Verse. 247 (AR)

٢ - ٱلْبَقَرَة

2 - Al-Baqara (AR)

وَالَّذِيْنَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُوْنَ اَزْوَاجًا۝۰ۚۖ وَّصِيَّۃً لِّاَزْوَاجِہِمْ مَّتَاعًا اِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ اِخْرَاجٍ۝۰ۚ فَاِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيْ مَا فَعَلْنَ فِيْۗ اَنْفُسِہِنَّ مِنْ مَّعْرُوْفٍ۝۰ۭ وَاللہُ عَزِيْزٌ حَكِيْمٌ۝۲۴۰
Waallatheena yutawaffawna minkum wayatharoona azwajan wasiyyatan liazwajihim mataAAan ila alhawli ghayra ikhrajin fain kharajna fala junaha AAalaykum fee ma faAAalna fee anfusihinna min maAAroofin waAllahu AAazeezun hakeemun

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«والذين يُتوفون منكم ويذرون أزواجا» فليوصوا «وصيةً» وفي قراءة بالرفع أي عليهم «لأزواجهم» وليعطوهن «متاعا» ما يتمتعن به من النفقة والكسوة «إلى» تمام «الحول غير إخراج» حال أي غير مخرجات من مسكنهن «فإن خرجن» بأنفسهن «فلا جناح عليكم» يا أولياء الميت «في ما فعلن في أنفسهن من معروف» شرعا كالتزين وترك الإحداد وقطع النفقة عنها «والله عزيز» في ملكه «حكيم» في صنعه والوصية المذكورة منسوخة بآية الميراث وتربص الحول بآية أربعة أشهر وعشرا السابقة المتأخرة في النزول والسكنى ثابتة لها عند الشافعي رحمه الله.

240

Tafseer

الرازي

تفسير : الحكـم السابع عشر الـوفـاة فيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ ابن كثير ونافع والكسائي وأبو بكر عن عاصم {وَصِيَّة } بالرفع، والباقون بالنصب، أما الرفع ففيه أقوال الأول: أن قوله: {وَصِيَّة } مبتدأ وقوله: {لأَزْوَاجِهِم } خبر، وحسن الابتداء بالنكرة، لأنها متخصصة بسبب تخصيص الموضع، كما حسن قوله: سلام عليكم، وخير بين يديك والثاني: أن يكون قوله: {وَصِيَّةً لأَزْوَاجِهِم } مبتدأ، ويضمر له خبر، والتقدير فعليهم وصية لأزواجهم، ونظيره قوله: {أية : فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ } تفسير : [البقرة: 237]، {أية : فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ } تفسير : [النساء: 92]، {أية : فَصِيَامُ ثَلَـٰثَةِ أَيَّامٍ } تفسير : [المائدة: 89] والثالث: تقدير الآية: الأمر وصية، أو المفروض، أو الحكم وصية، وعلى هذا الوجه أضمرنا المبتدأ والرابع: تقدير الآية: كتب عليكم وصية والخامس: تقديره: ليكون منكم وصية والسادس: تقدير الآية: ووصية الذين يتوفون منكم وصية إلى الحول، وكل هذه الوجوه جائزة حسنة، وأما قراءة النصب ففيها وجوه الأول: تقدير الآية فليوصوا وصية والثاني: تقديرها: توصون وصية، كقولك: إنما أنت سير البريد أي تسير سير البريد الثالث: تقديرها: ألزم الذين يتوفون وصية. أما قوله تعالى: {مَّتَـٰعًا } ففيه وجوه الأول: أن يكون على معنى: متعوهن متاعاً، فيكون التقدير: فليوصوا لهن وصية، وليمتعوهن متاعاً الثاني: أن يكون التقدير: جعل الله لهن ذلك متاعاً لأن ما قبل الكلام يدل على هذا الثالث: أنه نصب على الحال. أما قوله: {غَيْرَ إِخْرَاجٍ } ففيه قولان الأول: أنه نصب بوقوعه موقع الحال كأنه قال: متعوهن مقيمات غير مخرجات والثاني: انتصب بنزع الخافض، أراد من غير إخراج. المسألة الثانية: في هذه الآية ثلاثة أقوال الأول: وهو اختيار جمهور المفسرين، أنها منسوخة، قالوا: كان الحكم في ابتداء الإسلام أنه إذا مات الرجل لم يكن لامرأته من ميراثه شيء إلا النفقة والسكنى سنة، وكان الحول عزيمة عليها في الصبر عن التزوج، ولكنها كانت مخيرة في أن تعتد إن شاءت في بيت الزوج، وإن شاءت خرجت قبل الحول، لكنها متى خرجت سقطت نفقتها، هذا جملة ما في هذه الآية، لأنا إن قرأنا {وَصِيَّة } بالرفع، كان المعنى: فعليهم وصية، وإن قرأناها بالنصب، كان المعنى: فليوصوا وصية، وعلى القراءتين هذه الوصية واجبة، ثم إن هذه الوصية صارت مفسرة بأمرين أحدهما: المتاع والنفقة إلى الحول والثاني: السكنى إلى الحول، ثم أنزل تعالى أنهن إن خرجن فلا جناح عليكم في ذلك، فثبت أن هذه الآية توجب أمرين أحدهما: وجوب النفقة والسكنى من مال الزوج سنة والثاني: وجوب الاعتداد سنة، لأن وجوب السكنى والنفقة من مال الميت سنة توجب المنع من التزوج بزوج آخر في هذه السنة، ثم إن الله تعالى نسخ هذين الحكمين، أما الوصية بالنفقة والسكنى فلأن القرآن دل على ثبوت الميراث لها، والسنة دلت على أنه لا وصية لوارث، فصار مجموع القرآن والسنة ناسخاً للوصية للزوجة بالنفقة والسكنى في الحول، وأما وجوب العدة في الحول فهو منسوخ بقوله: {أية : يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا } تفسير : [البقرة: 234] فهذا القول هو الذي اتفق عليه أكثر المتقدمين والمتأخرين من المفسرين. القول الثاني: وهو قول مجاهد: أن الله تعالى أنزل في عدة المتوفى عنها زوجها آيتين أحدهما: ما تقدم وهو قوله: {يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا } والأخرى: هذه الآية، فوجب تنزيل هاتين الآيتين على حالتين. فنقول: إنها إن لم تختر السكنى في دار زوجها ولم تأخذ النفقة من مال زوجها، كانت عدتها أربعة أشهر وعشراً على ما في تلك الآية المتقدمة، وأما إن اختارت السكنى في دار زوجها، والأخذ من ماله وتركته، فعدتها هي الحول، وتنزيل الآيتين على هذين التقديرين أولى، حتى يكون كل واحد منهما معمولاً به. القول الثالث: وهو قول أبـي مسلم الأصفهاني: أن معنى الآية: من يتوفى منكم ويذرون أزواجاً، وقد وصوا وصية لأزواجهم بنفقة الحول وسكنى الحول فإن خرجن قبل ذلك وخالفن وصية الزوج بعد أن يقمن المدة التي ضربها الله تعالى لهن فلا حرج فيما فعلن في أنفسهن من معروف أي نكاح صحيح، لأن إقامتهن بهذه الوصية غير لازمة، قال: والسبب أنهم كانوا في زمان الجاهلية يوصون بالنفقة والسكنى حولاً كاملاً، وكان يجب على المرأة الاعتداد بالحول، فبين الله تعالى في هذه الآية أن ذلك غير واجب، وعلى هذا التقدير فالنسخ زائل، واحتج على قوله بوجوه أحدها: أن النسخ خلاف الأصل فوجب المصير إلى عدمه بقدر الإمكان الثاني: أن يكون الناسخ متأخراً عن المنسوخ في النزول، وإذا كان متأخراً عنه في النزول كان الأحسن أن يكون متأخراً عنه في التلاوة أيضاً، لأن هذا الترتيب أحسن، فأما تقدم الناسخ على المنسوخ في التلاوة، فهو وإن كان جائزاً في الجملة، إلا أنه يعد من سوء الترتيب وتنزيه كلام الله تعالى عنه واجب بقدر الإمكان ولما كانت هذه الآية متأخرة عن تلك التلاوة، كان الأولى أن لا يحكم بكونها منسوخة بتلك. الوجه الثالث: وهو أنه ثبت في علم أصول الفقه أنه متى وقع التعارض بين النسخ وبين التخصيص، كان التخصيص أولى، وههنا إن خصصنا هاتين الآيتين بالحالتين على ما هو قول مجاهد اندفع النسخ فكان المصير إلى قول مجاهد أولى من التزام النسخ من غير دليل، وأما على قول أبـي مسلم فالكلام أظهر، لأنكم تقولون تقدير الآية: فعليهم وصية لأزواجهم، أو تقديرها: فليوصوا وصية، فأنتم تضيفون هذا الحكم إلى الله تعالى، وأبو مسلم يقول: بل تقدير الآية: والذين يتوفون منكم ولهم وصية لأزواجهم، أو تقديرها: وقد أوصوا وصية لأزواجهم، فهو يضيف هذا الكلام إلى الزوج، وإذا كان لا بد من الإضمار فليس إضماركم أولى من إضماره، ثم على تقدير أن يكون الإضمار ما ذكرتم يلزم تطرق النسخ إلى الآية، وعند هذا يشهد كل عقل سليم بأن إضمار أبـي مسلم أولى من إضماركم، وأن التزام هذا النسخ التزام له من غير دليل، مع ما في القول بهذا النسخ من سوء الترتيب الذي يجب تنزيه كلام الله تعالى عنه، وهذا كلام واضح. وإذا عرفت هذا فنقول: هذه الآية من أولها إلى آخرها تكون جملة واحدة شرطية، فالشرط هو قوله: {وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوٰجًا وَصِيَّةً لأَزْوَاجِهِم مَّتَـٰعًا إِلَى ٱلْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ } فهذا كله شرط، والجزاء هو قوله: {فَإِنْ خَرَجْنَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِى أَنفُسِهِنَّ مِن مَّعْرُوفٍ } فهذا تقرير قول أبـي مسلم، وهو في غاية الصحة. المسألة الثالثة:المعتدة عن فرقة الوفاة لا نفقة لها ولا كسوة، حاملاً كانت أو حائلاً، وروي عن علي عليه السلام وابن عمر رضي الله عنهما، أن لها النفقة إذا كانت حاملاً، وعن جابر وابن عباس رضي الله عنهم أنهما قالا لا نفقة لها حسبها الميراث، وهل تستحق السكنى فيه قولان أحدهما: لا تستحق السكنى وهو قول علي عليه السلام وابن عباس وعائشة، ومذهب أبـي حنيفة واختيار المزني والثاني: تستحق وهو قول عمر وعثمان وابن مسعود وأم سلمة رضي الله عنهم وبه قال مالك والثوري وأحمد، وبناء القولين على خبر فريعة بنت مالك أخت أبـي سعيد الخدري قتل زوجها قالت: فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم إني أرجع إلى أهلي فإن زوجي ما تركني في منزل يملكه فقال عليه السلام: حديث : نعم فانصرفت حين إذا كنت في المسجد أو في الحجرة دعاني فقال: امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجلهتفسير : ، واختلفوا في تنزيل هذا الحديث، قيل لم يوجب في الابتداء، ثم أوجب فصار الأول منسوخاً، وقيل: أمرها بالمكث في بيتها أمراً على سبيل الاستحباب لا على سبيل الوجوب، واحتج المزني رحمه الله على أنه لا سكنى لها، فقال: أجمعنا على أنه لا نفقة لها، لأن الملك انقطع بالموت، فكذلك السكنى، بدليل أنهم أجمعوا على أن من وجب له نفقة وسكنى من والد وولد على رجل فمات انقطعت نفقتهم وسكناهم، لأن ماله صار ميراثاً للورثة، فكذا ههنا. أجاب الأصحاب فقالوا: لا يمكن قياس السكنى على النفقة لأن المطلقة الثلاث تستحق السكنى بكل حال ولا تستحق النفقة لنفسها عند المزني ولأن النفقة وجبت في مقابلة التمكين من الاستمتاع ولا يمكن ههنا، وأما السكنى فوجبت لتحصين النساء وهو موجود ههنا فافترقا. إذا عرفت هذا فنقول: القائلون بأن هذه الآية منسوخة لا بد وأن يختلف قولهم بسبب هذه المسألة، وذلك لأن هذه الآية توجب النفقة والسكنى، أما وجوب النفقة فقد صار منسوخاً، وأما وجوب السكنى فهل صار منسوخاً أم لا؟ والكلام فيه ما ذكرناه. المسألة الرابعة: القائلون بأن هذه الوصية كانت واجبة أوردوا على أنفسهم سؤالاً فقالوا: الله تعالى ذكر الوفاة، ثم أمر بالوصية، فكيف يوصي المتوفى؟ وأجابوا عنه بأن المعنى: والذين يقاربون الوفاة ينبغي أن يفعلوا هذا فالوفاة عبارة عن الإشراف عليها وجواب آخر وهو أن هذه الوصية يجوز أن تكون مضافة إلى الله تعالى بمعنى أمره وتكليفه، كأنه قيل: وصية من الله لأزواجهم، كقوله: {أية : يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ فِى أَوْلَـٰدِكُمْ } تفسير : [النساء: 11] وإنما يحسن هذا المعنى على قراءة من قرأ بالرفع. أما قوله تعالى: {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ } فالمعنى: لا جناح عليكم يا أولياء الميت فيما فعلن في أنفسهن من التزين، ومن الإقدام على النكاح، وفي رفع الجناح وجهان أحدهما: لا جناح في قطع النفقة عنهن إذا خرجن قبل انقضاء الحول والثاني: لا جناح عليكم في ترك منعهن من الخروج، لأن مقامها حولاً في بيت زوجها ليس بواجب عليها.

القرطبي

تفسير : . فيه أربع مسائل: الأُولى ـ قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً} ذهب جماعة من المفسرين في تأويل هذه الآية أنّ المتوفّى عنها زوجها كانت تجلس في بيت المتوفَّى عنها حولاً، ويُنفق عليها من ماله ما لم تخرج من المنزل؛ فإن خرجت لم يكن على الورثة جُناح في قطع النفقة عنها؛ ثم نُسخ الحولُ بالأربعة الأشهر والعشر، ونُسخت النفقةُ بالرُّبُع والثُّمن في سورة «النساء» قاله ٱبن عباس وقتادة والضحاك وٱبن زيد والربيع. وفي السكنى خلاف للعلماء، روى البخاري عن ٱبن الزبير قال: قلت لعثمان هذه الآية التي في «البقرة»: {وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً} ـ إلى قوله ـ {غَيْرَ إِخْرَاجٍ} قد نسختها الآية الأُخرى فلم تكتبها أو تَدَعُها؟ قال: يٱبن أخي لا أُغير شيئاً منه من مكانه. وقال الطبري عن مجاهد: إن هذه الآية محكمة لا نسخ فيها، والعدّة كانت قد ثبتت أربعة أشهر وعشراً، ثم جعل الله لهن وصِيَّةً منه سُكْنَى سبعة أشهر وعشرين ليلة، فإن شاءت المرأة سكنت في وصيتها، وإن شاءت خرجت، وهو قول الله عز وجل: {غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ}. قال ٱبن عطية: وهذا كله قد زال حكمه بالنسخ المتّفق عليه إلا ما قوّله الطبري مجاهداً رحمهما الله تعالى، وفي ذلك نظر على الطبري. وقال القاضي عِياض: والإجماع منعقد على أن الحول منسوخ وأن عِدّتها أربعةُ أشهر وعشرٌ. قال غيره: معنى قوله «وَصِيَّةً» أي من الله تعالى تجب على النساء بعد وفاة الزوج بلزوم البيوت سنَةً ثم نُسخ. قلت: ما ذكره الطبري عن مجاهد صحيح ثابت، خرّج البخاريّ قال: حدّثنا إسحاق قال حدّثنا روح قال حدّثنا شِبْل عن ٱبن أبي نجِيح عن مجاهد {وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً} قال: كانت هذه العدّة تعتدّ عند أهل زوجها واجبة فأنزل الله تعالى: {وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً ـ إلى قوله ـ مِن مَّعْرُوفٍ} قال: جعل الله لها تمام السَّنَة سبعةَ أشهر وعشرين ليلةً وصِيَّةً، إن شاءت سكنت في وصيتها وإن شاءت خرجت، وهو قول الله تعالى: {غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ} إلا أن القول الأوّل أظهر لقوله عليه السلام: «حديث : إنما هي أربعة أشهر وعشر وقد كانت إحداكن في الجاهلية ترمي بالبعرة عند رأس الحول»تفسير : الحديث. وهذا إخبار منه صلى الله عليه وسلم عن حالة المتوفَّى عنهنّ أزواجهنّ قبل ورود الشرع، فلما جاء الإسلام أمرهنّ الله تعالى بملازمة البيوت حولا ثم نسخ بالأربعة الأشهر والعشر، هذا ـ مع وضوحه في السُّنة الثابتة المنقولة بأخبار الآحاد ـ إجماعٌ من علماء المسلمين لا خلاف فيه؛ قاله أبو عمر، قال: وكذلك سائر الآية. فقوله عز وجل: {وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً وَصِيَّةً لأَزْوَاجِهِمْ مَّتَاعاً إِلَى ٱلْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ} منسوخٌ كله عند جمهور العلماء، ثم نسخ الوصية بالسكنى للزوجات في الحول، إلا رواية شاذّة مهجورة جاءت عن ٱبن أبي نَجِيح عن مجاهد لم يُتابع عليها، ولا قال بها فيما زاد على الأربعة الأشهر والعشر أحدٌ من علماء المسلمين من الصحابة والتابعين ومَن بعدهم فيما علمتُ. وقد رَوى ٱبن جُرَيْج عن مجاهد مثل ما عليه الناس، فٱنعقد الإجماع وٱرتفع الخلاف، وبالله التوفيق. الثانية ـ قوله تعالى: {وَصِيَّةً} قرأ نافع وٱبن كثير والكسائي وعاصم في رواية أبي بكر «وصيّةٌ» بالرفع على الابتداء، وخبره {لأَزْوَاجِهِمْ}. ويحتمل أن يكون المعنى عليهم وصية، ويكون قوله {لأَزْوَاجِهِمْ} صفة؛ قال الطبري: قال بعض النحاة: المعنى كتبت عليهم وصية، ويكون قوله {لأَزْوَاجِهِمْ} صفة، قال: وكذلك هي في قراءة عبد الله بن مسعود. وقرأ أبو عمرو وحمزة وٱبن عامر «وصيّةً» بالنصب، وذلك حمل على الفعل، أي فليُوصُوا وصيةً. ثم الميت لا يوصي، ولكنه أراد إذا قَرُبوا من الوفاة، و «لأَزْوَاجِهِمْ» على هذه القراءة أيضاً صفة. وقيل: المعنى أوصى الله وصية. «مَتَاعاً» أي متعوهنّ متاعاً: أو جعل الله لهنّ ذلك متاعاً لدلالة الكلام عليه، ويجوز أن يكون نصباً على الحال أو بالمصدر الذي هو الوصية؛ كقوله: {أية : أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَة يَتِيماً} تفسير : [البلد: 15] والمتاعُ هٰهنا نفقةُ سنتها. الثالثة ـ قوله تعالى: {غَيْرَ إِخْرَاجٍ} معناه ليس لأولياء الميت ووارثي المنزل إخراجها. و «غير» نصب على المصدر عند الأخفش، كأنه قال لا إخراجاً. وقيل: نصب لأنه صفة المتاع. وقيل: نصب على الحال من الموصين، أي متعوهنّ غير مُخْرَجَات. وقيل: بنزع الخافض، أي من غير إخراج. الرابعة ـ قوله تعالى: {فَإِنْ خَرَجْنَ} الآية. معناه بٱختيارهنّ قبل الحول. {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ} أي لا حرج على أحد ولِيٍّ أو حاكمٍ أو غيره؛ لأنه لا يجب عليها المقام في بيت زوجها حَوْلاً. وقيل: أي لا جناح في قطع النفقة عنهنّ، أو لا جناح عليهنّ في التشوّف إلى الأزواج، إذ قد ٱنقطعت عنهنّ مراقبتكم أيها الورثة، ثم عليها ألا تتزوّج قبل ٱنقضاء العدّة بالحول، أو لا جناح في تزويجهنّ بعد ٱنقضاء العدّة؛ لأنه قال «مِنْ مَعْرُوفٍ» وهو ما يوافق الشرع. {وَٱللَّهُ عَزِيزٌ} صفة تقتضي الوعيد بالنسبة لمن خالف الحدّ في هذه النازلة، فأخرج المرأة وهي لا تريد الخروج. {حَكِيمٌ} أي مُحْكِمٌ لما يريد من أُمور عباده.

البيضاوي

تفسير : {وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوٰجًا وَصِيَّةً لأَزْوَاجِهِم} قرأها بالنصب أبو عمرو وابن عامر وحمزة وحفص عن عاصم على تقدير والذين يتوفون منكم يوصون وصية، أو ليوصوا وصية، أو كتب الله عليهم وصية، أو ألزم الذين يتوفون وصية. ويؤيد ذلك قراءة كتب عليكم الوصية لأزواجكم متاعاً إلى الحول مكانه. وقرأ الباقون بالرفع على تقدير ووصية الذين يتوفون، أو وحكمهم وصية، أو والذين يتوفون أهل وصية، أو كتب عليهم وصية، أو عليهم وصية وقرىء «متاع» بدلها. {مَّتَـٰعًا إِلَى ٱلْحَوْلِ} نصب بيوصون إن أضمرت وإلا فبالوصية وبمتاع على قراءة من قرأ لأنه بمعنى التمتيع. {غَيْرَ إِخْرَاجٍ } بدل منه، أو مصدر مؤكد كقولك هذا القول غير ما تقول، أو حال من أزواجهم أي غير مخرجات، والمعنى: أنه يجب على الذين يتوفون أن يوصوا قبل أن يحتضروا لأزواجهم بأن يمتعن بعدهم حولاً بالسكنى والنفقة، وكان ذلك في أول الإِسلام ثم نسخت المدة بقوله: {أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} وهو وإن كان متقدماً في التلاوة فهو متأخر في النزول، وسقطت النفقة بتوريثها الربع أو الثمن، والسكنى لها بعد ثابتة عندنا خلافاً لأبي حنيفة رحمه الله. {فَإِنْ خَرَجْنَ} عن منزل الأزواج. {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ} أيها الأئمة. {فِيمَا فَعَلْنَ فِى أَنفُسِهِنَّ } كالتطيب وترك الإِحداد. {مِن مَّعْرُوفٍ } مما لم ينكره الشرع، وهذا يدل على أنه لم يكن يجب عليها ملازمة مسكن الزوج والحداد عليه وإنما كانت مخيرة بين الملازمة وأخذ النفقة وبين الخروج وتركها. {وَٱللَّهُ عَزِيزٌ } ينتقم ممن خالفه منهم. {حَكِيمٌ } يراعي مصالحهم.

ابن كثير

تفسير : قال الأكثرون: هذه الآية منسوخة بالتي قبلها، وهي قوله: {أية : يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا}تفسير : [البقرة: 234]. قال البخاري: حدثنا أمية حدثنا يزيد بن زريع، عن حبيب، عن ابن أبي مليكة، قال ابن الزبير: قلت لعثمان بن عفان: {وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَٰجًا} قد نسختها الآية الأخرى، فلم تكتبها أو تدعها، قال: يا بن أخي، لا أغير شيئاً منه من مكانه. ومعنى هذا الإشكال الذي قاله ابن الزبير لعثمان: إذا كان حكمها قد نسخ بالأربعة الأشهر، فما الحكمة في إبقاء رسمها مع زوال حكمها، وبقاء رسمها بعد التي نسختها يوهم بقاء حكمها؟ فأجابه أمير المؤمنين، بأن هذا أمر توقيفي، وأنا وجدتها مثبتة في المصحف كذلك بعدها، فأثبتها حيث وجدتها، قال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح، حدثنا حجاج بن محمد عن ابن جريج وعثمان بن عطاء عن عطاء، عن ابن عباس في قوله: {وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَٰجًا وَصِيَّةً لأَِزْوَاجِهِم مَّتَـٰعًا إِلَى ٱلْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ} فكان للمتوفى عنها زوجها نفقتها وسكناها في الدار سنة، فنسخها آية المواريث، فجعل لهن الثمن أو الربع مما ترك الزوج، ثم قال: وروي عن أبي موسى الأشعري وابن الزبير ومجاهد وإبراهيم وعطاء والحسن وعكرمة وقتادة والضحاك وزيد بن أسلم والسدي ومقاتل بن حيان وعطاء الخراساني والربيع ابن أنس أنها منسوخة. وروي من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، قال: كان الرجل إذا مات وترك امرأته، اعتدت سنة في بيته ينفق عليها من ماله، ثم أنزل الله بعد: {وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَٰجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} فهذه عدة المتوفى عنها زوجها، إلا أن تكون حاملاً، فعدتها أن تضع ما في بطنها، وقال: {أية : وَلَهُنَّ ٱلرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِن لَّمْ يَكُنْ لَّكُمْ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ ٱلثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُم}تفسير : [النساء: 12] فبين ميراث المرأة، وترك الوصية والنفقة، قال: وروي عن مجاهد والحسن وعكرمة وقتادة والضحاك والربيع ومقاتل بن حيان، قالوا: نسختها: {أية : أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا}تفسير : [البقرة: 234]. قال: وروي عن سعيد بن المسيب، قال: نسختها التي في الأحزاب {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوۤاْ إِذَا نَكَحْتُمُ ٱلْمُؤْمِنَـٰتِ}تفسير : [الأحزاب: 49] الآية، (قلت): وروي عن مقاتل وقتادة أنها منسوخة بآية الميراث، وقال البخاري: حدثنا إسحاق بن راهويه، حدثنا روح، حدثنا شبل عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَٰجًا} قال: كانت هذه للمعتدة، تعتد عند أهل زوجها واجب. فأنزل الله: {وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَٰجًا وَصِيَّةً لأَِزْوَاجِهِم مَّتَـٰعًا إِلَى ٱلْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِى مَا فَعَلْنَ فِيۤ أَنفُسِهِنَّ مِن مَّعْرُوفٍ} قال: جعل الله لها تمام السنة سبعة أشهر وعشرين ليلة، وصية، إن شاءت سكنت في وصيتها، وإن شاءت خرجت، وهو قول الله: {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِى مَا فَعَلْنَ} فالعدة كما هي واجب عليها، زعم ذلك عن مجاهد رحمه الله، وقال عطاء: قال ابن عباس: نسخت هذه الآية عدتها عند أهلها، فتعتد حيث شاءت، وهو قول الله تعالى: {غَيْرَ إِخْرَاجٍ} قال عطاء: إن شاءت اعتدت عند أهلها، وسكنت في وصيتها، وإن شاءت خرجت، لقول الله: {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ} قال عطاء: ثم جاء الميراث، فنسخ السكنى، فتعتد حيث شاءت، ولا سكنى لها، ثم أسند البخاري عن ابن عباس مثل ما تقدم عنه بهذا القول الذي عول عليه مجاهد وعطاء، من أن هذه الآية لم تدل على وجوب الاعتداد سنة، كما زعمه الجمهور، حتى يكون ذلك منسوخاً بالأربعة الأشهر وعشر، وإنما دلت على أن ذلك كان من باب الوصاة بالزوجات بأن يمكنّ من السكنى في بيوت أزواجهن بعد وفاتهم حولاً كاملاً إن اخترن ذلك، ولهذا قال: {وَصِيَّةً لأَِزْوَاجِهِم} أي: يوصيكم الله بهن وصية؛ كقوله: {أية : يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ فِىۤ أَوْلَـٰدِكُمْ}تفسير : [النساء: 11] الآية، وقوله: {أية : وَصِيَّةً مِّنَ ٱللَّهِ}تفسير : [النساء: 12] وقيل: إنما انتصب على معنى: فلتوصوا لهن وصية، وقرأ آخرون بالرفع وصية، على معنى: كتب عليكم وصية، واختارها ابن جرير، ولا يمنعن من ذلك؛ لقوله: {غَيْرَ إِخْرَاجٍ} فأما إذا انقضت عدتهن بالأربعة أشهر والعشر، أو بوضع الحمل، واخترن الخروج والانتقال من ذلك المنزل، فإنهن لا يمنعن من ذلك؛ لقوله: {فَإِنْ خَرَجْنَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِى مَا فَعَلْنَ فِيۤ أَنفُسِهِنَّ مِن مَّعْرُوفٍ} وهذا القول له اتجاه، وفي اللفظ مساعدة له، وقد اختاره جماعة منهم الإمام أبو العباس بن تيمية، ورده آخرون، منهم الشيخ أبو عمر بن عبد البر، وقول عطاء ومن تابعه، على أن ذلك منسوخ بآية الميراث، إن أرادوا ما زاد على الأربعة أشهر والعشر، فمسلم، وإن أرادوا أن سكنى الأربعة أشهر وعشر لا تجب في تركة الميت، فهذا محل خلاف بين الأئمة، وهما قولان للشافعي رحمه الله، وقد استدلوا على وجوب السكنى في منزل الزوج بما رواه مالك في موطئه، عن سعد بن إسحاق بن كعب بن عجرة، عن عمته زينب بنت كعب بن عجرة، أن الفريعة بنت مالك بن سنان، وهي أخت أبي سعيد الخدري، رضي الله عنهما، أخبرتها أنها جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تسأله أن ترجع إلى أهلها في بني خدرة، فإن زوجها خرج في طلب أعبد له أبقوا، حتى إذا كانوا بطرف القدوم، لحقهم، فقتلوه، قالت: فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أرجع إلى أهلي في بني خدرة، فإن زوجي لم يتركني في مسكن يملكه ولا نفقة، قالت: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : نعم»تفسير : قالت: فانصرفت حتى إذا كنت في الحجرة، ناداني رسول الله صلى الله عليه وسلم أو أمر بي فنوديت له، فقال: «حديث : كيف قلت»تفسير : ؟ فرددت عليه القصة التي ذكرت له من شأن زوجي، فقال: «حديث : امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله»تفسير : قالت: فاعتددت فيه أربعة أشهر وعشراً، قالت: فلما كان عثمان بن عفان، أرسل إلي، فسألني عن ذلك، فأخبرته، فاتبعه وقضى به، وكذا رواه أبو داود والترمذي والنسائي من حديث مالك به. ورواه النسائي أيضاً وابن ماجه من طرق عن سعد بن إسحاق به، وقال الترمذي: حسن صحيح. وقوله: { وَلِلْمُطَلَّقَـٰتِ مَتَـٰعٌ بِٱلْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى ٱلْمُتَّقِينَ} قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: لما نزل قوله تعالى: {مَتَـٰعاً بِٱلْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى ٱلْمُحْسِنِينَ} قال رجل: إن شئت أحسنت ففعلت، وإن شئت لم أفعل، فأنزل الله هذه الآية: { وَلِلْمُطَلَّقَـٰتِ مَتَـٰعٌ بِٱلْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى ٱلْمُتَّقِينَ} وقد استدل بهذه الآية من ذهب من العلماء إلى وجوب المتعة لكل مطلقة، سواء كانت مفوضة، أو مفروضاً لها، أو مطلقة قبل المسيس، أو مدخولاً بها، وهو قول عن الشافعي رحمه الله، وإليه ذهب سعيد بن جبير، وغيره من السلف، واختاره ابن جرير، ومن لم يوجبها مطلقاً، يخصص من هذا العموم مفهوم قوله تعالى: {أية : لاَّ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُواْ لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى ٱلْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى ٱلْمُقْتِرِ قَدْرُهُ مَتَـٰعاً بِٱلْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى ٱلْمُحْسِنِينَ}تفسير : [البقرة: 236] وأجاب الأولون بأن هذا من باب ذكر بعض أفراد العموم، فلا تخصيص على المشهور المنصوص، والله أعلم. وقوله: {كَذَلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ آيَـٰتِهِ} أي: في إحلاله وتحريمه، وفروضه وحدوده، فيما أمركم ونهاكم عنه، بينه ووضحه وفسره، ولم يتركه مجملاً في وقت احتياجكم إليه {لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} أي: تفهمون وتتدبرون.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوٰجًا } فليوصوا {وَصِيَّةً } وفي قراءة بالرفع، أي عليهم {لأَزْوَاجِهِم } وليعطوهن {مَّتَٰعًا } ما يتمتعن به من النفقة والكسوة {إِلَىٰ } تمام {ٱلْحَوْلِ } من موتهم الواجب عليهن تربصه {غَيْرَ إِخْرَاجٍ } حال أي غير مخرجات من مسكنهن {فَإِنْ خَرَجْنَ } بأنفسهن {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ } يا أولياء الميت {فِي مَا فَعَلْنَ فِى أَنفُسِهِنَّ مِن مَّعْرُوفٍ } شرعاً كالتزين وترك الإحداد وقطع النفقة عنها {وَٱللَّهُ عَزِيزٌ } في ملكه {حَكِيمٌ } في صنعه والوصية المذكورة منسوخة بآية الميراث وتربص الحول بآية أربعة أشهر وعشر السابقة المتأخرة في النزول والسكنى ثابتة عند الشافعي رحمه الله.

الشوكاني

تفسير : هذا عَود إلى بقية الأحكام المفصلة فيما سلف، وقد اختلف السلف، ومن تبعهم من المفسرين في هذه الآية هل هي محكمة، أو منسوخة؟ فذهب الجمهور إلى أنها منسوخة بالأربعة الأشهر والعشر كما تقدم، وأن الوصية المذكورة فيها منسوخة بما فرض الله لهنّ من الميراث. وحكى ابن جرير، عن مجاهد أن هذه الآية محكمة لا نسخ فيها، وأن العدة أربعة أشهر وعشر، ثم جعل الله لهنّ وصية منه سكنى سبعة أشهر وعشرين ليلة، فإذا شاءت المرأة سكنت في وصيتها، وإن شاءت خرجت. وقد حكى ابن عطية، والقاضي عياض أن الإجماع منعقد على أن الحول منسوخ، وأن عدتها أربعة أشهر وعشر. وقد أخرج عن مجاهد، ما أخرجه ابن جرير عنه البخاري في صحيحه. وقوله: {وَصِيَّةٍ } قرأنا نافع، وابن كثير، وعاصم في رواية أبي بكر، والكسائي بالرفع على أن ذلك مبتدأ لخبر محذوف يقدر مقدماً. أي: عليهم وصية، وقيل: إن الخبر قوله: {لاّزْوَاجِهِم } وقيل: إنه خبر مبتدأ محذوف. أي: وصية الذين يتوفون وصية، أو حكم الذين يتوفون وصية. وقرأ أبو أبو بكر، وحمزة، وابن عامر بالنصب على تقدير فعل محذوف. أي: فليوصوا وصية، أو أوصى الله وصية، أو كتب الله عليهم وصية. وقوله: {مَّتَـٰعًا } منصوب بوصية، أو بفعل محذوف. أي: متعوهن متاعاً، أو جعل الله لهنّ ذلك متاعاً، ويجوز أن يكون منتصباً على الحال. والمتاع هنا: نفقة السنة. وقوله: {غَيْرَ إِخْرَاجٍ } صفة لقوله: {مَّتَـٰعًا } وقال الأخفش: إنه مصدر كأنه قال لا إخراجاً، وقيل: إنه حال، أي: متعوهن غير مخرجات، وقيل: منصوب بنزع الخافض، أي: من غير إخراج، والمعنى: أنه يجب على الذين يتوفون أن يوصوا قبل نزول الموت بهم لأزواجهم أن يمتعن بعدهم حولاً كاملاً بالنفقة، والسكنى من تركتهم، ولا يُخْرَجْن من مساكنهنّ. وقوله: {فَإِنْ خَرَجْنَ } يعني: باختيارهنّ قبل الحول {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ } أي: لا حرج على الوليّ، والحاكم، وغيرهما {فِيمَا فَعَلْنَ فِى أَنفُسِهِنَّ } من التعرّض للخطاب، والتزين لهم. وقوله: {مِن مَّعْرُوفٍ } أي: بما هو معروف في الشرع غير منكر. وفيه دليل على أن النساء كنّ مخيرات في سكنى الحول، وليس ذلك بحتم عليهنّ؛ وقيل: المعنى: لا جناح عليكم في قطع النفقة عنهنّ، وهو ضعيف؛ لأن متعلق الجناح هو مذكور في الآية بقوله: {فِيمَا فَعَلْنَ } وقوله: {وَلِلْمُطَلَّقَـٰتِ مَتَـٰعٌ } قد اختلف المفسرون في هذه الآية، فقيل: هي المتعة، وأنها واجبة لكل مطلقة. وقيل: إن هذه الآية خاصة بالثيبات اللواتي قد جومعن؛ لأنه قد تقدّم قبل هذه الآية ذكر المتعة للواتي لم يدخل بهنّ الأزواج. وقد قدّمنا الكلام على هذه المتعة، والخلاف في كونها خاصة بمن طلقت قبل البناء والفرض، أو عامة للمطلقات، وقيل: إن هذه الآية شاملة للمتعة الواجبة، وهي متعة المطلقة قبل البناء، والفرض، وغير الواجبة، وهي: متعة سائر المطلقات، فإنها مستحبة فقط. وقيل: المراد بالمتعة هنا: النفقة. وقد أخرج البخاري، وغيره عن ابن الزبير، قال: قلت لعثمان بن عفان: {وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوٰجًا } قد نسختها الآية الأخرى، فلم تكتبها، أو لم تَدَعها؟ قال: يا ابن أخي لا أغير شيئاً منه من مكانه. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس في الآية، قال: كان للمتوفي عنها زوجها نفقتها، وسكناها في الدار سنة، فنسختها آية المواريث، فجعل لهنّ الربع، والثمن مما ترك الزوج. وأخرج ابن جرير، نحوه عن عطاء. وأخرج نحوه أيضاً أبو داود، والنسائي، عن ابن عباس من وجه آخر. وأخرج الشافعي، وعبد الرزاق، عن جابر بن عبد الله، قال: ليس للمتوفى عنها زوجها نفقة حَسْبُها الميراث. وأخرج أبو داود في ناسخه، والنسائي عن عكرمة قال: نسختها: {أية : وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوٰجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا }تفسير : [البقرة: 234]. وأخرج ابن الأنباري في المصاحف، عن زيد بن أسلم نحوه. وأخرج أيضاً، عن قتادة نحوه. وأخرج عبد بن حميد، وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِى أَنفُسِهِنَّ مِن مَّعْرُوفٍ } قال: النكاح الحلال الطيب. وأخرج ابن جرير، عن ابن زيد، قال: لما نزل قوله: {أية : مَتَـٰعاً بِٱلْمَعْرُوفِ حَقّا عَلَى ٱلْمُحْسِنِينَ }تفسير : [البقرة: 236] قال رجل: إن أحسنت، فعلت، وإن لم أرد ذلك لم أفعل، فأنزل الله: {وَلِلْمُطَلَّقَـٰتِ مَتَـٰعٌ بِٱلْمَعْرُوفِ حَقّا عَلَى ٱلْمُتَّقِينَ }. وأخرج ابن أبي حاتم، عن سعيد بن المسيب، قال: نسخت هذه الآية بقوله: {أية : وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ } تفسير : [البقرة: 237]. وأخرج أيضاً عن عتاب بن خصيف في قوله: {وَلِلْمُطَلَّقَـٰتِ مَتَـٰعٌ } قال: كان ذلك قبل الفرائض. وأخرج مالك، وعبد الرزاق، والشافعي، وعبد بن حميد، وابن المنذر، والبيهقي عن ابن عمر قال: لكل مطلقة متعة إلا التي تطلقها، ولم تدخل بها، وقد فرض لها، كفى بالنصف متاعاً. وأخرج ابن المنذر، عن عليّ بن أبي طالب قال: لكل مؤمنة طلقت حرّة، أو أمة متعة، وقرأ: {وَلِلْمُطَلَّقَـٰتِ مَتَـٰعٌ بِٱلْمَعْرُوفِ حَقّا عَلَى ٱلْمُتَّقِينَ }. وأخرج البيهقي، عن جابر بن عبد الله، قال «لما طلق حفص بن المغيرة امرأته فاطمة أتت النبي صلى الله عليه وسلم، فقال لزوجها: حديث : متّعها، تفسير : قال: لا أجد ما أمتعها، قال: "حديث : فإنه لا بد من المتاع، متِّعها، ولو نصف صاع من تمر"تفسير : . وأخرج عبد بن حميد، عن أبي العالية في الآية، قال: لكل مطلقة متعة.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّونَ مِنكُم} الآية. أما الوصية فقد كانت بدل الميراث، ثم نسخت بآية المواريث، وأما الحَوْل فقد كانت عِدّة المتوفى عنها زوجها، ونسخت بأربعة أشهر وعشر. قوله عز وجل: {وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ} فيه ثلاثة أقاويل: أحدها:..... والثاني: أنها لكل مطلقة، وهذا قول سعيد بن جبير وأحد قولي الشافعي. وقيل إن هذه الآية نزلت على سبب وهو أن الله عز وجل لمّا قال: {وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِر قَدَرُهُ مَتَاعاً بِالْمَعْرُوفِ حَقاً عَلَى الْمُحْسِنِينَ} فقال رجل: إنْ أحسنتُ فعلت، وإن لم أرد ذلك لم أفعل، فقال الله عز وجل: {وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِين}، وهذا قول ابن زيد، وإنما خص المتقين بالذكر - وإن كان عاماً - تشريفاً لهم.

ابن عطية

تفسير : {الذين} رفع بالابتداء، والخبر في الجملة التي هي "وصية لأزواجهم"، وقرأ ابن كثير ونافع والكسائي وعاصم في رواية أبي بكر "وصيةٌ" بالرفع، وذلك على وجهين: أحدهما الابتداء والخبر في الظرف الذي هو قوله {لأزواجهم}، ويحسن الابتداء بنكرة من حيث هو موضع تخصيص كما حسن أن يرتفع "سلامٌ عليكم"، وخير بين يديك، وأمت في حجر لا فيك، لأنها مواضع دعاء، والوجه الآخر أن تضمر له خبراً تقدره، فعليهم وصية لأزواجهم، ويكون قوله {لأزواجهم} صفة. قال الطبري: "قال بعض النحاة: المعنى كتبت عليهم وصية"، قال: "وكذلك هي في قراءة عبد الله بن مسعود"، وقرأ أبو عمرو وحمزة وابن عامر "وصيةً" بالنصب، وذلك حمل على الفعل كأنه قال: ليوصوا وصية، و {لأزواجهم} على هذه القراءة صفة أيضاً، قال هارون: "وفي حرف أبي بن كعب" وصيةٌ لأزواجهم متاعٌ" بالرفع، وفي حرف ابن مسعود "الوصية لأزواجهم متاعاً"، وحكى الخفاف أن في حرف أبيّ "فمتاع لأزواجهم" بدل وصية. ومعنى هذه الآية أن الرجل إذا مات كان لزوجته أن تقيم في منزله سنة وينفق عليها من ماله، وذلك وصية لها، واختلف العلماء ممن هي هذه الوصية، فقالت فرقة: كانت وصية من الله تعالى تجب بعد وفاة الزوج، قال قتادة: "كانت المرأة إذا توفي عنها زوجها فلها السكنى والنفقة حولاً من مال زوجها ما لم تخرج برأيها، ثم نسخ ما في هذه الآية من النفقة بالربع أو بالثمن الذي في سورة النساء، ونسخ سكنى الحول بالأربعة الأشهر والعشر". وقال الربيع وابن عباس والضحاك وعطاء وابن زيد، وقالت فرقة: بل هذه الوصية هي من الزوج، كانوا ندبوا إلى أن يوصوا للزوجات بذلك فــ {يتوفون} على هذا القول معناه يقاربون الوفاة ويحتضرون، لأن الميت لا يوصي، قال هذا القول قتادة أيضاً والسدي. وعليه حمل الآية أبو علي الفارسي في الحجة، قال السدي: "إلا أن العدة كانت أربعة أشهر وعشراً، وكان الرجال يوصون بسكنى سنة ونفقتها ما لم تخرج. فلو خرجت بعد انقضاء العدة الأربعة الأشهر والعشر سقطت الوصية. ثم نسخ الله تعالى ذلك بنزول الفرائض. فأخذت ربعها أو ثمنها، ولم يكن لها سكنى ولا نفقة وصارت الوصايا لمن لا يرث، وقال الطبري عن مجاهد: "إن هذه الآية محكمة لا نسخ فيها، والعدة كانت قد ثبتت أربعة أشهر وعشراً، ثم جعل الله لهن وصية، منها سكنى سبعة أشهر وعشرين ليلة، فإن شاءت المرأة سكنت في وصيتها وإن شاءت خرجت، وهو قوله تعالى: {غير إخراج، فإن خرجن فلا جناح عليكم}. قال القاضي أبو محمد: وألفاظ مجاهد رحمه الله التي حكى عنها الطبري لا يلزم منها أن الآية محكمة، ولا نص مجاهد ذلك، بل يمكن أنه أراد ثم نسخ ذلك بعد بالميراث. و {متاعاً} نصب على المصدر، وكان هذا الأمر إلى الحول من حيث العام معلم من معالم الزمان قد أخذ بحظ من الطول، وقوله تعالى: {غير إخراج} معناه ليس لأولياء الميت ووارثي المنزل إخراجها، و {غير} نصب على المصدر عند الأخفش، كأنه قال: لا إخراجاً، وقيل: نصب على الحال من الموصين. وقيل: هي صفة لقوله {متاعاً}، وقوله تعالى: {فإن خرجن} الآية، معناه أن الخروج إذا كان من قبل الزوجة فلا جناح على أحد ولي أو حاكم أو غيره فيما فعلن في أنفسهن من تزويج وترك حداد وتزين إذا كان ذلك من المعروف الذي لا ينكر، وقوله تعالى: {والله عزيز} صفة تقتضي الوعيد بالنقمة لمن خالف الحد في هذه النازلة فأخرج المرأة وهي لا تريد الخروج. {حكيم} أي محكم لما يأمر به عباده، وهذا كله قد زال حكمه بالنسخ المتفق عليه إلا ما قوَّله الطبري مجاهداً رحمه الله، وفي ذلك نظر على الطبري رحمه الله.

ابن عبد السلام

تفسير : {وَالَّذِينَ يُتَوفَّوْنَ} نسخت الوصية بآية المواريث، والحول بأربعة أشهر وعشر.

الخازن

تفسير : قوله عز وجل: {والذين يتوفون منكم} يعني يا معشر الرجال {ويذرون أزواجاً} يعني زوجات {وصية لأزواجهم} قرئ بالنصب على معنى فليوصوا وصية وبالرفع على معنى كتب عليهم وصية {متاعاً إلى الحول} أي متعوهن متاعاً وقيل جعل الله لهن ذلك متاعاً والمتاع نفقة سنة لطعامها وكسوتها وما تحتاج إليه {غير إخراج} أي غير مخرجات من بيوتهن نزلت هذه الآية في رجل من أهل الطائف يقال له حكيم بن الحارث هاجر إلى المدينة ومعه أبواه وامرأته وله أولاد فمات فرفع ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله هذه الآية فأعطى النبي صلى الله عليه وسلم أبويه وأولاده ميراثه ولم يعط امرأته شيئاً وأمرهم أن ينفقوا عليها من تركة زوجها حولاً وكان الحكم في ابتداء الإسلام أنه إذا مات الرجل اعتدت زوجته حولاً وكان يحرم على الوارث إخراجها من البيت قبل تمام الحول وكانت نفقتها وسكناها واجبتين في مال زوجها تلك السنة وليس لها من الميراث شيء، ولكنها تكون مخيرة فإن شاءت اعتدت في بيت زوجها ولها النفقة والسكنى، وإن شاءت خرجت قبل تمام الحول وليس لها نفقة ولا سكنى، وكان يجب على الرجل أن يوصي بذلك فدلت هذه الآية على مجموع أمرين: أحدهما أن لها النفقة والسكنى من مال زوجها سنة والثاني أن عليها عدة سنة ثم إن الله تعالى نسخ هذين الحكمين، أما الوصية بالنفقة والسكنى فنسخ بآية الميراث فجعل لها الربع أو الثمن عوضاً عن النفقة والسكنى ونسخ عدة الحول بأربعة أشهر وعشراً. فإن قلت كيف نسخت الآية المتقدمة المتأخرة؟ قلت: قد تكون الآية المتقدمة متقدمة في التلاوة متأخرة في التنزيل كقوله تعالى: {أية : سيقول السفهاء من الناس}تفسير : [البقرة: 142] مع قوله تعالى: {أية : قد نرى تقلب وجهك في السماء}.تفسير : [البقرة: 144] وقوله تعالى: {فإن خرجن فلا جناح عليكم} يعني يا معشر أولياء الميت {فيما فعلن في أنفسهن من معروف} يعني التزين للنكاح ولرفع الحرج عن الورثة وجهان: أحدهما أنه لا جناح عليكم في قطع النفقة عنهن إذا خرجن قبل انقضاء الحول. والوجه الثاني لا جناح عليكم في ترك منعهن من الخروج لأن مقامها في بيت زوجها حولاً غير واجب عليها خيرها الله تعالى بين أن تقيم في بيت زوجها حولاً ولها النفقة والسكنى وبين أن تخرج ولا نفقة لها ولا سكنى ثم نسخ الله ذلك بأربعة أشهر وعشراً {والله عزيز} أي غالب قوي في انتقامه ممن خالف أمره ونهيه وتعدى حدوده {حكيم} يعني فيما شرع من الشرائع وبين من الأحكام.

