٢ - ٱلْبَقَرَة
2 - Al-Baqara (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
237
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه تعالى لما ذكر حكم المطلقة غير الممسوسة إذا لم يفرض لها مهر، تكلم في المطلقة غير الممسوسة إذا كان قد فرض لها مهر. وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: مذهب الشافعي أن الخلوة لا تقرر المهر، وقال أبو حنيفة: الخلوة الصحيحة تقرر المهر، ويعني بالخلوة الصحيحة: أن يخلوا بها وليس هناك مانع حسي ولا شرعي، فالحسي نحو: الرتق والقرن والمرض، أو يكون معهما ثالث وإن كان نائماً، والشرعي نحو، الحيض والنفاس وصوم الفرض وصلاة الفرض والإحرام المطلق سواء كان فرضاً أو نفلاً، حجة الشافعي أن الطلاق قبل المسيس يوجب سقوط نصف المهر وههنا وجد الطلاق قبل المسيس فوجب القول بسقوط نصف المهر. بيان المقدمة الأولى: قوله تعالى: {وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ } فقوله: {فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ } ليس كلاماً تاماً بل لا بد من إضمار آخر ليتم الكلام، فأما أن يضمر {فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ } ساقط، أو يضمر {فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ } ثابت والأول هو المقصود، والثاني مرجوح لوجوه أحدها: أن المعلق على الشيء بكلمة إن عدم ذلك الشيء ظاهراً، فلو حملناه على الوجوب تركنا العمل بقضية التعليق، لأنه غير منفي قبله، أما لو حملناه على السقوط، عملنا بقضية التعليق، لأنه منفي قبله وثانيها: أن قوله تعالى: {وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً } يقتضي وجوب كل المهر عليه، لأنه لما التزم لزمه الكل لقوله تعالى: {أَوْفُواْ بِٱلْعُقُودِ } فلم تكن الحاجة إلى بيان ثبوت النصف قائمة لأن المقتضى لوجوب الكل مقتض أيضاً لوجوب النصف إنما المحتاج إليه بيان سقوط النصف، لأن عند قيام المقتضى لوجوب الكل كان الظاهر هو وجوب الكل، فكان سقوط البعض في هذا المقام هو المحتاج إلى البيان، فكان حمل الآية على بيان السقوط أولى من حملها على بيان الوجوب وثالثها: أن الآية الدالة على وجوب إيتاء كل المهر قد تقدمت كقوله: {أية : وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ مِمَّا ءَاتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا } تفسير : [البقرة: 129] فحمل الآية على سقوط النصف أولى من حملها على وجوب النصف ورابعها: وهو أن المذكور في الآية هو الطلاق قبل المسيس، وكون الطلاق واقعاً قبل المسيس يناسب سقوط نصف المهر، ولا يناسب وجوب شيء، فلما كان المذكور في الآية ما يناسب السقوط، لا ما يناسب الوجوب كان إضمار السقوط أولى، وإنما استقصينا في هذه الوجوه لأن منهم من قال: إن معنى الآية: فنصف ما فرضتم واجب، وتخصيص النصف بالوجوب لا يدل على سقوط النصف الآخر، إلا من حيث دليل الخطاب، وهو عند أبـي حنيفة ليس بحجة، فكان غرضنا من هذا الاستقصاء دفع هذا السؤال. بيان المقدمة الثانية: وهي أن ههنا وجد الطلاق قبل المسيس، هو أن المراد بالمسيس إما حقيقة المس باليد أو جعل كناية عن الوقاع، وأيهما كان فقد وجد الطلاق قبله، حجة أبـي حنيفة قوله تعالى: {أية : وَإِنْ أَرَدْتُّمُ ٱسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ وَءاتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً فَلاَ تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئاً } تفسير : [النساء: 20] إلى قوله: {أية : وَقَدْ أَفْضَىٰ بَعْضُكُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ } تفسير : [النساء: 21] وجه التمسك به من وجهين الأول: هو أنه تعالى نهى عن أخذ المهر، ولم يفصل بين الطلاق وعدم الطلاق إلا أن توافقنا على أنه خص الطلاق قبل الخلوة، ومن ادعى التخصيص ههنا فعليه البيان والثاني: أن الله تعالى نهى عن أخذ المهر وعلل بعلة الإفضاء، وهي الخلوة، والإفضاء مشتق من الفضاء، وهو المكان الخالي، فعلمنا أن الخلوة تقرر المهر. وجوابنا عن ذلك أن الآية التي تمسكوا بها عامة، والآية التي تمسكنا بها خاصة والخاص مقدم على العام، والله أعلم. المسألة الثانية: قوله: {وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً } حال من مفعول {طَلَّقْتُمُوهُنَّ } والتقدير: طلقتموهن حال ما فرضتم لهن فريضة. أما قوله تعالى: {إَّلا أَن يَعْفُونَ } ففيه مسألتان: المسألة الأولى: إنما لم تسقط النون من {يَعْفُونَ } وإن دخلت عليه {أن} الناصبة للأفعال لأن {يَعْفُونَ } فعل النساء، فاستوى فيه الرفع والنصب والجزم، والنون في {يَعْفُونَ } إذا كان الفعل مسنداً إلى النساء ضمير جمع المؤنث، وإذا كان الفعل مسنداً إلى الرجال فالنون علامة الرفع فلذلك لم تسقط النون التي هي ضمير جمع المؤنث، كما لم تسقط الواو التي هي ضمير جمع المذكر، والساقط في {يَعْفُونَ } إذا كان للرجال الواو التي هي لام الفعل في {يَعْفُونَ } لا الواو التي هي ضمير الجمع، والله أعلم. المسألة الثانية: المعنى: إلا أن يعفون المطلقات عن أزواجهن فلا يطالبنهم بنصف المهر، وتقول المرأة: ما رآني ولا خدمته، ولا استمتع بـي فكيف آخذ منه شيئاً. أما قوله تعالى: {أَوْ يَعْفُوَاْ ٱلَّذِى بِيَدِهِ عُقْدَةُ ٱلنّكَاحِ } ففيه مسألتان: المسألة الأولى: في الآية قولان الأول: أنه الزوج، وهو قول علي بن أبـي طالب عليه السلام، وسعيد بن المسيب، وكثير من الصحابة والتابعين وهو قول أبـي حنيفة. والقول الثاني: أنه الولي، وهو قول الحسن، ومجاهد وعلقمة، وهو قول أصحاب الشافعي. حجة القول الأول وجوه الأول: أنه ليس للولي أن يهب مهر موليته صغيرة كانت أو كبيرة فلا يمكن حمل هذه الآية على الولي والثاني: أن الذي بيد الولي هو عقد النكاح، فإذا عقد حصلت العقدة، لأن بناء الفعلة يدل على المفعول، كالأكلة واللقمة، وأما المصدر فالعقد كالأكل واللقم، ثم من المعلوم أن العقدة الحاصلة بعد العقد في يد الزوج لا في يد الولي والثالث: أن قوله تعالى: {ٱلَّذِى بِيَدِهِ عُقْدَةُ ٱلنّكَاحِ } معناه الذي بيده عقدة نكاح ثابت له لا لغيره، كما أن قوله: {أية : وَنَهَى ٱلنَّفْسَ عَنِ ٱلْهَوَىٰ فَإِنَّ ٱلْجَنَّةَ هِىَ ٱلْمَأْوَىٰ } تفسير : [النازعات: 40] أي نهى النفس عن الهوى الثابت له لا لغيره، كانت الجنة ثابتة له، فتكون مأواه الرابع: ما روي عن جبير بن مطعم، أنه تزوج امرأة فطلقها قبل أن يدخل بها فأكمل الصداق، وقال: أنا أحق بالعفو، وهذا يدل على أن الصحابة فهموا من الآية العفو الصادر من الزوج. حجة من قال: المراد هو الولي وجوه الأول: أن الصادر من الزوج هو أن يعطيها كل المهر، وذلك يكون هبة، والهبة لا تسمى عفواً، أجاب الأولون عن هذا من وجوه أحدها: أنه كان الغالب عندهم أن يسوق المهر إليها عند التزوج، فإذا طلقها استحق أن يطالبها بنصف ما ساق إليها، فإذا ترك المطالبة فقد عفا عنها وثانيها: سماه عفواً على طريق المشاكلة وثالثها: أن العفو قد يراد به التسهيل يقال: فلان وجد المال عفواً صفواً، وقد بينا وجه هذا القول في تفسير قوله تعالى: {فَمَنْ عُفِىَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَىْء } وعلى هذا عفو الرجل أن يبعث إليها كل الصداق على وجه السهولة. أجاب القائلون بأن المراد هو الولي عن السؤال الأول بأن صدور العفو عن الزوج على ذلك الوجه لا يحصل إلا على بعض التقديرات والله تعالى ندب إلى العفو مطلقاً وحمل المطلق على المقيد خلاف الأصل، وأجابوا عن السؤال الثاني أن العفو الصادر عن المرأة هو الإبراء وهذا عفو في الحقيقة أما الصادر عن الرجل محض الهبة فكيف يسمى عفواً؟. وأجابوا عن السؤال الثالث بأنه لو كان العفو هو التسهيل لكان كل من سهل على إنسان شيئاً يقال إنه عفا عنه ومعلوم أنه ليس كذلك. الحجة الثانية: للقائلين بأن المراد هو الولي هو أن ذكر الزوج قد تقدم بقوله عز وجل: {وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ } فلو كان المراد بقوله: {أَوْ يَعْفُوَاْ ٱلَّذِى بِيَدِهِ عُقْدَةُ ٱلنّكَاحِ } هو الزوج، لقال: أو تعفو على سبيل المخاطبة، فلما لم يفعل ذلك بل عبر عنه بلفظ المغايبة، علمنا أن المراد منه غير الزواج. وأجاب الأولون بأن سبب العدول عن الخطاب إلى الغيبة التنبيه على المعنى الذي من أجله يرغب الزوج في العفو، والمعنى: إلا أن يعفو أو يعفو الزوج الذي حبسها بأن ملك عقدة نكاحها عن الأزواج ثم لم يكن منها سبب في الفراق وإنما فارقها الزوج، فلا جرم كان حقيقاً بأن لا ينقصها من مهرها ويكمل لها صداقها. الحجة الثالثة: للقائلين بأنه هو الولي هو أن الزوج ليس بيده ألبتة عقدة النكاح، وذلك لأن قبل النكاح كان الزوج أجنبياً عن المرأة، ولا قدرة له على التصرف فيها بوجه من الوجوه، فلا يكون له قدرة على إنكاحها ألبتة وأما بعد النكاح فقد حصل النكاح ولا قدرة على إيجاد الموجود بل له لا قدرة على إزالة النكاح، والله تعالى أثبت العفو لمن في يده وفي قدرته عقدة النكاح، فلما ثبت أن الزوج ليس له يد ولا قدرة على عقد النكاح ثبت أنه ليس المراد هو الزوج، أما الولي فله قدرة على إنكاحها، فكان المراد من الآية هو الولي لا الزوج، ثم إن القائلين بهذا القول أجابوا عن دلائل من قال: المراد هو الزوج. أما الحجة الأولى: فإن الفعل قد يضاف إلى الفاعل تارة عند المباشرة وأخرى عند السبب يقال بنى الأمير داراً، وضرب ديناراً، والظاهر أن النساء إنما يرجعن في مهماتهن وفي معرفة مصالحهن إلى أقوال الأولياء والظاهر أن كل ما يتعلق بأمر التزوج فإن المرأة لا تخوض فيه، بل تفوضه بالكلية إلى رأي الولي، وعلى هذا التقدير يكون حصول العفو باختيار الولي وبسعيه فلهذا السبب أضيف العفو إلى الأولياء. وأما الحجة الثانية: وهي قولهم: الذي بيد الولي عقد النكاح لا عقدة النكاح، قلنا: العقدة قد يراد بها العقد قال تعالى: {وَلاَ تَعْزِمُواْ عُقْدَةَ ٱلنّكَاحِ } سلمنا أن العقدة هي المعقودة لكن تلك المعقودة إنما حصلت وتكونت بواسطة العقد، وكان عقد النكاح في يد الولي ابتداءً، فكانت عقدة النكاح في يد الولي أيضاً بواسطة كونها من نتائج العقد ومن آثاره. وأما الحجة الثالثة: وهي قوله: إن المراد من الآية الذي بيده عقدة النكاح لنفسه فجوابه: أن هذا التقييد لا يقتضيه اللفظ لأنه إذا قيل: فلان في يده الأمر والنهي والرفع والخفض فلا يراد به أن الذي في يده الأمر نفسه ونهى نفسه بل المراد أن في يده أمر غيره ونهى غيره فكذا ههنا. المسألة الثانية: للشافعي أن يتمسك بهذه الآية في بيان أنه لا يجوز النكاح إلا بالولي، وذلك لأن جمهور المفسرين أجمعوا على أن المراد من قوله: {أَوْ يَعْفُوَاْ ٱلَّذِى بِيَدِهِ عُقْدَةُ ٱلنّكَاحِ } إما الزوج وإما الولي، وبطل حمله على الزوج لما بينا أن الزوج لا قدرة له البتة على عقدة النكاح، فوجب حمله على الولي. إذا ثبت هذا فنقول: قوله: {بِيَدِهِ عُقْدَةُ ٱلنّكَاحِ } هذا يفيد الحصر لأنه إذا قيل: بيده الأمر والنهي معناه أنه بيده لا بيد غيره، قال تعالى: {أية : لَكُمْ دِينَكُمْ } تفسير : [الكافرون: 6] أي لا لغيركم، فكذا ههنا بيد الولي عقدة النكاح لا بيد غيره، وإذا كان كذلك فوجب أن يكون بيد المرأة عقدة النكاح وذلك هو المطلوب والله أعلم. قوله تعالى: {وَأَن تَعْفُواْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ } فيه مسائل: المسألة الأولى: هذا خطاب للرجال والنساء جميعاً إلا أن الغلبة للذكور إذا اجتمعوا مع الإناث، وسبب التغليب أن الذكورة أصل والتأنيث فرع في اللفظ وفي المعنى أما في اللفظ فلأنك تقول: قائم. ثم تريد التأنيث فتقول: قائمة. فاللفظ الدال على المذكر هو الأصل، والدال على المؤنث فرع عليه، وأما في المعنى فلأن الكمال للذكور والنقصان للإناث، فلهذا السبب متى اجتمع التذكير والتأنيث كان جانب التذكير مغلباً. المسألة الثانية: موضع {أن} رفع بالابتداء، والتقدير: والعفو أقرب للتقوى، واللام بمعنى إلى. المسألة الثالثة: معنى الآية: عفو بعضكم عن بعض أقرب إلى حصول معنى التقوى وإنما كان الأمر كذلك لوجهين الأول: أن من سمح بترك حقه فهو محسن، ومن كان محسناً فقد استحق الثواب، ومن استحق الثواب نفى بذلك الثواب ما هو دونه من العقاب وأزاله والثاني: أن هذا الصنع يدعوه إلى ترك الظلم الذي هو التقوى في الحقيقة، لأن من سمح بحقه وهو له معرض تقرباً إلى ربه كان أبعد من أن يظلم غيره يأخذ ما ليس له بحق، ثم قال تعالى: {وَلاَ تَنسَوُاْ ٱلْفَضْلَ بَيْنَكُمْ } وليس المراد منه النهى عن النسيان لأن ذلك ليس في الوسع بل المراد منه الترك، فقال تعالى: ولا تتركوا الفضل والإفضال فيما بينكم، وذلك لأن الرجل إذا تزوج بالمرأة فقد تعلق قلبها به، فإذا طلقها قبل المسيس صار ذلك سبباً لتأذيها منه، وأيضاً إذا كلف الرجل أن يبذل لها مهراً من غير أن انتفع بها ألبتة صار ذلك سبباً لتأذيه منها، فندب تعالى كل واحد منهما إلى فعل يزيل ذلك التأذى عن قلب الآخر، فندب الزوج إلى أن يطيب قلبها بأن يسلم المهر إليها بالكلية، وندب المرأة إلى ترك المهر بالكلية، ثم إنه تعالى ختم الآية بما يجرى مجرى التهديد على العادة المعلومة، فقال: {إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}.
