٢ - ٱلْبَقَرَة
2 - Al-Baqara (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
241
Tafseer
الرازي
تفسير : الحكـم الثامن عشر فـي المطلقـات يروى أن هذه الآية إنما نزلت، لأن الله تعالى لما أنزل قوله تعالى: {وَمَتّعُوهُنَّ } إلى قوله: {أية : حَقّاً عَلَى ٱلْمُحْسِنِينَ } تفسير : [البقرة: 236] قال رجل من المسلمين: إن أردت فعلت، وإن لم أرد لم أفعل، فقال تعالى: {وَلِلْمُطَلَّقَـٰتِ مَتَـٰعٌ بِٱلْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى ٱلْمُتَّقِينَ } يعني على كل من كان متقياً عن الكفر، واعلم أن المراد من المتاع ههنا فيه قولان أحدهما: أنه هو المتعة، فظاهر هذه الآية يقتضي وجوب هذه المتعة لكل المطلقات، فمن الناس من تمسك بظاهر هذه الآية وأوجب المتعة لجميع المطلقات، وهو قول سعيد بن جبير وأبـي العالية والزهري قال الشافعي رحمه الله تعالى: لكل مطلقة إلا المطلقة التي فرض لها مهر ولم يوجد في حقها المسيس، وهذه المسألة قد ذكرناها في تفسير قوله تعالى: {أية : وَمَتّعُوهُنَّ عَلَى ٱلْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى ٱلْمُقْتِرِ قَدْرُهُ } تفسير : [البقرة: 236]. فإن قيل: لم أعيد ههنا ذكر المتعة مع أن ذكرها قد تقدم في قوله: {وَمَتّعُوهُنَّ عَلَى ٱلْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى ٱلْمُقْتِرِ قَدْرُهُ }. قلنا: هناك ذكر حكماً خاصاً، وههنا ذكر حكماً عاماً. والقول الثاني: أن المراد بهذه المتعة النفقة، والنفقة قد تسمى متاعاً وإذا حملنا هذا المتاع على النفقة اندفع التكرار فكان ذلك أولى، وههنا آخر الآيات الدالة على الأحكام، والله أعلم.
القرطبي
تفسير : . ٱختلف الناس في هذه الآية؛ فقال أبو ثور: هي مُحكمةٌ، والمُتْعَة لكل مطلَّقة؛ وكذلك قال الزُّهريّ. (قال الزهري) حتى للأمة يطلقها زوجها. وكذلك قال سعيد بن جبير: لكل مطلقة متعة وهو أحد قولي الشافعيّ لهذه الآية. وقال مالك لكل مطلقة ـ ٱثنتين أو واحدة بَنَى بها أم لا؛ سَمَّى لها صداقاً أم لا ـ المتعةُ، إلا المطلقة قبل البناء وقد سمي لها صداقاً فحسبُها نصفُه، ولو لم يكن سمى لها كان لها المتعة أقلّ من صداق المِثل أو أكثر، وليس لهذه المتعة حدّ؛ حكاه عنه ٱبن القاسم. وقال ٱبن القاسم في إرْخَاء السُّتُور من المدوّنة، قال: جعل الله تعالى المتعة لكل مطلقة بهذه الآية، ثم ٱستثنى في الآية الأُخرى التي قد فُرض لها ولم يدخل بها فأخرجها من المتعة، وزعم ٱبن زَيْد أنها نسختها. قال ٱبن عطية: فقرّ ٱبن القاسم من لفظ النّسْخ إلى لفظ الاستثناء والاستثناء لا يَتّجِه في هذا الموضع، بل هو نسخ محضٌ كما قال زيد بن أسلم، وإذا التزم ٱبن القاسم أن قوله: {وَلِلْمُطَلَّقَاتِ} يعُمّ كل مطلقة لزمه القول بالنسخ ولا بدّ. وقال عطاء بن أبي رباح وغيره: هذه الآية في الثِّيبات اللواتي قد جُومِعْن، إذْ تقدّم في غير هذه الآية ذكر المتعة للّواتي لم يُدخَل بهنّ؛ فهذا قول بأن التي قد فُرض لها قبل المَسِيس لم تدخل قط في العموم. فهذا يجيء على أن قوله تعالى: {وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ} مخصِّصة لهذا الصنف من النِّساء، ومتى قيل: إن هذا العموم يتناولها فذلك نسخ لا تخصيص. وقال الشافعيّ في القول الآخر: إنه لا متعة إلا للتي طلقت قبل الدخول وليس ثمّ مَسِيسٌ ولا فرض؛ لأن من ٱستحقت شيئاً من المهر لم تحتج في حقها إلى المتعة. وقول الله عز وجل في زوجات النبيّ صلى الله عليه وسلم: {أية : فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ} تفسير : [الأحزاب: 28] محمول على أنه تطوّع من النبيّ صلى الله عليه وسلم، ولا وجوبَ له. وقوله: {أية : فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ } تفسير : [الأحزاب: 49] محمول على غير المفروضة أيضاً؛ قال الشافعيّ: والمفروض لها المهر إذا طُلِّقت قبل المسِيس لا مُتْعَةَ لها؛ لأنها أخذت نصف المهر من غير جريان وطء، والمدخول بها إذا طلقت فلها المتعة؛ لأن المهر يقع في مقابلة الوطء والمتعة بسبب الابتذال بالعقد. وأوجب الشافعيّ المتعة للمُخْتَلِعة والمبَارِئة. وقال أصحاب مالك: كيف يكون لِلمفْتدِيَةِ مُتْعَةٌ وهي تعطي، فكيف تأخذ متاعا! لا متعة لمختارة الفراق من مختلِعة أو مفتدِية أو مبارِئة أو مصالِحة أو ملاعنة أو معتقة تختار الفراق، دخل بها أم لا، سمى لها صداقاً أم لا، وقد مضى هذا مبيناً.
البيضاوي
تفسير : {وَلِلْمُطَلَّقَـٰتِ مَتَـٰعٌ بِٱلْمَعْرُوفِ حَقّا عَلَى ٱلْمُتَّقِينَ} أثبت المتعة للمطلقات جميعاً بعدما أوجبها لواحدة منهن، وإفراد بعض العام بالحكم لا يخصصه إلا إذا جوزنا تخصيص المنطوق بالمفهوم ولذلك أوجبها ابن جبير لكل مطلقة، وأول غيره بما يعم التمتيع الواجب والمستحب. وقال قوم المراد بالمتاع نفقة العدة، ويجوز أن تكون اللام للعهد والتكرير للتأكيد أو لتكرر القضية {كَذٰلِكَ} إشارة إلى ما سبق من أحكام الطلاق والعدة. {يُبَيّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ آيَـٰتِهِ} وعد بأنه سيبين لعباده من الدلائل والأحكام ما يحتاجون إليه معاشاً ومعاداً. {لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} لعلكم تفهمونها فتستعملون العقل فيها.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَلِلْمُطَلَّقَٰتِ مَتَٰعٌ } يُعْطَيْنَه {بِٱلْمَعْرُوفِ } بقدر الإمكان {حَقّاً } نُصِبَ بفعله المقدر {عَلَى ٱلْمُتَّقِينَ } الله تعالى كرره ليعم الممسوسة أيضاً إذ الآية السابقة في غيرها.
ابن عطية
تفسير : اختلف الناس في هذه الآية، فقال أبو ثور: "هي محكمة، والمتعة لكل مطلقة دخل بها أو لم يدخل، فرض لها أو لم يفرض، بهذه الآية"، وقال الزهري: "لكل مطلقة متعة، وللأمة يطلقها زوجها". وقال سعيد بن جبير: "لكل مطلقة متعة". وقال ابن القاسم في إرخاء الستور من المدونة: "جعل الله تعالى المتاع لكل مطلقة بهذه الآية، ثم استثنى في الآية الأخرى التي قد فرض لها ولم يدخل بها فأخرجها من المتعة، وزعم زيد بن أسلم أنها نسختها". قال القاضي أبو محمد: ففر ابن القاسم رحمه الله من لفظ النسخ إلى لفظ الاستثناء، والاستثناء لا يتجه في هذا الموضع، بل هو نسخ محض كما قال زيد بن أسلم. وإذا التزم ابن القاسم أن قوله {وللمطلقات} عمَّ كل مطلقة لزمه القول بالنسخ ولا بد. وقال عطاء بن أبي رباح وغيره. هذه الآية في الثيب اللواتي قد جومعن إذ قد تقدم في غير هذه الآية ذكر المتعة للواتي لم يدخل بهن. قال القاضي أبو محمد: فهذا قول بأن التي قد فرض لها قبل المسيس لم تدخل قط في هذا العموم، فهذا يجيء قوله على أن قوله تعالى: {أية : فإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن} تفسير : [البقرة: 237] مخصصة لهذا الصنف من النساء، ومتى قيل إن العموم تناولها فذلك نسخ لا تخصيص، وقال ابن زيد: "هذه الآية نزلت مؤكدة لأمر المتعة، لأنه نزل قبل {أية : حقاً على المحسنين} تفسير : [البقرة: 236] فقال رجل: فإن لم أرد أن أحسن لم أمتع، فنزلت: {حقاً على المتقين} فوجب ذلك عليهم". قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: هذا الإيجاب هو من تقويل الطبري لا من لفظ ابن زيد. وقوله تعالى: {حقاً} نصب على المصدر، و {المتقين} هنا ظاهره أن المراد من تلبس بتقوى الله تعالى، والكاف في قوله {كذلك} للتشبيه، وذلك إشارة إلى هذا الشرع والتنويع الذي وقع في النساء وإلى إلزام المتعة لهن، أي كبيانه هذه القصة يبين سائر آياته، و {لعلكم} ترجٍّ في حق البشر، أي من رأى هذا المبين له رجا أن يعقل ما يبين له.
ابن عبد السلام
تفسير : {وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعُ} كل مطلقة، أو الثيب المجامعة، أو لما نزل {أية : حَقّاً عَلَى ٱلْمُحْسِنِينَ}تفسير : [البقرة: 236] قال رجل: "إن أحسنت فعلت وإن لم أرَ ذلك لم أفعل فنزل {حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ} وخُصوا بالذكر تشريفاً.
