Verse. 2147 (AR)

١٨ - ٱلْكَهْف

18 - Al-Kahf (AR)

اِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَي الْاَرْضِ زِيْنَۃً لَّہَا لِنَبْلُوَہُمْ اَيُّہُمْ اَحْسَنُ عَمَلًا۝۷
Inna jaAAalna ma AAala alardi zeenatan laha linabluwahum ayyuhum ahsanu AAamalan

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«إنا جعلنا ما على الأرض» من الحيوان والنبات والشجر والأنهار وغير ذلك «زينة لها لنبلوهم» لنختبر الناس ناظرين إلى ذلك «أيهم أحسن عملاً» فيه أي أزهد له.

7

Tafseer

الرازي

تفسير : في الآية مسائل: المسألة الأولى: قال القاضي: وجه النظم كأنه تعالى يقول: يا محمد إني خلقت الأرض وزينتها وأخرجت منها أنواع المنافع والمصالح والمقصود من خلقها بما فيها من المنافع ابتلاء الخلق بهذه التكاليف ثم إنهم يكفرون ويتمردون مع ذلك فلا أقطع عنهم مواد هذه النعم. فأنت أيضاً يا محمد ينبغي أن لا تنتهي في الحزن بسبب كفرهم إلى أن تترك الاشتغال بدعوتهم إلى الدين الحق. المسألة الثانية: اختلفوا في تفسير هذه الزينة فقال بعضهم النبات والشجر وضم بعضهم إليه الذهب والفضة والمعادن، وضم بعضهم إلى سائر الحيوانات وقال بعضهم بل المراد الناس فهم زينة الأرض. وبالجملة فليس بالأرض إلا المواليد الثلاثة وهي المعادن والنبات والحيوان، وأشرف أنواع الحيوان الإنسان. وقال القاضي: الأولى أنه لا يدخل في هذه الزينة المكلف لأنه تعالى قال: {إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى ٱلأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ } فمن يبلوه يجب أن لا يدخل في ذلك فأما سائر النبات والحيوان فإنهم يدخلون فيه كدخول سائر ما ينتفع به، وقوله: {زِينَةً لَّهَا } أي للأرض ولا يمتنع أن يكون ما يحسن به الأرض زينة للأرض كما جعل الله السماء مزينة بزينة الكواكب. أما قوله: {لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُم أَحْسَنُ عَمَلاً } ففيه مسائل: المسألة الأولى: ذهب هشام بن الحكم إلى أنه تعالى لا يعلم الحوادث إلا عند دخولها في الوجود، فعلى هذا الابتلاء والامتحان على الله جائز، واحتج عليه بأنه تعالى لو كان عالماً بالجزئيات قبل وقوعها لكان كل ما علم وقوعه واجب الوقوع وكل ما علم عدمه ممتنع الوقوع وإلا لزم انقلاب علمه جهلاً وذلك محال والمفضي إلى المحال محال ولو كان ذلك واجباً فالذي علم وقوعه يجب كونه فاعلاً له ولا قدرة له على الترك والذي علم عدمه يكون ممتنع الوقوع ولا قدرة له على الفعل وعلى هذا يلزم أن لا يكون الله قادراً على شيء أصلاً بل يكون موجباً بالذات وأيضاً فيلزم أن لا يكون للعبد قدرة لا على الفعل ولا على الترك لأن ما علم الله وقوعه امتنع من العبد تركه وما علم الله عدمه امتنع منه فعله، فالقول بكونه تعالى عالماً بالأشياء قبل وقوعها يقدح في الربوبية وفي العبودية وذلك باطل فثبت أنه تعالى إنما يعلم الأشياء عند وقوعها وعلى هذا التقدير فالابتلاء والامتحان والاختبار جائز عليه وعند هذا قال: يجري قوله تعالى: {لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُم أَحْسَنُ عَمَلاً } على ظاهره. وأما جمهور علماء الإسلام فقد استبعدوا هذا القول وقالوا: إنه تعالى من الأزل إلى الأبد عالم بجميع الجزئيات فالابتلاء والامتحان محالان عليه وأينما وردت هذه الألفاظ فالمراد أنه تعالى يعاملهم معاملة لو صدرت تلك المعاملة عن غيره لكان ذلك على سبيل الابتلاء والامتحان وقد ذكرنا هذه المسألة مراراً كثيرة. المسألة الثانية: قال القاضي: معنى قوله: {لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُم أَحْسَنُ عَمَلاً } هو أنه يبلوهم ليبصرهم أيهم أطوع لله وأشد استمراراً على خدمته لأن من هذا حاله هو الذي يفوز بالجنة فبين تعالى أنه كلف لأجل ذلك لا لأجل أن يعصى، فدل ذلك على بطلان قول من يقول: خلق بعضهم للنار. المسألة الثالثة: اللام في قوله: {لِنَبْلُوَهُمْ } تدل ظاهراً على أن أفعال الله معللة بالأغراض عند المعتزلة، وأصحابنا قالوا: هذا محال لأن التعليل بالغرض إنما يصح في حق من لا يمكنه تحصيل ذلك الغرض إلا بتلك الواسطة، وهذا يقتضي العجز وهو على الله محال. المسألة الرابعة: قال الزجاج: {أيهم} رفع بالابتداء إلا أن لفظه لفظ الاستفهام، والمعنى لنختبر ونمتحن هذا أحسن عملاً أم ذاك، ثم قال تعالى: {وإن لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيداً جُرُزاً } والمعنى أنه تعالى بين أنه إنما زين الأرض لأجل الامتحان والابتلاء لا لأجل أن يبقى الإنسان فيها متنعماً أبداً لأنه يزهد فيها بقوله: {وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا } الآية ونظيره قوله: { أية : كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ } تفسير : [الرحمن: 26] وقوله: { أية : فَيَذَرُهَا قَاعاً } تفسير : [طه: 106] الآية، وقوله: { أية : وَإِذَا ٱلأَرْضُ مُدَّتْ } تفسير : [الانشقاق: 3] الآية. والمعنى أنه لا بد من المجازاة بعد فناء ما على الأرض، وتخصيص الإبطال والإهلاك بما على الأرض يوهم بقاء الأرض إلا أن سائر الآيات دلت على أن الأرض أيضاً لا تبقى وهو قوله: { أية : يَوْمَ تُبَدَّلُ ٱلأَرْضُ غَيْرَ ٱلأَرضِ } تفسير : [إبراهيم: 48] قال أبو عبيدة: الصعيد المستوي من الأرض، وقال الزجاج: هو الطريق الذي لا نبات فيه، وقد ذكرنا تفسير الصعيد في آية التيمم، وأما الجرز فقال الفراء: الجرز الأرض التي لا نبات عليها، يقال: جرزت الأرض فهي مجروزة، وجرزها الجراد والشاء والإبل إذا أكلت ما عليها، وامرأة جروز إذا كانت أكولاً، وسيف جراز إذا كان مستأصلاً، ونظيره قوله تعالى: { أية : نَسُوقُ ٱلْمَاء إِلَى ٱلأَرْضِ ٱلْجُرُزِ } تفسير : [السجدة: 27].