القرطبي
تفسير : . فيه ثمان مسائل: الأُولى ـ ٱختلف الناس في هذه الآية؛ فقالت فرقة منها مالك وغيره: إنها مُخْرِجَةٌ المطلَّقةَ بعد الفرض من حكم التَّمتُّع؛ إذْ يتناولها قوله تعالى: {وَمَتِّعُوهُنَّ}. وقال ٱبن المسيب: نسخت هذه الآيةَ الآيةُ التي في «الأحزاب» لأن تلك تضمنت تمتيع كل من لم يدخل بها. وقال قتادة: نسخت هذه الآيةُ الآيةَ التي قبلها. قلت: قول سعيد وقتادة فيه نظر؛ إذْ شروط النسخ غير موجودة والجمع ممكنٌ. وقال ٱبن القاسم في المدوّنة: كان المتاع لكل مطلقة بقوله تعالى: {أية : وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِٱلْمَعْرُوفِ}تفسير : [البقرة: 241] ولغير المدخول بها بالآية التي في سورة «الأحزاب» فاستثنى الله تعالى المفروضَ لها قبل الدخول بها بهذه الآية، وأثبت للمفروض لها نصف ما فُرِض فقط. وقال فريق من العلماء منهم أبو ثور: المتعة لكل مطلقة عموماً، وهذه الآية إنما بيَّنتْ أن المفروض لها تأخذ نصفَ ما فُرض لها، ولم يعن بالآية إسقاط مُتْعتها، بل لها المتعة ونصف المفروض. الثانية ـ قوله تعالى: {فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ} أي فالواجب نصف ما فرضتم، أي من المهر فالنصف للزوج والنصف للمرأة بإجماع. والنصف الجزء من ٱثنين؛ فيقال: نَصَف الماءُ القدحَ أي بلغ نصفه. ونصَف الإزارُ السّاقَ؛ وكل شيء بلغ نصف غيره فقد نصَفَه. وقرأ الجمهور «فَنِصْفُ» بالرفع. وقرأت فرقة «فَنِصْفَ» بنصب الفاء؛ المعنى فٱدفعوا نصف. وقرأ علي بن أبي طالب وزيد بن ثابت «فَنُصْفُ» بضم النون في جميع القرآن وهي لُغَةٌ. وكذلك رَوى الأصمعيُّ قراءةً عن أبي عمرو بن العلاء يقال: نِصف ونُصف ونِصيف، لغات ثلاث في النصف؛ وفي الحديث: «حديث : لو أنّ أحدكم أنفق مثل أحدٍ ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نِصيفه»تفسير : أي نصفه. والنصيف أيضاً القِناع. الثالثة ـ إذا أصدقها ثم طلقها قبل الدخول ونما الصداق في يدها فقال مالك: كل عرض أصدقها أو عبدَ فنماؤهما لهما جميعاً ونقصانه بينهما، وتَوَاه عليهما جميعاً ليس على المرأة منه شيء. فإن أصدقها عَيْناً ذهباً وَرِقاً فٱشترت به عبداً أو داراً أو ٱشترت به منه أو من غيره طِيباً أو شِوَاراً أو غير ذلك مما لها التصرف فيه لجهازها وصلاح شأنها في بقائها معه فلذلك كله بمنزلة ما لوْ أصدقها إياه، ونماؤه ونقصانه بينهما. وإن طلقها قبل الدخول لم يكن لها إلاَّ نصفه، وليس عليها أن تغرم له نصف ما قبضته منه، وإن ٱشترت به أو منه شيئاً تختص به فعليها أن تغرم له نصف صداقها الذي قبضت منه، وكذلك لو ٱشترت من غيره عبداً أو داراً بالألف الذي أصدقها ثم طلقها قبل الدخول رجع عليها بنصف الألف. الرابعة ـ لا خلاف أن من دخل بزوجته ثم مات عنها وقد سمَّى لها أن لها ذلك المسمَّىٰ كاملاً والميراث، وعليها العدّة. وٱختلفوا في الرجل يخلو بالمرأة ولم يجامعها حتى فارقها؛ فقال الكوفيون ومالك: عليه جميع المهر، وعليها العدّة؛ لخبر ٱبن مسعود قال: قضى الخلفاء الراشدون فيمن أغلق باباً أو أرخىٰ سِتراً أن لها الميراث وعليها العدّة؛ ورُوي مرفوعاً خرّجه الدارقُطْنِيّ وسيأتي في «النساء». والشافعيّ لا يوجب مهراً كاملاً، ولا عدّة إذا لم يكن دخولٌ؛ لظاهر القرآن. قال شُريح: لم أسمع الله سبحانه وتعالىٰ ذكرفي كتابه باباً ولا ستراً، إذا زعم أنه لم يمسّها فلها نصف الصداق؛ وهو مذهب ٱبن عباس. وسيأتي ما لعلمائنا في هذا في سورة «النساء» إن شاء الله تعالىٰ عند قوله تعالىٰ: {أية : وَقَدْ أَفْضَىٰ بَعْضُكُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ}تفسير : [النساء: 21]. الخامسة ـ قوله تعالىٰ: {إَلاَّ أَن يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَاْ ٱلَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ ٱلنِّكَاحِ} الآية. {إَلاَّ أَن يَعْفُونَ} ٱستثناء منقطع؛ لأن عفوهنّ عن النصف ليس من جنس أخذهنّ. و «يعفون» معناه يتركن ويصْفَحْن، ووزنه يفعلن. والمعنى إلاَّ أن يتركن النصف الذي وجب لهنّ عند الزوج، ولم تسقط النون مع «أن»؛ لأن جمع المؤنث في المضارع على حالة واحدة في الرفع والنصب والجزم، فهي ضميرٌ وليست بعلامة إعراب فلذلك لم تسقط؛ ولأنه لو سقطت النون لاشتبه بالمذكَّر. والعافياتُ في هذه الآية كل ٱمرأة تملك أمر نفسها، فأذن الله سبحانه وتعالىٰ لهنّ في إسقاطه بعد وجوبه؛ إذ جعله خالص حقِّهنّ، فيتصرفن فيه بالإمضاء والإسقاط كيف شئن، إذا مَلَكّن أمر أنفسهنّ وكنّ بالغاتٍ عاقلاتٍ راشداتٍ. وقال ٱبن عباس وجماعة من الفقهاء والتابعين: ويجوز عفو البكر التي لا ولِيّ لها؛ وحكاه سُحنون في المدوّنة عن غير ٱبن القاسم بعد أن ذكر لابن القاسم أنّ وضعَها نصفَ الصداق لا يجوز. وأما التي في حجر أب أو وصيّ فلا يجوز وضعها لنصف صداقها قولاً واحداً، ولا خلاف فيه فيما أعلم. السادسة ـ قوله تعالىٰ: {أَوْ يَعْفُوَاْ ٱلَّذِي بِيَدِهِ} معطوف على الأوّل مبنيّ، وهذا معربٌ. وقرأ الحسن «أو يعفو» ساكنة الواو، كأنه ٱستثقل الفتحة في الواو. وٱختلف الناس في المراد بقوله تعالىٰ: {أَوْ يَعْفُوَاْ ٱلَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ ٱلنِّكَاحِ} فروى الدّارقطنِيّ عن جبير بن مطعمِ أنه تزوّج آمرأة من بني نصر فطلقها قبل أن يدخل بها، فأرسل إليها الصداق كاملاً وقال: أنا أحق بالعفو منها، قال الله تعالىٰ: {إَلاَّ أَن يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَاْ ٱلَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ ٱلنِّكَاحِ} وأنا أحق بالعفو منها. وتأوّل قوله تعالىٰ: {أَوْ يَعْفُوَاْ ٱلَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ ٱلنِّكَاحِ} يعني نفسه في كل حال قبل الطلاق وبعده، أي عقدة نكاحه؛ فلما أدخل اللام حذف الهاء كقوله: {أية : فَإِنَّ ٱلْجَنَّةَ هِيَ ٱلْمَأْوَىٰ} تفسير : [النازعات: 41] أي مأواه. قال النابغة: شعر : لهم شِيمَةٌ لَم يُعْطِها اللَّهُ غيرَهُم من الجُودِ وَالأحْلاَمُ غيرُ عَوَازِبِ تفسير : أي أحلامهم. وكذلك قوله: {عُقْدَةُ ٱلنِّكَاحِ} أي عقدة نكاحه. وروى الدارقطني مرفوعاً من حديث قُتيبة بن سعيد حدّثنا ٱبن لَهِيعة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ولِيّ عقدة النكاح الزوج»تفسير : .وأسند هذا عن عليّ وٱبن عباس وسعيد بن المسيب وشُريح. قال: وكذلك قال نافع بن جبير ومحمد ابن كعب وطاوس ومجاهد والشعبّي وسعيد بن جبير، زاد غيره ومجاهد والثوريّ؛ وٱختاره أبو حنيفة، وهو الصحيح من قول الشافعيّ، كلهم لا يرى سبيلاً للولِيّ على شيء من صداقها؛ للإجماع على أن الوليّ لو أبرأ الزوج من المهر قبل الطلاق لم يجز فكذلك بعده. وأجمعوا على أن الولِي لا يملك أن يَهب شيئاً من مالها، والمهر مالها. وأجمعوا على أن من الأولياء من لا يجوز عفوهم وهم بنو العمّ وبنو الإخوة، فكذلك الأب، والله أعلم. ومنهم من قال هو الوَلِيّ، أسنده الدارقطنيّ أيضاً عن ٱبن عباس قال: وهو قول إبراهيم وعلقمة والحسن، زاد غيره وعِكرمة وطاوس وعطاء وأبي الزّناد وزيد بن أسلم وربيعة ومحمد بن كعب وٱبن شهاب والأسود بن يزيد والشعبي وقتادة ومالك والشافعي في القديم. فيجوز للأب العفو عن نصف صداق ٱبنته البكر إذا طلقت، بلغت المحيض أم لم تبلغه. قال عيسى بن دِينار: ولا ترجع بشيء منه على أبيها، والدليل على أن المراد الولِيّ أن الله سبحانه وتعالىٰ قال في أوّل الآية: {وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ} فذكر الأزواج وخاطبهم بهذا الخطاب، ثم قال: {إَلاَّ أَن يَعْفُونَ} فذكر النسوان، {أَوْ يَعْفُوَاْ ٱلَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ ٱلنِّكَاحِ} فهو ثالث فلا يردّ إلى الزوج المتقدّم إلاَّ لو لم يكن لغيره وجود، وقد وجد وهو الولِيّ فهو المراد. قال معناه مكيِّ وذكره ٱبن العربي. وأيضاً فإن الله تعالى قال: {إَلاَّ أَن يَعْفُونَ} ومعلوم أنه ليس كل ٱمرأة تعفو، فإن الصغيرة والمحجور عليها لا عفو لهما، فبيّن الله القسمين فقال: {إَلاَّ أَن يَعْفُونَ} أي إن كنّ لذلك أهلاً، {أَوْ يَعْفُوَاْ ٱلَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ ٱلنِّكَاحِ} وهو الوَلِيّ؛ لأن الأمر فيه إليه. وكذلك روى ٱبن وهب وأشهب وٱبن عبد الحكم وٱبن القاسم عن مالك أنه الأب في ٱبنته البكر والسيد في أمته. وإنما يجوز عفوُ الوَلِيّ إذا كان من أهل السّداد، ولا يجوز عفوه إذا كان سفيهاً. فإن قيل: لا نسلم أنه الوَلِيّ بل هو الزوج، وهذا الاسم أولىٰ به؛ لأنه أملك للعقد من الولِي على ما تقدّم. فالجواب ـ أنا لا نُسلِّم أن الزوج أملك للعقد من الأب في ٱبنته البكر، بل أب البكر يملكه خاصة دون الزوج؛ لأن المعقود عليه هو بُضْع البكر، ولا يملك الزوج أن يعقد على ذلك بل الأب يملكه. وقد أجاز شُريح عفو الأخ عن نصف المهر؛ وكذلك قال عكرمة: يجوز عفو الذي عقد عُقْدة النكاح بينهما، كان عماً أو أباً أو أخاً، وإن كرهت. وقرأ أبو نَهيك والشعبيّ «أو يعفو» بإسكان الواو على (التشبيه) بالألف؛ ومثله قول الشاعر:شعر : فما سوّدتْني عامرٌ عن وراثة أبى اللَّه أن أسْمُو بأُمّ ولا أب تفسير : السابعة ـ قوله تعالىٰ: {وَأَن تَعْفُوۤاْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ} ٱبتداء وخبر، والأصل تعفووا أسكنت الواو الأُولىٰ لثقل حركتها ثم حذفت لالتقاء الساكنين، وهو خطاب للرجال والنساء في قول ٱبن عباس فغلب الذكور، واللام بمعنى إلى، أي أقرب إلى التقوىٰ. وقرأ الجمهور «تعفو» بالتاء باثنتين من وفق. وقرأ أبو نَهِيك والشعبي «وأن يعفوا» بالياء، وذلك راجع إلى الذي بيده عقدةُ النكاح. قلت: ولم يقرأ «وأن تعفون» بالتاء فيكون للنساء. وقرأ الجمهور {وَلاَ تَنسَوُاْ ٱلْفَضْلَ} بضم الواو؛ وكسرها يحيى بن يعمر. وقرأ علي ومجاهد وأبو حَيْوَة وٱبن أبي عَبَلة «ولا تناسوا الفضل» وهي قراءة متمكنة المعنى؛ لأنه موضع تناس لا نسيان إلاَّ على التشبيه. قال مجاهد: الفضل إتمام الرجل الصداق كله، أو ترك المرأة النصف الذي لها. الثامنة ـ قوله تعالىٰ: {إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} خبر في ضمنه الوعد للمحسن والحرمان لغير المحسن، أي لا يخفى عليه عفوكم وٱستقضاؤكم.
البيضاوي
تفسير : {وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً} لما ذكر حكم المفوضة أتبعه حكم قسيمها. {فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ } أي فلهن، أو فالواجب نصف ما فرضتم لهن، وهو دليل على أن الجناح المنفي ثم تبعه المهر وأن لا متعة مع التشطير لأنه قسيمها {إَّلا أَن يَعْفُونَ} أي المطلقات فلا يأخذن شيئاً، والصيغة تحتمل التذكير والتأنيث، والفرق في الأول أن الواو ضمير والنون علامة الرفع والثاني لام الفعل والنون ضمير والفعل مبني ولذلك لم يؤثر فيه أن ههنا ونصب المعطوف عليه. {أَوْ يَعْفُوَاْ ٱلَّذِى بِيَدِهِ عُقْدَةُ ٱلنّكَاحِ} أي الزوج المالك لعقده وحله عما يعود إليه بالتشطير فيسوق المهر إليها كاملاً، وهو مشعر بأن الطلاق قبل المسيس مخير للزوج غير مشطر بنفسه، وإليه ذهب بعض أصحابنا والحنفية. وقيل الولي الذي يلي عقد نكاحهن وذلك إذا كانت المرأة صغيرة، وهو قول قديم للشافعي رحمه الله تعالى. {وَأَن تَعْفُواْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ} يؤيد الوجه الأول وعفو الزوج على وجه التخيير ظاهر وعلى الوجه الآخر عبارة عن الزيادة على الحق، وتسميتها عفواً إما على المشالكة وإما لأنهم يسوقون المهر إلى النساء عند التزوج، فمن طلق قبل المسيس استحق استرداد النصف فإذا لم يسترده فقد عفا عنه. وعن جبير بن مطعم أنه تزوج امرأة وطلقها قبل الدخول فأكمل لها الصداق وقال أنا أحق بالعفو. {وَلاَ تَنسَوُاْ ٱلْفَضْلَ بَيْنَكُمْ} أي ولا تنسوا أن يتفضل بعضكم على بعض. {إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} لا يضيع تفضلكم وإحسانكم.
ابن كثير
تفسير : وهذه الآية الكريمة مما يدل على اختصاص المتعة بما دلت عليه الآية الأولى، حيث إنما أوجب في هذه الآية نصف المهر المفروض إذا طلق الزوج قبل الدخول، فإنه لو كان ثم واجب آخر من متعة، لبينها، لا سيما وقد قرنها بما قبلها من اختصاص المتعة بتلك الآية، والله أعلم. وتشطير الصداق والحالة هذه أمر مجمع عليه بين العلماء، لا خلاف بينهم في ذلك، فإنه متى كان قد سمى لها صداقاً، ثم فارقها قبل دخوله بها، فإنه يجب لها نصف ما سمى من الصداق، إلا أن عند الثلاثة أنه يجب جميع الصداق إذا خلا بها الزوج، وإن لم يدخل بها، وهو مذهب الشافعي في القديم، وبه حكم الخلفاء الراشدون، لكن قال الشافعي: أخبرنا مسلم بن خالد، أخبرنا ابن جريج عن ليث بن أبي سليم، عن طاوس، عن ابن عباس أنه قال في الرجل يتزوج المرأة، فيخلو بها، ولا يمسها، ثم يطلقها: ليس لها إلا نصف الصداق؛ لأن الله يقول: {وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ} قال الشافعي: بهذا أقول، وهو ظاهر الكتاب. قال البيهقي: وليث بن أبي سليم، وإن كان غير محتج به، فقد رويناه من حديث ابن أبي طلحة عن ابن عباس، فهو من قوله. وقوله: {إَّلاۤ أَن يَعْفُونَ} أي: النساء، عما وجب لها على زوجها من النصف، فلا يجب لها عليه شيء، قال السدي عن أبي صالح عن ابن عباس في قوله: {إَّلاۤ أَن يَعْفُونَ} قال: إلا أن تعفو الثيب فتدع حقها. قال الإمام أبو محمد بن أبي حاتم رحمه الله: روي عن شريح وسعيد بن المسيب وعكرمة ومجاهد والشعبي والحسن ونافع وقتادة وجابر بن زيد وعطاء الخراساني والضحاك والزهري ومقاتل بن حيان وابن سيرين والربيع بن أنس والسدي نحو ذلك. قال: وخالفهم محمد بن كعب القرظي فقال: {إَّلاۤ أَن يَعْفُونَ} يعني: الرجال، وهو قول شاذ لم يتابع عليه، انتهى كلامه. وقوله: {أَوْ يَعْفُوَاْ ٱلَّذِى بِيَدِهِ عُقْدَةُ ٱلنِّكَاحِ} قال ابن أبي حاتم: ذكر عن ابن لهيعة حدثني عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : ولي عقد النكاح الزوج»تفسير : وهكذا أسنده ابن مردويه من حديث عبد الله بن لهيعة به، وقد أسنده ابن جرير عن ابن لهيعة، عن عمرو بن شعيب، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكره، ولم يقل: عن أبيه عن جده، فالله أعلم. ثم قال ابن أبي حاتم: حدثنا يونس بن حبيب، حدثنا أبو داود، حدثنا جابر، يعني ابن أبي حازم، عن عيسى، يعني ابن عاصم، قال: سمعت شريحاً يقول: سألني علي بن أبي طالب عن الذي بيده عقدة النكاح، فقلت له: هو ولي المرأة، فقال علي: لا، بل هو الزوج، ثم قال: وفي إحدى الروايات عن ابن عباس وجبير بن مطعم وسعيد بن المسيب وشريح في أحد قوليه، وسعيد بن جبير ومجاهد والشعبي وعكرمة ونافع ومحمد بن سيرين والضحاك ومحمد بن كعب القرظي وجابر بن زيد وأبي مجلز والربيع بن أنس وإياس بن معاوية ومكحول ومقاتل بن حيان، أنه الزوج (قلت): وهذا هو الجديد من قولي الشافعي، ومذهب أبي حنيفة وأصحابه، والثوري وابن شبرمة والأوزاعي، واختاره ابن جرير، ومأخذ هذا القول أن الذي بيده عقدة النكاح حقيقة الزوج، فإن بيده عقدها وإبرامها، ونقضها وانهدامها، وكما أنه لا يجوز للوليّ، أن يهب شيئاً من مال المولية للغير، فكذلك في الصداق، قال: والوجه الثاني حدثنا أبي حدثنا ابن أبي مريم، حدثنا محمد بن مسلم، حدثنا عمرو بن دينار، عن ابن عباس ـ في الذي ذكر الله بيده عقدة النكاح ـ قال: ذلك أبوها أو أخوها أو من لا تنكح إلا بإذنه. وروي عن علقمة والحسن وعطاء وطاوس والزهري وربيعة وزيد بن أسلم وإبراهيم النخعي وعكرمة في أحد قوليه، ومحمد بن سيرين في أحد قوليه أنه الولي. وهذا مذهب مالك، وقول الشافعي في القديم، ومأخذه أن الولي هو الذي أكسبها إياه، فله التصرف فيه بخلاف سائر مالها. وقال ابن جرير: حدثنا سعيد بن الربيع الرازي، حدثنا سفيان عن عمرو بن دينار عن عكرمة، قال: أذن الله في العفو، وأمر به، فأي امرأة عفت جاز عفوها، فإن شحت وضنت وعفا وليها، جاز عفوه، وهذا يقتضي صحة عفو الولي، وإن كانت رشيدة، وهو مروي عن شريح، لكن أنكر عليه الشعبي، فرجع عن ذلك، وصار إلى أنه الزوج، وكان يباهل عليه. وقوله: {وَأَن تَعْفُوۤاْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ}. قال ابن جرير: قال بعضهم: خوطب به الرجال والنساء، حدثني يونس، أنبأنا ابن وهب، سمعت ابن جريج يحدث عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس: {وَأَن تَعْفُوۤاْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ} قال: أقربهما للتقوى الذي يعفو، وكذا روي عن الشعبي وغيره. وقال مجاهد والنخعي والضحاك ومقاتل بن حيان والربيع بن أنس والثوري: الفضل ـ ههنا ـ أن تعفو المرأة عن شطرها، أو إتمام الرجل الصداق لها، ولهذا قال: {وَلاَ تَنسَوُاْ ٱلْفَضْلَ بَيْنَكُمْ} أي: الإحسان، قاله سعيد، وقال الضحاك وقتادة والسدي وأبو وائل المعروف: يعني: لا تهملوه، بل استعملوه بينكم، وقد قال أبو بكر بن مردويه: حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم، حدثنا موسى بن إسحاق، حدثنا عقبة بن مكرم، حدثنا يونس بن بكير، حدثنا عبيد الله بن الوليد الوصافي عن عبد الله بن عبيد، عن علي بن أبي طالب، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : ليأتين على الناس زمان عضوض، يعض المؤمن على ما في يديه، وينسى الفضل، وقد قال الله تعالى: {وَلاَ تَنسَوُاْ ٱلْفَضْلَ بَيْنَكُمْ} شرار يبايعون كل مضطر»تفسير : وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع المضطر، وعن بيع الغرر، فإن كان عندك خير فعد به على أخيك، ولا تزده هلاكاً إلى هلاكه، فإن المسلم أخو المسلم لا يحزنه ولا يحرمه. وقال سفيان: عن أبي هارون، قال: رأيت عون بن عبد الله في مجلس القرظي، فكان عون يحدثنا ولحيته ترش من البكاء، ويقول: صحبت الأغنياء فكنت من أكثرهم هماً حين رأيتهم أحسن ثياباً، وأطيب ريحاً، وأحسن مركباً، وجالست الفقراء فاسترحت بهم، وقال: {وَلاَ تَنسَوُاْ ٱلْفَضْلَ بَيْنَكُمْ} إذا أتاه السائل وليس عنده شيء فليدع له، رواه ابن أبي حاتم {إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} أي: لا يخفى عليه شيء من أموركم وأحوالكم، وسيجزي كل عامل بعمله.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ } يجب لهن ويرجع لكم النصف {إِلا } لكن {أَن يَعْفُونَ } أي الزوجات فيتركنه {أَوْ يَعْفُوَاْ ٱلَّذِى بِيَدِهِ عُقْدَةُ ٱلنّكَاحِ } وهو الزوج فيترك لها الكل وعن ابن عباس: الولي إذا كانت محجورة فلا حرج في ذلك {وَأَن تَعْفُواْ } مبتدأ خبره {أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ وَلاَ تَنسَوُاْ ٱلْفَضْلَ بَيْنَكُمْ } أي أن يتفضل بعضكم على بعض {إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } فيجازيكم به.
الماوردي
تفسير : قوله تعالى: {وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ} وهو أول الطلاقين لمن كان قبل الدخول كارهاً، لرواية سعيد، عن قتادة، عن شهر بن حوشب، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ لاَ يُحِبُّ الذوَّاقِينَ وَلا الذَّوَّاقَاتِ". تفسير : يعني الفراق بعد الذوق. ثم قال تعالى: {وَقَدْ فَرَضْتُم لَهُنَّ فَرِيضَةً} يعني صداقاً {فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُم} فيه قولان: أحدهما: معناه فنصف ما فرضتم لهن ليس عليكم غيره لهن، {إلاَّ أَن يَعْفُونَ} يعني به عفو الزوجة، ليكون عفوها أدعى إلى خِطْبَتِها، ويرغّب الأزواج فيها. ثم قال تعالى: {أَو يَعفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ} وفيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أن الذي بيده عقدة النكاح هو الولي، وهو قول ابن عباس، ومجاهد، وطاووس، والحسن، وعكرمة، والسدي. الثاني: هو الزوج، وبه قال علي، وشريح، وسعيد بن المسيب وجبير بن مطعم، ومجاهد، وأبو حذيفة. والثالث: هو أبو بكر، والسيد في أمته، وهو قول مالك. ثم قال تعالى: {وَأَن تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} وفي المقصود بهذا الخطاب قولان: أحدهما: أنه خطاب للزوج وحده، وهو قول الشعبي. والثاني: أنه خطاب للزوج والزوجة، وهو قول ابن عباس. وفي قوله: {أَقْرَبُ لِلتَّقوَى} تأويلان: أحدهما: أقرب لاتقاء كل واحد منهما ظُلْمَ صاحبه. والثاني: أقرب إلى اتقاء معاصي الله.
ابن عطية
تفسير : اختلف الناس في هذه الآية، فقالت فرقة فيها مالك وغيره: إنها مخرجة المطلقة بعد الفرض من حكم التمتيع، إذ يتناولها قوله تعالى: {ومتعوهنَّ}، وقال ابن المسيب: نسخت هذه الآية الآية التي في الأحزاب، لأن تلك تضمنت تمتيع كل من لم يدخل بها. وقال قتادة: نسخت هذه الآية الآية التي قبلها. وقال ابن القاسم في المدونة: كان المتاع لكل مطلقة بقوله تعالى {أية : وللمطلقات متاع بالمعروف} تفسير : [البقرة: 241] ولغير المدخول بها بالآية التي في سورة الأحزاب، الآية: 49 فاستثنى الله المفروض لها قبل الدخول بهذه الآية، وأثبت للمفروض لها نصف ما فرض فقط، وزعم زيد بن أسلم أنها منسوخة بهذه الآية، حكى ذلك في المدونة عن زيد بن أسلم زعماً، وقال ابن القاسم: إنه استثناء، والتحرير برد ذلك إلى النسخ الذي قال زيد، لأن ابن القاسم قال: إن قوله تعالى {أية : وللمطلقات متاع} تفسير : [البقرة: 241] عم الجميع، ثم استثنى الله منه هذه التي فرض لها قبل المسيس، وقال فريق من العلماء منهم أبو ثور: المتعة لكل مطلقة عموماً، وهذه الآية إنما بينت أن المفروض لها تأخذ نصف ما فرض، ولم تعن الآية لإسقاط متعتها بل لها المتعة ونصف المفروض، وقرأ الجمهور "فنصفُ" بالرفع، والمعنى فالواجب نصف ما فرضتم، وقرأت فرقة "فنصفَ" بنصب الفاء، المعنى فادفعوا نصف، وقرأ علي بن أبي طالب وزيد بن ثابت "فنُصف" بضم النون في جميع القرآن، وهي لغة، وكذلك روى الأصمعي قراءة عن أبي عمرو بن العلاء، وقوله تعالى: {إلا أن يعفون} استثناء منقطع لأن عفوهن عن النصف ليس من جنس أخذهن، و {يعفون} معناه يتركن ويصفحن، وزنه يفعلن، والمعنى إلا أن يتركن النصف الذي وجب لهن عند الزوج، والعافيات في هذه الآية كل امرأة تملك أمر نفسها. وقال ابن عباس وجماعة من الفقهاء والتابعين: ويجوز عفو البكر التي لا ولي لها، وحكاه سحنون في المدونة عن غير ابن القاسم بعد أن ذكر لابن القاسم أن وضعها نصف الصداق لا يجوز، وأما التي في حجر أب وصي فلا يجوز وضعها لنصف صداقها قولاً واحداً فيما أحفظ. واختلف الناس في المراد بقوله تعالى: {أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح} فقال ابن عباس وعلقمة وطاوس ومجاهد وشريح والحسن وإبراهيم والشعبي وأبو صالح وعكرمة والزهري ومالك وغيرهم: هو الولي الذي المرأة في حجره، فهو الأب في ابنته التي لم تملك أمرها، والسيد في أمته، وأما شريح فإنه جوز عفو الأخ عن نصف المهر، وقال وأنا أعفو عن مهور بني مرة وإن كرهن، وكذلك قال عكرمة: يجوز عفو الذي عقد عقدة النكاح بينهما، كان عماً أو أخاً أو أباً وإن كرهت، وقالت فرقة من العلماء: الذي بيده عقدة النكاح الزوج، قاله علي بن أبي طالب وقاله ابن عباس أيضاً، وشريح أيضاً رجع إليه، وقاله سعيد ابن جبير وكثير من فقهاء الأمصار، فعلى القول الأول: الندب لهما هو في النصف الذي يجب للمرأة فإما أن تعفو هي وإما أن يعفو وليها، وعلى القول الثاني: فالندب في الجهتين إما أن تعفو هي عن نصفها فلا تأخذ من الزوج شيئاً، وإما أن يعفو الزوج عن النصف الذي يحط فيؤدي جميع المهر، وهذا هو الفضل منهما، وبحسب حال الزوجين يحسن التحمل والتجمل، ويروى أن جبير بن مطعم دخل على سعد بن أبي وقاص فعرض عليه ابنة له فتزوجها، فلما خرج طلقها وبعث إليه بالصداق، فقيل له: لم تزوجتها؟، فقال: عرضها علي فكرهت رده، قيل: فلم تبعث بالصداق؟ قال: فأين الفضل؟ قال القاضي أبو محمد: ويحتج القائلون بأن الذي بيده عقدة النكاح هو الزوج، بأن هذا الولي لا يجوز له ترك شيء من صداقها قبل الطلاق فلا فرق بعد الطلاق. وأيضاً فإنه لايجوز له ترك شيء من مالها الذي ليس من الصداق فماله يترك نصف الصداق؟ وأيضاً فإنه إذا قيل الولي فما الذي يخصص بعض الأولياء دون بعض وكلهم بيده عقدة النكاح وإن كان كافلاً أو وصياً أو الحاكم أو الرجل من العشيرة؟، ويحتج من يقول إنه الولي الحاجر بعبارة الآية، لأن قوله {الذي بيده عقدة النكاح} عبارة متمكنة في الولي، وهي في الزوج قلقة بعض القلق، وليس الأمر في ذلك كما قال الطبري ومكي من أن المطلق لا عقدة بيده بل نسبة العقدة إليه باقية من حيث كان عقدها قبل، وأيضاً فإن قوله {إلا أن يعفون} لا تدخل فيه من لا تملك أمرها لأنها لاعفو لها فكذلك لا يغبن النساء بعفو من يملك أمر التي لا تملك أمرها، وأيضاً فإن الآية إنما هي ندب إلى ترك شيء قد وجب في مال الزوج، يعطي ذلك لفظ العفو الذي هو الترك والاطراح وإعطاء الزوج المهر كاملاً لا يقال فيه عفو، إنما هو انتداب إلى فضل، اللهم إلا أن تقدر المرأة قد قبضته، وهذا طارٍ لا يعتد به، قال مكي: وأيضاً فقد ذكر الله الأزواج في قوله {فنصف ما فرضتم} ثم ذكر الزوجات بقوله {يعفون}، فكيف يعبر عن الأزواج بعد بالذي بيده عقدة النكاح بل هي درجة ثالثة لم يبق لها الإ الولي. قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: وفي هذا نظر، وقرأ الجمهور "أو يعفوَ" بفتح الواو لأن الفعل منصوب، وقرأ الحسن بن أبي الحسن "أو يعفوْ الذي" بواو ساكنة، قال المهدوي: ذلك على التشبيه بالألف، ومنه قول عامر بن الطفيل: [الطويل] شعر : فما سوَّدَتْنِي عامِر عَنْ وِرَاثَةٍ أَبَى اللَّهُ أَنْ أَسْمُوْ بأُمٍّ ولاَ أبِ تفسير : قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: والذي عندي أنه استثقل الفتحة على واو متطرفة قبلها متحرك لقلة مجيئها في كلام العرب، وقد قال الخليل رحمه الله: لم يجىء في الكلام واو مفتوحة متطرفة قبلها فتحة إلا في قولهم عفوة وهو جمع عفو وهو ولد الحمار، وكذلك الحركة ما كانت قبل الواو المفتوحة فإنها ثقيلة، ثم خاطب تعالى الجميع نادباً بقوله {وأن تعفو أقرب للتقوى} أي يا جميع الناس، وهذه قراءة الجمهور بالتاء باثنتين من فوق، وقرأ أبو نهيك والشعبي " وأن يعفو" بالياء، وذلك راجع إلى الذي بيده عقدة النكاح، وقرأ الجمهور "ولا تنسوا الفضل"، وقرأ علي بن أبي طالب ومجاهد وأبو حيوة وابن أبي عبلة "ولا تناسوا الفضل"، وهي قراءة متمكنة المعنى لأنه موضع تناس لا نسيان إلا على التشبيه، وقوله تعالى {ولا تنسوا الفضل} ندب إلى المجاملة، قال مجاهد: الفضل إتمام الزوج الصداق كله أو ترك المرأة النصف الذي لها، وقوله {إن الله بما تعملون بصير} خبر في ضمنه الوعد للمحسن والحرمان لغير المحسن.
ابن عبد السلام
تفسير : {فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ} فلكم استرجاعه، أو فهو لهن ليس عليكم غيره. {إِلآ أَن يَعْفُونَ} ليكون مرغباً للأزواج في خطبتها. {الَّذِى بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِكَاحِ} الولي، أو الزوج، أو أبو البكر. {وَأَن تَعْفُواْ} أيها الأزواج أو الأزواج والزوجات. {لِلتَّقْوَى} إلى اتقاء المعاصي، أو إلى أن يتقي كل واحد منهما ظلم الآخر.
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن} يعني تجامعوهن وهذا في المطلقة بعد تسمية المهر وقبل الدخول حكم الله لها بنصف المهر ولا عدة عليها وهو قوله تعالى: {وقد فرضتم لهن فريضة} أي سميتم لهن مهراً {فنصف ما فرضتم} أي فلهن نصف المهر المسمى، ومذهب الشافعي أن الخلوة من غير مسيس لا توجب إلا نصف المهر المسمى لأن المسيس إما حقيقة في المس باليد أو جعل كناية عن الجماع وأيهما كان فقد وجد الطلاق قبله. وقال أبو حنيفة: الخلوة الصحيحة تقرر المهر ومعنى الخلوة الصحيحة أن يخلو بها وليس هناك مانع حسي ولا شرعي، فالحسي نحو الرتق والقرن أو يكون معهما ثالث، والشرعي نحو الحيض والنفاس وصوم الفرض وصلاة الفرض والإحرام سواء كان فرضاً أو نفلاً، والآية حجة لمذهب الشافعي، قال شريح: لم أسمع الله ذكر في كتابه باباً ولا ستراً إن زعم أنه لم يمسها فلها نصف الصداق، وقال ابن عباس: إذا خلا بها ولم يمسها فلها نصف المهر. فرع: لو مات أحد الزوجين بعد التسمية وقبل المسيس فلها المهر كاملاً وعليها العدة إن كان الزوج هو الميت. وقوله تعالى: {إلاّ أن يعفون} يعني النساء المطلقات والمعنى إلاّ أن لا تترك المرأة نصيبها من الصداق فتهبه للزوج فيعود جميع الصداق إلى الزوج {أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح} فيه قولان: أحدهما أنه الولي وهو قول ابن عباس في رواية عنه والحسن وعلقمة وطاوس والشعبي والنخعي والزهري والسدي وبه قال الشافعي في القديم ومالك. والقول الثاني أنه الزوج، وهو قول علي وابن عباس في الرواية الأخرى وجبير بن مطعم وسعيد بن المسيب وابن جبير ومجاهد والربيع وقتادة ومقاتل والضحاك وحمد بن كعب القرظي وهو قول أبي حنيفة والشافعي في الجديد وأحمد وجمهور الفقهاء فعلى القول الأول يكون معنى الآية إلاّ أن تعفو المرأة إذا كانت ثيباً بالغة من أهل العفو عن نصيبها للزوج أو يعفو وليها إذا كانت المرأة بكراً صغيرة أو غير جائزة التصرف فيجوز عفو وليها فيترك نصيبها للزوج وإنما يجوز عفو الولي بشروط وهي أن تكون بكراً صغيرة ويكون الولي أباً أو جداً لأن غيرهما لا يزوج الصغيرة وعلى القول الثاني أن الذي بيده عقدة النكاح هو الزوج وصحح هذا القول الطبري والواحدي فيكون معنى الآية أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح يعني الزوج فيعطي المرأة الصداق كاملاً لأن الله تعالى لما ذكر عفو المرأة عن النصف الواجب لها ذكر عفو الزوج عن النصف الساقط عنه فيحسن للمرأة أن تعفو ولا تطالب بشيء من الصداق وللرجل أن يعفو فيوفي لها المهر كاملاً. وروي أن جبير بن مطعم تزوج امرأة ثم طلقها قبل الدخول بها فأكمل لها الصداق وقال أنا أحق بالعفو، ولأن المهر حق المرأة فليس لوليها أن يهب من مالها شيئاً، فكذلك المهر لأنه مال لها {وأن تعفوا أقرب للتقوى} هذا خطاب للرجال والنساء جميعاً وإنما غلب جانب التذكير لأن الذكورة هي الاصل والتأنيث فرع عنها والمعنى وعفو بعضكم عن بعض أيها الرجال والنساء أقرب إلى حصول التقوى وقيل هو خطاب للزوج والمعنى وليعف الزوج فيترك حقه الذي ساق من المهر إليها قبل الطلاق فهو أقرب للتقوى {ولا تنسوا الفضل بينكم} يعني ليتفضل بعضكم على بعض فيعطي الرجل الصداق كاملاً أو يترك المرأة نصيبها من الصداق حثهما جميعاً على الإحسان ومكارم الأخلاق {إن الله بما تعملون} يعني من عفو بعضكم لبعض عما وجب له عليه من حق {بصير} أي لا يخفى عليه شيء من ذلك.
ابن عرفة
تفسير : قوله تعالى: {مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ...}. قوله تعالى: {وَأَن تَعْفُوۤاْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ...}. الخطاب للأولياء، ويحتمل أن يكون الخطاب بالأول للزوجات والأولياء ليعفوا عن نصف الصداق إذا لم (يمكن) قبضه، وذلك حيث تكون ملية والزوج معسر. والخطاب (بهذه) للأزواج حيث يكون الزوج مليا والمرأة معسرة فالعفو عما زاد على النصف. ومعنى "أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ" أن الصداق أمر دنيوي وقد ورد "حديث : حبّ الدّنيا رأس كل خطيئة"تفسير : فتركه أقرب للتقوى)، وإنما عدي باللام التي للاختصاص دون (إلى) إشارة إلى خصوص العفو عنه بالتقوى. قوله تعالى: {وَلاَ تَنسَوُاْ ٱلْفَضْلَ بَيْنَكُمْ...}. المراد إما إنشاء التفضل أو مراعاة الفضل المتقدم، أي لا تتركوا أيقاع التفضل ولا تتركوا عند الطلاق مراعاة ما وقع بينكم من الفضل عند عقد النكاح، فإن أريد الأول فيكون تأكيدا لأن ما قبله يغني عنه، وإن أريد الثاني فهو تهييج على (العفو عن) الصداق. قوله تعالى: {بَيْنَكُمْ...}. دليل على أن الخطاب للأزواج وللزوجات وغلب فيه ضمير (المذكر). وقوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}. قال ابن عرفة: وعد ووعيد. قيل له: إنما هو وعد خاصة لأن ما قبله تفضل ومستحب لا واجب؟ فقال: هو وعيد بالذات ويحتمل أن يتناول الواجب.
ابن عادل
تفسير : هذه الآية في المطلَّقة قبل المسيس المفروض لها؛ فبيَّن أنَّ لها نصف ما فرض لها. واختلف أهل العلم في الخلوة، فقال الشَّافعيُّ: إنها تقرر نصف المهر. وقال أبو حنيفة: الخلوة الصَّحيحة: أن يخلو بها، وليس هناك مانعٌ حسي، ولا شرعيٍّ، فالحسِّي: كالرَّتق، والقرن والمرض أو معهما ثالثٌ. والشرعي: كالحيض، والنُّفاس، وصوم الفرض، وصلاة الفرض، والإحرام المطلق؛ فرضاً كان، أو نفلاً. واحتجَّ الشَّافعيُّ: بأن الطلاق قبل المسيس يوجب سقوط نصف المهر؛ لأن قوله تعالى: {فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ} ليس كلاماً تاماً، بل لا بدَّ من إضمار، [شيءٍ، ليتم] الكلام، فإمَّا أن يضمر: "فنصفُ مَا فَرضْتُمْ سَاقِطٌ"، أو يضمر: "فنصفُ مَا فَرَضْتُمْ ثَابِتٌ"، والإضمار الأوّل هو المقصود؛ لوجوه: أحدها: أنّ المعلّق على الشَّيء بكلمة "إِنْ" عدمٌ عند عدم ذلك الشيء ظاهراً؛ فلو حملناه على الوجوب، تركنا العلم بمقتضى التعليق، لأنّه غير منفي قبله، وإذا حملناه على السقوط، عملنا بمقتضى التَّعليق؛ لأنه منفيٌّ قبله. وثانيها: أنَّ قوله تعالى: {وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً} يقتضي وجوب كلِّ المهر عليه، لأنه لمّا التزم كلَّ المهر، لزمه الكلُّ بقوله تعالى: {أية : أَوْفُواْ بِٱلْعُقُودِ}تفسير : [المائدة:1] فلا حاجة إلى بيان ثبوت النصف، وإنَّما المحتاج إليه بيان سقوط النصف؛ لأن المقتضي لوجوب الكل قائمٌ، فكان سقوط البعض هاهنا، هو المحتاج إلى البيان، فكان حمل الآية على بيان السقوط، أولى من حملها على بيان الوجوب. وثالثها: أن الآية الدَّالة على وجوب إيتاء المهر، قد تقدمت في قوله: {أية : وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ مِمَّآ آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً}تفسير : [البقرة:229] فحمل الآية على سقوط النِّصف أولى. ورابعها: أن المذكور في هذه الآية، هو الطلاق قبل المسيس، وهو يناسب سقوط نصف المهر، ولا يناسب وجوب شيءٍ، فلمّا كان إضمار السقوط أولى، لا جرم استقصينا هذه الوجوه؛ لأن منهم من قال: معنى الآية: فنصف ما فرضتم واجبٌ، وتخصيص النصف بالوجوب، لا يدلُّ على سقوط الآخر، إلاّ من حيث دليل الخطاب، وهو عند أبي حنيفة ليس بحجَّة. وقد ذكرنا هذه الوجوه؛ دفعاً لهذا السؤال. واستدلَّ أبو حنيفة بقوله تعالى: {أية : وَءَاتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً فَلاَ تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئاً}تفسير : [النساء:20] إلى قوله: {أية : وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَىٰ بَعْضُكُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ}تفسير : [النساء:21] فنهى تعالى عن أخذ المهر، ولم يفرّق بين الطلاق، وعدم الطَّلاق، إلاَّ إن توافقنا على تخصيص الطلاق قبل الخلوة فمن ادّعى التخصيص - هاهنا - فعليه البيان، وأيضاً فإنّه تعالى نهى عن أخذ المهر، وعلَّل بعلَّة الإفضاء، وهي الخلوة، لأنَّ الإفضاء: مشتقٌّ من الفضاء، وهو المكان الخالي فعلمنا أنَّ الخلوة تقرِّر المهر. والجواب عن ذلك: بأن دليلهم عامٌّ، ودليلنا خاصٌّ، والخاصُّ مقدَّمٌ على العامِّ. قوله تعالى: {وَقَدْ فَرَضْتُمْ}: هذه الجملة في موضع نصب على الحال، وذو الحال يجوز أن يكون ضمير الفاعل، وأن يكون ضمير المفعول؛ لأنَّ الرباط موجودٌ فيهما، والتقدير: وإن طلقتموهن فارضين لهن، أو مفروضاً لهنَّ، و "فَرِيضَة" فيها الوجهان المتقدمان. والفاء في "فَنِصْفُ" جواب الشرط، فالجملة في محلِّ جزمٍ؛ جواباً للشرط، وارتفاع "نِصْفُ" على أحد وجهين: إمَّا الابتداء، والخبر حينئذٍ محذوفٌ، وإن شئت قدَّرته قبله، أي: فعليكم أو فلهنَّ نصف، وإن شئت بعده، أي: فنصف ما فرضتم عليكم - أو لهنَّ - وإمَّا على خبر مبتدأ محذوف، تقديره: فالواجب نصف. وقرأت فرقةٌ: فَنِصْفَ" بالنصب على تقدير: "فَادْفَعُوا، أَوْ أَدُّوا"، وقال أبو البقاء: "ولو قُرِئَ بالنصبِ، لكان وجهه فَأَدَّوا [نِصْفَ]" فكأنه لم يطَّلع عليها قراءة مرويَّةً. والجمهور على كسر نون "نِصْف"، وقرأ زيدٌ وعليٌّ، ورواها الأصمعيُّ قراءة عن أبي عمرو: "فَنُصْف" بضمِّ النون هنا، وفي جميع القرآن، وهما لغتان، وفيه لغةٌ ثالثة: "نَصِيف" بزيادة ياءٍ، ومنه الحديث: "حديث : مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلاَ نَصِيفَهُ ". تفسير : والنَّصيف - أيضاً -: القناع، قاله القرطبي، والنِّصف: الجزء من اثنين، يقال: نصف الماء القدح، أي: بَلَغَ نِصْفَهُ، ونَصَفَ الإزار السّاق، وكلُّ شيءٍ بلغ نصف غيره، فقد نصفه. و "مَا" في "مَا فَرَضْتُمْ" بمعنى "الَّذِي"، والعائدُ محذوف لاستكمالِ الشروطِ، ويضعفُ جعلُها نكرةً موصوفةً. قوله تعالى: {إَلاَّ أَن يَعْفُونَ} في هذا الاستثناء وجهان: أحدهما: أن يكونَ استثناءً منقطعاً، قال ابن عطيَّة وغيره: لأنَّ عَفْوَهُنَّ عَنِ النِّصْفِ لَيْسَ مِنْ جِنْسِ أَخْذِهِنَّ". والثاني: أنه متصلٌ، لكنه من الأحوال؛ لأَنَّ قوله: "فنصفُ ما فَرَضْتُمْ" معناه: فالواجبُ عليكم نصفُ ما فَرَضْتُمْ في كلِّ حال، إلا في حال عَفْوِهِنَّ، فإنه لا يجب، وإليه نَحَا أبو البقاء، وهذا ظاهرٌ، ونظيرُه: {أية : لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلاَّ أَن يُحَاطَ بِكُمْ}تفسير : [يوسف:66] وقال أبو حيان "إِلاَّ أَنَّ مَنْ مَنَعَ أَنْ تَقعَ "أَنْ" وصلتُها حالاً، كسيبويه؛ فإنه يمنعُ ذلك، ويكونُ حينئذٍ منقطعاً". وقرأ الحسن "يَعْفُونَهُ" بهاء مضمومةٍ وفيها وجهان: أحدهما: أنها ضميرٌ يعودُ على النِّصف، والأصلُ: إِلاَّ أَنْ يَعْفُونَ عَنْهُ، فحُذِف حرفُ الجَرِّ، فاتصل الضميرُ بالفعلِ. والثاني: أنها هاءُ السكتِ والاستراحةِ، وإنما ضَمَّها؛ تشبيهاً بهاءِ الضميرِ، كقول الآخر [الطويل] شعر : 1144- هُمُ الفَاعِلُونَ الخَيْرَ والآمِرُونَهُ .......................... تفسير : على أحدِ التأويلين في البَيت أيضاً. وقرأ ابن أبي إسحاق: "تَعْفُونَ" بتاءِ الخطابِ، ووجهها الالتفاتُ من ضميرِ الغَيبة إلى الخطابِ، وفائدةُ هذا الالتفاتِ التحضيضُ على عَفْوِهنَّ، وأنه مندوبٌ. و "يَعْفُونَ" منصوبٌ بـ "أَنْ" تقديراً؛ فإنَّه مبنيٌّ؛ لاتصاله بنونِ الإِناثِ، هذا رأيُ الجمهور، وأمَّا ابن درستويه، والسُّهَيْليُّ: فإنه عندهما معربٌ، وقد فَرَّق الزمخشريُّ وأبو البقاء بين قولك: "الرِّجَالُ يَعْفُونَ" و "النِّسَاءُ يَعْفُونَ" وإنْ كان [هذا] من الواضحاتِ بأنَّ قولك "الرِّجَالُ يَعْفُونَ" الواو فيه ضميرُ جماعة الذكور، وحُذف قبلها واوٌ أخرى هي لام الكلمة، فإن الأصل: "يَعْفُوونَ"، فاسْتُقْقلت الضمةُ على الواوِ الأولى، فحُذِفت، فبقيت ساكنةً، وبعدها واو الضمير أيضاً ساكنةٌ، فحُذِفت الواو الأولى؛ لئلاَّ يلتقي ساكنان، فوزنهُ "يَعْفُونَ"، والنونُ علامة الرفع؛ فإنه من الأمثلةِ الخمسةِ ـ وأَنَّ قولك: "النِّسَاءُ يَعْفُونَ"، الواوُ لامُ الفعل، والنون ضميرُ جماعةِ الإِناثِ، والفعل معها مبنيٌّ، لا يظهرُ للعامِل فيه أَثَرٌ قال شهاب الدين: وقد ناقش الشيخ الزمخشريَّ بأنَّ هذا من الواضحات التي بأدنى قراءة في هذا العلم تُعْرَفُ، وبأنه لم يبيِّنْ حذف الواو من قولك: "الرِّجَالُ يَعْفُونَ"، وأنه لم يذكُرْ خلافاً في بناء المضارع المتَّصلِ بنون الإناث، وكُلُّ هذا سهلٌ لا ينبغي أن يُناقَشَ بمثله. وقوله تعالى: {أَوْ يَعْفُوَاْ ٱلَّذِي} "أَوْ" هنا فيها وجهان: أحدهما: هي للتنويع. والثاني: أنها للتخيير، والمشهورُ فتحُ الواو؛ عطفاً على المنصوبِ قبله، وقرأ الحسن بسكونها واستثقل الفتحة على الواو، فقدَّرها كما يقدِّرها في الألف، وسائرُ العرب على استخفافها، ولا يجوز تقديرها إلا في ضرورةٍ؛ كقوله - هو عامر بن الطُّفَيل - [الطويل] شعر : 1145- فَمَا سَوَّدَتْني عَامِرٌ عَنْ وِرَاثَةٍ أَبَى اللهُ أَنْ أَسْمُوْ بَأُمِّ وَلاَ أَبِ تفسير : ولمَّا سكَّن الواوَ، حُذِفَت للساكن بعدها، وهو اللامُ من "الَّذِي"، وقال ابنُ عطية "والذي عندي أنه استثقل الفتحةَ على واو متطرِّفةٍ قبلها متحرِّكٌ؛ لقلِّةِ مجيئها في كلامهم" وقال الخليل: "لم يجئ في الكلام واوٌ مفتوحةٌ متطرفةٌ قبلها فتحةٌ إلا قولهم "عَفْوَة" جمع عَفْو"، وهو ولدُ الحِمَارِ، وكذلك الحركة - ما كانت - قبل الواو المفتوحةِ فإنَّها ثقيلةٌ" انتهى. قال أبو حيَّان: فقوله: "لقلَّةِ مجيئها"، يعني مفتوحةً، مفتوحاً ما قبلَها، وهذا الذي ذكره فيه تفصيلٌ، وذلك أنَّ الحركةَ قبلها: إمَّا أَنْ تكونَ ضمةً، أو كسرةً، أو فتحةً، فإنْ كانَتْ ضمَّةً: فإمَّا أَنْ يكونَ ذلك في اسم أو فعلٍ، فإنْ كان في فعلٍ، فهو كثيرٌ، وذلك جميعُ أمثلةِ المضارع الداخلِ عليها حرف نصبٍ؛ نحو: "لَنْ يَغْزُوَ"، والذي لحِقَه نونُ التوكيد منها؛ نحو "هلَ يَغْزُوَنَّ"، وكذلك الأمر؛ نحو: "اغْزُوَنَّ"، وكذا الماضي على "فَعُلَ" في التعجب؛ نحو: سَرُوَ الرَّجُل؛ حتى إن ذوات الياء تُرَدُّ إلى الواو في التعجُّب، فيقولون: "لَقَضُوَ الرَّجُلُ"، على ما قُرِّرَ في بابِ التصريف، وإنْ كان ذلك في اسم: فإمَّا أن يكونَ مبنيّاً على هاءِ التأنيث، فيكثر أيضاً؛ نحو: عَرْقُوة وتَرْقُوة وقمحدوة، وإنْ كان قبلها فتحة، فهو قليل؛ كما ذكر الخليل، وإن كان قبلها كسرةٌ، قُلِبت الواوُ ياءً؛ نحو: الغازي والغازية، وشَذَّ من ذلك "أَفْرِوَة" جمع "فَرِوَة"، وهي مَيْلَغَةُ الكَلْب، و "سَوَاسِوَة" وهم: المستوون في الشَّرِّ، و "مَقَاتِوَة" جمع مُقْتَو، وهو السائسُ الخادِمُ، وتَلَخَّصَ من هذا أنَّ المراد بالقليل واوٌ مفتوحةٌ متطرِّفة مفْتُوحٌ ما قبلها [في] اسمٍ غير ملتبسٍ بتاءِ التأنيثِ، فليس قولُ ابن عطية "والَّذي عندي إلَى آخره" بظاهر. والمرادُ بقوله: {ٱلَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ ٱلنِّكَاحِ} قيل: الزوجُ، وقيلَ: الولِيُّ و "أل" في النكاح للعهدِ، وقيل بدلٌ من الإِضافةِ، أي: نكاحُه؛ كقوله: [الطويل] شعر : 1146- لَهُمْ شِيمَةٌ لَمْ يُعْطِهَا اللهُ غَيْرَهُمْ مِنَ الجُودِ، وَالأَحْلاَمُ غَيْرُ عَوَازِبِ تفسير : أي: أحلامُهم، وهذا رأيُ الكوفيِّين. وقال بعضهم: في الكلامِ حذفٌ، تقديره: بيده حِلُّ عُقْدَةِ النِّكَاحِ؛ كما قيل ذلك في قوله: {أية : وَلاَ تَعْزِمُوۤاْ عُقْدَةَ ٱلنِّكَاحِ}تفسير : [البقرة:235]، أي عَقْدَ عُقْدَةِ النكاح، وهذا يؤيِّد أنَّ المرادَ الزَّوْجُ. فصل فيمن بيده عقدة النكاح المراد بقوله: "يَعفُونَ" أي: المطلقاتُ يعفُون عن أزواجهنَّ، فلا يطالبنهم بنصفِ المهرِ. واختلفوا في {ٱلَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ ٱلنِّكَاحِ} فقال علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -، وسعيدُ بن جُبير، والشعبي، وشُرَيحٌ، ومجاهدٌ، وقتادة: هو الزَّوج، وبه قال أبو حنيفة. وقال علقمةُ، وعطاءُ، والحسنُ، والزهريُّ، وربيعةُ: هو الولي، وبه قال أصحابُ الشَّافعيِّ. واحتج الأَوَّلون بوجوهٍ: الأول: أنَّه ليس للولِيّ أَنْ يهب مهرَ وليَّته، صغيرةً كانت، أو كبيرةً. الثاني: أنَّ الَّذي بيد الولِيّ هو عقدُ النكاحِ، فإذا عقد، فقد حصل النكاحُ، والعقدةُ الحاصلةُ بعد العقدِ في يدِ الزَّوج، لا في يدِ الولي. الثالث: روي عن جُبير بن مطعم: أَنَّهُ تزوج امرأةً وطلَّقها قبل أن يدخل بها، فأكمل الصداق، وقال: أنا أحَقُّ بالعفوِ، وهذا يدل على أنّ الصحابةَ فهموا من الآية العفو الصادر من الزوج. واحتج القائِلون بأنّه الوَلِيُّ بوجوهٍ. أحدها: أن عفو الزوج هو أن يعطيها المهرَ كُلَّهُ، وذلك يكون هبةً، والهبةُ لا تُسمَّى عفواً. وأُجيبوا بأنه كان الغالب عندهم، أَنْ يسوق المهرَ كُلَّه إليها، عند التزوج، فإذا طلّق، فقد استحقَّ المُطَالبة بنصفِ ما ساقَهُ إليها، فإذا ترك المطالبة، فقد عفا عنها. وأيضاً، فالعفو قد يُراد به التسهيلُ، يقال: فلانٌ وجد المالَ عفواً صَفْواً، وقد تقدَّم وجهه في تفسير قوله تعالى: {أية : فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ}تفسير : [البقرة:178] فعلى هذا عفو الرجل: أَنْ يبعث إليها كُلَّ الصداقِ على وجهِ السهُولةِ. الثاني: أَنَّ ذكر الزَّوج، قد تقدَّم في قوله تعالى: {وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ} فلو كان المرادُ بـ {ٱلَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ ٱلنِّكَاحِ} هو الزوج، لقال: أَوْ تَعْفُو على سبيل المخاطبةِ فلمَّا عبّر عنه بلفظ الغائب، علِمْنا أَنَّ المرادَ منه غيرُ الأَزواج. وأجيبوا بأَنَّ سبب العُدُولِ عن الخطاب إلى الغيبة؛ التنبيه على المعنى الذي لأجله رغب الزوج في العقد، والمعنى: أَوْ يَعْفُو الزوج الذي حبسها مالك عقد نكاحها عن الأزواج، ولم يكن منها سبب في الفراق وَإِنَّما فارقها الزوج، فلا جرم كان حقيقاً بأَلاَّ ينقصها من مهرِها شيئاً. الثالث: أَنَّ الزوج ليس بيده عَقْدُ عُقْدة النكاح أَلْبَتَّةََ؛ لأنه قبل النكاح كان أَجْنبيّاً عن المرأة، ولا قُدْرة له على التصرف فيها بوجهٍ من الوجوهِ، وأمَّا بعد النكاح، فقد حصل النكاحُ، ولا قُدْرة له على إيجاد الموجودِ، بل له قدرةٌ على إِزالة النكاح، والله - تعالى - أثبت العفو لمن في يدِه، وفي قُدرته عقد النكاح. قوله تعالى: {وَأَن تَعْفُوۤاْ أَقْرَبُ}: "أَنْ تَعْفُوا" في محلِّ رفع بالابتداء؛ لأنه في تأويل "عَفْوُكُمْ"، و "أَقْرَبُ" خبره، وقرأ الجمهور "تَعْفُوا" بالخطاب، والمرادُ الرجالُ والنساءُ، فغلَّبَ المذكَّر لأنه الأصلُ، والتأنيثُ فرعٌ في اللَّفظ، والمعنى؛ أمّا في اللفظ: فإنَّك تقول: "قَائِم"، وإذا أردت التأنيث، قلتَ: "قَائِمَة" فاللفظ الدالُّ على المذكر هو الأَصل، والدالُّ على المؤنَّثِ فرعٌ عليه، وأمَّا المعنى: فلأَنَّ الكمال للذُّكور، والنُّقصانَ للإِناثِ؛ فلهذا متى اجتمع المذكرُ، والمؤنثُ - غُلِّب التذْكير، والظاهِرُ أنه للأزواج خاصَّةً؛ لأنهم المخاطبون في صدر الآيةِ، وعلى هذا فيكونُ التفاتاً من غائبٍ، وهو قوله: {ٱلَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ ٱلنِّكَاحِ} ـ على قولنا إنَّ المرادَ به الزوجُ - [وهو المختارُ] - إلى الخطابِ الأولِ في صدرِ الآية، وقرأ الشَّعبيُّ وأبو نهيك "يَعْفُوا" بياء من تحت، قال أبو حيَّان جعله غائباً، وجُمِع على معنى: {ٱلَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ ٱلنِّكَاحِ}؛ لأنه للجنس لا يُراد به واحدٌ يعني أنَّ قوله: "وَأْنْ يَعْفُوا" أصله "يَعْفُوُونَ"، فلمَّا دخل الناصبُ، حُذِفت نونُ الرفعِ، ثم حُذِفَت الواوُ التي هي لامُ الكلمةِ، وهذه الباقية هي ضميرُ الجماعةِ، جُمِعَ على معنى الموصُول؛ لأنه وإِنْ كان مفرداً لفظاً، فهو مجموعٌ في المعنى؛ لأنه جنسٌ، ويظهر فيه وجهٌ آخرُ، وهو أن تكونَ الواوُ لامَ الكلمةِ، وفي هذا الفعل ضميرٌ مفردٌ يعودُ على الذي بيده عُقدةُ النِّكَاح، إلا أنه قَدَّر الفتحةَ في الواوِ استثقالاً؛ كما تقدَّم في قراءةِ الحسن، تقديره: وأَنْ يَعْفُو الذي بيده عقدةُ النِّكاح. قوله: "لِلتَّقْوَىٰ" متعلِّقٌ بـ "أَقْرَبُ" وهي هنا للتعديةِ، وقيلَ: بل هي للتعليل، و "أَقْرَبُ" تتعدَّى تارةً باللام، كهذه الآيةِ، وتارةً بـ "إِلَى"؛ كقوله تعالى: {أية : وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ ٱلْوَرِيدِ}تفسير : [ق:16]، وليست "إِلَى" بمعنى "اللام"، وقيل: بل هي بمعناها، وهذا مذهبُ الكوفيين، أعني التجوُّزَ في الحروفِ، ومعنى اللامِ و "إِلَى" في هذا الموضع يتقارَبُ. وقال أبو البقاء: يجوزُ في غير القرآن: "أَقْرَبُ مِنَ التقوَى، وإِلَى التقْوَى"، إلاَّ أَنَّ اللامَ هنا تَدُلُّ على [معنًى] غير معنى "إِلَى"، وغيرِ معنى "مِنْ"، فمعنى اللامِ: العفو أَقربُ مِنْ أَجْلِ التقوى، واللام تدلُّ على علَّة قُرب العفو، وإذا قلتَ: أقربُ إلى التقوى، كان المعنى: يقاربُ التقوى؛ كما تقول: "أَنْتَ أَقْرَبُ إِلَيَّ"، و "أَقْرَبُ مِنَ التَّقْوَى" يقتضي أن يكون العفو والتقوَى قريبَيْن، ولكنَّ العفوَ أشدُّ قُرباً من التقوَى، وليس معنى الآية على هذا. انتهى، فجعل اللام للعلة، لا للتعدية، و "إِلَى" للتعدية. واعلم أَنَّ فِعْلَ التعجُّب، وأفعلَ التفضيلِ يتعدَّيان بالحرفِ الذي يتعدَّى به فعلهما قبل أن يكونَ تعجُّباً وتفضيلاً؛ نحو: "مَا أَزْهَدَنِي فِيهِ وَهُوَ أَزْهَدُ فِيهِ"، وإِنْ كان من متعدٍّ في الأصلِ: فإِنْ كان الفعلُ يُفهم علماً أو جَهْلاً، تعدَّيا بالباءِ؛ نحو: "هُوَ أَعْلَمُ بالفِقْهِ"، وإِنْ كان لا يفهم ذلك، تعدَّيا باللامِ، نحو: "مَا أَضْرَبَكَ لِزَيْدٍ" و "أَنْتَ أَضْرَبُ لِعَمرو" إِلاَّ في باب الحُبِّ والبُغْضِ، فإنهما يتعَدَّيان إلى المفعول بـ "في"، نحو: "مَا أَحَبَّ زَيْداً فِي عَمْرو، وَأَبْغَضَهُ فِي خَالِدٍ، وهو أَحَبُّ في بكرٍ، وأَبْغَضُ في خَالِدٍ" وإلى الفاعل المعنويِّ بـ "إِلَى"، نحو "زَيْدٌ أَحَبُّ إِلَى عمرو من خالِدٍ، ومَا أَحَبَّ زَيْداً إِلَى عَمْرو"، أي: إِنَّ عَمْراً يُحِبُّ زَيْداً، وهذه قاعدةٌ جليلةٌ. والمفضَّلُ عليه في الآيةِ الكريمةِ محذوفٌ، تقديرُه: أقربُ للتقوَى من تَرْكِ العَفْوِ، والياءُ في التقوَى بدلٌ من واو، وواوها بدلٌ من ياءٍ؛ لأنها من وَقَيْتُ أَقِي وِقَايَةً، وقد تقدَّم ذلك أوَّلَ السورة. فصل وإنَّما كان العفو أقرب إلى حُصُول التقوى؛ لأن مَنْ سمح بترك حَقِّه، فهو محسنٌ، ومَنْ كان مُحْسِناً، استحقَّ الثواب، وإذا استحق الثواب، فقد اتقى بذلك الثواب ما هو دونه مِنَ العقاب، وأيضاً فإن هذا الصنع يدعوه إلى ترك الظُّلم، وترك الظلم تقوى في الحقيقة؛ لأن مَنْ سمح بحقِّه تقرُّباً إلى ربه، كان أبعد مِنْ أَنْ يظلم غيره. قوله: {وَلاَ تَنسَوُواْ ٱلْفَضْلَ بَيْنَكُمْ} قرأ الجمهور بضمِّ الواو مِنْ "تَنْسَوا"؛ لأنها واوُ ضمير، وقرأ ابن يعمر بكسرها تشبيهاً بواو "لَوْ" كما ضَمّوا الواو من "لَو"؛ تشبيهاً بواو الضمير، وقال أبو البقاء في واوِ "تَنْسَوا" من القراءات ووجوهها ما ذكرناه في {أية : ٱشْتَرُواْ ٱلضَّلاَلَةَ}تفسير : [البقرة:16]، وكان قد قَدَّم فيها خمسَ قراءاتٍ، فظاهرُ كلامه عودُها كلِّها إلى هنا، إلاَّ أنه لم يُنْقَل هنا إلا الوجهان اللذان ذَكَرْتُهما. وقرأ علي ـ رضي الله عنه ـ: "وَلاَ تَنَاسَوا" قال ابن عطيَّة: "وهي قراءة متمكِّنةٌ في المعنى؛ لأنه موضعُ تَنَاسٍ، لا نِسْيَانٍ، إلاَّ على التشبيه"، وقال أبو البقاء: "على باب المفاعلةِ، وهي بمعنى المتاركةِ، لا بمعنى السهو"، وهو قريبٌ من قولِ ابن عطيَّة. قوله تعالى: "بَيْنَكُمْ" فيه وجهان. أحدهما: أنه منصوبٌ بـ "تَنْسَوا". والثاني: أنه متعلِّقٌ بمحذوفٍ على أنَّه حالٌ من الفضلِ، أي كائناً بينَكُمْ، والأولُ أَوْلَى؛ لأنَّ النهيَ عن فِعْلٍ يكونُ بينَهم أبلغ من فعلٍ لا يكونُ بينَهُم والمرادُ بالفضلِ، أي: إفضال بعضكم على بعض بإعطاء الرجل تمامَ الصداقِ، أو تركِ المرأَةِ نصيبها، حثَّهما جميعاً على الإحسان، ثم ختم الآية بما يجري مجرى التهديد، فقال: {إِنَّ ٱللهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}. قال القرطبي: هذا خبرٌ في ضمنه الوعد للمحسنين، والحِرمانُ لغير المحسنين، أي: لا يخفى عليه عفوكم، واستقضاؤكم.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن أبي داود في المصاحف عن الأعمش. أنه قرأ {وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن} وفي قراءة عبد الله (من قبل أن تجامعوهن). وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن ابن عباس في قوله {وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن...} الآية. قال: هو الرجل يتزوّج المرأة وقد سمى لها صداقاً ثم يطلقها من قبل أن يمسها - والمس الجماع - فلها نصف صداقها، وليس لها أكثر من ذلك إلا أن يعفون وهي المرأة الثيب، والبكر يزوّجها غير أبيها، فجعل الله العفو لهن إن شئن عفون بتركهن، وإن شئن أخذن نصف الصداق {أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح} وهو أبو الجارية البكر، جعل الله العفو إليه ليس لها معه أمر إذا طلقت ما كانت في حجره. وأخرج ابن جرير وابن المنذر والنحاس في ناسخه عن سعيد بن المسيب. أنه قال في التي طلقت قبل الدخول وقد فرض لها: كان لها المتاع في الآية التي في الأحزاب، فلما نزلت الآية التي في البقرة جعل لها النصف من صداقها ولا متاع لها، فنسخت آية الأحزاب. وأخرج عبد بن حميد عن الحسن. أن أبا بكر الهذلي سأله عن رجل طلق امرأته من قبل أن يدخل بها: أَلهَا متعة؟ قال: نعم. فقال له أبو بكر: أما نسخها {فنصف ما فرضتم} ؟ قال الحسن: ما نسخها شيء. وأخرج الشافعي وسعيد بن منصور والبيهقي عن ابن عباس أنه قال في الرجل يتزوّج المرأة فيخلو بها ولا يمسها ثم يطلقها: ليس لها إلا نصف الصداق؛ لأن الله تعالى يقول {وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم} . وأخرج البيهقي عن ابن مسعود قال: لها نصف الصداق وإن جلس بين رجليها. وأخرج الطستي عن ابن عباس. أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قول الله {إلا أن يعفون أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح} قال: إلا أن تدع المرأة نصف المهر الذي لها، أو يعطيها زوجها النصف الباقي فيقول: كانت في ملكي وحبستها عن الأزواج. قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم، أما سمعت زهير بن أبي سلمى وهو يقول: شعر : حزماً وبراً للإِله وشيمة تعفو عن خلق المسيء المفسد تفسير : وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني في الأوسط والبيهقي بسند حسن عن ابن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : الذي بيده عقدة النكاح: الزوج ". تفسير : وأخرج وكيع وسفيان والفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم والدارقطني والبيهقي عن علي بن أبي طالب قال {الذي بيده عقدة النكاح} الزوج. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والبيهقي من طرق عن ابن عباس قال {الذي بيده عقدة النكاح} الزوج. وأخرج ابن أبي حاتم والبيهقي عن ابن عباس قال {الذي بيده عقدة النكاح} أبوها، أو أخوها، أو من لا تنكح إلا بإذنه. وأخرج الشافعي عن عائشة أنها كانت تخطب إليها المرأة من أهلها فتشهد، فإذا بقيت عقدة النكاح قالت لبعض أهلها: زوج فإن المرأة لا تلي عقد النكاح. وأخرج ابن أبي شيبة عن سعيد بن جبير ومجاهد والضحاك وشريح وابن المسيب والشعبي ونافع ومحمد بن كعب {الذي بيده عقدة النكاح} الزوج. وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي بشر قال: قال طاوس ومجاهد {الذي بيده عقدة النكاح} هو الولي. وقال سعيد بن جبير: هو الزوج، فكلماه في ذلك فما برحا حتى تابعا سعيداً. وأخرج ابن أبي شيبة عن عطاء والحسن وعلقمة والزهري {الذي بيده عقدة النكاح} هو الولي. وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي عن ابن عباس قال: رضي الله بالعفو وأمر به، فإن عفت فكما عفت، وإن ضنت فعفا وليها الذي بيده عقدة النكاح جاز وإن أبت. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله {إلا أن يعفون} يعني النساء {أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح} هو الولي. وأخرج عبد الرزاق عن ابن المسيب قال: عفو الزوج إتمام الصداق، وعفوها أن تضع شطرها. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {وأن تعفوا أقرب للتقوى} قال: أقربهما إلى التقوى الذي يعفو. وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل {وأن تعفوا أقرب للتقوى} يعني بذلك الزوج والمرأة جميعاً، أمرهما أن يستبقا في العفو وفيه الفضل. وأخرج ابن المنذر عن الضحاك في قوله {وأن تعفوا} قال: يعني الأزواج. وأخرج وكيع وعبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد {ولا تنسوا الفضل بينكم} قال: في هذا وفي غيره. وأخرج ابن جرير عن الضحاك {ولا تنسوا الفضل بينكم} قال: المعروف. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في الآية قال: يحثهم على الفضل والمعروف ويرغبهم فيه. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي وائل {ولا تنسوا الفضل بينكم} قال: هو الرجل يتزوّج فتعينه، أو يكاتب فتعينه وأشباه هذا من العطية. وأخرج ابن أبي حاتم عن عون بن عبد الله {ولا تنسوا الفضل بينكم} قال: إذا أتى أحدكم السائل وليس عنده شيء فليدع له. وأخرج سعيد بن منصور وأحمد وأبو داود وابن أبي حاتم والخرائطي في مساوىء الأخلاق والبيهقي في سننه عن علي بن أبي طالب قال "يوشك أن يأتي على الناس زمان عضوض، يعض الموسر على ما في يديه وينسى الفضل، وقد نهى الله عن ذلك قال الله تعالى {ولا تنسوا الفضل بينكم} . وأخرجه ابن مردويه من وجه آخر عن علي مرفوعاً". وأخرج الشافعي وعبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والبيهقي عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه، أنه تزوّج امرأة لم يدخل بها حتى طلقها فأرسل إليها بالصداق تاماً، فقيل له في ذلك. فقال: أنا أولى بالفضل. وأخرج مالك والشافعي وابن أبي شيبة والبيهقي عن نافع. أن بنت عبد الله بن عمرو وأمها بنت زيد بن الخطاب كانت تحت ابن لعبد الله بن عمر، فمات ولم يدخل بها ولم يسم لها صداقاً، فابتغت أمها صداقها فقال ابن عمر: ليس لها صداق، ولو كان لها صداق لم نمنعكموه ولم نظلمها، فأبت أن تقبل ذلك فجعل بينهم زيد بن ثابت، فقضى أن لا صداق لها ولها الميراث. وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وأحمد وأبو داود والترمذي وصححه والنسائي وابن ماجة والحاكم وصححه والبيهقي عن علقمة. أن قوماً أتوا ابن مسعود فقالوا: إن رجلاً منا تزوّج امرأة ولم يفرض لها صداقاً ولم يجمعها إليه حتى مات، فقال: ما سئلت عن شيء منذ فارقت رسول الله صلى الله عليه وسلم أشد من هذه، فأتوا غيري فاختلفوا إليه فيها شهراً، ثم قالوا في آخر ذلك: من نسأل إذا لم نسألك وأنت آخر أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم في هذا البلد، ولا نجد غيرك؟ فقال: سأقول فيها بجهد رأيي، فإن كان صواباً فمن الله وحده لا شريك له، وإن كان خطأ فمني والله ورسوله منه بريء: أرى أن أجعل لها صداقاً كصداق نسائها لا وكس ولا شطط، ولها ميراث وعليها العدة أربعة أشهر وعشر. قال: وذلك بسمع ناس من أشجع فقاموا، منهم معقل بن سنان فقالوا: نشهد إنك قضيت بمثل الذي قضى به رسول الله صلى الله عليه وسلم في امرأة منا يقال لها بروع بنت واشق. قال: فما رؤي عبد الله فرح بشيء ما فرح يومئذ إلا بإسلامه، ثم قال: اللهم إن كان صواباً فمنك وحدك لا شريك لك. وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة والبيهقي عن علي بن أبي طالب. أنه قال في المتوفى عنها ولم يفرض لها صداق: لها الميراث وعليها العدة ولا صداق لها، وقال: لا نقبل قول الأعرابي من أشجع على كتاب الله. وأخرج الشافعي والبيهقي عن ابن عباس. أنه سئل عن المرأة يموت زوجها وقد فرض لها صداقاً، قال: لها الصداق والميراث. وأخرج مالك والشافعي وابن أبي شيبة والبيهقي عن ابن المسيب. أن عمر بن الخطاب قضى في المرأة يتزوّجها الرجل: أنه إذا أرخيت الستور فقد وجب الصداق. وأخرج ابن أبي شيبة والبيهقي عن الأحنف بن قيس. أن عمر وعلياً رضي الله عنهما قالا: إذا أرخى ستراً وأغلق باباً فلها الصداق كاملاً، وعليها العدة. وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة والبيهقي عن زرارة بن أوفى قال: قضاء الخلفاء الراشدين المهديين أنه من أغلق باباً أو أرخى ستراً فقد وجب الصداق والعدة. وأخرج مالك والبيهقي عن زيد بن ثابت قال: إذا دخل الرجل بامرأته فأرخيت عليهما الستور فقد وجب الصداق. وأخرج البيهقي عن محمد بن ثوبان. أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : من كشف امرأة فنظر إلى عورتها فقد وجب الصداق ".
