآءِ} في رجل من الأنصار، تزوج امرأة من بني حنيفة ولم يسمّ لها صداقاً، ثم طلقها قبل أن يمسها فنزلت {وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ} الآية فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم أمتعها ولو بقلنسوتك ". تفسير : وجوه القراءات 1 - قرأ الجمهور {مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ} وقرأ حمزة والكسائي (تُماسُوهنّ) بألف وضم التاء في الموضعين هنا وفي الأحزاب، وهو من باب المفاعلة كالمباشرة والمجامعة. 2 - قرأ الجمهور {عَلَى ٱلْمُوسِعِ قَدَرُهُ} بالرفع، وقرأ ابن كثير ونافع (قدْرُه) بسكون الدال. 3 - قرأ الجمهور {وَأَن تَعْفُوۤاْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ} وقرئ (وأن يَعْفوا) بالياء. وجوه الإعراب أولاً - قوله تعالى: {وَلَـٰكِن لاَّ تُوَاعِدُوهُنَّ سِرّاً} لكنْ حرفُ استدراك، والمستدرك محذوف تقديره علم الله أنكم ستذكرونهنّ فاذكروهن ولكن لا توعدوهن و(سرّاً) مفعول به لأنه بمعنى النكاح، أي لا تواعدوهنّ نكاحاً، ويصح أن يعرب على أنه حال تقديره مستخفين، والمفعول محذوف أي لا تواعدوهن النكاح سراً. ثانياً - قوله تعالى: {وَلاَ تَعْزِمُوۤاْ عُقْدَةَ ٱلنِّكَاحِ} منصوب بنزع الخافض أي على عقدة النكاح. ثالثاً - قوله تعالى: {مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ} ما: مصدرية والزمان معها محذوف تقديره: في زمن ترك مسهنّ، وقيل: (ما) شرطية أي (إن لم تمسوهن). رابعاً - قوله تعالى: {فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ} خبر لمبتدأ محذوف تقديره: فالواجب نصف ما فرضتم أو فعليكم نصف ما فرضتم، و(ما) اسم موصول بمعنى الذي مضاف إليه. لطائف التفسير اللطيفة الأولى: أباح القرآن (التعريض) في خطبة المعتدة دون التصريح، ومن صور التعريض أن يقول: إنك لجميلة، أو صالحة، أو نافقة، أو يذكر الشخص مآثره أمامها. روى ابن المبارك عن عبد الرحمٰن بن سليمان عن خالته (سُكينة بنت حنظلة) قالت: "حديث : دخل عليّ (أبو جعفر) محمد بن علي وأنا في عدتي، فقال: أنا من علمتِ قرابتي من رسول الله صلى الله عليه وسلم وحقّ جدي عليّ، وقدمي في الإسلام، فقلت: غفر الله لك يا أبا جعفر، أتخطبني في عدتي، وأنتَ يؤخذ عنك؟ فقال: أو قد فعلتُ؟ إنما أخبرتك بقرابتي من رسول الله صلى الله عليه وسلم وموضعي، دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على أم سلمة حين توفي عنها زوجها (أبو سلمة) فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر لها منزلته من الله، وهو متحامل على يده حتى أثَّر الحصير في يده فما كانت تلك خِطبة ". تفسير : اللطيفة الثانية: قال الزمخشري: "السرّ في الآية {لاَّ تُوَاعِدُوهُنَّ سِرّاً} وقع كناية عن النكاح الذي هو الوطء لأنه ممّا يُسر، قال الأعشى: شعر : ولا تقربَنْ من جارةٍ إنّ سرّها عليكَ حرامٌ فانكحنْ أو تأبدا تفسير : ثمّ عبّر فيه عن النكاح الذي هو العقد، لأنه سبب فيه كما فعل بالنكاح. اللطيفة الثالثة: ذكر العزم في الآية {وَلاَ تَعْزِمُوۤاْ عُقْدَةَ ٱلنِّكَاحِ} للمبالغة في النهي عن مباشرة النكاح في العدة، لأن العزم على الفعل يتقدمه، فإذا نهي عنه كان النهي عن الفعل أولى. اللطيفة الرابعة: عبّر تعالى بالمساس عن الجماع، وهو من الكنايات اللطيفة التي استعملها القرآن الكريم. قال أبو مسلم: "وإنما كنّى تعالى بقوله: {تَمَسُّوهُنَّ} عن المجامعة، تأديباً للعباد في اختيار أحسن الألفاظ فيما يتخاطبون به". اللطيفة الخامسة: الخطاب في قوله تعالى: {وَأَن تَعْفُوۤاْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ} وفي قوله: {وَلاَ تَنسَوُاْ ٱلْفَضْلَ بَيْنَكُمْ} للرجال والنساء جميعاً ورد بطريق التغليب. قال الفخر: "إذا اجتمع الرجال والنساء في الخطاب كانت الغلبة للذكور، لأن الذكورة أصل، والتأنيث فرع، ألا ترى أنك تقول: قائم ثم تريد التأنيث فتقول: قائمة". اللطيفة السادسة: الحكمة في إيجاد المتعة للمطلقة جبر إيحاش الطلاق، والتخفيف عن نفسها بالمواساة بالمال. قال ابن عباس: إن كان موسراً متّعها بخادم، وإن كان معسراً متعها بثلاثة أثواب. اللطيفة السابعة: روي أن (الحسن بن علي) متّع بعشرة آلاف فقالت المرأة: شعر : متاعٌ قليلٌ من حبيب مفارق تفسير : وسبب طلاقه إيّاها ما روي أنّ (عائشة الخثعمية) كانت عند الحسن بن علي بن أبي طالب، فلمّا أصيب عليّ وبويع الحسن بالخلافة قالت: لتَهْنكَ الخلافة يا أمير المؤمنين! فقال: يُقتل عليّ وتظهرين الشماتة؟ إذهبي فأنت طالق ثلاثاً، فتلفعت بجلبابها، وقعدت حتى انقضت عدتها، فبعث إليها بعشرة آلاف متعة، وبقية ما بقي لها من صداقها فقالت: شعر : متاع قليل من حبيب مفارق تفسير : فلما أخبره الرسول بكى وقال: لولا أني أبنتُ الطلاق لها لراجعتها. الأحكام الشرعية الحكم الأول: ما هو حكم خطبة النساء؟ النساء في حكم (الخِطْبة) على ثلاثة أقسام: أحدها: التي تجوز خطبتها (تعريضاً وتصريحاً) وهي التي ليست في عصمة أحد من الأزواج، وليست في العدة، لأنه لمّا جاز نكاحها جازت خطبتها. الثاني: التي لا تجوز خطبتها (لا تصريحاً، ولا تعريضاً) وهي التي في عصمة الزوجية، فإنّ خطبتها وهي في عصمة آخر إفساد للعلاقة الزوجية وهو حرام، وكذلك حكم المطلّقة رجعياً فإنها في حكم المنكوحة. الثالث: التي تجوز خطبتها (تعريضاً) لا (تصريحاً) وهي المعتدة في الوفاة، وهي التي أشارت إليها الآية الكريمة: {وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ ٱلنِّسَآءِ} ومثلها المعتدة البائن المطلّقة ثلاثاً فيجوز التعريض لها دون التصريح. والدليل على حرمة التصريح ما قاله الشافعي رحمه الله: "لمّا خُصّص التعريض بعدم الجناح، وجب أن يكون التصريح بخلافه" وهذا الاستدلال دلّ عليه مفهوم المخالفة. الحكم الثاني: هل النكاح في العدة صحيح أم فاسد؟ حرّم الله النكاح في العدة، وأوجب التربص على الزوجة، سواءً كان ذلك في عدة الطلاق، أو في عدة الوفاة، وقد دلت الآية وهي قوله تعالى: {وَلاَ تَعْزِمُوۤاْ عُقْدَةَ ٱلنِّكَاحِ حَتَّىٰ يَبْلُغَ ٱلْكِتَابُ أَجَلَهُ} على تحريم العقد على المعتدة، واتفق العلماء على أن العقد فاسد ويجب فسخه لنهي الله عنه. وإذا عقد عليها وبنى بها فُسخ النكاح، وحرمت على التأبيد عند (مالك وأحمد) فلا يحل نكاحها أبداً عندهما لقضاء عمر رضي الله عنه بذلك، ولأنه استحلّ ما لا يحل فعوقب بحرمانه، كالقاتل يعاقب بحرمانه من الميراث. وقال أبو حنيفة والشافعي: يُفسخ النكاح، فإذا خرجت من العدة كان العاقد خاطباً من الخطاب، ولم يتأبد التحريم، لأنّ الأصل أنها لا تحرم إلا بدليل من كتابٍ، أو سنةٍ، أو إجماع، وليس في المسألة شيء من هذا، وقالوا: إنّ الزنى أعظم من النكاح في العدة، فإذا كان الزنى لا يحرمها عليه تحريماً مؤبداً، فالوطء بشبهة أحرى بعدم التحريم، وما نقل عن عمر فقد ثبت رجوعه عنه. قضاء عمر رضي الله عنه في الحادثة روى ابن المبارك بسنده عن مسروق أنه قال: "بلغ عمر أن امرأةً من قريش تزوجها رجل من ثقيف في عدتها، فأرسل إليهما ففرّق بينهما وعاقبهما، وقال: لا ينكحْها أبداً، وجعل الصداق في بيت المال، وفشا ذلك بين الناس فبلغ علياً كرّم الله وجهه فقال: يرحم الله أمير المؤمنين! ما بال الصداق وبيت المال! إنما جهلا فينبغي أن يردهما السنة. قيل: فما تقول أنت فيهما؟ قال: لها الصداق بما استحل من فرجها، ويفرق بينهما ولا جلد عليهما، وتكمل عدتها من الأول ثم تعتد من الثاني عدة كاملة ثم يخطبها إن شاء. فبلغ ذلك عمر فقال: يا أيها الناس ردّوا الجهالات إلى السنة". الحكم الثالث: ما هو حكم المطلقة قبل الدخول؟ وضحّت الآيات الكريمة أحكام المطلقات، وذكرت أنواعهنّ وهنّ كالتالي: أولاً: مطّلقة مدخول بها، مسمّى لها المهر. ثانياً: مطلّقة غير مدخول بها، ولا مسمّى لها المهر. ثالثاً: مطلّقة غير مدخول بها، وقد فرض لها المهر. رابعاً: مطلّقة مدخول بها، وغير مفروض لها المهر. فالأولى ذكر الله تعالى حكمها قبل هذه الآية، عدّتُها ثلاثة قروء، ولا يُسترد منها شيء من المهر {أية : وَٱلْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوۤءٍ} تفسير : [البقرة: 228] {أية : وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ مِمَّآ آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً} تفسير : [البقرة: 229]. والثانية: ذكر الله تعالى حكمها في هذه الآية، ليس لها مهرٌ، ولها المتعة بالمعروف لقوله تعالى: {لاَّ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُواْ لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ...} [البقرة: 236] الآية كما أن هذه ليس عليها عدة باتفاق لقوله تعالى في سورة الأحزاب [49] {أية : ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا} تفسير : والثالثة: ذكرها الله تعالى بعد هذه الآية، لها نصف المهر ولا عدة عليها أيضاً لقوله تعالى: {وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ}. والرابعة: ذكرها الله تعالى في سورة النساء [24] بقوله: {أية : فَمَا ٱسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} تفسير : [النساء: 24] فهذه يجب لها مهر المثل. قال الرازي ويدل عليه أيضاً القياس الجلي، فإن الأمة مجمعة على أن الموطوءة بشبهة لها مهر المثل، فالموطوءة بنكاح صحيح أولى بهذه الحكم. الحكم الرابع: هل المتعة واجبة لكل مطلّقة؟ دل قوله تعالى: {وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى ٱلْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى ٱلْمُقْتِرِ قَدَرُهُ} على وجوب المتعة للمطلّقة قبل المسيس وقبل الفرض، وقد اختلف الفقهاء هل المتعة واجبة لكل مطلقة؟ فذهب (الحسن البصري) إلى أنها واجبة لكل واجبة لكل مطلّقة للعموم في قوله تعالى: {أية : وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِٱلْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى ٱلْمُتَّقِينَ} تفسير : [البقرة: 241]. وقال مالك: إنها مستحبة للجميع وليست واجبة لقوله تعالى: {أية : حَقّاً عَلَى ٱلْمُتَّقِينَ} تفسير : [البقرة: 241] و{حَقّاً عَلَى ٱلْمُحْسِنِينَ} ولو كانت واجبة لأطلقها على الخلق أجمعين. وذهب الجمهور (الحنفية والشافعية والحنابلة) إلى أنها واجبة للمطلّقة التي لم يفرض لها مهر، وأمّا التي فرض لها مهر فتكون المتعة لها مستحبة وهذا مروي عن (ابن عمر) و(ابن عباس) و(علي) وغيرهم، ولعله يكون الأرجح جمعاً بين الأدلة والله أعلم. الحكم الخامس: ما معنى المتعة وما هو مقدارها؟ المتعة: ما يدفعه الزوج من مال أو كسوة أو متاع لزوجته المطلّقة، عوناً لها وإكراماً، ودفعاً لوحشة الطلاق الذي وقع عليها، وتقديرُها مفوض إلى الاجتهاد. قال مالك: ليس للمتعة عندنا حد معروف في قليلها ولا كثيرها. وقال الشافعي: المستحب على الموسع خادم، وعلى المتوسط ثلاثون درهماً، وعلى المقتر مقنعة. وقال أبو حنيفة: أقلها درع وخمار وملحفة، ولا تزاد على نصف المهر. وقال أحمد: هي درع وخمار بقدر ما تجزئ فيه الصلاة، ونقل عنه أنه قال: هي بقدر يسار الزوج وإعساره {عَلَى ٱلْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى ٱلْمُقْتِرِ قَدَرُهُ} وهي مقدرة باجتهاد الحاكم، ولعل هذا الرأي الأخير أرجح والله أعلم. ما ترشد إليه الآيات الكريمة 1 - جواز التعريض في خطبة المعتدة من الوفاة ومن الطلاق البائن. 2 - حرمة عقد النكاح على المعتدّة في حالة العدة وفساد هذا العقد. 3 - المتعة واجبة لكل مطلّقة لم يذكر لها مهر، ومستحبة لغيرها من المطلقات. 4 - إباحة تطليق المرأة قبل المسيس إذا كانت ثمة ضرورةٌ ملّحة. 5 - المطلّقة قبل الدخول لها نصف المهر إذا كان المهر مذكوراً. خاتمة البحث: حكمة التشريع شرع الباري جل وعلا المتعة للمطلّقة، وجعلها على قدر حال الرجل يساراً وإعساراً، وهذه (المتعة) واجبة للمطلّقة قبل الدخول، التي لم يُسمّ مهر، ومستحبة لسائر المطلقات. والحكمة في شرعها أنّ في الطلاق قبل الدخول امتهاناً للمرأة وسوء سمعة لها، وفيه إيهامٌ للناس بأن الزوج ما طلّقها إلاّ وقد رابه شيء منها في سلوكها وأخلاقها، فإذا هو متّعها متاعاً حسناً تزول هذه الغضاضة، ويكون ذلك شهادة لها بأن سبب الطلاق كان من قِبَله، لا من قِبَلها، ولا علة فيها، فتحتفظ بما كان لها من صيتٍ وشهرة طيبة، ويتسامع الناس فيقولون: إن فلاناً أعطى فلانة كذا وكذا فهو لم يطلقها إلا لعذر، وهو معترف بفضلها مقر بجميلها، فيكون هذا المتاع الحسن بمنزلة الشهادة بنزاهتها، ويكون أيضاً كالمرهم لجرح القلب، وجبر وحشة الطلاق. وقد أمرنا الإسلام أن نحافظ على الأعراض بقدر الطاقة، وأن نصون كرامة الناس عن القيل والقال، ولهذا أمر حتى في حالة الطلاق الذي يسبّب في الغالب النزاع والبغضاء بأن لا ننسى الجميل والمودة والإحسان {أية : وَلاَ تَنسَوُاْ ٱلْفَضْلَ بَيْنَكُمْ} تفسير : [البقرة: 237] فإن الروابط في النكاح والمصاهرة روابط مقدسة، فينبغي لمن تزوج من أسرة ثم طلّق، ألاّ ينسى مودة أهل ذلك البيت وصلتهم، فأين نحن المسلمين من هدي هذا الكتاب المبين؟! وأين نحن من إرشاداته الحكيمة، وآدابه الفاضلة؟!