النسفي
تفسير : {وَلِلْمُطَلَّقَـٰتِ مَتَـٰعٌ } أي نفقة العدة {بِٱلْمَعْرُوفِ حَقّا } نصب على المصدر {عَلَى ٱلْمُتَّقِينَ * كَذَلِكَ يُبَيّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ آيَـٰتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ } هو في موضع الرفع لأنه خبر «لعل»، وإن أريد به المتعة فالمراد غير المطلقة المذكورة وهي على سبيل الندب {أَلَمْ تَرَ } تقرير لمن سمع بقصتهم من أهل الكتاب وأخبار الأولين وتعجيب من شأنهم، ويجوز أن يخاطب به من لم ير ولم يسمع لأن هذا الكلام جرى مجرى المثل في معنى التعجيب {إِلَى ٱلَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَـٰرِهِمْ } من قرية ـــــ قيل: واسط وقع فيهم الطاعون فخرجوا هاربين فأماتهم الله ثم أحياهم بدعاء حزقيل عليه السلام. وقيل: هم قوم من بني إسرائيل دعاهم ملكهم إلى الجهاد فهربوا حذراً من الموت فأماتهم الله ثمانية أيام ثم أحياهم {وَهُمْ أُلُوفٌ } في موضع النصب على الحال، وفيه دليل على الألوف الكثيرة لأنها جـمع كثرة وهي جمع ألف لا آلف {حَذَرَ ٱلْمَوْتِ } مفعول له {فَقَالَ لَهُمُ ٱللَّهُ مُوتُواْ } أي فأماتهم الله، وإنما جيء به على هذه العبارة للدلالة على أنهم ماتوا ميتة رجل واحد بأمر الله ومشيئته وتلك ميتة خارجة عن العادة، وفيه تشجيع للمسلمين على الجهاد، وأن الموت إذا لم يكن منه بد ولم ينفع منه مفر فأولى أن يكون في سبيل الله {ثُمَّ أَحْيَـٰهُمْ } ليعتبروا ويعلموا أنه لا مفر من حكم الله وفضائه، وهو معطوف على فعل محذوف تقديره فماتوا ثم أحياهم، ولما كان معنى قوله «فقال لهم الله موتوا» فأماتهم كان عطفاً عليه معنى {إِنَّ ٱللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ } حيث يبصرهم ما يعتبرون به كما بصر أولئك وكما بصركم باقتصاص خبرهم، أو لذو فضل على الناس حيث أحيا أولئك ليعتبروا فيفوزوا ولو شاء لتركهم موتى إلى يوم النشور {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ } ذلك. والدليل على أنه ساق هذه القصة بعثاً على الجهاد ما أتبعه من الأمر بالقتال في سبيل الله وهو قوله. {وَقَـٰتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ } فحرض على الجهاد بعد الإعلام لأن الفرار من الموت لا يغني، وهذا الخطاب لأمة محمد عليه السلام أو لمن أحياهم {وَٱعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ } يسمع ما يقوله المتخلفون والسابقون {عَلِيمٌ } بما يضمرونه {مِنْ } استفهام في موضع رفع بالابتداء {ذَا } خبره {ٱلَّذِى } نعت لـ «ذا» أو بدل منه {يُقْرِضُ ٱللَّهَ } صلة الذي سمى ما ينفق في سبيل الله قرضاً لأن القرض ما يقبض ببدل مثله من بعد، سمى به لأن المقرض يقطعه من ماله فيدفعه إليه. والقرض القطع ومنه المقراض، وقرض الفأر والانقراض فنبههم بذلك على أنه لا يضيع عنده وأنه يجزيهم عليه لا محالة {قَرْضًا حَسَنًا } بطيبة النفس من المال الطيب، والمراد النفقة في الجهاد لأنه لما أمر بالقتال في سبيل الله ويحتاج فيه إلى المال حيث على الصدقة ليتهيأ أسباب الجهاد {فَيُضَاعِفَهُ لَهُ } بالنصب: عاصم على جواب الاستفهام. وبالرفع: أبو عمر ونافع وحمزة وعلي عطفاً على «يقرض»، أو هو مستأنف أي فهو يضاعفه. «فيضعفه»: شامي. «فيضعفه»: مكي. {أَضْعَافًا } في موضع المصدر {كَثِيرَةٍ } لا يعلم كنهها إلا الله. وقيل: الواحد بسبعمائة. {وَٱللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْصُطُ} يقتر الرزق على عباده ويوسعه عليهم فلا تبخلوا عليه بما وسع عليكم لا يبدلكم الضيق بالسعة. و«يبصط» حجازي وعاصم وعلي { وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } فيجازيكم على ما قدمتم. {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلْمَلإِ } الأشراف لأنهم يملأون القلوب جلالة والعيون مهابة {مِن بَنِى إِسْرٰءيلَ } «من» للتبعيض {مِن بَعْدِ مُوسَىٰ } من بعد موته و«من» لابتداء الغاية {إِذْ قَالُواْ } حين قالوا {لِنَبِىّ لَّهُمُ } هم شمعون أو يوشع أو اشمويل {ٱبْعَثْ لَنَا مَلِكًا } أنهض للقتال معنا أميراً نصدر في تدبير الحرب عن رأيه وننتهي إلى أمره {نُقَـٰتِلْ } بالنون والجزم على الجواب {فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ } صلة نقاتل {قَالَ } النبي {هَلْ عَسَيْتُمْ } «عسيتم» حيث كان: نافع. {إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِتَالُ } شرط فاصل بين اسم «عسى» وخبره وهو {أَلاَّ تُقَـٰتِلُواْ } والمعنى: هل قاربتم أن لا تقاتلوا يعني هل الأمر كما أتوقعه أنكم لا تقاتلون وتجبنون، فأدخل «هل» مستفهماً عما هو متوقع عنده، وأراد بالاستفهام التقرير وتثبيت أن المتوقع كائن وأنه صائب في توقعه {قَالُواْ وَمَا لَنَا أَلاَّ نُقَـٰتِلَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ } وأي داعٍ لنا إلى ترك القتال وأي غرض لنا فيه {وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَـٰرِنَا وَأَبْنَائِنَا } الواو في «وقد» للحال وذلك أن قوم جالوت كانوا يسكنون بين مصر وفلسطين فأسروا من أبناء ملوكهم أربعمائة وأربعين يعنون إذا بلغ الأمر منا هذا المبلغ فلا بد من الجهاد {فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقِتَالُ } أي أجيبوا إلى ملتمسهم {تَوَلَّوْاْ } أعرضوا عنه {إِلاَّ قَلِيلاً مّنْهُمُ } وهم كانوا ثلثمائة وثلاثة عشر على عدد أهل بدر {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِٱلظَّـٰلِمينَ } وعيد لهم على ظلمهم بترك الجهاد. {وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ ٱللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ } هو اسم أعجمي كجالوت وداود، ومنع من الصرف للتعريف والعجمة {مَلِكًا } حال {قَالُواْ أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ ٱلْمُلْكُ عَلَيْنَا } أي كيف ومن أين وهو إنكار لتملكه عليهم واستبعاد له {وَنَحْنُ أَحَقُّ بِٱلْمُلْكِ مِنْهُ } الواو للحال {وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مّنَ ٱلْمَالِ } أي كيف يتملك علينا والحال أنه لا يستحق التملك لوجود من هو أحق بالملك وأنه فقير لا بد للملك من مال يعتضد به، وإنما قالوا ذلك لأن النبوة كانت في سبط لاوي بن يعقوب عليه السلام، والملك في سبط يهوذا وهو كان من سبط بنيامين، وكان رجلاً سقاء أو دباغاً فقيراً. وروي أن نبيهم دعا الله حين طلبوا منه ملكاً فأتى بعصا يقاس بها من يملك عليهم فلم يساوها إلا طالوت {قَالَ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَـٰهُ عَلَيْكُمْ } الطاء في «اصطفاه» بدل من التاء لمكان الصاد الساكنة أي اختاره عليكم وهو أعلم بالمصالح منكم ولا اعتراض على حكمه. ثم ذكر مصلحتين أنفع مما ذكروا من النسب والمال وهما العلم المبسوط والجسامة فقال {وَزَادَهُ بَسْطَةً } مفعول ثانٍ {فِي ٱلْعِلْمِ وَٱلْجِسْمِ } قالوا: كان أعلم بني إسرائيل بالحرب والديانات في وقته، وأطول من كل إنسان برأسه ومنكبه. والبسطة السعة والامتداد، والملك لا بد أن يكون من أهل العلم فإن الجاهل ذليل مزدري غير منتفع به، وأن يكون جسيماً لأنه أعظم في النفوس وأهيب في القلوب. {وَٱللَّهُ يُؤْتِى مُلْكَهُ مَن يَشَاء } أي الملك له غير منازع فيه وهو يؤتيه من يشاء إيتاءه وليس ذلك بالوراثة {وَٱللَّهُ وٰسِعٌ } أي واسع الفضل والعطاء على من ليس له سعة من المال ويغنيه بعد الفقر {عَلِيمٌ } بمن يصطفيه للملك فثمة طلبوا من نبيهم آية على اصطفاء الله طالوت. {وَقَالَ لَهُمْ نِبِيُّهُمْ إِنَّ ءايَةَ مُلْكِهِ أَن يَأْتِيَكُمُ ٱلتَّابُوتُ } أي صندوق التوراة، وكان موسى عليه السلام إذا قاتل قدمه فكانت تسكن نفوس بني إسرائيل ولا يفرون. {فِيهِ سَكِينَةٌ مّن رَّبّكُمْ } سكون وطمأنينة {وَبَقِيَّةٌ } هي رضاض الألواح وعصا موسى وثيابه وشيء من التوراة ونعلا موسى وعمامة هارون عليهما السلام {مّمَّا تَرَكَ ءالُ مُوسَىٰ وَءالُ هَـٰرُونَ } أي مما تركه موسى وهارون والآل مقحم لتفخيم شأنهما {تَحْمِلُهُ ٱلْمَلَـٰئِكَةُ } يعني التابوت وكان رفعه الله بعد موسى فنزلت به الملائكة تحمله وهم ينظرون إليه، والجملة في موضع الحال وكذا «فيه سكينة». «ومن ربكم» نعت لـ «سكينة» و«مما ترك» نعت لـ «بقية» {إِنَّ فِي ذٰلِكَ لأَيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } إن في رجوع التابوت إليكم علامة أن الله قد ملك طالوت عليكم إن كنتم مصدقين. {فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ } خرج {بِٱلْجُنُودِ } عن بلده إلى جهاد العدو و«بالجنود» في موضع الحال أي مختلطاً بالجنود وهم ثمانون ألفاً، وكان الوقت قيظاً وسألوا أن يجري الله لهم نهراً {قَالَ إِنَّ ٱللَّهَ مُبْتَلِيكُم } مختبركم أي يعاملكم معاملة المختبر {بِنَهَرٍ } وهو نهر فلسطين ليتميز المحقق في الجهاد من المعذر {فَمَن شَرِبَ مِنْهُ } كرعاً {فَلَيْسَ مِنّي } فليس من أتباعي وأشياعي {وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ } ومن لم يذقه من طعم الشيء إذا ذاقه {فَإِنَّهُ مِنّى } وبفتح الياء: مدني وأبو عمرو. واستثنى {إِلا مَنِ ٱغْتَرَفَ } من قوله «فمن شرب منه فليس مني» والجملة الثانية في حكم المتأخرة عن الاستثناء إلا أنها قدمت للعناية {غُرْفَةً بِيَدِهِ } «غرفة»: حجازي وأبو عمرو بمعنى المصدر، وبالضم بمعنى المغروف ومعناه الرخصة في اغتراف الغرفة باليد دون الكرع، والدليل عليه {فَشَرِبُواْ مِنْهُ } أي فكرعوا {إِلاَّ قَلِيلاً مّنْهُمُ } وهم ثلثمائة وثلاثة عشر رجلاً {فَلَمَّا جَاوَزَهُ } أي النهر {هُوَ } طالوت {وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ مَعَهُ } أي القليل {قَالُواْ لاَ طَاقَةَ لَنَا ٱلْيَوْمَ } أي لا قوة لنا {بِجَالُوتَ } هو جبار من العمالقة من أولاد عمليق بن عاد وكان في بيضته ثلثمائة رطل من الحديد {وَجُنودِهِ قَالَ ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُلاَقُواْ ٱللَّهِ } يوقنون بالشهادة. قيل: الضمير في «قالوا» للكثير الذين انخذلوا والذين يظنون هم القليل الذين ثبتوا معه. وروي أن الغرفة كانت تكفي الرجل لشربه وإداوته والذين شربوا منه اسودت شفاههم وغلبهم العطش {كَم مّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ } «كم» خبرية وموضعها رفع بالابتداء {غَلبَت} خبرها {فِئَةٍ كَثِيرَةً بِإِذْنِ ٱللَّهِ } بنصره {وَٱللَّهُ مَعَ ٱلصَّـٰبِرِينَ } بالنصر. {وَلَمَّا بَرَزُواْ لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ } خرجوا لقتالهم {قَالُواْ رَبَّنَا أَفْرِغْ } أصبب {عَلَيْنَا صَبْرًا } على القتال {وَثَبّتْ أَقْدَامَنَا } بتقوية قلوبنا وإلقاء الرعب في صدور عدونا {وَٱنصُرْنَا عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَـٰفِرِينَ } أعنا عليهم {فَهَزَمُوهُم } أي طالوت والمؤمنون جـالوت وجنوده {بِإِذُنِ ٱللَّهِ } بقضائه {وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ } كان بيشا أو داود في عسكر طالوت مع ستة من بنيه وكان داود سابعهم وهو صغير يرعى الغنم، فأوحى الله إلى نبيهم أن داود هو الذي يقتل جالوت فطلبه من أبيه فجاء وقد مر في طريقه بثلاثة أحجار دعاه كل واحد منها أن يحمله وقالت له: إنك تقتل بنا جالوت فحملها في مخلاته ورمى بها جالوت فقتله وزوجه طالوت بنته، ثم حسده وأراد قتله ثم مات تائباً {وَآتَـٰهُ ٱللَّهُ ٱلْمُلْكَ } في مشارق الأرض المقدسة ومغاربها، وما اجتمعت بنو إسرائيل على ملك قط قبل داود {وَٱلْحِكْــمَةَ} والنبوة {وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاء } من صنعة الدروع وكلام الطيور والدواب وغير ذلك. {وَلَوْلاَ دَفْعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ } هو مفعول به {بَعْضُهُمْ } بدل من «الناس» «دفاع»: مدني مصدر دفع أو دافع {بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ ٱلأَرْضُ } أي ولولا أن الله تعالى يدفع بعض الناس ببعض ويكف بهم فسادهم لغلب المفسدون وفسدت الأرض وبطلت منافعها من الحرث والنسل، أو ولولا أن الله تعالى ينصر المسلمين على الكافرين لفسدت الأرض بغلبة الكفار وقتل الأبرار وتخريب البلاد وتعذيب العباد {وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلْعَـٰلَمِينَ } بإزالة الفساد عنهم وهو دليل على المعتزلة في مسألة الأصلح {تِلْكَ } مبتدأ خبره {آيَاتُ ٱللَّهِ} يعني القصص التي اقتصها من حديث الألوف وإماتتهم وإحيائهم وتمليك طالوت وإظهاره على الجبابرة على يد صبي {نَتْلُوهَا } حال من آيات الله، والعامل فيه معنى الإشارة، أو آيات الله بدل من «تلك» «ونتلوها» الخبر. {عَلَيْكَ بِٱلْحَقّ } باليقين الذي لا يشك فيه أهل الكتاب لأنه في كتبهم كذلك {وَإِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ } حيث تخبر بها من غير أن تعرف بقراءة كتاب أو سماع من أهله.
