١٨ - ٱلْكَهْف
18 - Al-Kahf (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
5
Tafseer
البيضاوي
تفسير : {مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ } أي بالولد أو باتخاذه أو بالقول، والمعنى أنهم يقولونه عن جهل مفرط وتوهم كاذب، أو تقليد لما سمعوه من أوائلهم من غير علم بالمعنى الذي أرادوا به، فإنهم كانوا يطلقون الأب والابن بمعنى المؤثر والأثر. أو بالله إذ لو علموه لما جوزوا نسبة الاتخاذ إليه. {وَلاَ لآَبَائِهِمْ} الذين تقولوه بمعنى التبني. {كَبُرَتْ كَلِمَةً } عظمت مقالتهم هذه في الكفر لما فيها من التشبيه والتشريك، وإيهام احتياجه تعالى إلى ولد يعينه ويخلفه إلى غير ذلك من الزيغ، و {كَلِمَةَ } نصب على التمييز وقرىء بالرفع على الفاعلية والأول أبلغ وأدل على المقصود. {تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ } صفة لها تفيد استعظام اجترائهم على إخراجها من أفواهم، والخارج بالذات هو الهواء الحامل لها. وقيل صفة محذوف هو المخصوص بالذم لأن كبرها هنا بمعنى بئس وقرىء {كَبُرَتْ } بالسكون مع الإِشمام. {إِن يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِبًا }.
المحلي و السيوطي
تفسير : {مَا لَهُمْ بِهِ } بهذا القول {مِنْ عِلْمٍ وَلاَ لأَبَائِهِمْ } من قبلهم القائلين له {كَبُرَتْ } عظمت {كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ } (كلمة) تمييز مفسر للضمير المبهم والمخصوص بالذم محذوف أي مقالتهم المذكورة {إِن } ما {يَقُولُونَ } في ذلك {إِلاَّ } مقولاً {كَذِبًا }.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِن يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِباً} [الآية: 5]. قال ابن عطاء: الكبر الدعاوى، من ادعى فى الله أو أشار إلى الله، أو تكلم عن الله أو دخل فى ميدان الانبساط فإن ذلك كله من صفات الكذابين. قال الله تعالى: {كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِن يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِباً} والمتحقق به لا يظهر شيئًا من أحواله بحال.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ} من لم يجد مقام مشاهدته ولم يعرف ذاته وصفاته بنعت رؤيته وخطابه ويشير اليه بكلمة المعرفة فقد عظم ذلك عند الله لانه افترى على الله كذبا يا ليت لو خلص من عاينه واخبر عنه من هذه الورطة لان من عاينه واخبر عنه فقد اخبر عن غيره وخبره وقع موقع تلك الكلمة التى كبرت تخرج من افواههم الا ترى الى تمام الآية كيف شكى عن الكل فقال {إِن يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِباً} ولذلك قال الواسطى من ذكر افترى وقال ابن عطا اكبر الدعاوى من ادعى فى الله واشار الى الله او يكلم عن الله او دخل فى ميادين الانبساط فان ذلك كله من صفات الكذابين قال الله كبرت كلمة تخرج من افواههم والمتحقق به لا يظهر شيئا من احواله بحاله وقال الاستاد من تكلم بهذا اللسان قبل اوانه فقد دخل فى غمار هؤلاء.
اسماعيل حقي
تفسير : {ما لهم به} اى باتخاذه تعالى ولدا {من علم ولا لآبائهم} الذين قلدوهم فى ذلك يعنى لا يقتضى العلم ان يتخذ الله ولدا لاستحالته فى نفسه وانما قالوا بالجهل من غير فكر ونظر فيما يجوز على الله ويمتنع ومن علم مرفوع على الابتداء ومن مزيدة لتأكيد النفى {كبرت} عظمت اى نبت {كلمة} تمييز وتفسير للضمير المبهم الذهنى فى كبرت مثل ربه رجلا {تخرج من افواههم} صفة للكلمة تفيد استعظام اسجترائهم على التفوه بها والخارج بالذات هو الهواء الحامل لها يعنى اسناد الخروج اليها مع ان الخارج هو الهواء المتكيف بكيفية الصوت لملابسته بها. قال القاضى عظمت مقالتهم هذه فى الكفر لما فيها من التشبيه والتشريك وايهام احتياجه الى ولد بعينه ويخلفه الى غير ذلك من الزيغ. وفى التأويلات كبرت كلمة كفر وكذب قالوها عند الله تعالى وهى اكبر الكبائر اذ نسبوها الى الله وكذبوا عليه وكذبوه {ان يقولون} اى ما يقولون فى هذا الشأن {الا كذبا} الا قولا كذبا لا يكاد يدخل تحت امكان الصدق.
