١٨ - ٱلْكَهْف
18 - Al-Kahf (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
9
Tafseer
الرازي
تفسير : في الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن القوم تعجبوا من قصة أصحاب الكهف وسألوا عنها الرسول على سبيل الامتحان فقال تعالى: أم حسبت أنهم كانوا عجباً من آياتنا فقط، فلا تحسبن ذلك فإن آياتنا كلها عجب، فإن من كان قادراً على تخليق السموات والأرض ثم يزين الأرض بأنواع المعادن والنبات والحيوان ثم يجعلها بعد ذلك صعيداً جرزاً خالية عن الكل كيف يستبعدون من قدرته وحفظه ورحمته حفظ طائفة مدة ثلاثمائة سنة وأكثر في النوم، هذا هو الوجه في تقرير النظم، والله أعلم. المسألة الثانية: قد ذكرنا سبب نزول قصة أصحاب الكهف عند قوله: { أية : وَيَسْـئَلُونَكَ عَنِ ٱلرُّوحِ قُلِ ٱلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبّى } تفسير : [الإسراء: 85] وذكر محمد بن إسحاق سبب نزول هذه القصة مشروحاً فقال كان النضر بن الحارث من شياطين قريش وكان يؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم وينصب له العداوة وكان قد قدم الحيرة وتعلم بها أحاديث رستم واسفنديار، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا جلس مجلساً ذكر فيه الله وحدث قومه ما أصاب من كان قبلهم من الأمم، وكان النضر يخلفه في مجلسه إذا قام، فقال: أنا والله يا معشر قريش أحسن حديثاً منه، فهلموا فأنا أحدثكم بأحسن من حديثه، ثم يحدثهم عن ملوك فارس، ثم إن قريشاً بعثوه وبعثوا معه عتبة بن أبي معيط إلى أحبار اليهود بالمدينة وقالوا لهما سلوهم عن محمد وصفته وأخبروهم بقوله فإنهم أهل الكتاب الأول، وعندهم من العلم ما ليس عندنا من علم الأنبياء فخرجا حتى قدما إلى المدينة فسألوا أحبار اليهود عن أحوال محمد فقال أحبار اليهود: سلوه عن ثلاث: عن فتية ذهبوا في الدهر الأول ما كان من أمرهم فإن حديثهم عجب، وعن رجل طواف قد بلغ مشارق الأرض ومغاربها، ما كان نبؤه، وسلوه عن الروح وما هو؟ فإن أخبركم فهو نبي وإلا فهو متقول، فلما قدم النضر وصاحبه مكة قالا: قد جئناكم بفصل ما بيننا وبين محمد، وأخبروا بما قاله اليهود فجاؤوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وسألوه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « حديث : أخبركم بما سألتم عنه غداً » تفسير : ولم يستثن، فانصرفوا عنه ومكث رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يذكرون خمس عشرة ليلة حتى أرجف أهل مكة به، وقالوا: وعدنا محمد غداً واليوم خمس عشرة ليلة فشق عليه ذلك، ثم جاءه جبريل من عند الله بسورة أصحاب الكهف وفيها معاتبة الله إياه على حزنه عليهم، وفيها خبر أولئك الفتية، وخبر الرجل الطواف. المسألة الثالثة: الكهف الغار الواسع في الجبل فإذا صغر فهو الغار، وفي الرقيم أقوال. الأول: روى عكرمة عن ابن عباس أنه قال: كل القرآن اعلمه إلا أربعة غسلين وحنانا والأواه والرقيم. الثاني: روى عكرمة عن ابن عباس أنه سئل عن الرقيم فقال زعم كعب أنها القرية التي خرجوا منها وهو قول السدي. الثالث: قال سعيد بن جبير ومجاهد: الرقيم لوح من حجارة وقيل من رصاص كتب فيه أسماؤهم وقصتهم وشد ذلك اللوح على باب الكهف، وهذا قول جميع أهل المعاني والعربية قالوا الرقيم الكتاب، والأصل فيه المرقوم، ثم نقل إلى فعيل، والرقم الكتابة، ومنه قوله تعالى: { أية : كِتَـٰبٌ مَّرْقُومٌ } تفسير : [المطففين: 9] أي مكتوب، قال الفراء: الرقيم لوح كان فيه أسماؤهم وصفاتهم، ونظن أنه إنما سمي رقيماً لأن أسماءهم كانت مرقومة فيه، وقيل الناس رقموا حديثهم نقراً في جانب الجبل، وقوله: {كَانُواْ مِنْ ءايَـٰتِنَا عَجَبًا } المراد أحسبت أن واقعتهم كانت عجيبة في أحوال مخلوقاتنا فلا تحسب ذلك فإن تلك الواقعة ليست عجيبة في جانب مخلوقاتنا، والعجب ههنا مصدر سمي المفعول به، والتقدير كانوا معجوباً منهم، فسموا بالمصدر والمفعول به من هذا يستعمل باسم المصدر، ثم قال تعالى: {إِذْ أَوَى ٱلْفِتْيَةُ إِلَى ٱلْكَهْفِ } لا يجوز أن يكون إذ هنا متعلقاً بما قبله على تقدير أم حسبت إذ أوى الفتية لأنه كان بين النبي وبينهم مدة طويلة فلم يتعلق الحسبان بذلك الوقت الذي أووا فيه إلى الكهف بل يتعلق بمحذوف، والتقدير اذكر إذ أوى، ومعنى أوى الفتية في الكهف صاروا إليه وجعلوه مأواهم قال فقالوا: {رَبَّنَا ءاتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً } أي رحمة من خزائن رحمتك وجلائل فضلك وإحسانك وهي الهداية بالمعرفة والصبر والرزق والأمن من الأعداء وقوله {من لدنك} يدل على عظمة تلك الرحمة وهي التي تكون لائقة بفضل الله تعالى وواسع جوده {وهيىء لنا} أي أصلح من قولك هيأت الأمر فتهيأ: {مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا } الرشد والرشاد نقيض الضلال وفي تفسير اللفظ وجهان. الأول: التقدير وهيىء لنا أمراً ذا رشد حتى نكون بسببه راشدين مهتدين. الثاني: اجعل أمرنا رشداً كله كقولك رأيت منك رشداً ثم قال تعالى: {فَضَرَبْنَا عَلَىٰ ءاذَانِهِمْ } قال المفسرون: معناه أنمناهم وتقدير الكلام أنه تعالى ضرب على آذانهم حجاباً يمنع من أن تصل إلى أسماعهم الأصوات الموقظة والتقدير ضربنا عليهم حجاباً إلا أنه حذف المفعول الذي هو الحجاب كما يقال بنى على امرأته يريدون بنى عليها القبة ثم إنه تعالى بين أنه ضرب على آذانهم في الكهف وهو ظرف المكان وقوله {سنين عدداً} ظرف الزمان وفي قوله {عدداً} بحثان. الأول: قال الزجاج ذكر العدد ههنا يفيد كثرة السنين وكذلك كل شيء مما يعد إذا ذكر فيه العدد ووصف به أريد كثرته لأنه إذا قل فهم مقداره بدون التعديد أما إذا أكثر فهناك يحتاج إلى التعديد فإذا قلت أقمت أياماً عدداً أردت به الكثرة. البحث الثاني: في انتصاب قوله عدداً وجهان. أحدهما: نعت لسنين المعنى سنين ذات عدد أي معدودة هذا قول الفراء وقول الزجاج وعلى هذا يجوز في الآية ضربان من التقدير، أحدهما: حذف المضاف. والثاني: تسمية المفعول باسم المصدر. قال الزجاج: ويجوز أن ينتصب على المصدر، المعنى تعد عداً ثم قال تعالى: {ثُمَّ بَعَثْنَـٰهُمْ } يريد من بعد نومهم يعني أيقظناهم بعد نومهم وقوله: {لِنَعْلَمَ أَيُّ الحِزْبَيْنِ أَحْصَىٰ لِمَا لَبِثُواْ أَمَدًا } فيه مسائل: المسألة الأولى: قوله: {ثُمَّ بَعَثْنَـٰهُمْ لِنَعْلَم} اللام لام الغرض فيدل على أن أفعال الله معللة بالأغراض وقد سبق الكلام فيه. المسألة الثانية: ظاهر اللفظ يقتضي أنه تعالى إنما بعثهم ليحصل له هذا العلم وعند هذا يرجع إلى أنه تعالى هل يعلم الحوادث قبل وقوعها أم لا، فقال هشام: لا يعلمها إلا عند حدوثها واحتج بهذه الآية والكلام فيه قد سبق، ونظائر هذه الآية كثيرة في القرآن منها ما سبق في هذه السورة ومنها قوله في سورة البقرة: { أية : إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ ٱلرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ } تفسير : [البقرة: 143] وفي آل عمران { أية : وَلَمَّا يَعْلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَـٰهَدُواْ مِنكُمْ } تفسير : [آل عمران:142] وقوله: { أية : إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى ٱلأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ } تفسير : [الكهف: 7] وقوله: { أية : وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّىٰ نَعْلَمَ ٱلْمُجَـٰهِدِينَ مِنكُمْ } تفسير : [محمد: 31]. المسألة الثالثة: {أَيُّ } رفع بالابتداء و{أَحْصَىٰ } خبره وهذه الجملة بمجموعها متعلق العلم فلهذا السبب لم يظهر عمل قوله: {لَنَعْلَمُ } في لفظة {أَيُّ } بل بقيت على ارتفاعها ونظيره قوله: اذهب فاعلم أيهم قام قال تعالى: { أية : سَلْهُمْ أَيُّهُم بِذٰلِكَ زَعِيمٌ } تفسير : [القلم: 40] وقوله: { أية : ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِن كُلّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى ٱلرَّحْمَـٰنِ عِتِيّاً } تفسير : [مريم: 69] وقرىء ليعلم على فعل ما لم يسم فاعله وفي هذه القراءة فائدتان. إحداهما: أن على هذا التقدير لا يلزم إثبات العلم المتجدد لله بل المقصود أنا بعثناهم ليحصل هذا العلم لبعض الخلق. والثانية: أن على هذا التقدير يجب ظهور النصب في لفظة أي، لكن لقائل أن يقول: الإشكال بعد باق لأن ارتفاع لفظة أي بالإبتداء لا بإسناد يعلم إليه. ولمجيب أن يجيب فيقول: إنه لا يمتنع اجتماع عاملين على معمول واحد لأن العوامل النحوية علامات ومعرفات ولا يمتنع اجتماع المعرفات الكثيرة على الشيء الواحد، والله أعلم. المسألة الرابعة: اختلفوا في الحزبين فقال عطاء عن ابن عباس رضي الله عنهما: المراد بالحزبين الملوك الذين تداولوا المدينة ملكاً بعد ملك، فالملوك حزب وأصحاب الكهف حزب. والقول الثاني: قال مجاهد: الحزبان من هذه الفتية لأن أصحاب الكهف لما انتبهوا اختلفوا في أنهم كم ناموا والدليل عليه قوله تعالى: { أية : قَالَ قَائِلٌ مّنْهُمْ كَم لَبِثْتُمْ قَالُواْ لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُواْ رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ } تفسير : [الكهف: 19] فالحزبان هما هذان، وكان الذين قالوا ربكم أعلم بما لبثتم هم الذين علموا أن لبثهم قد تطاول. القول الثالث: قال الفراء: إن طائفتين من المسلمين في زمان أصحاب الكهف اختلفوا في مدة لبثهم. المسألة الخامسة: قال أبو علي الفارسي قوله {أحصى} ليس من باب أفعل التفضيل لأن هذا البناء من غير الثلاثي المجرد ليس بقياس فأما قولهم ما أعطاه للدرهم وما أولاه للمعروف وأعدى من الجرب وأفلس من ابن المدلق، فمن الشواذ والشاذ لا يقاس عليه بل الصواب أن أحصى فعل ماضٍ وهو خبر المبتدأ والمبتدأ والخبر مفعول نعلم وأمداً مفعول به لأحصى وما في قوله تعالى: {لِمَا لَبِثُواْ } مصدرية والتقدير أحصى أمداً للبثهم، وحاصل الكلام لنعلم أي الحزبين أحصى أمد ذلك اللبث، ونظيره قوله: { أية : أَحْصَـٰهُ ٱللَّهُ } تفسير : [المجادلة: 6] وقوله: { أية : وَأَحْصَىٰ كُلَّ شَىْء عَدَداً } تفسير : [الجن: 28]. المسألة السادسة: احتج أصحابنا الصوفية بهذه الآية على صحة القول بالكرامات وهو استدلال ظاهر ونذكر هذه المسألة ههنا على سبيل الاستقصاء فنقول قبل الخوض في الدليل على جواز الكرامات نفتقر إلى تقديم مقدمتين: المقدمة الأولى: في بيان أن الولي ما هو فنقول ههنا وجهان، الأول: أن يكون فعيلاً مبالغة من الفاعل كالعليم والقدير فيكون معناه من توالت طاعاته من غير تخلل معصية. الثاني: أن يكون فعيلاً بمعنى مفعول كقتيل وجريح بمعنى مقتول ومجروح. وهو الذي يتولى الحق سبحانه حفظه وحراسته على التوالي عن كل أنواع المعاصي ويديم توفيقه على الطاعات واعلم أن هذا الاسم مأخوذ من قوله تعالى: {أية : ٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ } تفسير : [البقرة: 257] وقوله: { أية : وَهُوَ يَتَوَلَّى ٱلصَّـٰلِحِينَ } تفسير : [الأعراف: 196] وقوله تعالى: { أية : أَنتَ مَوْلَـٰنَا فَٱنْصُرْنَا عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَـٰفِرِينَ } تفسير : [البقرة: 286] وقوله: { أية : ذَلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ مَوْلَى ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَأَنَّ ٱلْكَـٰفِرِينَ لاَ مَوْلَىٰ لَهُمْ } تفسير : [محمد: 11] وقوله: { أية : إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ } تفسير : [المائدة: 55] وأقول الولي هو القريب في اللغة فإذا كان العبد قريباً من حضرة الله بسبب كثرة طاعاته وكثرة إخلاصه وكان الرب قريباً منه برحمته وفضله وإحسانه فهناك حصلت الولاية. المقدمة الثانية: إذا ظهر فعل خارق للعادة على الإنسان فذاك إما أن يكون مقروناً بالدعوى أو لا مع الدعوى والقسم الأول وهو أن يكون مع الدعوى فتلك الدعوى إما أن تكون دعوى الإلهية أو دعوى النبوة أو دعوى الولاية أو دعوى السحر وطاعة الشياطين، فهذه أربعة أقسام. القسم الأول: إدعاء الإلهية وجوز أصحابنا ظهور خوارق العادات على يده من غير معارضة كما نقل، أن فرعون كان يدعي الإلهية وكانت تظهر خوارق العادات على يده وكما نقل ذلك أيضاً في حق الدجال. قال أصحابنا: وإنما جاز ذلك لأن شكله وخلقته تدل على كذبه فظهور الخوارق على يده لا يفضي إلى التلبيس. والقسم الثاني: وهو ادعاء النبوة فهذا القسم على قسمين لأنه إما أن يكون ذلك المدعي صادقاً أو كاذباً فإن كان صادقاً وجب ظهور الخوارق على يده وهذا متفق عليه بين كل من أقر بصحة نبوة الأنبياء، وإن كان كاذباً لم يجز ظهور الخوارق على يده وبتقدير أن تظهر وجب حصول المعارضة. وأما القسم الثالث: وهو ادعاء الولاية والقائلون بكرامات الأولياء اختلفوا في أنه هل يجوز أن يدعي الكرامات ثم إنها تحصل على وفق دعواه أم لا. وأما القسم الرابع: وهو ادعاء السحر وطاعة الشيطان فعند أصحابنا يجوز ظهور خوارق العادات على يده وعند المعتزلة لا يجوز. وأما القسم الثاني: وهو أن تظهر خوارق العادات على يد إنسان من غير شيء من الدعاوى، فذلك الإنسان إما أن يكون صالحاً مرضياً عند الله، وإما أن يكون خبيثاً مذنباً. والأول هو القول بكرامات الأولياء، وقد اتفق أصحابنا على جوازه وأنكرها المعتزلة إلا أبا الحسين البصري وصاحبه محمود الخوارزمي. وأما القسم الثالث: وهو أن تظهر خوارق العادات على بعض من كان مردوداً عن طاعة الله تعالى فهذا هو المسمى بالاستدراج فهذا تفصيل الكلام في هاتين المقدمتين، إذا عرفت ذلك فنقول: الذي يدل على جواز كرامات الأولياء القرآن والأخبار والآثار والمعقول. أما القرآن فالمعتمد فيه عندنا آيات: الحجة الأولى: قصة مريم عليها السلام، وقد شرحناها في سورة آل عمران فلا نعيدها. الحجة الثانية: قصة أصحاب الكهف وبقاؤهم في النوم أحياء سالمين عن الآفات مدة ثلثمائة سنة وتسع سنين وأنه تعالى كان يعصمهم من حر الشمس كما قال: { أية : وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ } تفسير : [الكهف: 18] إلى قوله: { أية : وَتَرَى ٱلشَّمْسَ إِذَا طَلَعَت تَّزَاوَرُ عَن كَهْفِهِمْ ذَاتَ ٱلْيَمِينِ } تفسير : [الكهف: 17] ومن الناس من تمسك في هذه المسألة بقوله تعالى: { أية : قَالَ ٱلَّذِى عِندَهُ عِلْمٌ مّنَ ٱلْكِتَـٰبِ أَنَاْ ءاتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ } تفسير : [النمل: 39] وقد بينا أن ذلك الذي كان عنده علم من الكتاب هو سليمان فسقط هذا الاستدلال. أجاب القاضي عنه بأن قال: لا بد من أن يكون فيهم أو في ذلك الزمان نبي يصير ذلك علماً له لما فيه من نقض العادة كسائر المعجزات، قلنا: إنه يستحيل أن تكون هذه الواقعة معجزة لأحد من الأنبياء لأن إقدامهم على النوم أمر غير خارق للعادة حتى يجعل ذلك معجزة لأن الناس لا يصدقونه في هذه الواقعة لأنهم لا يعرفون كونهم صادقين في هذه الدعوى إلا إذا بقوا طول هذه المدة وعرفوا أن هؤلاء الذين جاؤوا في هذا الوقت هم الذين ناموا قبل ذلك بثلثمائة سنين وتسع سنين وكل هذه الشرائط لم توجد فامتنع جعل هذه الواقعة معجزة لأحد من الأنبياء فلم يبق إلا أن تجعل كرامة للأولياء وإحساناً إليهم. أما الأخبار فكثيرة: الخبر الأول: ما أخرج في «الصحيحين» عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « حديث : لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة عيسى ابن مريم عليه السلام وصبي في زمن جريج الناسك وصبي آخر، أما عيسى فقد عرفتموه، وأما جريج فكان رجلاً عابداً ببني إسرائيل وكانت له أم فكان يوماً يصلي إذ اشتاقت إليه أمه فقالت: يا جريج فقال يا رب الصلاة خير أم رؤيتها ثم صلى فدعته ثانياً فقال مثل ذلك حتى قال ثلاث مرات وكان يصلي ويدعها فاشتد ذلك على أمه قالت: اللهم لا تمته حتى تريه المومسات، وكانت زانية هناك فقالت لهم: أنا أفتن جريجاً حتى يزني فأتته فلم تقدر على شيء، وكان هناك راعٍ يأوي بالليل إلى أصل صومعته قلما أعياها راودت الراعي على نفسها فأتاها فولدت ثم قالت ولدي هذا من جريج فأتاها بنو إسرائيل وكسروا صومعته وشتموه فصلى ودعا ثم نخس الغلام قال أبو هريرة: كأني أنظر إلى النبي صلى الله عليه وسلم حين قال بيده يا غلام من أبوك؟ فقال: الراعي فندم القوم على ما كان منهم واعتذروا إليه. وقالوا: نبني صومعتك من ذهب أو فضة فأبى عليهم، وبناها كما كانت، وأما الصبي الآخر فإن امرأة كان معها صبي لها ترضعه إذ مر بها شاب جميل ذو شارة حسنة فقالت: اللهم اجعل ابني مثل هذا فقال الصبي: اللهم لا تجعلني مثله ثم مرت بها امرأة ذكروا أنها سرقت وزنت وعوقبت فقالت: اللهم لا تجعل ابني مثل هذا، فقال الصبي: اللهم اجعلني مثلها. فقالت له أمه في ذلك: فقال إن الشاب كان جباراً من الجبابرة فكرهت أن أكون مثله وإن هذه قيل إنها زنت ولم تزن وقيل إنها سرقت ولم تسرق وهي تقول حسبي الله » تفسير : . الخبر الثاني: وهو خبر الغار وهو مشهور في «الصحاح» عن الزهري عن سالم عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « حديث : انطلق ثلاثة رهط ممن كان قبلكم فأواهم المبيت إلى غار فدخلوه فانحدرت صخرة من الجبل وسدت عليهم باب الغار فقالوا: والله لا ينجيكم من هذه الصخرة إلا أن تدعوا الله بصالح أعمالكم، فقال رجل منهم: كان لي أبوان شيخان كبيران وكنت لا أغبق قبلهما فناما في ظل شجرة يوماً فلم أبرح عنهما وحلبت لهما غبوقهما فجئتهما به فوجدتهما نائمين فكرهت أن أوقظهما وكرهت أن أغبق قبلهما فقمت والقدح في يدي انتظر استيقاظهما حتى ظهر الفجر فاستيقظا فشربا غبوقهما اللهم إن كنت فعلت هذا ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه من هذه الصخرة فانفرجت انفراجاً لا يستطيعون الخروج منه، ثم قال الآخر: كانت لي ابنة عم وكانت أحب الناس إلي فراودتها عن نفسها فامتنعت حتى ألمت بها سنة من السنين فجاءتني وأعطيتها مالاً عظيماً على أن تخلي بيني وبين نفسها فلما قدرت عليها قالت: لا يجوز لك أن تفك الخاتم إلا بحقهٰ فتحرجت من ذلك العمل وتركتها وتركت المال معها اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه فانفرجت الصخرة غير أنهم لا يستطيعون الخروج منه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال الثالث: اللهم إني استأجرت أجراء فأعطيتهم أجورهم غير رجل واحد ترك الذي له وذهب فثمرت أجره حتى كثرت منه الأموال فجاءني بعد حين وقال: يا عبد الله أد إلي أجرتي، فقلت له: كل ما ترى من أجرتك من الإبل والغنم والرقيق فقال: يا عبد الله أتستهزىء بي؟ فقلت: إني لا أستهزىء بك فأخذ ذلك كله اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرة عن الغار فخرجوا يمشون » تفسير : وهذا حديث حسن صحيح متفق عليه. الخبر الثالث: قوله صلى الله عليه وسلم: « حديث : رب أشعث أغبر ذي طمرين لا يؤبه له لو أقسم على الله لأبره » تفسير : ولم يفرق بين شيء وشيء فيما يقسم به على الله. الخبر الرابع: روى سعيد بن المسيب عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: « حديث : بينا رجل يسوق بقرة قد حمل عليها فالتفتت إليه البقرة فقالت: إني لم أخلق لهذا، وإنما خلقت للحرث فقال الناس سبحان الله بقرة تتكلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم: آمنت بهذا أنا وأبو بكر وعمر رضي الله عنهما » تفسير : . الخبر الخامس: عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « حديث : بينما رجل يسمع رعداً أو صوتاً في السحاب: أن اسق حديقة فلان، قال فعدوت إلى تلك الحديقة فإذا رجل قائم فيها فقلت له ما اسمك؟ قال: فلان بن فلان بن فلان قلت: فما تصنع بحديقتك هذه إذا صرمتها؟ قال: ولم تسأل عن ذلك؟ قلت: لأني سمعت صوتاً في السحاب أن اسق حديقة فلان، قال: أما إذ قلت فإني أجعلها أثلاثاً فأجعل لنفسي وأهلي ثلثاً وأجعل للمساكين وابن السبيل ثلثاً وأنفق عليها ثلثاً » تفسير : . «أما الآثار» فلنبدأ بما نقل أنه ظهر عن الخلفاء الراشدين من الكرامات ثم بما ظهر عن سائر الصحابة، أما أبو بكر رضي الله عنه فمن كراماته أنه لما حملت جنازته إلى باب قبر النبي صلى الله عليه وسلم ونودي السلام عليك يا رسول الله هذا أبو بكر بالباب فإذا الباب قد انفتح وإذا بهاتف يهتف من القبر ادخلوا الحبيب إلى الحبيب، وأما عمر رضي الله عنه فقد ظهرت أنواع كثيرة من كراماته وأحدها ما روي أنه بعث جيشاً وأمر عليهم رجلاً يدعى سارية بن الحصين فبينا عمر يوم الجمعة يخطب جعل يصيح في خطبته وهو على المنبر: يا سارية الجبل الجبل قال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه فكتبت تاريخ تلك الكلمة فقدم رسول مقدم الجيش فقال: يا أمير المؤمنين غزونا يوم الجمعة في وقت الخطبة فهزمونا فإذا بإنسان يصيح يا سارية الجبل الجبل فأسندنا ظهورنا إلى الجبل فهزم الله الكفار وظفرنا بالغنائم العظيمة ببركة ذلك الصوت قلت سمعت بعض المذكرين قال: كان ذلك معجزة لمحمد صلى الله عليه وسلم لأنه قال لأبي بكر وعمر أنتما مني بمنزلة السمع والبصر فلما كان عمر بمنزلة البصر لمحمد صلى الله عليه وسلم، لا جرم قدر على أن يرى من ذلك البعد العظيم. الثاني: روي أن نيل مصر كان في الجاهلية يقف في كل سنة مرة واحدة وكان لا يجري حتى يلقى فيه جارية واحدة حسناء، فلما جاء الإسلام كتب عمرو بن العاص بهذه الواقعة إلى عمر، فكتب عمر على خزفة: أيها النيل إن كنت تجري بأمر الله فاجر، وإن كنت تجري بأمرك فلا حاجة بنا إليك! فألقيت تلك الخزفة في النيل فجرى ولم يقف بعد ذلك. الثالث: وقعت الزلزلة في المدينة فضرب عمر الدرة على الأرض وقال: اسكني بإذن الله فسكنت وما حدثت الزلزلة بالمدينة بعد ذلك. الرابع: وقعت النار في بعض دور المدينة فكتب عمر على خزفة: يا نار اسكني بإذن الله فألقوها في النار فانطفأت في الحال. الخامس: روى أن رسول ملك الروم جاء إلى عمر فطلب داره فظن أن داره مثل قصور الملوك فقالوا: ليس له ذلك، وإنما هو في الصحراء يضرب اللبن فلما ذهب إلى الصحراء رأى عمر رضي الله عنه وضع درته تحت رأسه ونام على التراب، فعجب الرسول من ذلك وقال: إن أهل الشرق والغرب يخافون من هذا الإنسان وهو على هذه الصفة! ثم قال في نفسه: إني وجدته خالياً فأقتله وأخلص الناس منه. فلما رفع السيف أخرج الله من الأرض أسدين فقصداه فخاف وألقى السيف من يده وانتبه عمر ولم ير شيئاً فسأله عن الحال فذكر له الواقعة وأسلم. وأقول هذه الوقائع رويت بالآحاد، وههنا ما هو معلوم بالتواتر وهو أنه مع بعده عن زينة الدنيا واحترازه عن التكلفات والتهويلات ساس الشرق والغرب وقلب الممالك والدول لو نظرت في كتب التواريخ علمت أنه لم يتفق لأحد من أول عهد آدم إلى الآن ما تيسر له فإنه مع غاية بعده عن التكلفات كيف قدر على تلك السياسات، ولا شك أن هذا من أعظم الكرامات. وأما عثمان رضي الله عنه فروى أنس قال: سرت في الطريق فرفعت عيني إلى امرأة ثم دخلت على عثمان فقال: ما لي أراكم تدخلون علي وآثار الزنا ظاهرة عليكم؟ فقلت: أجاء الوحي بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لا ولكن فراسة صادقة. الثاني: أنه لما طعن بالسيف فأول قطرة من دمه سقطت وقعت على المصحف على قوله تعالى: { أية : فَسَيَكْفِيكَهُمُ ٱللَّهُ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ } تفسير : [البقرة: 137] الثالث: أن جهجاها الغفاري انتزع العصا من يد عثمان وكسرها على ركبته فوقعت الأكلة في ركبته. وأما علي كرم الله وجهه فيروي أن واحداً من محبيه سرق وكان عبداً أسود فأتى به إلى علي فقال له: أسرقت؟ قال نعم. فقطع يده فانصرف من عند علي عليه السلام فلقيه سلمان الفارسي وابن الكرا، فقال ابن الكرا: من قطع يدك فقال أمير المؤمنين ويعسوب المسلمين وختن الرسول وزوج البتول فقال قطع يدك وتمدحه؟ فقال: ولم لا أمدحه وقد قطع يدي بحق وخلصني من النار! فسمع سلمان ذلك فأخبر به علياً فدعا الأسود ووضع يده على ساعده وغطاه بمنديل ودعا بدعوات فسمعنا صوتاً من السماء ارفع الرداء عن اليد فرفعناه فإذا اليد قد برأت بإذن الله تعالى وجميل صنعه. أما سائر الصحابة فأحوالهم في هذا الباب كثيرة فنذكر منها شيئاً قليلاً. الأول: روى محمد بن المنكدر عن سفينة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ركبت البحر فانكسرت سفينتي التي كنت فيها فركبت لوحاً من ألواحها فطرحني اللوح في خيسة فيها أسد فخرج الأسد إلي يريدني فقلت: يا أبا الحرث أنا مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم فتقدم ودلني على الطريق ثم همهم فظننت أنه يودعني ورجع. الثاني: روى ثابت عن أنس أن أسيد بن حضير ورجلاً آخر من الأنصار تحدثا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم في حاجة لهما حتى ذهب من الليل زمان ثم خرجا من عنده وكانت الليلة شديدة الظلمة وفي يد كل واحد منهما عصا فأضاءت عصا أحدهما لهما حتى مشيا في ضوئها فلما انفرق بينهما الطريق أضاءت للآخر عصاه فمشى في ضوئها حتى بلغ منزله. الثالث: قالوا لخالد بن الوليد إن في عسكرك من يشرب الخمر فركب فرسه ليلة فطاف بالعسكر فلقي رجلاً على فرس ومعه زق خمر، فقال ما هذا؟ قال: خل، فقال خالد: اللهم اجعله خلاً. فذهب الرجل إلى أصحابه فقال: أتيتكم بخمر ما شربت العرب مثلها! فلما فتحوا فإذا هو خل فقالوا: والله ما جئتنا إلا بخل؟ فقال هذا والله دعاء خالد بن الوليد. الرابع: الواقعة المشهورة وهي أن خالداً بن الوليد أكل كفاً من السم على اسم الله وماضره. الخامس: روي أن ابن عمر كان في بعض أسفاره فلقي جماعة وقفوا على الطريق من خوف السبع فطرد السبع من طريقهم ثم قال: إنما يسلط على ابن آدم ما يخافه ولو أنه لم يخف غير الله لما سلط عليه شيء. السادس: روي أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث العلاء بن الحضرمي في غزاة فحال بينهم وبين المطلوب قطعة من البحر فدعا باسم الله الأعظم ومشوا على الماء. وفي كتب الصوفية من هذا الباب روايات متجاوزة عن الحد والحصر فمن أرادها طالعها. وأما الدلائل العقلية القطعية على جواز الكرامات فمن وجوه: الحجة الأولى: أن العبد ولي الله قال الله تعالى: { أية : أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء ