٢ - ٱلْبَقَرَة
2 - Al-Baqara (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
238
Tafseer
الرازي
تفسير : الحكـم السادس عشر حكم المحافظة على الصلوات والصلاة الوسطى اعلم أنه سبحانه وتعالى لما بين للمكلفين ما بين من معالم دينه، وأوضح لهم من شرائع شرعه أمرهم بعد ذلك بالمحافظة على الصلوات وذلك لوجوه أحدها: أن الصلاة لما فيها من القراءة والقيام والركوع والسجود والخضوع والخشوع تفيد انكسار القلب من هيبة الله تعالى، وزوال التمرد عن الطبع، وحصول الانقياد لأوامر الله تعالى والانتهاء عن مناهيه، كما قال: {أية : إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر } تفسير : [العنكبوت: 45] والثاني: أن الصلاة تذكر العبد جلالة الربوبية وذلة العبودية وأمر الثواب والعقاب فعند ذلك يسهل عليه الانقياد للطاعة ولذلك قال: {أية : ٱسْتَعِينُواْ بِٱلصَّبْرِ وَٱلصَّلَوٰةِ } تفسير : [البقرة: 45] والثالث: أن كل ما تقدم من بيان النكاح والطلاق والعدة اشتغال بمصالح الدنيا، فأتبع ذلك بذكر الصلاة التي هي مصالح الآخرة، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: أجمع المسلمون على أن الصلاة المفروضة خمسة، وهذه الآية التي نحن في تفسيرها دالة على ذلك، لأن قوله: {حَـٰفِظُواْ عَلَى ٱلصَّلَوٰتِ } يدل على الثلاثة من حيث أن أقل الجمع ثلاثة، ثم إن قوله تعالى: {والصلاة الوسطى} يدل على شيء أزيد من الثلاثة، وإلا لزم التكرار، والأصل عدمه، ثم ذلك الزائد يمتنع أن يكون أربعة، وإلا فليس لها وسطى، فلا بد وأن ينضم إلى تلك الثلاثة عدد آخر يحصل به للمجموع وسط، وأقل ذلك أن يكون خمسة، فهذه الآية دالة على وجوب الصلوات الخمسة بهذا الطريق، واعلم أن هذا الاستدلال إنما يتم إذا بينا أن المراد من الوسطى ما تكون وسطى في العدد لا ما تكون وسطى بسبب الفضيلة ونبين ذلك بالدليل إن شاء الله تعالى إلا أن هذه الآية وإن دلت على وجوب الصلوات الخمس لكنها لا تدل على أوقاتها، والآيات الدالة على تفصيل الأوقات أربع: الآية الأولى: قوله: {أية : فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون * وله الحمد في السموات والأرض وعشياً وحين تظهرون}تفسير : [الروم: 17، 18] وهذه الآية أبين آيات المواقيت فقوله: {فَسُبْحَانَ ٱللَّهِ } أي سبحوا الله معناه صلوا لله حين تمسون، أراد به صلاة المغرب والعشاء {وَحِينَ تُصْبِحُونَ } أراد صلاة الصبح {أية : وَعَشِيّاً }تفسير : [مريم: 11] أراد به صلاة العصر {وَحِينَ تُظْهِرُونَ } صلاة الظهر. الآية الثانية: قوله: {أية : أَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ لِدُلُوكِ ٱلشَّمْسِ إِلَىٰ غَسَقِ ٱلَّيْلِ } تفسير : [الإسراء: 78] أراد بالدلوك زوالها فدخل فيه صلاة الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، ثم قال: {أَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ } أراد صلاة الصبح. الآية الثالثة: قوله: {أية : وَسَبّحْ بِحَمْدِ رَبّكَ قَبْلَ طُلُوعِ ٱلشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ ءَانَاء ٱلَّيْلِ فَسَبّحْ وَأَطْرَافَ ٱلنَّهَارِ } تفسير : [طهۤ: 130] فمن الناس من قال: هذه الآية تدل على الصلوات الخمس، لأن الزمان إما أن يكون قبل طلوع الشمس أو قبل غروبها، فالليل والنهار داخلان في هاتين اللفظتين. الآية الرابعة: قوله تعالى: {أية : وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ طَرَفَىِ ٱلنَّهَارِ وَزُلَفاً مِّنَ ٱلَّيْلِ } تفسير : [هود: 114] فالمراد بطرفي النهار: الصبح، والعصر، وقوله: {وَزُلَفاً مِّنَ ٱلَّيْلِ } المغرب والعشاء، وكان بعضهم يتمسك به في وجوب الوتر، لأن لفظ زلفاً جمع فأقله الثلاثة. المسألة الثانية: اعلم أن الأمر بالمحافظة على الصلاة أمر بالمحافظة على جميع شرائطها، أعني طهارة البدن، والثوب، والمكان، والمحافظة على ستر العورة، واستقبال القبلة، والمحافظة على جميع أركان الصلاة، والمحافظة على الاحتراز عن جميع مبطلات الصلاة سواء كان ذلك من أعمال القلوب أو من أعمال اللسان، أو من أعمال الجوارح، وأهم الأمور في الصلاة، رعاية النية فإنها هي المقصود الأصلي من الصلاة، قال تعالى: {أية : وأقم الصلاة لذكري } تفسير : [طهۤ: 14] فمن أدى الصلاة على هذا الوجه كان محافظاً على الصلاة وإلا فلا. فإن قيل: المحافظة لا تكون إلا بين اثنين، كالمخاصمة، والمقاتلة، فكيف المعنى ههنا؟. والجواب: من وجهين أحدهما: أن هذه المحافظة تكون بين العبد والرب، كأنه قيل له: احفظ الصلاة ليحفظك الإله الذي أمرك بالصلاة وهذا كقوله: {أية : فَٱذْكُرُونِى أَذْكُرْكُمْ } تفسير : [البقرة: 152] وفي الحديث: «حديث : احفظ الله يحفظك» تفسير : الثاني: أن تكون المحافظة بين المصلي والصلاة فكأنه قيل: احفظ الصلاة حتى تحفظك الصلاة، واعلم أن حفظ الصلاة للمصلي على ثلاثة أوجه الأول: أن الصلاة تحفظه عن المعاصي، قال تعالى: {أية : إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر} تفسير : [العنكبوت: 45] فمن حفظ الصلاة حفظته الصلاة عن الفحشاء والثاني: أن الصلاة تحفظه من البلايا والمحن، قال تعالى: {أية : وَٱسْتَعِينُواْ بِٱلصَّبْرِ وَٱلصَّلَوٰةِ } تفسير : [البقرة: 153] وقال تعالى: {أية : وَقَالَ ٱللَّهُ إِنّى مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ ٱلصَّلوٰةَ وَءاتَيْتُمْ ٱلزَّكَوٰةَ } تفسير : [المائدة: 12] ومعناه: إني معكم بالنصرة والحفظ إن كنتم أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة والثالث: أن الصلاة تحفظ صاحبها وتشفع لمصليها، قال تعالى: {أية : وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ وَمَا تُقَدّمُواْ لأَنْفُسِكُم مّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ ٱللَّهِ } تفسير : [البقرة: 110] ولأن الصلاة فيها القراءة، والقرآن يشفع لقارئه، وهو شافع مشفع وفي الخبر: «حديث : إنه تجىء البقرة وآل عمران كأنهما عمامتان فيشهدان ويشفعان» تفسير : وأيضاً في الخبر «حديث : سورة الملك تصرف عن المتهجد بها عذاب القبر وتجادل عنه في الحشر وتقف في الصراط عند قدميه وتقول للنار لا سبيل لك عليه»،تفسير : والله أعلم. المسألة الثالثة: اختلفوا في الصلاة الوسطى على سبعة مذاهب. فالقول الأول: أن الله تعالى أمر بالمحافظة عليها، ولم يبين لنا أنها أي صلاة هي، وإنما قلنا: إنه لم يبين لأنه لو بين ذلك لكان إما أن يقال: إنه تعالى بينها بطريق قطعي، أو بطريق ظني والأول باطل لأنه بيان إما أن يكون بهذه الآية، أو بطريق آخر قاطع، أو خبر متواتر ولا يمكن أن يكون البيان حاصلاً في هذه الآية، لأن عدد الصلوات خمس، وليس في الآية ذكر لأولها وآخرها، وإذا كان كذلك أمكن في كل واحدة من تلك الصلوات أن يقال: إنما هي الوسطى، وإما أن يقال: بيان حصل في آية أخرى أو في خبر متواتر، وذلك مفقود، وأما بيانه بالطريق الظني وهو خبر الواحد والقياس فغير جائز، لأن الطريق المفيد للظن معتبر في العمليات، وهذه المسألة ليست كذلك، فثبت أن الله تعالى لم يبين أن الصلاة الوسطى ما هي ثم قالوا: والحكمة فيه أنه تعالى لما خصها بمزيد التوكيد، مع أنه تعالى لم يبينها جوز المرء في كل صلاة يؤديها أنها هي الوسطى فيصير ذلك داعياً إلى أداء الكل على نعت الكمال والتمام، ولهذا السبب أخفى الله تعالى ليلة القدر في رمضان، وأخفى ساعة الإجابة في يوم الجمعة، وأخفى اسمه الأعظم في جميع الأسماء، وأخفى وقت الموت في الأوقات ليكون المكلف خائفاً من الموت في كل الأوقات، فيكون آتياً بالتوبة في كل الأوقات، وهذا القول اختاره جمع من العلماء، قال محمد بن سيرين: إن رجلاً سأل زيد بن ثابت عن الصلاة الوسطى فقال: حافظ على الصلوات كلها تصبها، وعن الربيع بن خيثم أنه سأله واحد عنها، فقال: يا ابن عم الوسطى واحدة منهن فحافظ على الكل تكن محافظاً على الوسطى ثم قال الربيع: لو علمتها بعينها لكنت محافظاً لها ومضيعاً لسائرهن، قال السائل: لا. قال الربيع: فإن حافظت عليهن فقد حافظت على الوسطى. القول الثاني: هي مجموع الصلوات الخمس وذلك لأن هذه الخمسة هي الوسطى من الطاعات وتقريره أن الإيمان بضع وسبعون درجة، أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والصلوات المكتوبات دون الإيمان وفوق إماطة الأذى فهي واسطة بين الطرفين. القول الثالث: أنها صلاة الصبح، وهذا القول من الصحابة قول علي عليه السلام، وعمر وابن عباس، وجابر بن عبد الله، وأبـي أمامة الباهلي، ومن التابعين قول طاوس، وعطاء، وعكرمة ومجاهد، وهو مذهب الشافعي رحمه الله والذي يدل على صحة هذا القول وجوه الأول: أن هذه الصلاة تصلى في الغلس فأولها يقع في الظلام فأشبهت صلاة الليل، وآخرها يقع في الضوء فأشبهت صلاة النهار الثاني: أن هذه الصلاة تؤدى بعد طلوع الصبح، وقبل طلوع الشمس، وهذا القدر من الزمان لا تكون الظلمة فيه تامة، ولا يكون الضوء أيضاً تاماً، فكأنه ليس بليل ولا نهار فهو متوسط بينهما الثالث: أنه حصل في النهار التام صلاتان: الظهر والعصر، وفي الليل صلاتان: المغرب والعشاء، وصلاة الصبح كالمتوسط بين صلاتي الليل والنهار. فإن قيل: فهذه المعاني حاصلة في صلاة المغرب قلنا: إنا نرجح صلاة الصبح على المغرب بكثرة فضائل صلاة الصبح على ما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى الرابع: أن الظهر والعصر يجمعان بعرفة بالاتفاق، وفي السفر عند الشافعي، وكذا المغرب والعشاء، وأما صلاة الفجر فهي منفردة في وقت واحد فكان وقت الظهر والعصر وقتاً واحداً ووقت المغرب والعشاء وقتاً واحداً، ووقت الفجر متوسطاً بينهما، قال القفال رحمه الله: وتحقيق هذا الاحتجاج يرجع إلى أن الناس يقولون: فلان وسط، إذا لم يمل إلى أحد الخصمين، فكان منفرداً بنفسه عنهما، والله أعلم الخامس: قوله تعالى: {أية : إن قرآن الفجر كان مشهوداً } تفسير : [الإسراء: 78] وقد ثبت بالتواتر أن المراد منه صلاة الفجر، وإنما جعلها مشهوداً لأنها تؤدى بحضرة ملائكة الليل وملائكة النهار. إذا عرفت هذا فوجه الاستدلال بهذه الآية من وجهين أحدهما: أن الله تعالى أفرد صلاة الفجر بالذكر، فدل هذا على مزيد فضلها، ثم إنه تعالى خص الصلاة الوسطى بمزيد التأكيد، فيغلب على الظن أن صلاة الفجر لما ثبت أنها أفضل بتلك الآية، وجب أن تكون هي المراد بالتأكيد المذكور في هذه الآية والثاني: أن الملائكة تتعاقب بالليل والنهار، فلا تجتمع ملائكة الليل وملائكة النهار في وقت واحد إلا صلاة الفجر، فثبت أن صلاة الفجر قد أخذت بطرفي الليل والنهار من هذا الوجه، فكانت كالشيء المتوسط السادس: أنه تعالى قال بعد ذكر الصلاة الوسطى: {وَقُومُواْ لِلَّهِ قَـٰنِتِينَ } قرن هذه الصلاة بذكر القنوت، وليس في الشرع صلاة ثبت بالأخبار الصحاح القنوت فيها إلا الصبح، فدل على أن المراد بالصلاة الوسطى هي صلاة الصبح السابع: لا شك أنه تعالى إنما أفردها بالذكر لأجل التأكيد، ولا شك أن صلاة الصبح أحوج الصلوات إلى التأكيد، إذ ليس في الصلاة أشق منها، لأنها تجب على الناس في ألذ أوقات النوم، حتى إن العرب كانوا يسمون نوم الفجر العسيلة للذتها، ولا شك أن ترك النوم اللذيذ الطيب في ذلك الوقت، والعدول إلى استعمال الماء البارد، والخروج إلى المسجد والتأهب للصلاة شاق صعب على النفس، فيجب أن تكون هي المراد بالصلاة الوسطى إذ هي أشد الصلوات حاجة إلى التأكيد الثامن: أن صلاة الصبح أفضل الصلوات، وإذا كان كذلك وجب أن يكون المراد من الصلاة الوسطى صلاة الصبح، إنما قلنا: إنها أفضل الصلوات لوجوه أحدها: قوله تعالى: {ٱلصَّـٰبِرِينَ وَٱلصَّـٰدِقِينَ } إلى قوله تعالى: {أية : وَٱلْمُسْتَغْفِرِينَ بِٱلأَسْحَارِ } تفسير : [آل عمران: 17] فجعل ختم طاعاتهم الشريفة وعباداتهم الكاملة بذكر كونهم مستغفرين بالأسحار، ثم يجب أن يكون أعظم أنواع الاستغفار هو أداء الفرض، لقوله عليه الصلاة والسلام حاكياً عن ربه تعالى «حديث : لن يتقرب إلي المتقربون بمثل أداء ما افترضت عليهم» تفسير : وذلك يقتضي أن أفضل الطاعات بعد الإيمان هو صلاة الصبح وثانيها: ما روي فيها أن التكبيرة الأولى منها مع الجماعة خير من الدنيا وما فيها وثالثها:أنه ثبت بالأخبار الصحيحة أن صلاة الصبح مخصوصة بالأذان مرتين: مرة قبل طلوع الفجر، ومرة أخرى بعده وذلك لأن المقصود من المرة الأولى إيقاظ الناس حتى يقوموا ويتشمروا للوضوء ورابعها: أن الله تعالى سماها بأسماء، فقال في بني إسرائيل: {أية : وقرآن الفجر } تفسير : [الإسراء: 78] وقال في النور: {أية : مّن قَبْلِ صَـلَوٰةِ ٱلْفَجْرِ } تفسير : [النور: 58] وقال في الروم: {أية : وَحِينَ تُصْبِحُونَ } تفسير : [الروم: 17] وقال عمر بن الخطاب: المراد من قوله: {أية : وَإِدْبَـٰرَ ٱلنُّجُومِ } تفسير : [الطور: 49] صلاة الفجر وخامسها: أنه تعالى أقسم به فقال: {أية : وَٱلْفَجْرِ * وَلَيالٍ عَشْرٍ } تفسير : [الفجر: 1، 2] ولا يعارض هذا بقوله تعالى: {أية : وَٱلْعَصْرِ * إِنَّ ٱلإنسَـٰنَ لَفِى خُسْرٍ } تفسير : [العصر: 1، 2] فإنا إذا سلمنا أن المراد منه القسم بصلاة العصر لكن في صلاة الفجر تأكيد، وهو قوله: {أية : أَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ طَرَفَىِ ٱلنَّهَارِ } تفسير : [هود: 114] وقد بينا أن هذا التأكيد لم يوجد في العصر وسادسها: أن التثويب في أذان الصبح معتبر، وهو أن يقول بعد الفراغ من الحيعلتين: الصلاة خير من النوم مرتين، ومثل هذا التأكيد غير حاصل في سائر الصلوات وسابعها: أن الإنسان إذا قام من منامه فكأنه كان معدوماً، ثم صار موجوداً، أو كان ميتاً، ثم صار حياً، بل كأن الخلق كانوا في الليل كلهم أمواتاً، فصاروا أحياء، فإذا قاموا من منامهم وشاهدوا هذا الأمر العظيم من كمال قدرة الله ورحمته حيث أزال عنهم ظلمة الليل، وظلمة النوم والغفلة، وظلمة العجز والخيرة، وأبدل الكل بالإحسان، فملأ العالم من النور، والأبدان من قوة الحياة والعقل والفهم والمعرفة، فلا شك أن هذا الوقت أليق الأوقات بأن يشتغل العبد بأداء العبودية، وإظهار الخضوع والذلة والمسكنة، فثبت بمجموع هذه البيانات أن صلاة الصبح أفضل الصلوات، فكان حمل الوسطى عليها أولى التاسع: ما روي عن علي بن أبـي طالب عليه السلام أنه سئل عن الصلاة الوسطى، فقال: كنا نرى أنها الفجر، وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه صلى صلاة الصبح ثم قال: هذه هي الصلاة الوسطى العاشر: أن سنن الصبح آكد من سائر السنن ففرضها يجب أن يكون أقوى من سائر الفروض فصرف التأكيد إليها أولى، فهذا جملة ما يستدل به على أن الصلاة الوسطى هي صلاة الصبح. القول الرابع: قول من قال: إنها صلاة الظهر، ويروى هذا القول عن عمر وزيد وأبـي سعيد الخدري وأسامة بن زيد رضي الله عنهم، وهو قول أبـي حنيفة وأصحابه، واحتجوا عليه بوجوه الأول: أن الظهر كان شاقاً عليهم لوقوعه في وقت القيلولة وشدة الحر فصرف المبالغة إليه أولى، وعن زيد بن ثابت أن النبـي صلى الله عليه وسلم كان يصلي بالهاجرة، وكانت أثقل الصلوات على أصحابه، وربما لم يكن وراءه إلا الصف والصفان، فقال عليه الصلاة والسلام: «حديث : لقد هممت أن أحرق على قوم لا يشهدون الصلاة بيوتهم»تفسير : فنزلت هذه الآية، والثاني: صلاة الظهر تقع وسط النهار وليس في المكتوبات صلاة تقع في وسط الليل أو النهار غيرها، والثالث: أنها بين صلاتين نهاريتين: الفجر والعصر، الرابع: أنها صلاة بين البردين: برد الغداة وبرد العشي، الخامس: قال أبو العالية: صليت مع أصحاب النبـي صلى الله عليه وسلم الظهر، فلما فرغوا سألتهم عن الصلاة الوسطى، فقالوا التي صليتها، السادس: روي عن عائشة رضي الله عنها أنها كانت تقرأ «حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر» وجه الاستدلال أنها عطفت صلاة العصر على الصلاة الوسطى، والمعطوف عليه قبل المعطوف، والتي قبل العصر هي الظهر السابع: روي أن قوماً كانوا عند زيد بن ثابت، فأرسلوا إلى أسامة بن زيد وسألوه عن الصلاة الوسطى، فقال: هي صلاة الظهر كانت تقام في الهاجرة الثامن: روي في الأحاديث الصحيحة أن أول إمامة جبريل للنبـي صلى الله عليه وسلم كانت في صلاة الظهر، فدل هذا على أنها أشرف الصلوات، فكان صرف التأكيد إليها أولى التاسع: أن صلاة الجمعة هي أشرف الصلوات، وهي صلاة الظهر، فصرف المبالغة إليها أولى. القول الخامس: قول من قال: إنها صلاة العصر، وهو من الصحابة مروي عن علي عليه السلام وابن مسعود، وابن عباس، وأبـي هريرة، ومن الفقهاء: النخعي، وقتادة، والضحاك، وهو مروي عن أبـي حنيفة، واحتجوا عليه بوجوه الأول: ما روي عن علي عليه السلام أن النبـي صلى الله عليه وسلم قال يوم الخندق: «حديث : شغلونا عن الصلاة الوسطى ملأ الله بيوتهم وقبورهم ناراً» تفسير : وهذا الحديث رواه البخاري ومسلم وسائر الأئمة، وهو عظيم الوقع في المسألة، وفي صحيح مسلم: «حديث : شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر»تفسير : ومن الفقهاء من أجاب عنه فقال: العصر وسط، ولكن ليس هي المذكورة في القرآن، فههنا صلاتان وسطيان الصبح والعصر، وأحدهما ثبت بالقرآن والآخر بالسنة، كما أن الحرم حرمان: حرم مكة بالقرآن، وحرم المدينة بالسنة، وهذا الجواب متكلف جداً الثاني: قالوا روي في صلاة العصر من التأكيد ما لم يرو في غيرها قال عليه الصلاة والسلام: «حديث : من فاته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله»تفسير : وأيضاً أقسم الله تعالى بها فقال: {أية : وَٱلْعَصْرِ إِنَّ ٱلإنسَـٰنَ لَفِى خُسْرٍ } تفسير : [العصر: 1، 2] فدل على أنها أحب الساعات إلى الله تعالى الثالث: أن العصر بالتأكيد أولى من حيث إن المحافظة على سائر أوقات الصلاة أخف وأسهل من المحافظة على صلاة العصر، والسبب فيه أمران أحدهما: أن وقت صلاة العصر أخفى الأوقات، لأن دخول صلاة الفجر بطلوع الفجر المستطير ضوؤه، ودخول الظهر بظهور الزوال، ودخول المغرب بغروب القرص ودخول العشاء بغروب الشفق، أما صلاة العصر فلا يظهر دخول وقتها إلا بنظر دقيق وتأمل عظيم في حال الظل، فلما كانت معرفته أشق لا جرم كانت الفضيلة فيها أكثر الثاني: أن أكثر الناس عند العصر يكونون مشتغلين بالمهمات، فكان الإقبال على الصلاة أشق، فكان صرف التأكيد إلى هذه الصلاة أولى. الحجة الرابعة: في أن الوسطى هي العصر أشبه بالصلاة الوسطى لوجوه أحدها: أنها متوسطة بين صلاة هي شفع، وبين صلاة هي وتر، أما الشفع فالظهر، وأما الوتر فالمغرب، إلا أن العشاء أيضاً كذلك، لأن قبلها المغرب وهي وتر، وبعدها الصبح وهو شفع وثانيها: العصر متوسطة بين صلاة نهارية وهي الظهر، وليلية وهي المغرب وثالثها: أن العصر بين صلاتين بالليل وصلاتين بالنهار. والقول السادس: أنها صلاة المغرب، وهو قول عبيدة السلماني، وقبيصة بن ذؤيب، والحجة فيه من وجهين الأول: أنها بين بياض النهار وسواد الليل، وهذا المعنى وإن كان حاصلاً في الصبح إلا أن المغرب يرجح بوجه آخر، وهو أنه أزيد من الركعتين كما في الصبح، وأقل من الأربع كما في الظهر والعصر والعشاء، فهي وسط في الطول والقصر. الحجة الثانية: أن صلاة الظهر تسمى بالصلاة الأولى، ولذلك ابتدأ جبريل عليه السلام بإمامة فيها، وإذا كان الظهر أول الصلوات كان الوسطى هي المغرب لا محالة. القول السابع: أنها صلاة العشاء، قالوا لأنها متوسطة بين صلاتين لا يقصران، المغرب والصبح، وعن عثمان بن عفان رضي الله عنه، عن النبـي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : من صلى العشاء الآخرة في جماعة كان كقيام نصف ليلة» تفسير : فهذا مجموع دلائل الناس وأقوالهم في هذه المسألة، وقد تركت ترجيح بعضها فإنه يستدعي تطويلاً عظيماً، والله أعلم. المسألة الرابعة: احتج الشافعي بهذه الآية على أن الوتر ليس بواجب، قال: الوتر لو كان واجباً لكانت الصلوات الواجبة ستة، ولو كان كذلك لما حصل لها وسطى، والآية دلت على حصول الوسطى لها. فإن قيل: الاستدلال إنما يتم إذا كان المراد هو الوسطى في العدد وهذا ممنوع بل المراد من الوسطى الفضيلة قال تعالى: {أية : وَكَذٰلِكَ جَعَلْنَـٰكُمْ أُمَّةً وَسَطًا } تفسير : [البقرة: 143] أي عدولاً وقال تعالى: {أية : قَالَ أَوْسَطُهُمْ } تفسير : [القلم: 28] أي أعدلهم، وقد أحكمنا هذا الاشتقاق في تفسير قوله تعالى: {وَكَذٰلِكَ جَعَلْنَـٰكُمْ أُمَّةً وَسَطًا } وأيضاً لم لا يجوز أن يكون المراد الوسطى في المقدار كالمغرب فإنه ثلاث ركعات وهو متوسط بين الإثنين وبين الأربع، وأيضاً لم لا يجوز أن يكون المراد الوسطى في الصفة وهي صلاة الصبح فإنها تقع في وقت ليس بغاية في الظلمة ولا غاية في الضوء. الجواب: أن الخلق الفاضل إنما يسمى وسطاً لا من حيث إنه خلق فاضل، بل من حيث إنه يكون متوسطاً بين رذيلتين هما طرفا الإفراط والتفريط، مثل الشجاعة فإنها خلق فاضل وهي متوسطة بين الجبن والتهور فيرجع حاصل الأمر إلى أن لفظ الوسط حقيقة فيما يكون وسطاً بحسب العدد ومجاز في الخلق الحسن والفعل الحسن من حيث إن من شأنه أن يكون متوسطاً بين الطرفين اللذين ذكرناهما وحمل اللفظ على الحقيقة أولى من حمله على المجاز. أما قوله: نحمله على ما يكون وسطاً في الزمان وهو الظهر. فجوابه: أن الظهر ليست بوسط في الحقيقة، لأنها تؤدى بعد الزوال، وهنا قد زال الوسط. وأما قوله: نحمله على الصبح لكون وقت وجوبه وسطاً بين وقت الظلمة وبين وقت النور، أو على المغرب لكون عددها متوسطاً بين الإثنين والأربعة. فجوابه: أن هذا محتمل وما ذكرناه أيضاً محتمل، فوجب حمل اللفظ على الكل فهذا هو وجه الاستدلال في هذه المسألة بهذه الآية بحسب الإمكان والله أعلم. أما قوله تعالى: {وَقُومُواْ لِلَّهِ قَـٰنِتِينَ } ففيه وجوه أحدها: وهو قول ابن عباس أن القنوت هو الدعاء والذكر، واحتج عليه بوجهين الأول: أن قوله: {حَـٰفِظُواْ عَلَى ٱلصَّلَوٰتِ } أمر بما في الصلاة من الفعل، فوجب أن يحمل القنوت على كل ما في الصلاة من الذكر، فمعنى الآية: وقوموا لله ذاكرين داعين منقطعين إليه والثاني: أن المفهوم من القنوت هو الذكر والدعاء، بدليل قوله تعالى: {أية : أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ ءَانَاء ٱلَّيْلِ سَـٰجِداً وَقَائِماً } تفسير : [الزمر: 9] وهو المعني بالقنوت في صلاة الصبح والوتر، وهو المفهوم من قولهم: قنت على فلان لأن المراد به الدعاء عليه. والقول الثاني: {قَـٰنِتِينَ } أي مطيعين، وهو قول ابن عباس والحسن والشعبـي وسعيد بن جبير وطاوس وقتادة والضحاك ومقاتل، الدليل عليه وجهان الأول: ما روي عن النبـي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : كل قنوت في القرآن فهو الطاعة» تفسير : الثاني: قوله تعالى في أزواج الرسول صلى الله عليه وسلم: {أية : وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ للَّهِ وَرَسُولِهِ } تفسير : [النساء: 34] وقال في كل النساء: {أية : فَٱلصَّـٰلِحَـٰتُ قَـٰنِتَـٰتٌ } تفسير : [النساء: 34] فالقنوت عبارة عن إكمال الطاعة وإتمامها، والاحتراز عن إيقاع الخلل في أركانها وسننها وآدابها، وهو زجر لمن لم يبال كيف صلى فخفف واقتصر على ما يجزىء وذهب إلى أنه لا حاجة لله إلى صلاة العباد، ولو كان كما قال لوجب أن لا يصلي رأساً، لأنه يقال: كما لا يحتاج إلى الكثير من عبادتنا، فكذلك لا يحتاج إلى القليل وقد صلى الرسول صلى الله عليه وسلم والرسل والسلف الصالح فأطالوا وأظهروا الخشوع والاستكانة وكانوا أعلم بالله من هؤلاء الجهال. القول الثالث: {قَـٰنِتِينَ } ساكتين، وهو قول ابن مسعود وزيد بن أرقم: كنا نتكلم في الصلاة فيسلم الرجل فيردون عليه، ويسألهم: كم صليتم؟ كفعل أهل الكتاب، فنزل الله تعالى: {وَقُومُواْ لِلَّهِ قَـٰنِتِينَ } فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام. القول الرابع: وهو قول مجاهد: القنوت عبارة عن الخشوع، وخفض الجناح وسكون الأطراف وترك الالتفات من هيبة الله تعالى وكان أحدهم إذا قام إلى الصلاة يهاب ربه فلا يلتفت ولا يقلب الحصى، ولا يعبث بشيء من جسده، ولا يحدث نفسه بشيء من الدنيا حتى ينصرف. القول الخامس: القنوت هو القيام، واحتجوا عليه بحديث جابر قال: سئل النبـي صلى الله عليه وسلم: «حديث : أي الصلاة أفضل؟ قال طول القنوت»تفسير : يريد طول القيام، وهذا القول عندي ضعيف، وإلا صار تقدير الآية: وقوموا لله قائمين اللهم إلا أن يقال: وقوموا لله مديمين لذلك القيام فحينئذٍ يصير القنوت مفسراً بالإدامة لا بالقيام. القول السادس: وهو اختيار علي بن عيسى: أن القنوت عبارة عن الدوام على الشيء والصبر عليه والملازمة له وهو في الشريعة صار مختصاً بالمداومة على طاعة الله تعالى، والمواظبة على خدمة الله تعالى، وعلى هذا التقدير يدخل فيه جميع ما قاله المفسرون، ويحتمل أن يكون المراد: وقوموا لله مديمين على ذلك القيام في أوقات وجوبه واستحبابه والله تعالى أعلم.
القرطبي
تفسير : . فيه ثمان مسائل: الأُولىٰ ـ قوله تعالىٰ: {حَافِظُواْ} خطاب لجميع الأُمة، والآية أمر بالمحافظة على إقامة الصلوات في أوقاتها بجميع شروطها. والمحافظة هي المداومة على الشيء والمواظبة عليه. والوُسْطَىٰ تأنيث الأوْسَط. وَوَسَط الشيء خَيْره وأعْدَله؛ ومنه قوله تعالىٰ: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً} وقد تقدّم. وقال أعرابيّ يمدح النبيّ صلى الله عليه وسلم:شعر : يا أوْسَطَ النّاس طُرّاً في مَفاخرهم وأكرَم الناس أُمّاً بَرَّةً وأبا تفسير : وَوَسَط فلانٌ القوم يَسِطهم أي صار في وسطهم. وأفرد الصَّلاة الوسطى بالذكر وقد دخلت قبلُ في عموم الصلوات تشريفاً لها؛ كقوله تعالىٰ: {أية : وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ ٱلنَّبِيِّيْنَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِن نُّوحٍ} تفسير : [الأحزاب: 7]، وقوله: {أية : فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ} تفسير : [الرّحمٰن: 68]. وقرأ أبو جعفر الواسطيّ «وَالصَّلاَةَ الوُسْطَىٰ» بالنصب على الإغراء، أي والزموا الصَّلاةَ الوُسْطَى: وكذلك قرأ الحلوانيّ. وقرأ قَالُونُ عن نافع «الوصطى» بالصاد لمجاورة الطّاء لها؛ لأنهما من حَيِّز واحد، وهما لغتان كالصراط ونحوه. الثانية ـ وٱختلف الناس في تعيين الصَّلاة الوسطىٰ على عشرة أقوال: الأوّل ـ أنها الظهر؛ لأنها وسط النهار على الصحيح من القولين أن النهار أوّله من طلوع الفجر كما تقدّم، وإنما بدأنا بالظهر لأنها أوّل صلاة صُلِّيت في الإسلام. وممن قال إنها الوسطى زيد بن ثابت وأبو سعيد الخدريّ وعبد الله بن عمر وعائشة رضي الله عنهم. ومما يدل على أنها وسطى ما قالته عائشة وحفصة حين أمْلَتَا: «حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاَةِ الْوُسْطَى وصلاة العصر» بالواو. وروي أنها كانت أشق على المسلمين؛ لأنها كانت تجيء في الهاجرة وهم قد نفّهَتْهُمْ أعمالهم في أموالهم. وروى أبو داود عن زيد قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلّي الظهر بالهاجرة ولم تكن تُصلَّى صلاةٌ أشدّ على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم منها، فنزلت: {حَافِظُواْ عَلَى ٱلصَّلَوَاتِ وٱلصَّلاَةِ ٱلْوُسْطَىٰ} وقال: إن قبلها صلاتين وبعدها صلاتين. وروى مالك في موطئه وأبو داود الطيالسي في مسنده عن زيد بن ثابت قال: الصَّلاة الوسطىٰ صلاة الظهر؛ زاد الطيالسي: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُصلِّيها بالهَجِير. الثاني ـ أنها العصر؛ لأن قبلها صلاتْي نهارٍ وبعدها صلاتْي ليلٍ. قال النحاس: وأجود من هذا الاحتجاجُ أن يكون إنما قيل لها وُسْطَىٰ لأنها بين صلاتين إحداهما أوّل ما فرض والأُخرىٰ الثانية مما فُرض. وممن قال إنها وسطى عليّ بن أبي طالب وٱبن عباس وٱبن عمر وأبو هريرة وأبو سعيد الخدريّ، وهو ٱختيار أبي حنيفة وأصحابه، وقاله الشافعي وأكثر أهل الأثر، وإليه ذهب عبد الملك بن حبيب وٱختاره ٱبن العربي في قَبَسِه وٱبن عطية في تفسيره وقال: وعلى هذا القول الجمهورُ من الناس وبه أقول. وٱحتجوا بالأحاديث الواردة في هذا الباب خرّجها مسلم وغيره، وأنَصُّها حديث ٱبن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : الصَّلاة الوسطى صلاة العصر»تفسير : خرجه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح. وقد أتينا زيادة على هذا في القبس في شرح موطأ مالك ابن أنس. الثالث ـ أنها المغرب؛ قاله قُبَيْصة بن أبي ذؤيب في جماعة. والحجَّة لهم أنها متوسطة في عدد الركعات ليست بأقلها ولا أكثرها ولا تُقْصَر في السفر، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يؤخِّرها عن وقتها ولم يعجِّلها، وبعدها صلاتا جَهْرٍ وقبلها صلاتا سِرٍ. ورُوي من حديث عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن أفضل الصلوات عند الله صلاة المغرب لم يُحّطها عن مسافر ولا مقيم فتح الله بها صلاة الليل وختم بها صلاة النهار فمن صلّى المغرب وصلّى بعدها ركعتين بنى الله له قصراً في الجنّة ومن صلّىٰ بعدها أربع ركعات غفر الله له ذنوب عشرين سنة ـ أو قال ـ أربعين سنة».تفسير : الرابع ـ صلاة العشاء الآخرة؛ لأنها بين صلاتين لا تقْصُران، وتجيء في وقت نوم ويستحب تأخيرها وذلك شاقٌّ فوقع التأكيد في المحافظة عليها. الخامسة ـ أنها الصبح؛ لأن قبلها صلاتي ليل يُجهَر فيهما وبعدها صلاتي نهار يُسرّ فيهما؛ ولأن وقتها يدخل والناس نيام، والقيام إليها شاقّ في زمن البرد لشدّة البرد وفي زمن الصيف لقصر الليل. وممن قال إنها وسطى عليّ بن أبي طالب وعبد الله بن عباس، أخرجه الموطأ بلاغاً، وأخرجه الترمذي عن ٱبن عمر وٱبن عباس تعليقاً، ورُوي عن جابر بن عبد الله، وهو قول مالك وأصحابه، وإليه مَيْل الشافعي فيما ذكر عنه القُشيري. والصحيح عن علي أنها العصر، ورُوي عنه ذلك من وجه معروف صحيح. وقد ٱستدل من قال إنها الصبح بقوله تعالىٰ: {وَقُومُواْ للَّهِ قَانِتِينَ} يعني فيها، ولا صلاة مكتوبة فيها قنوت إلاَّ الصبح. قال أبو رَجَاء: صلّى بنا ٱبن عباس صلاة الغداة بالبصرة فقنت فيها قبل الركوع ورفع يديه فلما فرغ قال: هذه الصَّلاة الوسطى التي أمرنا الله تعالىٰ أن نقوم فيها قانتين. وقال أنس: قَنَتَ النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة الصبح بعد الركوع؛ وسيأتي حكم القُنُوت وما للعلماء فيه في «آل عمران» عند قوله تعالىٰ: {أية : لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ} تفسير : [آل عمران: 128]. السادسة ـ صلاة الجمعة؛ لأنها خُصّت بالجمع لها والخطبة فيها وجُعِلَت عيداً؛ ذكره ٱبن حبيب ومكي. وروى مسلم عن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لقوم يتخلَّفون عن الجمعة: «حديث : لقد هممت أن آمر رجلاً يصلّي بالناس ثم أحرق على رجال يتخلّفون عن الجمعة بيوتهم».تفسير : السابع ـ أنها الصبح والعصر معاً. قاله الشيخ أبو بكر الأبهرِيّ؛ وٱحتج بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار»تفسير : الحديث، رواه أبو هريرة. وروى جرير بن عبد الله قال: كنا جلوساً عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ نظر إلى القمر ليلة البدر فقال: «حديث : أما أنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته فإن ٱستطعتم ألا تُغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وصلاة قبل غروبها»تفسير : يعني العصر والفجر: ثم قرأ جرير {أية : وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ ٱلشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا} تفسير : [طه: 130]. وروى عُمارة بن رُؤَيْبة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : لن يلِج النار أحد صلّى قبل طلوع الشمس وقبل غروبها»تفسير : يعني الفجر والعصر. وعنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : من صلّى البَرْدَيْن دخل الجنة»تفسير : كلُّه ثابت في صحيح مسلم وغيره، وسميتا البَرْدَيْن لأنهما يُفعلان في وقتي البرد. الثامن ـ أنها العتمة والصبح. قال أبو الدرداء رضي الله عنه في مرضه الذي مات فيه: ٱسمعوا وبلِّغوا من خلفكم حافظوا على هاتين الصَّلاتين ـ يعني في جماعة ـ العشاء والصبح، ولو تعلمون ما فيهما لأتيتموهما ولو حَبْواً على مرافقكم ورُكَبِكم؛ قاله عمر وعثمان. وروى الأئمّة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : ولو يعلمون ما في العَتَمة والصبح لأتوهما ولوحَبْواً ـ وقال ـ إنهما أشدّ الصَّلاة على المنافقين»تفسير : وجعل لمصلّي الصبح في جماعة قيام ليلة والعَتَمة نصف ليلة؛ ذكره مالك موقوفاً على عثمان ورفعه مسلم، وخرّجه أبو داود والترمذي عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من شهد العِشاء في جماعة كان له قيام نصف ليلة ومن صلّىٰ العشاء والفجر في جماعة كان له كقيام ليلة» تفسير : وهذا خلاف ما رواه مالك ومسلم. التاسع ـ أنها الصَّلوات الخمس بجملتها؛ قاله معاذ بن جبل؛ لأن قوله تعالىٰ: {حَافِظُواْ عَلَى ٱلصَّلَوَاتِ} يعمْ الفرض والنفل، ثم خصّ الفرض بالذكر. العاشر ـ أنها غير معيَّنة؛ قاله نافع عن ٱبن عمر، وقاله الربيع بن خَيْثَم؛ فخبأها الله تعالىٰ في الصَّلوات كما خبأ ليلة القدر في رمضان، وكما خبأ ساعة يوم الجمعة وساعات الليل المستجاب فيها الدعاء؛ ليقوموا بالليل في الظلمات لمناجاة عالم الخفيات. ومما يدل على صحة أنها مُبْهَمَة غير معيّنة مارواه مسلم في صحيحه في آخر الباب عن البَراء بن عازب قال: نزلت هذه الآية «حَافِظُوا عَلَىٰ الصَّلَوَاتِ وصلاة العصر» فقرأناها ما شاء الله، ثم نسخها الله فنزلت: {حَافِظُواْ عَلَى ٱلصَّلَوَاتِ وٱلصَّلاَةِ ٱلْوُسْطَىٰ} فقال رجل: هي إذاً صلاة العصر؟ قال البراء: قد أخبرتك كيف نزلت وكيف نسخها الله تعالىٰ، والله أعلم. فلزم من هذا أنها بعد أن عُيِّنَت نُسخ تعيينها وأُبْهِمَت فٱرتفع التَّعْيين، والله أعلم. وهذا ٱختيار مسلم؛ لأنه أتى به في آخر الباب، وقال به غير واحد من العلماء المتأخرين، وهو الصحيح إن شاء الله تعالىٰ؛ لتعارض الأدلة وعدم الترجيح، فلم يبق إلاَّ المحافظة على جميعها وأدائها في أوقاتها، والله أعلم. الثالثة ـ وهذا الاختلاف في الصَّلاة الوسطى يدل على بطلان من أثبت «وصلاة العصر» المذكور في حديث أبي يونس مولى عائشة حين أمرته أن يكتب لها مصحفاً قرآناً. قال علماؤنا: وإنما ذلك كالتفسير من النبيّ صلى الله عليه وسلم، يدل على ذلك حديث عمرو ابن رافع قال: أمرتني حفصة أن أكتب لها مصحفاً؛ الحديث. وفيه: فأملت عليّ {حَافِظُواْ عَلَى ٱلصَّلَوَاتِ وٱلصَّلاَةِ ٱلْوُسْطَىٰ ـ وهي العصر ـ وَقُومُواْ للَّهِ قَانِتِينَ} وقالت: هكذا سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرؤها. فقولها «وهي العصر» دليل على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فسَّر الصَّلاة الوسطىٰ من كلام الله تعالىٰ بقوله هو «وهي العصر». وقد رَوى نافع عن حفصة «وصلاة العصر» كما رُوي عن عائشة وعن حفصة أيضاً "صلاة العصر" بغير واو. وقال أبو بكر الأنباري؛ وهذا الخلاف في هذا اللفظ المزيد يدل على بطلانه وصحة ما في الإمام مصحَفِ جماعة المسلمين. وعليه حُجَّةٌ أُخرىٰ وهو أن من قال: والصَّلاة الوسطى وصلاة العصر جعل الصَّلاة الوسطىٰ غير العصر؛ وفي هذا دفع لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي رواه عبد الله قال: شغل المشركون رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب عن صلاة العصر حتى ٱصفرّت الشمس فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : شغلونا عن الصَّلاة الوسطى ملأ الله أجوافهم وقبورهم ناراً»تفسير : الحديث. الرابعة ـ وفي قوله تعالىٰ: {وٱلصَّلاَةِ ٱلْوُسْطَىٰ} دليل على أن الوِتر ليس بواجب؛ لأن المسلمين ٱتفقوا على أعداد الصلوات المفروضات أنها تنقص عن سبعة وتزيد على ثلاثة؛ وليس بين الثلاثة والسبعة فرد إلاَّ الخمسة، والأزواج لا وسط لها فثبت أنها خمسة. وفي حديث الإسراء: «حديث : هي خمس وهن خمسون لا يبدّل القول لديّ».تفسير : الخامسة ـ قوله تعالىٰ: {وَقُومُواْ للَّهِ قَانِتِينَ} معناه في صلاتكم. وٱختلف الناس في معنى قوله: {قَانِتِينَ} فقال الشعبيّ: طائعين: وقاله جابر بن زيد وعطاء وسعيد بن جبير. وقال الضحاك: كل قنوت في القرآن فإنما يعني به الطاعة. وقاله أبو سعيد عن النبيّ صلى الله عليه وسلم. وإن أهل كل دِين فهم اليوم يقومون عاصين، فقيل لهذه الأُمة فقوموا لله طائعين. وقال مجاهد: معنى قانتين خاشعين. والقنوت طول الركوع والخشوع وغَضّ البصر وخفض الجناح. وقال الربيع: القنوت طول القيام؛ وقاله ٱبن عمر وقرأ «أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً». وقال عليه السَّلام: «حديث : أفضل الصَّلاة طول القنوت»تفسير : خرّجه مسلم وغيره. وقال الشاعر:شعر : قانِتاً لِلَّهِ يدعُو رَبَّه وَعَلىٰ عَمْدٍ مِن النَّاسِ ٱعْتَزَلْ تفسير : وقد تقدّم. ورُوي عن ٱبن عباس {قَـٰنِتِينَ} داعين. وفي الحديث: قنت رسول الله صلى الله عليه وسلم شهراً يدعو على رِعْلٍ وذَكْوَان. قال قوم: معناه دعا، وقال قوم: معناه طوّل قيامه. وقال السدي: «قانتين» ساكتين؛ دليله أن الآية نزلت في المنع من الكلام في الصَّلاة وكان ذلك مباحاً في صدر الإسلام؛ وهذا هو الصحيح لما رواه مسلم وغيره حديث : عن عبد الله بن مسعود قال: كنا نسلِّم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في الصَّلاة فيردّ علينا، فلما رجعنا من عند النجاشيّ سلَّمنا عليه فلم يردّ علينا فقلنا: يا رسول الله، كنا نسلم عليك في الصَّلاة فتردّ علينا؟ فقال: «إنّ في الصَّلاة شُغْلاً»تفسير : . وروى زيد بن أرْقَم قال: كنا نتكلم في الصَّلاة يكلم الرجل صاحبه وهو إلى جنبه في الصَّلاة حتى نزلت: {وَقُومُواْ للَّهِ قَانِتِينَ} فأُمرنا بالسكوت ونُهينا عن الكلام. وقيل: إن أصل القنوت في اللغة الدوام على الشيء. ومن حيث كان أصل القنوت في اللغة الدوام على الشيء جاز أن يسمى مديم الطاعة قانتاً، وكذلك من أطال القيام والقراءة والدعاء في الصَّلاة، أو أطال الخشوع والسكوت، كل هؤلاء فاعلون للقنوت. السادسة ـ قال أبو عمر: أجمع المسلمون طراً أن الكلام عامداً في الصَّلاة إذا كان المصلّي يعلم أنه في صلاة، ولم يكن ذلك في إصلاح صلاته أنه يفسد الصَّلاة، إلاَّ ما روي عن الأوزاعيّ أنه قال: من تكلم لإحْيَاء نفس أو مثل ذلك من الأُمور الجسام لم تفسد صلاته بذلك. وهو قولٌ ضعيفٌ في النظر؛ لقول الله عزّ وجلّ: {وَقُومُواْ للَّهِ قَانِتِينَ} وقال زيد بن أرقم: كنا نتكلم في الصَّلاة حتى نزلت: {وَقُومُواْ للَّهِ قَانِتِينَ} الحديث. وقال ٱبن مسعود: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : إن الله أحدث من أمره ألاَّ تَكلّموا في الصَّلاة»تفسير : . وليس الحادث الجسيم الذي يجب له قطع الصَّلاة ومن أجله يمنع من الاستئناف، فمن قطع صلاته لما يراه من الفضل في إحياء نفس أو مال أو ما كان بسبيل ذلك ٱستأنف صلاته ولم يَبْنِ. هذا هو الصحيح في المسألة إن شاء الله تعالىٰ. السابعة ـ وٱختلفوا في الكلام ساهياً فيها؛ فذهب مالك والشافعيّ وأصحابهما إلى أن الكلام فيها ساهياً لا يُفسدها، غير أن مالكاً قال: لا يُفسد الصلاة تعمد الكلام فيها إذا كان في شأنها وإصلاحها؛ وهو قول ربيعة وٱبنِ القاسم. وروى سُحْنُون عن ٱبن القاسم عن مالك قال: لو أن قوماً صلّى بهم الإمامُ ركعتين وسلم ساهياً فسَبَّحوا به فلم يَفْقَه، فقال له رجل من خلفه ممن هو معه في الصلاة: إنك لم تُتمّ فأتم صلاتك؛ فالتفت إلى القوم فقال: أحَقٌّ ما يقول هذا؟ فقالوا: نعم قال: يُصَلّي بهم الإمام ما بقي من صلاتهم ويُصلّون معه بقية صلاتهم من تكلم منهم ومن لم يتكلم، ولا شيء عليهم، ويفعلون في ذلك ما فعل النبيّ صلى الله عليه وسلم يوم ذي اليَدَيْن. هذا قول ٱبن القاسم في (كتابه) المدوّنة وروايته عن مالك، وهو المشهور من مذهب مالك وإياه تقلّد إسماعيل بن إسحاق وٱحتج له في كتاب ردّه على محمد بن الحسن. وذكر الحارث ابن مسكين قال: أصحابُ مالك كلّهم على خلاف قول مالك في مسألة ذي اليَدَيْن إلا ٱبن القاسم وحده فإنه يقول فيها بقول مالك، وغيرُهم يأبونه ويقولون: إنما كان هذا في صدر الإسلام، فأما الآن فقد عرف الناس صلاتهم فمن تكلم فيها أعادها؛ وهذا هو قول العراقيين: أبي حنيفة وأصحابه والثوريّ فإنهم ذهبوا إلى أن الكلام في الصلاة يُفسدها على أيّ حال كان سهواً أو عمداً لصلاة كان أو لغير ذلك؛ وهو قول إبراهيم النخعيّ وعطاء والحسن وحماد بن أبي سليمان وقتادة. وزعم أصحاب أبي حنيفة أن حديث أبي هريرة هذا في قصة ذي اليَدَيْن منسوخ بحديث ٱبن مسعود وزيد بن أرقم، قالوا: وإن كان أبو هريرة متأخِّر الإسلام فإنه أرسل حديث ذي اليدين كما أرسل حديث: «حديث : من أدركه الفجر جنباً فلا صوم له»تفسير : قالوا: وكان كثير الإرسال. وذكر عليّ بن زياد قال حدّثنا أبو قرّة قال سمعت مالكاً يقول: يستحب إذا تكلم الرجل في الصلاة أن يعود لها ولا يَبْنِي. قال: وقال لنا مالك إنما تكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم وتكلم أصحابه معه يومئذ؛ لأنهم ظنوا أن الصلاة قصرت ولا يجوز ذلك لأحدٍ اليومَ. وقد روى سُحنون عن ٱبن القاسم في رجل صلّى وحده ففرغ عند نفسه من الأربع، فقال له رجل إلى جنبه: إنك لم تصل إلا ثلاثاً، فٱلتفت إلى آخر فقال: أحقٌّ ما يقول هذا؟ قال: نعم، قال: تفسد صلاته ولم يكن ينبغي له أن يكلِّمه ولا أن يلتفت إليه. قال أبو عمر: فكانوا يفرّقون في هذه المسألة بين الإمام مع الجماعة والمنفرد فيُجيزون من الكلام في شأن الصلاة للإمام ومن معه ما لا يُجيزونه للمنفرد؛ وكان غير هؤلاء يحملون جواب ٱبن القاسم في المنفرد في هذه المسألة وفي الإمام ومن معه على ٱختلاف من قوله في ٱستعمال حديث ذي اليدين كما ٱختلف قول مالك في ذلك. وقال الشافعيّ وأصحابه: من تعمد الكلام وهو يعلم أنه لم يتمّ الصلاة وأنه فيها أفسد صلاته، فإن تكلم ساهياً أو تكلم وهو يظن أنه ليس في الصلاة، لأنه قد أكملها عند نفسه فإنه يَبْنِي. وٱختلف قول أحمد في هذه المسألة فذكر الأثْرَم عنه أنه قال: ما تكلم به الإنسان في صلاته لإصلاحها لم تفسد عليه صلاته، فإن تكلم لغير ذلك فسدت؛ وهذا هو قول مالك المشهور. وذكر الخرَقيّ عنه أن مذهبه فيمن تكلم عامداً أو ساهياً بطلت صلاته، إلا الإمام خاصة فإنه إذا تكلم لمصلحة صلاته لم تبطل صلاته. وٱستثنى سُحنون من أصحاب مالك أن من سلّم من ٱثنتين في الرباعية فوقع الكلام هناك لم تبطل الصلاة، وإن وقع في غير ذلك بطلت الصلاة. والصحيح ما ذهب إليه مالك في المشهور تمسُّكاً بالحديث وحَمْلاً له على الأصل الكلّيّ مِن تعدّى الأحكام وعموم الشريعة، ودفعا لما يُتوهّم من الخصوصية إذ لا دليل عليها. فإن قال قائل: فقد جرى الكلامُ في الصلاة والسهو أيضاً وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهم: «حديث : التسبيح للرجال والتصفيق للنساء»تفسير : فلِم لم يسبِّحوا؟ فيقال: لعل في ذلك الوقت لم يكن أمرهم بذلك، ولئن كان كما ذكرت فلم يسبحوا؛ لأنهم توهموا أن الصلاة قصُرت؛ وقد جاء ذلك في الحديث قال: وخرج سَرَعَان الناسِ فقالوا: أقصُرت الصلاة؟ فلم يكن بَدٌّ من الكلام لأجل ذلك. والله أعلم. وقد قال بعض المخالفين: قول أبي هريرة: «صلَّى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم» يحتمل أن يكون مراده أنه صلّى بالمسلمين وهو ليس منهم؛ كما روى عن النزَّال بن سَبْرَة أنه قال قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إنا وإياكم كنا نُدْعَى بني عبد مناف وأنتم اليوم بنو عبد الله ونحن بنو عبد الله»تفسير : وإنما عنى به أنه قال ذلك لقومه وهذا بعيد؛ فإنه لا يجوز أن يقول صلّى بنا وهو إذ ذاك كافر ليس من أهل الصلاة ويكون ذلك كذباً، وحديث النزَّال هو كان من جملة القوم وسمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما سمع. وأما ما ٱدّعته الحنفية من النسخ والإرسال فقد أجاب عن قولهم علماؤنا وغيرهم وأبطلوه، وخاصة الحافظ أبا عمر بن عبد البر في كتابه المسمى بـ «التمهيد» وذكر أن أبا هريرة أسلم عام خيبر، وقدم المدينة في ذلك العام، وصحب النبيّ صلى الله عليه وسلم أربعة أعوام، وشهد قصة ذي اليدين وحضرها، وأنها لم تكن قبل بَدْر كما زعموا، وأن ذا اليَدَيْن قُتل في بدر. قال: وحضور أبي هريرة يوم ذي اليدين محفوظ من رواية الحُفّاظ الثقات، وليس تقصير من قصَّر عن ذلك بحجة على من علم ذلك وحفظه وذكره. الثامنة ـ القنوت: القيام، وهو أحد أقسامه فيما ذكر أبو بكر بن الأنباري، وأجمعت الأُمّة على أن القيام في صلاة الفرض واجب على كل صحيح قادر عليه، منفرداً كان أو إماماً. وقال صلى الله عليه وسلم: «حديث : إنما جعل الإمام ليؤتمّ به فإذا صلّى قائماً فصلوا قياماً»تفسير : الحديث، أخرجه الأئمة، وهو بيان لقوله تعالى: {وَقُومُواْ للَّهِ قَانِتِينَ}. وٱختلفوا في المأموم الصحيح يصلِّي قاعداً خلف إمام مريض لا يستطيع القيام؛ فأجازت ذلك طائفة من أهل العلم بل جمهورهم؛ لقوله صلى الله عليه وسلم في الإمام: «حديث : وإذا صلَّى جالساً فصلوا جلوساً أجمعون»تفسير : وهذا هو الصحيح في المسألة على ما نبيِّنه آنفاً إن شاء الله تعالى. وقد أجاز طائفة من العلماء صلاة القائم خلف الإمام المريض لأن كُلاًّ يؤدّي فرضه على قدر طاقته تأسِّياً برسول الله صلى الله عليه وسلم. إذْ صلّى في مرضه الذي تُوفّي فيه قاعداً وأبو بكر إلى جنبه قائماً يصلّي بصلاته والناس قيام خلفه، ولم يُشِر إلى أبي بكر ولا إليهم بالجلوس، وأكمل صلاته بهم جالساً وهم قيام؛ ومعلوم أن ذلك كان منه بعد سقوطه عن فرسه؛ فعُلِم أن الآخِرَ من فعله ناسخ للأوّل. قال أبو عمر: وممن ذهب إلى هذا المذهب وٱحتج بهذه الحجة الشافعيّ وداود بن عليّ، وهي رواية الوليد ابن مسلم عن مالك. قال: وأحب إليّ أن يقوم إلى جنبه ممن يُعلم الناسَ بصلاته، وهذه الرواية غَريبةٌ عن مالك. وقال بهذا جماعة من أهل المدينة وغيرهم وهو الصحيح إن شاء الله تعالى؛ لأنها آخر صلاة صلاَّها رسول الله صلى الله عليه وسلم. والمشهور عن مالك أنه لا يَؤُمُّ القُيّام أحدٌ جالساً، فإن أمّهم قاعداً بطلت صلاته وصلاتهم، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : لا يؤمّنّ أحد بعدي قاعداً»تفسير : . قال: فإن كان الإمام عليلاً تمت صلاة الإمام وفسدت صلاة من خلفه. قال: ومن صلَّى قاعداً من غير علة أعاد الصلاة؛ هذه رواية أبي مُصعب في مختصره عن مالك، وعليها فيجب على من صلّى قاعداً الإعادةُ في الوقت وبعده. وقد روي عن مالك في هذا أنهم يعيدون في الوقت خاصة، وقول محمد بن الحسن في هذا مثل قول مالك المشهور. وٱحتج لقوله ومذهبه بالحديث الذي ذكره أبو مصعب، أخرجه الدّارقطني عن جابر عن الشعبيّ قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا يؤمّنّ أحد بعدي جالساً»تفسير : . قال الدارقطني: لم يروه غير جابر الجُعْفِيّ عن الشعبيّ وهو متروك الحديث، مُرْسل لا تقوم به حجَّة. قال أبو عمر: جابر الجعفِيّ لا يحتج بشيء يرويه مسنداً فكيف بما يرويه مرسلاً؟ قال محمد ابن الحسن: إذا صلّى الإمام المريض جالساً بقوم أصحاء ومرضى جلوساً فصلاته وصلاة من خلفه ممن لا يستطيع القيام صحيحة جائزة، وصلاة من صلّى خلفه ممن حكمه القيام باطلة. وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: صلاته وصلاتهم جائزة. وقالوا: لو صلّى وهو يومِىء بقوم وهم يركعون ويسجدون لم تجزهم في قولهم جميعاً وأجزأت الإمام صلاته. وكان زُفَر يقول: تجزئهم صلاتهم؛ لأنهم صلُّوا على فرضهم وصلّى إمامهم على فرضه، كما قال الشافعيّ. قلت: أما ما ذكره أبو عمر وغيره من العلماء قبله وبعده من أنها آخر صلاة صلاَّها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد رأيت لغيرهم خلاف ذلك ممن جمع طرق الأحاديث في هذا الباب، وتكلم عليها وذكر ٱختلاف الفقهاء في ذلك، ونحن نذكر ما ذكره مَلخّصاً حتى يتبين لك الصواب إن شاء الله تعالى. وصحة قول من قال إن صلاة المأموم الصحيح قاعداً خلف الإمام المريض جائزة، فذكر أبو حاتم محمد بن حبّان البُسْتِيّ في المسند الصحيح له عن ٱبن عمر أن سول الله صلى الله عليه وسلم كان في نفر من أصحابه فقال: حديث : «ألستم تعلمون أني رسول الله إليكم»؟ قالوا: بلى، نشهد أنك رسول اللهٰ قال: «ألستم تعلمون أنه من أطاعني فقد أطاع الله ومن طاعة الله طاعتي»؟ قالوا: بلى، نشهد أنه من أطاعك فقد أطاع الله ومن طاعة الله طاعتك. قال: «فإن من طاعة الله أن تطيعوني ومن طاعتي أن تطيعوا أُمراءكم فإن صلوا قعوداً فصلوا قعوداً»تفسير : . في طريقه عقبةُ بن أبي الصّهْباء وهو ثقة؛ قاله يحيى بن معين. قال أبو حاتم: في هذا الخبر بيانٌ واضح أن صلاة المأمومين قعوداً إذا صلّى إمامهم قاعداً من طاعة الله جلّ وعلا التي أمر الله بها عباده، وهو عندي ضرب من الإجماع الذي أجمعوا على إجازته؛ لأن من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعةً أفْتَوْا به: جابر بن عبد الله وأبو هريرة وأُسَيد بن حُضَير وقيس بن قَهْد، ولم يرو عن أحد من الصحابة الذين شهدوا هبوط الوحي والتنزيل وأُعيذوا من التحريف والتبديل خلاف لهؤلاء الأربعة، لا بإسناد متّصل ولا منقطع؛ فكأن الصحابة أجمعوا على أن الإمام إذا صلّى قاعداً كان على المأمومين أن يصلُّوا قعوداً. وبه قال جابر بن زيد والأُوزاعيّ ومالك بن أنس وأحمد بن حنبل وإسحاق بن إبراهيم وأبو أيوب سليمان بن داود الهاشميّ وأبو خيثمة وٱبن أبي شيبة ومحمد ابن إسماعيل ومن تبعهم من أصحاب الحديث مثل محمد بن نصر ومحمد بن إسحاق بن خزيمة. وهذه السُّنّة رواها عن المصطفى صلى الله عليه وسلم أنس بن مالك وعائشة وأبو هريرة وجابر بن عبد الله وعبد الله بن عمر بن الخطاب وأبو أمامة الباهليّ. وأوّل من أبطل في هذه الأُمة صلاة المأموم قاعداً إذا صلّى إمامه جالساً المغيرة بن مِقسم صاحب النخعيّ وأخذ عنه حماد بن أبي سليمان ثم أخذ عن حماد أبو حنيفة وتبعه عليه من بعده من أصحابه. وأعلى شيء ٱحتجوا به فيه شيءٌ رواه جابر الجُعْفِيّ عن الشعبيّ قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا يؤمّنّ أحد بعدي جالساً» تفسير : وهذا لو صح إسناده لكان مرسلاً، والمرسل من الخبر وما لم يُرْوسِيانِ في الحكم عندنا، ثم إن أبا حنيفة يقول: ما رأيت فيمن لقيت أفضل من عطاء، ولا فيمن لقيت أكذب من جابر الجُعْفيّ، وما أتيتُه بشيء قطُّ من رأى إلا جاءني فيه بحديث، وزعم أن عنده كذا وكذا ألف حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم ينطق بها؛ فهذا أبو حنيفة يجرّح جابراً الجعفىّ ويكذِّبه ضدّ قول من انتحل من أصحابه مذهبه. قال أبو حاتم: وأما صلاة النبيّ صلى الله عليه وسلم في مرضه فجاءت الأخبار فيها مُجْمَلةً ومختصرةً، وبعضها مفَصَّلة مبيّنة؛ ففي بعضها: فجاء النبيّ صلى الله عليه وسلم (فجلس) إلى جنب أبي بكر فكان أبو بكر يأتمّ بالنبيّ صلى الله عليه وسلم والناس يأتمّون بأبي بكر. وفي بعضها: فجلس عن يسار أبي بكر وهذا مفسّر. وفيه: فكان النبي صلى الله عليه وسلم يصلِّي بالناس قاعداً وأبو بكر قائماً. قال أبو حاتم: وأما إجمال هذا الخبر فإن عائشة حكت هذه الصلاة إلى هذا الموضع، وآخر القصة عند جابر بن عبد الله: أن النبيّ صلى الله عليه وسلم أمرهم بالقعود أيضاً في هذه الصلاة كما أمرهم به عند سقوطه عن فرسه؛ أنبأنا محمد بن الحسن بن قتيبة قال أنبأنا يزيد بن مَوْهَب قال حدّثني الليث بن سعد عن أبي الزبير عن جابر قال:حديث : ٱشتكى رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلينا وراءه وهو قاعدٌ، وأبو بكر يُسمع الناسَ تكبيرَه، قال: فٱلتفت إلينا فرآنا قياماً فأشار إلينا فقعدنا فصلينا بصلاته قعوداً، فلما سلّم قال: «كدتم أن تفعلوا فعل فارس والروم يقومون على ملوكهم وهم قعود فلا تفعلوا ائتموا بأئمتكم إن صلّى قائماً فصلوا قياماً وإن صلّى قاعداً فصلوا قعوداً»تفسير : . قال أبو حاتم: ففي هذا الخبر المفسَّر بيانٌ واضح أن النبيّ صلى الله عليه وسلم لما قعد عن يسار أبي بكر وتحوّل أبو بكر مأموماً يقتدى بصلاته ويكبّرُ يُسمع الناسَ التكبير ليقتدوا بصلاته، أمرهم صلى الله عليه وسلم حينئذٍ بالقعود حين رآهم قياماً؛ ولما فرغ من صلاته أمرهم أيضاً بالقعود إذا صلى إمامهم قاعداً. وقد شهد جابر بن عبد الله صلاته صلى الله عليه وسلم حين سقط عن فرسه فجُحِش شقُّه الأيمن، وكان سقوطه صلى الله عليه وسلم في شهر ذي الحجة آخر سنة خمس من الهجرة، وشهد هذه الصلاة في عِلَّته صلى الله عليه وسلم في غير هذا التاريخ فأدّى كلَّ خبر بلفظه؛ ألا تراه يذكر في هذه الصلاة: رفع أبو بكر صوته بالتكبير ليقتديَ به الناس، وتلك الصلاة التي صلاَّها رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيته عند سقوطه عن فرسه، لم يحتج إلى أن يرفع صوته ليُسمع الناسَ تكبيرَه على صغر حُجْرة عائشة، وإنما كان رفعه صوته بالتكبير في المسجد الأعظم الذي صلى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم في عِلّته، فلما صَحّ ما وصفنا لم يجز أن نجعل بعض هذه الأخبار ناسخاً لبعض؛ وهذه الصلاة كان خروجه إليها صلى الله عليه وسلم بين رجلين، وكان فيها إماماً وصلى بهم قاعداً وأمرهم بالقعود. وأما الصلاة التي صلاَّها آخرَ عمره فكان خروجه إليها بين بَرِيرَة وثوْبَة، وكان فيها مأموماً، وصلى قاعداً خلف أبي بكر في ثوب واحد متوَشِّحا به. رواه أنس بن مالك قال: آخر صلاة صلاَّها رسول الله صلى الله عليه وسلم مع القوم في ثوب واحد متوشحاً به قاعداً خلف أبي بكر؛ فصلى عليه السلام صلاتين في المسجد جماعةً لا صلاة واحدة. وإن في خبر عبيد الله بن عبد الله عن عائشة أن النبيّ صلى الله عليه وسلم خرج بين رجلين. يريد أحدهما العباس والآخر علياً. وفي خبر مسروق عن عائشة: ثم إن النبيّ صلى الله عليه وسلم وَجَد من نفسه خِفّة فخرج بين بريرة وثوْبة، إني لأنظر إلى نعليه تخطان في الحصى وأنظر إلى بطون قدميه؛ الحديث. فهذا يدلك على أنهما كانتا صلاتين لا صلاة واحدة. قال أبو حاتم: أخبرنا محمد بن إسحاق بن خزيمة قال حدّثنا محمد بن بشّار قال حدّثنا بَدَل بن المُحَبّر قال حدّثنا شعبة عن موسى بن أبي عائشة عن عبيد الله بن عبد الله عن عائشة أن أبا بكر صلى بالناس ورسول الله صلى الله عليه وسلم في الصف خلفه. قال أبو حاتم: خالف شُعبةُ بن الحجاج زائدةَ بن قُدامة في متن هذا الخبر عن موسى بن أبي عائشة فجعل شُعْبةُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم مأموماً حيث صلى قاعداً والقوم قيام، وجعل زائدة النبي صلى الله عليه وسلم إماماً حيث صلَّى قاعداً والقوم قيام، وهما مُتْقنان حافظان. فكيف يجوز أن يجعل إحدى الروايتين اللتين تضادّتا في الظاهر في فعل واحد ناسخاً لأمر مطلق متقدّم! فمن جعل أحد الخبرين ناسخاً لِما تقدّم من أمر النبيّ صلى الله عليه وسلم وترك الآخر من غير دليل ثبت له على صحته، سوّغ لخصمه أخذ ما ترك من الخبرين وترك ما أخذ منهما. ونظير هذا النوع من السُّنَن خبر ٱبن عباس أن النبيّ صلى الله عليه وسلم نكح ميمونة وهو مُحرِم، وخبر أبي رافع أن النبيّ صلى الله عليه وسلم نكحها وهما حلالان فتضادّ الخبران في فعل واحد في الظاهر من غير أن يكون بينهما تضادّ عندنا؛ فجعل جماعة من أصحاب الحديث الخبرين اللذين رُويا في نكاح ميمونة متعارضين، وذهبوا إلى خبر عثمان بن عفّان عن النبيّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا ينكح المُحرِم ولا ينكح» تفسير : فأخذوا به، إذ هو يوافق إحدى الروايتين اللّتين رُويتا في نكاح ميمونة، وتركوا خبر ٱبن عباس أن النبيّ صلى الله عليه وسلم نكحها وهو مُحْرِم؛ فمن فعل هذا لزمه أن يقول: تضادّ الخبران في صلاة النبيّ صلى الله عليه وسلم في عِلّته على حسب ما ذكرناه قبلُ، فيجب أن يجيء إلى الخبر الذي فيه الأمر بصلاة المأمومين قعوداً إذا صلّى إمامهم قاعداً فيأخذ به، إذ هو يوافق إحدى الروايتين اللّتين رُويتا في صلاة النبيّ صلى الله عليه وسلم في علته ويترك الخبر المنفرد عنهماكما فعل ذلك في نكاح ميمونة. قال أبو حاتم: زعم بعض العراقيّين ممن كان ينتحل مذهب الكوفيّين أن قوله: «حديث : وإذا صلّى قاعداً فصلُّوا قعوداً» تفسير : أراد به وإذا تشهّد قاعداً فتشهّدوا قعوداً أجمعون فحرّف الخبر عن عموم ما ورد الخبر فيه بغير دليل ثبت له على تأويله.