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {وللمطلقات متاع بالمعروف} إنما أعاد الله تعالى ذكر المتعة هنا لزيادة معنى وهو أن في تلك الآية بيان حكم غير الممسوسة وفي هذه الآية بيان حكم جميع المطلقات في المتعة وقيل لأنه لما نزل قوله تعالى: {ومتعوهن على الموسع قدره} إلى قوله: {حقاً على المحسنين} قال رجل من المسلمين إن فعلت أحسنت وإن لم أرد أفعل فأنزل الله تعالى: {وللمطلقات متاع بالمعروف} فجعل المتعة لهن بلام التمليك وقال تعالى: {حقاً على المتقين} يعني المؤمنين الذين يتقون الشرك وقد تقدم أحكام المتعة. وقوله تعالى: {كذلك يبين الله لكم آياته} يعني يبين لكم ما يلزم ويلزم أزواجكم أيها المؤمنون وكما عرفتكم أحكامي والحق الذي يجب لبعضكم على بعض في هذه الآيات كذلك أبين لكم سائر أحكامي في آياتي التي أنزلتها على محمد صلى الله عليه وسلم في هذا الكتاب {لعلكم تعقلون} أي لكي تعقلوا ما بينت لكم من الفرائض والأحكام وما فيه صلاحكم وصلاح دينكم ا هـ. قوله عز وجل: {ألم تر الذين الذين خرجوا من ديارهم} قال أكثر المفسرين: كانت قرية يقال لها داوردان وقع بها الطاعون فخرجت طائفة منها وبقيت طائفة فسلم الذين خرجوا وهلك أكثر من بقي بالقرية فلما ارتفع الطاعون رجع الذين خرجوا سالمين فقال الذين بقوا كان أصحابنا أحزم منا رأياً لو صنعا كما صنعوا لبقينا كما بقوا ولئن وقع الطاعون ثانية لنخرجن إلى أرض لا وباء فيها فرجع الطاعون من قابل فهرب عامة أهلها فخرجوا حتى نزلوا وادياً أفيح فلما نزلوا المكان الذين يبتغون فيه النجاة ناداهم ملك من أسفل الوادي وملك آخر من أعلاه أن موتوا فماتوا جميعاً. (ق) عن عمر أنه خرج إلى الشام فلما جاء سرغ بلغه أن الوباء قد وقع بها فأخبره عبدالرحمن بن عوف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه وإذا وقع بأرض وأنتم فيها فلا تخرجوا منها فراراً منه" تفسير : فحمد الله عمر ثم انصرف وقيل إنما فروا من الجهاد وذلك أن ملكاً من ملوك بني إسرائيل أمرهم أن يخرجوا إلى قتال عدوهم فعسكروا ثم جنبوا وكرهوا الموت فاعتلوا وقالوا لملكهم إن الأرض التي تأتيها بها وباء فلا تخرج حتى ينقطع منها الوباء فأرسل الله عليهم الموت فخرجوا فراراً منه فلما رأى الملك ذلك قال: اللهم رب يعقوب وإله موسى قد ترى معصية عبادك فأرهم آية في أنفسهم حتى يعلموا أنهم لا يستطيعون الفرار منك، فلما خرجوا قال لهم موتوا عقوبة لهم فماتوا وماتت دوابهم كموت رجل واحد فما أتى عليهم ثمانية أيام حتى انتفخوا وأروحت أجسادهم فخرج الناس إليهم فعجزوا عن دفنهم فحظروا حظيرة دون السباع فذلك قوله تعالى: {ألم تر} أي ألم تعلم يا محمد بإعلامي إياك وهو من رؤية القلب قال أهل المعاني هو تعجيب له يقول هل رأيت مثل هؤلاء كما تقول ألم تر إلى صنيع فلان وكل ما في القرآن من قوله ألم تر ولم يعاينه النبي صلى الله عليه وسلم فهذا معناه. قوله تعالى: {وهم ألوف} قيل هو من العدد واختلفوا في مبلغ عددهم فقيل ثلاثة آلاف وقيل عشرة آلاف وقيل بضع وثلاثون ألفاً وقيل أربعون ألفاً وقيل سبعون ألفاً وأصح الأقوال قول من قال إنهم كانوا زيادة على عشرة آلاف لأن الله تعالى قال: {هم ألوف} والألوف جمع الكثير وجمع القليل آلاف وقيل معنى وهم ألوف مؤتلفون جمع ألف والأول أصح قالوا فمر عليهم مدة فبليت أجسادهم وعريت عظامهم فمر عليهم حزقيل بن بوذى هو ثالث خلفاء بني إسرائيل بعد موسى. وذلك أن القيم بأمر بني إسرائيل بعد موسى كان يوشع بن نون ثم كان من بعده كالب بن يوقنا ثم قام من بعده حزقيل. وكان يقال له ابن العجوز لأن أمة كانت عجوزاً فسألت الله تعالى الولد بعدما كبرت وعقمت فوهب الله لها حزقيل ويقال له ذو الكفل سمي به لأن تكفل سبعين نبياً وأنجاهم من القتل فلما مر حزقيل على هؤلاء الموتى وقف عليهم وجعل يفكر فيهم فأوحى الله تعالى إليه أتريد أن أريك قال نعم يا رب فأحياهم الله تعالى وقيل دعا ربه حزقيل أن يحيهم فأحياهم الله تعالى وقيل أنهم كانوا قومه أحياهم الله تعالى بعد ثمانية أيام وذلك أنه لما أصابهم ذلك خرج في طلبهم فوجدهم موتى فبكى وقال يا رب كنت في قوم يعبدونك ويذكرونك فبقيت وحيداً لا قوم لي فأوحى الله إليه إني قد جعلت حياتهم إليك فقال حزقيل احيوا بإذن الله فعاشوا، وقيل إنهم قالوا حين أحيوا سبحانك ربنا وبحمدك لا إله إلاّ أنت ثم رجعوا إلى قومهم وعاشوا دهراً طويلاً وسحنة الموت على وجوههم لا يلبسون ثوباً إلاّ عاد دنساً مثل الكفن حتى ماتوا لآجالهم التي كتبت لهم. قال ابن عباس: وإنها لتوجد اليوم تلك الريح في ذلك السبط من اليهود: قال قتادة: مقتهم الله على فرارهم من الموت فأماتهم عقوبة لهم ثم بعثهم الله ليستوفوا بقية آجالهم ولو جاءت آجالم لما بعثوا. فإن قلت كيف أميت هؤلاء مرتين في الدنيا وقد قال الله تعالى: {لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى} قلت إن موتهم كان عقوبة لهم كما قال قتادة وقيل إن موتهم وإحياءهم كان معجزة من معجزات ذلك النبي ومعجزات الأنبياء خوارق للعادات، ونوادر فلا يقاس فيكون قوله إلاّ الموتة الأولى عاماً مخصوصاً بمعجزات الأنبياء أي إلاّ الموتة الأولى التي ليست من معجزات الأنبياء ولا من خوارق العادات وفي هذه الآية احتجاج على اليهود ومعجزة عظيمة لنبينا صلى الله عليه وسلم حيث أخبرهم بأمر لم يشاهدوه وهم يعلمون صحة ذلك وفيه احتجاج على منكري البعث أيضاً إذ قد أخبر الله تعالى وهو الصادق في خبره أنه أماتهم ثم أحياهم في الدنيا فهو تعالى قادر على أن يحييهم يوم القيامة، وقوله تعالى: {حذر الموت} أي مخافة الطاعون وكان قد نزل بهم وقيل إنهم أمروا بالجهاد ففروا منه حذر الموت {فقال لهم الله موتوا} يحتمل أنهم ماتوا عند قوله تعالى {موتوا} ويحتمل أن يكون ذلك أمر تحويل فهو كقوله: {أية : كونوا قردة خاسئين} تفسير : [البقرة: 65] {ثم أحياهم} يعني بعد موتهم {إن الله لذو فضل على الناس} يعني أن الله تعالى تفضل على أولئك الذين أماتهم بإحيائهم لأنهم ماتوا على معصيته فتفضل عليهم بإعادتهم إلى الدنيا ليتوبوا وقيل هو على العموم فهو تعالى متفضل على كافة الخلق في الدنيا ويخص المؤمنين بفضله يوم القيامة {ولكن أكثر الناس لا يشكرون} يعني أن أكثر من أنعم الله عليه لا يشكره أما الكافر فإنه لم يشكره أصلاً وأما المؤمنون فلم يبلغوا غاية شكره.
ابن عرفة
تفسير : قوله تعالى: {وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِٱلْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى ٱلْمُتَّقِينَ}. قال ابن عرفة: عادتهم يقولون إنّ هذا أبلغ من قوله: "فَمَتِّعُوهُنّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ" من وجهين: أحدهما: لقوله {أية : حَقّاً عَلَى ٱلْمُتَّقِينَ}تفسير : (إذا قلنا إنّ المتّقي مرادف للمؤمن، فأفاد وجوبها على عموم المؤمنين وتلك اقتضت خصوص وجوبها بالمحسنين فقط). الثاني: أن ذلك أمر وهذا خبر في معنى الأمر وورود الأمر عندهم بصيغة الخبر أبلغ لاقتضائه ثبوت الشيء المأمور به ووقوعه في الوجود حتى صار مخبرا عنه بذلك.
ابن عادل
تفسير : إنَّما أعاد ذكر المتعة هاهنا؛ لزيادة معنًى؛ وذلك أنَّ في غيرها بيان حكم غير الممسوسة، وفي هذه الآية: بيان حكم جميع المطلّقات في المتعة. وقيل: لأنَّه لما نزل قوله تعالى: {أية : وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى ٱلْمُوسِعِ قَدَرُهُ}تفسير : [البقرة:236]، إلى قوله: {أية : حَقّاً عَلَى ٱلْمُحْسِنِينَ}تفسير : [البقرة:236] قال رجلٌ من المسلمين: إن أردت؛ فعلت، وإن لم أرد ذلك لم أفعل فقال الله تعالى: {وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِٱلْمَعْرُوفِ} جعل المتعة لهن بلام الملك، وقال: {حَقّاً عَلَى ٱلْمُتَّقِينَ} يعنى المؤمنين المتَّقين الشِّرك. وقيل: المراد بهذه المتعة: النَّفقة، والنَّفقة قد تسمَّى متاعاً، فاندفع التَّكرار. واعلم أنَّ القائل بوجوب المتعة لكلِّ المطلقات: هو سعيد بن جبير، وأبو العالية والزُّهريّ. وقال الشَّافعيُّ: لكلّ مطلقة إلاّ المطلقة التي فرض لها المهر، ولم يوجد في حقّها المسيس. قال أبو حنيفة: لا تجب المتعة إلاَّ للمطلَّقة التي لم يفرض لها، ولم يوجد المسيس. وقول الله تعالى في زوجات النبي صلى الله عليه وسلم: {أية : فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ}تفسير : [الأحزاب:28] محمولٌ على أنَّه تطوُّع من النَّبيّ صلى الله عليه وسلم لا على سبيل الوجوب. وقوله: {أية : فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ}تفسير : [الأحزاب:49] محمولٌ على غير المفروض لها أيضاً. قال القرطبيُّ: وأوجب الشَّافعيُّ المتعة للمختلعة، والمبارئة، وقال أصحاب مالك: كيف يكون للمفتدية متعة وهي تعطى، فكيف تأخذ متاعاً، لا متعة لمختارة الفراق من مختلعة، أو مفتدية، أو مبارئة، أو مصالحة، أو ملاعنة، أو معتقة تختار الفراق، دخل بها أم لا، سمى لها صداقاً أم لا؛ وقد تقدَّم ذلك، ثم قال: {كَذَلِكَ يُبَيِّنُ ٱللهُ لَكُمْ ءَايَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ}.
البقاعي
تفسير : ولما ذكر سبحانه وتعالى متاع المتوفى عنهن عقبه متاع المطلقات تأكيداً للحكم بالتكرير وتعميماً بعد تخصيص بعض أفراده فقال تعالى: {وللمطلقات} أي أيّ المدخول بهن بأي طلاق كان {متاع} أي من جهة الزوج يجبر ما حصل لها من الكسر {بالمعروف} أي من حالهما {حقاً على المتقين *} قال الحرالي: حيث كان الذي قبل الدخول حقاً على المحسنين كان المحسن يمتع بأيسر وصلة في القول دون الإفضاء والمتقي يحق عليه الإمتاع بمقدار ما وقع له من حرمة الإفضاء ولما وقع بينهم من الإرهاق والضجر فيكون في المتعة إزالة لبعض ذلك وإبقاء بسلام أو مودة - انتهى. وفيه إشارة إلى أن الطلاق كالموت لانقطاع حبل الوصلة الذي هو كالحياة وأن المتاع كالإرث. ولما بيّن سبحانه وتعالى هذه الأحكام هذا البيان الشافي كان كأن سائلاً قال: هل يبين غيرها مثلها؟ فقال: {كذلك} أي مثل هذا البيان {يبين الله} أي الذي له الحكمة البالغة لأنه المحيط بكل شيء {لكم آياته} أي المرئية بما يفصل لكم في آياته المسموعة {لعلكم تعقلون} أي لتكونوا على حال يرجى لكم معها التفكر في الآيات المسموعات والآيات المرئيات كما يفعل العقلاء فيهديكم ذلك إلى سواء السبيل؛ وقد كرر مثل هذا القول كثيراً وفصلت به الآيات تفصيلاً وكان لعمري يكفي الفطن السالم من مرض القلب وآفة الهوى إيراده مرة واحدة في الوثوق بمضمونه والركون إلى مدلوله، وإنما كرر تنبيهاً على بلاغة الآيات المختومة به وخروجها عن طوق البشر وقدرة المخلوق، وذلك أنهم كلما سمعوا شيئاً من ذلك وهم أهل السبق في البلاغة والظفر على جميع أرباب الفصاحة والبراعة فرأوه فائتاً لقواهم وبعيداً من قدرهم خطر لهم السؤال عن مثل ذلك البيان ناسين لما تقدم من صادق الوعد وثابت القول بأن الكل على هذا المنوال البديع المثال البعيد المنال، لما اعتراهم من دهش العقول وانبهار الألباب والفهوم. ولما انقضى ما لا بد منه مما سيق بعد الإعلام بفرض القتال المكروه للأنفس من تفصيل ما أحمل في ليل الصيام من المشارب والمناكح وما تبعها وكان الطلاق كما سلف كالموت وكانت المراجعة كالإحياء وختم ذلك بالصلاة حال الخوف الذي أغلب صورة الجهاد ثم بتبيين الآيات أعم من أن تكون في الجهاد أو غيره عقب ذلك بقوله دليلاً على آية كتب القتال المحثوث فيها على الإقدام على المكاره لجهل المخلوق بالغايات: {ألم تر} وقال الحرالي: لما كان أمر الدين مقاماً بمعالمه الخمس التي إقامة ظاهرها تمام في الأمة وإنما تتم إقامتها بتقوى القلوب وإخلاص النيات كان القليل من المواعظ والقصص في شأنه كافياً، ولما كان حظيرة الدين إنما هو الجهاد الذي فيه بذل الأنفس وإنفاق الأموال كثرت فيه مواعظ القرآن وترددت وعرض لهذه الأمة بإعلام بما يقع فيه فذكر ما وقع من الأقاصيص في الأمم السالفة وخصوصاً أهل الكتابين بني إسرائيل ومن لحق بهم من أبناء العيص فكانت وقائعهم مثلاً لوقائع هذه الأمة فلذلك أحيل النبي صلى الله عليه وسلم على استنطاق أحوالهم بما يكشفه الله سبحانه وتعالى له من أمرهم عياناً وبما ينزله من خبرهم بياناً وكان من جامعة معنى ذلك ما تقدم من قوله سبحانه وتعالى: {أية : سل بني إسرائيل كم آتيناهم من آية بينة} تفسير : [البقرة: 211] وكان من جملة الآيات التي يحق الإقبال بها على النبي صلى الله عليه وسلم لعلو معناها فأشرف المعاني ما قيل فيه {ألم تر} إقبالاً على النبي صلى الله عليه وسلم وعموم المعاني ما قيل فيه {أية : ألم تروا} تفسير : [لقمان: 20] إقبالاً على الأمة ليخاطب كل على قدر ما قدم لهم من تمهيد موهبة العقل لتترتب المكسبة من العلم على مقدار الموهبة من العقل فكان من القصص العلي العلم اللطيف الاعتبار ما تضمنته هذه الآيات من قوله: {ألم تر} ليكون ذلك عبرة لهذه الأمة حتى لا يفروا من الموت فرار من قبلهم، قال عليه الصلاة والسلام: "حديث : إذا نزل الوباء بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فراراً منه" تفسير : وذلك لتظهر مزيتهم على من قبلهم بما يكون من عزمهم كما أظهر الله تعالى مزيتهم على من قبلهم بما آتاهم من فضله ورحمته التي لم ينولها لمن قبلهم - انتهى. ولما كانت مفارقة الأوطان مما لا يسمح به نبه بذكره على عظيم ما دهمهم فقال: {إلى الذين خرجوا} أي ممن تقدمكم من الأمم {من ديارهم} التي ألفوها وطال ما تعبوا حتى توطنوها لما وقع فيها مما لا طاقة لهم به على الموت {وهم ألوف} أي كثيرة جداً تزيد على العشرة بما أفهمه جمع التكثير. قال الحرالي: فيه إشعار بأن تخوفهم لم يكن من نقص عدد وإنما كان من جزع أنفس فأعلم سبحانه وتعالى أن الحذر لا ينجي من القدر وإنما ينجى منه كما قال النبي صلى الله عليه وسلم الدعاء "حديث : إن الدعاء ليلقي القدر فيعتلجان إلى يوم القيامة" تفسير : انتهى. {حذر الموت} فراراً من طاعون وقع في مدينتهم أو فراراً من عدو دعاهم نبيهم إلى قتاله - على اختلاف الرواية - ظناً منهم أن الفرار ينجيهم. ودل سبحانه وتعالى على أن موتهم كان كنفس واحدة بأن جعلهم كالمأمور الذي لم يمكنه التخلف عن الامتثال بقوله مسبباً عن خروجهم على هذا الوجه: {فقال لهم الله} أي الذي لا يفوته هارب ولا يعجزه طالب لأن له الكمال كله {موتوا} أي فماتوا أجمعون موت نفس واحدة لم ينفعهم حذرهم ولا صد القدر عنهم علمهم بالأمور وبصرهم إعلاماً بأن من هاب القتال حذر الموت لم يغنه حذره مع ما جناه من إغضاب ربه ومن أقدم عليه لم يضره إقدامه مع ما فاز به من مرضاة مولاه. قال الحرالي: في إشعاره إنباء بأن هذه الإماتة إماتة تكون بالقول حيث لم يقل: فأماتهم الله، فتكون إماتة حاقة لا مرجع منها، ففيه إبداء لمعنى تدريج ذات الموت في أسنان متراقية من حد ضعف الأعضاء والقوى بالكسل إلى حد السنة إلى حد النوم إلى حد الغشي إلى حد الصعق إلى حد هذه الإماتة بالقول إلى حد الإماتة الآتية على جملة الحياة التي لا ترجع إلا بعد البعث وكذلك الإماتة التي يكون عنها تبدد الجسم مع بقائه على صورة أشلائه أشد إتياناً على الميت من التي لا تأتي على أعضائه "إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء والشهداء والعلماء والمؤذنين" فكما للحياة أسنان من حد ربو الأرض إلى حد حياة المؤمن إلى ما فوق ذلك من الحياة كذلك للموت أسنان بعدد أسنان الحياة مع كل سن حياة موت إلى أن ينتهي الأمر إلى الحي الذي لا يموت {أية : وإن إلى ربك المنتهى} تفسير : [النجم: 42]، فبذلك يعلم ذو الفهم أن ذلك توطئة لقوله: {ثم أحياهم} وفي كلمة {ثم} إمهال إلى ما شاء الله - انتهى. وجعل سبحانه وتعالى ذلك تقريراً له صلى الله عليه وسلم بالرؤية إما لأنه كشف له عنهم في الحالتين وإما تنبيهاً على أنه في القطع بإخبار الله تعالى له على حالة هي كالرؤية لغيره تدريباً لأمته؛ ولعل في الآية حضاً على التفضل بالمراجعة من الطلاق كما تفضل الله على هؤلاء بالإحياء بعد أن أدبهم بالإماتة وختم ما قبلها بالإقامة في مقام الترجي للعقل فيه إشارة إلى أن الخارجين من ديارهم لهذا الغرض سفهاء فكأنه قيل: لتعقلوا فلا تكونوا كهؤلاء الذين ظنوا أن فرارهم ينجيهم من الله بل تكونون عالمين بأنكم أينما كنتم ففي قبضته وطوع مشيئته وقدرته فيفيدكم ذلك الإقدام على ما كتب عليكم مما تكرهونه من القتال، أو يقال: ولما كان المتوفى قد يطلق زوجه في مرض موته فراراً من إرثها وقد يخص بعض وارثيه مما يضار به غيره وقد يحتال على المطلقة ضراراً بما يمنع حقها ختم آية الوفاة عن الأزواج والمطلقات بترجية العقل بمعنى أنكم إذا عقلتم لم تمنعوا أحداً من فضل الله الذي آتاكم علماً منكم بأنه تعالى قادر على أن يمنع المراد إعطاؤه ويمنح المراد منعه بأسباب يقيمها ودواعي يخلقها أو يشفي فاعل ذلك من مرضه ثم يسلبه فضله فيفقره بعد غناه ويضعفه بعد قواه، فإنه لا ينفع من قدره حذر، ولا يدفع مراده كيد ولا حيل وإن كثر العدد وجل المدد، {ألم تر} إلى أن قال: {إن الله} أي الذي له الإحاطة بالجلال والإكرام {لذو فضل} {على الناس} أي عامة فليذكر كل واحد ما له عليه من الفضل، وليرغبوا في العفو عمن يرون أن منعه عدل لأن ذلك أقرب إلى الشكر وأبعد عن الكفر، فطلاق الفار إخراج الزوجة عن دائرة عصمته حذراً من إماتة ماله بأخذ ما يخصها منه وخروج الزوج عن دائرة النكاح حذراً من موت مقيد بكونها في عصمته وخروج الألوف من دار الإقامة حذراً من موت مطلق، ومن المناسبات البديعة أنه لما كانت حقيقة حال العرب أنهم انتقلوا بعد أبيهم إسماعيل عليه الصلاة والسلام والتابعين له بإحسان من ضيق دار العلم والإيمان حذراً من هلاك الأبدان بتكاليف الأديان إلى قضاء الشهوات والعصيان فوقعوا في موت الجهل والكفران فلما نزل عليهم القرآن وكان أكثر هذه السورة في الرد على أهل الكتاب وكرر فيها هداية العرب من الكفر والجهل بكلمة الإطماع في غير موضع نحو {أية : ولأتم نعمتي عليكم ولعلكم تهتدون} تفسير : [البقرة: 150] {أية : لعلكم تتقون} تفسير : [البقرة: 21] {أية : لعلهم يرشدون} تفسير : [البقرة: 186] {أية : لعلكم تتفكرون في الدنيا والآخرة} تفسير : [البقرة: 219، 220] وغير ذلك إلى أن ختم هذه الآيات بترجي العقل وكان أهل الكتاب قد اشتد حسدهم لهم بجعل النبي الذي كانوا ينتظرونه منهم وكان الحاسد يتعلق في استبعاد الخير عن محسوده بأدنى شيء كانوا كأنهم قالوا: أيحيي هؤلاء العرب على كثرتهم وانتشارهم في أقطار هذه الجزيرة من موت الكفر والجهل بالإيمان والعلم بعد أن تمادت بهم فيهما الأزمان وتوالت عليهم الليالي والأيام حتى عتوا فيهما وعسوا ومردوا عليهما وقسوا؟ فأجيبوا بنعم وما استبعدتموه غير بعيد، فقالوا: فإن كان لله بهم عناية فلم تركهم يجهلون ويكفرون بعد ما شرع لهم أبوهم إسماعيل عليه الصلاة والسلام دين أبيه إبراهيم عليه الصلاة والسلام؟ فأجيبوا بأنه فعل بهم ذلك لذنب استحقوه لحكمة اقتضاها سابق علمه ثم ذكّرهم قدرته في مثل ذلك من العقوبة واللطف بما هم به عالمون فقال تعالى مخاطباً لنبيه صلى الله عليه وسلم والمراد هم - كما يقال: الكلام لك واسمعي يا جارة - {ألم تر} ويجوز أن يكون الخطاب لكل فاهم أي تعلم بقلبك أيها السامع علماً هو كالرؤية ببصرك لما تقدم من الأدلة التي هي أضوأ من الشمس على القدرة على البعث ويؤيد أنه لمح فيه الإبصار تعديته بإلى في قوله: {إلى الذين خرجوا} وقال: {فقال لهم الله} أي الذي له العظمة كلها عقوبة لهم بفرارهم من أمره {موتوا ثم أحياهم} بعد أن تطاول عليهم الأمد وتقادم بهم الزمن كما أفهمه العطف بحرف التراخي تفضلاً منه، فكما تفضل على أولئك بحياة أشباههم بعد عقوبتهم بالموت فهو يتفضل على هؤلاء بحياة أرواحهم من موت الكفر والجهل إظهاراً لشرف نبيهم صلى الله عليه وسلم، ثم علل ذلك بقوله: {إن الله} أي الذي له العظمة كلها بما له من الجلال والعظمة والكمال {لذو فضل} أي عظيم {على الناس} أي كافة مطيعهم وعاصيهم. قال الحرالي: بما ينسبهم تارة إلى أحوال مهوية ثم ينجيهم منها إلى أحوال منجية بحيث لو أبقى هؤلاء على هذه الإماتة ومن لحق بسنتهم من بعدهم لهلكت آخرتهم كما هلكت دنياهم ولكن الله سبحانه وتعالى أحياهم لتجدد فضله عليهم - انتهى. كما تفضل عليكم يا بني إسرائيل بأن أحياكم من موت العبودية وذلك الذل بعد أن كان ألزمكموه بذنوبكم دهوراً طويلة وكما تفضل عليكم أيها العرب بقص مثل هذه الأخبار عليكم لتعتبروا {ولكن أكثر الناس} كرر الإظهار ولم يضمر ليكون أنص على العموم لئلا يدعي مدع أن المراد بالناس الأول أهل زمان ما فيخص الثاني أكثرهم {لا يشكرون *} وذلك تعريض ببني إسرائيل في أنهم لم يشكروه سبحانه وتعالى في الوفاء بمعاهدته لهم في اتباع هذا النبي الكريم عليه أفضل الصلاة والسلام، وفي هذا الأسلوب بعد هذه المناسبات إثبات لقدرته سبحانه وتعالى على الإعادة وجرّ لمنكر ذلك إلى الحق من حيث لا يشعر. قال الحرالي: والشكر ظهور باطن الأمر على ظاهر الخلق بما هو باطن فمن حيث إن الأمر كله لله قسراً فالشكر أن يبدو الخلق كله بالله شكراً، لأن أصل الشكور الدابة التي يظهر عليها ما تأكله سمناً وصلاحاً، فمن أودع خلق أمر لم يبد على خلقه فهو كفور. فلما أودعه سبحانه وتعالى في ذوات الأشياء من معرفته وعلمه وتكبيره كان من لم يبد ذلك على ظاهر خلقه كفوراً، ومن بدا ما استسر فيه من ذلك شكوراً، وليس من وصف الناس ذلك لترددهم بين أن يكون البادي عليهم عندهم تارة من الله سبحانه وتعالى وتارة من أنفسهم وممن دون الله ممن اتخذوه أولياء على حد كفر أو هوى أو بدعة أو خطيئة وعلى حد رين كسبهم على قلوبهم، ففي اعتبار هذه الآية تحذير لهذه الأمة من أن يحذروا الموت. قال بعض التابعين رضي الله تعالى عنهم: لقد رأينا أقواماً يعنون من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الموت إلى أحدهم أشهى من الحياة عندكم اليوم؛ وإنما ذلك لما تحققوا من موعود الآخرة حتى كأنهم يشاهدونه فهان عليهم الخروج من خراب الدنيا إلى عمارة آخرتهم - انتهى. وما أحسن الرجوع إلى قصص الأقدمين والالتفات إلى قوله: {أية : كتب عليكم القتال وهو كره لكم} تفسير : [البقرة: 216] على هذا الوجه وهؤلاء الذين أماتهم الله ثم أحياهم؛ قال أهل التفسير: إن إحياءهم كان على يد حزقيل أحد أنبياء بني إسرائيل عليهم الصلاة والسلام؛ وقال البغوي: إنه ثالث خلفائهم، والذي رأيته في سفر الأنبياء المبعوثين منهم بعد موسى عليه الصلاة والسلام لتجديد أمر التوراة وإقامة ما درس من أحكامها وهم ستة عشر نبياً أولهم يوشع بن نون وآخرهم دانيال على جميعهم الصلاة والسلام والتحية والإكرام أن حزقيل خامس عشرهم عليه الصلاة والسلام. قال في الإصحاح الحادي والعشرين من نبوته: وكانت على يد الرب وأخرجني روح الرب إلى صحراء مملوءة عظام موتى وأمرني أجوز عليها وأدور حولها، فرأيتها كثيرة في الصحراء يابسة وقال لي: يا ابن الإنسان! هل تعيش هذه العظام؟ فقلت: أنت تعلم يا رب الأرباب! قال لي: تنبأ على هذه العظام وقل لها: أيتها العظام البالية! اسمعوا كلام الله أن هكذا يقول رب الأرباب لهذه العظام: إني أرد فيكم الروح فتحيون وتعلمون أني أنا الرب، آتي بالعصب والجلد واللحم أنبته، وأرد فيكم الأرواح فتحيون، فلما تنبأت بهذا صار صوت عظيم وزلزلة، واقتربت العظام كل عظم إلى مفصله، ورأيت قد صعد عليها العصب ونبت اللحم ورد عليها الجلد من فوق ذلك ولم يكن فيهم روح، وقال الرب: يا ابن الإنسان! هذه العظام كلها من بني إسرائيل ومن الأنبياء الذين كانوا يقتلون وقد بليت عظامهم وكل رجل بطل، تنبأ أيها الإنسان وقل للروح: هكذا يقول رب الأرباب: تعالوا أيها الأرواح، وأنفخ في هؤلاء القتلى فيعيشوا، فتنبأت كالذي أمرني الرب، فدخلت فيهم الروح وعاشوا وقاموا على أرجلهم جيش عظيم جداً، وقال لي الرب: يا ابن الإنسان! هذه العظام كلها من بني إسرائيل ومن الأنبياء الذين كانوا يقتلون وقد بليت عظامهم وكل رجل بطل، فمن أجل هذا تنبأ وقل: هكذا يقول رب الأرباب: هو ذا أفتح قبوركم وأصعدكم من قبوركم وآتي بكم إلى أرض إسرائيل وتعلمون أني أنا الرب أنفخ فيكم روحي فتعيشون وأترككم تعملون؛ قد قلت هذا وأنا أفعله - انتهى. ولما بيّن سبحانه وتعالى أن الموت لا يصون منه فرار أمر بالجهاد الذي هو المقصود الأعظم بهذه السياقات ولفت القول إلى من يحتاج إلى الأمر به وصدره بالواو فأفهم العطف على غير معطوف عليه مذكور أن التقدير: فلا تفروا من أسباب الموت بل اثبتوا في مواطن البأساء {وقاتلوا} وعبر بفي الظرفية إشارة إلى وجوب كونهم في القتال وإن اشتدت الأحوال مظروفين للدين مراعين له لا بخرجون عنه بوجه ما فيصدقون في الإقدام على من لج في الكفران ويسارعون إلى الإحجام عمن بدا منه الإذعان ونحو ذلك من مراعاة شرائع الإيمان، وعبر بالسبيل إشارة إلى يسر الدين ووضوحه فلا عذر في الخروج عن شيء منه بحال فقال: {في سبيل الله} أي الذي لا كفوء له كما كتبه عليكم وإن كنتم تكرهون القتال. ولما أمرهم بعد ما حذرهم رغبهم ورهبهم بقوله: {واعلموا} منبهاً لهم لأن يلقوا أسماعهم ويحضروا أفهامهم لما يلقى عليهم {أن الله} أي الذي له القدرة الكاملة والعلم المحيط {سميع} لما تقولون إذا أمرتم بما يكره من القتال {عليم *} بما تضمرون من الإعراض عنه والإقبال فهو يجازيكم على الخير قولاً وعملاً ونية، الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعين ضعفاً إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة وعلى السيئة بمثلها إن شاء {أية : ولا يظلم ربك أحداً} تفسير : [الكهف: 49]. ولما كانت النفقة التي هي من أعظم مقاصد السورة أوثق دعائم الجهاد وأقوى مصدق للإيمان ومحقق لمبايعة الملك الديان كرر الحث عليها على وجه أبلغ تشويقاً مما مضى فقال على هيئه الممتحن للصادق ممن أمره وحذره وأنذره: {من ذا الذي} منكم يا من كتب عليهم القتال والخروج عن الأنفس والأموال {يقرض الله} الذي تفرد بالعظمة، وهو من الإقراض أي إيقاع القرض ولذا قال: {قرضاً} وشبه سبحانه وتعالى العمل به لما يرجى عليه من الثواب فهو كالقرض الذي هو بذل المال للرجوع بمثله، وعبر به لدلالته على المحبة لأنه لا يقرضك إلا محب، ولأن أجره أكثر من أجر الصدقة {حسناً} أي جامعاً لطيب النفس وإخلاص النية وزكاء المال. وقال الحرالي: القرض الجزّ من الشيء والقطع منه، كأنه يقطع له من ماله قطعة ليقطع له من ثوابه أقطاعاً مضاعفة، والقرض بين الناس قرضاً بقرض مثلاً بمثل فمن ازداد فقد أربى ومن زاد من غير عقد ولا عهد فقد وفى، فالقرض مساواة والربا ازدياد، ووصف سبحانه وتعالى القرض الذي حرض عليه بالحسن لتكون المعاملة بذلة على وجه الإحسان الذي هو روح الدين وهو أن يعامل الله به كأنه يراه - انتهى. ولما كانت الأنفس مجبولة على الشحّ بما لديها إلا لفائدة رغبها بقوله مسبباً عن ذلك: {فيضاعفه} قال الحرالي: من المضاعفة مفاعلة من الضعف - بالكسر - وهي ثني الشيء بمثله مرة أو مرات، وأزال عنه ريب الاحتمال بقوله: {له} أي في الدنيا والآخرة. قال الحرالي: هذه المضاعفة أول إنبائها أن الزائد ضعف ليس كسراً من واحد المقرض ليخرج ذلك عن معنى وفاء القضاء فإن المقترض تارة يوفي على الواحد كسراً من وزنه، "حديث : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يقترض قرضاً إلا وفى عليه زيادة، وقال: خير الناس أحسنهم قضاء" تفسير : فأنبأ تعالى أن اقتراضه ليس بهذه المثابة بل بما هو فوق ذلك لأنه يضعف القرض بمثله وأمثاله إلى ما يقال فيه الكثرة؛ وفي قوله: {أضعافاً} ما يفيد أن الحسنة بعشر، وفي قوله: {كثيرة} ما يفيد البلاغ إلى فوق العشر وإلى المائة كأنه المفسر في قوله بعد هذا {أية : مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله} تفسير : [البقرة: 261]، فأوصل تخصيص هذه الكثرة إلى المئين ثم فتح باب التضعيف إلى ما لا يناله علم العالمين في قوله: {أية : والله يضاعف لمن يشاء} تفسير : [البقرة: 261] - انتهى. ولما رغب سبحانه وتعالى في إقراضه أتبعه جملة حالية من ضمير يضاعف مرهبة مرغبة فقال: {والله} أي المحيط علماً وقدرة {يقبض} أي له هذه الصفة وهي إيقاع القبض والإقتار بمن يشاء وإن جلت أمواله. قال الحرالي: والقبض إكمال الأخذ، أصله القبض باليد كله، والقبض - بالمهملة - أخذ بأطراف الأصابع وهو جمع عن بسط فلذلك قوبل به {ويبصط} أي لمن يشاء وإن ضاقت حاله، والبسط توسعة المجتمع إلى حد غاية {وإليه ترجعون} حساً بالبعث ومعنى في جميع أموركم، فهو يجازيكم في الدارين على حسب ما يعلم من نياتكم. ولما كان الصحابة رضوان الله تعالى عليهم يتمنون في مكة المشرفة الإذن في مقارعة الكفار ليردوهم عما هم عليه من الأذى والغي والعمى عجب من حال بني إسرائيل حيث سألوا الأمر بالقتال ثم لم ينصفوا إذ أمروا تحذيراً من مثل حالهم، وتصويراً لعجيب قدرته على نقض العزائم وتقليب القلوب، وإعلاماً بعظيم مقادير الأنبياء وتمكنهم في المعارف الإلهية، ودليلاً على ختام الآية التي قبلها فقال مقبلاً على أعلى الخلق إشارة إلى أن للنفوس من دقائق الوساوس ما لا يفهمه إلا البصراء: {ألم تر} قال الحرالي: أراه في الأولى حال أهل الحذر من الموت بما في الأنفس من الهلع الذي حذرت منه هذه الأمة ثم أراه في هذه مقابل ذلك من الترامي إلى طلب الحرب وهما طرفا انحراف في الأنفس، قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا تتمنوا لقاء العدو واسألوا الله العافية، فإذا لقيتموه فاصبروا واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف" تفسير : ففيه إشعار لهذه الأمة بأن لا تطلب الحرب ابتداء وإنما تدافع عن منعها من إقامة دينها كما قال سبحانه وتعالى: {أية : أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا} تفسير : [الحج: 39] وقال عليه الصلاة والسلام: شعر : "والمشركون قد بغوا علينا إذا أرادوا فتنة أبينا" تفسير : فحق المؤمن أن يأبى الحرب ولا يطلبه فإنه إن طلبه فأوتيه عجز كما عجز هؤلاء حين تولوا إلا قليلاً فهذه الأقاصيص ليس المراد منها حديثاً عن الماضين وإنما هو إعلام بما يستقبله الآتون، إياك أعني واسمعي يا جارة! فلذلك لا يسمع القرآن من لم يأخذه بجملته خطاباً لهذه الأمة بكل ما قص له من أقاصيص الأولين - انتهى. ويجوز أن يكون الخطاب لكل من ألقى السمع وهو شهيد. ولما كان الإخلال من الشريف أقبح قال {إلى الملإ} أي الأشراف، قال الحرالي: الذين يملؤون العيون بهجة والقلوب هيبة - انتهى. ولما كان ذلك من أولاد الصلحاء أشنع قال: {من بني إسراءيل} ولما كان ممن تقرر له الدين واتضحت له المعجزات واشتهرت عنده الأمور الإلهيات أفحش قال {من بعد موسى} أي الذي أتاهم من الآيات بما طبق الأرض كثرة وملأ الصدور عظمة وأبقى فيهم كتاباً عجباً ما بعد القرآن من الكتب السماوية مثله. قال الحرالي: وفيه إيذان بأن الأمة تختل بعد نبيها بما يصحبها من نوره زمن وجوده معهم، قالوا: ما نفضنا أيدينا من تراب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أنكرنا قلوبنا - انتهى. {إذ قالوا} ولما كان الإخلاف مع الأكابر لا سيما مع الأنبياء أفظع قال: {لنبي لهم} ونكره لعدم مقتض لتعريفه. قال الحرالي: لأن نبيهم المعهود الآمر لهم إنما هو موسى عليه الصلاة والسلام، ومن بعده إلى عيسى عليهم الصلاة والسلام إنما هم أنبياء بمنزلة الساسة والقادة لهم كالعلماء في هذه الأمة منفذون وعالمون بما أنزل على موسى عليه الصلاة والسلام كذلك كانوا إلى حين تنزيل الإنجيل فكما قص في صدر السورة حالهم مع موسى عليه الصلاة والسلام قص في خواتيمها حالهم من بعد موسى لتعتبر هذه الأمة من ذلك حالها مع نبيها صلى الله عليه وسلم وبعده انتهى. ولما كان عندهم من الغلظة ما لا ينقادون به إلا لإنالة الملك وكان القتال لا يقوم إلا برأس جامع تكون الكلمة به واحدة قالوا: {ابعث لنا} أي خاصة {ملكاً} أي يقيم لنا أمر الحرب {نقاتل} أي عن أمره {في سبيل الله} أي الملك الأعلى. قال الحرالي في إعلامه أخذهم الأمر بمنة الأنفس حيث لم يظهر في قولهم إسناد إلى الله سبحانه وتعالى الذي لا تصح الأعمال إلا بإسنادها إليه فما كان بناء على تقوى تم، وما كان على دعوى نفس انهدّ {قال} أي ذلك النبي {هل} كلمة تنبىء عن تحقيق الاستفهام اكتفي بمعناها عن الهمزة - انتهى. {عسيتم} أي قاربتم ولما كانت العناية بتأديب السائلين في هذا المهم أكثر قدم قوله: {إن كتب} أي فرض - كذا قالوا، والأحسن عندي كما يأتي إن شاء الله تعالى تحقيقه في سورة براءة أن يكون المعنى: هل تخافون من أنفسكم، ولما كان القصد التنبيه على سؤال العافية والبعد عن التعرض للبلاء لخطر المقام بأن الأمر إذا وجب لم تبق فيه رخصة فمن قصر فيه هلك وسط بين عسى وصلتها قوله: {عليكم القتال} فرضاً لازماً، وبناه للمفعول صيانة لاسم الفاعل عن مخالفة يتوقع تقصيرهم بها {ألا تقاتلوا} فيوقعكم ذلك في العصيان، قال الحرالي: بكسر سين عسى وفتحها لغتان، عادة النحاة أن لا يلتمسوا اختلاف المعاني من أوساط الصيغ وأوائلها، وفي فهم اللغة وتحقيقها إعراب في الأوساط والأوائل كما اشتهر إعراب الأواخر عند عامة النحاة، فالكسر حيث كان مبنى عن باد عن ضعف وانكسار، والفتح معرب عن باد عن قوة واستواء - انتهى. فكأنه صلى الله عليه وسلم فهم أن بعضهم يترك القتال عن ضعف عنه وبعضهم يتركه عن قوة ولذلك نفى الفعل ولم يقل: أن تعجزوا. قال الحرالي: فأنبأهم بما آل إليه أمرهم فلم يلتفوا عنه وحاجوه وردوا عليه بمثل سابقة قولهم، ففي إشعاره إنباء بما كانوا عليه من غلظ الطباع وعدم سرعة التنبه - انتهى. ولما كان مضمون هذا الاستفهام: إني أخشى عليكم القعود عن القتال أعلمنا الله عن جوابهم بقوله: {قالوا} أي لموسى في المخالفة ولما أرشد العطف على غير مذكور أن التقدير: ما يوجب لنا القعود وإنا لا نخاف ذلك على أنفسنا