Verse. 246 (AR)

٢ - ٱلْبَقَرَة

2 - Al-Baqara (AR)

فَاِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا اَوْ رُكْبَانًا۝۰ۚ فَاِذَاۗ اَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللہَ كَـمَا عَلَّمَكُمْ مَّا لَمْ تَكُوْنُوْا تَعْلَمُوْنَ۝۲۳۹
Fain khiftum farijalan aw rukbanan faitha amintum faothkuroo Allaha kama AAallamakum ma lam takoonoo taAAlamoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«فإن خفتم» من عدو أو سيل أو سبع «فرجالا» جمع راجل أي مشاة صلوا «أو ركبانا» جمع راكب أي كيف أمكن مستقبلي القبلة أو غيرها ويومئ بالركوع والسجود «فإذا أمنتم» من الخوف «فاذكروا الله» أي صلّوا «كما علمكم ما لم تكونوا تعلمون» قبل تعليمه من فرائضها وحقوقها والكاف بمعنى مثل وما مصدرية أو موصولة.

239

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه تعالى لما أوجب المحافظة على الصلوات والقيام على أدائها بأركانها وشروطها، بين من بعد أن هذه المحافظة على هذا الحد لا تجب إلا مع الأمن دون الخوف، فقال: {فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَانًا } وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: يروى {فَرِجَالاً } بضم الراء و {رِجَالاً } بالتشديد و {رَجُلاً }. المسألة الثانية: قال الواحدي رحمه الله معنى الآية: فإن خفتم عدواً فحذف المفعول لإحاطة العلم به، قال صاحب الكشاف: فإن كان بكم خوف من عدو أو غيره، وهذا القول أصح لأن هذا الحكم ثابت عند حصول الخوف، سواء كان الخوف من العدو أو من غيره، وفيه قول ثالث وهو أن المعنى: فإن خفتم فوات الوقت إن أخرتم الصلاة إلى أن تفرغوا من حربكم فصلوا رجالاً أو ركباناً، وعلى هذا التقدير الآية تدل على تأكيد فرض الوقت حتى يترخص لأجل المحافظة عليه بترك القيام والركوع والسجود. المسألة الثالثة: في الرجال قولان أحدهما: رجالاً جمع راجل مثل تجار وتاجر وصحاب وصاحب والراجل هو الكائن على رجله ماشياً كان أو وافقاً ويقال في جمع راجل: رجل ورجالة ورجالة ورجال ورجال. والقول الثاني: ما ذكره القفال، وهو أنه يجوز أن يكون جمع الجمع، لأن راجلاً يجمع على راجل، ثم يجمع رجل على رجال، والركبان جمع راكب، مثل فرسان وفارس، قال القفال: ويقال إنه إنما يقال راكب لمن كان على جمل، فأما من كان على فرس فإنما يقال له فارس، والله أعلم. المسألة الرابعة: رجالاً نصب على الحال، والعامل فيه محذوف، والتقدير: فصلوا رجالاً أو ركباناً. المسألة الخامسة: صلاة الخوف قسمان أحدهما: أن تكون في حال القتال وهو المراد بهذه الآية والثاني: في غير حال القتال وهو المذكور في سورة النساء في قوله تعالى: {أية : وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ ٱلصَّلَوٰةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مّنْهُمْ مَّعَكَ } تفسير : [النساء: 102] وفي سياق الآيتين بيان اختلاف القولين. إذا عرفت هذا فنقول: إذا التحم القتال ولم يمكن ترك القتال لأحد، فمذهب الشافعي رحمه الله أنهم يصلون ركباناً على دوابهم ومشاة على أقدامهم إلى القبلة وإلى غير القبلة يومئون بالركوع والسجود، ويجعلون السجود أخفض من الركوع ويحترزون عن الصيحات لأنه لا ضرورة إليها وقال أبو حنيفة: لا يصلي الماشي بل يؤخر، واحتج الشافعي رحمه الله بهذه الآية من وجهين الأول: قال ابن عمر: {فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَانًا } يعني مستقبلي القبلة أو غير مستقبليها قال نافع: لا أرى ابن عمر ذكر ذلك إلا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. الوجه الثاني: وهو أن الخوف الذي تجوز معه الصلاة مع الترجل والمشي ومع الركوب والركض لا يمكن معه المحافظة على الاستقبال، فصار قوله: {فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَانًا } يدل على الترخص في ترك التوجه، وأيضاً يدل على الترخص في ترك الركوع والسجود إلى الإيماء لأن مع الخوف الشديد من العدو لا يأمن الرجل على نفسه إن وقف في مكانه لا يتمكن من الركوع والسجود، فصح بما ذكرنا دلالة رجالاً أو ركباناً على جواز ترك الاستقبال، وعلى جواز الاكتفاء بالإيماء في الركوع والسجود. إذا ثبت هذا فلنتكلم فيما يسقط عنه وفيما لا يسقط، فنقول: لا شك أن الصلاة إنما تتم بمجموع أمور ثلاثة أحدها: فعل القلب وهو النية، وذلك لا يسقط لأنه لا يتبدل حال الخوف بسبب ذلك والثاني: فعل اللسان وهي القراءة، وهي لا تسقط عند الخوف، ولا يجوز له أيضاً أن يتكلم حال الصلاة بكلام أجنبـي، أو يأتي بصيحات لا ضرورة إليها والثالث: أعمال الجوارح فنقول: أما القيام والقعود فساقطان عنه لا محالة وأما الاستقبال فساقط على ما بيناه، وأما الركوع والسجود فالإيماء قائم مقامهما، فيجب أن يجعل الإيماء النائب عن السجود أخفض من الإيماء النائب عن الركوع، لأن هذا القدر ممكن، وأما ترك الطهارة فغير جائز لأجل الخوف، فإنه يمكنه التطهير بالماء أو التراب، إنما الخلاف في أنه إذا وجد الماء وامتنع عليه التوضي به هل يجوز له أن يتيمم بالغبار الذي يتمكن منه حال ركوبه، والأصح أنه يجوز، لأنه إذا كان خوف العطش يرخص التيمم، فالخوف على النفس أولى أن يرخص في ذلك، فهذا تفصيل قول الشافعي رحمه الله وبالجملة فاعتماده في هذا الباب على قوله عليه الصلاة والسلام: «إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم» واحتج أبو حنيفة بأنه عليه السلام أخر الصلاة يوم الخندق فوجب علينا ذلك أيضاً. والجواب: أن يوم الخندق لم يبلغ الخوف هذا الحد ومع ذلك فإنه صلى الله عليه وسلم أخَّرَ الصلاة فعلمنا كون هذه الآية ناسخة لذلك الفعل. المسألة السادسة: اختلفوا في الخوف الذي يفيد هذه الرخصة وطريق الضبط أن نقول: الخوف إما أن يكون في القتال، أو في غير القتال، أما الخوف في القتال فإما أن يكون في قتال واجب، أو مباح، أو محظور، أما القتال الواجب فهو كالقتال مع الكفار وهو الأصل في صلاة الخوف، وفيه نزلت الآية، ويلتحق به قتال أهل البغي، قال تعالى: {أية : فَقَـٰتِلُواْ ٱلَّتِى تَبْغِى حَتَّىٰ تَفِىء إِلَىٰ أَمْرِ ٱللَّهِ } تفسير : [الحجرات: 9] وأما القتال المباح فقد قال القاضي أبو المحاسن الطبري في كتاب شرح المختصر: أن دفع الإنسان عن نفسه مباح غير واجب بخلاف ما إذا قصد الكافر نفسه، فإنه يجب الدفع لئلا يكون إخلالاً بحق الإسلام. إذا عرفت هذا فنقول: أما القتال في الدفع عن النفس وفي الدفع عن كل حيوان محترم، فإنه يجوز فيه صلاة الخوف، أما قصد أخذ ماله، أو إتلاف حاله، فهل له أن يصلي صلاة شدة الخوف، فيه قولان: الأصح أن يجوز، واحتج الشافعي بقوله عليه السلام: «حديث : من قتل دون ماله فهو شهيد» تفسير : فدل هذا على أن الدفع عن المال كالدفع عن النفس والثاني: لا يجوز لأن حرمة الزوج أعظم، أما القتال المحظور فإنه لا تجوز فيه صلاة الخوف، لأن هذا رخصة والرخصة إعانة والعاصي لا يستحق الإعانة، أما الخوف الحاصل لا في القتال، كالهارب من الحرق والغرق والسبع وكذا المطالب بالدين إذا كان معسراً خائفاً من الحبس، عاجزاً عن بينة الإعسار، فلهم أن يصلوا هذه الصلاة، لأن قوله تعالى: {فَإِنْ خِفْتُمْ } مطلق يتناول الكل. فإن قيل: قوله: {فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَانًا } يدل على أن المراد منه الخوف من العدو حال المقاتلة. قلنا: هب أنه كذلك إلا أنه لما ثبت هناك دفعاً للضرر، وهذا المعنى قائم ههنا، فوجب أن يكون ذلك الحكم مشروعاً والله أعلم. المسألة الرابعة: روي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: فرض الله على لسان نبيكم الصلاة في الحضر أربعاً، وفي السفر ركعتين، وفي الخوف ركعة، والجمهور على أن الواجب في الحضر أربع، وفي السفر ركعتان سواء كان في الخوف أو لم يكن، وأن قول ابن عباس متروك. أما قوله تعالى: {فَإِذَا أَمِنتُمْ } فالمعنى بزوال الخوف الذي هو سبب الرخصة {فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُم } وفيه قولان الأول: فاذكروا بمعنى فافعلوا الصلاة كما علمكم بقوله: {أية : حَـٰفِظُواْ عَلَى ٱلصَّلَوٰتِ وٱلصَّلَوٰةِ ٱلْوُسْطَىٰ وَقُومُواْ لِلَّهِ قَـٰنِتِينَ } تفسير : [البقرة: 238] وكما بينه بشروطه وأركانه، لأن سبب الرخصة إذا زال عاد الوجوب فيه كما كان من قبل، والصلاة قد تسمى ذكراً لقوله تعالى: {أية : فَٱسْعَوْاْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ } تفسير : [الجمعة: 9]. والقول الثاني: {فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ } أي فاشكروه لأجل إنعامه عليكم بالأمن، طعن القاضي في هذا القول وقال: إن هذا الذكر لما كان معلقاً بشرط مخصوص، وهو حصول الأمن بعد الخوف لم يكن حمله على ذكر يلزم مع الخوف والأمن جميعاً على حد واحد، ومعلوم أن مع الخوف يلزم الشكر، كما يلزم مع الأمن، لأن في كلا الحالين نعمة الله تعالى متصلة، والخوف ههنا من جهة الكفار لا من جهته تعالى، فالواجب حمل قوله تعالى: {فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ } على ذكر يختص بهذه الحالة. والقول الثالث: أنه دخل تحت قوله: {فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ } الصلاة والشكر جميعاً، لأن الأمن بسبب الشكر محدد يلزم فعله مع فعل الصلاة في أوقاتها. أما قوله تعالى: {كَمَا عَلَّمَكُم } فبيان إنعامه علينا بالتعليم والتعريف، وأن ذلك من نعمه تعالى، ولولا هدايته لم نصل إلى ذلك، ثم إن إصحابنا فسروا هذا التعليم بخلق العلم والمعتزلة فسروه بوضع الدلائل، وفعل الألطاف، وقوله تعالى: {مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ } إشارة إلى ما قبل بعثة محمد صلى الله عليه وسلم من زمان الجهالة والضلالة.