البيضاوي
تفسير : {حَـٰفِظُواْ عَلَى ٱلصَّلَوٰتِ} بالأداء لوقتها والمداومة عليها، ولعل الأمر بها في تضاعيف أحكام الأولاد والأزواج لئلا يلهيهم الاشتغال بشأنهم عنها. {وَالصَّلاةِ الوُسْطَى} أي الوسطى بينها، أو الفضلى منها خصوصاً وهي صلاة العصر لقوله عليه الصلاة والسلام يوم الأحزاب «حديث : شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر ملأ الله بيوتهم ناراً»تفسير : وفضلها لكثرة اشتغال الناس في وقتها، واجتماع الملائكة. وقيل صلاة الظهر لأنها في وسط النهار وكانت أشق الصلوات عليهم فكانت أفضل لقوله عليه الصلاة والسلام «حديث : أفضل العبادات أحمزها»تفسير : وقيل صلاة الفجر لأنها بين صلاتي النهار والليل والواقعة في الحد المشترك بينهما ولأنها مشهودة. وقيل المغرب لأنها المتوسطة بالعدد ووتر النهار. وقيل العشاء لأنها بين جهريتين واقعتين طرفي الليل. وعن عائشة رضي الله تعالى عنها: أنه عليه الصلاة والسلام كان يقرأ: «حديث : والصلاة الوسطى صلاة العصر»تفسير : فتكون صلاة من الأربع خصت بالذكر مع العصر لانفرادهما بالفضل. وقرىء بالنصب على الاختصاص والمدح. {وَقُومُواْ لِلَّهِ} في الصلاة. {قَـٰنِتِينَ} ذاكرين له في القيام، والقنوت الذكر فيه. وقيل خاشعين، وقال ابن المسيب المراد به القنوت في الصبح.
ابن كثير
تفسير : ويأمر تعالى بالمحافظة على الصلوات في أوقاتها، وحفظ حدودها، وأدائها في أوقاتها، كما ثبت في الصحيحين عن ابن مسعود، قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أي العمل أفضل؟ قال: «حديث : الصلاة في وقتها»تفسير : . قلت: ثم أي؟ قال: «حديث : الجهاد في سبيل الله»تفسير : . قلت: ثم أي؟ قال: «حديث : برّ الوالدين»تفسير : ، قال: حدثني بهنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ولو استزدته لزادني. وقال الإمام أحمد: حدثنا يونس، حدثنا ليث عن عبد الله بن عمر بن حفص بن عاصم، عن القاسم بن غنام، عن جدته أم أبيه الدنيا، عن جدته أم فروة، وكانت ممن بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر الأعمال، فقال: «حديث : إن أحب الأعمال إلى الله تعجيل الصلاة لأول وقتها»تفسير : وهكذا رواه أبو داود والترمذي، وقال: لا نعرفه إلا من طريق العمري، وليس بالقوي عند أهل الحديث، وخص تعالى من بينها بمزيد التأكيد الصلاة الوسطى، وقد اختلف السلف والخلف فيها أي صلاة هي؟ فقيل: إنها الصبح، حكاه مالك في الموطأ بلاغاً عن علي وابن عباس، وقال هشيم وابن علية وغندر وابن أبي عدي وعبد الوهاب وشريك وغيرهم عن عوف الأعرابي عن أبي رجاء العطاردي قال: صليت خلف ابن عباس الفجر، فقنت فيها، ورفع يديه، ثم قال: هذه الصلاة الوسطى التي أمرنا أن نقوم فيها قانتين، رواه ابن جرير، ورواه أيضاً من حديث عوف عن خلاس بن عمرو، عن ابن عباس مثله سواء، وقال ابن جرير: حدثنا ابن بشار، حدثنا عبد الوهاب، حدثنا عوف عن أبي المنهال، عن أبي العالية، عن ابن عباس، أنه صلى الغداة في مسجد البصرة، فقنت قبل الركوع، وقال: هذه الصلاة الوسطى التي ذكرها الله في كتابه، فقال: { حَـٰفِظُواْ عَلَى ٱلصَّلَوَٰتِ وٱلصَّلَوٰةِ ٱلْوُسْطَىٰ وَقُومُواْ لِلَّهِ قَـٰنِتِينَ} وقال أيضاً: حدثنا محمد بن عيسى الدامغاني، أخبرنا ابن المبارك، أخبرنا الربيع ابن أنس عن أبي العالية، قال: صليت خلف عبد الله بن قيس بالبصرة صلاة الغداة، فقلت لرجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جانبي: ما الصلاة الوسطى؟ قال: هذه الصلاة. وروي من طريق أخرى عن الربيع عن أبي العالية، أنه صلى مع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الغداة، فلما فرغوا قال: قلت لهم: أيتهنّ الصلاة الوسطى؟ قالوا: التي قد صليتها قبل. وقال أيضاً: حدثنا ابن بشار، حدثنا ابن عثمة عن سعيد بن بشير، عن قتادة، عن جابر بن عبد الله، قال: الصلاة الوسطى صلاة الصبح، وحكاه ابن أبي حاتم عن ابن عمر وأبي أمامة وأنس وأبي العالية وعبيد ابن عمير وعطاء ومجاهد وجابر بن زيد وعكرمة والربيع بن أنس، ورواه ابن جرير عن عبد الله بن شداد وابن الهاد أيضاً، وهو الذي نص عليه الشافعي رحمه الله، محتجاً بقوله تعالى: {وَقُومُواْ لِلَّهِ قَـٰنِتِينَ} والقنوت عنده في صلاة الصبح. ومنهم من قال: هي وسطى باعتبار أنها لا تقصر، وهي بين صلاتين رباعيتين مقصورتين، وترد المغرب، وقيل: لأنها بين صلاتي ليل جهريتين وصلاتي نهار سريتين. وقيل: إنها صلاة الظهر، قال أبو داود الطيالسي في مسنده: حدثنا ابن أبي ذئب عن الزبرقان، يعني: ابن عمرو، عن زهرة، يعني: ابن معبد، قال: كنا جلوساً عند زيد بن ثابت، فأرسلوا إلى أسامة، فسألوه عن الصلاة الوسطى، فقال: هي الظهر، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصليها بالهجير، وقال أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، حدثني عمرو بن أبي حكيم، سمعت الزبرقان يحدث عن عروة بن الزبير عن زيد بن ثابت، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الظهر بالهاجرة، ولم يكن يصلي صلاة أشد على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم منها، فنزلت: { حَـٰفِظُواْ عَلَى ٱلصَّلَوَٰتِ وٱلصَّلَوٰةِ ٱلْوُسْطَىٰ وَقُومُواْ لِلَّهِ قَـٰنِتِينَ} وقال: إن قبلها صلاتين وبعدها صلاتين. ورواه أبو داود في سننه من حديث شعبة به، وقال أحمد أيضاً: حدثنا يزيد حدثنا ابن أبي وهب عن الزبرقان أن رهطاً من قريش مر بهم زيد بن ثابت، وهم مجتمعون، فأرسلوا إليه غلامين لهم يسألانه عن الصلاة الوسطى، فقال: هي صلاة العصر، فقام إليه رجلان منهم فسألاه، فقال: هي الظهر. ثم انصرفا إلى أسامة بن زيد فسألاه، فقال: هي الظهر، إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي الظهر بالهجير، فلا يكون وراءه إلا الصف والصفان، والناس في قائلتهم وفي تجارتهم، فأنزل الله: { حَـٰفِظُواْ عَلَى ٱلصَّلَوَٰتِ وٱلصَّلَوٰةِ ٱلْوُسْطَىٰ وَقُومُواْ لِلَّهِ قَـٰنِتِينَ} قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لينتهين رجال أو لأحرقن بيوتهم»تفسير : . والزبرقان هو ابن عمرو بن أمية الضمري، لم يدرك أحداً من الصحابة، والصحيح ما تقدم من روايته عن زهرة بن معبد وعروة بن الزبير. وقال شعبة وهمام عن قتادة عن سعيد بن المسيب عن ابن عمر عن زيد بن ثابت، قال: الصلاة الوسطى صلاة الظهر. وقال أبو داود الطيالسي وغيره، عن شعبة: أخبرني عمر بن سليمان من ولد عمر بن الخطاب، قال: سمعت عبد الرحمن بن أبان بن عثمان يحدث عن أبيه عن زيد بن ثابت، قال: الصلاة الوسطى هي الظهر، ورواه ابن جرير، عن زكريا بن يحيى ابن أبي زائدة عن عبد الصمد، عن شعبة، عن عمر بن سليمان، عن زيد بن ثابت، قال: الصلاة الوسطى هي الظهر، ورواه ابن جرير، عن زكريا بن يحيى بن أبي زائدة عن عبد الصمد، عن شعبة، عن عمر بن سليمان، عن زيد بن ثابت، في حديث رفعه، قال: «حديث : الصلاة الوسطى صلاة الظهر»تفسير : . وممن روي عنه أنها الظهر ابن عمر، وأبو سعيد، وعائشة، على اختلاف عنهم، وهو قول عروة بن الزبير وعبد الله بن شداد بن الهاد، ورواية عن أبي حنيفة، رحمهم الله. وقيل: إنها صلاة العصر. قال الترمذي والبغوي رحمهما الله: وهو قول أكثر علماء الصحابة وغيرهم. وقال القاضي الماوردي: هو قول جمهور التابعين. وقال الحافظ أبو عمر بن عبد البر: هو قول أكثر أهل الأثر. وقال أبو محمد بن عطية في تفسيره: وهو قول جمهور الناس. وقال الحافظ أبو محمد عبد المؤمن بن خلف الدمياطي في كتابه المسمى بكشف المغطى في تبيين الصلاة الوسطى، وقد نص فيه: أنها العصر، وحكاه عن عمر وعلي وابن مسعود وأبي أيوب وعبد الله بن عمرو وسمرة بن جندب وأبي هريرة وأبي سعيد وحفصة وأم حبيبة وأم سلمة، وعن ابن عمرو وابن عباس وعائشة على الصحيح عنهم، وبه قال عبيدة وإبراهيم النخعي ورزين وزر بن حبيش وسعيد بن جبير وابن سيرين والحسن وقتادة والضحاك والكلبي ومقاتل وعبيد ابن أبي مريم وغيرهم، وهو مذهب أحمد بن حنبل. قال القاضي الماوردي والشافعي: قال ابن المنذر: وهو الصحيح عن أبي حنيفة، وأبي يوسف ومحمد، واختاره ابن حبيب المالكي، رحمهم الله. ذكر الدليل على ذلك. قال الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن مسلم، عن شتير بن شكل، عن علي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب: «حديث : شغلونا عن الصلاة الوسطى، صلاة العصر، ملأ الله قلوبهم وبيوتهم ناراً»تفسير : ثم صلاها بين العشاءين المغرب والعشاء، وكذا رواه مسلم من حديث أبي معاوية محمد بن حازم الضرير، والنسائي من طريق عيسى بن يونس، كلاهما عن الأعمش، عن مسلم بن صبيح، عن أبي الضحى، عن شتير بن شكل بن حميد، عن علي بن أبي طالب عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله، وقد رواه مسلم أيضاً من طريق شعبة عن الحكم بن عتيبة، عن يحيى بن الجزار عن علي بن أبي طالب، وأخرجه الشيخان وأبو داود والترمذي والنسائي وغير واحد من أصحاب المساند والسنن والصحاح من طرق يطول ذكرها عن عبيدة السلماني، عن علي به، ورواه الترمذي والنسائي من طريق الحسن البصري عن علي به، قال الترمذي: ولا يعرف سماعه منه، وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان عن عاصم عن زر، قال: قلت لعبيدة: سل علياً عن الصلاة الوسطى، فسأله، فقال: كنا نراها الفجر أو الصبح، حتى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يوم الأحزاب: «حديث : شغلونا عن الصلاة الوسطى، صلاة العصر، ملأ الله قبورهم وأجوافهم أو بيوتهم ناراً»تفسير : ورواه ابن جرير عن بندار عن ابن مهدي به. وحديث يوم الأحزاب، وشغل المشركين رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه عن أداء صلاة العصر يومئذ، مروي عن جماعة من الصحابة يطول ذكرهم، وإنما المقصود رواية من نص منهم في روايته أن الصلاة الوسطى هي صلاة العصر. وقد رواه مسلم أيضاً من حديث ابن مسعود والبراء بن عازب رضي الله عنهما. (حديث آخر) ـ قال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا همام عن قتادة عن الحسن عن سمرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : صلاة الوسطى صلاة العصر»تفسير : وحدثنا بهز وعفان قالا: حدثنا أبان، حدثنا قتادة عن الحسن، عن سمرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: {حَـٰفِظُواْ عَلَى ٱلصَّلَوَٰتِ وٱلصَّلَوٰةِ ٱلْوُسْطَىٰ} وسماها لنا أنها هي صلاة العصر، وحدثنا محمد بن جعفر وروح، قالا: حدثنا سعيد عن قتادة، عن الحسن عن سمرة بن جندب، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : هي العصر»تفسير : قال ابن جعفر: سئل عن صلاة الوسطى، ورواه الترمذي من حديث سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة، وقال: حسن صحيح، وقد سمع منه حديث آخر. وقال ابن جرير: حدثنا أحمد ابن منيع، حدثنا عبد الوهاب بن عطاء، عن التيمي، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : الصلاة الوسطى صلاة العصر».تفسير : (طريق أخرى بل حديث آخر) قال ابن جرير: وحدثني المثنى، حدثنا سليمان بن أحمد الجرشي الواسطي، حدثنا الوليد بن مسلم، قال: أخبرني صدقة بن خالد، حدثني خالد بن دهقان، عن خالد بن سَبَلان، عن كهيل بن حرملة، قال: سئل أبو هريرة عن الصلاة الوسطى، فقال: اختلفنا فيها كما اختلفتم فيها، ونحن بفناء بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وفينا الرجل الصالح أبو هاشم بن عتبة بن ربيعة ابن عبد شمس، فقال: أنا أعلم لكم ذلك، فقام فاستأذن على رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل عليه ثم خرج إلينا، فقال: أخبرنا أنها صلاة العصر، غريب من هذا الوجه جداً. (حديث آخر) ـ قال ابن جرير: حدثنا أحمد بن إسحاق، حدثنا أبو أحمد، حدثنا عبد السلام عن مسلم مولى أبي نصير، حدثني إبراهيم بن يزيد الدمشقي، قال: كنت جالساً عند عبد العزيز بن مروان، فقال: يا فلان اذهب إلى فلان، فقل له: أي شيء سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصلاة الوسطى؟ فقال رجل جالس: أرسلني أبو بكر وعمر، وأنا غلام صغير، أسأله عن الصلاة الوسطى، فأخذ أصبعي الصغيرة، فقال: «حديث : هذه صلا ة الفجر»تفسير : ، وقبض التي تليها، فقال: «حديث : هذه الظهر»تفسير : ، ثم قبض الإبهام، فقال: «حديث : هذه المغرب»تفسير : ، ثم قبض التي تليها، فقال: «حديث : هذه العشاء»تفسير : ، ثم قال: «حديث : أي أصابعك بقيت؟»تفسير : فقلت: الوسطى، فقال: «حديث : أي الصلاة بقيت؟»تفسير : فقلت: العصر، فقال: «حديث : هي العصر»تفسير : غريب أيضاً جداً. (حديث آخر) قال ابن جرير: حدثنا محمد بن عوف الطائي حدثنا محمد بن إسماعيل ابن عياش، حدثني أبي حدثني أبو ضمضم بن زرعة عن شريح بن عبيد عن أبي مالك الأشعري، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : الصلاة الوسطى صلاة العصر»تفسير : إسناده لا بأس به. (حديث آخر) قال أبو حاتم بن حبان في صحيحه: حدثنا أحمد بن يحيى بن زهير، حدثنا الجراح بن مخلد، حدثنا عمرو بن عاصم، حدثنا همام بن مورق العجلي، عن أبي الأحوص، عن عبد الله، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : صلاة الوسطى صلاة العصر»تفسير : . وقد روى الترمذي من حديث محمد بن طلحة بن مصرف عن زبيد اليامي، عن مرة الهمداني، عن ابن مسعود، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : صلاة الوسطى صلاة العصر»تفسير : ، ثم قال: حسن صحيح، وأخرجه مسلم في صحيحه من طريق محمد بن طلحة به، ولفظه: «حديث : شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر»تفسير : الحديث، فهذه نصوص في المسألة لا تحتمل شيئاً، ويؤكد ذلك الأمر بالمحافظة عليها، وقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح من رواية الزهري عن سالم، عن أبيه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : من فاتته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله»تفسير : وفي الصحيح أيضاً من حديث الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي قلابة عن أبي كثير عن أبي المهاجر، عن بريدة بن الحصيب، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : بكروا بالصلاة في يوم الغيم، فإنه من ترك صلاة العصر، فقد حبط عمله»تفسير : وقال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن إسحاق، أخبرنا ابن لهيعة عن عبد الله بن هبيرة، عن أبي تميم عن أبي بصرة الغفاري، قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في واد من أوديتهم، يقال له: المخمَّص، صلاة العصر، فقال: «حديث : إن هذه الصلاة صلاة العصر عرضت على الذين من قبلكم فضيعوها، ألا ومن صلاها ضعف له أجره مرتين، ألا ولا صلاة بعدها حتى تروا الشاهد»تفسير : ثم قال: رواه عن يحيى بن إسحاق عن الليث عن خير بن نعيم عن عبد الله بن هبيرة به، وهكذا رواه مسلم والنسائي جميعاً عن قتيبة عن الليث، رواه مسلم أيضاً من حديث محمد بن إسحاق: حدثني يزيد ابن أبي حبيب، كلاهما عن خير بن نعيم الحضرمي، عن عبد الله بن هبيرة السبائي به، فأما الحديث الذي رواه الإمام أحمد أيضاً: حدثنا إسحاق، أخبرني مالك، عن زيد بن أسلم، عن القعقاع بن حكيم، عن أبي يونس مولىٰ عائشة، قال: أمرتني عائشة أن أكتب لها مصحفاً، قالت: إذا بلغت هذه الآية {حَـٰفِظُواْ عَلَى ٱلصَّلَوَٰتِ وٱلصَّلَوٰةِ ٱلْوُسْطَىٰ} فآذني، فلما بلغتها آذنتها، فأملت عليّ "حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر وقوموا لله قانتين" قال: سمعتها من رسول الله، وهكذا رواه مسلم عن يحيى بن يحيى عن مالك به، وقال ابن جرير: حدثني ابن المثنى حدثنا الحجاج، حدثنا حماد عن هشام بن عروة عن أبيه، قال: كان في مصحف عائشة {حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وهي صلاة العصر} وهكذا رواه من طريق الحسن البصري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأها كذلك. وقد روى الإمام مالك أيضاً عن زيد بن أسلم، عن عمرو بن رافع، قال: كنت أكتب مصحفاً لحفصة زوج النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت: إذا بلغت هذه الآية فآذني {حَـٰفِظُواْ عَلَى ٱلصَّلَوَٰتِ وٱلصَّلَوٰةِ ٱلْوُسْطَىٰ} فلما بلغتها آذنتها، فأملت علي { حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر وقوموا لله قانتين} وهكذا رواه محمد بن إسحاق بن يسار فقال: حدثني أبو جعفر محمد بن علي ونافع مولى ابن عمر أن عمر بن نافع قال، فذكر مثله، وزاد: كما حفظتها من النبي صلى الله عليه وسلم. (طريق أخرى عن حفصة) قال ابن جرير: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة عن أبي بشر، عن عبد الله بن يزيد الأزدي، عن سالم بن عبد الله، أن حفصة أمرت إنساناً أن يكتب لها مصحفاً، فقالت: إذا بلغت هذه الآية {حَـٰفِظُواْ عَلَى ٱلصَّلَوَٰتِ وٱلصَّلَوٰةِ ٱلْوُسْطَىٰ} فآذني، فلما بلغ آذنها، فقالت: اكتب {حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر}. (طريق أخرى) قال ابن جرير: حدثني ابن المثنى، حدثنا عبد الوهاب، حدثنا عبيد الله عن نافع، أن حفصة أمرت مولى لها أن يكتب لها مصحفاً، فقالت: إذا بلغت هذه الآية {حَـٰفِظُواْ عَلَى ٱلصَّلَوَٰتِ وٱلصَّلَوٰةِ ٱلْوُسْطَىٰ} فلا تكتبها حتى أمليها عليك كما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرؤها، فلما بلغها أمرته فكتبها {حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر وقوموا لله قانتين}. قال نافع: فقرأت ذلك المصحف، فوجدت فيه الواو. وكذا روى ابن جرير عن ابن عباس وعبيد بن عمير أنهما قرأا كذلك، وقال ابن جرير: حدثنا أبو كريب، حدثنا عبدة، حدثنا محمد بن عمرو، حدثني أبو سلمة عن عمرو بن رافع مولى عمر، قال: كان في مصحف حفصة {حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر وقوموا لله قانتين} وتقرير المعارضة أنه عطف صلاة العصر على الصلاة الوسطى بواو العطف التي تقتضي المغايرة، فدل ذلك على أنها غيرها، وأجيب عن ذلك بوجوه (أحدها) أن هذا إن روي على أنه خبر، فحديث علي أصح وأصرح منه، وهذا يحتمل أن تكون الواو زائدة، كما في قوله: {أية : وَكَذَلِكَ نفَصِّلُ ٱلآيَـٰتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ ٱلْمُجْرِمِينَ}تفسير : [الأنعام: 55] {أية : وَكَذَلِكَ نُرِىۤ إِبْرَٰهِيمَ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ ٱلْمُوقِنِينَ} تفسير : [الأنعام: 75]، أو تكون لعطف الصفات، لا لعطف الذوات، كقوله: {أية : وَلَـٰكِن رَّسُولَ ٱللَّهِ وَخَاتَمَ ٱلنَّبِيِّينَ}تفسير : [الأحزاب: 40] وكقوله: {أية : سَبِّحِ ٱسْمَ رَبِّكَ ٱلأَعْلَىٰ ٱلَّذِي خَلَقَ فَسَوَّىٰ وَٱلَّذِي قَدَّرَ فَهَدَىٰ وَٱلَّذِيۤ أَخْرَجَ ٱلْمَرْعَىٰ} تفسير : [الأعلى: 1 ـ 4] وأشباه ذلك كثيرة وقال الشاعر:شعر : إلى المَلِكِ القَرْمِ وابْنِ الهُمامِ ولَيْثِ الكَتيبَةِ في المُزْدَحَمْ تفسير : وقال أبو داود الأيادي:شعر : سُلطَ المَوْتُ والمَنون عَلَيْهِم فَلَهُمْ في صَدى المقابر هامُ تفسير : والموت هو المنون، قال عدي بن زيد العبادي:شعر : فَقَدَّمْتُ الأَديمَ لِراهِشِيه فَأَلْفى قولَها كَذِباً ومَيْنا تفسير : والكذب هو المين، وقد نص سيبويه شيخ النحاة على جواز قول القائل: مررت بأخيك وصاحبك، ويكون الصاحب هو الأخ نفسه، والله أعلم. وأما إن روي على أنه قرآن، فإنه لم يتواتر، فلا يثبت بمثل خبر الواحد قرآن، ولهذا لم يثبته أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه في المصحف، ولا قرأ بذلك أحد من القراء الذين تثبت الحجة بقراءتهم، لا من السبعة، ولا من غيرهم. ثم قد روي ما يدل على نسخ هذه التلاوة المذكورة في هذا الحديث، قال مسلم: حدثنا إسحق بن راهويه، أخبرنا يحيى بن آدم عن فضيل بن مرزوق، عن شقيق بن عقبة، عن البراء بن عازب، قال: نزلت {حافظوا على الصلوات وصلاة العصر} فقرأناها على رسول الله صلى الله عليه وسلم ما شاء الله، ثم نسخها الله عز وجل، فأنزل {حَـٰفِظُواْ عَلَى ٱلصَّلَوَٰتِ وٱلصَّلَوٰةِ ٱلْوُسْطَىٰ} فقال له زاهر ـ رجل كان مع شقيق ـ: أفهي العصر؟ قال: قد حدثتك كيف نزلت، وكيف نسخها الله عز وجل. قال مسلم: ورواه الأشجعي عن الثوري، عن الأسود، عن شقيق (قلت): وشقيق هذا لم يرو له مسلم سوى هذا الحديث الواحد، والله أعلم. فعلى هذا تكون هذه التلاوة، وهي تلاوة الجادة، ناسخة للفظ رواية عائشة وحفصة ولمعناها، إن كانت الواو دالة على المغايرة، وإلا فلفظها فقط، والله أعلم. وقيل: إن الصلاة الوسطى هي صلاة المغرب، رواه ابن أبي حاتم عن ابن عباس، وفي إسناده نظر، فإنه رواه عن أبيه عن أبي الجماهر عن سعيد بن بشير، عن قتادة عن أبي الخليل، عن عمه، عن ابن عباس، قال: صلاة الوسطى المغرب. وحكى هذا القول ابن جرير، عن قبيصة بن ذؤيب، وحكي أيضاً عن قتادة على اختلاف عنه، ووجه هذا القول بعضهم بأنها وسطى في العدد بين الرباعية والثنائية، وبأنها وتر المفروضات، وبما جاء فيها من الفضلية، والله أعلم. وقيل: إنها العشاء الآخرة، اختاره علي بن أحمد الواحدي في تفسيره المشهور. وقيل: هي واحدة من الخمس لا بعينها، وأبهمت فيهن؛ كما أبهمت ليلة القدر في الحول أو الشهر أو العشر، ويحكى هذا القول عن سعيد بن المسيب وشريح القاضي ونافع مولى ابن عمر، والربيع بن خثيم، ونقل أيضاً عن زيد بن ثابت، واختاره إمام الحرمين الجويني في نهايته. وقيل: بل الصلاة الوسطى مجموع الصلوات الخمس، رواه ابن أبي حاتم عن ابن عمر، وفي صحته أيضاً نظر، والعجب أن هذا القول اختاره الشيخ أبو عمر بن عبد البر النمري إمام ما وراء البحر، وإنها لإحدى الكبر إذ اختار مع اطلاعه وحفظه ما لم يقم عليه دليل من كتاب ولا سنة ولا أثر. وقيل: إنها صلاة العشاء وصلاة الفجر. وقيل: بل هي صلاة الجماعة. وقيل: صلاة الجمعة. وقيل صلاة الخوف. وقيل: بل صلاة عيد الفطر. وقيل: بل صلاة الأضحى، وقيل: الوتر. وقيل: الضحى. وتوقف فيها آخرون لما تعارضت عندهم الأدلة، ولم يظهر لهم وجه الترجيح، ولم يقع الإجماع على قول واحد، بل لم يزل النزاع فيها موجوداً من زمان الصحابة وإلى الآن. قال ابن جرير: حدثني محمد بن بشار وابن مثنى، قالا: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، قال: سمعت قتادة يحدث عن سعيد بن المسيب، قال: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مختلفين في الصلاة الوسطى هكذا، وشبك بين أصابعه، وكل هذه الأقوال فيها ضعف بالنسبة إلى التي قبلها، وإنما المدار ومعترك النزاع في الصبح والعصر، وقد ثبت في السنة بأنها العصر، فتعين المصير إليها. وقد روى الإمام أبو محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي رحمهما الله في كتاب فضائل الشافعي رحمه الله: حدثنا أبي سمعت حرملة بن يحيى التجيبي يقول: قال الشافعي: كل ما قلت، فكان عن النبي صلى الله عليه وسلم بخلاف قولي مما يصح، فحديث النبي صلى الله عليه وسلم أولى، ولا تقلدوني، وكذا روى الربيع والزعفراني وأحمد بن حنبل عن الشافعي، وقال موسى أبو الوليد بن أبي الجارود عن الشافعي: إذا صح الحديث، وقلت قولاً، فأنا راجع عن قولي وقائل بذلك. فهذا من سيادته وأمانته، وهذا نفس إخوانه من الأئمة رحمهم الله ورضي عنهم أجمعين، آمين. ومن ههنا قطع القاضي الماوردي بأن مذهب الشافعي رحمه الله، أن صلاة الوسطى هي صلاة العصر، وإن كان قد نص في الجديد وغيره أنها الصبح؛ لصحة الأحاديث أنها العصر، وقد وافقه على هذه الطريقة جماعة من محدثي المذهب ولله الحمد والمنة. ومن الفقهاء في المذهب من ينكر أن تكون هي العصر مذهباً للشافعي، وصمموا على أنها الصبح قولاً واحداً، قال المارودي: ومنهم من حكى في المسألة قولين. ولتقرير المعارضات والجوابات موضع آخر غير هذا، وقد أفردناه على حدة، ولله الحمد والمنة. وقوله تعالى: {وَقُومُواْ لِلَّهِ قَـٰنِتِينَ} أي: خاشعين ذليلين مستكينين بين يديه، وهذا الأمر مستلزم ترك الكلام في الصلاة؛ لمنافاته إياها، ولهذا لما امتنع النبي صلى الله عليه وسلم من الرد على ابن مسعود حين سلم عليه وهو في الصلاة، اعتذر إليه بذلك وقال: «حديث : إن في الصلاة لشغلاً»تفسير : . وفي صحيح مسلم أنه صلى الله عليه وسلم قال لمعاوية بن الحكم السلمي حين تكلم في الصلاة: «حديث : إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هي التسبيح والتكبير وذكر الله»تفسير : ، وقال الإمام أحمد بن حنبل: حدثنا يحيى بن سعيد، عن إسماعيل، حدثني الحارث بن شبيل عن أبي عمرو الشيباني، عن زيد بن أرقم، قال: كان الرجل يكلم صاحبه في عهد النبي صلى الله عليه وسلم في الحاجة في الصلاة، حتى نزلت هذه الآية: {وَقُومُواْ لِلَّهِ قَـٰنِتِينَ} فأمرنا بالسكوت، رواه الجماعة سوى ابن ماجه، من طرق عن إسماعيل به، وقد أشكل هذا الحديث على جماعة من العلماء حيث ثبت عندهم أن تحريم الكلام في الصلاة كان بمكة قبل الهجرة إلى المدينة وبعد الهجرة إلى أرض الحبشة، كما دل على ذلك حديث ابن مسعود الذي في الصحيح، قال: كنا نسلم على النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن نهاجر إلى الحبشة، وهو في الصلاة، فيرد علينا، قال: فلما قدمنا، سلمت عليه، فلم يرد علي، فأخذني ما قرب وما بعد، فلما سلم قال: «حديث : إني لم أرد عليك إلا أني كنت في الصلاة، وإن الله يحدث من أمره ما يشاء، وإن مما أحدث أن لا تكلموا في الصلاة»تفسير : وقد كان ابن مسعود ممن أسلم قديماً وهاجر إلى الحبشة، ثم قدم منها إلى مكة مع من قدم، فهاجر إلى المدينة، وهذه الآية: {وَقُومُواْ لِلَّهِ قَـٰنِتِينَ} مدنية بلا خلاف، فقال قائلون: إنما أراد زيد بن أرقم بقوله: كان الرجل يكلم أخاه في حاجته في الصلاة، الإخبار عن جنس الكلام، واستدل على تحريم ذلك بهذه الآية بحسب ما فهمه منها، والله أعلم. وقال آخرون: إنما أراد أن ذلك قد وقع بالمدينة بعد الهجرة إليها، ويكون ذلك قد أبيح مرتين وحرم مرتين، كما اختار ذلك قوم من أصحابنا وغيرهم، والأول أظهر، والله أعلم، وقال الحافظ أبو يعلى: أخبرنا بشر بن الوليد، أخبرنا إسحاق بن يحيى عن المسيب، عن ابن مسعود، قال: كنا يسلم بعضنا على بعض في الصلاة، فمررت برسول الله صلى الله عليه وسلم فسلمت عليه، فلم يرد علي، فوقع في نفسي أنه نزل فيَّ شيء، فلما قضى النبي صلى الله عليه وسلم صلاته قال: «حديث : وعليك السلام أيها المسلم ورحمة الله، إن الله عز وجل يحدث من أمره ما يشاء، فإذا كنتم في الصلاة فاقنتوا ولا تكلموا»تفسير : وقوله: { فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَآ أَمِنتُمْ فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ}، لما أمر تعالى عباده بالمحافظة على الصلوات والقيام بحدودها، وشدد الأمر بتأكيدها، ذكر الحال الذي يشتغل الشخص فيها عن أدائها على الوجه الأكمل، وهي حال القتال والتحام الحرب، فقال: {فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَانًا} أي: فصلوا على أي حال كان، رجالاً أو ركباناً، يعني: مستقبلي القبلة وغير مستقبليها، كما قال مالك عن نافع: إن ابن عمر كان إذا سئل عن صلاة الخوف، وصفها، ثم قال: فإن كان خوف أشد من ذلك، صلوا رجالاً على أقدامهم، أو ركباناً، مستقبلي القبلة، أو غير مستقبليها، قال نافع: لا أرى ابن عمر ذكر ذلك إلا عن النبي صلى الله عليه وسلم، ورواه البخاري وهذا لفظه، ومسلم، ورواه البخاري أيضاً من وجه آخر عن ابن جريج، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه أو قريباً منه، ولمسلم أيضاً عن ابن عمر، قال: فإن كان خوف أشد من ذلك، فصل راكباً أو قائماً تومي إيماءً، وفي حديث عبد الله بن أنيس الجهني لما بعثه النبي صلى الله عليه وسلم إلى خالد بن سفيان الهذلي ليقتله، وكان نحو عرفة أو عرفات، فلما واجهه حانت صلاة العصر، قال: فخشيت أن تفوتني، فجعلت أصلي وأنا أومي إيماء، الحديث بطوله رواه أحمد وأبو داود بإسناد جيد، وهذا من رخص الله التي رخص لعباده، ووضعه الآصار والأغلال عنهم، وقد روى ابن أبي حاتم من طريق شبيب بن بشر عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: في هذه الآية يصلي الراكب على دابته، والراجل على رجليه، قال: وروي عن الحسن ومجاهد ومكحول والسدي والحكم ومالك والأوزاعي والثوري والحسن بن صالح، نحو ذلك، وزاد: ويومي برأسه أينما توجه، ثم قال: حدثنا أبي، حدثنا غسان، حدثنا داود، يعني ابن علية، عن مطرف، عن عطية، عن جابر بن عبد الله، قال: إذا كانت المسايفة، فليومي برأسه حيث كان وجهه، فذلك قوله: {فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَانًا}، وروي عن الحسن ومجاهد وسعيد بن جبير وعطاء وعطية والحكم وحماد وقتادة نحو ذلك، وقد ذهب الإمام أحمد فيما نص عليه إلى أن صلاة الخوف تفعل في بعض الأحيان ركعة واحدة إذا تلاحم الجيشان، وعلى ذلك ينزل الحديث الذي رواه مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه وابن جرير من حديث أبي عوانة الوضاح بن عبد الله اليشكري ـ زاد مسلم: والنسائي وأيوب بن عائذ ـ كلاهما عن بكير ابن الأخنس الكوفي، عن مجاهد، عن ابن عباس، قال: فرض الله الصلاة على لسان نبيكم صلى الله عليه وسلم في الحضر أربعاً، وفي السفر ركعتين، وفي الخوف ركعة، وبه قال الحسن البصري وقتادة والضحاك وغيرهم. وقال ابن جرير: حدثنا ابن بشار، حدثنا ابن مهدي عن شعبة، قال: سألت الحكم وحماداً وقتادة عن صلاة المسايفة، فقالوا: ركعة، وهكذا روى الثوري عنهم سواء، وقال ابن جرير أيضاً: حدثني سعيد بن عمرو السكوني، حدثنا بقية بن الوليد، حدثنا المسعودي، حدثنا يزيد الفقير عن جابر بن عبد الله، قال: صلاة الخوف ركعة. واختار هذا القول ابن جرير، وقال البخاري: (باب الصلاة عند مناهضة الحصون ولقاء العدو): وقال الأوزاعي: إن كان تهيأ الفتح، ولم يقدروا على الصلاة، صلوا إيماء، كل امرىء لنفسه، فإن لم يقدروا على الإيماء، أخروا الصلاة حتى ينكشف القتال، أو يأمنوا، فيصلوا ركعتين، فإن لم يقدروا، صلوا ركعة وسجدتين، فإن لم يقدروا، لا يجزيهم التكبير، ويؤخرونها حتى يأمنوا. وبه قال مكحول، وقال أنس بن مالك: حضرت مناهضة حصن تستر عند إغضاءة الفجر، واشتد اشتعال القتال، فلم يقدروا على الصلاة، فلم نصل إلا بعد ارتفاع النهار، فصليناها ونحن مع أبي موسى، ففتح لنا. قال أنس: وما يسرني بتلك الصلاة الدنيا وما فيها. هذا لفظ البخاري، ثم استشهد على ذلك بحديث تأخيره صلى الله عليه وسلم صلاة العصر يوم الخندق لعذر المحاربة إلى غيبوبة الشمس، وبقوله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك لأصحابه لما جهزهم إلى بني قريظة: «حديث : لا يصلين أحد منكم العصر إلا في بني قريظة»تفسير : فمنهم من أدركته الصلاة في الطريق فصلوا، وقالوا: لم يرد منا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا تعجيل السير، ومنهم من أدركته، فلم يصل إلى أن غربت الشمس في بني قريظة، فلم يعنف واحداً من الفريقين، وهذا على اختيار البخاري لهذا القول، والجمهور على خلافه، ويعولون على أن صلاة الخوف على الصفة التي ورد بها القرآن في سورة النساء، ووردت بها الأحاديث، لم تكن مشروعة في غزوة الخندق، وإنما شرعت بعد ذلك، وقد جاء مصرحاً بهذا في حديث أبي سعيد وغيره، وأما مكحول والأوزاعي والبخاري فيجيبون بأن مشروعية صلاة الخوف بعد ذلك لا تنافي جواز ذلك، لأن هذا حال نادر خاص، فيجوز فيه مثل ما قلنا بدليل صنيع الصحابة زمن عمر في فتح تستر، وقد اشتهر ولم ينكر، والله أعلم. وقوله: {فَإِذَآ أَمِنتُمْ فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ} أي: أقيموا صلاتكم كما أمرتم، فأتموا ركوعها وسجودها، وقيامها وقعودها، وخشوعها وهجودها، {كَمَا عَلَّمَكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ} أي: مثل ما أنعم عليكم وهداكم وعلمكم ما ينفعكم في الدنيا والآخرة، فقابلوه بالشكر والذكر، كقوله بعد صلاة الخوف: {أية : فَإِذَا ٱطْمَأْنَنتُمْ فَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ كَانَتْ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ كِتَـٰباً مَّوْقُوتاً}تفسير : [النساء: 103] وستأتي الأحاديث االواردة في صلاة الخوف وصفاتها في سورة النساء عند قوله تعالى: {أية : وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ ٱلصَّلَوٰةَ}تفسير : [النساء: 102] الآية.
المحلي و السيوطي
تفسير : {حَٰفِظُواْ عَلَى ٱلصَّلَوٰتِ } الخمس بأدائها في أوقاتها {وَٰلصَّلَٰوةِ ٱ لْوُسْطَى} هي العصر أو الصبح أو الظهر أو غيرها أقوال وأفردها بالذكر لفضلها {وَقُومُواْ لِلَّهِ } في الصلاة {قَٰنِتِينَ } قيل مطيعين لقوله صلى الله عليه وسلم « حديث : كل قنوت في القرآن فهو طاعة » تفسير : رواه أحمد وغيره، وقيل ساكتين لحديث زيد بن أرقم: « حديث : كنا نتكلم في الصلاة حتى نزلت فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام » تفسير : رواه الشيخان.