ابن عرفة

تفسير : قوله تعالى: {فِي مَا فَعَلْنَ فِيۤ أَنْفُسِهِنَّ مِن مَّعْرُوفٍ...}. وقال قبله: {أية : فِيمَا فَعَلْنَ فِيۤ أَنْفُسِهِنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ }. تفسير : قال ابن عرفة: الجواب أنهم قالوا إن آية "مِنْ مَعْروفٍ" نزلت قبل آية "بِالمَعْرُوف" فنزل هنا معرفا للعهد المتقدم في النزول وإن كان متأخرا في التلاوة كقول الله تعالى {أية : كَمَآ أَرْسَلْنَآ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ رَسُولاً فَعَصَىٰ فِرْعَوْنُ ٱلرَّسُولَ }. تفسير : وقاله الزمخشري في قول الله تعالى حكاية عن ابراهيم {أية : رَبِّ ٱجْعَلْ هَـٰذَا بَلَداً آمِناً}تفسير : في سورة البقرة ثم قال في سورة إبراهيم {أية : رَبِّ ٱجْعَلْ هَـٰذَا ٱلْبَلَدَ آمِناً}تفسير : انتهى.

الثعالبي

تفسير : قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَٰجًا وَصِيَّةً لأَزْوَاجِهِم مَّتَـٰعًا إِلَى ٱلْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِيۤ أَنفُسِهِنَّ مِن مَّعْرُوفٍ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}: {ٱلَّذِينَ }: رَفْعٌ بالاِبتداء، وخبره مضمرٌ، تقديره: فعليهم وصيَّةٌ لأزواجهم، وفي قراءة ٱبْنِ مسعود: كُتِبَ عليكُمْ وصيَّةً، قالت فرقة: كانَتْ هذه وصيَّةً من اللَّه تعالَىٰ تَجِبُ بعد وفاة الزوْجِ، قال قتادة: كانتِ المرأةُ إِذا تُوُفِّيَ عنها زوجُها، لها السكنَىٰ والنفقة حولاً في مال الزَّوْج، ما لم تخرجْ برأْيها، ثم نُسِخَ ما في هذه الآية من النفَقَة بالرُبع أو بِالثُّمُنِ الَّذِي في «سورة النساءِ»، ونسخ سكنى الحَوْل بالأربعة الأشْهُر والعَشْر، وقاله ابن عَبَّاس وغيره: و {مَّتَـٰعًا } نصْب على المَصْدر، وقوله تعالى: {غَيْرَ إِخْرَاجٍ}: معناه: ليس لأولياء الميِّت، ووارثي المنزلِ إِخراجها، وقوله تعالى: {فَإِنْ خَرَجْنَ...} الآية: معناه: إِنَّ الخروجَ، إِذا كان من قبل الزوجة، فلا جُنَاح علَىٰ أحدٍ وليٍّ أو حاكمٍ، أو غيره فيما فعلْنَ في أنفسِهِنَّ من تزويجٍ وتزيُّن، وترك إِحداد، إِذا كان ذلك من المعروف الَّذي لا يُنْكَر، وقوله تعالى: {وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكُيمٌ }: صفةٌ تقتضي الوعيدَ بالنِّقْمة لمن خالف الحَدَّ في هذه النازلة، وهذا كلُّه قد زال حكمه بالنَّسْخ المتَّفَقِ عليه. وقوله تعالى: {وَلِلْمُطَلَّقَـٰتِ مَتَـٰعٌ بِٱلْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى ٱلْمُتَّقِينَ * كَٰذَلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ آيَـٰتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ}: قال عطاء بْنُ أبي رَبَاحٍ وغيره: هذه الآية في الثَّيِّبَاتِ اللواتي قد جُومِعْنَ؛ إِذ قد تقدم في غير هذه الآية ذكْر المتعة لِلَّواتي لم يُدْخَلْ بهنَّ. وقال ابنُ زَيْد: هذه الآية نزلَتْ مؤكِّدة لأمر المتعة؛ لأنه نزل قبل {أية : حَقًّا عَلَى ٱلْمُحْسِنِينَ }،تفسير : [البقرة:236]، فقال رجُلٌ: فإِنْ لم أُرِدْ أُحْسِنَ، لم أمتِّع، فنزلَتْ {حَقًّا عَلَى ٱلْمُتَّقِينَ}. قال الطبريُّ: فوجب ذلك عليهم.

ابن عادل

تفسير : قرأ ابن كثير، ونافع، والكسائي، وأبو بكرٍ، عن عاصم: "وَصِيَّةٌ" بالرفع والباقون: بالنصب. وفي رفع {ٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ} ثمانية أوجهٍ، خمسةٌ منها على قراءة من رفع "وَصِيَّةً"، وثلاثةٌ على قراءة من نصب "وصيةٌ"؛ فأوّل الخمسة، أنه مبتدأ، و "وَصِيَّةٌ" مبتدأ ثانٍ، وسوَّغ الابتداء بها كونها موصوفة تقديراً؛ إذ التقدير: "وَصِيَّةٌ مِنَ اللهِ" أو "مِنْهُمْ"؛ على حسب الخلاف فيها: أهي واجبةٌ من الله تعالى، أو مندوبةٌ للأزواج؟ و "لأَزْوَاجِهِمْ" خبر المبتدأ الثاني، فيتعلَّق بمحذوفٍ، والمبتدأ الثاني وخبره خبر الأول، وفي هذه الجملة ضمير الأول، وهذه نظير قولهم: "السَّمْنُ مَنَوَانِ بِدِرْهَمٍ" تقديره: "مَنَوَانِ مِنْهُ"، وجعل ابن عطية المسوِّغ للابتداء بها كونها في موضع تخصيص؛ قال: "كما حَسُنَ أَنْ يرتفع: "سَلاَمٌ عَلَيْكَ" و "خَيْرٌ بَيْنَ يَدَيْكَ"؛ لأنها موضع دعاءٍ" قال شهاب الدين: وفيه نظرٌ. الثاني: أن تكون "وَصِيَّةٌ" مبتدأ، و "لأَزْوَاجِهِمْ" صفتها، والخبر محذوفٌ، تقديره: فعليهم وصيةٌ لأزواجهم، والجملة خبر الأوَّل. الثالث: أنها مرفوعة بفعل محذوفٍ، تقديره: كتب عليهم وصيَّةٌ و "لأَزْوَاجِهِمْ" صفةٌ، والجملة خبر الأول أيضاً؛ ويؤيِّد هذا قراءة عبد الله: "كُتِبَ عَلَيْهِمْ وَصِيَّةٌ" وهذا من تفسير المعنى، لا الإعراب؛ إذ ليس هذا من المواضع التي يضمر فيها الفعل. الرابع: أن "الَّذِينَ" مبتدأٌ، على حذف مضافٍ من الأول، تقديره: ووصيَّةُ الذين. الخامس: أنه كذلك إلا أنه على حذف مضافٍ من الثاني، تقديره: "وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ أَهْلُ وَصيَّةٍ" ذكر هذين الوجهين الزمخشريُّ، قال أبو حيان: "ولا ضرورة تدعونا إلى ذلك". فهذه الخمسة الأولى التي على رفع "وَصِيَّةٌ". وأمَّا الثلاثة التي على قراءة النصب في "وَصِيَّةٌ": فأحدها: أنه فاعل فعل محذوفٍ، تقديره: وليوص الذين، ويكون نصب "وَصِيَّةٌ" على المصدر. الثاني: أنه مرفوع بفعل مبني للمفعول يتعدَّى لاثنين، تقديره: "وأُلْزِمَ الَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ" ويكون نصب "وَصِيَّةً" على أنها مفعولٌ ثانٍ لـ "أُلْزِمَ"، ذكره الزمخشريُّ، وهو والذي قبله ضعيفان؛ لأنه ليس من مواضع إضمار الفعل. الثالث: أنه مبتدأٌ، وخبره محذوف، وهو الناصب لوصية، تقديره: والذين يتوفون يوصون وصيَّة، وقدره ابن عطية: "لِيُوصُوا" و "وَصِيَّةً" منصوبةٌ على المصدر أيضاً، وفي حرف عبد الله: "الوَصِيَّةُ" رفعاً بالابتداء، والخبر الجارُّ بعدها، أو مضمرٌ أي: فعليهم الوصية، والجارُّ بعدها حالٌ، أو خبرٌ ثانٍ، أو بيانٌ. قوله تعالى: "مَتَاعاً" في نصبه سبعة أوجهٍ: أحدها: أنَّه منصوبٌ بلفظ "وَصِيَّة" لأنها مصدرٌ منونٌ، ولا يضرُّ تأنيثها بالتاء؛ لبنائها عليها؛ فهي كقوله: [الطويل] شعر : 1150- فَلَوْلاَ رَجَاءُ النَّصْرِ مِنْكَ وَرَهْبَةٌ عِقَابَكَ قَدْ كَانُوا لَنَا كَالْمَوَارِدِ تفسير : والأصل: وصية بمتاع، ثم حذف حرف الجرِّ، اتساعاً، فنصب ما بعده، وهذا إذا لم تجعل "الوصيَّة" منصوبةٌ على المصدر؛ لأن المصدر المؤكَّد لا يعمل، وإنما يجيء ذلك حال رفعها، أو نصبها على المفعول؛ كما تقدَّم تفصيله. والثاني: أنه منصوبٌ بفعلٍ، إمَّا من لفظه، أي: متِّعوهنَّ متاعاً، أي: تمتيعاً، أو من غير لفظه، أي: جعل الله لهنَّ متاعاً. الثالث: أنه صفةٌ لوصية. الرابع: أنه بدل منها. الخامس: أنه منصوبٌ بما نصبها، أي: يوصون متاعاً، فهو مصدر أيضاً على غير الصدر؛ كـ "قَعَدْتُ جُلُوساًَ"، هذا فيمن نصب "وَصِيَّةً". السادس: أنه حالٌ من الموصين: أي ممتَّعين أو ذوي متاعٍ. السابع: أنه حالٌ من أزواجهم، [أي]: ممتَّعاتٍ أو ذوات متاعٍ، وهي حالٌ مقدَّرة إن كانت الوصية من الأزواج. وقرأ أُبيٌّ: "مَتَاعٌ لأَزْوَاجِهِمْ" بدل "وَصِيَّةٌ"، وروي عنه "فَمَتَاعٌ"، ودخول الفاء في خبر الموصول؛ لشبهه بالشرط، وينتصب "مَتَاعاً" في هاتين الروايتين على المصدر بهذا المصدر، فإنه بمعنى التمتيع؛ نحو: "يُعْجِبُنِي ضَرْبٌ لَكَ ضَرْباً شَدِيداً"، ونظيره: {أية : فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَآؤُكُمْ جَزَاءً مَّوْفُوراً}تفسير : [الإسراء:63]، و "إِلَى الحَوْلِ" متعلِّقٌ بـ "مَتَاع" أو بمحذوفٍ؛ على أنه صفة له. قوله تعالى: {غَيْرَ إِخْرَاجٍ} في نصبه ستة أوجهٍ: أحدها: أنه نعتٌ لـ "مَتَاعاً". الثاني: أنه بدلٌ منه. الثالث: أنه حالٌ من الزوجات، أي: غير مخرجات. الرابع: أنه حالٌ من الموصين، أي: غير مخرجين. الخامس: أنه منصوب على المصدر، تقديره: لا إخراجاً، قاله الأخش. السادس: أنه على حذف حرف الجرِّ، تقديره: من غير إخراجٍ، قاله أبو البقاء، قال شهاب الدين: وفيه نظر. فصل في المراد بقوله "غير إخراج" معنى قوله: "غَيْرَ إِخْرَاجٍ" أي: ليس لأولياء الميِّت ووارثي المنزل؛ إخراجها، "فَإِنْ خَرَجْنَ" أي: باختيارهن قبل الحول {فلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُم}، أي: لا حرج على وليِّ أحدٍ وُلِّيَ، أو حاكم، أو غيره؛ لأنه لا يجب عليها المقام في بيت زوجها حولاً. وقيل: لا جناح في قطع النّفقة عنهن، أو لا جناح عليهنَّ في التشرُّف إلى الأزواج، إذ قد انقطعت عنهنَّ مراقبتكم أيُّها الورثة، ثم عليها أنها لا تتزوج قبل انقضاء العدَّة بالحول أو لا جناح في تزويجهنَّ بعد انقضاء العدّة، لأنه قال: "بالمَعْرُوفِ"، وهو ما يوافق الشرع. و {ٱللهُ عَزِيزٌ} صفةٌ تقتضي الوعيد بالنسبة لمن خالف الحدَّ في هذه النازلة، في إخراج المرأة، وهي لا تريد الخروج "حَكِيمٌ"، أي مُحْكِمٌ لما يريد من أمور عباده والله أعلم. قوله: {فِي مَا فَعَلْنَ فِيۤ أَنْفُسِهِنَّ} هذان الجارَّان يتعلَّقان بما تعلَّق به خبر "لا" وهو "عَلَيْكُمْ" من الاستقرار، والتقدير: لا جناح مستقرٌّ عليكم فيما فعلن في أنفسهنَّ، و "مَا" موصولةٌ اسميةٌ، والعائد محذوف، تقديره: فعلنه، و "مِنْ مَعْرُوفٍ" متعلِّقٌ بمحذوفٍ؛ لأنه حالٌ من ذلك العائد المحذوف، وتقديره: فيما فعلنه كائناً من معروفٍ. وجاء في هذه الآية "مِن مَّعْرُوفٍ" نكرةً مجرورةً بـ "مِنْ"، وفي الآية قبلها "بِالمَعْرُوفِ" معرَّفاً مجروراً بالباء؛ لأنَّ هذه لام العهد؛ كقولك: "رَأَيْتُ رَجُلاً فَأَكْرَمْتُ الرَّجُلَ" إلاَّ أنَّ هذه، وإن كانت متأخِّرةً في اللفظ، فهي متقدِّمة في التنزيل، ولذلك جعلها العلماء منسوخةً بها، إلا عند شذوذٍ، وتقدَّم نظائر هذه الجمل، فلا حاجة إلى إعادة الكلام فيها. فصل في سبب النزول في هذه الآية ثلاثة أقوالٍ: الأول: وهو اختيار جمهور المفسرين أنها منسوخةٌ، قالوا: نزلت الآية في رجل من أهل الطائف، يقال له: حكيم بن الحرث، هاجر إلى المدينة، وله أولاد، ومعه أبواه وامرأته، فمات، فأنزل الله هذه الآية؛ فأعطى النبي صلى الله عليه وسلم والديه، وأولاده ميراثه، ولم يعط امرأته شيئاً، وأمرهم أن ينفقوا عليها من تركة زوجها حولاً كاملاً، وكانت عدَّة الوفاة في ابتداء الإسلام حولاً، كاملاً، وكانت عدَّة الوفاة في ابتداء الإسلام حولاً، وكان يحرم على الوارث إخراجها من البيت قبل تمام الحول، وكان نفقتها وسكناها واجبةً في مال زوجها تلك السَّنة، ما لم يخرج، ولم يكن لها الميراث، فإن خرجت من بيت زوجها، سقطت نفقتها، وكان على الرجل أن يوصي بها، فكان كذلك حتى نزلت آية الميراث، فنسخ الله تعالى نفقة الحول بالرُّبع، والثُّمن، ونسخ عدَّة الحول بـ {أية : أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً}. تفسير : قال ابن الخطيب: دلَّت هذه الآية على وجوب أمرين: أحدهما: وجوب النفقة، والسُّكنى من مال الزَّوج، سواءٌ قراءة "وَصِيَّةٌ ووصِيَّةً" بالرفع، أو بالنصب. والثاني: وجوب الاعتداد، ثم نسخ الله تعالى هذين الحكمين، أمّا الوصية بالنفقة، والسكنى، فلثبوت ميراثها بالقرآن، والسنة، دلَّت على أنَّه لا وصيَّة لوارثٍ، فصار مجموع القرآن والسنَّة ناسخاً لوجوب الوصيَّة لها بالنفقة والسكنى في الحول. أمَّا وجوب العدة في الحول، فنسخ بقوله: {أية : أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً}تفسير : [البقرة:234]. القول الثاني: وهو قول مجاهد: أنَّ الله تعالى أنزل في عدَّة المتوفى عنها زوجها آيتين: إحداهما: قوله {أية : يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً}تفسير : [آية:234]، والأخرى هذه الآية؛ فوجب تنزيل هاتين الآيتين على حالتين، فنقول: إنَّها إن لم تختر السُّكنى في دار زوجها، والأخذ من ماله، وتركته؛ فعدَّتها هي الحول، قال ابن الخطيب: وتنزيل الآيتين على هذين التَّقديرين أولى؛ حتى يكون كل منهما معمولاً به، والجمع بين الدَّليلين، والعمل بهما أولى من اطراح أحدهما، والعمل بالآخر. القول الثالث: قال أبو مسلم الأصفهاني: معنى الآية: أنَّ من يتوفَّى منكم، ويذرون أزواجاً، وقد وصّوا وصيَّة لأزواجهم، بنفقة الحول، وسكنى الحول، فإن خرجن قبل ذلك، وخالفن وصيَّة أزواجهنَّ، بعد أن يقمن أربعة أشهرٍ وعشراً؛ فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن من معروفٍ، أي: نكاحٌ صحيحٌ؛ لأن إقامتهنَّ بهذه الوصيَّة غير لازمة. قال: والسَّبب: أنَّهم كانوا في الجاهليَّة يوصون بالنَّفقة، والسُّكنى حولاً كاملاً، وكان يجب على المرأة الاعتداد بالحول فبيَّن الله تعالى في هذه الآية أنَّ ذلك غير واجبٍ، وعلى هذا التَّقدير، فالنَّسخ زائلٌ، واحتجَّ على ذلك بوجوهٍ: أحدها: أنَّ النَّسخ خلاف الأصل؛ فوجب المصير إلى عدمه، بقدر الإمكان. الثاني: أنَّ النَّاسخ يكون متأخِّراً عن المنسوخ في النُّزول، وإذا كان متأخِّراً عنه في النُّزول، يجب أن يكون متأخِّراً عنه في التِّلاوة، وهو إن كان جائزاً في الجملة إلاَّ أنَّ قولنا يعدّ من سوء التَّرتيب، وتنزيه كلام الله واجبٌ بقدر الإمكان، ولمَّا كانت هذه الآية متأخِّرةً عن تلك في التِّلاوة؛ كان الأولى ألاّ يحكم بكونها منسوخةً بتلك. الثالث: أنَّه ثبت عند الأصوليِّين متى وقع التَّعارض بين التَّخصيص، والنَّسخ، كان النَّسخ أولى، وهاهنا إن خصَّصنا هاتين الآيتين بحالتين على ما هو قول مجاهد؛ اندفع النَّسخ، فكان قول مجاهد أولى من التزام النَّسخ من غير دليلٍ، وأمَّا على قول أبي مسلم، فيكون أظهر؛ لأنكم تقولون: تقدير الآية: فعليهم وصيَّةٌ لأزواجهم، أو تقديرها: فليوصوا وصيَّةً، فأنتم تضيفون هذا الحكم إلى الله تعالى، وأبو مسلم يقول: بل تقدير الآية: والذين يتوفون منكم، ولهم وصيَّةٌ لأزواجهم، أو تقديرها: وقد أوصوا وصيَّةً لأزواجهم فهو يضيف هذا الكلام إلى الزَّوج، وإذا كان لا بدَّ من الإضمار فليس إضماركم أولى من إضمارنا ثم على تقدير أن يكون الإضمار ما ذكره أبو مسلمٍ؛ لم يلزم تطرُّق النَّسخ إلى الآية، فيكون أولى. وإذا ثبت هذا فنقول: الآية من أولها إلى آخرها، تكون جملةً واحدةً شرطيَّةً، فالشَّرط هو قوله: {وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً وَصِيَّةً لأَزْوَاجِهِمْ مَّتَاعاً إِلَى ٱلْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ} فهذا كلُّه شرطٌ والجزاء هو قوله: {فَإِنْ خَرَجْنَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِيۤ أَنْفُسِهِنَّ مِن مَّعْرُوفٍ} فهذا تقرير قول أبي مسلمٍ. قال ابن الخطيب: وهو في غاية الصِّحَّة، وعلى تقدير باقي المفسِّرين، فالمعنى: والذين يتوفَّون منك أيُّها الرِّجال، ويذرون زوجاتٍ فليوصوا وصيَّةٌ، وكتب عليكم الوصيَّة بأن تمتِّعوهنَّ متاعاً، أي: نفقة سنةٍ لطعامها، وكسوتها، وسكناها، غير مخرجين لهن، فإن خرجن من قبل أنفسهنّ قبل الحول من غير إخراج الورثة، فلا جناح عليكم يا أولياء الميِّت، فيما فعلن في أنفسهنّ من معروف، يعني: التَّزين للنِّكاح، ولرفع الجناح عن الرِّجال، وجهان: أحدهما: لا جناح عليكم في ترك منعهنّ من الخروج؛ لأنَّ مقامها في بيت زوجها حولاً، غير واجبٍ عليها، فخيَّرها الله تعالى بين: أن تقيم حولاً، ولها النَّفقة والسُّكنى، وبين أن تخرج إلى أن نسخت بأربعة أشهر وعشراً. فإن قيل: إن الله تعالى ذكر الوفاة، ثم أمرنا بالوصيَّة، فكيف يوصي المتوفى؟! فالجواب أنَّ معناه: والذين يقاربون الوفاة ينبغي أن يفعلوا هذا، فجعل المقاربة للوفاة عبارة عنها. وقيل: إنّ هذه الوصيّة يجوز أن تكون مضافةً إلى الله تعالى، بمعنى: "أمره، وتكليفه"، كأنَّه قيل: وصيّة من الله لأزواجهم، كقوله: {أية : يُوصِيكُمُ ٱللهُ فِيۤ أَوْلاَدِكُمْ}تفسير : [النساء:11]. فصل المعتدَّة من فرقة الوفاة، لا نفقة لها، ولا كسوة حاملاً كانت، أو حائلاً. وروي عن عليٍّ، وابن عمر - رضي الله عنهما - أنَّ لها النَّفقة إذا كانت حاملاً، وعن جابر، وابن عبَّاس - رضي الله عنهما - أنهما قالا: لا نفقة لها، حسبها الميراث، وهل تستحقُّ السُّكنى؟ قال عليٌّ، وابن عباس، وعائشة - رضي الله عنهم -: لا تستحقُّ السُّكنى، وهذا مذهب أبي حنيفة والمزنيّ. وقال عمر، وابن عمر، وعثمان، وابن مسعود، وأمُّ سلمة: إنها تستحقُّ السُّكنى، وبه قال مالك، والثَّوريُّ، وأحمد. حديث : واحتجَّ كلٌّ من الطائفتين بخبر فريعة بنت مالك، أخت أبي سعيدٍ الخدريِّ، قتل زوجها؛ فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: إنّي أرجع إلى أهلي، فإنَّ زوجي ما تركني في منزل يملكه؛ فقال - عليه الصَّلاة والسَّلام -: "نَعَمْ"، فانصرفت حتى إذا كنت في المسجد، أو في الحجرة دعاني فقال: "امْكُثِي في بَيْتِكِ حَتَّى يَبْلُغَ الكِتَابُ أَجَلَهُ"تفسير : ، فاختلفوا في تنزيل هذا الحديث. فقيل: لم يوجب في الابتداء، ثمَّ أوجب؛ فصار الأوَّل منسوخاً. وقيل: أمرها بالمكث في بيتها أجراً على سبيل الاستحباب، لا على سبيل الوجوب. واحتجَّ المزنيُّ على أنَّه لا سكنى لها فقال: أجمعنا على أنَّه لا نفقة لها؛ لأنَّ الملك انقطع بالموت، فكذلك السُّكنى بدليل: أنهم أجمعوا على أنَّ من وجب له نفقةً، وسكنى عن ولد ووالد على رجلٍ؛ فمات؛ انقطعت نفقتهم، وسكناهم؛ لأنّ ماله صار ملكاً للوارث، فكذا هاهنا. وأجيب بأنَّه لا يمكن قياس السُّكنى على النفقة؛ لأنَّ المطلقة ثلاثاً تستحقُّ السُّكنى بكلِّ حالٍ، ولا تستحقُّ النَّفقة لنفسها عند المزنيّ. ولأن النَّفقة وجبت في مقابلة التَّمكين من الاستمتاع، ولا يمكن هاهنا، وأمَّا السُّكنى وجبت لتحصين النساء، وهو موجودٌ هاهنا فافترقا.

