١٨ - ٱلْكَهْف
18 - Al-Kahf (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
4
Tafseer
الرازي
تفسير : في الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن قوله تعالى: {وَيُنْذِرَ ٱلَّذِينَ قَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَدًا } معطوف على قوله: { أية : لِّيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مّن لَّدُنْهُ } تفسير : [الكهف: 2] والمعطوف يجب كونه مغايراً للمعطوف عليه فالأول عام في حق كل من استحق العذاب. والثاني خاص بمن أثبت لله ولداً، وعادة القرآن جارية بأنه إذا ذكر قضية كلية عطف عليها بعض جزئياتها تنبيهاً على كونه أعظم جزئيات ذلك الكلي كقوله تعالى: { أية : وَمَلـئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَـٰلَ } تفسير : [البقرة: 98] فكذا ههنا العطف يدل على أن أقبح أنواع الكفر والمعصية إثبات الولد لله تعالى. المسألة الثانية: الذين أثبتوا الولد لله تعالى ثلاث طوائف. أحدها: كفار العرب الذين قالوا: الملائكة بنات الله. وثانيها: النصارى حيث قالوا: المسيح ابن الله. وثالثها: اليهود الذين قالوا: عزيز ابن الله، والكلام في أن إثبات الولد لله كفر عظيم ويلزم منه محالات عظيمة قد ذكرناه في سورة الأنعام في تفسير قوله تعالى: { أية : وَخَرَقُواْ لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ } تفسير : [الأنعام: 100] وتمامه مذكور في سورة مريم، ثم إنه تعالى أنكر على القائلين بإثبات الولد لله تعالى من وجهين. الأول: قوله: {مَّا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلاَ لآبائهم } فإن قيل اتخاذ الله ولداً محال في نفسه فكيف قيل {ما لهم به من علم}؟ قلنا: انتفاء العلم بالشيء قد يكون للجهل بالطريق الموصل إليه، وقد يكون لأنه في نفسه محال لا يمكن تعلق العلم به. ونظيره قوله: { أية : وَمَن يَدْعُ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـهَا ءاخَرَ لاَ بُرْهَانَ لَهُ بِهِ } تفسير : [المؤمنون: 117] واعلم أن نفاة القياس تمسكوا بهذه الآية فقالوا: هذه الآية تدل على أن القول في الدين بغير علم باطل، والقول بالقياس الظني قول في الدين بغير علم فيكون باطلاً وتمام تقريره مذكور في قوله: { أية : وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ } تفسير : [الإسراء: 36] وقوله: {وَلاَ لآبائهم} أي ولا أحد من أسلافهم، وهذا مبالغة في كون تلك المقالة باطلة فاسدة. النوع الثاني: مما ذكره الله في إبطاله قوله: {كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ } وفيه مباحث: البحث الأول: قرىء: {كَبُرَتْ كَلِمَةً } بالنصب على التمييز وبالرفع على الفاعلية، قال الواحدي ومعنى التمييز أنك إذا قلت كبرت المقالة أو الكلمة جاز أن يتوهم أنها كبرت كذباً أو جهلاً أو افتراء، فلما قلت كلمة ميزتها من محتملاتها فانتصبت على التمييز والتقدير كبرت الكلمة كلمة فحصل فيه الإضمار، أما من رفع فلم يضمر شيئاً كما تقول عظم فلان فلذلك قال النحويون والنصب أقوى وأبلغ، وفيه معنى التعجب كأنه قيل ما أكبرها كلمة. البحث الثاني: قوله: {كَبُرَتْ } أي كبرت الكلمة. والمراد من هذه الكلمة ما حكاه الله تعالى عنهم في قوله: {قَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَدًا } فصارت مضمرة في كبرت وسميت كلمة كما يسمون القصيدة كلمة. البحث الثالث: احتج النظام في إثبات قوله: أن الكلام جسم بهذه الآية قال: إنه تعالى وصف الكلمة بأنها تخرج من أفواههم والخروج عبارة عن الحركة؛ والحركة لا تصح إلا على الأجسام. والجواب أن الحروف إنما تحدث بسبب خروج النفس عن الحلق، فلما كان خروج النفس سبباً لحدوث الكلمة أطلق لفظ الخروج على الكلمة. البحث الرابع: قوله: {تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ } يدل على أن هذا الكلام مستكره جداً عند العقل؛ كأنه يقول: هذا الذي يقولونه لا يحكم به عقلهم وفكرهم ألبتة لكونه في غاية الفساد والبطلان، فكأنه شيء يجري به لسانهم على سبيل التقليد، لأنهم مع أنها قولهم عقولهم وفكرهم تأباها وتنفر عنها ثم قال تعالى: {إِن يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِبًا } ومعناه ظاهر، واعلم أن الناس قد اختلفوا في حقيقة الكذب. فعندنا أنه الخبر الذي لا يطابق المخبر عنه سواء اعتقد المخبر أنه مطابق أم لا؟ ومن الناس من قال شرط كونه كذباً أن لا يطابق المخبر عنه مع علم قائله بأنه غير مطابق، وهذا القيد عندنا باطل، والدليل عليه هذه الآية فإنه تعالى وصف قولهم بإثبات الولد لله بكونه كذباً، مع أن الكثير منهم يقول ذلك، ولا يعلم كونه باطلاً، فعلمنا أن كل خبر لا يطابق المخبر عنه فهو كذب سواء علم القائل بكونه مطابقاً أو لم يعلم، ثم قال تعالى: {فَلَعَلَّكَ بَـٰخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ ءاثَـٰرِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ بِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ أَسَفاً } وفيه مباحث: البحث الأول: المقصود منه أن يقال للرسول: لا يعظم حزنك وأسفك بسبب كفرهم فإنا بعثناك منذراً ومبشراً فأما تحصيل الإيمان في قلوبهم فلا قدرة لك عليه. والغرض تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم عنه. البحث الثاني: قال الليث: بخع الرجل نفسه إذا قتلها غيظاً من شدة وجده بالشيء. وقال الأخفش والفراء أصل البخع الجهد. يقال: بخعت لك نفسي أي جهدتها، وفي حديث عائشة رضي الله عنها أنها ذكرت عمر فقالت: بخع الأرض أي جهدها حتى أخذ ما فيها من أموال الملوك. وقال الكسائي: بخعت الأرض بالزراعة إذا جعلتها ضعيفة بسبب متابعة الحراثة وبخع الرجل نفسه إذا نهكها وعلى هذا معنى: {بَـٰخِعٌ نَّفْسَكَ } أي ناهكها وجاهدها حتى تهلكها ولكن أهل التأويل كلهم قالوا: قاتل نفسك ومهلكها والأصل ما ذكرناه، هكذا قال الواحدي. البحث الثالث: قوله: {عَلَىٰ ءاثَـٰرِهِمْ } أي من بعدهم يقال مات فلان على أثر فلان أي بعده وأصل هذا أن الإنسان إذا مات بقيت علاماته وآثاره بعد موته مدة ثم إنها تنمحي وتبطله بالكلية، فإذا كان موته قريباً من موت الأول كان موته حاصلاً حال بقاء آثار الأول فصح أن يقال مات فلان على أثر فلان. البحث الرابع: قوله؛ {إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ بِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ } المراد بالحديث القرآن. قال القاضي: وهذا يقتضي وصف القرآن بأنه حديث وذلك يدل على فساد قول من يقول: إنه قديم وجوابه أنه محمول على الألفاظ وهي حادثة. البحث الخامس: قوله: {أَسَفاً } الأسف المبالغة في الحزن وذكرنا الكلام فيه عند قوله: { أية : غَضْبَـٰنَ أَسِفًا } تفسير : في سورة الأعراف [150] وعند قوله: { أية : يا أسفي عَلَىٰ يُوسُفَ } تفسير : [يوسف:84] وفي انتصابه وجوه. الأول: أنه نصب على المصدر ودل ما قبله من الكلام على أنه يأسف. الثاني: يجوز أن يكون مفعولاً له أي للأسف كقولك جئتك ابتغاء الخير. والثالث: قال الزجاج: {أَسَفاً } منصوب لأنه مصدر في موضع الحال. البحث السادس: الفاء في قوله: {فَلَعَلَّكَ } جواب الشرط وهو قوله: {إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ } قدم عليه ومعناه التأخير.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَيُنْذِرَ ٱلَّذِينَ قَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَداً} وهم اليهود، قالوا عزير ابن الله، والنصارى قالوا المسيح ابن الله، وقريش قالت الملائكة بنات الله. فالإنذار في أوّل السورة عام، وهذا خاص فيمن قال لله ولد. {مَّا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ} «من» صلة، أي ما لهم بذلك القول علم؛ لأنهم مقلدة قالوه بغير دليل. {وَلاَ لآبَائِهِمْ} أي أسلافهم. {كَبُرَتْ كَلِمَةً} «كلمة» نصب على البيان؛ أي كبرت تلك الكلمة كلمةً. وقرأ الحسن ومجاهد ويحيى بن يعمر وابن أبي إسحاق «كلمةٌ» بالرفع؛ أي عظمت كلمة؛ يعني قولهم اتخذ الله ولداً. وعلى هذه القراءة فلا حاجة إلى إضمار. يقال: كبر الشيء إذا عظم، وكبر الرجل إذا أسنّ. {تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ} في موضع الصفة. {إِن يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِباً} أي ما يقولون إلا كذباً.
البيضاوي
تفسير : {وَيُنْذِرَ ٱلَّذِينَ قَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَدًا } خصهم بالذكر وكرر الإنذار متعلقاً بهم استعظاماً لكفرهم، وإنما لم يذكر المنذر به استغناء بتقدم ذكره.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَيُنْذِرَ } من جملة الكافرين {ٱلَّذِينَ قَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَدًا }.
ابن عادل
تفسير : اعلم أنَّ قوله: {وَيُنذِرَ ٱلَّذِينَ قَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَداً} معطوف على قوله: {أية : لِّيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِّن لَّدُنْهُ} تفسير : [الكهف: 2]، والمعطوف يجب كونه مغايراً للمعطوف عليه، فالأول عام في حقِّ كلِّ من استحقَّ العذاب، والثاني خاصٌّ بمن قال: إنَّ الله اتَّخذ ولداً، والقرآن جارٍ بأنه إذا ذكر الله قضية كلية عطف عليها بعض جزئياتها؛ تنبيهاً على كون ذلك البعض المعطوف أعظم جزئيات ذلك الكلي [أيضاً]، كقوله تعالى: {أية : وَمَلاۤئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَٰلَ} تفسير : [البقرة: 98] فكذا ها هنا يدل على أن أعظم أنواعِ الكفر والمعصيةِ إثباتُ الولد لله تعالى. فصل واعلم أنَّ المثبتين لله تعالى الولد ثلاث طوائف: الأولى: كفار العرب الذين قالوا: الملائكة بناتُ الله. الثانية: النصارى قالوا: المسيحُ ابن الله. الثالثة: اليهود، [حيث] قالوا: العزير ابنُ الله. واعلم أنَّ إثبات الولد لله كفرٌ عظيمٌ، وتقدَّم الكلام على ذلك في سورة الأنعام في قوله: {أية : وَخَرَقُواْ لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ} تفسير : [الأنعام: 100] وسيأتي تمامه - إن شاء الله تعالى - في سورة مريم؛ لأنَّه تعالى أنكر على القائلين بإثبات الولد من وجهين: الأول: قوله: {مَّا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلاَ لآبَائِهِمْ}. فإن قيل: اتخاذ الله تعالى الولد محالٌ في نفسه، فكيف قيل: {أية : مَّا لَهُم بِذَٰلِكَ مِنْ عِلْمٍ} تفسير : [الزخرف: 20]؟. فالجوابُ أنَّ انتفاء العلم بالشيء قد يكون للجهل بالطريق الموصل إليه؛ وقد يكون لأنَّه في نفسه محالٌ، لا يمكن تعلق العلم به، ونظيره قوله: {أية : وَمَن يَدْعُ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـهَا آخَرَ لاَ بُرْهَانَ لَهُ بِهِ} تفسير : [المؤمنون: 117]. فصل تمسَّك نفاة القياس بهذه الآية، فقالوا: دلَّت هذه الآية على أن القول في الدِّين بغير علمٍ باطل، والقول بالقياس الظنيِّ قول في الدِّين بغير علمٍ، فيكون باطلاً. وجوابه تقدم عند قوله: {أية : وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} تفسير : [الإسراء: 36]. وقوله: {وَلاَ لآبَائِهِمْ} أي أحداً من أسلافهم، وهذه مبالغة في كون تلك المقالة فاسدة باطلاة جدًّا. قوله: {مَّا لَهُمْ بِهِ}: أي: بالولد، أو باتخاذه، أو بالقول المدلول عليه بـ "اتَّخَذَ" وبـ "قَالُوا"، وبالله. وهذه الجملة المنفية فيها ثلاثة أوجه: أظهرها: أناه مستأنفة، سيقت للإخبار بذلك. والثاني: أنها صفة للولد، قاله المهدويُّ، وردَّه ابن عطية: بأنه لا يصفه بذلك إلاَّ القائلون، وهم لم يقصدوا وصفه بذلك. الثالث: أنها حالٌ من فاعل "قالوا"، أي: قالوه جاهلين. و "مِنْ عِلم" يجوز أن يكون فاعلاً، وأن يكون مبتدأ، والجارُّ هو الرافع لاعتماده أو الخبر، و "مِنْ" مزيدة على كلا القولين. قوله: "كَبُرتْ كلمة" في فاعل "كَبُرتْ" وجهان: أحدهما: أنه مضمرٌ عائد على مقالتهم المفهومة من قوله: {قَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ} أي: كبر مقالهم، و "كلمة" نصب على التمييز، ومعنى الكلام على التعجُّب، أي: ما أكبرها كلمة،و "تَخرُج" الجملة صفة لـ "كَلمةٌ" ويؤذنُ باستعظامها لأنَّ بعض ما يهجس في الخاطر لا يجسر الإنسان على إظهاره باللفظ. والثاني: أن الفاعل مضمر مفسر بالنكرة بعده المنصوبة على التمييز، ومعناها الذمُّ؛ كـ "بِئْسَ رجلاً" فعلى هذا: المخصوصُ بالذمِّ محذوف، تقديره: كبرت هي الكلمة كلمة خارجة من أفواههم تلك المقالة الشنعاءُ. وقرأ العامة "كلمة" بالنصب، وفيها وجهان: النصبُ على التمييز تقديره كبرت الكلمة. قال الواحديُّ: ومعنى التمييز: أنَّك إذا قلت: كبرت المقالة أو الكلمة، جاز أن يتوهم أنَّها كبرت كذباً، أو جهلاً، أو افتراء، فلما قلت: "كَلِمَة" فقد ميَّزتها من محتملاتها، فانتصبت على التَّمييز، والتقدير: كبرت الكلمة كلمة، فحصل فيه الإضمار. وأمَّا من رفع "كلمةٌ" فلا يضمر شيئاً. قال النحويُّون: النصب أقوى وأبلغ. وقد تقدَّم تحقيقه في الوجهين السابقين. والثاني: النصب على الحال، وليس بظاهر وقيل: نصباً على حذف حرف الجرّ، والتقدير: "مِنْ كَلمَةٍ" فحذف "مِنْ" فانتصب. قوله: "تَخرجُ" في الجملة وجهان: أحدهما: هي صفة لكلمة. والثاني: أنها صفة للمخصوص بالذَّم المقدر، تقديره: كبرت كلمةٌ خارجةٌ كلمةً. وقرأ الحسن، وابن محيصنٍ، وابن يعمر، وابن كثير - في رواية القوَّاس عنه - "كَلمَةٌ" بالرفع على الفاعلية، و "تَخْرجُ" صفة لها أيضاً، وقرىء "كَبْرَتْ" بسكون الباء، وهي لغة تميم. قوله: "كَذِباً" فيه وجهان: أحدهما: هو مفعولٌ به؛ لأنه يتضمَّن معنى جملة. والثاني: هو نعت مصدر محذوف، أي: قولاً كذباً. فصل في المراد من الكلمة المراد من هذه الكلمة هو قولهم: {ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَداً} فصارت مضمرة في "كَبُرتْ"، وسمِّيت: "كلمة" كما يسمُّون القصيدة كلمة. وقوله: {تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ} أي: هذا الذي يقولونه، لا يحكم به عقلهم وفكرهم ألبتَّة؛ لكونه في غاية الفساد والبطلان، فكأنَّه يجري على لسانهم على سبيل التقليد {إِن يَقُولُونَ}، أي: ما يقولون إلاَّ كذباً. واختلف النَّاس في حقيقة الكذب، فقيل: هو الخبر الذي لا يطابقُ المخبر عنه. وقيل: قال بعضهم: يشترط علم قائله بأنَّه غير مطابقٍ. قال ابن الخطيب: وهذا القيد عندنا باطلٌ؛ لأنَّه تعالى وصف قولهم بإثبات الولد لله بكونه كذباً مع أن الكثير منهم يقول ذلك، ولا يعلم كونه كذباً باطلاً، فعلمنا أن كلَّ خبر لا يطابقُ المخبر عنه، فهو كذبٌ، سواءٌ علم القائل بكونه كذباً، أو لم يعلم. ويمكن أن يجاب بأنَّ الله تعالى، إنما وصف علماءهم المحرِّفين للكلم عن مواضعه، ودخل المقلِّدون على سبيل التَّبع عليه. فصل في الرد على النّظام احتجَّ النظَّام على أنَّ الكلام جسمٌ بهذه الآية، قال: لأنَّه تعالى وصف الكلمة بأنَّها تخرجُ من أفواههم، والخروجُ عبارة عن الحركةِ، والحركةُ لا تصحُّ إلاَّ على الأجسام، وأجيب: بأنَّ الحروف والأصوات إنَّما تحدث بسبب خروجِ النفس من الحلق، فلما كان خروج النَّفسِ سبباً لحدوثِ الكلمةِ، أطلق لفظ الخروج على الكلمة.
