Verse. 2146 (AR)

١٨ - ٱلْكَهْف

18 - Al-Kahf (AR)

فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلٰۗي اٰثَارِہِمْ اِنْ لَّمْ يُؤْمِنُوْا بِہٰذَا الْحَدِيْثِ اَسَفًا۝۶
FalaAAallaka bakhiAAun nafsaka AAala atharihim in lam yuminoo bihatha alhadeethi asafan

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«فلعلك باخع» مهلك «نفسك على آثارهم» بعدهم أي بعد توليهم عنك «إن لم يؤمنوا بهذا الحديث» القرآن «أسفا» غيظا وحزنا منك لحرصك على إيمانهم، ونصبه على المفعول له.

6

Tafseer

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِمْ} «باخع» أي مُهلك وقاتل؛ وقد تقدّم. «آثارهم» جمع أثر، ويقال إثر. والمعنى: على أثر تولّيهم وإعراضهم عنك. {إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ بِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ} أي القرآن. {أَسَفاً} أي حزناً وغضباً على كفرهم؛ وانتصب على التفسير.

البيضاوي

تفسير : {فَلَعَلَّكَ بَـٰخِعٌ نَّفْسَكَ} قاتلها. {عَلَىٰ ءاثَـٰرِهِمْ } إذا ولوا عن الإِيمان، لما يداخله من الوجد على توليهم بمن فارقته أعزته فهو يتحسر على آثارهم ويبخع نفسه وجداً عليهم. وقرىء {بَـٰخِعٌ نَّفْسَكَ } على الإِضافة. {إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ بِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ } بهذا القرآن. {أَسَفاً } للتأسف عليهم أو متأسفاً عليهم، والأسف فرط الحزن والغضب. وقرىء «أن» بالفتح على لأن فلا يجوز إعمال «باخع» إلا إذا جعل حكاية حال ماضية.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى مسلياً لرسوله صلوات الله وسلامه عليه في حزنه على المشركين لتركهم الإيمان وبعدهم عنه كما قال تعالى: {فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ} وقال: {أية : وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ} تفسير : [النحل: 127] وقال: {أية : لَعَلَّكَ بَـٰخِعٌ نَّفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ} تفسير : [الشعراء: 3] باخع أي: مهلك نفسك بحزنك عليهم، ولهذا قال: {فَلَعَلَّكَ بَـٰخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ ءَاثَـٰرِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ بِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ} يعني: القرآن {أَسَفاً} يقول: لا تهلك نفسك أسفاً. قال قتادة: قاتل نفسك غضباً وحزناً عليهم، وقال مجاهد: جزعاً، والمعنى متقارب، أي: لا تأسف عليهم، بل أبلغهم رسالة الله، فمن اهتدى فلنفسه، ومن ضل فإنما يضل عليها، ولا تذهب نفسك عليهم حسرات، ثم أخبر تعالى أنه جعل الدنيا داراً فانية مزينة بزينة زائلة، وإنما جعلها دار اختبار لا دار قرار، فقال: {إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى ٱلأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُم أَحْسَنُ عَمَلاً} قال قتادة عن أبي نضرة عن أبي سعيد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها، فناظر ماذا تعملون، فاتقوا الدنيا، واتقوا النساء، فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء»تفسير : ، ثم أخبر تعالى بزوالها وفنائها وفراغها وانقضائها وذهابها وخرابها، فقال تعالى: {وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيداً جُرُزاً} أي: وإنا لمصيروها بعد الزينة إلى الخراب والدمار، فنجعل كل شيء عليها هالكاً صعيداً جرزاً، لا ينبت ولا ينتفع به. كما قال العوفي عن ابن عباس في قوله تعالى: {وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيداً جُرُزاً} يقول: يهلك كل شيء عليها ويبيد. وقال مجاهد: صَعِيداً جُرُزاً: بلقعاً، وقال قتادة: الصعيد: الأرض التي ليس فيها شجر ولا نبات، وقال ابن زيد: الصعيد: الأرض التي ليس فيها شيء، ألا ترى إلى قوله تعالى: {أية : أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَسُوقُ ٱلْمَآءَ إِلَى ٱلأَرْضِ ٱلْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَـٰمُهُمْ وَأَنفُسُهُمْ أَفَلاَ يُبْصِرُونَ} تفسير : [السجدة: 27] وقال محمد بن إسحاق: {وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيداً جُرُزاً} يعني: الأرض، وإن ما عليها لفان وبائد، وإن المرجع لإلى الله، فلا تأس ولا يحزنك ما تسمع وترى.

المحلي و السيوطي

تفسير : {فَلَعَلَّكَ بَٰخِعٌ } مهلك {نَّفْسَكَ عَلَىٰ ءاثَٰرِهِمْ } بعدهم أي بعد توليهم عنك {إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ بِهَٰذَا ٱلْحَدِيثِ } القرآن {أَسَفاً } غيظا وحزناً منك لحرصك على إيمانهم، ونصبه على المفعول له.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {فلعلك باخعٌ نفسك على آثارهم} فيه وجهان: أحدهما: قاتل نفسك، ومنه قول ذي الرُّمَّةِ: شعر : ألا أيهذا الباخع الوجد نفسه بشيء نحتَهُ عن يديك المقادِرُ تفسير : الثاني: أن الباخع المتحسر الأسِف، قاله ابن بحر. {على آثارهم} فيه وجهان: أحدهما: على آثار كفرهم. الثاني: بعد موتهم. {إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفاً} يريد إن لم يؤمن كفار قريش بهذا الحديث يعني القرآن. {أسفاً} فيه أربعة تأويلات: أحدها: أي غضباً، قاله قتادة. الثاني: جزعاً، قاله مجاهد. الثالث: أنه غمّاً، قاله السدي. الرابع: حزناً، قاله الحسن، وقد قال الشاعر: شعر : أرى رجلاً منهم أسيفاً كأنما تضُمُّ إلى كشحيه كفّاً مخضبَّا تفسير : قوله عز وجل: {إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها} فيه خمسة أوجه: أحدها: أنها الأشجار والأنهار التي زين الله الأرض بها، قاله مقاتل. الثاني: أنهم الرجال لأنهم زينة الأرض، قاله الكلبي. الثالث: أنهم الأنبياء والعلماء، قاله القاسم. الرابع: أن كل ما على الأرض زينة لها، قاله مجاهد. الخامس: أن معنى {زينة لها} أي شهوات لأهلها تزين في أعينهم وأنفسهم. {لنبلوهم أيهم أحْسَنُ عملاً} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أيهم أحسن إعراضاً عنها وتركاً لها، قاله ابن عطاء. الثاني: أيهم أحسن توكلاً علينا فيها، قاله سهل بن عبد الله. الثالث: أيهم أصفى قلباً وأهدى سمتاً. ويحتمل رابعاً: لنختبرهم أيهم أكثر اعتباراً بها. ويحتمل خامساً: لنختبرهم في تجافي الحرام منها. قوله عز وجل: {وإنّا لجاعلون ما عليها صعيداً جرزاً} في الصعيد ثلاثة أقاويل: أحدها: الأرض المستوية، قاله الأخفش ومقاتل. الثاني: هو وجه الأرض لصعوده، قاله ابن قتيبة. الثالث: أنه التراب، قاله أبان بن تغلب. وفي الجُرُز أربعة أوجه: أحدها: بلقعاً، قاله مجاهد. الثاني: ملساء، وهو قول مقاتل. الثالث: محصورة، وهو قول ابن بحر. الرابع: أنها اليابسة التي لا نبات بها ولا زرع قال الراجز: شعر : قد جرفتهن السُّنون الأجراز