الجنابذي
تفسير : {مَّا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ} نفى علمهم به اوّلاً مع انّه باطلٌ من اصله منفىّ بنفسه اشعاراً بانّ المذمّة على القول من غير علمٍ سواء كان المقول باطلاً او حقّاً مقدّم على سائر جهات الذّمّ فويلٌ لمن قال بظنّه من غير علمٍ ومن غير اذنٍ واجازةٍ ثمّ يقول: هو من عند الله حيث قال من غير علمٍ ثمّ نسب قوله الى الله {وَلاَ لآبَائِهِمْ} كلمة مبالغة تقال فى مقام الذّمّ مبالغة او هو ذمّ آخر يعنى انّهم قالوا من غير علمٍ وقلّدوا فى ذلك آباءهم الّذين لم يكن لهم علم فلهم المذمّة من حيث التّقليد ومن حيث الاخذ ممّن لا علم له {كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ} بعد ما ذمّهم على القول بغير علمٍ وعلى التّقليد فى قولهم وعلى تقليد من لا علم له ذمّهم على قبح المقول ايضاً {إِن يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِباً} لا شوب صدقٍ فيه.
اطفيش
تفسير : {مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ} صلة فى المبتدأ للتأكيد، جملة مستأنفة ردا عليهم لا نعت لولد لا أنهم لا يقولون ما لهم به من علم ولا لآبائهم ويقولون ما لنا به من علم ولا لآبائنا إلا أن يقال: إنه نعت بحسب ما فى نفس الأمر لا باعتبار معتقدهم وهو يفيد منه منطق بعلم وقدم على المصدر لأنه ظرف ولأن العلم ولو كان مصدرا لكنه لا يكون المعنى هنا على انحلاله إلى فعل وحرف مصدر والهاء فى به عائدة إلى الولد أو إلى الاتخاذ الذى أشعر به اتخذ أو إلى القول الذى أشعر به قالوا وعلى هذين الوجهين الأخيرين لا يصح النعت قطعا. وإن قلت: إنما بقى العلم بشئ إذا كان الشئ موجوداً فكيف يقال ما لهم علم بالولد أو باتخاذ الله الولد وهو منزه عن الولد واتخاذه. قلت: أراد - والله أعلم - بنفى العلم بالولد أو باتخاذه نفى الولد أو اتخاذه نفيا للعلم بانتفاء متعلقه فإِنه إِذا لم يكن ما يتعلق به العلم فالعلم غير موجود وذلك أيضاً نفى للملزوم بنفى لازمه أو نفى لسبب ينفى مسببه فنفى الولد أو اتخاذه وهما ملزومان وسببان ينفى اللازم والمسبب وهما العلم بهما فإن وجود الشئ سبب وملزوم فى الجملة للعلم به والعلم ينفى لعدم إدراك الموجود وينفى لعدم ما يتعلق به الإدراك سواء لم يوجد ووجوده محال كما هنا أو لم يوجد ووجوده ممكن. وإنما قالوا ذلك لعظم جهلهم وتوهمهم الكاذب أو لتقليد آبائهم فى قولهم: إن الله والد أو أنه متبن تعالى عن ذلك، وذلك لا يصح فى الشرع ولا يسوغ فى العقل أو التقليد لآبائهم من غير علم بالمعنى الذى أراده آباؤهم فإن آباءهم كانوا يطلقون الأب والابن المؤثر والأثر وتوهموا أن المراد الأب والابن الحقيقيان وقد استفرغت الوسع والحمد لله فظهر لى أنه لا يجوز لأحد أن يتلفظ بلفظ يوهم شركا أو نفاقا أو معصية ولو صح اعتقاده وكان حقًّا مخالفاً للفظه لأنه لفظ سوء يوهم الباطل ويسئ اعتقاد السامع ويكون داعية إلى ما لا يجوز وذلك كالوقف اختياراً حيث قام مانع شرعى. {وَلاَ لآِبَائِهِمْ} فإنه لا علم لآبائهم فى الولد ولا فى اتخاذه ولا فى تبنيه لعدم وجود ذلك ولا فى إِطلاق لفظ الأب على الله بمعنى المؤثر لعدم جوازه. {كَبُرَتْ} أى عظمت وفاعله مستتر يعود إلى مبهم فى اللفظ هو فى نفس الأمر مقالتهم المذكورة مفسر بالتمييز وهو قوله: {كلِمَةً} والمخصوص بالذم محذوف يقدر بعد قوله من أفواههم أى مقالتهم أو هى وذلك أنه استعمل كبر