السيوطي

تفسير : أخرج البخاري والبيهقي في سننه عن ابن الزبير قال‏:‏ قلت لعثمان بن عفان ‏ {‏والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً‏}‏ قد نسختها الآية الأخرى، فلم تكتبها أو تدعها‏؟‏ قال‏:‏ يا ابن أخي لا أغير شيئاً منه من مكانه‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم من طريق عطاء عن ابن عباس في قوله ‏ {‏والذين يتوفون منكم‏.‏‏.‏‏.‏‏} ‏ الآية‏.‏ قال‏:‏ كان للمتوفى عنها زوجها نفقتها وسكناها في الدار سنة، فنسختها آية المواريث فجعل لهن الربع والثمن مما ترك الزوج‏.‏ وأخرج ابن جرير عن عطاء في الآية قال‏:‏ كان ميراث المرأة من زوجها أن تسكن إن شاءت من يوم يموت زوجها إلى الحول، يقول ‏{‏فإن خرجن فلا جناح عليكم‏}‏ ثم نسخها ما فرض الله من الميراث‏. وأخرج أبو داود والنسائي والبيهقي من طريق عكرمة عن ابن عباس في قوله ‏ {‏والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً وصية لأزواجهم متاعاً إلى الحول غير إخراج‏} ‏ قال‏:‏ نسخ الله ذلك بآية الميراث، بما فرض الله لهن من الربع والثمن، ونسخ أجل الحول بأن جعل أجلها أربعة أشهر وعشراً‏.‏ وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر والبيهقي من طريق ابن سيرين عن ابن عباس‏.‏ أنه قام يخطب الناس، فقرأ لهم سورة البقرة، فبين لهم منها فأتى على هذه الآية ‏{أية : ‏إن ترك خيراً الوصية للوالدين والأقربين}تفسير : ‏ ‏[‏البقرة: 180‏] فقال‏:‏ نسخت هذه، ثم قرأ حتى أتى على هذه الآية ‏ {‏والذين يتوفون منكم‏} ‏ إلى قوله ‏{‏غير إخراج‏} فقال‏:‏ وهذه‏.‏ وأخرج الشافعي وعبد الرزاق عن جابر بن عبدالله قال‏:‏ ليس للمتوفى عنها زوجها نفقة حسبها الميراث‏.‏ وأخرج أبو داود في ناسخه والنسائي عن عكرمة في قوله ‏ {‏والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً وصية لأزواجهم متاعاً إلى الحول‏}‏ قال‏:‏ نسخها ‏{أية : ‏والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشراً}‏ تفسير : ‏[‏البقرة: 234‏]‏. وأخرج ابن الأنباري في المصاحف عن زيد بن أسلم في قوله ‏{‏والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً وصية لأزواجهم‏} ‏ قال‏:‏ كانت المرأة يوصى لها زوجها بنفقة سنة ما لم تخرج وتتزوج، فنسخ ذلك بقوله ‏{أية : ‏والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشراً‏}تفسير : ‏[البقرة: 234‏]‏ فنسخت هذه الآية الأخرى، وفرض عليهن التربص أربعة أشهر وعشراً، وفرض لهن الربع والثمن‏. وأخرج ابن الأنباري في المصاحف عن زيد بن أسلم عن قتادة في الآية قال‏:‏ كانت المرأة يوصي لها زوجها بالسكنى والنفقة ما لم تخرج وتتزوج، ثم نسخ ذلك وفرض لها الربع ان لم يكن لزوجها ولد، والثمن ان كان لزوجها ولد، ونسخ هذه الآية قوله ‏{أية : ‏يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشراً‏} تفسير : ‏[‏البقرة: 234‏]‏ فنسخت هذه الآية الوصية إلى الحول‏.‏ وأخرج ابن راهويه في تفسيره عن مقاتل بن حيان ‏"‏أن رجلاً من أهل الطائف قدم المدينة وله أولاد رجال ونساء ومعه أبواه وامرأته، فمات بالمدينة فرفع ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فأعطى الوالدين وأعطى أولاده بالمعروف، ولم يعط امرأته شيئاً غير أنهم أمروا أن ينفقوا عليها من تركة زوجها إلى الحول، وفيه نزلت ‏ {‏والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا‏ً.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏"‏‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله {‏فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن من معروف‏}‏ قال‏:‏ النكاح الحلال الطيب‏.

القشيري

تفسير : كانت عِدَّةُ الوفاة في ابتداء الإسلام سَنَةً مستديمة كقول العرب وفعلهم ذلك حيث يقول قائلهم: شعر : إلى الحول ثم اسم السلام عليكم ومَنْ لبَّاك حولاً كاملاً فقد اعتذر تفسير : ثم نُسِخَ ذلك إلى أربعة أشهر وعشرة أيام إذ لا بد من انتهاء مدة الحداد ولقد قال قائلهم: شعر : قال: لو مِتَّ لم أَعِشْ قلتُ: نافقتَ فاسْكُتِ أي حيٍ رأيْتَه ماتَ وَجْداً بِمَيِّتِ؟!

اسماعيل حقي

تفسير : {والذين يتوفون منكم} اى يموتون يسمى المشارف الى الوفاة متوفيا تسمية للشىء باسم ما يؤول اليه وقرينة المجاز امتناع الوصية بعد الوفاة {ويذرون أزواجا} اى يدعون نساء من بعدهم {وصية لأزواجهم} اى يوصون وصية لهن والجملة خبر الذين {متاعا} اى يوصون متاعا {إلى الحول} او متعوهن تمتيعا الى الحول {غير إخراج} بدل من قوله متاعا بدل اشتمال لتحقق الملابسة بين تمتيعهن حولا وبين عدم اخراجهن من بيوتهن كأنه قيل يوصون لازواجهم متاعا اى لا يخرجن من مساكنهن حولا او حال من ازواجهم اى غير مخرجات والمعنى يجب على الذين يتوفون ان يوصوا قبل الاحتضار لازواجهم بان يمتعن بعدهم حولا بالنفقة والسكنى. نزلت الآية فى رجل من الطائف يقال له حكيم بن الحارث هاجر الى المدينة وله اولاد ومعه ابواه وامرأته ومات فانزل الله هذه الآية فاعطى النبى عليه السلام والديه واولاده من ميراثه ولم يعط امرأته شيأ وامرهم ان ينفقوا عليها من تركة زوجها حولا وكان عدة الوفاة فى ابتداء الاسلام حولا وكان يحرم على الوارث اخراجها من البيت قبل تمام الحلول وكان نفقتها وسكناها واجبة فى مال زوجها ما لم تخرج ولم يكن لها الميراث فان خرجت من بيت زوجها سقطت نفقتها وكان على الرجل ان يوصى بها فكان كذلك حتى نزلت آية الميراث فنسخ الله تعالى نفقة الحول بالربع عند عدم الولد وولد الابن والثمن عند وجودهما وسقطت السكنى ايضا عند ابى حنيفة ونسخ عدة الحول باربعة اشهر وعشر فانه وان كان متقدما فى التلاوة متأخر فى النزول {فإن خرجن} من منزل الازواج باختيارهن {فلا جناح عليكم} ايها الائمة والحكام {فيما فعلن فى أنفسهن من معروف} لا ينكره الشرع كالتزين والتطيب وترك الحداد والتعرض للخطاب وهذا يدل على انه لم يكن يجب عليها ملازمة مسكن الزوج والحداد عليه وانما كانت مخيرة بين الملازمة واخذ النفقة وبين الخروج وتركه {والله عزيز} غالب على امره يعاقب من خالفه {حكيم} يراعى فى احكامه مصالح عباده.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: {وصية}: مبتدأ، والخبر محذوف، أي: عليهم وصية، ومَنْ نَصَبَ، فمفعول مطلق، أي: فليوصوا وصية، و {غير}: حال من الأزواج، أي: حَالَ كَوْنِهِنَّ غَيْرَ مُخْرَجَاتِ. يقول الحقّ جلّ جلاله: {والذين يتوفون منكم} ويتركون {أزواجاً} بعدهم، فيجب عليهم أن يوصوا لأزواجهم وصية يتمتعن بها من كسوة ونفقة وسكنى، إلى تمام {الحول} ما دام الأزواج لم يخرجن من مسكن الزوج، {فإن خرجن} بأنفسهن، فلا نفقة ولا كسوة ولا سكنى عليكم أيها الأولياء، ولا حرج عليكم {فيما فعلن في أنفسهن} من التزين والتعرض للنكاح بعد تمام عدتهن، على ما هو معروف في الشرع، والوصية منسوخة بآية الميراث، وتربص الحول بآية {أية : أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشَراً}تفسير : [البَقَرَة: 234] المتقدمة المتأخرة في النزول، {والله عزيز حكيم} ينسخ ما يشاء، ويحكم ما يريد، باعتبار الحكمة والمصلحة. الإشارة: والذين يُتوفون عن الحظوظ والشهوات، ويتركون علوماً وأسراراً، ينبغي لهم أن يوصوا بحفظها وتدوينها، كان الشيخ أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه إذا استغرف في الكلام وفاضت عليه المواهب، يقول: (هلاَّ رجلٌ يقيد عنا هذه العلوم). هـ ليقع التمتع بها للسائرين والطالبين، {غير إخراج} لغير أهلها، فإن قضى الوقت يخروجها، من غير قصد، فلا حرج، إما لغلبة وجد أو هداية مريد، {والله عزيز حكيم} ، فعزته اقتضت الغيرة على سره: أن يأخذه غير أهله، وحكمته اقتضت ظهوره في وقته لأهله. والله تعالى أعلم.