الشوكاني
تفسير : المحافظة على الشيء: المداومة، والمواظبة عليه، والوسطى: تأنيث الأوسط، وأوسط الشيء ووسطه: خياره. ومنه قوله تعالى: {أية : وَكَذٰلِكَ جَعَلْنَـٰكُمْ أُمَّةً وَسَطًا }تفسير : [البقرة: 143]، ومنه قول بعض العرب يمدح النبي صلى الله عليه وسلم:شعر : يا أوسط النَّاسِ طُراً في مفاخرهم وأكرم النَّاسِ أُما بَرَّةً وأباً تفسير : وَوَسَط فلان القوم يسطهم، أي: صار في وسطهم. وأفرد الصلاة الوسطى بالذكر بعد دخولها في عموم الصلوات تشريفاً لها. وقرأ أبو جعفر: {والصلاة الوسطى} بالنصب على الإغراء، وكذلك قرأ الحلواني؛ وقرأ قالون عن نافع "الوصطي" بالصاد لمجاورة الطاء، وهما لغتان: كالسراط، والصراط. وقد اختلف أهل العلم في تعيينها على ثمانية عشر قولاً أوردتها في شرحي للمنتقى، وذكرت ما تمسكت به كل طائفة، وأرجح الأقوال، وأصحها ما ذهب إليه الجمهور من أنها العصر. لما ثبت عند البخاري، ومسلم، وأهل السنن، وغيرهم من حديث علي قال: كنا نراها الفجر حتى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يوم الأحزاب: «حديث : شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر، ملأ الله قبورهم وأجوافهم ناراً»تفسير : وأخرج مسلم، والترمذي، وابن ماجه، وغيرهم من حديث ابن مسعود مرفوعاً مثله. وأخرجه أيضاً ابن جرير، وابن المنذر، والطبراني من حديث ابن عباس مرفوعاً. وأخرجه البزار بإسناد صحيح من حديث جابر مرفوعاً، وأخرجه أيضاً البزار بإسناد صحيح من حديث حذيفة مرفوعاً. وأخرجه الطبراني بإسناد ضعيف من حديث أم سلمة مرفوعاً. وورد في تعيين أنها العصر من غير ذكر يوم الأحزاب أحاديث مرفوعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم: منها عن ابن عمر، عن ابن منده، ومنها عن سَمُرة عند أحمد، وابن جرير، والطبراني، ومنها أيضاً عند ابن أبي شيبة، وأحمد، وعبد بن حميد، والترمذي وصححه ابن جرير، والطبراني، والبيهقي، وعن أبي هريرة، عند ابن جرير، والبيهقي، والطحاوي. وأخرجه عنه أيضاً ابن سعيد، والبزار، وابن جرير، والطبراني، وعن ابن عباس، عند البزار بأسانيد صحيحة، وعن أبي مالك الأشعري، عند ابن جرير، والطبراني، فهذه أحاديث مرفوعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم مصرحة بأنها العصر. وقد روي، عن الصحابة في تعيين أنها العصر آثار كبيرة، وفي الثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم ما لا يحتاج معه إلى غيره. وأما ما روي عن عليّ، وابن عباس أنهما قالا: إنها صلاة الصبح كما أخرجه مالك في الموطأ عنهما، وأخرجه ابن جرير، عن ابن عباس، وكذلك أخرجه، عنه عبد الرزاق، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وكذلك أخرجه ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عمر، وكذلك أخرجه ابن جرير، عن جابر، وكذلك أخرجه ابن أبي حاتم، عن أبي أمامة، وكل ذلك من أقوالهم، وليس فيها شيء من المرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ولا تقوم بمثل ذلك حجة لا سيما إذا عارض ما قد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم ثبوتاً يمكن أن يدعي فيه التواتر، وإذا لم تقم الحجة بأقوال الصحابة لم تقم بأقوال من بعدهم من التابعين، وتابعهم بالأولى، وهكذا لا تقوم الحجة بما أخرجه ابن أبي حاتم بإسناد حسن، عن ابن عباس أنه قال: صلاة الوسطى المغرب، وهكذا لا اعتبار بما ورد من قول جماعة من الصحابة: أنها الظهر، أو غيرها من الصلوات، ولكن المحتاج إلى إمعان نظر، وفكر ما ورد مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم مما فيه دلالة على أنها الظهر، كما أخرجه ابن جرير، عن زيد بن ثابت مرفوعاً: «حديث : إن الصلاة الوسطى صلاة الظهر»تفسير : . ولا يصح رفعه بل المرويّ، عن زيد بن ثابت ذلك من قوله، واستدل على ذلك بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي بالهاجرة، وكانت أثقل الصلاة على أصحابه، وأين يقع هذا الاستدلال من تلك الأحاديث الصحيحة الثابتة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهكذا الاعتبار بما روي، عن ابن عمر من قوله: إنها الظهر. وكذلك ما روي، عن عائشة، وأبي سعيد الخدري، وغيرهم، فلا حجة في قول أحد مع قول رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأما ما رواه عبد الرزاق، وابن جرير، وغيرهما أن حفصة قالت لأبي رافع مولاها، وقد أمرته أن يكتب لها مصحفاً: إذا أتيت على هذه الآية: {حَـٰفِظُواْ عَلَى ٱلصَّلَوٰتِ وٱلصَّلَوٰةِ ٱلْوُسْطَىٰ } فتعال حتى أمليها عليك، فلما بلغ ذلك أمرته أن يكتب: "حَـٰفِظُواْ عَلَى ٱلصَّلَوٰتِ وٱلصَّلَوٰةِ ٱلْوُسْطَىٰ صلاة العصر". وأخرجه أيضاً، عنها مالك، وعبد بن حميد، وابن جرير، والبيهقي في سننه، وزادوا: وقالت أشهد أني سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأخرج مالك، وأحمد، وعبد بن حميد، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وغيرهم، عن أبي يونس مولى عائشة أنها أمرته أن يكتب لها مصحفاً، وقالت: إذا بلغت هذه الآية فآذِنِّي {حَـٰفِظُواْ عَلَى ٱلصَّلَوٰتِ وٱلصَّلَوٰةِ ٱلْوُسْطَىٰ } قال: فلما بلغتها آذنتها، فأملَتْ عليّ: "حَـٰفِظُواْ عَلَى ٱلصَّلَوٰتِ وٱلصَّلَوٰةِ ٱلْوُسْطَىٰ صلاة العصر" قالت عائشة: سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأخرج وكيع، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، عن أم سلمة أنها أمرت مَنْ يكتب لها مصحفاً، وقالت له، كما قالت حفصة، وعائشة. فغاية ما في هذه الروايات، عن أمهات المؤمنين الثلاث رضي الله عنهنّ أنَّهنّ يروين هذا الحرف هكذا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليس فيه ما يدل على تعيين الصلاة الوسطى أنها الظهر، أو غيرها، بل غاية ما يدل عليه عطف صلاة العصر على صلاة الوسطى أنها غيرها؛ لأن المعطوف غير المعطوف عليه، وهذا الاستدلال لا يعارض ما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم ثبوتاً لا يدفع أنها العصر كما قدمنا بيانه. فالحاصل أن هذه القراءة التي نقلتها أمهات المؤمنين الثلاث بإثبات قوله: «وصلاة العصر» معارَضة بما أخرجه ابن جرير، عن عروة قال: كان في مصحف عائشة: "حَـٰفِظُواْ عَلَى ٱلصَّلَوٰتِ وٱلصَّلَوٰةِ ٱلْوُسْطَىٰ وَهِىَ صَـلَوٰةِ العصر". وأخرج وكيع، عن حميدة قالت: قرأت في مصحف عائشة: "حَـٰفِظُواْ عَلَى ٱلصَّلَوٰتِ وٱلصَّلَوٰةِ ٱلْوُسْطَىٰ * صَـلَوٰةِ العصر". وأخرج ابن أبي داود، عن قبيصة بن ذؤيب مثله. وأخرج سعيد بن منصور، وأبو عبيد، عن زياد بن أبي مريم أن عائشة أمرت بمصحف لها أن يكتب، وقالت: إذا بلغتم {حَـٰفِظُواْ عَلَى ٱلصَّلَوٰتِ} فلا تكتبوها حتى تؤذنوني، فلما أخبروها أنهم قد بلغوا قالت: اكتبوها صلاة الوسطى صلاة العصر. وأخرج ابن جرير، والطحاوي، والبيهقي، عن عمرو بن رافع: قال كان مكتوباً في مصحف حفصة "حَـٰفِظُواْ عَلَى ٱلصَّلَوٰتِ وٱلصَّلَوٰةِ ٱلْوُسْطَىٰ وَهِىَ صَـلَوٰةِ العصر". وأخرج أبو عبيد في فضائله، وابن المنذر عن أبي بن كعب أنه كان يقرؤها: "حَـٰفِظُواْ عَلَى ٱلصَّلَوٰتِ وٱلصَّلَوٰةِ ٱلْوُسْطَىٰ صَـلَوٰةِ العصر". وأخرج أبو عبيد، وعبد بن حميد، والبخاري في تاريخه، وابن جرير، والطحاوي، عن ابن عباس: أنه كان ليقرؤها: "حَـٰفِظُواْ عَلَى ٱلصَّلَوٰتِ وٱلصَّلَوٰةِ ٱلْوُسْطَىٰ صَـلَوٰةِ العصر". وأخرج المحاملي عن السائب بن يزيد أنه تلاها كذلك، فهذه الروايات تعارض تلك الروايات باعتبار التلاوة، ونقل القراءة، ويبقى ما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم من التعيين صافياً، عن شوب كدر المعارضة، على أنه قد ورد ما يدل على نسخ تلك القراءة التي نقلتها حفصة، وعائشة، وأم سلمة. فأخرج عبد بن حميد، ومسلم، وأبو داود في ناسخه، وابن جرير، والبيهقي، عن البراء بن عازب، قال: نزلت: "حَـٰفِظُواْ عَلَى ٱلصَّلَوٰتِ وصلاة العصر" فقرأناها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ما شاء الله، ثم نسخها الله، فأنزل: {حَـٰفِظُواْ عَلَى ٱلصَّلَوٰتِ وٱلصَّلَوٰةِ ٱلْوُسْطَىٰ } فقيل له: هي إذن: صلاة العصر؟ قال: قد حدثتك كيف نزلت، وكيف نسخها الله، والله أعلم. وأخرج البيهقي، عنه من وجه آخر، نحوه. وإذا تقرر لك هذا، وعرفت ما سقناه تبين لك أنه لم يرد ما يعارض أن الصلاة الوسطى صلاة العصر. وأما حجج بقية الأقوال، فليس فيها شيء مما ينبغي الاشتغال به؛ لأنه لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك شيء، وبعض القائلين عوَّل على أمر لا يعوَّل عليه، فقال: إنها صلاة كذا؛ لأنها وسطى بالنسبة إلى أن قبلها كذا من الصلوات، وبعدها كذا من الصلوات، وهذا الرأي المحض، والتخمين البحت لا ينبغي أن تسند إليه الأحكام الشرعية على فرض عدم وجود ما يعارضه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، فكيف مع وجود ما هو في أعلى درجات الصحة، والقوّة، والثبوت، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ ويالله العجب من قوم لم يكتفوا بتقصيرهم في علم السنة، وإعراضهم عن خير العلوم، وأنفعها، حتى كلفوا أنفسهم التكلم على أحكام الله، والتجري على تفسير كتاب الله بغير علم ولا هدى، فجاءوا بما يضحك منه تارة، ويبكي منه أخرى. قوله: {وَقُومُواْ لِلَّهِ قَـٰنِتِينَ } القنوت قيل: هو الطاعة، أي: قوموا لله في صلاتكم طائعين، قاله جابر بن زيد، وعطاء، وسعيد بن جبير، والضحاك، والشافعي. وقيل: هو الخشوع، قاله ابن عمر، ومجاهد. ومنه قول الشاعر:شعر : قانتاً لله يَدعُو ربه وَعَلى عَمْدٍ منِ النَّاسِ اعْتَزَلَ تفسير : وقيل: هو الدعاء، وبه قال ابن عباس. وفي الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قنت شهراً يدعو على رعْلٍ، وَذَكْوَان. وقال قوم: إن القنوت طول القيام، وقيل معناه: ساكتين قاله السدي، ويدل عليه حديث زيد بن أرقم في الصحيحين، وغيرهما قال: كان الرجل يكلم صاحبه في عهد النبي صلى الله عليه وسلم في الحاجة في الصلاة حتى نزلت هذه الآية: {وَقُومُواْ لِلَّهِ قَـٰنِتِينَ } فأمرنا بالسكوت. وقيل: أصل القنوت في اللغة: الدوام على الشيء، فكل معنى يناسب الدوام يصح إطلاق القنوت عليه. وقد ذكر أهل العلم أن القنوت ثلاثة عشر معنى، وقد ذكرنا ذلك في شرح المنتقى، والمتعين هاهنا حمل القنوت على السكوت للحديث المذكور. قوله: {فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَانًا } الخوف هو: الفزع، والرجال: جمع رَجِل، أو راجل، من قولهم رجل الإنسان يرجل راجلاً: إذا عدم المركوب، ومشى على قدميه، فهو رجل، وراجل. يقول أهل الحجاز: مشى فلان إلى بيت الله حافياً رجلاً، حكاه ابن جرير الطبري، وغيره. لما ذكر الله سبحانه الأمر بالمحافظة على الصلوات، ذكر حالة الخوف أنهم يضيعون فيها ما يمكنهم، ويدخل تحت طوقهم من المحافظة على الصلاة بفعلها حال الترجل، وحال الركوب، وأبان لهم أن هذه العبادة لازمة في كل الأحوال بحسب الإمكان. وقد اختلف أهل العلم في حدّ الخوف المبيح لذلك، والبحث مستوفي في كتب الفروع. قوله: {فَإِذَا أَمِنتُمْ } أي: إذا زال خوفكم، فارجعوا إلى ما أمرتم به من إتمام الصلاة مستقبلين القبلة، قائمين بجميع شروطها، وأركانها، وهو قوله: {فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُم } وقيل: معنى الآية: خرجتم من دار السفر إلى دار الإقامة، وهو خلاف معنى الآية. وقوله: {كَمَا عَلَّمَكُم } أي: مثل ما علمكم من الشرائع: {مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ } والكاف صفة لمصدر محذوف أي: ذكراً كائناً كتعليمه إياكم، أو مثل تعليمه إياكم. وقد أخرج ابن جرير، عن سعيد بن المسيب قال: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مختلفين في الصلاة الوسطى هكذا، وشبك بين أصابعه. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عمر؛ أنه سئل عن الصلاة الوسطى؟ فقال: هي فيهن، فحافظوا عليهن. وأخرج عبد بن حميد، عن زيد بن ثابت: أنه سأله رجل عن الصلاة الوسطى، فقال: حافظ على الصلوات تدركها. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، عن الربيع بن خُيَثْم: أن سائلاً سأله عن الصلاة الوسطى، قال: حافظ عليهنّ، فإنك إن فعلت أصبتها، إنما هي واحدة منهنّ. وأخرج ابن أبي شيبة، عن ابن سيرين قال: سئل شريح عن الصلاة الوسطى، فقال: حافظوا عليها تصيبوها. وقد قدمنا ما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم، وعن أصحابه رضي الله عنهم في تعيينها. وأخرج الطبراني، عن ابن عباس في قوله تعالى: {وَقُومُواْ لِلَّهِ قَـٰنِتِينَ } مثل ما قدمنا، عن زيد ابن أرقم. وأخرج ابن جرير، عن ابن مسعود، نحوه. وأخرج سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، عن محمد بن كعب، نحوه أيضاً. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، عن عكرمة نحوه. وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، عن مجاهد نحوه. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: {وَقُومُواْ لِلَّهِ قَـٰنِتِينَ } قال: مصلين. وأخرج ابن جرير عنه في الآية قال: كل أهل دين يقومون فيها عاصين، قوموا أنتم مطيعين، وأخرج ابن أبي شيبة، عن الضحاك مثله. وأخرج سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، عن مجاهد في قوله: {وَقُومُواْ لِلَّهِ قَـٰنِتِينَ } قال: من القنوت الركوع، والخشوع، وطول الركوع: يعني طول القيام، وغض البصر، وخفض الجناح، والرهبة لله. وقد ثبت في الصحيحين، وغيرهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : إن في الصلاة لشغلاً» تفسير : وفي صحيح مسلم، وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح، والتكبير، وقراءة القرآن»تفسير : وقد اختلفت الأحاديث في القنوت المصطلح عليه، هل هو قبل الركوع، أو بعده، وهل هو في جميع الصلوات، أو بعضها، وهل هو مختص بالنوازل أم لا؟ والراجح اختصاصه بالنوازل، وقد أوضحنا ذلك في شرحنا للمنتقى، فليرجع إليه. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله تعالى: {فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَانًا } قال: يصلي الراكب على دابته، والراجل على رجليه. {فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ } يعني: كما علمكم أن يصلي الراكب على دابته، والراجل على رجليه. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن جابر بن عبد الله، قال: إذا كانت المسابقة، فليُومِ برأسه حيث كان وجهه، فذلك قوله: {فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَانًا }. وأخرج عبد بن حميد، عن ابن عباس قال: {فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَانًا } قال: ركعة ركعة. وأخرج وكيع، وابن جرير، عن مجاهد: {فَإِذَا أَمِنتُمْ } قال: خرجتم من دار السفر إلى دار الإقامة.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ} وفي المحافظة عليها قولان: أحدهما: ذكرها. والثاني: تعجيلها. ثم قال تعالى: {وَالصَّلاَةِ الْوُسْطَى} وإنما خص الوسطى بالذكر وإن دخلت في جملة الصلوات لاختصاصها بالفضل، وفيها خمسة أقاويل: أحدها: أنها صلاة العصر، وهو قول عليّ، وأبي هريرة، وأبي سعيد الخدري، وأبي أيوب، وعائشة، وأم سلمة، وحفصة، وأم حبيبة. روى عمرو بن رافع، عن نافع، عن ابن عمر، عن حفصة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنها قالت لكاتب مصحفها: إذا بلغتَ مواقيت الصلاة فأخبرني، حتى أخبرك بما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما أخبرها قالت: أكتب، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاَةِ الْوُسْطَى وَهِيَ صَلاَةُ الْعَصْرِ ". تفسير : وروى محمد بن سيرين، عن عبيدة السلماني، عن عليّ رضي الله عنه قال: لم يُصَلِّ رسول الله صلى الله عليه وسلم العصر يوم الخندق إلا بعدما غربت الشمس فقال: "حديث : مَا لَهُم مَلأَ اللهُ قُلُوبَهُم وَقُبُورَهُم نَاراً شَغَلُونَا عَنِ الصَّلاَةِ الْوُسْطَى حَتَّى غَابَتِ الشَّمْسُ ". تفسير : وروى التيمي، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : الصَّلاَةُ الوُسْطَى صَلاَةُ الْعَصْرِ ". تفسير : والقول الثاني: أنها صلاة الظهر، وهو قول زيد بن ثابت، وابن عمر. قال ابن عمر: هي التي توجه فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى القبلة. وروى ابن الزبير عن زيد بن ثابت قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الظهر بالهاجرة، ولم يكن يصلي صلاة أشد على أصحابه منها، قال فنزلت: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاَةِ الوُسْطَى} وقال إن قبلها صلاتين وبعدها صلاتين. والقول الثالث: أنها صلاة المغرب، وهو قول قبيصة بن ذؤيب لأنها ليست بأقلها ولا بأكثرها ولا تقصر في السفر، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يؤخرها عن وقتها ولم يعجلها. والقول الرابع: أنها صلاة الصبح، وهو قول ابن عباس، وأبي موسى الأشعري، وجابر بن عبد الله، قال ابن عباس يصليها بين سواد الليل وبياض النهار، تعلقاً بقوله تعالى: {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} ولا صلاة مفروضة يقنت فيها إلا الصبح، ولأنها بين صلاتي ليل وصلاتي نهار. والقول الخامس: أنها إحدى الصلوات الخمس ولا تعرف بعينها، ليكون أبعث لهم على المحافظة على جميعها، وهذا قول نافع، وابن المسيب، والربيع ابن خثيم. وفيها قول سادس: أن الصلاة الوسطى صلاة الجمعة خاصة. وفيها قول سابع: أن الصلاة الوسطى صلاة الجماعة من جميع الصلوات. وفي تسميتها بالوسطى ثلاثة أوجه: أحدها: لأنها أوسط الصلوات الخمس محلاً، لأنها بين صلاتي ليل وصلاتي نهار. والثاني: لأنها أوسط الصلاة عدداً، لأن أكثرهن أربع وأقلهن ركعتان. والثالث: لأنها أفضل الصلوات ووسط الشيء ووسطاه أفضله، وتكون الوُسْطَى بمعنى الفُضْلَى. ثم قال تعالى: {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} وفيه ستة تأويلات: أحدها: يعني طائعين، قاله ابن عباس، والضحاك، والشعبي، وسعيد بن جبير، والحسن، وعطاء. والثاني: ساكتين عما نهاكم الله أن تتكلموا به في صلاتكم، وهو قول ابن مسعود، وزيد بن أرقم، والسدي، وابن زيد. والثالث: خاشعين، نهيأ عن العبث والتفلت، وهو قول مجاهد، والربيع بن أنس. والرابع: داعين، وهو مروي عن ابن عباس. والخامس: طول القيام في الصلاة، وهو قول ابن عمر. والسادس:.... وهو مروي عن ابن عمر أيضا. واختلف في أصل القنوت، على ثلاثة أوجه: أحدها: أن أصله الدوام على أمر واحد. والثاني: أصله الطاعة. والثالث: أصله الدعاء. قوله عز وجل: {فَإِنْ خِفْتُم فَرِجَالاً أَو رُكْبَاناً} الرجال جمع راجل، والركبان جمع راكب، مثل قائم وقيام. يعني فإن خفتم من عدوّكم، فصلوا على أرجلكم أو ركائبكم، وقوفاً ومشاة، إلى القبلة وغير القبلة، مومئاً أو غير مومىء، على حسب قدرته. واختلف في قدر صلاته، فذهب الجمهور إلى أنها على عددها تُصَلَّى ركعتين، وقال الحسن: تُصَلَّى ركعة واحدة إذا كان خائفاً. واختلفوا في وجوب الإِعادة عليه بعد أمنه، فذهب أهل الحجاز إلى سقوط الإِعادة عنه لعذره. وذهب أهل العراق إلى وجوب الإِعادة عليه لأن مشيه فيها عمل ليس منها. ثم قال تعالى: {فَإِذَا أَمِنتُم فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُم مَّا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ} وفيه تأويلان: أحدهما: معناه فإذا أمنتم فصلّوا كما علّمكم، وهو قول ابن زيد. والثاني: يريد فاذكروه بالثناء عليه والحمد له، كما علمكم من أمر دينكم ما لم تكونوا تعلمون.
ابن عطية
تفسير : الخطاب لجميع الأمة، والآية أمر بالمحافظة على إقامة الصلوات في أوقاتها وبجميع شروطها، وذكر تعالى {الصلاة الوسطى} ثانية وقد دخلت قبل في عموم قوله {الصلوات} لأنه قصد تشريفها وإغراء المصلين بها، وقرأ أبو جعفر أبو الرؤاسي "والصلاةَ الوسطى" بالنصب على الإغراء، وقرأ كذلك الحلواني. واختلف الناس من أي صلاة هو هذا الوصف، فذهبت فرقة إلى أنها الصبح وأن لفظ {وسطى} يراد به الترتيب، لأنها قبلها صلاتا ليل يجهر فيهما، وبعدها صلاتا نهار يسر فيهما، قال هذا القول علي بن أبي طالب، وابن عباس، وصلى بالناس يوماً الصبح فقنت قبل الركوع فلما فرغ قال: "هذه الصلاة الوسطى التي أمرنا الله أن نقوم فيها قانتين"، وقاله أبو العالية ورواه عن جماعة من الصحابة، وقاله جابر بن عبد الله وعطاء بن أبي رباح وعكرمة ومجاهد وعبد الله بن شداد بن الهاد والربيع ومالك بن أنس. وقوى مالك ذلك بأن الصبح لا تجمع إلى غيرها، وصلاتا جمع قبلها وصلاتا جمع بعدها، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لو يعلمون ما في العتمة والصبح لأتوهما ولو حبْواً" تفسير : ، وقال: "حديث : إنهما أشدّ الصلوات على المنافقين" تفسير : ، وفضل الصبح لأنها كقيام ليلة لمن شهدها والعتمة نصف ليلة، وقال الله تعالى {أية : إن قرآن الفجر كان مشهوداً} تفسير : [الإسراء: 78]، فيقوي هذا كله أمر الصبح. وقالت فرقة: هي صلاة الظهر. قاله زيد بن ثابت ورفع فيه حديثاً عن النبي صلى الله عليه وسلم. وقاله أبو سعيد الخدري وعبد الله بن عمر. واحتج قائلو هذه المقالة بأنها أول صلاة صليت في الإسلام، فهي وسطى بذلك، أي فضلى، فليس هذا التوسط في الترتيب، وأيضاً فروي أنها كانت أشق الصلوات على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لأنها كانت تجيء في الهاجرة، وهم قد نفعتهم أعمالهم في أموالهم، وأيضاً فيدل على ذلك ما قالته حفصة وعائشة حين أملتا: حافظو على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر، فهذا اقتران الظهر والعصر. وقالت فرقة: {الصلاة الوسطى} صلاة العصر لأنها قبلها صلاتا نهار وبعدها صلاتا ليل، وروي هذا القول أيضاً عن علي بن أبي طالب وابن عباس وأبي هريرة وابن عمر وأبي سعيد الخدري، وفي مصحف عائشة رضي الله عنها "والصلاة الوسطى وهي صلاة العصر"، وهو قولها المروي عنها. وقاله الحسن البصري وإبراهيم النخعي، وفي إملاء حفصة أيضاً "والصلاة الوسطى وهي صلاة العصر"، ومن روى "وصلاة العصر" فيتناول أنه عطف إحدى الصفتين على الأخرى وهما لشيء واحد. كما تقول جاءني زيد الكريم والعاقل، وروي عن ابن عباس أنه قرأ "حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى صلاة العصر" على البدل، وروى هذا القول سمرة بن جندب عن النبي صلى الله عليه وسلم وتواتر الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال يوم الأحزاب "شغلونا عن الصلاة الوسطى صلى العصر، ملأ الله بيوتهم وقبورهم ناراً"، وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: "كنا نرى أنها الصبح حتى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب: شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر. فعرفنا أنها العصر"، وقال البراء بن عازب: كنا نقرأ على عهد النبي صلى الله عليه وسلم: حافظوا على الصلوات وصلاة العصر. ثم نسخها الله، فقرأنا: {حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى}. فقال له رجل: فهي العصر؟، قال: "قد أخبرتك كيف قرأناها وكيف نسخت"، والله أعلم. وروى أبو مالك الأشعري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : الصلاة الوسطى صلاة العصر ". تفسير : قال القاضي أبو محمد: وعلى هذا القول جمهور الناس وبه أقوال والله أعلم. وقال قبيصة بن ذؤيب: "الصلاة الوسطى صلاة المغرب"،لأنها متوسطة في عدد الركعات ليست ثنائية ولا رباعية، وأيضاً فقبلها صلاتا سر وبعدها صلاتا جهر، وحكى أبو عمر يوسف بن عبد الله بن عبد البر في شرح باب جامع الوقوت وغيره عن فرقة أن {الصلاة الوسطى} صلاة العشاء الآخرة، وذلك أنها تجيء في وقت نوم وهي أشد الصلوات على المنافقين، ويستحب تأخيرها وذلك شاق فوقع التأكيد في المحافظة عليها، وأيضاً فقبلها صلاتان وبعدها صلاتان. وقالت فرقة: {الصلاة الوسطى} لم يعينها الله تعالى لنا، فهي في جملة الخمس غير معينة، كليلة القدر في ليالي العشر، فعَلَ الله ذلك لتقع المحافظة على الجميع، قاله نافع عن ابن عمر وقاله الربيع بن خثيم. وقالت فرقة: {الصلاة الوسطى} هي صلاة الجمعة فإنها وسطى فضلى، لما خصت به من الجمع والخطبة وجعلت عيداً، ذكره ابن حبيب ومكي. وقال بعض العلماء: {الصلاة الوسطى} المكتوبة الخمس، وقوله أولاً {على الصلوات} يعم النفل والفرض، ثم خص الفرض بالذكر، ويجري مع هذا التأويل قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : شغلونا عن الصلاة الوسطى ". تفسير : وقوله تعالى {وقوموا لله قانتين} معناه في صلاتكم، واختلف الناس في معنى {قانتين}، فقال الشعبي: "معناه مطيعين"، وقاله جابر بن زيد وعطاء وسعيد بن جبير، وقال الضحاك: "كل قنوت في القرآن فإنما يعنى به الطاعة"، وقاله أبو سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم، وإن أهل كل دين فهم اليوم يقومون لله عاصمين، فقيل لهذه الأمة وقوموا لله مطيعين، وقال نحو هذا الحسن بن أبي الحسن وطاوس، وقال السدي: "قانتين معناه ساكتين"، وهذه الآية نزلت في المنع من الكلام في الصلاة وكان ذلك مباحاً في صدر الإسلام. وقال عبد الله بن مسعود: "كنا نتكلم في الصلاة ونرد السلام ويسأل الرجل صاحبه عن حاجته" قال: "ودخلت يوماً والنبي صلى الله عليه وسلم يصلي بالناس فسلمت فلم يرد عليّ أحد، فاشتد ذلك عليَّ، فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : إنه لم يمنعني أن أرد عليك إلا أنا أمرنا أن نقوم قانتين لا نتكلم في الصلاة" تفسير : ، والقنوت السكوت، وقاله زيد بن أرقم، وقال: "كنا نتكلم في الصلاة حتى نزلت: {وقوموا لله قانتين}، فأمرنا بالسكوت"، وقال مجاهد: "معنى قانتين خاشعين، القنوت طول الركوع الخشوع وغض البصر وخفض الجناح". قال القاضي أبو محمد: وإحضار الخشية والفكر في الوقوف بين يدي الله تعالى، وقال الربيع: "القنوت طول القيام وطول الركوع والانتصاب له"، وقال قوم: القنوت الدعاء، و {قانتين} معناه داعين، روي معنى هذا عن ابن عباس، وفي الحديث: قنت رسول الله صلى الله عليه وسلم شهراً يدعو على رعل وذكوان، فقال قوم: معناه دعا، وقال قوم: معناه طوّل قيامه، ولا حجة في هذا الحديث لمعنى الدعاء.
ابن عبد السلام
تفسير : {حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ} بذكرها، أو تعجيلها. {الْوُسْطَى} خُصت بالذكر لانفرادها بالفضل، وهي العصر، لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "حديث : حبسونا عن الصلاة الوسطى. صلاة العصر"تفسير : ، أو الظهرُ، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يصليها بالهاجرة فلم يكن على الصحابة أشد منها فنزلت، لأن قبلها صلاتين وبعدها صلاتين، أو المغرب لتوسط عددها، وأنها لا تقصر، أو الصبح، لقوله ـ تعالى ـ {وَقُومُواْ لِلَّهِ قَانِتِينَ} ولا قنوت في غيرها، أو هي مبهمة في الخمس غير معينة ليكون أبلغ في المحافظة على جميعها. {قَانِتِينَ} القنوت من الدوام على أمر واحد، أو من الطاعة، أو من الدعاء يريد طائعين، أو ساكتين عن منهي الكلام، أو خاشعين عن العبث والتلفت، أو داعين، أو طول القيام، أو القراءة.
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {حافظوا} أي داوموا وواظبوا {على الصلوات} يعني الخمس المكتوبات أمر الله عز وجل عباده بالمحافظة على الصلوات الخمس المكتوبات بجميع شروطها وحدودها وإتمام أركانها وفعلها في أوقاتها المختصة بها {والصلاة الوسطى} تأنيث الأوسط ووسط كل شيء خيره وأعدله وقيل الوسطى يعني الفضلى من قولهم للأفضل أوسط وإنما أفردت وعطفت على الصلوات لانفرادها بالفضل وقيل سميت الوسطى لأنها أوسط الصلوات محلاً. فصل في ذكر اختلاف العلماء في الصلاة الوسطى قد اختلف العلماء من الصحابة فمن بعدهم في الصلاة الوسطى على مذاهب: الأول أن الصلاة الوسطى هي صلاة الفجر، وهو قول عمر وابن عمر وابن عباس ومعاذ وجابر وعطاء وعكرمة ومجاهد والربيع بن أنس، وبه قال مالك والشافعي، ويدل على ذلك أن مالكاً بلغه أن علي بن أبي طالب وابن عباس كانا يقولان: الصلاة الوسطى صلاة الفجر أخرجه مالك في الموطأ، وأخرجه الترمذي عن ابن عباس وابن عمر تعليقاً. ولأنها بين صلاتي جمع فالظهر والعصر يجمعان وهما صلاتا نهار، والمغرب والعشاء يجمعان وهما صلاتا ليل وصلاة الفجر لا تقصر ولا تجمع إلى غيرها ولأنها تأتي في وقت مشقة بسبب برد الشتاء وطيب النوم في الصيف وفتور الأعضاء وكثرة النعاس وغفلة الناس عنها فخصت بالمحافظة عليها لكونها معرضة للضياع ولأن الله تعالى قال عقبها {وقوموا لله قانتين} والقنوت هو طول القيام وصلاة الفجر مخصوصة بطول القيام ولأن الله تعالى خصها بالذكر في قوله وقرآن الفجر {أية : إن قرآن الفجر كان مشهوداً}تفسير : [الإسراء: 78] يعني تشهده ملائكة الليل وملائكة النهار فهي مكتوبة في ديوان حفظة الليل وديوان حفظة النهار فدل ذلك على مزيد فضلها. المذهب الثاني أنها صلاة الظهر وهو قول زيد بن ثابت وأسامة بن زيد وأبي سعيد الخدري ورواية عائشة وبه قال عبيدالله بن شداد وهو رواية عن أبي حنيفة ويدل على ذلك ما روي عن زيد بن ثابت وعائشة قالا: الصلاة الوسطى صلاة الظهر، أخرجه مالك في الموطأ عن زيد والترمذي عنهما تعليقاً وأخرجه أبو داود عن زيد قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الظهر بالهاجرة ولم يكن يصلي صلاة أشد على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم منها فنزلت: {حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى} وقال إن قبلها صلاتين وبعدها صلاتين ولأن صلاة الظهر تأتي وسط النهار وفي شدة الحر ولأنها تأتي بين البردين يعني صلاة الفجر وصلاة العصر. المذهب الثالث أنها صلاة العصر وهو قول علي وابن مسعود وأبي أيوب وأبي هريرة وابن عمر وابن عباس وأبي سعيد الخدري وعائشة، وهو قول عبيدة السلماني والحسن البصري وإبراهيم النخعي وقتادة والضحاك والكلبي ومقاتل، وبه قال أبو حنيفة وأحمد وداود وابن المنذر وقال الترمذي: هو قول أكثر الصحابة فمن بعدهم وقال الماوردي من أصحابنا: هذا مذهب الشافعي لصحة الأحاديث فيه قال وإنما نص على أنها الصبح لأنه لم تبلغه الأحاديث الصحيحة في العصر ومذهبه اتباع الحديث ويدل على صحة هذا المذهب ما روي عن علي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يوم الأحزاب وفي رواية يوم الخندق "حديث : ملأ الله قلوبهم وبيوتهم ناراً كما شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غابت الشمس" تفسير : وفي رواية "حديث : شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر" تفسير : وذكر نحوه وزاد في أخرى "ثم صلاها بين المغرب والعشاء" أخرجاه في الصحيحين (م) عن ابن مسعود قال حبس المشركون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صلاة العصر حتى احمرت الشمس أو اصفرت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر ملأ الله أجوافهم وقبورهم ناراً، أو حشا الله أجوافهم وقبورهم ناراً" تفسير : عن سمرة بن جندب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : الصلاة الوسطى صلاة العصر" تفسير : أخرجه الترمذي وله عن ابن مسعود مثله وقال في كل واحد منهما حسن صحيح (م) عن أبي يونس مولى عائشة قال أمرتني عائشة أن أكتب مصحفاً وقالت إذا بلغت هذه الآية فآذني: {حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى} قال فلما بلغتها آذنتها فأملت علي: "حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر وقوموا لله قانتين" قالت عائشة سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم ويروى عن حفصة نحو ذلك، ولأن صلاة العصر تأتي وقت اشتغال الناس بمعايشهم فكان الأمر بالمحافظة عليها أولى، ولأنها تأتي بين صلاتي نهار وهما الفجر والظهر وصلاتي ليل وهما المغرب والعشاء، وقد خصت بمزيد التأكيد والأمر بالمحافظة والتغليظ لمن ضيعها، ويدل على ذلك ما روي عن أبي المليح قال: كنا مع بريدة في غزوة فقال في يوم ذي غيم: بكروا بصلاة العصر فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله" تفسير : أخرجه البخاري. قوله بكروا بصلاة العصر أي قدموها في أول وقتها (ق) عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : الذي تفوته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله" تفسير : قوله: وتر أي نقص وسلب أهله وماله فبقي فرداً بلا أهل ولا مال ومعنى الحديث ليكن حذره من فوت صلاة العصر كحذره من ذهاب أهله وماله. المذهب الرابع أنها صلاة المغرب قاله قبيصة بن ذؤيب، وحجة هذا المذهب أن صلاة المغرب تأتي بين بياض النهار وسواد الليل، ولأنها أزيد من ركعتين كما في الصبح، وأقل من أربع، ولا تقصر في السفر وهي وتر النهار، ولأن صلاة الظهر تسمى الأولى لأن ابتداء جبريل كان بها، وإذا كانت الظهر أولى الصلوات كانت المغرب هي الوسطى. المذهب الخامس أنها صلاة العشاء ولم ينقل عن أحد من السلف فيها شيء، وإنما ذكرها بعض المتأخرين، وحجة هذا المذهب أنها متوسطة بين صلاتين لا تقصران وهما المغرب والصبح ولأنها أثقل صلاة على المنافقين. المذهب السادس أن الصلاة الوسطى هي إحدى الصلوات الخمس لا بعينها لأن الله تعالى أمر بالمحافظة على الصلوات الخمس ثم عطف عليها بالصلاة الوسطى، وليس في الآية ذكر بيانها، وإذا كان كذلك أمكن أن يقال في كل واحدة من الصلوات الخمس أنها هي الوسطى أبهمها الله على عباده مع ما خصها بمزيد التوكيد تحريضاً لهم على المحافظة على أداء جميع الصلوات على صفة الكمال والتمام ولهذا السبب أخفى الله تعالى ليلة القدر في شهر رمضان وأخفى ساعة الإجابة في يوم الجمعة وأخفى اسمه الأعظم في جميع أسمائه ليحافظوا على ذلك كله. وهذا المذهب اختاره جمع من العلماء قال محمد بن سيرين إن رجلاً سأل زيد بن ثابت عن الصلاة الوسطى فقال حافظ على الصلوات كلها تصبها وسئل الربيع ابن خيثم عن الصلاة فقال للسائل الوسطى واحدة منهن فحافظ على الكل تكن محافظاً على الوسطى ثم قال أرأيت لو علمتها بعينها أكنت محافظاً عليها ومضيعاً سائرهن فقال السائل لا فقال الربيع إنك إن حافظت عليهن فقد حافظت على الوسطى. والصحيح من هذه الأقوال كلها قولان قول من قال إنها الصبح وقول من قال إنها العصر وأصح الأقوال كلها أنها العصر للأحاديث الصحيحة الواردة فيها والله تعالى أعلم. وقوله تعالى: {وقوموا لله قانتين} أي طائعين فهو عبارة عن إكمال الطاعة وإتمامها والاحتراز عن إيقاع الخلل في أركانها وسننها قيل لكل أهل دين صلاة يقومون فيها عاصين فقوموا أنتم لله في صلاتكم طائعين، وقيل القنوت هو الدعاء والذكر بدليل: {أية : أمن هو قانت}تفسير : [الزمر: 9] ولما أمر بالمحافظة على الصلوات وجب أن يحمل هذا القنوت على ما فيها من الذكر والدعاء فمعنى الآية وقوموا لله داعين ذاكرين وقيل إنما خص القنوت بصلاة الصبح والوتر لهذا المعنى، وقيل: القنوت هو السكوت عما لا يجوز التكلم به الصلاة، ويدل على ذلك ما روي عن زيد بن أرقم قال: "كنا نتكلم في الصلاة يكلم الرجل صاحبه وهو إلى جانبه في الصلاة حتى نزلت: {وقوموا لله قانتين} فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام" أخرجاه في الصحيحين، وقيل: القنوت هو طول القيام في الصلاة ويدل عليه ما روي عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أفضل الصلاة طول القنوت" تفسير : أخرجه مسلم ومن القنوت أيضاً طول الركوع والسجود وغض البصر والهدوء في الصلاة وخفض الجناح والخشوع فيها وكان العلماء إذا قام أحدهم يصلي يهاب الرحمن أن يلتفت أو يقلب الحصى أو يعبث بشيء أو يحدث نفسه بشيء من أمور الدنيا إلاّ ناسياً.
ابن عرفة
تفسير : قوله تعالى: {حَافِظُواْ عَلَى ٱلصَّلَوَاتِ...}. إن قلت: ما وجه مناسبتها مع أن ما قبلها في شأن الزوجات؟ قلنا: الجواب عنه بأمرين: إما بأنّه تنبيه الأزواج أن لا يشتغلوا بأمور زوجاتهم عن الصلوات، وإما بأن بعضهم كان لا يراعي (المناسبة ولا يشتغل) بها. قال ابن عرفة: إنما قال "حَافِظُوا" ولم يقل: احفظوا، إشارة إلى تأكدها (وتكرر) الأمر بها من وجهين: أحدهما: أن "حَافِظُوا" مفاعلة لا تكون إلاّ من اثنين مثل: قاتلت زيدا، ووقوعها هنا من الجانبين مستحيل، فيتعين صرف ذلك إلى تكرر (الأمر) بوقوعه وتأكده. الثاني: إنّ لفظه يقتضي الاستيلاء والإحاطة فهو إشارة إلى تعميم الإحاطة بالصلوات دون ترك شيء (منها) وتخصيص الصّلاة الوسطى منها بالذكر: إما لورودها على النّاس في زمن شغلهم أو في زمن راحتهم ونومهم أو لكونهم من بقية الصلوات التي كانت مفروضة على الأمم المتقدمة وهو من عطف الخاص على العام. قوله تعالى: {وَقُومُواْ لِلَّهِ قَانِتِينَ}. فسره ابن عطية بالقيام الحسي حقيقة قال: ومعناه في صلاتهم فسره بعضهم بالقيام المعنوي وهو الجد في الطلب والطاعة فيتناول ركوع الصلوات وسجودها مثل: "قمت بالأمر".
القمي النيسابوري
تفسير : القراءات: {وصية} بالنصب: أبو عمر وابن عامر وحمزة وحفص ويعقوب غير روبس. الباقون بالرفع. الوقوف: {قانتين} ه {أو ركباناً} ج لأن "إذا" في معنى الشرط مع فاء التعقيب {تعلمون} ه {أزواجاً} ج لانقطاع النظم ومكان الحذف لأن التقدير فعليهم وصية أو فليوصوا وصية، والوصل أجوز لاتصال المعنى فإن وصية أو وصية قام مقام خبر المبتدأ. {إخراج} ج {من معروف} ط {حكيم} ه {بالمعروف} ط {المتقين} ه {تعقلون}. التفسير: الحكم السابع عشر: الصلاة، وذلك أنه سبحانه لما بين للمكلفين ما بين من معالم الدين وشعائر اليقين أعقبها بذكر الصلاة التي تفيد انكسار القلب من هيبة الله تعالى وزوال التمرد وحصول الانقياد لأوامره والانتهاء عن مناهيه تحصيلاً لسعادة الطرفين وتكميلاً لمصالح الدارين. وقد أجمع المسلمون على أن الصلوات المكتوبة خمس، وفي الآية إشارة إلى ذلك لأن الصلوات جمع فأقلها ثلاث، والصلاة الوسطى تدل على شيء زائد والإلزام التكرار، وذلك الزائد لو كان الرابع لم يكن للمجموع وسطى فلا أقل من خمسة. والمراد بمحافظتها رعاية جميع شرائطها من طهارة البدن والثوب والمكان، ومن ستر العورة واستقبال القبلة والإتيان بأركانها وأبعاضها وهيآتها والاحتراز عن مفسداتها من أعمال القلب وأعمال اللسان والجوارح. ومعنى المفاعلة في المحافظة إما لأنها بين العبد والرب كأنه قيل: احفظ الصلاة يحفظك الإله الذي أمرك بالصلاة كقوله {أية : فاذكروني أذكركم} تفسير : [البقرة: 152] وفي الحديث "حديث : احفظ الله يحفظك"تفسير : وإما لأنها بين المصلي والصلاة فمن حفظ الصلاة حفظته الصلاة عن المناهي {أية : إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر} تفسير : [العنكبوت: 45] وحفظته عن الفتن والمحن {أية : واستعينوا بالصبر والصلاة} تفسير : [البقرة: 45] وكيف لا وفي الصلاة القراءة والقرآن شافع مشفع. في الخبر "حديث : تجيء البقرة وآل عمران كأنهما غمامتان فتشهدان وتشفعان"تفسير : و "حديث : إن سورة الملك تصرف عن المتهجد بها عذاب القبر وتجادل عنه في الحشر وتقف في الصراط عند قدميه وتقول للنار لا سبيل لك عليه ". تفسير : وفي الصلاة الوسطى سبعة أقوال: الأول: أنه تعالى أمرنا بالمحافظة على الصلاة الوسطى ولم يبين لنا أنها أي الصلوات. وما يروى من أخبار الآحاد لا معوّل عليها فيجب أن تؤدى كلها على نعت الكمال والتمام، ولعل هذا هو الحكمة في إبهامها، ولمثل ذلك أخفى الله تعالى ليلة القدر في ليالي رمضان، وساعة الإجابة في يوم الجمعة، واسمه الأعظم في أسمائه، ووقت الموت في الأوقات ليكون المكلف خائفاً عازاماً على التوبة في كل الأوقات، وهذا القول اختاره جمع من العلماء، عن محمد بن سيرين أن رجلاً سأل زيد بن ثابت عن الصلاة الوسطى فقال: حافظ على الصلوات كلها تصبها. وعن الربيع: أرأيت لو علمتها بعينها أكنت محافظاً عليها ومضيعاً سائرهن؟ قال السائل: لا. قال الربيع: فإن حافظت عليهن فقد حافظت على الصلاة الوسطى. القول الثاني: أن الوسطى مجموع الصلوات الخمس، فإن الإيمان بضع وسبعون درجة أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطرق. والصلوات المكتوبات واسطة بين الطرفين. القول الثالث: أنها صلاة الصبح وهو قول علي وعمر وابن عباس وابن عمر وجابر وأبي أمامة. ومن التابعين قول طاوس وعطاء وعكرمة ومجاهد وهو مذهب الشافعي قالوا: إن هذه الصلاة تصلى في الغلس فبعضها في ظلمة الليل وآخرها في ضوء النهار. وأيضاً إن في النهار صلاتين: الظهر والعصر، وفي الليل صلاتين: المغرب والعشاء، والصبح متوسط بينهما. وأيضاً الظهر والعصر يجمعان في السفر وكذا المغرب والعشاء والفجر منفرد بينهما. قال القفال: وتحقيق هذا يرجع إلى ما يقوله الناس: فلان متوسط إذا لم يمل إلى أحد الخصمين وكان منفرداً بنفسه عنهما. وقد أقسم الله تعالى بها في قوله {أية : والفجر وليالٍ عشر} تفسير : [الفجر: 1 - 2] وأيضاً قال تعالى: {أية : وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهوداً} تفسير : [الإسراء: 28] واتفقوا على أن المراد منه صلاة الفجر فخصها في تلك الآية بالذكر للتأكيد وخص الصلاة الوسطى في هذه الآية بالذكر للتأكيد، فيغلب على الظن أنهما واحد. وأيضاً قرن هذه الصلاة بذكر القنوت في قوله {وقوموا لله قانتين} وليس في المفروضة صلاة صبح فيها القنوت إلا الصبح. وأيضاً لا شك أنه تعالى أفردها بالذكر لأجل التأكيد والصبح أحوج الصلوات إلى ذلك، ففيه ترك النوم اللذيذ واستعمال الماء البارد والخروج إلى المسجد في الوقت الموحش. وأيضاً الإفراد بالذكر ينبئ عن الفضل، ولا ريب في فضيلة صلاة الصبح ولهذا جاء {أية : والمستغفرين بالأسحار} تفسير : [آل عمران: 17] وروي أن التكبيرة الأولى منها في الجماعة خير من الدنيا وما فيها. وخصت بالأذان مرتين: أولاهما قبل الوقت إيقاظاً للناس حتى لا تفوتهم ألبتة، وخص أذانها بالتثويب وهو أن يقول بعد الجيعلتين: الصلاة خير من النوم. وإن الانسان إذا قام من منامه فكأنه صار موجوداً بعد العدم، وعند ذلك يزول عن الخلائق ظلمة الليل وظلمة النوم والغفلة وظلمة الفجر والحيرة، ويملأ العالم نوراً والأبدان حياة وعقلاً وقوةً وفهماً. فهذا الوقت أليق الأوقات بأن يشتغل العبد بأداء العبودية وإظهار الخضوع والاستكانة لفاطر السموات والأرض وجاعل الظلمات والنور. وعن علي عليه السلام أنه سئل عن الصلاة الوسطى فقال: كنا نرى أنها الفجر. وعن ابن عباس أنه صلى الصبح ثم قال: هذه هي الصلاة الوسطى. القول الرابع: أنها صلاة الظهر ويروى عن عمر وزيد وأبي سعيد الخدري وأسامة بن زيد وهو قول أبي حنيفة وأصحابه، لأن الظهر كان شاقاً عليهم لوقوعه في وقت القيلولة وشدة الحر فصرف المبالغة إليه أولى. وعن زيد بن ثابت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي بالهاجرة وكانت أثقل الصلوات على أصحابه، وربما لم يكن وراءه إلا الصف والصفان فقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : لقد هممت أن أحرق على قوم لا يشهدون الصلاة بيوتهم"تفسير : فنزلت هذه الآية. وأيضاً ليس في المكتوبات صلاة وقعت وسط الليل والنهار إلا هذه، وإنها صلاة بين صلاتين نهاريتين: الفجر والعصر وأنها صلاة بين البردين: برد الغداة وبرد العشي، وإن أول إمامة جبرائيل كان في صلاة الظهر كما ورد في الأحاديث الصحاح، وإن صلاة الجمعة مع ما ورد في فضلها تنوب عن الظهر لا عن غيرها. وعن عائشة أنها كانت تقرأ {والصلاة الوسطى وصلاة العصر} وكانت تقول: سمعت ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. فيغلب على الظن أن المعطوف عليه العصر هو الظهر الذي قبله. وروي أن قوماً كانوا عند زيد بن ثابت فأرسلوا إلى أسامة بن زيد وسألوه عن الصلاة الوسطى فقال: هي صلاة الظهر، كانت تقام في الهاجرة. القول الخامس: أنها صلاة العصر ويروى عن علي وابن مسعود وابن عباس وأبي هريرة رضي الله عنهم، ومن الفقهاء النخعي وقتادة والضحاك وهو مروي عن أبي حنيفة أيضاً لما ورد من التأكيد فيه كقوله صلى الله عليه وسلم "حديث : من فاته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله"تفسير : وقد أقسم الله بها في قوله {أية : والعصر إن الإنسان لفي خسر} تفسير : [العصر: 1 - 2] ولما يحتاج في معرفة وقتها إلى تأمل أكثر من حال الظهر. فالمغرب يعرف بغروب جرم الشمس، والعشاء يعرف بغروب الشفق، والفجر بطلوع الصبح الصادق، والظهر بدلوك الشمس عن دائرة نصف النهار، ولما في وقتها من اشتغال الناس بحوائجهم. وعن علي عليه السلام أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يوم الخندق: "حديث : شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غابت الشمس ملأ الله بيوتهم وقبورهم ناراً"تفسير : رواه البخاري وملسم وسائر الأئمة. وهو عظيم الموقع في المسألة. وفي صحيح مسلم "حديث : شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر" تفسير : "حديث : وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنها الصلاة التي شغل عنها سليمان بن داود حتى توارت بالحجاب. وعن حفصة أنها قالت لمن كتب لها المصحف: إذا بلغت هذه الآية فلا تكتبها حتى أملي عليك كما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرؤها فأملت عليه {والصلاة الوسطى صلاة العصر}". تفسير : القول السادس: أنها صلاة المغرب. عن قبيصة بن ذؤيب لأنها بين بياض النهار وسواد الليل، ولأنها وسط في الطول والقصر. القول السابع: أنها صلاة العشاء لأنها متوسطة بين صلاتين لا تقصران: المغرب والصبح. ولما ورد في فضلها عن عثمان بن عفان عن النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : من صلى العشاء الآخرة في جماعة كان كقيام نصف ليلة"تفسير : وقال أهل التحقيق: القلب هو الذي في وسط الإنسان بل هو واسطة بين الروح والجسد فكأنه قيل: حافظوا على صورة الصلوات بشرائطها، وحافظوا على معاني الصلوات وحقائقها بدوام شهود القلب للرب في الصلاة وبعدها. ثم إن الشافعي احتج بالآية على أن الوتر ليس بواجب وإلا كانت الصلوات ستاً فلم يبق لها وسطى. وهذا إنما يتم لو كان المراد الوسطى في العدد، لكنه يحتمل أن يكون الوسطى في الفضيلة من قوله {أية : وكذلك جعلناكم أمةً وسطاً} تفسير : [البقرة: 143] أو الوسطى في الزمان وهو الظهر، أو الوسطى في المقدار كالمغرب فإنه ثلاث ركعات فيتوسط بين الاثنتين والأربع، أو الوسطى في الصفة كصلاة الصبح يتوسط بين صفتي الظلام والضياء {وقوموا لله قانتين} عن ابن عباس أن القنوت هو الدعاء والذكر لقوله تعالى {أية : أمن هو قانت آناء الليل ساجداً وقائماً} تفسير : [الزمر: 9] ولأن قوله {حافظوا على الصلوات} أمر بما في الصلاة من الفعل فيكون القنوت عبارة عن كل ما في الصلاة من الذكر. وعن الحسن والشعبي وسعيد بن جبير وطاوس وقتادة والضحاك ومقاتل: قانتين أي مطيعين لما روي أنه صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : كل قنوت في القرآن فهو الطاعة" {أية : ومن يقنت منكن لله ورسوله}تفسير : [الأحزاب: 31] {أية : فالصالحات قانتات} تفسير : [النساء: 34] فالقنوت عبارة عن إكمال الطاعة والاحتراز عن إيقاع الخلل في أركانها وسننها وآدابها. وفيه زجر لمن لم يبال كيف صلى فخفف واقتصر على ما لا يجزى وذهب إلى أنه لا حاجة لله إلى صلاة العباد، ولو كان كما قالوا وجب أن لا يصلي أصلاً لأنه تعالى كما لا يحتاج إلى الكثير من عبادتنا فكذلك لا يحتاج إلى القليل، وقد صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وسائر الرسل والسلف الصالح فأطالوا وخشعوا واستكانوا وكانوا أعلم بالله من هؤلاء الجهال وقيل: قانتين ساكتين. عن زيد بن أرقم وعبد الله بن مسعود كنا نتكلم في الصلاة يكلم الرجل صاحبه وهو إلى جنبه حتى نزلت {وقوموا لله قانتين} فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام. وعن مجاهد: القنوت عبارة عن الخشوع وخفض الجناح وسكون الأطراف، وكان أحدهم إذا صلى خاف ربه فلا يلتفت، ولا يقلب الحصى، ولا يبعث بشيء من جسده. ولا فحذف المفعول به للعلم به أو فإن حصل لكم خوف أو كنتم على حالة الخوف على أنه متروك المفعول {فرجالاً أو ركباناً} أي فصلوا راجلين أو راكبين. وقيل: المعنى فإن خفتم فوات الوقت إن أخرتم الصلاة إلى أن تفرغوا من حربكم فصلوا رجالاً أو ركباناً. وعلى هذا فالآية تدل على تأكيد فرض الوقت حتى يترخص لأجل المحافظة عليه بترك القيام و الركوع والسجود. ورجالاً جمع راجل كقيام جمع قائم وتجار جمع تاجر، أو جمع رجل يقال: رجل رجل أي راجل. والركبان جمع راكب كفارس وفرسان. ولا يقال راكب إلا لمن كان على إبل، فإن كان على فرس فإنما يقال له: فارس. لكن المراد في الآية أعم، وتخصيص اللفظ بالركبان لأنه الغالب فيهم. واعلم أن صلاة الخوف، إما أن تكون في غير حال القتال وسوف يجيء بيانها في سورة النساء إن شاء الله تعالى، وإما أن تكون عند التحام القتال وهو المراد بهذه الآية. ومذهب الشافعي أنهم يصلون ركباناً على دوابهم ومشاة على أقدامهم إلى القبلة وإلى غير القبلة، ويقتصرون من الركوع والسجود على الإيماء إلا أنهم يجعلون السجود أخفض من الركوع، ويحترزون عن الصيحان، أنَّه لا ضرورة إليه بل الشجاع الساكت أهيب. وقال أبو حنيفة: لا يصلي الماشي بل يؤخر لأنه صلى الله عليه وسلم أخر الصلاة يوم الخندق. وأجيب بأن الآية ناسخة لذلك الفعل. ويدخل في الخوف المفيد لهذه الرخصة الخوف في القتال الواجب كالقتال مع الكفار أو مع أهل البغي، وفي القتال المباح كالدفاع عن النفس، أو عن حيوان محترم، أو عن المال. أما القتال المحظور فإنه لا يجوز فيه صلاة الخوف لأن الرخص لا تناط بالمعاصي والخوف الحاصل لا في القتال كالهارب من الحرق والغرق والسبع، وكذا المطالب إذا كان معسراً خائفاً من الحبس عاجزاً عن بينة الإعسار يرخص أيضاً في هذه الصلاة لأن قوله {فإن خفتم} مطلق يتناول الكل {فإذا أمنتم} فإذا زال خوفكم {فاذكروا الله كما علمكم ما لم تكونوا تعلمون} من صلاة الأمن بقوله {حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى} كما بينه بشروطه وأركانه. والصلاة قد تسمى ذكراً {فاسعوا إلى ذكر الله} وقيل: فاذكروا الله أي فاشكروا الله لأجل إنعامه عليكم بالأمن. وقيل: فاشكروه على الأمن واذكروه بالعبادة كما أحسن إليكم بما علمكم من الشرائع على لسان نبيه. وكيف تصلون في حال الخوف وفي حال الأمن. و "ما" في {كما علمكم} إما مصدرية أو كافة. الحكم الثامن عشر: عدة الوفاة بوجه آخر {والذين يتوفون منكم} الآية. من قرأ {وصية} بالرفع فـ {وصية} مبتدأ وخبره {لأزواجهم} وجاز وقوع النكرة مبتدأ لتخصيصه بما تخصص منهم وصية، أو وصية الذين يتوفون وصية، أو الذين يتوفون أهل وصية إلى الحول، وكل هذه الوجوه جائز حسن. ومن قرأ بالنصب فعلى تقدير فليوصوا وصية أو يوصون وصية مثل "أنت سير البريد" أي أنت تسير سير البريد أو ألزم الذين يتوفون منكم وصية متاعاً نصب على المصدر على معنى فليوصوا لهن وصية وليمتعوهن متاعاً. والتقدير: جعل الله لهن ذلك متاعاً لأن ما قبله من الكلام يدل عليه، أو نصب على الحال، أو نصب بالوصية و {غير إخراج} نصب على المصدر المؤكد كقولك "هذا القول غير ما تقول" أو بدل من {متاعاً} أو حال من الأزواج أي غير مخرجات. والمعنى أن حق الذين يتوفون منكم عن أزواجهم أن يوصوا قبل أن يحتضروا بأن تمتع أزواجهم بعده حولاً كاملاً أي ينفق عليهن من تركته ولا يخرجن من مساكنهن. وأكثر المفسرين على أن ذلك كان في أول الإسلام ثم نسخت المدة بقوله {أية : أربعة أشهر وعشراً} تفسير : [البقرة: 234] أو نسخ ما زاد منه على هذا المقدار بالإرث الذي هو الربع والثمن لقوله صلى الله عليه وسلم "حديث : ألا لا وصية لوارث"تفسير : وعن علي عليه السلام وابن عمر أن لها النفقة وإن كانت حائلاً. وأما السكنى فعند أبي حنيفة وأصحابه لا سكنى لهن وهو قول علي وابن عباس وعائشة، واختاره المزني قياساً على النفقة في مقابلة التمكين ولا تمكين. وأما السكنى فلتحصين الماء وهو موجود، وعند الشافعي لهن ذلك على الأظهر وهو قول عمر وعثمان وابن مسعود وابن عمر وأم سلمة، ووافقه مالك والثوري وأحمد. وبناء الخلاف على خبر "حديث : فريعة بنت مالك أخت أبي سعيد الخدري قالت: فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أرجع إلى أهلي فإن زوجي ما أنزلني بمنزل يملكه فقال: نعم. فانصرفت حتى إذا كنت في المسجد أو في الحجرة دعاني فقال: امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله"تفسير : . فحمل بعضهم الأمر الثاني على النسخ وآخرون على الاستحباب. وعن مجاهد أنها إن لم تختر السكنى في دار زوجها ولم تأخذ النفقة من مال زوجها كانت عدتها أربعة أشهر وعشراً وإن اختارت السكنى في داره والأخذ من ماله وتركته فعدتها الحول. قال: وإنما نزلنا الآية على هذين التقديرين لتكون كل واحدة منهما معمولاً بها. وعن أبي مسلم: إنكم تضيفون الوصية إلى حكم الله تعالى فيلزمكم القول بالنسخ، ونحن نضيف الحكم إلى الزوج حتى يصير معنى الآية: والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً وقد وصوا وصية لأزواجهم بالنفقة والسكنى حولاً. فهذا المجموع شرط وجوابه فإن خرجن - أي قبل ذلك - وخالفن وصية الزوج بعد أن يقمن المدة التي ضربها الله تعالى {فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن من معروف} أي نكاح صحيح، لأن إقامتهن بهذه الوصية غير لازمة. والسبب فيه أنهم كانوا في زمان الجاهلية يوصون بالنفقة والسكنى حولاً، وكانوا يوجبون على المرأة الاعتداد بالحول، فبيّن الله تعالى في هذه الآية أن ذلك غير واجب. ويؤكده ما روت زينب بنت أبي سلمة قالت: سمعت أمي أم سلمة تقول: حديث : جاءت امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله إن ابنتي توفي عنها زوجها وقد اشتكت عينها أفنكحلها؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم" لا مرتين أو ثلاثاً كل ذلك يقول: لا. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنما هي أربعة أشهر وعشر، وقد كانت إحداكن في الجاهلية ترمي بالبعرة على رأس الحول.تفسير : قال حميد: فقلت لزينب: وما ترمي بالبعرة على رأس الحول؟ فقالت: كانت المرأة إذا توفي عنها زوجها دخلت حفشاً أي بيتاً صغيراً، ولبست شر ثيابها، ولم تمس طيباً حتى يمر بها سنة، ثم تؤتى بدابة حمار أو شاة أو طائر فتقتض به. قال مالك: أي تمسح به جلدها فقلما تقتض بشيء إلا مات، ثم تخرج فتعطى بعرة فترمي بها ثم تراجع بعد بما شاءت من طيب أو غيره، فلا جناح عليكم يا أولياء الميت فيما فعلن في أنفسهن من التزين والإقدام على النكاح. ومن قطع نفقتهن إذا خرجن قبل انقضاء الحول ومن ترك منعهن من الخروج لأن مقامها حولاً في بيت زوجها ليس بواجب عليها. وإنما قال ههنا {من معروف} منكراً لأن المراد بوجه من الوجوه التي لهن أن يأتينه. وأما في الآية السابقة فإنه أراد بالوجه المعروف من الشرع. ويمكن أن يقال: إن تلك الآية متأخرة في النزول عن هذه بإجماع المفسرين فلهذا نكر أولاً، ثم عرف لأن النكرة إذا تكررت صارت معرفة قال سبحانه: {أية : كما أرسلنا إلى فرعون رسولاً فعصى فرعون الرسول}تفسير : [المزمل: 16]. الحكم التاسع عشر: {وللمطلقات متاع} عم المطلقات بإيجاب المتعة لهن بعد ما أوجبها لواحدة منهن وهي المذكورة في الحكم الخامس عشر. وروي أنها لما نزلت {ومتعوهن} إلى قوله {متاعاً بالمعروف حقاً على المحسنين} قال رجل من المسلمين: إن أحسنت فعلت فإن لم أرد ذلك لم أفعل فنزلت هذه الآية أي حقاً على من كان متقياً عن الكفر والمعاصي واعلم أن المطلقات قسمان: مطلقة قبل الدخول فلها المتعة إن لم يفرض لها مهر كما مر في الحكم الخامس عشر، وإن فرض لها مهر فلا متعة لها وحسبها نصف المهر لأنه تعالى اقتصر على ذلك ولم يذكر المتعة فهي مستثناة من عموم هذه الآية. ومطلقة بعد الدخول سواء فرض لها أم لم يفرض. واختلفوا في استحقاقها المتعة. فالقديم من قول الشافعي وبه قال ابو حنيفة، لا متعة لها لأنها تستحق المهر كالمطلقة بعد الفرض وقبل الدخول. وفي الجديد لها المتعة وهو قول علي وابنه الحسن وابن عمر لعموم الآية، ولقوله تعالى {أية : فتعالين أمتعكن} تفسير : [الأحزاب: 28] وكان ذلك في حق نساء دخل بهن النبي. وليست كالمطلقة المذكورة لأنها استحقت الصداق لا بمقابلة عوض، وهذه استحقت الصداق في مقابلة استباحة البضع فيجب لها المتعة للإيحاش. وعن سعيد بن جبير وأبي العالية والزهري أنها واجبة لكل مطلقة تمسكاً بظاهر عموم الآية. وقيل: المراد بهذا المتعة النفقة في العدة بدليل {متاعاً إلى الحول} والله أعلم.