القرطبي

تفسير : . فيه تسع مسائل: الأُولى ـ قوله تعالى: {فَإنْ خِفْتُمْ} من الخوف الذي هو الفزع. {فَرِجَالاً} أي فصَلُّوا رجالاً. {أَوْ رُكْبَاناً} معطوف عليه. والرجال جمع راجل أو رَجُل من قولهم: رَجِل الإنسان يَرْجَل رَجَلا إذا عدم المركوب ومشى على قدميه، فهو رَجِل ورَاجِل ورَجُل ـ (بضم الجيم) وهي لغة أهل الحجاز؛ يقولون: مشى فلان إلى بيت الله حافياً رَجُلاً؛ حكاه الطبريّ وغيره ـ ورَجْلان ورَجيل ورَجْل، ويجمع على رِجَال ورَجْلى ورُجّال ورَجّالة ورُجالي ورُجْلان ورِجْلة ورِجَلة (بفتح الجيم) وأَرْجِلَة وأَراجِل وأَراجِيل. والرَّجُل الذي هو ٱسم الجنس يُجمع أيضاً على رجال. الثانية ـ لمّا أمر الله تعالى بالقيام له في الصلاة بحال قُنوت وهو الوَقار والسّكينة وهدوء الجوارح وهذا على الحالة الغالبة من الأمن والطُّمَأنينة ذكر حالة الخوف الطارئة أحياناً، وبيّن أن هذه العبادةَ لا تسقط عن العبد في حال، ورخّص لعبيده في الصلاة رجالاً على الأقدام ورُكباناً على الخيل والإبل ونحوها، إيماءً وإشارة بالرأس حيثما توجّه؛ هذا قول العلماء، وهذه هي صلاة الفَذّ الذي قد ضايقه الخوف على نفسه في حال المُسَايفة أو من سَبُع يطلبه أو من عدوّ يتبعه أو سَيْل يحمله، وبالجملة فكل أمر يخاف منه على روحه فهو مبيح ما تضمّنته هذه الآية. الثالثة ـ هذه الرخصة في ضمنها إجماع العلماء أن يكون الإنسان حيثما توجّه من السُّموت ويتقلّب ويتصرّف بحسب نظره في نجاة نفسه. الرابعة ـ وٱختُلف في الخوف الذي تجوز فيه الصلاة رِجالاً ورُكباناً؛ فقال الشافعي: هو إطلال العدوّ عليهم فيتراءون معاً والمسلمون في غير حِصْن حتى ينالهم السلاح من الرمي أو أكثر من أن يقرب العدوّ فيه منهم من الطعن والضرب، أو يأتي من يصدق خبره فيخبره بأن العدوّ قريب منه ومسيرهم جادّين إليه؛ فإن لم يكن واحد من هذين المعنيين فلا يجوز له أن يصلّي صلاة الخوف. فإن صلّوا بالخبر صلاة الخوف ثم ذهب العدوّ لم يعيدوا، وقيل: يعيدون؛ وهو قول أبي حنيفة. قال أبو عمر: فالحال التي يجوز منها للخائف أن يصلي راجلاً أو راكباً مستقبل القبلة أو غير مستقبلها هي حال شدّة الخوف، والحال التي وردت الآثار فيها هي غير هذه. وهي صلاة الخوف بالإمام وٱنقسام الناس وليس حكمها في هذه الآية، وهذا يأتي بيانه في سورة «النساء» إن شاء الله تعالى. وفرّق مالك بين خوف العدوّ المقاتل وبين خوف السبع ونحوه من جمل صائل أو سَيْل أو ما الأغلب من شأنه الهلاك، فإنه ٱستحب من غير خوف العدوّ الإعادةَ في الوقت إن وقع الأمن. وأكثر فقهاء الأمصار على أن الأمر سواء. الخامسة ـ قال أبو حنيفة: إن القتال يفسد الصلاة؛ وحديث ٱبن عمر يردّ عليه، وظاهر الآية أقوى دليل عليه، وسيأتي هذا في «النساء» إن شاء الله تعالى. قال الشافعيّ: لما رخّص تبارك وتعالى في جواز ترك بعض الشروط دلّ ذلك على أن القتال في الصلاة لا يفسدها، والله أعلم. السادسة ـ لا نقصان في عدد الركعات في الخوف عن صلاة المسافر عند مالك والشافعيّ وجماعة من العلماء، وقال الحسن بن أبي الحسن وقتادة وغيرهما:: يصلّي ركعة إيماء؛ روى مسلم عن بُكير بن الأخْنَس عن مجاهد عن ٱبن عباس قال: فرض الله الصلاة على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحَضَر أربعاً وفي السفر ركعتين وفي الخوف ركعة. قال ٱبن عبد البَرّ: ٱنفرد به بُكير بن الأخْنَس وليس بحجة فيما ينفرد به، والصلاة أوْلى ما ٱحتِيط فيه، ومن صلّى ركعتين في خوفه وسفره خرج من الاختلاف إلى اليقين. وقال الضحاك بن مزاحم: يصلّي صاحب خوف الموت في المُسَايفة وغيرها ركعة فإن لم يقدر فليكبّر تكبيرتين. وقال إسحاق بن رَاهْوَيْه: فإن لم يقدر إلا على تكبيرة واحدة أجزأت عنه؛ ذكره ٱبن المنذر. وقوله تعالى: {فَإِذَآ أَمِنتُمْ فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُم} أي ارجعوا إلى ما أُمرتم به من إتمام الأركان. وقال مجاهد: «أمِنْتُمْ» خرجتم من دار السفر إلى دار الإقامة؛ وردّ الطبريّ على هذا القول. وقالت فرقة: «أَمِنْتُمْ» زال خوفكم الذي ألجأكم إلى هذه الصلاة. السابعة ـ وٱختلف العلماء من هذا الباب في بناء الخائف إذا أمِن؛ فقال مالك: إن صلّى ركعة آمنا ثم خاف ركب وبَنَى، وكذلك إن صلّى ركعة راكباً وهو خائف ثم أمِن نزل وبَنَى؛ وهو أحد قولي الشافعيّ، وبه قال المزنِيّ. وقال أبو حنيفة: إذا ٱفتتح الصلاة آمناً ثم خاف ٱستقبل ولم يَبْن، فإن صلّى خائفاً ثم أمِن بَنَى. وقال الشافعيّ: يَبْني النازلُ ولا يبني الراكب. وقال أبو يوسف: لا يبني في شيء من هذا كله. الثامنة ـ قوله تعالى: {فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ} قيل: معناه ٱشكروه على هذه النعمة في تعليمكم هذه الصلاة التي وقع بها الإجزاء؛ ولم تفتكم صلاة من الصلوات وهو الذي لم تكونوا تعلمونه. فالكاف في قوله «كما» بمعنى الشكر؛ تقول: افعل بي كما فعلت بك كذا مكافأةً وشكراً. و «ما» في قوله «مَا لَمْ» مفعولة بـ «عَلَّمَكُمْ». التاسعة ـ قال علماؤنا رحمة الله عليهم: الصلاة أصلها الدعاء، وحالة الخوف أولى بالدعاء؛ فلهذا لم تسقط الصلاة بالخوف؛ فإذا لم تسقط الصلاة بالخوف فأحْرَى ألاّ تسقط بغيره من مرض أو نحوه، فأمر الله سبحانه وتعالى بالمحافظة على الصلوات في كل حال من صحة أو مرض، وحضر أو سفر، وقدرة أو عجز وخوف أو أمن، لا تسقط عن المكلَّف بحال، ولا يتطرّق إلى فرضيتها ٱختلال. وسيأتي بيان حكم المريض في آخر «آل عمران» إن شاء الله تعالى. والمقصود من هذا أن تُفعل الصلاةُ كيفما أمكن، ولا تسقط بحال حتى لو لم يتَّفق فعلها إلا بالإشارة بالعين لزم فعلها، وبهذا تميَّزت عن سائر العبادات، كلها تسقطُ بالأعذار ويترخص فيها بالرُّخَص. قال ٱبن العربيّ: ولهذا قال علماؤنا: وهي مسألة عظمى، إن تارك الصلاة يقتل؛ لأنها أشبهت الإيمان الذي لا يسقط بحال، وقالوا فيها: إحدى دعائم الإسلام لا تجوز النيابة عنها ببدن ولا مال، فيقتل تاركها؛ أصله الشهادتان. وسيأتي ما للعلماء في تارك الصلاة في «براءة» إن شاء الله تعالى.