بل نحن جازمون بأنا نقاتل أشد القتال! عطف عليهم قولهم: {وما} أي وأي شيء {لنا} في {ألا نقاتل} ولما كانت النفس فيما لله أجد وإليه أنهض قالوا: {في سبيل الله} أي الذي لا كفوء له إلهاباً وتهييجاً {وقد} أي والحال أنا قد {أخرجنا} أعم من أن يكون مع لإخراج إبعاد أو لا، وبناه للمجهول لأن موجب الإحفاظ والإخراج نفس الإخراج لا نسبة إلى حد بعينه {من ديارنا} التي هي لأبداننا كأبداننا لأرواحنا. ولما كان في {أخرجنا} معنى أبعدنا عطف عليه {وأبنائنا} فخلطوا بذلك ما لله بما لغيره وهو أغنى الشركاء لا يقبل إلا خالصاً. قال الحرالي: فأنبأ سبحانه وتعالى أنهم أسندوا ذلك إلى غضب الأنفس على الإخراج وإنما يقاتل في سبيل الله من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا - انتهى. ولما كان إخلاف الوعد مع قرب العهد أشنع قال: {فلما} بالفاء المؤذنة بالتعقيب {كتب عليهم} أي خاصة {القتال} أي الذي سألوه كما كتب عليكم بعد أن كنتم تمنونه إذ كنتم بمكة كما سيبين إن شاء الله تعالى في النساء عند قوله تعالى: {أية : ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم}تفسير : [النساء: 77]، {تولوا} فبادروا الإدبار بعد شدة ذلك الإقبال {إلا قليلاً منهم} أي فقاتلوا والله عليم بهم {والله} أي الذي له الإحاطة بكل كمال {عليم} بالمتولين، هكذا كان الأصل ولكنه قال: {بالظالمين *} معلماً بأنهم سألوا البلاء وكان من حقهم سؤال العافية، ثم لما أجيبوا إلى ما سألوا أعرضوا عنه فكفوا حيث ينبغي المضاء ومضوا حيث كان ينبغي الكف فعصوا الله الذي أوجبه عليهم، فجمعوا بين عار الإخلاف وفضيحة العصيان وخزي النكوص عن الأقران وقباحة الخذلان للإخوان. ولما أرشد العطف على غير مذكور إلى أن التقدير: فقال لهم نبيّهم: ألم أقل لكم: لا تسألوا البلاء ولا تدانوا أمر القضاء فإن أكثر قول النفس كذب وجل أمانيها زور وأما أمر الله فمتى برز يجب، عطف عليه قوله: {وقال لهم} أي خاصة لم يكن معهم أحد غيرهم يحال عليهم جوابهم الذي لا يليق وصرح بالمقصود لئلا يظن أن القائل الله وأنهم واجهوه بالاعتراض فقال: {نبيهم} أي الذي تقدم أنهم سألوه ذلك مؤكداً معظماً محققاً بأداة التوقع لأن سؤالهم على لسان نبي يقتضي توقع الإجابة {إن الله} أي بجلاله وعزّ كماله {قد} ولما كان إلباس الشخص عزّ الملك مثل إعزاز الجماد بنفخ الروح كان التعبير عن ذلك بالبعث أليق فقال: {بعث لكم} أي خاصة لأجل سؤالكم {طالوت} اسم ملك من بني إسرائيل من سبط لم يكن الملك فيهم {ملكاً} تنتهون في تدبير الحرب إلى أمره. قال الحرالي: فكان أول ما ابتلوا به أن ملك عليهم من لم يكن من أهل بيت الملك عندهم فكان أول فتنتهم بما طلبوا ملكاً فأجيبوا فلم يرضوا بما بعث لهم - انتهى. ولما أجابهم إلى ما سألوا كان من أول جلافتهم اعتراضهم على أمر الملك الديان الذي أورده لهم باسمه الأعظم الدال على جميع الكمال من الجلال والجمال ليكون أجدر لهم بقبول أمره والوقوف عند زجره وأورد اعتراضهم في جواب من كأنه قال: ما فعلوا إذ أجابهم إلى ما سألوا؟ فقال: {قالوآ} أي هم لا غيرهم {أنى} أي من أين وكيف {يكون له} أي خاصة {الملك علينا ونحن} أي والحال أنا نحن {أحق بالملك منه} لأن فينا من هو من سبط الملوك دونه. قال الحرالي: فثنوا اعتراضهم بما هو أشد وهو الفخر بما ادعوه من استحقاق الملك على من ملكه الله عليهم فكان فيه حظ من فخر إبليس حيث قال حين أمر بالسجود لآدم: {أية : أنا خير منه} تفسير : [ص: 76] انتهى. {ولم} أي والحال أنه لم {يؤت سعة من المال} أي فصار له مانعان: أحدهما أنه ليس من بيت المملكة، والثاني أنه مملق والملك لا بد له من مال يعتضد به. قال الحرالي: فكان في هذه الثالثة فتنة استصنام المال وأنه مما يقام به ملك وإنما الملك بايتاء الله فكان في هذه الفتنة الثالثة جهل وشرك، فتزايدت صنوف فتنتهم فيما انبعثوا إلى طلبه من أنفسهم - انتهى. ولما كان الخلق كلهم متساوين في أصل الجسمية وإنما جاء تفضيل بعضهم على بعض من الله فكان هو المدار علق الأمر به في قوله: {قال} أي النبي لا غيره مؤكداً لأجل إنكارهم معظماً عليهم الحق بإعادة الاسم الأعظم {إن الله} أي الذي له جميع الأمر فلا اعتراض عليه وهو أعلم بالمصالح {اصطفاه} قال الحرالي: والاصطفاء أخذ الصفوة - انتهى. ولما كان ذلك مضمناً معنى ملكه قال في تعديته {عليكم} ثم أتبع ذلك ما أودعه سبحانه مما اقتضى ذلك فقال: {وزاده} أي عليكم {بسطة في العلم} الذي به تحصل المكنة في التدبير والنفاذ في كل أمر، وهو يدل على اشتراط العلم في الملك، وفي تقديمه أن الفضائل النفسانية أشرف من الجسمانية وغيرها، وأن الملك ليس بالإرث {والجسم} الذي به يتمكن من الظفر بمن بارزه من الشجعان وقصده من سائر الأقران. ولما كان من إليه شيء كان له الخيار في إسناده إلى غيره قال: {والله} أي اصطفاه والحال أن الملك الذي لا أمر لغيره {يؤتي ملكه} أي الذي هو له وليس لغيره فيه شيء {من يشاء} كما آتاكموه بعد أن كنتم مستعبدين عند آل فرعون {والله} الذي له الإحاطة الكاملة فلا يجوز الاعتراض عليه {واسع} أي في إحاطة قدرته وشمول عظمته وكثرة جنوده ورزقه {عليم *} أي بالغ العلم، فما اختاره فهو المختار وليس لأحد معه خيرة فهو يفعل بما له من السعة في القدرة والعلم ما قد لا تدركه العقول ولا تحتمل وصفه الألباب والفهوم ويؤتي من ليس له مال من خزائن رزقه ما يشاء.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن جرير عن ابن زيد قال: لما نزل قوله {متاعاً بالمعروف حقاً على المحسنين} قال رجل: إن أحسنت فعلت وإن لم أرد ذلك لم أفعل، فأنزل الله {وللمطلقات متاع بالمعروف حقاً على المتقين} . وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن المسيب قال: نسخت هذه الآية التي بعدها قوله {أية : وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم} تفسير : [البقرة:237] نسخت {وللمطلقات متاع بالمعروف} . وأخرج عن عتاب بن خصيف في قوله {للمطلقات متاع} قال: كان ذلك قبل الفرائض. وأخرج مالك وعبد الرزاق والشافعي وعبد بن حميد والنحاس في ناسخه وابن المنذر والبيهقي عن ابن عمر قال: لكل مطلقة متعة إلا التي يطلقها ولم يدخل بها وقد فرض لها، كفى بالنصف متاعاً. وأخرج ابن المنذر عن علي بن أبي طالب قال: لكل مؤمنة طلقت حرة أو أمة متعة، وقرأ {وللمطلقات متاع بالمعروف حقاً على المتقين} . وأخرج البيهقي عن جابر بن عبدالله قال "حديث : لما طلق حفص بن المغيرة امرأته فاطمة أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقال لزوجها. متعها. قال: لا أجد ما أمتعها. قال: فإنه لا بد من المتاع، متعها ولو نصف صاع من تمر ". تفسير : وأخرج عبد بن حميد عن أبي العالية {وللمطلقات متاع بالمعروف حقاً على المتقين} قال: لكل مطلقة متعة. وأخرج عبد بن حميد عن يعلى بن حكيم قال: قال رجل لسعيد بن جبير: المتعة على كل أحد هي؟ قال: لا. قال: فعلى من هي؟ قال: على المتقين. وأخرج البيهقي عن قتادة قال: طلق رجل امرأته عند شريح فقال له شريح: متعتها؟ فقالت المرأة: إنه ليس لي عليه متعة، إنما قال الله {وللمطلقات متاع بالمعروف حقاً على المتقين} وللمطلقات متاع بالمعروف حقاً على المحسنين، وليس من أولئك. وأخرج البيهقي عن شريح أنه قال لرجل فارق امرأته: لا تأبَ أن تكون من المتقين، لا تأبَ أن تكون من المحسنين. وأخرج الشافعي عن جابر بن عبدالله قال: نفقة المطلقة ما لم تحرم، فإذا حرمت فمتاع بالمعروف.
ابو السعود
تفسير : {وَلِلْمُطَلَّقَـٰتِ} سواءٌ كن مدخولاً بهن أو لا {مَتَـٰعٌ} أي مطلقُ المتعة الشاملة الواجبةِ والمستحبة وأوجبها سعيدُ بنُ جبـير، وأبو العالية، والزُهري للكل وقيل: المراد بالمتاع نفقةُ العِدة وقيل: اللام للعهد والمراد غيرُ المدخول بهن والتكريرُ للتأكيد {بِٱلْمَعْرُوفِ} شرعاً وعادة {حَقّا عَلَى ٱلْمُتَّقِينَ} أي مما ينبغي {كَذٰلِكَ} أي مثلَ ذلك البـيانِ الواضح {يُبَيّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ آيَـٰتِهِ} الدالةَ على أحكامه التي شرعها لعباده {لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} لكي تفهموا ما فيها وتعملوا بموجبها. {أَلَمْ تَرَ} تقريرٌ لمن سمع بقصتهم من أهل الكتاب وأربابِ الأخبار من شأنهم البديع فإن سماعَهم لها بمنزلة الرؤية النظريةِ أو العلمية أو لكل أحدٍ ممن له حظٌّ من الخطاب إيذاناً بأن قصتهم من الشهرة والشيوع بحيث يحِقُّ لكل أحد أن يُحمل على الإقرار برؤيتهم وسماع قصتهم ويعجب بها وإن لم يكن ممن رآهم أو سمع بقصتهم فإن هذا الكلامَ قد جرى مجرى المَثلِ في مقام التعجيب لما أنه شُبّه حالُ غيرِ الرائي لشيءٍ عجيب بحال الرائي له بناءً على ادعاء ظهورِ أمره وجلائِه بحيث استوى في إدراكه الشاهدُ والغائبُ ثم أُجريَ الكلامُ معه كما يجري مع الرائي قصداً إلى المبالغة في شهرته وعَراقتِه في التعجب، وتعديةُ الرؤيةِ بإلى في قوله تعالى: {إِلَى ٱلَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَـٰرِهِمْ} على تقدير كونِها بمعنى الأنصار باعتبار معنى النظر على تقدير كونِها إدراكاً قلبـياً لتضمين معنى الوصول والانتهاء على معنى ألم ينتهِ علمُك إليهم {وَهُمْ أُلُوفٌ} أي ألوف كثيرة قيل: عشرةُ آلاف وقيل: ثلاثون وقيل: سبعون ألفاً، والجملةُ حال من فاعل خرَجوا وقوله عز وجل: {حَذَرَ ٱلْمَوْتِ} مفعول له. رُوي أن أهلَ داوردان - قرية قبل واسِط - وقع فيهم الطاعونُ فخرجوا منها هاربـين فأماتهم الله ثم أحياهم ليعتبروا ويعلموا ألا مفرَّ من حكم الله عز سلطانُه وقضاؤه، وقيل: مر عليهم حِزْقيلُ بعد زمان طويل وقد عرِيَتْ عظامُهم وتفرقت أوصالُهم فلوى شدقيه وأصابعَه تعجباً مما رأى من أمرهم فأُوحيَ إليه نادِ فيهم أن قوموا بإذن الله فنادى فإذا هم قيام يقولون: سبحانك اللهم وبحمدك لا إلٰه إلا أنت. وقيل: هم قومٌ من بني إسرائيلَ دعاهم ملكُهم إلى الجهاد فهربوا حذراً من الموت فأماتهم الله تعالى ثمانية أيامٍ ثم أحياهم. وقوله عز وجل: {فَقَالَ لَهُمُ ٱللَّهُ مُوتُواْ} إما عبارةٌ عن تعلق إرادته تعالى بموتهم دفعةً، وإما تمثيلٌ لإماتته تعالى إياهم مِيتةَ نفسٍ واحدة في أقرب وقتٍ وأدناه وأسرعِ زمان وأوحاه بأمر آمرٍ مطاعٍ لمأمور مطيع كما في قوله تعالى: {أية : إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ} تفسير : [يس، الآية: 82]؛ {ثُمَّ أَحْيَـٰهُمْ} عطفٌ إما على مقدَّر يستدعيه المقامُ أي فماتوا ثم أحياهم وإنما حُذف للدلالة على الاستغناء عن ذكره لاستحالة تخلُّف مرادِه تعالى عن إرادته وإما على قال لما أنه عبارةٌ عن الإماته، وفيه تشجيعٌ للمسلمين على الجهاد والتعرُّضِ لأسباب الشهادةِ وأن الموتَ حيث لم يكن منه بدٌّ ولم ينفعْ منه المفرُّ فأولىٰ أن يكون في سبـيل الله تعالى {إِنَّ ٱللَّهَ لَذُو فَضْلٍ} عظيمٍ {عَلَى ٱلنَّاسِ} قاطبةً، أما أولئك فقد أحياهم ليعتبروا بما جرى عليهم فيفوزوا بالسعادة العظمى، وأما الذين سمِعوا قِصتَهم فقد هداهم إلى مسلك الاعتبارِ والاستبصار {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ} أي لا يشكرون فضلَه كما ينبغي ويجوز أن يراد بالشكر الاعتبارُ والاستبصارُ، وإظهارُ الناس في مقام الإضمار لمزيد التشنيع.
القشيري
تفسير : الإشارة ألا تجمعوا عليهن الفراق والحرمان فيتضاعف عليهن البلاء.
البقلي
تفسير : {وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِٱلْمَعْرُوفِ} جعل لهن المتاع تسلية لقلوبهم لانهم كابدن مقاساة الفراق لئلا يتضاعف لهن البلايا بلاء الهجران وبلاء الحرمان.
اسماعيل حقي
تفسير : {وللمطلقات} سواء كن مدخولا بهن ام لا {متاع} اى مطلق المتعة الشاملة للمستحبة والواجبة فان كانت المطلقة مفوضة غير مدخول بها وجبت لها المتعة وان كانت غيرها يستحب لها فلفظ التمتع المدلول عليه بمتعوهن فى الآية السالفة يحمل على الواجب فلا منافاة بين الآيتين {بالمعروف} اى متاع ملتبس بالمعروف شرعا وعادة {حقا على المتقين} اى مما ينبغى على من كان متقيا فليس بواجب ولكن من شروط التقوى التبرع بهذا تطييبا لقلبها وازالة للضغن.
ابن عجيبة
تفسير : قلت: إنما كرره لأن الأولى في غير المدخول بها، إذا طُلقت قبل الفرض، وهذه في المدخول بها، وعبَّر أولاً بالمحسن: لأن المتعة قبل الدخول لا يعطيها إلا أهل الإحسان؛ لأن المطلق لم يحصل له تمتع بالزوجة، بخلاف الثاني، فمطلق المدخول بها، التقوى تحمله على الإمتاع. وقيل: لمّا نزلت الآية الأولى، قال رجل من المسلمين: إنْ أحسنتُ مَتَّعْتُ وإلاَّ تَركتُ، فنزلت الثانية تأكيداً. وقال: {حقّاً على المتقين} الشرك، أي: على كل مؤمن، وحكمها: الندب، عند مالك، على تفصيل ذكره، في المختصر، فقال عاطفاً على المندوب: والمتعة على قدر حاله، بعد العدة للرجعة، أو ورثتها، ككل مُطَلَّقة في نكاح لازم، لا في فَسْخ؛ كلعَانٍ وملك أحد الزوجين، إلا من اختلعَتْ، أو فُرض لها وطُلقت قبل البناء، ومختارة لعتقِها أو لِعَيْبه أو مُخَيَّرَة أو مُمَلَّكة. الإشارة: كل من طلق نفسه وخالف هواها تمتع بحلاوة المعاملة مع ربه، فمن اتصل بشيخ التربية تمتع بحلاوة العبادة القلبية كالشهود والعيان، ومن لم يتصل بالشيخ تمتع بحلاوة العبادة الحسية. فالآية الأولى في المريدين والواصلين، وهذه الآية في العُبَّاد والزهاد، ولذلك عبّر في الأولى بالمحسنين، وفي الثانية بالمتقين، والله تعالى أعلم.
الطوسي
تفسير : المعنى: قال سعيد بن المسيب الآية منسوخة بقوله: {فنصف ما فرضتم} وعندنا أنها مخصوصة بتلك إن نزلا معاً. وإن كانت تلك متأخرة فالأمر على ما قال سعيد ابن المسيب: إنها منسوخة، لأن عندنا لا تجب المتعة إلا للتي لم يدخل بها ولم يسم لها مهر. وإن سمي لها مهر، فلها ما سمي وإن لم يدخل بها فان فرض لها مهراً كان لها نصف مهرها، ولا متعة لها في الحالين، فلا بد من تخصيص هذه الآية. وقال سعيد ابن جبير وأبو العالية والزهري: المتعة واجبة لكل مطلقة، وبه قال أبو حنيفة. وقال الحسن: هي للمطلقة التي لم يدخل بها ولم يفرض لها صداق ما قلناه. وقال عطا، ومجاهد: هي للمدخول بها، وحكى أبو علي: للمطلقة البائنة. وإنما كرر ذكر المتعة ها هنا وقد تقدم ذكرها قبل هذه الآية، لأنه ذكر في غيرها خاصاً وذكر فيها عاماً فدخل فيه الأمة، وغيرها، والمتعة في الموضع الذي يجب على قدر الرجل بظاهر الآية، لأنه قال: {وعلى الموسع قدره}: مثلها وإن كان فوق قدره حكاه البلخي. وقوله: {بالمعروف} معناه بالمعروف صحته، لأنه عدل بين الافراط، والتقصير. وقال الضحاك: على قدر الميسرة، وإنما خص المتاع بالمتقين وإن كان واجباً على الفاسقين، تشريفاً لهم بالذكر اختصاصاً، وجعل غيرهم على وجه التبع، كما قال: {أية : هدى للمتقين}تفسير : وقيل: لأنه أخرج الكلام مخرج من لا يعتد بغيرهم لاحتقارهم، وجلالة المتقين بالتقوى، ولأنه اذا وجب على المتقين، فهو واجب على جميع المتعبدين، لأن التقوى واجب على المكلفين، وهذا إنما يدل على أنه واجب بشريطة التقوى. فأما إذا وجب على التقي والفاجر، فالجواب هو الأول. الاعراب: وقوله: {حقاً على المتقين} نصب على المصدر، وقع موقع الحال، والعامل فيه {بالمعروف} كأنه قيل: عرف حقاً، ويجوز أن يكون العامل فيه الظرف. ويجوز أن يعمل فيه معنى الجملة، كأنه قيل: أحق ذلك حقاً وكان يجوز أن يرفع على أنه صفة لمتاع. المعنى: والمتاع: النفقة مقدار ما تقيم في العدة على قول الجبائي: وعلى ما قلناه قدر ما يوصي به لها بالمعروف الذي لا يضرّ بباقي الورثة.
الجنابذي
تفسير : {وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِٱلْمَعْرُوفِ} تعميمٌ بعد تخصيصٍ وبيان حكم ندب بعد الحكم الفرض فانّ حكم التّمتيع فيما سبق كان للمطلّقات الغير الممسوسات الغير المفروض لهنّ، وفى الخبر: متعة النّساء واجبة دخل او لم يدخل؛ وتمتّع قبل ان تطلق؛ وفى بيان هذه الآية عن الصّادق (ع): متاعها بعد ما تنقضى عدّتها على الموسع قدره وعلى المقتر قدره، قال: وكيف يمتّعها وهى فى عدّتها ترجوه ويرجوها ويحدث الله بينهما ما يشاء {حَقّاً} مفعول مطلق مؤكّدٌ لغيره او حال {عَلَى ٱلْمُتَّقِينَ كَذَلِكَ} التّبيين لاحكام النّساء فى توفّى ازواجهنّ وفى طلاقهنّ {يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ} الثّابتة فى حقّ أنفسكم وفى حقّ مخالطيكم ومخالطاتكم {لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} تصيرون عقلاء او تدركون بعقولكم كونها آياتٍ وأحكامٍ لله وتدركون مصالحها وحكمها.
الهواري
تفسير : قوله: {وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ}. ذكروا عن الحسن أنه قال: لكل مطلقة متاع. وليس بالواجب الذي يؤخذ به الرجل، إلا التي طلقت قبل أن يدخل بها ولم يفرض لها. قال محمد بن سيرين: شهدت شريحاً فرّق بين رجل وامرأته فقال: متّعها، قال: لا أجد. قال: ما قلّ أو كثر. قال لا أجد. قال: أفٍ، قم، لا تريد أن تكون من المحسنين، لا تريد أن تكون من المتّقين. قال: {كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ ءَايَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ}. أي لكي تعقلوا. قوله: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ المَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ} أي لا يؤمنون. ذكر بعض المفسّرين قال: هم قوم فرّوا من الطاعون فمقتهم الله على فرارهم من الموت، فقال لهم الله: موتوا عقوبة، ثم بعثهم ليستوفوا بقيّة أرزاقهم وآجالهم. قال الكلبي: كانوا ثمانية آلاف فأماتهم الله، فمكثوا ثمانية أيام. وقال بعضهم: فخرج عشائرهم ليدفنوهم، فكثروا عليهم، وكانوا جيفاً قد أنتنوا، فحَظَروا عليهم الحظائر.
اطفيش
تفسير : {وللمُطلَّقاتِ مَتاعٌ بالمعْرُوفِ حَقّاً عَلَى المتَّقِينَ}: {كذلِكَ يُبيِّن اللّهُ لكُمْ آياتهِ لَعلَّكم تَعْقِلُونَ}: أل فى المطلقات للعهد الذكرى فى قوله:{أية : ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره}تفسير : الآية، فالمراد هنا أيضا من طلقت بلا مس ولا فرض، فكرر ذلك هنا للتأكيد أو لتكرر القصة، وقيل ولما نزل:{أية : ومتعوهن}تفسير : إلى قوله:{أية : المحسنين}تفسير : قال رجل من المسلمين: إن أحسنت فعلته وإن لم أر ذلك لم أفعل، فنزل إيجابها: {وللمطلقات متاع بالمعروف حقا على المتقين}. وقيل: المطلقات هنا يعم كل مطلقة فتجب المتعة لكل مطلقة، ولو مست أو فرض لها ومست إلا التى فرض فرض لها ولم تمس، وبه قال الشافعى وابن جبير، وقيل لها أيضا، وبه قال أبو المؤثر وجماعة، وقيل يستحب لهن إلا المطلقة لها ولم تمس فلا تستحب لها، وبه قال أبو حنيفة، يرى أن قولهُ:{أية : وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن}تفسير : الآية، استثناء. وبه قال ابن القاسم أيضاً، وقيل تستحب لها أيضاً ونسبه بعض قومنا للكتب المعتبرة، وعلى هذه الأقوال فى التعميم يكون أثبت المتعة للمطلقات جميعاً بعدما أثبتها لواحدة، وهى المطلقة بلا مس ولا فرض، ويقال تخصيص هذا العام بالآية السابقة مبنى على جواز تخصيص منطوق هذه الآية بمفهوم السابقة، والمفهوم لا يعارض المنطق، فكيف يخصه، فهذه الآية على عمومها، ويجيب صاحب القول الأول بأن كون أل للعهد ليس من التخصيص، بل تصريح بالأولى وهى المطلقة بلا مس ولا فرض. وقال الشيخ هود رحمه الله: ذكروا عن الحسن أنه قال: لكل مطلقة متاع، وليس بالواجب الذى يؤخذ به الرجل إلا التى طلقت قبل أن يدخل بها، ولم يفرض لها، قال محمد بن سيرين شهدت شريحاً فرق بين رجل وامرأته فقال: متعها، فقال: لا أجد فقال: ما قل أو أكثر، قال: لا أجد، قال: أف قم لا تريد أن تكون من المحسنين، لا تريد أن تكون من المتقين، وخص المتقين، وهم من يتقى الشرك أو المعاصى أو عقاب الله بترك ذلك، لأنه المتعظ بأمر الله ونهيه، والناس فى ذلك كله سواء، والمراد أنك لا تريد أن تكون فيمن يثاب بترك الشرك أو المعاصى، ويجزل له الثواب بأداء الواجب أو فعل المندوب وعادة الله تعالى أن يذكر القصص بعد بيان الأحكام زجراً فما فى القصص عن ترك امتثال الأحكام، ولذلك قال الله تعالى بعد ذلك: {ألمْ تَرَ إلىَ الَّذِينَ خرجُوا مِن دِيارِهمْ ...}
اطفيش
تفسير : {وَلِلْمُطَلَّقَٰتِ} المعهودات الذكر فيما مر، وهن المطلقات قبل المس غير مفروض لهن، وأعاد ذكر متعتها دفعاً لتوهم من يتوهم من قوله تعالى، حقا على المحسنين، أن المتعة غير واجبة، بل إحسان إن شئت متعتها، وإن شئت لم تمتعها، وهذا بيان وزجر لا نسخ، لأن قوله على المحسنين لم يرد به الاستحباب فقط، ولو ناسبه لفظ الإحسان ولفظ حقا ظاهر فى الوجوب فيعمل به، ولو كان قد يطلق فى حق المتبرع، ووجه الدفع قوله، حقا على المتقين، فمن يمنع فهو غير متق، فالتمتيع واجب {مَتَٰعٌ بِالْمَعْرُوفِ} بحسب مال الزوج ونظر الحاكم، ويسن ألا نتقص عن ثلاثين درهما {حَقّاً} حق حقا أى وجب وجوبا ذلك التمتيع {عَلَى الْمُتَّقِينَ} وحمل بعضهم هذه الآية على العموم فى كل مطلقة ولو مست أو فرض لها، وعليه ابن جبير والشافعى فى أحد قوليه، وأبو العالية والزهرى، وعكس بعضهم ما مر، فحمل حقا على المحسنين على الوجوب، وهو فى التى لم تمس ولم يفرض لها، وحمل حقا على المتقين على الاستحباب فى الممسوسة، فإن لها صداقا إن فرض. وصداق المثل أو العقر إن لم يفرض، فإن إبحاش الفرقة مندفع بالمهر أو العقو فلم تجب المتعة، لكن المناسب لأهل التقوى التبرع بها تطييبا لقلبها، وقيل، المتعة هنا نفقة العدة.
الالوسي
تفسير : {وَلِلْمُطَلَّقَـٰتِ} سواء كن مدخولاً بهن أولا {مَتَـٰعٌ} أي مطلق المتعة الشاملة للواجبة والمستحبة وأوجبها سعيد بن جبير وأبو العالية والزهري للكل، وقيل: المراد بالمتاع نفقة العدة، ويجوز أن يكون اللام للعهد أي المطلقات المذكورات في الآية السابقة وهن غير الممسوسات وغير المفروض لهن، والتكرير للتأكيد والتصريح بما هو أظهر في الوجوب وهذا هو الأوفق بمذهبنا، ويؤيده ما أخرجه ابن جرير عن ابن زيد قال: لما نزل قوله تعالى: {أية : مَتَـٰعاً بِٱلْمَعْرُوفِ حَقّا عَلَى ٱلْمُحْسِنِينَ }تفسير : [البقرة: 236] قال رجل: إن أحسنت فعلت وإن لم أرد ذلك لم أفعل فأنزل الله تعالى هذه الآية فلا حاجة حينئذ إلى القول بأن تلك الآية مخصصة بمفهومها منطوق هذه الآية المعممة على مذهب من يرى ذلك ولا إلى القول بنسخ هذه كما ذهب إليه ابن المسيب وهو أحد قولي الإمامية {بِٱلْمَعْرُوفِ حَقّا عَلَى ٱلْمُتَّقِينَ} أي من الكفر والمعاصي.