هنا من باب نعم وبئس والقرينة أن المقام مقام استعظام لأم مقالتهم هذه عظيمة فى القبح والكفر لأن فيها تشبيهاً من حيث التحديد وإيهام احتياجه تعالى إلى ما يحتاجه الإنسان من الولد كإِعانة وتخلفه بعده وغير ذلك مما هو فى حق الله تعالى شرك وضلال. وباب نعم وبئس وباب التعجب من واد واحد فى الاستعظام ولم يخل باب نعم وبئس من تعجب ففى الآية تعجيب. وقرئ بإسكان باء كبرت مع إشمام الضم لها ويجوز عود ضمير كبرت إلى جملة اتخذ الله أى كبرت هذه الجملة أو هذه الكلمة كما تسمى الجملتان والجمل الكثيرة كلمة. وقرئ برفع كلمة على الفاعلية وقراءة النصب أقوى وأبلغ لأنها أظهر فى باب نعم وبئس والتعجب. {تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ} نعت لكلمة مفيد لكلمة زيادة استعظام كأنه قيل هب أن مضمونها قد انطوت عليه قلوبهم فكيف أطاقوا النطق بها واجتر مخارجها. وقيل: هذه الجملة نعت للمخصوص بالذم على أنه يقدر هنا نكرة قبل هذه الجملة. {إِنْ يَقُولُونَ إلاَّ كَذِباً} أى ما قولهم ذلك إلا كذب فالمضمر إضافى منظور فيه إلى قولهم اتخذ الله ولداً أى ما قولهم هذا إلا باطل وإلا فقد يصدر منهم الصدق وقد يصدر الكذب فى سائر كلامهم. وفى الآية دليل على أن الكذب الإخبار بخلاف الواقع ولو لم يعلم المخبر أنه خلاف الواقع لأنهم أو أكثرهم يقولون اتخذ الله ولدا ولا يعلمون أن اتخاذه الولد غير واقع وسمى الله قولهم مع ذلك كذبا وأصل الكذب انصراف إلى غير مدلول اللفظ أو غير ظاهر العمل والكذب مصدر أو وصف لمحذوف أى مقولا كذبا كقوله عز وعلا {أية : بدم كذب}.
اطفيش
تفسير : {مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ} ما لهم علم بالولد أو باتخاذه المأخوذ من اتخذ، أو بالقبول المأخوذ من قالوا، أو بالله لو علموه ما نسبوا إليه الولد {وَلا لآبَائِهِمْ} واحد بعد واحد، بل قالوه عن جهل مفرط، حيث لا تحكم به عقولهم، ولا يؤدى إليه فكرهم، أو عن تقليد بعض لبعض من غير علم بالمعنى الذى أراد قائله الأول، وهو التعظيم فإنه أراد بالأب العظمة، كما تقول: البربر بأبه ربى، حتى إنه يروى عن عيسى عليه السلام: لا أشرب الخمر حتى ألقى أبى فأشربها فى الجنة، وأراد بالأب العظيم، وكأنه لما قال ذلك توهموا ظاهر كلامه، أو أراد الأول بالأب المؤثر، وبالولد الأثر، وكذا العرب، تزعم بعض عن بعض أن الملائكة بنات الله عز وجل، وأفادت الآية أنه لا يجوز التكلم بما يوهم الباطل لئلا يعتقد السامع أنه حق إلا مع البيان. {كَبُرَتْ} فى الزيغ كالتشبيه بالخلق فى التجسيم، والجارحة إلى ولد يعينه ويخلفه {كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ}، أى كبرت قولتهم، أو كلمتهم هذه، أو كبرت هى بمضمر مستتر مفسر بتمييز بعده، وكلمة تمييز لأنه لما أضمر الكلمة أو القولة حصل الإبهام، وجملة تخرج نعت كلمة أو نعت لمخصوص محذوف، تقديره كلمة تخرج بالرفع، والوصف بالخروج من الفم ذم زائد على الذم بالاعتقاد، لأن الإنسان قد يضمر امراً قبيحًا ولا يبوح به، وهؤلاء باحوا به وأكثروه، ولم يروه عيبا، والخارج من الأفواه الهواء الحامل للحروف، فالكلمة خارجة مع الهواء، فبطل استدلال النظام بالآية، على أن اللفظ جسم لوصفه بالخروج الذى هو من خواص الأجسام، وأجيب بأن النظام قائل بأن اللفظ هو نفس ذلك الهواء المكيف، والأصل فى الإسناد الحقيقة. {إِنْ يَقُولُونَ إِلاّ كَذِبًا} إلا كلامًا مكذوبًا فيه.