البيضاوي

تفسير : {فَإِنْ خِفْتُمْ} من عدو أو غيره. {فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَانًا } فصلوا راجلين أو راكبين ورجالاً جمع راجل أو رجل بمعناه كقائم وقيام، وفيه دليل على وجوب الصلاة حال المسايفة وإليه ذهب الشافعي رضي الله تعالى عنه، وقال أبو حنيفة رحمه الله تعالى لا يصلى حال المشي والمسايفة ما لم يكن الوقوف. {فَإِذَا أَمِنتُمْ } وزال خوفكم. {فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ } صلوا صلاة الأمن أو اشكروه على الأمن {كَمَا عَلَّمَكُم } ذكراً مثل ما علمكم من الشرائع وكيفية الصلاة حالتي الخوف والأمن. أو شكراً يوازيه وما مصدرية أو موصولة. {مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ } مفعول علمكم.

المحلي و السيوطي

تفسير : {فَإِنْ خِفْتُمْ } من عدو أو سيل أو سبع {فَرِجَالاً } جمع (راجل) أي مشاة صلّوا {أَوْ رُكْبَانًا } جمع (راكب) أي كيف أمكن مستقبلي القبلة أو غيرها ويومىء بالركوع والسجود {فَإِذَا أَمِنتُمْ } من الخوف {فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ } أي صلّوا {كَمَا عَلَّمَكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ } قبل تعليمه من فرائضها وحقوقها والكاف بمعنى (مثل) و(ما) مصدرية أو موصولة.

ابن عطية

تفسير : أمر الله تعالى بالقيام له في الصلاة بحالة قنوت، وهو الوقار والسكينة وهدوء الجوارح، وهذا على الحالة الغالبة من الأمن والطمأنينة، ثم ذكر تعالى حالة الخوف الطارئة أحياناً، فرخص لعبيده في الصلاة رجالاً متصرفين على الأقدام، و {ركباناً} على الخيل والإبل، ونحوه إيماء وإشارة بالرأس حيث ما توجه، هذا قول جميع العلماء وهذه هي صلاة الفذ الذي قد ضايقه الخوف على نفسه في حال المسايفة أو من سبع يطلبه أو عدو يتبعه أو سيل يحمله، وبالجملة فكل أمر يخاف منه على روحه فهو مبيح ما تضمنته هذه الآية، وأما صلاة الخوف بالإمام وانقسام الناس فليس حكمها في هذه الآية، وفرق مالك رحمه الله بين الخوف، العدو المقاتل وبين خوف السبع ونحوه بأن استحب في غير خوف العدو الإعادة في الوقت إن وقع الأمن، وأكثر فقهاء الأمصار على أن الأمر سواء، وقوله تعالى {فرجالاً} هو جمع راجل أو رجل من قولهم رجل الإنسان يرجل رجلاً إذا عدم المركب ومشى على قدميه فهو رجل وراجل، ورجُل" بضم الجيم وهي لغة أهل الحجاز، يقولون مشى فلان إلى بيت الله حافياً رجُلاً، حكاه الطبري وغيره ورجلان ورجيل، ورجل وأنشد ابن الأعرابي في "رجلان": [الطويل] شعر : عليَّ إذا لاقيت ليلى بخلوة أن ازدار بيت الله رجلان حافيا تفسير : ويجمع على رِجال ورجيلى ورُجَالى ورُجَّالى ورَجَّالة ورُجَّال ورَجَالي ورُجْلان وَرَجْلة ورِجْلة ورِجَلة بفتح الجيم وأرجِلة وأراجلِ وأراجيل، والرجل الذي هو اسم الجنس يجمع أيضاً على رجال، فهذه الآية وقوله تعالى: {أية : يأتوك رجالاً} تفسير : [الحج: 27] هما من لفظ الرجلة أي عدم المركوب، وقوله تعالى {أية : شهيدين من رجالكم} تفسير : [البقرة: 282] فهو جمع اسم الجنس المعروف، وحكى المهدوي عن عكرمة وأبي مجلز أنهما قرآ "فرُجَّلاً"، بضم الراء وشد الجيم المفتوحة، وعن عكرمة أيضاً أنه قرأ "فرُجَالاً" بضم الراء وتخفيف الجيم، وحكى الطبري عن بعضهم أنه قرأ "فرُجَّلاً" دون ألف على وزن فعل بضم الفاء وشد العين، وقرأ جمهور القراء "أو ركباناً" وقرأ بديل بن ميسرة "فرجالاً فركباناً" بالفاء، والركبان جمع راكب، وهذه الرخصة في ضمنها بإجماع من العلماء أن يكون الإنسان حيث ما توجه من السموت، ويتصرف بحسب نظره في نجاة نفسه. واختلف الناس كم يصلي من الركعات. فمالك رحمه الله وجماعة من العلماء لا يرون أن ينقص من عدد الركعات شيئاً، بل يصلي المسافر ركعتين ولا بد. قال الحسن بن أبي الحسن وقتادة وغيرهما: يصلي ركعة إيماء. وروى مجاهد عن ابن عباس أنه قال: "فرض الله الصلاة على لسان نبيكم في الحضر أربعاً وفي السفر ركعتين وفي الخوف ركعة". وقال الضحاك بن مزاحم: "يصلي صاحب خوف الموت في المسايفة وغيرها ركعة، فإن لم يقدر فليكبر تكبيرتين"، وقال إسحاق بن راهويه: "فإن لم يقدر إلا على تكبيرة واحدة أجزأت عنه"، ذكره ابن المنذر. واختلف المتألون في قوله تعالى: {فإذا أمنتم فاذكروا الله} الآية، فقالت فرقة: المعنى فإذا زال خوفكم الذي ألجأكم إلى هذه الصلاة فاذكروا الله بالشكر على هذه النعمة في تعليمكم هذه الصلاة التي وقع بها الإجزاء ولم تفتكم صلاة من الصلوات، وهذا هو الذي لم يكونوا يعلمونه وقالت فرقة: المعنى فإذا كنتم آمنين قبل أو بعد، كأنه قال: فمتى كنتم على أمن فاذكروا الله، أي صلوا الصلاة التي قد علمتموها، أي فصلوا كما علمكم صلاة تامة، حكاه النقاش وغيره. قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: وقوله على هذا التأويل {ما لم تكونوا} بدل من {ما} التي في قوله {كما}، وإلا لم يتسق لفظ الآية، وعلى التأويل الأول {ما} مفعولة بــ {علمكم}، وقال مجاهد: "معنى قوله {فإذا أمنتم}، فإذا خرجتم من دار السفر إلى دار الإقامة"، ورد الطبري على هذا القول، وكذلك فيه تحويم على المعنى كثير، والكاف في قوله {كما} للتشبيه بين ذكر الإنسان لله ونعمة الله عليه في أن تعادلا، وكان الذكر شبيهاً بالنعمة في القدر وكفاء لها، ومن تأول {اذكروا} بمعنى صلوا على ما ذكرناه فالكاف للتشبيه بين صلاة العبد والهيئة التي علمه الله.

ابن عبد السلام

تفسير : {فَرِجَالاً} جمع راجل كقائم وقيام، ولا يغير الخوف عدد الصلاة عند الجمهور، وقال الحسن: "صلاة الخوف ركعة" وفي وجوب قضائها مذهبان {فَاذْكُرُواْ اللَّهَ} فصلوا كما علمكم، أو فاذكروه بحمده، والثناء عليه {كَمَا عَلَّمَكُم} من أمر دينكم {مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ}.

الخازن

تفسير : قوله عز وجل:{ فإن خفتم فرجالاً} أي رجالة {أو ركباناً} يعني على الدواب جمع راكب والمعنى إن لم يمكنكم أن تصلوا قانتين موفين حقوق الصلاة من إتمام الركوع والسجود والخضوع والخشوع لخوف عدو أو غيره فصلوا مشاة على أرجلكم أو ركباناً على دوابكم مستقبلي القبلة وغير مستقبليها وهذا في حال المقاتلة والمسايفة في وقت الحرب. وصلاة الخوف قسمان: أحدهما أن يكون في حال القتال وهو المراد بهذه الآية، وقسم في غير حال القتال وهو المذكور في سورة النساء في قوله تعالى: {أية : وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة}تفسير : [النساء: 102] وسيأتي الكلام عليها إن شاء الله تعالى في موضعه، فإذا التحم القتال ولم يكن تركه لأحد فمذهب الشافعي أنهم يصلون ركباناً على الدواب ومشاة على الأرجل إلى القبلة وإلى غير القبلة يؤمنون بالركوع والسجود ويكون السجود أخفض من الركوع ويحترزون عن الصياح فإنه لا حاجة إليه، وقال أبو حنيفة: لا يصلي الماشي بل يؤخر الصلاة ويقضيها لأن النبي صلى الله عليه وسلم أخر الصلاة يوم الخندق فصلى الظهر والعصر والمغرب بعدما غربت الشمس فيجب علينا الاقتداء به في ذلك واحتج الشافعي لمذهبه بهذه الآية. وأجيب عن تأخير النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة يوم الخندق بأنه لم يكن نزل حكم صلاة الخوف وإنما نزل بعد فلما نزلت صلاة الخوف لم يؤخر النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك صلاة قط، أما الخوف الحاصل لا في القتال بل بسبب آخر كالهارب من العدو أو قصده سبع هائج أو غشيه سيل يخاف على نفسه الهلاك لو صلى صلاة أمن فله أن يصلي صلاة شدة الخوف بالإيماء في حال العدو لأن قوله تعالى: {فإن خفتم} مطلق يتناول الكل. فإن قلت: قوله تعالى: {فرجالاً أو ركباناً} يدل على أن المراد منه خوف العدو حال القتال. قلت هو كذلك إلاّ أنه هناك ثابت لدفع الضرر، وهذا المعنى موجود هنا فوجب أن يكون الحكم كذلك ها هنا روي عن ابن عباس قال: "فرض الله الصلاة على لسان نبيكم صلى الله عليه وسلم في الحضر أربعاً وفي السفر ركعتين وفي الخوف ركعة" أخرجه مسلم، وقد عمل بظاهر هذا جماعة من السلف منهم الحسن البصري وعطاء وطاوس ومجاهد وقتادة والضحاك وإبراهيم وإسحاق بن راهويه قالوا: يصلي في حال شدة الخوف ركعة وقال الشافعي ومالك وجمهور العلماء صلاة الخوف كصلاة الأمن في عدد الركعات قال كان الخوف في الحضر وجب عليه أن يصلي أربع ركعات وإن كان في السفر صلّى ركعتين ولا يجوز الاقتصار على ركعة واحدة في حال من الأحوال وتأولوا حديث ابن عباس هذا على أن المراد به ركعة مع الإمام وركعة أخرى يأتي بها منفرداً كما جاءت الأحاديث الصحيحة في صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في صلاة الخوف وهذا التأويل لا بد منه للجمع بين الأحاديث. وقوله تعالى: {فإذا أمنتم} يعني من خوفكم {فاذكروا الله} أي فصلوا لله الصلوات الخمس تامة بأركانها وسننها {كما علمكم ما لم تكونوا تعلمون} فيه إشارة إلى إنعام الله تعالى علينا بالعلم ولولا هدايته وتعليمه إيانا لم نعلم شيئاً ولم نصل إلى معرفة شيء فله الحمد على ذلك.