ابن عاشور
تفسير : عطف على جملة: { أية : والذين يتوفون منكم } تفسير : [البقرة: 240] جُعل استيفاء لأحكام المتعة للمطلقات، بعد أن تقدم حكم متعة المطلقات قبل المسيس وقبل الفرض، فعمم بهذه الآية طلب المتعة للمطلقات كلهن، فاللام في قوله: {وللمطلقات متاع} لام الاستحقاق. والتعريف في المطلقات يفيد الاستغراق، فكانت هذه الآية قد زادت أحكاماً على الآية التي سبقتها. وعن جابر بن زيد قال: لما نزل قوله تعالى: { أية : ومتعوهن على الموسع قدره } تفسير : إلى قوله: { أية : حقا على المحسنين } تفسير : [البقرة: 236] قال رجل: إن أحسنت فعلت وإن لم أرد ذلك لم أفعل، فنزل قوله تعالى: {وللمطلقات متاع بالمعروف حقا على المتقين} فجعلها بيانا للآية السابقة، إذ عوض وصف المحسنين بوصف المتقين. والوجه أن اختلاف الوصفين في الآيتين لا يقتضي اختلاف جنس الحكم باختلاف أحوال المطلقات، وأن جميع المتعة من شأن المحسنين والمتقين، وأن دلالة صيغة الطلب في الآيتين سواء إن كان استحباباً أو كان إيجاباً. فالذين حملوا الطلب في الآية السابقة على الاستحباب، حملوه في هذه الآية على الاستحباب بالأولى، ومعولهم في محمل الطلب في كلتا الآيتين ليس إلا على استنباط علة مشروعية المتعة وهي جبر خاطر المطلقة استبقاء للمودة، ولذلك لم يستثن مالك من مشمولات هذه الآية إلا المختلعة؛ لأنها هي التي دعت إلى الفرقة دون المطلق. والذين حملوا الطلب في الآية المتقدمة على الوجوب، اختلفوا في محمل الطلب في هذه الآية فمنهم من طرد قوله بوجوب المتعة لجميع المطلقات، ومن هؤلاء عطاء وجابر بن زيد وسعيد ابن جبير وابن شهاب والقاسم بن محمد وأبو ثور، ومنهم من حمل الطلب في هذه الآية على الاستحباب وهو قول الشافعي، ومرجعه إلى تأويل ظاهر قوله: {وللمطلقات} بما دل عليه مفهوم قوله في الآية الأخرى { أية : ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة } تفسير : [البقرة: 236].
الشنقيطي
تفسير : ظاهر هذه الآية الكريمة أن المتعة حق لكل مطلقة على مطلقها المتقي، سواء أطلقت قبل الدخول أم لا؟ فرض لها صداق أم لا؟ ويدل لهذا العموم قوله تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ قُل لأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً} تفسير : [الأحزاب: 28] مع قوله: {أية : لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} تفسير : [الأحزاب: 21] الآية - وقد تقرر في الأصول أن الخطاب الخاص به صلى الله عليه وسلم يعم حكمه جميع الأمة إلا بدليل على الخصوص كما عقده في مراقي السعود بقوله: شعر : وما به قد خوطب النَّبي تعميمه في المذهب السني تفسير : وهو مذهب الأئمة الثلاثة، خلافاً للشافعي القائل بخصوصه به صلى الله عليه وسلم إلا بدليل على العموم، كما بيناه في غير هذا الموضع. وإذا عرفت ذلك فاعلم: أن أزواج النَّبي مفروض لهن ومدخول بهن، وقد يفهم من موضع آخر أن المتعة لخصوص المطلقة قبل الدخول. وفرض الصداق معاً. لأن المطلقة بعد الدخول تستحق الصداق، والمطلقة قبل الدخول وبعد فرض الصداق تستحق نصف الصداق. والمطلقة قبلهما لا تستحق شيئاً، فالمتعة لها خاصة لجبر كسرها وذلك في قوله تعالى: {أية : لاَّ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُواْ لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ} تفسير : [البقرة: 236] ثم قال: {أية : وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ} تفسير : [البقرة: 237] فهذه الآية ظاهرة في هذا التفصيل، ووجهه ظهر معقول. وقد ذكر تعالى في موضع آخر ما يدل على الأمر بالمتعة للمطلقة قبل الدخول وإن كان مفروضاً لها، وذلك في قوله تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا نَكَحْتُمُ ٱلْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً} تفسير : [الأحزاب: 49]. لأن ظاهر عمومها يشمل المفروض لها الصداق وغيرها، وبكل واحدة من الآيات الثلاث أخذ جماعة من العلماء. والأحوط الأخذ بالعموم، وقد تقرر في الأصول أن النص الدال على الأمر مقدم على الدال على الإباحة، وعقده في مراقي السعود بقوله: شعر : وناقل ومثبت والآمر بعد النواهي ثم هذا الآخر تفسير : على إباحة إلخ. فقوله ثم هذا الآخر على إباحة، يعني: أن النص الدال على أمر مقدم على النص الدال على إباحة، للاحتياط في الخروج من عهدة الطلب. والتحقيق أن قدر المتعة لا تحديد فيه شرعاً لقوله تعالى: {أية : عَلَى ٱلْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى ٱلْمُقْتِرِ قَدْرُهُ} تفسير : [البقرة: 236] فإن توافقا على قدر معين فالأمر واضح، وإن اختلفا فالحاكم يجتهد في تحقيق المناط، فيعين القدر على ضوء قوله تعالى: {أية : عَلَى ٱلْمُوسِعِ قَدَرُهُ} تفسير : [البقرة: 236] الآية هذا هو الظاهر وظاهر قوله: {أية : ومَتِّعُوهُنَّ} تفسير : [البقرة: 236] وقوله: {وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ} [البقرة: 241] يقتضي وجوب المتعة في الجملة خلافاً لمالك ومن وافقه في عدم وجوب المتعة أصلاً، واستدل بعض المالكية على عدم وجوب المتعة بأن الله تعالى قال: {أية : حَقّاً عَلَى ٱلْمُحْسِنِينَ} تفسير : [البقرة: 236] وقال: {حَقّاً عَلَى ٱلْمُتَّقِينَ} [البقرة: 241] قالوا: فلو كانت واجبة لكانت حقاً على كل أحد. وبأنها لو كانت واجبة لعين فيها القدر الواجب. قال مقيده - عفا الله عنه - هذا الاستدلال على عدم وجوبها لا ينهض فيما يظهر. لأن قوله: {أية : عَلَى ٱلْمُحْسِنِينَ} تفسير : [البقرة: 236] و {عَلَى ٱلْمُتَّقِينَ} [البقرة: 241] تأكيد للوجوب وليس لأحد أن يقول لست متقياً مثلاً. لوجوب التقوى على جميع الناس قال القرطبي في تفسير قوله تعالى ومتعوهن الآية ما نصه: وقوله على المتقين تأكيد لإيجابها. لأن كل واحد يجب عليه أن يتقي الله في الإشراك به ومعاصيه وقد قال تعالى في القرآن: {أية : هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ} تفسير : [البقرة: 2]، وقولهم لو كانت واجبة لعين القدر الواجب فيها، ظاهر السقوط. فنفقة الأزواج والأقارب واجبة ولم يعين فيها القدر اللازم، وذلك النوع من تحقيق المناط مجمع عليه في جميع الشرائع كما هو معلوم.
د. أسعد حومد
تفسير : {وَلِلْمُطَلَّقَاتِ} {مَتَاعٌ} (241) - اسَتَدَلَّ بَعْضُهُمْ بِهذِهِ الآيةِ عَلَى وُجُوبِ المُتْعَةِ لِكُلِّ مُطَلَّقَةٍ، وَجَعَلَ اللهُ تَعَالَى هَذِهِ المُتْعَةَ حَقّاً عَلَى الزَّوْجِ الذِي يَتَّقِي اللهَ وَيَخَافُهُ. وَالمُتْعَةُ وَاجِبَةٌ لِلزَّوْجَةِ غَيرِ المَدْخُولِ بِها، إذا لَمْ يَكُنْ قَدْ سُمِّي لَها مَهْرٌ، وَهِي مُسْتَحَبَّةٌ لِكُلِّ مُطَلَّقَةٍ غَيْرِها، جَبْراً لِخَاطِرِهَا. وَيَدْفَعُهَا الزَّوْجُ عَنْ رِضاً وَطِيبِ خَاطِرٍ لأنَّ ذَلِكَ مِمَّا تُوجِبُهُ عَليهِ تَقْوَى اللهِ. مَتَاعٌ - مُتْعَةٌ أوْ نَفَقَةُ العدَّةِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : إن لكل المطلقات في أي صورة من الصور متاعاً، ولكنه سبحانه قد بين المتاع في كل واحدة بدليل أنه أوضح لنا: إن لم تفرضوا لهن فريضة فقال: {أية : وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى ٱلْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى ٱلْمُقْتِرِ قَدَرُهُ} تفسير : [البقرة: 236]. وإن كنتم فرضتم لها مهراً فنصف ما فرضتم، فكأن الله قد جعل لكل حالة حكماً يناسبها، ولكل مطلقة متعة بالقدر الذي قاله سبحانه. وعندما نتأمل قول الحق من بعد ذلك: {كَذَلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ ...}.
الأندلسي
تفسير : {وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِٱلْمَعْرُوفِ} ظاهره العموم كما ذهب. وقرىء ألم تر بسكون الراء وقصة هؤلاء انهم قوم من بني إسرائيل أمروا بالجهاد فخافوا القتل فخرجوا من ديارهم فراراً من ذلك فاماتهم الله ليعرّفهم أنهم لا ينجيهم من الموت شيء. {ثُمَّ أَحْيَٰهُمْ} وأمرهم بالجهاد. {وَهُمْ أُلُوفٌ} جملة حالية وألوف جمع ألف وهو عدد معروف. والظاهر أنهم ألوف من غير تعيين ويجوز أن يراد به التكثير، أي وهم عالم كثير لا يكاد يحصيهم عاد. كما تقول: جئتك ألف مرة تريد التكثير لا حقيقة العدد. "وحذر الموت" مفعول من أجله. {فَقَالَ لَهُمُ ٱللَّهُ} أي على لسان نبي فيهم أو على لسان ملك. أو يكون كناية عن سرعة موتهم كأنهم مأمورون بذلك لسرعة القابلية. وفي الكلام حذف أي فماتوا والموت عبارة عن فراق أرواحهم لأجسادهم. {ثُمَّ أَحْيَٰهُمْ} يدل على تراخي إحيائهم وليس بموت الآجال بل هو حادث مما يحدث على المنكر كموت الذي مرّ على قرية وأتت هذه بين يدي الأمر بالقتال تشجيعاً للمؤمنين وحثا على الجهاد وإعلاماً بأن لا مفرّ من القضاء وتنبيهاً على النشأة الآخرة. {وَقَٰتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} ظاهره أنه خطاب لأمة محمد صلى الله عليه وسلم بالجهاد في سبيل الله وعن ابن عباس أمر لأولئك الذين أحياهم الله بالجهاد. {مَّن ذَا ٱلَّذِي يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً} هذا على سبيل التمثيل والتقريب. والله الغني شبه عطاء المؤمن في الدنيا ما يرجوا ثوابه في الآخرة بالقرض، كما شبه بذل النفوس والأموال في أخذ الجنة بالبيع والشراء. ومن: مبتدأ. وإذا: اسم إشارة باق على إشارته، والذي: صفة له أو من، وذا مركبين بمعنى الاستفهام والذي: خبره، وقرضاً: مصدر على غير المصدر، أي إقراضاً، أو بمعنى المفعول أي مقروضاً حسناً. وحسنه إن كان مصدراً بطيب النية فيه وكونه بلا أذى ولا من وإن كان مفعولاً فبجودته وكثرته وطيب أصله. وقرىء {فَيُضَٰعِفَهُ} بالتشديد، وفيضاعفه بالألف. وقرىء بالرفع على الاستئناف أي فهو يضاعفه أو عطفاً على صلة الذي وبالنصب جواباً للاستفهام وإن كان الاستفهام هو عند المسند إليه الحكم لا عن الحكم خلافاً لمن منع النصب في ذلك وهو نظير من يدعوني فأستجيب له. {أَضْعَافاً} حال أو ضمن فيضاعف معنى فيصيره فيكون مفعولاً. {وَٱللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ} أي يقتر ويوسع.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : أي: لكل مطلقة متاع بالمعروف حقا على كل متق، جبرا لخاطرها وأداء لبعض حقوقها، وهذه المتعة واجبة على من طلقت قبل المسيس، والفرض سنة في حق غيرها كما تقدم، هذا أحسن ما قيل فيها، وقيل إن المتعة واجبة على كل مطلقة احتجاجا بعموم هذه الآية، ولكن القاعدة أن المطلق محمول على المقيّد، وتقدم أن الله فرض المتعة للمطلقة قبل الفرض والمسيس خاصة. ولما بيّن تعالى هذه الأحكام العظيمة المشتملة على الحكمة والرحمة امتن بها على عباده فقال: { كذلك يبين الله لكم آياته } أي: حدوده، وحلاله وحرامه والأحكام النافعة لكم، لعلكم تعقلونها فتعرفونها وتعرفون المقصود منها، فإن من عرف ذلك أوجب له العمل بها، ثم قال تعالى: { أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ ...}.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):