الطوسي

تفسير : قرأ نافع، وابن كثير، والكسائي، وأبو بكر عن عاصم "وصية" بالرفع. الباقون بالنصب. المعنى: هذه الآية منسوخة الحكم بالآية المتقدمة، وهي قوله: {والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشراً} بلا خلاف في نسخ العدة إلاّ أبا حذيفة، فانه قال: العدة أربعة أشهر وعشراً، وما زاد الى الحول يثبت بالوصية والنفقة، فان امتع الورثة من ذلك كان لها أن تتصرف في نفسها، فأما حكم الوصية، فعندنا باق لم ينسخ وإن كان على وجه الاستحباب. وحكي عن ابن عباس، والحسن، وقتادة، ومجاهد: أنها منسوخة بآية الميراث، وقد بينا فساد قولهم: لا وصية لوارث. فأما آية الميراث، فلا تنافي الوصية، فلا يجوز أن تكون ناسخة لها، وقد مضى الكلام في خبر الذين في الآية المتدمة، فلا وجه لاعادته. المعنى، والاعراب: ومن نصب {وصية} فانه يحتمل قوله: {وصية} أمرين: أحدهما - فليوصوا وصية لأزواجهم، فينصب على المصدر. الثاني - كتب الله عليهم وصية لأزواجهم، فينصب على أنه مفعول به. والمصدر المنصوب يدل على فعل الأمر المأخوذ منه، أما دلالته على فعله، فلأنه مشتق منه، وأما دلالة نصبه على الأمر منه، فلغلبة الباب في الأمر، فأما دلالته على كتب، فلأن ما أمر الله به، فقد كتبه. والنصب يدل على الأمر به. والرفع يحتمل ثلاثة أوجه: أحدها - فعليهم وصية لأزواجهم. الثاني - فلأزواجهم وصية كما تقول: لزيد مال. والثالث - كتب عليهم وصية لأزواجهم. وقال بعضهم: لا يجوز غير الرفع، لأنه، لا يمكن الوصية بعد الوفاة، لأن الفرض كان لهن أوصى أو لم يوص. وقال الرماني: وهذا غلط، لأن المعنى والذين يحضرهم الوفاة منكم، فلذلك قال: "يتوفون منكم" على لفظ الحاضر الذي يتطاول على نحو قولك: الذين يصلون، فليعرضوا عن الذكر فيما يشغلهم. فأما قوله: الفرض كان لهم، فان لم يوصوا فقال قتادة والسدي: إنما كان لهن بالوصية على أنه لو كان على ما زعم، لم ينكر أن يوجبه الله على الورثة إن فرط الزوج في الوصية. وقوله: {متاعاً إلى الحول} نصب، والعامل فيه أحد أمرين: أحدهما - جعل الله لهن ذلك متاعا، لأن ما قبله دل عليه. والثاني - متعوهن متاعاً. وقوله غير إخراج نصب بأحد الشيئين: أحدهما - بأن يكون صفة لمتاع. والثاني - أن يكون مصدراً كأنه قيل: لا إخراجاً. قال الفراء: هو كقولك: جئتك عن رغبة اليك فكأنه قال: متعوهن مقاماً في مساكنهن، فيكون مصدراً وقع موقع الحال. ويجوز أن يكون بمعنى الاقامة في مساكنهن. وقال الحسن، والسدي: قوله: {فإن خرجن فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف} دليل على سقوط النفقة، والسكنى بالخروج، لأنه إنما جعل لهن ذلك بالاقامة الى الحول، فان خرجن قبله بطل الحق الذي وجب بالاقامة. وإنما يحتاج الى هذا التخريج من يوجب النفقة للمعتدة عن الوفاة. فأما من قال: لا نفقة لها، ولا سكنى، فلا يحتاج الى ذلك، وهو مذهبنا، لأن المتوفى عنها زوجها لا نفقة لها، وإذا قلنا القرآن لا ينسخ بالسنة، قلنا: النفقة ها هنا على وجه الاستحباب أو أنها تثبت بالوصية، لأنا بينا أن الوصية غير منسوخة.

الجنابذي

تفسير : {وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ} اى يظنّون التّوفّى بظهور آثاره او يعلمون التّوفّى فى المستقبل {مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً وَصِيَّةً} قرء بالنّصب بتقدير يوصون خبراً للّذين وبالرّفع بتقدير عليهم وصيّة {لأَزْوَاجِهِمْ مَّتَاعاً} مصدر لمحذوف جواب لسؤالٍ مقدّر كأنّه قيل: ما يفعلون بالوصيّة فقال: يمتّعون ازواجهم متاعاً {إِلَى ٱلْحَوْلِ} او بدل عن وصيّة نحو بدل الاشتمال، او منصوب بنزع الخافض اى يوصون وصيّة بمتاع {غَيْرَ إِخْرَاجٍ} بدل نحو بدل البعض من الكلّ، او حال عن الازواج مؤوّلاً باسم المفعول، او عن فاعل يذرون مؤوّلاً باسم الفاعل، وقيل فى اعراب اجزاء الآية اشياء اُخر اجودها ما ذكرنا، وفى الاخبار: انّ الآية منسوخة بآية عدّة الوفاة وآية ميراثهنّ فانّه كان الحكم فى اوّل الاسلام ان ينفق الوارث على المرأة الى الحول ثمّ تخرج من غير ميراثٍ؛ فنسختها بكلا حكميها آية العدّة وآية ميراثهنّ؛ وان كانت آية العدّة متقدّمة فى النظم فانّها كانت متأخّرةً فى النّزول {فَإِنْ خَرَجْنَ} من منازل الازواج يعنى بعد الحول على ان يكون الحكم بعدم الإِخراج فى الحول واجباً او قبل الحول على ان يكون غير واجب {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ} ايّها الورّاث او الخطّاب لاولياء النّساء او للحكّام {فِي مَا فَعَلْنَ فِيۤ أَنْفُسِهِنَّ مِن مَّعْرُوفٍ} كالتّزيين والتعرّض للخطّاب واجابة خطبتهم والنّكاح لهم {وَٱللَّهُ عَزِيزٌ} لا يمنع ممّا يريد فاحذروا انتقامه فى مخالفته واحذروا الظّلم على من تحت ايديكم {حَكِيمٌ} لا يأمر ولا ينهى الاّ بما فيه صلاحكم.

الأعقم

تفسير : قوله تعالى: {والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً} الآية اتفق العلماء على ان هذه الآية منسوخة نسخت المدة بقوله تعالى {أية : أربعة اشهرٍ وعشراً} تفسير : [البقرة: 234] ونسخت النفقة بالارث الذي هو الربع والثمن {وللمطلقات متاع بالمعروف} الآية تدل على وجوب النفقة للمطلقات وتدل على ان المبتوتة لها النفقة والسكنى وهو مذهب ابي حنيفة واصحابه واختاره ابو علي خلاف ما يقوله الشافعي {بالمعروف} يعني على قدر اليسار والاعسار من دون اسراف حقا {على المتقين} من اتقى مخالفة امر الله وعذابه {ألم تر الى الذين خرجوا من ديارهم} الآية المعنى الم تر يا محمد او أيها السامع الى الذين خرجوا من ديارهم وهم قوم من بني إسرائيل قوم حزقيل روي ان اهل داوردان قرية وقع فيهم الطاعون فخرجوا هاربين فأماتهم الله تعالى ثم احياهم ليعتبروا ويعلموا ان لا مفر من حكم الله تعالى وقضائه، قيل: مرّ عليهم حزقيل بعد زمان طويل وقد تفرقت أوصالهم فأوحى الله تعالى اليه ان ناد فيهم فنادى فيهم ان قوموا بإذن الله تعالى فنظر اليهم قياماً يقولون سبحانك اللهم وبحمدك لا اله الا انت، وقيل: هم قوم من بني اسرائيل دعاهم ملكهم الى الجهاد فهربوا فأماتهم الله تعالى ثمانية أيام ثم احياهم {وهم أُلوف} فيه دلالة على الكثرة، قيل: كانوا عشرة آلاف، وقيل: ثلاثين الفاً، وقيل: اربعين، وقيل: كانوا سبعين الفاً والله اعلم. {وقاتلوا في سبيل الله} يعني في دين الله خطاب للصحابة حثاً على الجهاد، وقيل: انه خطاب للذين جرى ذكرهم على هذين، وقيل لهم: قاتلوا، قيل: امروا بالجهاد ففروا فأماتهم الله ثم أحياهم ثم أمروا بالجهاد {من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً} قيل: "حديث : لما نزل قوله تعالى: {من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها} قال (صلى الله عليه وآله وسلم): "رب زد أمتي" فنزل قوله تعالى: {إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب}" تفسير : ومعنى يقرض الله ينفق في طاعته وسبيله {أضعافاً كثيرة} الحسنة بسبع مائة {والله يقبض ويبصط} قيل: يمسك ويضيق على من يشاء ويوسع على من يشاء في الرزق بحسب المصلحة، وقيل: يقبض الصدقات بالقبول ويبصط الجزاء عليها عاجلاً وآجلاً، وقيل: يقبض بموت واحد ويبصط للورثة.

اطفيش

تفسير : {والَّذِينَ يُتوفَّونَ مِنْكُم ويَذَرُون أزواجاً وَصِيَّةً لأزْواجِهِمْ}: الذى مبتدأ ووصية خبره على حذف مضاف أولا ليستأنف الكلام أولا على ما يعنى فيه، أى وحكم الذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً وصية لأزواجهم، أو لازم الذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً وصية لأزواجهم، أو وصية الذين يتوفون منكم ويذرن أزواجاً وصية لأزواجهم، أو على حذف مضاف أخرى (والذين يتوفون منكم ويذرن أزواجاً وصية لأزواجهم) واللفظ فى ذلك كله إخبار ومعناه أمر أو معناه خبر أى ذلك حكم الشرع، فيعلم أنه مأمورية، أو وصية نائب لمحذوف، أو فاعل لمحذوف، والجملة خبر الذين، أى كتب عليهم وصية لأزواجهم، أو لرمتهم وصية أو نحو ذلك أو مبتدأ خبره محذوف، أى عليكم وصية أو بالعكس، أى لازمهم وصية أو حكمهم وصية، والجملة خبر الذين، والحذف بالآخر أليق، لأنه محل التغيير. وقال أبو عمر وابن عامر وحمزة وحفص عن عاصم ينصب على أنه مفعول مطلق بمعنى إيصاء ناصبة مقدر قبل الذين رافع لمحل الذين على الفاعلية، أو ليوص الذين يتوقون منكم ويذرون أزواجاً وصية بلام الأمر، أو يقدر بعده على أن الجملة خبر الذين أى ليوصوا وصية على الإخبار، بالطلب، أو يُقدر بعده خبر أى يوصون وصية أو مفعول لمحذوف أى كتب الله عليكم وصية، أو ألزمهم الله وصية، والجملة خبر الذين، أو الذين مفعول لمحذوف ناصب لمحله ولوصية، أى وألزم الله {الذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا} ويدل لذلك قراءة ابن مسعود ما لم تكونوا تعلمون، كتب عليكم الوصية لأزواجكم متاعا إلى الحول، ومعنى قوله تعالى {يتوفون} يشارفون الوفاة، لأن المتوفى لا تمكن منه الوصية، وذلك من مجاز الأول بحسب ظن الإنسان، لأنه يظن الوفاة بمرضه. {مَتَاعاً إلىَ الحَوْلِ}: نصب على أنه مفعول مطلق منصوب بوصية فى قراءتنا بالرفع، وذلك أن الإيصاء يتضمن معنى التمتع والمفعول المطلق بنصبه المصدر كما ينصبه الفعل، وقرأ أبى {والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا متاعا لأزواجهم متاعا إلى الحول} فمتاعاً مفعول مطلق لمتاع، ومعناهما التمتيع، وإذا نصب وصية فلا يكون متاعا مفعول مطلقاً ليوصون مثلا المحذوف على المفعولية المطلقة، لأن العامل الواحد لا ينصب مفعولين مطلقين بلا تبعية، فلو جعل بدلا من وصبة نجاز، ويجوز تقدير الجار، أى يوصون وصية بمتاع، ويجوز نصبه على المفعولية المطلقة لوصية إذا نصب وصية على أنه مفعول به، ويجوز أن يكون مفعولا مطلقا مؤكداً لغيره، أى متعوهن متاعاً كقولك: ابنى أنت حقاً، وإلى الحول فتعلق بمتاعا. {غَيْر إخْراجٍ}: حال من أزواجهم، أى غير مخرجات من بيوتهم أو غير ذوات إخراج منها، أو بدل اشتمال من متاعا لتحقق الملابسة بين تمتيعهن حولا، وبين عدم إخراجهن من بيوتهم، أو مفعول مطلق مؤكد لغيره، وذلك أن التمتيع، قد يكون بعدم الإخراج وبإجراء النفقة حولا فقرر بقوله: {غير إخراج} أن المراد هنا التمتيع لعدم الإخراج، ولو كن يتمتعن فى نفس الأمر أيضا بالإنفاق وكبيوتهم بيوتهن أو بيوت غيرهن إذا تراضوا بالمكث فى بيوت غير ما كن فيه قبل الوفاة. {فَإن خَرَجْنَ}: قبل الحول من بيوت أسكنهن فيها أزواجهن، أو من بيوت تواضوا عليها عند التوفى. {فَلاَ جُناحَ عَليْكُم}: أيها الأئمية أو أيها الأولياء، أو الأولياء الميت، أو المسلمون مطلقا. {فِيما فَعَلْن فِى أنْفُسِهِنَّ مِن مَّعروفٍ}: مما عرف شرعاً كالتزين والتطيب، والتعرض للخطاب لا إثم عليكم فى تركهن إلى ذلك، أولا ثم عليكم فى قطع النفقة عنهن أيها الأولياء إن خرجن قبل الحول، ومعنى ذلك كله أنهُ لزم المحتضر أن يوصى لزوجته أن تسكن فى بيته أو بيت يعده لها حولا، ويجرى عليها نفقتها كلها فى الحول، لا تتزين ولا تتطيب ولا تتعرض للتزوج، أو تقبل الخطبة وإن خرجن قطعت النفقة والسكنى عنهن، وحل لهن أن يتزوجن ويتطيبن ويتزوجن، وهن مخيرات فى ذلك، كان فى ذلك أول الإسلام فنسخ الحول بأربعة أشهر وعشر فى الآية السابقة، وهى من الآيات التى تلاوة ناسخهن ومن هن:{أية : لا يحل لك النساء}تفسير : منسوخة بقوله:{أية : يا أيها النبى إنا أحللنا}تفسير : إلخ ومنهن: {أية : سيقول السفهاء}تفسير : مع قوله:{أية : قد نرى تقلب وجهك فى السماء}تفسير : إلخ، وقيل نسخ من الحول ما زاد على أربعة أشهر والعشر، ثم إنه كما نسخ الإيصاء لها بالسكون والنفقة بميراث الربع أو الثمن فى سورة النساء، أو بوحى "حديث : لا وصية لوارث"تفسير : وكانت قبل ذلك لا إرث لها، بل النفقة والسكنى حولا. وقال الشافعى: لها السكنى أربعة أشهر وعشراً، وليس كذلك عندنا ولا عند أبى حنيفة وأحمد ومالك، ونزلت الآية فى رجل من أهل الطائف يسمى حكيم بن الحارث، هاجر إلى المدينة وله أولاد ومعه أبوه وامرأته، فمات فأنزل الله هذه الآية، فأعطى النبى صلى الله عليه وسلم والديه وأولاده ميراثه، ولم يعط امرأته شيئاً، وأمرهم أن ينفقوا عليها من تركة زوجها حولا كاملا كان ذلك أول الإسلام، ثم نسخ ورى أن معتدة الوفاة كانت تسكن فى بيت مظلم حولا لا تطيب ولا تغتسل ولا تجدد الثياب، ثم تخرج بعد تمام الحول، وترمى ببعرة وراء ظهرها تظهران حدادها فى مراعاة حق زوجها فى هذه المدة، كان أهون عليها من هذا، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : كانت إحداكن فى الجاهلية تحبس حولا فى شر بيت أفلا تجلس أربعة أشهر وعشراً"تفسير : وقيل الرمى تفاؤل بألا تعود إلى مثل ذلك، وقيل رمت العدة فى رمى البعرة، وكون البعرة بعرة شاة، أو بعير، وقيل كانت إذا انقضى الحول أخذت بعرة ورمت بها فى وجه كلب، فتخرج بذلك عندهم من عدتها، وهذا فى الجاهلية، وليس رمى البعرة معتبرا فى أول الإسلام خلف ظهرها، ولا فى وجه كلب. قال الربيع: وهو مما روى عن زينب، كانت المرأة فى الجاهلية إذا توفى عنها زوجها دخلت حفشا، ولا تمس طيبا، وتلبس شر ثيابها حتى تمر بها سنة، ثم تؤتى بحمار أو شاه أو طير فتغتض، بها فقيل ما تغتض بشئ إلا مات ثم تخرج فتعطى بعرة فترمى بها، ثم تراجع بعد ما شاءت من الطب وغيره، قال الربيع: تفتض: تمسح، والحفش: طرف الخص. وقال غيره الحفش البيت الصغير، وقال مالك: الخص، وقال الشافعى: البيت، وفسر الاقتضاض بالمسح، والمراد أنها تمسح ظهر الحمار أو الشاة، أو الطائر، وقيل تمسح بذلك الطائر أو الشاة أو الحمار قبلها من ظاهره، وقيل تقتض تغتسل بالماء العذب لإزالة الوسخ حتى تصير كالفضة، وكانت لا تمس ماء للغسل ولا تقلم ظفراً ولا تزيل شعراً، وقيل تفتض تكسر عدتها بالمسح إلى ذلك الحيوان بقبلها وتنبذه، فلا يكاد يعيش، ولا يكون هذا المسح أول الإسلام. {وَاللّهُ عَزيزٌ} فى ملكه لا يفوته الانتقام ممن خالف أمره أو نهيه، {حَكِيمٌ}: فى صنعه، ورعاية مصالح الخلق فيما يشرع لهم.