ابن عرفة

تفسير : قوله تعالى: {فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً...}. قال ابن عرفة: الخوف أمر محقق لكونه شرطا في الرخصة والرخصة إنما تكون في الأمر المحقق الثابت لأنها مظنة المبادرة للعمل بمقتضاها لما فيها من التخفيف، فلو لم يكن شرطها محققا لأدّى إلى التهاون بفعلها من غير استيفاء شروطها، فحق هذا الشرط أن يكون بـ (إذا) الدالة على التحقيق كما كان الشرط وهو "فَإِذَآ أَمِنتُمْ" لكنه روعي في الشرطين شيء آخر وهو الحظ على تشجيع النفس بإحضار الطمأنينة والأمن من العدوّ وعدم الاهتبال به حتى كأن الخوف منه غير واقع في الوجود بوجه، ولها عبر في آية الخوف بـ (إن) وفي آية الأمن بـ (إذَا). وقال الزمخشري: وعند الإمام أبي حنيفة لا يصلون في حال المشي. وعند الإمام الشافعي رضي الله عنه يصلّون في كل حال والراكب يومىء ويسقط عنه التوجه إلى القبلة. قال ابن عرفة: مذهب الإمام مالك والشافعي رضي الله عنهما في ذلك سواء وينوي بقلبه التوجّه إلى القبلة (وهذا إذا خاف العدوّ وفوات الوقت المختار) فإن رَجَا حصول الأمن فيه أخّر/ الصلاة و(وكذا) الخائف من لصوص أو سباع لأنّ الفرع في هذا أقوى من أصله كما (قالوا) في الجدة للأم مع الجد للأب، لأن الخائف من العدوّ لا يقضي والخائف من اللصوص أو السباع يقضي. قوله تعالى: {فَإِذَآ أَمِنتُمْ فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ...}. قال ابن عطية: قيل فإذا زال خوفكم الذي اضطرّكم إلى هذه الصلاة. وقيل: فإذا كنتم آمنين قبل أو بعد أي فمتى كنتم عل (أمن). ورده ابن عرفة بأن الشرط هنا يقتضي أنه مستقبل لم يقع في الوجود لا أنه ماض.

السيوطي

تفسير : أخرج مالك والشافعي وعبد الرزاق والبخاري وابن جرير والبيهقي من طريق نافع قال‏:‏ كان ابن عمر إذا سئل عن صلاة الخوف قال‏:‏ يتقدم الإِمام وطائفة من الناس فيصلي بهم الإِمام ركعة، وتكون طائفة منهم بينهم وبين العدو لم يصلوا، فإذا صلى الذين معه ركعة استأخروا مكان الذين لم يصلوا ولا يسلمون، ويتقدم الذين لم يصلوا فيصلون معه ركعة، ثم ينصرف الإِمام وقد صلى ركعتين، فتقوم كل واحدة من الطائفتين فيصلون لأنفسهم ركعة بعد أن ينصرف الإِمام، فيكون كل واحد من الطائفتين قد صلى ركعتين، وإن كان خوف هو أشد من ذلك صلوا رجالاً أو قياماً على أقدامهم، أو ركبانا مستقبلي القبلة أو غير مستقبليها‏.‏ قال نافع‏:‏ لا أرى ابن عمر ذكر ذلك إلا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم‏. وأخرج ابن أبي شيبة ومسلم والنسائي من طريق نافع عن ابن عمر قال ‏"‏صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف في بعض أيامه، فقامت طائفة معه وطائفة بإزاء العدوّ، فصلى بالذين معه ركعة ثم ذهبوا، وجاء الآخرون فصلى بهم ركعة، ثم قضت الطائفتان ركعة ركعة‏.‏ قال‏:‏ وقال ابن عمر‏:‏ فإذا كان خوف أكثر من ذلك فصل راكباً أو قائماً تومىء إيماء‏"‏‏. وأخرج ابن ماجة من طريق نافع عن ابن عمر قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاة الخوف ‏"حديث : ‏أن يكون الإِمام يصلي بطائفة معه فيسجدون سجدة واحدة وتكون طائفة منهم بينهم وبين العدو، ثم ينصرف الذين سجدوا السجدة مع أميرهم، ثم يكونوا مكان الذين لم يصلوا ويتقدم الذين لم يصلوا فيصلوا مع أميرهم سجدة واحدة، ثم ينصرف أميرهم وقد صلى صلاته، ويصلي كل واحد من الطائفتين بصلاته سجدة لنفسه، فإن كان خوفاً أشد من ذلك فرجالاً أو ركباناً‏ "‏‏. تفسير : وأخرج البزار عن ابن عمر قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"حديث : ‏صلاة المسايفة ركعة، أي وجه كان الرجل يجزىء عنه، فإن فعل ذلك لم يعده‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ‏ {‏فإن خفتم فرجالاً أو ركبانا‏ً}‏ قال‏:‏ يصلي الراكب على دابته والراجل على رجليه ‏ {‏فإذا أمنتم فاذكروا الله كما علمكم ما لم تكونوا تعلمون‏} ‏ يعني كما علمكم أن يصلي الراكب على دابته، والراجل على رجليه‏. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن جابر بن عبدالله قال‏:‏ إذا كانت المسايفة فليومىء برأسه حيث كان وجهه، فذلك قوله ‏ {‏فرجالاً أو ركبانا‏ً}‏ ‏. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله {‏فرجالاً‏} ‏ قال‏:‏ مشاة ‏ {‏أو ركبانا‏ً} ‏ قال‏:‏ لأصحاب محمد على الخيل في القتال، إذا وقع الخوف فليصلّ الرجل إلى كل جهة، قائماً أو راكباً أو ما قدر على أن يومىء إيماء برأسه أو يتكلم بلسانه‏. وأخرج عبد بن حميد عن قتادة قال‏:‏ أحل الله لك إذا كنت خائفاً أن تصلّي وأنت راكب، وأنت تسعى وتومىء إيماء حيث كان وجهك للقبلة، أو لغير ذلك‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد ‏ {‏فإن خفتم فرجالاً أو ركبانا‏ً} ‏ قال‏:‏ هذا في العدو يصلي الراكب والماشي يومئون إيماء حيث كان وجوههم، والركعة الواحدة تجزئك‏. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن مجاهد قال‏:‏ يصلي ركعتين، فإن لم يستطع فركعة، فإن لم يستطع فتكبيرة حيث كان وجهه‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس ‏ {‏فإن خفتم فرجالاً أو ركباناً‏}‏ قال‏:‏ ركعة ركعة‏.‏ وأخرج أبو داود عن عبدالله بن أنيس قال: ‏حديث : "‏بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى خالد بن سفيان الهذلي‏ ‏وكان نحو عرنة وعرفات فقال‏: اذهب فاقتله‏. قال‏:‏ فرأيته وقد حضرت صلاة العصر فقلت‏:‏ إني لأخاف أن يكون بيني وبينه ما أن أؤخر الصلاة، فانطلقت أمشي وأنا أصلي أومىء إيماء نحوه، فلما دنوت منه قال لي‏:‏ من أنت‏؟‏ قلت‏:‏ رجل من العرب، بلغني أنك تجمع لهذا الرجل فجئتك في ذلك‏.‏ قال‏:‏ إني لفي ذلك‏.‏ فمشيت معه ساعة حتى إذا أمكنني علوته بسيفي حتى برد‏"‏‏ . تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن إبراهيم في قوله ‏{‏إن خفتم فرجالاً أو ركبانا‏ً}‏ قال‏:‏ إذا حضرت الصلاة في المطادرة فاومىء حيث كان وجهك، واجعل السجود أخفض من الركوع‏. وأخرج عبد الرزاق عن قتادة في قوله ‏ {‏فرجالاً أو ركباناً‏} ‏ قال‏:‏ ذلك عند الضراب بالسيف تصلي ركعة إيماء حيث كان وجهك، راكباً كنت أو ماشياً أو ساعياً‏. وأخرج الطيالسي وعبد الرزاق وابن أبي شيبة وأحمد وعبد بن حميد والنسائي وأبو يعلى والبيهقي في سننه عن أبي سعيد الخدري قال ‏"‏كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الخندق، فشغلنا عن صلاة الظهر والعصر والمغرب والعشاء حتى كفينا ذلك، وذلك قوله ‏{أية : ‏وكفى الله المؤمنين القتال‏}‏ تفسير : ‏[‏الأحزاب: 25‏]‏ فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بلالاً، فأقام لكل صلاة إقامة، وذلك قبل أن ينزل عليه ‏ {‏فإن خفتم فرجالاً أو ركبانا‏ً}"‏‏.‏ وأخرج وكيع وابن جرير عن مجاهد ‏ {‏فإذا أمنتم‏} ‏ قال‏:‏ خرجتم من دار السفر إلى دار الإِقامه‏.‏ وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في الآية قال ‏{‏فإذا أمنتم‏}‏ فصلوا الصلاة كما افترض عليكم، إذا جاء الخوف كانت لهم رخصة‏.‏