الالوسي
تفسير : {مَا لَهُمْ بِهِ} أي باتخاذه سبحانه وتعالى ولداً {مِنْ عِلْمٍ} مرفوع المحل على الابتداء أو الفاعلية لاعتماد الظرف، و(من) مزيدة لتأكيد النفي والجملة حالية أو مستأنفة لبيان حالهم في مقالهم أي ما لهم بذلك شيء من العلم أصلاً لا لإخلالهم بطريق العلم مع تحقق المعلوم أو إمكانه بل لاستحالته في نفسه ومعها لا يستقيم تعلق العلم. واستظهر كون ضمير {بِهِ} عائداً على الولد وعدم العلم وكذا حال الجملة على ما سمعت. وزعم المهدوي أن الجملة على هذا صفة لولداً وليس بشيء. وجوز أن يعود على القول المفهوم من {أية : قَالُواْ} تفسير : [الكهف: 4] أي ليس قولهم ذلك ناشئاً عن علم وتذكر ونظر فيما يجوز عليه تعالى وما يمتنع. وقال الطبري: هو عائد على الله تعالى على معنى ليس لهم علم بما يجوز عليه تعالى وما يمتنع {وَلاَ لآبَائِهِمْ} الذين قالوا مثل ذلك ناسبين التبني إليه عز وجل. والتعرض لنفي العلم عنهم لأنهم / قدوة هؤلاء. {كَبُرَتْ كَلِمَةً} أي عظمت مقالتهم هذه في الكفر والافتراء لما فيها من نسبته تعالى إلى ما لا يكاد يليق بكبريائه جل وعلا. وكبر وكذا كل ما كان على وزن فعل موضوعاً على الضم كظرف أو محولاً إليه من فعل أو فعل ذهب الأخفش والمبرد إلى إلحاقه بباب التعجب فالفاعل هنا ضمير يرجع إلى قوله تعالى: {أية : ٱتَّخَذَ} تفسير : [الكهف: 4] الخ بتأويل المقالة. و {كَلِمَةً} نصب على التمييز وكأنه قيل ما أكبرها كلمة وقوله تعالى: {تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ} صفة {كَلِمَةً} تفيد استعظام اجترائهم على النطق بها وإخراجها من أفواههم فإن كثيراً مما يوسوس به الشيطان وتحدث به النفس لا يمكن أن يتفوه به بل يصرف عنه الفكر فكيف بمثل هذا المنكر. وذهب الفارسي وأكثر النحاة إلى إلحاقه بباب نعم وبئس فيثبت له جميع أحكامه ككون فاعله معرفاً بأل أو مضافاً إلى معرف بها أو ضميراً مفسراً بالتمييز، ومن هنا جوز أن يكون الفاعل هنا ضمير {كَلِمَةً} وهي أيضاً تمييز والجملة صفتها ولا ضير في وصف التمييز في باب نعم وبئس. وجوز أبو حيان وغيره أن تكون صفة لمحذوف هو المخصوص بالذم أي كبرت كلمة كلمة خارجة من أفواههم، وظاهر كلام الأخفش تغاير المذهبين. وفي «التسهيل» أنه من باب نعم وبئس وفيه معنى التعجب. والمراد به هنا تعظيم الأمر في قلوب السامعين. وهذا ظاهر في أنه لا تغاير بينهما وإليه يميل كلام بعض الأئمة. وقيل نصبت على الحال ولا يخفى حاله. وتسمية ذلك كلمة على حد تسمية القصيدة بها. وقرىء {كبرت} بسكون الباء وهي لغة تميم، وجاء في نحو هذا الفعل ضم العين وتسكينها ونقل حركتها إلى الفاء. وقرأ الحسن وابن يعمر وابن محيصن والقواس عن ابن كثير {كلمة} بالرفع على الفاعلية والنصب أبلغ وأوكد. واستدل النظام على أن الكلام جسم بهذه الآية لوصفه فيها بالخروج الذي هو من خواص الأجسام. وأجيب بأن الخارج حقيقة هو الهواء الحامل له وإسناده إلى الكلام الذي هو كيفية مجاز وتعقب بأن النظام القائل بجسمية الكلام يقول هو الهواء المكيف لا الكيفية. واستدلاله على ذلك مبني على أن الأصل هو الحقيقة إلا أن الخلاف لفظي لا ثمرة فيه. {إِن يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِبًا} أي ما يقولون في ذلك الشأن إلا قولاً كذباً لا يكاد يدخل تحت إمكان الصدق أصلاً والضميران لهم ولآبائهم.