اسماعيل حقي
تفسير : {وينذر} ايضا خاصة {الذين قالوا اتخذ الله ولدا} كاليهود والنصارى وبنى مدلج من كفار العرب.
الطوسي
تفسير : يقول الله تعالى أنه يحذر ايضاً محمد (صلى الله عليه وسلم) القوم {الذين قالوا اتخذ الله ولداً} من مشركي قومه وغيرهم - عقاب الله، وعاجل نقمته وأليم عذابه على قولهم ذلك. وقوله {ما لهم به من علم} [معناه ما لقائلي القول هذا يعني قولهم {اتخذا الله ولداً} به من علم] يعني ليس لهم بالله من علم. ومعنى الكلام ما لهؤلاء القائلين هذا القول بالله من علم بأنه لا يجوز أن يكون له ولد. فلجهلهم بالله وعظمته قالوا ذلك. وقوله {ولا لآبائهم} معناه ولا لأسلافهم الذين مضوا قبلهم على مثل الذي هم عليه اليوم، ما كان لهم بالله وعظمته علم. وقوله {كبرت كلمة تخرج من أفواههم} نصب {كلمة} على التمييز، وتقديره كبرت كلمتهم التي قالوها كلمة، كما تقول: نعم رجلا عمرو، ونعم الرجل رجلا قام. وقال بعضهم: نصب {كلمة} لانها في معنى: اكبر بها كلمة، كقوله {أية : وساءت مرتفقاً} تفسير : وهي في النصب كقول الشاعر: شعر : ولقد علمت إذا الرياح تروحت هدج الرئال تكبهن شمالاً تفسير : أي تكبهن الرياح شمالا، فكأنه قال كبرت تلك الكلمة. وروي عن بعض المكيين انه قرأ ذلك بالرفع، كقولهم: كبر قولك، وكبر شأنك، فعلى هذا لا يكون فى قوله {كبرت} مضمر، بل يكون صفة الكلمة، والأول أقوى، لاجماع القراء على النصب، وهذا شاذ، وتأويل الكلام: عظمت الكلمة كلمة تخرج من افواه هؤلاء القوم {الذين قالوا اتخذ الله ولداً} او الملائكة بنات الله. وقوله {إن يقولون إلا كذباً} معناه ليس يقول هؤلاء القائلون {اتخذ الله ولداً} إلا كذباً، وفرية افتروها على الله - عز وجل -.
اطفيش
تفسير : {وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللهُ وَلَداً} هم العرب القائلون: الملائكة بنات الله. سبحانه عما يقولون. واليهود القائلون: عزير ابن الله. والنصارى القائلون: عيسى ابن الله سبحانه وتعالى عما يقولون. وسواء قالوا بالولادة حقيقة أو بالتبنى فإن ادعاء التبنى أيضا شرك. والمفعول الثانى لينذر محذوف لدلالة ما تقدم عليه تقديره: بأْساً شديداً. ولعدم كون الكلام مسوقا له بالذات وإنما المسوق له الكلام بالذات هو قولهم: اتخذ الله ولدا ولذلك خصص القائلين بالذكر مع أن القرآن إنذار للمشركين كافة لما استعظم قولهم ذلك خصهم بالذكر وأعاد لفظ ينذر ولم يكتف بالأول لذلك للتأكيد.