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى ٱلأَرْضِ زِينَةً لَّهَا} فيه مسألتان: الأولى: قوله تعالى: {إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى ٱلأَرْضِ زِينَةً لَّهَا} «ما» و «زينةً» مفعولان. والزينة كل ما على وجه الأرض؛ فهو عموم لأنه دال على بارئه. وقال ابن جبير عن ابن عباس: أراد بالزينة الرجال؛ قال مجاهد. وروى عكرمة عن ابن عباس أن الزينة الخلفاء والأمراء. وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عباس في قوله تعالى: «إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها» قال: العلماء زينة الأرض. وقالت فرقة: أراد النّعم والملابس والثمار والخضرة والمياه، ونحو هذا مما فيه زينة؛ ولم يدخل فيه الجبال الصم وكل ما لا زينة فيه كالحيات والعقارب. والقول بالعموم أولى، وأن كل ما على الأرض فيه زينة من جهة خلقه وصنعه وإحكامه. والآية بسط في التسلية؛ أي لا تهتم يا محمد للدنيا وأهلها فإنا إنما جعلنا ذلك امتحاناً واختباراً لأهلها؛ فمنهم من يتدبّر ويؤمن، ومنهم من يكفر، ثم يوم القيامة بين أيديهم؛ فلا يعظُمنّ عليك كفرهم فإنا نجازيهم. الثانية: معنى هذه الآية ينظر إلى قول النبيّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن الدنيا خضرة حلوة والله مستخلفكم فيها فينظر كيف تعملون»تفسير : . وقوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن أخوف ما أخاف عليكم ما يخرج الله لكم من زهرة الدنيا قال: وما زهرة الدنيا؟ قال: «بركات الأرض» تفسير : خرجهما مسلم وغيره من حديث أبي سعيد الخدريّ. والمعنى: أن الدنيا مستطابة في ذوقها معجبة في منظرها كالثمر المستحلى المعجب المرأى؛ فابتلى الله بها عباده لينظر أيّهم أحسن عملاً. أي من أزهد فيها وأترك لها؛ ولا سبيل للعباد إلى بغضة ما زيّنه الله إلا (أن) يعينه على ذلك. ولهذا كان عمر يقول فيما ذكر البخاري: اللهمّ إنا لا نستطيع إلا أن نفرح بما زيّنته لنا، اللّهمَّ إني أسألك أن أنفقه في حقه. فدعا الله أن يعينه على إنفاقه في حقه. وهذا معنى قوله عليه السلام: «حديث : فمن أخذه بطيب نفس بورك له فيه ومن أخذه بإشراف نفس كان كالذي يأكل ولا يشبع»تفسير : . وهكذا هو المكثر من الدنيا لا يقنع بما يحصل له منها بل همّته جمعها؛ وذلك لعدم الفهم عن الله تعالى ورسوله؛ فإن الفتنة معها حاصلةٌ وعدم السلامة غالبة، وقد أفلح من أسلم ورزق كفافاً وقنعه الله بما آتاه. وقال ابن عطية: كان أبي رضي الله عنه يقول في قوله: «أحسن عملاً» أحسن العمل أخذٌ بحقّ وإنفاقٌ في حق مع الإيمان، وأداء الفرائض واجتنابُ المحارم والإكثارُ من المندوب إليه. قلت: هذا قول حسن، وجيز في ألفاظه بليغ في معناه، وقد جمعه النبيّ صلى الله عليه وسلم في لفظ واحد وهو حديث : قوله لسفيان بن عبد الله الثَّقَفيّ لما قال: يا رسول الله، قل لي في الإسلام قولاً لا أسأل عنه أحداً بعدك ـ في رواية: غيرك. قال: قل آمنت بالله ثم استقم» تفسير : خرّجه مسلم. وقال سفيان الثّوريّ: «أحسن عملاً» أزهدهم فيها. وكذلك قال أبو عصام العسقلاني: «أحسن عملاً» أترك لها. وقد اختلفت عبارات العلماء في الزهد؛ فقال قوم: قصرُ الأمل وليس بأكل الخشن ولبس العباء؛ قاله سفيان الثّوريّ. قال علماؤنا: وصدق رضي الله عنهٰ فإن من قَصُر أملهُ لم يتأنّق في المطعومات ولا يتفنّن في الملبوسات، وأخذ من الدنيا ما تيسّر، واجتزأ منها بما يبلِّغ. وقال قوم: بغضُ المحمدة وحبِّ الثناء. وهو قول الأوزاعيّ ومن ذهب إليه. وقال قوم: ترك الدنيا كلها هو الزهد؛ أحَبَّ تركها أم كره. وهو قول فضيل. وعن بشر بن الحارث قال: حبُّ الدنيا حبُّ لقاء الناس، والزهد في الدنيا الزهد في لقاء الناس. وعن الفضيل أيضاً: علامة الزهد في الدنيا الزهد في الناس. وقال قوم: لا يكون الزاهد زاهداً حتى يكون ترك الدنيا أحبَّ إليه من أخذها؛ قاله إبراهيم بن أدهم. وقال قوم: الزهد أن تزهد في الدنيا بقلبك؛ قاله ابن المبارك. وقالت فرقة: الزهد حبّ الموت. والقول الأول يعم هذه الأقوال بالمعنى فهو أولى.

البيضاوي

تفسير : {إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى ٱلأَرْضِ } من الحيوان والنبات والمعادن. {زِينَةً لَّهَا } ولأهلها {لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُم أَحْسَنُ عَمَلاً } في تعاطيه، وهو من زهد فيه ولم يغتر به وقنع منه بما يزجي به أيامه وصرفه على ما ينبغي، وفيه تسكين لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

المحلي و السيوطي

تفسير : {إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى ٱلأَرْضِ } من الحيوان والنبات والشجر والأنهار وغير ذلك {زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ } لنختبر الناس ناظرين إلى ذلك {أَيُّهُم أَحْسَنُ عَمَلاً } فيه أي أزهد له.

ابن عبد السلام

تفسير : {مَا عَلَى الأَرْضِ} أشجارها وأنهارها، أو الأنبياء العلماء، أو الرجال، أو كل ما عليها، أو زينة لها: شهوات لهم زينت في أعينهم وأنفسهم {أَحْسَنُ عَمَلاً} تركاً لها وإعراضاً عنها، أو أصفى قلباً وأهدى سمتاً، أو توكلاً علينا فيها، ويحتمل اعتباراً بها وتركاً لحرامها.