الثعالبي
تفسير : قوله تعالى: {حَـٰفِظُواْ عَلَى ٱلصَّلَوَٰتِ وٱلصَّلَوٰةِ ٱلْوُسْطَىٰ...} الآية: الْخِطابُ لجميع الأمة، والآية أَمْر بالمحافظةِ عَلَى إِقامة الصَّلوات في أوقاتها، وبجميع شروطها، وخرَّج الطحاويُّ عن ابنِ مسعودٍ، عن النبيُّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : أُمِرَ بِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ أَنْ يُضْرَبَ فِي قَبْرِهِ مِائَةُ جَلْدَةٍ، فَلَمْ يَزَلْ يَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَىٰ وَيَدْعُوهُ، حَتَّىٰ صَارَتْ وَاحِدَةً، فَٱمْتَلأَ قَبْرُهُ عَلَيْهِ نَاراً، فَلَمَّا ٱرْتَفَعَ عَنْهُ، أَفَاقَ، فَقَالَ: عَلاَمَ جَلَدتَّنِي؟ قَالَ: إِنَّكَ صَلَّيْتَ صَلاَةً بِغَيْرِ طُهُورٍ، ومَرَرْتَ عَلَىٰ مَظْلُومٍ، فَلَمْ تَنْصُرْهُ»تفسير : . انتهى من «التذْكِرَة» للقرطبيِّ. وفي الحديثِ: «حديث : أنَّ الصَّلاَةَ ثَلاَثَةُ أَثْلاَثٍ الطُّهُورُ ثُلُثٌ، وَالرُّكُوعُ ثُلُثٌ، وَالسُّجُودُ ثُلُثٌ، فَمَنْ أَدَّاهَا بِحَقِّهَا، قُبِلَتْ مِنْهُ، وَقُبِلَ مِنْهُ سَائِرُ عَمَلِهِ، وَمَنْ رُدَّتْ عَلَيْهِ صَلاَتُهُ، رُدَّ عَلَيْهِ سَائِرُ عَمَلِهِ»تفسير : رواه النَّسَائِيّ. انتهى من «الكوكب الدَّرِّيِّ». ورَوَىٰ مالكٌ في «الموطَّإ»، عن يَحْيَـــى بْنِ سعيدٍ؛ أنه قال: «حديث : بلَغَنِي أَنَّهُ أَوَّلُ مَا يُنْظَرُ فِيهِ مِنْ عَمَلِ العَبْدِ الصَّلاَةُ، فَإِنْ قُبِلَتْ مِنْهُ، نُظِرَ فِيمَا بَقِيَ مِنْ عَمَلِهِ، وَإِنْ لَمْ تُقْبَلْ مِنْهُ، لَمْ يُنْظَرْ فِي شَيْءٍ مِنْ عَمَلِهِ»تفسير : . قال أبو عمر بن عبد البَرِّ في «التمهيد»: وقد رُوِيَ هذا الحديثُ مسنَداً عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم مِنْ وجوهٍ صِحَاحٍ، ثم أسند أبو عمر عن أنَسِ بنِ حكيمٍ الضَّبِّيِّ، قال: قَالَ لِي أبو هُرَيْرة: إِذا أَتَيْتَ أَهْلَ مِصْرِكَ، فَأَخْبِرْهُمْ أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «حديث : «أَوَّلُ مَا يُحَاسَبُ بِهِ العَبْدُ المُسْلِمُ صَلاَةُ المَكْتُوبَةِ، فَإِنْ أَتَمَّهَا وَإِلاَّ قِيلَ: ٱنْظُرُوا، هَلْ لَهُ مِنْ تَطَوُّعٍ، فَإِنْ كَانَ لَهُ تَطَوُّعٌ، أُكْمِلَتِ الفَرِيضَةُ مِنْ تَطَوُّعِهِ، ثُمَّ يُفْعَلُ بِسَائِرِ الأَعْمَالِ المَفْرُوضَةِ مِثْلُ ذَلِكَ»، وفي روايةِ تَمِيمِ الدَّارِيِّ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم؛ بهذا المعنَىٰ. قال: «ثُمَّ الزَّكَاةُ مِثْلُ ذَلِكَ، ثُمَّ تُؤْخَذُ الأَعْمَالُ عَلَىٰ حَسَبِ ذَلِكَ»» تفسير : . انتهى. وذكَرَ اللَّه سبحانه الصَّلاةَ الوسْطَىٰ ثانيةً، وقد دَخَلَتْ قَبْلُ في عموم قوله: «الصَّلَوَاتِ»؛ لأنه أراد تشريفَهَا. واختلف النَّاس في تعيينها. فقال عليٌّ، وابن عبَّاسٍ، وجماعة من الصَّحابة: إِنها صلاةُ الصُّبْح، وهو قول مالكٍ، وقالتْ فرقةٌ: هي الظُّهْر، وورد فيه حديث، وقالت فرقة: هي صلاةُ العَصْر، وفي مُصْحَف عائشةَ، وإِملاء حَفْصَة: «صَلاَةِ العَصْرِ»؛ وعلَىٰ هذا القول جمهورُ العلماءِ، وبه أقولُ. وقال قَبِيصَةُ بن ذُوَيْبٍ: هي صلاة المَغْرِب، وحكى أبو عمر بن عبد البَرِّ عن فرقة؛ أنها صلاة العشَاءِ الآخِرَةِ، وقالتْ فرقة: الصلاة الوسطَىٰ لم يعيِّنها اللَّه سبْحانه، فهي في جملة الخَمْس غير معيَّنة؛ كليلة القَدْر، وقالت فرقة: هي صلاة الجُمُعَة، وقال بعضُ العلماء: هي الخَمْس، وقوله أولاً: {عَلَى ٱلصَّلَوَٰتِ} يعم النفْلَ، والفَرْض، ثم خَصْ الفرْضَ بالذِّكْر. وقوله تعالى: {وَقُومُواْ لِلَّهِ قَـٰنِتِينَ} معناه في صلاتِكُمْ. واختلف في معنى {قَـٰنِتِينَ}. فقال الشَّعْبِيُّ وغيره: معناه مطيعين، قال الضَّحَّاك: كل قُنُوتٍ في القرآن، فإِنما يُعْنَىٰ به الطاعة، وقاله أبو سعيدٍ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم وقال ابْنُ مسعودٍ وغيره: القُنُوت: السُّكُوت؛ وذلك أنهم كانوا يتكلَّمون في الصلاة حتَّىٰ نزلَتْ هذه الآيةُ، فأمروا بالسُّكُوت، وقال مجاهد: معنى {قَـٰنِتِينَ} خاشِعِينَ،، فالقنوتُ: طُولُ الركوعِ والخشوعِ، وغضُّ البصر، وخَفْضُ الجَنَاح، قال: * ع *: وإِحضارُ الخَشْية، والفِكْرُ في الوقوف بين يَدَيِ اللَّه سبحَانَه، وقال الرَّبِيعُ: القنوتُ: طولُ القيَامِ، وطولُ الرُّكُوعَ. وقال قومٌ: القنوتُ: الدعاء، و {قَـٰنِتِينَ }: معناه دَاعِينَ، روي معناه عن ابن عَبَّاس. وقول تعالى: {فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَانًا...} الآية، أمر اللَّه تعالَىٰ بالقيامِ له في الصلاة بحالة قُنُوت، وهو الوقار والسَّكينة، وهدوء الجوارحِ، وهذا على الحالة الغالبَةِ من الأمْن والطُّمأْنينة، ثم ذكر تعالى حالة الخَوْف الطارئَة أحياناً، فرخَّص لعبيده في الصَّلاة {رِجَالاً }: متصرِّفين على الأقدام، و {رُكْبَانًا }: على الخَيْل والإِبل ونحوهما؛ إِيماء، وإِشارة بالرأس؛ حيث ما توجَّه، هذا قول جميع العلماءِ، وهذه هي صلاة الفَذِّ الذي قد ضايقه الخَوْفُ على نَفْسه في حال المسايفة، أو مِنْ سَبُعٍ يطلبه، أو عدو يتبعه، أو سَيْلٍ يحملُه، وبالجملة فكلُّ أمرْ يخافُ منْه علَىٰ رُوحِهِ، فهو مبيحٌ ما تضمَّنته هذه الآية. وأما صَلاَةُ الخَوْف بالإِمام، وانقسام النَّاس، فليس حكْمُها في هذه الآية، وسيأتي، إِن شاء اللَّه، في «سورة النساء». والرُّكْبَان: جمع رَاكِبٍ، وهذه الرخْصَة في ضِمنها؛ بإِجماعٍ من العلماء: أن يكون الإنسان حيثُ ما توجَّه ويتقلَّب ويتصرَّف بحسب نَظَره في نجاة نَفْسِهِ. * ت *: ورَوَىٰ أبو دَاوُد في «سننه»، عن عبد اللَّه بن أُنَيْسٍ، قال: «حديث : بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم إِلَىٰ خَالِدِ بْنِ سُفْيَانَ، وَكَانَ نَحْوَ عُرَنَةَ وَعَرَفَاتٍ، قَالَ: «ٱذْهَبْ فَٱقْتُلْهُ»، فَرَأَيْتُهُ وَقَدْ حَضَرْتُ صَلاَةَ العَصْرِ، فَقُلْتُ: إِنِّي لأَخَافُ أَنْ يَكُونَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ مَا يُؤَخِّرُ الصَّلاَةَ، فَٱنْطَلَقْتُ أَمْشِيَ وَأَنَا أُصَلِّي أُومِىءُ إِيمَاءً نَحْوَهُ، فَلَمَّا دَنَوْتُ مِنْهُ، قَالَ لِي: «مَنْ أَنْتَ»؟ قُلْتُ: رَجُلٌ مِنَ العَرَبِ، بَلَغَنِي أَنَّكَ تَجْمَعُ لِهَذَا الرَّجُلِ، فَجِئْتُكَ فِي ذَلِكَ، قَالَ: إِنِّي لَفِي ذَلِكَ، فَمَشَيْتُ مَعَهُ سَاعَةً حَتَّىٰ إِذَا أَمْكَنَنِي عَلَوْتُهُ بِسَيْفِي؛ حَتَّىٰ بَرَدَ»تفسير : . انتهى، وقد ترْجَم عليه «بَابٌ فِي صَلاَةِ الطَّالِبِ». قال: * ع *: واختلف النَّاس، كَمْ يصلِّي من الركعات؟ والذي عليه مالكٌ وجماعةٌ: أنه لا ينقصُ من عدد الركعاتِ شيئاً، فيصلِّي المسافر ركعتَيْن. واختلف المتأوِّلون في قوله سبحانه: {فَإِذَا أَمِنتُمْ فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ...} الآية: فقالَتْ فرقةٌ: المعنَىٰ: إِذا زال خَوْفُكُم، فٱذكُروا اللَّه سبحانه بالشُّكْر على هذه النعمة، وقالتْ فرقة: اذكروا اللَّه، أي: صَلُّوا كما علمتم صلاةً تامَّة، يعني فيما يُسْتقْبلُ من الصَّلَوات.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: "حَافِظُواْ": في "فَاعَلَ" هنا قولان: أحدهما: أنه بمعنى "فَعِلَ"، كطارَقْتُ النَّعْلَ، وعاقَبْتُ اللصَّ، ولمَّا ضمَّن المحافظة معنى المواظبةِ، عدَّاها بـ "عَلَى". الثاني: أنَّ "فَاعَلَ" على بابها من كونها بين اثنين، فقيلَ: بين العبدِ وربِّه، كأنه قيل: احفَظْ هذه الصلاةَ يحفظْكَ اللهُ، وقيل: بين العبدِ والصلاةِ، أي: احفَظْها تَحْفَظْك. وحفظُ الصَّلاة للمُصلِّي على ثلاثة أوجهٍ: الأول: أنها تحفظه مِنَ المعاصي؛ كقوله: {أية : إِنَّ ٱلصَّلَٰوةَ تَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنْكَرِ}تفسير : [العنكبوت:45]. الثاني: تحفظه من البَلايا، والمِحَن؛ لقوله: {أية : وَٱسْتَعِينُواْ بِٱلصَّبْرِ وَٱلصَّلَٰوةِ}تفسير : [البقرة:45]، وقال الله: {أية : إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ ٱلصَّلَٰوةَ وَءَاتَيْتُمْ ٱلزَّكَٰوةَ}تفسير : [المائدة:12] أي: معكم بالصَّبر، والحفظ. الثالث: تحفظُه: بمعنى تشفعُ له؛ لأن الصلاة فيها القرآنُ؛ والقرآن يشفع لقارئه، وهو شافِعٌ مُشَفَّعٌ. وقال أبو البقاء: ويكون وجوبُ تكرير الحِفْظ جارياً مجرى الفاعلين؛ إذْ كان الوجوبُ حاثّاً على الفعلِ، وكأنه شريكُ الفاعلِ للحفظ؛ كما قالوا في {أية : وَاعَدْنَا مُوسَىٰ}تفسير : [البقرة:51] فالوعدُ من اللهِ، والقَبُولُ من موسى بمنزلةِ الوعد؛ وفي "حَافِظُوا" معنى لا يُوجَدُ في "احْفَظُوا" وهو تكريرُ الحفْظِ وفيه نظرٌ؛ إذ المفاعلةُ لا تدُلُّ على تكريرِ الفعلِ ألبتةَ. قوله تعالى: {وٱلصَّلاَةِ ٱلْوُسْطَىٰ} ذكر الخاصَّ بعد العامِّ، وقد تقدَّم فائدته عند قوله تعالى: {أية : مَن كَانَ عَدُوّاً لِلَّهِ}تفسير : [البقرة:98] والوُسطى: فعلى معناها التفضيلُ، فإنها مؤنثةٌ للأوسطِ؛ كقوله - يمدح الرسول عليه والصلاة والسلام -: [البسيط] شعر : 1147- يَا أَوْسَطَ النَّاسِ طُرّاً فِي مَفَاخِرِهِمْ وَأَكْرَمَ النَّاسِ أُمًّا بَرَّةً وَأَبَا تفسير : وهي [من] الوسط الذي هو الخيارُ، وليست من الوسطِ الذي معناه: متوسِّطٌ بين شيئين؛ لأنَّ فُعْلى معناها التفضيلُ؛ ولا يُبْنى للتفضيل، إلا ما يَقْبَلُ الزيادةَ والنقصَ، والوَسَطُ بمعنى العَدْل والخيارِ يقبلُهما بخلافِ المتوسِّطِ بين الشيئين؛ فإنه لا يَقْبَلُهما، فلا ينبني منه أفعلُ التفضيل. وقرأ علي: "وَعَلَى الصَّلاَةِ" بإعادة حرفِ الجرِّ توكيداً، وقرأَتْ عائشةُ - رضي الله عنها - "وَالصَّلاَةَ" بالنصبِ، وفيها وجهان: أحدهما: على الاختصاصِ، ذكرَه الزمخشريُّ. والثاني: على موضع المجرورِ قَبْلَهُ؛ نحو: مَرَرْتُ بزيدٍ وَعَمْراً، وسيأتي بيانُه في المائدة - إن شاء الله تعالى -. قال القرطبي: وقرأ أبو جعفر الواسطي "والصَّلاَةَ الوُسْطَى" بالنصب على الإِغراء أي: والْزَمُوا الصَّلاة الوُسْطَى وكذلك قرأ الحلواني، وقرأ قالُونُ، عن نافع "الوُصْطَى" بالصَّادِ؛ لمجاورَة الطاءِ؛ لأنهما مِنْ واحدٍ، وهما لغتان؛ كالصراط ونحوه. فصل لمّا ذكر الأحكام المتعلّقة بمصالح الدُّنيا مِنْ بيان: النكاح، والطلاقِ، والعُقُودِ، أتبعه بذكر الأَحكامِ المتعلِّقة بمصالح الآخرة. وأَجمع المسلمون على وجوب الصلوات الخمس، وهذه الآيةُ تدلُّ على كونها خَمْساً؛ لأن قوله: {حَافِظُواْ عَلَى ٱلصَّلَوَاتِ} تدل على الثَّلاثة مِنْ حيثُ إِنَّ أَقلَّ الجمع ثلاثةٌ، ثم قال: {وٱلصَّلَٰوةِ ٱلْوُسْطَىٰ} يدلُّ على شيءٍ زائدٍ عن الثلاثة؛ وإلاَّ لزم التكرارُ، والأصلُ عدمهُ، ثم إنَّ الزَّائد يمتنع أَنْ يكون أربعةً، لأنها لا يبقى لها وسطى فلا بُدَّ وأَنْ ينضمَّ إلى تلك الثلاثة عددٌ آخرُ؛ حتى يحصلَ به للجموع واسطةٌ، وأقلُّ ذلك خمسةٌ، فدلَّت هذه الآيةُ على أن الصلوات المفروضات خمسٌ بهذا الطَّريق، وهذا الاستبدال إنما يتم، إذا قُلنا: إنَّ المراد من الوُسْطَى ما يكونُ وسطاً في العدد، لا ما يكون وسطاً بسبب الفضيلة. فصل هذه الآيةُ وإِنْ دلّت على وجوب الصلوات الخمس لكنَّها لا تدلُّ على أوقاتها. قالوا: والآياتُ الدالةُ على تفصيل الأَوقاتِ أَربعٌ: أحدها: قوله تعالى: {أية : فَسُبْحَانَ ٱللهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ}تفسير : [الروم:17]. فقوله: "سُبْحَانَ اللهِ" أي: فسبِّحوا اللهَ، معناه: صلُّوا للهِ حين تمسون، أراد به صلاة المغربِ، والعِشَاءِ، "وَحِينَ تُصْبِحُونَ" أراد صلاة الصُّبح، و "عَشيّاً" أراد به [صلاة] العصر، و "حِينَ تُظْهِرُونَ"، صلاة الظهر. الثانية: قوله تعالى: {أية : أَقِمِ ٱلصَّلَٰوةَ لِدُلُوكِ ٱلشَّمْسِ إِلَىٰ غَسَقِ ٱلْلَّيْلِ}تفسير : [الإسراء:78] أراد بـ "الدلوك" زوالها، فدخل في الآية: صلاةُ الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، ثم قال: {أية : وَقُرْءَانَ ٱلْفَجْرِ}تفسير : [الإسراء:78] أراد صلاة الصُّبح. الثالثة: قوله: {أية : وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ ٱلشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَآءِ ٱلْلَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ ٱلنَّهَارِ}تفسير : [طه:130] قالوا: لأَنَّ الزمان إِمَّا أَنْ يكون قبل طُلُوعِ الشَّمسِ، أو قبل غروبها، فالليل والنهارُ داخلان في هاتين اللفظتين. الرابعة: قوله تعالى: {أية : وَأَقِمِ ٱلصَّلَٰوةَ طَرَفَيِ ٱلنَّهَارِ وَزُلَفاً مِّنَ ٱلْلَّيْلِ}تفسير : [هود:114] فالمراد بـ "طَرَفَي النَّهَارِ" الصُّبحُ والعَصْر، وبقوله "وزُلْفاً من الليل" المغرب، والعشاء. فصل في الصلاة الوسطى اختلفوا في الوسطى على سبعة مذاهب: الأول: أنَّ الله - تعالى - لمّا لم يبينها بل خصَّها بمزيد التوكيد، جاز في كُلِّ صلاةٍ أَنْ تكون هي الوسطَى، فيصير ذلك داعياً إلى أداء الكل بصفةِ الكمالِ، والتمام؛ كما أنّه أخفى ليلة القَدْرِ في رمضان، وأخفى ساعةَ الإجابةَ في يوم الجُمُعةِ، وأَخْفَى اسمه الأَعظم في جميع الأَسماءِ، وأخفى وقتَ الموتِ في الأوقات؛ ليكون المكلَّف خائِفاً من الموتِ في كل الأوقات، وهذا قولُ جماعةٍ من العُلَماءِ. قال محمَّد بن سيرين: سأل رجلٌ زيد بن ثابتٍ، عن الصلاة الوسطى، فقال: حافِظ على الصلوات كُلِّها تصبها. وعن الربيع بن خيثم أنّه سأله واحدٌ عنها، فقال: قال ابن عمر: الوُسطى واحدة منهن، فحافِظ على الكُلِّ تكُنْ محافظاً على الوسطى، ثم قال الربيع: فإنْ حافظتَ عليهن، فقد حافظت على الوسْطى. الثاني: أَنَّ الوسطى هي مجموعُ الصلوات الخَمْس؛ لأَن هذه الصلوات الخمس: هي الوسطى من الطاعات، وتقريره: أنَّ الإِيمان بضعٌ وسبعون درجة: أعلاها شهادةُ أَنْ لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى، فهي واسطة بين الطرفين. وقيل: الوسطى صلاةُ الجمعة؛ لأن وقتها وسطُ النهارِ، ولها شروط ليست لبقيَّة الفرائض: من أشتراط الخُطبة، والأَربعين، ولا تصلي في المِصْر أكثر مِنْ جمعةٍ واحدةٍ، إِلاَّ أَنْ تدعُو الحاجة إلى أكثر منها؛ وتفوتُ بفواتِ وقتها ولا تقضى؛ لأن العطف يقتضي المغايرة. الثالث: أنها صلاةُ الصبح، وهو قول علي وعمر وابن عباس، وابن عمرو وجابر بن عبد الله، ومعاذ وأبي أمامة الباهِليّ، وهو قول عطاء، وطاوسٍ، وعكرمة ومجاهد، وإليه ذهب مالكٌ، والشافعي. واستدلُّوا بوجوه: أحدها: أنَّ هذه الصلاة تُؤدَّى بعد طُلُوع الفجر، وقبل طلوع الشمس، وهذا الزمان ليس فيه ظُلمة باقية، ولا ضوء تام فكأنّه ليس بليلٍ ولا نهارٍ، فكان مُتوسِّطاً بينهما. وثانيها: أَنََّ النهار حصل فيه صلاتان: الظهر، والعصر؛ وفي الليل صلاتان: المغرب، والعشاء؛ وصلاةُ الصبح كالمتوسطة بين صلاتي الليل، وصلاتي النهار. فإنْ قيل: هذه المعاني حاصِلةٌ في صلاة المغرب. فالجوابُ: أنَّا نرجِّح صلاة الصُّبح على صلاة المغرب؛ بكثرة الفضائلِ، على ما سيأتي إِنْ شاء الله تعالى. وثالثها: أَنَّ الظهر، والعصر صلاتا جمعٍ، وكذلك: المغربُ والعِشاءُ، وصلاة الصبح منفردةٌ بوقتِ واحدٍ؛ فكانت وسطاً بينهما. ورابعها: قوله تعالى: {أية : إِنَّ قُرْءَانَ ٱلْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً}تفسير : [الإسراء:78] وقد ثبت أَنَّ المراد منه صلاةُ الفجر، يعني تشهدُه ملائكةُ الليل وملائكةُ النهار، فلا تجتمعُ ملائِكةُ الليل وملائكةُ النهار في وقتٍ واحد، إِلاّ في صلاةِ الفجر؛ فثبت أَنَّ صلاةَ الفجرِ قد أخذت بطرفي الليل والنهار من هذا الوجه؛ فكانت كالشيءِ المتوسِّط. وخامسها: قوله تعالى: {وَقُومُواْ للَّهِ قَانِتِينَ} وصلاة الصبح مخصوصةٌ بطول القيام، والقنوت، وهذا ضعيف، لأنه يقال لا نُسلِّمُ أَنَّ المراد بالقنوت طولُ القيام، كما سيأتي في تفسير هذه الكلمة، ولا نُسَلّم أَنَّ القنوت مخصوص بالفجر؛ بل يقنت في سائر الصَّلوات إِذَا نزل بالمسلمين، إِلاَّ فلا قنوت في شيءٍ من الفرائض. وسادسها: أَنَّهُ تعالى إنَّما أفردها بالذكر؛ لأَجل التأكيد؛ لأنها أحوجُ الصلوات إلى التَّأكيد، إِذْ ليس في الصلواتِ أشقّ منها؛ لأنها تجب على الناس في ألذ أوقاتِ النَّوم؛ فيترك النومَ اللذيذ إلى استعمال الماء البارِدِ، والخُروج إلى المسجد والتَّأهب للصلاة، ولا شَكَّ أن هذا شاق صعبٌ على النفس. وسابعها: أنها أفضلٌ الصلواتِ، فوجب أَنْ تكونَ هي الوسطى، ويدل على فضيلتها وجوه: الأول: قوله تعالى: {أية : وَٱلْمُسْتَغْفِرِينَ بِٱلأَسْحَارِ}تفسير : [آل عمران:17] فختم طاعاتهم بكونهم مُسْتغفرين بالأَسحارِ، وأَعظمُ أَنواع الاستغفار الفرائضُ؛ لقوله - عليه الصلاة والسلام - حاكياً عن رَبّه: "حديث : لن يتقرّب المتقرّبون إليّ بمِثْل أَدَاءِ ما افترضتُ عَلَيْهِمْ ". تفسير : الثاني: رُوِيَ أَنَّ التكبيرة الأُولى فيها فِي الجماعة خيرٌ مِنَ الدُّنْيا وما فيها. الثالث: أنه ثبتَ أَنَّ صلاة الصبح مخصوصة بالأَذانِ مرَّتين: مرَّة قبل طُلُوع الفجر، ومرةً بعده. فالأول: لإيقاظِ الناس من نومِهم، وتأهبهم. والثاني: الإِعلامُ بدخول الوقت. الرابع: أَنَّ الله سمّاها بأسماء، فقال في بني إسرائيل {وَقُرْآنَ ٱلْفَجْرِ} وقال في النور {أية : مِّن قَبْلِ صَـلَوٰةِ ٱلْفَجْرِ}تفسير : [النور:58] وقال في الروم{أية : وَحِينَ تُصْبِحُونَ}تفسير : [الروم:17] وقال عمر - رضي الله عنه - أن المراد من قوله {أية : وَإِدْبَارَ ٱلنُّجُومِ}تفسير : [الطور:49] صلاة الفجر. الخامس: أن الله تعالى أقسَمَ بها، فقال: {أية : وَٱلْفَجْرِ وَلَيالٍ عَشْرٍ}تفسير : [الفجر: 1-2]. فإن قيل: قد أقسم الله تعالى - أيضاً - بالعصر فقال: {أية : وَٱلْعَصْرِ إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَفِى خُسْرٍ}تفسير : [العصر:1-2] قلنا: سلمنا أن المراد منه القسم بصلاة العصر، لكن في صلاة الفجر مزيدُ تأكيدٍ وهو قوله: {أية : وَأَقِمِ ٱلصَّلَٰوةَ طَرَفَيِ ٱلنَّهَارِ}تفسير : [هود:14] فكما أنّ أحدَ الطرفين، وهو الصبحُ، وهو واقعٌ قبل الطلُوع والطرف الآخرُ هو المغرب؛ لأنه واقعٌ قبل الغُرُوب، فقد اجتمع في الفجر القسمُ به، مع التأكيد بقوله: {أية : وَأَقِمِ ٱلصَّلَٰوةَ طَرَفَيِ ٱلنَّهَارِ}تفسير : [هود:14] هذا التأكيدُ لم يوجد في العصر. السادس: أن التثويب في أذان الصُّبح معتبرٌ، وهو قولُ المؤذن: الصلاةُ خيرٌ من النَّومِ، وهذا غيرُ حاصل في سائر الصلواتِ. السابع: أَنَّ الإنسان إذا قام مِنْ نومِه فكأنه كان معدُوماً، ثم صار موجوداً أو كان مَيْتاً، ثم صار حياً، فإذا شاهد العَبْدُ هذا الأمر العظيم، فلا شكَّ أنَّ هذا الوقت أليقُ الأَوقاتِ، بأَن يظهر العبدُ الخضوع، والذلة والمسكنة في هذه العبادة. وثامنها: رُوي عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - أنه سُئِل عن الصلاةِ الوسطى، فقال: كنا نرى أنَّها الفجرُ. وعن ابن عباس - رضي الله عنه - أنَّه صلى الصبح، ثم قال: هذه هي الصلاةُ الوسْطى. القول الرابع: أَنَّهُ صلاةُ الظهرِ، وهو قول عمر، وزيدٍ بن ثابت، وأبي سعيد الخدري، وأُسامة بن زيدٍ، وهو قول أبي حنيفة، وأصحابه، واحتجُّوا بوجوه: الأول: أن الظهرَ كان شاقّاً عليهم؛ لوقوعه في وقتِ القَيْلُولة، وشدَّةِ الحرِّ، فصرفُ المبالغة فيه أولى. الثاني: روى زيد بن ثابت أَنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي بالهاجرة، وكان أثقلَ الصلواتِ على أصحابه، وربما لم يكُن وراءه إلاّ الصَّفُّ، والصَّفَّانِ، فقال عليه الصلاة والسلام: "حديث : لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أُحْرِّقَ عَلَى قَوْمٍ لاَ يَشْهَدُونَ الصَّلاَة في بُيُوتهم" تفسير : فنزلت هذه الآيةُ. الثالث: أن صلاة الظُّهر تقع في وسط النهار، وليس في المكتوباتِ صلاة تقع في وسطِ النهارِ، وهي أَوسطُ صلاةِ النَّهارِ في الطول. الرابع: قال أبو العالية: صليتُ مع أصحابِ النبي - صلى الله عليه وسلم - الظهرَ، فلمّا فرغُوا سأَلتُهم عن الصلاةِ الوسطى فقالوا: التي صلَّيتَها. الخامس: روي عن عائشة - رضي الله عنها - أنها كانت تقرأ "حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلاَة الوُسْطَى وَصَلاَةَ العَصْرِ"، وكانت تقولُ سمعتُ ذلك من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. وجهُ الاستدلالِ أنها عطفت صلاةَ العَصْرِ على الصلاةِ الوُسْطى، والمعطوفُ عليه قبل المعطُوفِ، والذي قبل العصر هي صلاةُ الظهر. السادس: رُوي أنَّ قوماً كانوا عند زيد بن ثابتٍ، فأرسلوا إلى أُسامة بن زيدٍ، وسأَلُوه عن الصَّلاةِ الوُسطى، فقال: هي صلاةُ الظهرِ كانت تقامُ في الهَاجِرة. السابع: روي في الحديث أن أوَل إِمامة جبريل - عليه السلام - كانت في صلاةِ الظهر، فَدَلَّ على أنّها أشرف، فكان صرفُ التَّأكيد إليها أولى. الثامن: أَنَّ صلاةَ الجمعة هي أشرفُ الصَّلواتِ، وهي صلاةُ الظهرِ فصرف المبالغة إليها أولى روى الإمامُ أحمدُ، وصحَّحَه: أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - "حديث : سُئِل عن الصلاة الوسطى [فقال] العصرُ. ورَوى أحمدُ، والترمذيُّ، وصحَّحه: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سُئِل عن صلاةِ الوسطى فقال: حَافِظُوا عَلَى الصَّلوَاتِ والصَّلاةِ والوُسْطَى وَصَلاةَ العَصْرِ" تفسير : ثم نُسِخَت هذه الكلمةُ، وبقي قولهُ: {وَقُومُواْ للَّهِ قَانِتِينَ}. فإن قيل قد روي أنَّ عائشة أمرت أن يكتب لها مصحف، وقالت للكاتب: إذا بلغت قوله تعالى: {وٱلصَّلاَةِ ٱلْوُسْطَىٰ} فآذِنِّي، فلما وصل الكاتب إلى قوله تعالى: {وٱلصَّلاَةِ ٱلْوُسْطَىٰ} آذنها فأمرته أن يكتب: "وَصَلاَةَ العَصْرِ" وقالت: هكذا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم. فالجواب أن هذا لم يروه غير واحدٍ تفرَّد به. وقد روى جماعةٌ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنها صلاة العصر، كما سيأتي، وكثرة الأدلة، والرُّواة يرجّح بها. القول الخامس: أنها صلاة العصر، وهو مرويٌّ عن عليّ، وابن مسعودٍ، وابن عبَّاسٍ، وأبي هريرة، وأبي أيُّوب، وعائشة، وبه قال إبراهيم النخعي، وقتادة، والحسن، والضحاك، ويروى عن أبي حنيفة. واحتجوا بوجوه: الأول: حديث : روي عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يوم الخندق: "شَغَلُونَا عَنِ الصَّلاَةِ الوُسْطَى صَلاَة العَصْرِ ملأ اللهُ أَجْوَافَهُم وَقُبُورهُم نَاراً" تفسير : وروى زرُّ بن حبيش، قال: حديث : قلنا لعبيدة: سل علياً عن الصلاة الوسطى، فسأله فقال: كنَّا نرى أنها صلاة الفجر، حتى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يوم الخندق: "شَغَلُونَا عَنِ الصَّلاَةِ الوُسْطَى صَلاَة العَصْرِ ملأ اللهُ أَجْوَافَهُم وَقُبُورهُم نَاراً"تفسير : . وعن عبد الله بن مسعودٍ، قال: حَبَسَ المشركون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صَلاة العصر، حتَّى احمرَّت الشمس، أو اصفرَّت؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : شَغَلُونَا عَنِ الصَّلاَةِ الوُسْطَى صَلاَة العَصْرِ ملأ اللهُ أَجْوَافَهُم وَقُبُورهُم نَاراً، أو حَشَا اللهُ أَجْوَافَهُمْ وَقُبُورَهُمْ نَاراً ". تفسير : الثاني: أنَّ العصر أولى بالتأكيد من غيرها؛ لقوله - عليه الصَّلاة والسَّلام -: "حديث : مَنْ لَمْ يُحَافِظْ عَلَى صَلاَةِ العَصْرِ فَقَدْ وُتِرَ أَهْلَهُ وَمَالَهُ"تفسير : ، وقوله - عليه الصَّلاة والسَّلام -: "حديث : مَنْ لَمْ يُحَافِظْ عَلَى صَلاَةِ العَصْرِ أو مَنْ تَرَكَ صَلاَةَ العَصْرِ فَقَدْ حَبَطَ عَمَلُهُ" تفسير : وقوله - عليه الصَّلاة والسَّلام -: "حديث : مَنْ حَافَظَ عَلَى صَلاَةِ العَصْرِ آتَاهُ اللهُ أَجْرَهُ مَرَّتَيْنِ"تفسير : . ولأن المحافظة على سائر الصلوات، أخفُّ وأسهل من المحافظة على وقت العصر أخفى الأوقات. وذلك لأن الصُّبح يدخل وقتها بطلوع الفجر المستطير ضوؤه، ودخول الظهر بزوال الشَّمس، والمغرب بغروب القرص، ودخول العشاء بمغيب الشَّفق الأحمر، لا جرم كانت الفضيلة فيها أكثر. الثالث: أنَّ الناس عند العصر يكونون مشغولين بمهماتهم، فكان الإقبال عليها أشقُّ. الرابع: أنَّها متوسطةٌ بين صلاةٍ نهاريَّة، وهي الظهر، وصلاةٍ ليليَّةٍ، وهي المغرب، وأيضاً، فهي متوسِّطة بين صلاتين بالليل وصلاتين بالنهار. فإن قيل: قد ثبت عن عائشة أنها قرأت: "وَصَلاَةِ العَصْرِ". فالجواب أن يقال: إن هذه قراءة شاذَّة، ولأنه ثبت عن خلق كثير في أحاديث صحيحةٍ أنها العصر ورووها بغير واوٍ؛ فدل على أنّ الواو زائدةٌ، ولأنَّ الراوي لا يجوز له أن يسقط من الحديث حرفاً واحداً يتعلق به حكمٌ شرعي. أو يقال: هذا من باب عطف الخاصِّ على العامِّ، أو من عطف الصفات؛ لقولك: زيدٌ الكريم والعالم. والقول السادس: أنها صلاة المغرب، وهو قول عبيدة السلماني وقبيصة بن ذؤيب، واحتجُّوا بوجهين: أحدهما: أنه بين بياض النَّهار، وسواد اللَّيل، وهذا المعنى وإن كان حاصلاً في الصُّبح، إلاّ أن الغرب ترجَّح بوجوهٍ أُخر: وهي أنها أزيدُ من الرَّكعتين؛ كما في الصبح، وأقلُّ من الأربع؛ كما في الظهر، والعصر، والعشاء، فهي وسطٌ في الطُّول، والقصر. الوجه الثاني: أنَّ صلاة الظهر تسمَّى بالصلاة الأولى، ولذلك ابتدأ جبريل بالإمامة فيها، وإذا كان الظهر أوَّل الصلوات، كانت المغرب، هي الوسطى، لا محالة، ولأنَّ قبلها صلاة سرٍّ، وبعدها صلاة جهرٍ. القول السابع: أنها العشاء، قالوا: لأنها متوسِّطة بين صلاتين لا تقصران: المغرب، والصبح. وعن عثمان بن عفَّان - رضي الله عنه - عن النبي صلى الله عليه وسلم أنّه قال: "حديث : مَنْ صَلَّى صَلاَةَ العِشَاءِ الآخِرَةِ في جَمَاعَةٍ، كَانَ كَقِيَامِ نِصْفِ لَيْلَة ". تفسير : قال القرطبي: وقال أبو بكر الأبهري: إن الوسطى صلاة الصُّبح، وصلاة العصر تبعاً؛ لقوله - عليه الصَّلاة والسَّلام -: "حديث : إن اسْتَطَعْتُمْ أَلاََّ تُغْلَبُوا عَلَى صَلاَةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا" تفسير : يعنى: العصر، والفجر، ثم قرأ جرير: {أية : وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ ٱلشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا}تفسير : [طه:130]. وروى عمَّار بن رؤيبة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : لنْ يَلِجَ النَّارَ أَحَدٌ صَلَّى قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وقَبْلَ غُرُوبِهَا" تفسير : يعني الفجر والعصر، وقيل: العشاء والصبح؛ لأن أبا الدَّرداء - رضي الله عنه - قال في مرضه الذي مات فيه: اسمعوا، وبلِّغوا من خلفكم: حافظوا على هاتين الصَّلاتين، يعني في جماعة ـ العشاء والصُّبح، ولو تعلمون ما فيهما لأتيتموهما ولو حبواً على مرافقكم. قوله: {وَقُومُواْ للَّهِ قَانِتِينَ} قال ابن عباس: القنوت: الدعاء، والذكر، بدليل قوله تعالى: {أية : أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ ءَانَآءَ ٱللَّيْلِ سَاجِداً وَقَآئِماً}تفسير : [الزمر:9]. ومنه الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قنت يدعو على رعل، وذكوان، وعصيّة، وأحياء من سليم. وقيل: مُصلِّين؛ لقوله: "أَمْ هُوَ قَانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ". وقال الشعبيُّ، وعطاء، وسعيد بن جبير، والحسن، وطاوسٌ، وقتادة، والضحاك، ومقاتلٌ: القنوت: الطاعة، ويدلُّ عليه وجهان: الأول: ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنّه قال: "حديث : كُلُّ قُنُوتٍ في القُرْآنِ فَهُوَ طَاعَةٌ ". تفسير : والثاني: قوله تعالى: {أية : وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ للَّهِ وَرَسُولِهِ}تفسير : [الأحزاب:31] وقال: {أية : فَٱلصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ}تفسير : [النساء:34] فالقنوت عبارةٌ عن كمال الطَّاعة، وإتمامها والاحتراز عن إيقاع الخلل في أركانها. قال الكلبيُّ، ومقاتلٌ: لكلِّ أهل دينٍ صلاةٌ يقومون فيها عاصين فقوموا أنتم لله في صلاتكم مطيعين. وقيل: القنوت: السكوت، وهو قول ابن مسعود، وزيد بن أرقم، قال زيد بن أرقم: كنَّا نتكلّم في الصلاة، فيسلِّم الرجل؛ فيردون عليه ويسألهم كيف صليتم؟ كفعل أهل الكتاب. فنزل قوله تعالى: {وَقُومُواْ للَّهِ قَانِتِينَ} فأمرنا بالسكوت، ونهينا عن الكلام. وقال مجاهد: القنوت: عبارةٌ عن الخشوع، وخفض الجناح، وسكون الأطراف، وترك الالتفات من هيبة الله، وكان العلماء إذا قام أحدهم يصلي، يهاب الرحمن، فلا يلتفت أو يقلب الحصى، أو يعبث، أو يحدّث نفسه بشيءٍ من أمر الدنيا ناسياً حتى ينصرف. وقيل: القنوت: عبارة عن طول القيام. قال جابر: سئل النبي صلى الله عليه وسلم أيُّ الصَّلاة أفضل؟ قال: طول القنوت، يريد طول القيام. قال ابن الخطيب: وهذا القول ضعيفٌ؛ وإلاَّ صار تقدير الآية: وقوموا لله قائمين؛ اللَّهم إلاَّ أن يقال: وقوموا لله مديمين لذلك القيام؛ فيصير القنوت مفسَّراً بالإدامة، لا بالقيام. وقيل: القنوت في اللغة: عبارةٌ عن الدوام على الشيء، والصَّبر عليه والملازمة له. وفي الشريعة مختصٌّ بالمداومة على طاعة الله تعالى؛ وهو اختيار عليٍّ بن عيسى، وعلى هذا يدخل فيه جميع ما قاله المفسِّرون. قوله: "قَانِتِينَ" حالٌ من فاعل "قُومُوا" و "لِلَّهِ" يجوز أن تتعلَّق اللام بـ "قُومُوا"، ويجوز أن تتعلَّق بـ "قَانِتِينَ"، ويدلُّ للثاني قوله تعالى: {أية : كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ}تفسير : [البقرة:116]. ومعنى اللام التعليل. فصل قال أبو عمرو: أجمع المسلمون على أنّ الكلام، عامداً في الصلاة، إذا كان المسلم يعلم أنّه في صلاةٍ، ولم يكن ذلك في إصلاح صلاته أنّه يفسد الصلاة، إلاّ ما روي عن الأوزاعي أنّه قال إن تكلم في الصَّلاة لإحياء نفسٍ، ونحوه من الأمور الجسام، لم يفسد ذلك صلاته. واختلفوا في كلام السَّاهي، فقيل: لا يفسد الصلاة. وقيل: يفسدها. وقال مالكٌ: إذا تكلم عامداً لمصلحة الصَّلاة، لم تفسد، وهو مذهب أحمد. قوله تعالى: {فَإنْ خِفْتُمْ}. قال الواحديُّ: معنى الآية: فإن خفتم عدوّاً، فحذف المفعول لإحاطة العلم به. وقال الزمخشريُّ: "فإن كان لكم خوفٌ من عَدُوٍّ، أو غيرِه" فهو أصحُّ؛ لأن هذا الحكم ثابتٌ عند حصول الخوف، سواءٌ كان الخوف من عدوٍّ، أو غيره. وقيل: المعنى: فإن خفتم فوات الوقت، إذا أَخَّرْتُمُ الصلاة إلى أن تفرغوا من حربكم، فصلُّوا رِجالاً، أو ركْبَاناً، وعلى هذا التقدير الآية تدلُّ على تأكيد فرض الوقت؛ حتى يترخَّص لأجل المحافظة عليه في ترك القيام، والركوع، والسجود. قوله تعالى: "فَرِجَالاً": منصوبٌ على الحال، والعامل فيه محذوفٌ، تقديره: "فَصَلُّوا رِجَالاً، أو فحَافِظُوا عَلَيْهَا رِجَالاً" وهذا أولى؛ لأنه من لفظ الأول. و "رِجَال" جمع راجلٍ؛ مثل قيامٍ وقائم، وتجارٍ وتاجرٍ، وصِحَابٍ وصاحب، يقال منه: رَجِلَ يَرْجَلُ رَجْلاً، فهو رَاجِلٌ، ورَجُلٌ بوزن عضدٍ، وهي لغة الحجاز. يقولون: رَجِلَ فُلاَنٌ، فهو رَجُلٌ، ويقال: رَجْلاَن ورَجِيلٌ؛ قال الشاعر: [الطويل] شعر : 1148- عَلَيَّ إِذَا لاَقَيْتُ لَيْلَى بِخُفْيَةٍ أَنَ ازْدَارَ بَيْتَ اللهِ رَجْلاَنَ حَافِيَا تفسير : كلُّ هذا بمعنى مشى على قدميه؛ لعدم المركوب. وقيل: الراجل الكائن على رجله، ماشياً كان أو واقفاً، ولهذا اللفظ جموعٌ كثيرة: رجالٌ؛ كما تقدَّم؛ وقال تعالى: {أية : يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ}تفسير : [الحج:27] وقال [الكامل] شعر : 1149- وَبَنُو غُدَانَةَ شَاخِصٌ أَبْصَارُهُمْ يَمْشُونَ تَحْتَ بُطُونِهِنَّ رِجَالاً تفسير : ورَجِيلٌ، ورُجَالَى، وتروى قراءةً عن عكرمة، ورَجَالَى، ورَجَّالَة، ورُجَّال، وبها قرأ عكرمة وابن مخلدٍ، ورُجَّالَى، ورُجْلاَن، ورِجْلَة، ورَجْلَة بسكون الجيم وفتحها، وأرجِلَة، وأرَاجِلٍ، وأرَاجِيل، ورجَّلاً بضم الراء وتشديد الجيم من غير ألفٍ، وبها قرئ شاذّاً. وقال القفَّال: يجوز أن يكون "رِجَالٌ" جمع الجمع؛ لأن رجلاً يجمع على "رَاجِلٍ"، ثمَّ يجمع راجلٌ على رِجالٍ. والرُّكبان جمع راكب مثل فُرْسَان وفَارس، قال القفَّال: قيل: ولا يقال إلاَّ لمن ركب جملاً، فأمَّا راكب الفرس، ففارسٌ، وراكب [الحمار] والبغل حمَّار وبغَّال، والأجود صاحب حمار وبغلٍ، و "أو" هنا للتقسيم، وقيل: للإباحة، وقيل: للتخيير. فصل قال القرطبيُّ: لمّا أمر الله تعالى بالقيام له في الصلاة، بحال القنوت، وهو الوقار، والسكينة، وهدوء الجوارح، وهذه هي الحالة الغالبة من الأمن، والطُّمأنينة، ذكر حالة الخوف الطارئة أحياناً، وبيَّن أن هذه العبادة لا تسقط عن العبد في حالٍ، ورخَّص لعبيده في الصلاة رجالاً على الأقدام، أو ركباناً على الخيل والإبل، ونحوه إيماءً، وإشارةً بالرأس حيث ما توجهوا. فصل في صلاة الخوف صلاة الخوف قسمان: أحدهما: حال القتال مع العدو، وهي أقسام: أحدها: حال التحام الحرب، وهو المذكور في هذه الآية، وباقيها مذكورٌ في سورة النِّساء [102] والقتال إمَّا واجبٌ، أو مباحٌ، أو محظورٌ. فالواجب: كالقتال مع الكفار، وهو الأصل في صلاة الخوف، وفيه نزلت الآية، ويلحق به قتال أهل البغي، بقوله تعالى: {أية : فَقَاتِلُواْ ٱلَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيۤءَ إِلَىٰ أَمْرِ ٱللهِ}تفسير : [الحجرات:9]. والمباح: كدفع الصائل بخلاف ما إذا قصد الكافر نفسه؛ فإنه يجب الدفع، وفي الدفع عن كل حيوانٍ محترم، فإنَّه يجوز فيه صلاة الخوف. وأمَّا المحظور فلا يجوز فيه صلاة الخوف؛ لأن هذا رخصةٌ، والرخصة إعانة؛ والعاصي لا يستحقّ الإعانة. القسم الثاني: في الخوف الحاصل في غير القتال، كالهارب من الحرق، أو الغرق، أو السَّبع، أو المطالبة بدينٍ، وهو معسر خائفٌ من الحبس عاجزٌ عن بيِّنة الإعسار فلهم أن يصلُّوا صلاة الخوف؛ لأن قوله تعالى: "فَإنْ خِفْتُمْ" مطلقٌ يتناول الكلَّ، فإن قيل: المراد منه الخوف من العدوِّ حال المقاتلة. قلنا: سلمنا ذلك، ولكن علمنا أنّه إنّما ثبت هناك، لدفع الضَّرر، وهذا المعنى قائمٌ هنا، فوجب أن يكون ذلك الحكم مشروعاً هنا. فصل في عدد ركعات صلاة الحضر والسفر والخوف ولا ينتقص عدد الركعات بالخوف عند أكثر أهل العلم. وروى مجاهد، عن ابن عباسٍ قال: فرض الله الصلاة على لسان نبيكم في الحضر أربعاً، وفي السَّفر ركعتين، وفي الخوف ركعة. وقال سعيد بن جبير: إذا كنت في القتال، وضرب الناس بعضهم بعضاً، فقل سبحان الله والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، واذكر الله فتلك صلاتك. فصل قال القرطبي: والمقصود من هذه الآية، أن تفعل الصلاة كيفما أمكن، ولا تسقط بحالٍ، حتى لو لم يتفق فعلها إلا بالإشارة بالعين لزم فعلها، وبهذا تميزت عن باقي العبادات؛ لأنها تسقط بالأعذار. قال ابن العربيّ: ولهذا قال علماؤنا: إن تارك الصلاة يقتل لأنها أشبهت الإيمان الذي لا يسقط بحالٍ، ولا تحوز النيابة فيها ببدنٍ، ولا مالٍ، فيقتل تاركها كالشهادتين. قوله: "فَإِذَآ أَمِنتُمْ" يعني بزوال الخوف الذي هو سبب الرخصة {فَٱذْكُرُواْ ٱللهَ} أي: فصلُّوا الصلوات الخمس. والصلاة قد تسمَّى ذكراً، قال تعالى: {أية : فَٱسْعَوْاْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللهِ}تفسير : [الجمعة:9]. وقيل: {فَٱذْكُرُواْ ٱللهَ} أي: فاشكروه؛ لأجل إنعامه عليكم بالأمن. وطعن القاضي في هذا القول؛ بأن الشُّكر يلزم مع الخوف، كما يلزم مع الأمن؛ لأن نعم الله تعالى متصلة في الحالين. وقيل: إنَّ قوله تعالى: {فَٱذْكُرُواْ ٱللهَ} يدخل تحته الصلاة، والشكر جميعاً. قوله: "كَمَا عَلَّمَكُم" الكاف في محلِّ نصبٍ: إمَّا نعتاً لمصدر محذوفٍ، أو حالاً من ضمير المصدر المحذوف، وهو الظاهر، ويجوز فيها أن تكون للتعليل، أي: فاذكروه لأجل تعليمه إيَّاكُمْ، و "مَا" يجوز أن تكون مصدريةً، وهو الظاهر، ويجوز أن تكون بمعنى "الَّّذِي"، والمعنى: فصلُّوا الصَّلاة كالصَّلاة التي عَلَّمَكُمْ، وعبَّر بالذكر عن الصلاة، ويكون التشبيه بين هيئتي الصلاتين الواقعة قبل الخوف وبعده في حالة الأمن. قال ابن عطيَّة: "وعَلَى هذا التأويلِ يكون قوله: "مَا لَمْ تَكُونُوا" بدلاً من "مَا" في "كَمَا" وإلاَّ لم يتَّسق لفظ الآية" قال أبو حيان: "وهو تخريجٌ مُمْكِنٌ، وأحسن منه أن يكون "مَا لَمْ تَكُونُوا" بدلاً من الضمير المحذوف في "عَلَّمَكُم" العائد إلى الموصول؛ إذ التقدير: عَلَّمَكُمُوهُ، ونصَّ النحويون على أنه يجوز: ضَرَبْتُ الذي رَأَيْتُ أَخَاكَ" [أي: رَأَيْتُهُ أَخَاكَ]، فـ "أَخَاكَ" بدلٌ من العائد المحذوف".
البقاعي
تفسير : ولما ذكرت أحكام النساء وشعبت حتى ضاق فسيح العقل بانتشارها وكاد أن يضيع في متسع مضمارها مع ما هناك من مظنة الميل بالعشق والنفرة بالبغض الحامل على الإحن والشغل بالأولاد وغير ذلك من فتن وبلايا ومحن يضيق عنها نطاق الحصر ويكون بعضها مظنة للتهاون بالصلاة بل وبكل عبادة اقتضى الحال أن يقال: يا رب! إن الإنسان ضعيف وفي بعض ذلك له شاغل عن كل مهم فهل بقي له سعة لعبادتك؟ فقيل: {حافظوا} بصيغة المفاعلة الدالة على غاية العزيمة أي ليسابق بعضكم بعضاً في ذلك ويجوز أن يكون ذلك بالنسبة إلى العبد وربه فيكون المعنى: احفظوا صلاتكم له ليحفظ صلاته عليكم فلا يفعل فيها فعل الناسي فيترك تشريفكم بها، وأخصر منه أن يقال: لما ذكر سبحانه وتعالى ما بين العباد خاصة ذكر ما بينه وبينهم فقال: - وقال الحرالي: لما كان ما أنزل له الكتاب إقامة ثلاثة أمور: إقامة أمر الدين الذي هو ما بين العبد وربه، وتمشية حال الدنيا التي هي دار محنة العبد، وإصلاح حال الآخرة والمعاد الذي هو موضع قرار العبد، صار ما يجري ذكره من أحكام تمشية الدنيا غلساً نجوم إنارته أحكام أمر الدين فلذلك مطلع نجوم خطابات الدين أثناء خطابات أمر الدنيا فيكون خطاب الأمر نجماً خلال خطابات الحرام والحلال في أمر الدنيا؛ وإنما كان نجم هذا الخطاب للمحافظة على الصلاة لأن هذا الاشتجار المذكور بين الأزواج فيما يقع من تكره في الأنفس وتشاح في الأموال إنما وقع من تضييع المحافظة على الصلوات لأن الصلاة بركة في الرزق وسلاح على الأعداء وكراهة الشيطان؛ فهي دافعة للأمور التي منها تتضايق الأنفس وتقبل الوسواس ويطرقها الشح، فكان في إفهام نجم هذا الخطاب أثناء هذه الأحكام الأمر بالمحافظة على الصلوات لتجري أمورهم على سداد يغنيهم عن الارتباك في جملة هذه الأحكام - انتهى. فقال تعالى: {حافظوا} قال الحرالي: من المحافظة مفاعلة من الحفظ وهو رعاية العمل علماً وهيئة ووقتاً وإقامة بجميع ما يحصل به أصله ويتم به عمله وينتهي إليه كماله، وأشار إلى كمال الاستعداد لذلك بأداة الاستعلاء فقال: {على الصلوات} فجمع وعرف حتى يعم جميع أنواعها، أي افعلوا في حفظها فعل من يناظر آخر فيه فإنه لا مندوحة عنها في حال من الأحوال حتى ولا في حال خوف التلف، فإن في المحافظة عليها كمال صلاح أمور الدنيا والآخرة لا سيما إدرار الأرزاق وإذلال الأعداء {أية : وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها} تفسير : [طه: 132] و {أية : استعينوا بالصبر والصلاة} تفسير : [البقرة: 193] "حديث : كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة"تفسير : ولا شك أن اللفظ صالح لدخول صلاة الجنازة فيه، ويزيده وضوحاً اكتناف آيتي الوفاة لهذه الآية سابقاً ولاحقاً. وقال الحرالي: إن الله سبحانه وتعالى يعطي الدنيا على نية الآخرة وأبى أن يعطي الآخرة على نية الدنيا، خلل حال المرء في دنياه ومعاده إنما هو عن خلل حال دينه، وملاك دينه وأساسه إيمانه وصلاته، فمن حافظ على الصلوات أصلح الله حال دنياه وأخراه، وفي المحافظة عليها تجري مقتضيات عملها عملاً إسلامياً وخشوعاً وإخباتاً إيمانياً ورؤية وشهوداً إحسانياً فبذلك تتم المحافظة عليها، وأول ذلك الطهارة لها باستعمال الطهور على حكم السنة وتتبع معاني الحكمة، كما في مسح الأذنين مع الرأس، لأن من فرق بينهما لم يكد يتم له طهور نفسه بما أبدته الحكمة وأقامته السنة وعمل العلماء فصد عنه عامة الخلق الغفلة؛ ثم التزام التوبة عندها لأن طهور القلب التوبة كما أن طهور البدن والنفس الماء والتراب، فمن صلى على غير تجديد توبة صلى محدثاً بغير طهارة؛ ثم حضور القلب في التوحيد عند الأذان والإقامة، فإن من غفل قلبه عند الأذان والإقامة عن التوحيد نقص من صلاته روحها فلم يكن لها عمود قيام، من حضر قلبه عند الأذان والإقامة حضر قلبه في صلاته، ومن غفل قلبه عندهما غفل قلبه في صلاته؛ ثم هيئتها في تمام ركوعها وسجودها؛ وإنطاق كل ركن عملي بذكر الله يختص به أدنى ما يكون ثلاثاً فليس في الصلاة عمل لا نطق له؛ ولا يقبل الله صلاة من لم يقم صلبه في ركوعه وسجوده وقيامه وجلوسه؛ فبالنقص من تمامها تنقص المحافظة عليها وبتضييع المحافظة عليها يتملك الأعداء النفس ويلحقها الشح فتنتقل عليها الأحكام وتتضاعف عليها مشاق الدنيا، وما من عامل يعمل عملاً في وقت صلاة أو حال أذان إلا كان وبالاً عليه وعلى من ينتفع به من عمله، وكان ما يأخذه من أجر فيه شقى خبث لا يثمر له عمل بر ولا راحة نفس في عاجلته ولا آجلته، وخصوصاً بعد أن أمهل الله الخلق من طلوع شمس يومهم إلى زوالها ست ساعات فلم يكن لدنياهم حق في الست الباقية فكيف إذا طولبوا منها بأويقات الأذان والصلاة وما نقص عمل من صلاة، فبذلك كانت المحافظة على الصلوات ملاكاً لصلاح أحوال الخلق مع أزواجهم في جميع أحوالهم - انتهى. {والصلاة الوسطى} أي خصوصاً فإنها أفضل الصلوات لأنها أخصها بهذا النبي الخاتم كما مضى بيانه في أول السورة في قوله: {أية : استعينوا بالصبر والصلاة} تفسير : [البقرة: 193] فخصها سبحانه وتعالى بمزيد تأكيد وأخفاها لأداء ذلك إلى المحافظة على الكل ولهذا السبب أخفى ليلة القدر في رمضان، وساعة الإجابة في يوم الجمعة، والاسم الأعظم في جميع الأسماء، ووقت الموت حملاً على التوبة في كل لحظة. وقال الحرالي: وما من جملة إلا ولها زهرة فكان في الصلوات ما هو منها بمنزلة الخيار من الجملة وخيارها وسطاها فلذلك خصص تعالى خيار الصلوات بالذكر، وذكرها بالوصف إبهاماً ليشمل الوسطى الخاصة بهذه الأمة وهي العصر التي لم تصح لغيرها من الأمم، ولينتظم الوسطى العامة لجميع الأمم ولهذه الأمة التي هي الصبح، ولذلك اتسع لموضع أخذها بالوصف مجال العلماء فيها ثم تعدت أنظارهم إلى جميعها لموقع الإبهام في ذكرها حتى تتأكد المحافظة في الجميع بوجه ما، وفي قراءة عائشة رضي الله تعالى عنها: وصلاة العصر - عطفاً ما يشعر بظاهر العطف باختصاص الوسطى بالصبح على ما رآه بعض العلماء، وفيه مساغ لمرجعه على {الصلاة الوسطى} بنفسها ليكون عطف أوصاف، وتكون تسميتها بالعصر مدحة ووصفاً من حيث إن العصر خلاصة الزمان كما أن عصارات الأشياء خلاصاتها {أية : ثم يأتي من بعد ذلك عام فيه يغاث الناس وفيه يعصرون}تفسير : [يوسف: 49] فعصر اليوم هو خلاصة لسلامته من وهج الهاجرة وغسق الليل، ولتوسط الأحوال والأبدان والأنفس بين حاجتي الغداء والعشاء التي هي مشغلتهم بحاجة الغذاء؛ ومن إفصاح العرب عطف الأوصاف المتكاملة فيقال: فلان كريم وشجاع - إذا تم فيه الوصفان، فإذا نقصا عن التمام قيل: كريم شجاع - بالاتباع، فبذلك يقبل معنى هذه القراءة أن تكون الوسطى هي العصر عطفاً لوصفين ثابتين لأمر واحد - انتهى. ويوضح ما قاله رحمه الله تعالى قولهم في الرمان المز: حلو حامض - من غير عطف، وبرهانه أنهم قالوا: إن الجمل إذا تتابعت من غير عطف كان ذلك مؤذناً بتمام الاتصال بينها فتكون الثانية إما علة للأولى وإما مستأنفة على تقدير سؤال سائل ونحو ذلك مما قاله البيانيون في باب الفصل والوصل، ولولا إشعار الكلام الأول بالجملة الثانية لاحتياجه إليها لم يوجد محرك للسؤال بخلاف ما إذا تعاطفت كان ذلك يؤذن بأن كل واحدة منها غنية عما بعدها وذلك مؤذن بالتمام: وأما أسماء الله تعالى فتتابعها دون عطف، لأن شيئاً منها لا يؤدي جميع مفهوم اسم الذات العلم ولذلك ختم سبحانه وتعالى آيات سورة الحشر بقوله: {أية : له الأسماء الحسنى} تفسير : [الحشر: 24] أي أن هذه الأسماء التي ذكرت هي مما أفهمه مدلول الاسم العلم المبتدأ به سواء قلنا إنه مشتق أو لا، ومهما اطلعت على وصف حسن يليق به سبحانه وتعالى فهو مما دل عليه الاسم الأعظم، لأن من يستحق العبادة لا يكون إلا كذلك جامعاً لأوصاف الكمال، أو لأنه لما جبلت النفوس وطبعت القلوب على المعرفة بأنه سبحانه وتعالى منزه عن شوائب النقص ومتصف بأوصاف الكمال كان الإعراء من العطف فيها للإيذان بذلك وما عطف منها فلمعنى دعا إليه كما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى في مواضعه، وأنا لا أشك أن المعطل إذا وقع في ضيق أخرجه ودهمه من البلاء ما أعجزه وأحرق قلبه وأجرى دمعه التفت قلبه ضرورة إلى الله سبحانه وتعالى في كشفه وضرع إليه في إزالته لما ركز في جبلته من كماله وعظمته وجلاله ذاهلاً عما تكسبه من قُرناه السوء من سوء الاعتقاد وجر نفسه إليه من العناد - والله سبحانه وتعالى أعلم؛ فدونك قاعدة نفيسة طال ما تطلبتها وسألت عنها الفضلاء فما وجدتها وضربت بفكري في رياض الفنون ومهامه العلوم حتى تصورتها ثم بعد فراغي من تفسيري رأيت الكشاف أشار إليها في آية "والمستغفرين بالأسحار" في آل عمران - والله سبحانه وتعالى الموفق. ولما أمر بالمحافظة عليها أتبعه جامع ذلك فقال: {وقوموا لله} أي الذي له الجلال والإكرام {قانتين *} أي مطيعين - قاله الحسن وسعيد بن جبير والشعبي وعطاء وقتادة وطاوس. وروى الطبراني في الأوسط والإمام أحمد وأبو يعلى الموصلي في مسنديهما وابن حبان في صحيحه عن أبي سعيد رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : كل حرف ذكر من القنوت في القرآن فهو الطاعة"تفسير : وقيل: القنوت السكوت، ففي الصحيحين عن زيد بن أرقم رضي الله تعالى عنه قال: "حديث : كنا نتكلم في الصلاة، يكلم الرجل صاحبه وهو إلى جنبه في حاجته حتى نزلت {وقوموا لله قانتين} فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام"تفسير : وقال مجاهد: خاشعين، وقيل غير ذلك؛ وإذا علم أصل معنى هذه الكلمة لغة علم أن المراد: مخلصين، وإليه يرجع جميع ما قالوه، وذلك أن مادة قنت بأي ترتيب كان تدور على الضمور من القتين للقليل اللحم والطعم، وقتن المسك إذا يبس، فيلزمه الاجتذاب والخلوص، فإنه لولا تجاذب الأجزاء لزوال ما بينها من المانع لم يضمر، ومنه امرأة ناتق إذا كانت ولوداً كأنها تجتذب المني كله فتظفر بما يكون منه الولد، أو أنه لما كان المقصود الأعظم من الجماع الولد كانت كأنها المختصة بجذب المني وكأن اجتذاب غيرها عدم، أو كأنها تجتذب الولد من رحمها فتخرجه، وذلك من نتق السقاء وهو نفضه، حتى يقتلع ما فيه فيخلص، ومن ذلك: البيت المعمور نتاق الكعبة، أي مطل عليها من فوق فلو أنه جاذب شيئاً من الأرض لكان إياها لأنه تجاهها، ومن الضمور: التقن - لرسابة الماء؛ وهو الكدر الذي يبقى في الحوض فإنه متهيىء لاجتذاب العكولة؛ ويلزم الضمور الإحكام لجودة التراص في الأجزاء لخلوصها عن مانع، ومنه: أمر متقن، أي محكم، و: رجل تقن - إذا كان حاذقاً بالأشياء، فهو خالص الرأي؛ ويلزمه الإخلاص والخشوع والتواضع فتأتي الطاعة بالدعاء وغيره فإنها جمع الهم على المطاع {أية : أمَّن هو قانت آناء الليل}تفسير : [الزمر: 9] ونحو ذلك، والتقن أيضاً الطبيعة فإنها سر الشيء وخالصه، ومنه الفصاحة من: تقن فلان، أي طبعه؛ ويلزم الضمور القيام فإنه ضمور بالنسبة إلى بقية الهيئات؛ ومنه: أفضل الصلاة طول القنوت. والسكوت ضمور بالنسبة إلى الكلام؛ ويلزم الضمور اليبس والذبول ومنه التقن للطين الذي يذهب عنه الماء فييبس ويتشقق؛ والقلة ومنه: قراد قتين، أي قليل الدم، فيأتي أيضاً السكوت والإحكام؛ وإذا راجعت معاني هذه المادة وهي قنت وقتن وتقن ونتق من كتب اللغة ازددت بصيرة في هذا، وإذا علم ذلك علم أن الآية منطبقة على الحديث محتملة لجميع أقوال العلماء رضي الله تعالى عنهم، وذلك أن الصلاة إذا أخلصت لم يكن فيها قول ولا فعل ليس منها وذلك محض الطاعة والخشوع. وقال الحرالي: القنوت الثبات على أمر الخير وفعله، وذلك أن فعل الخير والبر يسير على الأكثر ولكن الثبات والدوام عسير عليهم، وكان من القنوت مداومة الحق فيما جاء به في الصلاة حتى لا يقع التفات للخلق، فلذلك لزم الصمت عن الخلق من معناه، لأن كلام الناس قطع لدوام المناجاة، ففي إشعاره أن من قام لله سبحانه وتعالى قانتاً في صلاته أقام الله سبحانه وتعالى في دنياه حاله في إقامته ومع أهله، كما يشير إليه معنى آية {أية : وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها لا نسئلك رزقاً نحن نرزقك} تفسير : [طه: 32] ففيه إيذان بأن الصلاة تصلح الحال مع الأهل وتستدر البركة في الرزق - انتهى. وحديث زيد هذا صريح في أن الصلاة في أول الأمر لم تكن على الحدود التي صارت إليها آخراً؛ فيحتمل أن الفعل كان مباحاً فيها كما كان الكلام، ويؤيده أن الأصل في الأشياء الإباحة حتى يأتي نص بالمنع، وبهذا يزول ما في حديث ذي اليدين من الإشكال من أنه يقتضي إباحة القول والفعل للمصلي إذا ظن أنه أكمل الصلاة أو نسي أنه فيها، "لأن النبي صلى الله عليه وسلم صلى إحدى صلاتي العشي فسلم من ركعتين ثم قام إلى خشبة في ناحية المسجد فاتكأ عليها وخرج سرعان الناس، فلما أعلمه ذو اليدين بالحال سأل الناس فصدقوه، فرجع فأكمل الصلاة" فإن الحديث غير مؤرخ فيحتمل أنه كان قبل تحريم الأفعال والأقوال بهذه الآية. ويؤيد احتمال إباحة الأفعال أولاً اتباع الآية بقوله تعالى: {فإن خفتم} أي بحال من أحوال الجهاد الذي تقدم أنه {كتب عليكم} أو نحو ذلك من عدو أو سبع أو غريم يجوز الهرب منه أو غير ذلك {فرجالاً} أي قائمين على الأرجل، وهو جمع راجل من حيث إنه أقرب إلى صورة الصلاة. قال البغوي: أي إن لم يمكنكم أن تصلوا قانتين موفين للصلاة حقها لخوف فصلوا مشاة على أرجلكم {أو ركباناً} أي كائنين على ظهور الدواب على هيئة التمكن. وقال الحرالي: ما من حكم شرعه الله في السعة إلا وأثبته في الضيق والضرورة بحيث لا يفوت في ضيقه بركة من حال سعته ليعلم أن فضل الله لا ينقصه وقت ولا يفقده حال، وفيه إشعار بأن المحافظة على الصلاة في التحقيق ليس إلا في إقبال القلب بالكلية على الرب، فما اتسع له الحال ما وراء ذلك فعل وإلا اكتفى بحقيقتها، ولذلك انتهت الصلاة عند العلماء في شدة الخوف إلى تكبيرة واحدة يجتمع إليها وحدها بركة أربع الركعات التي تقع في السعة، وفيها على حالها من البركة في اتساع الرزق وصلاح الأهل ما في الواقعة في السعة مع معالجة النصرة لعزيمة إقامتها على الإمكان في المخافة، وقد وضح باختلاف أحوال صلاة الخوف أن حقيقتها أنها لا صورة لها، فقد صح فيها عن النبي صلى الله عليه وسلم أربع عشرة صورة وزيادة صور في الأحاديث الحسان - انتهى. وروى البخاري في التفسير عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما كيفية في صلاة الخوف ثم قال: فإن كان خوف أشد من ذلك صلوا رجالاً قياماً على أقدامهم أو ركباناً مستقبلي القبلة أو غير مستقبليها. قال مالك: قال نافع: لا أرى عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما ذكر ذلك إلا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم - يعني لأن مثل ذلك لا يقال من قبل الرأي {فإذا أمنتم} أي حصل لكم الأمن مما كان أخافكم. ولما كان المراد الأعظم من الصلاة الذكر وهو دوام حضور القلب قال مشيراً إلى أن صلاة الخوف يصعب فيها ذلك منبهاً بالاسم الأعظم على ما يؤكد الحضور في الصلاة وغيرها من كل ما يسمى ذكراً {فاذكروا الله} أي الذي له الأمر كله. قال البغوي: أي فصلوا الصلوات الخمس تامة بحقوقها. وقال الحرالي: أظهر المقصد في عمل الصلاة وأنه إنما هو الذكر الذي هو قيام الأمن والخوف - انتهى: فكأنه سبحانه وتعالى لما منع مما ليس من الصلاة من الأقوال والأفعال استثنى الأفعال حال الخوف فأبقيت على الأصل لكن قد روى الشافعي رضي الله تعالى عنه وصرحه في كتاب اختلاف الحديث من الأم وأبو داود والنسائي من طريق عاصم بن أبي النجود عن أبي وائل عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: كنا نسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في الصلاة - الحديث في أنه لما رجع من الحبشة قال له النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن الله يحدث من أمره ما شاء وإن مما أحدث أن لا تتكلموا في الصلاة"تفسير : وحكم بأنه قيل حديث ذي اليدين لما في بعض طرقه مما يقتضي أن رجوعه كان قبل هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وهو كذلك، لكن عاصم له أوهام في الحديث وإن كان حجة في القراءة فلا يقوى حديثه لمعارضة ما في الصحيحين من حديث زيد الماضي المغيا بنزول الآية. والبقرة مدنية كما في الصحيح في فضائل القرآن عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت: ما نزلت سورة البقرة والنساء إلا وأنا عند النبي صلى الله عليه وسلم، وفيه في النكاح وغيره أنه صلى الله عليه وسلم بنى بها وهي بنت تسع سنين وأقامت عنده تسعاً، فيكون ذلك في السنة الثانية من الهجرة. وقال الشافعي رضي الله تعالى عنه في الرسالة في باب وجه آخر من الناسخ والمنسوخ: أخبرنا محمد بن أبي فديك عن ابن أبي ذئب عن المقبري عن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال: "حُبسنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الخندق عن الصلاة حتى كان بعد المغرب يهوي من الليل حتى كفينا وذلك قول الله سبحانه وتعالى: {أية : وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قوياً عزيزاً} تفسير : [الأحزاب: 25] قال: فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بلالاً فأمره فأقام الظهر فصلاها فأحسن صلاتها كما كان يصليها في وقتها، ثم أقام العصر كذلك، ثم أقام المغرب فصلاها كذلك، ثم أقام العشاء فصلاها كذلك أيضاً؛ وذلك قبل أن ينزل الله تعالى في صلاة الخوف {فإن خفتم فرجالاً أو ركباناً} [البقرة: 239]" وقد روى الشيخان أيضاً حديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنه بلفظ: كنا نسلم على النبي صلى الله عليه وسلم وهو في الصلاة فيرد علينا، فلما رجعنا من عند النجاشي سلمنا عليه فلم يرد علينا وقال: "حديث : إن في الصلاة شغلاً" تفسير : لكنه ليس صريحاً في تحريم الكلام فيعود الاحتمال السابق، فإن كان الواقع أن حديث زيد متأخر كان ما قلت وإلا كان الذي ينبغي القول به أنه لا فرق بين القول والفعل لأن اشتمال حديث ذي اليدين عليهما على حد سواء، كما صححه صاحب التتمة من أصحاب الشافعي ونقل عن اختيار الشيخ محيي الدين النواوي في كتابه التحقيق وتبعه عليه السبكي وغيره من المتأخرين، وكلام الشافعي ظاهر فيه فإنه قال في الرد على من نسبه إلى أنه خالف في التفريع على الحديث المذكور: فأنت خالفت أصله وفرعه ولم نخالف نحن من أصله ولا من فرعه حرفاً واحداً - هذا نصه في كتاب الرسالة. ولما أمر سبحانه وتعالى بالذكر عند الأمن علله بقوله: {كما علمكم} أي لأجل إنعامه عليكم بأن خلق فيكم العلم المنقذ من الجهل، فتكون الكاف للتعليل وقد جوزه أبو حيان في النهر ونقله في موضع آخر منه عن النحاة - والله سبحانه وتعالى أعلم {ما لم تكونوا تعلمون} بما آتاكم على لسان هذا النبي الكريم من الأحكام التي تقدمت في هذه السورة المفصلة ببدائع الأسرار من الأصول ودقائق العلوم كلها. وقال الحرالي: من أحكام هيئة الصلاة في الأعضاء والبدن وحالها في النفس من الخشوع والإخبات والتخلي من الوسواس وحالها في القلب من التعظيم والحرمة، وفي إشارته ما وراء ظاهر العلم من أسرار القلوب التي اختصت بها أئمة هذه الأمة - انتهى. ولما كان ذكر أحكام عشرة النساء على هذا الوجه مظنة سؤال سائل كما تقدم يقول: قد استغرق الاشتغال بهن الزمان وأضر بالفراغ للعبادة وكان هذا السؤال إيماء إلى الاستئذان في الرهبانية والاختصاء الذي سأل فيه من سأل كما سيبين إن شاء الله سبحانه وتعالى في المائدة في قوله: {أية : ولا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم} تفسير : [المائدة: 87] وكان الإعراض عن جواب السائل بالأمر بالمحافظة على الصلاة ربما أشعر بالإقرار على مضمون السؤال والإذن في الترهّب بقرينة الإعراض عن السؤال وربما كان مشيراً إلى النهي عن الترهب بقرينة السكوت على ما تقدم من الأمر بعشرتهن من غير نهي عنه عقب الأمر بذلك ببعض آيات النساء تأكيداً لما أفهمته تلك الإشارة أي اتركوا الترهب وكونوا رجالاً في الاقتداء بنبيكم صلى الله عليه وسلم في القيام بحقوق الله وحقوق نفسه وغيره من سائر العباد وجعل ما تعقب آية الصلاة من تعلق النكاح آيتين فقط أولاهما في حكم من أحكام الموت وهي منسوخة كما قال الأكثر ليست من دعائم أحكام هذا الباب إشارة إلى أنه ينبغي أن يكون الإقبال على العبادة أكثر وأن يكون الاشتغال بأمر النساء والأولاد إنما هو على وجه التزود للموت وما بعده فقال تعالى: {والذين} وقال الحرالي: لما ذكر سبحانه وتعالى أحكام الأزواج في الطلاق والوفاة وحكم الفرض والمتعة في المطلقات قبل الدخول ختم هذه الأحكام المؤكدة بالفرض والأمر بما هو من نحوها فنظم بالمتعة من النفقة والكسوة والإخدام وما في معناه المتعة بالسكنى للمتوفى عنها زوجها إلى حد ما كانت العدة في الجاهلية ليكون للخير والمعروف بقاء في الإسلام بوجه ما أيما عقد وعهد كان في الجاهلية فلن يزيده الإسلام إلا شدة - انتهى. فقال تعالى: {يتوفون منكم} أي يقاربون أن يستوفي أرواحهم من أعارها أبدانهم فيخلصها منها كاملة لا يغادر منها شيئاً ولا يأخذ شيئاً من الجسم معها مع ما بينهما من كمال الامتزاج الذي لا يقدر معه على تمييز أحدهما عن الآخر إلا هو سبحانه وتعالى {ويذرون أزواجاً} بعد موتهم، فليوصوا {وصية} ومن رفع فالتقدير عندهم: فعليهم وصية، ويجوز أن تحمل الوفاة على حقيقتها ويكون التقدير: وصية من الله لأزواجهم، أو يوصيكم الله وصية {لأزواجهم} بالسكنى في بيوتهم {متاعاً} لهن {إلى} رأس {الحول} من حين الوفاة. قال الحرالي: وهو غاية العمر وجامع لجملة الفصول التي بوفائها تظهر أحوال الصبر عن الشيء والحرص عليه وإنما الحول الثاني استدراك - انتهى. {غير إخراج} أي غير مصاحب ذلك المتاع بنوع إخراج أو غير ذوي إخراج. قال الحرالي: لتكون الأربعة الأشهر والعشر فرضاً وباقي الحول متاعاً لتلحق أنواع المتعة بأنواع اللازم في الزوجية من نفقة وكسوة وإخدام وسكنى، ولما كان هذا المتاع الزائد إنما هو تقرير للزوجة في حال ما كانت عليه مع زوجها إشعاراً ببقاء العصمة وإلاحة من الله تعالى بحسن صبر المرأة المتوفى عنها زوجها على زوجها، لا تتزوج عليه غيره حتى تلقاه فتكون معه على النكاح السابق ليكون للأمة في أزواجهم لمحة حظ من تحريم أزواج نبيهم بعده اللاتي يقمن بعده إلى أن يلقينه أزواجاً بحالهن، فيكون ذلك لمن يستشرف من خواص أمته إلى اتباعه في أحكامه وأحكام أزواجه لأن الرجال مما يستحسنون ذلك لأزواجهم، فمن أشد ما يلحق الرجل بعد وفاته تزوج زوجه من بعده لأنها بذلك كأنها هي المطلقة له، ولذلك ورد أن المرأة إنما تكون لآخر زوج. لأنها تركت الزوج ولم يتركها هو، قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : أنا وسفعاء الخدين حبست نفسها على يتاماها حتى ماتوا - أو: بانوا - كهاتين في الجنة"تفسير : كأنه صلى الله عليه وسلم أكد ذلك المعنى على من ترك لها المتوفى ذرية لأنه أثبت عهد معه - انتهى. روى البخاري في التفسير عن مجاهد {أية : والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً} تفسير : [البقرة: 234] قال: كانت هذه العدة تعتد عند أهل زوجها واجب فأنزل الله عزّ وجلّ: {والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً وصية لأزواجهم متاعاً إلى الحول غير إخراج} [البقرة: 240] قال: جعل الله سبحانه وتعالى لها تمام السنة سبعة أشهر وعشرين ليلة وصية، إن شاءت سكنت في وصيتها وإن شاءت خرجت وهو قول الله سبحانه وتعالى: {غير إخراج} فالعدة كما هي واجب عليها. ولما كان هذا المتاع الواجب من جهة الزوج جائزاً من جهة المرأة نبه عليه بقوله {فإن خرجن} أي من أنفسهن من غير مزعج ولا مخرج {فلا جناح عليكم} يا أهل الدين الذين يجب عليهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر {فيما فعلن في أنفسهن} من النكاح ومقدماته. ولما كانت لهن في الجاهلية أحوال منكرة في الشرع قيده بقوله: {من معروف} أي عندكم يا أهل الإسلام. ولما كان في هذا حكمان حكم من جهة الرجال فضل وآخر من جهة النساء عفو فكان التقدير: فالله غفور حليم، عطف عليه قوله: {والله} أي الذي لا كفوء له {عزيز حكيم *} وفي ضمنه كما قال الحرالي تهديد شديد للأولياء إن لم ينفذوا ويمضوا هذه الوصية بما ألزم الله، ففي إلاحته أن من أضاع ذلك ناله من عزة الله عقوبات في ذات نفسه وزوجه ومخلفيه من بعده ويجري مأخذ ما تقتضيه العزة على وزن الحكمة جزاء وفاقاً وحكماً قصاصاً، وهذه الآية مما ذكر فيها بعض الناس النسخ وإنما هي مما لحقها نسيان أوقعه الله تعالى على الخلق حتى لا يكاد أن يكون عمل بها أحد إلا أحداً لم يذكر به ولم يشتهر منه فهي مما أنسى فران عليه النسيان لأمر شاءه الله سبحانه وتعالى والله يقول الحق وهو يهدي السبيل، وقد ورد "أن النبي صلى الله عليه وسلم أنفذ لامرأة من تركة زوجها نفقة سنة" وذلك والله سبحانه وتعالى أعلم قبل نزول آية الفرائض حين كانت الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف - انتهى. وبما قال الحرالي من أنها غير منسوخة قال مجاهد كما تقدم في رواية البخاري عنه أن الزوجة إن اختارت هذا فعدتها الحول وإلا فعدتها الآية الأولى، ونقله الشمس الأصفهاني عنه في تفسيره، ونقل عن بلديه أبي مسلم قريباً منه فإنه قال بعد أن نقل عنه أنها غير منسوخة: ليس التقدير ما يفيد الوجوب على الزوج مثل: فليوصوا بل التقدير: وقد وصوا، أو: ولهم وصية. وحسن تعقيب آية المحافظة على الصلاة بعدة الوفاة كون الخوف المذكور فيها من أسباب القتل، ولعل إثباتها في التلاوة مع كونها منسوخة الحكم على ما قال الجمهور تذكيراً للنساء بما كان عدة لهن في أول الأمر لئلا يستطلن العدة الثابتة بأربعة أشهر وعشر فينتهكن شيئاً من حرماتها، كما أشار إليه ما في الصحيحين وغيرهما عن أم سلمة رضي الله تعالى عنها "حديث : أن امرأة استأذنت النبي صلى الله عليه وسلم أن تكحل ابنتها لوجع أصابها، فأبى وقال: "قد كانت إحداكن في الجاهلية ترمي بالبعرة على رأس الحول" .
السيوطي
تفسير : أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {حافظوا على الصلوات} يعني المكتوبات. وأخرج ابن أبي داود في المصاحف عن الأعمش قال في قراءة عبد الله: (حافظوا على الصلوات وعلى الصلاة الوسطى). وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير عن مسروق في قوله {حافظوا على الصلوات} قال: المحافظة عليها المحافظة على وقتها، والسهو عنها السهو عن وقتها. وأخرج مالك والشافعي والبخاري ومسلم وأبو داود والنسائي عن طلحة بن عبيد الله قال "حديث : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم من أهل نجد ثائر الرأس، نسمع دوي صوته ولا نفقه ما يقول، حتى دنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا هو يسأل عن الإِسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: خمس صلوات في اليوم والليلة. فقال: هل علي غيرهن؟ قال: لا، إلا أن تطوّع، وصيام شهر رمضان، فقال: هل علي غيره؟ قال: لا، إلا أن تطوّع. وذكر له رسول الله صلى الله عليه وسلم الزكاة فقال: هل علي غيرها؟ قال: لا، إلا أن تطوّع - فأدبر الرجل وهو يقول: والله لا أزيد على هذا ولا أنقص منه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أفلح إن صدق ". تفسير : وأخرج البخاري ومسلم والترمذي والنسائي عن أنس قال "حديث : نهينا أن نسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شيء، فكان يعجبنا أن يجيء الرجل من أهل البادية العاقل فيسأله ونحن نسمع، فجاء رجل من أهل البادية فقال: يا محمد أتانا رسولك فزعم لنا أنك تزعم أن الله أرسلك! قال: صدق. قال: فمن خلق السماء؟ قال: الله. قال: فمن خلق الأرض؟ قال: الله. قال: فمن نصب هذه الجبال وجعل فيها ما جعل؟ قال: الله. قال: فبالذي خلق السماء وخلق الأرض ونصب هذه الجبال، الله أرسلك؟ قال: نعم. قال: وزعم رسولك أن علينا خمس صلوات في يومنا وليلتنا؟ قال: صدق. قال: فبالذي أرسلك، الله أمرك بهذا؟ قال: نعم. قال: وزعم رسولك أن علينا زكاة في أموالنا؟ قال: صدق. قال: فبالذي أرسلك، الله أمرك بهذا؟ قال: نعم. قال: وزعم رسولك أن علينا صوم شهر رمضان في سنتنا؟ قال: صدق. قال: فبالذي أرسلك، الله أمرك بهذا؟ قال: نعم. قال: وزعم رسولك أن علينا حج البيت من استطاع إليه سبيلاً. قال: صدق. قال: والذي بعثك بالحق لا أزيد عليهن ولا انتقص منهن. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لئن صدق ليدخلن الجنة ". تفسير : وأخرج البخاري ومسلم والنسائي عن أبي أيوب قال "حديث : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: دلني على عمل أعمله يدنيني من الجنة ويباعدني من النار. قال: تعبد الله لا تشرك به شيئاً، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصل ذا رحمك. فلما أدبر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن تمسك بما أمر به دخل الجنة ". تفسير : وأخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة "حديث : أن أعرابياً جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله دلني على عمل إذا عملته دخلت الجنة قال: تعبد الله لا تشرك به شيئاً، وتقيم الصلاة المكتوبة، وتؤدي الزكاة المفروضة، وتصوم رمضان. قال: والذي نفسي بيده لا أزيد على هذا شيئاً أبداً ولا أنقص منه، فلما ولى قال النبي صلى الله عليه وسلم: من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا ". تفسير : وأخرج مسلم عن جابر "حديث : أن رجلاً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أرأيت إذا صليت الصلوات المكتوبات، وصمت رمضان، وأحللت الحلال، وحرمت الحرام، ولم أزد على ذلك شيئاً، أدخل الجنة؟ قال: نعم. قال: والله لا أزيد على ذلك شيئاً ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم أبو داود والنسائي وابن ماجة عن ابن عباس "حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث معاذاً إلى اليمن فقال: إنك ستأتي قوماً أهل كتاب، فإذا جئتهم فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، فإن هم أطاعوا لذلك فاعلمهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لذلك فاعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم، فإن هم أطاعوا لذلك فإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب ". تفسير : وأخرج أبو داود وابن ماجة عن أبي قتادة بن ربعي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : قال الله تبارك وتعالى: إني افترضت على أمتك خمس صلوات، وعهدت عندي عهداً أنه من حافظ عليهن لوقتهن أدخلته الجنة في عهدي، ومن لم يحافظ عليهن فلا عهد له عندي ". تفسير : وأخرج أبو داود عن فضالة الليثي قال "حديث : أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعلمني، فكان فيما علمني أن قال: وحافظ على الصلوات الخمس في مواقيتهن ". تفسير : وأخرج مالك وابن أبي شيبة وأحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجة وابن حبان والبيهقي عن عبادة بن الصامت قال "حديث : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: خمس صلوات كتبهن الله تبارك وتعالى على العباد، فمن جاء بهن ولم يضيع منهن شيئاً استخفافاً بحقهنتفسير : ، وفي لفظ:حديث : من أحسن وضوءهن، وصلاتهن لوقتهن، وأتم ركوعهن وخشوعهن، كان له على الله تبارك وتعالى عهد أن يغفر له، ومن لم يفعل فليس له على الله عهد إن شاء غفر له وإن شاء عذبه ". تفسير : وأخرج النسائي والدارقطني والحاكم وصححه عن أنس قال: قال رجل "حديث : يا رسول الله كم افترض الله على عباده من الصلاة؟ قال: هل قبلهن أو بعدهن شيء؟ قال: افترض الله على عباده صلوات خمساً. فحلف الرجل بالله لا يزيد عليهن ولا ينقص. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن صدق دخل الجنة ". تفسير : وأخرج الحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي عن فضالة الزهراني قال "حديث : علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم حافظ على الصلوات الخمس. فقلت: إن هذه ساعات لي فيها اشتغال فمرني بأمر جامع إذا أنا فعلته اجزأ عني. فقال: حافظ على العصرين، وما كانت من لغتنا، فقلت: وما العصران؟ قال: صلاة قبل طلوع الشمس، وصلاة قبل غروبها ". تفسير : وأخرج مالك وأحمد والنسائي وابن خزيمة والحكم وصححه والبيهقي في شعب الإِيمان عن عامر بن سعيد قال "حديث : سمعت سعداً وناساً من الصحابة يقولون: كان رجلان أخوان في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان أحدهما أفضل من الآخر، فتوفي الذي هو أفضلهما، ثم عمر الآخر بعده أربعين ليلة، ثم توفي فذكروا لرسول الله صلى الله عليه وسلم فضيلة الأول، فقال: ألم يكن الآخر يصلي؟ قالوا: بلى، وكان لا بأس به. قال: فما يدريكم ما بلغت به صلاته؟ إنما مثل الصلاة كمثل نهر جار بباب رجل غمرٌ، عذبٌ يقتحم فيه كل يوم خمس مرات، فماذا ترون يبقى من درنه؟ لا تدرون ماذا بلغت به صلاته ". تفسير : وأخرج أحمد وابن ماجة وابن حبان والبيهقي في الشعب عن أبي هريرة قال "حديث : كان رجلان من بني حي من قضاعة أسلما مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاستشهد أحدهما وأخر الآخر سنة، قال طلحة بن عبيد الله: فرأيت المؤخر منهما أدخل الجنة قبل الشهيد، فتعجبت لذلك فاصبحت، فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أليس قد صام بعده رمضان، وصلى ستة آلاف ركعة، وكذا وكذا ركعة صلاة سنة؟ ". تفسير : وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد المسند والبزار وأبو يعلى عن عثمان بن عفان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : من علم أن الصلاة حق واجب دخل الجنة ". تفسير : وأخرج الطبراني في الأوسط عن عائشة أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : إن الله افترض على العباد خمس صلوات في كل يوم وليلة ". تفسير : وأخرج أبو يعلى عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم"حديث : إن أول ما افترض الله على الناس من دينهم الصلاة، وآخر ما يبقى الصلاة، وأول ما يحاسب به الصلاة، يقول الله: انظروا في صلاة عبدي، فإن كانت تامة كتبت تامة، وإن كانت ناقصة قال: انظروا هل له من تطوّع؟ فإن وجد له تطوّع تمت الفريضة من التطوّع، ثم يقول:انظروا هل زكاته تامة؟ فإن وجدت زكاته تامة كتبت تامة، وإن كانت ناقصة قال: انظروا هل له صدقة؟ فإن كانت له صدقة تمت زكاته من الصدقة ". تفسير : وأخرج أحمد والطبراني والبيهقي في الشعب عن حنظلة الكاتب قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"حديث : من حافظ على الصلوات : ركوعهن، وسجودهن، ومواقيتهن، وعلم أنهن حق من عند الله، دخل الجنة ". تفسير : وأخرج الطبراني في الأوسط عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة الصلاة، فإن صلحت صلح له سائر عمله، وإن فسدت فسد سائر عمله ". تفسير : وأخرج أحمد وابن حبان والطبراني عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : أنه ذكر الصلاة يوماً فقال: من حافظ عليها كانت له نوراً وبرهاناً ونجاة يوم القيامة، ومن لم يحافظ عليها لم يكن له نور ولا برهان ولا نجاة، وكان يوم القيامة مع فرعون وهامان وأبي بن خلف ". تفسير : وأخرج البزار عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : لا سهم في الإِسلام لمن لا صلاة له، ولا صلاة لمن لا وضوء له ". تفسير : وأخرج الطبراني في الأوسط عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا صلاة لمن لا طهور له، ولا دين لمن لا صلاة له، إنما موضع الصلاة من الدين كموضع الرأس من الجسد ". تفسير : وأخرج الطبراني في الأوسط عن عائشة قالت: قال أبو القاسم صلى الله عليه وسلم "حديث : من جاء بصلاة الخمس يوم القيامة قد حافظ على وضوئها، ومواقيتها، وركوعها، وسجودها، لم ينقص منها شيئاً، جاء وله عند الله عهد أن لا يعذبه، ومن جاء قد انتقص منهن شيئاً فليس له عند الله عهد، إن شاء رحمه وإن شاء عذبه ". تفسير : وأخرج الطبراني في الأوسط عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : ثلاث من حفظهن فهو ولي حقاً، ومن ضيعهن فهو عدوّ حقاً: الصلاة، والصيام، والجنابة ". تفسير : وأخرج الطبراني في الأوسط عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال لمن حوله من أمته: "حديث : اكفلوا لي بست أكفل لكم بالجنة. قلت: ما هي يا رسول الله؟ قال: الصلاة، والزكاة، والأمانة، والفرج، والبطن، واللسان ". تفسير : وأخرج الطبراني في الأوسط عن أبي هريرة "حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعائشة: اهجري المعاصي فإنها خير الهجرة، وحافظي على الصلوات فانها أفضل البر ". تفسير : وأخرج الطبراني في الأوسط عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : من صلى الصلوات لوقتها، وأسبغ لها وضوءها، وأتم لها قيامها، وخشوعها، وركوعها، وسجودها، خرجت وهي بيضاء مسفرة تقول: حفظك الله كما حفظتني، ومن صلى لغير وقتها، ولم يسبغ لها وضوءها، ولم يتم لها خشوعها، ولا ركوعها، ولا سجودها، خرجت وهي سوداء مظلمة تقول: ضيعك الله كما ضيعتني. حتى إذا كانت حيث شاء الله لفت كما يلف الثوب الخلق ثم يضرب بها وجهه ". تفسير : وأخرج محمد والطبراني وابن مردويه عن كعب بن عجرة قال "حديث : خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن ننتظر صلاة الظهر فقال: هل تدرون ما يقول ربكم؟ قلنا: لا. قال: فإن ربكم يقول: من صلى الصلوات لوقتها، وحافظ عليها، ولم يضيعها استخفافاً بحقها فله عليّ عهد أن أدخله الجنة، ومن لم يصلها لوقتها ولم يحافظ عليها وضيعها استخفافاً بحقها فلا عهد له علي، إن شئت عذبته وإن شئت غفرت له ". تفسير : وأخرج الطبراني والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج على أصحابه يوماً فقال لهم: "حديث : هل تدرون ما يقول ربكم تبارك وتعالى؟ قالوا: الله ورسوله أعلم! قالها ثلاثاً. قال: قال: وعزتي وجلالي، لا يصليها عبد لوقتها إلا أدخلته الجنة، ومن صلاها لغير وقتها إن شئت رحمته وإن شئت عذبته ". تفسير : وأخرج البزار والطبراني عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إذا توضأ العبد فأحسن الوضوء، ثم قام إلى الصلاة فأتم ركوعها، وسجودها، والقراءة فيها. قالت: حفظك الله كما حفظتني ثم أصعد بها إلى السماء ولها ضوء ونور، وفتحت لها أبواب السماء، وإذا لم يحسن العبد الوضوء، ولم يتم الركوع، والسجود، والقراءة، قالت: ضيعك الله كما ضيعتني، ثم أصعد بها إلى السماء وعليها ظلمة، وغلقت أبواب السماء، ثم تلف كما يلف الثوب الخلق، ثم يضرب بها وجه صاحبها ". تفسير : وأخرج أحمد وابن حبان عن عبد الله بن عمرو "حديث : أن رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله عن أفضل الأعمال، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الصلاة. قال: ثم مه؟ قال: ثم الصلاة. قال: ثم مه؟ قال: ثم الصلاة ثلاث مرات. قال: ثم مه؟ قال: ثم الجهاد في سبيل الله. قال الرجل: فإن لي والدين، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: آمرك بالوالدين خيراً ". تفسير : وأخرج الطبراني عن طارق بن شهاب أنه بات عند سلمان لينظر ما اجتهاده، فقام يصلي من آخر الليل فكأنه لم ير الذي كان يظن، فذكر ذلك له فقال سلمان: حافظوا على هذه الصلوات الخمس فإنهن كفارات لهذه الجراحات ما لم يصب المقتلة، فإذا صلى الناس العشاء صدروا عن ثلاث منازل، منهم من عليه ولا له، ومنهم من له ولا عليه، ومنهم من لا له ولا عليه، فرجل اغتنم ظلمة الليل وغفلة الناس فركب فرسه في المعاصي فذلك عليه ولا له، ومن له ولا عليه فرجل اغتنم ظلمة الليل وغفلة الناس فقام يصلي فذلك له ولا عليه، ومنهم من لا له ولا عليه فرجل صلى ثم نام فذلك لا له ولا عليه، إياك والحقحقة، وعليك بالقصد وداوم. وأخرج الطبراني عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : خمس من جاء بهن مع إيمان دخل الجنة. من حافظ على الصلوات الخمس: على وضوئهن، وركوعهن، وسجودهن، ومواقيتهن، وصام رمضان، وحج البيت إن استطاع إليه سبيلاً، واعطى الزكاة طيبة بها نفسه، وأدى الأمانة، قيل: يا نبي الله وما اداء الأمانة؟ قال: الغسل من الجنابة، لأن الله لم يأمن ابن آدم على شيء من دينه غيرها ". تفسير : وأخرج أحمد عن عائشة "حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ثلاث أحلف عليهن لا يجعل الله من له سهم في الإِسلام كمن لا سهم له، وأسهم الإِسلام ثلاثة: الصلاة، والصوم، والزكاة ". تفسير : وأخرج الدارمي عن جابر بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : مفتاح الجنة الصلاة ". تفسير : وأخرج الديلمي عن علي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : الصلاة عماد الدين ". تفسير : وأخرج البيهقي في الشعب عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : الصلاة ميزان، فمن أوفى استوفى ". تفسير : وأخرج البيهقي في الشعب عن عمر قال: جاء رجل فقال "حديث : يا رسول الله أي شيء أحب عند الله في الإِسلام؟ قال: الصلاة لوقتها، ومن ترك الصلاة فلا دين له، والصلاة عماد الدين ". تفسير : وأخرج ابن ماجة وابن حبان والحاكم وصححه والبيهقي في سننه عن ثوبان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : استقيموا ولن تحصوا، واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة، ولن يحافظ على الوضوء إلا مؤمن ". تفسير : وأخرج الحاكم وصححه عن أبي هرير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : من حافظ على هؤلاء الصلوات المكتوبات لم يكتب من الغافلين، ومن قرأ في ليلة مائة آية كتب من القانتين ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن مسروق قال: من حافظ على هؤلاء الصلوات لم يكتب من الغافلين، فإن في إفراطهن الهلكة. وأخرج مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة عن ابن مسعود قال: من سره أن يلقى الله غداً مسلماً فليحافظ على هؤلاء الصلوات حيث ينادى بهن. ولفظ أبي داود: حافظوا على الصلوات الخمس حيث ينادى بهن، فإنهن من سنن الهدى، وإن الله تبارك وتعالى شرع لنبيه سنن الهدى، ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق بين النفاق، ولقد رأيتنا وأن الرجل ليهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف وما منكم من أحد إلا وله مسجد في بيته، ولو صليتم في بيوتكم وتركتم مساجدكم تركتم سنة نبيكم، ولو تركتم سنة نبيكم لكفرتم. وأخرج الترمذي وحسنه والنسائي وابن ماجة والحاكم وصححه عن أبي هريرة قال "حديث : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة من عمله صلاته، فإن صلحت فقد أفلح وأنجح، وإن فسدت فقد خاب وخسر، وإن انتقص من فريضته قال الرب: انظروا هل لعبدي من تطوع فيكمل بها ما انتقص من الفريضة؟ ثم يكون سائر عمله على ذلك ". تفسير : وأخرج ابن ماجة والحاكم عن تميم الداري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة صلاته، فإن كان أكملها كتبت له كاملة، وإن لم يكن أكملها قال الله تعالى لملائكته: انظروا هل تجدون له من تطوّع فاكملوا به ما ضيع من فريضته؟ ثم الزكاة مثل ذلك، ثم تؤخذ الأعمال على حسب ذلك ". تفسير : وأخرج الطبراني عن النعمان بن نوفل "حديث : أنه جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أرأيت إذا صليت المكتوبة، وصمت رمضان، وحرمت الحرام، وأحللت الحلال، ولم أزد على ذلك، أأدخل الجنة؟ قال: نعم. قال: والله لا أزيد على ذلك شيئا ". تفسير : وأخرج الطبراني عن ابن عباس قال "حديث : جاء أعرابي من بني سعد بن بكر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: من خلقك؟ ومن خلق من قبلك؟ ومن هو خالق من بعدك؟ قال: الله. قال: فناشدتك بذلك أهو أرسلك؟ قال: نعم. قال: من خلق السموات السبع، والأرضين السبع، وأجرى بينهن الرزق؟ قال: الله. قال: فنشدتك بذلك أهو أرسلك؟ قال: نعم. قال: فإنا قد وجدنا في كتابك وأمرتنا رسلك أن نصلي بالليل والنهار خمس صلوات لمواقيتها، فنشدتك بذلك أهو أمرك؟ قال: نعم. قال: فإنا قد وجدنا في كتابك وأمرتنا رسلك أن نأخذ من حواشي أموالنا فنجعله في فقرائنا، فنشدتك بذلك أهو أمرك؟ قال: نعم. قال: والذي بعثك بالحق لاعملن بها ومن أطاعني من قومي. فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال: لئن صدق ليدخلن الجنة ". تفسير : وأخرج أحمد والطبراني عن أبي الطفيل عامر بن واثلة "حديث : أن رجلاً مر على قوم فسلم عليهم، فردوا عليه السلام، فلما جاوزهم قال رجل منهم: والله إني لأبغض هذا في الله. فقال أهل المجلس: بئس والله ما قلت، أما والله لننبئنه، قم يا فلان فأخبره، فأدركه رسولهم فأخبره بما قال: فانصرف الرجل حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله مررت بمجلس من المسلمين فيهم فلان، فسلمت عليهم فردوا السلام، فلما جاوزتهم أدركني رجل منهم فأخبرني أن فلاناً قال: والله إني لأبغض هذا الرجل في الله، فادعه يا رسول الله فاسأله عمّ يبغضني؟ فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسأله عما أخبره الرجل، فاعترف بذلك قال: فلم تبغضه؟ فقال: أنا جاره، وأنا به خابر، والله ما رأيته يصلي قط إلا هذه الصلاة المكتوبة التي يصليها البر والفاجر. قال: سله يا رسول الله هل رآني قط أخرتها عن وقتها، أو أسأت الوضوء لها، أو أسأت الركوع والسجود فيها؟ فسأله رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: لا. قال: والله ما رأيته يصوم قط إلا هذا الشهر الذي يصومه البر والفاجر. قال: سله يا رسول الله هل رآني قط فرطت فيه أو انتقصت من حقه شيئاً؟ فسأله رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا. ثم قال: والله ما رأيته يعطي سائلاً قط، ولا رأيته ينفق من ماله شيئاً في شيء من سبيل الله إلا هذه الصدقة التي يؤديها البر والفاجر. قال: فسله يا رسول الله هل كتمت من الزكاة شيئاً قط، أو ما كست فيها طالبها؟ فسأله رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: قم إن أدري لعله خير منك ". تفسير : وأخرج البزار والطبراني عن مالك الأشجعي عن أبيه قال "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أسلم الرجل أول ما يعلمه الصلاة". وأخرج ابن أبي شيبة والطبراني عن ابن عباس أن أعرابياً أتاه فقال: إنا أناس من المسلمين، وههنا أناس من المهاجرين يزعمون أنا لسنا على شيء. فقال ابن عباس: قال نبي الله صلى الله عليه وسلم"حديث : من أقام الصلاة، وآتى الزكاة، وحج البيت، وصام رمضان، وقرى الضيف، دخل الجنة ". تفسير : وأخرج الطبراني عن ابن مسعود "أنه سئل أي درجات الإِسلام أفضل؟ قال: الصلاة. قيل: ثم أي؟ قال: الزكاة". وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف عن ابن مسعود. أنه سئل أي درجات الأعمال أفضل؟ قال: الصلاة، ومن لم يصل فلا دين له. وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : بين الرجل وبين الكفر ترك الصلاة ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وأبو داود والترمذي وصححه والنسائي وابن ماجة وابن حبان والحاكم وصححه عن بريدة "حديث : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر ". تفسير : وأخرج محمد بن نصر المروزي في كتاب الصلاة والطبراني عن عبادة بن الصامت قال: "حديث : أوصاني خليلي رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبع خلال. فقال: لا تشركوا بالله شيئاً وإن قطعتم أو حرقتم أو صلبتم، ولا تتركوا الصلاة متعمدين فمن تركها متعمداً فقد خرج من الملة، ولا تركبوا المعصية فإنها تسخط الله، ولا تشربوا الخمر فإنها رأس الخطايا كلها ". تفسير : وأخرج الترمذي والحاكم عن عبد الله بن شقيق العقيلي عن أبي هريرة قال: كان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم لا يرون شيئاً من الأعمال تركه كفراً غير الصلاة. وأخرج الطبراني عن ثوبان "حديث : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: بين العبد وبين الكفر والايمان الصلاة، فإن تركها فقد أشرك ". تفسير : وأخرج البزار والطبراني عن ابن عباس "حديث : أنه لما اشتكى بصره قيل له نداويك وتدع الصلاة أياماً؟ قال: لا، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من ترك الصلاة لقي الله وهو عليه غضبان ". تفسير : وأخرج ابن ماجة ومحمد بن نصر المروزي والطبراني في الأوسط عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : ليس بين العبد والشرك إلا ترك الصلاة، فإن تركها متعمداً فقد أشرك ". تفسير : وأخرج أبو يعلى عن ابن عباس رفعه قال: حديث : عرا الإِسلام وقواعد الدين ثلاثة عليهن أسس الإِسلام، من ترك واحدة منهن فهو كافر حلال الدم: شهادة أن لا إله إلا الله، والصلاة المكتوبة، وصوم رمضان . تفسير : وأخرج أحمد والطبراني عن معاذ بن جبل قال "حديث : أوصاني رسول الله صلى الله عليه وسلم بعشر كلمات. قال: لا تشرك بالله شيئاً وإن قتلت وحرقت، ولا تعقن والديك وان أمراك أن تخرج من أهلك ومالك، ولا تتركن صلاة مكتوبة متعمداً فإنه من ترك صلاة مكتوبة متعمداً فقد برئت منه ذمة الله، ولا تشربن الخمر فإنه رأس كل فاحشة، وإياك والمعصية فإن بالمعصية جل سخط الله، وإياك والفرار من الزحف وإن هلك الناس وان أصاب الناس موت فاثبت، وانفق على أهلك من طولك، ولا ترفع عنهم عصاك أدباً وأخفهم في الله ". تفسير : وأخرج الطبراني عن أميمة مولاة رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت "حديث : كنت أصب على رسول الله صلى الله عليه وسلم وضوءه، فدخل رجل فقال: أوصني. فقال: لا تشرك بالله شيئاً وان قطعت أو حرقت، ولا تعص والديك وان أمراك أن تخلي من أهلك ودنياك فتخله، ولا تشربن خمراً فانها مفتاح كل شر، ولا تتركن صلاة متعمداً فمن فعل ذلك فقد برئت منه ذمة الله ورسوله ". تفسير : وأخرج ابن سعد عن سماك "أن ابن عباس سقط في عينيه الماء فذهب بصره، فأتاه هؤلاء الذين يثقبون العيون ويسيلون الماء فقالوا: خل بيننا وبين عينيك نسيل ماءهما ولكنك تمسك خمسة أيام لا تصلي الا على عود. قال: لا والله ولا ركعة واحدة، إني حدثت أن من ترك صلاة واحدة متعمداً لقي الله وهو عليه غضبان". وأخرج ابن حبان عن بريدة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : بكروا بالصلاة في يوم الغيم، فإنه من ترك الصلاة فقد كفر ". تفسير : وأخرج أحمد عن زياد بن نعيم الحضرمي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : أربع فرضهن الله في الإِسلام، فمن أتى بثلاث لم يغنين عنه شيئاً حتى يأتي بهن جميعاً: الصلاة، والزكاة، وصيام رمضان، وحج البيت ". تفسير : وأخرج الأصبهاني في الترغيب عن عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : من ترك الصلاة متعمداً أحبط الله عمله، وبرئت منه ذمة الله حتى يراجع إلى الله عز وجل توبة ". تفسير : وأخرج أحمد والبيهقي عن أم أيمن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : لا تترك الصلاة متعمداً، فإنه من ترك الصلاة متعمداً فقد برئت منه ذمة الله ورسوله ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة في كتاب الإِيمان وفي المصنف والبخاري في تاريخه عن علي قال: من لم يصل فهو كافر. وفي لفظ: فقد كفر. وأخرج محمد بن نصر وابن عبد البر عن ابن عباس قال: من ترك الصلاة فقد كفر. وأخرج ابن أبي شيبة ومحمد بن نصر والطبراني عن ابن مسعود قال: من ترك الصلاة فلا دين له. وأخرج ابن عبد البر عن جابر بن عبد الله قال: من لم يصل فهو كافر. وأخرج ابن عبد البر عن أبي الدرداء قال: لا إيمان لمن لا صلاة له، ولا صلاة لمن لا وضوء له. وأخرج الطبراني عن ابن مسعود قال: من ترك الصلاة كفر. وأخرج مالك والطبراني في الأوسط عن عروة. أن عمر بن الخطاب أوقظ للصلاة وهو مطعون، فقالوا: الصلاة يا أمير المؤمنين. فقال: هالله!... إذن؟ ولا حق في الإِسلام لمن ترك الصلاة، فصلى وإن جرحه ليثعب دماً. وأخرج مالك عن نافع. أن عمر بن الخطاب كتب إلى عماله: إن أهم أموركم عندي الصلاة، من حفظها أو حافظ عليها حفظ دينه، ومن ضيعها فهو لما سواها أضيع. وأخرج النسائي وابن حبان عن نوفل بن معاوية أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : من فاتته صلاة فكأنما وتر أهله وماله ". تفسير : وأخرج الترمذي والحاكم عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : من جمع بين صلاتين من غير عذر فقد أتى باباً من أبواب الكبائر ". تفسير : وأخرج الطبراني عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم"حديث : نهيت عن قتل المصلين ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وأبو يعلى عن أبي بكر الصديق قال "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ضرب المصلين". وأخرج أحمد والبيهقي في الشعب عن أبي أمامة قال: حديث : جاء علي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا نبي الله ادفع إلينا خادماً. قال: اذهب فإن في البيت ثلاثة فخذ أحد الثلاثة. فقال: يا نبي الله اختر لي. فقال: اختر لنفسك قال: يا نبي الله اختر لي. قال: اذهب فإن في البيت ثلاثة: منهم غلام قد صلى فخذه ولا تضربه، فإنا قد نهينا عن ضرب أهل الصلاة ". تفسير : وأخرج أبو يعلى عن أم سلمة "حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم أتاه أبو الهيثم بن التيهان فاستخدمه، فوعده النبي صلى الله عليه وسلم إن أصابا سبياً، ثم جاء فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: قد أصبنا غلامين اسودين اختر أيهما شئت. قال: فإني استشيرك. قال: خذ هذا فقد صلى عندنا ولا تضربه، فإنا قد نهينا عن ضرب المصلين ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم وابن ماجة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبواً، ولقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام، ثم آمر رجلاً فيصلي بالناس، ثم انطلق معي برجال معهم حزم من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم بالنار ". تفسير : وأخرج الطبراني عن أبي الدرداء حديث : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: اعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك، واعدد نفسك في الموتى، وإياك ودعوة المظلوم فانها تستجاب، ومن استطاع منكم أن يشهد الصلاتين العشاء والصبح ولو حبواً فليفعل ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة والبزار وابن خزيمة والطبراني والحاكم وصححه والبيهقي في الشعب عن ابن عمر قال: كنا إذا فقدنا الرجل في الفجر و العشاء أسأنا به الظن. وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وأبو داود وابن خزيمة وابن حبان والحاكم عن أبي بن كعب قال: "حديث : صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً الصبح فقال: أشاهد فلان؟ قالوا: لا. قال: اشاهد فلان؟ قالوا: لا. قال: إن هاتين الصلاتين أثقل الصلوات على المنافقين، ولو تعلمون ما فيهما لأتيتموها ولو حبواً على الركب ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة والنسائي وابن ماجة عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : لو يعلم الناس ما في صلاة العشاء وصلاة الفجر لأتوهما ولو حبواً ". تفسير : وأخرج الطبراني عن الحرث بن وهب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : لن تزال أمتي على الإِسلام ما لم يؤخروا المغرب حتى تشتبك النجوم مضاهاة اليهود، وما لم يؤخروا الفجر مضاهاة النصارى ". تفسير : وأخرج الطبراني عن الصنابحي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم"حديث : لا تزال أمتي في مسكة من دينها ما لم ينتظروا بالمغرب اشتباك النجوم مضاهاة اليهود، وما لم يؤخروا الفجر مضاهاة النصرانية ". تفسير : وأخرج البخاري ومسلم والبيهقي عن أبي موسى الأشعري حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من صلى البردين دخل الجنة ". تفسير : وأخرج مسلم والبيهقي عن جندب بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : من صلى الصبح فهو في ذمة الله، فلا يطلبنكم الله في ذمته بشيء فإنه من يطلبه من ذمته بشيء يدركه، ثم يكبه على وجهه في نار جهنم ". تفسير : وأخرج مسلم والترمذي والبيهقي عن جندب بن سفيان عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : من صلى الصبح فهو في ذمة الله، فلا تخفروا الله في ذمته ". تفسير : وأخرج أحمد والبزار والطبراني في الأوسط عن ابن عمر حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من صلى الصبح فهو في ذمة الله، فلا تخفروا الله في ذمته، فإنه من أخفر ذمته طلبه تبارك وتعالى حتى يكبه على وجهه ". تفسير : وأخرج البزار وأبو يعلى والطبراني في الأوسط عن أنس قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : من صلى الغداة فهو في ذمة الله، فإياكم أن يطلبكم الله بشيء من ذمته ". تفسير : وأخرج الطبراني عن أبي بكرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : من صلى الصبح فهو في ذمة الله، فمن أخفر ذمة الله كبه الله في النار لوجهه ". تفسير : وأخرج الطبراني عن أبي مالك الأشجعي عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : من صلى الصبح فهو في ذمة الله وحسابه على الله ". تفسير : وأخرج مالك وابن أبي شيبة والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن خزيمة والبيهقي في سننه عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : إن الذي تفوته صلاة العصر كأنما وتر أهله وماله ". تفسير : أخرج الشافعي عن نوفل بن معاوية الديلمي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : من فاتته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري والنسائي وابن ماجة والبيهقي عن بريدة قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله ". تفسير : وأخرج أحمد عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : من ترك صلاة العصر متعمداً فقد حبط عمله ". تفسير : وأخرج مسلم والنسائي والبيهقي عن أبي بصرة الغفاري قال حديث : صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم العصر بالمخمص، ثم قال: إن هذه الصلاة عرضت على من كان قبلكم فضيعوها، فمن حافظ عليها كان له أجره مرتين، ولا صلاة بعدها حتى يطلع الشاهد، والشاهد النجم ". تفسير : وأخرج الطبراني عن أبي أيوب قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : إن هذه الصلاة - يعني العصر - فرضت على من كان قبلكم فضيعوها، فمن حافظ عليها أعطي أجرها مرتين، ولا صلاة بعدها حتى يرى الشاهد، يعني النجم ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : من ترك العصر حتى تغيب الشمس من غير عذر فكأنما وتر أهله وماله ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن نوفل بن معاوية قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : إن من الصلاة صلاة، من فاتته فكأنما وتر أهله وماله. قال ابن عمر: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: هي صلاة العصر ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي الدرداء قال: من ترك العصر حتى تفوته من غير عذر فقد حبط عمله. وأخرج ابن ماجة والحاكم وصححه والبيهقي في سننه عن العباس بن عبد المطلب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : لا تزال أمتي على الفطرة ما لم يؤخروا المغرب حتى تشتبك النجوم ". تفسير : وأخرج أحمد والطبراني والبيهقي في سننه عن السائب بن يزيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : لا تزال أمتي على الفطرة ما صلوا المغرب قبل طلوع النجم ". تفسير : وأخرج الحاكم وصححه عن أبي أيوب "حديث : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا تزال أمتي بخير، أو على الفطرة ما لم يؤخروا المغرب حتى تشتبك النجوم" ". تفسير : وأخرج الطبراني في الأوسط عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : أفضل الصلاة صلاة المغرب، ومن صلى بعدها ركعتين بنى الله له بيتاً في الجنة ". تفسير : وأخرج ابن سعد والبخاري ومسلم عن أبي موسى قال خرج النبي صلى الله عليه وسلم ليلة لصلاة العشاء فقال: "حديث : أبشروا إن من نعمة الله عليكم أنه ليس أحد من الناس يصلي هذه الصلاة غيركم، أو قال: ما صلى هذه الساعة أحد غيركم ". تفسير : وأخرج الطبراني عن المنكدر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه خرج ليلة لصلاة العشاء فقال: "حديث : أما إنها صلاة لم يصلها أحد ممن كان قبلكم من الأمم ". تفسير : وأخرج الطبراني عن ابن عباس"حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج ليلة لصلاة العشاء فقال لهم: ما صلى صلاتكم هذه أمة قط قبلكم ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وأبو داود والبيهقي في سننه عن معاذ قال بقينا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لصلاة العتمة ليلة، فتأخر بها حتى ظن الظان أن قد صلى، أو ليس بخارج فقال لنا صلى الله عليه وسلم: "حديث : اعتموا بهذه الصلاة، فإنكم قد فضلتم بها على سائر الأمم، ولم تصلها أمة قبلكم ". تفسير : وأخرج أحمد عن الحسن عن أبي هريرة أراه عن النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : أن العبد المملوك ليحاسب بصلاته، فإذا نقص منها قيل له: لم نقصت منها؟ فيقول: يا رب سلطت علي مليكاً شغلني عن صلاتي. فيقول: قد رأيتك تسرق من ماله لنفسك فهلا سرقت من عملك لنفسك؟ فتجب لله عز وجل عليه الحجة ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وأبو داود والترمذي وحسنه والحاكم وصححه عن عبد الملك بن الربيع بن سبرة عن أبيه عن جاره قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : مروا الصبي بالصلاة إذا بلغ سبع سنين، فإذا بلغ عشر سنين فاضربوه عليها ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وأبو داود والحاكم عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر سنين، وفرقوا بينهم في المضاجع ". تفسير : وأخرج أبو داود عن رجل من الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل متى يصلي الصبي؟ فقال: "حديث : إذا عرف يمينه من شماله فمروه بالصلاة ". تفسير : وأخرج الطبراني في الأوسط عن عبد الله بن خبيب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : علموا أولادكم الصلاة إذا بلغوا سبعاً، واضربوهم عليها إذا بلغوا عشراً، وفرقوا بينهم في المضاجع ". تفسير : وأخرج الحرث بن أبي أسامة والطبراني عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إذا عرف الغلام يمينه من شماله فمروه بالصلاة ". تفسير : وأخرج البزار عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : مروهم بالصلاة لسبع سنين، واضربوهم عليها لثلاث عشرة ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة والطبراني عن ابن مسعود قال: "حافظوا على أبنائكم في الصلاة، وعوّدوهم الخير فإن الخير عادة". وأخرج أحمد والطبراني عن أبي الجوزاء قال: قلت للحسن بن علي: ما حفظت من النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: الصلوات الخمس. وأخرج ابن أبي شيبة عن محمد بن سيرين قال: نبئت أن أبا بكر وعمر كانا يعلمان الناس. تعبد الله ولا تشرك به شيئاً، وتقيم الصلاة التي افترضها الله لمواقيتها، فإن في تفريطها الهلكة. وأخرج ابن أبي شيبة عن جعفر بن برقان قال: كتب إلينا عمر بن عبد العزيز: أما بعد فإن عز الدين وقوام الإِسلام: الإِيمان بالله، واقام الصلاة، وايتاء الزكاة، فصلّ الصلاة لوقتها وحافظ عليها. وأما قوله تعالى: {والصلاة الوسطى} . أخرج ابن جرير عن سعيد بن المسيب قال: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مختلفين في الصلاة الوسطى هكذا، وشبك بين أصابعه. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن عمر. أنه سئل عن الصلاة الوسطى فقال: هي فيهن فحافظوا عليهن كلهن. وقال مالك في الموطأ: بلغني عن علي بن أبي طالب، وعبد الله بن عباس، كانا يقولان: الصلاة الوسطى صلاة الصبح. أخرجه البيهقي في سننه. وأخرج ابن جرير من طريق أبي العالية عن ابن عباس. أنه صلى الغداة في جامع البصرة، فقنت قبل الركوع وقال: هذه الصلاة الوسطى التي ذكرها الله في كتابه. فقال {حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين} . وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة في المصنف وابن الأنباري في المصاحف وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والبيهقي في سننه عن أبي رجاء العطاردي قال: صليت خلف ابن عباس الفجر، فقنت فيها ورفع يديه ثم قال: هذه الصلاة الوسطى التي أمرنا أن نقوم فيها قانتين. وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد من طريق عكرمة عن ابن عباس، أنه كان يقول: الصلاة الوسطى صلاة الصبح، تصلى في سواد الليل. وأخرج ابن عبد البر في التمهيد عن ابن عباس أنه كان يقول: الصلاة الوسطى صلاة الصبح، تصلى في سواد من الليل وبياض من النهار، وهي أكثر الصلوات تفوت الناس. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن الأنباري عن أبي العالية قال: صليت خلف عبد الله بن قيس زمن عمر صلاة الغداة، فقلت لرجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جانبي: ما الصلاة الوسطى؟ قال: هذه الصلاة. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن أبي العالية. أنه صلى مع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الغداة، فلما أن فرغوا قلت لهم: أيتهن الصلاة الوسطى؟ قالوا: التي صليتها قبل. وأخرج ابن جرير عن جابر بن عبد الله قال: الصلاة الوسطى صلاة الصبح. وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وإسحق بن راهويه وعبد بن حميد وابن المنذر والبيهقي في سننه من طرق عن ابن عمر قال: الصلاة الوسطى صلاة الصبح. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي أمامة، أنه سئل عن الصلاة الوسطى فقال: هي صلاة الصبح. وأخرجه ابن أبي شيبة في المصنف بلفظ فقال: لا أحسبها إلا الصبح. وأخرج ابن جرير والبيهقي من طريق جابر بن زيد عن ابن عباس قال: الصلاة الوسطى صلاة الفجر. وأخرج ابن أبي شيبة عن حيان الأزدي قال: سمعت ابن عمرو سئل عن الصلاة الوسطى، وقيل له: إن أبا هريرة يقول: هي العصر. فقال: إن أبا هريرة يكثر. إن ابن عمر يقول: هي الصبح. وأخرج سفيان بن عيينة عن طاوس قال: الصلاة الوسطى صلاة الصبح. وأخرج ابن أبي شيبة عن مجاهد وجابر بن زيد قالا: هي الصبح. وأخرج عبد الرزاق عن ابن جريج قال: سألت عطاء عن الصلاة الوسطى قال: أظنها الصبح، ألا تسمع لقوله {أية : وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهوداً}تفسير : [الإسراء: 78]. وأخرج عبد الرزاق عن طاوس وعكرمة قالا: هي الصبح، وسطت فكانت بين الليل والنهار. وأخرج الطبراني في الأوسط بسند رجاله ثقات عن ابن عمر، أنه سئل عن الصلاة الوسطى فقال: كنا نتحدث أنها الصلاة التي وجه فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى القبلة، الظهر. وأخرج عبد بن حميد عن مكحول "حديث : أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله عن الصلاة الوسطى فقال: هي أول صلاة تأتيك بعد صلاة الفجر ". تفسير : وأخرج أحمد والبخاري في تاريخه وأبو داود وابن جرير والطحاوي والروياني وأبو يعلى والطبراني والبيهقي من طريق الزبرقان عن عروة بن الزبير عن زيد بن ثابت "حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي الظهر بالهاجرة، وكانت أثقل الصلاة على أصحابه، فنزلت {حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى} قال: لأن قبلها صلاتين وبعدها صلاتين ". تفسير : وأخرج الطيالسي وابن أبي شيبة في المصنف والبخاري في تاريخه وابن أبي حاتم وأبو يعلى والروياني والضياء المقدسي في المختارة والبيهقي من طريق الزبرقان عن زهرة بن معبد قال: كنا جلوساً عند زيد بن ثابت، فأرسلوا إلى أسامة فسألوه عن الصلاة الوسطى؟ فقال: هي الظهر، كان النبي صلى الله عليه وسلم يصليها بالهجير. وأخرج أحمد وابن المنيع والنسائي وابن جرير والشاشي والضياء من طريق الزبرقان "حديث : أن رهطاً من قريش مر بهم زيد بن ثايت وهم مجتمعون، فارسلوا إليه غلامين لهم يسألانه عن الصلاة الوسطى؟ فقال: الظهر، ثم انصرفا إلى أسامة بن زيد فسألاه، فقال: هي الظهر، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي الظهر بالهجير، فلا يكون وراءه إلا الصف والصفان والناس في قائلتهم وتجارتهم، فأنزل الله {حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين} فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لينتهين رجال أو لأحرقن بيوتهم ". تفسير : وأخرج النسائي والطبراني من طريق الزهري عن سعيد بن المسيب قال "حديث : كنت مع قوم اختلفوا في الصلاة الوسطى وأنا أصغر القوم، فبعثوني إلى زيد بن ثابت لأسأله عن الصلاة الوسطى، فأتيته فسألته فقال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الظهر بالهاجرة والناس في قائلتهم وأسواقهم، فلم يكن يصلي وراء رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا الصف والصفان، فأنزل الله {حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين} فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لينتهين أقوام أو لأحرقن بيوتهم ". تفسير : وأخرج ابن جرير في تهذيبه من طريق عبد الرحمن بن أبان عن أبيه عن زيد بن ثابت في حديث يرفعه قال: حديث : الصلاة الوسطى صلاة الظهر . تفسير : وأخرج البيهقي وابن عساكر من طريق سعيد بن المسيب. أنه كان قاعداً وعروة بن الزبير، وإبراهيم بن طلحة، فقال سعيد بن المسيب: سمعت أبا سعيد الخدري يقول: الصلاة الوسطى هي صلاة الظهر. قال: فمر علينا ابن عمر فقال عروة: ارسلوا إلى ابن عمر فاسألوه. فأرسلنا إليه غلاماً فسأله، ثم جاء الرسول فقال: هي صلاة الظهر. فشككنا في قول الغلام، فقمنا جميعاً فذهبنا إلى ابن عمر، فسألناه فقال: هي صلاة الظهر. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن الأنباري في المصاحف والبيهقي من طريق قتادة عن سعيد بن المسيب عن ابن عمر عن زيد بن ثابت قال: الصلاة الوسطى صلاة الظهر. وأخرج مالك وعبد الرزاق وابن أبي شيبة وأحمد وعبد بن حميد والبخاري في تاريخه وابن جرير وابن المنذر من طرق عن زيد بن ثابت قال: الصلاة الوسطى صلاة الظهر. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن حرملة مولى زيد بن ثابت قال: تمارى زيد بن ثابت وأبي بن كعب في الصلاة الوسطى، فأرسلاني إلى عائشة أي صلاة هي؟ فقالت: الظهر. فكان زيد يقول: هي الظهر، فلا أدري عنها أخذه أو عن غيرها. وأخرج ابن المنذر من طرق أبي جعفر محمد بن علي بن حسين عن علي بن أبي طالب قال: الصلاة الوسطى الظهر. وأخرج ابن جرير وابن المنذر من طرق عن ابن عمر قال: صلاة الوسطى الظهر. وأخرج ابن جرير عن أبي سعيد الخدري قال: صلاة الظهر هي الصلاة الوسطى. وأخرج عبد الرزاق والبخاري في تاريخه وابن جرير وابن أبي داود في المصاحف عن أبي رافع مولى حفصة قال: استكتبتني حفصة مصحفاً فقالت: إذا أتيت على هذه الآية فتعال حتى أمليها عليك كما اقرئتها، فلما أتيت على هذه الآية {حافظوا على الصلوات} قالت: اكتب (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر) فلقيت أبي بن كعب فقلت: أبا المنذر، إن حفصة قالت: كذا وكذا. فقال: هو كما قالت: أو ليس أشغل ما نكون عند صلاة الظهر في عملنا ونواضحنا؟ وأخرج مالك وأبو عبيد وعبد بن حميد وأبو يعلى وابن جرير وابن الأنباري في المصاحف والبيهقي في سننه عن عمرو بن رافع قال: كنت أكتب مصحفاً لحفصة زوج النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: إذا بلغت هذه الآية فآذني {حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى} فلما بلغتها آذنتها، فأملت عليّ (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر وقوموا لله قانتين) وقالت: أشهد اني سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأخرج عبد الرزاق عن نافع. أن حفصة دفعت مصحفاً إلى مولى لها يكتبه، وقالت: إذا بلغت هذه الآية {حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى} فآذني، فلما بلغها جاءها فكتبت بيدها (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر). وأخرج مالك وأحمد وعبد بن حميد ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن جرير وابن أبي داود وابن الأنباري في المصاحف والبيهقي في سننه عن أبي يونس مولى عائشة قال: أمرتني عائشه أن أكتب لها مصحفاً، وقالت: إذا بلغت هذه الآية فآذني {حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى} فلما بلغتها آذنتها، فأملت عليّ (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر وقوموا لله قانتين) وقالت عائشة: سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن أبي داود في المصاحف وابن المنذر عن أم حميد بنت عبد الرحمن. أنها سألت عائشة عن الصلاة الوسطى؟ فقالت: كنا نقرأها في الحرف الأوّل على عهد النبي صلى الله عليه وسلم (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر وقوموا لله قانتين). وأخرج ابن أبي شيبة عن عكرمة قال: الصلاة الوسطى هي الظهر، قبلها صلاتان وبعدها صلاتان. وأخرج عبد الرزاق وابن أبي داود عن هشام بن عروة قال: قرأت في مصحف عائشة (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر وقوموا لله قانتين). وأخرج ابن الأنباري في المصاحف من طريق سليمان بن أرقم عن الحسن وابن سيرين وابن شهاب الزهري، وكان الزهري أشبعهم حديثاً قالوا: لما أسرع القتل في قراء القرآن يوم اليمامة قتل معهم يومئذ أربعمائة رجل، لقي زيد بن ثابت عمر بن الخطاب فقال له: إن هذا القرآن هو الجامع لديننا، فإن ذهب القرآن ذهب ديننا، وقد عزمت على أن أجمع القرآن في كتاب. فقال له: انتظر حتى نسأل أبا بكر، فمضيا إلى أبي بكر فأخبراه بذلك. فقال: لا تعجل حتى اشاور المسلمين، ثم قام خطيباً في الناس فأخبرهم بذلك، فقالوا: أصبت. فجمعوا القرآن، وأمر أبو بكر منادياً فنادى في الناس: من كان عنده من القرآن شيء فليجيء به. قالت: حفصة: إذا انتهيتم إلى هذه الآية فاخبروني {حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى} فلما بلغوا إليها قالت: اكتبوا (والصلاة الوسطى وهي صلاة العصر) فقال لها عمر: ألك بهذا بينة؟ قالت: لا. قال: فوالله لا ندخل في القرآن ما تشهد به امرأة بلا اقامة بينة. وقال عبد الله بن مسعود: اكتبوا{أية : والعصر إن الإِنسان لفي خسر} تفسير : [العصر: 1] وأنه فيه إلى آخر الدهر" فقال عمر: نحوا عنا هذه الاعرابية. وأخرج ابن أبي داود في المصاحف من طريق نافع عن ابن عمر عن حفصة أنها قالت لكاتب مصحفها: إذا بلغت مواقيت الصلاة فأخبرني حتى أخبرك ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما أخبرها قالت: اكتب، إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر". وأخرج وكيع وابن أبي شيبة في المصنف وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي داود في المصاحف وابن المنذر عن عبد الله بن رافع عن أم سلمة. أنها أمرته أن يكتب لها مصحفاً، فلما بلغت {حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى} قالت: اكتب (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر وقوموا لله قانتين). وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي داود والبيهقي في سننه من طريق عمير بن مريم، أنه سمع ابن عباس قرأ هذا الحرف "حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر". وأخرج عبد بن حميد ومسلم وأبو داود في ناسخه وابن جرير والبيهقي عن البراء بن عازب قال: نزلت (حافظوا على الصلوات العصر) فقرأناها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ما شاء الله، ثم نسخها الله فأنزل {حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى} فقيل له: هي إذن صلاة العصر؟ فقال قد حدثتك كيف نزلت، وكيف نسخها الله والله أعلم. وأخرج البيهقي عن البراء قال: قرأناها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أياماً (حافظوا على الصلوات وصلاة العصر) ثم قرأناها {حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى} فلا أدري أهي هي أم لا. وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وأحمد وعبد بن حميد والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي عن زر قال: قلت لعبيدة: سل علياً عن صلاة الوسطى. فسأله فقال: كنا نراها الفجر، حتى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يوم الأحزاب"حديث : شغلونا عن صلاة الوسطى صلاة العصر، ملأ الله قبورهم وأجوافهم ناراً ". تفسير : وأخرج ابن جرير من وجه آخر عن زر قال: "حديث : انطلقت أنا وعبيدة السلماني إلى علي، فأمرت عبيدة أن يسأله عن الصلاة فسأله فقال: كنا نراها صلاة الصبح، فبينما نحن نقاتل أهل خيبر فقاتلوا حتى ارهقونا عن الصلاة، وكان قبيل غروب الشمس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "اللهم املأ قلوب هؤلاء القوم الذين شغلونا عن الصلاة الوسطى وأجوافهم ناراً"، فعرفنا يومئذ أنها الصلاة الوسطى ". تفسير : وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد ومسلم والنسائي والبيهقي عن شتير بن شكل قال: "حديث : سألت علياً عن الصلاة الوسطى فقال: كنا نرى أنها الصبح حتى سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول يوم الأحزاب "ملأ الله بيوتهم وقبورهم ناراً كما شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غابت الشمس"، ولم يكن صلى يومئذ الظهر والعصر حتى غابت الشمس ". تفسير : وأخرج عبد الرزاق عن علي قال: هي العصر. وأخرج الدمياطي في كتاب الصلاة الوسطى من طريق الحسن البصري عن علي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : الصلاة الوسطى صلاة العصر ". تفسير : وأخرج عبد بن حميد ومسلم والترمذي وابن ماجة وابن جرير وابن المنذر والبيهقي عن ابن مسعود قال "حديث : حبس المشركون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صلاة العصر حتى احمرت الشمس أو اصفرت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر ملأ الله أجوافهم وقبورهم ناراً ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة والترمذي وابن حبان من طرق عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم"حديث : الصلاة الوسطى صلاة العصر ". تفسير : وأخرج ابن جرير وابن المنذر والطبراني من طريق مقسم وسعيد بن جبير عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يوم الخندق"حديث : شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غابت الشمس، ملأ الله قبورهم وأجوافهم ناراً ". تفسير : وأخرج عبد بن حميد وابن جرير من طريق عكرمة عن ابن عباس قال: "حديث : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزاة له فحبسه المشركون عن صلاة العصر حتى مسى بها، فقال "اللهم املأ بيوتهم وأجوافهم ناراً كما حبسونا عن الصلاة الوسطى ". تفسير : وأخرج الطبراني عن ابن عباس "حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نسي الظهر والعصر يوم الأحزاب؛ فذكر بعد المغرب فقال: اللهم من حبسنا عن الصلاة الوسطى فاملأ بيوتهم ناراً ". تفسير : وأخرج البزار بسند صحيح عن جابر "حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يوم الخندق: ملأ الله بيوتهم وقبورهم ناراً كما شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غابت الشمس ". تفسير : وأخرج البزار بسند صحيح عن حذيفة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب"حديث : شغلونا عن الصلاة الوسطى ملأ الله بيوتهم وقبورهم ناراً ". تفسير : وأخرج الطبراني بسند صحيح عن أم سلمة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : شغلونا عن الصلاة الوسطى - صلاة العصر - ملأ الله أجوافهم وقلوبهم ناراً ". تفسير : وأخرج ابن منده عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : الموتور أهله وماله من وتر الصلاة الوسطى في جماعة، وهي صلاة العصر ". تفسير : وأخرج أحمد وابن جرير والطبراني عن سمرة حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وسماها لنا، وإنما هي صلاة العصر ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وعبد بن حميد والترمذي وصححه وابن جرير والطبراني والبيهقي عن سمرة حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: الصلاة الوسطى صلاة العصر ". تفسير : وأخرج الطبراني عن سمرة بن جندب قال "أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نحافظ على الصلوات كلهن، وأوصانا بالصلاة الوسطى، ونبأنا أنها صلاة العصر". وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد من طريق سالم عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إن الذي تفوته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله. قال: فكان ابن عمر يرى أنها الصلاة الوسطى ". تفسير : وأخرج ابن جرير والبيهقي من طريق أبي صالح وهو ميزان عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : الصلاة الوسطى صلاة العصر ". تفسير : وأخرج الطحاوي من طريق موسى بن وردان عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : الصلاة الوسطى صلاة العصر ". تفسير : وأخرج عبد الرزاق في المصنف والطحاوي عن عبد الرحمن بن لبيبة الطائفي. أنه سأل أبا هريرة عن الصلاة الوسطى؟ فقال: سأقرأ عليك القرآن حتى تعرفها، أليس يقول الله في كتابه {أية : أقم الصلاة لدلوك الشمس} تفسير : [الإِسراء: 78] الظهر {أية : إلى غسق الليل} تفسير : [الإِسراء: 78] المغرب {أية : ومن بعد صلاة العشاء ثلاث عورات لكم} تفسير : [النور: 58] لعتمة ويقول {أية : إن قرآن الفجر كان مشهوداً} تفسير : [الإِسراء: 78] الصبح، ثم قال {حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين} هي العصر هي العصر. وأخرج ابن سعد والبزار وابن جرير والطبراني والبغوي في معجمه عن كهيل بن حرملة قال "سئل أبو هريرة عن الصلاة الوسطى؟ فقال: اختلفنا فيها كما اختلفتم فيها ونحن بفناء بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفينا الرجل الصالح أبو هاشم بن عتبة بن عبد شمس، فقال: أنا أعلم لكم ذلك، فقام فاستأذن على رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل عليه، ثم خرج إلينا فقال: أخبرنا انها صلاة العصر". وأخرج ابن جرير عن إبراهيم بن يزيد الدمشقي قال "كنت جالساً عند عبد العزيز بن مروان فقال: يا فلان اذهب إلى فلان فقل له: أي شيء سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصلاة الوسطى؟ فقال رجل جالس: أرسلني أبو بكر وعمر وأنا غلام صغير أسأله عن الصلاة الوسطى، فأخذ أصبعي الصغيرة فقال: هذه الفجر، وقبض التي تليها وقال: هذه الظهر، ثم قبض الابهام فقال: هذه المغرب، ثم قبض التي تليها فقال: هذه العشاء، ثم قال: أي أصابعك بقيت؟ فقلت الوسطى. فقال: أي الصلاة بقيت؟ فقلت: العصر. فقال: هي العصر". وأخرج البزار بسند صحيح عن ابن عباس. أن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : الصلاة الوسطى صلاة العصر ". تفسير : وأخرج ابن جرير والطبراني عن أبي مالك الأشعري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : الصلاة الوسطى صلاة العصر ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن الحسن حديث : ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: الصلاة الوسطى صلاة العصر ". تفسير : وأخرج ابن جرير عن عروة قال: كان في مصحف عائشة "حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وهي صلاة العصر". وأخرج وكيع عن حميدة قالت: قرأت في مصحف عائشة (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى صلاة العصر). وأخرج ابن أبي داود عن قبيصة بن ذؤيب قال في مصحف عائشة: (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى والصلاة الوسطى صلاة العصر). وأخرج سعيد بن منصور وأبو عبيد عن زياد بن أبي مريم. أن عائشة أمرت بمصحف لها أن يكتب وقالت: إذا بلغتم {حافظوا على الصلوات} فلا تكتبوها حتى تؤذنوني، فلما أخبروها أنهم قد بلغوا قالت: اكتبوها الصلاة الوسطى صلاة العصر. وأخرج ابن جرير والطحاوي والبيهقي عن عمرو بن رافع قال: كان مكتوباً في مصحف حفصة "حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وهي صلاة العصر وقوموا لله قانتين}. وأخرج المحاملي عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن. سمعت السائب بن يزيد تلا هذه الآية (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى صلاة العصر). وأخرج أبو عبيد في فضائله وابن المنذر عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أبي بن كعب. أنه كان يقرأها (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى صلاة العصر). وأخرج أبو عبيد وعبد بن حميد والبخاري في تاريخه وابن جرير والطحاوي من طريق رزين بن عبيد. أنه سمع ابن عباس يقرأها (والصلاة الوسطى صلاة العصر). وأخرج وكيع والفريابي وسفيان بن عيينة وسعيد بن منصور ومسدد في مسنده وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير والبيهقي في الشعب من طرق عن علي بن أبي طالب قال: الصلاة الوسطى صلاة العصر التي فرط بها سليمان حتى توارت بالحجاب. وأخرج وكيع وسفيان وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر من طرق عن ابن عباس قال: الصلاة الوسطى صلاة العصر. وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والبيهقي من طرق عن أبي هريرة قال: الصلاة الوسطى صلاة العصر. وأخرج عبد بن حميد والطحاوي من طريق أبي قلابة قال: كانت في مصحف أبي بن كعب (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وهي صلاة العصر) وأخرجه ابن أبي شيبة من طريق أبي قلابة عن أبي المهلب عن أبي بن كعب. وأخرج ابن جرير والطحاوي من طريق سالم عن أبيه عبدالله بن عمر قال: الصلاة الوسطى صلاة العصر. وأخرج عبد بن حميد عن ابن عمر أنه قرأ (حافظوا على الصلوات وصلاة الوسطى وصلاة العصر}. وأخرج البخاري في تاريخه وابن جرير وابن المنذر عن أبي أيوب قال: الصلاة الوسطى صلاة العصر. وأخرج ابن المنذر والطبراني عن زيد بن ثابت قال: الصلاة الوسطى صلاة العصر. وأخرج ابن المنذر والطحاوي عن أبي سعيد الخدري قال: الصلاة الوسطى العصر. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن أم سلمة قالت: الصلاة الوسطى صلاة العصر. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير من طرق عن عائشة قالت: الصلاة الوسطى العصر. وأخرج الدمياطي عن عبدالله بن عمرو قال: الصلاة الوسطى صلاة العصر. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والبيهقي من طريق نافع عن حفصة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنها قالت لكاتب مصحفها "إذ بلغت مواقيت الصلاة فأخبرني حتى أخبرك بما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبرها قالت: اكتب فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وهي صلاة العصر}". وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة قال: كنا نحدث أن الصلاة الوسطى صلاة العصر قبلها صلاتان من النهار وبعدها صلاتان من الليل. وأخرج وكيع وابن أبي شيبة في المصنف وعبد بن حميد عن سالم بن عبدالله أن حفصة أم المؤمنين قالت: الوسطى صلاة العصر. وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن مسعود قال: الوسطى هي العصر. وأخرج الطحاوي عن أبي عبد الرحمن عبيدالله بن محمد بن عائشة قال: إن آدم لما أتت عليه عين الفجر صلى ركعتين فصارت الصبح، وفدى اسحق عند الظهر فصلى إبراهيم أربعاً فصارت الظهر، وبعث عزير فقيل له: كم لبثت؟ قال: يوماً، فرأى الشمس فقال: أو بعض يوم، فصلى أربع ركعات فصارت العصر، وغفر لداود عند المغرب، فقام فصلى أربع ركعات فجهد، فجلس في الثالثة فصارت المغرب ثلاثاً، وأول من صلى العشاء الآخرة نبينا صلى الله عليه وسلم، فلذلك قالوا: الوسطى هي صلاة العصر. وأخرج ابن أبي شيبة عن سعيد بن جبير قال: هي العصر. وأخرج ابن أبي شيبة عن الضحاك قال: الصلاة الوسطى صلاة العصر. وأخرج عبد الرزاق عن ابن سيرين قال: سألت عبيدة عن الصلاة الوسطى فقال: هي العصر. وأخرج ابن أبي حاتم بسند حسن عن ابن عباس قال: الصلاة الوسطى المغرب وأخرج ابن جرير عن قبيصة بن ذؤيب قال: الصلاة الوسطى صلاة المغرب، ألا ترى أنها ليست باقلها ولا أكثرها ولا تقصر في السفر، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يؤخرها عن وقتها ولم يعجلها. وأخرج عبد بن حميد عن محمد بن سيرين قال: سأل رجل زيد بن ثابت عن الصلاة الوسطى قال: حافظ على الصلوات تدركها. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن الربيع بن خيثم. أن سائلاً سأله عن الصلاة الوسطى قال: حافظ عليهن فإنك إن فعلت أصبتها، إنما هي واحدة منهن. وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن سيرين قال: سئل شريح عن الصلاة الوسطى فقال: حافظوا عليها تصيبوها. وأما قوله تعالى: {وقوموا لله قانتين} . أخرج وكيع وأحمد وسعيد بن منصور وعبد بن حميد والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن جرير وابن خزيمة والطحاوي وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان والطبراني والبيهقي عن زيد بن أسلم قال: كنا نتكلم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصلاة، يكلم الرجل منا صاحبه وهو إلى جنبه في الصلاة حتى نزلت {وقوموا لله قانتين} فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام. وأخرج الطبراني عن ابن عباس في قول الله {وقوموا لله قانتين} قال: كانوا يتكلمون في الصلاة، يجيء خادم الرجل إليه وهو في الصلاة فيكلمه بحاجته، فنهوا عن الكلام. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن عكرمة. مثله. وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد عن محمد بن كعب قال: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة والناس يتكلمون في الصلاة في حوائجهم كما تكلم أهل الكتاب في الصلاة في حوائجهم، حتى نزلت هذه الآية {وقوموا لله قانتين} فتركوا الكلام. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن عطية قال: كانوا يأمرون في الصلاة بحوائجهم حتى أنزلت {وقوموا لله قانتين} فتركوا الكلام في الصلاة. وأخرج عبد الرزاق في المصنف وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد قال: كانوا يتكلمون في الصلاة، وكان الرجل يأمر أخاه بالحاجة، فأنزل الله {وقوموا لله قانتين} فقطعوا الكلام، فالقنوت السكوت والقنوت الطاعة. وأخرج ابن جرير من طريق السدي عن مرة عن ابن مسعود قال حديث : كنا نقوم في الصلاة فنتكلم ويسارر الرجل صاحبه ويخبره، ويردون عليه إذا سلم حتى أتيت أنا، فسلمت فلم يردوا علي السلام، فاشتد ذلك عليّ، فلما قضى النبي صلى الله عليه وسلم صلاته قال: إنه لم يمنعني أن أرد عليك السلام إلا أنا أمرنا أن نقوم قانتين لا نتكلم في الصلاة، والقنوت السكوت ". تفسير : وأخرج ابن جرير من طريق زر عن ابن مسعود قال حديث : كنا نتكلم في الصلاة فسلمت على النبي صلى الله عليه وسلم فلم يرد عليّ، فلما انصرف قال: قد أحدث الله أن لا تتكلموا في الصلاة، ونزلت هذه الآية {وقوموا لله قانتين} ". تفسير : وأخرج ابن جرير من طريق كلثوم بن المصطلق عن ابن مسعود قال: حديث : إن النبي صلى الله عليه وسلم كان عوّدني أن يرد عليّ السلام في الصلاة، فأتيته ذات يوم فسلمت فلم يرد علي وقال: إن الله يحدث من أمره ما شاء، وإنه قد أحدث لكم في الصلاة أن لا يتكلم أحد إلا بذكر الله، وما ينبغي من تسبيح وتمجيد {وقوموا لله قانتين} . تفسير : وأخرج عبد بن حميد وأبو يعلى من طريق المسيب عن ابن مسعود قال: حديث : كنا يسلم بعضنا على بعض في الصلاة، فمررت برسول الله صلى الله عليه وسلم فسلمت عليه فلم يرد علي، فوقع في نفسي أنه نزل فيّ شيء، فلما قضى النبي صلى الله عليه وسلم صلاته قال "وعليك السلام أيها المسلم ورحمة الله، إن الله يحدث في أمره ما يشاء، فإذا كنتم في الصلاة فاقنتوا ولا تتكلموا" ". تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن مسعود قال: القانت الذي يطيع الله ورسوله. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {وقوموا لله قانتين} قال: مصلين. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في الآية قال: كل أهل دين يقومون فيها عاصين، فقوموا أنتم لله مطيعين. وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف عن الضحاك في قوله {وقوموا لله قانتين} قال: مطيعين لله في الوضوء. وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في الآية قال: إذا قمتم في الصلاة فاسكتوا لا تكلموا أحداً حتى تفرغوا منها، والقانت المصلي الذي لا يتكلم. وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والأصبهاني في الترغيب والبيهقي في شعب الإِيمان عن مجاهد في قوله {وقوموا لله قانتين} قال: من القنوت الركوع والخشوع وطول الركوع، يعني طول القيام، وغض البصر، وخفض الجناح، والرهبة لله، كان الفقهاء من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم إذا قام أحدهم في الصلاة يهاب الرحمن سبحانه وتعالى أن يلتفت، أو يقلب الحصى، أو يشد بصره، أو يعبث بشيء، أو يحدث نفسه بشيء من أمر الدنيا إلا ناسياً حتى ينصرف. وأخرج الأصبهاني في الترغيب عن ابن عباس في قوله {وقوموا لله قانتين} قال: كانوا يتكلمون في الصلاة ويأمرون بالحاجة، فنهوا عن الكلام والالتفات في الصلاة، وأمروا أن يخشعوا إذا قاموا في الصلاة قانتين خاشعين غير ساهين ولا لاهين. وأخرج ابن أبي شيبة ومسلم والترمذي وابن ماجة عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : أفضل الصلاة طول القنوت ". تفسير : وأخرج البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة عن ابن مسعود قال حديث : كنا نسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في الصلاة فيرد علينا، فلما رجعنا من عند النجاشي سلَّمنا عليه فلم يرد علينا، فقلنا: يا رسول الله كنا نسلم عليك في الصلاة فترد علينا؟ فقال: إن في الصلاة شغلاً ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد ومسلم وأبو داود والنسائي عن معاوية بن الحكم السلمي قال حديث : بينا أنا أصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ عطس رجل من القوم، فقلت يرحمك الله، فرماني القوم بأبصارهم فقلت: واثكل أمياه ما شأنكم تنظرون إلي...؟! فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم، فلما رأيتهم يصمتونني سكت، فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فبأبي هو وأمي ما رأيت معلما قبله ولا بعده أحسن تعليماً منه فوالله ما انتهرني ولا ضربني ولا شتمني، ثم قال: إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن ". تفسير : وأخرج البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجة عن جابر قال: حديث : كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم يعني في سفر فبعثني في حاجة، فرجعت وهو يصلي على راحلته، فسلمت عليه فلم يرد علي، فلما انصرف قال: إنه لم يمنعني أن أرد عليك إلا أني كنت أصلي ". تفسير : وأخرج أبو داود والترمذي وحسنه عن صهيب قال "مررت برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي، فسلمت عليه فرد علي إشارة". وأخرج البزار عن أبي سعيد الخدري حديث : أن رجلاً سلم على النبي صلى الله عليه وسلم وهو في الصلاة فرد النبي صلى الله عليه وسلم إشارة، فلما سلم قال له النبي صلى الله عليه وسلم: إنا كنا نرد السلام في صلاتنا فنهينا عن ذلك ". تفسير : وأخرج الطبراني حديث : عن عمار بن ياسر قال "أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو يصلي فسلمت عليه فلم يرد علي" . تفسير : وأخرج البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة والبيهقي في سننه عن محمد بن سيرين قال: سئل أنس بن مالك أقنت النبي صلى الله عليه وسلم في الصبح؟ قال: نعم. قيل: أوقنت قبل الركوع؟ قال: بعد الركوع يسيراً. قال: فلا أدري اليسير للقيام أو القنوت. وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عمر. أنه كان لا يقنت في الفجر ولا في الوتر، وكان إذا سئل عن القنوت قال: ما نعلم القنوت إلا طول القيام وقراءة القرآن. وأخرج البخاري والبيهقي من طريق أبي قلابة عن أنس قال: كان القنوت في الفجر والمغرب. وأخرج ابن أبي شيبة ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي والدارقطني والبيهقي عن البراء بن عازب: حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقنت في الفجر والمغرب . تفسير : وأخرج الطبراني في الأوسط والدارقطني والبيهقي عن البراء بن عازب حديث : "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقنت في الصبح والمغرب" . تفسير : وأخرج الطبراني في الأوسط والدارقطني والبيهقي عن البراء بن عازب قالحديث : "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يصلي صلاة مكتوبة إلا قنت فيها" . تفسير : وأخرج البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي والدارقطني والبيهقي عن أبي سلمة. أنه سمع أبا هريرة يقول: والله لأقربن لكم صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان أبو هريرة يقنت في الركعة الأخيرة من صلاة الظهر، وصلاة العشاء، وصلاة الصبح، بعد ما يقول: سمع الله لمن حمده، يدعو للمؤمنين ويلعن الكافرين. وأخرج أبو داود والبيهقي عن ابن عباس قال:حديث : قنت رسول الله صلى الله عليه وسلم شهراً متتابعاً في الظهر والعصر والمغرب والعشاء وصلاة الصبح، في دبر كل صلاة إذا قال: سمع الله لمن حمده من الركعة الآخرة، يدعو على أحياء من سليم على رعل وذكوان وعصية، ويؤمن من خلفه . تفسير : وأخرج أبو داود والدارقطني عن محمد بن سيرين قال "حدثني من صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم صلاة الغداة، فلما رفع رأسه من الركعة الثانية قام هنية". وأخرج أحمد والبزار الدارقطني عن أنس قال: حديث : "ما زال رسول الله صلى الله عليه وسلم يقنت في الفجر حتى فارق الدنيا" . تفسير : وأخرج الدارقطني والبيهقي عن أنس حديث : "أن النبي صلى الله عليه وسلم قنت شهراً يدعو عليهم ثم تركه، وأما في الصبح فلم يزل يقنت حتى فارق الدنيا" . تفسير : وأخرج الدارقطني حديث : عن أنس قال: "صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم يزل يقنت بعد الركوع في صلاة الغداة حتى فارقته. قال: وصليت خلف عمر بن الخطاب فلم يزل يقنت بعد الركوع في صلاة الغداة حتى فارقته" . تفسير : وأخرج البزار والبيهقي عن أنس حديث : "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قنت حتى مات، وأبو بكر حتى مات، وعمر حتى مات" . تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي عثمان. أنه سئل عن قنوت عمر في الفجر؟ فقال: كان يقنت بقدر ما يقرأ الرجل مائة آية. وأخرج البيهقي عن أنس قال: حديث : قنت النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر وعثمان بعد الركوع، ثم تباعدت الديار فطلب الناس إلى عثمان أن يجعل القنوت في الصلاة قبل الركوع لكي يدركوا الصلاة، فقنت قبل الركوع . تفسير : وأخرج الدارقطني من طريق أبي الطفيل حديث : عن علي وعمار "انهما صليا خلف النبي صلى الله عليه وسلم فقنت في الغداة" . تفسير : وأخرج ابن ماجة عن حميد قال: سئل أنس عن القنوت في صلاة الصبح فقال: كنا نقنت قبل الركوع وبعده. وأخرج الحرث بن أبي أمامة والطبراني في الأوسط عن عائشة قالت حديث : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقنت في الفجر قبل الركعة، وقال: إنما أقنت بكم لتدعوا ربكم وتسألوه حوائجكم ". تفسير : وأخرج أبو يعلى عن أبي رافع حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: سلوا الله حوائجكم في صلاة الصبح ". تفسير : وأخرج الطبراني في الأوسط عن ابن مسعود قال: "ما قنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في شيء من الصلوات إلا في الوتر، وإنه وكان إذا حارب يقنت في الصلوات كلهن، يدعو على المشركين". وأخرج أبو داود والنسائي وابن ماجة عن أبي بن كعب "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قنت في الوتر قبل الركوع". وأخرج ابن أبي شيبة وأبو داود والترمذي وحسنه والنسائي وابن ماجة والطبراني والبيهقي عن الحسن بن علي قال "علمني جدي رسول الله صلى الله عليه وسلم كلمات أقولهن في قنوت الوتر: اللهم اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت، وتولني فيمن توليت، وبارك لي فيما أعطيت، وقني شر ما قضيت إنك تقضي ولا يقضى عليك، وإنه لا يذل من واليت. زاد الطبراني والبيهقي: ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت". وأخرج البيهقي عن يزيد بن أبي مريم قال: سمعت ابن عباس ومحمد بن علي بن الحنفية بالخيف يقولان "كان النبي صلى الله عليه وسلم يقنت في صلاة الصبح وفي وتر الليل بهؤلاء الكلمات: اللهم اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت، وتولني فيمن توليت، وبارك لي فيما أعطيت، وقني شر ما قضيت إنك تقضي ولا يقضى عليك، وإنه لا يذل من واليت، تباركت ربنا وتعاليت". وأخرج الدارقطني عن الحسن فيمن نسي القنوت في صلاة الصبح قال: عليه سجدتا السهو. وأخرج الدارقطني عن سعيد بن عبد العزيز فيمن نسي القنوت في صلاة الصبح قال: يسجد سجدتي السهو. والله أعلم.
ابو السعود
تفسير : {حَـٰفِظُواْ عَلَى ٱلصَّلَوٰتِ} أي داوموا على أدائها لأوقاتها من غير إخلالٍ بشيء منها كما تنبىء عنه صيغةُ المفاعلة المفيدة للمبالغة، ولعل الأمرَ بها في تضاعيف بـيان أحكامِ الأزواج والأولاد قبل الإتمام للإيذان بأنها حقيقةٌ بكمال الاعتناءِ بشأنها والمثابرة عليها من غير اشتغالٍ بشأنهم وبشأن أنفسهم أيضاً كما يفصح عنه الأمر بها في حالة الخوف ولذلك أمر بها في خلال بـيان ما يتعلق بهم من الأحكام الشرعية المتشابكةِ الآخذِ بعضُها بحُجْزَة بعض {وٱلصَّلاَةِ ٱلْوُسْطَىٰ} أي المتوسطة بـينها أو الفُضلى منها وهي صلاةُ العصر لقوله صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب: «حديث : شغَلونا عن الصلاة الوسطى صلاةِ العصر ملأ الله تعالى بـيوتَهم ناراً» تفسير : وقال عليه السلام: «حديث : إنها الصلاةُ التي شُغل عنها سليمانُ بنُ داود عليهما الصلاة والسلام» تفسير : وفضلُها لكثرة اشتغال الناسِ في وقتها بتجارتهم ومكاسبهم واجتماعِ ملائكة الليل وملائكة النهار حينئذ، وقيل: هي صلاةُ الظهر لأنها في وسط النهار وكانت أشقَّ الصلواتِ عليهم لما أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم كان يصليها بالهاجرة فكانت أفضلَها لقوله عليه السلام: «حديث : أفضلُ العبادات أحمزُها» تفسير : وقيل: هي صلاة الفجر لأنها بـين صلاتي الليل والواقعةُ في الحد المشترك بـينهما ولأنها مشهودةٌ كصلاة العصر وقيل: هي صلاةُ المغرب لأنها متوسطة من حيث العددُ ومن حيث الوقوعُ بـين صلاتي النهار والليل ووتر النهار ولا تُنقص في السفر وقيل: هي صلاة العِشاء لأنها بـين الجهريتين الواقعتين في طرفي الليل والنهار وعن عائشة وابن عباس رضي الله عنهم أنه عليه السلام كان يقرأ والصلاة الوسطى وصلاة العصر فتكون حينئذ إحدى الأربعِ قد خُصت بالذكر مع العصر لانفرادها بالفضل وقرىء وعلى الصلاة الوسطى وقرىء بالنصب على المدح، وقرىء الوسطى {وَقُومُواْ لِلَّهِ} أي في الصلاة {قَـٰنِتِينَ} ذاكرين له تعالى في القيام لأن القنوتَ هو الذكر فيه وقيل: هو إكمالُ الطاعة وإتمامُها بغير إخلال بشيء من أركانها وقيل: خاشعين، وقال ابن المسيِّب: المراد به القنوتُ في الصبح.
التستري
تفسير : قوله تعالى: {حَافِظُواْ عَلَى ٱلصَّلَوَاتِ}[238] أي داوموا على إقامتها. وأما قوله: {أية : وَأَقِيمُواْ ٱلصَّـلاَةَ وَآتُواْ ٱلزَّكَـاةَ}تفسير : [النور:56] فعلى وجهين أحدهما الإقرار بها من غير تصديق، كما قال في براءة: {أية : فَإِن تَابُواْ}تفسير : [التوبة:5] أي من الشرك، {أية : وَأَقَامُواْ ٱلصَّلاَةَ}تفسير : [التوبة:5] يعني وأقروا بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة {أية : فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ}تفسير : [التوبة:5]، وكقوله: {أية : فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلاَةَ وَآتَوُاْ ٱلزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي ٱلدِّينِ} تفسير : [التوبة:11] ومواليكم، ونظيرها في السجدة. والوجه الثاني: الإقامة، كما قال في المجادلة: {أية : فَأَقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ وَآتُواْ ٱلزَّكَاةَ}تفسير : [المجادلة:13]، ونظيرها في المزمل. وقال في المائدة: {أية : ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلاَةَ}تفسير : [المائدة:55] أي يتمونها. وسئل عن قوله: {وٱلصَّلاَةِ ٱلْوُسْطَىٰ}[238] ما معنى ذكرها مفردة؟ قال: إنما أفردها لاختصاص من الصلوات وإن كانت داخلة في جملتها، كما انفرد جبريل وغيره بالذكر لاختصاصهم من جملة الملائكة. قال: وفيها وجه آخر، وهو أن أوقات سائر الصلوات مشهورة عند العالم والجاهل، فعلامتها واضحة، ووقت العصر أخفى، فحثَّ على مراعاتها في وقتها بما خصها من الذكر. قوله: {وَقُومُواْ للَّهِ قَانِتِينَ}[238] أي قاموا لله في الصلاة مطيعين، فكم من مصلّ غير مطيع كالمنافق ونحوه. حديث : وسئل النبي صلى الله عليه وسلم أي الصلاة أفضل؟ فقال: "طول القنوت أي طول القيام"تفسير : ، وقال زيد بن أرقم رضي الله عنه: القنوت السكوت، لأنا كنا نتكلم في الصلاة، فأنزل الله تعالى: {وَقُومُواْ لِلَّهِ قَانِتِينَ} فأمسكنا عن الكلام. وكان محمد بن سوار يقول: القنوت الوتر، سمي قنوتاً لقيام الرجل فيه بالدعاء من غير قراءته القرآن، بل هو التعظيم بالدعاء.
القشيري
تفسير : المحافظة على الصلاة أن يدخلها بالهيبة، ويخرج بالتعظيم، ويستديم بدوام الشهود بنعت الأدب، والصلاة الواسطى أيهم ذكرها على البيت لتراعي الجميع اعتقاداً منك لكل واحدة أنها هي لئلا يقع منك تقصير في شيء منها.
البقلي
تفسير : {حَافِظُواْ عَلَى ٱلصَّلَوَاتِ وٱلصَّلاَةِ ٱلْوُسْطَىٰ} المحافظة شهود السر مقام الغيب وخمود النفس عن دواعى الرب ومراقبة القلب انوار الكشف ورعاية الروح ومشاهدة الوصول ومراعات الادب ظاهروا باطنا اما الظاهر فباقامة الحدود فى ركانها واما الباطن فبدفع الخواطر المذمومة الشاغلة عن روية الاخرة ثمانية الغيبة عن الاركان والرسوم بروية الحق جل جلاله فى صلاته ثم للفناء فى حقائق المشاهدة عن ملاحظة وجوده لغلبة سكر الوجد ومن هذا حاله فهو غائب في سر الاضطلام ولا يعلم كيفية صلوته لغلبة الوقت ولا غيب عليه لانه قد بلغ مقام المشاهدة هذا مقصود الصلوة وهو اشارة النبي صلى الله عليه وسلم لقوله "حديث : يعبد الله كانك تراه فان لم يكن تراه فانه يراك" تفسير : لكن صورة الاحكام تجرى على العارف ويحفظها عليه وان لم يعلم شانه فيها فهؤلاء القوم يغيبون عن الظاهر لشغل الباطن والعامة ويغيبون عن الباطن شغلا بالظاهر فشتان ما بين الطائفتين فالعوام طاحوا فى اودية الغفلات فيزينون احكام الظاهر واهل المعرفة لما اراوا فى عالم المشاهدات فهم فى غيبة عن رسوم الاحكام اسغراقا فى بحر انوار مشاهدات ذو الجلال والاكرام ولهم صلوة الوسطى لمراعاة جميع الاوقات ومراقبة احانين المكاشفات.
اسماعيل حقي
تفسير : {حافظوا على الصلوات} بالاداء لوقتها والمداومة عليها والمراد بالصلوات المكتوبات الخمس فى كل يوم وليلة ثبت عددها بغيرها من الآيات والاحاديث المتواترة وباشارة فى هذه الآية وهو ذكر الوسطى وهى ما اكتنفه عددان متساويان واقل ذلك خمسة لا يقال ان الثلاث بهذه الصفة لانا نقول الثلاث لا يكتنفها عددان فان الذى قبلها واحد والذى بعدها واحد وهو ليس بعدد فان العدد ما اذا اجتمع طرفاه صارا ضعفه وليس له طرفا فانه ليس قبله شىء {و} حافظوا على {الصلوة الوسطى} اى المتوسطة بينها على ان تكون الوسطى صفة مشبهة او الفضلى منها على ان تكون افعل تفضيل تأنيث الاوسط واوسط الشىء خيره واعدله وهى صلاة العصر لانها بين صلاتى ليل وصلاتى نهار ولقوله عليه الصلاة والسلام يوم الاحزاب "حديث : شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر ملأ الله قبورهم وبيوتهم ناراbr>". تفسير : وفضلها لكثرة اشتغال الناس فى وقتها بتجاراتهم ومكاسبهم واجتماع ملائكة الليل وملائكة النهار قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : من فاتته صلاة العصر فكأنما وتر اهله ومالهbr>". تفسير : اى ليكن من فوتها حذرا كما يحذر من ذهاب اهله وماله ثم فى حديث يوم الاحزاب حجة على من قال الصلاة الوسطى غير العصر وعلى من قال انها مبهمة ابهمها الله تعالى تحريضا للخلق على محافظتها كساعة الاجابة يوم الجمعة. فان قيل ما روت عائشة رضى الله عنها انه عليه الصلاة والسلام قال "حديث : حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصرbr>". تفسير : يدل على ان الوسطى غير العصر. قلت يحتمل ان يكون الوسطى لقبا والعصر اسما فذكرها باسمها كذا فى شرح المشارق لابن الملك {وقوموا لله} اى فى الصلاة {قانتين} حال من فاعل قوموا اى ذاكرين له فى القيام لان القنوت هو الذكر فيه او خاشعين ـ روى ـ انهم كانوا اذا قام احدهم الى الصلاة هاب الرحمن ان يمد بصره او يلتفت او يقلب الحصى او يحدث نفسه بشىء من امور الدنيا الا ناسيا حتى ينصرف.
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحقّ جلّ جلاله: {حافظوا} أيضاً على أداء {الصلوات} الخمس في أوقاتها؛ بإتقان شروطها وأركانها وخشوعها وآدابها، ولا تشتغلوا عنها بشهوات النساء وتشغيب أحكامهن، ولا بغير ذلك، وحافظوا أيضاً على {الصلاة الوسطى} وهي العصرعند الشافعي، وهو ظاهر الحديث، أو الصبح عند مالك؛ لفضلها، أو لتوسطها بين صلاتي الليل والنهار. وما من صلاة إلا وقيل فيها الوسطى. وقيل: أخفيت كساعة الجمعة وليلة القدر. {وقوموا لله} في الصلاة {قانتين} أي: ساكتين، وكان، قبل نزول الآية، الكلام في الصلاة جائزاً، أو قيل: مطيعين: إذ القنوت في القرآن كله بمعنى الطاعة. {فإن خفتم} من عدو، أو سَبع، أو سَيْل، فصلُّوا قياماً على أرجلكم بالإيماء للسجود، {أو ركباناً} على خيولكم بالإيماء للركوع والسجود، {فإذا أمنتم} في الصلاة، أو بعدها، فصلوا صلاة أَمْن، و {اذكروا الله} في الصلاة، وصلوا {كما علَّمكم} من الكيفية {ما لم تكونوا تعلمون} قبل ذلك. الإشارة: حافظوا على الصلوات الحسية قياماً بوظائف العبودية، وعلى الصلاة القلبية قياماً بشهود عظمة الربوبية؛ وهي الصلاة الوسطى لدوامها في كل ساعة، قيل لبعضهم: هل للقلوب صلاة؟ قال: نعم، إذا سجد لا يرفع رأسه أبداً. هـ. أي: إذا خضع لهيبة العظمة لم يرفع أبداً، وفي ذلك يقول الشاعر: شعر : فاسجُدْ لهيبةِ الجَلالِ عنْد التَّدَانِي وَلْتَقْرَأ آيةَ الكَمالِ سَبْعَ المَثَانِي تفسير : وأشار بقوله: "آية الكمال" لقوله تعالى:{أية : إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}تفسير : [الفَاتِحَة: 5] ليجمع بين الشريعة والحقيقة، فسجود القلب حقيقة، وسجود الجوارح شريعة، وقوموا لله بآداب العبودية قانيت خاشعين، فإن خفتم ألا تصلوا إلى ربكم، قبل انقضاء أجلكم، فسيروا إليه رجالاً أو ركباناً، خفافاً أو ثقالاً، فإذا أمنتم من القطيعة - وذلك بعد التمكين - فاذكروا الله شكراً لأجل ما أطلعكم عليه، وعلَّمكم ما لم تكونوا تعلمون؛ من عظمة الربوبية، وكمال آداب العبودية.
الطوسي
تفسير : اللغة: الحفظ ضبط الشىء في النفس، ثم يشبه به ضبطه بالمنع من الذهاب. والحفظ خلاف النسيان تقول: حفظ حفظاً، وحافظ محافظة، وحفاظاً، واحتفظ به احتفاظاً، وتحفظ تحفظاً، واستحفظ استحفاظاً، وأحفظه إحفاظاً: إذا أغضبه، لأنه حفظ عليه ما يكرهه. ومنه الحفيظة: الحمية. والحافظ: خلاف المضيع. والحفيظ: الموكل بالشىء، لأنه وّكل به ليحفظه وأهل الحفاظ: أهل الذمام، ومنه قوله: {أية : فما أرسلناك عليهم حفيظاً}.تفسير : المعنى: ومعنى الآية الحث على مراعات الصلوات، ومواقيتهن، وألا يقع فيها تضييع وتفريط. وقوله {والصلاة الوسطى} هي العصر فيما روي عن النبي (صلى الله عليه وسلم) وعلي (ع) وابن عباس، والحسن. وقال زيد بن ثابت، وابن عمر: إنها الظهر، وهو المروي عن أبي جعفر وأبي عبد الله (ع). وقال قبيصة بن ذؤيب: هي المغرب، وقال جابر ابن عبد الله هي الغداة. وفيه خلاف بين الفقهاء ذكرناه في الخلاف. وروي عن ابن عمر أنه قال: واحدة من الخمس غير متميزة. وقال الحسين بن علي المغربي: المعني فيها صلاة الجماعة، لأن الوسط العدل، فلما كانت صلاة الجماعة أفضلها خصت بالذكر، وهذا وجه مليح غير أنه لم يذهب إليه أحد من المفسرين، فمن جعلها العصر قال: لأنها بين صلاتي النهار، وصلاتي الليل، وإنما حضّ عليها، لأنها وقت شغل الناس في غالب الأمر، ومن قال: إنها الظهر قال: لأنها وسط النهار، وقيل: هي أول صلاة فرضت، فلها بذلك فضل. ومن قال: هي المغرب قال: لأنها وسط في الطول، والقصر من بين الصلوات، فهي أول صلاة الليل الذي رغّب في الصلاة فيه، وأما من قال هي الغداة قال: لأنها بين الظلام والضياء، وصلاة لا تجمع مع غيرها. وقد جمع النبي (صلى الله عليه وسلم) بين الظهر والعصر بعرفة، وجمع بين المغرب والعشاء بالمزدلفة، فهذه متواخية وتلك مفردة. وقوله: {وقوموا لله قانتين} قال ابن عباس، والحسن: معناه طائعين. وقال عبد الله بن مسعود: ساكتين، لأنهم نهوا بذلك عن الكلام في الصلاة. وقال مجاهد: معناه خاشعين فنهوا عن العبث، والتلفت في الصلاة. وقال ابن عباس في رواية: داعين ولذلك قال هي صلاة الصبح، لأنه لا صلاة فرض فيها قنوت إلا هي. وعن أبي جعفر وأبي عبد الله (ع) مثل ذلك إلا أنهما قالا: القنوت في كل ركعتين قبل الركوع. اللغة, والاعراب: وأصل القنوت الدوام على أمر واحد. وقيل أصله الطاعة. وقيل أصله الدعاء في حال القيام. وقال الرماني والوجه الأول أحسن بصرفه في الباب، لأن المداوم على الطاعة قانت، وقال المداوم في صلاته على السكوت إلا عن الذكر المشروع له، وكذلك المداوم. ويقال: فلان يقنت عليه أي يدعوا عليه دائماً. والصلاة الوسطى محفوظة بالعطف على الصلوات وكان يجوز النصب على {والصلاة الوسطى} فخصوها بالمحافظة. ومن حمل الصلاة الوسطى على صلاة الجماعة جعل قوله: {على الصلوات} على عمومه. ومن حملها على واحدة من الصلوات على الخلاف فيه اختلفوا، فمنهم من قال أراد بقوله {على الصلوات} ما عدا هذه الصلاة وإلا كان يكون عطف الشيء على نفسه، ومنهم من قال لا يمتنع أن يريد بالأول جميع الصلوات، وخص هذه بالذكر تعظيما لها وتأكيداً لفضلها.
الجنابذي
تفسير : {حَافِظُواْ} ابتداء كلامٍ للتّرغيب فى الصّلاة والتّوجّه الى الله بعد ذكر النّساء واحكامهنّ والطّلاق واحكامه كأنّه قال: هذه احكام الكثرات لكن لا ينبغى لكم الغفلة عن جهة الوحدة والتّوجّه الى الله فواظبوا {عَلَى ٱلصَّلَوَاتِ} بالمحافظة على مواقيتها وحدودها وأركانها وقد مضى فى اوّل السّورة بيان للصّلاة ومراتبها وانّها ذات مراتب كمراتب الانسان والصّلوات القالبيّة لكون كلّ فى عرض الاخرى لا فى طولها لا تفاضل بينها وانّ مراتب الصّلاة الطوليّة كلّ عالية منا محيطة بالدانية ومقوّمة لها وحكمها بالنّسبة الى دانيتها حكم الرّوح بالنّسبة الى الجسد وهى متوسّطة معتدلة كما انّ الرّوح بالنّسبة الى الجسد متوسّطة معتدلة فقوله تعالى: {وٱلصَّلاَةِ ٱلْوُسْطَىٰ} بيان الصّلاة الوسطى {وٱلصَّلاَةِ ٱلْوُسْطَىٰ} اى الفضلى او المتوسّطة او المعتدلة اشارة الى المراتب العالية من الصّلوات لا الى شيءٍ من الصّلوات العرضيّة، وتفسيرها بصلوة الظّهر كما فى الاخبار الواردة من طريق الشّيعة لكونها مظهراً للصّلاة الوسطى بوجهٍ كما انّ ليلة القدر والاسم الاعظم عبارة عن ليلة هى روح بالنّسبة الى اللّيالى العرضيّة وعن اسم كذلك وقد فسّروهما بشيءٍ من اللّيالى والاسماء العرضيّة لكونهما مظهرين لهما مظهريّة خاصّة غير المظهريّة العامّة المشترك فيها جميع اللّيالى والاسماء وقد فسّروها بصلاة العصر او المغرب او العشاء او الصّبح، وقد نقل انّها مختفية فى الصّلوات الخمس لم يعيّنها الله وأخفاها فى جملة الخمس ليحافظوا على جميعها كما انّه اختفى ليلة القدر فى ليالى شهر رمضان او فى ليالى السّنة والاسم الاعظم فى جميع الاسماء، وساعة الاستجابة فى ساعات يوم الجمعة {وَقُومُواْ} فى الصّلاة {للَّهِ قَانِتِينَ} اى داعين بوضع قنوت الصّلاة او خاشعين او طائعين او ساكتين عن هواجس النّفس او عن كلام غير ذكر الله او قوموا اى اعتدلوا لله او قوموا بامور الكثرات واكفوا مهمّات اهليكم، ولفظ لله امّا متعلّق بقوموا او بقانتين وكان التّقديم للحصر والاهتمام.
الهواري
تفسير : قوله: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ} يعني الصلوات الخمس على وضوئها ومواقيتها وركوعها وسجودها {وَالصَّلاَةِ الوُسْطَى}. يعني صلاة العصر في قول الحسن. قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : الصلاة الوسطى صلاة العصر . تفسير : ذكروا عن ابن عباس أنه قال: هي صلاة الصبح. ويقول ابن عباس بهذا نأخذ وعليه نعتمد. قوله: {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} أي مطيعين، لأن [أهل] كل دين، غير دين الإِسلام، يقومون لله عاصين. ذكروا عن عكرمة عن ابن عباس في قوله: {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} أي مطيعين. قوله: {فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً}. قال بعضهم: هو عند الضراب بالسيوف، راكباً كنت أو ساعياً، أو ماشياً؛ فإنك تومىء برأسك ركعتين إن استطعت، وإلا فركعة حيث كان وجهك. وإذا كان الأمر أشد من ذلك فكبّر أربع تكبيرات. عن الحسن أنه قال: إذا كنت تطلب عدواً أو يطلبك عدو فإنك تومىء بركعة حيث كان وجهك. قال: {فَإِذَا أَمِنتُمْ فَاذْكُرُوا اللهَ} أي فصلّوا الصلوات الخمس {كَمَا عَلَّمَكُم مَّا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ}. قال: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً وَصِيَّةً لأَِزْوَاجِهِم مَّتَاعاً إِلَى الحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ مِن مَّعْرُوفٍ} أي أن يتزيّنَّ ويتشوَّفن ويلتمسن الأزواج. {وَاللهُ عَزيزٌ حَكِيمٌ}. قال بعضهم: كانت المرأة إذا توفى زوجها أنفق عليها من ماله حولاً ما لم تخرج، فإن خرجت فلا نفقة لها؛ فنسخ الحول في قوله: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً} ونسخ النفقة في الحول في هذه الآية: (أية : وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّكُمْ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُم مِّن بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ).تفسير : [النساء:12]. ذكروا عن زينب ابنة أبي سلمة أن أم حبيبة زوج النَّبي صلى الله عليه وسلم قالت إن امرأة قالت: يا نبي الله، إن ابنتي توفي عنها زوجها، وقد خشيت على بصرها أفأكحلها؟ قال: حديث : إن كانت إحداكن لترمي بالبعرة على رأس الحول، وإنما هي أربعة أشهر وعشر . تفسير : قال بعضهم: كانت إحداهن إذا تمّ الحول ركبت حماراً، وأخذت معها بعرة، ثم ترمي بالبعرة خلفها وقد حلّت. ذكروا عن زينب بنت أبي سلمة أنها دخلت على أم حبيبة حين توفي أبوها أبو سفيان. فدعت أم حبيبة بطيب فيه صفرة خلوق أو غيره، فمسّت بعارضيها منه، ثم قالت: والله مالي بالطيب من حاجة، غير أني سمعت رسول الله يقول: حديث : لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحدّ على ميت فوق ثلاثة أيام إلا على زوجها أربعة أشهر وعشراً . تفسير : ودخلت على زينب بنت جحش حين توفي أخوها، فدعت بطيب فمست منه ثم قالت: والله ما أبالي بالطيب ولا لي بالطيب من حاجة، غير أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: حديث : لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحدّ على ميت فوق ثلاث ليال، إلا على زوجها أربعة أشهر وعشراً . تفسير : قالت زينب بنت أبي سلمة: وسمعت أمي أم سلمة تقول: حديث : إن امرأة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: إن ابنتي توفي عنها زوجها، وقد اشتكت عينيها أفأكحلها بالإِثمد؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا. فقالت ذلك ثلاث مرات، كل ذلك والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: لا، إنما هي أربعة أشهر وعشر، وقد كانت إحداكن ترمي بالبعرة على رأس الحول تفسير : . وأما قوله: {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ مِن مَّعْرُوفٍ} فبتزويج: أن يتزيَّنَّ ويتشوّفن ويلتمسن الأزواج. قوله: {وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}. قال: عزيز في نقمته، حكيم في أمره.
اطفيش
تفسير : {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ}: الخمس بأدائهن أول أوقاتهن بطهر وخشوع وإخلاص ومداومة والخطاب للناس كلهم، قال ابن مسعود عن النبى صلى الله عليه وسلم: "حديث : أمر بعبد من عباد لله أن يضرب فى قبره مائة جلدة، فلم يزل يسأل الله تعالى ويدعوه حتى صارت واحدة، فامتلأ قبره عليه ناراً، فلما ارتفع عنه أفاق فقال: على ما جلدتنى؟ قال لأنك صليت صلاة بغير طهور، ومررت على مظلوم فلم تنصره"تفسير : . وعنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : أن الصلاة ثلاثة الطهر ثلث والركوع ثلث والسجود ثلث فمن أداها بحقها قبلت منه وقبل منه سائر عمله، ومن ردت عليه صلاته يرد عليه سائر عمله"تفسير : ويروى عن النبى صلى الله عليه وسلم: "حديث : أول ما ينظر فيه من عمل العبد الصلاة، فإن قبلت منه نظر فيما بقى من عمله، وإن لم تقبل منه لم ينظر فى شئ من عمله"تفسير : قال أنس بن حكيم الضبى: قال لى أبو هريرة: إذا أتيت أهل معرك فأخبرهم أنى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : أول ما يحاسب به العبدُ المسلم الصلاة المكتوبة فإن أتمها وإلا قبل انظروا هل من تطوع، وإن كان له تطوع أكملت الفريضة من تطوعه ثم يفعل بسائر الأعمال المفروضة مثل ذلك"تفسير : ، وكذا عن تميم الدارى، إلا أنه قال:"حديث : ثم الزكاة مثل ذلك تؤخذ الأعمال على حسب ذلك"تفسير : ونظرت كيف أعقب الله آيات النكاح والطلاق وتوابع ذلك بالمحافظة على الصلاة، وظهر لى بعد إفراغ وسعى أنه أعقب بذلك لعظم أمر النكاح والطلاق وتوابعهما واشتغال النفس، فحذرنا مولانا سبحانه وتعالى أن نشتغل بشئ عن المحافظة على الصلوات الخمس، وأكد ذلك بالأمر بها، ولو حال الخوف فى قتال أو دون قتال فى ركوب أو مشى، ثم رأيت القاضى ذكر ما يقرب من ذلك، والحمد لله إذ قال: ولعل الأمر بها فى تضاعيف أحكام الأولاد والأزواج لئلا يلهيهم الاشتغال بشأنهم عنها وعد المحافظة بعلى لتضمنها معنى المداومة أو المراقبة، وصيغة المفاعلة هنا لموافقة المجرد، كأنه قيل احفظوا على الصلوات أى دوموا أو للمبالغة فى الحفظ لها، وذلك أن الفعل فى مقابلة من يفعل يكون أقوى لزيد اجتهاد فاعل حينئذ ليلا يغلب، وأما ما قيل من أن المفاعلة على بابها بل أن يكون المعنى: احفظوا الصلوات يحفظكم الله أو أن يكون المعنى احفظوا الصلوات تمنعكم من المعاصى:{أية : إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر}تفسير : أو احفظوا الصلاة تحفظكم من البلايا استعينوا بالصبر والصلاة إنى معكم، لأن أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة أى بالنصر، إذ يحفظها بتنوَّر القلب بنور يسهل أداء الفرائض وترك المعاصى، ولا يصح ذلك من جهة القاعدة القريبة، ولو صح ذلك معنى حقا لأنه لم يقل الله جل وعلا: حافظوا الصلاة ولا حافظوا الله، وظهر لى الآن إبقاء المفاعلة على بابها بأن يكون المعنى الأمر بأن يتبادروا فى محافظتها، ويجتهد كل واحد أن يزيد على الآخر بالمحافظة أو بالسبق فيها ليرى الله أيهم أحسن عملا. {وَالصَّلاةِ الوُسْطَى}: عطف خاص على عام لمزية هذا الخاص وفضيلته لأوصاف ليست فى غيره، حتى كأنه ليس من جنس ذلك العام تنزيلا للتغاير فى الوصف منزلة التغاير فى النداءات والوسطى تأنيث الأوسط الذى اسم تفضيل من الوسط بمعنى العدل والخيار كقول من قال فى مدح النبى صلى الله عليه وسلم* شعر : * يا أوسط الناس طرا فى مفاخرهم يا أكرم الناس أما برة وأبا * تفسير : وهذا يصح منه بناء اسم التفضيل بأنه يفيد الزيادة، أى والصلاة التى هى أعظم خيرا أو الوسطى من الوسط بمعنى المتوسط بين الشيئين، وهذا لا يبْنى منه اسم التفضيل، لأنه لا يقبل الزيادة فليس الوسطى محل هذا مؤنث اسم التفضيل، بل بمعنى المتوسطة بين صلاتين خالفتاها بشئ، فيكون شاذا قياسا فصيحا استعمالا بأن الفعلى بالضم والإسكان والقصر مقيس فى تأنيث اسم التفضيل الباقى على معنى التفضيل أو الخارج عنه، فعن ابن عباس: الصلاة الوسطى صلاة الصبح، قال الشيخ هود رحمه الله: ويقول ابن عباس هذا بأخذ، وعليه نعتمد وبه قال عمر وابنه عبد الله ومعاذ وجابر بن زيد وعطاء وعكرمة ومجاهد والربيع بن أنس، ومالك والشافعى، ونسب إلى على بن أبى طالب. قال مالك فى الموطأ: بلغنى أن على بن أبى طالب وابن عباس كانا يقولان: صلاة الوسطى صلاة الفجر، وكذا رواه الترمذى عن ابن عباس وابن عمر، وعن مجاهد أنها صلاة الفجر بأنها بين صلاتى الليل وصلاتى النهار، وأنها أيضا بين صلاتى جمع وصلاتى جمع بين العشا والمغرب اللتين تجمعان، والظهر والعصر اللتين تجمعان، وهى لا تجمع إلى غيرها، ويزداد إلى ذلك أنه لا يدخلها تقصير السفر، ولكن شاركتها فى هذا الأخير المغرب تقصير الخوف مع الإمام عند بعض، فتقتصر عن ثلاث إلى اثنتين عنده، ولا تتم فى حق الإمام ولا المأموم عنده ثلاثاً، بخلاف الفجر فإنها لا تنقص عنه اثنتين، بل يصلها الإمام اثنتين واحدة بطائفة، وأخرى بأخرى فقط أو تزيد كل طائفة ركعة وحدها، فقد خصت بعدم هذا التقصير عن المغرب أيضا ولأنها فى وقت مشقة لبرد الشتاء وطيب النوم فى الشتاء، وفى الصيف فتور الأعضاء وكثرة النعاس وغفلة الناس عنها، فخصت من العموم بأنها معرضة للضياع، ولقوله تعالى: {وقوموا لله قانتين} والقنوت طول القيام، ولا صلاة من الخمس تساوى الفجر فى كثرة القراءة، ولتخصيصها بالذكر فى قوله تعالى:{أية : وقرآن الفجر}تفسير : أى صلاة الفجر، وقوله {أية : إن قرآنَ الفجر كان مشهوداً}،تفسير : فذكر أنها تشهدها ملائكة الليل وملائكة النهار، فهى يكتبها ملائكة الليل فى ديوانهم، وملائكة النهار فى ديوانهم، بأنهم كلهم شاهدوها فهذا مزيد فضل وهى أيضا متصلة باستغفار الأسحار، فهى أقرب للقبول. قال الله تعالى{أية : والمستغفرين بالأسحار}،تفسير : ختم طاعتهم باستغفار الأسحار، وورد أن التكبيرة الأولى منها فى الجماعة خير من الدنيا وما فيها، وقال زيد ابن ثابت وأسامة وأبو سعيد الخدرى، وعائشة فى رواية عنها وعبيد الله ابن شداد وأبو حنيفة فى رواية عنه، وابن عمر الصلاة الوسطى صلاة الظهر، قال ابن عمر هى صلاة الظهر لأنها فى وسط النهار وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصليها بالهاجرة، أى وقت شدة الحر، وهو أيضا وقت القيلولة ولم تكن صلاة أشد على الصحابة منها، أى فكانت أفضل لقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أفضل العبادة أحزمها"تفسير : أى أشدها صعوبة، فنزلت المحافظة عليها خصوصاً، وقيل هى الوسطى لأن قبلها صلاة من الليل وصلاة من النهار، وبعدها صلاة من الليل وصلاة من النهار، ولأنها وسط النهار، ولأنها تأتى بين برد الفجر وبرد العصر زمان البرد، وأخرج مالك فى موطئه والترمذى عن عائشة وزيد بن ثابت وأبو داود عن زيد "حديث : أن الصلاة الوسطى صلاة الظهر" تفسير : قال الحسن: الصلاة الوسطى صلاة العصر وهو قول على وابن مسعود وأبى أيوب وأبى هريرة وابن عمر وابن عباس وأبى سعيد وعائشة فى رواية عنه، وعبيدة السلمانى وابراهيم النخعى وقيادة والضحاك والكلبى ومقاتل وأبى حنيفة فى رواية عنه، وأحمد وداود وابن المنذر والشافعى فى رواية عنه وهو قول أكثر الصحابة وجمهور الأمة. قال الثعالبى: وبه أقول وذلك أنها فى وقت اشتغال الناس أمرهم بالمحافظة عليها لئلا ينقروها نقراً أو تشتغل قلوبهم فيها باشتغال الدنيا، قيل أيضاً فى اجتماع الملائكة، وهى متوسطة بين صلاتى النهار وصلاتى اليل. روى حديث : عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه اشتغل هو والمسلمون بحفر الخندق حول المدينة حين جاءت الأحزاب، ففاتهم صلاة العصر، فقال: "شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر ملأ الله بيوتهم ناراً"تفسير : وعن ابن مسعود رضى الله عنه: حديث : حبس المشركون رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عن صلاة العصر حتى احمرت الشمس أو اصفرت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر ملأ الله أجوافهم وقلوبهم ناراً"تفسير : وملأ الله أجوافهم وقبورهم ناراً، أو حشى الله أجوافهم وقبورهم ناراً" وفى رواية "حديث : بيوتهم ناراً"تفسير : وعن على بن أبى طالب أن النبى، صلى الله عليه وسلم، قال يوم الأحزاب وفى رواية يوم الخندق والمعنى واحد: "حديث : ملأ الله قبورهم وبيوتهم ناراً كما شغلونا عن صلاة الوسطى حتى غابت الشمس"تفسير : وفى رواية: "حديث : شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر"تفسير : وفى رواية: "حديث : ثم صلاها بين المغرب والعشاء"تفسير : وعن سمرة بن جندب: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : الصلاة الوسطى صلاة العصر"تفسير : وعن حفصة رضى الله عنها لما كتب لها المصحف إذا بلغت هذه الآية فلا تكتبها حتى أمليها عليك، كما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرؤها فأملت عليه: والصلاة الوسطى صلاة العصر، وعن أبى يونس مولى عائشة: أمرتنى عائشة أن كتب لها مصحفا وقالت: إذا بلغت هذه الآية فأذنى {حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى} ولما بلغت أذنتها فأملت علىَّ {حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى}، أو صلاة والعصر {وقوموا لله قانيتن} قلت سمعت من رسول الله، صلى الله عليه وسلم، والواو فى صلاة العصر لعطف المرادف والمرادفة المعنوية، وكذا عن ابن عباس عنه صلى الله عليه وسلم، والصلاة الوسطى وصلاة العصر، وعن ابن المليح كنا مع بريدة فى غزوة فقال فى يوم ذى غيم: بكروا بصلاة العصر، فإن النبى صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله"تفسير : ومعنى التبكير بها تقديمها فى أول وقتها، وعن ابن عمر: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : الذى تفوته صلاة العصر فكأنه وتر أهله وماله"تفسير : أى فقدهما، وعن الربيع بن حبيب، عن جابر بن زيد، عن أنس بن مالك: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من فاته العصر فكأنما وتر أهله وماله"تفسير : قال الربيع: سلب، وقيل نقص. وروى أبو مالك الأشعرى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : الصلاة الوسطى صلاة العصر"تفسير : كذا روى أبو هريرة، وقال قبيصة بن ذؤيب: الصلاة الوسطى صلاة المغرب وذلك أنها بين بياض النهار وسواد الليل، وأما صلاة الفجر فأقرب بالليل وأدخل إليه لشدة الظلام فيها، أو أنها تزيد بركعة على الفجر وتنقص بركعة على سائر الصلوات، وأنها لا تقصر فى السفر، وأما الفجر فلو كان لا يقصر لكن ليس فيه ما يقصر، لأن التقصير للسفر ينتهى إلى ركعتين، والفجر ركعتان، وأنها وتر النهار، وأن صلاة الظهر هى الأولى لأنها أول صلاة صلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم، من الخمس، فالمغرب هى الوسطى، أعنى المتوسطة، وأنها بين صلاتى سر وصلاتى جهر، والجهر فى العشاء أكثر منه فى المغرب، وحكى أبو عمر بن عبد البر محدث الأندلس عن فرقة: أنها صلاة العشاء الأخيرة، وأراد فرقة من المتأخرين، وذلك أنها بين صلاتين لا تقصران واقعتين بين طرفى النهار، وأنها أثقل صلاة على المنافقين. وعن عثمان بن عفان عن النبى صلى الله عليه وسلم: "حديث : من صلى صلاة العشاء الأخيرة فى جماعة كان كقيام نصف ليلة"تفسير : وعن أبى الدرداء، رضى الله عنه، أنه قال فى مرض موته: اسمعوا وأبلغوا من خلفكم حافظوا على هاتين الصلاتين فى جماعة: العشاء والصبح، ولو تعلمون ما فيهما لأتيتموهما ولو حبواً على مرفقكم. وعن أبى هريرة من طريق جابر: "حديث : ولو يعلموا ما فى العتمة والصبح لأتوهما ولو حبواً"تفسير : وذلك من حديث، وقيل: الصلاة الوسطى صلاة الجمعة، وقيل صلاة الوتر، وقيل الصلوات الخمس كلها، والصلاة قبلها الفرض والنفل، ثم خص الخمس بالذكر للمزية، وقيل غير معلومة فى الخمس لنجتهد فى الصلوات الخمس كلهن، كما أخفى ليلة القدر، والاسم الأعظم، وساعة الإجابة يوم الجمعة، ورضا الوالدين، والصغيرة، ووقت الموت، وما يتقبل به عنه أو يشقى به، ليجتهد بالطاعة كلها، وينفر عن المعاصى كلها فى كل وقت، وفى الوقت المحدود بما خص به، واختاره جماعة. فعن ابن سيرين: أن رجلا سأل زيد بن ثابت عن الصلاة الوسطى؟ فقال للسائل: واحدة منهن فحافظ على الكل تكن محافظاً على الوسطى، ثم قال: أرأيت لو علمتها بعينها أكنت محافظا عليها ومضيعا سائرهن؟ فقال السائل: لا. فقال الربيع: إن كنت حافظت عليهن فقد حافظت على الوسطى. قلت: زيد بن ثابت والربيع بن خيثم قد علما بالرواية فيها لكنهما أبهماها على السائل، ليجتهد بالكل. وأصح الأقوال صلاة الفجر، وبه قلنا، ثم صلاة العصر، وبه قال الجمهور، وقرأ عبد الله بن مسعود: وعلى الصلاة الوسطى، وقرأت عائشة: والصلاة الوسطى بنصب الصلاة على المدح، أى وأخص الصلاة الوسطى. {وَقُومُوا للّهِ قانتِينَ}: ذاكرين له فى القيام بالقرآن، وذلك فى الصلاة والقنوة الذكر فى القيام، هذا هو المراد هنا بالقنوت، وإلا فالقنوت أيضاً الذكر فى غير القيام، كما قال الله عز وجل:{أية : أمن هو قانت آناء الليل ساجداً وقائماً}تفسير : وبذا فسر ابن عباس: {وقوموا لله قانتين}، مستدلا بهذه الآية {آمَّن هو قائم} الآية. وعليه فمعنى {قوموا} اشرعوا فى الصلاة، وكونوا فيها. وعن مجاهد: {قانتين} خاشعين بالقلب والجوارح هيبة لله عز وجل، وكان العلماء إذا قاموا للصلاة يهابون الرحمن، أى يلتفتوا، أو يقبلوا الحصى، أو يعبثوا بشئ، أو يحدثوا أنفسهم بشئ من أمر الدنيا، إلا ناسين حتى ينصرفوا، وكانوا يتكلمون فى الصلاة حتى نزلت الآية، كما رواه زيد بن أرقم: كنا نتكلم فى الصلاة حتى نزلت، فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام، وقال ابن عباس وابن المسيب: المراد القنوت فى الصبح والوتر وهو الدعاء فى صلاة الصبح والوتر، وكان صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك على رعل وذكوان وعصية - أحياء من سليم - ثم أمر بترك ذلك، والأولى تفسيره بطول القيام فى الصلاة إذا أمكن الإطالة فيها. أو عن جابر بن عبد الله عنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : أفضل الصلاة طول القنوت أو بالطاعة"تفسير : أى مطيعين لله عز وجل كما قال الشعبى، قال الضحاك: كل قنوت فى القرآن فإنما تعنى به الطاعة، وقاله أبو سعيد الخدرى عن النبى صلى الله عليه وسلم، وكذا قال عكرمة عن ابن عباس: {قانتين} مطيعين، وكل أهل دين غير الإسلام يقومون فى صلاتهم عاصين.
اطفيش
تفسير : {حَٰفِظُواْ عَلَى الصَّلَوَٰتِ} الخمس، بتحسين الطهارة، والأداء أول الوقت، وإحضار القلب، والخشوع، والمداومة، ولتأكيد ذلك قال حافظوا بصيغة المفاعلة التى أصلها أن تكون بين متغالبين، كل يجهد نفسه، وذكره بين ذكر الأزواج والأولاد، وبين الأزواج أيضا لئلا يشغلهم ذلك عن الصلاة {وَالصَّلَٰوةِ الْوُسْطَى} صلاة العصر، توسطت بين صلاتى النهار وصلاتى الليل، أو الصبح توسطت بين صلاة الليل وصلاة النهار ولا تجمع مع غيرها، أو الظهر فى وسط النهار، أو المغرب توسطت فى القصر والطول، أو العشاء توسطت بين صلاتين لا تقصران، أو الوتر أو سنة الفجر، أو سنة المغرب، أو صلاة الجنازة، أو واحدة من الخمس لا بعينها، أو صلاة الجمعة، أو صلاة الجماعة، وخصت من عموم الصلوات لفضلها، أو الوسطى صلاة الفرض كلها، والصلوات الفرض والنفل، وخصت لذلك، أو صلاة الضحى أو صلاة الخوف، أو صلاة الأضحى أو صلاة الفطر، أو صلاة الليل الواجبة، أو صلاة الليل النفل، وما فيه توسط فى الزمان فظاهر، وما لم يكن فيه فمعنى توسطه فضله، والأكثر على أنها صلاة العصر، قال صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب: "حديث : شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر، ملأ الله بيوتهم ناراً"تفسير : ، وعن عائشة أنها تقرأ والصلاة الوسطى صلاة العصر، وعنه صلى الله عليه وسلم والصلاة الوسطى وصلاة العصر بعطف صلاة العصر على الصلاة الوسطى، فهى إما غير العصر وإما هى، والعطف تفسير بإعادة العاطف محاكاة له فى الصلاة الوسطى، فضلت العصر لأن الناس يشتغلون عندها بالمكاسب، كما أن لصلاة الفجر مزية القيام من لذة النوم، وأما اجتماع الملائكة فقيل عند الفجر وعند العصر لأنها من المساء، وأولى منه اجتماعهم عند المغرب والوسطى من معنى الفضل، فقيل الزيادة، وهو مؤنث اسم التفضيل، لا من التوسط بين شيئين، كالكون بين صلاة النهار والليل، لأنه لا يقبل الزيادة، إلا أن يقال بخروجه عن التفضيل، والتوسط المذكور واقع فى الفجر أيضا. ووقع العشاء أيضا باعتبار كونها بين جهريتين، واعترض حديث التفسير بصلاة العصر بأن فى إسناده مقالا، وبأن ذكر صلاة العصر مدرج، لقول على: حبسونا عن الصلاة الوسطى حتى غربت الشمس الجواب أنه لا يكون هذا ردّاً، بل تقوية، إذ لا صلاة تلى الغروب إلا صلاة العصر، فهو بيان لما زعموا أنه مدرج، وما رد به التفسير بصلاة العصر أنهم حبسوهم يوم الأحزاب عن صلاة الظهر والعصر معا، كما فى رواية ويجاب أنه خص العصر بالذكر لمزيد فضلها، وزعم بعض أن الأصل شغلونا عن الصلاة وصلاة العصر، فحذف العاطف، وهو تكلف بعيد، وعورض ذلك أيضا بحديث أحمد وأبى داود أنه صلى الله عليه وسلم يصلى الظهر بالهاجرة. فهى أشد صلاة على أصحابه، فنزل حافظوا... الخ، وحديث أحمد، كان صلى الله عليه وسلم حديث : يصلى الظهر بالهجير فلا يكون وراءه إلا الصف والصفان والناس فى تجارتهم وقائلتهم فنزل، حافظوا... تفسير : الخ، وفى مصحف عائشة بإملائها على الكاتب مولاها أبى يونس، ومصحف حفصة بإملائها على عمرو بن رافع، ومصحف أم سلمة بإملائها على عبدالله بن رافع، حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر، فقيل لذلك، هى الظهر، قال أبى بن كعب، هى كذلك، أو ليس أشغل ما نكون وقت الظهر فى عملنا ونواضحنا، وقيل الصلاة الوسطى أخفاها الله ليحافظ على جميع الصلوات، وليلة القدر ليجتهد فى جميع رمضان، وساعة الإجابة فى يوم الجمعة ليجتهد فيه كله، وبسطت الكلام على ذلك فى آخر وفاء الضمانة فى جزء التفسير {وَقُومُوا لِلَّهِ} فى الصلاة، ويجوز تعليق لله بقوله {قَٰنِتِينَ} كقوله، كل له قانتون، فإن له متعلق بقانتون، أى مطيعين، لقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : كل قنوت فى القرآن طاعة"، تفسير : رواه أحمد، أو قانتين ذاكرين، أى قوموا لله ذاكرين له. أو قوموا ذاكرين لله، أو خاشعين على الوجهين، أو ساكتين، ففى البخارى ومسلم عن زيد بن أرقم، كنا نتكلم فى الصلاة حتى نزلت الآية، قال البخارى أى ساكتين، وعن عكرمة عن زيد بن أرقم، كنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يكلم أحدنا صاحبه فى جنبه فى الصلاة حتى نزل، وقوقوا لله قانتين، سلم ابن مسعود عليه صلى الله عليه وسلم فى الصلاة، فلما سلم قال: لم أرد عليك لأنا أمرنا أن نقوم قانتين فى الصلاة، والقيام فى الصلاة واجب فى صلاة الفرض لمن أطلق، والآية لذلك، ورتب على صلاة الأمن صلاة الخوف بقوله: {فَإِنْ خِفْتُمْ} من عدو، أو سبع، أو سيل حتى لا يمكنكم إتمام حدودها من ركوع وسجود تامين وخشوع {فِرَجَالاً} أى فصلوا رجالا، جمع راجل أو رجل بفتح وضم، أو بفتح وكسر بمعنى ماش {أَوْ رُكْبَاناً} على الإبل أو غيرها، وأصل اللغة أن راكب الفرس فارس، والحمار أو البغل حمار وبغال، والأجود صاحب الحمار وصاحب البغال، صلوا ماشين أو راكبين للقبلة وغيرها بالإشارة للركوع والسجود كيفما أمكن، فرادى أو بجماعة، وفى المسايفة والسفينة عندنا، وعند الشافعى، وعن أبى حنيفة لا يصلى حال المشى والمسابقة، واحتج بأنه أخرها صلى الله عليه وسلم يوم الخندق وقضاهن كلهن فى الليل، كل بأذانها، الجواب، أن صلاة الخوف هذه شرعت بنزول هذه الآية بعد الخندق، وقيل فى ذات الرقاع قبل الخندق، فيكون تأخيرهن يوم الخندق ناسخا لهذه الآية، وهو ضعيف، فإنها بعد الخندق، وفيه كان الخوف الشديد فلا يضر التأخير، فإذا لم يشتد صلى طائفة وقاتلت أخرى، وإن لم يكن ذلك صلوا كما أمكن ولا يؤخروا {فَإِذَآ أَمِنْتُمْ} كنتم فى أمن بعد خوف، أو بدون تقدم خوف، والفاء تدل للأول {فَاذْكُرُواْ اللهَ} صلوا له صلاة الأمن، والذكر الجزء الأعظم منها، فسميت به {كَمَا عَلَّمَكُمْ مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ} من صلاة الخوف والأمن وسائر الدين، هذا إشارة للشكر على الأمن، كما تقول، أكرم زيدا كما علمك العلم، فإنه مفيد للشكر ولو لم تذكر الشكر ولم تقدره، وذكر هنا إذا لتحقق الأمن غالبا، وهناك إن لقلة الخوف وندوره، حتى إنه كالمشكوك فيه، هل يقع، تعالى الله، وذكر ما لم تكونوا تعلمون مع أن التعليم لا يتصور إلا لمن لا يعلم، وإلا لزم تحصيل الحاصل، تذكيراً بأنهم كانوا فى حال سوء، وهو الجهل، فنجاهم الله منه.
الالوسي
تفسير : {حَـٰفِظُواْ عَلَى ٱلصَّلَوٰتِ} أي داوموا على أدائها لأوقاتها من غير إخلال كما ينبىء عنه صيغة المفاعلة المفيدة للمبالغة ولعل الأمر بها عقيب الحض على العفو، والنهي عن ترك الفضل لأنها تهيىء النفس لفواضل الملكات لكونها الناهية عن الفحشاء والمنكر، أو ليجمع بين التعظيم لأمر الله تعالى والشفقة على خلقه، وقيل: أمر بها في خلال بيان ما تعلق بالأزواج والأولاد من الأحكام الشرعية المتشابكة إيذاناً بأنها حقيقة بكمال الاعتناء بشأنها والمثابرة عليها من غير اشتغال عنها بشأن أولئك فكأنه قيل: لا يشغلنكم التعلق بالنساء وأحوالهن وتوجهوا إلى مولاكم بالمحافظة على ما هو عماد الدين ومعراج المؤمنين. {وٱلصَّلَٰوةِ ٱلْوُسْطَىٰ} أي المتوسطة بينها أو الفضلى منها، وعلى الأول استدل بالآية على أن الصلوات خمس/ بلا زيادة دون الثاني، وفي تعيينها أقوال: أحدها أنها الظهر لأنها تفعل في وسط النهار، الثاني أنها العصر لأنها بين صلاتي النهار وصلاتي الليل وهو المروي عن علي والحسن وابن عباس وابن مسعود وخلق كثير وعليه الشافعية والثالث: أنها المغرب، وعليه قبيصة بن ذؤيب لأنها وسط في الطول والقصر والرابع: أنها صلاة العشاء لأنها بين صلاتين لا يقصران. والخامس: أنها الفجر لأنها بين صلاتي الليل والنهار ولأنها صلاة لا تجمع مع غيرها فهي منفردة بين مجتمعين وهو المروي عن معاذ وجابر وعطاء وعكرمة ومجاهد واختاره الشافعي رضي الله تعالى عنه نفسه، وقيل: المراد بها صلاة الوتر، وقيل: الضحى، وقيل: عيد الفطر، وقيل: عيد الأضحى، وقيل: صلاة الليل، وقيل: صلاة الجمعة، وقيل: الجماعة، وقيل: صلاة الخوف (وقيل، وقيل..). والأكثرون صححوا أنها صلاة العصر لما أخرج مسلم من حديث علي كرم الله تعالى وجهه «حديث : أنه صلى الله عليه وسلم قال يوم الأحزاب: شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر ملأ الله تعالى بيوتهم ناراً»تفسير : وخصت بالذكر لأنها تقع في وقت اشتغال الناس لا سيما العرب، قال بعض المحققين: والذي يقتضيه الدليل من بين هذه الأقوال أنها الظهر ونسب ذلك إلى الإمام أبـي حنيفة رضي الله تعالى عنه، وبيان ذلك أن سائر الأقوال ليس لها مستند يقف له العجلان سوى القول بأنها صلاة العصر، والأحاديث الواردة بأنها هي قسمان: مرفوعة وموقوفة، والموقوفة لا يحتج بها لأنها أقوال صحابة عارضها أقوال صحابة آخرين أنها غيرها، وقول الصحابي لا يحتج به إذا عارضه قول صحابـي آخر قطعاً وإنما جرى الخلاف في الاحتجاج به عند عدم المعارضة، وأما المرفوعة فغالبها لا يخلو إسناده عن مقال والسالم من المقال قسمان: مختصر بلفظ الصلاة الوسطى صلاة العصر، ومطول فيه قصة وقع في ضمنها هذه الجملة، والمختصر مأخوذ من المطول اختصره بعض الرواة فوهم في اختصاره على ما ستسمع، والأحاديث المطولة كلها لا تخلو من احتمال فلا يصح الاستدلال بها فقوله من حديث مسلم: «حديث : شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر»تفسير : فيه احتمالان، أحدهما: أن يكون لفظ صلاة العصر ليس مرفوعاً بل مدرج في الحديث أدرجه بعض الرواة تفسيراً منه كما وقع ذلك كثيراً في أحاديث، ويؤيده ما أخرجه مسلم من وجه آخر عن علي كرم الله تعالى وجهه بلفظ «حديث : حبسونا عن الصلاة الوسطى حتى غربت الشمس»تفسير : يعني العصر، الثاني: على تقدير أنه ليس بمدرج يحتمل أن يكون عطف نسق على حذف العاطف لا بياناً ولا بدلاً والتقدير شغلونا عن الصلاة الوسطى وصلاة العصر، ويؤيد ذلك أنه صلى الله عليه وسلم لم يشغل يوم الأحزاب عن صلاة العصر فقط بل شغل عن الظهر والعصر معا كما ورد من طريق أخرى فكأنه أراد بالصلاة الوسطى الظهر وعطف عليها العصر، ومع هذين الاحتمالين لا يتأتى الاستدلال بالحديث والاحتمال الأول أقوى للرواية المشار إليها، ويؤيده من خارج أنه لو ثبت عن النبـي صلى الله عليه وسلم تفسير أنها العصر لوقف الصحابة عنده ولم يختلفوا، وقد أخرج ابن جرير عن سعيد بن المسيب قال: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مختلفين في الصلاة الوسطى هكذا وشبك بين أصابعه، ثم على تقدير عدم الاحتمالين فالحديث معارض بالحديث المرفوع أنها الظهر، وإذا تعارض الحديثان، ولم يكن الجمع طلب الترجيح، وقد ذكر الأصوليون أن من المرجحات أن يذكر السبب، والحديث الوارد في أنها الظهر مبين فيه سبب النزول ومساق لذكرها بطريق القصد بخلاف حديث «شغلونا» الخ فوجب الرجوع إليه، وهو ما أخرجه أحمد وأبو داود بسند جيد عن زيد بن ثابت قال: «حديث : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الظهر بالهاجرة، ولم تكن صلاة أشد على الصحابة منها فنزلت: {حَـٰفِظُواْ عَلَى ٱلصَّلَوٰتِ وٱلصَّلَٰوةِ ٱلْوُسْطَىٰ}» تفسير : وأخرج أحمد من وجه آخر عن زيد أيضاً «حديث : أن رسول الله/ صلى الله عليه وسلم كان يصلي الظهر بالهجير فلا يكون وراءه إلا الصف والصفان، والناس في قائلتهم وتجارتهم فأنزل الله تعالى: {حَـٰفِظُواْ عَلَى ٱلصَّلَوٰتِ} الخ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لينتهين رجال أو لأحرقن بيوتهم»تفسير : ويؤكد كونها غير العصر ما أخرجه مسلم وغيره من طرق عن أبـي يونس مولى عائشة قال: «أمرتني عائشة أن أكتب لها مصحفاً فأملت علي (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر) وقالت: سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم» والعطف يقتضي المغايرة، وأخرج مالك وغيره من طرق أيضاً عن عمرو بن رافع قال: «كنت أكتب مصحفاً لحفصة زوج النبـي صلى الله عليه وسلم فأملت عليّ (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر) وأخرج ابن أبـي داود في «المصاحف» عن عبد الله بن رافع أنه كتب لأم سلمة مصحفاً فأملت عليه مثل ما أملت عائشة وحفصة» وأخرج ابن أبـي داود عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قرأ كذلك، وأخرج أيضاً عن أبـي رافع مولى حفصة قال: «كتبت مصحفاً لحفصة فقالت اكتب حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر فلقيت أبـيّ بن كعب فقال: هو كما قالت أو ليس أشغل ما نكون عند صلاة الظهر في عملنا ونواضحنا» وهذا يدل على أن الصحابة فهموا من هذه القراءة أنها الظهر، هذا وعن الربيع بن خيثم وأبـي بكر الوراق أنها إحدى الصلوات الخمس ولم يعينها الله تعالى وأخفاها في جملة الصلوات المكتوبة ليحافظوا على جميعها كما أخفى ليلة القدر في ليالي شهر رمضان. واسمه الأعظم في جميع الأسماء وساعة الإجابة في ساعات الجمعة؛ وقرأ عبد الله وعلي (الصلاة الوسطى) وروي عن عائشة (والصلاةَ) بالنصب على المدح والاختصاص، وقرأ نافع (الوصطى) بالصاد. {وَقُومُواْ لِلَّهِ} أي في الصلاة {قَـٰنِتِينَ} أي مطيعين كما هو أصل معنى القنوت عند بعض وهو المروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أو ذاكرين له تعالى في القيام بناءاً على أن القنوت هو الذكر فيه، وقيل: خاشعين، وقيل: مكملين الطاعة ومتميها على أحسن وجه من غير إخلال بشيء مما ينبغي فيها، ويؤيده ما أخرجه ابن جرير عن مجاهد قال: من القنوت طول الركوع وغض البصر والخشوع وأن لا يلتفت وأن لا يقلب الحصى ولا يعبث بشيء ولا يحدث نفسه بأمر من أمور الدنيا، وفسره البخاري في «صحيحه» بساكتين لما أخرج هو ومسلم وأبو داود وجماعة عن زيد بن أرقم قال: «كنا نتكلم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصلاة يكلم الرجل منا صاحبه وهو إلى جنبه في الصلاة حتى نزلت: {وَقُومُواْ لِلَّهِ قَـٰنِتِينَ} فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام، ولا يخفى أنه ليس بنص في المقصود، ولعل الأوضح منه ما أخرجه ابن جرير عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنهما قال: أتيت النبـي صلى الله عليه وسلم وهو يصلي فسلمت عليه فلم يرد على فلما قضي الصلاة قال: «حديث : إنه لم يمنعني أن أرد عليك السلام إلا أنا أمرنا أن نقوم قانتين لا نتكلم في الصلاة»تفسير : وقال ابن المسيب: المراد به القنوت في الصبح وهو رواية عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، والجار والمجرور متعلق بما قبله أو بما بعده.
ابن عاشور
تفسير : الانتقال من غرض إلى غرض في آي القرآن لا تلزم له قوة ارتباط، لأن القرآن ليس كتاب تدريس يرتب بالتبويب وتفريع المسائل بعضها على بعض، ولكنه كتاب تذكير وموعظة فهو مجموع ما نزل من الوحي في هدى الأمة وتشريعها وموعظتها وتعليمها، فقد يجمع به الشيء للشيء من غير لزوم ارتباط وتفرع مناسبة، وربما كفى في ذلك نزول الغرض الثاني عقب الغرض الأول، أو تكون الآية مأموراً بإلحاقها بموضع معين من إحدى سور القرآن كما تقدم في المقدمة الثامنة، ولا يخلو ذلك من مناسبة في المعاني، أو في انسجام نظم الكلام، فلعل آية {حافظوا على الصلوات} نزلت عقب آيات تشريع العدة والطلاق لسبب اقتضى ذلك من غفلة عن الصلاة الوسطى، أو استشعار مشقة في المحافظة عليها، فموقع هذه الآية موقع الجملة المعترضة بين أحكام الطلاق والعدد. وإذا أبيت ألاّ تطلب الارتباط فالظاهر أنه لما طال تبيان أحكام كثيرة متوالية: ابتداء من قوله: { أية : يسألونك ماذا ينفقون } تفسير : [البقرة: 215]، جاءت هذه الآية مرتبطة بالتذييل الذي ذيلت به الآية السابقة وهو قوله: { أية : وأن تعفوا أقرب للتقوى ولا تنسوا الفضل بينكم } تفسير : [البقرة: 237] فإن الله دعانا إلى خلق حميد، وهو العفو عن الحقوق، ولما كان ذلك الخلق قد يعسر على النفس، لما فيه من ترك ما تحبه من الملائم، من مال وغيره كالانتقام من الظالم، وكان في طباع الأنفس الشح، علمنا الله تعالى دواء هذا الداء بدواءين، أحدهما دنيوي عقلي، وهو قوله: {ولا تنسوا الفضل بينكم}، المذكر بأن العفو يقرب إليك البعيد، ويصير العدو صديقاً وأنك إن عفوت فيوشك أن تقترف ذنباً فيعفى عنك، إذا تعارف الناس الفضل بينهم، بخلاف ما إذا أصبحوا لا يتنازلون عن الحق. الدواء الثاني أخروي روحاني: وهو الصلاة التي وصفها الله تعالى في آية أخرى بأنها تنهى عن الفحشاء والمنكر، فلما كانت معينة على التقوى ومكارم الأخلاق، حث الله على المحافظة عليها. ولك أن تقول: لما طال تعاقب الآيات المبينة تشريعات تغلب فيها الحظوظ الدنيوية للمكلفين، عقبت تلك التشريعات بتشريع تغلب فيه الحظوظ الأخروية، لكي لا يشتغل الناس بدراسة أحد الصنفين من التشريع عن دراسة الصنف الآخر، قال البيضاوي: «أمر بالمحافظة عليها في تضاعيف أحكام الأولاد والأزواج، لئلا يلهيهم الاشتغال بشأنهم عنها». وقال بعضهم: «لما ذكر حقوق الناس دلهم على المحافظة على حقوق الله» وهو في الجملة مع الإشارة إلى أن في العناية بالصلوات أداء حق الشكر لله تعالى على ما وجه إلينا من عنايته بأمورنا التي بها قوام نظامنا وقد أومأ إلى ذلك قوله في آخر الآية { أية : كما علمكم ما لم تكونوا تعلمون } تفسير : [البقرة: 239] أي من قوانين المعاملات النظامية. وعلى هذين الوجهين الآخرين تكون جملة {حافظوا على الصلوات} معترضة وموقعها ومعناها مثل موقع قوله: { أية : واستعينوا بالصبر والصلاة } تفسير : [البقرة: 45] بين جملة { أية : يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأوفوا بعهدي } تفسير : [البقرة: 40]. وبين جملة { أية : يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأني فضلتكم على العالمين } تفسير : [البقرة: 122] وكموقع جملة { أية : يأيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين } تفسير : [البقرة: 153] بين جملة { أية : فلا تخشوهم واخشوني } تفسير : [البقرة: 150] الآية وبين جملة: { أية : ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات } تفسير : [البقرة: 154] الآية. و{حافظوا}صيغة مفاعلة استعملت هنا للمبالغة على غير حقيقتها، والمحافظة عليها هي المحافظة على أوقاتها من أن تؤخر عنها والمحافظة تؤذن بأن المتعلق بها حق عظيم يُخشى التفريط فيه. والمراد: الصلوات المفروضة. «وأل» في الصلوات للعهد، وهي الصلوات الخمس المتكررة؛ لأنها التي تُطلب المحافظة عليها. {والصلاة الوسطى} لا شك أنها صلاة من جملة الصلوات المفروضة لأن الأمر بالمحافظة عليها يدل على أنها من الفرائض، وقد ذكرها الله تعالى في هذه الآية معرفة بلام التعريف وموصوفة بأنها وسطى، فسمعها المسلمون وقرأوها، فإما عرفوا المقصود منها في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم ثم طرأ عليهم الاحتمال بعده فاختلفوا، وإما شغلتهم العناية بالسؤال عن مهمات الدين في حياة الرسول عن السؤال عن تعيينها لأنهم كانوا عازمين على المحافظة على الجميع، فلما تذاكروها بعد وفاته صلى الله عليه وسلم اختلفوا في ذلك فنبع من ذلك خلاف شديد أنهيت الأقوال فيه إلى نيف وعشرين قولاً، بالتفريق والجمع، وقد سلكوا للكشف عنها مسالك؛ مرجعها إلى أخذ ذلك من الوصف بالوسطى، أو من الوصاية بالمحافظة عليها. فأما الذين تعلقوا بالاستدلال بوصف الوسطى: فمنهم من حاول جعل الوصف من الوسط بمعنى الخيار والفضل، فرجع إلى تتبع ما ورد في تفضيل بعض الصلوات على بعض، مثل قوله تعالى: { أية : إن قرآن الفجر كان مشهوداً } تفسير : [الإسراء: 78] وحديث عائشة: « حديث : أفضل الصلوات عند الله صلاة المغرب » تفسير : . ومنهم من حاول جعل الوصف من الوسط: وهو الواقع بين جانبين متساويين من العدد فذهب يتطلب الصلاة التي هي بين صلاتين من كل جانب، ولما كانت كل واحدة من الصلوات الخمس صالحة لأن تعتبر واقعة بين صلاتين، لأن ابتداء الأوقات اعتباري، ذهبوا يعينون المبدأ فمنهم من جعل المبدأ ابتداء النهار، فجعل مبدأ الصلوات الخمس صلاة الصبح فقضى بأن الوسطى العصر، ومنهم من جعل المبدأ الظهر، لأنها أول صلاة فرضت؛ كما في حديث جبريل في «الموطأ»، فجعل الوسطى: المغرب. وأما الذين تعلقوا بدليل الوصاية على المحافظة، فذهبوا يتطلبون أشق صلاة على الناس تكثر المثبطات عنها، فقال قوم: هي الظهر لأنها أشق صلاة عليهم بالمدينة، كانوا أهل شغل، وكانت تأتيهم الظهر وهم قد أتعبتهم أعمالهم، وربما كانوا في إكمال أعمالهم، وقال قوم: هي العشاء؛ لما ورد أنها أثقل صلاة على المنافقين، وقال بعضهم: هي العصر لأنها وقت شغل وعمل؛ وقال قوم: هي الصبح لأنها وقت نوم في الصيف، ووقت تطلب الدفء في الشتاء. وأصح ما في هذا الخلاف: ما جاء من جهة الأثر وذلك قولان: أحدهما أنها الصبح، هذا قول جمهور فقهاء المدينة وهو قول عمر وابنه عبد الله وعلي وابن عباس وعائشة وحفصة وجابر بن عبد الله، وبه قال مالك، وهو عن الشافعي أيضاً، لأن الشائع عندهم أنها الصبح، وهم أعلم الناس بما يروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو قرينة حال. القول الثاني: أنها العصر، وهذا قول جمهور من أهل الحديث، وهو قول عبد الله بن مسعود، وروي عن علي أيضاً، وهو الأصح عن ابن عباس أيضاً وأبي هريرة وأبي سعيد الخدري، ونسب إلى عائشة وحفصة والحسن، وبه قال أبو حنيفة والشافعي في رواية، ومال إليه ابن حبيب من المالكية، وحجتهم ما روي حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يومَ الخندق حين نسي أن يصلي العصر من شدة الشغل في حفر الخندق، حتى غربت الشمس فقال: «شغلونا ــــ أي المشركون ــــ عن الصلاة الوسطى، أضرم الله قبورهم ناراً»تفسير : . والأصح من هذين القولين أولهما لما في «الموطأ» و«الصحيحين» أن عائشة وحفصة أمَرَتا كاتبي مصحفيهما أن يكتبا قوله تعالى: {حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر وقوموا لله قانتين} وأسندت عائشة ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم تسنده حفصة، فإذا بطل أن تكون الوسطى هي العصر، بحكم عطفها على الوسطى تعين كونها الصبح، هذا من جهة الأثر. وأما من جهة مسالك الأدلة المتقدمة، فأفضلية الصبح ثابتة بالقرآن، قال تعالى مخصصاً لها بالذكر { أية : وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهوداً } تفسير : [الإسراء: 78] وفي الصحيح أن ملائكة الليل وملائكة النهار يجتمعون عند صلاة الصبح، وتوسطها بالمعنى الحقيقي ظاهر، لأن وقتها بين الليل والنهار، فالظهر والعصر نهاريتان، والمغرب والعشاء ليليتان، والصبح وقت متردد بين الوقتين، حتى إن الشرع عامل نافلته معاملة نوافل النهار فشرع فيها الإسرار، وفريضته معاملة فرائض الليل فشرع فيها الجهر. ومن جهة الوصاية بالمحافظة عليها، هي أجدر الصلوات بذلك لأنها الصلاة التي تكثر المثبطات عنها، باختلاف الأقاليم والعصور والأمم، بخلاف غيرها فقد تشق إحدى الصلوات الأخرى على طائفة دون أخرى، بحسب الأحوال والأقاليم والفصول. ومن الناس من ذهب إلى أن الصلاة الوسطى قصد إخفاؤها ليحافظ الناس على جميع الصلوات، وهذا قول باطل؛ لأن الله تعالى عرَّفها باللام ووصفها فكيف يكون مجموع هذين المعرفين غير مفهوم وأما قياس ذلك على ساعة الجمعة وليلة القدر ففاسد، لأن كليهما قد ذكر بطريق الإبهام وصحت الآثار بأنها غير معينة. هذا خلاصة ما يعرض هنا في تفسير الآية. وقوله تعالى: {وقوموا لله قانتين} أمر بالقيام في الصلاة بخضوع، فالقيام الوقوف، وهو ركن في الصلاة فلا يترك إلا لعذر، وأما القنوت: فهو الخضوع والخشوع قال تعالى: { أية : وكانت من القانتين } تفسير : [التحريم: 12] وقال: { أية : إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفاً } تفسير : [النحل: 120] وسمي به الدعاء المخصوص الذي يدعى به في صلاة الصبح أو في صلاة المغرب، على خلاف بينهم، وهو هنا محمول على الخضوع والخشوع، وفي الصحيح عن ابن مسعود « حديث : كنا نسلم على رسول الله وهو يصلي فيرد علينا فلما رجعنا من عند النجاشي سلمنا عليه فلم يرد علينا وقال: إن في الصلاة لشغلاً » تفسير : وعن زيد بن أرقم: كان الرجل يكلم الرجل إلى جنبه في الصلاة حتى نزلت {وقوموا لله قانتين} فأمرنا بالسكوت. فليس {قانتين} هنا بمعنى قارئين دعاء القنوت، لأن ذلك الدعاء إنما سمي قنوتاً استرواحاً من هذه الآية عند الذين فسروا الوسطى بصلاة الصبح كما في حديث أنس « حديث : دعا النبي على رعل وذكوان في صلاة الغداة شهراً وذلك بدء القنوت وما كنا نقنت».
القطان
تفسير : الوسطى: الفضلى. تأتي بمعنى المتوسط بين شيئين. قانتين: خاشعين لله ذاكرين. في اثناء الكلام على تنظيم الأسرة يذكّرنا تعالى بالمحافظة على الصلاة، عماد الدين، فيقول: داوِموا على الصلوات الخمس جميعا وحافظوا عليها. ثم إنه أكد على الصلاة الوسطى وهي صلاة العصر، لأنها في أواخر النهار حين ينتهي الإنسان من عمله اليومي فيقف بين يدي الله متضرعاً للخير وشاكرا على ما رزقه ووفّقه. وقيل في الصلاة الوسطى هي الظهر والمغرب والعشاء والفجر، وكلها بين صلاتين. وهناك من قال ان الصلاة الوسطى هي الصلاة الفضلى المتقنة التي أقيمت وأُديت على أحسن وجه. {وَقُومُواْ للَّهِ قَانِتِينَ} أي خاشعين منصرفين بكل مشاعركم. وقد روى احمد والشيخان عن زيد بن أرقم قال: "كنا يكلّم الرجل منا صاحبه وهو الى جنبه في الصلاة، حتى نزلت الآية {وَقُومُواْ للَّهِ قَانِتِينَ} فأُمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام.