ابو السعود

تفسير : {فَإِنْ خِفْتُمْ} أي من عدو أو غيرِه {فَرِجَالاً} جمع راجل كقيام وقائم أو رجل بمعنى راجل وقرىء بضم الراء مع التخفيف وبضمها مع التشديد أيضاً وقرىء فرَجِلاً أي راجلاً {أَوْ رُكْبَانًا} جمع راكب أي فصلوا راجلين أو راكبـين حسبما يقتضيه الحالُ ولا تُخِلّوا بها ما أمكن الوقوفُ في الجملة وقد جوّز الشافعيُّ رحمه الله أداءها حال المسايفة أيضاً {فَإِذَا أَمِنتُمْ} بزوال الخوف {فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ} أي فصلّوا صلاةَ الأمن وعبر عنها بالذكر لأنه معظمُ أركانِها {كَمَا عَلَّمَكُم} متعلق بمحذوف وقع وصفاً لمصدر محذوف أي ذكراً كائناً كما علمكم أي كتعليمه إياكم {مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ} من كيفية الصلاة، والمرادُ بالتشبـيه أن تكون الصلاةُ المؤداة موافقةً لما علّمه الله تعالى، وإيرادُها بذلك العنوانِ لتذكير النعمةِ أو اشكُروا الله تعالى شكراً يوازي تعليمَه إياكم ما لم تكونوا تعلمونه من الشرائع والأحكامِ التي من جملتها كيفيةُ إقامةِ الصلاة حالتي الخوفِ والأمن. هذا وفي إيراد الشرطية الأولى بكلمة إن المفيدةِ لمشكوكية وقوعِ الخوفِ ونُدرته وتصديرِ الشرطيةِ الثانية بكلمة إذا المُنبئة عن تحقق وقوعِ الأمن وكثرته مع الإيجاز في جواب الأولى والإطنابِ في جواب الثانية المبنيّـين على تنزيل مقامِ وقوعِ المأمور به فيهما منزلةَ مقامِ وقوعِ الأمر تنزيلاً مستدعياً لإجراءِ مقتضىٰ المقام الأولِ في كل منهما مُجرى مقتضىٰ المقام الثاني من الجزالة ولطفِ الاعتبار ما فيه عبرةٌ لأولي الأبصار {وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوٰجًا} عَودٌ إلى بـيانِ بقيةِ الأحكامِ المفصَّلة فيما سلف إثرَ بـيانِ أحكامٍ توسطتْ بـينهما لما أشير إليه من الحكمة الداعيةِ إلى ذلك {وَصِيَّةً لاّزْوَاجِهِم} أي يوصون أو لِيُوصوا أو كتب الله عليهم وصيةً، ويؤيد هذا قراءةُ مَنْ قرأ كتب عليكم الوصية لأزواجكم وقرىء بالرفع على تقدير مضاف في المبتدأ أو الخبر أي حُكمُ الذين يُتوفون منكم ويذرون أزواجاً وصيةٌ لأزواجهم، أو والذين يُتوفون أهل وصية لأزواجهم أو كُتِب عليهم وصيةٌ أو عليهم وصيةٌ وقرىء متـاعٌ لأزواجهم بدل وصية {مَّتَـٰعًا إِلَى ٱلْحَوْلِ} منصوبٌ بـيوصون إن أضمَرْته وإلا فبالوصية أو بمتاع على القراءة الأخيرة {غَيْرَ إِخْرَاجٍ} بدل منه أو مصدر مؤكد كما في قولك: هذا القولُ غيرُ ما تقول أو حال من أزواجهم أي غيرَ مُخرَجاتٍ والمعنى يجب على الذين يُتوفَّوْن أن يوصوا قبل الاحتضار لأزواجهم بأن يُمتّعْنَ بعدهم حولاً بالنفقة والسُكنىٰ وكان ذلك أولَ الإسلام ثم نُسخت المدة بقوله تعالى: {أية : أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} تفسير : [البقرة، الآية 234] فإنه وإن كان متقدماً في التلاوة فهو متأخرٌ في النزول وسقطت النفقة بتوريثها الربعَ أو الثمنَ وكذلك السكنى عندنا، وعند الشافعيّ هي باقية، {فَإِنْ خَرَجْنَ} عن منزل الأزواج باختيارهن {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ} أيها الأئمة {فِيمَا فَعَلْنَ فِى أَنفُسِهِنَّ مِن مَّعْرُوفٍ} لا ينكِرُه الشرْعُ كالتزيُّن والتطيُّب وتركِ الحِدادِ والتعرّضِ للخُطّاب، وفيه دلالةٌ على أن المحظورَ إخراجُها عند إرادة القرارِ وملازمةِ مسكنِ الزوجِ والحداد من غير أن يجب عليها ذلك وأنها كانت مخيّرة بـين الملازمة مع أخذ النفقةِ وبـين الخروج مع تركها {وَٱللَّهُ عَزِيزٌ} غالبٌ على أمره يعاقِبُ من خالفه {حَكِيمٌ} يراعي في أحكامه مصالحَ عباده.

القشيري

تفسير : أي لا تُخِلُّوا بمناجاتي لأوقاتها على الوصف الذي أمكنكم فإن ما تحسونه من أعدائكم أنا سلّطتُهم عليكم، فإذا خلوتم بي بقلوبكم قصرت أيديهم عنكم، وجعلت لكم الظفر عليهم، ثم إذا زال عنكم الخوف وأمنتم فعودوا إلى استقراركم باستفراغ أوقاتكم في الاعتكاف بحضرتي سراً وجهراً.

اسماعيل حقي

تفسير : {فإن خفتم} اى ان كان بكم خوف من عدو او غيره {فرجالا} منصوب على الحال وعامله محذوف تقديره فصلوا راجلين والرجال جمع راجل مثل صحاب وصاحب {أو ركبانا} اى راكبين وهو جمع راكب مثل فرسان وفارس. ومذهب ابى حنيفة انهم لا يصلون فى حال المشى والمسايفة ما لم يمكن الوقوف وعند امكان الوقوف يصلى واقفا والدليل عليه قوله تعالى {فإن خفتم} الآية {فإذا أمنتم} وزال خوفكم {فاذكروا الله} اى فصلوا صلاة الا من عبر عنها بالذكر لانه معظم اركانها {كما علمكم} اى ذكرا كائنا كتعليمه اياكم {ما لم تكونوا تعلمون} من كيفية الصلاة والمراد بالتشبيه ان تكون الصلاة المؤداة موافقة لما علمه الله وايرادها بذلك العنوان لتذكير النعمة او اشكروا لله شكرا يوازى تعليمه اياكم ما لم تكونوا تعلمونه من الشرائع والاحكام التى من جملتها كيفية اقامة الصلاة حالتى الخوف والامن. واعلم ان الصلاة بمنزلة الضيافة قد هيأها الله للموحدين فى كل يوم خمس مرات فكما فى الضيافة تجتمع الألوان من الاطعمة ولكل طعام لذة ولون فكذلك فيها اركان وافعال مختلفة لكل فعل لذة وتكفير للذنوب. وعن كعب الاحبار انه قال قال الله لموسى فى مناجاته [يا موسى اربع ركعات يصليها احمد وامته وهى صلاة الظهر اعطيهم فى اول ركعة منها المغفرة وفى الثانية اثقل موازينهم وفى الثالثة اوكل بهم الملائكة يسبحون ويستغفرون لهم لا يبقى ملك فى السماء ولا فى الارض الا ويستغفر لهم ومن استغفرت له الملائكة لم اعذبه ابدا وفى الرابعة افتح لهم ابواب السماء وتنظر اليهم الحور العين. يا موسى اربع ركعات يصليها احمد وامته وهى صلاة العصر ما يسألون منى حاجة الا قضيت لهم. يا موسى ثلاث ركعات يصليها احمد وامته وهى صلاة المغرب افتح لهم ابواب السماء. يا موسى اربع ركعات يصليها احمد وامته وهى صلاة العشاء خير لهم من الدنيا وما فيها ويخرجون من الدنيا كيوم ولدتهم امهاتهم]. ثم اعلم انه لا يرخص لمن سمع الاذان ترك الجماعة فانها سنة مؤكدة غاية التأكيد بحيث لو تركها اهل ناحية وجب قتالهم بالسلاح لانها من شعائر الاسلام ولو تركها احد منهم بغير عذر شرعى يجب عليه التعزيز ولا تقبل شهادته ويأثم الجيران والامام والمؤذن بالسكوت عنه. وفى غنية الفتاوى من حضر المسجد الجامع لكثرة جماعة فى الصلاة فمسجد محلته افضل قل اهل مسجده او كثر لان لمسجده حقا عليه لا يعارضه كثرة الجماعة ولا زيادة تقوى غيره او علمه ويبادر الصف الاول على محاذاة الامام وروى عن النبى عليه السلام انه قال "حديث : يكتب للذى خلف الامام بحدائه مائة صلاة وللذى فى الجانب الايمن خمس وسبعون صلاة وللذى فى جانب الايسر خمسون صلاة وللذى فى سائر الصفوف خمس وعشرون صلاةbr>". تفسير : كذا فى القنية ولا يتخطى رقاب الناس الى الصف الاول اذا وجد فيه فرجة ويتلاصقون بحيث يكونون محاذين بالاعناق والمناكب قال عليه السلام "حديث : رصوا صفوفكم وقاربوا بينها تقارب اشباحكم وحاذوا بالاعناق فوالذى نفسى بيده انى لأرى الشيطان يدخل من خلل الصف كانه الحذفbr>". تفسير : الخلل بفتح الخاء المعجمة الفرجة والحذف بفتحتى الحاء المهملة والذال المعجمة الغنم السود الصغار الحجازية كذا فى التنوير. والكلام فى اداء الصلاة بالحضور والتوجه التام: قال بعضهم شعر : محراب ابروى تواكر قبله ام نبود كى برفلك برند ملائك نمازمن تفسير : ـ يحكى ـ ان الشيخ ابا العباس الجوالقى كان فى بداية حاله يعمل الجوالق ويبيع فباع يوما جوالقا بنسيئة ونسى المشترى فلما قام الى الصلاة تفكر فى ذلك ثم لما سلم قال لتلميذه وقعت لى خاطرة فى الصلاة انى الى أى شخص بعت الجوالق الفلانى فقال تلميذه يا استاذ انت فى اداء الصلاة او تحصيل الجوالق فأثر هذا القول فى الشيخ فلبس جوالقا وترك الدنيا واشتغل بالرياضة الى ان وصل الى ما وصل شعر : مردان بسعى ورنج بجايى رسيده اند توبى هنر كجارسى از نفس برورى تفسير : والاشارة ان الله تعالى اشار فى حفظ الصلاة بصيغة المبالغة التى بين الاثنين وقال {أية : حافظوا على الصلوات} تفسير : [البقرة: 238]. يعنى محافظة الصلاة بينى وبينكم كما قال "حديث : قسمت الصلاة بينى وبين عبدى نصفين فنصفها لى ونصفها لعبدى ولعبدى ما سأل" تفسير : فمعناه انى حافظكم بقدرة التوفيق والاجابة والقبول والاثابة عليها فحافظوا انتم على الصلاة بالصدق والاخلاص والحضور والخضوع والمناجاة بالتذلل والانكسار والاستعانة والاستهداء والسكون والوقار والهيبة والتعظيم وحفظ القلوب بدوام الشهود فإنما هى الصلاة الوسطى لان القلب الذى فى وسط الانسان هو واسطة بين الروح والجسد ولهذا يسمى القلب فالاشارة فى تخصيص المحافظة على الصلاة هى صلاة القلب بدوام الشهود فان البدن ساعة يحفظ صورة اركان الصلاة وهيئتها وساعة يخرج منها فلا سبيل الى حفظ صورتها بنعت الدوام ولا الى حفظ معانيها بوصف الحضور والشهود وانما هو من شأن القلب كقوله تعالى {أية : إن فى ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد} تفسير : [ق: 37]. وانه من نعت ارباب القلوب انهم فى صلاتهم دائمون كذا فى التأويلات النجمية. فليسارع السالكون الى حرم الحضور قبل الموت والقبور فان الصلاة بالفتور غير مقبولة عند الله الغيور ولا بد من الاعراض عن الكائنات ليتجلى نور الذات والا فمن يستحضر عمرا وينادى زيدا فلا اجابة له ابدا: قال الشيخ سعدى الشيرازى قدس سره شعر : آنكه جون بسته ديدش همه مغز بوست بربوست بود همجو بياز بارسايان روى در مخلوق بشت بر قبله ميكنند نماز تفسير : ومن الله التوفيق.