اطفيش

تفسير : {وَالَّذِينَ يُتَوَفُّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً وَصِيَّةً} عليهم حين الاحتضار وصية، أى إيصاء، أو كتب عليهم وصية، أو ذو وصية، أو حكمهم وصية، وإن لم يوصوا فذلك فى مالهم بعد وفاتم، فالمضاف مقدر قبل الذين، أو قبل وصية، كما رأيت، أو يقدر كتب عليهم وصية، أو عليهم وصية {لأّزْوَٰجِهِمْ} نسائهم {مَّتَٰعاً} يعطونهن بالإيصا، أو يمتعها الورثة متاعا نفقة وكسوة وسكنى، أو ضمن وصية معنى تمتيع {إِلَى الْحَوْلِ} إلى تمام الحلول {غَيْرَ إِخْرَاجٍ} غير ذوات إخراج أو غير مخرجات من مسكنهن، فإن خرجن بلا اختيار منهن لم يبطل حقهن من النفقة والكسوة والسكنى، كإخراج الوارث وككون المحل مخوف السقوط أو الفسوق، وغير حال من أزواج لا بدل اشتمال، ولا بعضاً من متاعاً لعدم الرابط {فَإِنْ خَرَجْنَ} باختيارهن {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِى مَا فَعَلْنَ فِى أَنْفُسِهِنَّ مِن مَّعْرُوفٍ} من قطع النفقة والكسوة والسكنى بالخروج والتعرض للخطاب بنحو التزين باختيارهن الخروج عن منزل الزوج بلا ضرورة، والمراد بالخروج الخروج قبل تمام الحول، والخطاب فى عليكم للأزواج، أو أولياء الميت، أو للأئمة، أو للكل، ونسخت عدة الحول بأربعة أشهر وعشر لتأخره نزولا عن آية الحول لو وضعت قبلها، ونسخت الوصية بالميراث الذى هو ربع أو ثمن، إذ لا وصية لوارث، فالنسخ بالآية بمعونة الحديث وإلا فشرط النسخ منافاة الناسخ لما ينسخ، وقال الشافعى بثبوت السكنى، ويرده أن المال للوارث بعد موت الزوج، وأما قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : امكثى فى بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله"تفسير : ، فمعناه المكث، فى أى بيت كانت؛ وهو مجرد زجر عن الظهور لتخطب، وأجاز غيرنا التزين للخطاب إذا خرجن بأنفسهن، فكن مخيرات بين ترك التزين والخروج، فيسكن فى منزل الأزواج وينفقن ويكسون وبين الخروج والتزين فلا حق لهن، والمذهب أنه لا يجوز لهن التزين والتطيب، ولو خرجن وتركن حقهن، وخالفنا غيرنا، ونكر معروف وعرفه فيما مضى، لأنه هذه الآية متقدمة فى النزول ولو تأخرت فى التلاوة، فالتعريف لما مضى لعهد التنكير {وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} ينتقم ممن خالف حدوده بعدل وصواب.

الالوسي

تفسير : {وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوٰجًا} عود إلى بيان بقية الأحكام المفصلة فيما سبق، وفي {يُتَوَفَّوْنَ} مجاز المشارفة {وَصِيَّةً لأَزْوَاجِهِمْ قرأ أبو عمرو وابن عامر وحمزة عن عاصم بنصب {وَصِيَّةٍ} على المصدرية، أو على أنها مفعول به، والتقدير ليوصوا أو يوصون وصية أو كتب الله تعالى عليهم، أو/ ألزموا وصية ويؤيد ذلك قراءة عبد الله (كتب عليكم الوصية لأزواجكم متاعاً إلى الحول) مكان {وَٱلَّذِينَ} الخ، وقرأ الباقون ـ بالرفع ـ على أنه خبر بتقدير ليصح الحمل أي ووصية الذين يتوفون أو حكمهم وصية أو {وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ} أهل وصية، وجوّز أن يكون نائب فاعل فعل محذوف، أو مبتدأ لخبر محذوف مقدّم عليه أي: كتب عليهم أو عليهم وصية وقرأ أبيّ (متاع لأزواجهم)، وروي عنه {فَمَتَـٰعُ} بالفاء. {مَّتَـٰعًا إِلَى ٱلْحَوْلِ} نصب بيوصون إن أضمرته ويكون من باب الحذف والإيصال، وإلا فبالوصية لأنها بمعنى التوصية، وبمتاع على قراءة أبـيّ لأنه بمعنى التمتع {غَيْرَ إِخْرَاجٍ } بدل منه بدل اشتمال إن اعتبر اللزوم بين التمتع {إِلَى ٱلْحَوْلِ} وبين ـ غير الإخراج ـ وبدل الكل بحسب الذات فإنهما متحدان بالذات، ومتغايران بالوصف، وذكر بعضهم أنه على تقدير البدل لا بدّ من تقدير مضاف إلى غير تقديره: متاعاً إلى الحول متاع غير إخراج وإلا لم يصح لأن متاعاً مفسر بالإنفاق، {وَغَيْرُ إِخْرَاجٍ} عبارة عن الإسكان وليس مدلوله مدلول الأوّل، ولا جزأه، ولا ملابساً له، فيكون بدل غلط ـ وهو لا يصح في الكلام المجيد ـ فيتعين التقدير، وحينئذ يكون إبدال الخاص من العام وهو من قيبل إبدال الكل من الجزء نحو ـ رأيت القمر فلكه ـ وهو بدل الاشتمال ـ كما صرح به صاحب «المفتاح» ـ وأجيب بأنا لا نسلم أنّ متاعاً مفسر بالإنفاق فقط بل ـ المتاع ـ عام شامل للإنفاق والإسكان جميعاً، فيكون {غَيْرَ إِخْرَاجٍ} عبارة عن الإسكان الذي هو بعض من {مَّتَـٰعًا} فيكون بدل البعض من الكل، وجوّز أن يكون مصدراً مؤكداً لأن ـ الوصية بأن يمتعن حولا ـ يدل على أنهنّ لا يخرجن، فكأنه قيل: لا يخرجن غير إخراج ويكون تأكيداً لنفي ـ الإخراج ـ الدال عليه {أية : لا يَخْرُجْنَ } تفسير : [الطلاق: 1] فيؤول إلى قولك: لا يخرجن لا يخرجن، وأن يكون حالا من (أزواجهم) والأكثرون على أنها حال مؤكدة إذ لا معنى لتقييد ـ الإيصاء ـ بمفهوم هذه الحالة وأنها مقدّرة لأنّ معنى نفي ـ الإخراج إلى الحول ـ ليس مقارناً ـ للإيصاء ـ وفيه تأمّل، وأن يكون صفة (متاع) أو منصوباً بنزع الخافض، والمعنى: يجب على الذين يتوفون أن يوصوا قبل أن يحتضروا لأزواجهم بأن يمتعن بعدهم ـ حولا ـ بالنفقة والسكنى، وكان ذلك على الصحيح في أوّل الإسلام ثم نسخت المدّة بقوله تعالى: {أية : أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا }تفسير : [البقرة: 234] وهو وإن كان متقدماً في التلاوة فهو متأخر في النزول وكذا النفقة بتوريثهنّ الربع أو الثمن، واختلف في سقوط السكنى وعدمه، والذي عليه ساداتنا الحنفية الأوّل، وحجتهم أنّ مال الزوج صار ميراثاً للوارث، وانقطع ملكه بالموت، وذهب الشافعية إلى الثاني لقوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله»تفسير : واعترض بأنه ليس فيه دلالة على أنّ لها السكنى في مال الزوج، والكلام فيه {فَإِنْ خَرَجْنَ} بعد الحول، ومضى العدّة، وقيل: في الأثناء باختيارهن {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ} يا أولياء الميت، أو أيها الأئمة. {فِى مَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ مِن مَّعْرُوفٍ} لا ينكره الشرع كالتطيب والتزين وترك الحداد والتعرض للخطاب أو في ترك منعهنّ من الخروج، أو قطع النفقة عنهنّ، فلا نص في الآية على أنه لم يكن يجب عليهنّ ملازمة مسكن الزوج والحداد عليه وإنما كنّ مخيرات بين الملازمة وأخذ النفقة، وبين الخروج وتركها {وَٱللَّهُ عَزِيزٌ} غالب على أمره ينتقم ممن خالف أمره في ـ الإيصاء ـ وإنفاذ الوصية وغير ذلك {حَكِيمٌ} يراعي/ في أحكامه مصالح عباده فينبغي أن يمتثل أمره ونهيه.