اطفيش
تفسير : هم الكفرة الذين قالوا: الملائكة بنات الله، والنصارى القائلون: عيسى ابن الله، واليهود القائلون: عزير ابن الله، ولم يذكر المنذر به وهو البأس، لدلالة ما تقدم، أى وينذره الذين الهاء مفعول ثان مقدم، والذين أول أو لا يقدر ثان على أن المراد استعظام القول بالولد، كأنه قيل: ويل لهم، أو لا تنس سوءهم، فإنه أعظم سوء، فلو قيل: إنهم أقبح من منكر الله، لأن فى قلوبهم إنكاره إذ وصفوه بصفة الخلق، وزادوا على هذا الإنكار ذلك الوصف لم يبعد، وليس ذلك عطف خاص على عام، لأن الذين كفروا لم يذكروا فى قوله لينذر ولا يتعين تقديره، وليس فى ذكر الإنذار تأكيد للأول، لأنه لا يتم الكلام بلا ذكر له، وأنت خبير بأنه حذف من الإنذار الأول المنذر، وذكره فى الثانى، ومن الثانى المنذر به وذكره فى الأول، وذلك احتباك والإشراك أعظم من الإشراك الذى هو التبنى، فيعلم بالأولى. وقدر بعض لينذر العالم، وبعض لينذر العباد على معنى مجرد الإخبار، فيعم الموحد.
الالوسي
تفسير : متعلقاً بفرقة خاصة ممن عمه الإنذار السابق من مستحقي البأس الشديد للإيذان بكمال فظاعة حالهم لغاية شناعة كفرهم وضلالهم كما ينبىء عنه ما بعد أي وينذر من بين هؤلاء الكفرة المتفوهين بمثل هاتيك العظيمة خاصة وهم العرب القائلون الملائكة بنات الله تعالى واليهود القائلون عزير ابن الله سبحانه والنصارى القائلون المسيح ابن الله عز وجل. وترك إجراء الموصول على الموصوف كما في قوله تعالى: {أية : وَيُبَشّرَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} تفسير : [الكهف: 2] الخ للإيذان بكفاية ما في حيز الصلة في الكفر على أقبح الوجوه. وإيثار صيغة الماضي في الصلة للدلالة على تحقق صدور تلك الكلمة القبيحة عنهم فيما سبق. وجعل بعضهم المفعول المحذوف فيما سلف عبارة عن هذه الطائفة. وفي الآية صنعة الاحتباك حيث حذف من الأول ما ذكر فيما بعد وهو المنذر وحذف مما بعد ما ذكر في الأول وهو المنذر به. وتعقب بأنه يؤدي إلى خروج سائر أصناف الكفرة عن الإنذار والوعيد. وأجيب بأنه يعلم إنذار سائر الأصناف ودخولهم في الوعيد من باب الأولى لأن القول بالتبني وإن كبر كلمة دون الإشراك وفيه نظر. وقدر ابن عطية العالم وأبو البقاء العباد فيعم المؤمنين أيضاً. وتعقب بأن التعميم يقتضي حمل الإنذار على معنى مجرد الإخبار بالأمر الضار من غير اعتبار حلول المنذر به على المنذر كما في قوله تعالى: {أية : أَنْ أَنذِرِ ٱلنَّاسَ وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ} تفسير : [يونس: 2] وهو يفضي إلى خلو النظم الكريم عن الدلالة على حلول البأس الشديد على من عدا هذه الفرقة فتأمل.
ابن عاشور
تفسير : تعليل آخر لإنزال الكتاب على عبده، جعل تالياً لقوله: { أية : لينذر بأساً شديداً من لدنه } تفسير : [الكهف: 2] باعتبار أن المراد هنا إنذار مخصوص مقابل لما بَشر به المؤمنين. وهذا إنذار بجزاء خالدين فيه وهو عذاب الآخرة، فإن جَرَيْتَ على تخصيص البأس في قوله: { أية : بأساً شديداً } تفسير : [الكهف: 2] بعذاب الدنيا كما تقدم كان هذا الإنذار مغايراً لما قبله؛ وإن جريت على شمول البأس للعذابين كانت إعادة فعل {ينذر} تأكيدا، فكان عطفه باعتبار أن لمفعوله صفة زائدة على معنى مفعول فِعل {ينذر} السابق يُعرف بها الفريق المنذرون بكلا الإنذارين، وهو يُومىء إلى المنذرَين المحذوف في قوله: { أية : لينذر بأساً شديداً } تفسير : [الكهف: 2] ويغني عن ذكره. وهذه العلة أثارتها مناسبه ذكر التبشير قبلها، وقد حذف هنا المنذر به اعتماداً على مقابِلِه المبشر به. والمراد بـ{الذين قالوا اتخذ الله ولداً} هنا المشركون الذين زعموا أن الملائكة بنات الله، وليس المراد به النصارى الذين قالوا بأن عيسى ابن الله تعالى، لأن القرآن المكي ما تعرض للرد على أهل الكتاب مع تأهلهم للدخول في العموم لاتحاد السبب. والتعبير عنهم بالموصول وصلته لأنهم قد عُرفوا بهذه المقالة بين أقوامهم وبين المسلمين تشنيعاً عليهم بهذه المقالة، وإيماء إلى أنهم استحقوا ما أنذروا به لأجلها ولغيرها، فمضمون الصلة من موجبات ما أنذروا به لأن العلل تتعدد. والولد: اسم لمن يولد من ذكر أو أنثى، يستوي فيه الواحد والجمع. وتقدم في قوله: { أية : قالوا اتخذ الله ولداً سبحانه } تفسير : في سورة يونس (68). وجملة {ما لهم به من علم} حال من {الذين قالوا}. والضمير المجرور بالباء عائد إلى القول المفهوم من {قالوا}. و(من) لتوكيد النفي. وفائدة ذكر هذه الحال أنها أشنع في كفرهم وهي أن يقولوا كذباً ليست لهم فيه شبهة، فأطلق العلم على سبب العلم كما دل عليه قوله تعالى: { أية : ومن يدع مع الله إلهاً آخر لا برهان له به فإنما حسابه عند ربه } تفسير : [المؤمنون:117]. وضمير {به} عائد على مصدر مأخوذ من فعل {قالوا}، أي ما لهم بذلك القول من علم. وعطف {ولا لآبائهم} لقطع حجتهم لأنهم كانوا يقولون { أية : إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون } تفسير : [الزخرف: 23]، فإذا لم يكن لآبائهم حجة على ما يقولون فليسوا جديرين بأن يُقلدوهم. استئناف بالتشاؤم بذلك القول الشنيع. ووجه فصل الجملة أنها مخالفة للتي قبلها بالإنشائية المخالفة للخبرية. وفعل {كبرت} ــــ بضم الباء ــــ. أصله: الإخبار عن الشيء بضخامة جسمه، ويستعمل مجازاً في الشدة والقوة في وصف من الصفات المحمودة والمذمومة على وجه الاستعارة، وهو هنا مستعمل في التعجيب من كِبر هذه الكلمة في الشناعة بقرينة المقام. ودل على قصد التعجيب منها انتصاب {كلمة} على التمييز إذ لا يحتمل التمييز هنا معنى غير أنه تمييز نسبة التعجيب، ومن أجل هذا مثلوا بهذه الآية لورود فَعُل الأصلي والمحول لمعنى المدح والذم في معنى نِعم وبئس بحسب المقام. والضمير في قوله: {كبرت} يرجع إلى الكلمة التي دل عليها التمييز. وأطلقت الكلمة على الكلام وهو إطلاق شائع، ومنه قوله تعالى: { أية : إنها كلمة هو قائلها } تفسير : [المؤمنون: 100]، وقول النبي صلى الله عليه وسلم:حديث : أصدقُ كلمةٍ قالها شاعر كلمة لبيد: ألا كل شيء ما خلا اللّهَ باطل تفسير : وجملة {تخرج من أفواههم} صفة لــــ {كلمة} مقصود بها من جُرْأتِهم على النطق بها ووقاحتهم في قولها. والتعبير بالفعل المضارع لاستحضار صورة خروجها من أفواههم تخييلاً لفظاعتها. وفيه إيماء إلى أن مثل ذلك الكلام ليس له مصدر غير الأفواه، لأنه لاستحالته تتلقاه وتنطق به أفواههم وتسمعه أسماعهم ولا تتعقله عقولهم لأن المحال لا يعتقده العقل ولكنه يتلقاه المقلد دون تأمل. والأفواه: جمع فَم وهو بوزن أفعال، لأن أصل فم فَوَه بفتحتين بوزن جَمل، أو فيهٍ بوزن ريح، فحذفت الهاء من آخره لثقلها مع قلة حروف الكلمة بحيث لا يجد الناطق حرفاً يعتمد عليه لسانه، ولأن ما قبلها حرف ثقيل وهو الواو المتحركة فلما بقيت الكلمة مختومة بواو متحركة أبدلت ألفاً لتحركها وانفتاح ما قبلها فصار «فاً» ولا يكون اسم على حرفين أحدهما تنوين، فأبدلت الألف المنونة بحرف صحيح وهو الميم لأنها تشابه الواو التي هي الأصل في الكلمة لأنهما شفهيتان فصار «فم»، ولما جمعوه ردوه إلى أصله. وجملة {إن يقولون إلا كذباً} مؤكدة لمضمون جملة {تخرج من أفواههم} لأن الشيء الذي تنطق به الألسن ولا تحقق له في الخارج ونفسسِ الأمر هو الكذب، أي تخرج من أفواههم خروج الكذب، فما قولهم ذلك إلا كذب، أي ليست له صفة إلا صفة الكذب. هذا إذا جعل القول المأخوذ من {يقولون} خصوص قولهم: { أية : اتخذ الله ولداً } تفسير : [الكهف: 4]. ولك أن تحمل {يقولون} على العموم في سياق النفي، أي لا يصدر منهم قول إلا الكذب، فيكون قصراً إضافياً، أي ما يقولونه في القرآن والإسلام، أو ما يقولونه من معتقداتهم المخالف لما جاء به الإسلام فتكون جملة إن {يقولون} تذييلاً.
الواحدي
تفسير : {وينذر} بعذابِ الله {الذين قالوا اتخذ الله ولداً} وهم اليهود والنَّصارى. {ما لهم به} بذلك القول {من علمٍ} لأنَّهم قالوه جهلاً وافتراءً على الله {ولا لآبائهم} الذين قالوا ذلك. {كبرت كلمة} مقالتهم تلك كلمةً.
د. أسعد حومد
تفسير : (4) - وَلِيُنْذِرَ وَيُحَذِّرَ، مُنْ بَيْنِ هؤُلاءِ الكُفَّارِ، الَّذِينَ قَالُوا: اتَّخَذَ اللهُ وَلَداً، وَهُمْ مُشْرِكُو العَرَبِ، وَكَانُوا يَقُولُونَ: نَحْنَ نَعْبُدُ المَلاَئِكَةَ بَنَاتِ اللهِ، وَهُنَاكَ مِنَ النَّصَارَى مَنْ جَعَلَ المَسِيحَ ابْنَ اللهِ، وَمِنَ اليَهُودِ مَنْ جَعَلَ عُزَيراً ابْنَ اللهِ - فَالإِنْذَارُ يَشْمَلُ جَمِيعَ هؤلاءِ، وَيَشْمَلُ كُل مَنْ نَسَبَ إِلى اللهِ وَلَداً.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : والإنذار هنا غير الإنذار الأول، لقد كرّر الإنذار ليكون خاصاً بقمة المعاصي، إنذار للذين قالوا اتخذ الله ولداً، أما الإنذار الأول فهو لمطلق الكفر والمعصية، وأما الثاني فهو لإعادة الخاص مع العام، كأن لهؤلاء الذين نسبوا لله الولد عذاباً يناسب ما وقعوا فيه من جرأة على الحق سبحانه وتعالى. وقد أوضح القرآن فظاعة هذه المعصية في قوله: {أية : وَقَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَلَداً * لَّقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً * تَكَادُ ٱلسَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ ٱلأَرْضُ وَتَخِرُّ ٱلْجِبَالُ هَدّاً * أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَداً * وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَـٰنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَداً}تفسير : [مريم: 88-92]. إنها قمة المعاصي أنْ نخوضَ في ذات الله تعالى بمقولة تتفطر لها السماء، وتنشق لها الأرض، وتنهدّ لهوْلِها الجبال. ثم يقول الحق سبحانه: {مَّا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلاَ لآبَائِهِمْ ...}.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):