ابن عادل

تفسير : قوله: {إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى ٱلأَرْضِ زِينَةً لَّهَا} الآية. قال القاضي: وجه النَّظم كأنه يقول: يا محمد، إنِّي خلقتُ الأرض، وزينتها، وأخرجتُ منها أنواع المنافع والمصالح، وأيضاً، فالمقصود من خلقها بما فيها من المصالح ابتلاء الخلق بهذه التكاليف، ثم إنَّهم يكفرون ويتمرَّدون، ومع ذلك، فلا أقطع عنهم موادَّ هذه النِّعم، فأنت أيضاً يا محمد لا يهمُّك الحزن؛ بسبب كفرهم إلى أن تترك الاشتغال بدعوتهم إلى الدِّين. قوله: {زِينَةً}: يجوز أن ينتصب على المفعول له، وأن ينتصب على الحال، إن جعلت "جَعلْنَا" بمعنى "خَلقْنَا" ويجوز أن يكون مفعولاً ثانياً، إن كانت "جَعَلَ" تصييرية، و "لها" متعلق بـ "زَينةً" على العلَّة، ويجوز أن تكون اللام زائدة في المفعول، ويجوز أن تتعلق بمحذوفٍ صفة لـ "زينةً". وقوله: "لنَبْلُوهُمْ" متعلق بـ "جَعلْنَا" بمعنييه. قوله: "أيُّهمْ أحْسنُ" يجوز في "أيُّهُمْ" وجهان: أحدهما: أن تكون استفهامية مرفوعة بالابتداء، و "أحسنُ" خبرها، والجملة في محلِّ نصب متعلقة بـ "نَبْلُوهُمْ" لأنه سببُ العلم، والسؤال، والنظر. والثاني: أنَّها موصولة بمعنى الذي و "أحْسَنُ" خبر مبتدأ مضمرٍ، والجملة صلة لـ "أيُّهمْ" ويكون هذا الموصول في محلِّ نصبٍ بدلاً من مفعول "لنَبْلُوهُمْ" تقديره لِنَبلُو الذي هو أحسنُ؛ وحينئذٍ تحتمل الضمة في "أيُّهم" أن تكون للبناء، كهي في قوله تعالى: {أية : لَنَنزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ} تفسير : [مريم: 69] على أحد الأقوالِ، وفي قوله: [المتقارب] شعر : 3484- إذَا مَا أتَيْتَ بَنِي مالكٍ فَسلِّمْ عَلى أيُّهُم أفْضَلُ تفسير : وشرط البناء موجودٌ، وهو الإضافة لفظاً، وحذف صدر الصلة، وهذا مذهب سيبويه، وأن تكون للإعراب؛ لأنَّ البناء جائزٌ لا واجبٌ، ومن الإعراب ما قُرِىء به شاذًّا {أية : أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى ٱلرَّحْمَـٰنِ} تفسير : [مريم: 69] وسيأتي إن شاء الله تعالى تحقيقه في مريم. والضمير في "لِنبلوهُمْ" و "أيُّهم" عائد على ما يفهم من السِّياق، وهم سكان الأرض. وقيل: يعود على ما على الأرض، إذا أريد بها العقلاء، وفي التفسير: المراد بذلك الرُّعاة. وقيل: العلماء والصلحاء والخلفاء. فصل في المقصود بالزينة اختلفوا في تفسير هذه الزينة، فقيل: النَّبات، والشجر، والأنهار. كما قال تعالى: {أية : حَتَّىٰ إِذَآ أَخَذَتِ ٱلأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَٱزَّيَّنَتْ} تفسير : [يونس: 24] وضمَّ بعضهم إليه الذَّهب، والفضَّة، والمعادن، وضمَّ بعضهم إلى ذلك جميع الحيوان، فإن قيل: أي زينة في الحيَّات والعقارب [والشياطين]. فالجواب: فيها زينةٌ؛ بمعنى أنَّها تدلُّ على وحدانيَّة الله تعالى. وقال مجاهد: أراد الرجال خاصَّة هم زينة الأرض. وقيل: أراد به العلماء والصلحاء. وقيل: أراد به الناس. وبالجملة، فليس في الأرض إلاَّ المواليد الثلاثة، وهي المعادن، والنبات، والحيوان، وأشرف أنواع الحيوان الإنسان. قال القاضي: الأولى ألاَّ يدخل المكلَّف في هذه الزِّينة؛ لأنَّ الله تعالى قال: {إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى ٱلأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ} فمن يبلوهم يجب ألاَّ يدخل في ذلك. وأجيب بأن قوله: {زِينَةً لَّهَا} أي للأرض، ولا يمتنع أن يكون ما تحسن به الأرض زينة لها، كما جعل الله السَّماء مزينة بالكواكب. وقوله: {لِنَبْلُوَهُمْ} لنختبرهم {أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً}، أي: أصلح عملاً. وقيل: أيُّهم أترك للدُّنيا. فصل ذهب هشام بن الحكم إلى أنَّه تعالى لا يعلم الحوادث إلاَّ عند دخولها في الوجود، فعلى هذا: الابتلاءُ والامتحانُ على الله جائز؛ واحتجَّ بأنه تعالى لو كان عالماً بالجزئيَّات قبل وقوعها، لكان كلُّ ماعلم وقوعه واجب الوقوعِ، وكل ما علم عدمه ممتنع الوقوعِ، وإلاَّ لزم انقلابُ علمه جهلاً، وذلك محالٌ، والمفضي إلى المحال محالٌ، ولو كان ذلك واجباً، فالذي علم وقوعه يجبُ كونه فاعلاً له، ولا قدرة له على التَّرك، والذي علم عدمه يكون ممتنع الوقوع، ولا قدرة له على الفعل، وعلى هذا يلزم ألاَّ يكون الله قادراً على شيءٍ أصلاً، بل يكون موجباً بالذَّات. وأيضاً، فيلزم ألا يكون للعبد قدرة على الفعل، ولا على التركِ؛ لأنَّ ماعلم الله وقوعه، امتنع من العبد تركه، وما علم عدمه، امتنع منه فعله، فالقول بكونه تعالى عالماً بالأشياء قبل وقوعها، يقدح في الربوبيَّة، وفي العبوديَّة، وذلك باطلٌ؛ فثبت أنَّه تعالى إنما يعلم الأشياء عند وقوعها، أي عند ذلك، وعلى هذا التقدير، فالابتلاءُ والامتحانُ والاختبار غير جائز عليه، وعند هذا قال: يجرى قوله: {لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُم أَحْسَنُ عَمَلاً} على ظاهره. وأمَّا جمهور علماء الإسلام، فقد استبعدوا هذا القول، وقالوا: إنه تعالى من الأزل إلى الأبدِ عالمٌ بجميع الجزئيَّات، والابتلاءُ والامتحان عليه محال، وأينما وردت هذه الألفاظ فالمراد أنه تعالى يعاملهم معاملة، لو صدرت عن غيره، لكانت على سبيل الابتلاءِ والامتحانِ. فصل في تعليل أفعال الله تعالى قالت المعتزلةُ: دلَّت هذه الآية ظاهراً على أنَّ أفعال الله تعالى معلَّلة بالأغراض. وقال أهل السنة: هذا محالٌ؛ لأنَّ التعليل بالغرض إنَّما يصحُّ في حقِّ من لا يصحُّ منه تحصيل ذلك الغرض، إلاَّ بتلك الواسطة، وهذا يقتضي العجز، وهو على الله تعالى محالٌ. قوله: {وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيداً جُرُزاً}. والمعنى أنَّه تعالى إنما زيَّن الأرض؛ لأجل الامتحان والابتلاء، لا لأجل أن يبقى الإنسان فيها متنعِّماً بها لا زاهداً فيها أي: لجاعلون ما عليها من هذه الزِّينة {صَعِيداً جُرُزاً}. ونظيره: {أية : كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ} تفسير : [الرحمن: 26]. وقوله: {أية : فَيَذَرُهَا قَاعاً صَفْصَفاً لاَّ تَرَىٰ فِيهَا عِوَجاً وَلاۤ أَمْتاً} تفسير : [طه: 106، 107]. وقوله: {أية : وَإِذَا ٱلأَرْضُ مُدَّتْ وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ} تفسير : [الانشقاق: 3، 4]. والمعنى أنَّه لا بدَّ من المجازاةِ بعد إفناء ما على الأرض، وتخصيص الإهلاك بما على الأرض يوهم بقاء الأرض، إلا أنَّ سائر الآيات دلَّت أيضاً على أنَّ الأرض لا تبقى، وهو قوله: {أية : يَوْمَ تُبَدَّلُ ٱلأَرْضُ غَيْرَ ٱلأَرْضِ} تفسير : [إبراهيم: 48]. قوله: {صَعِيدًا}: مفعول ثانٍ؛ لأنَّ الجعل هنا تصيير ليس إلاَّ، والصعيد: التراب. وقال أبو عبيدة: الصعيد المستوي من الأرض. وقال الزجاج: هو الطَّريق الذي لا طين له، أو لا نبات فيه. وقد تقدَّم في آية التيمم. والجُرزُ: الذي لا نيات به، يقال: سَنةٌ جُرُز، وسنُونَ أجرازٌ: لا مطر فيها، وأرضٌ جُرزٌ، وأرضُونَ أجْرازٌ: لا نبات فيها قال الفراء: جَرزَتِ الأرض؛ فهي مجروزة إذا ذهب نباتها بقحطٍ أو جرازٍ يقال جرزها الجراد والشياة والإبل إذا أكل ما عليها وامرأة مجروز: إذا كانت أكولة. قال الشاعر: [الرجز] شعر : 3485- إنَّ العَجُوزَ خَبَّةً جَرُوزا تَأكلُ كُلَّ لَيْلةٍ قَفِيزا تفسير : وسيف جراز، إذا كان مستأصلاً. ونظيره قوله تعالى: {أية : أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَسُوقُ ٱلْمَآءَ إِلَى ٱلأَرْضِ ٱلْجُرُزِ} تفسير : [السجدة:27].

السيوطي

تفسير : أخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله‏:‏ ‏ {‏إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها‏} ‏ قال‏:‏ ما عليها من شيء‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله‏:‏ ‏ {‏إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها‏}‏ قال‏:‏ الرجال‏.‏ وأخرج ابن المنذر وابن مردويه من طريق سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏ {‏إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها‏}‏ قال‏:‏ الرجال‏.‏ وأخرج أبو نصر السجزي في الإبانة، عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏{‏إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها‏}‏ قال‏:‏ العلماء زينة الأرض‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن في قوله‏:‏ ‏ {‏إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها‏} ‏ قال‏:‏ هم الرجال العباد العمال لله بالطاعة‏. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه والحاكم في التاريخ، ‏ ‏حديث : عن ابن عمر قال‏:‏ تلا رسول الله صلى الله علية وسلم هذه الآية ‏ {‏لنبلوهم أيهم أحسن عملا‏ً} فقلت‏:‏ ما معنى ذلك يا رسول الله‏؟‏ قال‏: "‏ليبلوكم أيكم أحسن عقلاً وأورع عن محارم الله وأسرعكم في طاعة الله" ‏‏‏. تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله‏:‏ ‏ {‏لنبلوهم‏} ‏ قال‏:‏ لنختبرهم ‏{‏أيهم أحسن عملاً‏} ‏ قال‏:‏ أيهم أتم عقلا‏ً. وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن في قوله‏:‏ ‏ {‏لنبلوهم أيهم أحسن عملا‏ً} ‏ قال‏:‏ أشدهم للدنيا تركا‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن سفيان الثوري في قوله‏:‏ ‏ {‏لنبلوهم أيهم أحسن عملا‏ً} ‏ قال‏:‏ أزهدهم في الدنيا‏. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏ {‏وإنا لجاعلون ما عليها صعيداً جرزا‏ً} ‏ قال‏:‏ يهلك كل شيء عليها ويبيد‏. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله‏:‏ ‏ {‏صعيداً جرزا‏ً}‏ قال‏:‏ الصعيد، التراب‏.‏ والجرز، التي ليس فيها زرع‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله‏:‏ ‏ {‏جرزا‏ً}‏ قال‏:‏ يعني بالجرز، الخراب‏.‏ والله أعلم‏.

التستري

تفسير : قوله تعالى: {لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُم أَحْسَنُ عَمَلاً} [7] قال: أيهم أحسن إعراضاً عن الدنيا، وما يوجب الاشتغال عن الله تعالى، وإخباتاً وسكوناً إلينا، وعلينا توكلاً وإقبالاً.

السلمي

تفسير : قال ابن عطاء: لنبلوهم أيهم أحسن عملاً، أحسن إعراضًا عنها وتركًا لها. وقال سهل: أيهم أحسن توكلاً علينا فيها. قال أبو على الروذبارى: إن القوم لما أيقنوا أن الله تولى الأمور بنفسه عرف كل عاقل حقيقة ما هم فيه فاستهانوا الدنيا، واستغنوا، وأعرضوا عنها، وذلك بعدما عرفهم الله ذلك بقوله: {إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى ٱلأَرْضِ زِينَةً لَّهَا}. قال ابن عطاء: أيهم أقر بالعبودية قولاً وفعلاً. وقال فارس فى قوله: أيهم أحسن عملاً. قال: صدقًا وقصدًا ونية. وقال القاسم: أفرغ قلبًا وأحسن فطنة وأهدى سمتًا. وقال بعضهم: حسن العمل نسيان العامل نفسه، وعمله والفناء بالحق للحق. قال الواسطى رحمه الله: وعليهم حسن العمل ترك التزين به. وقال سهل: حسن العمل الاستقامة عليه بالسنة. قال القاسم: زينة الأرض الأنبياء والأولياء والعلماء الربانيون والأوتاد. وقيل: أهل المعرفة بالله، والمحبة له، والمشتاقون إليه هم زينة الأرض ونجومها وأقمارها، وشموسها. قال سهل: إنهم أحسن عملاً عنها أعراضًا واجتنابًا وعن الحسين فى قوله: {إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى ٱلأَرْضِ زِينَةً لَّهَا} قال: هم الرجال العباد العمال لله بالطاعة، {لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُم أَحْسَنُ عَمَلاً} قال: أيهم أشد لها تركًا.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى ٱلأَرْضِ زِينَةً لَّهَا}. ما على الأرض زينة لها تُدْرَكُ بالأبصار، وممن على الأرض من هو زينة لها يُعْرَفُ بالأسرار. وإنَّ قيمةَ الأوطانِ لقُطَّانها، وزينة المساكن في سُكَّانها. ويقال العُبَّاد بهم زينة الدنيا، وأهلُ المعرفة بهم زينة الجنة. ويقال الأولياءُ زينةُ الأرض وهم أَمانُ مَنْ في الأرض. ويقال إذا تلألأت أنوار التوحيد في أسرار الموحدين أشرقت جميع الآفاق بضيائهم. قوله جلّ ذكره: {لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُم أَحْسَنُ عَمَلاً}. أحسنهم عملاً أصدقهم نِيَّة، وأخلصهم طوية. ويقال أحسنهم عملاً أكثرهم احتساباً؛ إذ لا ثوابَ لمن لا حسبة له، أعلى من هذا بل وأَوْلى من هذا فأحسنهم عملاً أشدُّهم استصغاراً لفعله، وأكثرهم استحقاراً لطاعته؛ لشدة رؤيته لتقصير فيما يعمله، ولانتقاصه أفعاله في جنب ما يستوجبه الحقُّ بحقِّ أمره. ويقال أحسنُ أعمال المرءِ نَظَرُه إلى أعماله بعين الاستحقار والاستصغار، لقول الشاعر: شعر : وأكبرهُ من فِعْله وأعظمُه تصغيرُه فِعْلَه الذي فَعَله تفسير : معناه: أكبرُ مِنْ فعلِه - الذي هو عطاؤه وبَذْلُه - تقليلُه واستصغارُه لِمَا يُعْطِيه ويجود به.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى ٱلأَرْضِ زِينَةً لَّهَا} ان الله سبحانه جعل فى الارض آيات السفلية من كل ما اظهر فيها من الانهار والاشجار والجبال والبحار والمعادن والنبات والرياحين والبسها قمص انوار صفاته وجعلها مرآة للعارفين لينظروا فيها ويرون فيها انوار جلاله وجماله واى زينة لها اعظم من نور بهائه وضياء صنايعه ويمتحن بذلك المحتجب === الزينة والمنفرد برؤية الصفات وذلك قوله {لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُم أَحْسَنُ عَمَلاً} العمل ههنا ترك صورة الزينة والمزين والاشتغال بالمزين بان آثار جماله مبين من كل ذرة فمن نظر الى ذلك راى الاشياء بالحقيقة لذلك قال عليه السلام ارنا الاشياء كما هى وايضا زينة الارض اولياء الله والخلق ممتحنون بهم حتى من يعرف حقوقهم فحسن العمل النظر اليهم بالخدمة قال ابن عطا احسن اعراضا عنها وتركالها وقال سهل احسن توكلا علينا فيها وقال ايضا حسن العمل الاستقامة عليها بالسنة وقال القاسم زينة الارض الانبياء والاولياء والعلماء الربانيون والاوتاد وقيل اهل المعرفة بالله والمحبة له والمشتاقون اليه هم زينة الارض ونجومها واقمارها وشموسها وقال الجنيد اهل الفهم عن الله هم الذين جعلوا ما على الارض من زينتها عبرة لهم لئلا يتشاغلوا بشئ من الزينة ولا يعملون بشئ من الزينة ويعملون لمن زين هذه الزينة وقوله لنبلوهم ايهم اعلى همة واطرب نفسا فى الاعراض عما لا يبقى بالاشتغال بالباقى وقال الواسطى ايهم افزع قلبا واصفى قصدا يقال العباد بهم زينة الدنيا واهل المعرفة بهم زينه الجنة ويقال زينة الارض يكون الاولياء وهم امان فى الارض ويقال اذا تلالاء انوار التوحيد فى اسرار الموحدين اشرق جميع الآفاق بضيائهم وقال الاستاد فى قوله احسن عملا اصدقهم نية واخلصهم طوية ثم ان الله سبحانه لما اوى اولياؤه الى حضرته القديمة بقى ما على الارض من زينة صعيدا جرزا يابسا او ارضا فقر الانبات فيها ليتعطل الحدثان ويبقى الرحمن بقوله {وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيداً جُرُزاً} اى تغرب شموس انوار الصفات فى مغارب الافعال فلا يبقى فى مرآة الفعل اثر من نور الصفة لان نور الصفة رجع الى معدنه من الذات وظهوره لاجل سلب قلوب الصديقين من الاولياء الى تلك المعاهد فاذا بلغوا الى ماواهم ذهب معهم انوار الصفات قال الواسطى فى هذه الآية الكون فى قبضة الحق وهو هباء فى جنب القدرة قال الله وانا لجاعلون ما عليها صعيدا جرزا.

اسماعيل حقي

تفسير : {انا جعلنا ما على الارض} من الحيوان والنبات والمعدن {زينة لها} ولاهلها. قال فى التأويلات النجمية اى زينا الدنيا وشهواتها للخلق ملاءمة لطباعهم وجعلناها محل ابتلاء {لنبلوهم} لنعاملهم معاملة من يختبر حتى يظهر {ايهم احسن عملا} فى ترك الدنيا ومخالفة هوى نفسه طلبا لله ومرضاته وايهم اقبح عملا فى الاعراض عن الله وما عنده من الباقيات الصالحات والاقبال على الدنيا وما فيها من الفانيات الفاسدات. قال فى الارشاد اى استفهامية مرفوعة بالابتداء واحسن خبرها وعملا تمييز والجملة فى محل النصب معلقة لفعل البلوى لما فيه من معنى العلم باعتبار عاقبته. قال الكاشفى [محققان برانندكى ما اى فى ما على الارض بمعنى من است ومراد انبياء يا علما يا حفظه قرآن كه زينت زمين ايشانند وجمعى كويند آرايش زمين برجال الله است ازان روى كه قيام عالم بوجود شريف ايشان بازبسته است]. شعر : روى زيمن بطلعت ايشان منور است جون آسمان بزهره وخورشيدومشترى

الجنابذي

تفسير : {إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى ٱلأَرْضِ زِينَةً لَّهَا} تعليلٌ لما يستفاد من مفهوم العتاب يعنى لا ينبغى لك التّحسّر على تولّيهم لانّهم اغترّوا بما على الارض زينة لها وانّا جعلنا ما على الارض زينةً لها {لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُم أَحْسَنُ عَمَلاً} يعنى انّ الغاية جهد المؤمن فى حسن العمل واغترار الكافر طارٍ بالعرض.