الطوسي

تفسير : اللغة: معنى قوله: {فرجالاً} أي على أرجلكم، لأن الراجل: هو الكائن على رجله واقفاً كان، أو ماشياً. وأحد الرجال: راجل وجمعه رجّال، مثل تاجر وتجّار، وصاحب، وصحّاب، وقائم، وقيام. وواحد الركبان: راكب، وجمعه ركبان، وركاب، كفارس، وفرسان. وتقول: ركب يركب ركوباً، وأركبه إركاباً، وارتكب ارتكاباً، وتراكب الشيء تراكباً، وتركب تركيباً، وركبة تركيباً، واستركب استركاباً وكل شيء علا شيئاً، فقد ركبه. وركبه الدين، ونحوه. والركبة معروفة، لروب البدن لها. وركبة البعير في يده. والركاب: المطي. وركاب السرج، لأنه يركب. والركبان: أصلا الفخذين الذين عليهما لحم الفرج لركوبه إياهما. وفرس أركب، والانثى ركبى: إذا عظمت ركبتيهما وهو عيب. وأركب المهر: إذا أمكن أن يركب. ورجل مركب: الذي يغزوا على فرس غيره. والراكبة: فسيلة تتعلق بالنخلة لا تبلغ الأرض. وركبت الرجل أركبه ركباً: إذا ضربته بركبتك. والركوب: كل دابة تركب، ومنه قوله: {أية : فمنها ركوبهم}تفسير : وأصل الباب الركوب: العلو على الشيء. المعنى: والعامل في قوله: {فرجالاً} محذوف، وتقديره: فصلوا رجالا أو ركباناً. وصلاة الخوف من العدوّ: ركعتان كيف توجه إنما يجعل السجود أخفض من الركوع - في قول ابراهيم، والضحاك - فان لم يستطع، فليكن بتكبيرتين. وروي أن علياً (ع) صلى ليلة الهرير خمس صلوات بالايماء وقيل بالتكبير. وإن النبي (صلى الله عليه وسلم) صلى يوم الاحزاب إيماء. وروي أنه قضاها بعد أن فاتت بالليل. وقال ابن عباس والحسن: يجوز في صلاة الخوف ركعة واحدة. وقال الحسن، وقتادة، وابن زيد: يجوز أن يصلي الخائف ماشياً. وقال أهل العراق: لا يصلي ماشياً، لأن المشي عمل. والذي نقوله: إن الخائف إن صلى منفرداً صلاة شدة الخوف صلى ركعتين يومىء إيماء، ويكون سجوده أخفض من ركوعه، وإن لم يتمكن كبر عن كل ركعة تكبيرة، وهكذا صلاة شدة الخوف إذا صلوها جماعة، وإن صلوا جماعة غير صلاة شدة الخوف، فقد بينا الخلاف فيه وكيفية فعلها في خلاف الفقهاء. والذكر في الآية قيل في معناه قولان: أحدهما - أنه الصلاة، أي فصلوا صلاة الأمن كما علمكم الله، هذا قول الحسن، وابن زيد. الثاني - اذكروه بالثناء عليه، والحمد له كما علمكم ما لم تعلموا من أمر دينكم، وغير ذلك من أموركم. والأولى حمل الآية على عمومها في الأمرين.

الجنابذي

تفسير : {فَإنْ خِفْتُمْ} من عدوٍّ ولصٍّ وسبع {فَـ}ـحافظوا عليها {رِجَالاً} جمع راجل او رجيل او رجلان او رجل بكسر الجيم او ضمّه يعنى لا يلزم القيام والتّوقّف فى الصّلاة وقت الخوف {أَوْ رُكْبَاناً} جمع راكب ولا اختصاص له بركوب الجمل وغيره وعن الصّادق (ع) انّه قال: اذا خاف من سبعٍ او لصٍّ يكبّر يومئ ايماء {فَإِذَآ أَمِنتُمْ فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ} فصلّوا، او المراد مطلق الذّكر، او المراد الذّكر القلبىّ الّذى هو صلاة الصّدر {كَمَا عَلَّمَكُم} ذكراً يكون مثل تعليمه ايّاكم يعنى يوازى تعليمه ايّاكم، او كذكر علّمكم بلسان خلفائه، او كالذّكر الّذى علّمكم بلسان خلفائه على ان يكون ما مصدريّةً او موصوفةً او موصولةً وعلى الاخيرين فقوله تعالى {مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ} يكون بدلا.