ابن عاشور

تفسير : موقع هذه الآية هنا بعد قوله: { أية : والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً يتربصن } تفسير : [البقرة: 243] إلى آخرها في غاية الإشكال فإن حكمها يخالف في الظاهر حكم نظيرتها التي تقدمت، وعلى قول الجمهور هاته الآية سابقة في النزول على آية {والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً يتربصن} يزداد موقعها غرابة إذ هي سابقة في النزول متأخرة في الوضع. والجمهور على أن هذه الآية شرعت حكم تربص المتوفى عنها حولاً في بيت زوجها وذلك في أول الإسلام، ثم نسخ ذلك بعدة الوفاة وبالميراث، روي هذا عن ابن عباس، وقتادة والربيع وجابر بن زيد. وفي البخاري في كتاب التفسير عن عبد الله بن الزبير قال: «قلت لعثمان هذه الآية، {والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً وصية لأزواجهم} قد نسختها الآية الآخرى فلم تكتبها، قال: لا أغير شيئاً منه عن مكانه بابن أخي» فاقتضى أن هذا هو موضع هذه الآية، وأن الآية التي قبلها ناسخة لها، وعليه فيكون وضعها هنا بتوقيف من النبي صلى الله عليه وسلم لقول عثمان «لا أغير شيئاً منه عن مكانه» ويحتمل أن ابن الزبير أراد بالآية الأخرى آية سورة النساء في الميراث. وفي البخاري قال مجاهد «شرع الله العدة أربعة أشهر وعشراً تعتد عند أهل زوجها واجباً، ثم نزلت {وصية لأزواجهم} فجعل الله لها تمام السنة وصية، إن شاءت سكنت في وصيتها وإن شاءت خرجت، ولم يكن لها يومئذ ميراث معين، فكان ذلك حقها في تركة زوجها، ثم نسخ ذلك بالميراث» فلا تعرض في هذه الآية للعدة ولكنها في بيان حكم آخر وهو إيجاب الوصية لها بالسكنى حولاً: إن شاءت أن تحتبس عن التزوج حولاً مراعاة لما كانوا عليه، ويكون الحول تكميلاً لمدة السكنى لا للعدة، وهذا الذي قاله مجاهد أصرح ما في هذا الباب، وهو المقبول. واعلموا أن العرب في الجاهلية كان من عادتهم المتبعة أن المرأة إذا توفي عنها زوجها تمكث في شر بيت لها حولاً، محدة لابسة شر ثيابها متجنبة الزينة والطيب، كما تقدم في حاشية تفسير قوله تعالى: { أية : فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف } تفسير : [البقرة: 234] عن «الموطأ»، فلما جاء الإسلام أبطل ذلك الغلو في سوء الحالة، وشرع عدة الوفاة والإحداد، فلما ثقل ذلك على الناس، في مبدأ أمر تغيير العادة، أمر الأزواج بالوصية لأزواجهم بسكنى الحول بمنزل الزوج والإنفاق عليها من ماله، إن شاءت السكنى بمنزل الزوج، فإن خرجت وأبت السكنى هنالك لم ينفق عليها، فصار الخيار للمرأة في ذلك بعد أن كان حقاً عليها لا تستطيع تركه، ثم نسخ الإنفاق والوصية بالميراث، فاللَّه لما أراد نسخ عدة الجاهلية، وراعى لطفه بالناس في قطعهم عن معتادهم، أقر الاعتداد بالحول، وأقر ما معه من المكث في البيت مدة العدة، لكنه أوقفه على وصية الزوج عند وفاته لزوجه بالسكنى، وعلى قبول الزوجة ذلك، فإن لم يوص لها أو لم تقبل، فليس عليها السكنى، ولها الخروج، وتعتد حيث شاءت، ونسخ {وصية} السكنى حولاً بالمواريث، وبقي لها السكنى في محل زوجها مدة العدة مشروعاً بحديث الفُريعة. وقوله: {وصية لأزواجهم} قرأه نافع وابن كثير والكسائي وأبو بكر عن عاصم، وأبو جعفر ويعقوب وخلف: برفع (وصية) على الابتداء، محولاً عن المفعول المطلق، وأصله وصية بالنصب بدلا من فعله، فحول إلى الرفع لقصد الدوام كقولهم: حمد وشكر، و { أية : صبر جميل } تفسير : [يوسف: 18] كما تقدم في تفسير { أية : الحمد لله } تفسير : [الفاتحة: 18] وقوله: { أية : فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان } تفسير : [البقرة: 229] ولما كان المصدر في المفعول المطلق، في مثل هذا، دالاً على النوعية، جاز عند وقوعه مبتدأ أن يبقى منكراً، إذ ليس المقصود فردا غير معين حتى ينافي الابتداء، بل المقصود النوع، وعليه فقوله: {لأزواجهم} خبر، وقرأه أبو عمرو، وابن عامر، وحمزة، وحفص عن عاصم: {وصيّةً} بالنصب فيكون قوله: {لأزواجهم} متعلقاً به على أصل المفعول المطلق الآتي بدلاً من فعله لإفادة الأمر. وظاهر الآية أن الوصية وصية المتوفين، فتكون من الوصية التي أمر بها من تحضره الوفاة مثل الوصية التي في قوله تعالى: { أية : كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيراً الوصية للوالدين والأقربين } تفسير : [البقرة: 180] فعلى هذا الاعتبار إذا لم يوص المتوفَّى لزوجه بالسكنى فلا سكنى لها وقد تقدم أن الزوجة مع الوصية مخيرة بين أن تقبل الوصية، وبين أن تخرج. وقال ابن عطية: قالت فرقة منهم ابن عباس والضحاك وعطاء والربيع: أن قوله {وصية لأزواجهم} هي وصية من الله تعالى للأزواج بلزوم البيوت حولاً، وعلى هذا القول فهو كقوله تعالى: { أية : يوصيكم الله في أولادكم } تفسير : [النساء: 11] وقوله: { أية : وصية من الله } تفسير : [النساء: 12] فذلك لا يتوقف على إيصاء المتوفين ولا على قبول الزوجات، بل هو حكم من الله يجب تنفيذه، وعليه يتعين أن يكون {لأزواجهم} متعلقاً بوصية، وتعلقه به هو الذي سوغ الابتداء به، والخبر محذوف دل عليه المقام لعدم تأتي ما قرر في الوجه الأول. وقوله: {متاعاً إلى الحول}: تقدم معنى المتاع في قوله: { أية : متاعاً بالمعروف حقا على المحسنين } تفسير : [البقرة: 236] والمتاع هنا هو السكنى، وهو منصوب على حذف فعله أي ليمتعوهن متاعاً، وانتصب متاعاً على نزع الخافض، فهو متعلق بوصية والتقدير وصية لأزواجهم بمتاع. و(إلى) مؤذنة بشيء جعلت غايته الحول، وتقديره متاعاً بسكنى إلى الحول، كما دل عليه قوله: {غير إخراج}. والتعريف في الحول تعريف العهد، وهو الحول المعروف عند العرب من عهد الجاهلية الذي تعتد به المرأة المتوفى عنها، فهو كتعريفه في قول لبيد: شعر : إلى الحول ثم اسم السلام عليكما ومن يَبْكِ حولاً كاملاً فقد اعتذر تفسير : وقوله: {غير إخراج} حال من {متاعاً} مؤكدة، أو بدل من {متاعاً} بدلاً مطابقاً، والعرب تؤكد الشيء بنفي ضده، ومنه قول أبي العباس الأعمى يمدح بني أمية: شعر : خطباءٌ على المنابر فُرسا نٌ عليها وقالَةٌ غيرُ خُرْس تفسير : وقوله: {فإن خرجن فلا جناح عليكم} هو على قول فرقة معناه: فإن أبين قبول الوصية فخرجن، فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن من الخروج وغيره من المعروف عدا الخطبة والتزوج، والتزين في العدة، فذلك ليس من المعروف. وعلى قول الفرقة الأخرى التي جعلت الوصية من الله، يجب أن يكون قوله: {فإن خرجن} عطفاً على مقدر للإيجاز، مثل: { أية : أن اضرب بعصاك البحر فانفلق } تفسير : [الشعراء: 63] أي فإن تم الحول فخرجن فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن أي من تزوج وغيره من المعروف عدا المنكر كالزنا وغيره، والحاصل أن المعروف يفسر بغير ما حرم عليها في الحالة التي وقع فيها الخروج وكل ذلك فعل في نفسها. قال ابن عرفة في «تفسيره» «وتنكير معروف هنا وتعريفه في الآية المتقدمة، لأن هذه الآية نزلت قبل الأخرى، فصار هنالك معهوداً». وأحسب هذا غير مستقيم، وأن التعريف تعريف الجنس، وهو والنكرة سواء، وقد تقدم الكلام عن القراءة المنسوبة إلى علي ــــ بفتح ياء {يتوفون} ــــ وما فيها من نكتة عربية عند قوله تعالى: { أية : والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً يتربصن بأنفسهن } تفسير : [البقرة: 234] الآية.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 240- والذين يتوفون منكم ويتركون زوجات لهم، فقد أوصى الله بهن أن يقمن فى بيت الزوجية عاماً كاملاً مواساة لهن وإزالة لوحشتهن. ولا يحق لأحد أن يخرجهن، فإن خرجن بأنفسهن فى أثناء العام فلا إثم عليكم - أيها الأولياء - أن تتركوهن يتصرفن فى أنفسهن بما لا ينكره الشرع الشريف عليهن، وأطيعوا الله فى أحكامه واعملوا بما شرع لكم فإنه قادر على أن ينتقم ممن يخالف أمره، وهو ذو حكمة بالغة لا يشرع لكم إلا ما فيه المصلحة وإن غابت حكمتها عن علمكم. 241- وللنساء اللاتى يطلقن بعد الدخول حق فى أن يعطين ما يتمتعن به من المال جبراً لخاطرهن، يدفع إليهن بالحسنى على قدر غنى الزوج وفقره لأن ذلك مما توجبه تقوى الله ويلزم به أهل الإيمان. 242- بمثل هذه البيانات والتشريعات الواضحة المحققة للمصلحة، يبين الله لكم أحكامه ونعمه وآياته لتتدبروها وتعملوا بما فيها من الخير. 243- تنبه أيها النبى إلى القصة العجيبة واعلمها، وهى حالة القوم الذين خرجوا من ديارهم فراراً من الجهاد خشية الموت فيه وهم ألوف كثيرة فقضى الله عليهم بالموت والهوان من أعدائهم، حتى إذا استبسلت بقيتهم وقامت بالجهاد أحيا الله جماعتهم به، وإن هذه الحياة العزيزة بعد الذلة المميتة من فضل الله الذى يستوجب الشكران، ولكن أكثر الناس لا يشكرون. 244- وإذا علمتم أن الفرار من الموت لا ينجى منه، فجاهدوا وابذلوا أنفسكم لإعلاء كلمة الله، وأيقنوا أن الله يسمع ما يقول المتخلفون وما يقول المجاهدون، ويعلم ما يضمر كُلٌّ فى نفسه فيجازى بالخير خيراً وبالشر شرا.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: الحول: العام. فإن خرجن: من بيت الزوج المتوفي قبل نهاية السنة. متاع بالمعروف: أي متعة لا مبالغة فيها، ولا تقصير. حقاً: متعيناً على المطلقين الأتقياء. معنى الآيات: ما زال السياق في بيان حقوق النساء المطلقات والمتوفى عنهن ففي هذه الآية [240] يخبر تعالى أن الذين يتوفون من المؤمنين ويتركون أزواجاً فإن لهن من الله تعالى وصيّة على ورثة الزوج المتوفي أن ينفذوها وهي أن يسمحوا لزوجة المتوفي عنها أن تبقى معهم في البيت تأكل وتشرب إلى نهاية السنة بما فيها مدة العدة وهي أربعة أشهر وعشر ليال إلا إذا رغبت في الخروج بعد انقضاء العدة فلها ذلك، هذا معنى قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً وَصِيَّةً لأَزْوَاجِهِمْ مَّتَاعاً إِلَى ٱلْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِيۤ أَنْفُسِهِنَّ مِن مَّعْرُوفٍ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} وقوله فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن تقدم معناه، وهو أن للمعتدة إذا انقضت عدتها أن تتزين وتمس الطيب وتتعرض للخطاب لتتزوج. وما ختمت به الآية والله عزيز حكيم إشارة إلى أن هذه الوصية قد شرعّها عزيز حكيم فهي متعيّنة التحقيق والتنفيذ. وأما الآية الثانية [241] {وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِٱلْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى ٱلْمُتَّقِينَ} ففيها حكم آخر وهو أن المطلقة المبني بها على مطلقها أن يمتعها بشيء من المال كثياب أو دابة أو خادمة، وعليه فالمطلقة قبل البناء وقيل تسمية المهر لها المتعة واجبة لها إذ ليس لها سواها والمطلقة قبل البناء وقد سمى لها المهر فإن لها نصف المهر لا غير، والمطلقة بعد البناء وهي هذه المقصودة في هذه الآية لها متعة بالمعروف سواء قيل بالوجوب أو الاستحباب لأنها لها المهر كَاملاً. وَقوله تعالى في الآية الثالثة [242] {كَذَلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} معناه كهذا التبين لأحكام الطلاق والخُلْع والرضاع والعدد والمتع يبين تعالى لنا آياته المتضمنة أحكام شرعه لنعقلها ونعمل بها فنكمل عليها ونسعد في الحياتين الدنيا والآخرة. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- الإِبقاء على المعتدة عدة وفاة في بيت الهالك سنة إن طابت نفسها بذلك وذلك بعد انقضاء العدة الواجبة فالزائد وهو سبعة أشهر وعشرون يوماً جاء في هذه الوصية إلا أن جمهور أهل العلم يقولون بنسخ هذه الوصيّة، وعدم القول بالنسخ أولى، لأختلافهم في الناسخ لها. 2- حق المطلقة المدخول بها في المتعة بالمعروف. 3- منة الله على هذه الأمة ببيان الأحكام لها لتسعد بها وتكمل عليها، فلله الحمد والشكر.

القطان

تفسير : يذرون: يتركون. وصية: أي يوصون وصية. وعلى الذين يُتوفون منكم ويتركون زوجات لهم بعدهم، أو يُوصون لهن ان يُقمن في بيت الزوجية مدة عام كامل، لا يجوز لأحد ان يخرجهن منه في ذلك العام... عليهم ان يوصوا لهن بشيء من المال في تلك المدة. فإن خرجن من تلقاء أنفسهن قبل ذلك فلا اثم عليكم ايها الاولياء أن تتركوهن يتصرفن في أنفسهن بما لا ينكره الشرع، والله عزيز غالبٌ على أمره. يعاقب من خالفه، وحكيمٌ يراعي في احكامه مصالح العباد. وللنساء اللاتي يطلَّقن بعد الدخول حقٌ في ان يعطَين ما يتمتعن به من المال، جبراً لخاطرهن، يُدفع إليهن بالحسنى على قدر حال الزوج. والخلاصة ـ المطلَّقات أربعة أصناف. 1) مطلقة مدخول بها وقد فُرض لها مهر، وهذه لها كل المهر المفروض. 2) مطلقة غير مدخول بها ولم يسمَّ لها مهر، وهذه يجب لها المتعة بحسب حال الزوج، ولا عدة لها. 3) مطلقة مفروض لها مهر وغير مدخول بها. ولها نصف المهر المسمى، ولا عدة لها. 4) مطلقة مدخول بها غير مفروض لها مهر. وهذه تأخذ مهر مثيلاتها من اسرتها وقريباتها. هكذا يبين الله لكم آياته بما فيها من التشريعات المحققة للمصلحة لتتدبروها وتعملوا بما فيها. القراءات: قرأ ابو عمرو وابن عامر وحمزة وحفص عن عاصم "وصية" بالنصب، وقرأ الباقون "وصية" بالرفع.

د. أسعد حومد

تفسير : {أَزْوَاجاً} {لأَزْوَاجِهِمْ} {مَتَاعاً} (240) - أَكْثَرُ الصَّحَابَةِ مُتَّفِقُونَ عَلَى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنْسُوخَةٌ بِآيةِ عِدَّةِ الوَفَاةِ {يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً}، فَقَدْ كَانَ الرَّجُلُ إذا مَاتَ وَتَرَكَ امْرأةً عِنْدَهُ، اعتَدَّتْ سَنَةً فِي بَيْتِهِ يُنْفَقُ عَليها مِنْ مَالِهِ ثُمَّ نُسِخَتْ. وَفَسَّرَ بَعْضُهُمْ هَذِهِ الآيَةَ: انَّ عَلَى الأزْوَاجِ أنْ يُوصُوا لِزَوْجَاتِهِمْ بِشَيءٍ مِنَ المَالِ يُنْفِقْنَهُ مُدَّةَ الحَوْلِ، وَألاَّ يَخْرُجْنَ مِنَ البُيُوتِ سَنَةً كَامِلَةً. أمَّا إذا خَرَجْنَ قَبْلَ انْتِهَاءِ السَّنَةِ فَلا جُنَاحَ عَلَى الأوْلِياءِ أنْ يَتْرُكُوهنَّ يَتَصَرَّفْنَ فِي أنْفُسِهِنَّ بِمَا لاَ يُنْكِرُهُ الشَّرْعُ عَلَيهِنَّ. وَلاَ جُنَاحَ عَلَيهِنَّ فِي ذلِكَ. وَاللهُ قَوِيٌّ عَزيزٌ قَادِرٌ عَلَى الانْتِقَامِ، وَهُوَ حَكِيمٌ فِيمَا يُشَرِّعُ لِعِبَادِهِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : في آية سابقة قال الحق: {أية : وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِيۤ أَنْفُسِهِنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ}تفسير : [البقرة: 234]. إذن نحن أمام حكمين للذين يتوفون ويذرون أزواجاً، حكم أن تتربص بنفسها أربعة أشهر وعشراً، وحُكم آخر بأن للزوج حين تحضره الوفاة أو أسبابها أو مقدماتها أن ينصح ويوصي بأن تظل الزوجة في بيته حولاً كاملاً لا تُهاج، وتكون الأربعة الأشهر والعشر فريضة وبقية الحول والعام وصية، إن شاءت أخذتها وإن شاءت عدلت عنها. {وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً وَصِيَّةً} [البقرة: 240] هذه وصية من الزوج عندما تحضره الوفاة. إذن فالمتوفى عنها زوجها بين حكمين: حكم لازم وهو فرض عليها بأن تظل أربعة أشهر وعشراً، وحكم بأن يوصي الزوج بأن تظل حولاً كاملا لا تُهاج إلا أن تخرج من نفسها. و{غَيْرَ إِخْرَاجٍ} [البقرة: 240] أي لا يخرجها أحد. {فَإِنْ خَرَجْنَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِيۤ أَنْفُسِهِنَّ مِن مَّعْرُوفٍ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [البقرة: 240]. إن لها الخيار أن تظل عاماً حسب وصية زوجها، ولها الخيار في أن تخرج بعد الأربعة الأشهر والعشر. ويقول الحق بعد ذلك: {وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِٱلْمَعْرُوفِ ...}.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : أي: الأزواج الذين يموتون ويتركون خلفهم أزواجا فعليهم أن يوصوا { وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول غير إخراج } أي: يوصون أن يلزمن بيوتهم مدة سنة لا يخرجن منها { فإن خرجن } من أنفسهن { فلا جناح عليكم } أيها الأولياء { فيما فعلن في أنفسهم من معروف والله عزيز حكيم } أي: من مراجعة الزينة والطيب ونحو ذلك وأكثر المفسرين أن هذه الآية منسوخة بما قبلها وهي قوله: {أية : وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا } تفسير : وقيل لم تنسخها بل الآية الأولى دلت على أن أربعة أشهر وعشر واجبة، وما زاد على ذلك فهي مستحبة ينبغي فعلها تكميلا لحق الزوج، ومراعاة للزوجة، والدليل على أن ذلك مستحب أنه هنا نفى الجناح عن الأولياء إن خرجن قبل تكميل الحول، فلو كان لزوم المسكن واجبا لم ينف الحرج عنهم.

همام الصنعاني

تفسير : 299- عبد الرزاق، قال: حدّثنا معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {وَصِيَّةً لأَزْوَاجِهِمْ}: [الآية: 240]، قال: نَسَخَها الميراث، للمرأة الربع أو الثمن. وقوله: {مَّتَاعاً إِلَى ٱلْحَوْلِ}: [الآية: 240]، قال: نَسَخْتَها العدة أربعةَ أشْهرٍ وعَشْراً.