ابن عطية

تفسير : هذه الآية تسلية للنبي عليه السلام، وقوله {فلعلك} تقرير وتوفيق بمعنى الإنكار عليه أي لا تكن كذلك، و"الباخع نفسه" هو مهلكها وجداً وحزناً على أمر ما، ومنه قول الشاعر: [الطويل] شعر : ألا أيها ذا الباخع الوجد نفسه لشيء نحته عن يديه المقادر تفسير : يريد نحته فخفف وقوله {على آثارهم}، استعارة فصيحة، من حيث لهم إدبار وتباعد عن الإيمان، وإعراض عن الشرع فكأنهم من فرط إدبارهم قد بعدوا فهو في آثارهم يحزن عليهم، وقوله {بهذا الحديث} أي بالقرآن الذي يحدثك به، و {أسفاً} نصب على المصدر، قال الزجاج: و"الأسف" المبالغة في حزن أو غضب. قال القاضي أبو محمد: و"الأسف" في هذا الموضع الحزن، لأنه على من لا يملكه ولا هو تحت يد الأسف ولو كان الأسف من مقتدر على من هو في قبضته وملكه لكان غضباً، كقوله تعالى: {أية : فلما آسفونا} تفسير : [الزخرف: 55] أي أغضبونا وإذا تأملت هذا في كلام العرب اطرد، وذكره منذر بن سعيد وقال قتادة: هنا {أسفاً} غضباً، قال مجاهد {أسفاً} جزعاً وقال قتادة أيضاً: حزناً، ومن هذه اللفظة قول الأعشى: [الطويل] شعر : أرى رجلاً منكم أسيفاً كأنما يضم إلى كشحيه كفّاً مخضبا تفسير : يريد حزيناً كأنه مقطوع اليد، وقوله {إنا جعلنا ما على الأرض زينة}، الآية بسط في التسلية أي لا تهتم للدنيا وأهلها فأمرها وأمرهم أقل بفنائه وذهابه، فإنا إنما جعلنا ما على الأرض زينة وامتحاناً وخبرة، واختلف في المراد، بـ {ما}، فقال ابن جبير عن ابن عباس: أراد الرجال وقاله مجاهد، وروى عكرمة عن ابن عباس أن الزينة الخلفاء والعلماء والأمراء، وقالت فرقة أراد النعم والملابس والثمار والخضرة والمياه، ونحو هذا مما فيه زينة، ولم يدخل في هذا الجبال الصم وكلا ما لا زين فيه كالحيات والعقارب، وقالت فرقة: أراد كل ما على الأرض عموماً وليس شيء إلا فيه زينة من جهة خلقه وصنعته وإحكامه. وفي معنى هذه الآية، قول النبي عليه السلام: "حديث : الدنيا خضرة حلوة وإن الله مستخلفكم فيها فناظر كيف تعملون فاتقوا الدنيا واتقوا النساء" تفسير : . و {زينة} مفعول ثان أو مفعول من أجله بحسب معنى "جعل". وقوله {لنبلوهم أيهم أحسن عملاً} أي لنختبرهم وفي هذا وعيد ما، قال سفيان الثوري: {أحسنهم عملاً} أزهدهم فيها، وقال أبو عاصم العسقلاني: أحسن عملاً: أترك لها. قال القاضي أبو محمد: وكان أبي رضي الله عنه يقول: أحسن العمل أخذ بحق واتفاق في حق مع الإيمان وأداء الفرائض واجتناب المحارم، والإكثار من المندوب إليه. وقوله {وإنا لجاعلون ما عليها صعيداً جرزاً}، أي يرجع كل ذلك تراباً غير متزين بنبات ونحوه، و"الجرز" الأرض التي لا شيء فيها من عمارة وزينة، فهي البلقع، وهذه حالة الأرض العامرة الخالية بالدين لا بد لها من هذا في الدنيا جزءاً جزءاً من الأرض ثم يعمها ذلك بأجمعها عند القيامة، يقال: جرزت الأرض بقحط أو جراد أو نحوه إذا ذهب نباتها وبقيت لا شيء فيها ولا نفع، وأرضون أجراز، قال الزجاج: والجرز الأرض التي لا تنبت. قال القاضي أبو محمد: وإنما ينبغي أن يقول: التي لم تنبت، و"الصعيد" وجه الأرض وقيل "الصعيد" التراب خاصة، وقيل "الصعيد" الأرض الطيبة وقيل، "الصعيد" الأرض المرتفعة من الأرض المنخفضة، وقوله تعالى: {أم حسبت} الآية، مذهب سيبويه في {أم} إذا جاءت دون أن يتقدمها ألف استفهام أنها بمعنى بل وألف الاستفهام كأنه قال: بل أحسبت إضراباً عن الحديث الأول واستفهاماً عن الثاني وقال بعض النحويين: هي بمنزلة ألف الاستفهام، وأما معنى الكلام فقال الطبري: هو تقرير للنبي صلى الله عليه وسلم على حسابه أن أصحاب الكهف كانوا عجباً بمعنى إنكار ذلك عليه أي لا تعظم ذلك بحسب ما عظمه عليك السائلون من الكفرة، فإن سائر آيات الله أعظم من قصتهم وأشنع، وهو قول ابن عباس ومجاهد وقتادة وابن إسحاق، وذكر الزهراوي: أن الآية تحتمل معنى آخر وهو أن تكون استفهاماً له هل علم أصحاب الكهف عجباً، بمعنى إثبات أنهم عجب وتكون فائدة تقريره جمع نفسه للام لأن جوابه أن يقول لم أحسب ولا علمته فيقال له: وصفهم عند ذلك والتجوز في هذا التأويل هو في لفظه حسبت فتأمله، و {الكهف} النقب المتسع في الجبل وما لم يتسع منها فهو غار، وحكى النحاس عن أنس بن مالك أنه قال: {الكهف} الجبل وهذا غير شهير في اللغة، واختلف الناس في {الرقيم}، فقال كعب، {الرقيم} القرية التي كانت بإزاء {الكهف}، وقال ابن عباس وقتادة: {الرقيم} الوادي الذي كان بإزائه وهو واد بين عصبان وأيلة دون فلسطين، وقال ابن عباس أيضاً هو الجبل الذي فيه {الكهف}، وقال السدي: {الرقيم} الصخرة التي كانت على {الكهف}، وقال ابن عباس {الرقيم} كتاب مرقوم كان عندهم فيه الشرع الذي تمسكوا به من دين عيسى، وقيل من دين قبل عيسى، وقال ابن زيد: كتاب عمى الله علينا أمره ولم يشرح لنا قصته، وقالت فرقة: {الرقيم} كتاب في لوح نحاس، وقال ابن عباس: في لوح رصاص كتب فيه القوم الكفار الذين فر الفتية منهم قصتهم وجعلوها تاريخاً لهم ذكروا وقت فقدهم وكم كانوا وبني من كانوا، وقال سعيد بن جبير: {الرقيم} لوح من حجارة كتبوا فيه قصة {أصحاب الكهف} ووضعوه على باب الكهف، ويظهر من هذه الروايات أنهم كانوا قوماً مؤرخين للحوادث وذلك من قبل المملكة وهو أمر مفيد، وهذه الأقوال مأخوذة من الرقم ومنه كتاب مرقوم، ومنه الأرقم لتخطيطه، ومنه رقمة الوادي أي مكان جري الماء وانعطافه يقال عليك بالرقمة وخل الضفة وقال النقاش عن قتادة: {الرقيم} دراهمهم، وقال أنس بن مالك والشعبي {الرقيم} الكلب، وقال عكرمة {الرقيم} الدواة، وقالت فرقة: {الرقيم} كان لفتية آخرين في السراة جرى لهم ما جرى لـ {أصحاب الكهف}، وروي عن ابن عباس أنه قال ما أدري ما {الرقيم} أكتاب أو بنيان، وروي أنه قال: كل بالقرآن أعلمه إلا الحنان والأواه والرقيم.

ابن عبد السلام

تفسير : {بَاخِعٌ} قاتل، أو متحسر أسف على آثار قريش {إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ} بالقرآن {أَسَفاً} غضباً، أو جزعاً، أو ندماً، أو حزناً.

الثعالبي

تفسير : وقوله سبحانه: {فَلَعَلَّكَ بَـٰخِعٌ نَّفْسَكَ } هذه آية تسلية للنبيِّ صلى الله عليه وسلم، والباخِعُ نَفْسَه هو مهلكها. قال * ص *: «لعلَّ» للترجِّي في المحبوب، وللإِشفاق في المحذور، وهي هنا للإِشفاق. انتهى. وقوله: {عَلَىٰ آثَـٰرِهِمْ }: استعارة فصيحةٌ من حيثُ لهم إِدبارٌ وتباعُدٌ عن الإِيمان؛ فكأنهم من فرط إِدبارهم قَدْ بَعُدُوا، فهو في آثارهم يحزَنُ عليهم. وقوله: {بِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ }، أي: بالقرآن، «والأسف» المبالغة في حزنٍ أو غضبٍ، وهو في هذا الموضع الحزنُ؛ لأنه على مَنْ لا يملك، ولا هو تحت يدِ الآسِفِ، ولو كان الأَسَفُ من مقتدرٍ على من هو في قبضته ومِلْكه، لكان غضباً، كقوله تعالى: { أية : فَلَمَّا آسَفُونَا } تفسير : [الزخرف:55] أي: أغضبونا. قال قتادة: {أَسَفاً }: حُزْناً. وقوله سبحانه: {إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى ٱلأَرْضِ زِينَةً لَّهَا...} الآية: بسط في التسلية، أي: لا تهتمَّ بالدنيا وأهلها، فإن أمرها وأمرهم أقلُّ؛ لفناء ذلك وذهابه، فإِنا إِنما جعلنا ما على الأرض زينةً وامتحاناً واختباراً، وفي معنى هذه الآية قوله صلى الله عليه وسلم: " حديث : الدُّنْيَا حُلْوَةُ خَضِرَةٌ، وَإِنَّ اللَّهَ تَعَالى مُسْتَخْلِفُكُمْ فِيهَا فَنَاظِرٌ كَيْفَ تَعْمَلُونَ، فَاتَّقُوا الدُّنْيا وٱتّقُوا النِّسَاءَ " تفسير : {لِنَبْلُوَهُمْ } أي: لنختبرهم، وفي هذا وعيدٌ مَّا. قال سفيانُ الثَّوْريُّ: أحسنهم عملاً: أزهدهم فيها، وقال أبو عاصم العَسْقَلاَنِيُّ: {أَحْسَنُ عَمَلاً }. الترك لها. قال * ع *: وكان أبي رحمه اللَّه يقولُ: أحسن العَمَلِ: أخْذٌ بحقٍّ، وإِنفاقٌ في حقٍّ، وأداء الفرائض، وٱجتناب المحارِمِ، والإِكثار من المندوب إِليه. وقوله سبحانه: {وَإِنَا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيداً جُرُزاً } أي: يرجع ذلك كُّله تراباً، «والجُرُز»: الأرض التي لا شيء فيها مِنْ عمارةٍ وزينةٍ، فهي البَلْقَعُ، وهذه حالة الأرض العَامِرَةِ لا بُدَّ لها من هذا في الدنيا جزءاً جزءاً من الأرض، ثم يعمُّها ذلك بأجمعها عند القيامة، و«الصعيدُ» وجْه الأرض، وقيل: «الصَّعيد»: التراب خاصَّة.

ابن عادل

تفسير : والمقصود منه أنَّه قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يعظم حزنك وأسفك؛ بسبب كفرهم، فإنَّا بعثناك منذراً ومبشّراً، فأما تحصيلُ الإيمان في قلوبهم، فلا قدرة لك عليه، والغرض منه تسلية الرَّسُول صلى الله عليه وسلم. ومعنى: "بَاخعٌ نَفْسكَ" أي: قاتلٌ نفسك. قال الليثُ: بخع الرَّجلُ نفسه إذا قتلها غيظاً من شدَّة وجده، والفاء في قوله: (فَلعلَّكَ) قيل: جواب الشرط، وهو قوله: {إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ} قدم عليه، ومعناه التأخير. وقال الجمهور: جواب الشرط محذوف لدلالة قوله: "فَلعلَّكَ". و "لَعلَّكَ" قيل: للإشفاق على بابها. وقيل: للاستفهام، وهو رأيُ الكوفيِّين. وقيل: للنَّهي، أي: لا تَبْخَعْ. والبَخْعُ: الإهلاك، يقال: بَخَع الرجل نفسه يَبخَعُهَا بَخْعاً وبُخُوعاً، أهلكها وجداً. قال ذو الرمة: [الطويل] شعر : 3483- ألا أيُّهذا البَاخِعُ الوجْدُ نفسهُ لِشيءٍ نَحَتْهُ عَن يَديْهِ المَقادِرُ تفسير : يريد: نحَّته بالتشديد، فخفف، قال الأصمعي: كان ينشده: "الوَجْدَ" بالنصب على المفعول له، وأبو عبيدة رواه بالرَّفع على الفاعلية بـ "البَاخِع". وقيل: البَخْعُ: أن تضعفَ الأرض بالزِّراعةِ، قاله الكسائي، وقيل: هو جهدُ الأرضِ وعلى هذا معنى "بَاخعٌ نَفْسكَ" أي ناهكها وجاهدها؛ حتَّى تهلكها، وقيل: هو جهد الأرض في حديث عائشة - رضي الله عنها - عن عمر: "بَخَعَ الأرض" تعني جهدها؛ حتَّى أخذ ما فيها من أموالِ ملوكها، وهذا استعارة، ولم يفسِّره الزمخشري هنا بغير القتل والإهلاك، وقال في سورة الشعراء: "البَخْع": أن يبلغَ بالذَّبْح البِخَاع بالباء وهو عرقٌ مستبطن الفقار، وذلك أقصى حدِّ الذابح. قال شهاب الدين: وسمعت شيخنا علاء الدين القونيَّ يقول: "تَتبَّعتُ كُتبَ الطبِّ والتشريح، فلم أجد لهذا أصلاً". فصل يحتمل أنه لما ذكروه، سمَّوه باسم آخر؛ لكونه أشهر فميا بينهم. وقال الرَّاغب: "البَخْعُ: قتلُ النفس غمًّا" ثم قال: "وبَخعَ فلانٌ بالطاعة، وبما عليه من الحق: إذا أقرَّ به، وأذعن مع كراهةٍ شديدةٍ، تجري مجرى بخعِ نفسه في شدَّته". قوله: "عَلى آثَارِهمْ" متعلقٌ بـ "بَاخِعٌ" أي: من بعد هلاكهم. يقال: مات فلانٌ على أثر فلانٍ، أي بعده، وأصل هذا أنَّ الإنسان، إذا مات، بقيت علاماتهُ، وآثارهُ بعد موته مدَّة، ثمَّ إنَّها تنمحي وتبطل بالكليَّة، فإذا كان موته قريباً من [موت] الأول، كان موته حاصلاً حال بقاءِ آثار الأول، فصحَّ أن يقال: مات فلانٌ على أثرِ فلانٍ. قوله: {إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ بِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ} يعني القرآن. قال القاضي: وهذا يقتضي وصف القرآن بأنه حديثٌ، وذلك يدلُّ على فساد قول من يقول: إنه قديمٌ. وأجيب بأنه محمول على الألفاظ، وهي حادثة. قوله: {إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ}: قرأ العامة بكسر "إنْ" على أنها شرطية، والجواب محذوفٌ عند الجمهور؛ لدلالة قوله: "فَلعلَّكَ"، وعند غيرهم هو جوابٌ متقدِّم، وقرىء: "أنْ لَمْ" بالفتح؛ على حذف الجارِّ، أي: لأنْ لم يؤمنوا. وقُرىء "بَاخِعُ نَفْسِكَ" بالإضافة، والأصل النصبُ، وقال الزمخشريُّ: "وقرىء "بَاخعُ نَفْسكَ" على الأصل، وعلى الإضافة. أي: قاتلها ومهلكها، وهو للاستقبال فيمن قرأ "إنْ لمْ يُؤمِنُوا"، وللمضيِّ فيمن قرأ "إنْ لم تُؤمنوا" بمعنى: لأن لم تُؤمِنُوا" يعني أنَّ باخعاً للاستقبال في قراءة كسر "إنْ" فإنها شرطية، وللمضيِّ في قراءةِ فتحها، وذلك لا يأتي إلا في قراءة الإضافة؛ إذ لا يتصوَّر المضيُّ مع النصب عند البصريين، وعلى هذا يلزم ألاَّ يقرأ بالفتح، إلا من قرأ بإضافة "بَاخِع"، ويحتاج في ذلك إلى نقل وتوقيف. قوله: "أسفاً" يجوز أن يكون مفعولاً من أجله، والعامل فيه "بَاخعٌ" وأن يكون مصدراً في موضع الحال من الضمير في "بَاخعٌ". والأسف: الحزن، وقيل: الغضب، وقد تقدَّم في الأعراف عند قوله: {أية : غَضْبَانَ أَسِفاً} تفسير : [الأعراف: 150] وفي يوسف عند قوله: {أية : يَٰأَسَفَىٰ عَلَى يُوسُفَ وَٱبْيَضَّتْ} تفسير : [يوسف: 84].

السيوطي

تفسير : أخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال‏:‏ اجتمع عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة وأبو جهل بن هشام والنضر بن الحارث وأمية بن خلف والعاص بن وائل والأسود بن المطلب وأبو البختري في نفر من قريش، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد كبر عليه ما يرى من خلاف قومه إياه وإنكارهم ما جاء به من النصيحة، فأحزنه حزناً شديداً‏.‏‏.‏‏.‏ فأنزل الله ‏{‏فلعلك باخع نفسك‏}‏ الآية‏. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏ {‏فلعلك باخع نفسك‏} ‏ قال‏:‏ قاتل نفسك‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله‏:‏ ‏{‏فلعلك باخع نفسك‏} ‏ قال‏:‏ قاتل نفسك‏. وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد مثله. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله‏:‏ ‏ {‏فلعلك باخع نفسك‏}‏ قال‏:‏ قاتل نفسك ‏ {‏إن لم يؤمنوا بهذا الحديث‏}‏ قال‏:‏ القرآن‏:‏ ‏{‏أسفا‏ً} ‏ قال‏:‏ حزناً إن لم يؤمنوا‏. وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله‏:‏ ‏ {‏أسفا‏ً} ‏ قال‏:‏ جزعا‏. وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله‏:‏ ‏ {‏فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا‏ً} ‏ قال‏:‏ حزناً عليهم، نهى الله نبيه أن يأسف على الناس في ذنوبهم‏.‏ وأخرج ابن الأنباري في الوقف، عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له‏:‏ أخبرني عن قوله‏:‏ ‏ {‏فلعلك باخع نفسك‏} ‏ ما الباخع‏؟‏ فقال‏:‏ يقول‏:‏ قاتل نفسك‏.‏ قال فيه لبيد بن ربيعة‏: شعر : لعلك يوماً ان فقدت مزارها على بعده يوماً لنفسك باخع

ابو السعود

تفسير : {فَلَعَلَّكَ بَـٰخِعٌ} أي مُهلكٌ {نَّفْسَكَ عَلَىٰ ءاثَـٰرِهِمْ} غماً ووجداً على فراقهم وقرىء بالإضافة {إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ بِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ} أي القرآنِ الذي عبّر عنه في صدر السورةِ بالكتاب، وجوابُ الشرطِ محذوفٌ ثقةً بدلالة ما سبق عليه، وقرىء بأنْ المفتوحةِ أي لأن لم يؤمنوا، فإعمالُ باخعٌ بحمله على حكاية حالٍ ماضيةٍ لاستحضار الصورةِ كما في قوله عز وجل: { أية : بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ} تفسير : [الكهف: 18] {أَسَفاً} مفعولٌ له لباخعٌ أي لِفَرْط الحزنِ والغضبِ أو حالٌ مما فيه الضمير أن متأسفاً عليهم، ويجوز حملُ النظمِ الكريم على الاستعارة التبعيةِ بجعل التشبـيهِ بـين أجزاءِ الطرفين لا بـين الهيئتين المنتزَعتين منهما كما في التمثيل، وقد مر تحقيقُه في تفسير قوله تعالى: { أية : خَتَمَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ} تفسير : [البقرة: 7]. {إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى ٱلأَرْضِ} استئنافٌ وتعليلٌ لما في لعل من معنى الإشفاقِ، أي إنا جعلنا ما عليها ممن عدا مَنْ وُجّه إليه التكليفُ من الزخارف حيواناً كان أو نباتاً أو معدِناً كقوله تعالى: { أية : هُوَ ٱلَّذِى خَلَقَ لَكُم مَّا فِى ٱلأَرْضِ جَمِيعاً} تفسير : [البقرة: 29] {زِينَةً} مفعولٌ ثانٍ للجعل إن حُمل على معنى التصيـيرِ أو حالٌ إن حمل على معنى الإبداعِ، واللام في {لَهَا} إما متعلقةٌ بزينةً أو بمحذوف هو صفةٌ لها أي كائنةً لها أي ليتمتع بها الناظرون من المكلفين وينتفعوا بها نظراً واستدلالاً، فإن الحياتِ والعقاربَ من حيث تذكيرُهما لعذاب الآخرة من قبـيل المنافِع بل كلُّ حادثٍ داخلٌ تحت الزينة من حيث دَلالتُه على وجود الصانعِ ووَحدتِه فإن الأزواجَ والأولادَ أيضاً من زينة الحياةِ الدنيا بل أعظمُها ولا يمنع ذلك كونُهم من جملة المكلفين فإنهم من جهة انتسابهم إلى أصحابهم داخلون تحت الزينةِ ومن جهة كونهم مكلفين داخلون تحت الابتلاء. {لِنَبْلُوَهُمْ} متعلقٌ بجعلنا أي جعلنا ما جعلنا لنعاملَهم معاملةَ من يختبرهم {أَيُّهُم أَحْسَنُ عَمَلاً} فنجازيهم بالثواب والعقابِ حسبما تبـين المحسنُ من المسيء وامتازت طبقاتُ أفرادِ كلَ من الفريقين حسب امتيازِ مراتبِ علومِهم المرتبة على أنظارهم وتفاوتِ درجاتِ أعمالِهم المتفرّعةِ على ذلك كما قررناه في مطلع سورة هود، وأيُّ إما استفهاميةٌ مرفوعةٌ بالابتداء وأحسنُ خبرُها والجملةُ في محل النصبِ معلِّقةٌ لفعل البلوىٰ لما فيه من معنى العلمِ باعتبار عاقبتِه كالسؤال والنظرِ، ولذلك أجريَ مَجراه بطريق التمثيلِ أو الاستعارةِ التبعية، وإما موصولةٌ بمعنى الذي وأحسنُ خبرٌ لمبتدأ مضمر، والجملةُ صلةٌ لها وهي في حيز النصبِ بدلٌ من مفعول لنبلوَهم والتقديرُ لنبلوَ الذي هو أحسنُ عملاً فحينئذ يحتمل أن تكون الضمةُ في أيُّهم للبناء كما في قوله عز وجل: { أية : ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِن كُلّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى ٱلرَّحْمَـٰنِ عِتِيّاً} تفسير : [مريم، الآية 69] على أحد الأقوالِ لتحقق شرط البناءِ الذي هو الإضافةُ لفظاً وحذفُ صدرِ الصلةِ وأن تكون للإعراب لأن ما ذكر شرطٌ لجواز البناءِ لا لوجوبه، وحُسنُ العملِ الزهدُ فيها وعدمُ الاغترار بها والقناعةُ باليسير منها وصرفُها على ما ينبغي والتأملُ في شأنها وجعلُها ذريعةً إلى معرفة خالقِها والتمتعُ بها حسبما أذِن له الشرعُ وأداءُ حقوقها والشكرُ لها، لا اتخاذُها وسيلةً إلى الشهوات والأغراضِ الفاسدة كما يفعله الكفرةُ وأصحابُ الأهواء. وإيرادُ صيغةِ التفضيل مع أن الابتلأَ شاملٌ للفريقين باعتبار أعمالِهم المنقسمةِ إلى الحسن والقبـيح أيضاً لا إلى الحسن والأحسنِ فقط للإشعار بأن الغايةَ الأصلية للجعل المذكورِ إنما هو ظهورُ كمال إحسانِ المحسنين على ما حُقّق في تفسير قوله تعالى: { أية : لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً} تفسير : [هود، الآية 7].

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِمْ} [الآية: 6]. قال بعضهم: لا تشغل سرك بمخالفاتهم. فما عليك إلا البلاغ والهدى منا لمن نشاء.

القشيري

تفسير : مِنْ فَرْطِ شفقته - صلى الله عليه وسلم - داخَلَه الحزنُ لامتناعهم عن الإيمان، فهوَّن الله - سبحانه - عليه الحالَ، بما يشبه العتابَ في الظاهر؛ كأنه قال له: لِِمَ كل هذا؟ ليس في امتناعهم - في عَدِّنا - أثر، ولا في الدِّين من ذلك ضرر.. فلا عليكَ من ذلك. ويقال أشهده جريانَ التقدير، وعَرَّفَه أنه - وإِنْ كان كُفْرُهم منْهِيَّاً عنه في الشرع - فهو في الحقيقة مُرَادُ الحق.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِمْ} اخبر سبحانه عن محبة حبيبه نظام طريق محبته وعبودية عباده له وشدة حرصه واهتمامه على الخلق ومن غلبة ذلك غاص فى بحر الاولية وسابق العناية لطلب === ابرام القدر المقدر لا بنفسه وذلك من علمه بتنزيه جلاله حتى لو اراد ان يبدل جميع اقداره لقدر ولو يغفر لجميع الكفار لقدر ولا نقص على برهانه وسلطانه فاعلمه الحق ان هذا رسم اسرار الربوبية ولا تقدر ان تهتك تلك الاسرار لانه غيور على سره وغيبه قال بعضهم لا تشغل سرك بمخالفتهم فما عليك الا البلاغ والهدى منا من نشاء.

اسماعيل حقي

تفسير : {فلعلك}[بس تو مكر] {باخع} مهلك {نفسك} قال فى التأويلات النجمية معناه نهى اى لا تنجع نفسك كما يقال لعلك تريد ان تفعل كذا اى لا تفعل كذا او فكأنك كما قال تعالى فى شأن عاد {وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون}. قال فى القاموس بخع نفسه كمنع قتلها غما وبخع بالشاة بالغ فى ذبحها حتى بلغ البخاع هذا اصله ثم استعمل فى كل مبالغة فلعلك باخع نفسك اى مهلكها مبالغا فيها حرصا على اسلامهم والبخاع ككتاب عرق فى الصدر ويجرى فى عظم الرقبة وهو غير النخاع بالنون فيما زعم الزمخشرى انتهى {على آثارهم} غما ووجدا على فراقهم. قال الكاشفى [بعد از بر كشتن ايشان از تو يابس از انكار ايشان ترا يعنى كار برخود آسان كير وغم بردل بى غل منه]{ان لم يؤمنوا بهذا الحديث} اى القرآن. ان قلت تسمية القرآن حديثا دليل على حدوثه. قلت سماه حديثا لانه يحدث عند سماعهم له معناه ولانه عائد الى الحروف التى وقعت بها العبارة عن القرآن كما فى الاسئلة المقحة. قال فى الصحاح الحديث ضد القديم ويستعمل فى قليل الكلام وكثيره {اسفا} مفعول له لباخع والاسف اشد الحزن كما فى القاموس اذ لفرط الحزن والغضب والحسرة مثل حاله صلى الله عليه وسلم فى شدة الوجد على اعراض القوم عن الايمان بالقرآن وكمال التحسر عليهم بحال من يتوقع منه اهلاك نفسه عند مفارقة احبته تأسفا على مفارقتهم وهذه غاية الرحمة والشفقة على الامة وكمال القيام باداء حقوق الرسالة والاقدام على العبودية فوق الطاقة وكان من دأبه صلى الله عليه وسلم ان يبالغ فى القيام بما امر الى حد ان ينهى عنه كما انه صلى الله عليه وسلم حين امر بالانفاق بالغ فيه الى ان اعطى قميصه وقعد فى البيت عريانا فنهى عن ذلك بقوله {أية : ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا}تفسير : فتكلم بعض الكبار فى الحزن فقال الحزن حلية الادباء طوبى لمن كان شعاره الحزن ودثاره الحزن وبيته الحزن وطعامه الحزن وشرابه الحزن به يلتذ الصديقون والنبيون اذا احب الله تعالى عبدا القى له نائحة فى قلبه ومن لم يذق طعام الحزن لم يذق لذة العبادة على انواعها ولا يغرنك ما تسمع من قول صديق متمكن ان الحزن مقام نازل فان مراده ان الحزن تابع للمحزون مثل العلم مع المعلوم فيتضع باتضاعه ويرتفع بارتفاعه. قال ابراهيم بن بشار صحبت ابراهيم بن ادهم فرأيته طويل الحزن دائم الفكر واضعايده على رأسه كأنما افرغت عليه الهموم افراغا. وكان سفيان عند رابعة فقال واحزناه فقالت قل واقلة حزناه فانك لو كنت حزينا ما هنأك العيش. وعن داود عليه السلام قال الهى امرتنى ان اطهر قلبى فبماذا اطهر قال يا داود بالهموم والغموم. قال الحافظ شعر : روى زردست وآه درد آلود عاشقانرا دواى رنجورى تفسير : اللهم منّ على قلبى بهمك.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: {أسفًا}: مفعول من أجله لباخع، أو حال، أي: متأسفًا، وجواب "إن": محذوف، أي: إن لم يؤمنوا فعلك باخع نفسك. يقول الحقّ جلّ جلاله: {فلعلك} يا محمد {باخعٌ}: مهلك {نفسَك} وقاتلها بالغم والأسف على تخلف قومك عن الإيمان وفراقهم عنك، {على آثارهم} إذا تولوا عنك، عندما تدعوهم إلى الله. شبهه، لأجل ما تداخله من الوجد على توليتهم، بمن فارقته أعزته، وهو يتحسر على آثارهم، ويبخع نفسه وجدًا عليهم. {إِن لم يُؤمنوا بهذا الحديث} أي: القرآن الذي عبّر عنه في صدر السورة بالكتاب، صدر ذلك منك {أسفًا} أي: بفرط الحزن والتأسف عليهم. ثم علّل وجه إدبارهم عن الإيمان، وهو اغترارهم بزهرة الدنيا، فقال: {إِنا جعلنا ما على الأرض}؛ من الأشجار والأزهار والثمار، وما اشتملت عليه من المعادن، وأنواع الملابس والمطاعم، والمراكب والمناكح، {زينةً لها} أي: مبهجة لها، يستمتع بها الناظرون، وينتفعون بها مأكلاً وملبسًا، ونظرًا واعتبارًا، حتى إن الحيّات والعقارب؛ من حيث تذكيرها بعذاب الآخرة، من قبيل المنافع، بل كل حادث داخل تحت الزينة من حيثُ دلالته على الصانع، وكذلك الأزواج والأولاد، بل هم من أعظم زينتها، داخلون تحت الابتلاء. جعلنا ذلك {لنبلوهم}: لنختبرهم، حتى يظهر ذلك للعيان، {أيُّهم أحسنُ عملاً}، أيهم أزهد فيها، وأقبلهم على الله بالعمل الصالح؛ إذ لا عمل أحسن من الزهد في الدنيا؛ إذ هو سبب للتفرغ لأنواع العبادة، بدنية وقلبية. قال أبو السعود: وحسن العمل: الزهد فيها، وعدم الاكتراث بها، والقناعة باليسير منها، وصرفها على ما ينبغي، والتأمل في شأنها، وجعلها ذريعة إلى معرفة خالقها، والتمتع بها حسبما أذن الشرع، وأداء حقوقها، والشكر على نعمها، لا جعْلها وسيلة إلى الشهوات، والأغراض الفاسدة، كما يفعله الكفرة وأهل الأهواء... انظر بقية كلامه. {وإِنا لجاعلون ما عليها}؛ عند تناهي الدنيا؛ {صعيدًا جُرُزًا} أي: ترابًا يابسًا، لا نبات فيه، بعدما كان يَتَعجب من بهجته النظارُ، ويتشرف بمشاهدته الأبصار، فلا يغتر بما يذهب ويفنى إلا من لا عقل له، فلا تستغرب إدبارهم، إذ لا عقل لهم. ويحتمل أن يكون تسليةً للنبي صلى الله عليه وسلم؛ من حيث إنه أرشده إلى شهود تدبير الحق، فيسلو، بذلك عن إعراضهم؛ لغيبته في المصور المدبر عن الصور، وعن الزينة في المُزَيِّن فالكون مظهر الصفات ومرآتها، ويغيب في الذات - التي هي معدنها - بإفناء الظاهر، وإفناء الأفعال، كما نبّه عليه بقوله: {وإِنا لجاعلون...} الخ. الإشارة: الخصوصية - من حيث هي - لها بداية ونهاية، فمن شأن أهل بدايتها: الحرص على الخير لهم ولعباد الله، فيتمنون أن الناس كلهم خصوص أو صالحون، فإذا رأوا الناس أعرضوا عنها تأسفوا عليهم، وإذا أقبلوا عليهم فرحوا من أجلهم، زيادة في الهداية لعباد الله، فإذا تمكنوا منها ورسخت أقدامهم فيها، وحصل لهم الفناء الأكبر، لم يحرصوا على شيء، ولم يتأسفوا من فوات شيء، لهم ولغيرهم. وقد يتوجه العتاب لهم على الحرص في بدايتهم؛ تكميلاً لهم، وترقية إلى المقام الأكمل. وقوله تعالى: {إنا جعلنا ما على الأرض...} الخ، هو حكمة تخلف الناس عن الخصوصية، حتى يتميز الطالب لها من المعرض عنها، فمن أقبل على زينة الدنيا وزهرتها، فاتته الخصوصية، وبقي من عوام الناس، ومن أعرض عنها وعن بهجتها، وتوجه بقلبه إلى الله، كان من المخصوصين بها، المقربين عند الله. وهذا هو أحسن الأعمال التي اختبر الله به عباده بقوله: {لنبلوهم أيهم أحسن عملاً }، وفي الحديث: "حديث : الدنيا مال مَنْ لاَ مَالَ لَه، لَهَا يَجْمَعُ مَنْ لاَ عَقْلَ لَه. وعليها يُعَادِي مَنْ لاَ عِلْمَ عِنْدَه"تفسير : . وفي الزهد والترغيب أحاديث كثيرة مفردة بالتأليف، وبالله التوفيق. ثمَّ شرع في قصة أهل الكهف المقصودة بالذات

الطوسي

تفسير : يقول الله تعالى لنبيه محمد (صلى الله عليه وسلم) {فلعلك} يا محمد قاتل نفسك ومهلكها على آثار قومك الذين قالوا: {أية : لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً...} تفسير : تمرداً منهم على ربهم بأنهم لم يؤمنوا بهذا الكتاب الذي أنزلته عليك، فيصدقوا بأنه من عند الله - حزناً وتلهفاً ووجداً - بادبارهم عنك واعراضهم عن قبول ما اتيتهم به. و {أسفاً} نصب على المصدر. يقال بخع نفسه يبخعها بخعاً وبخوعاً، قال ذو الرمة: شعر : ألا ايهذا الباخع الوجد نفسه لشئ نحته عن يديه المقادر تفسير : يريد (نحته) فخفف. وما ذكرناه قول قتادة وغيره. وقوله {أسفاً} قال قتادة: معناه غضباً وتقديره: فلعلك باخع نفسك إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفاً يعنى غضباً. وقال مجاهد: معناه جزعاً. وفى رواية أخرى عن قتادة: حزناً عليهم. وفى رواية ثالثة عن قتادة حذراً. وكسرت {إن} لانها في معنى الجزاء ولو فتحت لجاز قال الشاعر: شعر : اتجزع أن بان الخليط المودع وحبل الصفا من عزة المتقطع تفسير : وهذا معاتبة من الله لرسوله على وجده بمباعدة قومه إياه فيما دعاهم اليه من الايمان به والبراءة والآلهة والانداد، وكان بهم رحيماً، وهو قول ابن اسحاق. وقوله {إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها} معناه انا جعلنا الذي على الارض من انواع المخلوقات جمادها وحيوانها ونباتها {زينة لها} يعني للارض {لنبلوهم أيهم} أي لنختبر عبادنا {أيهم أحسن عملاً} يعني من اتبع امرنا ونهينا وعمل فيها بطاعتنا، وهو قول مجاهد. قوله تعالى {وإنا لجاعلون ما عليها صعيداً جرزاً} فيه اخبار من الله تعالى انا مخربوها بعد عمارتنا إياها بما جعلنا عليها من الزينة فنصيرها صعيداً جرزاً، والصعيد ظهر الارض، والجرز الذي لا نبات عليه ولا زرع ولا غرس. وقيل انه أراد بالصعيد - ها هنا - المستوي من وجه الارض. وقال ابن عباس: معناه نهلك كل شيء عليها زينة. وقال مجاهد: {جرزاً} أي بلقعاً. وقال قتادة: هو ما لا شجر فيه ولا نبات. وقال ابن زيد: الجرز الارض التي ليس فيها شيء، بدلالة قوله {أية : أو لم يروا أنا نسوق الماء إلى الأرض الجرز فنخرج به زرعاً} تفسير : يعنى الارض التي ليس فيها شيء من النبات. والصعيد المستوي قال: وهو كقوله تعالى {أية : لا ترى فيها عوجاً ولا أمتاً} تفسير : قال سيبويه: يقال جرزت الارض فهي مجروزة وجرزها الجراد والنعم، وارضون اجراز اذا كان لا شيء فيها، ويقال للسنة المجدبة جرز، وسنون أجراز لجدوبها ويبسها وقلة امطارها. قال الراجز: شعر : قد جرفتهن السنون الأجراز تفسير : ويقال: أجرز القوم إذا صارت ارضهم جرزاً، وجرزوا هم أرضهم أكلوا نباتها كله.

الجنابذي

تفسير : {فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ} قاتل نفسك غمّاً {عَلَىٰ آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ بِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ} حديث اصحاب الكهف او القرآن جملةً او حديث ولاية علىٍّ (ع) وهو المقصود {أَسَفاً} تأسّفاً على تولّيهم عن الايمان شفقةً بهم وحرصاً على ايمانهم بعلىٍّ (ع).

الهواري

تفسير : قوله: {فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ} أي: قاتل نفسك في تفسير العامة {عَلَى ءَاثَارِهِمْ} أي: آسفاً، أي: حزناً عليهم في تفسير مجاهد. {إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الحَدِيثِ} أي: القرآن. { أَسَفاً}. قال بعضهم: غضباً. وهي مثل قوله: (أية : فَلَمَّا ءَاسَفُونَا) تفسير : [الزخرف:55] أي: أغضبونا. وقال مجاهد: أسفاً: أي: جزعاً. قوله: {إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَهَا} أي: لأهلها. { لِنَبْلُوَهُمْ} أي: لنختبرهم {أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً} أي: أيهم أطوع لله. وقد علم ما هم فاعلون. قال: { وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا} أي: ما على الأرض { صَعِيداً جُرُزاً} والجُرُز ها هنا الخراب. وقال بعضهم: التي ليس فيها شجر ولا نبات. وقال مجاهد: بلقعاً. وقال في موضع آخر:{أَوَ لَمْ يَرَوا أَنَّا نَسُوقُ المَاءَ إِلَى الأَرْضِ الجُرُزِ} أي: اليابسة التي ليس فيها نبات (أية : فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً) تفسير : [السجدة:27]. قوله: { أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَباً} أي: قد كان في آياتنا ما هو أعجب منهم. وقال مجاهد: هم عجب. [قال بعضهم] يقول: ليس هم أعجب آياتنا. والكهف كهف الجبل. والرقيم الوادي الذي فيه الكهف.

اطفيش

تفسير : {فَلَعَلّكَ} هذه الفاء سببية تدل على أن سبب الجملة نفسه هو قولهم: {اتخذ الله ولدا}. {بَاخِعٌ} قاتل {نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ} جمع أثر وهو علامة وطء القدم فى الأرض مثلا. شبه الله سبحانه وتعالى رسوله صلى الله عليه وسلم لما تداخله من الحزن على إعراض قومه عن الإيمان والإسلام بمن فارقه أحباؤه فكان يتبع آثارهم فى الأرض بجسمه وقلبه أو بقلبه ويتقطع حسرات على فراقهم حتى يقتل نفسه حزنا عليهم وتلهفاً. وقرئ باخعُ نفسِك بإِضافة باخع إلى نفسك. والإضافة لفظية أصلها النصب كما قرأ الجمهور إذا كسرت الهمزة فى قوله تعالى: {إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الحَدِيثِ} أى القرآن على أن إن شرطية وباخع للاستقبال ولو كانت للمضى لكن إن الشرطية تعلق شرطها للمستقبل والإضافة معنوية على قراءة فتح همزة إن على أن إن مخففة وباخع للمضى أى لعلك قد وصلت موصل هلاك النفس لأن لم يؤمنوا فحذف لام الجر. ولا يجوز التنوين والنصب على قراءة الهمزة إلا على حكاية الحال الماضية بأن نزّل حال وصوله موصل هلاك النفس فيما مضى بحال حاضرة وصل فيها ذلك أو على قول من يجيز عمل الوصف بمعنى الماضى. وإن قلت: قد اشتهر أن إضافة الوصف الذى هو للحال أو للاستقبال لفظية لا تفيد التخصيص ولا التعريف وإنا لا نشك أن قولك ضارب رجل بالإضافة وضارب عمرو بالإضافة فيه خصوص لم يوجد فى مجرد ضارب بالتنوين بدون ذكر رجل. قلت: إن الخصوص إنما أفاده المضاف إليه من حيث أنه معمول فى الأصل لا من حيث الإضافة كما أفاده المعمول فى قولك ضاربٌ رجلاً وضاربٌ عمرواً بالتنوين ونصب المعمول. هذا ما ظهر لى. والله أعلم. {أَسَفاً} حزنا شديدا بحرصك على إيمانهم. وقيل: غيضا وهو مفعول لأجله وناصبه باخع وهذا أولى من كونه حالا مبالغة أو بتقدير مضاف أى ذا أسف أو بتأويله باسم الفاعل أى أسِفا بكسر السين أو أسيفا بالياء.

اطفيش

تفسير : {فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ} شبه الله سبحانه وتعالى حال رسول الله صلى الله عليه وسلم فى شدة الوجد على إعراضهم عن الإيمان، أو كمال الحزن عليهم. بحال من يتوقع منه إهلاك نفسه إثر فوت ما يحبه من أهل، والفاء للتفريع على قوله: "أية : إن يقولون إلاَّ كذبًا"تفسير : [الكهف: 5] عاتبه الله على شدة حزنه، حتى كاد يقتل نفسه لقولهم ذلك، مع أنه قول كذب، أو على قوله "أية : كبرت"تفسير : [الكهف: 5] إلخ أو لمجرد الترتيب الذكرى ولا يجوز أ ن تكون الجملة جواب شرط، والفاء رابطة، لأن الصحيح أن جواب الشرط لا يتقدم، ولو جاز تقدمه لورد تقم إن قام زيد، بجزم تقم، ولعدم وجوب قرن الجملة التى لا تصح شرطًا بالفاء إذا تقدمت نحو: قم إن قام زيد، أو أنا قائم إن قمت، وليست واردة بالفاء إلا باعتبار ما قبلها. ولا أقبل قولهم أيضًا الجواب محذوف دل عليه ما قبله فى نحو: أقوم إن قام زيد، وأنه الصواب أن يقال لا جواب له، لأنه أغنى عنه ما قبله، والمقدر فى ذلك لا يقصده المتكلم، فكيف يقدره، ومعنى باخع نفسك قاتلها، والبخع القتل مطلقا لا ما قيل إنه القتل حزنًا، وأنه لا يستعمل فى القتل بغير الحزن، والآية تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم لاجتماع عتبة بن ربيعة، وأخيه شيبة بن ربيعة، وأبى جهل، والنضر بن الحارث، وأمية بن خلف، والعاص بن وائل، والأسود بن المطلب وأبى البحترى وأمثالهم من عظماء قريش، على تكذيبه، ولعل للترحم لما نقول: هى فى كلامنا للإشفاق والحث على ترك التحزن، وأجاز الكوفيون أن تكون للاستفهام، وهو توبيخ وإنكار، قيل: هي هنا للنهى أى لا تبخع، وعلى التعليل وآثارهم جمع أثر، وهو ما قالوه كقوله تعالى: "أية : ونكتب ما قدموا وآثارهم"تفسير : [يس: 12] أو الكلام استعارة تمثيلية، بأن شبه ما يداخله من الوجد على كفرهم بمن فارقته عشيرته فتحسر بعدهم. {إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ} القرآن {أَسَفًا} تعليل لقوله: "باخع" ولا حاجة إلى جعله حالا لاحتياجه إلى التأويل بأسفًا أو بذا أسف، أو المبالغة كأنه نفس الأسف، وقدر بعض تأسف والأسف الحزن والغضب معًا، ويستعمل فى أحدهما أيضًا وحده، والآية قابلة لذلك، وفسرها قتادة بالغضب، وروى عنه بالحزن، وفسره البخارى بالذم، ومجاهد بالحزن، ويقال إذا جاء التفسير عن مجاهد كفى قوة وجمعًا فى قوله تعالى "أية : غضبان أسفًا" تفسير : [الأعراف: 150، طه: 86] تأكيداً أو أسفًا بمعنى حزنًا، أو غضبان على بعض أسفًا على بعض، ومَن قدر على الانتقام غضب أو لم يقدر حزن.

الالوسي

تفسير : {فَلَعَلَّكَ بَـٰخِعٌ} أي قاتل {نَفْسَكَ} وفي معناه ما في «صحيح البخاري» مهلك. والأول مروي عن مجاهد والسدي وابن جبير وابن عباس وأنشد لابن الأزرق إذ سأله قول لبيد بن ربيعة:شعر : لعلك يوماً إن فقدت مزارها على بعده يوماً لنفسك باخع تفسير : وفي «البحر» ((عن الليث بخع الرجل نفسه بخعاً وبخوعاً قتلها من شدة الوجد وأنشد قول الفرزدق:شعر : ألا أيهذا الباخع الوجد نفسه لشيء نحته عن يديه المقادر تفسير : وهو من بخع الأرض بالزراعة أي جعلها ضعيفة بسبب متابعة الزراعة كما قال الكسائي)). وذكر الزمخشري أن البخع أن يبلغ الذبح البخاع بالباء وهو عرق مستبطن القفا، وقد رده ابن الأثير وغيره بأنه لم يوجد في كتب اللغة والتشريح لكن الزمخشري ثقة في هذا الباب واسع الاطلاع. وقرىء {بَـٰخِعٌ نَّفْسَكَ} بالإضافة وهي خلاف الأصل في اسم الفاعل إذا استوفى شروط العمل عند الزمخشري، وأشار إليه سيبويه في «الكتاب». وقال الكسائي: العمل والإضافة سواء، وزعم أبو حيان أن الإضافة أحسن من العمل. {عَلَىٰ ءاثَـٰرِهِمْ} أي / من بعدهم، يعني من بعد توليهم عن الإيمان وتباعدهم عنه. أخرج ابن مردويه عن ابن عباس أن عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة وأبا جهل بن هشام والنضر بن الحرث وأمية بن خلف والعاصي بن وائل والأسود بن المطلب وأبا البختري في نفر من قريش اجتمعوا وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد كبر عليه كما يرى من خلاف قومه إياه وإنكارهم ما جاء به من النصيحة فأحزنه حزناً شديداً فأنزل الله تعالى: {فَلَعَلَّكَ بَـٰخِعٌ} الخ، ومنه يعلم أن ما ذكرنا أوفق بسبب النزول من كون المراد من بعد موتهم على الكفر. {إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ بِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ} الجليل الشأن، وهو القرآن المعبر عنه في صدر السورة بالكتاب. ووصفه بذلك لو سلم دلالته على الحدوث لا يضر الأشاعرة وأضرابهم القائلين بأن الألفاظ حادثة. و(إن) شرطية، والجملة بعدها فعل الشرط، والجواب محذوف ثقة بدلالة ما سبق عليه عند الجمهور، وقيل الجواب (فلعلك) الخ المذكور، وهو مقدم لفظاً مؤخر معنى، والفاء فيه فاء الجواب. وقرىء {أن لم يؤمنوا} بفتح همزة أن على تقدير الجار أي لأن، وهو متعلق بباخع على أنه علة له. وزعم غير واحد أنه لا يجوز إعماله على هذا إذ هو اسم فاعل وعمله مشروط بكونه للحال أو الاستقبال، ولا يعمل وهو للمضي، و(إن) الشرطية تقلب الماضي بواسطة {لَمْ} إلى الاستقبال بخلاف أن المصدرية فإنها تدخل على الماضي الباقي على مضيه إلا إذا حمل على حكاية الحال الماضية لاستحضار الصورة للغرابة. وتعقبه بعض الأجلة بأنه لا يلزم من مضي ما كان علة لشيء مضيه، فكم من حزن مستقبل على أمر ماض سواء استمر أو لا فإذا استمر فهو أولى لأنه أشد نكاية فلا حاجة إلى الحمل على حكاية الحال. ووجه ذلك في «الكشف» بأنه إذا كانت علة البخع عدم الإيمان فإن كانت العلة قد تمت فالمعلول كذلك ضرورة تحقق المعلول عند العلة التامة، وإن كانت بعد فكمثل ضرورة أنه لا يتحقق بدون تمامها. وتعقب بأنه غير مسلم، لأن هذه ليست علة تامة حقيقية حتى يلزم ما ذكر، وإنما هي منشأ وباعث فلا يضر تقدمها. وقيل إنه تفوت المبالغة حينئذ في وجده صلى الله عليه وسلم على توليهم لعدم كون البخع عقبه بل بعده بمدة بخلاف ما إذا كان للحكاية. وتعقب أيضاً بأنه لا وجه له بل المبالغة في هذا أقوى لأنه إذا صدر منه لأمر مضى فكيف لو استمر أو تجدد؟ ولعل في الآية ما يترجح له البقاء على الاستقبال فتدبر. وانتصاب قوله تعالى: {أَسَفاً} بباخع على أنه مفعول من أجله. وجوز أن يكون حالاً من الضمير فيه بتأويل متأسفاً لأن الأصل في الحال الاشتقاق وأن ينتصب على أنه مصدر فعل مقدر أي تأسف أسفاً. والأسف على ما نقل عن الزجاج المبالغة في الحزن والغضب. وقال الراغب: الأسف الحزن والغضب معاً وقد يقال لكل منهما على الانفراد، وحقيقته ثوران دم القلب شهوة الانتقام فمتى كان على من دونه انتشر فصار غضباً ومتى كان على ما فوقه انقبض فصار حزناً، ولذلك سئل ابن عباس رضي الله عنهما عن الحزن والغضب فقال: مخرجهما واحد واللفظ مختلف فمن نازع من يقوى عليه أظهره غيظاً وغضباً ومن نازع من لا يقوى عليه أظهره حزناً وجزعاً، وبهذا النظر قال الشاعر:شعر : فحزن كل أخى حزن أخو الغضب تفسير : وإلى كون الأسف أعم من الحزن والغضب وكون الحزن على من لا يملك ولا هو تحت يد الآسف والغضب على من هو في قبضته وملكه ذهب منذر بن سعد وفسر الأسف هنا بالحزن بخلافه في قوله تعالى: {أية : فَلَمَّآ آسَفُونَا ٱنتَقَمْنَا مِنْهُمْ} تفسير : [الزخرف: 55] وإذا استعمل الأسف مع الغضب يراد به الحزن على / ما قيل في قوله تعالى: {أية : وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَىٰ إِلَىٰ قَوْمِهِ غَضْبَـٰنَ أَسِفًا} تفسير : [الأعراف: 150] وجعل كل منهما فيه بالنسبة إلى بعض من القوم. وعن قتادة تفسير الأسف هنا بالغضب، وفي رواية أخرى بالحزن. وفي «صحيح البخاري» تفسيره بالندم. وعن مجاهد تفسيره بالجزع، وأهل الحزن أكثر. ولعل للترجي وهو الطمع في الوقوع أو الإشفاق منه، وهي هنا استعارة أي وصلت إلى حالة يتوقع منك الناس ذلك لما يشاهد من تأسفك على عدم إيمانهم. وقال العسكري: هي هنا موضوعة موضع النهي كأنه قيل لا تبخع نفسك، وقيل موضع الاستفهام، وجعله ابن عطية إنكارياً على معنى لا تكن كذلك. والقول بمجيء لعل للاستفهام قول كوفي، والذي يظهر أنها هنا للإشفاق الذي يقصد به التسلي والحث على ترك التحزن والتأسف، ويمكن أن يكون مراد العسكري ذلك. وفي الآية عند غير واحد استعارة تمثيلية وذلك أنه مثل حاله صلى الله عليه وسلم في شدة الوجد على إعراض القوم وتوليهم عن الإيمان بالقرآن وكمال الحزن عليهم بحال من يتوقع منه إهلاك نفسه إثر فوت ما يحبه عند مفارقة أحبته تأسفاً على مفارقتهم وتلهفاً على مهاجرتهم ثم قيل ما قيل، وهو أولى من اعتبار الاستعارة المفردة التبعية في الأطراف. وجوز أن تكون من باب التشبيه لذكر طرفيه وهما النبـي صلى الله عليه وسلم وباخع بأن يشبه عليه الصلاة والسلام لشدة حرصه على الأمر بمن يريد قتل نفسه لفوات أمر وهو كما ترى.

ابن عاشور

تفسير : تفريع على جملة { أية : وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولداً } تفسير : [الكهف: 4] باعتبارهم مكذبين كافرين بقرينة مقابلة المؤمنين بهم في قوله: { أية : وبشر المؤمنين } تفسير : [الكهف: 2] ثم قوله: { أية : وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولداً } تفسير : [الكهف: 4]. و (لعل) حقيقتها إنشاء الرجاء والتوقع، وتستعمل في الإنكار والتحذير على طريقة المجاز المرسل لأنهما لا زمان لتوقع الأمر المكروه. وهي هنا مستعملة في تحذير الرسول عليه الصلاة والسلام من الاغتمام والحزن على عدم إيمان من لم يؤمنوا من قومه. وذلك في معنى التسلية لقلة الاكتراث بهم. والباخع: قاتل نفسه، كذا فسره ابن عباس ومجاهد والسدّي وابن جبير. وفسره البخاري بمهلك. وتفسيره يرجع إلى أبي عبيدة. وفي اشتقاقه خلاف، فقيل مشتق من البِخاع بالباء الموحدة (بوزن كتاب) وهو عرق مستبطن في القفا فإذا بلغ الذابحُ البخاع فذلك أعمق الذبح، قاله الزمخشري في قوله تعالى: لعلك باخع نفسك في سورة الشعراء (3) وانفرد الزمخشري بذكر هذا الاشتقاق في الكشاف} و «الفائق» و «الأساس». قال ابن الأثير في «النهاية»: «بحثت في كتب اللغة والطب فلم أجد البِخاع بالموحدة» يعني أن الزمخشري انفرد بهذا الاشتقاق وبإثبات البخاع اسماً لهذا العرق. قلت: كفى بالزمخشري حجة فيما أثبته. وقد تبعه عليه المطرزي في «المُغرب» وصاحب «القاموس». فالبخع: أصله أن يبلغ الذابح بالذبح إلى القفا ثم أطلق على القتل المشوب بغيظ. والآثار: جمع أثر وهو ما يؤثره، أي يُبقيه الماشي أو الراكب في الرمل أو الأرض من مواطىء أقدامه وأخفاف راحلته. والأثر أيضاً ما يبقيه أهل الدار إذا ترحلوا عنها من تافه آلاتهم التي كانوا يعالجون بها شؤونهم كالأوتاد والرماد. وحرف (على) للاستعلاء المجازي فيجوز أن يكون المعنى: لعلك مهلك نفسك لأجل إعراضهم عنك كما يُعرض السائر عن المكان الذي كان فيه، فتكون (على) للتعليل. ويجوز أن يكون المعنى تمثيل حال الرسول صلى الله عليه وسلم في شدة حرصه على اتباع قومه له وفي غمه من إعراضهم. وتمثيل حالهم في النفور والإعراض بحال من فارقه أهله وأحبتُه فهو يرى آثار ديارهم ويحزن لفراقهم. ويكون حرف (على) ظرفاً مستقراً في موضع الحال من ضمير الخطاب، ومعنى (على) الاستعلاء المجازي وهو شدة الاتصال بالمكان. وكأن هذا الكلام سيق إلى الرسول صلى الله عليه وسلم في آخر أوقات رجائه في إيمانهم إيماء إلى أنهم غير صائرين إلى الإيمان، وتهيئة نفسه أن تتحمل ما سيلقاه من عنادهم رأفة من ربه به، ولذلك قال: {إن لم يؤمنوا بهذا الحديث} بصيغة الفعل المضارع المقتضية الحصول في المستقبل، أي إن استمر عدم إيمانهم. واسم الإشارة وبيانُه مراد به القرآن، لأنه لحضوره في الأذهان كأنه حاضر في مقام نزول الآية فأشير إليه بذلك الاعتبار. وبُيّن بأنه الحديث. والحديث: الخبر. وإطلاق اسم الحديث على القرآن باعتبار أنه إخبار من الله لرسوله، إذ الحديث هو الكلام الطويل المتضمن أخباراً وقصصاً. سمي الحديث حديثاً باعتبار اشتماله على الأمر الحديث، أي الذي حدث وجَد، أي الأخبار المستجدة التي لا يعلمها المخاطب، فالحديث فعيل بمعنى مفعول. وانظر ما يأتي عند قوله تعالى: { أية : الله نزل أحسن الحديث } تفسير : في سورة الزمر (23). و{أسفاً} مفعول له من {باخع نفسك} أي قاتلها لأجل شدة الحزن، والشرط معترض بين المفعولين، ولا جواب له للاستغناء عن الجواب بما قَبْل الشرط.

الشنقيطي

تفسير : اعلم أولاً - أن لفظة "لعل" تكون للترجي في المحبوب، وللإشفاق في المحذور. واستظهر أبو حيان في البحر المحيط - أن "لعل" في قوله هنا {فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ} للإشفاق عليه صلى الله عليه وسلم أن يبخع نفسه لعدم إيمانهم به. وقال بعضهم: إن "لعل" في الآية للنهي. وممن قال به العسكري، وهو معنى كلام ابن عطية كما نقله عنهما صاحب البحر المحيط. وعلى هذا القول فالمعنى: لا تبخع نفسك لعدم إيمانهم. وقيل: هي في الآية للاستفهام المضمن معنى الإنكار. وإتيان لعل للاستفهام مذهب كوفي معروف. وأظهر هذه الأقوال عندي في معنى "لعل" أن المراد بها في الآية النهي عن الحزن عليهم. وإطلاق لعل مضمنة معنى النهي في مثل هذه الآية أسلوب عربي يدل عليه سياق الكلام. ومن الأدلة على أن المراد بها النهي عن ذلك كثرة ورود النهي صريحاً عن ذلك. كقوله: {أية : فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ}تفسير : [فاطر: 8]، وكقوله: {أية : وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ}تفسير : [الحجر: 88]، وقوله: {أية : فَلاَ تَأْسَ عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَافِرِينَ}تفسير : [المائدة: 68] إلى غير ذلك من الآيات وخيرما يفسر به القرآن. والباخع: المهلك: أي مهلك نفسك من شدة الأسف على عدم إيمانهم ومنه قول ذي الرمة: شعر : ألا أيهذا الباخع الوجد نفسه لشيء نحته عن يديه المقادر تفسير : كما تقدم. وقوله {على آثارهم} - قال القرطبي: آثارهم جمع أثر. ويقال إثر. والمعنى: على أثر توليهم وإعراضهم عنك. وقال أبو حيان في البحر: ومعنى "على آثارهم" من بعدهم، أي بعد يأسك من إيمانهم. أو بعد موتهم على الكفر. يقال: مات فلان على أثر فلان. أي بعده. وقال الزمخشري: شبهه وإباهم حين تولوا عنه ولم يؤمنوا به، وما داخله من الوجد والأسف على توليهم برجل فارقته أحبته وأعزته فهو يتساقط حسرات على آثارهم ويبخع نفسه وجداً عليهم، وتلهفاً على فراقهم! والأسف هنا: شدة الحزن. وقد يطلق الأسف على الغضب! كقوله: {أية : فَلَمَّآ آسَفُونَا ٱنتَقَمْنَا مِنْهُمْ}تفسير : [الزخرف: 55]. فإذا حققت معنى هذه الآية الكريمة - فاعلم أن ما ذكره فيها جل وعلا من شدة حزن نبيه صلى الله عليه وسلم عليهم، وعن نهيه له عن ذلك مبين في آيات أخر كثيرة، كقوله: {أية : فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ }تفسير : [فاطر: 8]، وكقوله: {أية : لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ}تفسير : [الشعراء: 3]، وكقوله: {أية : وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَٱخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ}تفسير : [الحجر: 88]، وكقوله: {أية : فَلاَ تَأْسَ عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَافِرِين}تفسير : [المائدة: 68]، وكقوله: {أية : قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ ٱلَّذِي يَقُولُونَ}تفسير : [الأنعام: 33]، وكقوله {أية : وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ}تفسير : [الحجر: 97] كما قدمناه موضحاً. وقوله في هذه الآية الكريمة {أسفاً} مفعول من أجله، أي مهلك نفسك من أجل الأسف. ويجوز إعرابه حالاً. أي في حال كونك آسفاً عليهم. على حد قوله في الخلاصة: شعر : ومصدر منكر حالاً يقع بكثرة كبغتة زيد طلع

الواحدي

تفسير : {فلعلك باخع نفسك} قاتلها {على آثارهم} على أثر تولِّيهم وإعراضهم عنك لشدَّة حرصك على إيمانهم {إن لم يؤمنوا بهذا الحديث} يعني: القرآن {أسفاً} غيظاً وحزناً. {إنا جعلنا ما على الأرض} يعني: ما خلق في الدُّنيا من الأشجار والنَّبات ولاماء وكلِّ ذي روح على الأرض {زينة لها} زيَّناها بما خلقنا فيها {لنبلوهم أيهم أحسن عملاَ} أزهد فيها، وأترك لها، ثمَّ أعلم أنَّه يُفني ذلك كلَّه، فقال: {وإنا لجاعلون ما عليها صعيداً جرزاً} بلاقع ليس فيها نبات. {أم حسبت} بل أحسبت {أنَّ أصحاب الكهف} وهو المغارة في الجبل {والرقيم} وهو اللَّوح الذي كُتبت فيه أسماؤهم وأنسابهم {كانوا من آياتنا عجباً} أَيْ: لم يكونوا بأعجب آياتنا، ولم يكونوا العجب من آياتنا فقط؛ فإنَّ آياتنا كلَّها عجب، وكانت قريش سألوا محمداً صلى الله عليه وسلم عن خبر فتيةٍ فُقدوا في الزمان الأوَّل بتلقين اليهود قريشاً ذلك، فأنزل الله سبحانه على نبيِّه عليه السَّلام خبرهم، فقال: {إذ أوى} اذكر إذ أوى {الفتية إلى الكهف} هربوا إليه ممَّن يطلبهم، فاشتغلوا بالدُّعاء، والتَّضرُّع {فقالوا ربنا آتنا من لدنك رحمة} أعطنا من عندك مغفرةً ورزقاً {وهيِّىء} أصلح {لنا من أمرنا رشداً} أَيْ: أرشدنا إلى ما يُقرِّب منك. {فضربنا على آذانهم} سددنا آذانهم بالنَّوم {في الكهف سنين عدداً} معدودةً. {ثم بعثناهم} ايقظناهم من نومهم {لنعلم} لنرى {أيّ الحزبين} من المؤمنين والكافرين {أحصى} أعدُّ {لما لبثوا} للبثهم في الكهف نائمين {أمداً} غايةً، وكان وقع اختلافٌ بين فريقين من المؤمنين والكافرين في قدر مدَّة فقدهم، ومنذ كم فقدوهم، فبعثهم الله سبحانه من نومهم ليتبيَّن ذلك.

د. أسعد حومد

تفسير : {بَاخِعٌ} {آثَارِهِمْ} (6) - لاَ تُهْلِك يَا مُحَمَّدُ نَفْسَكَ حُزْناً عَلَى هؤلاءِ المُشْرِكِينَ لأَِنَّهُمْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِاللهِ، وَبِهذا القُرْآنِ (بِهَذا الحَدِيثِ)، بَلْ أَبْلِغْهُمْ أَنْتَ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ، وَادْعُهُمْ إِلَى اللهِ، وَهَذِهِ هِيَ مُهِمَّتُكَ، وَلَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ، فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ، وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا. بَخَعَ نَفْسَهُ - قَتَلَهَا وَأَهْلَكَهَا. أَسَفاً - حُزْناً أَوْ غَيْظاً.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : ومعنى: {بَاخِعٌ نَّفْسَكَ ..} [الكهف: 6] أي: تجهد نفسك في دعوة قومك إجهاداً يُهلكها، وفي الآية إشفاق على رسول الله؛ لأنه حَمّل نفسه في سبيل هداية قومه ما لا يحمله الله ويلزم ما لا يلزمه، فقد كان صلى الله عليه وسلم يدعو قومه فيُعرضوا ويتولَّوْا عنه فيُشيِّع آثارهم بالأسف والحزن، كما يسافر عنك حبيب أو عزيز، فتسير على أثره تملؤك مرارة الأسى والفراق، فكأن رسول الله لحبه لقومه وحِرْصه على هدايتهم يكاد يُهلك نفسه {أَسَفاً}. والأسف: الحزن العميق، ومنه قَوْلُ يعقوب عليه السلام: {أية : يَٰأَسَفَىٰ عَلَى يُوسُفَ ..}تفسير : [يوسف: 84] وقوله تعالى عن موسى لما رجع إلى قومه غاضباً من عبادتهم العجل: {أية : فَرَجَعَ مُوسَىٰ إِلَىٰ قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفاً ..}تفسير : [طه: 86]. وقد حدّد الله تعالى مهمة الرسول وهي البلاغ، وجعله بشيراً ونذيراً، ولم يُكلّفه من أمر الدعوة ما لا يطيق، ففي الآية مظهر من مظاهر رحمة الله برسوله صلى الله عليه وسلم، فيقول الحق سبحانه: {إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى ٱلأَرْضِ زِينَةً لَّهَا ...}.

مجاهد بن جبر المخزومي

تفسير : أَخبرنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {أَسَفاً} [الآية: 6] يعني: جزعاً. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى ٱلأَرْضِ زِينَةً لَّهَا} [الآية: 7] يعني: ما عليها من شيء. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {صَعِيداً جُرُزاً} [الآية: 8]. قال: يعني بلقعاً. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ ٱلْكَهْفِ وَٱلرَّقِيمِ} [الآية: 9]. قال: كان أَصحاب الكهف والرقيم يقول: هم أَعجب آياتنا. يقول الله: ولم يكونوا بأَعجب آياتنا.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ} معناه قَاتلُ نَفْسِكَ ومهُلِكِهَا. تفسير : وقوله تعالى: {بِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ أَسَفاً} معناهُ نَدِمٌ.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : {فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ} [الكهف: 6] معناه نهي أي: لا تبخع نفسك كما يقال لعلك تريد أن تفعل كذا أي: لا تفعل كذا. وفيه معنى آخر {فَلَعَلَّكَ} أي: فكأنك كما قال تعالى في شأن عاد: {أية : وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ} تفسير : [الشعراء: 129] أي: كأنك فالمعنى كأنك {بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ بِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ أَسَفاً} [الكهف: 6] على فوات الإيمان عنهم، وهذا غاية الرحمة والشفقة على الأمة، وكمال القيام بأداء حقوق الرسالة، والإقدام على العبودية فوق الطاقة، وكان من دأبه صلى الله عليه وسلم أن يبالغ في القيام بأمر ربه إلى حد أن ينهى عنه كما أنه صلى الله عليه وسلم حين أمر بالإنفاق بالغ فيه إلى أن أعطى من دأبه صلى الله عليه وسلم أن يبالغ قميصه وقعد في البيت عرياناً، فنهي عن ذلك بقوله: {أية : وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ ٱلْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَّحْسُوراً} تفسير : [الإسراء: 29]. وبقوله: {إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى ٱلأَرْضِ زِينَةً لَّهَا} [الكهف: 7] يشير إلى أن الناسك السالك، والطالب الصادق، والمحب المحق من يحرم على نفسه الدنيا وزينتها حرامها وحلالها وهي ما {أية : زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ ٱلشَّهَوَاتِ مِنَ ٱلنِّسَاءِ وَٱلْبَنِينَ وَٱلْقَنَاطِيرِ ٱلْمُقَنْطَرَةِ مِنَ ٱلذَّهَبِ وَٱلْفِضَّةِ وَٱلْخَيْلِ ٱلْمُسَوَّمَةِ وَٱلأَنْعَامِ وَٱلْحَرْثِ ذٰلِكَ مَتَاعُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} تفسير : [آل عمران: 14] لأنه مع حب الله لا يسوغ حب الدنيا وشهواتها، بل حب الآخرة ودرجاتها، كما قال تعالى: {لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُم أَحْسَنُ عَمَلاً} [الكهف: 7] أي: زينا الدنيا وشهواتها للخلف ملائماً لطباعهم وجعلناها محل ابتلاء المحب والسالي {لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُم أَحْسَنُ عَمَلاً} [الكهف: 7] في تركها ومخالفة هوى نفسه طلباً رضائه، وأيهم أقبح عملاً في الإعراض عن الله وما عنده من الباقيات الصالحات، والإقبال على الدنيا وما فيها من الفانيات الفاسدات وهو معنى قوله: {وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيداً جُرُزاً} لا حاصل له إلا الندامة والغرامة. ثم أخبر عن سعادة السيادة الذين أعرضوا عن الدنيا وأقبلوا على المولى بقوله تعالى: {أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ ٱلْكَهْفِ وَٱلرَّقِيمِ كَانُواْ مِنْ آيَاتِنَا عَجَباً} [الكهف: 9] إشارة إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم أي: أنك حسبت أن أحوال {أَصْحَابَ ٱلْكَهْفِ وَٱلرَّقِيمِ} [الكهف: 9] كانت من آيات إحساننا مع العبيد {عَجَباً} [الكهف: 9] فإن في أمتك من هو أعجب حالاً منهم، وذلك أن فيهم أصحاب الخلوات الذين كهفهم الذين يأوون إليه بين الخلوة، ومقيمهم قلوبهم المرقومة برقم المحبة، فهي محبتي ومحبوبي، وألواح قلوبهم مرقومة بالعلوم الدينية، وإن كان أصحاب الكهف أووا إلى الكهف خوفاً من لقاء دقيانوس وفرار منه أووا إلى كهف الخلوة شوقاً إلى لقائي وفراراً إلي، وإن كان المراد من قولنا: {إِذْ أَوَى ٱلْفِتْيَةُ إِلَى ٱلْكَهْفِ فَقَالُواْ رَبَّنَآ آتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وَهَيِّىءْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَداً} [الكهف: 10] النجاة من شر دقيانوس والخروج من الغار بالسلامة. فرار هؤلاء القوم النجاة من شر نفوسهم، والخروج من ظلمات غار الوجود للوصول إلى أنوار جمالي وجلالي.

همام الصنعاني

تفسير : 1651- حدثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {بَاخِعٌ نَّفْسَكَ }: [الآية : 6]، قال: قاتلٌ نفسك. 1652- حدثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن قتادة في قوله تعالى: {إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ بِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ أَسَفاً}: [الآية: 6]، قال: حزناً عليهم.