اطفيش

تفسير : {فإنْ خِفْتُم}: من عدوٍّ أو سبع أو سيل أو غير ذلك. {فَرِجَالاً} أى فصلوا ماشين على الأرجل جمع راجل، أى ماش على رجله كقائم وقيام، والفعل رجل يرجل، كعلم يعلم، ويجوز أن يقدر عامل الحال وصاحبها هكذا، فحافظوا عليها رجالا، وهو أنسب بقوله: {حافظوا}، وقرئ فرجالا بضم الراء وتخفيف الجيم، ورجالا بفتح الراء وتشديد الجيم، ورجلا بفتح الراء وإسكان الجيم، وكلها جموع راجل. أو رجل اسم جمع راجل. {أوْ رُكْباناً}: راكبين على الدوابّ يحرمون إلى القبلة بأوجهم وأجسامهم إن أمكنهم، أو بوجوههم إن لم يمكن إلا بها، وإن لم يمكن أيضا بها نووا الإحرام إليها، وفى جميع ذلك ينوون الاستقبال بجميع صلاتهم، ثم يتوجهون حيث توجهوا يصلون فى مشيهم وركوبهم، وذلك حال القيال وحال الهروب الجائز، وإن أمكنهم الركوع أو السجود أخفض من الركوع، ولا يصيحون ولا يتكلمون، ولا يقصرون من عدد الركعات، بل يختصرون وظائفها، هذا مذهبنا ومذهب أحمد ومالك، وقال أبو حنيفة لا يصلى الماشى، بل يؤخر الصلاة ويقضيها بعد، ولا بأس عليه إن مات، بأن النبى صلى الله عليه وسلم أخر الصلاة يوم الخندق، وصلى الظهر والعصر والمغرب بعد ما غربت الشمس، والجواب أن العمل بالآية وأما الحديث فقيل نزول الآية، وقال الحسن وعطاء وطاووس ومجاهد وقتادة والضحاك وإسحاق بن راهويه: صلاة الخوف ركعة برواية ابن عباس: فرض الله الصلاة على لسان نبيكم صلى الله عليه وسلم فى الحضر أربعا، وفى السفر ركعتين، وفى الخوف ركعة ويجاب بأن المراد ركعة مع الإمام ويأتى المأموم بالركعة الأخرى منفردا، وإذا كان الأمر أشد من ذلك كبر أربع تكبيرات وإلا فيصلى أربعا فى الحضر، وركعتين فى السفر، وثلاثاً فى المغرب لا يقصر من الركعات للخوف هذا هو مذهبنا، ومذهب مالك، وقال الحسن: إذا كنت تطلب عدوا أو يطلبك فإنك تومئ بركعة حيث كان وجهك لرواية ابن عباس، وقد مر الجواب آنفا، ومما يرد على أبى حنيفة صلاة عبد الله ابن أنيس ماشيا طالبا لعدو، وقال بعثنى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى خالد بن سفيان، وكان نحو عرنة وعرفات، قال: اذهب فاقتله فرأيته، وقد حضرت صلاة العصر فقلت: إنى لأخاف أن يكون بينى وبينه ما يؤخر الصلاة، فانطلقت أمشى وأنا أصلى وأومئ إيماء نحوه، فلما دنوت منه قال لى: من أنت؟ قلت رجل من العرب بلغنى أنك تجمع لهذا الرجل فجئتك فى ذلك، فقال: إنى لفى ذلك فمشيت معه حتى إذا مكننى علوته بسيفى حتى يرده، وفى رواية قال عبد الله بن أنيس: دعانى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "حديث : إنه قد بلغنى أن ابن سفيان الهذلى يجمع لى الناس ليغزونى وهو بنخلة أو بعرنة فآته فاقتله: قلت: يا رسول الله انعته حتى أعرفه، فقال: "إنك إذا رأيته ذكر الشياطين وآية ما بينك وبينه أنك إذا رأيته وجدت له قشعريرة" قال: فخرجت متقلدا سيفى حتى دفعت إليه وهو فى ظعن يرتاد لهن منزلا، وكان وقت العصر، فلما رأيته وجدت له ما قال لى رسول الله صلى الله عليه وسلم من القشعريرة، فأقبلت نحوه وخشيت أن يكون بينى وبينه محاولة تشغلنى عن الصلاة، فصليت وأنا أمشى نحوه وأومئ برأسى إيماء، فلما انتهيت: قال من الرجل قلت رجل من العرب سمع بك وبجمعك لهذا الرجل، فجاءك لذلك فقال: أجل أنا فى ذلك أسعى، قال: فمشيت معه شيئاً حتى إذ أمكننى حملت عليه بالسيف فقتلته، ثم خرجت وتركت ضعائيه منكبات عليه، فلما قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرآنى قال: "أفلح الوجه" قلت: قد قتلته يا رسول الله. قال: "صدقت" ثم قام بى فأدخلنى بيته فأعطانى عصى فقال: "أمسك هذه العصا يا عبد الله بن أنيس" قال: فخرجت بها على الناس فقالوا: ما هذه العصا؟ فقلت: أعطانيها رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمرنى أن أمسكها عندى، قالوا: أفلا ترجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فتسأله لم ذلك؟ فرجعت إلى رسول الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله لم أعطيتنى هذه العصا؟ قال: "آية بيتى وبينك يوم القيامة إلى أقل الناس المحتضرون يومئذ" تفسير : فقرنها عبد الله بن أنيس بسيفه فلم تزل عنده حتى مات وأمر بها فضمت فى أكفانه ثم دفنا جميعا. {فَإذَا أمِنْتُم}: أى زال خوفكم: {فَاذكُرُوا الله}: أى صلوا ما يستقبل من الصلاة بعد ذلك قائمين فى الأرض، راكعين ساجدين لا ماشين ولا راكبين، وغير ذلك من حقوقها. {كَما عَلَّمكُم مَّا لَم تَكُونُوا تَعْلَمُونَ}: أى ذكرا ثابتاً كما علمكم أو ذكرا مثل ما علمكم حقوقها التى كنتم. لم تعلموها من كونها فرضاً، وكونها بخشوع وظهر وغير ذلك كاستقبال بها كلها وما الأولى اسم موصول واقع على حقوقها أو على الذكر أى الذى علمكم، وما الثانية بدلها أو ما الأولى مصدرية وما الثانية مفعول يعمل أى كتعليمه، ومعنى تشبيه الذكر بالحقوق، أو بالتعليم أنه على طبقهما، ويجوز أن تكون الكاف للتعليل أو الاستعلاء المجازى سواء جعلنا ما بعدها أسماً أو حرف مصدر، وذلك دعاء للشكر، أى اذكروه كما علمكم من صلاة الخوف والأمن، أى اشكروه فالذكر على هذا شكر، ويجوز أن يكون المعنى اشكروا الله شكرا يوازى ما علمكم إياه أو تعليمه إياكم، ويجوز تعليم الشريعة فى قوله: {كما علمكم ما لم تكونوا تعلمون}.

الالوسي

تفسير : {فَإِنْ خِفْتُمْ} من عدوّ أو غيره {فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَانًا} حالان من الضمير في جواب الشرط أي فصلوا راجلين أو راكبين، والأول جمع راجل، وهو الماشي على رجليه ـ ورجل ـ بفتح فضم أو بفتح فكسر بمعناه، وقيل: الراجل الكائن على رجليه واقفاً أو ماشياً، واستدل الشافعي رضي الله تعالى عنه بظاهر الآية على وجوب الصلاة حال المسايفة/ وإن لم يمكن الوقوف، وذهب إمامنا إلى أن المشي وكذا القتال يبطلها، وإذا أدى الأمر إلى ذلك أخرها ثم صلاها آمناً، فقد أخرج الشافعي بإسناد صحيح حديث : عن أبـي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال: حبسنا يوم الخندق حتى ذهب هويٌ من الليل حتى كفينا القتال وذلك قوله تعالى: {وَكَفَى ٱللَّهُ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱلْقِتَالَ} [الأحزاب: 25] فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بلالاً فأمر فأقام الظهر فصلاها كما كان يصلي، ثم أقام العصر فصلاها كذلك، ثم أقام المغرب فصلاها كذلك، ثم أقام العشاء فصلاها كذلك، وفي لفظ فصلى كل صلاة ما كان يصليها في وقتها» تفسير : وقد كانت صلاة الخوف مشروعة قبل ذلك لأنها نزلت في ذات الرقاع ـ وهي قبل الخندق ـ كما قاله ابن إسحق وغيره من أهل السير، وأجيب بمنع أن صلاة الخوف مطلقاً ولو شديداً شرعت قبل الخندق ليستدل بما وقع فيه من التأخير، ويجعل ناسخاً لما في الآية ـ كما قيل ـ والمشروع في ذات الرقاع قبل صلاة الخوف الغير الشديد وهي التي نزلت فيها: {أية : وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ ٱلصَّلَٰوةَ }تفسير : [النساء: 102] لا صلاة شدّة الخوف المبينة بهذه الآية، والنزاع إنما هو فيها ـ وهي لم تشرع قبل الخندق بل بعده ـ وفيه كان الخوف شديداً فلا يضر التأخير، وقد أجاب بعض الحنفية بأنا سلمنا جميع ذلك إلا أن هذه الآية ليست نصاً في جواز الصلاة مع المشي أو المسايفة إذ يحتمل أن يكون الراجل فيها بمعنى الواقف على رجليه لا سيما وقد قوبل بالراكب وقد علم من خارج وجوب عدم الإخلال في الصلاة، وهذا إخلال كلي لا يحتمل فيها لإخراجه لها عن ماهيتها بالكلية، وأنت تعلم ـ إذا أنصفت ـ أنّ ظاهر الآية صريحة مع الشافعية لسبق {أية : وَقُومُواْ} تفسير : [البقرة: 238] والدين يسر لا عسر والمقامات مختلفة، والميسور لا يسقط بالمعسور، وما لا يدرك لا يترك فليفهم. وقرىء (رجالاً) ـ بضم الراء مع التخفيف، وبضمها مع التشديد ـ وقرىء {فرجلا} أيضاً. {فَإِذَا أَمِنتُمْ} وزال خوفكم. وعن مجاهـد ـ إذا خرجتم من دار السفر إلى دار الإقامة ـ ولعله على سبيل التمثيل {فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ} أي فصلوا صلاة الأمن ـ كما قال ابن زيد ـ وعبر عنها بالذكر لأنه معظم أركانها، وقيل: المراد ـ أشكروه على الأمن ـ وبعضهم أوجب الإعادة، وفسر هذا ـ بأعيدوا الصلاة ـ وهو من البعد بمكان {كَمَا عَلَّمَكُم} أي ذكراً مثل ما علمكم من الشرائع وكيفية الصلاة حالتي ـ الأمن والخوف ـ أو شكراً يوازي ذلك، و {مَا } مصدرية وجوّز أن تكون موصولة ـ وفيه بعد ـ. {مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْمَلُونَ } مفعول علمكم وزاد {تَكُونُواْ} ليفيد النظم، ووقع في موضع آخر بدونها كقوله تعالى: {أية : عَلَّمَ ٱلإِنسَـٰنَ مَا لَمْ يَعْلَمْ } تفسير : [العلق: 5] فقيل: الفائدة في ذكر المفعول فيه وإن كان الإنسان لا يعلم إلا ما لم يعلم التصريح بذكر حالة الجهل التي انتقل عنها فإنه أوضح في الامتنان، وفي إيراد الشرطية الأولى بأن المفيد لمشكوكية وقوع الخوف وندرته، وتصدير الثانية بـ (إذا) المنبئة عن تحقق وقوع الأمن وكثرته مع الإيجاز في جواب الأولى، والإطناب في جواب الثانية المبنيين على تنزيل مقام وقوع المأمور به فيهما منزلة مقام وقوع الأمر تنزيلاً مستدعياً لإجراء مقتضى المقام الأوّل في كل منهما مجرى مقتضى المقام الثاني من الجزالة والاعتبار كما قيل ـ ما فيه عبرة لذوى الأبصار.

ابن عاشور

تفسير : تفريع على قوله: { أية : وقوموا لله قانتين } تفسير : [البقرة: 238] للتنبيه على أن حالة الخوف لا تكون عذراً في ترك المحافظة على الصلوات، ولكنها عذر في ترك القيام لله قانتين، فأفاد هذا التفريع غرضين: أحدهما بصريح لفظه، والآخر بلازم معناه. والخوف هنا خوف العدو، وبذلك سميت صلاة الخوف، والعرب تسمي الحرب بأسماء الخوف فيقولون الرَّوْع ويقولون الفَزَع، قال عمرو بن كلثوم: شعر : وتحملنا غداة الروع جرد تفسير : البيت. وقال سبرة بن عمر الفقعسي: شعر : ونسوتكم في الروع باد وجوهها يُخَلْنَ إماءً والإماء حرائر تفسير : وفي الحديث: « حديث : إنكم لتكثرون عند الفزع وتقلون عند الطمع » تفسير : ولا يعرف إطلاق الخوف على الحرب قبل القرآن قال تعالى: { أية : ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع } تفسير : [البقرة: 155]. والمعنى: فإن حاربتم أو كنتم في حرب، ومنه سمى الفقهاء صلاة الخوف الصلاة التي يؤديها المسلمون وهم يصافون العدو في ساحة الحرب وإيثار كلمة الخوف في هذه الآية لتشمل خوف العدو وخوف السباع وقطاع الطريق، وغيرها. و{رجالاً} جمع راجل كالصحاب و{ركباناً} جمع راكب وهما حالان من محذوف أي فصلوا رجالاً أو ركباناً وهذا في معنى الاستثناء من قوله: { أية : وقوموا لله قانتين } تفسير : [البقرة: 238] لأن هاته الحالة تخالف القنوت في حالة الترجل، وتخالفهما معاً في حالة الركوب. والآية إشارة إلى أن صلاة الخوف لا يشترط فيها الخشوع، لأنها تكون مع الاشتغال بالقتال ولا يشترط فيها القيام. وهذا الخوف يسقط ما ذكر من شروط الصلاة، وهو هنا صلاة الناس فرادى، وذلك عند مالك إذا اشتد الخوف وأظلهم العدو ولم يكن حصن بحيث تتعذر الصلاة جماعة مع الإمام، وليست هذه الآية لبيان صلاة الجيش في الحرب جماعة المذكورة في سورة النساء، والظاهر أن الله شرع للناس في أول الأمر صلاة الخوف فرادى على الحال التي يتمكنون معها من مواجهة العدو، ثم شرع لهم صلاة الخوف جماعة في سورة النساء، وأيضاً شملت هذه الآية كل خوف من سباع أو قطاع طريق أو من سيل الماء، قال مالك: وتستحب إعادة الصلاة، وقال أبو حنيفة: يصلون كما وصف الله ويعيدون، لأن القتال في الصلاة مفسد عنده. وقوله: {فإذا أمنتم فاذكروا الله} أراد الصلاة أي ارجعوا إلى الذكر المعروف. وجاء في الأمن بإذا وفي الخوف بإن بشارة للمسلمين بأنهم سيكون لهم النصر والأمن. وقوله: {كما علمكم ما لم تكونوا تعلمون} الكاف للتشبيه أي اذكروه ذكراً يشابه ما من به عليكم من علم الشريعة في تفاصيل هذه الآيات المتقدمة، والمقصود من المشابهة المشابهة في التقدير الاعتباري، أي أن يكون الذكر بنية الشكر على تلك النعمة والجزاء، فإن الشيء المجازى به شيء آخر يعتبر كالمشابه له، ولذلك يطلق عليه اسم المقدار، وقد يسمون هذه الكاف كاف التعليل، والتعليل مستفاد من التشبيه، لأن العلة على قدر المعلول.

القطان

تفسير : فان أدرك وقت الصلاة في مكان فيه خوفٌ من عدوّ أو لص، وخفتم على أنفسكم أو اموالكم فلا تتركوا الصلاة، بل صلّوها كيفما تيسَّر لكم، مشاة أو راكبين، فاذا زال الخوف عنكم فصلّوا الصلاة على أصولها، واذكروا الله كما علّمكم على لسان نبيكم.

د. أسعد حومد

تفسير : (239) - وَلَمَّا شَدَّدَ اللهُ تَعَالَى عَلَى المُحَافَظَةِ عَلَى الصَّلَواتِ، وَأدَائِها فِي أوْقَاتِها، ذَكَرَ حَالةَ الخَوْفِ التِي لاَ يَتَمَكَّنُ فِيها المُسْلِمُونَ مِنْ أدَاءِ الصَّلاةِ بِخُشُوعِها وَقُنُوتِها، كَحَالَةِ القِتَالِ التِي يِشْتَغِلُ فِيهَا المَرْءُ عَنْ أدَاءِ الصَّلاَةِ عَلَى الوَجْهِ الأكْمَلِ، فَطَلَبَ إلى المُسْلِمِينَ أنْ يُصَلُّوا عَلَى أيِّ حَالٍ سَوَاء كَانُوا رَاجِلِينَ أوْ رَاكِبينَ، مُسْتَقْبِلِي القِبْلَة أوْ غَيرَ مُسْتَقْبِلِيها. فَإذا أمِنَ المُسْلِمُونَ، وَزَالَ الخَوْفُ عَنْهُمْ فَعَلَيهمْ إقَامَةُ الصَّلاةِ كَمَا أمَرَهُمُ اللهُ، وَإتْمامُ رُكُوعِهَا وَسُجُودِهَا، وَقِيَامِهَا وَخُشُوعِها. وَكَمَا هَدَاهُمُ اللهُ لِلإِيمَانِ، وَعَلَّمَهُمْ مَا يَنْفَعُهُمْ فِي الدُّنيا وَالآخِرَةِ، فَعَلَيهِمْ أنْ يُقَابِلُوا هَذِهِ النِّعْمَةَ بالشُّكْرِ وَالذِّكْرِ. رِجَالاً - أَيْ رَاجِلِينَ وَهُمُ الذِينَ يَسِيرُونَ عَلَى أَرْجُلِهِمْ. رُكْبَاناً - رَاكِبينَ.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : وهذا هو الصراط المستقيم، فافهم جدّاً لكيلا تقع عن الصراط {فَإنْ خِفْتُمْ} [البقرة: 239]، عن حدة هذا الصراط ووقته وطول مسافته لضعف قلوبكم ولعجز نفوسكم ولغلبات شهواتكم وطلبات صفاتكم فاستعينوا بالله وتوكلوا ولا تيأسوا من روح الله واخرجوا من حولكم وقوتكم فإنه لا حول ولا قوة إلا بالله، ففروا إلى الله {فَرِجَالاً} [البقرة: 239]، على قدم العبودية {أَوْ رُكْبَاناً} [البقرة: 239]، على نجائب جذبات الربوبية فإنه قال تعالى: "حديث : من تقرب إلي شبراً تقربت إليه ذراعاً"،تفسير : فلا تخف من طول الصراط واسجد واقترب، ولا تفزع من حدة الصراط ووقته، فإنك محمول العناية: {أية : وَحَمَلْنَاهُمْ فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ}تفسير : [الإسراء: 70] إشارة إلى أنه يحملكم في الصراط فعليكم بالمشي على قدم العبودية في طلب هداية الربوبية {فَإِذَآ أَمِنتُمْ} [البقرة: 239]، من خوف ضعف البشر ثقة بالألطاف الإلهية: {فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُم} [البقرة: 239]، في الفاتحة: {مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 239]، بقوله تعالى: {أية : إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ * ٱهْدِنَا ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ}تفسير : [الفاتحة: 5-6]، فإنه يهديك إلى الصراط، ويحملكم عليها كما وعدكم بفضله وكرمه على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : يقول العبد: الحمد لله رب العالمين يقول الله: حمدني عبدي، ويقول العبد: الرحمن الرحيم يقول الله: أثنى علي عبدي، ويقول العبد: مالك يوم الدين يقول الله: مجدني عبدي، ويقول العبد: إياك نعبد وإياك نستعين هذه الآية بين وبين عبدي ولعبدي ما سأل، ويقول العبد: اهدنا الصراط المستقيم إلى آخر السورة، فهؤلاء لعبدي ولعبدي ما سأل"تفسير : حديث صحيح. ثم أخبر عن المتوفى عنها زوجها في الجاهلية لما كانت من حسن عهدها مع زوجها أن تحفظ وفاء بعده بالعدة حولاً ولا تخرحه من بيته سنة إظهاراً للوفاء، فالعبد المؤمن إذا لم يوف بعهده وأتى بالعاصي في حضرة ربه كل يوم كذا مرة يكون مع ادعاء إيمانه أقل وفاء وأدنى حياء من تلك المرأة مع كونها ونقصان عقلها بكثير، وفيه إشارة أخرى وهي أن الله تعالى لما أمر أولياء الزوج المتوفى بأن يوفوا مع الزوجة المعتدة الموفية مع زوجها بالنفقة والسكنى، فيستحق العبد المؤمن المعاهد لربه صدق قوله تعالى: {أية : وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ مِنَ ٱللَّهِ فَٱسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ ٱلَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ}تفسير : [التوبة: 111]، وتحقيق قوله تعالى: {أية : وَأَوْفُواْ بِعَهْدِيۤ أُوفِ بِعَهْدِكُمْ}تفسير : [البقرة: 40]. ثم أكد هذا المعنى بما أخبر عن حال المطلقات وما لهم من المتعات بقوله تعالى: {وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِٱلْمَعْرُوفِ} [البقرة: 241]، الآيتين. والإشارة فيهما أن المطلقة لما ابتليت بالفراق، فالله تعالى جبر كسر قلبها بالمتعة يشير بهذا إلى أن المريد الصادق لو ابتلي في أوان طلبه بفراق الأعزة والأقرباء وهجر الأحبة والأصدقاء والخروج عن مال الدنيا وجاهها والهجرة عن الأوطان وسكانها والتقرب في البلاد لصحبة خواص العباد ومقاسات الشدائد في طلب الفوائد فالله تعالى يبدل له إحسانه ويزيل أحزانه ويأخذ بيده ويجبر كسر قلبه بمتعة: "أنا عند المنكسرة قلوبهم من أجلي"، فيكون للطالب الملهوف متاعاً بالمعروف {كَذَلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ} [البقرة: 242] يظهر الله: {لَكُمْ آيَاتِهِ} [البقرة: 242]، أصناف ألطاف وأوصاف إعطائه: {لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} [البقرة: 242]، بأنوار ألطافه وكمالات أوصافه.

عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي

تفسير : 122 : 22 - سفين عن المغيرة عن إبراهيم {فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً} قال، يصلي ركعتين، يومي إيماء حيثما كان وجهه. [الآية 239].

همام الصنعاني

تفسير : 297- عبد الرزاق، قال: حدثنا معمر، عن الزهري، في قوله تعالى: {فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً}: [الآية: 239]، قالَ: إذا أطلت على المسلمين الأعداء، فقد حلَّ لهم أن يُصَلُّوا قِبَلَ أيّ جهةٍ كانوا، رجالاً أو ركباناً، يُومِئون إيماءٌ رَكْعتين. 298- عبد الرزاق، قال معمر، وقال قتادة: تجزئ رَكْعة إذا لم يستطع غيرها.