د. أسعد حومد
تفسير : {لآبَائِهِمْ} {أَفْوَاهِهِمْ} (5) - وَفِي الحَقِيقَةِ إِنَّهُمْ لاَ بُرْهَانَ لَهُمْ، وَلاَ دَلِيلَ، عَلَى مَا يَفْتَرُونَ، وَمَا يَنْسُبُونَ إِلى اللهِ مِنَ الوَلَدِ، وَكَذَلِكَ لَيْسَ لآبَائِهِمْ عِلْمٌ وَلاَ بُرْهَانٌ عَلَى هَذِهِ الفِرْيَةِ. وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ قَوْلاً عَظِيماً فِي الكُفْرِ (كَبُرَتْ كَلِمَةً). وَهذا القَوْلُ الّذِي يَقُولُونَهُ إِنْ هُوَ إِلاَّ كَذِبٌ وَبُهْتَانٌ. كَبُرَتْ كَلِمَةً - مَا أَكْبَرهَا وَمَا أَعْظَمَها فِي القُبْحِ مِنْ كَلِمَةٍ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : فهذه القضية التي ادَّعَوْها، وهذه المقولة التي كذبوها على الله، من أين أَتَوْا بها؟ الحقيقة أنهم ادعَوْهَا ولا علمَ لهم بها، والعلم إما ذاتي، وإما ورثوه عن آبائهم وأجدادهم وهم لا يملكون شيئاً من هذا ويقولون بأمر لا واقع له؛ لذلك يقول تعالى: {مَّا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ ..} [الكهف: 5]. وعدم العلم ينشأ من أمرين: إما أن الشيءَ موجود وأنت لا تعلم به؛ لأنه مستور عنك، وإما لأن الشيء لا وجودَ له أصلاً، وأنت لا تعلم أنه غير موجود؛ لأن غير الموجود لا يمكن أن يتعلق به علم. وقوله تعالى: {كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ ..} [الكهف: 5]. {كَبُرَتْ} أي: عَظُمَتْ وتناهتْ في الإثم؛ لأنهم تناولوا مسألة فظيعة، كَبُرتْ أنْ تخرجَ هذه الكلمة من أفواههم. {كَلِمَةً} الكلمة قول مُفْرد ليس له نسبة كأن تقول: محمد أو ذهب أو في، فالاسم والفعل والحرف كل منها كلمة مستقلة، والكلمة تُطلَق ويُراد بها الكلام، فالآية عَبَّرتْ عن قولهم: {أية : ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَداً}تفسير : [الكهف: 4] بأنها كلمة، كما تقول: ألقى فلان كلمة. والواقع أنه ألقى خُطْبة. ومن ذلك قوله تعالى: {أية : حَتَّىٰ إِذَا جَآءَ أَحَدَهُمُ ٱلْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ٱرْجِعُونِ * لَعَلِّيۤ أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلاَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَآئِلُهَا ..}تفسير : [المؤمنون: 99-100] فسمَّى قولهم هذا {كَلِمَةً}. ومنها قوله تعالى: {أية : قُلْ يٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَآءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ ٱللَّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِّن دُونِ ٱللَّهِ ..}تفسير : [آل عمران: 64] فسمَّى كل هذا الكلام كلمة. وقوله تعالى: {تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ ..} [الكهف: 5] أي: أن هذه الكلمة كَبُرت لأنها خرجت منهم وقالوها فعلاً، ولو أنهم كتموها في نفوسهم ولم يجهروا بها واستعظموا أن تخرجَ منهم لكانوا في عداد المؤمنين، بدليل أن وفد اليمن حينما أتوْا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: يا رسول الله تدور بأنفسنا أفكار عن الله، نتعاظم أن نقولها - أي: لا نقدر على النطق بها فقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : ذاك صريح الإيمان ". تفسير : إذن: المعيب عليهم أنهم أخرجوا هذه المسألة من أفواههم، وهذا منتهى القُبْح، فالأفكار والخواطر مهما بلغتْ من السوء وكتمها صاحبها لا يترتب عليها شيء، وكأنها لم تكُنْ. ثم يقول تعالى: {إِن يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِباً ..} [الكهف: 5] أي: ما يقولون إلا كذباً، والكذب أَلاَّ يطابق الكلام واقع الأمر، فالعاقل قبل أنْ يتكلم يُدير الكلام على ذِهْنه ويَعْرضه على تفكيره، فتأتي النسبة في ذِهْنه وينطقها لسانه، وهذه النسبة قبل أن يفكر فيها وينطق بها لها واقع. فمثلاً حين تقول: محمد مجتهد. قبل أن تنطق بها جال في خاطرك اجتهاد محمد، وهذه تُسمّى نسبة ذِهْنية، فإنْ قلتَ: محمد مجتهد أصبحتْ نسبة كلامية، فإنْ وُجد شَخص اسمه محمد وهو مجتهد فعلاً، فإن النسبة الذهنية الكلامية أصبحتْ نسبة واقعية، والخبر بها خبر صادق. فإنْ كانت النسبة الكلامية لا واقعَ لها كأنْ لا يوجد شخص اسمه محمد أو وُجِد ولكنه غير مجتهد، فالخبر هنا كاذب. وهذا هو الأسلوب الخبري الذي يحتمل الصدق أو الكذب. وهناك الأسلوب الإنشائي الذي لا يحتمل الصِّدْق، ولا يحتمل الكذب؛ لأن النسبة الواقعية فيه متأخرة عن النسبة الكلامية كما لو قُلْت: ذاكر دروسك. فواقع هذه العبارة سيحدث في المستقبل؛ لذلك لا يُوصَف الإنشاء بالصدق أو بالكذب. والتدقيق العلمي يقول: الصدق الحقيقي أنْ تطابقَ النسبة الكلامية الواقع والاعتقاد، فإن اعتقدتَ شيئاً ولم يحدث، فالنسبة كاذبة وأنت غير كاذب؛ لأن هناك فرقاً بين الخبر والمخْبِر. وهذه المسألة واضحة في قوله تعالى: {أية : إِذَا جَآءَكَ ٱلْمُنَافِقُونَ قَالُواْ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَٱللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ}تفسير : [المنافقون: 1]. فقولهم: إنك لرسول الله نسبة صادقة؛ لأنها تطابق الواقع، إنما هل وافقتْ معتقدهم؟ لم توافق معتقدهم؛ لذلك شهد الله أنهم كاذبون؛ لأن كلامهم لم يوافق واقعهم الاعتقادي. أو: لأن التكذيب لم يرد به قولهم: إنك لرسول الله وإنما يُراد به قولهم: نشهد، فالتكذيب للشهادة لأن الشهادة أنْ يُواطِئ القلب اللسان، وهم شهدوا بألسنتهم، ولم تؤمن به قلوبهم. وهنا لَمّا قالوا {ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَداً}، فهذه نسبة كلامية ليس لها واقع، فهي نسبة كاذبة، فقال تعالى: {إِن يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِباً ..} [الكهف: 5]. ثم يُسلِّي الحق سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم لِيُخفِّف عنه ما يلاقي من متاعب وعناد وسَفَه في سبيل الدعوة, فيقول تعالى: {فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِمْ ...}.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):