اطفيش

تفسير : {إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ} من زخارف الدنيا كالحيوان غير المكلف والنبات والأنهار والمعادن ونحو ذلك. وقيل: الرجال خاصة فيهم زينة الأرض. وقيل: العلماء والصلحاء. وقيل: كل ما على الأرض ولو عقربا أو شيطانا. ومعنى كون العقرب والشيطان ونحوهما زينة أنهم يدلون على وحدانية الله سبحانه وتعالى وكمال قدرته. والذى يظهر لى وأفهمه من الآية ما ذكرته أولا وأما الثانى والثالث فيضعفهما قوله تعالى: {لنبلوهم} وهكذا عموم الرابع للمكلفين لأنه لا يناسب أن يدخل المبتلى فى المبتلَى به أن يقال يبتلى به بعض ببعض أو ليس الابتلاء بما على الأرض بل بالفرض فعلا وتركا كما يتبادر من قوله: {أيهم أحسن عملا}. {زِينَةً لَهَا} أى للأرض ويجوز تقدير المضاف أى لأهلها. {لِنَبْلُوَهُمْ} أى الناس مشركهم وموحّدهم أى لنختبرهم أى نعاملهم معاملة المختبر وإنا عالمون بما يعملون قبل أن يعملوه. {أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً} أعظم امتثالا للأمر واجتنابا للنهى ومباعدة عن الاغترار بزينة الدنيا كذا أقول وقال غيرى: أحسن عملا، أزهد فى زينة الدنيا وأقنع ولم يتناول منها إلا الكفاف مما يحل ويصرف منها فى وجوه الأجر.

اطفيش

تفسير : {إِنَّا جَعَلْنَا ما عَلَى الأرْضِ} من الحيوان والنبات، والشجر والمعادن، والأنهار والبحور، فإنها على الأرض، وما يخرج منها من اللؤلؤ والمرجان والسمك، وكالسفن، وكلعلماء والصالحين الأمراء والرجال والنساء وأدخل بعض فى ذلك نحو الحية والعقرب، فإنه زينة من حيث دلالتها على الله تعالى. {زِينَةً لَهَا} ولأهلها، أو يقدر مضاف، أى زينة لأهلها. {لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاَ} بالتوحيد والعمل الصالح، والتقوى والشكر، والاستنفاع بذلك، قصد إلى إقامة الدين، وينفع خلق الله به صدقة، وأداء لحقه، أو بالزهد فيه، والاقتصار على ما لا بد منه، وبأخذه بوجه حلال وبعدم الاغترار به، وبعدم الإعجاب به، وبصرفه فى الطاعة لا فى المعصية، أو التضييع، وفيما لا يعنى، وقولك الكافرون ونحوهم لم يشكروا ذلك الإنعام، وأخذوه بوجه، وصرفوه فى حرام، فويل لهم، وسترى ما يحل بهم، والجملة استفهامية مفعول لنبلو معلقًا عنها لتضمنه العلم، أو أى بمعنى الذى بدل من الهاء قبله، والتقدير: أيهم هو أحسن عملا، وهى مبنية. وسئل صلى الله عليه وسلم عن الأحسن عملا فقال: "حديث : أحسنكم عقلاً، وأورع عن محارم الله تعالى وأسرعكم فى طاعته سبحانه" تفسير : وعن الحسن: أحسنهم عملا أشدهم للدنيا تركا، وقال غيره: أحسنهم من زهد وقنع من الدنيا بزاد المسافر، ودونه حسنا هو من استكثر من حلالها، وصرفه فى وجهه، ومن دون ذلك قبيح من احتطب حلالها وحرامها، وأنفقه فى شهواته، وهذه تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتعليل للنهى، كأنه قيل لا تحزن فإنى منتقم منهم، ولا بد من عقابهم بعد الفناء المذكور بقوله: {وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا} تشبيه بليغ كقولك: جعل الله زيداً أسداً، فصعيداً مفعول لا منصوب على نزع الجار، والصعيد التراب، ووجه الشبه أنه يصيّره الله كالتراب، لا يرغب الناس فيه، وذلك يوم القيامة، يوم لا يرغب الناس فى المعادن ولا فى غيرها، إلا فى العمل الصالح، ولا يجدونه إلا ما فى الدنيا، وهو كقوله تعالى: "أية : كل مَنْ عليها فان" تفسير : [الرحمن: 26] وقوله: "أية : فيذرها قاعًا صفصفًا لا ترى فيها" تفسير : [طه: 106 - 107] إلخ، وذلك تزهيد فى الدنيا، والجرز الأرض التى قطع نباتها، والجرز بإسكان الراء: القطع، والمراد مطلق الإذهاب وإزالة النفع بذلك كله، ولا يختص بالنبات، ويقال: الجرز الموضع الذى لا نبات فيه ولا ماء، والصعيد المستوى من الأرض، ويقال: وجه الأرض مطلقا، وهو نعت صعيداً أو مفعول ثان بعد مفعول ثان.

الالوسي

تفسير : {إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى ٱلأَرْضِ} الظاهر عموم (ما) جميع ما لا يعقل أي سواء كان حيواناً أو نباتاً أو معدناً أي جعلنا جميع ما عليها من غير ذوي العقول {زِينَةً لَّهَا} تتزين به وتتحلى وهو شامل لزينة أهلها أيضاً وزينة كل شيء بحسبه بالحقيقة وإنما هو زينة لأهلها، وقيل لا يدخل في ذلك ما فيه إيذاء من حيوان ونبات، ومن قال بالعموم قال: لا شيء مما على الأرض إلا وفيه جهة انتفاع ولا أقل من الاستدلال به على الصانع ووحدته، وخص بعضهم (ما) بالأشجار والأنهار، وآخر بالنبات لما فيه من الأزهار المختلفة الألوان والمنافع، وآخر بالحيوان المختلف الأشكال والمنافع والأفعال، وآخر بالذهب والفضة والرصاص والنحاس والياقوت والزبرجد واللؤلؤ والمرجان والألماس وما يجري مجرى ذلك من نفائس الأحجار. وقالت فرقة: أريد بها الخضرة والمياه والنعم والملابس والثمار، ولعمري إنه تخصيص لا يقبله الخواص على العموم. وقيل أن {مَا} هنا لمن يعقل والمراد بذلك على ما أخرج ابن أبـي حاتم عن ابن جبير والحسن وجاء في رواية عن ابن عباس الرجال، وعلى ما أخرج أبو نصر السجزي في «الإبانة» عن ابن عباس العلماء وعلى ما روى عكرمة الخلفاء والعلماء والأمراء. وأنت تعلم أن جعل (ما) لمن يعقل مع إرادة ما ذكر بعيد جداً، ولعل أولئك الأجلة أرادوا من (ما) العقلاء وغيرهم تغليباً للأكثر على غيره وما على الأرض بهذا المعنى ليس إلا بعض العناصر الأربعة والمواليد الثلاثة وأشرف ذلك المواليد وأشرفها نوع الإنسان وهو متفاوت الشرف بحسب الأصناف فيمكن أن يكون ما ذكروه من باب الاقتصار على بعض أصناف هذا الأشرف لداع لذلك أصناف. وقد يقال: المراد بما عموم ما لا يعقل ومن يعقل فيدخل من توجه إليه التكليف وغيره ولا ضير في ذلك فإن للمكلف جهتين جهة يدخل بها تحت الزينة وجهة يدخل بها تحت الابتلاء المشار إليه بقوله تعالى: {لِنَبْلُوَهُمْ} وقد نص سبحانه على بعض الملكفين بأنهم زينة في قوله تعالى: {أية : ٱلْمَالُ وَٱلْبَنُونَ زِينَةُ ٱلْحَيَٰوةِ ٱلدُّنْيَا} تفسير : [الكهف: 46] ومن هنا يعلم ما في قول القاضي الأولى أن لا يدخل المكلف لأن ما على الأرض ليس زينة لها بالحقيقة وإنما هو زينة لأهلها لغرض الابتلاء فالذي له الزينة / يكون خارجاً عن الزينة. ونصب {زينة} على أنه مفعول ثان للجعل إن حمل على معنى التصيير أو على أنه حال أو مفعول له كما قال أبو البقاء وأبو حيان إن حمل على معنى الإبداع. واللام الأولى إما متعلقة به أو متعلقة بمحذوف وقع صفة له أي زينة كائنة لها واللام الثانية متعلقة بجعلنا والكلام على هذا وجعل (زينة) مفعولاً له نحو قمت إجلالاً لك لتقابلني بمثل ذلك. وضمير الجمع عائد على سكان الأرض من المكلفين المفهوم من السياق. وجوز أن يعود على (ما) على تقدير أن تكون للعقلاء. والابتلاء في الأصل الاختبار، وجوز ذلك على الله سبحانه هشام بن الحكم بناء على جهله وزعمه أنه عز وجل لا يعلم الحوادث إلا بعد وجودها لئلا يلزم نفي قدرته تعالى على الفعل أو الترك. ورده أهل السنة في محله وقالوا: إنه تعالى يعلم الكليات والجزئيات في الأزل، وأولوا هذه الآية أن المراد ليعاملهم معاملة من يختبرهم. {أَيُّهُم أَحْسَنُ عَمَلاً} فنجازي كلاً بما يليق به وتقتضيه الحكمة. وحسن العمل الزهد في زينة الدنيا وعدم الاغترار بها وصرفها على ما ينبغي والتأمل في شأنها وجعلها ذريعة إلى معرفة خالقها والتمتع بها حسبما أذن الشرع وأداء حقوقها والشكر على ما أوتي منها لا اتخاذها وسيلة إلى الشهوات والأغراض الفاسدة كما تفعله الكفرة وأصحاب الأهواء. ومراتب الحسن متفاوتة وكلما قوي الزهد مثلاً كان أحسن، وسأل ابن عمر رضي الله تعالى عنهما النبـي صلى الله عليه وسلم عن الأحسن عملاً كما أخرج ذلك ابن جرير وابن أبـي حاتم والحاكم في «التاريخ» فقال عليه الصلاة والسلام: «حديث : أحسنكم عقلا وأورع عن محارم الله تعالى وأسرعكم في طاعته سبحانه»تفسير : . وأخرج ابن أبـي حاتم عن الحسن أنه قال: أحسنهم عملاً أشدهم للدنيا تركاً، وأخرج نحوه عن سفيان الثوري وذكر بعضهم أن الأحسن من زهد وقنع من الدنيا بزاد المسافر ووراءه حسن وهو من استكثر من حلالها وصرفه في وجوهه وقبيح من احتطب حلالها وحرامها وأنفقه في شهواته، وكلام النبـي صلى الله عليه وسلم في بيان الأحسن أحسن {أية : وَمَا ءاتَـٰكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ} تفسير : [الحشر: 7]. وإيراد صيغة التفضيل - مع أن الابتلاء شامل للفريقين باعتبار أعمالهم المنقسمة إلى الحسن والقبيح أيضاً لا إلى الحسن والأحسن فقط - للإشعار بأن الغاية الأصلية للجعل المذكور إنما هو ظهور كمال إحسان المحسنين. وأي إما استفهامية فهي مرفوعة بالابتداء وأحسن خبرها. والجملة في محل نصب بفعل الابتلاء ولما فيه من معنى العلم باعتبار عاقبته كالسؤال والنظر ومكان الاستفهام علق عن العمل، وإما موصولة بمعنى الذي فهي مبنية على الضم محلها النصب على أنها بدل من ضمير النصب في {نَبْلُوهُم} وأحسن خبر مبتدأ محذوف والجملة صلة لها والتقدير لنبلو الذي هو أحسن عملا. ويفهم من «البحر» أن مذهب سيبويه في أي إذا أضيفت وحذف صدر صلتها كما هنا جواز البناء لا وجوبه، وتحقيق الكلام في مذهبه لا يخلو عن إشكال، وأفعل التفضيل باق على الصحيح على حقيقته كما أشرنا إليه والمفضل عليه محذوف والتقدير كما قال أبو حيان لنبلوهم أيهم أحسن عملاً ممن ليس أحسن عملاً.

ابن عاشور

تفسير : مناسبة موقع هذه الآية هنا خفية جداً أعوز المفسرين بيانُها، فمنهم ساكت عنها، ومنهم محاول بيانها بما لا يزيد على السكوت. والذي يبدو: أنها تسلية للنبيء صلى الله عليه وسلم على إعراض المشركين بأن الله أمهلهم وأعطاهم زينة الدنيا لعلهم يشكرونه، وأنهم بطروا النعمة، فإن الله يسلب عنهم النعمة فتصير بلادهم قاحلة. وهذا تعريض بأنه سيحل بهم قحط السنين السبع التي سأل رسولُ الله ربه أن يجعلها على المشركين كسنين يوسف ــــ عليه السلام ــــ. ولهذا اتصال بقوله: { أية : لينذر بأساً شديداً من لدنه } تفسير : [الكهف: 2]. وموقع (إن) في صدر هذه الجملة موقع التعليل للتسلية التي تضمنها قوله تعالى: { أية : فلعلك باخع نفسك على آثارهم } تفسير : [الكهف: 6]. ويحصل من ذلك تذكير بعضهم قدرة الله تعالى، وخاصة ما كان منها إيجاداً للأشياء وأضدادها من حياة الأرض وموتها المماثل لحياة الناس وموتهم، والمماثل للحياة المعنوية والموت المعنوي من إيمان وكفر، ونعمة ونقمة، كلها عِبَر لمن يعتبر بالتغير ويأخذ الأهبة إلى الانتقال من حال إلى حال فلا يثق بقوته وبطشه، ليقيس الأشياء بأشباهها ويعرض نفسه على معيار الفضائل وحسنى العواقب. وأوثر الاستدلال بحال الأرض التي عليها الناس لأنها أقرب إلى حسهم وتعقلهم، كما قال تعالى: { أية : أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت وإلى السماء كيف رفعت وإلى الجبال كيف نصبت وإلى الأرض كيف سطحت } تفسير : [الغاشية: 17 20]، وقال: { أية : وفي الأرض آيات للموقنين } تفسير : [الذاريات: 20]. وقد جاء نظم هذا الكلام على أسلوب الإعجاز في جمع معانٍ كثيرة يصلح اللفظ لها من مختلف الأغراض المقصودة، فإن الإخبار عن خلق ما على الأرض زينةً يجمع الامتنان على الناس والتذكير ببديع صنع الله إذ وضع هذا العالم على أتقن مثال ملائم لما تحبه النفوس من الزينة والزخرف. والامتنان بمثل هذا كثير، مثل قوله: { أية : ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون } تفسير : [النحل: 6]، وقال: { أية : زين للناس حبُّ الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسوّمة والأنعام والحرث } تفسير : [آل عمران: 14]. ولا تكون الأشياء زينة إلا وهي مبثوثة فيها الحياة التي بها نماؤها وازدهارها. وهذه الزينة مستمرة على وجه الأرض منذ رآها الإنسان، واستمرارها باستمرار أنواعها وإن كان الزوال يَعرض لأشخاصها فتخلفها أشخاص أخرى من نوعها. فيتضمن هذا امتناناً ببث الحياة في الموجودات الأرضية. ومن لوازم هذه الزينة أنها توقظ العقول إلى النظر في وجود منشئها وتسبُر غورَ النفوس في مقدار الشكر لخالقها وجاعلها لهم، فمِن موففٍ بحق الشكر، ومقصر فيه وجاحد كافرٍ بنعمة هذا المنعم ناسبٍ إياها إلى غير موجدها. ومن لوازمها أيضاً أنها تثير الشهوات لاقتطافها وتناولها فتستثار من ذلك مختلِف الكيفيات في تناولها وتعَارُض الشهوات في الاستيثار بها مما يفضي إلى تغالب الناس بعضهم بعضاً واعتداء بعضهم على بعض. وذلك الذي أوجد حاجتهم إلى الشرائع لتضبط لهم أحوال معاملاتهم، ولذلك عُلل جعل ما على الأرض زينة بقوله: {لنبلوهم أيهم أحسن عملاً}، أي أفْوَتَ في حسن العمل مِن عمل القلب الراجع إلى الإيمان والكفر، وعلم الجسد المتبدي في الامتثال للحق والحَيدة عنه. فمجموع الناس متفاوتون في حسن العمل. ومن درجات التفاوت في هذا الحسن تُعلم بطريق الفحوى درجةُ انعدام الحُسن من أصله وهي حالة الكفر وسوء العمل، كما جاء في حديث « حديث : .. مَثَل المنافق الذي يقرَأ القرآن ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن..». تفسير : والبَلْو: الاختبار والتجربة. وقد تقدم عند قوله تعالى: { أية : هنالك تبلو كل نفس ما أسلفت } تفسير : في سورة يونس (30). وهو هنا مستعار لتعلق علم الله التنجيزي بالمعلوم عند حصوله بقرينة الأدلة العقلية والسمعية الدالة على إحاطة علم الله بكل شيء قبل وقوعه فهو مستغننٍ عن الاختبار والتجربة. وفائدة هذه الاستعارة الانتقال منها إلى الكناية عن ظهور ذلك لكل الناس حتى لا يلتبس عليهم الصالح بضده. وهو كقول قيس بن الخطيم: شعر : وأقبلت والخطي يخطر بيننا لأعْلَم مَن جَبَانُها من شُجاعها تفسير : وقوله: {وإنا لجاعلون ما عليها صعيداً جرزاً} تكميل للعبرة وتحقيق لفناء العالم. فقوله: {جاعلون} اسم فاعل مراد به المستقبل، أي سنجعل ما على الأرض كله معدوماً فلا يكون على الأرض إلا تراب جاف أجرد لا يصلح للحياة فوقه وذلك هو فناء العالم، قال تعالى: { أية : يوم تبدل الأرض غير الأرض } تفسير : [إبراهيم: 48]. والصعيد: التراب. والجُرز: القاحل الأجرد. وسيأتي بيان معنى الصعيد عند قوله: { أية : فتصبح صعيداً زلقا } تفسير : في هذه السورة (40).

الشنقيطي

تفسير : قال الزمخشري في معنى هذه الآية الكريمة: "ما عليها" يعني ما على الأرض مما يصلح أن يكون زينة لها ولأهلها من زخارف الدنيا وما يستحسن منها. وقال بعض العلماء: كل ما على الأرض زينة لها من غير تخصيص. وعلى هذا القول - فوجه كل الحيات وغيرها مما يؤذي زينة للأرض. لأنه يدل على وجود خالقه، واتصافه بصفات الكمال والجلال، ووجود ما يحصل به هذا العلم في شيء زينة له. وقد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك: أن من أنواع البيان المذكورة فيه - أن يذكر لفظ عام ثم يصرح في بعض المواضع بدخول بعض أفراد ذلك العام فيه، كقوله تعالى: {أية : ذٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ ٱللَّهِ}تفسير : [الحج: 32] الآية. مع تصريحه بأن البدن داخلة في هذا العموم بقوله {أية : وَٱلْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِّن شَعَائِرِ ٱللَّهِ}تفسير : [الحج: 36] الآية. وإذا علمت ذلك فاعلم أن قوله في هذه الآية الكريمة: {إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى ٱلأَرْضِ زِينَةً لَّهَا} قد صرح في مواضع أخر ببعض الأفراد الداخلة فيه، كقوله تعالى: {أية : ٱلْمَالُ وَٱلْبَنُونَ زِينَةُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا}تفسير : [الكهف: 46] الآية، وقوله: {أية : وَٱلْخَيْلَ وَٱلْبِغَالَ وَٱلْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً}تفسير : [النحل: 8] الآية، إلى غير ذلك من الآيات. وقوله في هذه الآية الكريمة: {صعيداً جرزاً} أي أرضاً بيضاء لا نبات بها. وقد قدمنا معنى "الصعيد" بشواهده العربية في سورة "المائدة". والجرز: الأرض التي لا نبات بها كما قال تعالى: {أية : أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَسُوقُ ٱلْمَآءَ إِلَى ٱلأَرْضِ ٱلْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنفُسُهُمْ أَفَلاَ يُبْصِرُونَ}تفسير : [السجدة: 27] ومنه قول ذي الرمة: شعر : طوى النحز والأجراز ما في غروضها وما بقيت إلا الضلوع الجراشع تفسير : لأن مراده "بالأجراز" الفيافي التي لا نبات فيها، والأجراز: جمع جرزة، والجرزة: جمع جرز، فهو جمع الجمع للجرز، كما قاله الجوهري في صحاحه. قال الزمخشري في تفسير هذه الآية الكريمة {وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا} من هذه الزينة صعيداً أو جرزا، أي مثل أرض بيضاء لا نبات فيها بعد أن كانت خضراء معشبة في إزالة بهجته، وإماطة حسنه، وإبطال ما به - كان زينة من إماتة الحيوان، وتجفيف النبات والأشجار اهـ. وهذا المعنى المشار إليه هنا جاء مبيناً في مواضع أخر، كقوله: {أية : إِنَّمَا مَثَلُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا كَمَآءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ فَٱخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ ٱلأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ ٱلنَّاسُ وَٱلأَنْعَامُ حَتَّىٰ إِذَآ أَخَذَتِ ٱلأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَٱزَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَآ أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَآ أَتَاهَآ أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِٱلأَمْسِ كَذٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}تفسير : [يونس: 24]، وكقوله تعالى: {أية : وَٱضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا كَمَآءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ ٱلسَّمَاءِ فَٱخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ ٱلأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ ٱلرِّياحُ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِراً}تفسير : [الكهف: 45] إلى غير ذلك من الآيات. وقوله في هذه الآية الكريمة {لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُم أَحْسَنُ عَمَلاً} أي لنختبرهم على ألسنة رسلنا. وهذه الحكمة التي ذكرها هنا لجعل ما على الأرض زينة لها وهي الابتلاء في إحسان العمل - بين في مواضع أخر أنها هي الحكمة في خلق الموت والحياة والسموات والأرض، قال تعالى: {أية : تَبَارَكَ ٱلَّذِي بِيَدِهِ ٱلْمُلْكُ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلْمَوْتَ وَٱلْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْغَفُورُ}تفسير : [الملك: 1-2]، وقال تعالى: {أية : وَهُوَ ٱلَّذِي خَلَق ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى ٱلْمَآءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً}تفسير : [هود: 7]. وقد بين صلى الله عليه وسلم الإحسان بقوله: "حديث : أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك"تفسير : كما تقدم. وهذا الذي أوضحنا من أنه جل وعلا جعل ما على الأرض زينة لها ليبتلى خلقه، ثم يهلك ما عليها ويجعله صعيداً جرزاً - فيه أكبر واعظ للناس، وأعظم زاجر عن اتباع الهوى، وإيثار الفاني على الباقي، ولذا قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها فناظر ماذا تعملون. فاتقوا الدنيا، واتقوا النساء، فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء ".

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: صعيداً جرزاً: أي تراباً لا نبات فيه، فالصعيد هو التراب والجرز الذي لا نبات فيه. الكهف: النقب الواسع في الجبل والضيق منه يقال له "غار". والرقيم: لوح حجري رقمت فيه أسماء أصحاب الكهف. أوى الفتية إلى الكهف: اتخذوه مأوى لهم ومنزلاً نزلوا فيه. الفتية: جمع فتى وهم شبان مؤمنون. هيئ لنا من أمرنا رشداً: أي ييسر لنا طريق رشد وهداية. فضربنا على آذانهم: أي ضربنا على آذانهم حجاباً يمنعهم من سماع الأصوات والحركات. سنين عدداً: أي أعواماً عدة. ثم بعثناهم: أي من نومهم بمعنى أيقظناهم. أحصى لما لبثوا: أي أضبط لأوقات بعثهم في الكهف. أمداً: أي مدة محدودية معلومة. معنى الآيات: قوله تعالى: {إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى ٱلأَرْضِ زِينَةً لَّهَا} من حيوان وأشجار ونبات وأنهار وبحار، وقوله {لِنَبْلُوَهُمْ} أي لنختبرهم {أَيُّهُم أَحْسَنُ عَمَلاً} أي أيهم أترك لها وأتبع لأمرنا ونهينا وأعمل فيها بطاعتنا وقوله: {وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيداً جُرُزاً} أي وإنا لمخربوها في يوم، من الأيام بعد عمارتها ونضارتها وزينتها نجعلها {صَعِيداً جُرُزاً} أي تراباً لا نبات فيه، إذاً فلا تحزن يا رسولنا ولا تغتم مما تلاقيه من قومك فإن مآل الحياة من أجلها عادوك وعصوننا إلى أن تصبح صعيداً جرزاً. وقوله تعالى: {أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ ٱلْكَهْفِ وَٱلرَّقِيمِ كَانُواْ مِنْ آيَاتِنَا عَجَباً} أي أظننت أيها النبي أن أصحاب الكهف أي الغار في الكهف والرقيم وهو اللوح الذي كتبت عليه ورقم أسماء أصحاب الكهف وأنسابهم وقصتهم {كَانُواْ مِنْ آيَاتِنَا عَجَباً} أي كان أعجب من آياتنا في خلق ومخلوقات، السماوات والأرض بل من مخلوقات الله ما هو أعجب بكثير. وقوله: {إِذْ أَوَى ٱلْفِتْيَةُ إِلَى ٱلْكَهْفِ} هذا شروع في ذكر قصتهم العجيبة، أي اذكر للسائلين لك عن قصة هؤلاء الفتية، إذ أووا إلى الغار في الكهف فنزلوا فيه، واتخذوه مأوى لهم ومنزلاً هروباً من قومهم الكفار أن يفتنوهم في دينهم وهم سبعة شبان ومعهم كلب لهم فقالوا سائلين ربهم: {رَبَّنَآ آتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وَهَيِّىءْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَداً} أي أعطنا من عندك رحمة تصحبنا في هجرتنا هذه للشرك والمشركين {وَهَيِّىءْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَداً} أي ويسر لنا من أمرنا في فرارنا من ديار المشركين خوفاً على ديننا {رَشَداً} أي سداداً وصلاحاً ونجاة من أهل الكفر والباطل، قال ابن جرير الطبري في تفسيره لهذه الآيات وقد اختلف أهل العلم في سبب مصير هؤلاء الفتية إلى الكهف الذي ذكر الله في كتابه فقال بعضهم: كان سبب ذلك أنهم كانوا مسلمين على دين عيسى وكان لهم ملك عابد وثن دعاهم إلى عبادة الأصنام فهربوا بدينهم منه خشية أن يفتنهم عن دينهم أو يقتلهم فاستخفوا منه في الكهف وقوله تعالى: {فَضَرَبْنَا عَلَىٰ آذَانِهِمْ فِي ٱلْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً} أي فضربنا على آذانهم حجاباً يمنعهم من سماع الأصوات والحركات فناموا في كهفهم سنين معدودة أي ثلاثمائة وتسع سنين، وكانوا يتقلبون بلطف الله وتدبيره لهم من جنب إلى جنب حتى بعثهم من نومهم وهذا استجابة الله تعالى لهم إذ دعوه قائلين: {رَبَّنَآ آتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً} وقوله تعالى: {ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ} أي من نومهم ورقادهم {لِنَعْلَمَ أَيُّ الحِزْبَيْنِ أَحْصَىٰ لِمَا لَبِثُواْ} أي في الكهف {أَمَداً} أي لنعلم عِلْمَ مشاهدة ولينظر عبادي فيعلموا أي الطائفتين اللتين اختلفتا في قدر لبثهم في الكهف كانت أحصى لمدة لبثهم في الكهف حيث اختلف الناس إلى حزبين حزب يقول لبثوا في كهفهم كذا سنة وآخر يقول لبثوا إلى مدى أي غاية كذا من السنين. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- بيان العلة في وجود الزينة على هذه الأرض، وهي الابتلاء والاختبار للناس ليظهر الزاهد فيها، العارف بتفاهتها وسرعة زوالها، وليظهر الراغب فيها المتكالب عليها الذي عصى الله من أجلها. 2- تقرير فناء كل ما على الأرض حتى تبقى صعيداً جرزاً وقاعاً صفصفاً لا يرى فيها عوج ولا أمت. 3- تقرير نبوة الرسول صلى الله عليه وسلم بإجابة السائلين عن أصحاب الكهف بالايجاز والتفصيل. 4- تقرير التوحيد ضِمْنَ قصة أصحاب الكهف إذ فروا بدينهم خوفاً من الشرك والكفر. 5- استجابة الله دعاء عباده المؤمنين الموحدين حيث استجاب للفتية فآواهم الغار ورعاهم حتى بعثهم بعد تغير الأحوال وتبدل العباد والبلاد.

د. أسعد حومد

تفسير : (7) - إِنَّ اللهَ جَعَلَ الدُّنْيا حُلْوةً خَضِرَةً، لِيَنْظُرَ مَاذَا يَعْمَلُ النَّاسُ - كَمَا جَاءَ فِي الحَدِيثِ -، وَجَعَلَ مَا عَلَى هذِهِ الأَرْضِ مِنْ نَبَاتٍ وَجَمَادٍ وَحَيَوانٍ .. زِينَةً لَهَا وَلأَِهْلِهَا لِيَخْتَبِرَهُمْ فِي فَهْمِ مَقَاصِدِ تِلكَ الزِّينَةِ، التِي مِنْ شَأْنِهَا أَنْ يُسْتَدَلَّ بِهَا عَلَى وُجُودِ الخَالِقِ وَوَحْدَانِيِّتِهِ، وَلِيَبْتَلِيَهُمْ أَيُّهُمْ يُحْسِنُ العَمَلَ فِيهَا، وَفْقاً لِلْمَقَاصِدِ التِي أَرَادَهَا اللهُ. لِيَبْلُوَهُمْ - لِيَخْتَبِرَهُمْ مَعَ عِلْمِ اللهِ بِحَالِهِمْ. أَحْسَنُ عَمَلاً - أَزْهَدُ فِيهَا وَأَسْرَعُ فِي طَاعَةِ اللهِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وكأن هذه الآية تعقيب على سابقتها، وإشارة لرسول الله بأن الدنيا قصيرة، فالمسألة - إذن - قريبة فلا داعيَ لأنْ يُهلِك نفسه حُزْناً على عناد قومه، فالدنيا لكل إنسان مدة بقائه بها وعَيْشَه فيها، ولا دخلَ له بعمرها الحقيقي؛ لأن حياة غيره لا تعود عليه بشيء، وعلى هذا فما أقصرَ الدنيا، وما أسرعَ انتهائها، ثم يرجعون إلينا فنجازيهم بما عملوا، فلا تحزن ولا تيأس، ولا تكدِّر نفسك، لأنهم لم يؤمنوا. فقوله تعالى: {إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى ٱلأَرْضِ زِينَةً لَّهَا ..} [الكهف: 7] أي: كل ما على الأرض هو زينة، والزينة هي الزخرف الذي يبرق أمام الأعين فيغريها، ثم يندثر ويتلاشى، وقد أوضح لنا القرآن هذه المسألة في قوله تعالى: {أية : وَٱضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا كَمَآءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ ٱلسَّمَاءِ فَٱخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ ٱلأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ ٱلرِّياحُ ..}تفسير : [الكهف: 45]. فإياك أنْ يأخذك هذا الزخرف؛ لأنه زَهْر سرعان ما يذبل ويصير حُطاماً. وقوله: {لِنَبْلُوَهُمْ ..} [الكهف: 7] البلاء يعني: الاختبار والامتحان. وليس المصيبة كما يظن البعض؛ لأن المصيبة تكون على مَنْ يخفِق في الاختبار، والابتلاء لهم من الله مع علمه تعالى بأمرهم وما سيحدث منهم مُسْبقاً، ولكن لنعرف معرفة الواقع وشهادة الواقع. وما أشبه هذه المسألة بالتلميذ الذي يتنبأ له أستاذه بالفشل لما يراه من مقدمات يعرفها عن عقليته وعن اجتهاده والتفاته يحكم من خلالها، فإذا ما دخل التلميذ الاختبار فشل فيه وأخفق، لكن هل يعني هذا أن نلغي الاختبارات في مدارسنا اعتماداً على خبرة المعلم بتلاميذه؟ لا بُدَّ من الاختبار ليقوم شاهداً واقعياً على مَنْ يخفق. إذن: معنى: {لِنَبْلُوَهُمْ ..} [الكهف: 7] أي: بلاء شهادة منهم على أنفسهم. ثم يقول الحق سبحانه: {وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا ...}.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يخبر تعالى: أنه جعل جميع ما على وجه الأرض، من مآكل لذيذة، ومشارب، ومساكن طيبة، وأشجار، وأنهار، وزروع، وثمار، ومناظر بهيجة، ورياض أنيقة، وأصوات شجية، وصور مليحة، وذهب وفضة، وخيل وإبل ونحوها، الجميع جعله الله زينة لهذه الدار، فتنة واختبارا. { لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلا } أي: أخلصه وأصوبه، ومع ذلك سيجعل الله جميع هذه المذكورات، فانية مضمحلة، وزائلة منقضية. وستعود الأرض صعيدا جرزا قد ذهبت لذاتها، وانقطعت أنهارها، واندرست أثارها، وزال نعيمها، هذه حقيقة الدنيا، قد جلاها الله لنا كأنها رأي عين، وحذرنا من الاغترار بها، ورغبنا في دار يدوم نعيمها، ويسعد مقيمها، كل ذلك رحمة بنا، فاغتر بزخرف الدنيا وزينتها، من نظر إلى ظاهر الدنيا، دون باطنها، فصحبوا الدنيا صحبة البهائم، وتمتعوا بها تمتع السوائم، لا ينظرون في حق ربهم، ولا يهتمون لمعرفته، بل همهم تناول الشهوات، من أي وجه حصلت، وعلى أي حالة اتفقت، فهؤلاء إذا حضر أحدهم الموت، قلق لخراب ذاته، وفوات لذاته، لا لما قدمت يداه من التفريط والسيئات. وأما من نظر إلى باطن الدنيا، وعلم المقصود منها ومنه، فإنه يتناول منها، ما يستعين به على ما خلق له، وانتهز الفرصة في عمره الشريف، فجعل الدنيا منزل عبور، لا محل حبور، وشقة سفر، لا منزل إقامة، فبذل جهده في معرفة ربه، وتنفيذ أوامره، وإحسان العمل، فهذا بأحسن المنازل عند الله، وهو حقيق منه بكل كرامة ونعيم، وسرور وتكريم، فنظر إلى باطن الدنيا، حين نظر المغتر إلى ظاهرها، وعمل لآخرته، حين عمل البطال لدنياه، فشتان ما بين الفريقين، وما أبعد الفرق بين الطائفتين!!