ابو السعود
تفسير : {وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ} قبل ذلك {فَرِيضَةً} أي وإن طلقتموهن من قبل المسيسِ حال كونِكم مُسمِّين لهن فيما سبق أي عند النكاحِ مَهراً على أن الجملةَ حالٌ من فاعل طلقتُموهن ويجوزُ أن تكون حالاً من مفعوله لتحقق الرابطِ بالنسبة إليهما. ونفس الفرض من المبني للفاعل أو للمفعول وإن لم يقارِنْ حالةَ التطليق لكن اتصاف المطلقِ بالفارضية فيما سبق مما لا ريب في مقارنته لها وكذا الحال في اتصاف المطلقة بكونها مفروضاً لها فيما سبق. {فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ} أي فلهن نصفُ ما سمّيتم لهن من المَهر، فالواجبُ عليكم ذلك، وهذا صريحٌ في أن المنفي في الصورة السابقة إنما هو تبِعةُ المهر وقرىء بالنصب أي فأدوا نصفَ ما فرَضتم ولعل تأخيرَ حكمِ التسمية مع أنها الأصلُ في العقد والأكثرُ في الوقوع لما أن الآية الكريمة نزلت في «حديث : أنصاريٍّ تزوج امرأةً من بني حنيفةَ وكانت مفوضةً فطلقها قبل الدخول بها فتخاصما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له عليه الصلاة والسلام عند إظهار أن لا شيءَ له: "متِّعْها بقَلَنْسُوتك"»تفسير : {إَّلا أَن يَعْفُونَ} استثناءٌ مفرغٌ من أعم الأحوال أي فلهن نصفُ المفروض معيناً في كل حال إلا حالَ عفوِهن فإنه يسقُط ذلك حينئذ بعد وجوبه، وظاهرُ الصيغة في نفسها يحتمل التذكيرَ والتأنيث وإنما الفرقُ في الاعتبار والتحقيق فإن الواوَ في الأولى ضميرٌ والنون علامة الرفع، وفي الثانية لامُ الفعل والنون ضمير والفعل مبنيّ ولذلك لم يؤثرْ فيه إنما تأثيرُه فيما عُطِفَ على محله من قوله تعالى: {أَوْ يَعْفُوَاْ} بالنصب وقرىء بسكون الواو {ٱلَّذِى بِيَدِهِ عُقْدَةُ ٱلنّكَاحِ} أي يتركُ الزوجُ المالك لعقده وحَلّه ما يعود إليه من نصفِ المَهر الذي ساقه إليها كاملاً على ما هو المعتاد تكرماً فإن تركَ حقِّه عليها عفواً بلا شُبهة، أو سمي ذلك عفواً في صورة عدم السَوْق مشاكلةً أو تغليباً لحال السَوْق على حال عدمِه فمرجِعُ الاستثناء حينئذ إلى منع الزيادةِ في المستثنىٰ منه كما أنه في الصورة الأولى إلى منع النقصانِ فيه أي فلهن هذا القدرُ بلا زيادة ولا نقصان في جميع الأحوال إلا في حال عفوهن فإنه حينئذ لا يكون لهن القدرُ المذكور بل ينتفي ذلك أو ينحطّ، أو في حال عفو الزوج فإنه حينئذ يكون لهن الزيادة على ذلك القدر هذا على التفسير الأول وأما على التفسير الثاني فلا بد من المصير إلى جعل الاستثناء منقطعاً لأن في صورة عفوِ الزوجِ لا يُتصور الوجوبُ عليه هذا عندنا، وفي القول القديم للشافعي رحمه الله أن المراد عفوُ الولي الذي بـيده عقدةُ نكاحِ الصغيرة وهو ظاهرُ المأخذ خلا أن الأول أنسبُ بقوله تعالى: {وَأَن تَعْفُواْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ} إلى آخره فإن إسقاط حقِّ الصغيرة ليس في شيء من التقوى. وعن جُبـير بن مُطعِم أنه تزوج امرأةً وطلقها قبل الدخول وأكمل لها الصَّداقَ وقال: أنا أحق بالعفو وقرىء بالياء {وَلاَ تَنسَوُاْ ٱلْفَضْلَ بَيْنَكُمْ} أي لا تتركوا أن يتفضل بعضُكم على بعض كالشيء المنسيِّ وقرىء بكسر الواو، والخطاب في الفعلين للرجال والنساء جميعاً بطريق التغليب {إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} فلا يكاد يُضيع ما عمِلتم من التفضل والإحسان.
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلاَّ أَن يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَاْ ٱلَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ ٱلنِّكَاحِ وَأَن تَعْفُوۤاْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ}. ثم ذكر أن العفو أتم وأحسن، إمَّا من جهة المرأة في النصف المستحق لها، أو من قِبَل الزوج في النصف العائد إليه. ثم قال جلّ ذكره: {وَلاَ تَنسَوُاْ ٱلْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}. يقال من أخذ بالفضل واقتصر على الفرض فعن قريب يخل بالفرض. ويقال نسيان الفضل يقرب صاحبه من البخل، وإن من سُنَّةِ الكرام إذا خفيت عليهم مواضع الكرم أن يشحذوا بصائر الجود لتطالع لطائف الكرم فتتوفر دواعيهم في اقتناء أسباب الفضل.
اسماعيل حقي
تفسير : {وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة} اى وان طلقتموهن من قبل المسيس حال كونكم مسمين لهن عند النكاح مهرا {فنصف ما فرضتم} اى فلهن نصف ما سميتم لهن من المهر وان مات احدهما قبل الدخول فيجب عليه كله لان الموت كالدخول فى تقرير المسمى كذلك فى ايجاب مهر المثل اذا لم يكن فى العقد مسمى {إلا أن يعفون} استثناء من اعم الاحوال اى فلهن نصف المفروض معينا فى كل حال الا فى حال عفوهن اى المطلقات فانه يسقط ذلك حينئذ بعد وجوبه {أو يعفو الذى بيده عقدة النكاح} اى يترك الزوج المالك لعقده وحله ما يعود اليه من نصف المهر الذى ساقه اليها كملا على ما هو المعتاد تكرما فان ترك حقه عليها عفو بلا شبهة فالمراد بقوله الذى بيده عقدة النكاح الزوج لا الولى والمراد بعفوه ان يعطيها الصداق كاملا النصف الواجب عليه والنصف الساقط العائد اليه بالتنصيف وتسمية الزيادة على الحق عفوا لما كان الغالب عندهم ان يسوق الزوج اليها كل المهر عند التزوج فاذا طلقها قبل الدخول فقد استحق ان يطالبها بنصف ما ساق اليها فاذا ترك المطالبة فقد عفا عنها {وأن تعفوا أقرب للتقوى} واللام فى التقوى تدل على علة قرب العفو تقديره العفو اقرب من اجل التقوى اذ الاخذ كأنه عوض من غير معوض عنه او ترك المروءة عند ذلك ترك للتقوى وفى الحديث "حديث : كفى بالمرء من الشح ان يقول آخذ حقى لا اترك منه شيأbr>". تفسير : وفى حديث الاصمعى اتى اعرابى قوما فقال لهم هذا فى الحق او فيما هو خير منه قالوا وما خير من الحق قال التفضل والتغافل افضل من اخذ الحق كله كذا فى المقاصد الحسنة للسخاوى {ولا تنسوا الفضل بينكم} ليس المراد منه النهى عن النسيان لان ذلك ليس فى الوسع بل المراد منه الترك والمعنى لا تتركوا الفضل والافضال فيما بينكم باعطاء الرجل تمام الصداق وترك المرأة نصيبها حثهما جميعا على الحسان والافضال وقوله بينكم منصوب بلا تنسوا: قال السعدى قدس سره شعر : كسى نيك بيند بهر دوسراى كه نيكى رساند بخلق خداى تفسير : {إن الله بما تعملون بصير} فلا يكاد يضيع ما عملتم من التفضل والاحسان. والبصر فى حقه تعالى عبارة عن الوصف الذى به ينكشف كمال نعوت المبصرات وذلك اوضح واجلى مما يفهم من ادراك البصر القاصر على ظواهر المرئيات. والحظ الدينى للعبد من البصر امران. احدهما ان يعلم انه خلق له البصر لينظر الى الآيات وعجائب الملكوت والسموات فلا يكون نظره الا عبرة قيل لعيسى عليه السلام هل احد من الخلق مثلك فقال من كان نظره عبرة وصمته فكرة وكلامه ذكرا فهو مثلى. والثانى ان يعلم انه بمرأى من الله ومسمع فلا يستهين بنظره اليه واطلاعه عليه ومن اخفى عن غير الله ما لا يخفيه عن الله فقد استهان بنظر الله والمراقبة احدى ثمرات الايمان بهذه الصفة فمن قارف معصية وهو يعلم ان الله يراه فما اجسره واخسره ومن ظن انه لا يراه فما اكفره كذا فى شرح الاسماء الحسنى للامام الغزالى. ثم الاشارة فى الآيات ان مفارقة الاشكال من الاصدقاء والعيال لمصلحة دنيوية {أية : لا جناح عليكم} تفسير : [البقرة: 236]. فيها فكيف يكون جناح ان فارقتموهم لمصلحة دينية بل انتم مأمورون بمفارقتهم لزيارة بيت الله فكيف لزيارة الله فان الواجب فى زيارة بيت الله مفارقة الاهالى والاوطان وفى زيارة الله مفارقة الارواح والابدان دع نفسك وتعال قل الله ثم ذرهم فى خوضهم يلعبون وقوله تعالى {أية : ومتعوهن} تفسير : [البقرة: 236]. اشارة الى ان من له من الطلاب واهل الارادة مال فليمتع به اقرباءه واحباءه حين فارقهم فى طلب الحق سبحانه ليزيل عنهم بحلاوة المال مرارة الفراق فان الفطام عن المألوف شديد ولا ينفق المال عليهم بقدر قربهم فى القرابة وبعدهم بل يقسم بينهم على فرائض الله كالميراث فانه قد مات عنهم بالحقيقة وفى قوله تعالى {وإن تعفوا أقرب للتقوى} اشارة الى ان الوصول الى تقوى الله حق تقاته انما هو بترك ما سوى الله والتجاوز عنه فان المواصلة الى الخالق على قدر المفارقة عن المخلوق والتقرب الى الله بقدر التبعد عما سواه وفى قوله تعالى {ولا تنسوا الفضل بينكم} ههنا فى الدنيا فان حلول الجنة ودخولها هناك لا يكون الا من فضله كقوله تعالى {أية : الذى أحلنا دار المقامة من فضله} تفسير : [فاطر: 35]. {إن الله بما تعملون} فى وجدان الفضل وفقدانه {بصير} كذا فى التأويلات النجمية وانما يوجب للعبد الالتفات للخلائق فقدان النور الكاشف للخلائق والا فلو اشرق نور اليقين الهادى الى العلم بان الآخرة خير من الدنيا وان ما عند الله خير وابقى لرأيت الآخرة اقرب من ان يرحل اليها ولرأيت محاسن الدنيا وقد ظهرت كسفه الفناء عليها لان الآتى قطعا كالموجود فى الحال لا سيما ومباديه ظاهرة من تغير الاحوال وانتقال الاهلين والاموال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : ان النور اذا دخل القلب انفسخ وانشرح" قيل يا رسول الله وهل له من علامة يعرف بها قال "التجافى عن دار الغرور والانابة الى دار الخلود والاستعداد للموت قبل نزوله" تفسير : انتهى اللهم اجعلنا ممن استعد للقائك وتهيأ للوصول لنوال وصالك.
الطوسي
تفسير : روى سعيد بن المسيب: أن هذه الآية ناسخة لحكم المتعة في الآية الأولى. قال البلخي: وهذا ليس بصحيح، لأن الآية الأولى تضمنت حكم من لم يدخل بها، ولم يسم لها مهراً إذا طلقها، وهذه تضمنت حكم التي فرض لها صداق إذا طلقت قبل الدخول، وأحد الحكمين غير الآخر. والذي قاله سعيد بن المسيب متوجه على ما قدمناه في الآية من أن دليلها يتناول التي فرض لها المهر. وإن حملنا قوله: "ومتعوهن" على عمومه لزم أن تمتع كل مطلقة وإن سمي لها مهراً. وإن قلنا: لا متعة للمفروض لها الصداق، فلا يلزم نسخ الآية أو تخصيصها إن نزلت معها. وقال جميع أهل التأويل: إنه إذا طلق الرجل من سمي لها مهراً معلوماً قبل أن يدخل بها، فانه يستقر لها نصف المهر، فان كانت ما قبضت شيئاً وجب عليه تسليم نصف المهر، وإن كانت قد سلمت جميع المهر، وجب عليها ردّ نصف المهر، ويستقر لها النصف الآخر. اللغة: والنصف: هو سهم من اثنين،, تقول: نصفه ينصفه، وانتصف انتصافاً، ونصفه تنصيفاً، وأنصفه إنصافاً، وتناصفوا تناصفاً، وناصفه مناصفة، وتنصف تنصفاً. والنصف: المرأة بين المسنه والحدثة، لأنها على نصف المسنة. والناصف: الخادم، وهو ينصف الملوك أي يخدمهم، لأنه يعطيهم النصف من نفسه قسراً وذلا. والانصاف، لأنه كالنصف في العدل. والنصيف: الخمار، لأنه كالنصف في أنه وسط بين الصغير، والكبير، ويقال له: نصيفة. ومنتصف الطريق: وسطه. والمنصف من الشراب الذي طبخ حتى ذهب نصفه. والنصيف: مكيال، لأنه على النصف بالتعديل بين الكبير والصغير. المعنى: وقوله: {أن يعفون} معناه: أن يصح عفوها، من الحرار البالغات غير المولى عليها، لفساد عقلها، فتترك ما يجب لها من نصف الصداق، وهو قول ابن عباس، ومجاهد، وجميع أهل العلم. وقوله: {أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح} قال مجاهد، والحسن، وعلقمة: إنه الولي، وهوالمروي عن أبي جعفر، وأبي عبد الله (ع)، غير أنه لا ولاية لأحد - عندنا - إلا الأب أو الجد على البكر غير البالغ، فأما من عداها، فلا ولاية له إلا بتولية منهما، روي عن علي (ع). وعن سعيد بن المسيب، وشريح، وحماد، وابراهيم، وأبي حذيفة، وابن شبرمة: أنه الزوج، وروي ذلك أيضاً في أخبارنا غير أن الأول أظهر، وهو المذهب، وفيه خلاف بين الفقهاء ذكرناه في الخلاف، وقوينا ما أخبرناه هناك. والألف واللام في قوله {عقدة النكاح} بدل من الاضافة، فمن جعل الزوج قال: تقديره: الذي بيده عقدة نكاحه، ومن جعل الولي، قال: تقدير الذي بيده عقدة نكاحها، ومثله قوله تعالى: {أية : فإن الجنة هي المأوى}تفسير : ومعناه: هي مأواه وقراره وقال النابغة: شعر : لهم شيمة لم يعطها الله غيرهم من الناس والأحلام غير عوازب تفسير : معناه وأحلامهم غير عوازب. ومن جعل العفو للزوج قال: له أن يعفو عن جميع نصفه. ومن جعله للولي: قال أصحابنا له أن يعفو عن بعضه، وليس له أن يعفو عن جميعه، فان امتنعت المرأة من ذلك لم يكن لها ذلك إذا اقتضت المصلحة ذلك، عن أبي عبد الله (ع). واختار الجبائي أن يكون المراد به الزوج، قال: لأنه ليس للولي أن يهب مال المرأة، وقوله: {وأن تعفوا أقرب للتقوى} خطاب للزوج والمرأة، قال لأنه ليس للولي أن يهب مال المرأة. وقوله: {وأن تعفوا أقرب للتقوى} خطاب الزوج، والمرأة جميعاً - في قول ابن عباس - وقيل: للزوج وحده عن الشعبي، وإنما جمع لأنه لكل زوج وقول ابن عباس أقوى لأنه العموم. وإنما كان العفو أقرب للتقوى من وجهين: أحدهما - لاتقاء ظلم كل واحد صاحبه مما يجب من حقه. الثاني - أنه أدعى الى اتقاء معاصي الله، للرغبة فيما رغّب فيه من العفو عماله. الاعراب: وقوله: {فنصف ما فرضتم} رفع على: عليكم نصف ما فرضتم، وكان يجوز أن ينصب في العربية على فأدوا نصف ما فرضتم. وقوله: {ولا تنسوا الفضل بينكم} الواو مضمومة، لأنها واو الجمع، وقياسها أن تكون مع ضم ما قبلها، فاذا لم يوصل اليه جعل الضم منها، وكان يجوز فيها الكسر، ومثله {أية : اشتروا الضلالة} تفسير : على ضعف فيه، وقد مضى ذكره. المعنى: والذي يوجب المهر كاملا الجماع، وهو المراد بالمسيس، وقال أهل العراق: وهو الخلوة التامة إذا أغلق الباب وأرخى الستر، وقد روى ذلك أصحابنا غير أن هذا يعتبر في حق الثيب.
الجنابذي
تفسير : {وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً} فعليكم {فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ} وهذا بيان لاحد شقوق مفهوم المخالفة من الآية السّابقة وبقى شقّ طلاقهنّ بعد المسيس مع الفرض وحكمه ظاهر فانّه بالعقد يثبت الفريضة ويفرض والمسقط للنّصف هو الطّلاق قبل المسيس وقد فرض الطّلاق بعد المسيس وشقّ طلاقهنّ بعد المسيس مع عدم الفرض {إِلاَّ أَن يَعْفُونَ} اى المطلّقات عن النّصف الّذى هو حقّهنّ {أَوْ يَعْفُوَاْ ٱلَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ ٱلنِّكَاحِ} اى الاب او الجدّ او الوكيل المطلق لهنّ، او الوكيل فى امر نكاحهنّ وطلاقهنّ، او المراد من الّذى بيده عقدة النّكاح الازواج والمعنى الاّ ان يعفو الازواج عن النّصف الّذى كان حقّ النّساء وصار بالطّلاق قبل المسيس حقّاً لهم وقد أشير فى الاخبار الى الكلّ ويؤيّد المعنى الاخير قوله تعالى {وَأَن تَعْفُوۤاْ} خطاباً للازواج بظاهره، ويحتمل ان يكون خطاباً للمطلّقين والمطلّقات تغليباً، او لأولياء النّكاح، او للجميع {أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ} عن الظّلم فانّ مطالبة الحقّ الثّابت قلّما تنفكّ عن انكسارٍ ما لقلب المطلوب منه {وَلاَ تَنسَوُاْ ٱلْفَضْلَ} اى الفضل الّذى أنعم الله به على بعضكم فيكون خطاباً للازواج فانّهم فضّلهم الله على النّساء، ومعنى عدم نسيان الفضل تذكّر الفضل الّذى فضّلهم به على النّساء حتّى يكون ذلك التذكّر داعياً لهم الى العفو فانّ ذا الفضل اولى بالعفو والاعطاء، او المعنى لا تنسوا تحصيل الفضل دائراً {بَيْنَكُمْ} فانّ العفو والاعطاء سبب لحصول الفضل وزيادة الدّرجات فليكن كلّ من الازواج والنّساء والاولياء متذكّراً للفضل طالباً له فالآية ترغيب فى العفو للازواج فقط على المعنى الاوّل وللجميع على المعنى الثّانى، روى عن علىّ (ع) انّه قال: سيأتى على النّاس زمان عضوض يعضّ المؤمن على ما فى يده ولم يؤمر بذلك قال الله تعالى: {وَلاَ تَنسَوُاْ ٱلْفَضْلَ إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} فما يفوتكم بالعفو لا يفوته فيجازيكم بعشرة امثاله الى سبعمائة الفٍ.
اطفيش
تفسير : {وإنْ طلقْتمُوهُنَّ مِنْ قبْل أنْ تمسُّوهُنَّ وقَدْ فرضْتُم لهنَّ فَرِيضةً}: جملة قد فرضتم إلى آخره حال ماضية وصاحبها واو طلقتموهن أو هاؤه. {فنِصْف ما فرضْتمْ}: أى فعليكم لهن نصف ما فرضتم أو قالو وجب لهن عليكم نصف ما فرضتم، والآية دليل على أن المنفى فى قوله لا جناح تباعة المهر، وأنه لا متعة مع تنصف المهر بقوله: {فنصف ما فرضتم}، لأن التنصيف قسيم المتعة وكأنه قيل أما الطلاق بلا مس ولا فرض ففيه التمتع، وأما الطلاق بفرض لا يمس ففيه نصف الفرض. {إلاَّ أنْ يعْفُونَ}: عن النصف والاستثناء منقطع، أى إلا عفوهن أى عفو المطلقات أى لكن عفوهن مندوب إليه، وإنما قلت منقطع، لأن عفوهن على النصب ليس من جنس ثبوت نصف المهر لهن على أزواجهن وقيل متصل على تقدير فنصف ما فرضتم فى كل حال إلا حال أن يعفون وقد علمت أن حرف مصدر فاعلم أن يعفون فعل مضارع وفاعل فيعفو مضارع فى محل نصب، وبنى لاتصاله بنون الإناث، والواو حرف علة وهى جزء من الفعل كيدنو ويدعو النون فاعل وهو نون الإناث، ومثل ذلك قوله تعالى: {أية : اللاتى لا يرجون نكاحا}. تفسير : {أوْ يَعْفُوَا}: وقرئ بإسكان الواو عن ظهور النعت تشبيها لها بألف يسعى، وفى ألغيبة التفات إليها من خطاب الأزواج تنبيهاً على علة يرغب بها الزوج فى العفو، وهى الحبس بعقدة النكاح. {الَّذِى بيدهِ عُقْدةُ النكِاح}: وهو الزوج، لأنه يعقد النكاح لنفسه فيعطى الصداق كاملاً فعفو النساء المطلقات ألا يأخذن نصف الصداق عمن طلقهن بلا مس، وقد فرض، وإن أخذنه رددنه، وذلك كله داخل فى الآية، وذلك إن كانت بالغة عاقلة غير مكرهة، وعفو الزوج أن يعطى الصداق كاملا، وسمى إعطاؤه كاملا عفواً باعتبار أنه قد عقده على نفسه أولا كاملا، فلما انتفى المس، وكان الطلاق، كان له إبطال النصف فعفى لها عن إبطاله أو سمى زيادته نصفا الذى لم يلزمه عفو لمجاورته فى الذكور لما هو عفو وهو قوله إلا أن يعفون، وسمى المشاكله كالمعاقبة فى قوله بمثل ما عوقبتم به، أو كان الغالب أن يسوقوا المهر إليهن عند العقد أو بعده، وقيل: الطلاق كاملا فإذا طلقوا قبل المس فلهم أن يردوا منهن النصف، وأن لم يردو فقد عفو أو سمى ذلك عفواً من العفو بمعنى التسهيل يقال: فلان وجد المال عفواً معفوا، وكذلك هى تجده إذا بعث الصداق إليها كاملا، واختلفوا هل تستحق الصداق كله بالعقد، فإن طلقت قبل المس انفسخ النصف أو تستحق به النصف فقط، فإن مست استحقت النصف النصف الآخر، وهذا الطلاق قبله مخير للزوج بين إعطاء النصف والصداق كاملا، وهو قول بعض الشافعية وقول الحنفية أو مشطر للصداق بنفسه، فإن نشأ لزوج منح النصف الآخر بعد، وهو مذهبنا وتفسير الذى بيده عقدة النكاح، فالزوج وهو قول على وابن عباس وجبير بن مطعم وابن المسيب وابن جبير ومجاهد والربيع وقتادة ومقاتل والضحاك ومحمد بن كعب القرطبى، وأحمد وأبى حنفية والشافعى فى جديدة، وجمهور الأمة، وبه قال جبير بن مطعم: روى أنه تزوج امرأة فطلقها قبل أن يدخل بها فأكملها الصداق وقال: إنا أحق بالعفو وأنا الذى بيده عقدة النكاح، فقال له الحسن: الذى بيده عقدة النكاح الولى، ودخل على سعد بن أبى وقاص فعرض عليه بنتا فتزوجها، فلما خرج طلقها وبعث إليها بالصداق كاملا، فقيل له: لِمَ تزوجتها؟ قال: عرضها على فكرهت رده. فقيل لهُ فلم بعثت الصداق كاملا؟ قال: فأين الفضل. وقال ابن عباس وجبير بن مطعم فى رواية عنهما والحسن وعلقمة وطاووس والشعبى والنخعى والزهرى والسدى والشافعى فى قديمه، ومالك: أن الذى بيده عقدة النكاح هو الولى، وإنما يعفو مولى عن النصف الواجب عند هؤلاء إن كان أبا أو جدا، وكانت صغيرة وقيل إن كانت صغيرة محجورة ووليها مطلقا العفو، ووجه كونه هو الذى بيده عقدة النكاح أنه يعقد النكاح على وليته، ولا نكاح إلا بولى والصحيح أن الذى بيده عقدة النكاح الزوج وهو مذهبنا، ويدل له قصة جبير بن مطعم، وهو صحابى أعلم بالتأويل وهو أرجح ما روى عنه وأكثر الصحابة قالوا به ويدله أيضاً قوله تعالى: {وأنْ تعْفُوا أقرب للتَّقَوى}: فإن الخطاب للأزواج بوجوده عديدة من قوله: {وإن طلقتموهن}، إلى قوله: {فنصف ما فرضتم} فناسب أن يكون الخطاب بقوله: {وإن تعفوا} لهم أيضاً فيلزم أن يكون العفو فى قوله: {أو يعفوا الذى بيده عقدة النكاح} عفو الأزواج وأن عفوهم بإيفاء المهر أقرب للتقوى، لأنه إحسان وتفضل بخلاف عفو الولى بإسقاط النصف الواجب لها، فإنه إبطال لحقها وهى صغيرة، ولا وجه فضلا عن أن يكون أقرب للتقوى، وإنما يجوز لسيد الأمة إسقاط صداقها أو نصفه، لأنها ومالها لهُ، وقيل الخطاب فى قوله: {وأن تعفوا} للزوج والمرأة وجميع الناس ممن له إسقاط حق، ومصدر تعفوا مبتدأ وأقرب خبره، والواو فاعل، وأما واو الفعل فحذوف للساكن بعده، وهو واو الفاعل، والمذهب أنه إذا الوطء بأن افترقا عن مجلس العقد بلا طلاق، ثم طلق فلها الصداق كاملا إلا إن أقرت أنه لم يطئها فإنها لا تتزوج فى الحكم حتى تعقد، ولو صدقها الزوج، وإن صوحبت بشهود أو صوحب بهم حتى طلق بلامس تزوجت بلا عدة ومذهب أبى حنيفة فى ذلك قريب من مذهبنا، قال: والخلوة الصحيحة تقرر المهر، ومعنى الخلوة الصحيحة أن يخلو بها وليس هناك مانع حسى ولا شرعى، فالحسى الرتق والقرن، أو يكون معهما ثالث، والشرعى نحو الحيض والنفاس، وصوم الفرض وصلاة الفرض والاعتكاف والإحرام بحج أو عمرة واجبين، والصحبة لهما بواحد مانع الشرعى، إذ لا يحل الوطء بحضرة عاقل يميز، والمذهب أن الرتقاء والقرناء لا يمنعان من كمال الصداق إذا أمكن الوطء بالخلوة، لأنهُ إن جامعها بذكره فى موضع ما من جسدها أو مس فرجها بيده لزمه الصداق، وقال الشافعى: لا يلزمه الصداق إن خلا بها إلا إن أقر بالوطء، ولو زعمت أنهُ وطئها قال شريح: لم يذكر الله تعالى فى كتابه بابا ولا سترا إن زعم أنه لم يمسها فلها نصف الصّداق، وبدل له أن الأصل عدم المس، لأن المس حادث فمن ادعاه فعليه البيان، وكذا قال ابن عباس خلا بها ولم يمسها فلها النصف، ولنا أن العقد جعل الموطء. نفوس الزوجين مائلة إليه بالكلية، وقد أمكن فلا مجيد له عن إكمال الصداق إلا إن أقرت بعدم موجبه والموت عندنا بمنزلة الوطء فنأخذه كاملا إن مات بلا مس، ويأخذها كاملا وإرثها إن ماتت بلا مس. {وَلاَ تَنْسَوُا الفَضْلَ بَيْنَكم}: أى لا تنسوا أن يتفضل بعضكم على بعض، أى لا تتركوه، وهذا يقوى أن الخطاب فى تعفوا للرجال وأزواجهم، لأن الكلام فيهم مع أنهم قد تقدم الإحسان بينهم فندبوا إلى إدامته، ويدل له قراءة أبى نهيك، وأن يعفو بالتحتية كالغيبة فى قوله: {إلا أن يعفون أو يعفوا الذى بيده عقدة النكاح}، والغيبة فى هذا قطعا عائدة للأزواج، والذى بيده عقدة النكاح، وواو {تنسوا} فاعل فتح ما قبلها دلالة على الألف المحذوفة للساكن بعدها، وهى هذه الواو لأنها ساكنة وما حركت إلا لأجل الساكن بعدها، وحركت بالضم لأن محلها الرفع، ولو حذفت للساكن بعدها لم تدل عليه الحركة عليه الحركة قبلها، لأنها فتحة، وقرأ بعضهم بكسر الواو على أصل التخلص من التقاء الساكنين، وذلك لغتان فى كل واو جماعة بعدها ساكن وقبلها فتحة دالة على ألف الفعل، وبين متعلق بتنسوا، ويجوز تعليقه بمحذوف حال من الفضل، والأول أولى، ولا يصح الثانى إلا على الحال المقدرة أو المحكية، فيراد الفضل السابق على الإطلاق فى المحكية ندبوا أن يفعلوا مثله بعد الطلاق، والفضل المستقبل بعده فى المقدرة. {إنَّ اللّهَ بَما تَعْملُونَ بَصِيرٌ}: لا يخفى تفضلكم وعفوكم عنه فهو مجازيكم عليه.
اطفيش
تفسير : {وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ} تحقيقا أو حكما، فإن الخلوة توجب حكم المس، إلا إن اعترفت المرأة بعدمه {وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ} فلهن أو فعليكم، أو فالواجب لهن أو عليكم نصف {مَا فَرَضْتُمْ} فقط، فإن وصلها تاما ردت إليه النصف {إِلآ أَن يَعْفُونَ} أن ناصبة والفعل فى محل النصب مبنى لنون الإناث، والواو حرف، هو آخر الفعل لا ضمير، والضمير النون، والمصدر منصوب على الاستثناء المنقطع لا المتصل، لأنه لو كان هذا متصلا لكان فى التفريغ، وهو لا يكون إلا بعد نفى أو نحوه، أى إلا عفو النساء، أى لكن عفوهن مطلوب، بألا يقبضن النصف الذى لهن أو يقبضن بعضه فقط، إلا أن العفو عند الإطلاق لا ينصرف إلا إلى الكل، فإنما يؤخذ العفو عن البعض من غير نص الآية ولا يصح التفريغ لعدم النفى، فلا يصح ما قيل من أنه تفريغ من أعم الأحوال، وأن التقدير، فلهن نصف المفروض معينا فى كل حال من الأحوال عفوهن، فإنه يسقط، فإنه لا يصح صناعة ولو صح معنى {أَوْ يَعْفُوَاْ الَّذِى بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ} وهو الزوج عندنا فيعطى الصداق كاملا، أو الولى فيرد النصف الذى لها أو بعضه ويضمن لها ولو كانت ابنة طفلة له، أو يرد النصف الذى لأمته أو بعضه، إلا أن إطلاق العفو على إعطاء الزوج النصف الآخر مشكل على قائله، لأن العفو محو حق يمكن استيفاؤه، فإما أن يسمى عفوا للمشاكلة، أو لمعنى مطلق فعل الخير، هو اليسر هنا، أو لتركه عندها، وقد وصلها ولم يسترد النصف مع أن له استرداده، أو لم يصلها لكن عفا عن إبطاله، وقبل يضعف تفسير الذى بيده عقدة النكاح بالولى بقوله {وَأَن تَعْفُواْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} فإن عفو الولى ليس أقرب للتقوى، قلت، هو أقرب للتقوى إذا كان يضمن، وأيضا التقوى قد يطلق على فعل المبرات وإن اشتهر فى ترك المنكرات، لأن فعل الطاعات يستلزم ترك المنكرات، والعفو يستلزم ترك البخل المذموم، والتعبير بالقرب إشارة إلى أن التقوى لا يسهل وصولها، ومؤدى الواجب قريب لها، والزائد أقرب منه. روى أن جبير بن مطعم طلق زوجه قبل الدخول فأكمل لها الصداق، وقال، أنا أحق بالعفو، أى أحق منها ومن وليها، فالعفو ممكن من الثلاثة، وعن ابن عباس، يجوز للأب ترك صداق ابنته الطفة بلا ضمان، رواه البيهقى، وهو قول الشافعى، ولا يؤخذ به، وزعم بعض أن المولى العفو فى ذلك، ولو كانت وليته كبيرة كارهة للعفو، وأنه لا ضمان عليه، وهو مردود {وَلاَ تَنْسُوُاْ} أيها الرجال والنساء لا تتركوا {الْفَضْلَ} فعل الخير {بَيْنَكُمْ} تفعل له الخير، ويفعل لها الخير بعد الطلاق والفداء، مسها أو لم يمسها، ومن ذلك أن يتم لها الصداق أو يزيد دون تمام حيث يجب النصف، وأن تترك له النصف الذى لها أو بعضه، وأن تترك له الصداق كله أو بعضه إذا وجب كله لها، والرجال أحق بالمسارعة كذلك. لأنهم قوامون وأقوى منهن وأعقل، حتى إنه لا يبعد كون الخطاب فى قوله ولا تنسوا لهم، وفى بينكم لهم ولهن، والظرف متعلق بمحذوف حال من الفضل، أو بمحذوف معرف نعت له، أى الفضل الواقع بينكم قب الطلاق، بل ابقوا عليه، وأجاز بعض تعليقه بتنسوا {إِنَّ اللهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} فيجازيكم على ما فعلتم من الفضل بينكم وسائر أعمالكم دنيا وأخرى.