زيد بن علي

تفسير : وقولهُ تعالى: {وَلَـٰكِن لاَّ تُوَاعِدُوهُنَّ سِرّاً} معناهُ نِكَاحٌ، والسِّرُ: الزِّنَا.

الأندلسي

تفسير : {وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ ٱلنِّسَآءِ} نحو إنك لجميلة، وإنك لصالحة، وإن عزمي لأتزوج، وإن فيك لراغب، ونحو ذلك. مما ليس فيه تصريح ومن ذلك وصف الرجل نفسه وفخره ونسبه كما فعل الباقر مع سكينة بنت حنظلة. {أَوْ أَكْنَنتُمْ فِيۤ أَنْفُسِكُمْ} من أمر النكاح فلم تعرضوا به والاجماع على أن لا يجوز التصريح بالتزويج. {عَلِمَ ٱللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ} هذا عذر في التعريض لأن الميل متى حصل في القلب عسر دفعه فأسقط الله الجرح في ذلك. وفيه مع ذلك طرف من التوبيخ وأتى بالسين دلالة على تقارب الزمان بحيث وقع ذلك إثر الانفصال حبالهن من التزوج بالوفاة. {وَلَـٰكِن لاَّ تُوَاعِدُوهُنَّ سِرّاً} هذا استدراك من الجملة قبله وهي قوله: ستذكرونهن، والذكر يقع على أنحاء فاستدرك فيه وجه نهي فيه عن ذكر مخصوص، ولو لم يستدرك لكان مأذوناً فيه لاندراجه تحت مطلق الذكر الذي أخبر الله بوقوعه. قال الزمخشري رحمه الله تعالى: فإِن قلت: أين المستدرك بقوله: ولكن لا تواعدوهن؟ قلت: هو محذوف لدلالة ستذكرونهن عليه تقديره علم الله أنكم ستذكرونهن فاكروهن ولكن لا تواعدوهن سراً. "انتهى". وقد ذكرنا أنه لا يحتاج إلى تقدير محذوف قبل لكن بل الاستدراك جاءه من قوله: ستذكرونهن، ولم يأمر الله تعالى بذكر النساء لا على طريق الوجوب ولا الندب، فيحتاج إلى تقدير فاذكروهن على ما قررناه قبل كقولك: سألقاك ولكن لا تخف مني، لما كان اللقاء من بعض أحواله أن يخلف من الملقى استدرك فقال: ولكن لا تخف مني. والسر ضد الجهر ويكنى به عن الجماع حلاله وحرامه لأنه يكون في سر. وبعضهم فسره هنا: بالزنا وهو بعيد فانتصب سراً على أنه مفعول به أو على أنه مصدر في موضع الحال ومفعول تواعدوهن محذوف تقديره أي النكاح. {إِلاَّ أَن تَقُولُواْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً} استثناء منقطع وهو ما أبيح من التعريض. (قال) الزمخشري: إلا أن تقولوا قولاً معروفاً وهو أن تعرّضوا ولا تصرحوا. (فإِن قلت): لم يتعلق حرف الاستثناء؟ قلت: بلا تواعدوهن، أي لا تواعدوهن مواعدة قط إلا مواعدة معروفة غير منكرة، أو لا تواعدوهن إلا بأن تقولوا، أي لا تواعدوهن إلا بالتعريض. ولا يجوز أن يكون استثناء منقطعاً من سر الادائه إلى قولك: لا تواعدوهن إلا بالتعريض. "انتهى". كلامه. ويحتاج إلى توضيح وذلك أنه جعله استثناء متصلاً باعتبار أنه استثناء مفرغ وجعل ذلك على وجهين: احدهما أن يكون استثناء من المصدر المحذوف وهو الوجه الأول الذي ذكره وقدره لا تواعدوهن مواعدة قط إلا مواعدة معروفة غير منكرة، فكأنّ المعنى: لا تقولوا لهن قولاً تعدونهن به إلا قولاً معروفاً. فصار هذا نظير: لا تضرب زيداً إلا ضرباً شديداً، فهذا استثناء مفرغ من المصدر التقدير لا تضرب زيداً ضرباً شديداً. والثاني: أن يكون استثناء مفرغاً من مجرور محذوف وهو الوجه الثاني الذي قدره الا بان تقولوا، ثم أوضحه بقوله: إلا بالتعريض فكان المعنى لا تواعدوهن سراً، أي نكاحاً بقول من الأقوال إلا بقول معروف وهو التعريض فحذفه من أن حرف الجر فيبقى منصوباً أو مجروراً على الخلاف الذي تقدم في نظائره والفرق بين هذا الوجه والذي قبله أن الذي قبله انتصب نصب المصدر وهذا انتصب على إسقاط حرف الجر وهو الباء التي للسبب. وقوله: ولا يجوز أن يكون استثناء منقطعاً من سر الادائه الى قولك: لا تواعدوهن إلا التعريض، والتعريض ليس مواعداً فلا يصح عنده أن ينصبّ عليه العامل وهذا عنده على أن يكون منقطعاً نظير ما رأيت أحداً إلا حماراً لكن هذا لا يصح فيه ما رأيت: إلاّ حماراً. وذلك لا يصح فيه لا تواعدوهن إلا التعريض لأن التعريض لا يكون مواعداً بل مواعداً به النكاح فانتصاب سراً على أنه مفعول فكذلك ينبغي أن يكون أن تقولوا قولاً معروفاً مفعولاً، ولا يصح ذلك فيه فلا يصح أن يكون استثناء منقطعاً هذا توجيه، منع الزمخشري أن يكون استثناء منقطعاً وما ذهب إليه ليس بصحيح لأنه لا ينحصر الاستثناء المنقطع فيما ذكر وهو أن يمكن تسليط العامل السابق عليه وذلك ان الاستثناء المنقطع على قسمين: أحدهما ما ذكره الزمخشري وهو أن يتسلط العامل على ما بعد الا كما مثلنا به في قولك: ما رأيت أحداً إلا حماراً، وما في الدار أحداً إلا حماراً. وهذا النوع فيه الخلاف عن العرب فمذهب الحجازيين نصب هذا النوع من المستثنى، ومذهب بني تميم اتباعه لما قبله في الاعراب ويصلح في هذا النوع أن يحذف الأول ويتسلط ما قبله على ما بعد الا فنقول: ما رأيت إلا حماراً، وما في الدار الا حماراً. ويصح في الكلام ما لهم به من علم إلا اتباع الظن* والقسم الثاني من قسمين الاستثناء المنقطع، هو أن لا يمكن تسلط العامل على ما بعد إلا وهذا حكمه النصب عند العرب قاطبة وما ذلك ما زاد إلا ما نقص وما نفع إلا ما ضر فما بعد إلا؛ لا يمكن أن يتسلط عليه زاد ولا نقص بل تقدر المعنى ما زاد لكن النقص حصل له وما نفع لكن الضرر حصل له، فاشترك هذا القسم مع الأول وفي تقدير إلا، لكن الأول يمكن تسلط ما قبله عليه وهذا لا يمكن وإذا تقرر هذا فتقول: قوله: إلا أن تقولوا استثناء منقطعاً من هذا القسم الثاني وهو ما لا يمكن أن يتوجه عليه العامل والتقدير لكن التعريض سائغ لكم وكان الزمخشري ما علم ان الاستثناء المنقطع يأتي على ما في هذا النوع من عدم توجه العامل على ما بعد إلا فلذلك منعه. والله أعلم. وظاهر لا تواعدوهن التحريم. {وَلاَ تَعْزِمُوۤاْ عُقْدَةَ ٱلنِّكَاحِ} ضمن تعزموا معنى تنووا، فعقدة: مفعول به، أو انتصب على إسقاط الحرف أي على عقدة، أو على المصدر، إذ معنى تعزموا تعقدوا، وعقدة النكاح ما تتوقف عليه صحة النكاح. {حَتَّىٰ يَبْلُغَ ٱلْكِتَابُ أَجَلَهُ} أي المكتوب أجله من انقضاء العدة. وهو نهي تحريم فلو عقد في العدة فسخ. {مَا فِيۤ أَنْفُسِكُمْ} من هواهن. {فَٱحْذَرُوهُ} أي فاحذروا عقابه.