د. أسعد حومد
تفسير : {حَافِظُواْ} {ٱلصَّلَوَاتِ} {ٱلصَّلاَةِ} {قَانِتِينَ} (238) - يَأْمُرُ اللهُ تَعَالَى المُؤْمِنينَ بِالحِرْصِ عَلَى إقامَةِ الصَّلاَةِ فِي أَوْقَاتِهَا، وَحِفْظِ حُدُودِها، وَأدائِها بِخُشُوعِها. وَالصَّلاَةُ الوُسْطَى هِيَ صَلاةُ العَصْرِ عَلَى أَرْجَحِ الأَقْوالِ. وَيَأمُرُهُمْ تَعَالَى بِالقِيَامِ خَاشِعِينَ مُسْتَكِينِينَ بَيْنَ يَدَيهِ، مُتَفَرِّغِينَ مِنْ كُلِّ فِكْرٍ وَعَمَلٍ يَشْغَلُ عَنْ حُضُورِ القَلْبِ وَخُشُوعِهِ. قَانِتينَ - خَاشِعِينَ مُسْتَكِينِينَ بَيْنَ يَدَي اللهِ. الصَّلاَةِ الوُسْطَى - صَلاَةِ العَصْرِ.
الثعلبي
تفسير : {حَافِظُواْ عَلَى ٱلصَّلَوَاتِ} أي واظبوا وداوموا على الصلوات المكتوبات بمواقيتها وحدودها وركوعها وسجودها وقيامها وقعودها وجميع ما يجب فيها من حقوقها، وكل صلاة في القرآن مقرونة بالمحافظة فالمراد بها الصلوات الخمس، ثم خصّ الصلاة الوسطى من بينها بالمحافظة دلالة على فضلها كقوله تعالى: {مَن كَانَ عَدُوّاً للَّهِ وَمَلاۤئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ} وهما من جملة الملائكة، وقوله: {أية : فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ} تفسير : [الرحمن: 68] أخرجهما بالذكر من الجملة بالواو الدالة على التخصيص والتفصيل، فكذلك قوله: {وٱلصَّلاَةِ ٱلْوُسْطَىٰ}. وقرأت عائشة {وٱلصَّلاَةِ ٱلْوُسْطَىٰ} بالنصب على الإغراء، وروى قالون عن نافع {ٱلْوُسْطَىٰ} بالصاد لمجاورة الطاء لأنهما من جنس واحد، وهما لغتان كالصراط والسراط، والصدغ والسدغ، والبصاق والبساق، واللصوق واللسوق، والصندوق والسندوق، والصقر والسقر. والوسطى تأنيث الأوسط، ووسط الشيء خيره وأعدله لأن خير الأمور أوسطها، قال الله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً} أي خياراً وعدلا، وقال تعالى: {أية : قَالَ أَوْسَطُهُمْ} تفسير : [القلم: 28] أي خيرهم وأفضلهم، وقال أعرابي يمدح النبي صلى الله عليه وسلم: شعر : يا أوسط الناس طرّاً في مفاخرهم وأكرم الناس أُمّاً برّة وأبا تفسير : واختلف العلماء في الوسطى وأي صلاة هي، فقال سعيد بن المسيب: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها هكذا في الاختلاف، وشبّك من أصابعه، فقال قوم: هي صلاة الفجر، وهو قول معاذ وعمر وابن عباس وابن عمر وجابر بن عبد الله وعطاء وعكرمة والربيع ومجاهد وعبد الله بن شداد بن الهاد، وعن موسى بن وهب قال: سمعت أبا أمامة وقد سئل عن الصلاة الوسطى قال: لا أحسبها إلاّ صلاة الصبح. معمر بن طاوس عن أبيه وإسماعيل بن شروس عن عكرمة قالا: هي الصبح يعني الصلاة الوسطى، وهو اختيار الإمام أبي عبد الله الشافعي، يدلّ عليه ما روى الربيع عن أبي العالية أنه صلّى مع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الغداة، فلمّا أن فرغوا قال: قلت لهم: أيّتهنّ الصلاة الوسطى؟ قالوا: التي صلّيتها، قيل: ولأنها بين صلاتي ليل وصلاتي نهار. وروى عكرمة عن ابن عباس قال: هي صلاة الصبح، وسّطت فكانت بين الليل والنهار، يصلّى في سواد من الليل وبياض من النهار، وهي أكبر الصلوات تفوت الناس، ولأنها لا تقصر ولا تجمع إلى غيرها، ولأنها بين صلاتين تجمعان، وتصديق هذا التأويل من التنزيل دالا على التخصيص والتفضيل قوله تعالى {أية : وَقُرْآنَ ٱلْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ ٱلْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً} تفسير : [الإسراء: 78] يعني تشهده ملائكة الليل وملائكة النهار، مكتوب في ديوان الليل وديوان النهار، ودليل آخر من سياق الآية وهو أنه عقبها بقوله {وَقُومُواْ للَّهِ قَانِتِينَ} يعني وقوموا لله فيها قانتين، قالوا: ولا صلاة مكتوبة فيها قنوت سوى صلاة الفجر فعلم أنها هي، وفيه دليل على ثبوت القنوت. وقال أبو رجاء العطاردي: صلّى بنا ابن عباس في مسجد البصرة صلاة الغداة، فقنت بنا قبل الركوع ورفع يديه، فلمّا فرغ قال: هذه الصلاة الوسطى التي أُمرنا أن نقوم فيها قانتين، والدليل عليه ما روى حنظلة عن أنس قال: قنت رسول الله صلى الله عليه وسلم شهراً وقال: ما زال رسول الله صلى الله عليه وسلم يقنت في صلاة الغداة حتى فارق الدنيا. ابن أبي ليلى عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس قال: قنت رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى مات، وأبو بكر حتى مات، وعمر حتى مات، وعثمان حتى مات، وعلي حتى مات، وقال آخرون: هي صلاة الظهر وهو قول زيد بن ثابت وأبي سعيد الخدري وأسامة بن زيد وعائشة. روى عروة عن زيد بن ثابت" حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلّي بالهاجرة وكانت أثقل الصلوات على أصحابه فلا يكون وراءه إلاّ الصف والصفّان، وأكثر الناس يكونون في قائلتهم وفي تجاراتهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لقد هممت أن أحرق على قوم لا يشهدون الصلاة بيوتهم" تفسير : فنزلت هذه الآية {حَافِظُواْ عَلَى ٱلصَّلَوَاتِ وٱلصَّلاَةِ ٱلْوُسْطَىٰ} ودليلهم أنها وسط النهار ما روى أبو ذر عن علي كرم الله وجهه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : إنّ الله في السماء الدنيا حلفة تزول منها الشمس، فإذا مالت الشمس سبّح كل شيء لربّنا، وأمر الله تعالى بالصلاة في تلك الساعة، وهي الساعة التي تفتح فيها أبواب السماء فلا تغلق حتى يصلّى الظهر، ويستجاب فيها الدعاء ". تفسير : ولأنها أوسط صلوات النهار، ومن خصائصها أنها أول صلاة فرضت، وأول صلاة توجّه فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلى الكعبة، وهي التي ترفع جميع الصلوات والجماعات [لأجلها] يوم الجمعة. وقال بعضهم: هي صلاة العصر، وهو قول علي وعبد الله وأبي هريرة والنخعي وزرّ بن حبيش وقتادة وأبي أيوب والضحّاك والكلبي ومقاتل، واختيار أبي حنيفة، يدلّ عليه ما روى الحسن عن سمرة بن جندب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : صلاة الوسطى العصر ". تفسير : وفي بعض الأخبار هي التي فرّط فيها سليمان عليه السلام. سفيان بن عيينة عن البراء بن عازب قال: نزلت {حَافِظُواْ عَلَى ٱلصَّلَوَاتِ} وصلاة العصر فقرأناها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ما شاء الله ثم (سنحتها) {حَافِظُوا عَلَى الصلاتِ وَالصلاةِ الْوُسْطَى} فقال له بعضهم: فهي صلاة العصر، قال: أعلمتك كيف نزلت وكيف نسختها، والله أعلم. نافع عن حفصة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنها قالت لكاتب مصحفها: إذا بلغت مواقيت الصلاة فأخبرني حتى أخبرك بما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلمّا أخبرها قالت: اكتب إني سمعت رسول الله يقول {حَافِظُواْ عَلَى ٱلصَّلَوَاتِ وٱلصَّلاَةِ ٱلْوُسْطَىٰ} صلاة العصر. هشام عن عروة عن أبيه قال كان في مصحف عائشة {حَافِظُواْ عَلَى ٱلصَّلَوَاتِ وٱلصَّلاَةِ ٱلْوُسْطَىٰ} صلاة العصر {وَقُومُواْ للَّهِ قَانِتِينَ} وهكذا كان يقرأها أبي بن كعب وعبيد بن عمير. الأعمش عن مسلم عن شتير بن شكل عن علي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب: "حديث : شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر، ملأ الله بيوتهم أو قبورهم نارا ". تفسير : قال ثم صلاّها بين العشاءين، وفي بعض الأخبار أن رجلا قال في مجلس عبد العزيز بن مروان:" حديث : أرسلني أبو بكر وعمر وأنا غلام صغير إلى النبي صلى الله عليه وسلم أسأله عن الصلاة الوسطى، فأخذ اصبعي الصغيرة فقال: "هذه الفجر"، وقبض التي تليها وقال: "هذه الظهر"، ثم قبض الإبهام فقال: "هذه المغرب"، ثم قبض التي تليها فقال: "هذه العشاء"، ثم قال: "أي أصابعك بقيت؟" فقلت: الوسطى، فقال: "أي الصلاة بقيت؟" قلت: العصر، قال: هي العصر ". تفسير : قالوا: ولأنها بين صلاتي نهار وصلاتي ليل، (وكان) النبي صلى الله عليه وسلم متسامحاً فأخذ يصلّيها ويبالغ، وروى أبو تميم الحبشاني عن أبي بصرة الغفاري قال:" حديث : صلّى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة العصر، فلمّا انصرف قال: "إن هذه الصلاة فرضت على من كان قبلكم؛ فتوانوا فيها وتركوها؛ فمن صلاّها منكم وحافظ عليها أوتي أجرها مرّتين ولا صلاة بعدها حتى يرى الشاهد" والشاهد: النجم ". تفسير : أبو قلابة عن أبي المهاجر عن بريدة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : بكّروا بالصلاة في يوم الغيم فإنه من فاتته صلاة العصر حبط عمله ". تفسير : نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : الذي يصلّي العصر كافاه في أهله وماله ". تفسير : وقال قبيصة بن ذؤيب: هي صلاة المغرب، ألا ترى أنها واسطة ليست بأقلها ولا أكثرها وهي لا تقصر في السفر ومن وتر النهار. هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن أفضل الصلوات صلاة المغرب، لم يحطها الله عن مسافر ولا مقيم، فتح الله بها صلاة الليل، وختم بها النهار، فمن صلّى المغرب وصلّى بعدها ركعتين بنى الله له قصراً في الجنة، ومن صلّى بعدها أربع ركعات غفر الله له ذنب عشرين سنة، أو قال: أربعين سنة ". تفسير : وحكى الشيخ أبو ميثم سهل بن محمد عن بعضهم أنها صلاة العشاء الأخيرة، وقال: لأنها بين صلاتين لا تقصران. وروى عبد الرحمن بن أبي عمر عن عثمان بن عفان (رضي الله عنه) عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : من صلّى العشاء في جماعة كان كقيام نصف ليلة، ومن صلى الفجر في جماعة كان كقيام ليلة ". تفسير : وقال بعضهم: هي إحدى الصلوات الخمس ولا نعرفها عينها، سئل الربيع بن خيثم عن الصلاة الوسطى فقال للسائل: [أراغب] إن علمتها كنت محافظاً عليها ومضيّعاً سائرهن؟ قال: لا، قال: فإنك إنْ حافظت عليهنّ فقد حافظت عليها، وبه قال أبو بكر الورّاق، قال: لو شاء الله عزّ وجلّ لبيّنها، ولكنه سبحانه أراد تنبيه الخلق على أداء الصلوات. قال الثعلبي [ولقد أحسنا] في قوليهما فإن الله تعالى أخفى الصلاة الوسطى في جميع الصلوات المكتوبة ليحافظوا على جميعها رجاء الوسطى، كما أخفى ليلة القدر في ليالي شهر رمضان، واسمه الأعظم في جميع الأسماء، وساعة الإجابة في ساعات الجمعة حكمةً منه في فعله ورحمةً على خلقه. وفي قوله عزّ وجلّ {وٱلصَّلاَةِ ٱلْوُسْطَىٰ} دليل على أن الوتر ليس بواجب وذلك أن المسلمين اتفقوا على أن الصلوات المفروضات تنقص عن سبعة وتزيد على ثلاثة، وليس من الثلاثة والسبعة فرد إلاّ خمسة، والأزواج لا وسطى لها، فثبت أنها خمسة. قتادة عن أنس قال: قال رجل:" حديث : يا رسول الله، كم افترض الله على عباده الصلوات؟ قال: خمس صلوات، قال: فهل قبلهنّ وبعدهنّ شيء افترض الله على عباده قال: لا، فحلف الرجل بالله لا يزيد عليهنّ ولا ينقص، فقال النبي صلى الله عليه وسلم «إن صدق الرجل دخل الجنة ". تفسير : وعن طلحة بن عبيد الله قال:" حديث : جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل نجد ثائر الرأس، يسمع دوي صوته ولا يفهم ما يقول، حتى دنا فإذا هو يسأل عن الإسلام، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم "خمس صلوات في اليوم والليلة" قال: هل عليّ غيرهنّ؟ قال: "لا إلاّ أن تتطوع" قال صلى الله عليه وسلم "وصيام شهر رمضان" قال: هل عليّ غيره؟ قال: "لا، إلاّ أن تتطوع" وذكر له عليه الصلاة والسلام الزكاة، قال: هل عليّ غيرها؟ قال: "لا، إلاّ أن تتطوع" فأدبر الرجل وهو يقول: والله لا أزيد على هذا ولا أنقص منه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "أفلح إن صدق ". تفسير : عن محمد بن يحيى بن حيان عن ابن جرير" حديث : أن رجلا من بني كنانة يدعى المحدجي كان يسمع رجلا بالشام يكنى أبا محمد يقول: الوتر واجب، قال المحدجي: فرحت إلى عبادة بن الصامت واعترضت له وهو رايح إلى المسجد فأخبرته بالذي قال أبو محمد، فقال عبادة: كذب أبو محمد، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: خمس صلوات كتبهنّ الله على العباد، من جاء بهنّ لم يضيّع منهنّ استخفافاً بحقهنّ كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة، ومن لم يأت بهنّ فليس له عند الله عهد إن شاء عذّبه الله وإن شاء أدخله الجنة ". تفسير : وعن عاصم بن ضمرة عن علي بن أبي طالب (رضي الله عنه) قال:" حديث : ليس الوتر بحتم لأنه لا تكبير به ولكنه سنّة سنّها رسول الله صلى الله عليه وسلم، والدليل على أنّ الوتر ليس بواجب ما روى نافع عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يوتر على راحلته"تفسير : ، وعن نافع أيضاً أن ابن عمر كان يوتر على بعيره، ويذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك، وأجمع الفقهاء على أن الصلاة المكتوبة على الراحلة في حال الأمن لا تجوز. {وَقُومُواْ للَّهِ قَانِتِينَ} أي مطيعين، قاله الشعبي وعطاء وجابر بن زيد وسعيد بن جبير والحسن وقتادة وطاووس وابن عباس برواية عكرمة وعطية وابن أبي طلحة، قال الضحّاك ومقاتل والكلبي:" حديث : لكل أهل دين صلاة يقومون فيها عاصين، فقوموا أنتم في صلواتكم لله مطيعين، ودليل هذا التأويل ما روى أبو سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: كل قنوت في الظهرين هو الطاعة ". تفسير : وقال بعضهم: القنوت: السكوت [عمّا] لا يجوز التكلم به في الصلاة، قال زيد بن أرقم: كنّا نتكلّم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصلاة ويكلّم أحدنا مَنْ إلى جانبه، ويدخل الداخل فيسلّم فيردون عليه، ويسألهم: كم صلّيتم؟ فيردّون عليه مخبرين كم صلوا، ويجيء خادم الرجل وهو في الصلاة فيكلّمه بحاجته كفعل أهل الكتاب، فكنّا كذلك إلى أن نزلت {وَقُومُواْ للَّهِ قَانِتِينَ} فأُمرنا بالسكوت ونُهينا عن الكلام. مجاهد: خاشعين، قال: ومن القنوت طول الركوع وغضّ البصر والركود وخفض الجناح، كان العلماء إذا قام أحدهم يصلّي يهاب الرحمن أن يلتفت أو يقلّب الحصى أو يعبث بشيء أو يحدّث نفسه بشيء من أمر الدنيا إلاّ ناسياً. الحسن والربيع: قياماً في الصلاة، يدلّ عليه حديث جابر" حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل: أيّ الصلاة أفضل؟ فقال: طول القنوت ". تفسير : وقال ابن عباس في رواية رجاء: داعين في صلاتهم، دليله أن النبي صلى الله عليه وسلم قنت على رجل وذكر أن أي دعاء عليهم [قد] قيل: مصلّين دليله قوله تعالى {أية : أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَآءَ ٱللَّيْلِ} تفسير : [الزمر: 9] أي مصلِّ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : مثل المجاهد في سبيل الله كمثل القانت الصائم" تفسير : أي المصلي الصائم {فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً} أي رجّالة، ويقال: راجل ورجال مثل صاحب وصحاب وصائم وصيام وقائم وقيام، قال الله تعالى {أية : يَأْتُوكَ رِجَالاً} تفسير : [الحج: 27] قال الأخطل: شعر : وبنو غدانة شاخص أبصارهم يمشون تحت بطونهنّ رجالا تفسير : يروى أنهم أحنوا مأسورين وأبصارهم شاخصة إلى ولْدهم {أَوْ رُكْبَاناً} على دوابّهم، وهو جمع راكب، قال المفضل: لا يقال راكب إلاّ لصاحب الجمل، فأمّا صاحب الفرس فيقال له فارس، ولراكب الحمار الحمّار، ولراكب البغال بغّال، ونصبت على الحال، أي فصلّوا رجالا أو ركباناً. ومعنى الآية: فإن لم يمكنكم أن تصلّوا قانتين موفين الصلاة حقّها لخوف فصلّوا رجالا أي مشاة على أرجلكم، أو ركباناً على ظهور دوابّكم، فإن ذلك يجزيكم. قال المفسرون: هذا في المسابقة والمطاردة، يصلّي حيث يولي وجهه، مستقبل القبلة أو غير مستقبلها، راكباً أو راجلا، ويجعل السجود أخفض من الركوع، يومئ إيماء، وهذه صلاة شدّة خوف، والصلاة في حال الخوف على ضربين، وسنذكرها في سورة النساء، وصلاة شدّة الخوف وهي هذه، والخوف الذي يجوز للمصلّي أن يصلي من أجله راكباً أو [راجلا] وحيث ما كان وجهته هو المحاربة والمسابقة في قتال من أُسر بقتال من عدوّ أو محارب أو خوف سبع هائج، أو جمل صائل، أو سيل سائل، أو كان الأغلب من شأنه الهلاك، وإن صلّى صلاة الأمن فله أن يصلي صلاة شدة الخوف وهي ركعتان، فإن صلاّها ركعة واحدة جاز لما روى مجاهد عن ابن عباس قال: فرض الله عزّ وجلّ الصلاة على لسان نبيّكم في الحضر أربعاً وفي السفر ركعتين، وفي الخوف ركعة. وقال سعيد بن جبير: إذا كنت في القتال، والتقى الزحفان، وضرب الناس بعضهم بعضاً فقل: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلاّ الله والله أكبر، واذكر الله، فتلك صلاتك. قال الزهري: فإن لم يستطع فلا يدع ذكرها في نفسه. {فَإِذَآ أَمِنتُمْ فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ} أي فصلوا الصلوات الخمس تامّة لحقوقها {كَمَا عَلَّمَكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ * وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ} يا معشر الرجال {وَيَذَرُونَ} ويتركون {أَزْوَاجاً} زوجات. قال الكسائي: أكثر ما تقول العرب للمرأة زوجة، ولكن في القرآن زوج {وَصِيَّةً لأَزْوَاجِهِمْ} قرأ الحسن وأبو عمرو وأبو عامر والأعمش وحمزة (وصيّة) بالنصب على معنى فليوصوا وصية، وقرأ الباقون بالرفع على معنى كُتب عليهم الوصية، وقيل: معناه لأزواجهم وصية، وقيل: ولتكن وصية، ودليل هذه القراءة قراءة عبد الله: كُتبت عليهم وصية لأزواجهم. وقرأ أُبي: ويذرون أزواجاً متاع لأزواجهم، قال أبو عبيد: ومع هذا رأينا هذا المعنى كلّها في القرآن رفعاً مثل قوله {فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ}، {فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ} ونحوهما. {مَّتَاعاً} نصب على المصدر أي متّعوهنّ متاعاً، وقيل: جعل الله عزّ وجلّ ذلك لهنّ متاعاً، وقيل: نصب على الحال، وقيل: نصب بالوصية كقوله {أية : أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ * يَتِيماً} تفسير : [البلد: 14-15]. والمتاع: النفقة سنة لطعامها وكسوتها أو سكناها أو ما تحتاج إليه {إِلَى ٱلْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ} نصب على الحال، وقيل: بنزع حرف الصفة أي من غير إخراج. فأما تفسير الآية وحكمها، فقال ابن عباس وسائر المفسرين: نزلت هذه الآية في رجل من أهل الطائف يقال له: حكيم بن الحرث هاجر إلى المدينة وله أولاد ومعه أبواه وامرأته فمات، فرفع ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى هذه الآية، فأعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم والديه وأولاده من ميراثه ولم يعط امرأته غير أنّه أمرهم أن ينفقوا عليها من تركة زوجها حولا، وذلك أن الرجل كان إذا مات وترك امرأة اعتدّت سنة في بيت زوجها لا تخرج، فإذا كان الحول خرجت ورمت كلباً ببعرة تعني بذلك أن قعودها بعد زوجها أهون عليها من بعرة رُمي بها كلب، وقد ذكر ذلك الشعراء في شعرهم، قال لبيد: شعر : والمرملات إذا تطاول عامها تفسير : وكان سكناها ونفقتها واجبة في مال زوجها هذه السنة ما لم تخرج، وكان ذلك حظّها من تركة زوجها، ولم يكن لها الميراث، وإنْ خرجت من بيت زوجها فلا نفقة لها، وكان الرجل يوصي بذلك، وكان كذلك حتى نزلت آية المواريث فنسخ الله نفقة الحول بالربع والثمن، ونسخ عدة الحول بقوله {يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً} قال الله تعالى {فَإِنْ خَرَجْنَ} يعني من قبل أنفسهنّ قبل الحول من غير إخراج الورثة {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ} يا أولياء الميت {فِي مَا فَعَلْنَ فِيۤ أَنْفُسِهِنَّ مِن مَّعْرُوفٍ} يعني التشوق للنكاح، وفي معنى رفع الجناح عن الرجال بفعل النساء وجهان: أحدهما: لا جناح عليكم في قطع النفقة عنهنّ إذا خرجن قبل انقضاء الحول. والوجه الآخر: لا جناح عليكم في ترك منعهنّ من الخروج لأن مقامها حولا في بيت زوجها غير واجب عليها، خيّرها الله في ذلك إلى أن نسخت أربعة أشهر وعشراً، لأن ذلك لو كان واجباً عليها ما كان على أولياء الزوج منعها من ذلك، فرفع الله الجناح عنهم وعنها، وأباح لها الخروج إن شاءت، ثم نسخ النفقة بالميراث، ومقام السنة بأربعة أشهر وعشراً {وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِٱلْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى ٱلْمُتَّقِينَ} قد ذكرنا حكم المتعة بالاستقصاء، فأغنى عن إعادته، وإنّما أعاد ذكرها ههنا لِما فيها من زيادة المعنى على ما سواها وهي أنّ فيما سوى هذا بيان حكم غير الممسوسة إذا طلقت، وههنا بيان حكم جميع المطلقات في المتعة. وقال ابن زيد: نزلت هذه الآية لأنّ الله تعالى لما أنزل قوله {وَمَتِّعُوهُنَّ} إلى قوله {عَلَى ٱلْمُحْسِنِينَ} قال رجل من المسلمين: إن أحسنتُ فعلتُ وإن لم أُردْ ذلك لم أفعل، قال الله تعالى {وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِٱلْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى ٱلْمُتَّقِينَ} يعني المؤمنين المتقين الشرك، فبيّن أنّ لكل مطلقة متاعاً وقد ذكرنا الخلاف فيها، وروى أياس بن عامر عن علي بن أبي طالب (رضي الله عنه) قال: لكل مؤمنة مطلقة حرّة أو أمة متعة وتلا قوله {وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِٱلْمَعْرُوفِ} الآية. {كَذَلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ}.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : ثم يعود إلى الأسرة وإلى المتوفى عنها زوجها فيقول: {أية : وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً وَصِيَّةً لأَزْوَاجِهِمْ مَّتَاعاً إِلَى ٱلْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِيۤ أَنْفُسِهِنَّ مِن مَّعْرُوفٍ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}تفسير : [البقرة: 240]. إذن فالحق سبحانه وتعالى فَصَلَ بآية: {حَافِظُواْ عَلَى ٱلصَّلَوَاتِ ..} [البقرة: 238] بين قضية واحدة هي قضية الفراق بين الزوجين وقسمها قسمين، وأدخل بينهما الحديث عن الصلاة، وذلك لينبهنا إلى وحدة التكاليف الإيمانية، ونظراً لأن الحق يتكلم هنا عن أشياء كل مظاهرها إما شقاق اختياري بالطلاق، وإما افتراق قدري بالوفاة، فأراد الله سبحانه وتعالى أن يدخل الإنسان في العملية التعبدية التي تصله بالله الذي شرع الطلاق والصلاة وقدر الوفاة. ولماذا اختار الله الصلاة دون سائر العبادات لتقطع سياق الكلام عن تشريع الطلاق والفراق؟ لأن الصلاة هي التي تهب المؤمنين الاطمئنان، إن كانت أمور الزواج والطلاق حزبتهم وأهمتهم في شقاق الاختيار في الطلاقات التي وقعت أو عناء الافتراق بالوفاة. ولن يربط على قلوبهم إلا أن يقوموا لربهم ليؤدوا الصلاة، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أول من يفعل ذلك، كان إذا ما حزبه أمر قام إلى الصلاة. إن المؤمن يذهب إلى الخالق الذي أجرى له أسباب الزواج والطلاق والفراق؛ ليسأله أن يخفف عنه الهم والحزن. وما دام المؤمن قد اختار الذهاب إلى من يُجري الأقدار فله أن يعرف أن الله الذي أجرى تلك الأقدار عليه لم يتركها بلا أحكام، بل وضع لكل أمر حكماً مناسباً، وما على المؤمن إلا أن يأخذ الأمور القدرية برضا ثم يذهب إلى الله قانتاً وخاشعاً ومصلياً. لأن المسألة مسألة الطلاق أو الوفاة فيها فزع وفراق اختيار أو فراق الموت القدري. ويأتي قوله تعالى: {حَافِظُواْ عَلَى ٱلصَّلَوَاتِ وٱلصَّلاَةِ ٱلْوُسْطَىٰ} [البقرة: 238] فنفهم أن المقصود في الآية هي الصلوات الخمس، فما المقصود بالصلاة الوسطى؟ ساعة يأتي خاص وعام مثل قوله تعالى: {أية : رَّبِّ ٱغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ وَلاَ تَزِدِ ٱلظَّالِمِينَ إِلاَّ تَبَاراً}تفسير : [نوح: 28]. فكم مرة دخل الأب والأم هنا؟ لقد دخلوا في قوله تعالى: "اغفر لي ولوالدي"، وفي قوله: "ولمن دخل بيتي"، وفي قوله: "وللمؤمنين والمؤمنات"، أي دخلوا ثلاث مرات. إذن فإيجاد عام بعد خاص، يعني أن يدخل الخاص في العام فيتكرر الأمر بالنسبة للخاص تكراراً يناسب خصوصيته. وقوله تعالى: {حَافِظُواْ عَلَى ٱلصَّلَوَاتِ وٱلصَّلاَةِ ٱلْوُسْطَىٰ} [البقرة: 238] تفهم ذلك المعنى فإذا سألنا: ما معنى حافظوا؟ الجواب - إذن - يقتضي أن نفهم أن عندنا "حفظاً" يقابل "النسيان"، و"حفظاً" يقابله "التضييع"، والاثنان يلتقيان، فالذي حفظ شيئاً ونسيه فإنه قد ضيعه. والذي حفظ مالاً ثم بدده، لقد ضيعه أيضاً، إذن كلها معانٍ تلتقي في فقد الشيء، فالحفظ معناه أن تضمن بقاء شيء كان عندك؛ فإذا ما حفظت آية في القرآن فلابد أن تحفظها في نفسك، ولو أنعم الله عليك بمال فلا بد أن تحافظ عليه. وقوله: {حَافِظُواْ عَلَى ٱلصَّلَوَاتِ} [البقرة: 238] معناه لا تضيعوها. ويُحتمل أيضاً معنى آخر هو أنكم قد ذقتم حلاوة الصلاة في القرب من معية ربكم، وذلك أجدر وأولى أن تتمسكوا بها أكثر، وذلك القول يسري على الصلوات الخمس التي نعرفها. قوله تعالى: {وٱلصَّلاَةِ ٱلْوُسْطَىٰ} [البقرة: 238] ذكر للخاص بعد العام، فكأن الله أمر بالمحافظة على ذلك الخاص مرتين، مرة في دائرة العموم ومرة أخرى أفردها الله بالخصوص. وما العلة هنا في تفرد الصلاة الوسطى بالخصوص؟ إن "وسطى" هي تأنيث "أوسط"، والأوسط والوسطى هي الأمر بين شيئين على الاعتدال، أي أن الطرفين متساويان، ولا يكون الطرفان متساويين في العدد - وهي الصلوات الخمس - إلا إذا كانت الصلوات وتراً؛ أي مفردة؛ لأنها لو كان زوجية لما عرفنا الوسطى فيها، وما دام المقصود هو وسط الخمس، فهي الصلاة الثالثة التي يسبقها صلاتان ويعقبها صلاتان، هذا إن لاحظت العدد، باعتبار ترتيب الأول والثاني والثالث والرابع والخامس. وإذا كان الاعتبار بفريضة الصلاة فإن أول صلاة فرضها الله عز وجل هي صلاة الظهر، هذا أول فرض، وبعده العصر، فالمغرب، فالعشاء، فالفجر. فإن أخذت الوسطى بالتشريع فهي صلاة المغرب وهذا رأي يقول به كثير من العلماء. وإن أخذت الوسطى بحسب عدد ركعات الصلاة فستجد أن هناك صلاة قوامها ركعتان هي صلاة الفجر وصلاة من أربع ركعات وهي صلاة الظهر والعصر والعشاء، وصلاة من ثلاث ركعات هي صلاة المغرب. والوسط فيها هي الصلاة الثلاثية، وهي وسط بين الزوجية والرباعية فتكون هي صلاة المغرب أيضاً. وإن أخذتها بالنسبة للنهار فالصبح أول النهار والظهر بعده ثم العصر والمغرب والعشاء، فالوسطى هي العصر. وإن أخذتها على أنها الوسط بين الجهرية والسرية فيحتمل أن تكون هي صلاة الصبح أو صلاة المغرب؛ لأن الصلوات السرية هي الظهر والعصر، والجهرية هي المغرب والعشاء والفجر. وبين العشاء والظهر تأتي صلاة الصبح، أو صلاة المغرب باعتبار أنها تأتي بين الظهر والعصر من ناحية، والعشاء والصبح من ناحية أخرى. وإن أخذتها لأن الملائكة تجتمع فيها فهي في طرفي النهار والليل فذلك يعني صلاة العصر أو صلاة الصبح. إذن، فالوسط يأتي من الاعتبار الذي تُحسب به إن كان عدداً أو تشريعاً، أو عدد ركعات، أو سرية أو جهرية أو بحسب نزول ملائكة النهار والليل، وكل اعتبار من هؤلاء له حكم. ولماذا أخفى الله ذكرها عنا؟ نقول: أخفاها لينتبه كل منا ويعرف أن هناك فرقاً بين الشيء لذاته، والشيء الذي يُبهم في سواه؛ ليكون كل شيء هو الشيء فيؤدي ذلك إلى المحافظة على جميع الصلوات. فما دامت الصلاة الوسطى تصلح لأن تكون الصبح والظهر والعصر والمغرب والعشاء فذلك أدعى للمحافظة على الصلوات جميعاً. فإبهام الشيء إنما جاء لإشاعة بيانه. ولذلك أبهم الله ليلة القدر للعلة نفسها وللسبب نفسه، فبدل أن تكون ليلة قدر واحدة أصبحت ليال أقدار. كذلك قوله تعالى: {حَافِظُواْ عَلَى ٱلصَّلَوَاتِ وٱلصَّلاَةِ ٱلْوُسْطَىٰ} [البقرة: 238] أي على الصلوات الخمس بصفة عامة وكل صلاة تنفرد بصفة خاصة. ويريد الحق سبحانه أن نقوم لكل صلاة ونحن قانتون، والأمر الواضح هو {وَقُومُواْ للَّهِ قَانِتِينَ} [البقرة: 238] وأصل القنوت في اللغة هو المداومة على الشيء، وقد حضّ وحث القرآن الكريم على ديمومة طاعة الله ولزوم الخشوع والخضوع، ونرى ذلك في قول الحق الكريم: {أية : أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَآءَ ٱلَّيلِ سَاجِداً وَقَآئِماً يَحْذَرُ ٱلآخِرَةَ وَيَرْجُواْ رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي ٱلَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَابِ}تفسير : [الزمر: 9]. إن الحق سبحانه يبلغ رسوله صلى الله عليه وسلم ليبلغنا نحن المسلمين المؤمنين برسالته أن نقارن بين الذي يخشع لله في أثناء الليل فيقضيه قائماً وساجداً يرجو رحمة ربه، وبين الذي يدعو ربه في الضراء وينساه في السراء، هل يستوي الذين يعلمون حقوق الله فيطيعوه ويوحدوه والذين لا يعلمون فيتركوا النظر والتبصر في أدلة قدرات الله؟ إن السبيل إلى ذكر الله هو تجديد الصلة به والوقوف بين يديه مقيمين للصلاة. ونحن نتلقى الأمر بإقامة الصلاة حتى في أثناء القتال، لذلك شرع لنا صلاة الخوف، فالقتال هو المسألة التي تخرج الإنسان عن طريق أمنه، فيقول سبحانه: {فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً} [البقرة: 239]، إننا حتى في أثناء القتال والخوف لا ننسى ذكر الله؛ لأننا أحوج ما نكون إلى الله أثناء مواجهتنا للعدو، ولذلك لا يصح أن نجعل السبب الذي يوجب أن نكون مع الله مبرراً لأن ننسى الله. وكذلك المريض، ما دام مريضاً فهو مع معية الله، فلا يصح أن ينقطع عن الصلاة؛ لأنه لا عذر لتاركها، حتى المريض إن لم يستطع أن يصلي واقفاً صلى قاعداً، فإن لم يستطع قاعداً؛ فليصل مضطجعاً، ويستمر معه الأمر حتى لو اضطر للصلاة برموش عينيه. كذلك إن خفتم من عدوكم صلوا رجالاً، يعني سائرين على أرجلكم أو ركباناً و"رجالاً" جمع "راجل" أي يمشي على قدميه، ومثال ذلك قوله الحق: {أية : وَأَذِّن فِي ٱلنَّاسِ بِٱلْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَميِقٍ}تفسير : [الحج: 27]. لقد كان الناس يؤدون فريضة الحج سيراً على الأقدام أو ركباناً على إبل يضمرها السفر من كل مكان بعيد. إذن فالراجل هو من يمشي على قدميه. والأرجل مخلوقة لتحمل بني الإنسان: الواقف منهم، وتقوم بتحريك المتحرك منهم، فإن كان الإنسان واقفاً حملته رجلاه، وإن كان ماشياً فإن رجليه تتحركان. والمقصود هنا أن الصلاة واجبة على المؤمنين سائرين على أقدامهم أو ركباناً. هذه المسألة قد فصلها الحق سبحانه وتعالى في صلاة الخوف بأن قسم المسلمين قسمين: قسماً يصلي مع النبي عليه الصلاة والسلام في الركعة الأولى، ثم يتمون الصلاة وحدهم ويأتي القسم الآخر ليأتم بالرسول في الركعة التي بعدها حتى تنتهي الصلاة بالنسبة للرسول صلى الله عليه وسلم، وينتظرهم حتى يفرغوا من صلاتهم ويسلم بهم، فيكون الفريق الأول أخذ فضل البدء مع الرسول، والفريق الآخر أخذ فضل الانتهاء من الصلاة مع الرسول صلى الله عليه وسلم. وكان ذلك في غزوة ذات الرقاع فكلٌ من الفرقتين كانت تقف في وجه العدو للحراسة في أثناء صلاة الفرقة الأخرى. ولي رأي في هذه المسألة هو أن صلاة الخوف بالصور التي ذكرها الفقهاء إنما كانت للمعارك التي يكون فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنه لا يصح أن يكون هناك جيش يصلي خلف النبي صلى الله عليه وسلم ويحرم الباقي من أن يصلي خلفه، لذلك جعل الله بركة الصلاة مع رسول الله لقسمين. لكن حينما انتقل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى فمن الممكن أن يكون للواقفين أمام العدو إمام وللآخرين إمام، إذن كان تقسيم الصلاة وراء الإمام في صلاة الخوف إنما كان لأن الإمام هو الإمام الأعلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم يشأ الله أن يحجب قوماً عن الصلاة مع رسول الله عن قوم آخرين، فقسم الصلاة الواحدة بينهم. لكن في وقتنا الحالي الذي انتظمت فيه المسائل، وصار كل الناس على سواء، ولم يعد رسول الله صلى الله عليه وسلم فينا، لذلك يصح أن تُصلي كل جماعة بإمام خاص بهم. وقوله الحق: {فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً} [البقرة: 239] نفهم منه أن الصلاة لا تسقط حتى عند لقاء العدو، فإذا حان وقت الصلاة فعلى المؤمن أن يصليها إذا استطاع فإن لم يستطع فليكبر تكبيرتين ويتابع الحق فيقول: {فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 239] أي اذكروا الله على أنه علمكم الأشياء التي لم تكونوا تعلمونها، فلو لم يعلمكم فماذا كنتم تصنعون؟ وبعد ذلك يعود الحق لسياق الحديث عن المتوفى عنها زوجها فيقول: {وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً وَصِيَّةً لأَزْوَاجِهِمْ مَّتَاعاً إِلَى ٱلْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ ...}.
مجاهد بن جبر المخزومي
تفسير : أنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {وَقُومُواْ للَّهِ قَانِتِينَ} [الآية: 238]. قال: مطيعين. أنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ، عن مغيرة عن إِبراهيم، في قوله: {فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً} [الآية: 239]. قال: هذا عند المطاردة في القتال. يصلي ركعتين الراكب والراجل، حيث كان وجهه يوميء برأْسه إِيماءً. أنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {فَرِجَالاً} [الآية: 239] يعني: مشاة.
الصابوني
تفسير : المنَاسَبَة: توسطت آيات المحافظة على الصلاة خلال الآيات الكريمة المتعلقة بأحكام الأسرة وعلاقات الزوجين عند الطلاق أو الافتراق وذلك لحكمة بليغة، وهي أنّ الله تعالى لما أمر بالعفو والتسامح وعدم نسيان الفضل بعد الطلاق بيّن بعد ذلك أمر الصلاة، لأنها أعظم وسيلة إِلى نسيان هموم الدنيا وأكدارها ولهذا كان صلى الله عليه وسلم إِذا حزبه همٌّ فزع إِلى الصلاة فالطلاق يولّد الشحناء والبغضاء، والصلاة تدعو إِلى الإِحسان والتسامح وتنهى عن الفحشاء والمنكر، وذلك أفضل طريق لتربية النفس الإِنسانية. اللغَة: {حَافِظُواْ} المحافظة: المداومة على الشيء والمواظبة عليه. {ٱلْوُسْطَىٰ} مؤنث الأوسط، ووسط الشيء خيره وأعدله قال أعرابي يمدح الرسول صلى الله عليه وسلم: شعر : يا أوسط الناس طرّاً في مفاخرهم وأكرم الناس أمّاً برّةً وأباً تفسير : {قَانِتِينَ} أصل القنوت في اللغة: المداومة على الشيء وقد خصّه القرآن بالدوام على الطاعة والملازمة لها على وجه الخشوع والخضوع قال تعالى: {أية : يٰمَرْيَمُ ٱقْنُتِي لِرَبِّكِ} تفسير : [آل عمران: 43]. {فَرِجَالاً} جمع راجل وهو القائم على القدمين قال الراغب: اشتُقَّ من الرجل راجلٌ للماشي بالرجل ويقال: رجل راجلٌ أي قويٌّ على المشي. {رُكْبَاناً} جمع راكب وهو من يركب الفرس والدابة ونحوهما. التفسِير: {حَافِظُواْ عَلَى ٱلصَّلَوَاتِ وٱلصَّلاَةِ ٱلْوُسْطَىٰ} أي واظبوا أيها المؤمنون وداوموا على أداء الصلوات في أوقاتها وخاصة صلاة العصر فإِن الملائكة تشهدها {وَقُومُواْ للَّهِ قَانِتِينَ} أي داوموا على العبادة والطاعة بالخشوع والخضوع أي قوموا لله في صلاتكم خاشعين {فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً} أي فإِذا كنتم في خوفٍ من عدوٍ أو غيره فصلوا ماشين على الأقدام أو راكبين على الدواب {فَإِذَآ أَمِنتُمْ فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ} أي فإِذا زال الخوف وجاء الأمن فأقيموا الصلاة مستوفية لجميع الأركان كما أمركم الله وعلى الوجه الذي شرعه لكم وهذه كقوله: {أية : فَإِذَا ٱطْمَأْنَنتُمْ فَأَقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ} تفسير : [النساء: 103] والذكرُ في الآية يراد به الصلاة الكاملة المستوفية للأركان، قال الزمخشري: المعنى اذكروه بالعبادة كما أحسن إِليكم بما علمكم من الشرائع وكيف تصلون في حال الخوف والأمن. ثم قال تعالى مبيناً أحكام العدة {وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً وَصِيَّةً لأَزْوَاجِهِمْ مَّتَاعاً إِلَى ٱلْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ} أي والذين يموتون من رجالكم ويتركون زوجاتهم على هؤلاء أن يوصوا قبل أن يُحتضروا بأن تمتَّع أزواجهم بعدهم حولاً كاملاً - يُنْفق عليهنَّ من تركته ولا يُخرجن من مساكنهنَّ - وكان ذلك في أول الإِسلام ثم نسخت المدة إِلى أربعة أشهر وعشرة أيام {فَإِنْ خَرَجْنَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِيۤ أَنْفُسِهِنَّ مِن مَّعْرُوفٍ} أي فإِن خرجن مختارات راضيات فلا إِثم عليكم يا أولياء الميت في تركهن أن يفعلن ما لا ينكره الشرع كالتزين والتطيب والتعرض للخُطّاب {وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} أي هو سبحانه غالبٌ في ملكه حكيم في صنعه {وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِٱلْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى ٱلْمُتَّقِينَ} أي واجبٌ على الأزواج أن يُمتِّعوا المطلقات بقدر استطاعتهم جبراً لوحشة الفراق وهذه المتعة حقٌّ لازم على المؤمنين المتقين لله {كَذَلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} أي مثل ذلك البيان الشافي الذي يوجه النفوس نحو المودة والرحمة يبيّن الله سبحانه لكم آياته الدالة على أحكامه الشرعية لتعقلوا ما فيها وتعملوا بموجبها. البَلاَغَة: 1- {ٱلصَّلاَةِ ٱلْوُسْطَىٰ} عطف خاص على عام؛ لبيان مزيد فضلها. 2- {فَإنْ خِفْتُمْ } {فَإِذَآ أَمِنتُمْ} بين لفظ خفتم وأمنتم طباق وهو من المحسنات البديعية، قال أبو السعود: وفي إِيراد الشرطية بكلمة "إِن" المنبئة عن عدم تحقق وقوع الخوف، وإِيراد الثانية بكلمة "إِذا" المنبئة عن تحقق وقوع الأمن وكثرته مع الإِيجاز في جواب الأولى والإِطناب في جواب الثانية من الجزالة ولطف الاعتبار ما فيه عبرة لأولي الأبصار. تنبيه: الصلاة الوسطى على الراجح من الأقوال هي صلاة العصر لأنها وسط بين الفجر والظهر والمغرب والعشاء ويقوي هذا ما ورد في الصحيحين: "حديث : شَغَلُونَا عَنِ الصَّلاةِ الوُسْطَى صَلاَةِ العَصْرِ مَلأَ الله قُلُوبَهُم وَبُيُوتَهُم نَاراً" تفسير : وفي الحديث: "حديث : الَّذِي تَفُوتُه صَلاةُ العَصْرِ فَكَأَنَمَا وُتِر أَهْلُهُ وَمَالُهُ" تفسير : أخرجه الشيخان وغير ذلك من الأحاديث الصحيحة.
الأندلسي
تفسير : {حَافِظُواْ عَلَى ٱلصَّلَوَٰتِ} تلكم المفسرون في مجيء هذه الآية هنا ثم رجع بعدها إلى شيء من أحوال المطلقات بما ذكرناه في البحر ثم ذكرنا ان المناسبة في ذلك هو أنه لما ذكر تعالى جملة كبيرة من أحوال الأزواج والزوجات وأحكامهم المتقدمة وكانت تكاليف عظيمة تشغل من كلفها بحيث لا تكاد تسع معها شيئاً من الأعمال وكان كل من الزوجين قد وجب عليه ما يستفرغ فيه الوقت فكان في ذلك مدعاة إلى التكاسل عن العبادة إلا لمن وفقه الله تعالى أمر بالمحافظة على الصلوات التي هي وسيلة بين الله تعالى وبين عباده وإذا كان قد أمر بالمحافظة على حقوق الآدميين فلان يؤمر بالمحافظة على أداء حقوق الله تعالى أولى. ولذلك جاء فدين الله أحق أن يقضى، وحافظوا من باب طارقت النعل. ولما ضمن معنى المواظبة عديّ بعلى وال في الصلوات للعهد وهي الخمس. {وٱلصَّلَٰوةِ ٱلْوُسْطَىٰ} هي فعلى تأنيث الأوسط بمعنى الفضلى. ومنه قول إعرابي يمدح رسول الله صلى الله عليه وسلم: شعر : يا أوسط الناس طرافي مفاخرهم* وأكرم الناس أما برة تفسير : وافعل التفضيل لا يبنى إلا مما يقبل الزيادة والنقص وكذا فعل التعجب فلا يجوز زيد أموت الناس، ولا أموت زيداً لأنه لا يقبل ذلك وكون الشيء وسطاً بين شيئين لا يقبل الزيادة والنقص، فلا يجوز أن يبني منه أفعل التفضيل فتعين أن يكون الوسطى بمعنى الخيرى والفضلى وثبت تفسير رسول الله صلى الله عليه وسلم ان الصلاة الوسطى هي صلاة العصر من حديث جماعة من الصحابة عنه عليه السلام فوجب المصير إليه. وذكرها خاص بعد عام نحو: وجبريل وميكال. وقرىء والصلاة بالنصب. وقرىء الوصطى بالصاد. {وَقُومُواْ للَّهِ قَٰنِتِينَ} أي مطيعين ساكتين عما يتكلم به غير ما شرع من القراءة والذكر. وفي قوله: وقوموا، دلالة على مطلوبية القيام. والقيام فرض في صلاة الفرض على كل صحيح قادر عليه. {فَإنْ خِفْتُمْ} أي من عدو أو سبع أو سيل وغير ذلك مما يخاف منه ولم يتمكن المصلي من القيام. {فَرِجَالاً} أي فصلوا رجالاً جمع راجل أي على الاقدام ماشين. {أَوْ رُكْبَاناً} جمع راكب. ويقال رجل يرجل رجلاً فهو راجل ورجل. قيل: لا يقال راكب الا لراكب الابل. وقرىء فرجّالاً بضم الراء وشد الجيم وبالضم وتخفيفها. والظاهر أنهم يوقعون الصلاة وهم ماشون فيصلون على كل حال والراكب يومي. {فَإِذَآ أَمِنتُمْ} أي من الخوف. {فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ} بالشكر والعبادة. {كَمَا عَلَّمَكُم} أي ذكراً يوازي ويعادل نعمة ما علّمكم ويجوز أن تكون الكاف للتعليل، أي لتعليمه إياكم. {مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ} ما: مفعول بعلمكم. {وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ} حكي ابن عطية وعياض الاجماع على فسخ الحول بالآية السابقة وقرىء وصيبة بالرفع على الابتداء وهي موصوفة تقدير أي وصية منهم. وقرىء بالنصة على المصدر أي يوصون وصية. وانتصب {مَّتَاعاً} بفعل مضمر من لفظه أي متعوهن متاعاً أو من غير لفظه فيكون مفعولاً أي جعل الله لهن متاعاً. الى الحول. وانتصب {غَيْرَ إِخْرَاجٍ} على الصفة لمتاعا. {فَإِنْ خَرَجْنَ} أي مختارات. {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ} على من له الولاية عليهن وجاء هنا من معروف نكرة لأن هذه الآية متقدمة في النزول وإن تأخرت في الترتيب وفي الآية السابقة بالمعروف معرّفاً بال لأنه متأخر في النزول وإن تقدم في الترتيب كما جاء في قوله: كما أرسلنا إلى فرعون رسولاً فعصى فرعون الرسول.
الجيلاني
تفسير : ثم لما كان للعارف الحائر المسغرق في بحر الحيرة ميولاً وتوجهات متعددة بحسب تجددات أنفاسه ونفساته المستنشقة، المستمدة بها النفسات الرحمانية، المهبة من يمن عالم اللاهوت، المنتشئة من الذات الأحدية، المتجلية بالتجليات الجمالية والجلالية، المعبرة بالأسماء والصفات الإلهية المتخالفة في الآثار والمقتضيات على حسب الكمال؛ أراد سبحانه أن ينبه عليه بمخالطته الميول والصلوات في الأوقات كلها؛ لئلا ينشغل عن الحق في وقت من الأوقات، فقال: {حَافِظُواْ} وداوموا أيها المتوجهون إلى توحيد الذات {عَلَى ٱلصَّلَوَٰتِ} المكتوبة لكم في الأوقات المتعارفة {و} خصوصاً {ٱلصَّلَٰوةِ ٱلْوُسْطَىٰ} التي هي عبارة عن التوجه الرفيق المعنوي بين كل نفسين من أنفاسكم {وَ} بالجملة: {قُومُواْ} أيها الأظلال الهالكة في نفسها المستهلكة في الذات الأحدية؛ إذ لا وجود لكم من ذواتكم {للَّهِ} المظهر لكم من كتم العدم بامتداد أظلال أسمائه؛ ورش من بحر جود وجوده عليكم {قَٰنِتِينَ} [البقرة: 238] متذللين خاضعين، مفنين هويتكم الظلية الغير الحقيقية بالكلية في الهوية الحقيقة الإلهية. {فَإنْ خِفْتُمْ} عن مقتضيات القوى البشري {فَرِجَالاً} أي: فعليكم التوجه راجلين منسلخين عنها وعن مقتضياتها بالمرة {أَوْ رُكْبَاناً} راكبين عليها بتسخيرها بالرياضيات الشاقة إلى حيث ينصرف بالكلية عن مقتضاها {فَإِذَآ أَمِنتُمْ} من شرورها {فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ} المفني للفرد والسوى مطلقاً {كَمَا عَلَّمَكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 239] لولا إنزاله سورة الإخلاص وكلمة التوحيد وغيرها من الآيات الدالة على التوحيد الذاتي. {وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ} يستشرفون إلى الوفاة {مِنكُمْ} أيها المؤمنون {وَيَذَرُونَ} يتركون {أَزْوَاجاً} بعدم لزمهم أن يوصوا {وَصِيَّةً} مستخرجة من أموالهم {لأَزْوَاجِهِمْ} ليتمتعن بها {مَّتَاعاً إِلَى} انقضاء {ٱلْحَوْلِ} بعد موتهم {غَيْرَ إِخْرَاجٍ} لهن من المسكن المألوف، وكان ذلك في أول الإسلام، ثم نسخت بتعيين المدة لعدة الوفاة من أربعة أشهر وعشراً {فَإِنْ خَرَجْنَ} من مسكن الأزواج {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ} أيها الحكام {فِي مَا فَعَلْنَ} من التطيب وترك الحداد وطلب الخطبة {فِيۤ} إصلاح {أَنْفُسِهِنَّ} إن كانت الأمور الصادرة منهم {مِن مَّعْرُوفٍ} مستحسن مشروع مرخص، وإن لم يكن كذلك فعليكم الجناح أيها الحكام {وَٱللَّهُ عَزِيزٌ} غالب قادر على الانتقام، ينتقم من المتجاوزين عن حدوده، المتهاونين في إجراء أحكامه {حَكِيمٌ} [البقرة: 240] في رعاية مصالح عباده. {وَ} واعلموا أيها المؤمنون أن {لِلْمُطَلَّقَاتِ} مطلقاً {مَتَاعٌ بِٱلْمَعْرُوفِ} المشروع المستحسن لازم {حَقّاً} ثابتاً {عَلَى} ذمة {ٱلْمُتَّقِينَ} [البقرة: 241] المطلقين لهن منا دمن في العدة؛ أي: جميع مؤنتهن عليهم فيها. {كَذَلِكَ} أي: مثل ما ذكر من أحكام الطلاق والأمر المتفرعة عليه {يُبَيِّنُ ٱللَّهُ} الهادي {لَكُمْ} جميع {آيَاتِهِ} الدالة على توحيده {لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} [البقرة: 242] رجاء أن تتأملوا فيها وتفوزوا بالفوز العظيم من عنده.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يأمر بالمحافظة على الصلوات عمومًا وعلى الصلاة الوسطى، وهي العصر خصوصًا، والمحافظة عليها أداؤها بوقتها وشروطها وأركانها وخشوعها وجميع ما لها من واجب ومستحب، وبالمحافظة على الصلوات تحصل المحافظة على سائر العبادات، وتفيد النهي عن الفحشاء والمنكر خصوصًا إذا أكملها كما أمر بقوله { وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ } أي: ذليلين خاشعين، ففيه الأمر بالقيام والقنوت والنهي عن الكلام، والأمر بالخشوع، هذا مع الأمن والطمأنينة. { فَإِنْ خِفْتُمْ } لم يذكر ما يخاف منه ليشمل الخوف من كافر وظالم وسبع، وغير ذلك من أنواع المخاوف، أي: إن خفتم بصلاتكم على تلك الصفة فصلوها { رِجَالا } أي: ماشين على أقدامكم، { أَوْ رُكْبَانًا } على الخيل والإبل وغيرها، ويلزم على ذلك أن يكونوا مستقبلي القبلة وغير مستقبليها، وفي هذا زيادة التأكيد على المحافظة على وقتها حيث أمر بذلك ولو مع الإخلال بكثير من الأركان والشروط، وأنه لا يجوز تأخيرها عن وقتها ولو في هذه الحالة الشديدة، فصلاتها على تلك الصورة أحسن وأفضل بل أوجب من صلاتها مطمئنا خارج الوقت { فَإِذَا أَمِنْتُمْ } أي: زال الخوف عنكم { فَاذْكُرُوا اللَّهَ } وهذا يشمل جميع أنواع الذكر ومنه الصلاة على كمالها وتمامها { كما علمكم ما لم تكونوا تعلمون } فإنها نعمة عظيمة ومنة جسيمة، تقتضي مقابلتها بالذكر والشكر ليبقي نعمته عليكم ويزيدكم عليها، ثم قال تعالى: { وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لأزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ ...}.
النسائي
تفسير : قوله جل ثناؤه: {حَافِظُواْ عَلَى ٱلصَّلَوَٰتِ وٱلصَّلَٰوةِ ٱلْوُسْطَىٰ} [238] 65- - أنا إسحاق بن إبراهيم، أنا عيسى، عن الأعمش،عن مسلم، عن شُتير بن شَكَل، عن علي عليه السلام قال: حديث : شغلوا النبي صلى الله عليه وسلم عن صلاة العصر حتى صلاها بين صلاتي العشاء، فقال: "شغلونا عن صلاة الوسطى، ملأ الله بيوتهم وقبورهم نارا ". تفسير : 66- أنا قتيبة بن سعيد، عن مالك، والحارث بن مسكين - قراءة عليه، وأنا أسمع، عن ابن القاسم قال: حدَّث مالك، عن زيد بن أسلم، عن القعقاع بن حكيم، عن أبي يونس - مولى عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: أمرتني عائشة أن أكتب لها مُصحفاً، وقالت: إذا بلغت هذه الآية، فآذني {حَافِظُواْ عَلَى ٱلصَّلَوَٰتِ وٱلصَّلَٰوةِ ٱلْوُسْطَىٰ} - فلما بلغتها آذنتها فأملت علي: حافضوا على الصَّلوات، والصلاة الوسطى، وصلاة العصر، وقوموا لله قانتين، ثم قالت: سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم. قوله جل ثناؤه: {وَقُومُواْ للَّهِ قَٰنِتِينَ} [238] 67- أنا سُويد بن نصر، أنا عبد الله، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الحرث - وهو ابن شُبيل عن أبي عمرو الشَّيباني، عن زيد بن أرقم قال: كنَّا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم يُكلِّم أحدنا صاحبه في الصلاة في حاجته حتى نزلت هذه الآية {حَافِظُواْ عَلَى ٱلصَّلَوَٰتِ وٱلصَّلَٰوةِ ٱلْوُسْطَىٰ وَقُومُواْ للَّهِ قَٰنِتِينَ} فأُمرنا حينئذ بالسكوت.
همام الصنعاني
تفسير : 296- عبد الرزاق، قال: حدثنا معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {وَقُومُواْ للَّهِ قَٰنِتِينَ}: [الآية: 238]، قال: مُطِيعين.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):