الالوسي
تفسير : {وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً} بيان لحكم التي سمي لها مهر وطلقت قبل المسيس، وجملة {وَقَدْ} الخ إما حال من فاعل {طَلَّقْتُمُوهُنَّ} أو من مفعوله ونفس الفرض من المبني للفاعل أو للمفعول وإن لم يقارن حالة التطليق لكن اتصاف المطلق بالفارضية فيما سبق مما لا ريب في مقارنته لها، وكذا الحال في اتصاف المطلقة بكونها مفروضاً فيما سبق {فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ} أي فلهن نصف ما قدرتم وسميتم لهن من المهر، أو فالواجب عليكم ذلك وهذا صريح في أن المنفي في الصورة السابقة إنما هو تبعة المهر، وقرىء (فنصف) بالنصب على معنى فأدّوا نصف ولعل تأخير حكم التسمية مع أنها الأصل في العقد والأكثر في الوقوع من باب التدرج في الأحكام، وذكر الأشق فالأشق، والقول بأن ذلك لما أن الآية الكريمة حديث : نزلت في أنصاري تزوج امرأة من بني حنيفة وكانت مفوضة فطلقها قبل الدخول بها فتخاصما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له عليه الصلاة والسلام: «أمتعتها؟ قال: لم يكن عندي شيء قال: متعها بقلنسوتك» تفسير : مما لا أراه شيئاً على أن في هذا الخبر مقالا حتى قال الحافظ ولي الدين العراقي: لم أقف عليه. {إَّلا أَن يَعْفُونَ} استثناء مفرغ من أعم الأحوال أي فلهن نصف المفروض معيناً في كل حال إلا حال عفوهن أي المطلقات المذكورات فإنه يسقط ذلك حينئذ بعد وجوبه والصيغة في حد ذاتها تحتمل التذكير والتأنيث، والفرق بالاعتبار فإن الواو في الأولى ضمير والنون علامة الرفع وفي الثانية لام الفعل والنون ضمير والفعل مبني ولذلك لم تؤثر فيه {أن} هنا مع أنها ناصبة لا مخففة بدليل عطف المنصوب عليه من قوله تعالى: {أَوْ يَعْفُوَاْ} وقرأ الحسن بسكون الواو فهو على حد:شعر : أبـى الله أن أسمو بأم ولا أب تفسير : {الَّذِى بِيَدِهِ عُقْدَةُ ٱلنِّكَاحِ} وهو الزوج المالك لعقد النكاح وحله وهو التفسير المأثور عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما أخرجه ابن جرير وابن أبـي حاتم والطبراني في «الأوسط» والبيهقي بسند حسن عن ابن عمر مرفوعاً ـ وبه قال جمع من الصحابة رضي الله تعالى عنهم ـ ومعنى عفوه تركه تكرماً ما يعود إليه من نصف المهر الذي ساقه كملاً على ما هو المعتاد أو إعطاؤه تمام المهر المفروض قبل بعد الطلاق كما فسره بذلك ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وتسمية ذلك عفواً من باب المشاكلة وقد يفسر بالزيادة والفضل كما في قوله تعالى: {أية : يَسْـئَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ ٱلْعَفْوَ } تفسير : [البقرة: 219] وقول زهير:شعر : حزماً وبراً للإله وشيمة تعفو على خلق المسيء المفسد تفسير : فمرجع الاستثناء حينئذ إلى منع الزيادة في المستثنى منه كما أنه في الصورة الأولى إلى منع النقصان فيه أي فلهن هذا المقدار بلا زيادة ولا نقصان في جميع الأحوال إلا في حال عفوهن فإنه لا يكون إذ ذاك لهن القدر المذكور بل ينتفي أو ينحط، أو في حال عفو الزوج فإنه وقتئذ تكون لهن الزيادة هذا على تقدير الأول في {فَنِصْفُ} غير ملاحظ فيه الوجوب، وأما على التقدير الثاني فلا بد من القطع بكون الاستثناء منقطعاً لأن في صورة عفو الزوج لا يتصور الوجوب عليه كذا قيل فليتدبر، وذهب ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في إحدى الروايات عنه وعائشة وطاوس ومجاهد وعطاء والحسن وعلقمة والزهري والشافعي رضي الله تعالى عنه في قوله القديم إلى ـ أن الذي بيده عقدة النكاح ـ هو الولي الذي لا تنكح المرأة إلا بإذنه فإن له العفو عن المهر إذا كانت المنكوحة صغيرة في رأي البعض ومطلقاً في رأي الآخرين وإن أبت. والمعول عليه هو المأثور وهو الأنسب بقوله تعالى: {وَأَن تَعْفُواْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ} فإن إسقاط حق الغير ليس في شيء من التقوى وهذا خطاب للرجال والنساء جميعاً، وغلب المذكر لشرفه وكذا فيما بعد ـ واللام ـ للتعدية، ومن قواعدهم التي قلّ من يضبطها أن أفعل التفضيل وكذا فعل التعجب يتعدى بالحرف الذي يتعدى به فعله كأزهد فيه من كذا وإن كان من متعد في الأصل فإن كان الفعل يفهم علماً أو جهلاً تعدى ـ بالباء ـ كأعلم بالفقه وأجهل بالنحو، وإن كان لا يفهم ذلك تعدى باللام كأنت أضرب لعمرو إلا في باب الحب والبغض فإنه يتعدى إلى المفعول ـ بفي ـ كهو أحب في بكر وأبعض في عمرو وإلى الفاعل المعنوي بإلى كزيد أحب إلى خالد من بشر أو أبغض إليه منه، وقرىء (وأن يعفوا) ـ بالياء ـ. {وَلاَ تَنسَوُاْ ٱلْفَضْلَ بَيْنَكُمْ} عطف على الجملة الإسمية المقصود منها الأمر على أبلغ وجه أي لا تتركوا أن يتفضل بعضكم على بعض كالشيء المنسي، والظرف إما متعلق بتنسوا أو بمحذوف وقع حالا من الفضل وحمل الفضل على الزيادة إشارة إلى ما سبق من قوله تعالى:{أية : وَلِلرّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ } تفسير : [البقرة: 228] في الدرج الأسفل من الضعف، وقيل: إن الظرف متعلق بمحذوف وقع صفة للفضل على رأي من يرى حذف الموصول مع بعض صلته والفضل بمعنى الإحسان أي ـ لا تنسوا الإحسان ـ الكائن بينكم من قبل وليكن منكم على ذكر حتى يرغب كل في العفو مقابلة الإحسان صاحبه عليه، وليس بشيء لأنه على ما فيه يرد عليه أن لا إحسان في الغالب بين المرأة وزوجها قبل الدخول، وقرأ علي كرم الله تعالى وجهه ـ ولا تناسوا ـ وبعضهم ـ ولا تنسوا ـ بسكون الواو. {إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} فلا يكاد يضيع ما عملتم.
د. أسعد حومد
تفسير : {أَوْ يَعْفُوَاْ} (237) - إذا طَلَّقَ الزَّوْجُ زَوْجَتَهُ وَقَدْ فَرَضَ لَهَا مَهْراً قَبْلَ أنْ يَمَسَّها، فَعَلَيهِ نِصْفُ المَهْرِ، إلاَّ أنْ تَعْفُوَ الزَّوْجَةُ أوِ الوَليُّ الذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ، أوْ يَعْفُو الزَّوْجُ وَيَتْرُكَ مَا يَعُودُ إليهِ مِنْ نِصْفِ المَهْرِ الذِي سَاقَهُ عِنْدَ العَقْدِ إليها تَكُرُّماً مِنْهُ. وَحَثَّ اللهُ تَعَالَى الرِّجَالَ وَالنِّسَاءَ عَلَى العَفْوِ، وَجَعَلَ اللهُ أقْرَبَهُمْ للتَّقْوَى هُوَ الذِي يَعْفُو، لاَ سِيَّما إذا كَانَ الطَّلاَقُ بِلا دَاعٍ مِنْ قِبَلِ أَحَدِهِما. وَيَحُثُّ اللهُ المُؤْمِنينَ عَلَى أنْ لاَ يُنْسَوْا أَنَّ الخَيْرَ فِي التَّفَضُّلِ وَحُسْنِ المُعَامَلَةِ، لأنَّ ذَلِكَ أجْلَبُ للمَوَدَّةِ وَالتَّحَابِّ بَيْنَ النَّاسِ، وَيُذَكِّرُهُمْ تَعَالَى بأنّه مُطَّلِعٌ عَلَى ضَمَائِرِهِمْ، وَأنَّهُ سَيُجَازِيهِمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ. وَإذا مَاتَ أحَدُ الزَّوْجَينِ قَبْلَ الدُّخُولِ وَجَبَ المَهْرُ كُلُّهُ لأنَّ المَوْتَ كَالدُّخُولِ يُوجِبُ المَهْرَ كُلَّهُ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : أي ما دام لم يدخل بها ولم يتمتع بها فلا تأخذ المهر كله، إنما يكون لها النصف من المهر. ولنعلم أن هناك فرقاً بين أن يوجد الحكم بقانون العدل، وبين أن يُنظر في الحكم ناحية الفضل، وأحكي هذه الواقعة لنتعلم منها: ذهب اثنان إلى رجل ليحكم بينهما فقالا: احكم بيننا بالعدل. قال: أتحبون أن أحكم بينكما بالعدل؟ أم بما هو خير من العدل؟ فقالا: وهل يُوجد خير من العدل؟ قال: نعم. الفضل. إن العدل يعطي كل ذي حق حقه، ولكن الفضل يجعل صاحب الحق يتنازل عن حقه أو عن بعض حقه. إذن فالتشريع حين يضع موازين العدل لا يريد أن يُحرم النبع الإيماني من أريحية الفضل؛ فهو يعطيك العدل، ولكنه سبحانه يقول بعد ذلك: {وَلاَ تَنسَوُاْ ٱلْفَضْلَ بَيْنَكُمْ} [البقرة: 237]؛ فالعدل وحده قد يكون شاقاً وتبقى البغضاء في النفوس، ولكن عملية الفضل تنهي المشاحة والمخاصمة والبغضاء. والمشاحة إنما تأتي عندما أظن أني صاحب الحق، وأنت تظن أنك صاحب الحق، ومن الجائز أن تأتي ظروف تزين لي فهمي، وتأتي لك ظروف تزين لك فهمك، فحين نتمسك بقضية العدل لن نصل إلى مبلغ التراضي في النفوس البشرية. ولكن إذا جئنا للفضل تراضينا وانتهينا. والحق سبحانه وتعالى يقول: {وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ} [البقرة: 237] أي من قبل أن تدخلوا بهن {وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً} [البقرة: 237] يعني سميتم المهر {فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلاَّ أَن يَعْفُونَ} [البقرة: 237] والمقصود بـ "يعفون" هو الزوجة المطلقة. إن بعض الجهلة يقولون والعياذ بالله: إن القرآن فيه لحن. وظنوا أن الصحيح في اللغة أن يأتي القول: إلا أن يعفوا بدلاً من "إلا أن يعفون". وهذا اللون من الجهل لا يفرق بين "واو الفعل" و"واو الجمع" إنها هنا "واو الفعل" فقول الحق: "إلا أن يعفون" مأخوذة من الفعل "عفا" و"يعفو". وهكذا نفهم أن للزوجة أن تعفو عن نصف مهرها وتتنازل عنه لزوجها. ويتابع الحق: {أَوْ يَعْفُوَاْ ٱلَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ ٱلنِّكَاحِ} [البقرة: 237] والمقصود به الزوج وليس الولي، لأن سياق الآية يُفهم منه أن المقصود به هو الزوج، مع أن بعض المفسرين قالوا: إنه ولي الزوجة. ولنا أن نعرف أن الولي ليس له أن يعفو في مسألة مهر المرأة؛ لأن المهر من حق الزوجة، فهو أصل مال، وأصل رزق في حياة الناس؛ لأنه نظير التمتع بالبضع. ولذلك تجد بعض الناس لا يصنعون شيئاً بصداق المرأة، ويدخرونه لها بحيث إذا مرض واحد اشترت له من هذا الصداق ولو قرص اسبرين مثلاً؛ لأنه علاج من رزق حلال، فقد يجعل الله فيه الشفاء. فالمرأة تحتفظ بصداقها الحلال لمثل هذه المناسبات لتصنع به شيئاً يجعل الله فيه خيراً، لأنه من رزق حلال لا غش فيه ولا تدليس. وأرد المفسرين الذين نادوا بأن ولي الزوجة هو الذي يعفو وأقول: لماذا يأتي الله بحكم تتنازل فيه المرأة عن حقها وأن تعفو عن النصف، والرجل لا يكون أريحياً ليعفو عن النصف؟ لماذا تجعل السماء الغرم كله على المرأة؟ هل من المنطقي أن تعفو النساء أو يعفو الذي بيده عقد النكاح يعني أولياء الزوجة، فنجعل العفو يأتي من الزوجة ومن أوليائها؛ أي من جهة واحدة؟ إن علينا أن نحسن الفهم لسياق الفضل الذي قال الله فيه: {وَلاَ تَنسَوُاْ ٱلْفَضْلَ بَيْنَكُمْ} [البقرة: 237]، إن التقابل في العفو يكون بين الاثنين، بين الرجل والمرأة، ونفهم منه المقصود بقوله تعالى: {أَوْ يَعْفُوَاْ ٱلَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ ٱلنِّكَاحِ} [البقرة: 237] أنه هو الزوج، فكما أن للمرأة أن تعفو عن النصف المستحق لها فللزوج أن يعفو أيضاً عن النصف المستحق له. ويقول الحق: {وَأَن تَعْفُوۤاْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ} [البقرة: 237]؛ لأن من الجائز جداً أن يظن أحد الطرفين أنه مظلوم، وإن أخذ النصف الذي يستحقه. لكن إذا لم يأخذ شيئاً فذلك أقرب للتقوى وأسلم للنفوس. ولنا أن نتذكر دائماً في مثل هذه المواقف قول الحق: {وَلاَ تَنسَوُاْ ٱلْفَضْلَ بَيْنَكُمْ} [البقرة: 237] فحتى في مقام الخلاف الذي يؤدي إلى أن يفترق رجل عن امرأة لم يدخل بها يقول الله: {وَلاَ تَنسَوُاْ ٱلْفَضْلَ بَيْنَكُمْ} [البقرة: 237] أي لا تجعلوها خصومة وثأراً وأحقاداً، واعلموا أن الحق سبحانه يجعل من بعض الأشياء أسباباً مقدورة لمقدور لم نعلمه. وهذه المسألة تجعل الإنسان لا يعتقد أن أسبابه هي الفاعلة وحدها. ومثال ذلك: قد نجد رجلاً قد أعجب بواحدة رآها فتزوجها، أو واحدة أخرى رآها شاب ولم تعجبه، ثم جاء لها واحد آخر فأعجب بها، معنى ذلك أن الله عز وجل كتب لها القبول ساعة رأت الشاب أهلاً لها ورآها هي أهلاً له. ولذلك كان الفلاحون قديماً يقولون: لا تحزن عندما يأتي واحد ليخطب ابنتك ولا تعجبه؛ لأنه مكتوب على جبهة كل فتاة: أيها الرجال عفوا - بكسر العين وتشديد الفاء - عن نساء الرجال؛ فهي ليست له، ولذلك فليس هذا الرجل من نصيبها. وعلينا ألا نهمل أسباب القدر في هذه الأمور؛ لأن هذا أدعى أن نحفظ النفس البشرية من الأحقاد والضغائن. ويختم الحق الآية بقوله: {إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [البقرة: 237] إنه سبحانه يعلم ما في الصدور وما وراء كل سلوك. وبعد ذلك تأتي آية لتثبت قضية إيمانية، هذه القضية الإيمانية هي أن تكاليف الإسلام كلها تكاليف مجتمعة، فلا تستطيع أن تفصل تكليفاً عن تكليف، فلا تقل: "هذا فرض تعبدي" و"هذا مبدأ مصلحيّ" و"هذا أمر جنائي"، لا. إن كل قضية مأمور بها من الحق هي قضية إيمانية تُكَوِّنُ مع غيرها منهجا متكاملاً. فبعد أن تكلم الحق سبحانه وتعالى عن الطلاق يقول: {حَافِظُواْ عَلَى ٱلصَّلَوَاتِ وٱلصَّلاَةِ ٱلْوُسْطَىٰ ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقولهُ تعالى: {إِلاَّ أَن يَعْفُونَ} معناهُ أَنْ يَترُكْنَّ، يَعني النِّساءَ. تفسير : وقولهُ تعالى: {ٱلَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ ٱلنِّكَاحِ} وهو الزوجُ. ويقالُ: هو الوَليُّ.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : أي: إذا طلقتم النساء قبل المسيس، وبعد فرض المهر، فللمطلقات من المهر المفروض نصفه، ولكم نصفه. هذا هو الواجب ما لم يدخله عفو ومسامحة، بأن تعفو عن نصفها لزوجها، إذا كان يصح عفوها، { أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ } وهو الزوج على الصحيح لأنه الذي بيده حل عقدته؛ ولأن الولي لا يصح أن يعفو عن ما وجب للمرأة، لكونه غير مالك ولا وكيل. ثم رغب في العفو، وأن من عفا، كان أقرب لتقواه، لكونه إحسانا موجبا لشرح الصدر، ولكون الإنسان لا ينبغي أن يهمل نفسه من الإحسان والمعروف، وينسى الفضل الذي هو أعلى درجات المعاملة، لأن معاملة الناس فيما بينهم على درجتين: إما عدل وإنصاف واجب، وهو: أخذ الواجب، وإعطاء الواجب. وإما فضل وإحسان، وهو إعطاء ما ليس بواجب والتسامح في الحقوق، والغض مما في النفس، فلا ينبغي للإنسان أن ينسى هذه الدرجة، ولو في بعض الأوقات، وخصوصا لمن بينك وبينه معاملة، أو مخالطة، فإن الله مجاز المحسنين بالفضل والكرم، ولهذا قال: { إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } . ثم قال تعالى: { حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا ...}.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 121 : 47 - سفين عن بن جريج عن عطاء عن بن عباس {وَأَن تَعْفُوۤاْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ} قال، إيما عفا، كان أقرب إلى الله عز وجل. [الآية 237].
همام الصنعاني
تفسير : 293- عبد الرزاق، قال: حدّثنا معمر، عن قتادة، عن ابن المسيب، في قوله تعالى: {فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ}: [الآية: 237]، قال: لها نصف الصداق ولا متعة لَها. 294- عبد الرزاق، قال: حدثنا معمر، وقال الزهري: لكل مطلقة متعةٌ. 295- عبد الرزاق، قال: حدّثنا معمر، عن قتادة، عن سعيد بن المسيّب، وأيوب، عن ابن سيرين، عن شريح، وابن أبي نجيح، عَنْ مجاهد، قالوا: {ٱلَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ ٱلنِّكَاحِ}: [الآية: 237]، الزوج قال معمر، وقال الحسن: هو الولي. عبد الرزاق، عن معمر، وقال الزهري: هو الأب. وقوله تعالى: {إِلاَّ أَن يَعْفُونَ}: [الآية: 237]، يعني المرأة.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):