الجيلاني

تفسير : {وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ} أيها المؤمنون {فِيمَا} أي: في كلام وألفاظ {عَرَّضْتُمْ بِهِ} تعريضاً حسناً وتلميحاً مليحاً خالياً عن ومصة الفساد، ناشئاً {مِنْ} إرادة {خِطْبَةِ ٱلنِّسَآءِ} المعتادت للوفاة {أَوْ أَكْنَنتُمْ} أضمرتم وأخفيتم {فِيۤ أَنْفُسِكُمْ} إذ {عَلِمَ ٱللَّهُ} منكم وإن أخفيتم {أَنَّكُمْ} يميل طبيعتكم إليهن {سَتَذْكُرُونَهُنَّ} فاذكروهن على الوجه الأحسن ألابعد عن التهمة {وَلَـٰكِن لاَّ تُوَاعِدُوهُنَّ سِرّاً} أي: الوقاع والجماع؛ أي: لا تخالطوا معهن إلى حيث يرتفع الحجاب عنكم، فتتكلمون معهن بالكلمات التي جرت بين الزوج والزوجة {إِلاَّ أَن تَقُولُواْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً} يومئ إلى خطبتكم إياهن إن خفتم أن يسبق عليكم الغير من الخطباء {وَ} عليكم أن {لاَ تَعْزِمُوۤاْ عُقْدَةَ ٱلنِّكَاحِ} أي: لا تستعجلوا في العزيمة على العقد {حَتَّىٰ يَبْلُغَ ٱلْكِتَابُ أَجَلَهُ} أي: ما فرض في الكتاب؛ أي: من العدة المقدرة فيه {وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ} المطلع لضمائركم {يَعْلَمُ مَا فِيۤ أَنْفُسِكُمْ} من الخيانة في حدوده {فَٱحْذَرُوهُ} لتنجوا من غضبه {وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ} لمن عزم المعصية ولم يفعل {حَلِيمٌ} [البقرة: 235] لا يستعجل بالعقوبة على العاصين. {لاَّ جُنَاحَ} لا وزر ولا إثم {عَلَيْكُمْ} أيها المؤمنون {إِن طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ} أي: لا تجامعوا معهن {أَوْ} لم {تَفْرِضُواْ} تقدروا {لَهُنَّ فَرِيضَةً} مهراً أو صداقاً {وَ} عليكم إن طلقتموهن {مَتِّعُوهُنَّ} بالإحسان جبراً لما انكسر بالطلاق بعد العقد {عَلَى ٱلْمُوسِعِ قَدَرُهُ} أي: قدر وسعه ويسره {وَ} كذا {عَلَى ٱلْمُقْتِرِ} المعسر {قَدَرُهُ} قدر إعساره وتقتيره {مَتَاعاً} أي: متعوهن متاعاً ملتبساً {بِٱلْمَعْرُوفِ} الذي يستحسنه الشرع المروءة، ولذلك صار التمتيع المجان في الشرع {حَقّاً} لأنها {عَلَى} المؤمنين {ٱلْمُحْسِنِينَ} [البقرة: 236] الذين لا يريدون الأذى لأحدٍ من الناس وإن وقع منهم نادراً، جبروا بالإحسان حفظاً للمودة والإخاء الدينية. {وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَ} الحال أنه {قَدْ فَرَضْتُمْ} سميتم {لَهُنَّ فَرِيضَةً} صداقاً ومهراً {فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ} أي: فلزمكم أداء نصف ما سميتم من المهر إليهن {إِلاَّ أَن يَعْفُونَ} أي: المطلقات فلا يأخذن شيئاً اتقاءً عن التهمة {أَوْ يَعْفُوَاْ ٱلَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ ٱلنِّكَاحِ} ويرد جميع المهر إليها تبرعاً {وَأَن تَعْفُوۤاْ} أي: وعفوكم أيها المؤمنون في أمثال هذا {أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ} وأفضل عند المولى {وَلاَ تَنسَوُاْ} أي: لا تتركوا {ٱلْفَضْلَ} والإحسان {بَيْنَكُمْ} أيها المحسنون بل أحسنوا بعضاً مما أحسن الله لكم إلى مستحقيكم {إِنَّ ٱللَّهَ} المراقب لجميع أعمالكم {بِمَا تَعْمَلُونَ} من الفضل والإحسان {بَصِيرٌ} [البقرة: 237] يجازيكم عليه بفضله.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : هذا حكم المعتدة من وفاة، أو المبانة في الحياة، فيحرم على غير مبينها أن يصرح لها في الخطبة، وهو المراد بقوله: { وَلَكِنْ لا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا } وأما التعريض، فقد أسقط تعالى فيه الجناح. والفرق بينهما: أن التصريح، لا يحتمل غير النكاح، فلهذا حرم، خوفا من استعجالها، وكذبها في انقضاء عدتها، رغبة في النكاح، ففيه دلالة على منع وسائل المحرم، وقضاء لحق زوجها الأول، بعدم مواعدتها لغيره مدة عدتها. وأما التعريض، وهو الذي يحتمل النكاح وغيره، فهو جائز للبائن كأن يقول لها: إني أريد التزوج، وإني أحب أن تشاوريني عند انقضاء عدتك، ونحو ذلك، فهذا جائز لأنه ليس بمنزلة الصريح، وفي النفوس داع قوي إليه. وكذلك إضمار الإنسان في نفسه أن يتزوج من هي في عدتها، إذا انقضت، ولهذا قال: { أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ } هذا التفصيل كله في مقدمات العقد. وأما عقد النكاح فلا يحل { حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ } أي: تنقضي العدة. { وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ } أي: فانووا الخير، ولا تنووا الشر، خوفا من عقابه ورجاء لثوابه. { وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ } لمن صدرت منه الذنوب، فتاب منها، ورجع إلى ربه { حَلِيمٌ } حيث لم يعاجل العاصين على معاصيهم، مع قدرته عليهم.

عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي

تفسير : 113 : 69 - سفين عن ليث عن مجاهد {وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ ٱلنِّسَآءِ} قال، أن تقول: إنك لجميلة وإنك لحسينة وإنك لالي خير. 114 : 70 - سفين عن منصور عن مجاهد عن بن عباس قال، التعريض أن تقول: "إني أريد أن أتزوج" ثلث مرار. 115 : 64 - سفين عن السدي عن إبراهيم في قول جل وعز {لاَّ تُوَاعِدُوهُنَّ سِرّاً} قال، الزنا. [الآية 235]. 116 : 68 - سفين عن التيمي عن أبي مجلز في قول الله جل وعز {لاَّ تُوَاعِدُوهُنَّ سِرّاً} قال، الزنا. 117 : 63 - سفين عن سلمة بن كهيل عن سعيد بن جبير قال، لا تقاصيها على كذى وكذى أن لا تتزوج غيرك. [الآية 235]. 118 : 66 - سفين عن ليث عن مجاهد، إنه كان يكره أن يقول: "لا تسقيني بنفسك". 119 : 67 - سفين عن منصور عن إبراهيم قال، قال رجل لامرأة، وهي في جنازة: "لا تسبقيني بنفسك". قالت: "قد سبقت". 120 : 65 - سفين عن ليث عن مجاهد في قوله جل وعز {حَتَّىٰ يَبْلُغَ ٱلْكِتَابُ أَجَلَهُ}، قال، العدة. [الآية 235].

همام الصنعاني

تفسير : 289- عبد الرزاق، قال: حدثنا معمر، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله تعالى: {فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ ٱلنِّسَآءِ}: [الآية: 235]، قال: هو الرجل يعرض للمرأةِ في عِدَّتها فيقول: والله إنكِ لجميلة، وإن النساء لمن حاجتي، وإنك لإلى خير إن شاء الله. 290- عبد الرزاق، حدّثنا معمر، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: {وَلَـٰكِن لاَّ تُوَاعِدُوهُنَّ سِرّاً}: [الآية: 235]، قال: مواعدة السِّرِّ أنْ يأخذ علَيْهَا عَهْداً، أن تحبس نفسها عليه، ولا تنكح غيره. 291- عبد الرزاق، قال: حدّثنا معمر، عن قتادة، عن الحسن في قوله تعالى: {وَلَـٰكِن لاَّ تُوَاعِدُوهُنَّ سِرّاً}: [الآية: 235]، قالَ: هو الفاحِشة. 300- عبد الرزاق، قال: حدّثنا الثوري، عن الليث، عن مجاهد، في قوله تعالى: {حَتَّىٰ يَبْلُغَ ٱلْكِتَابُ أَجَلَهُ}: [الآية: 235]، قالَ: حتَّى تَنْقَضي العِدَّةُ.