٢ - ٱلْبَقَرَة
2 - Al-Baqara (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
236
Tafseer
الرازي
تفسير : الحكـم الخامس عشر حكم المطلقة قبل الدخول اعلم أن أقسام المطلقات أربعة أحدها: المطلقة التي تكون مفروضاً لها ومدخولاً بها وقد ذكر الله تعالى فيما تقدم أحكام هذا القسم وهو أنه لا يؤخذ منهن على الفراق شيء على سبيل الظلم ثم أخبر أن لهن كمال المهر، وأن عدتهن ثلاثة قروء. والقسم الثاني: من المطلقات ما لا يكون مفروضاً ولا مدخولاً بها وهو الذي ذكره الله تعالى في هذه الآية، وذكر أنه ليس لها مهر، وأن لها المتعة بالمعروف. والقسم الثالث: من المطلقات: التي يكون مفروضاً لها، ولكن لا يكون مدخولاً بها وهي المذكورة في الآية التي بعد هذه الآية، وهي قوله سبحانه وتعالى: {أية : وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ } تفسير : [البقرة: 237] واعلم أنه تعالى بين حكم عدة غير المدخول بها وذكر في سورة الأحزاب أنه لا عدة عليها ألبتة، فقال: {أية : إِذَا نَكَحْتُمُ ٱلْمُؤْمِنَـٰتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتّعُوهُنَّ } تفسير : [الأحزاب: 49]. القسم الرابع: من المطلقات: التي تكون مدخولاً بها، ولكن لا يكون مفروضاً لها، وحكم هذا القسم مذكور في قوله: {أية : فَمَا ٱسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَـئَاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ } تفسير : [النساء: 24] أيضاً القياس الجلي دال عليه وذلك لأن الأمة مجمعة على أن الموطوءة بالشبهة لها مهر المثل، فالموطوءة بنكاح صحيح أولى بهذا الحكم، فهذا التقسيم تنبيه على المقصود من هذه الآية، ويمكن أن يعبر عن هذا التقسيم بعبارة أخرى، فيقال: إن عقد النكاح يوجب بدلاً على كل حال، ثم ذلك البدل إما أن يكون مذكوراً أو غير مذكور، فإن كان البدل مذكوراً، فإن حصل الدخول استقر كله، وهذا هو حكم المطلقات التي ذكرهن الله تعالى قبل هذه الآية، وإن لم يحصل الدخول سقط نصف المذكور بالطلاق، وهذا هو حكم المطلقات التي ذكرهن الله تعالى في الآية التي تجىء عقيب هذه الآية. فإن لم يكن البدل مذكوراً فإن لم يحصل الدخول فهو هذه المطلقة التي ذكر الله تعالى حكمها في هذه الآية، وحكمها أنه لا مهر لها، ولا عدة عليها، ويجب عليه لها المتعة، وإن حصل الدخول فحكمها غير مذكور في هذه الآيات، إلا أنهم اتفقوا على أن الواجب فيها مهر المثل، ولما نبهنا على هذا التقسيم فلنرجع إلى التفسير. أما قوله تعالى: {لاَّ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ ٱلنّسَاء } فهذا نص في أن الطلاق جائز، واعلم أن كثيراً من أصحابنا يتمسكون بهذه الآية في بيان أن الجمع بين الثلاث ليس بحرام، قالوا: لأن قوله: {لاَّ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ ٱلنّسَاء } يتناول جميع أنواع التطليقات، بدليل أنه يصح استثناء الثلاث منها فيقال لا جناح عليكم إن طلقتم النساء إلا إذا طلقتموهن ثلاث طلقات فإن هناك يثبت الجناح، قالوا: وحكم الاستثناء إخراج ما لولاه لدخل، فثبت أن قوله: {لاَّ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ ٱلنّسَاء } يتناول جميع أنواع التطليقات، أعني حال الإفراد وحال الجمع، وهذا الاستدلال عندي ضعيف، وذلك لأن الآية دالة على الإذن في تحصيل هذه الماهية في الوجود، ويكفي في العمل به إدخاله في الوجود مرة واحدة، ولهذا قلنا: إن الأمر المطلق لا يفيد التكرار، ولهذا قلنا: إنه إذا قال لامرأته: إن دخلت الدار فأنت طالق انعقدت اليمين على المرة الواحدة فقط؛ فثبت أن هذا اللفظ لا يتناول حالة الجمع، وأما الاستثناء الذي ذكروه فنقول: يشكل هذا بالأمر فإنه لا يفيد التكرار بالاتفاق من المحققين، مع أنه يصح أن يقال: صل إلا في الوقت الفلاني وصم إلا في اليوم الفلاني، والله أعلم. أما قوله تعالى: {مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ } ففيه مسألتان: المسألة الأولى: قرأ حمزة والكسائي {تماسوهن} بالألف على المفاعلة، وكذلك في الأحزاب والباقون {تَمَسُّوهُنَّ } بغير ألف، حجة حمزة والكسائي أن بدن كل واحد يمس بدن صاحبه ويتماسان جميعاً وأيضاً يدل على ذلك قوله تعالى: {أية : مّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا } تفسير : [المجادلة: 3] وهو إجماع وحجة الباقين إجماعهم على قوله: {أية : وَلَمْ يَمْسَسْنِى بَشَرٌ } تفسير : [آل عمران: 47] ولأن أكثر الألفاظ في هذا المعنى جاء على المعنى بفعل دون فاعل كقوله: {أية : لَمْ يَطْمِثْهُنَّ } تفسير : [الرحمٰن: 56] وكقوله: {أية : فَٱنكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ } تفسير : [النساء: 25] وأيضاً المراد من هذا المس: الغشيان، وذلك فعل الرجل، ويدل في الآية الثانية على أن المراد من هذا المس الغشيان، وأما ما جاء في الظهار من قوله تعالى: {مّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا } فالمراد به المماسة التي هي غير الجماع وهي حرام في الظهار، وبعض من قرأ: {تماسوهن} قال: إنه بمعنى {تَمَسُّوهُنَّ } لأن فاعل قد يراد به فعل، كقوله: طارقت النعل، وعاقبت اللص، وهو كثير. المسألة الثانية: لقائل أن يقول: ظاهر الآية مشعر بأن نفي الجناح عن المطلق مشروط بعدم المسيس وليس كذلك فإنه لا جناح عليه أيضاً بعد المسيس. وجوابه من وجوه الأول: أن الآية دالة على إباحة الطلاق قبل المسيس مطلقاً، وهذا الإطلاق غير ثابت بعد المسيس، فإنه لا يحل الطلاق بعد المسيس في زمان الحيض، ولا في الطهر الذي جامعها فيه، فلما كان المذكور في الآية حل الطلاق على الإطلاق، وحل الطلاق على الإطلاق لا يثبت إلا بشرط عدم المسيس، صح ظاهر اللفظ. الوجه الثاني: في الجواب قال بعضهم: إن {مَا } في قوله: {مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ } بمعنى الذي والتقدير: لا جناح عليكم إن طلقتم النساء اللاتي لم تمسوهن، إلا أن {مَا } اسم جامد لا ينصرف، ولا يبين فيه الإعراب ولا العدد، وعلى هذا التقدير لا يكون لفظ {مَا } شرطاً، فزال السؤال. الوجه الثالث: في الجواب ما يدور حوله القفال رحمه الله، وحاصله يرجع إلى ما أقوله، وهو أن المراد من الجناح في هذه الآية لزوم المهر، فتقدير الآية: لا مهر عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة، بمعنى: لا يجب المهر إلا بأحد هذين الأمرين، فإذا فقدا جميعاً لم يجب المهر، وهذا كلام ظاهر إلا أنا نحتاج إلى بيان أن قوله: {لاَّ جُنَاحَ } معناه لا مهر، فنقول: إطلاق لفظ الجناح على المهر محتمل، والدليل دل عليه فوجب المصير إليه، وأما بيان الاحتمال فهو أن أصل الجناح في اللغة هو الثقل، يقال: أجنحت السفينة إذا مالت لثقلها والذنب يسمى جناحاً لما فيه من الثقل، قال تعالى: {أية : وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَّعَ أَثْقَالِهِمْ } تفسير : [العنكبوت: 13] إذا ثبت أن الجناح هو الثقل، ولزوم أداء المال ثقل فكان جناحاً، فثبت أن اللفظ محتمل له، وإنما قلنا: إن الدليل دل على أنه هو المراد لوجهين الأول: أنه تعالى قال: {لاَّ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ ٱلنّسَاء مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أنْ تَفْرِضُواْ لَهُنَّ فَرِيضَةً } نفى الجناح محدوداً إلى غاية وهي إما المسيس أو الفرض، والتقدير: فوجب أن يثبت ذلك الجناح عند حصول أحد هذين الأمرين ثم إن الجناح الذي يثبت عند أحد هذين الأمرين هو لزوم المهر، فوجب القطع بأن الجناح المنفي في أول الآية هو لزوم المهر الثاني: أن تطليق النساء قبل المسيس على قسمين أحدهما: الذي يكون قبل المسيس وقبل تقدير المهر، وهو المذكور في هذه الآية والثاني: الذي يكون قبل المسيس وبعد تقدير المهر وهو المذكور في الآية التي بعد هذه الآية وهي قوله: {أية : وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً } تفسير : [البقرة: 237] ثم إنه في هذا القسم أوجب نصف المفروض وهذا القسم كالمقابل لذلك القسم فيلزم أن يكون الجناح المنفي هناك هو المثبت ههنا، فلما كان المثبت ههنا هو لزوم المهر وجب أن يقال: الجناح المنفي هناك هو لزوم المهر والله أعلم. واعلم أنا قد ذكرنا في أول تفسير هذه الآية أن أقسام المطلقات أربعة، وهذه الآية تكون مشتملة على بيان حكم ثلاثة أقسام منها، لأنه لما صار تقدير الآية: لا مهر إلا عند المسيس أو عند التقدير، عرف منه أن التي لا تكون ممسوسة ولا مفروضاً لها لا يجب لها المهر، وعرف أن التي تكون ممسوسة ولا تكون مفروضاً لها والتي تكون مفروضاً لها ولا تكون ممسوسة يجب لكل واحدة منهما المهر، فتكون هذه الآية مشتملة على بيان حكم هذه الأقسام الثلاثة. وأما القسم الرابع: وهي التي تكون ممسوسة ومفروضاً لها، فبيان حكمه مذكور في الآية المتقدمة، وعلى هذا التقدير تكون هذه الآيات مشتملة على بيان حكم هذه الأقسام الأربعة بالتمام وهذا من لطائف الكلمات والحمد لله على ذلك. / المسألة الثالثة: قال أبو بكر الأصم والزجاج: هذه الآية تدل على أن عقد النكاح بغير المهر جائز، وقال القاضي: إنها لا تدل على الجواز لكنها تدل على الصحة، أما بيان دلالتها على الصحة، فلأنه لو لم يكن صحيحاً لم يكن الطلاق مشروعاً، ولم تكن المتعة لازمة، وأما أنها لا تدل على الجواز، فلأنه لا يلزم من الصحة الجواز، بدليل أن الطلاق في زمان الحيض حرام ومع ذلك واقع وصحيح. المسألة الرابعة: اتفقوا على أن المراد من المسيس في هذه الآية الدخول، قال أبو مسلم: وإنما كنى تعالى بقوله: {تَمَسُّوهُنَّ } عن المجامعة تأديباً للعباد في اختيار أحسن الألفاظ فيما يتخاطبون به، والله أعلم. أما قوله تعالى: {أَوْ تَفْرِضُواْ لَهُنَّ فَرِيضَةً } فالمعنى يقدر لها مقداراً من المهر يوجبه على نفسه، لأن الفرض في اللغة هو التقدير، وذكر كثير من المفسرين أن {أَوْ } ههنا بمعنى الواو، ويريد: ما لم تمسوهن ولم تفرضوا لهن فريضة، كقوله: {أية : أَوْ يَزِيدُونَ } تفسير : [الصافات: 147] وأنت إذا تأملت فيما لخصناه علمت أن هذا التأويل متكلف، بل خطأ قطعاً والله أعلم. أما قوله تعالى: {وَمَتّعُوهُنَّ } فاعلم أنه تعالى لما بين أنه لا مهر عند عدم المسيس، والتقدير بين أن المتعة لها واجبة، وتفسير لفظ المتعة قد تقدم في قوله: {أية : فَمَن تَمَتَّعَ بِٱلْعُمْرَةِ إِلَى ٱلْحَجّ } تفسير : [البقرة: 196]. وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: المطلقات قسمان، مطلقة قبل الدخول، ومطلقة بعد الدخول، أما المطلقة قبل الدخول ينظر إن لم يكن فرض لها مهر فلها المتعة بهذه الآية التي نحن فيها، وإن كان قد فرض لها فلا متعة، لأن الله تعالى أوجب في حقها نصف المهر ولم يذكر المتعة، ولو كانت واجبة لذكرها وقال ابن عمر: لكل مطلقة متعة إلا التي فرض لها ولم يدخل بها فحسبها نصف المهر، وأما المطلقة بعد الدخول سواء فرض لها أو لم يفرض، فهل تستحق المتعة، فيه قولان: قال في «القديم» وبه قال أبو حنيفة: لا متعة لها، لأنها تستحق المهر كالمطلقة بعد الفرض قبل الدخول، وقال في «الجديد»: بل لها المتعة، وهو قول علي بن أبـي طالب عليه السلام، والحسن بن علي، وابن عمر، والدليل عليه قوله تعالى:{أية : وَلِلْمُطَلَّقَـٰتِ مَتَـٰعٌ بِٱلْمَعْرُوفِ } تفسير : [البقرة: 241] وقال تعالى: {أية : فَتَعَالَيْنَ أُمَتّعْكُنَّ } تفسير : [الأحزاب: 28] وكان ذلك في نساء دخل بهن النبـي صلى الله عليه وسلم، وليس كالمطلقة بعد الفرض قبل المسيس، لأنها استحقت الصداق لا بمقابلة استباحة عوض فلم تستحق المتعة والمطلقة بعد الدخول استحقت الصداق بمقابلة استباحة البضع فتجب لها المتعة للإيحاش بالفراق. المسألة الثانية: مذهب الشافعي وأبـي حنيفة أن المتعة واجبة، وهو قول شريح والشعبـي والزهري، وروي عن الفقهاء السبعة من أهل المدينة أنهم كانوا لا يرونها واجبة، وهو قول مالك لنا قوله تعالى: {وَمَتّعُوهُنَّ } وظاهر الأمر للإيجاب، وقال: {وَلِلْمُطَلَّقَـٰتِ مَتَـٰعٌ } فجعل ملكاً لهن أو في معنى الملك، وحجة مالك أنه تعالى قال في آخر الآية: {حَقّاً عَلَى ٱلْمُحْسِنِينَ } فجعل هذا من باب الإحسان وإنما يقال: هذا الفعل إحسان إذا لم يكن واجباً فإن وجب عليه أداء دين فأداه لا يقال إنه أحسن، وأيضاً قال تعالى: {أية : مَا عَلَى ٱلْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ } تفسير : [التوبة: 91] وهذا يدل على عدم الوجوب، والجواب عنه أن الآية التي ذكرتموها تدل على قولنا لأنه تعالى قال: {حَقّاً عَلَى ٱلْمُحْسِنِينَ } فذكره بكلمة {عَلَىٰ } وهي للوجوب، ولأنه إذا قيل: هذا حق على فلان، لم يفهم منه الندب بل الوجوب. المسألة الثالثة: أصل المتعة والمتاع ما ينتفع به انتفاعاً غير باق بل منقضياً عن قريب، ولهذا يقال: الدنيا متاع، ويسمى التلذذ تمتعاً لانقطاعه بسرعة وقلة لبث. أما قوله تعالى: {عَلَى ٱلْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى ٱلْمُقْتِرِ قَدْرُهُ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: {ٱلْمُوسِعِ } الغني الذي يكون في سعة من غناه، يقال: أوسع الرجل إذا كثر ماله، واتسعت حاله، ويقال: أوسعه كذا أي وسعه عليه، ومنه قوله تعالى: {أية : وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ } تفسير : [الذاريات: 47] وقوله: {قَدْرِهِ } أي قدر إمكانه وطاقته، فحذف المضاف، والمقتر الذي في ضيق من فقره وهو المقل الفقير، وأقتر إذا افتقر. المسألة الثانية: قرأ ابن كثير ونافع وأبو بكر عن عاصم {قَدْرِهِ } بسكون الدال، والباقون قدره بفتح الدال، وهما لغتان في جميع معاني القدر، يقال: قدر القوم أمرهم يقدرونه قدراً، وهذا قدر هذا، واحمل على رأسك قدر ما تطيق، وقدر الله الرزق يقدره ويقدره قدراً، وقدرت الشيء بالشيء أقدره قدراً، وقدرت على الأمر أقدر عليه قدرة، كل هذا يجوز فيه التحريك والتسكين، يقال: هم يختصمون في القدر والقدر، وخدمته بقدر كذا وبقدر كذا، قال الله تعالى: {أية : فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا } تفسير : [الرعد: 17] وقال: {أية : وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ }تفسير : [الأنعام: 91] ولو حرك لكان جائزاً، وكذلك: {أية : إِنَّا كُلَّ شَىْء خَلَقْنَـٰهُ بِقَدَرٍ }تفسير : [القمر: 49] ولو خفف جاز. المسألة الثالثة: أن قوله تعالى: {عَلَى ٱلْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى ٱلْمُقْتِرِ قَدْرُهُ } يدل على أن تقدير المتعة مفوض إلى الاجتهاد، ولأنها كالنفقة التي أوجبها الله تعالى للزوجات، وبين أن الموسع يخالف المقتر وقال الشافعي: المستحب على الموسع خادم، وعلى المتوسط ثلاثون درهماً، وعلى المقتر مقنعة، روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: أكثر المتعة خادم وأقلها مقنعة، وأي قدر أدى جاز في جانبـي الكثرة والقلة، وقال أبو حنيفة المتعة لا تزاد على نصف مهر المثل، قال: لأن حال المرأة التي يسمى لها المهر أحسن من حال التي لم يسم لها، ثم لما لم يجب لها زيادة على نصف المسمى إذا طلقها قبل الدخول، فلأن لا يجب زيادة على نصف مهر المثل أولى والله أعلم. أما قوله تعالى: {مَتَـٰعاً بِٱلْمَعْرُوفِ } ففيه مسألتان: / المسألة الأولى: معنى الآية أنه يجب أن يكون على قدر حال الزوج في الغنى والفقر، ثم اختلفوا فمنهم من يعتبر حالهما، وهو قول القاضي، ومنهم من يعتبر حال الزوج فقط قال أبو بكر الرازي رحمه الله في المتعة: يعتبر حال الرجل، وفي مهر المثل حالها، وكذلك في النفقة واحتج أبو بكر بقوله: {وَعَلَىٰ ٱلْمُوسِعِ قَدَرُهُ } واحتج القاضي بقوله: {بِٱلْمَعْرُوفِ } فإن ذلك يدل على حالهما لأنه ليس من المعروف أن يسوى بين الشريفة والوضيعة. المسألة الثانية: {مَّتَـٰعًا } تأكيد لمتعوهن، يعني: متعوهن تمتيعاً بالمعروف و {حَقّاً } صفة لمتاعاً أي: متاعاً واجباً عليهم، أو حق ذلك حقاً على المحسنين، وقيل: نصب على الحال من قدره لأنه معرفة، والعامل فيه الظرف، وقيل: نصب على القطع. وأما قوله: {عَلَى ٱلْمُحْسِنِينَ } ففي سبب تخصيصه بالذكر وجوه أحدها: أن المحسن هو الذي ينتفع بهذا البيان: كقوله: {أية : إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرُ مَن يَخْشَـٰهَا } تفسير : [النازعات: 45] والثاني: قال أبو مسلم: المعنى أن من أراد أن يكون من المحسنين فهذا شأنه وطريقه، والمحسن هو المؤمن، فيكون المعنى أن العمل بما ذكرت هو طريق المؤمنين الثالث: {حَقّاً عَلَى ٱلْمُحْسِنِينَ } إلى أنفسهم في المسارعة إلى طاعة الله تعالى.
القرطبي
تفسير : . فيه إحدى عشرة مسألة: الأُولى ـ قوله تعالى: {لاَّ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ} هذا أيضاً من أحكام المطلقات؛ وهو ٱبتداء إخبار برفع الحرج عن المطلِّق قبل البِناء والجماع، فرض مهراً أو لم يفرض؛ ولما نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن التزوّج لمعنى الذوق وقضاء الشهوة، وأمر بالتزوّج لطلب العصمة والتماس ثواب الله وقصدِ دوام الصحبة؛ وقع في نفوس المؤمنين أن من طلق قبل البناء قد واقع جزءاً من هذا المكروه؛ فنزلت الآية رافعة للجناح في ذلك إذا كان أصل النكاح على المقصد الحسن. وقال قوم: {لاَّ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ} معناه لا طلب لجميع المهر بل عليكم نصف المفروض لمن فرض لها، والمتعة لمن لم يفرض لها. وقيل: لما كان أمر المهر مؤكداً في الشرع فقد يتوهم أنه لا بدّ من مهر إما مسمى وإما مهر المِثل؛ فرفع الحرج عن المطلق في وقت التطليق وإن لم يكن في النكاح مهر. وقال قوم: {لاَّ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ} معناه في أن ترسلوا الطلاق في وقت الحيض، بخلاف المدخول بها؛ إذْ غير المدخول بها لا عدّة عليها. الثانية ـ المطلقات أربع: مطلَّقة مدخول بها مفروض لها وقد ذكر الله حكمها قبل هذه الآية، وأنه لا يستردّ منها شيء من المهر، وأن عدّتها ثلاثة قروء. ومطلَّقة غير مفروض لها ولا مدخول بها فهذه الآية في شأنها ولا مهر لها، بل أمَرَ الربُّ تعالى بإمتاعها، وبيّن في سورة «الأحزاب» أن غير المدخول بها إذا طلِّقت فلا عدّة عليها، وسيأتي. ومطلَّقَة مفروض لها غير مدخول بها ذكرها بعد هذه الآية إذ قال: {أية : وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً} تفسير : [البقرة: 237]، ومطلَّقة مدخول بها غير مفروض لها ذكرها الله في قوله: {أية : فَمَا ٱسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} تفسير : [النساء: 24]؛ فذكر تعالى في هذه الآية والتي بعدها مطلَّقة قبل المسِيس وقبل الفرض، ومطلَّقة قبل المسيس وبعد الفرض؛ فجعل للأُولى المُتْعَة، وجعل للثانية نصف الصداق لما لحق الزوجة من دَحْض العقد، ووَصْم الحل الحاصل للزوج بالعقد؛ وقابل المسيس بالمهر الواجب. الثالثة ـ لما قسم الله تعالى حال المطلقة هنا قسمين: مطلَّقة مسمًّى لها المهر، ومطلَّقة لم يُسَم لها، دلّ على أن نكاح التفويض جائز، وهو كل نكاح عُقد من غير ذكر الصداق، ولا خلاف فيه، ويُفرض بعد ذلك الصّداقُ، فإن فُرض التحق بالعقد وجاز، وإن لم يُفرض لها وكان الطلاق، لم يجب صداق إجماعاً؛ قاله القاضي أبو بكر بن العربيّ. وحكى المهدوِيّ عن حماد بن أبي سليمان أنه إذا طلَّقها ولم يدخل بها ولم يكن فرض لها أُجْبِر على نصف صداق مثلها. وإن فرض بعد عقد النكاح وقبل وقوع الطلاق فقال أبو حنيفة: لا يتنصّف بالطلاق؛ لأنه لم يجب بالعقد؛ وهذا خلافُ الظاهر من قوله تعالى: {أية : وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً} تفسير : [البقرة: 237] وخلافُ القياس أيضاً؛ فإن الفرض بعد العقد يلحق بالعقد فوجب أن ينتصف بالطلاق؛ أصله الفرض المقترن بالعقد. الرابعة ـ إن وقع الموت قبل الفرض فذكر الترمذيّ عن ٱبن مسعود «أنه سئل عن رجل تزوّج ٱمرأة لم يَفرِض لها ولم يدخل بها حتى مات؛ فقال ٱبن مسعود: لها مثل صداق نسائها، لا وَكْس ولا شَطَط، وعليها العدّة ولها الميراث؛ فقام معقِل بن سِنان الأشجعيّ فقال: قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في بَرْوَع بنتِ واشِقٍ ٱمرأةٍ مِنّا مثلَ الذي قضيتَ؛ ففرح بها ٱبن مسعود. قال الترمذي: حديث ٱبن مسعود حديث حسن صحيح، وقد روى عنه من غير وجه، والعمل على هذا عند بعض أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم، وبه يقول الثوريّ وأحمد وإسحاق، وقال بعض أهل العلم من أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم منهم عليّ بن أبي طالب وزيد بن ثابت وٱبن عباس وٱبن عمر: إذا تزوّج الرجل ٱمرأة ولم يدخل بها ولم يفرِض لها صداقاً حتى مات قالوا: لها الميراث ولا صداق لها وعليها العدّة؛ وهو قول الشافعيّ. وقال: ولوثبت حديث بَرْوَع بنت وَاشِق لكانت الحجة فيما روي عن النبيّ صلى الله عليه وسلم. ويروى عن الشافعيّ أنه رجع بمصر بعدُ عن هذا القول، وقال بحديث بروع بنت واشق». قلت ـ ٱختلف في تثبيت حديث بروع؛ فقال القاضي أبو محمد عبد الوهاب في شرح رسالة ٱبن أبي زيد: وأما حديث بروع بنت واشق فقد ردّه حفاظ الحديث وأئمة أهل العلم. وقال الواقديّ: وقع هذا الحديث بالمدينة فلم يقبله أحد من العلماء؛ وصححه الترمذيّ كما ذكرنا عنه وٱبن المنذر. قال ٱبن المنذر: وقد ثبت مثل قول (عبد الله) بن مسعود عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وبه نقول. وذكر أنه قول أبي ثور وأصحاب الرأي. وذكر عن الزهري والأُوزاعيّ ومالك والشافعيّ مثل قول عليّ وزيد وٱبن عباس وٱبن عمر. وفي المسألة قول ثالث وهو أنه لا يكون ميراث حتى يكون مهر؛ قاله مسروق. قلت: ومن الحجة لما ذهب إليه مالك أنه فراق في نكاح قبل الفرض فلم يجب فيه صداق؛ أصله الطلاق؛ لكن إذا صح الحديث فالقياس في مقابلته فاسد. وقد حكى أبو محمد عبد الحميد عن المذهب ما يوافق الحديث، والحمد لله. وقال أبو عمر: حديث بَرْوَع رواه عبد الرزاق عن الثوري عن منصور عن إبراهيم عن علقمة عن ٱبن مسعود، الحديثَ. وفيه: فقام مَعْقِل بن سِنان. وقال فيه ٱبن مهدي عن الثوريّ عن فِراس عن الشعبي عن مسروق عن عبد الله فقال معقل بن يَسار، والصواب عندي قول من قال معقل بن سِنان لا معقل بن يسار؛ لأن معقل ابن يسار رجل من مُزينة، وهذا الحديث إنما جاء في ٱمرأة من أَشْجَع لا من مُزَينة؛ وكذلك رواه داود عن الشعبي عن علقمة؛ وفيه: فقال ناس من أشجع، ومعقل بن سنان قتل يوم الحرّة؛ وفي يوم الحرّة يقول الشاعر:شعر : ألا تلكُم الأنصارُ تَبْكِي سَرَاتَها وأشْجَعُ تَبكي مَعْقِلَ بنَ سِنانِ تفسير : الخامسة ـ قوله تعالى: {مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ} «ما» بمعنى الذي، أي إن طلقتم النساء اللاتي لم تمسوهن. و «تمسوهن» قرىء بفتح التاء من الثلاثي، وهي قراءة نافع وٱبن كثير وأبي عمرو وعاصم وٱبن عامر. وقرأ حمزة والكسائيّ «تماسوهن» من المفاعلة؛ لأن الوطء تَمّ بهما؛ وقد يَرِد في باب المفاعلة فاعل بمعنى فَعل؛ نحو طارقت النعل، وعاقبت اللّصّ. والقراءة الأُولى تقتضي معنى المفاعلة في هذا الباب بالمعنى المفهوم من المس؛ ورجحها أبو علي؛ لأن أفعال هذا المعنى جاءت ثلاثية على هذا الوزن، جاء: نَكَح وسَفَد وقَرَع ودَفَط وضَرَب الفحلُ؛ والقراءتان حسنتان. و «أو» في «أَوْ تَفْرِضُوا» قيل هو بمعنى الواو؛ أي ما لم تمسوهن ولم تفرضوا لهن؛ كقوله تعالى: {أية : وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَآءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتاً أَوْ هُمْ قَآئِلُونَ} تفسير : [الأعراف: 4] أي وهم قائلون. وقولِه: {أية : وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَىٰ مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ} تفسير : [الصافات: 147] أي ويزيدون. وقوله: {أية : وَلاَ تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً} تفسير : [الإنسان: 24] أي وكفورا. وقوله: {أية : وَإِنْ كُنْتُمْ مَّرْضَىٰ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوْ جَآءَ أَحَدٌ مِّنْكُمْ مِّن ٱلْغَآئِطِ} تفسير : [النساء: 43] معناه وجاء أحد منكم من الغائط وأنتم مرضى أو مسافرون. وقوله: {أية : إِلاَّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ ٱلْحَوَايَآ أَوْ مَا ٱخْتَلَطَ بِعَظْمٍ} تفسير : [الأنعام: 146] وما كان مِثله. ويعتضد هذا بأنه تعالى عطف عليها بعد ذلك المفروض لها فقال: {وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً}. فلو كان الأوّل لبيان طلاق المفروض لها قبل المسِيس لما كرّره. السادسة ـ قوله تعالى: {وَمَتِّعُوهُنَّ} معناه أعطوهن شيئاً يكون مَتَاعاً لهن. وحمله ٱبن عمر وعلي بن أبي طالب والحسن بن أبي الحسن وسعيد بن جبير وأبو قِلابة والزّهْري وقتادة والضّحاك بن مُزَاحِم على الوجوب. وحمله أبو عبيد ومالك بن أنس وأصحابه والقاضي شُرَيْح وغيرهم على النّدب. تمسّك أهل القول الأوّل بمقتضى الأمر. وتمسك أهل القول الثاني بقوله تعالى: {حَقّاً عَلَى ٱلْمُحْسِنِينَ} و {عَلَى ٱلْمُتَّقِينَ} ولو كانت واجبة لأطلقها على الخلق أجمعين. والقول الأوّل أولى؛ لأن عمومات الأمر بالإمتاع في قوله: {مَتِّعُوهُنَّ} وإضافَة الإمتاع إليهن بلام التمليك في قوله: {أية : وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ} تفسير : [البقرة: 241] أظهرُ في الوجوب منه في النّدْب. وقوله: {عَلَى ٱلْمُتَّقِينَ} تأكيدٌ لإيجابها؛ لأن كل واحد يجب عليه أن يَتّقي الله في الإشراك به ومعاصيه؛ وقد قال تعالى في القرآن: {أية : هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ} تفسير : [البقرة: 2.] السابعة ـ وٱختلفوا في الضمير المتصل بقوله {وَمَتِّعُوهُنَّ} مَنْ المراد به مِن النساء؟ فقال ٱبن عباس وٱبن عمر وجابر بن زيد والحسن والشافعي وأحمد وعطاء وإسحاق وأصحاب الرأي: المُتْعَة واجبةٌ للمطلِّقة قبل البِناء والفرض، ومندوبة في حق غيرها. وقال مالك وأصحابه: المتعة مندوب إليها في كل مطلقة وإن دُخل بها، إلاّ في التي لم يُدخل بها وقد فُرِض لها فحسْبُها ما فُرض لها ولا مُتْعة لها. وقال أبو ثور: لها المُتْعَة ولكل مطلَّقة. وأجمع أهل العلم على أن التي لم يُفرض لها ولم يُدخل بها لا شيء لها غيرُ المتعة. قال الزُّهْري: يقضي لها بها القاضي. وقال جمهور الناس: لا يقضي بها لها. قلت: هذا الإجماع إنما هو في الحرّة، فأما الأمة إذا طلقت قبل الفرض والمسِيس فالجمهور على أن لها المُتْعَةَ. وقال الأُوزاعيّ والثوريّ: لا متعة لها لأنها تكون لسيدها وهو لا يستحق مالاً في مقابلة تأذِّي مملوكته بالطلاق. وأما ربط مذهب مالك فقال ٱبن شعبان: المتعة بإزاء غمّ الطلاق، ولذلك ليس للمخْتَلِعة والمبارِئة والمُلاعنة متعةٌ قبل البناء ولا بعده، لأنها هي التي ٱختارت الطلاق. وقال الترمذيّ وعطاء والنخعيّ: للمختلعة متعة. وقال أصحاب الرأي: للملاعنة متعة. قال ٱبن القاسم: ولا متعة في نكاح مفسوخ. قال ٱبن الموّاز: ولا فيما يدخله الفسخ بعد صحة العقد؛ مثل مِلك أحد الزوجين صاحبه. قال ٱبن القاسم: وأصل ذلك قوله تعالى: {أية : وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِٱلْمَعْرُوفِ} تفسير : [البقرة: 241] فكان هذا الحكم مختصاً بالطلاق دون الفسخ. وروى ٱبن وهب عن مالك أن المخيَّرة لها المتعة بخلاف الأمَة تعتِق تحت العبد فتختار هي نفسها، فهذه لا متعة لها. وأما الحرّة تُخَير أو تملك أو يتزوّج عليها أمة فتختار هي نفسها في ذلك كله فلها المتعة؛ لأن الزوج سبب للفراق. الثامنة ـ قال مالك: ليس للمتعة عندنا حدّ معروف في قليلها ولا كثيرها. وقد ٱختلف الناس في هذا؛ فقال ٱبن عمر: أدنى ما يجزىء في المتعة ثلاثون درهماً أو شبهها. وقال ابن عباس: أرفع المتعة خادم ثم كسوة ثم نفقة. عطاء: أوسطها الدرع والخِمار والمِلحفة. أبو حنيفة: ذلك أدناها. وقال ابن مَحيْريز: على صاحب الديوان ثلاثة دنانير، وعلى العبد المتعة. وقال الحسن: يُمَتِّع كل بقدره، هذا بخادم وهذا بأثواب وهذا بثوب وهذا بنفقة؛ وكذلك يقول مالك بن أنس، وهو مقتضى القرآن فإن الله سبحانه لم يقدّرها ولا حدّدها وإنما قال: {عَلَى ٱلْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى ٱلْمُقْتِرِ قَدْرُهُ}. ومتع الحسن ابن عليّ بعشرين ألفاً وزِقاق من عسل. ومتع شريح بخمسمائة درهم. وقد قيل: إن حالة المرأة مُعتَبَرة أيضاً؛ قاله بعض الشافعية، قالوا: لو اعتبرنا حال الرجل وحده لزم منه أنه لو تزوّج امرأتين إحداهما شريفة والأُخرى دَنيّة ثم طلقهما قبل المَسِيس ولم يُسمّ لهما أن يكونا متساويتين في المتعة فيجب للدّنية ما يجب للشريفة وهذا خلاف ما قال الله تعالى: {مَتَاعاً بِٱلْمَعْرُوفِ} ويلزم منه أن الموسر العظيم اليسار إذا تزوّج ٱمرأة دنية أن يكون مثلها؛ لأنه إذا طلَّقها قبل الدخول والفَرْض لزمته المتعة على قدر حاله ومهر مثلها؛ فتكون المتعة على هذا أضعاف مهر مِثلها؛ فتكون قد استحقّت قبل الدخول أضعاف ما تستحقه بعد الدخول من مهر الْمِثْل الذي فيه غاية الابتذال وهو الوطء. وقال أصحاب الرأي وغيرهم: مُتْعَة التي تطلَّق قبل الدخول والفرض نصف مهر مثلها لا غير؛ لأن مهر المثل مستَحَقٌّ بالعقد، والمتعة هي بعض مهر المثل؛ فيجب لها كما يجب نصف المسمَّى إذا طلَّق قبل الدخول، وهذا يرده قوله تعالى: {عَلَى ٱلْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى ٱلْمُقْتِرِ قَدْرُهُ} وهذا دليل على رفض التحديد؛ والله بحقائق الأُمور عليم. وقد ذكر الثعلبيّ حديثاً قال: نزلت {لاَّ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ} الآية، في رجل من الأنصار تزوّج امرأة من بني حنيفة ولم يسم لها مهراً ثم طلقها قبل أن يمسَّها فنزلت الآية؛ فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : متِّعْها ولو بقَلَنْسُوَتك»تفسير : . وروى الدارقطنيّ عن سُويد بن غَفَلة قال: كانت عائشة الخثْعَمية عند الحسن بن علي بن أبي طالب فلما أُصيب عَليٌّ وبويع الحسن بالخلافة قالت: لِتَهْنِكَ الخلافةُ يا أمير المؤمنين! فقال: يُقتل عَليٌّ وتُظهرين الشماتة! اذهبي فأنت طالق ثلاثاً. قال: فَتَلفّعت بسَاجِها وقعدت حتى انقضت عدّتها؛ فبعث إليها بعشرة ٱلافٍ متعةً، وبقيةِ ما بقي لها من صداقها. فقالت: شعر : مَتـاعٌ قليـلٌ مـن حَبِيـب مُفـارِقِ تفسير : فلما بلغه قولُها بكى وقال: لولا أني سمعت جدّي ـ أو حدثني أبي أنه سمع جدّي ـ يقول: أيّما رجل طلّق امرأته ثلاثاً مبهمة أو ثلاثاً عند الأَقْرَاء لم تحل له حتى تنكح زوجاً غيره لراجعتها. وفي رواية: أخبره الرسول فبكى وقال: لولا أني أَبَنْت الطلاق لها لراجعتها، ولكني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : أيّما رجل طلّق امرأته ثلاثاً عند كل طهر تطليقةً أو عند رأس كل شهر تطليقةً أو طلقها ثلاثاً جميعاً لم تَحِل له حتى تنكح زوجاً غيره».تفسير : التاسعة ـ من جهل المتعة حتى مضت أعوام فليدفع ذلك إليها وإن تزوّجت، وإلى ورثتها إن ماتت، رواه ابن الموّاز عن ابن القاسم. وقال أصبغ: لا شيء عليه إن ماتت لأنها تسلية للزوجة عن الطلاق وقد فات ذلك. ووجه الأوّل أنه حق ثبت عليه وينتقل عنها إلى ورثتها كسائر الحقوق، وهذا يشعر بوجوبها في المذهب، والله أعلم. العاشرة ـ قوله تعالى: {عَلَى ٱلْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى ٱلْمُقْتِرِ قَدْرُهُ} دليل على وجوب المتعة. وقرأ الجمهور «المُوسِعِ» بسكون الواو وكسر السين، وهو الذي اتسعت حاله، يقال: فلان ينفق على قدره، أي على وسعه. وقرأ أبو حَيْوَة بفتح الواو وشد السين وفتحها. وقرأ ٱبن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم في رواية أبي بكر «قَدْرُهُ» بسكون الدال في الموضعين. وقرأ ٱبن عامر وحمزة والكسائي وعاصم في رواية حفص بفتح الدال فيهما. قال أبو الحسن الأخفش وغيره: هما بمعنًى، لغتان فصيحتان، وكذلك حكى أبو زيد، يقول: خذ قدْرَ كذا وقدَرَ كذا، بمعنى. ويقرأ في كتاب الله: {أية : فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا} تفسير : [الرعد: 17] وقَدْرِها، وقال تعالى: {أية : وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ} تفسير : [الأنعام: 91] ولو حركت الدال لكان جائزاً. و «الْمُقْتِر» المقِل القليل المال. و {مَتَاعاً} نصب على المصدر، أي متعوهن متاعاً {بِٱلْمَعْرُوفِ} أي بما عرف في الشرع من الاقتصاد. الحادية عشر ـ قوله تعالى: {حَقّاً عَلَى ٱلْمُحْسِنِينَ} أي يحِق ذلك عليهم حقاً، يقال: حققت عليه القضاء وأحققت، أي أوجبت، وفي هذا دليل على وجوب المتعة مع الأمر بها، فقوله: «حقاً» تأكيد للوجوب. ومعنى {عَلَى ٱلْمُحْسِنِينَ} و {عَلَى ٱلْمُتَّقِينَ} أي على المؤمنين، إذ ليس لأحد أن يقول: لست بمحسن ولا متق، والناس مأمورون بأن يكونوا جميعاً محسنين متقين؛ فيحسنون بأداء فرائض الله ويجتنبون معاصيه حتى لا يدخلوا النار؛ فواجب على الخلق أجمعين أن يكونوا محسنين متقين. و «حقاً» صفة لقوله «متاعاً» أو نصب على المصدر، وذلك أدخل في التأكيد للأمر؛ والله أعلم.
البيضاوي
تفسير : {لاَّ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ} لا تبعة من مهر. وقيل من وزر لأنه لا بدعة في الطلاق قبل المسيس. وقيل: كان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر النهي عن الطلاق فظن أن فيه حرجاً فنفى {إِن طَلَّقْتُمُ ٱلنّسَاء مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ } أي تجامعوهن. وقرأ حمزة والكسائي «تماسوهن» بضم التاء ومد الميم في جميع القرآن. {أَوْ تَفْرِضُواْ لَهُنَّ فَرِيضَةً } إلا أن تفرضوا، أو حتى تفرضوا أو وتفرضوا. والفرض تسمية المهر، وفريضة نصب على المفعول به بمعنى فعيلة بمعنى مفعول. والتاء لنقل اللفظ من الوصفية إلى الإِسمية، ويحتمل المصدر. والمعنى أنه لا تبعة على المطلق من مطالبة المهر إذا كانت المطلقة غير ممسوسة ولم يسم لها مهراً، إذ لو كانت ممسوسة فعلية المسمى، أو مهر المثل. ولو كانت غير ممسوسة ولكن سمي لها فلها نصف المسمى، فمنطوق الآية ينفي الوجوب في الصورة الأولى، ومفهومها يقتضي الوجوب على الجملة في الأخيرتين. {وَمَتّعُوهُنَّ} عطف على مقدر أي فطلقوهن ومتعوهن، والحكمة في إيجاب المتعة جبر إيحاش الطلاق، وتقديرها مفوض إلى رأي الحاكم ويؤيده قوله: {عَلَى ٱلْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى ٱلْمُقْتِرِ قَدْرُهُ} أي على كل من الذي له سعة، والمقتر الضيق الحال ما يطيقه ويليق به، ويدل عليه قوله عليه السلام لأنصاري طلق امرأته المفوضة قبل أن يمسها «حديث : متعها بقلنسوتك»تفسير : . وقال أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه: هي درع وملحفة وخمار على حسب الحال إلا أن يقل مهر مثلها عن ذلك فلها نصف مهر المثل، ومفهوم الآية يقتضي تخصيص إيجاب المتعة للمفوضة التي لم يمسها الزوج، وألحق بها الشافعي رحمه الله تعالى في أحد قوليه الممسوسة المفوضة وغيرها قياساً، وهو مقدم على المفهوم. وقرأ حمزة والكسائي وحفص وابن ذكوان بفتح الدال {مَّتَـٰعًا} تمتيعاً. {بِٱلْمَعْرُوفِ} بالوجه الذي يستحسنه الشرع والمروءة. {حَقّاً} صفة لمتاعاً، أو مصدر مؤكد أي حق ذلك حقاً. {عَلَى ٱلْمُحْسِنِينَ} الذي يحسنون إلى أنفسهم بالمسارعة إلى الامتثال، أو إلى المطلقات بالتمتيع وسماهم محسنين قبل الفعل للمشارفة ترغيباً وتحريضاً.
ابن كثير
تفسير : أباح تبارك وتعالى طلاق المرأة بعد العقد عليها، وقبل الدخول بها. قال ابن عباس وطاوس وإبراهيم والحسن البصري: المس: النكاح، بل ويجوز أن يطلقها قبل الدخول بها والفرض لها، إن كانت مفوضة، وإن كان في هذا إنكسار لقلبها، ولهذا أمر تعالى بإمتاعها، وهو تعويضها عما فاتها بشيء تعطاه من زوجها بحسب حاله، على الموسع قدره، وعلى المقتر قدره. وقال سفيان الثوري، عن إسماعيل بن أمية عن عكرمة، عن ابن عباس: قال: متعة الطلاق أعلاه الخادم، ودون ذلك الورق، ودون ذلك الكسوة. وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: إن كان موسراً متعها بخادم أو نحو ذلك، وإن كان معسراً أمتعها بثلاثة أثواب. وقال الشعبي: أوسط ذلك درع وخمار وملحفة وجلباب، قال: وكان شريح يمتع بخمسمائه. وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن أيوب بن سيرين، قال: كان يمتع بالخادم أو بالنفقة أو بالكسوة. قال: ومتع الحسن بن علي بعشرة آلاف، ويروى أن المرأة قالت: متاع قليل من حبيب مفارق. وذهب أبو حنيفة إلى أنه متى تنازع الزوجان في مقدار المتعة، وجب لها عليه نصف مهر مثلها. وقال الشافعي في الجديد: لا يجبر الزوج على قدر معلوم إلا على أقل ما يقع عليه اسم المتعة، وأحب ذلك إليّ أن يكون أقله ما تجزىء فيه الصلاة، وقال في القديم لا أعرف في المتعة قدراً إلا أني أستحسن ثلاثين درهماً؛ كما روي عن ابن عمر رضي الله عنهما. وقد اختلف العلماء أيضاً: هل تجب المتعة لكل مطلقة أو إنما تجب المتعة لغير المدخول بها التي لم يفرض لها؟ على أقوال: أحدها أنها تجب المتعة لكل مطلقة؛ لعموم قوله تعالى: {أية : وَلِلْمُطَلَّقَـٰتِ مَتَـٰعٌ بِٱلْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى ٱلْمُتَّقِينَ}تفسير : [البقرة: 241] ولقوله تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ قُل لأَِزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً } تفسير : [الأحزاب: 28] وقد كن مفروضاً لهن، ومدخولاً بهن، وهذا قول سعيد بن جبير وأبي العالية والحسن البصري، وهو أحد قولي الشافعي، ومنهم من جعله الجديد الصحيح، والله أعلم. (والقول الثاني) أنها تجب للمطلقة إذا طلقت قبل المسيس، وإن كانت مفروضاً لها؛ لقوله تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا نَكَحْتُمُ ٱلْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً}تفسير : [الأحزاب: 49] قال شعبة وغيره، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، قال: نسخت هذه الآية التي في الأحزاب الآية التي في البقرة. وقد روى البخاري في صحيحه، عن سهل بن سعد وأبي أسيد: أنهما قالا: تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم أميمة بنت شرحبيل، فلما أدخلت عليه، بسط يده إليها، فكأنها كرهت ذلك، فأمر أبا أسيد أن يجهزها ويكسوها ثوبين أزرقين. (والقول الثالث) أن المتعة إنما تجب للمطلقة إذا لم يدخل بها ولم يفرض لها، فإن كان قد دخل بها، وجب لها مهر مثلها إذا كانت مفوضة، وإن كان قد فرض لها وطلقها قبل الدخول، وجب لها عليه شطره، فإن دخل بها استقر الجميع، وكان ذلك عوضاً لها عن المتعة، وإنما المصابة التي لم يفرض لها، ولم يدخل بها، فهذه التي دلت هذه الآية الكريمة على وجوب متعتها، هذا قول ابن عمر ومجاهد، ومن العلماء من استحبها لكل مطلقة ممن عدا المفوضة المفارقة قبل الدخول، وهذا ليس بمنكور، عليه تحمل آية التخيير في الأحزاب، ولهذا قال تعالى: {عَلَى ٱلْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى ٱلْمُقْتِرِ قَدْرُهُ مَتَـٰعاً بِٱلْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى ٱلْمُحْسِنِينَ} {أية : وَلِلْمُطَلَّقَـٰتِ مَتَـٰعٌ بِٱلْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى ٱلْمُتَّقِينَ}تفسير : [البقرة: 241] ومن العلماء من يقول: إنها مستحبة مطلقاً. قال ابن أبي حاتم: حدثنا كثير بن شهاب القزويني، حدثنا محمد بن سعيد بن سابق، حدثنا عمرو ـ يعني ابن أبي قيس ـ عن أبي إسحاق، عن الشعبي، قال: ذكروا له المتعة، أيحبس فيها؟ فقرأ {عَلَى ٱلْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى ٱلْمُقْتِرِ قَدْرُهُ} قال الشعبي: والله ما رأيت أحداً حبس فيها، والله لو كانت واجبة لحبس فيها القضاة.
المحلي و السيوطي
تفسير : {لاَّ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ ٱلنّسَاء مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ } وفي قراءة (تُماسُّوهُنَّ) أي تجامعوهن {أَوْ } لم {تَفْرِضُواْ لَهُنَّ فَرِيضَةً } مهراً و(ما) مصدرية ظرفية أي لا تَبِعَة عليكم في الطلاق- زمن عدم المسيس والفرض- بإثم ولا مهر فطلقوهن {وَمَتِّعُوهُنَّ } أعطوهن ما يتمتعن به {عَلَى ٱلْمُوسِعِ } الغني منكم {قَدَرُهُ وَعَلَى ٱلْمُقْتِرِ } الضيق الرزق {قَدَرُهُ } يفيد أنه لا نظر إلى قدر الزوجة {مَتَٰعًا } تمتيعاً {بِٱلْمَعْرُوفِ } شرعاً صفة (متاعاً) {حَقّاً } صفة ثانية أو مصدر مؤكِّد {عَلَى ٱلْمُحْسِنِينَ } المطيعين.
الشوكاني
تفسير : المراد بالجناح هنا: التبعة من المهر، ونحوه، فرفعه رفع لذلك، أي: لا تبعة عليكم بالمهر، ونحوه إن طلقتم النساء على الصفة المذكورة، و«ما» في قوله: {مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ } هي مصدرية ظرفية بتقدير المضاف، أي: مدّة عدم مسيسكم. ونقل أبو البقاء أنها شرطية من باب اعتراض الشرط على الشرط ليكون الثاني قيداً للأوّل كما في قولك: إن تأتني إن تحسن إليّ أكرمك. أي: إن تأتني محسناً إليّ، والمعنى: إن طلقتموهن غير ماسين لهنّ. وقيل: إنها موصولة، أي: إن طلقتم النساء اللاتي لم تمسوهنّ، وهكذا اختلفوا في قوله: {أَوْ تَفْرِضُواْ } فقيل: "أو" بمعنى "إلا" أي: إلا أن تفرضوا. وقيل: بمعنى حتى، أي: حتى تفرضوا. وقيل: بمعنى الواو، أي: وتفرضوا. ولست أرى لهذا التطويل وجهاً. ومعنى الآية أوضح من أن يلتبس، فإن الله سبحانه رفع الجناح عن المطلقين ما لم يقع أحد الأمرين. أي: مدّة انتفاء ذلك الأحد، ولا ينتفي الأحد المبهم إلا بإنتفاء الأمرين معاً، فإن وجد المسيس، وجب المسمى، أو مهر المثل، وإن وجد الفرض وجب نصفه مع عدم المسيس، وكل واحد منها جناح. أي: المسمى، أو نصفه، أو مهر المثل. واعلم أن المطلقات أربع: مطلقة مدخول بها مفروض لها، وهي التي تقدّم ذكرها قبل هذه الآية، وفيها نهى الأزواج عن أن يأخذوا مما آتوهنّ شيئاً، وأن عدّتهنّ ثلاثة قروء. ومطلقة غير مفروض لها، ولا مدخول بها، وهي المذكورة هنا، فلا مهر لها، بل المتعة، وبين في سورة الأحزاب أن غير المدخول بها إذا طلقت، فلا عدّة عليها. ومطلقة مفروض لها غير مدخول بها، وهي المذكورة بقوله سبحانه هنا: {وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً }، ومطلقة مدخول بها غير مفروض لها، وهي المذكورة في قوله تعالى: {أية : فَمَا ٱسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَـئَاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ }تفسير : [النساء: 24] والمراد بقوله: {مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ } ما لم تجامعوهنّ؛ وقرأ ابن مسعود: «من قبل أن تجامعوهنّ» أخرجه عنه ابن جرير، وقرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر، وعاصم: «ما لم تمسوهنّ» وقرأ حمزة، والكسائي: «تماسوهنّ» من المفاعلة، والمراد بالفريضة هنا تسمية المهر. قوله: {وَمَتّعُوهُنَّ } أي: أعطوهن شيئاً يكون متاعاً لهنّ، وظاهر الأمر الوجوب، وبه قال علي، وابن عمر، والحسن البصري، وسعيد بن جبير، وأبو قلابة، والزهري، وقتادة، والضحاك، ومن أدلة الوجوب قوله تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ إِذَا نَكَحْتُمُ ٱلْمُؤْمِنَـٰتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتّعُوهُنَّ وَسَرّحُوهُنَّ سراحاً جميلاً}تفسير : [الأحزاب: 49] وقال مالك، وأبو عبيد، والقاضي شريح، وغيرهم: إن المتعة للمطلقة المذكورة مندوبة لا واجبة لقوله تعالى: {حَقّا عَلَى ٱلْمُحْسِنِينَ } ولو كانت واجبة لأطلقها على الخلق أجمعين، ويجاب عنه بأن ذلك لا ينافي الوجوب بل هو تأكيد له، كما في قوله في الآية الأخرى: {أية : حَقّاُ عَلَى ٱلْمُتَّقِينَ }تفسير : [البقرة: 241] أي: أن الوفاء بذلك، والقيام به شأن أهل التقوى، وكل مسلم يجب عليه أن يتقي الله سبحانه، وقد وقع الخلاف أيضا هل المتعة مشروعة لغير هذه المطلقة قبل المسيس، والفرض أم ليست بمشروعة إلا لها فقط؟ فقيل: إنها مشروعة لكل مطلقة، وإليه ذهب ابن عباس، وابن عمر، وابن عطاء وعطاء، وجابر بن زيد، وسعيد بن جبير، وأبو العالية، والحسن البصري، والشافعي في أحد قوليه، وأحمد وإسحاق، ولكنهم اختلفوا هل هي واجبة في غير المطلقة قبل البناء، والفرض أم مندوبة فقط، واستدلوا بقوله تعالى: {وَلِلْمُطَلَّقَـٰتِ مَتَـٰعٌ بِٱلْمَعْرُوفِ حَقّا عَلَى ٱلْمُتَّقِينَ} وبقوله تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ قُل لأزْوٰجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتّعْكُنَّ وَأُسَرّحْكُنَّ سَرَاحاً جميلاً} تفسير : [الأحزاب: 28] والآية الأولى عامة لكل مطلقة، والثانية في أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، وقد كنّ مفروضاً لهنّ مدخولاً بهنّ. وقال سعيد بن المسيب: إنها تجب للمطلقة إذا طلقت قبل المسيس، وإن كانت مفروضاً لها لقوله تعالى: {أية : وَكِـيلاً يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ إِذَا نَكَحْتُمُ ٱلْمُؤْمِنَـٰتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتّعُوهُنَّ }تفسير : [الأحزاب: 49] قال: هذه الآية التي في الأحزاب نسخت التي في البقرة. وذهب جماعة من أهل العلم إلى أن المتعة مختصة بالمطلقة قبل البناء. والتسمية؛ لأن المدخول بها تستحق جميع المسمى، أو مهر المثل، وغير المدخولة التي قد فرض لها زوجها فريضة، أي: سمى لها مهراً، وطلقها قبل الدخول تستحق نصف المسمى، ومن القائلين بهذا ابن عمر، ومجاهد. وقد وقع الإجماع على أن المطلقة قبل الدخول، والفرض لا تستحق إلا المتعة إذا كانت حرة. وأما إذا كانت أمة، فذهب الجمهور إلى أن لها المتعة، وقال الأوزاعي، والثوري: لا متعة لها؛ لأنها تكون لسيدها، وهو لا يستحق مالاً في مقابل تأذي مملوكته؛ لأن الله سبحانه إنما شرع المتعة للمطلقة قبل الدخول، والفرض، لكونها تتأذى بالطلاق قبل ذلك. وقد اختلفوا في المتعة المشروعة هل هي مقدّرة بقدر أم لا؟ فقال مالك، والشافعي في الجديد: لا حدّ لها معروف بل ما يقع عليه اسم المتعة. وقال أبو حنيفة: إنه إذا تنازع الزوجان في قدر المتعة وجب لها نصف مهر مثلها، ولا ينقص من خمسة دراهم؛ لأن أقل المهر عشرة دراهم. وللسلف فيها أقوال سيأتي ذكرها إن شاء الله. وقوله: {عَلَى ٱلْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى ٱلْمُقْتِرِ قَدْرُهُ } يدل على أن الاعتبار في ذلك بحال الزوج، فالمتعة من الغني فوق المتعة من الفقير. وقرأ الجمهور على الموسع بسكون الواو، وكسر السين، وهو الذي اتسعت حاله. وقرأ أبو حيوة بفتح الواو، وتشديد السين، وفتحها. وقرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وعاصم في رواية أبي بكر قدره بسكون الدال فيهما. وقرأ ابن عامر، وحمزة، والكسائي، وعاصم في رواية حفص بفتح الدال فيهما. قال الأخفش، وغيره: هما لغتان فصيحتان، وهكذا يقرأ في قوله تعالى: {أية : فَسَألَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا }تفسير : [الرعد: 17]. وقوله: {أية : وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ } تفسير : [الأنعام: 91] والمقتر المقلّ، ومتاعاً مصدر مؤكد لقوله: {وَمَتّعُوهُنَّ }. والمعروف: ما عرف في الشرع، والعادة الموافقة له. وقوله: {حَقّاً } وصف لقوله: {مَّتَـٰعًا } أو مصدر لفعل محذوف، أي: حق ذلك حقاً، يقال: حققت عليه القضاء، وأحققت، أي: أوجبت. قوله: {وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ } الآية، فيه دليل على أن المتعة لا تجب لهذه المطلقة لوقوعها في مقابلة المطلقة قبل البناء، والفرض التي تستحق المتعة. وقوله: {فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ } أي قالوا: وجب عليكم نصف ما سميتم لهنّ من المهر، وهذا مجمع عليه. وقرأ الجمهور: {فَنِصْفُ } بالرفع. وقرأ من عدا الجمهور بالنصب، أي: فادفعوا نصف ما فرضتم، وقرىء أيضاً بضم النون، وكسرها، وهما لغتان. وقد وقع الاتفاق أيضاً على أن المرأة التي لم يدخل بها زوجها، ومات، وقد فرض لها مهراً تستحقه كاملاً بالموت، ولها الميراث، وعليها العدة. واختلفوا في الخلوة هل تقوم مقام الدخول، وتستحق المرأة بها كمال المهر، كما تستحقه بالدخول أم لا؟ فذهب إلى الأول مالك، والشافعي في القديم، والكوفيون، والخلفاء الراشدون، وجمهور أهل العلم، وتجب عندهم أيضاً العدّة. وقال الشافعي في الجديد: لا يجب إلا نصف المهر، وهو ظاهر الآية لما تقدّم من أن المسيس هو الجماع، ولا تجب عنده العدّة، وإليه ذهب جماعة من السلف. قوله: {إَّلا أَن يَعْفُونَ } أي: المطلقات، ومعناه: يتركن، ويصفحن، ووزنه يفعلن، وهو استثناء مفرغ من أعمّ العام، وقيل: منقطع، ومعناه: يتركن النصف الذي يجب لهنّ على الأزواج. ولم تسقط النون مع "أن" لأن جمع المؤنث في المضارع على حالة واحدة في الرفع، والنصب، والجزم لكون النون ضميراً، وليست بعلامة إعراب كما في المذكر في قولك: الرجال يعفون، وهذا عليه جمهور المفسرين. وروى عن محمد بن كعب القرظي أنه قال: {إَّلا أَن يَعْفُونَ } يعني: الرجال، وهو ضعيف لفظاً. ومعنى قوله: {أَوْ يَعْفُوَاْ ٱلَّذِى بِيَدِهِ عُقْدَةُ ٱلنّكَاحِ } معطوف على محل قوله: «إلا أن يعفون» لأن الأول مبني، وهذا معرب؛ قيل: هو الزوج، وبه قال جبير بن مطعم، وسعيد بن المسيب، وشريح، وسعيد بن جبير، ومجاهد، والشعبي، وعكرمة، ونافع، وابن سيرين، والضحاك، ومحمد بن كعب القرظي، وجابر بن زيد، وأبو مجْلَز، والربيع بن أنس، وإياس بن معاوية، ومكحول، ومقاتل بن حيان، وهو الجديد من قول الشافعي، وبه قال أبو حنيفة، وأصحابه، والثوري، وابن شبرمة، والأوزاعي، ورجحه ابن جرير. وفي هذا القول قوّة وضعف؛ أما قوته، فلكون الذي بيده عقدة النكاح حقيقة هو الزوج؛ لأنه هو الذي إليه رفعه بالطلاق، وأما ضعفه فلكون العفو منه غير معقول، وما قالوا به من أن المراد بعفوه أن يعطيها المهر كاملاً غير ظاهر. لأن العفو لا يطلق على الزيادة. وقيل: المراد بقوله: {أَوْ يَعْفُوَاْ ٱلَّذِى بِيَدِهِ عُقْدَةُ ٱلنّكَاحِ } هو: الولي، وبه قال النخعي، وعلقمة، والحسن، وطاوس، وعطاء، وأبو الزناد، وزيد بن أسلم، وربيعة، والزهري، والأسود بن يزيد، والشعبي، وقتادة، ومالك، والشافعي في قوله القديم، وفيه قوّة وضعف؛ أما قوّته لفكون معنى العفو فيه معقولاً؛ وأما ضعفه، فلكون عقدة النكاح بيد الزوج لا بيده، ومما يزيد هذا القول ضعفاً أنه ليس للولي أن يعفو عن الزوج مما لا يملكه. وقد حكى القرطبي الإجماع على أن الوليّ لا يملك شيئاً من مالها، والمهر مالها. فالراجح ما قاله الأوّلون لوجهين: الأوّل أن الزوج هو الذي بيده عقدة النكاح حقيقة. الثاني: أن عفوه بإكمال المهر هو صادر عن المالك مطلق التصرف بخلاف الولي، وتسمية الزيادة عفواً، وإن كان خلاف الظاهر، لكن لما كان الغالب أنهم يسوقون المهر كاملاً عند العقد كان العفو معقولاً، لأنه تركه لها، ولم يسترجع النصف منه، ولا يحتاج في هذا إلى أن يقال: إنه من باب المشاكلة كما في الكشاف، لأنه عفو حقيقي أي: ترك لما يستحق المطالبة به، إلا أن يقال: إنه مشاكلة، أو يطيب في توفية المهر قبل أن يسوقه الزوج. قوله: {وَأَن تَعْفُواْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ } قيل: هو خطاب للرجال، والنساء تغليباً؛ وقرأه الجمهور بالتاء الفوقية، وقرأ أبو نهيك، والشعبي بالياء التحتية، فيكون الخطاب مع الرجال. وفي هذا دليل على ما رجحناه من أن الذي بيده عقدة النكاح هو الزوج؛ لأن عفو الوليّ عن شيء لا يملكه ليس هو أقرب إلى التقوى، بل أقرب إلى الظلم والجور. قوله: {ولا تَنسَوُاْ ٱلْفَضْلَ بَيْنَكُمْ } قرأه الجمهور بضم الواو، وقرأ يحيـى بن يعمر بكسرها، وقرأ علي، ومجاهد، وأبو حيوة، وابن أبي عبلة: «ولا تناسوا» والمعنى: أن الزوجين لا ينسيان التفضل من كل واحد منهما على الآخر، ومن جملة ذلك أن تتفضل المرأة بالعفو عن النصف، ويتفضل الرجل عليها بإكمال المهر، وهو إرشاد للرجال، والنساء من الأزواج إلى ترك التقصي على بعضهم بعضاً، والمسامحة فيما يستغرقه أحدهما على الآخر للوصلة التي قد وقعت سهماً من إفضاء البعض إلى البعض، وهي وصلة لا يشبهها، وصلة، فمن رعاية حقها، ومعرفتها حق معرفتها الحرص منهما على التسامح. وقوله: {إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } فيه من رغيب المحسن، وترهيب غيره ما لا يخفى. وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في سننه عن ابن عباس في قوله: {مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُواْ لَهُنَّ فَرِيضَةً } قال: المس: النكاح، والفريضة: الصداق {ومتعوهنّ} قال: هو على الرجل يتزوج المرأة، ولم يسم لها صداقاً، ثم يطلقها قبل أن يدخل بها. فأمره الله أن يمتعها على قدر عسره، ويسره، فإن كان موسراً متعها بخادم، وإن كان معسراً متعها بثلاثة أثواب، أو نحو ذلك. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه؛ أنه قال: متعة الطلاق: أعلاها الخادم، ودون ذلك الورق، ودون ذلك الكسوة. وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، عن ابن عمر قال: أدنى ما يكون من المتعة ثلاثون درهماً. وروى القرطبي في تفسيره عن الحسن بن علي أنه متع بعشرين ألفاً، ورقاق من عسل. وعن شريح أنه متع بخمسمائة درهم. وأخرج الدارقطني عن الحسن بن علي أنه متع بعشرة آلاف. وأخرج عبد الرزاق، عن ابن سيرين أنه كان يمتع بالخادم، والنفقة أو بالكسوة. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في سننه عن ابن عباس في قوله: {طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ } قال المسّ: الجماع، فلها نصف صداقها، وليس لها أكثر من ذلك إلا أن يعفون. وهي المرأة الثيب، والبكر يزوجها غير أبيها، فجعل الله العفو لهنّ إن شئن عفون بتركهن، وإن شئن أخذن نصف الصداق {أَوْ يَعْفُوَاْ ٱلَّذِى بِيَدِهِ عُقْدَةُ ٱلنّكَاحِ } وهو أبو الجارية البكر جعل العفو إليه ليس لها معه أمر إذا طلقت ما كانت في حجره. وأخرج الشافعي، وسعيد بن منصور، والبيهقي عن ابن عباس قال في الرجل يتزوج المرأة، فيخلو بها ولا يمسها، ثم يطلقها: ليس لها إلا نصف الصداق؛ لأن الله يقول: {فَإن طَلَّقْتُمُوهُنَّ } الآية. وأخرج البيهقي عن ابن مسعود قال: لها نصف الصداق، وإن جلس بين رجليها. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، والطبراني في الأوسط، والبيهقي بسند حسن، عن ابن عمرو، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : الذي بيده عقدة النكاح الزوج»تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، والدارقطني، والبيهقي، عن عليّ مثله من قوله. وأخرج عبد بن حميد، وابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، والبيهقي عن ابن عباس مثله. وأخرج ابن أبي حاتم، والبيهقي عنه قال: هو أبوها، وأخوها، ومن لا تنكح إلا بإذنه. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير عن مجاهد في قوله: {وَلاَ تَنسَوُاْ ٱلْفَضْلَ بَيْنَكُمْ } قال: في هذا، أو غيره. وأخرج عبد الرزاق، وابن أبي شيبة، وأحمد، وأبو داود، والترمذي وصححه، والنسائي، وابن ماجه، والحاكم، وصححه البيهقي؛ أن قوماً أتوا ابن مسعود، فقالوا: إن رجلاً تزوج منا امرأة، ولم يفرض لها صداقاً، ولم يجمعها إليه حتى مات، فقال: أرى أن أجعل لها صداقاً كصداق نسائها، لا وَكَسَ، ولا شطط، ولها الميراث، وعليها العدة أربعة أشهر وعشر، فسمع بذلك ناس من أشجع منهم: مَعقِل بن سنان، فقالوا: نشهد أنك قضيت مثل الذي قضى به رسول الله صلى الله عليه وسلم في امرأة منا يقال لها: بِروَع بنت واشق. وأخرج سعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، والبيهقي عن عليّ؛ أنه قال في المتوفي عنها زوجها، ولم يفرض لها صداقاً: لها الميراث، وعليها العدّة، ولا صداق لها. وقال: لا يقبل قول أعرابي من أشجع على كتاب الله. وأخرج الشافعي، والبيهقي، عن ابن عباس قال في المرأة التي يموت عنها زوجها، وقد فرض لها صداقاً: لها الصداق، والميراث. وأخرج مالك، والشافعي، وابن أبي شيبة، والبيهقي، عن عمر بن الخطاب أنه قضى في المرأة يتزوجها الرجل: أنه إذا أرخيت الستور، فقد وجب الصداق. وأخرج ابن أبي شيبة، والبيهقي، عن عُمَر، وَعلي قال: إذا أرخى ستراً، وأغلق باباً، فلها الصداق كاملاً، وعليها العدّة. وأخرج سعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، والبيهقي، عن زرارة بن أوْفى قال: قضى الخلفاء الراشدون أنه مَنْ أغلق باباً، أو أرخى ستراً، فقد وجب الصداق، والعدّة. وأخرج مالك، والبيهقي عن زيد بن ثابت نحوه. وأخرج البيهقي، عن محمد بن ثوبان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : من كشف امرأة، فنظر إلى عورتها، فقد وجب الصداق".
الماوردي
تفسير : قوله تعالى: {لاَ جُنَاحَ عَلَيكُم إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ} وقرأ حمزة والكسائي: {تُمَاسُّوهُنَّ}. {أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً}. وفيه قولان: أحدهما: معناه ولم تفرضوا لهن فريضة. والثاني: أن في الكلام حذفاً وتقديره: فرضتم أو لم تفرضوا لهن فريضة. والفريضة: الصدق وسمي فريضة لأنه قد أوجبه لها، وأصل الفرض: الواجب، كما قال الشاعر: شعر : كانت فريضة ما أتيت كما كان الزِّناءُ فَريضةَ الرجْمِ تفسير : وكما يقال: فرض السلطان لفلان في الفيء، يعني أوجب له ذلك. ثم قال تعالى: {وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الموسر قَدَرُهُ وَعَلَى المُقْتِر قَدَرُهُ} أي أعطوهن ما يتمتعن به من أموالكم على حسب أحوالكم في الغنى والإقتار. واختلف في قدر المتعة على ثلاثة أقاويل: أحدها: أن المتعة الخادم، ودون ذلك الوَرِق، ودون ذلك الكسوة، وهو قول ابن عباس. والثاني: أنه قدر نصف صداق مثلها، وهو قول أبي حنيفة. والثالث: أنه مُقَدَّر باجتهاد الحاكم، وهو قول الشافعي. ثم قال تعالى: {مَتَاعاً بِالْمَعْرُوفِ حَقَّاً عَلَى الْمُحْسِنِينَ} واختلفوا في وجوبها على أربعة أقاويل: أحدها: أنها واجبة لكل مطلقة، وهو قول الحسن، وأبي العالية. والثاني: أنها واجبة لكل مطلقة إلا غير المدخول بها، فلا متعة لها، وهو قول ابن عمر، وسعيد بن المسيب. والثالث: أنها واجبة لغير المدخول بها إذا لم يُسمّ لها صداق، وهو قول الشافعي. والرابع: أنها غير واجبة، وإنما الأمر بها ندب وإرشاد، وهو قول شريح، والحكم.
ابن عطية
تفسير : هذا ابتداء إخبار برفع الجناح عن المطلق قبل البناء والجماع، فرض مهراً أو لم يفرض، ولما نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن التزوج لمعنى الذوق وقضاء الشهوة وأمر بالتزوج طلباً للعصمة والتماس ثواب الله وقصد دوام الصحبة وقع في نفوس المؤمنين أن من طلق قبل البناء قد واقع جزءاً من هذا المكروه، فنزلت الآية رافعة للجناح في ذلك إذا كان أصل النكاح على المقصد الحسن. وقال قوم: {لا جناح عليكم} معناه لا طلب بجميع المهر بل عليكم نصف المفروض لمن فرض لها والمتعة لمن لم يفرض لها، وقال قوم: {لا جناح عليكم} معناه في أن ترسلوا الطلاق في وقت حيض بخلاف المدخول بها، وقال مكي: "المعنى لا جناح عليكم في الطلاق قبل البناء لأنه قد يقع الجناح على المطلق بعد أن كان قاصداً للذوق، وذلك مأمون قبل المسيس"، والخطاب بالآية لجميع الناس، وقرأ أبو عمرو وابن كثير ونافع وعاصم وابن عامر "تمسوهن" بغير ألف، وقرأ الكسائي وحمزة "تُماسوهن" بألف وضم التاء، وهذه القراءة الأخيرة تعطي المس من الزوجين، والقراءة الأولى تقتضي ذلك بالمعنى المفهوم من المس، ورجحها أبو علي لأن أفعال هذا المعنى جاءت ثلاثية على هذا الوزن: نكح وسفد وقرع وذقط وضرب الفحل، والقراءتان حسنتان، و {تفرضوا} عطف على " تمسوا"، وفرض المهر إثباته وتحديده، وهذه الآية تعطي جواز العقد على التفويض لأنه نكاح مقرر في الآية مبين حكم الطلاق فيه، قاله مالك في المدونة، والفريضة الصداق، وقوله تعالى: {ومتعوهن} معناه أعطوهن شيئاً يكون متاعاً لهن، وحمله ابن عمر وعلي بن أبي طالب والحسن بن أبي الحسن وسعيد ابن جبير وأبو قلابة والزهري وقتادة والضحاك بن مزاحم على الوجوب، وحمله أبو عبيد ومالك بن أنس وأصحابه وشريح وغيرهم على الندب، ثم اختلفوا في الضمير المتصل بـــ"متعوا" من المراد به من النساء؟، فقال ابن عباس وابن عمر وعطاء وجابر بن زيد والحسن والشافعي وأحمد وإسحاق وأصحاب الرأي: المتعة واجبة للمطلقة قبل البناء والفرض، ومندوبة في غيرها، وقال مالك وأصحابه: المتعة مندوب إليها في كل مطلقة وإن دخل بها إلا في التي لم يدخل بها وقد فرض لها، فحسبها ما فرض لها ولا متعة لها، وقال أبو ثور: لها المتعة ولكل مطلقة، وأجمع أهل العلم على أن التي لم يفرض لها ولم يدخل بها لا شيء لها غير المتعة، فقال الزهري: يقضي لها بها القاضي، وقال جمهور الناس: لا يقضي بها، قاله شريح، ويقال للزوج: إن كنت من المتقين والمحسنين فمتع ولم يقض عليه. قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: وهذا مع إطلاق لفظ الوجوب عند بعضهم، وأما ربط مذهب مالك فقال ابن شعبان: المتعة بإزاء غم الطلاق ولذلك ليس للمختلعة والمبارئة والملاعنة متعة، وقال الترمذي وعطاء والنخعي: للمختلعة متعة، وقال أصحاب الرأي: للملاعنة متعة، قال ابن القاسم: ولا متعة في نكاح مفسوخ، قال ابن المواز: ولا فيما يدخله الفسخ بعد صحة العقد مثل ملك أحد الزوجين صاحبه، وروى ابن وهب عن مالك أن المخيرة لها المتعة بخلاف الأمة تعتق تحت العبد فتختار، فهذه لا متعة لها، وأما الحرة تخير أو تملك أو يتزوج عليها أمة فتختار هي نفسها في ذاك كله فلها المتعة، لأن الزوج سبب الفراق، وعليها هي غضاضة في أن لا تختار نفسها. واختلف الناس في مقدار المتعة، فقال ابن عمر: "أدنى ما يجزىء في المتعة ثلاثون درهماً أو شبهها"، وروي أن ابن حجيرة كان يقضي على صاحب الديوان بثلاثة دنانير، وقال ابن عباس: "أرفع المتعة خادم ثم كسوة ثم نفقة"، وقال عطاء: "من أوسط ذلك درع وخمار وملحفة"، وقال الحسن: "يمتع كل على قدره: هذا بخادم، وهذا بأثواب، وهذا بثوب وهذا بنفقة"، وكذلك يقول مالك بن أنس، ومتع الحسن بن علي بعشرين ألفاً وزقاق من عسل، ومتع شريح بخمسمائة درهم، وقالت أم حميد بن عبد الرحمن بن عوف: "كأني انظر إلى خادم سوداء متع بها عبد الرحمن بن عوف زوجه أم أبي سلمة"، وقال أصحاب الرأي وغيرهم: متعة التي تطلق قبل الدخول والفرض نصف مهر مثلها لا غير، وقوله تعالى {على الموسع قدره وعلى المقتر قدره} دليل على رفض التحديد، وقرأ الجمهور "على الموْسِع" بسكون الواو وكسر السين بمعنى الذي أوسع أي اتسعت حاله، وقرأ أبو حيوة: "الموسَّع" بفتح الواو وشد السين وفتحها، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم في رواية أبي بكر "قدْره" بسكون الدال في الموضعين، وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي وعاصم في رواية حفص "قدَره" بفتح الدال فيهما، قال أبو الحسن الأخفش وغيره: هما بمعنى لغتان فصيحتان، وكذلك حكى أبو زيد، تقول: خذ قدر كذا وقدر كذا بمعنى، ويقرأ في كتاب الله {أية : فسالت أودية بقدرها} تفسير : [الرعد: 17] وقدرها، وقال: {أية : وما قدروا الله حق قدره} تفسير : [الأنعام: 91]، ولو حركت الدال لكان جائزاً، و {المقتر}: المقل القليل المال، و {متاعاً} نصب على المصدر وقوله تعالى {بالمعروف} أي لا حمل فيه ولا تكلف على أحد الجانبين، فهو تأكيد لمعنى قوله {على الموسع قدره وعلى المقتر قدره}، ثم أكد تعالى الندب بقوله {حقاً على المحسنين} أي في هذه النازلة من التمتيع هم محسنون، ومن قال بأن المتعة واجبة قال: هذا تأكيد الوجوب، أي على المحسنين بالإيمان والإسلام، فليس لأحد أن يقول لست بمحسن على هذا التأويل، و {حقاً} صفة لقوله {متاعاً}، أو نصب على المصدر وذلك أدخل في التأكيد للأمر.
ابن عبد السلام
تفسير : {أَوْ تَفْرِضُواْ} بمعنى "ولم تفرضوا" أو "فرضتم أو لم تفرضوا" فحذف فرضتم. {فَرِيضَةً} صداقاً، سمي بذلك، لأنه أوجبه على نفسه، وأصل الفرض الواجب {وَمَتِّعُوهُنَّ} بمال ينتفعن به بقدر نصف صداق المثل، أو يقدرها الحاكم باجتهاده، أو خادم ودون ذلك الوَرِق، ودون ذلك الكسوة وهي واجبة لكل مطلقة، أو لغير المدخول بها إذا لم يسمِّ لها صداقاً، أو لكل مطلقة إلا غير المدخول بها، أو هي مندوب إليها.
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة} أي ولم تمسوهن ولم تفرضوا لهن فريضة يعني ولم تعينوا لهن صداقاً ولم توجبوه عليكم. نزلت في حديث : رجل من الأنصار تزوج امرأة من بني حنيفة ولم يسم لها صداقاً، ثم طلقها قبل أن يمسها، فنزلت هذه الآية فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أمتعها ولو بقلنسوتك"تفسير : . فإن قلت: هل على من طلق امرأته جناح بعد المسيس حتى يوضع عنه الجناح قبل المسيس فما وجه نفي الحرج والجناح عنه؟ قلت، فيه سبب قطع الوصلة: وما جاء في الحديث: "حديث : إن أبغض الحلال إلى الله الطلاق" تفسير : فنفى الله الجناح عنه إذا كان الفراق أروح من الإمساك، وقيل معناه لا حرج عليكم في تطليقهن قبل المسيس في أي وقت شئتم حائضاً كانت المرأة أو طاهراً، لأنه لا سنة في طلاقهن قبل الدخول {ومتعوهن} أي أعطوهن من مالكم ما يتمتعن به والمتعة والمتاع ما يتبلغ به من الزاد {على الموسع} أي الغنى الذي يكون في سعة من غناه {قدره} أي قدر إمكانه وطاقته {وعلى المقتر} أي الفقير الذي هو في ضيق من فقره {قدره} أي قدر إمكانه وطاقته {متاعاً بالمعروف} يعني متعوهن تمتيعاً بالمعروف يعني من غير ظلم ولا حيف {حقاً} أي حق ذلك التمتع حقاً واجباً لازماً {على المحسنين} يعني إلى المطلقات بالتمتع، وإنما خص المحسنين بالذكر لأنهم الذين ينتفعون بهذا البيان. وقيل: معناه من أراد أن يكون من المحسنين، فهذا شأنه وطريقه. والمحسن هو المؤمن. فصل: في بيان حكم الآية وفيه فروع الفرع الأول: إذا تزوج امرأة ولم يفرض لها مهراً ثم طلقها قبل المسيس يجب لها عليه المتعة، وبه قال الشافعي وأبو حنيفة وأحمد. وقال مالك: المتعة مستحبة ولو طلقها قبل الدخول، وقد فرض لها مهراً وجب لها عليه نصف المهر المفروض ولا متعة لها عليه. الفرع الثاني المطلقة المدخول بها: فيها قولان قال في القديم: لا متعة لها لأنها تستحق المهر كاملاً، وبه قال أبو حنيفة، وهو إحدى الروايتين عن أحمد. وقال في الجديد: لها المتعة لقوله تعالى: {وللمطلقات متاع بالمعروف} وهو الرواية الأخرى عن أحمد قال ابن عمر: لكل مطلقة متعة إلاّ التي فرض لها المهر ولم يدخل بها زوجها فحسبها نصف المهر. الفرع الثالث في قدر المتعة: قال ابن عباس: أعلاها خادم، وأوسطها ثلاثة أثواب درع وخمار وإزار، وأقلها دون ذلك وقاية أو مقنعة أو شيء من الورق وهو مذهب الشافعي لأنه قال أعلاها على الموسع خادم وأوسطها ثوب وأقلها ما له ثمن وحسن ثلاثون درهماً. وروي أن عبدالرحمن بن عوف طلق امرأته وحممها، يعني متعها جارية سوداء، ومتع الحسن بن علي زوجته بعشرة آلاف درهم فقالت. متاع قليل من حبيب مفارق. وقال أبو حنيفة: مبلغها إذا اختلف الزوجان قدر نصف مهر مثلها لا يجاوز وقال أحمد في إحدى الروايتين عنه تتقدر بما تجزي فيه الصلاة وقال في الرواية الأخرى تتقدر بتقدير الحاكم، والآية تدل على أن المتعة تعتبر بحال الزوج في اليسر والعسر وأنه مفوض إلى الاجتهاد لأنها كالنفقة التي أوجبها الله تعالى للزوجات، وبين أن حال الموسر مخالف حال المعسر في ذلك. الفرع الرابع: ومن حكم الآية أن من تزوج امرأة بالغة برضاها على غير مهر صح النكاح، ولها مطالبته بأن يفرض لها صداقاً، فإن دخل بها قبل الفرض فلها عليه مهر مثلها وإن طلقها قبل الفرض والدخول فلها المتعة.
ابن عرفة
تفسير : قوله تعالى: {لاَّ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ}. وجه الفصل كونها جملة خبرية والأولى طلبية فلذلك لم يعطفها عليها. قال ابن مالك: وإلا فالقاعدة أن الجملتين إذا كانتا متقاربتين في المعنى لم يعطف. قوله تعالى: {مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ...}. ابن عرفة هذا كما (قال) غير مرة: إن من أكثر ما وردت (لَمْ) في القرآن لنفي الماضي المتصل بزمن الحال قال: و (أو) هنا بمعنى الواو. كما قال ابن راشد، وهو الصحيح، لأنها إذا كانت على بابهما أعني (للتنويع) لزم نفي الجناح (عمن طلق بعد الدخول في نكاح التفويض، وإذا كانت بمعنى الواو فيكون المراد برفع الجناح) بسقوط نصف الصداق) بالطلاق. قوله تعالى: {وَمَتِّعُوهُنَّ...}. قال ابن عرفة: إنما عطف هذه وهي أمر على ما قبلها وهي خبر لأن قبلها تضمن حكم الطّلاق وهو سبب في الأمر بالمتعة والسببية ظاهرة فلذلك عطفت (بالواو) ولو كانت خفية لعطفت بالفاء. قال ابن عرفة في مختصره الفقهي: المتعة ما يؤمر الزوج بإعطائه الزوجة لطلاقه إياها، والمعروف أنّها مستحبة يؤمر بها ولا يقضى بها ولا (تحاصص). قال ابن زرقون في المبسوط عن محمد بن مسلمة هي واجبة (يقضي بها) (لأنه) لا يأبى أن يكون من المحسنين ولا المتقين إلاّ رجل سوء. قال ابن عرفة: ولأن رأي المتقدمين أن المؤمن والمتقي متساويان ولأن قوله: {أية : حَقّاً عَلَى ٱلْمُتَّقِينَ}تفسير : يقتضي عموم تعلقها بكل مسلم لأنه متق الشرك وقوله "عَلَى الْمُحْسِنِينَ" مفهومه عدم تعلقها بمن ليس بمحسن من المسلمين فيتعارض العموم والمفهوم والأصح عند الأصوليين أن العموم مقدم ونقله اللَّخمي ولم يعزه وعزاه الإمام ابن عبد السلام لابن حبيب. قال ابن عرفة: قال أبو عمران: إنما يقدر حال المرأة، وابن عبد البر يقدر حال الرجل وابن رشد (يقدر) حالهما. قال ابن عرفة: وهي لكل مطلقة في عصمة لا رجعة فيها ولا خيار على الزوج. وفي المدونة ما نصّه: لا متعة لمختلعة ولا مصالحة ولا ملاعنة ولا مطلقة قبل البناء. وقد فرض لها اللخمي. ولا مفتدية ولا متبارية ولا من اختارت نفسها لعتقها ولا من فسخ نكاحها ولم تعارض. قال الإمام ابن رشد: ظاهر قول ابن القاسم إن طلّق فيما يفسخ بطلاق فسخه، فلا متعة عليه. اللخمي: إن فسخ الرضاع بأمر الزوج رأيت / عليها المتعة وإن اشترى زوجته لم يمتعها لبقائها معه ولو اشترى بعضها متّعها، وأما المخيرة والمملكة فقال الإمام ابن رشد: روى ابن وهب: أنّ لهما المتعة. وقال ابن خويز منداد: لا متعة لهما، وقال ابن يونس: لمن اختارت نفسها بتزويج أمة عليها المتعة، انتهى. قال ابن عرفة: المطلقة لا متعة لها في البائن دون الرجعي فإن ماتت في العدة فالظاهر أن المطلق يرث من تلك المتعة. قيل لابن عرفة: لا يرث لأنّه إذا كان الطلاق بائنا فلا متعة ولا ميراث، وإن كانت رجعية فقد ماتت قبل أن تجب لها لأنها إنّما تجب لها بعد انقضاء العدة؟ فقال إنّما (أجّلنا) المتعة بانقضاء العدة رجاء أن يرتجعها قبل تمامها فإذا ماتت ذهبت تلك العدة. قيل لابن عرفة: إنما هي جبر لقلبها ففي الموت لا متعة؟ فقال: قد قالوا: إنّها تجب. وقرىء "عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ". واستشكلها ابن عرفة بحذف المجرور. وقد انتقد القرافي على الفخر الرازي تسميته كتاب المحصول، لأن اسم المفعول من الفعل الذي لا يتعدى إلا بحرف الجر لايجوز أن يحذف مجروره، وأجابوا: بأن ذلك اسم عَلَمٍ سمّاه بالمحصول كما قال تعالى {أية : عِندَ سِدْرَةِ ٱلْمُنتَهَىٰ}تفسير : لكن ذلك الجواب لا يتصور هنا. وأجيب: بأن هذا يتعدى بنفسه تقول: وسعت المكان والدار والطريق ووسعت الأمر: - قال الله تعالى: {أية : وَسِعَ كُرْسِيُّهُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ }. تفسير : _ وقال: {أية : وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ }.
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالى: {لاَّ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُواْ لَهُنَّ فَرِيضَةً} هذا ابتداءُ إِخبارٍ برفع الجُنَاحِ عن المُطَلِّق قبل البِنَاءِ والجِمَاعِ، فَرَض مَهْراً أو لم يَفْرِضْ، ولمَّا نهَىٰ رسُولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم عن التزوُّج لمعنَى الذَّوْقِ، وقضَاءِ الشَّهْوةِ، وأمر بالتزوُّج، طلباً للعصْمَة، وٱلتماسِ ثَوَابِ اللَّهِ، وقَصْدِ دوامِ الصُّحْبَةِ، وقع في نُفُوسِ المؤمنِينَ؛ أنَّ من طلَّق قبل البناء قد واقع جزءاً من هذا المكروه، فنزلَتِ الآية رافعةً للجُنَاحِ في ذلك، إِذا كان أصْل النَّكاح علَى المَقْصِد الحَسَن. وقال قَوْمٌ: {لاَّ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ}: معناه: لا طَلَبَ لجميعِ المَهْر، بل عليكُمْ نصْفُ المفروض لِمَنْ فرض لها، والمتعةُ لمن لم يُفْرَضْ لها، وفَرْضُ المهرِ: إثباتُه، وتحديدُهُ، وهذه الآية تُعْطِي جوازَ العَقْد على التفْويض؛ لأنه نكاحٌ مقرَّر في الآية، مُبَيَّنٌ حكْمُ الطلاق فيه؛ قاله مالك في «المدوّنة». والفريضَةُ: الصداق. وقوله تعالى: {وَمَتِّعُوهُنَّ}. أي: أعطوهنَّ شيئاً يكون متاعاً لهنَّ، وحمله ابن عُمَر وغيره على الوجُوبِ، وحمله مالكٌ وغيره على الندْبِ، واختلف النَّاس في مقدارِ المُتْعة، قال الحَسَن: يمتَّع كلٌّ على قدْره، هذا بخادم، وهذا بأثوابٍ، وهذا بثوبٍ، وهذا بنفقةٍ، وكذلك يقول مالك. وقوله تعالى: {عَلَى ٱلْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى ٱلْمُقْتِرِ قَدَرُهُ}: دليلٌ علَىٰ رفض التحديد، والمُوسِعُ: أي: من اتسع حالُه، والمُقْتِر: المقلُّ القليلُ المالِ، و {مَتَـٰعًا }: نصبٌ على المصدر. وقوله تعالى: {بِٱلْمَعْرُوفِ}، أي: لا حمل فيه، ولا تكلُّف على أحد الجانبَيْنِ، فهو تأْكيدٌ لمعنى قوله: {عَلَى ٱلْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى ٱلْمُقْتِرِ قَدَرُهُ }، ثم أكَّد تعالى الندْبَ بقوله: {حَقًّا عَلَى ٱلْمُحْسِنِينَ }، أي: في هذه النازلةِ من التمتيعِ هُمْ محسِنُون، ومن قال؛ بأنَّ المتعةَ واجبةٌ، قال: هذا تأكيدٌ للوجوب، أي: على المحسنينَ بالإِيمان والإِسلام، و {حَقًّا}: صفةٌ لقوله تعالَىٰ: {مَتَـٰعًا}. * ت *: وظاهر الآيةِ عمومُ هذا الحكْمِ في جميع المطلَّقات؛ كما هو مذهبُ الشافعيِّ، وأحمد، وأصحاب الرأْي، والظاهرُ حمل المُتْعَة على الوجوبِ؛ لوجوه، منها: صيغةُ الأمر، ومنها: قولُه: {حَقًّا }، ومنْها: لفظةُ «عَلَىٰ»، ومنها: من جهة المعنَىٰ: ما يترتَّب علَىٰ إِمتاعها من جَبْر القلوبِ، وربَّما أدَّىٰ ترك ذلك إِلى العَدَاوة والبَغْضاء بَيْن المؤمنين، وقد مال بعضُ أئمَّتنا المتأخِّرين إِلى الوجوب. انتهى. وقوله تعالى: {وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ...} الآية: ٱختلف في هذه الآية، فقالتْ فرقةٌ، فيها مالك: إِنها مُخْرِجَةٌ للمطلَّقة بعد الفَرْض من حُكْم التمتيعِ؛ إِذ يتناولها. قوله تعالى: {وَمَتِّعُوهُنَّ}: وقال قتادةُ: نَسَخَتْ هذه الآيةُ الآيةَ الَّتي قبلها، وقال ابن القاسِمِ في «المدوَّنة»: كان المتاعُ لكلِّ مطلَّقة؛ بقوله تعالَىٰ: {أية : وَلِلْمُطَلَّقَـٰتِ مَتَـٰعٌ بِٱلْمَعْرُوفِ }، تفسير : [البقرة:241]، ولغير المدخولِ بها بالآيةِ الَّتي في سورة «الأحزاب»، فٱستثنى اللَّه سبحانَهُ المَفْرُوضَ لها قَبْل الدخولِ بهذه الآية، وأثبت لها نصْفَ ما فَرَضَ فقَطْ، وزعم زيْدُ بْنُ أسْلَم؛ أنها منسوخة، حكى ذلك في «المدوَّنة» عن زيد بن أسْلَم زعْماً. وقال ابن القاسِمِ: إنها استثناءٌ، والتحرير يردُّ ذلك إِلى النسخ الَّذي قال زيْدٌ؛ لأنَّ ابْنَ القاسِمِ قال: إِن قولَه تعالَىٰ: {أية : وَلِلْمُطَلَّقَـٰتِ مَتَـٰعٌ }تفسير : [البقرة:241] عمَّ الجميعَ، ثم استثنَى اللَّه منْه هذه التي فُرِضَ لها قبل المَسِيسِ، وقال فريق من العلماء، منهم أبو ثَوْر: المُتْعَة لكلِّ مطلَّقة عموماً، وهذه الآية إِنما بينت أن المفروض لها تأخُذُ نصْفَ ما فرض، أي: مع مُتْعَتها، وقرأ الجمهورُ: «فَنِصْفُ»؛ بالرفع، والمعنى: فالواجبُ نصْفُ ما فرضْتُمْ. وقوله تعالى: {إِلاَّ أَن يَعْفُونَ}: ٱستثناءٌ منقطعٌ، و «يَعْفُونَ»: معناه: يتركْنَ ويصفحْنَ، أي: يتركْن النِّصْفَ الذي وجَبَ لهنَّ عند الزوْجِ، وذلك إِذا كانت المرأةُ تمْلِكُ أمْرَ نَفْسِها. واختلف في المرادِ بقوله تعالَىٰ: {أَوْ يَعْفُوَاْ ٱلَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ ٱلنِّكَاحِ }. فقال ابن عَبَّاس، ومُجَاهدٌ، ومالكٌ، وغيرهم: هو الوليُّ الذي المَرْأَة في حِجْره، وقالتْ فرْقَة: الذي بيده عُقْدة النكاح هو الزَّوْج، فعلى القول الأول: الندْبُ في النَّصْف الذي يجبُ للمرأة إِمَّا أن تعفو هي، وإِما أن يعفو وليُّها، وعلى القول الثَّاني: إِما أنْ تعفو هي أيضاً؛ فلا تأخذَ شيئاً، وإِما أن يعفو الزوْجُ عن النِّصْفِ الذي يُحَطُّ، فيؤدّي جميع المَهْر، ثم خاطب تعالَى الجميعَ؛ نادباً بقوله: {وَأَن تَعْفُواْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ}، أي: يا جميعَ الناسِ، وقرأ عليُّ بن أبي طالبٍ. وغيره: «وَلاَ تَنَاسَوا الفَضْلَ»، وهي قراءةٌ متمكِّنة المعنَىٰ؛ لأنه موضع تناسٍ، لا نسيان إِلا على التشْبيه. وقوله تعالى: {وَلاَ تَنسَوُاْ ٱلْفَضْلَ}: ندْبٌ إِلى المجاملة. وقوله: {إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} خَبَرٌ، وضمنه الوَعْد للمحسِنِ والحِرْمان لغير المُحسن.
ابن عادل
تفسير : قوله: "مَا لَمْ" فى "مَا" ثلاثة أقوالٍ: أظهرها: أن تكون مصدريةً ظرفيةً، تقديره: مدَّة عدم المسيس، كقوله تعالى: {أية : خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ ٱلسَّمَٰوَاتُ وَٱلأَرْضُ}تفسير : [هود:107] وقوله: {أية : وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَّا دُمْتُ فِيهِمْ}تفسير : [المائدة:117]. وقول الآخر: [الكامل] شعر : 1143- إِنِّي بِحَبْلِكَ وَاصِلٌ حَبْلِي وَبِرِيشِ نَبْلِكَ رَائِشٌ نَبْلِي مَا لَمْ أَجِدْكَ عَلَى هُدَى أَثَرٍ يَقْرُو مَقَصَّكَ قَائِفٌ قَبْلِي تفسير : والثاني: أن تكون شرطيةً، بمعنى "إِنْ" نقله أبو البقاء. وليس بظاهرٍ؛ لأنه يكون حينئذٍ من باب اعتراض الشرط على الشرط، فيكون الثانى قيداً فى الأول؛ نحو: "إِنْ تَأْتِ إِنْ تُحْسِنْ إِلَيَّ أُكْرِمْكَ" أي: إن أتيت محسناً، وكذا فى الآية الكريمة: إن طلَّقتموهنَّ غير ماسِّين لهنَّ، بل الظاهر: أنَّ هذا القائل إنما أراد تفسير المعنى؛ لأنَّ "مَا" الظرفية مشبَّهة بالشرطيَّة، ولذلك تقتضي التعميم. والثالث: أن تكون موصولة بمعنى "الَّذِي"، وتكون للنساء؛ كأنه قيل: إن طلَّقتم النِّساء اللاَّئى لم تمسُّوهنَّ، وهو ضعيفٌ، لأنَّ "مَا" الموصولة لا يوصف بها، وإن كان يوصف بـ "الَّذِي"، و "الَّتي"، وفروعهما. وقرأ الجمهور: "تَمَسُّوهُنَّ" ثلاثيّاً وهى واضحةٌ؛ لأن الغشيان من فعل الرجل؛ قال تعالى حكاية عن مريم {أية : وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ}تفسير : [مريم:20]. وقرأ حمزة والكسائيُّ فى الأحزاب "تُمَاسُّوهُنَّ" من المفاعلة، فيحتمل أن يكون "فَاعَلَ" بمعنى "فَعَلَ" كـ "سَافَرَ"، فتوافق الأولى، ويحتمل أن تكون على بابها من المشاركة؛ كما قال تعالى: {أية : مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَآسَّا}تفسير : [المجادلة:3]، وأيضاً: فإنَّ الفعل من الرجل والتمكين من المرأة، ولذلك قيل لها زانيةٌ، ورجَّح الفارسيّ قراءة الجمهور؛ بأنَّ أفعال هذا الباب كلَّها ثلاثيّةٌ؛ نحو: نَكَحَ، فَرَعَ، سَفَدَ، وضَرَبَ الفَحْلُ. قال تعالى: {أية : لَمْ يَطْمِثْهُنَّ}تفسير : [الرحمن:74]، وقال: {أية : فَٱنكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ}تفسير : [النساء:25]، وأمّا قوله فى الظّهار: {أية : مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَآسَّا}تفسير : [المجادلة:3] فالمراد به المماسَّة التى هي غير الجماع، وهي حرام فى الظهار. قوله: "أَوْ تَفْرِضُواْ" فيه أربعة أوجهٍ: أحدها: أنه مجزوم عطفاً على "تَمَسُّوهُنَّ"، و "أَوْ" على بابها من كونها لأحد الشيئين، قاله ابن عطيَّة. والثاني: أنه منصوب بإضمار "أَنْ" عطفاً على مصدر متوهَّم، و "أَوْ" بمعنى "إِلاَّ"، التقدير: ما لم تَمَسُّوهُنَّ إلا أن تفرضوا؛ كقولهم: "لأَلْزَمَنَّكَ أَوْ تَقْضِيَني حَقِّي" قاله الزمخشريُّ. والثالث: أنه معطوف على جملةٍ محذوفةٍ، تقديره: "فَرَضْتُمْ أَوْ لَم تَفْرِضُوا"، فيكون هذا من باب حذف الجزم وإبقاء عمله، وهو ضعيفٌ جدًّا، وكأنَّ الذي حسَّن هذا كون لفظ "لَمْ" موجوداً قبل ذلك. والرابع: أن تكون "أَوْ" بمعنى الواو. قال تعالى: {أية : وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَآءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتاً أَوْ هُمْ قَآئِلُونَ}تفسير : [الأعراف:4] أي: وهم قائلون {أية : وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَىٰ مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ}تفسير : [الصافات:147] أي: ويزيدون، وقوله: {أية : وَلاَ تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً}تفسير : [الإنسان:24] وقوله: {أية : وَإِنْ كُنْتُمْ مَّرْضَىٰ}تفسير : [النساء:43] معناه وجاء أحدٌ منكم من الغائط، وأنتم مرضى أو مسافرون. قال ابن الخطيب: فإذا تأمَّلت هذا القول، علمت أنّه متكلفٌ، بل خطأٌ قطعاً، والفرض في اللغة: التقدير، أي: تقدِّروا لهن شيئاً. قوله: "فَرِيضَةً" فيه وجهان: أظهرهما: أنه مفعولٌ به، وهو بمعنى مفعولة، أي: إلاَّ أن تفرضوا لهنَّ شيئاً مفروضاً. والثاني: أن تكون منصوبةٌ على المصدر بمعنى فرضاً، واستجود أبو البقاء الوجه الأول؛ قال: "وأَنْ يكونَ مفعولاً به، وهو الجَيِّدُ" والموصوف محذوفٌ، تقديره: متعةً مفروضةً. فصل في سبب النزول حديث : هذه الآية نزلت في رجلٍ من الأنصار تزوج امرأة من بنى حنيفة ولم يسمِّ لها مهراً، ثم طلَّقها قبل أن يمسَّها؛ فنزلت هذه الآية؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" مَتِّعْهَا وَلَوْ بِقَلَنْسُوَتِك" . تفسير : قوله: "وَمَتِّعُوهُنَّ": قال أبو البقاء: "وَمَتِّعُوهِنَّ" معطوف على فعل محذوفٍ، تقديره: "فَطلِّقوهنَّ ومتِّعوهنَّ"، وهذا لا حاجة إليه؛ فإنَّ الضمير المنصوب في "مَتِّعُوهُنَّ" عائدٌ على المطلَّقات قبل المسيس، وقبل الفرض، المذكورين في قوله: {إِن طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ...} إلى آخرها. فإن قيل: ظاهر الآية مشعرٌ بأن نفي الجناح عن المطلق مشروطٌ بعدم المسيس، وليس كذلك، فإنّه لا جناح عليه ـ أيضاً ـ بعد المسيس. فالجواب من وجوه: الأول: أنّ الآية دالةٌ على إباحة الطلاق قبل المسيس مطلقاً في زمان الحيض، وغيره؛ فكان عدم المسيس شرطاً في إباحة الطلاق مطلقاً. الثاني: ما قدمناه من أنَّ "مَا" بمعنى "الذي"، والتقدير: إن طلقتم النساء اللاتي لم تمسُّوهنَّ؛ إلاَّ أنَّ "ما" اسمٌ جامدٌ لا ينصرف، ولا يبين فيه الإعراب، وعلى هذا فلا تكون "مَا" شرطاً فزال السؤال. الثالث: قال القفال: إن المراد من الجناح في هذه الآية لزوم المهر، وتقديره: لا مهر عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسُّوهنَّ أو تفرضوا لهنَّ فريضة، يعني: لا يجب المهر إلاّ بأحد هذين الأمرين، فإذا فقدا جميعاً لم يجب المهر. قال ابن الخطيب: وهذا ظاهر، وبيان أنَّ قوله: "لاَ جُنَاحَ" معناه: لاَ مَهْرَ؛ لأنَّ إطلاق لفظ "الجنَاحِ" على المهر محتملٌ؛ لأن أصل الجناح في اللغة: الثقل، يقال: جَنَحتِ السفينة، إذا مالت بثقلها، والذنب يسمَّى جناحاً؛ لما فيه من الثِّقل، قال تعالى: {أية : وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَّعَ أَثْقَالِهِمْ}تفسير : [العنكبوت:13]، وإذا ثبت أن الجناح هو الثقل، ولزوم أداء المال ثقل، فكان جُنَاحاً، ويدلُّ على أنَّ هذا هو المراد وجهان: الأول: أنه تعالى قال: {لاَّ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُواْ لَهُنَّ فَرِيضَةً} نفى الجناح محدوداً إلى غاية، وهي إمَّا المسيس، أو الفرض والتقدير، فوجب أن يثبت ذلك الجناح عند حصول أحد هذين الأمرين، ثم إنَّ الجناح الذي يثبت عند أحد هذين الأمرين، هو لزوم المهر. الوجه الثاني: أنَّ تطليق النساء قبل المسيس، وبعد تقدير المهر، وهو المذكور في الآية التي بعدها، هو تقدير المهر، وقد أوجب فيه نصف المهر وهذا كالمقابل له، فوجب أن يكون الجناح المنفي عنه هناك، هو المثبت هاهنا، فلما كان المثبت في الآية التي بعدها، هو لزوم المهر، وجب أن يقال: الجناح المنفي في هذه الآية هو لزوم المهر. قوله: {عَلَى ٱلْمُوسِعِ قَدَرُهُ} جملةٌ من مبتدأ وخبر، وفيها قولان: أحدهما: أنها لا محلَّ لها من الإعراب، بل هي استئنافيَّةٌ بيَّنت حال المطلِّق بالنسبة إلى إيساره وإقتاره. والثاني: أنها في موضع نصب على الحال، وذو الحال فاعل "مَتِّعُوهُنَّ". قال أبو البقاء: "تقديره: بقَدر الوُسْعِ"، وهذا تفسير معنًى، وعلى جعلها حاليةً: فلا بدَّ من رابطٍ بينها وبين صاحبها، وهو محذوفٌ، تقديره: على المُوسِع مِنْكُمْ، ويجوز على مذهب الكوفيين ومن تابعهم: أن تكون الألف واللام قامت مقام الضمير المضاف إليه، تقديره: "عَلَى مُوسِعِكُمْ قَدَرُهُ". وقرأ الجمهور: "المُوسِعِ" بسكون الواو وكسر السين، اسم فاعل من أوسَعَ يُوسِعُ، وقرأ أبو حيوة بفتح الواو وتشديد السين، اسم مفعولٍ من "وَسَّعَ". وقرأ حمزة والكسائيُّ وابن ذكوان وحفصً: "قَدَرهُ" بفتح الدال في الموضعين، والباقون بسكونها. واختلفوا: هل هما بمعنًى واحدٍ، أو مختلفان؟ فذهب أبو زيد والأخفش، وأكثر أئمة العربية إلى أنهما بمعنًى واحدٍ، حكى أبو زيدٍ: "خُذْ قَدَرَ [كَذَا] وقَدْرَ كَذَا"، بمعنًى واحدٍ، قال: "ويُقْرَأُ في كتاب الله: {أية : فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا}تفسير : [الرعد:17]، و "قَدْرِهَا"، وقال: {أية : وَمَا قَدَرُواْ ٱللهَ حَقَّ قَدْرِهِ}تفسير : [الأنعام:91] ولو حركت الدال، لكان جائزاً. وذهب جماعةٌ إلى أنهما مختلفان، فالساكن مصدرٌ والمتحرك اسمٌ؛ كالعدِّ والعدد، والمدِّ والمدد، وكأنَّ القدر بالتسكين الوسع، يقال: "هُوَ يُنْفِقُ عَلَى قَدْرِهِ" أي وسعه، وقيل: بالتَّسكين الطاقة، وبالتحريك المقدار، قال أبو جعفر: "وَأَكثرُ ما يُسْتَعْمَل بالتحْرِيكِ، إذا كان مساوياً للشيء، يقال: هَذَا عَلَى قَدَرِ هَذَا". وقرأ بعضهم بفتح الراء، وفي نصبه وجهان: أحدهما: أن يكون منصوباً على المعنى. قال أبو البقاء: وهو مفعولٌ على المعنى؛ لأنَّ معنى "مَتِّعُوهُنَّ" [لِيُؤَدِّ كُلٌّ مِنْكُمْ قَدَرَ وُسْعِهِ" وشرح ما قاله: أن يكون من باب التضمين، ضمَّن "مَتِّعُوهُنَّ"] معنى "أَدُّوا". والثاني: أن يكون منصوباً بإضمار فعلٍ، تقديره: فأوجبوا على الموسع قدره، وجعله أبو البقاء أجود من الأول، وفي السَّجاونديِّ: "وقال ابن أبي عبلة: قَدَرَهُ، أي: قَدَرَهُ اللهُ" انتهى. وظاهر هذا: أنه قرأ بفتح الدال والراء، فيكون "قَدَرَهُ" فعلاً ماضياً، وجعل فيه ضميراً فاعلاً يعود على الله تعالى، والضمير المنصوب يعود على المصدر المفهوم من "مَتِّعُوهُنَّ"، والمعنى: أنَّ الله قدر وكتب الإمتاع على الموسع وعلى المقتر. قوله: "مَتَاعاً" في نصبه وجهان: أحدهما: أنه منصوبٌ على المصدر، وتحريره أنه اسم مصدرٍ؛ لأنَّ المصدر الجاري على صدره إنَّما هو التمتيع، فهو من باب: {أية : أَنبَتَكُمْ مِّنَ ٱلأَرْضِ نَبَاتاً}تفسير : [نوح:17]. وقال أبو حيَّان: قالوا: انتصَبَ على المصدرِ؛ وتحريرُهُ: أن المتاع هو ما يمتع به، فهو اسمٌ له، ثم أطلق على المصدر؛ على سبيل المجاز، والعامل فيه: "وَمَتِّعُوهُنَّ" قال شهاب الدين: وفيه نظرٌ؛ لأنَّ المعهود أن يطلق المصدر على أسماء الأعيان؛ كضربٍ بمعنى مضروبٍ، وأمَّا إطلاق الأعيان على المصدر، فلا يجوز، وإن كان بعضهم جوَّزه على قلَّةٍ؛ نحو قولهم: "تِرْباً وَجَنْدَلاً" و "أَقَائِماً، وَقَدْ قَعَدَ النَّاسُ"، والصحيح أن "تِرْباً" ونحوه مفعولٌ به، و "قائماً" نصبٌ على الحال. [والثاني من وجهي "مَتَاعاً" أن ينتصب على الحال]، والعامل فيه ما تضمَّنه الجارُّ والمجرور من معنى الفعل، وصاحب الحال ذلك الضمير المستكنُّ في ذلك العامل، والتقدير: قدر الموسع يستقرُّ عليه في حال كونه متاعاً. قوله: "بِٱلْمَعْرُوفِ" فيه وجهان: أحدهما: أن يتعلَّق بـ "مَتِّعُوهُنَّ"، فتكون الباء للتعدية. والثاني: أن يتعلَّق بمحذوفٍ على أنه صفةٌ لـ "مَتَاعاً"؛ فيكون في محلِّ نصبٍ، والباء للمصاحبة، أي: متاعاً ملتبساً بالمعروف. قوله: "حَقّاً" في نصبه أربعة أوجه: أحدها: أنه مصدرٌ مؤكِّدٌ لمعنى الجملة قبله؛ كقولك: "هَذَا ابْنِي حَقّاً" وهذا المصدر يجب إضمار عامله، تقديره: حَقَّ ذلك حقّاً، ولا يجوز تقديم هذا المصدر على الجملة قبله. والثاني: أن يكون صفةً لـ "مَتَاعاً"، أي: متاعاً واجباً على المحسنين. والثالث: أنه حالٌ ممَّا كان حالاً منه "مَتَاعاً" وهذا على رأي من يجيز تعدُّد الحال. والرابع: أن يكون حالاً من "المَعْرُوفِ"، أي: بالذي عرف في حال وجوبه على المحسنين، و "عَلَى المُحْسِنِينَ" يجوز أن يتعلَّق بـ "حَقًّا"؛ الواجب، وأن يتعلَّق بمحذوفٍ؛ لأنه صفةٌ له. فصل اعلم أن المطلقات أربعة أقسام: القسم الأول: وهو ألاَّ يؤخذ منهم على الفراق شيءٌ ظلماً، وأخبر أن لهن كمال المهر، وعليهن العدَّة. القسم الثاني: المطلقة قبل الدُّخول، وقد فرض لها - وهي المذكورة في الآية التي بعد هذه - وبيَّن أنَّ لها نصف المفروض لها، وبيّن في سورة الأحزاب أنَّ لا عدَّة على غير المدخول بها؛ فقال: {أية : إِذَا نَكَحْتُمُ ٱلْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا}تفسير : [الأحزاب:49]. القسم الرابع: المطلقة بعد الدُّخول، ولم يكن فرض لها، وحكم هذا القسم، مذكورٌ في قوله تعالى: {أية : فَمَا ٱسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ}تفسير : [النساء:24]. والقياس أيضاً يدلّ عليه، فإنّ الأمَّة مجمعةٌ على أن الموطوءة بشبهةٍ لها مهر المثل، والموطوءة بنكاحٍ صحيحٍ، أولى بهذا الحكم. فصل تمسك بعضهم بهذه الآية على أنَّ جمع الثلاثة ليس بحرامٍ، قالوا: لأن قوله: {لاَّ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ} يتناول جميع أنواع التطليق بدليل أنّه يصحُّ استثناء الثلاث منها، فيقال: لا جناح عليكم إن طلَّقتم النساء إلاّ إذا طلَّقتموهنَّ بثلاث تطليقاتٍ فإنّ عليكم الجناح، وحكم الاستثناء إخراج ما لولاه لدخل، وعلى هذا فتتناول هذه الآية جميع أنواع التطليق مفرداً أو مجموعاً. قال ابن الخطيب: وهذا الاستدلال ضعيفٌ؛ لأن الآية دالَّةٌ على تحصيل هذه الماهيَّة في الوجود، ويكفي في العمل بها إدخاله في الوجود مرَّةً واحدةً، ولهذا قلنا: إنَّ الأمر المطلق لا يفيد التكرار، كما إذا قال لامرأته: إن دخلت الدار، فأنت طالقٌ، فإن اليمين انعقدت على المرّة الواحدة فقط، فثبت أنَّ هذا اللفظ لا يتناول حالة الجمع، وأمَّا الاستثناء فإنَّه يشكل بالأمر، لأنّه لا يفيد التكرار بالاتفاق من المحقّقين، مع أنَّه يصحُّ أن يقال: صلِّ إلاَّ في الوقت الفلانيّ. فصل في جواز عقد النكاح بغير مهر قال بعض العلماء: دلَّت هذه الآية على أنَّ عقد النكاح بغير المهر جائزٌ. وقال القاضي: لا تدلُّ على الجواز، لكنها تدلُّ على الصِّحة، فإنّه لو لم يكن صحيحاً، لم يكن الطلاق مشروعاً، ولم تلزم المتعة، ولا يلزم من الصِّحة الجواز، بدليل أنّ الطلاق في زمن الحيض حرامٌ وإذا أوقعه صحَّ. فصل بيَّن في هذه الآية أن المطلقة قبل الدخول والفرض، لها المتعة، وقد تقدّم تفسير "المُتْعَةِ" في قوله: {أية : فَمَن تَمَتَّعَ بِٱلْعُمْرَةِ}تفسير : [البقرة:196]. واعلم أنَّ المطلَّقة قبل الدخول، إن كان قد فرض لها، فلا متعة لها في قول الأكثرين؛ لأن الله تعالى أوجب في حقِّها نصف المهر، ولم يذكر المتعة، ولو كانت واجبةً، لذكرها. وإن لم يكن فرض لها فلها المتعة؛ لهذه الآية. قال القرطبي: من جهل المتعة حتَّى مضت أعوامٌ، فليدفع ذلك إليها، وإن تزوَّجت، وإلى ورثتها إن ماتت، رواه ابن المواز، عن ابن القاسم. وقال أصبغ: لا شيء عليه، إن ماتت؛ لأنها تسليةٌ للزوجة عن الطَّلاق، وقد فات ذلك. ووجه الأول: أنه حقٌّ ثبت عليه، فينتقل إلى ورثتها، كسائر الحقوق. واختلفوا في المطلَّقة بعد الدُّخول، فذهب جماعةٌ: إلى أنه لا متعة لها؛ لأنها تستحق المهر، وهو قول أصحاب الرأي. وذهب جماعةٌ: إلى أنَّ لها المتعة؛ لقوله تعالى: {أية : وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِٱلْمَعْرُوفِ}تفسير : [البقرة:241]، وهو قول عبد الله بن عمر، وبه قال عطاء، ومجاهد، والقاسم بن محمد، وإليه ذهب الشافعيُّ قال: لأنها تستحقُّ المهر بمقابلة إتلاف منفعة البضع، ولها المتعة على وحشة الفراق. وقال الزُّهريُّ: متعتان يقضي بإحداهما السلطان، وهي المطلقة قبل الفرض، والمسيس، وهي قوله: {حَقّاً عَلَى ٱلْمُحْسِنِينَ} ومتعةٌ تلزمه فيما بينه وبين الله تعالى لا يقضي بها السلطان وهي المطلقة بعد الفرض والمسيس وهي قوله: "حَقّاً عَلَى المتَّقين". وذهب الحسن، وسعيد بن جبير: إلى أنَّ لكل مطلقةٍ متعةٌ، سواء كان قبل الفرض، والمسيس، أو بعده؛ كقوله تعالى: {أية : وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِٱلْمَعْرُوفِ}تفسير : [البقرة:241]؛ ولقوله في سورة الأحزاب: {أية : فَمَتِّعُوهُنَّ}تفسير : [الأحزاب:49] وقال الآخر: المتعة غير واجبةٍ، والأمر بها أمر ندبٍ، واستحباب. روي أنَّ رجلاً طلّق امرأته، وقد دخل بها؛ فخاصمته إلى شريح في المتعة؛ فقال شريحٌ: لا تأب أن تكون من المحسنين، ولا تأب أن تكون من المتَّقين، ولم يجبره على ذلك. فصل في بيان مقدار المتعة اختلفوا في قدر المتعة، فروي عن ابن عباس: أعلاها خادمٌ، وأوسطها ثلاثة أثواب: درع، وخمار، وإزار، ودون ذلك وقاية، أو شيء من الورق. وبه قال الشَّعبيُّ، والزُّهريُّ، وهو مذهب الشافعي، وأحمد. قال الشافعي: أعلاها على الموسع: خادم، وأوسطها: ثوبٌ، وأقلُّها: أقل ماله ثمن حسنٌ ثلاثون درهماً، "وَعَلَى ٱلْمُقْتِرِ" مقنعة. وروي عن ابن عباس أنّه قال: أكثر المتعة خادمٌ، وأقلها مقنعة، وأيُّ قدر أدَّى، جاز في جانبي الكثرة، والقلة. وطلَّق عبد الرحمن بن عوف امرأته وجمعها جاريةً سوداء، أي: متَّعها. ومتَّع الحسن بن عليٍّ امراته بعشرة آلاف درهم، فقالت: متاعٌ قليلٌ من حبيبٍ مفارق. وقال أبو حنيفة: المتعة لا تزاد على نصف مهر المثل، قال: لأن حال المرأة التي يسمَّى لها المهر، أحسن من حال التي لم يسمَّ لها، فإذا لم يجب لها زيادةٌ على نصف المسمَّى، إذا طلِّقت قبل الدُّخول، فلأن لا يجب زيادةٌ على نصف مهر المثل أولى. فصل في دلالة الآية على حال الزوج من الغنى والفقر. دلَّت الآية على أنَّه يعتبر حال الزوج: في الغنى، والفقر؛ لقوله: {عَلَى ٱلْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى ٱلْمُقْتِرِ قَدَرُهُ}. وقال بعض العلماء: يعتبر حالهما وهو قول القاضي. وقال أبو بكرٍ الرَّازي: يعتبر في المتعة حال الرجل؛ للآية، وفي مهر المثل حالها، وكذلك في النفقة، واحتج القاضي بقوله: "بِٱلْمَعْرُوفِ" فإنّ ذلك يدلُّ على حالهما؛ لأنه ليس من المعروف أن يسوِّي بين الشريفة، الوضيعة. فصل إذا مات أحدهما قبل الدُّخول، والفرض؛ اختلف أهل العلم في أنها هل تستحقُّ المهر، أم لا؟ فذهب عليٌّ، وزيد بن ثابتٍ، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباسٍ: إلى أنَّه لا مهر لها، كما لو طلَّقها قبل الفرض، والدخول. وذهب قومٌ إلى أنَّ لها المهر، لأن الموت كالدخول في تقدير المسمَّى، فكذلك في إيجاب مهر المثل، إذا لم يكن في العقد مسمى، وهو قول الثَّوريِّ، وأحمد، وأصحاب الرَّأي. واحتجَّوا بما روى علقمة، عن ابن مسعود: أنَّه سئل عن رجل تزوَّج امرأةً، ولم يفرض لها صداقاً، ولم يدخل بها حتى مات. قال ابن مسعود: لها صداق نسائها؛ لا وكس، ولا شطط؛ وعليها العدَّة، ولها الميراث؛ فقام معقل بن يسار الأشجعيِّ، فقال: "قَضَى رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم في بَروعَ بنت واشقٍ - امْرَأَةٍ مِنَّا - مِثْلَ مَا قَضَيْتَ"، ففرح بها ابن مسعود. وقال الشَّافعيُّ: فإن ثبت حديث بروع بنت واشق، فلا حجَّة في قول أحد دون النبيِّ صلى الله عليه وسلم. وإن لم يثبت، فلا مهر لها؛ ولها الميراث. وكان عليٌّ - رضي الله عنه - يقول في حديث بروع: لا تقبل قول أعربيٍّ من أشجع، على كتاب الله، وسنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم. فصل في اختلافهم في الخلوة إنَّما خصَّ المحسنين؛ لأنهم المنتفعون بهذا البيان، كقوله: {أية : إِنَّمَآ أَنتَ مُنذِرُ مَن يَخْشَاهَا}تفسير : [النازعات:45]. وقال أبو مسلم: من أراد أن يكون من المحسنين، فهذا شأنه، وطريقه، والمحسن: هو المؤمن؛ فيكون المعنى: أنَّ العمل بما ذكرت هو طريق المؤمنين، وقيل: "حَقّاً عَلَى ٱلْمُحْسِنِينَ" إلى أنفسهم في المسارعة إلى طاعة الله تعالى.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه من طريق علي عن ابن عباس في قوله {لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة} قال: المس النكاح، والفريضة الصداق {ومتعوهن} قال: هو على الرجل يتزوّج المرأة ولم يسم لها صداقاً، ثم يطلقها قبل أن يدخل بها، فأمره الله أن يمتعها على قدر عسره ويسره، فإن كان موسراً أمتعها بخادم أو نحو ذلك، وإن كان معسراً أمتعها بثلاثة أثواب أو نحو ذلك. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق عكرمة عن ابن عباس قال: متعة الطلاق أعلاه الخادم، ودون ذلك الورق، ودون ذلك الكسوة. وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر والبيهقي عن ابن عمر. أنه أمر موسعاً بمتعة فقال: تعطي كذا وتكسو كذا، فحسب فوجد ثلاثين درهماً. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن ابن عمر قال: أدنى ما يكون من المتعة ثلاثون درهماً. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: إذا طلق الرجل امرأته قبل أن يفرض لها وقبل أن يدخل بها فليس لها إلا المتعة.
ابو السعود
تفسير : {لاَّ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ} أي لا تِبعةَ من مهرٍ وهو الأظهرُ وقيل: من وِزْر، إذ لا بدعةَ في الطلاق قبل المسيس وقيل: كان النبـيُّ صلى الله عليه وسلم يكثر النهيَ عن الطلاق فظُن أن فيه جُناحاً فنُفيَ ذلك {إِن طَلَّقْتُمُ ٱلنّسَاء مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ} أي ما لم تجامعوهن، وقرىء تُماسُّوهن بضم التاء في جميع المواقع أي مدة عدمِ مِساسِكم إياهن، على أن ما مصدريةٌ ظرفية بتقدير المضاف، ونقل أبو البقاءِ أنها شرطية بمعنى إن فيكون من باب اعتراض الشرط على الشرط فيكون الثاني قيداً للأول كما في قولك: إنْ تأتِني إن تُحسِنْ إلي أكرمْك أي إن تأتني محسِناً إليَّ والمعنى إن طلقتموهن غيرَ ماسِّين لهن، وهذا المعنى أقعَدُ من الأول لما أن ما الظرفية إنما يحسُن موقعُها فيما إذا كان المظروفُ أمراً ممتداً منطبقاً على ما أضيف إليها من المدة أو الزمان كما في قوله تعالى:{أية : خَـٰلِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأرْضَ } تفسير : [هود، الآية 107] وقوله تعالى: {أية : وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَّا دُمْتُ فِيهِمْ }تفسير : [المائدة، الآية 117] ولا يخفى أن التطليقَ ليس كذلك، وتعليقُ الظرف بنفي الجُناحِ ربما يوهم إمكانَ المسيسِ بعد الطلاق، فالوجهُ أن يقدَّرَ الحالُ مكان الزمان والمدة {أَوْ تَفْرِضُواْ لَهُنَّ فَرِيضَةً} أي إلا أن تفرِضوا أو حتى تفرضوا لهن عند العقد مَهراً، على أن فريضة فعلية بمعنى مفعول، والتاءُ لنقل اللفظ من الوصفية إلى الاسمية، وانتصابُه على المفعولية ويجوز أن يكون مصدراً صيغةً وإعراباً، والمعنى أنه لا تِبعَةَ على المطلِّق بمطالبة المَهر أصلاً إذا كان الطلاقُ قبل المسيس على كل حال إلا في حال تسمية المهرِ فإن عليه حينئذٍ نصفَ المسمَّى، وفي حال عدمِ تسميتِه عليه المتعةُ لا نصفُ مَهرِ المثل وأما إذا كان بعد المسيسِ فعليه في صورة التسمية تمامُ المسمَّى، وفي صورة عدمها تمامُ مَهر المثل وقيل: كلمةُ أو عاطفةٌ لمدخولها على ما قبلها من الفعل المجزومِ على معنى ما لم يكن منكم مسيسٌ ولا فرضُ مَهرٍ. {وَمَتّعُوهُنَّ} عطفٌ على مقدّر ينسحبُ عليه الكلام أي فطلِّقوهن ومتِّعوهن، والحكمةُ في إيجاب المتعة جبرُ إيحاش الطلاقِ وهي دِرعٌ ومِلْحفة وخِمار على حسب الحال كما يُفصِحُ عنه قوله تعالى: {عَلَى ٱلْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى ٱلْمُقْتِرِ قَدْرُهُ} أي ما يليق بحال كلَ منهما وقرىء بسكون الدال وهي جملةٌ مستأنفةٌ لا محلَّ لها من الإعراب مبـينةٌ لمقدار المتعة بالنظر إلى حال المطلِّق إيساراً وإقتاراً، أو حالٌ من فاعل متِّعوهن بحذف الرابط أي على الموسع منكم الخ أو على جعل الألف واللام عوضاً من المضاف إليه عند من يجوّزه أي على موسعكم الخ وهذا إذا لم يكن مهرُ مثلِها أقل من ذلك فإن كان أقل فلها الأقلُ من نصف مهر المثل ومن المتعة ولا يُنقص عن خمسة دراهم {مَّتَـٰعًا} أي تمتيعاً {بِٱلْمَعْرُوفِ} أي بالوجه الذي تستحسنه الشريعةُ والمروءة {حَقّاً} صفةٌ لمتاعاً أو مصدرٌ مؤكد أي حُقَّ ذلك حقاً {عَلَى ٱلْمُحْسِنِينَ} أي الذين يُحسنون إلى أنفسهم بالمسارعة إلى الامتثال، أو إلى المطلقات بالتمتيع بالمعروف وإنما سموا محسنين اعتباراً للمشارفة وترغيباً وتحريضاً.
القشيري
تفسير : إنْ ابتلاءَ تَمَّ بوصيلة أشكالكم ثم بدالكم فلا جناح عليكم في اختيار الفرقة - إذا أردتم - فإن الذي لا يجوز اختيار فرقته - واحد؛ فأَما صحبة الخَلْق بعضهم مع بعض فليس بواجب، بل غاية وصفة أنه جائز. ولمَّا وقع عليهن اسمكم فنصف المسمَّى يجب لهن، فإِن الفراق - كيفما كان - فهو شديد، فجعل ما يستحق من العوض كالخَلفِ لها عند تجرع كأس الفرقة. فإن لم يكن مسمًّى فلا يخلو العقد من متعة؛ فإن تجرع الفرقة - مجرداً عن الراحة - بلاء عظيم.
اسماعيل حقي
تفسير : {لا جناح عليكم} المراد من الجناح فى هذه الآية وجوب المهر اى لا تبعة من مهر {إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن} اى غير ماسين لهن ومجامعين. قال ابن الشيخ الظاهر ان كلمة ما مصدرية ظرفية والزمان محذوف تقديره مدة عدم المسيس {أو تفرضوا لهن فريضة} كلمة او بمعنى الا ان كقولك لالزمنك او تعطينى حقى اى الا ان تفرضوا لهن عند العقد مهرا والمعنى انه لا تبعة على المطلق بمطالبة المهر اصلا اذا كان الطلاق قبل المسيس على كل حال الا فى تسمية المهر فان عليه حينئذ نصف المسمى وفى حال عدم تسميته عليه المتعة لانصف مثل المهر واما اذا كان بعد المساس فعليه فى صورة التسمية تمام المسمى وفى صورة عدمها تمام مهر المثل {ومتعوهن} عطف على مقدر اى فطلقوهن ومتعوهن اى اعطوهن ما يتبلغن وينتفعن به والحكمة فى ايجاب المتعة جبر لما اوحشها الزوج بالطلاق وهو درع وهو ما يستر البدن وملحفة وهو ما يستر المرأة عند خروجها من البيت وخمار وهو ما يستر الرأس على حسب الحال كما يفصح عنه قوله تعالى {على الموسع} يقال اوسع الرجل اذا اتسع حاله فصار ذا سعة وغنى اى الذى له سعة {قدره} امكانه وطاقته {وعلى المقتر} يقال اقتر الرجل اذا افتقر وصار ذا قترة. والقترة الغبار وهو قليل من التراب اى على المقل الضيق الحال {قدره} فالمتعة معتبرة بحاله لا بحالها لا تنقص عن خمسة دراهم ولا تزاد على نصف مهر المثل لان المسمى اقوى من مهر المثل والمتعة لا تزاد على نصف المسمى فلان لا تزيد على نصف مهر المثل اولى. والقدر والقدر لغتان وذهب جماعة الى ان الساكن مصدر والمتحرك اسم كالعد والعدد والمد والمدد والقدر بالتسكين الوسع يقال هو ينفق على قدره اى على وسعه وبالتحريك المقدار {متاعا} اسم لمصدر الفعل المذكور من قبيل قوله تعالى {أية : أنبتكم من الأرض نباتا} تفسير : [نوح: 17]. اى تمتيعا ملتبسا {بالمعروف} اى بالوجه الذى يستحسنه الشرع والمروءة {حقا} صفة متاعا اى متاعا واجبا {على المحسنين} اى الذين يحسنون الى انفسهم بالمسارعة الى الامتثال. قال ابن التمجيد اعلم ان للمطلقة اربع حالات. الاولى ان تكون غير ممسوسة ولم يسم لها مهر. والثانية ان تكون ممسوسة وسمى لها. والثالثة ان تكون ممسوسة ولم يسم لها. والرابعة ان تكون غير ممسوسة وسمى لها ورفع الجناح بمعنى نفر المهر انما هو فى الصورة الاولى لا فى البواقى من الصور الثلاث فان فيها وجوب المهر ولم يجب فى الصورة الاولى مهر لا بعضا ولا كلا اما عدم وجوب البعض فلان مهر المثل لا ينصف واما عدم وجوب الكل فلكونها غير مدخول بها ولكن لها المتعة لقوله تعالى {ومتعوهن} فانه فى حق من جرى ذكرهن وهى المطلقات الغير الممسوسة التى لم يفرض لهن فريضة اذ لو فرضت لكان لهن تمام المهر لا المتعة.
ابن عجيبة
تفسير : قلت: {ما} مصدرية ظرفية، و {أو تفرضوا} معطوف على {تمسوهن} أي: لا تبعة عليكم ولا إثم إن طلقتم النساء قبل البناء، مدة كونكم لم تمسوهن ولم تفرضوا لهن مهراً، و {إلا أن يعفون} مبنى؛ لاتصاله بنون النسوة، ووزنه: يفعُلن كقوله تعالى:{أية : السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَى مِمَّا يَدْعُنَنِى إِلَيْهِ}تفسير : [يُوسُف: 33]، وقوله:{أية : وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسآءِ الَّتِى لاَ يَرْجُونَ نِكَاحاً}تفسير : [النُّور: 60]، و {حقّاً} مفعول مطلق. يقول الحقّ جلّ جلاله: لا حرج عليكم من إثم أو صداق، {إن طلقتم النساء} مدة كونكم {لم تمسوهن} بالجماع، {ولم تفرضوا لهن فريضة} من الصداق، فطلقوهن حينئذٍ، {ومتعوهن} أي: اعطوهن ما يتمتعن به ويجبر كسرهن، على قدر حال الزوج؛ {على الموسع} أي: الغنى، {قدره} من المتعة كأمة أو كسوة أو مال يليق بحاله، {وعلى المقتر} أي: الذي تقتر رزقه، أي ضيق عليه، وهو الفقير، {حقّاً على المحسنين} أي: حقّ ذلك عليهم حقّاً. حمل مالكُ الأمْرَ على الندب، وحمله غيره على الوجوب، وهو الظاهر. وإن طلقتموهن بعد المسيس فالصداق كامل، {وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن} صداقاً {فنصف ما فرضتم} يجب عليكم، {إلا أن يعفون} أي: النساء، عن نصف الصداق، {أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح}، وهو الأب في ابنته البكر؛ قاله مالك، أو الزوج بأن يدفعه كاملاً، قاله الشافعي، {وأن تعفوا} أيها الأولياء عن الزوج، فلا تقبضوا منه شيئاً، {أقرب للتقوى}؛ لأن المرأة لم يذهب لها شيء فسلُعتُها قائمة، {ولا تنسوا الفضل} والإحسان {بينكم} فتسامحوا يسمح لكم، {إن الله بما تعملون بصير} لا يخفى عليه شيء من أعمالكم، فيجازي المحسن بإحسانه، {والله يحب المحسنين}. الإشارة: من المريدين من تحصل له الغيبة عن نفسه، والجذب عنها، بعد أن يمسها بالمجاهدة والمكابدة، فحينئذٍ يمتعها بالشهود والعيان، وهذه طريق الجادة. ومنهم من تحصيل له الغيبة عن نفسه والجذب عنها قبل أن يمسها، ويجاهدها، وهو نادر بالنسبة إلى الأول، فيقال لهؤلاء الفريق: لا جناح عليكم إن طلقتم أنفسكم، وغبتم عنها، من قبل أن تمسوها، وقبل أن تعرضوا عليها وظائف العبودية. ومتعوهن بالشهود والعيان على قدر وسعكم وقوة شهودكم، على الموسع قدره من لذة الشهود، وعلى المقتر - أي: المضيق عليه في المعرفة - قدره من لذة الشهود، حق ذلك حقّاً على المحسنين الذي حازوا مقام الإحسان، وفازوا بالشهود والعيان. وإن حصل لكم جذب العناية، وطلقتم أنفسكم قبل أن تمسوها، وقد كنتم وظفتم عليها أوراداً من وطائف العبودية؛ فنصف ما فرضتم، وهو المهم منها؛ لأن عبادتها صارت قلبية، فيكفيها من العبادة القالبية المهم، إلا أن تقوى على ذلك مع الشهود. أو يأمرها الذي بيده عقدة نكاحها، وهو الشيخ، فلا يضرها الاشتغال بها حيث كان بإذْن، وأن تعفوا، أيها الشيوخ، عن المريدين في العبادة الحسيّة، وتأمروهم بالعبادة القلبية، أقرب للتقوى الكاملة، وهي تقوى السَّوَى. والله تعالى أعلم. ولما ذكر الحقّ تعالى شأن النساء، حذر من الاشتغال بهن عن العبادة.
الطوسي
تفسير : القراءة: قرأ حمرة، والكسائي، وخلف "تماسوهن" بضم التاء وبألف ها هنا موضعان، وموضع في الأحزاب، وقرأ أبو جعفر وأهل الكوفة إلا أبا بكر، وابن ذكوان "قدره" بفتح الدال في الموضعين. الباقون باسكانها. المعنى: المفروض صداقها داخلة في دلالة الآية وإن لم يذكر، لأن التقدير ما لم تمسوهن ممن قد فرضتم لهن أو لم تفرضوا لهن فريضة، لأن أو تنبىء عن ذلك، لأنه لو كان على الجمع لكان بالواو. والفريضة المذكورة في الآية: الصداق، بلا خلاف، لأنه بجب بالعقد للمرأة، فهو فرض لوجوبه بالعقد. ومتعة التي لم يدخل بها ولا يسمى لها صداق على قدر الرجل، والمرأة، قال ابن عباس، والشعبي، والربيع: خادم أو كسوة أو رزق، وهو المروي عن أبي جعفر وأبي عبد الله (ع). وقيل مثل نصف صداق تلك المرأة المنكوحة، حكى ذلك عن أبي حنيفة وأصحابه. وفي وجوب المتعة لكل مطلقة خلاف. قال الحسن وأبو العالية: المتعة لكل مطلقة إلا المختلعة، والمبارية، والملاعنة. وقال سعيد بن المسيب: المتعة التي لم يسم لها صداق، خاصة، وهو المروي عن أبي جعفر وأبي عبد الله (ع). وقد روي أيضاً أنها لكل مطلقة، وذلك على وجه الاستحباب. والمتعة للتي لم يدخل بها ولم يعرض لها يجبر عليها السلطان، وهو قول أهل العراق. وقال أهل المدينة وشريح يؤمر لها، ولا يجبر عليها. اللغة: والموسع: الغني في سعة من ماله لعياله. والمقتر: الذي في ضيق لفقره، تقول: أقتر الرجل إقتاراً: إذا أقلّ، فهو مقتر أي مقلّ، وقترت الشيء أقتره قتراً، وأقترته إقتاراً، وقترّته تقتيراً: إذا ضيقت الانفاق منه. والقتار: دخان الشحم على النار، ونحوه، لغلبته بالاضافة الى بقيته. والقتر: الغبار. والقترة: ما يغشى الوجه من غير الموت، والكرب، لأنه كالقتار أو كالغبار يغشى الوجه، وفي التنزيل {أية : ترهقها قترة}تفسير : والقتير: مسامير الدروع، لقلتها وصغرها. والقتير ابتداء الشيب، لقلته. ويجوز أن يكون مشبهاً بالدخان أول ما يرتفع. والقترة ناموس الصائد، لأنها كالقتار باخفائه إياها. ورجل قاتر: حسن الأخذ من ظهر البعير لا يعقره لقلة ما يأخذ منه، وأصل الباب الاقلال. وابن قترة: حية خبيثة لا ينجو سليمها. المعنى: والمتوفى عنها زوجها إذا لم يفرض لها صداق عليها العدة - بلا خلاف - ولها الميراث إجماعاً. وقال الحسن والضحاك وأكثر الفقهاء. لها صداق مثلها. وحكى الجبائي عن بعض الفقهاء: أنه لا مهر لها، وهو الذي يليق بمذهبنا، ولا نص لأصحابنا فيها. الاعراب، والمعنى: ويحتمل نصب {متاعاً} وجهين: أحدهما - أن يكون حالا من قدره، لأنه معرفة، والعامل فيه الظرف. والثاني - على المصدر، والعامل فيه {ومتعوهن}. ويحتمل نصب حقا وجهين: أحدهما - أن يكون حالا من "بالمعروف حقاً" والعامل فيه معنى عرف حقا. الثاني - على التأكيد، لجملة الخبر كأنه قيل: أخبركم به حقا كأنه قيل: إيجاباً "على المحسنين" وإنما خص التي لم يدخل بها بالذكر في رفع الجناح دون المدخول بها بالذكر وإن كان حكمهما واحداً لأمرين: أحدهما - لأزالة الشك في الحرج على هذا الطلاق. والثاني - لأن له أن يطلق أي وقت شاء، وليس كذلك حكم المدخول بها، لأنه يجب أن يطلقها للعدة. {وقدره} على تقدير أعطوهن قدر الوسع كما يقال: أخذ صدقاتهن لكل أربعين شاة بالرفع، والنصب. وقال الشاعر في تسكين الدال: شعر : وما صبّ رجلي في حديد مجاشع مع القدر إلا حاجة لي أريدها تفسير : وقال آخر: شعر : ألا يالقومي للنوائب والقدر! وللأمر يأتي المرء من حيث لا يدري تفسير : قال أبو زيد: قدر القوم: أمرهم يقدرونه قدراً، وهذا قدر هذا أي مثله، وقدر الله الرزق يقدره. وروى السكوني يقدره قدراً. وقدرت الشيء بالشيء أقدره قدراً. وقدرت على الأمر أقدر عليه قدرة، وقدوراً؛ وقدارة. ونسأل الله خير القدر. وقال أبو الصقر: هذا قدر هذا، وأحمل قدر ما تطيق. قال أبو الحسن: هو القدر، والقدر. وخذ منه بقدر كذا، وقدر كذا: لغتان فيه. وقوله: {أية : فسالت أودية بقدرها} تفسير : وقدرها. الحجة: ومن قرأ {تمسوهن} بلا الف، فلقوله تعالى: {أية : ولم يمسسني بشر}تفسير : فانه من جاء على (فعل)، وكذلك قوله: {أية : لم يطمثهن إِنس قبلهم ولا جان} تفسير : ومن قرأ "تماسوهن بالف"، لأن (فاعل)، و (فعل) قد يراد بكل واحد منهما ما يراد بالآخر، نحو طابقت النعل وعاقبت اللصّ، ولا يلزم على ذلك في آية الظهار {أية : من قبل أن يتماسّا}تفسير : لأن المماسة محرمة في الظهار على كل واحد من الزوجين للآخر، فلذلك لم يجز إلا {من قبل أن يتماسا}. وفي الآية دليل على أن العقد بغير مهر صحيح، لأنه لو لم يصح لما جاز فيه الطلاق، ولا وجبت المتعة.
الجنابذي
تفسير : {لاَّ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ} استئنافٌ جواب لسؤالٍ مقدّرٍ كأنّه قيل بعد ذكر الطّلاق وذكر احكام المطلّقات: ما للمطلّقة على المطلّق؟ - فقال تعالى: لا تبعة عليكم من المهر وغيره {إِن طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ} كناية عن الجماع {أَوْ تَفْرِضُواْ} الاّ ان تفرضوا او حتّى تفرضوا، او لفظة او بمعنى الواو {لَهُنَّ فَرِيضَةً} فعيل بمعنى المفعول والتّاء للنقل او مصدر فذكر تعالى حكم المطلّقات بالمنطوق والمفهوم تفصيلاً واجمالاً من حيث المهر فنفى الحرج وغرامة المهر عمّن طلّق زوجته الغير الممسوسة والغير المفروض لها بمنطوق الآية واثبت غرامة ما لمن طلّق الممسوسة او المفروض لها والمفروض لها الغير المدخول بها لها نصف ما فرض لها كما سيأتى، والممسوسة الغير المفروض لها، لها مهر امثالها والممسوسة المفروض لها لها ما فرض لها {وَمَتِّعُوهُنَّ} اى فطلّقوهن ومتّعوهنّ استحباباً او وجوباً {عَلَى ٱلْمُوسِعِ} اى الّذى كان ذا سعةٍ فى ماله فانّ همزة الافعال فى مثله للصيرورة {قَدَرُهُ} ما يقدر عليه ويطيقه، او ما يقدّر على حسب سعته {وَعَلَى ٱلْمُقْتِرِ قَدَرُهُ} ويستفاد من الاخبار انّ مناط تقدير المتعة ليس حال المطلّق فقط بل ينظر الى حال المطلّق وشأن المطلّقة ويقدّر المتعة بحسب حالهما جميعاً فانّ تمتيع الّتى لها حسبٌ ونسبٌ وشرفٌ ليس كتمتيع من ليس لها ذلك وان كان المطلّق واحداً {مَتَاعاً} مصدر من غير لفظ الفعل او مفعول به اى تمتيعاً {بِٱلْمَعْرُوفِ} على الاوّل، او جنساً متلبّساً بالمعروف على الثّانى، او يكون الظّرف حينئذٍ متعلّقاً بقوله {متّعوهن} والتّقييد بالمعروف يدلّ على مراعاة حال الطّرفين {حَقّاً} صفة متاعاً او مصدر مؤكّد لغيره {عَلَى ٱلْمُحْسِنِينَ} اى لمريدى الاحسان الى النّاس، ومطلّقاتهم اولى باحسانهم او على من ديدنهم الاحسان الى النّاس، او على المحسنين فى فعالهم واتى بهذا الاسم الظّاهر مع انّ حقّ العبارة ان يقول حقّاً عليكم ترغيباً لهم فى التّمتيع، او المقصود انّه حقّ على المحسنين منكم وانّه شأنهم فينبغى لكم ان تطلبوا هذا الشّأن ولا تحديد فى الاخبار لمتعة المطلّقة المذكورة كما فى الآية وفى بعض الاخبار ذكر وجوبها، وقيل: يقدّر بقدر نصف مهر امثالها.
الأعقم
تفسير : {لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضةً} الآية حديث : نزلت في رجل من الانصار تزوج إمرأة ولم يسم لها مهراً ثم طلقها قبل ان يمسها فأنزل الله تعالى هذه الآية فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): "بيعها ولو بقلنسوتك" تفسير : لما قدم ذكر المطلقة والدخول بها وعدتها وايتاء المفروض بيّن حكم الطلاق قبل الفرض والمسيس فقال تعالى: {لا جناح عليكم} اي لا حرج ولا مأثم {إن طلقتم النساء} قبل المس كناية عن الوطء، ثم الخلوة تقوم مقامَ الوطء وقال الشافعي: لا تقوم، قوله تعالى: {أو تفرضوا لهن فريضةً} يعني لم توجبوا ولم تقدروا لهن مهراً مقدراً، وقيل: لا سبيل عليكم لهن في هذا الموضع بمهر ولا نفقة {ومتعوهن} اي اعطوهن من اموالكم ما يتمتعن به {على الموسع قدره} يعني على الغني الذي في سعة والفقير {المقتر} الذي في ضيق قدره {متاعا بالمعروف} اي متعوهن متاعاً بالمعروف بما أمركم الله به من غير ظلم {حقاً على المحسنين} أي حقاً يلزم المحسنين ولكن خص المحسنين توكيداً ليقوموا به ولا يضيعوه، وقيل: معناه من اراد ان يحسن فهذا حقه وحكمه ولما تقدم حكم المطلقة قبل الفرض والمسيس بيّن حكم المطلقة بعد الفرض قبل المسيس، فقال تعالى: {وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن} خطاب للازواج {وقد فرضتم لهن فريضة} يعني اوجبتم لهن صداقاً وقدرتم لهن مهراً {فنصف ما فرضتم} أي فعليكم نصف ما قدرتم وهو المهر المسمَّى {إلا أن يعفون} يعني بترك المسمَّى نصف صداقهن فلا يطالبن الازواج بذلك {أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح} وهو الزوج وعفوه ان يسوق اليها المهر كاملاً، وقيل: هو الولي وتسمية الزيادة على الحق عفواً فيه نظر قال جارالله: الا ان يقال كان الغالب عندهم الا ان يسوق اليها المهر عند التزوج فاذا طلقها استحق ان يطالبها نصف ما ساق إليها المهر فإذا ترك المطالبة فقد عفى أو سماه عفواً على طريق المشاكلة وعن جُبير بن مطعم انه تزوج إمرأة ثم طلقها قبل ان يدخل بها واكمل لها الصداق وقال: انا احق بالعفو، ومذهب الشافعي هو الولي الذي بيده عقدة نكاحهن، وقيل: هو الزوج وعفوه ان يسوق اليها المهر كاملاً وهو مذهب ابي حنيفة، قال جارالله: فالاول ظاهر الصحَّة {ولا تنسوا الفضل بينكم} أي لا تتركوا الإحسان بينكم ولا تنسوا أن يتفضل بعضكم على بعض والفضل من جهته اتمام الصداق ومن جهتها اسقاط النصف فحثهما على الافضل {حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى} الصلاة الوسطى هي العصر، وعن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) انه قال يوم الاحزاب: "حديث : شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر" تفسير : وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): "حديث : انها الصلاة التي شغل عنها سليمان ابن داوود (عليه السلام)" تفسير : وعن حفصة انها قالت لمن كتب لها المصحف: اكتب والصلاة الوسطى صلاة العصر، وقيل: هي الظهر، وقيل: الجمعة، وقيل: غير ذلك.
الهواري
تفسير : قوله: {لاَّ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ} يعني ما لم تجامعوهن {أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ} المُوسِعِ الذي وسع عليه في الرزق، والمقتر الذي قتر عليه في الرزق. قال: {مَتَاعاً بِالمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُحْسِنِينَ}. إذا طلقها قبل أن يدخل بها، ولم يفرض لها فليس لها صداق، ولها المتعة واجبة. والمتعة على قدر ما يجد؛ وليس فيه شيء مؤقت يؤخذ به الرجل إلا ما أحب لنفسه من طلب الفضل في ذلك. ذكروا عن الحسن أنه قال: كان منهم من يمتِّع بالخادم، ومنهم من يمتّع بالكسوة، ومنهم من يمتِّع بالطعام. وذكر بعضهم قال: أدنى ما يكون من المتعة درع وخمار وجلباب ومئزر، ومن لم يجد فعلى قدر ما يجد. قوله: {وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلاَّ أَن يَعْفُونَ} يعني النساء {أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ} هو الزوج. {وَأَن تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى}. يقول: ذلك من التقوى. وقوله: {إِلاَّ أَن يَعْفُونَ} يعني إِلا أن يتركن {أَوْ يَعْفُوَا} أي: أو يترك {الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ} يقول: إلا أن تعفو المرأة عن نصف الصداق فلا تأخذ منه شيئاً، أو يعفو الرجل عن نصف الصداق فيسلّم الصداق كله للمرأة. قال: {وَلاَ تَنسَوُا الفَضْلَ بَيْنَكُمْ} أي في هذا حض كل واحد منهما على صاحبه. وإن تشاحّا فلها نصف الصداق. ذكروا عن جبير بن مطعم أنه تزوّج امرأة قبل أن يدخل بها، فسلّم لها الصداق كله وقال: أنا الذي بيده عقدة النكاح. وقال الحسن: الذي بيده عقدة النكاح هو الولي. {إِنَّ اللهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}
اطفيش
تفسير : {لا جُنَاحَ عَليْكُم إنْ طَلَّقتُم النِّساءَ ما لم تمسُّوهُنَّ أو تَفْرِضُوا لَهنَّ فَريضَةً}: أى لاتباعة للنساء عليكم من ومهر أو ذنب إن طلقتم النساء مدة كونكم غير ماسين لهن، أى واطئين لهن، أى واطئين وغير فارضين لهن فريضة، فإن من تزوج ولم يسم صداقا ولم يمسها حتى طلقها لا ذنب عليه ولا مهر كامل ولا نصف مهرٍ، إذ ليس الطلاق قبل المس بدعة كالطلاق فى الحيض، والطلاق ثلاثا وقيل لا جناح عليكم فى تطليقهن قبل المس على أى حال، ولو حال حيضهن إذ لا سنة فى طلاقهن قبل المس وقيل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر النهى عن الطلاق ويقول: "حديث : أبغض الحلال إلى الله الطلاق"تفسير : وينهى عن التزوج لمعنى الذوق وقضاءِ الشهوة، وأمر بالتزوج لمعنى طلب العصمة والتماس ثواب الله، وقصد دوام الصحبة، فوقع فى نفوس المؤمنين أن فى الطلاق قبل المس خرجا من إثم أو مال تأخذه المرأة، فنفى الله الحرج، ولإثم إذا كان أصل النكاح على المقصد الحسن، وما ظرفية مصدرية، وقرأ حمزة والكسائى تماسوهن بضم التاءِ وبالألف بعد الميم فى جميع القرآن، ومعناه الجماع والمفاعلة فيه الموافقة المجرد أو على أصلها بناء على أنهُ إذا مسها، فقد مسته، وأو بمعنى الواو، والفعل بعدها مجزوم بالعطف، وكأنه قيل ما لم تمسوهن ولم تفرضوا، ويجوز أن تكون أو بمعنى إلا، فيكون الفعل بعدها منصوبا بأن مضمرة كقولك لأزمنك أو تعطينى حقى، أى إلا أن تعطينى، أى لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن إلا أن تفرضوا لهن فريضة، فعليكم حينئذ اتباعه مهر، وهى نصف المهر المفروض، ويجوز أن تكون بمعنى حتى كقولك لأزمنك أو تعطينى حقى، أى إلى أن تعطينى حقى وهو أولى فى المثال وهو محتمل، والفعل أيضا منصوب والمصدر على هذين الوجهين معطوف على مصدر مقدر قبلها، وفريضة فعيلة بمعنى مفعولة فى الأصل، وتغلبت عليهِ الإسمية، لأن فالتاء للنقل من الوصفية إلى الإسمية ومعناه الآن المهر المسمى، فهو مفعول به لتفرضوا، أى تقطعوا المهر بالتسمية، ويجوز أن يكون مفعولا مطلقا على أنه مصدر، أى إلا أن تفرضوا لهن فرضا، وشرط لعدم اتباعه عدم المس، وعدم الفرض، وأشار إلى حكم حالة عدم ذلك بقوله: {وَمتِّعُوهُنَّ}: إذا طلقتموهن بلامس ولا فرض، أى أعطوهن ما يتمتعن به من مال، ويزول به عنهن بعض الوحشة الحاصلة للطلاق، وذلك واجب، لأن الأمر المجرد للوجوب، ولقوله: {على الموسع قدره وعلى المقتر قدره} بعلى الدالة على الختم، ولقوله {حقا على المتقين}، عندنا وعند الشافعى وأحمد وأبى حنيفة، وقال مالك: المتعة مستحبة وفى الوجوب قال ابن عمرو بعض متأخرى المالكية وبه قالت المعتزلة أيضا، وما قدرته من القيد بقولى إذا طلقتموهن بلامس ولا فرض أولى من تقدير المعطوف عليه، هكذا فطلقوهن ومتعوهن، بأن الأصل ألا يؤمر بالطلاق ولو كنا إذا قدرناه كان عندنا على معنى فطلقوهن إن شئتم ومتعوهن. {عَلَى المُوسِعِ}: صاحب السعة فى المال وهو الغنى اسم فاعل أوسع، أى صار ذا سعة فى المال وقرأ أبو عمرو بفتح الواو والسين وتشديدها اسم فاعل وسع بتشديدها. {قَدَرُهُ}: أى المقدار الذى يليق بسعة ماله. {وعَلَى المقْتِرِ}: الضعيف الحال من جهة المال. {قَدَرُهُ}: ما يليق بضيق ماله، وقرأ حمزة والكسائى وابن ذكوان وحفص بفتح الذال فى الموضعين، والمعنى واحد بمعنى نفس الشئ كما قال أبو زيد، وقال جماعة: القدر بسكون الدال مصدر كالعدو بالفتح اسم للشئ نفسه كالعدد، ولا حد للمتعة وإنما هى بحسب نظر الحاكم إن وقعت المشاحة، كما روى عن أحمد، وروى عنه أنها تحد بما نجزى به الصلاة، ودلت الآية على أنها غير محدودة، وكذلكحديث : قوله صلى الله عليهِ وسلم للأنصارى طلق امرأته ولم يفرض لها ولم يمس:"متعها ولو بقلنسوتك"تفسير : وفى روايةحديث : إن هذا الرجل من الأنصار تزوج امرأة من بنى حنيفة ولم يسم لها صداقا وطلقها قبل أن يمسها فنزلت الآية، فقال لهُ رسول الله صلى الله عليه وسلم: "متعها ولو بقلنسوتك"تفسير : ، وفى رواية أنه صلى الله عليه وسلم قال لهُ لما طلقا: "حديث : متعها بدرع وملحفة وخمار"تفسير : بحسب الحال من الإيساع فى جودهن والإقتار فلا يلزمه تجويدهن إلا أن يقال مهر مثلها عن ذلك، فلها نصف مهر المثل، وقيل عنه إذا اختلف الزوجان فلها نصف مهر المثل؛ ولا ينقص من خمسة دراهم، لأن أقل المهر عنده عشرة دراهم فلا تنقص من نصفها؛ وذكر بعضهم أن أدنى ما يكون من المتعة درع وخمار، قال: لم يكن عندى شئ قال: "حديث : متعها بقلنسوتك"تفسير : وقال أبو حنيفة: المتعة محدودة درع وخمار وجلباب ومئزر، ومن لم يجد فعلى قدر ما يجد، وعن ابن عباس: أعلاها خادم، وأوسطها ثلاثة أبواب درع وخمار وإزار، وأقلها وقاية ومقنعة أو شئ من الورق، وعن الشافعى: أعلاها على الموسع خادم، وأوسطها ثوب، وأقلها ما له ثمن، وحسن ثلاثون درهماً والصحيح عدم الحد، وعن الحسن: منهم من يمتع بخادم، ومنهم من يمتع بالكسوة، ومنهم من يمتع بالطعام. وروى أن جابر بن زيد متع بخمسين درهما، وروى أن عبد الرحمن بن عوف طلق امرأته وحممها أى متعها بجارية سوداء، ومتع الحسن بن على جاريته بعشرة آلاف درهم، فقالت: متاع قليل من حبيب مفارق، وليس تمتنع السرية إذا أراد قطع فراشها بواجب، ولكن ذلك تفضل من الحسن بن على، والآية دلت على قدر مال الزوج لا على قدر حال المرأة من الشرف ومال وغيرهما، ولا تجب المتعة عندنا وعند المعتزلة إلا للمطلقة بلا مس ولا مهر إلا أنها استحب لسائر المطلقات، ولو تزوج امرأة ومسها وطلقها لم تكن لها متعة، بل صداقها إن سماه أو صداق المثل إن لم يسم، وبه قال أبو حنيفة والشافعى فى القديم، وأحمد فى رواية صارت باستحقاقها صداق المفروض، أو صداق المثل أو المقر إن لم يسم بمنزلة المفروض لها المطلقة بلا مس، وقال فى رواية أخرى والشافعى فى الجديد لها المتعة لقوله تعالى:{أية : وللمطلقات متاع}،تفسير : قال ابن عمر: لكل مطلقة متعة إلا التى فرض لها ولم يمسها فحسبتها نصف المهر، وكونه لها نصف المهر هو قول الأكثرين، وقال الله تعالى:{أية : فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحاً جميلا}،تفسير : وذلك فى نساء دخل بهن النبى صلى الله عليه وسلم فاستدل به على وجوب المتعة للمفروض، لها الممسوسة، فإنه صلى الله عليه وسلم يتزوج بفرض ولا يجب عليه أن يفرض. {مَتَاعاً}: مفعول معلق أقيم مقام التمتع، اسم عين أقيم مقام المصدر، قوله تعالى:{أية : والله أنبتكم من الأرض نباتا}تفسير : أقام نباتا مقام إنباتا. {بِالمعْرُوفِ}: متعلق بمتعوهن، أى متعوهن بما عرف شرعاً لا ظلم ولا حيف عليها ولا تكلف عليه، ففيه تأكيد لقوله: {على الموسع قدره. وعلى المقتر قدره} أو متعلق بمحذوف نعت لمتاعا. {حَقّاً}: نعت لمتاعاً أو حال من ضمير متاعا فى قوله بالمعروف إذا جعل بالمعروف نعتا، وهو وصف، أى ثابتا أو مفعول مطلق مؤكد لمضمون الجملة قبله وعامله محذوف وجوبا نائب عنه الجملة قبله، أى حق ذلك حقا فهو مصدر أى ثبوتا. {عَلَى المحْسِنِينَ}: أى إلى الذين يحسنون إلى أنفسهم فى الجملة بالمسارعة إلى الامتثال لأمر الله، فكذلك يتمثلون التمتيع، وخصوا بالذكر، لأنهم المنتفعون بالأمر، وقد لزم غيرهم ما لزمهم، وندب لغيرهم ما ندب لهم، وإن شئت فاجعل الإحسان بالتمتيع، فيقال كف يوصفون بالإحسان بالتمتيع وهو لم يقع منهم، إذ تزل فى هذه الآية أولا؟ فتجيب بأحد جوابين: الأول أن يراد بالمحسنين مريد الإحسان، أى على الذين يريدون الإحسان، فعبر بالإحسان عن إرادته لأنها سببه، والثانى أن يكون من المجاز الأول فى هذا الوجه تحريض إلى ما يؤل أمرهم، ومجاز الأول قسمان: أحدهم الأول قطعاً كقوله تعالى:{أية : إنك ميت وأنهم ميتون}تفسير : فإنه وإياهم صائرون إلى الموت، ولا بد، والآخر الأول ظنا كتسمية العصير خمرا، ومن القطعى قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من قتل قتيلا فله سلبه"تفسير : قال ذلك قبل أن يكون القتل، أى من يقتل من كتب الله أن يكون قتيلا له، ولا يكون مجاز الأول باحتمال الأول؛ والله عالم بالمحسن وغيره، ونزل الآية بحسب ظن الناس والصحابة مظنون فيهم الإحسان، واستدل بعض بقوله {المحسنين} على أن المتعة ندب لا وجوب، وليس كذلك، بل أمر الله المحسنين بها كما يأمرهم بسائر الفرائض، ويخصهم لأنهم الممتثلون.
اطفيش
تفسير : {لاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ} لا تبعة عليكم من جهة الصداق، لأنه لا يلزمكم لعدم المس وعدم عقد الصداق {إِن طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ} بالذكر مع غيوب الحشفة فى القبل، وإذا كان ذلك لزم الصداق إن كان، وإن لم يكن فصداق المثل، أو العقد، وكالمس الخلوة الممكنة إن ادعت مسا فيها، وأما باليد فى الفرج، أو بالذكر بلا غيوب الحشفة، أو بالذكر فى الجسد، أو فى الدبر ولو غابت، أو بنظر ما بطن ففى لزوم الصداق خلاف، ومشهور المذهب اللزوم {أَوْ} ما لم {تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً} أو للتنويع لا لمطلق أحد الشيئين، لأنه يلزم عليه أن يكون المعنى لا تبعة عليكم ما لم تمسا ولو فرضتم، أو ما لم تفرضوا ولو مسستم، ولا يصح ذلك، لأنه إذا فرض فلها النصف إن لم يمس، وإذا مس فلها الصداق كله إن كان أو العقد أو صداق المثل إن لم يكن، وأولى من ذلك أن يكون الفعل منصوبا بعد أو التى بمعنى إلا، أى إلا أن تقرضوا، أو حتى تفرضوا، فيغير نفى الجناح بعدم الفرض ولو انتفى المس، لأن فى ذلك تبعة نصف الصداق، فإن فرضتم لهن فريضة فعليكم إعطاؤها بالمس على حد ما ذكر، ونصفها إن طلقتم قبله، وليس المعنى لا إثم عليكم فى الطلاق قبل المس. لأنه لا يلائمه، أو تفرضوا ولا ما لم تمسوهن، ولو كانوا يظنون تحريم الطلاق لكثرة نهيه صلى الله عليه وسلم عنه، وقوله: هو أبغض الحلال عند الله، فنزلت الآية لذلك فيما زعم بعض، وفريضة بمعنى مفروضة، والتاء للنقل إلى الاسمية، ومعناه المهر، وهو مفعول به وأجاز بعض أن يكون مفعولا مطلقا على المصدرية، أو على الاسمية، كما قيل فى خلق الله السموات، أن السموات مفعول مطلق {وَمَتِّعُوهُنَّ}، إن طلقتموهن قبل المس وقبل الفرض، وهذا أولى من عطف متعوهن على جناح، عطفا للأمر على الإخبار، فإن التحقيق جوازه ولا سيما إذا اجتمع بينهما شىء كشرط أو إعراب فإن لا جناح بمنزلة جواب إن بعده، أو يؤول متعوهن بالإخبار، أى وتمتيعهن واجب جبرا، لوحشة الطلاق لأنها الكثيرة، وقلت من لا تستوحش له، والتمتيع النفع التلذيذ {عَلَى الْمْوسِعِ} على موسعكم أو الموسع منكم. أى يا صاحب الوسع من المال {قَدَرُهُ} قدر إمكانه فى إعطاء المتعة {وَعَلَى الْمُقْتِرِ} الضيق المال {قَدَرُهُ} فليست المتعة بالنظر إلى قدر المرأة، بل لحكم الحاكم بالنظر إلى مال الزوج، ولا حد لها، كما لا حد للصداق. وقد طلق أنصارى زوجه المفوضة قبل مسها، وهى من بنى حنيفة فتخاصما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال صلى الله عليه وسلم: متعها، فقال: لم يكن عندى شىء، فقال: متعها بقلنسوتك، ولكن فى هذا الحديث مقالا، حتى قال بعض، لم أقف عليهن والمفوضة هى التى فوضها وليها أو فوضت نفسها، فتزوجت بلا ذكر صداق، ولا شك أنه صلى الله عليه وسلم قال: متعها بقلنسوتك، لأن الرجل قليل المال، وذلك أنه يحكم بقوله تعالى، عَلَى الموسع... الخ، وذلك هو المذهب، وقال أبو حنيفة: درع وملحفة وخمار إلا إن كان مهر مثلها أقل من ذلك فنصف مهر المثل، وعن ابن عباس، أعلى متعة الطلاق الخادم ودون ذلك ورق، ودون هذا كسوة، وعن ابن عمر، أدنى المتعة ثلاثون ديناراً، ويقال: لا تنقص المتعة عن خمسة دراهم، وقيل يعتبر حالها مع حال الرجل، فيزاد على الفقير قليل لذات مرتبة وينقص عن الغنى قليل لذات دنو المرتبة، وهكذا، ونص القرآن اعتبار الرجل، وعن الشافعى، المتعة لكل مطلقة إلا التى سمى لها وطلقها قبل الدخول، وإلا التى طلقت نفسها حيث يجوز لها الطلاق، أو فتدت، وذلك قياس لجبر الوحشة، وعنده أن القياس مقدم على المفهوم، والمفهوم من الآية أن لا متعة للممسوسة، والقياس لجبر الوحشة يوجبها {مَتَٰعاً} تمتيعاً ثابتا {بِالْمَعْرُوفِ} شرعا ومروءة، أو متعوهن بالمعروف كذلك {حَقّاً} حق ذلك التمتيع بالمعروف {عَلَى الْمُحْسِنِينَ} المطيعين فى الجملة، المطلقين باعتبار وسعهم وإقتارهم، حقا أو متاعا حقا أى واجبا، أو على المحسنين بالمسارعة إلى امتثال الآية، أو إلى المطلقات بالتمتيع، وعلى الوجهين الأخيرين سماهم محسنين بتأويل الإرادة والمشارفة، وخص المحسنين بالذكر لأنهم المنتفعون، والحكم يعم غيرهم، وقال مالك: المحسنين المتطوعين صارفا للأمر إلى الندب، الصحيح أن المتعة واجبة.
الالوسي
تفسير : {لاَّ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ} لا تبعة من مهر وهو الظاهر، وقيل: من وزر لأنه لا بدعة في الطلاق قبل المسيس ولو كان في الحيض، وقيل: كان النبـي صلى الله عليه وسلم كثيراً ما ينهى عن الطلاق فظن أن فيه جناحاً فنفى ذلك {إِن طَلَّقْتُمُ ٱلنّسَاء مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ} أي غير ماسين لهن أو مدة عدم المس وهو كناية عن الجماع، وقرأ حمزة والكسائي (تماسوهن) والأعمش (من قبل أن تمسوهن) وعبد الله (من قبل أن تجامعوهن) {أَوْ تَفْرِضُواْ لَهُنَّ فَرِيضَةً} أي: حتى تفرضوا أو إلا أن تفرضوا على ما في «شروح الكتاب»، و (فريضة) فعيلة بمعنى مفعول نصب على المفعول به، والتاء لنقل اللفظ من الوصفية إلى الإسمية فصار بمعنى المهر فلا تجوز، وجوز أن يكون نصباً على المصدرية، وليس بالجيد والمعنى إنه لا تبعة على المطلق بمطالبة المهر أصلاً إذا كان الطلاق قبل المسيس على كل حال إلا في حال الفرض فإن عليه حينئذ نصف المسمى كما سيصرح به، وفي حال عدم تسميته عليه المتعة لا نصف مهر المثل، وأما إذا كان/ بعد المساس فعليه في صورة التسمية تمام المسمى، وفي صورة عدمها تمام مهر المثل، هذه أربع صور للمطلقة نفت الآية بمنطوقها الوجوب في بعضها، واقتضى مفهومها الوجوب في الجملة في البعض الآخر، قيل: وهٰهنا إشكال قوي، وهو أن ما بعد (أو) التي بمعنى حتى التي بمعنى إلى نهاية للمعطوف عليه فقولك لألزمنك أو تقضيني حقي معناه أن اللزوم ينتهي إلا الإعطاء فعلى قياسه يكون فرض الفريضة نهاية عدم المساس لا عدم الجناح، وليس المعنى عليه، وأجيب بأن ما بعدها عطف على الفعل وهو مرتبط بما قبله فهو معنى مقيد به فكأنه قيل: أنتم ما لم تمسوهن بغير جناح وتبعة إلا إذا ـ فرضت الفريضة ـ فيكون الجناح لأن المقيد في المعنى ينتهي برفع قيده فتأمل، ومن الناس من جعل كلمة (أو) عاطفة لمدخولها على ما قبلها من الفعل المجزوم، ولم حينئذ لنفي أحد الأمرين لا بعينه، وهو نكرة في سياق النفي فيفيد العموم أي ما لم يكن منكم مسيس، ولا فرض على حد {أية : وَلاَ تُطِعْ مِنْهُمْ ءاثِماً أَوْ كَفُوراً }تفسير : [الإنسان: 24] واعترضه القطب بأنه يوهم تقدير حرف النفي فيصير ما لم تمسوهن وما لم تفرضوا فيكون الشرط حينئذ أحد النفيين لا نفي أحد الأمرين فيلزم أن لا يجب المهر إذا عدم المسيس ووجد الفرض أو عدم الفرض ووجد المسيس، ولا يخفى أنه غير وارد، ولا حاجة إلى القول بأن (أو) بمعنى الواو كما في قوله تعالى: {أية : أَوْ يَزِيدُونَ }تفسير : [الصافات: 147] على رأي. {وَمَتّعُوهُنَّ} أي ملكوهن ما يتمتعن به وذلك الشيء يسمى متعة وهو عطف على ما هو جزاء في المعنى كأنه قيل: إن طلقتم النساء فلا جناح ومتعوهن، وعطف الطلبي على الخبري على ما في «الكشف» لأن الجزاء جامع جعلهما كالمفردين أي الحكم هذا وذاك، أو لأن المعنى فلا جناح وواجب هذا، أو فلا تعزموا ذلك ومتعوهن، وجوزَ أن يكون عطفاً على الجملة الخبرية عطف القصة على القصة وأن يكون اعتراضاً بالواو وارداً لبيان ما يجب للمطلقات المذكورات على أزواجهن بعد التطليق، والعطف على محذوف ينسحب عليه الكلام أي فطلقوهن ومتعوهن يأباه الذوق السليم إذ لا معنى لقولنا إذا طلقتم النساء فطلقوهن إلا أن يكون المقصود المعطوف، والحكمة في إعطاء المتعة جبر إيحاش الطلاق، والظاهر فيها عدم التقدير لقوله تعالى: {عَلَى ٱلْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى ٱلْمُقْتِرِ قَدْرُهُ} أي على كل منهما مقدار ما يطيقه ويليق به كائناً ما كان، وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما متعة الطلاق أعلاها الخادم ودون ذلك الورق ودون ذلك الكسوة، وعن ابن عمر أدنى ما يكون من المتعة ثلاثون درهماً، وقال الإمام أبو حنيفة: هي درع وخمار وملحفة على حسب الحال إلا أن يقل مهر مثلها من ذلك فلها الأقل من نصف مهر المثل، ومن المتعة ولا ينتقص من خمسة دراهم، والموسع من يكون ذا سعة وغنى من أوسع الرجل إذا كثر ماله واتسعت حاله، والمقتر من يكون ضيق الحال من ـ أقتر ـ إذا افتقر وقلّ ما في يده وأصل الباب الإقلال، والجملة مستأنفة لا محل لها من الإعراب مبينة لمقدار حال المتعة بالنظر إلى حال المطلق ـ إيساراً وإقتاراً ـ والجمهور على أنها في موضع الحال من فاعل {متعوهن}، والرابط محذوف أي منكم، ومن جعل الألف واللام عوضاً عن المضاف إليه أي على موسعكم الخ استغنى عن القول بالحذف. وقرأ أبو جعفر وأهل الكوفة إلا أبا بكر. وابن ذكوان {قَدْرِهِ} بفتح الدال، والباقون بإسكانها وهما لغتان فيه، وقيل: ـ القدر ـ بالتسكين الطاقة وبالتحريك المقدار، وقرىء {قَدْرِهِ} بالنصب ووجه بأنه مفعول على المعنى لأن معنى {متعوهنّ} الخ ليؤد كل منكم ـ قدر ـ وسعه قال أبو البقاء: وأجود من هذا أن يكون التقدير فأوجبوا على الموسع قدره. {مَّتَـٰعًا} اسم مصدر أجري مجراه أي تمتيعاً {بِٱلْمَعْرُوفِ} أي متلبساً بالوجه الذي يستحسن وهو في محل الصفة ـ / لمتاعاً ـ و {حَقّاً} أي ثابتاً صفة ثانية له ويجوز أن يكون مصدراً مؤكداً أي حق ذلك حقا {عَلَى ٱلْمُحْسِنِينَ} متعلق بالناصب للمصدر أو به أو بمحذوف وقع صفة، والمراد بالمحسنين من شأنهم الإحسان أو الذين يحسنون إلى أنفسهم بالمسارعة إلى الامتثال أو إلى المطلقات بالتمتيع وإنما سموا بذلك اعتباراً للمشارفة ترغيباً وتحريضاً. وقال الإمام مالك: المحسنون المتطوعون وبذلك استدل على استحباب المتعة وجعله قرينة صارفة للأمر إلى الندب؛ وعندنا هي واجبة للمطلقات في الآية مستحبة لسائر المطلقات، وعند الشافعي رضي الله تعالى عنه في أحد قوليه هي واجبة لكل زوجة مطلقة إذا كان الفراق من قبل الزوج إلا التي سمي لها وطلقت قبل الدخول، ولما لم يساعده مفهوم الآية ولم يعتبر العموم في قوله تعالى: {أية : وَلِلْمُطَلَّقَـٰتِ مَتَـٰعٌ بِٱلْمَعْرُوفِ }تفسير : [البقرة: 241] لأنه يحمل المطلق على المقيد قال بالقياس، وجعله مقدماً على المفهوم لأنه من الحجج القطعية دونه، وأجيب عما قاله مالك بمنع قصر المحسن على المتطوع بل هو أعم منه ومن القائم بالواجبات فلا ينافي الوجوب فلا يكون صارفاً للأمر عنه مع ما انضم إليه من لفظ (حقاً).
ابن عاشور
تفسير : استئناف تشريع لبيان حكم ما يترتب على الطلاق من دفع المهر، كله أو بعضه، وسقوطه وحكم المتعة مع إفادة إباحة الطلاق قبل المسيس. فالجملة مستأنفة استئنافاً ابتدائياً، ومناسبة موقعها لا تخفى، فإنه لما جرى الكلام في الآيات السابقة على الطلاق الذي تجب فيه العدة، وهو طلاق المدخول بهن، عرج هنا على الطلاق الواقع قبل الدخول، وهو الذي في قوله تعالى: {يأيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن الآية، في سورة الأحزاب (49)، وذكر مع ذلك هنا تنصيف المهر والعفو عنه. وحقيقة الجناح الإثم كما تقدم في قوله: { أية : فلا جناح عليه أن يطوف بهما } تفسير : [البقرة: 158]. ولا يعرف إطلاق الجناح على غير معنى الإثم، ولذلك حمله جمهور المفسرين هنا على نفي الإثم في الطلاق، ووقع في «الكشاف» تفسير الجناح بالتبعة فقال: {لا جناح عليكم لا تبعة عليكم من إيجاب المهر}ثم قال: والدليل على أن الجناح تبعة المهر، قوله: {وإن طلقتموهن} إلى قوله: {فنصف ما فرضتم} فقوله: {فنصف ما فرضتم} إثبات للجناح المنفي ثمة» وقال ابن عطية وقال قوم: لا جناح عليكم معناه لا طلب بجميع المهر فعلمنا أن صاحب «الكشاف» مسبوق بهذا التأويل، وهو لم يذكر في «الأساس» هذا المعنى للجناح حقيقة ولا مجازاً، فإنما تأوله من تأوله تفسيراً لمعنى الكلام كله لا لكلمة {جناح} وفيه بعد، ومحمله على أن الجناح كناية بعيدة عن التبعة بدفع المهر. والوجه ما حمل عليه الجمهور لفظ الجناح، وهو معناه المتعارف، وفي «تفسير ابن عطية» عن مكي بن أبي طالب «لا جناح عليكم في الطلاق قبل البناء؛ لأنه قد يقع الجناح على المطلق بعد أن كان قاصداً للذوق، وذلك مأمون قبل المسيس» وقريب منه في الطيبي عن الراغب ـــ أي في «تفسيره» ـــ. فالمقصود من الآية تفصيل أحوال دفع المهر أو بعضه أو سقوطه، وكأن قوله: {لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن} إلى آخره تمهيد لذلك وإدماج لإباحة الطلاق قبل المسيس لأنه بعيد عن قصد التذوق، وأبعد من الطلاق بعد المسيس عن إثارة البغضاء بين الرجل والمرأة، فكان أولى أنواع الطلاق بحكم الإباحة الطلاق قبل البناء. قال ابن عطية وغيره: إنه لكثرة ما حض الرسول عليه الصلاة والسلام المؤمنين على أن يقصدوا من التزوج دوام المعاشرة، وكان ينهى عن فعل الذواقين الذين يكثرون تزوج النساء وتبديلهن، ويكثر النهي عن الطلاق حتى قد يظن محرماً، فأبانت الآية إباحته بنفي الجناح بمعنى الوزر. والنساء: الأزواج، والتعريف فيه تعريف الجنس، فهو في سياق النفي للعموم، أي لا جناح في تطليقكم الأزواج، و(ما) ظرفية مصدرية، والمسيس هنا كناية عن قربان المرأة. و(أو) في قوله: {أو تفرضوا لهن فريضة} عاطفة على {تمسوهن} المنفي، و(أو) إذا وقعت في سياق النفي تفيد مفاد واو العطف فتدل على انتفاء المعطوف والمعطوق عليه معاً، ولا تفيد المفاد الذي تفيده في الإثبات، وهو كون الحكم لأحد المتعاطفين، نبه على ذلك الشيخ ابن الحاجب في «أماليه» وصرح به التفتازاني في «شرح الكشاف»، وقال الطيبي: إنه يؤخذ من كلام الراغب، وهو التحقيق؛ لأن مفاد «أو» في الإثبات نظير مفاد النكرة وهو الفرد المبهم، فإذا دخل النفي استلزم نفي الأمرين جميعاً، ولهذا كان المراد في قوله تعالى: { أية : ولا تطع منهم آثماً أو كفوراً } تفسير : [الإنسان: 24] النهي عن طاعة كليهما، لا عن طاعة أحدهما دون الآخر، وعلى هذا انبنت المسألة الأصولية وهي: هل وقع في اللغة ما يدل على تحريم واحد لا بعينه، بناء على أن ذلك لا يكون إلا بحرف أو، وأن أو إذا وقعت في سياق النهي كانت كالتي تقع في سياق النفي. وجعل صاحب «الكشاف» (أو) في قوله: {أو تفرضوا لهن فريضة} بمعنى إلا أو حتى، وهي التي ينتصب المضارع بعدها بأن واجبة الإضمار، بناء على إمكانه هنا وعلى أنه أبعد عن الخفاء في دلالة أو العاطفة في سياق النفي، على انتفاء كلا المتعاطفين؛ إذ قد يتوهم أنها لنفي أحدهما كشأنها في الإثبات، وبناء على أنه أنسب بقوله تعالى بعد ذلك {وأن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة} حيث اقتصر في التفصيل على أحد الأمرين: وهو الطلاق قبل المسيس مع فرض الصداق، ولم يذكر حكم الطلاق قبل المسيس أو بعده، وقبل فرض الصداق، فدل بذلك على أن الصورة لم تدخل في التقسيم السابق، وذلك أنسب بأن تكون للاستثناء أو الغاية، لا للعطف، ولا يتوهم أن صاحب الكشاف أهمل تقدير العطف لعدم استقامته، بل لأن غيره هنا أوضح وأنسب، يعني والمراد قد ظهر من الآية ظهوراً لا يدع لتوهم قصد نفي أحد الأمرين خطوراً بالأذهان، ولهذا استدركه البيضاوي فجوز تقديرها عاطفة في هذه الآية. وقد أفادت الآية حكماً بمنطوقها وهو أن المطلقة قبل البناء إذا لم يسم لها مهر لا تستحق شيئاً من المال، وهذا مجمع عليه فيما حكاه ابن العربي، وحكى القرطبي عن حماد بن سليمان أن لها نصف صداق أمثالها، والجمهور على خلافه وأن ليس لها إلا المتعة، ثم اختلفوا في وجوبها كما سيأتي. وهذا الحكم دلنا على أن الشريعة قد اعتبرت النكاح عقداً لازماً بالقول، واعتبرت المهر الذي هو من متمماته غير لازم بمجرد صيغة النكاح، بل يلزم بواحد من أمرين إما بصيغة تخصه، وهي تعيين مقداره بالقول، وهي المعبر عنها في الفقه بنكاح التسمية، وإما بالفعل وهو الشروع في اجتناء المنفعة المقصودة ابتداء من النكاح وهي المسيس، فالمهر إذن من توابع العقود التي لا تثبت بمجرد ثبوت متبوعها، بل تحتاج إلى موجب آخر كالحوز في عقود التبرعات، وفيه نظر، والنفس لقول حماد بن سليمان أميل. والآية دلت على مشروعية أصل الطلاق، لما أشعرت بنفي الجناح عن الطلاق قبل المسيس وحيث أشعرت بإباحة بعض أنواعه: بالتصدي لبيان أحكامها، ولما لم يتقدم لنا موضع هو أنسب بذكر مشروعية الطلاق من هذه الآية، فنحن نبسط القول في ذلك: إن القانون العام لانتظام المعاشرة هو الوفاق في الطبائع والأخلاق والأهواء والأميال، وقد وجدنا المعاشرة نوعين: أولهما معاشرة حاصلة بحكم الضرورة، وهي معاشرة النسب، المختلفة في القوة والضعف، بحسب شدة قرب النسب وبعده كمعاشرة الآباء مع الأبناء، والإخوة بعضهم مع بعض، وأبناء العم والعشيرة، واختلافها في القوة والضعف يستتبع اختلافها في استغراق الأزمان، فنجد في قصر زمن المعاشرة، عند ضعف الآصرة، ما فيه دافع للسآمة والتخالف الناشئين عما يتطرق إلى المتعاشرين من تنافر في الأهواء والأميال، وقد جعل الله في مقدار قرب النسب تأثيراً في مقدار الملاءمة؛ لأنه بمقدار قرب النسيب، يكون التئام الذات مع الأخرى أقوى وأتم، وتكون المحاكة والممارسة والتقارب أطول، فنشأ من السببين الجبلي، والاصطحابي، ما يقوي اتحاد النفوس في الأهواء والأميال بحكم الجبلة، وحكم التعود والإلف، وهكذا يذهب ذلك السببان يتباعدان بمقدار ما يتباعد النسيب. النوع الثاني: معاشرة بحكم الاختيار وهي معاشرة الصحبة والخلة والحاجة والمعاونة، وما هي إلا معاشرة مؤقتة تطول أو تقصر، وتستمر أو تغب، بحسب قوة الداعي وضعفه، وبحسب استطاعة الوفاء بحقوق تلك المعاشرة، والتقصير في ذلك، والتخلص من هذا النوع ممكن إذا لم تتحد الطباع. ومعاشرة الزوجين في التنويع، هي من النوع الثاني، وفي الآثار محتاجة إلى آثار النوع الأول، وينقصها من النوع الأول سببه الجبلي لأن الزوجين يكثر ألا يكونا قريبين وسببه الاصطحابي، في أول عقد التزوج حتى تطول المعاشرة ويكتسب كل من الآخر خلقه، إلا أن الله تعالى جعل في رغبة الرجل في المرأة إلى حد أن خطبها، وفي ميله إلى التي يراها، مذ انتسبت به واقترنت، وفي نيته معاشرتها معاشرة طيبة، وفي مقابلة المرأة الرجل بمثل ذلك ما يغرز في نفس الزوجين نوايا وخواطر شريفة وثقة بالخير، تقوم مقام السبب الجبلي، ثم تعقبها معاشرة وإلف تكمل ما يقوم مقام السبب الاصطحابي، وقد أشار الله تعالى إلى هذا السر النفساني الجليل، بقوله: { أية : ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة } تفسير : [الروم: 21]. وقد يعرض من تنافر الأخلاق وتجافيها ما لا يطمع معه في تكوين هذين السببين أو أحدهما، فاحتيج إلى وضع قانون للتخلص من هذه الصحبة، لئلا تنقلب سبب شقاق وعداوة فالتخلص قد يكون مرغوباً لكلا الزوجين، وهذا لا إشكال فيه، وقد يكون مرغوباً لأحدهما ويمتنع منه الآخر، فلزم ترجيح أحد الجانبين وهو جانب الزوج لأن رغبته في المرأة أشد، كيف وهو الذي سعى إليها ورغب في الاقتران بها؛ ولأن العقل في نوعه أشد، والنظر منه في العواقب أسد، ولا أشد احتمالاً لأذى وصبراً على سوء خلق من المرأة، فجعل الشرع التخلص من هذه الورطة بيد الزوج، وهذا التخلص هو المسمى: بالطلاق، فقد يعمد إليه الرجل بعد لأي، وقد تسأله المرأة من الرجل، وكان العرب في الجاهلية تسأل المرأة الرجل الطلاق فيطلقها، قال سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل يذكر زوجتيه: شعر : تلك عِرساي تنطقان على عمـــ ـــد إلى اليوم قولَ زور وهَتْر سَالَتَانِي الطلاق أَن رأَتامَا لي قليلاً قد جئتماني بنُكْر تفسير : وقال عبيد بن الأبرصْ: شعر : تلكَ عِرسي غضبى تريد زيالي أَلبَيْن تريد أم لِدَلال إن يكن طِبُّككِ الفراقَ فلا أحـــ ـــفِلُ أن تعطفي صُدور الجِمال تفسير : وجعل الشرع للحاكم إذا أبى الزوج الفراق ولحق الزوجة الضرُّ من عشرته، بعد ثبوت موجباته، أن يطلقها عليه. فالطلاق فسخ لعقدة النكاح بمنزلة الإقالة في البيع، إلا أنه فسخ لم يشترط فيه رضا كلا المتعاقدين بل اكتُفي برضا واحد: وهو الزوج، تسهيلاً للفراق عند الاضطرار إليه، ومقتضى هذا الحكم أن يكون الطلاق قبل البناء بالمرأة ممنوعاً؛ إذ لم تقع تجربة الأخلاق، لكن لما كان الداعي إلى الطلاق قبل البناء لا يكون إلا لسبب عظيم لأن أفعال العقلاء تصان عن العبث، كيف يعمد راغب في امرأة، باذل لها ماله ونفسه إلى طلاقها قبل التعرف بها، لولا أن قد علم من شأنها ما أزال رجاءه في معاشرتها، فكان التخلص وقتئذ قبل التعارف، أسهل منه بعد التعارف. وقرأ الجمهور (ما لم تمسوهن) ـــ بفتح المثناة الفوقية ـــ مضارع مس المجرد، وقرأ حمزة والكسائي وخلف، (تماسوهن) ـــ بضم المثناة الفوقية وبألف بعد الميم مضارع ماس؛ لأن كلا الزوجين يمس الآخر. وقوله: {ومتعوهن على الموسع قدره} الآية عطف على قوله: {لا جناح عليكم} عطف التشريع على التشريع، على أن الاتحاد بالإنشائية والخبرية غير شرط عند المحققين، والضمير عائد إلى النساء المعمول للفعل المقيد بالظرف وهو: {ما لم تَمسوهن أو تفرضوا}، كما هو الظاهر، أي متعوا المطلقات قبل المسيس، وقبل الفرض، ولا أحسب أحداً يجعل معاد الضمير على غير ما ذكرنا، وأما ما يوجد من الخلاف بين العلماء في حكم المتعة للمطلقة المدخول بها، فذلك لأدلة أخرى غير هذه الآية. والأمر في قوله: {ومتعوهن} ظاهره الوجوب وهو قول علي وابن عمر والحسن والزهريّ وابن جبير وقتادة والضحاك وإسحاق بن راهويه، وقاله أبو حنيفة والشافعي وأحمد؛ لأن أصل الصِّيغة للوجوب مع قرينة قوله تعالى: {حقا على المحسنين} وقوله بعد ذلك، في الآية الآتية: {حقا على المتقين} لأن كلمة {حقا} تؤكد الوجوب، والمراد بالمحسنين عند هؤلاء المؤمنون، فالمحسن بمعنى المحسن إلى نفسه بإبعادها عن الكفر، وهؤلاء جعلوا المتعة للمطلقة غير المدخول بها وغير المسمى لها مهر واجبة، وهو الأرجح لئلا يكون عقد نكاحها خلياً عن عوض المهر. وجعل جماعة الأمر هنا للندب لقوله بعدُ: {حقا على المحسنين} فإنه قرينة على صرف الأمر إلى أحد ما يقتضِيه، وهو ندب خاص مؤكد للندب العام في معنى الإحسان، وهو قول مالك وشُريح، فجعلها حقاً على المحسنين، ولو كانت واجبة لجعلها حقاً على جميع الناس، ومفهوم جعلها حقاً على المحسنين أنها ليست حقاً على جميع الناس، وكذلك قوله {المتقين} في الآية الآتية، لأن المتقي هو كثير الامتثال، على أننا لو حملنا المتقين على كل مؤمن لكان بين الآيتين تعارض المفهوم والعموم، فإن المفهوم الخاص يخصص العموم. وفي «تفسير الأبّي» عن ابن عرفة: «قال محمد بن مسلمة من أصحاب مالك: المتعة واجبة يقضى بها إذ لا يأبى أن يكون من المحسنين ولا من المتقين إلا رجل سوء، ثم ذكر ابن عرفة عن ابن عبد السلام عن ابن حبيب أنه قال بتقديم العموم على المفهوم عند التعارض، وأنه الأصح عند الأصوليين، قلت: فيه نظر، فإن القائل بالمفهوم لا بد أن يخصص بخصوصه عموم العام إذا تعارضا، على أن لمذهببِ مالك أن المتعة عطية ومؤاساة، والمؤاساة في مرتبة التحسيني، فلا تبلغ مبلغ الوجوب، ولأنها مال بذل في غير عوض، فيرجع إلى التبرعات، والتبرعات مندوبة لا واجبة، وقرينة ذلك قوله تعالى: {حقا على المحسنين} فإن فيه إيماء إلى أن ذلك من الإحسان لا من الحقوق، على أنه قد نفى الله الجناح عن المطلق ثم أثبت المتعة، فلو كانت المتعة واجبة لانتقض نفي الجناح، إلا أن يقال: إن الجناح نفي لأن المهر شيء معين، قد يجحف بالمطلق بخلاف المتعة، فإنها على حسب وسعه ولذلك نفى مالك ندبَ المتعة للتي طلقت قبل البناء وقد سمَّى لها مهراً، قال: فحسبها ما فرض لها أي لأن الله قصَرها على ذلك، رفقاً بالمطلق، أي فلا تندب لها ندب خاصاً، بأمر القرآن. وقد قال مالك: بأن المطلقة المدخول بها يستحب تمتيعها، أي بقاعدة الإحسان الأعم ولما مضى من عمل السلف. وقوله: {على الموسع قدره وعلى المقتر قدره} الموسع من أوسع إذا صار ذا سعة، والمقتر من أقتر إذا صار ذا قَتر وهو ضيق العيش، والقدر ــــ بسكون الدال وبفتحها ــــ ما به تعيين ذات الشيء أو حاله، فيطلق على ما يساوي الشيء من الأجرام، ويطلق على ما يساويه في القيمة، والمراد به هنا الحال التي يقدر بها المرء في مراتب الناس في الثروة، وهو الطبقة من القوم، والطاقة من المال، وقرأه الجمهور بسكون الدال، وقرأه ابن ذكوان عن ابن عامر، وحمزة، والكسائي، وحفص عن عاصم، وأبو جعفر بفتح الدال. وقوله: {فنصف ما فرضتم} مبتدأ محذوف الخبر إيجازاً لظهور المعنى، أي فنصف ما فرضتم لهن بدليل قوله: {وقد فرضتم لهن} لا يحسن فيها إلا هذا الوجه. والاقتصار على قوله: {فنصف ما فرضتم} يدل على أنها حينئذ لا متعة لها. وقوله: {إلا أن يعفون أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح} استثناء من عموم الأحوال أي إلا في حالة عفوهن أي النساء بأن يسقطن هذا النصف، وتسمية هذا الإسقاط عفواً ظاهرة، لأن نصف المهر حق وجب على المطلق للمطلقة قبل البناء بما استخف بها، أو بما أوحشها، فهو حق وجب لغرم ضر، فإسقاطه عفو لا محالة، أو عند عفو الذي بيده عقدة النكاح. وأل في النكاح للجنس، وهو متبادر في عقد نكاح المرأة لا في قبول الزوج، وإن كان كلاهما سمي عقداً، فهو غير النساء لا محالة لقوله: {الذي بيده عقدة النكاح} فهو ذَكر، وهو غير المطلق أيضاً، لأنه لو كان المطلق، لقال: أو تعفو بالخطاب، لأن قبله {وإن طلقتموهن} ولا داعي إلى خلاف مقتضى الظاهر. وقيل: جيء بالموصول تحريضاً على عفو المطلق، لأنه كانت بيده عقدة النكاح فأفاتها بالطلاق، فكان جديراً بأن يعفو عن إمساك النصف، ويترك لها جميع صداقها، وهو مردود بأنه لو أريد هذا المعنى، لقال أو يعفو الذي كان بيده عقدة النكاح، فتعين أن يكون أريد به ولي المرأة لأن بيده عقدة نكاحها؛ إذ لا ينعقد نكاحها إلا به، فإن كان المراد به الولي المجبر وهو الأب في ابنته البكر، والسيد في أمته، فكونه بيده عقدة النكاح ظاهر، إلا أنه جعل ذلك من صفته باعتبار ما كان، إذ لا يحتمل غير ذلك، وإن كان المراد مطلق الولي، فكونه بيده عقدة النكاح، من حيث توقف عقد المرأة على حضوره، وكان شأنهم أن يخطبوا الأولياء في ولاياهم فالعفو في الموضعين حقيقة، والاتصاف بالصلة مجاز، وهذا قول مالك؛ إذ جعل في «الموطأ»: الذي بيده عقدة النكاح هو الأب في ابنته البكر والسيد في أمته، وهو قول الشافعي في القديم، فتكون الآية ذكرت عفو الرشيدة والمولىَّ عليها، ونسب ما يقرب من هذا القول إلى جماعة من السلف، منهم ابن عباس وعلقمة والحسن وقتادة، وقيل: الذي بيده عقدة النكاح هو المطلق لأن بيده عقد نفسه وهو القبول، ونسب هذا إلى علي وشريح وطاووس ومجاهد، وهو قول أبي حنيفة والشافعي في الجديد، ومعنى {بيده عقدة النكاح} أن بيده التصرف فيها بالإبقاء، والفسخ بالطلاق، ومعنى عفوه: تكميله الصداق، أي إعطاؤه كاملاً. وهذا قول بعيد من وجهين: أحدهما أن فعل المطلق حينئذ لا يسمى عفواً بل تكميلاً وسماحة؛ لأن معناه أن يدفع الصداق كاملاً، قال في «الكشاف»: «وتسمية الزيادة على الحق عفواً فيه نظر» إلا أن يقال: كان الغالب عليهم أن يسوق إليها المهر عند التزوج، فإذا طلقها استحق أن يطالبها بنصف الصداق، فإذا ترك ذلك فقد عفا، أو سماه عفوا على طريق المشاكلة. الثاني أن دفع المطلق المهر كاملاً للمطلقة إحسان لا يحتاج إلى تشريع مخصوص، بخلاف عفو المرأة أو وليها، فقد يظن أحد أن المهر لما كان ركناً من العقد لا يصح إسقاط شيء منه. وقوله: {وأن تعفوا أقرب للتقوى} تذييل أي العفو من حيث هو، ولذلك حذف المفعول، والخطاب لجميع الأمة، وجيء بجمع المذكر للتغليب، وليس خطاباً للمطلقين، وإلا لما شمل عفو النساء مع أنه كله مرغوب فيه، ومن الناس من استظهر بهذه الآية على أن المراد بالذي بيده عقدة النكاح المطلق، لأنه عبر عنه بعد بقوله: {وأن تعفوا} وهو ظاهر في المذكر، وقد غفل عن مواقع التذييل في آي القرآن كقوله: { أية : أن يصلحا بينهما صلحا والصلح خير } تفسير : [النساء: 128]. ومعنى كون العفو أقرب للتقوى: أن العفو أقرب إلى صفة التقوى من التمسك بالحق؛ لأن التمسك بالحق لا ينافي التقوى لكنه يؤذن بتصلب صاحبه وشدته، والعفو يؤذن بسماحة صاحبه ورحمته، والقلب المطبوع على السماحة والرحمة أقرب إلى التقوى من القلب الصلب الشديد، لأن التقوى تقرب بمقدار قوة الوازع، والوازع شرعي وطبيعي، وفي القلب المفطور على الرأفة والسماحة لين يزعه عن المظالم والقساوة، فتكون التقوى أقرب إليه، لكثرة أسبابها فيه. وقوله: {ولا تنسوا الفضل بينكم} تذييل ثان، معطوف على التذييل الذي قبله، لزيادة الترغيب في العفو بما فيه من التفضل الدنيوي، وفي الطباع السليمة حب الفضل. فأُمروا في هاته الآية بأن يتعاهدوا الفضل ولا ينسوه؛ لأن نسيانه يباعد بينهم وبينه، فيضمحل منهم، وموشك أن يحتاج إلى عفو غيره عنه في واقعة أخرى، ففي تعاهده عون كبير على الإلف والتحابب، وذلك سبيل واضحة إلى الاتحاد والمؤاخاة والانتفاع بهذا الوصف عند حلول التجربة. والنسيان هنا مستعار للإهمال وقلة الاعتناء كما في قوله تعالى: { أية : فذوقوا بما نسيتم لقاء يومكم هذا } تفسير : [السجدة: 14] وهو كثير في القرآن، وفي كلمة {بينكم،}إشارة إلى هذا العفو، إذا لم ينس تعامل الناس به بعضهم مع بعض. وقوله: {إن الله بما تعملون بصير} تعليل للترغيب في عدم إهمال الفضل وتعريض بأن في العفو مرضاة الله تعالى، فهو يرى ذلك منا فيجازي عليه، ونظيره قوله: { أية : فإنك بأعيننا } تفسير : [السطور: 48].
الواحدي
تفسير : {لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهنَّ} نزلت في رجلٍ من الأنصار تزوَّج امرأة ولم يسمِّ لها مهراً، ثمَّ طلَّقها قبل أن يمسَّها، فأعلم الله تعالى أنَّ عقد التَّزويج بغير مهرٍ جائز، ومعناه: لا سبيل للنِّساء عليكم إنْ طلقتموهنَّ من قبل المسيس والفرض بصداقٍ ولا نفقة، وقوله: {أو تفرضوا لهنَّ فريضة} أَيْ: تُوجبوا لهنَّ صداقاً {ومتعوهنَّ} أَيْ: زوِّدوهنَّ وأعطوهنَّ من ما لكم ما يتمتَّعْنَ به، فالمرأة إذا طُلِّقت قبل تسمية المهر وقبل المسيس فإنَّها تستحق المتعة بإجماع العلماء، ولا مهرَ لها و {على الموسع} أَي: الغنيِّ الذي يكون في سعةٍ من غناه {قدره} أَيْ: قدر إمكانه {وعلى المقتر} الذي في ضيق من فقره قدر إمكانه. أعلاها خادم، وأوسطها ثوب، وأقلُّها أقلُّ ماله ثمن. قال الشافعيُّ: وحسنٌ ثلاثون درهماً. {متاعاً} أَيْ: متعوهنَّ متاعاً {بالمعروف} بما تعرفون أنَّه القصد وقدر الإِمكان {حقاً} واجباً {على المحسنين}. {وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهنَّ} هذا في المُطلَّقة بعد التَّسمية وقبل الدُّخول، حكم الله تعالى لها بنصف المهر، وهو قوله: {فنصف ما فرضتم} أَيْ: فالواجبُ نصف ما فرضتم {إلاَّ أن يعفون} أَي: النِّساء، أَيْ: إلاَّ أَنْ يتركن ذلك النِّصف، فلا يُطالبن الأزواج به {أو يعفو الذي بيده عقدةًُ النكاح} أَي: الزَّوج لا يرجع في شيءٍ من المهر، فيدع لها المهر الذي وفَّاه عملاً {وأن تعفو} خطابٌ للرِّجال والنِّساء {أقرب للتقوى} أَيْ: أدعى إلى اتِّقاء معاصي الله؛ لأنَّ هذا العفو ندبٌ، فإذا انتدب المرء له عُلم إنَّه - لما كان فرضاً - أشدُّ استعمالاً {ولا تنسوا الفضل بينكم} لا تتركوا أن يتفضَّل بعضكم على بعض. هذا أمرٌ للزَّوج والمرأة بالفضل والإِحسان. {حافظوا على الصلوات} بأدائها في أوقاتها {والصلاة الوسطى} أَيْ: صلاة الفجر، [لأنَّها بين صلاتي ليلٍ وصلاتي نهارٍ] أفردها بالذِّكر تخصيصاً {وقوموا لله قانتين} مُطيعين. {فإن خفتم فرجالاً} أَيْ: إن لم يمكنكم أن تصلُّوا موفِّين للصَّلاة حقًَّها فصلُّوا مُشاةً على أرجلكم {أو ركباناً} على ظهور دوابِّكم، وهذا في المطاردة والمسايفة {فإذا أمنتم فاذكروا الله} أَيْ: فصلُّوا الصَّلوات الخمس تامَّةً بحقوقها {كما علمكم ما لم تكونوا تعلمون} كما افترض عليكم في مواقيتها. {والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً وصية} فعليهم وصيةٌ {لأزواجهم} لنسائهم، وهذا كان في ابتداء الإِسلام لم يكن للمرأة ميراثٌ من زوجها، وكان على الزَّوج أن يُوصي لها بنفقة حولٍ، فكان الورثة ينفقون عليها حولاً، وكان الحول عزيمةً عليها في الصَّبر عن التَّزوُّج، وكانت مُخيَّرة في أن تعتدَّ إن شاءت في بيت الزَّوج، وإن شاءت خرجت قبل الحول وتسقط نفقتها، فذلك قوله: {متاعاً إلى الحول} أَيْ: متعوهنَّ متاعاً. يعني: النَّفقة {غير إخراجٍ} أَيْ: من غير إخراج الورثة إيَّاها {فإن خرجن فلا جناح عليكم} يا أولياء الميِّت في قطع النَّفقة عنهنَّ، وترك منعها عن التَّشوف للنَّكاح والتَّصنُّع للأزواج، وذلك قوله: {فيما فعلن في أنفسهنَّ من معروف} وهذا كلُّه منسوخٌ بآية المواريث وعدَّةِ المتوفى عنها زوجها. {وللمطلقات متاعٌ بالمعروف حقاً على المتقين} لمَّا ذكر الله تعالى متعة المُطلَّقة في قوله: {حقاً على المحسنين} قال رجلٌ من المسلمين: إنْ أحسنتُ فعلتُ، وإن لم أُرد ذلك لم أفعل، فأوجبها الله تعالى على المتقين. الذين يتَّقون الشِّرك. {كذلك يبين الله لكم آياته} شبّه اللَّهُ البيانَ الذي يأتي بالبيان الذي مضى في الأحكام التي ذكرها.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 236- ولا إثم عليكم - أيها الأزواج - ولا مهر إذا طلقتم زوجاتكم قبل الدخول بهن وقبل أن تُقدِّروا لهن مهرَا، ولكن أعطوهن عطية من المال يتمتعن بها لتخفيف آلام نفوسهن، ولتكن عن رضا وطيب خاطر، وليدفعها الغنى بقدر وسعه والفقير بقدر حاله، وهذه العطية من أعمال البر التى يلتزمها ذوو المروءات وأهل الخير والإحسان. 237- وإذا طلقتم النساء قبل الدخول بهنَّ بعد تقدير مهورهن، فقد وجب لهن نصف المهر المقدر ويدفع إليهن، إلا إذا تنازلت عنه الزوجة، كما أنَّهُنَّ لا يعطين أكثر من النصف إلا إذا سمحت نفس الزوج فأعطاها المهر كله، وسماحة كل من الزوجين أكرم وأرضى عند الله وأليق بأهل التقوى فلا تتركوها، واذكروا أن الخير فى التفضل وحسن المعاملة، لأن ذلك أجلب للمودة والتحاب بين الناس، والله مطلع على ضمائركم وسيجازيكم على ما تتفضلون. 238- احرصوا على إقامة الصلوات كلها، وداوموا عليها، واحرصوا على أن تكون صلاتكم هى الصلاة الفضلى بإقامة أركانها والإخلاص الكامل لله فيها، وأتموا طاعة الله تعالى وذكره مخلصين له خاشعين لجلاله، والصلاة الوسطى هى صلاة الفجر أو العصر على خلاف فى الاجتهاد. 239- فإذا أدركتم الصلاة وأنتم خائفون فلا تتركوها بل صلوا كما استطعتم مشاة أو راكبين، فإذا زال الخوف عنكم فصلُّوا الصلاة مستوفية الأركان كما علمتموها ذاكرين الله فيها شاكرين له ما علَّمكم إياه وما منَّ به عليكم من نعمة الأمن.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: الجناح: الإِثم المترتب على المعصيّة. ما لم تمسوهن: ما لم تجامعوهنّ. أو تفرضوا: تُقدّروا لهن مهرا. الموسع قدره: ذو الوسع في المال، وقَدَرُه: ما يقدر عليه ويستطيعه. المقتر: الضيّق العيش. الذي بيده عقدة النكاح: هو الزوج. ولاتنسوا الفضل بينكم: أي المودة والإِحسان. حافظوا على الصلوات: بأدائها في أوقاتها في جماعة مع استيفاء شروطها وأركانها وسننها. الصلاة الوسطى: صلاة العصر، أو الصبح فتجب المحافظة على كل الصلوات وخاصة العصر والصبح لقول الرسول صلى الله عليه وسلم "حديث : من صلى البردين - العصر والصبح - دخل الجنة ". تفسير : قانتين: خاشعين ساكنين. فرجالا: مشاة على أرجلكم أو ركبانا على الدواب وغيرها مما يركب. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في بيان أحكام الطلاق وما يتعلق به ففي هذه الآية [236]: يخبر تعالى عباده المؤمنين أنه لا إثم ولا حرج عليهم إن هم طلقوا أزواجهم قبل البناء بهن، وقبل أن يسَموا لهن مهوراً أيضاً وفي هذين الحالين يجب عليهم أن يمتعوهن بأن يعطوا المطلقة قبل البناء ولم تكن قد أعطيت مهراً ولا سمي لها فيعرف مقداره في هذه الحال وقد تكون نادرة يجب على الزوج المطلق جَبراً لخاطرها أن يعطيها مالاً على قدر غناه وفقره تتمتع به أياما عوضا عما فاتها من التمتع بالزواج، فقال تعالى: {لاَّ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُواْ لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى ٱلْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى ٱلْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعاً بِٱلْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى ٱلْمُحْسِنِينَ}. وأما الآية الثانية [237] فإنه تعالى يُخبر أن من طلق امرأته قبل البناء بها وقد سمى لها صداقا قل أو كثر فإنَّ عليه أن يعطيها وجوباً نصفه إلا أن تعفوا عنه المطلقة فلا تأخذه تكرماً، أو يعفو المطلِّق تكرما فلا يأخذ منه شيئا فيعطيها إياه كاملاً فقال عز وجل: {وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ} - أي فالواجب نصف ما فرضتم - إلا أن يعفون - المطلقات - أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح وهو الزوج. ثم بعد تقرير هذا الحكم العادل الرحيم دعا تعالى الطرفين إلى العفو، وأن من عفا منهما كان أقرب إلى التقوى فقال عز وجل: {وَأَن تَعْفُوۤاْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ} ونهاهم مع هذا عن عدم نسيان المودة والإِحسان بينهما فقال: {وَلاَ تَنسَوُاْ ٱلْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}. وأما الآية الثانية [238] فإنه تعالى يرشد عباده المؤمنين إلى ما يساعدهم على الالتزام بهذه الواجبات الشرعية والآداب الإِسلامية الرفيعة وهو المحافظة على إقامة الصلوات الخمس عامة والصلاة الوسطى خاصة فقال تعالى: {حَافِظُواْ عَلَى ٱلصَّلَوَٰتِ وٱلصَّلَٰوةِ ٱلْوُسْطَىٰ}، وكانوا قبلها يتكلمون في الصلاة فمنعهم من ذلك بقوله: {وَقُومُواْ للَّهِ قَٰنِتِينَ} أي ساكنين خاشعين. وإن حصل خوف لا يتمكنون معه من أداء الصلاة على الوجه المطلوب من السكون والخشوع فليؤدوها وهم مشاة على أرجلهم أو راكبون على خيولهم، حتى إذا زال الخوف وحصل الأمن فليصلوا على الهيئة التي كانوا يصلون عليها من سكون وسكوت خشوع فقال تعالى {فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً فَإِذَآ أَمِنتُمْ فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ} يريد الله تعالى بالذكر هنا إقام الصلاة أولا، ثم الذكر العام مذكراً إياهم بنعمة العلم مطالباً إياهم بشكرها وهو أن يؤدوا الصلاة على أكمل وجوهها وأتمها لأنها المساعد على سائر الطاعات وحسبها أنها تنهى عن الفحشاء والمنكر. هذا ما تضمنته الآية الرابعة [239]. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- بيان حكم المطلقة قبل البناء وقبل تسمية المهر، وأن لها المتعة فقط بحسب حال المطلق من غنى وفقر. 2- بيان حكم المطلقة قبل البناء وقد سمى لها صداق فإن لها نصفه وجوباً إلا أن تتنازل عنه برضاها فلها ذلك كما أن الزوج المطلق إذا تنازل عن النصف وأعطاها المسمّى كاملا فله ذلك. 3- الدعوة إلى إبقاء المودة والفضل والإِحسان بين الأسرتين أسرة المرأة المطلقة وأسرة الزوج المطلق، حتى لا يكون الطلاق سبباً في العداوات والتقاطع. 4- وجوب المحافظة على الصلوات الخمس وبخاصه صلاة العصر وصلاة الصبح "الصلاة الوسطى". 5- منع الكلام في الصلاة لغير إصلاحها. 6- وجوب الخشوع في الصلاة. 7- بيان صلاة الخائف من عدو وغيره وأنه يجوز له أن يصلي وهو ماش أو راكب. 8- الأمر بملازمة ذكر الله، والشكر على نعمه وبخاصة نعمة العلم بالإِسلام.
القطان
تفسير : لا جناح: لا حرج، ولا تبعة. ما لم تسموهن: ما لم تدخلوا بهن. الفريضة: المهر. متعوهن: اعطوهن عطية ينتفعن بها. الموسع: الغنيّ. المقتر: الفقير. متاعاً: حقاً ثابتا. المعروف: ما يتعارف عليه الناس. الذي بيده عقدة النكاح: الزوج. الفضل: المودة والصلة. مازال الحديث في قضايا الطلاق، وهنا يوضح لنا سبحانه وتعالى حالتين من صور الطلاق قبل الدخول: الأولى: لا ذنب عليكم ان طلّقتم النساء من قبل ان تدخلوا بهن أو تفرضوا لهن مهرا، فإن حدث ذلك من احدكم فليمتّع المرأةَ بعطيّةٍ منه على قدر طاقته، الغني بحسب قدرته ومروءته، والفقير كذلك. وهذه المتعة واجبة للمطلَّقة قبل الدخول التي لم يسمَّ لها مهر. والحكمة في شرعها ان في الطلاق قبل الدخول سوءَ سمعة للمطلقة، فاذا هو اعطاها عطية قيّمة تزول هذه الغضاضة، وتكون شهادة لها بأن سبب الطلاق كان من قِبله هو ولا علة فيها. الحالة الثانية: اذا عقد رجل على امرأة وسمى لها مهرا ثم طلقها قبل ان يدخل بها، فيجب عليه في هذه الحالة ان يدفع لها نصف المهر المسمّى. ثم يترك القرآنُ الأمر بعد ذلك للمروءة والسماحة والفضل، فللزوجة ان تعفو اذا ارادت وتتنازل عن حقها أو بعضه، وللزوج ان يعفو عن باقي المهر، وحينئذ تأخذ الزوجة المهر كاملا. ثم أتبع ذلك تعالى بعبارات رقيقة جميلة {وَأَن تَعْفُوۤاْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ وَلاَ تَنسَوُاْ ٱلْفَضْلَ بَيْنَكُمْ} فيحث على استبقاء المودة بأن يتسامح الطرفان ويعفوا عن هذه المادة الزائلة حتى تبقى القلوب صافية نقية موصولة بالله. وختم الله الآية بقوله: {إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}. القراءات: قرأ حمزة، والكسائي "تماسوهن" بضم التاء ومد الميم في جميع القرآن. وقرأ حمزة والكسائي وحفص وابن ذكوان "قدره" بفتح الدال.
د. أسعد حومد
تفسير : {مَتَاعاً} (236) - فِي هَذِهِ الآيةِ يُبيحُ اللهُ تَعَالَى طَلاقَ المَرْأةِ قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا (المَسَاسِ)، فَإذا طَلَّقَها قَبْلَ أنْ يَدْخُلَ بِها، وَقَبْلَ أنْ يَفْرِضَ لَهَا مَهْراً، فَلا مَهْرَ لَهَا عَليهِ، وَلكِنْ عَلَيهِ إمْتَاعُها بِشَيءٍ يُطيِّبُ بِهِ قَلْبَها عَلَى حَسَبِ حَالِهِ (عَلَى المُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى المُقْتِرِ قَدَرُهُ)، وَلَمْ يُحَدِّدِ اللهُ تَعَالَى مِقْدَارَ هَذِهِ المُتْعَةِ، بَلْ وَكَّلَها إلى اجْتِهَادِ الزَّوْجِ لأنَّهُ أدْرَى بِحَالِهِ، وَالإِمتَاعُ عَمَلٌ مِنْ أعْمَالِ البِرِّ يَلْتَزِمُ بِهِ ذَوُو المُرُوءَاتِ وَأهْلُ الخَيْرِ. (وَقَالَ أبُو حَنيفَةَ: إِنَّهُ مَتَى تَنَازَعَ الزَّوْجَانِ فِي مِقْدارِ المُتْعَةِ وَجَبَ لَهَا عَلَيهِ نِصْفُ مَهْرِ مِثْلِها). (وَيَقُولُ بَعْضُ الفُقَهَاءِ إنَّ المُتْعَةَ مُسْتَحَبَّةٌ لِكُلِّ مُطَلَّقَةٍ لَقْولِهِ تَعَالَى: {أية : وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِٱلْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى ٱلْمُتَّقِينَ}تفسير : وَهِيَ وَاجِبَةٌ لِلْمُطَلَّقَةِ قَبْلَ الدُّخُولِ إذَا كَانَتْ لَمْ يُفْرَضْ لَهَا مَهْرٌ. فَريضَةً - مَهْراً. مَتِّعُوهُنَّ - أَعْطُوهُنَّ مَا يَتَمَتَّعْنَ بِهِ. المُوسِعِ - قَدَرُ إمْكَانِهِ وَطاقَتِهِ. المُقْتِرِ - الفَقِيرِ الضَّيِّقِ الحَالِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : نحن نلاحظ أن الكلام فيما تقدم كان عن الطلاق للمدخول بها، أو عن المرأة التي دخل بها زوجها ومات عنها. ولكن قد تحدث بعض من المسائل تستوجب الطلاق لامرأة غير مدخول بها. وتأتي هذه الآية لتتحدث عن المرأة غير المدخول بها، وهي إما أن يكون الزوج لم يفرض لها صداقاً، وإما أن يكون قد فرض لها صداقاً. والطلاق قبل الدخول له حكمان: فُرضت في العقد فريضة، أو لم تفرض فيه فريضة، فكأن عدم فرض المهر ليس شرطاً في النكاح، بل إذا تزوجته ولم يفرض في هذا الزواج مهر فقد ثبت لها مهر المثل والعقد صحيح. ودليل ذلك أن الله سبحانه وتعالى يقول: {لاَّ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُواْ لَهُنَّ فَرِيضَةً} [البقرة: 236] ومعنى ذلك أنها كانت زوجة ولم يحدث دخول للزوج بها. ولنا أن نسأل ما هو المس؟ ونقول: فيه مس، وفيه لمس، وفيه ملامسة. فالإنسان قد يمس شيئاً، ولكن الماس لا يتأثر بالممسوس، أي لم يدرك طبيعته أو حاله هل هو خشن أو ناعم؟ دافئ أم بارد، وإلى غير ذلك. أما اللمس فلا بد من الإحساس بالشيء الملموس، أما الملامسة فهي حدوث التداخل بين الشيئين. إذن فعندنا ثلاث مراحل: الأولى هي: مس. والثانية: لمس. والثالثة: ملامسة. كلمة "المس" هنا دلت على الدخول والوطء، وهي أخف من اللمس، وأيسر من أن يقول: لامستم أو باشرتم، ونحن نأخذ هذا المعنى؛ لأن هناك سياقاً قرآنياً في مكان آخر قد جاء ليكون نصاً في معنى، ولذلك نستطيع من سياقه أن نفهم المعنى المقصود بكلمة "المس" هنا، فقد قالت السيدة مريم: {أية : قَالَتْ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيّاً}تفسير : [مريم: 20]. إن القرآن الكريم يوضح على لسان سيدتنا مريم أن أحداً من البشر لم يتصل بها ذلك الاتصال الذي ينشأ عنه غلام، والتعبير في منتهى الدقة، ولأن الأمر فيه تعرض لعورة وأسرار؛ لذلك جاء القرآن بأخف لفظ في وصف تلك المسألة وهو المس، وكأن الله سبحانه وتعالى يريد أن يثبت لها إعفافاً حتى في اللفظ، فنفى مجرد مس البشر لها، وليس الملامسة أو المباشرة برغم أن المقصود باللفظ هو المباشرة؛ لأن الآية بصدد إثبات عفة مريم. ولنتأمل أدب القرآن في تناول المسألة في الآية التي نحن بصددها؛ فكأن الحق سبحانه وتعالى يعبر عن اللفظ بنهاية مدلوله وبأخف التعبير. والحق يقول: {أَوْ تَفْرِضُواْ لَهُنَّ فَرِيضَةً} [البقرة: 236] وتعرف أن "أَوْ " عندما ترد في الكلام بين شيئين فهي تعني "إما هذا وإما ذاك"، فهل تُفرض لهن فريضة مقابل المس؟. إن الأصل المقابل في "ما لم تمسوهن" هو أن تمسوهن. ومقابل "تفرضوا لهن فريضة" هو: أن لا تفرضوا لهن فريضة. كأن الحق عز وجل يقول: لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن سواء فرضتم لهن فريضة أو لم تفرضوا لهن فريضة. وهكذا يحرص الأسلوب القرآني على تنبيه الذهن في ملاحظة المعاني. ولنا أن نلاحظ أن الحق قد جاء بكلمة "إن" في احتمال وقوع الطلاق، و"إن" - كما نعرف - تُستخدم للشك، فكأن الله عز وجل لا يريد أن يكون الطلاق مجترءاً عليه ومحققاً، فلم يأت بـ"إذا"، بل جعلها في مقام الشك حتى تُعزز الآية قول الرسول صلى الله عليه وسلم:"حديث : أبغض الحلال إلى الله الطلاق ". تفسير : ثم يقول الحق عز وجل بعد ذلك: {وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى ٱلْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى ٱلْمُقْتِرِ قَدَرُهُ} [البقرة: 236] أي إنّك إذا طلقت المرأة قبل الدخول، ولم تفرض لها فريضة فأعطها متعة. وقال العلماء في قيمة المتعة: إنها ما يوازي نصف مهر مثيلاتها من النساء؛ لأنه كان من المفروض أن تأخذ نصف المهر، وما دام لم يُحدَّد لها مهرٌ فلها مثل نصف مهر مثيلاتها من النساء. ويقول الحق: {عَلَى ٱلْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى ٱلْمُقْتِرِ قَدَرُهُ} [البقرة: 236] أي ينبغي أن تكون المتعة في حدود تناسب حالة الزوج؛ فالموسع الغني: عليه أن يعطي ما يليق بعطاء الله له، والمقتر الفقير: عليه أن يعطي في حدود طاقته. وقول القرآن: {ٱلْمُوسِعِ} مشتق من "أوسع" واسم الفاعل "موسع" واسم المفعول "مُوسع عليه"، فأي اسم من هؤلاء يطلق على الزوج؟ إن نظرت إلى أن الزرق من الحق فهو "موسع عليه"، وإن نظرت إلى أن الحق يطلب منك أن توسع حركة حياتك ليأتيك رزقك، وعلى قدر توسيعها يكون اتساع الله لك، فهو "موسع". إذن فالموسع: هو الذي أوسع على نفسه بتوسيع حركة أسبابه في الحياة. والإقتار هو الإقلال، وعلى قدر السعة وعلى قدر الإقتار تكون المتعة. والحق سبحانه وتعالى حينما يطلب حكماً تكليفياً لا يقصد إنفاذ الحكم على المطلوب منه فحسب، ولكنه يوزع المسئولية في الحق الإيماني العام؛ فقوله: {وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى ٱلْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى ٱلْمُقْتِرِ قَدَرُهُ} [البقرة: 236] يعني إذا وُجد من لا يفعل حكم الله فلا بد أن تتكاتفوا على إنفاذ أمر الله في أن يمتع كل واحد طلق زوجته قبل أن يدخل بها. والجمع في الأمر وهو قوله: "ومتعوهن" دليل على تكاتف الأمة في إنفاذ حكم الله. وبعد ذلك قال: {وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقولهُ تعالى: {عَلَى ٱلْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى ٱلْمُقْتِرِ قَدَرُهُ} فالمُقْتِرُ: القَليلُ المَالِ. وكَذلِكَ المُملِقُ.
الأندلسي
تفسير : تزوج أنصاري حنفية ولم يسم مهداً ثم طلقها قبل أن يمسها، فقال صلى الله عليه وسلم: متعها ولو بقلنسوتك فنزلت. وقرىء تمسوهن مضارع مسست، وتماسوهن مضارع ماسست، وهو كناية عن الجماع، وما: مصدرية ظرفية أي زمان عدم المسيس. {أَوْ تَفْرِضُواْ لَهُنَّ فَرِيضَةً} الفريضة: الصداق. وفرضه تسميته. وتفرضوا: معطوف على تمسوهن مجزوم على مجزوم فهو داخل تحت نفي لم والمعنى انتفاء الجناح عن المطلق عند انتفاء أحد أمرين أما الجماع واما تسمية المهر. والآية تدل على جواز الطلاق قبل البناء وعلى جواز طلاق الحائض غير المدخول بها لاندراجها في عموم النساء. {وَمَتِّعُوهُنَّ} أي ملكوهن ما يتمتعن به وسمي ذلك متعة. وظاهر الأمر الوجوب وضمير النصب عائد على المطلقات قبل المسيس وقبل الفرض. {عَلَى ٱلْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى ٱلْمُقْتِرِ قَدَرُهُ}. هذا مما يؤكد الوجوب في المتعة لمن ذكر. والموسع: الموسر، والمقتر: الضيق الحال. والضمير في قدره عائد على المطلق فالمعتبر حاله وليس محدوداً ما يمتع به. وقرىء الموسع اسم فاعل من أوسع، والموسع اسم مفعول من وسع. وقرىء قدره بفتح الدال وسكونها وهماً بمعنى واحد عند أكثر أئمة اللغة. وقرىء بفتح الراء فيهما أي أوجبوا على الموسع قدره أو ليؤد كل منكم قدره واحتملت الجملة أن تكون حالاً، وذو الحال الواو في ومتعوهن وأن تكون استئنافاً وبينت حال المطلق في المتعة حال ايساره واقتاره. {مَتَاعاً بِٱلْمَعْرُوفِ} المتاع اسم لما يتمتع به فأطلق على المصدر مجازاً، وناصبه ومتعوهن أي تمتيعاً، أو انتصب على الحال، وذو الحال الضمير المستكن في العامل في الجار والمجرور والتقدير يستقر على الموسع قدره في حال كونه متاعاً، وبالمعروف في موضع الصفة لمتاعاً وهو المألوف شرعاً ومروءة. {حَقّاً عَلَى ٱلْمُحْسِنِينَ} تأكيد للوجوب وحقاً صفة لمتاعاً أي متاعاً واجباً أو مصدر لفعل محذوف أي حقّ ذلك حقاً. ولما بين حال المطلقة قبل المسيس وقبل الفرض بين حال المطلقة قبل المسيس وقبل الفرض بين حال المطلقة قبل المسيس وبعد الفرض. {وَقَدْ فَرَضْتُمْ} جملة حالية ويشتمل الفرض المقارن للعقد والفرض بعد العقد وقبل الطلاق. وقرىء {فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ} بضم الفاء على أنه خبر مبتدأ محذوف أي فالواجب نصف ما فرضتم، أو مبتدأ محذوف الخبر مقدماً أي فعليكم نصف ما فرضتم أو متأخراً أي فنصف ما فرضتم عليكم أي فلهن نصف ما فرضتم. ونصف - بفتح الفاء - أي فأدوا نصف. وقرىء بكسر النون وضمها. {إِلاَّ أَن يَعْفُونَ} استثناء متصل وهو من الأحوال لأن المعنى فعليكم أو فلهن نصف ما فرضتم في كل حال إلا في حال عفوهن عنكم، فلا يجب. ونص ابن عطية وغيره: على أن هذا استثناء منقطع. قال ابن عطية: لأن عفوهن عن النصف ليس من جنس أخذهن، والمعنى إلا أن يتركن النصف الذي وجب لهن عند الزوج. انتهى. قيل: وليس على ما ذهبوا إليه بل هو استثناء متصل لكنه من الأحوال، لأن قوله: فنصف ما فرضتم معناه فالواجب عليكم نصف ما فرضتم في كل حالة إلا في حال عفوهن عنكم فلا يجب. وإن كان التقدير فلهن نصف ما فرضتم فكذلك أيضاً. وكونه استثناء من الأحوال ظاهر ونظيره لتأتنّني به إلا أن يحاط بكم. وقرىء بالتاء وهو التفات وجعل ذلك عفواً ذليل على الندب. وظاهر قوله: يعفون العموم في كل مطلقة قبل المسيس وقد فرض لها وخصوا ذلك بأن تكون مالكة أمر نفسها، أما من كانت في حجر أب أو وصي فلا يجوز لها العفو وإن كانت بكراً لا وليّ لها فهي داخلة في العموم. {أَوْ يَعْفُوَاْ ٱلَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ ٱلنِّكَاحِ} وهو الزوج وعفوه أن يعطيها المهر كله: قاله على وجماعة. أو الولي الذي المرأة في حجره وهو أبوها أو سيدها في الأمة: قاله ابن عباس وجماعة. وفي كون العافي أخا أو عماً أو أباً وإن كرهت خلاف. وقرأ الحسن: أو يعفو الذي بتسكين الواو فيسقط في الوصل لالتقائها ساكنة مع الساكن بعدها فإِذا وقف أثبتها وفعل ذلك استثقالاً للفتحة في حرف العلة فتقدر الفتحة فيها كما تقدر في الألف في نحو: لن يخشى. وأكثر العرب على استخفاف الفتحة في الواو والياء في نحو: لن يرمي ولن يغزو. حتى أن أصحابنا نصوا على أن إسكان ذلك ضرورة قال أبالله أن أسموا بأم ولا أب. قال ابن عطية: والذي عندي أنه استثقل الفتحة على واو متطرفة قبلها متحرك لقلة مجيئها في كلام العرب وقد قال الخليل: لم يجيء في الكلام واو مفتوحة متطرفة قبلها فتحة إلا في قولهم: عفوة. وهو جمع عَفَو وهو ولد الحمار. وكذلك الحركة ما كانت قبل واو المفتوحة فإِنها ثقيلة. انتهى. وقوله: لقلة مجيئها في كلام العرب يعني: مفتوحاً ما قبلها، وهو الذي ذكره فيه تفصيل، وذلك أن الحركة قبلها إما أن تكون ضمة أو فتحة أو كسرة، إن كانت ضمة فاما أن يكون ذلك في فعل أو اسم إن كان في فعل فليس ذلك بقليل بل جميع المضارع إذا دخل عليه الناصب أو لحقته نون التوكيد على ما أحكم في بابه ظهرت الفتحة فيه نحو: لن يغزو، وهل تغزّون. والأمر نحو: اغزون. وكذلك الماضي على فعل نحو: نسو. وشرد الرجل. وما يبنى من ذوات الياء على فعل تقول فيه: قَصُوَ الرجل ولرموت إليه، وهو قياس مطرد على ما أحكم في بابه وإن كان في اسم فاما أن يكون مبنياً على هاء التأنيث أولاً إن كان مبنياً على هاء التأنيث فجاء كثيراً قالوا عرقوه وقمحدوه وعنصوه ويبن عليه المسائل في علم التصريف وإن كانت الحركة فتحة فهو قليل كما ذكر الخليل وإن كانت كسرة انقلبت الواو فيه ياء نحو: الغازي والغازية والعريقية وشد من ذلك أقروة جمع قرو وهي ميلغة الكلب، وسواسوة وهم المستوون في الشر. ومقاتوه جمع مِقْتَو وهو السايس الخادم. {وَأَن تَعْفُوۤاْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ} الظاهر أنه خطاب للأزواج إذ هم المخاطبون في صدر الآية. وقرىء وإن يعفو بياء الغيبية. {وَلاَ تَنسَوُاْ ٱلْفَضْلَ بَيْنَكُمْ} أي أن تفضل المطلقة بالعفو عما وجب لها إذا لم يستمتع بها الزوج أو المطلق ببذل جميع المهر إذ في طلاقها كسر خاطرها والرغبة عنها فيكون إعطاؤه لها جميع المهر جبراً لها وإحساناً إليها. وقرىء بضم الواو وبكسرها. وقرىء ولا تناسوا أي تتناسوا.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : أي: ليس عليكم يا معشر الأزواج جناح وإثم، بتطليق النساء قبل المسيس، وفرض المهر، وإن كان في ذلك كسر لها، فإنه ينجبر بالمتعة، فعليكم أن تمتعوهن بأن تعطوهن شيئا من المال، جبرا لخواطرهن. { عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ } أي: المعسر { قَدَرُهُ } . وهذا يرجع إلى العرف، وأنه يختلف باختلاف الأحوال ولهذا قال: { مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ } فهذا حق واجب { عَلَى الْمُحْسِنِينَ } ليس لهم أن يبخسوهن. فكما تسببوا لتشوفهن واشتياقهن، وتعلق قلوبهن، ثم لم يعطوهن ما رغبن فيه، فعليهم في مقابلة ذلك المتعة. فلله ما أحسن هذا الحكم الإلهي، وأدله على حكمة شارعه ورحمته" ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون؟" فهذا حكم المطلقات قبل المسيس وقبل فرض المهر. ثم ذكر حكم المفروض لهن فقال: { وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلا ...}.
همام الصنعاني
تفسير : 292- عبد الرزاق، قال: حدّثنا معمر، عن الزّهْري، في قوله تعالى: {وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى ٱلْمُوسِعِ قَدَرُهُ}: [الآية: 236]، قال: متعتان: إحداهُما يقضي بها السلطان، والأُخرى حق عَلَى المُتَّقينَ، فمَنْ طَلَّقَ قبل أن يدخل ويفرض فإنَّه يؤخذ بالمتعة، ومَنْ طَلَّق بعْدَمَا يَدْخُلُ ويفرض، فالمتعة حقٌّ عليهِ. قال: معمر: وأخبرني أيوب، عنْ نافع: أن ابن عمر قال: لا متعة لَهَا إذا فرض لَهَا.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):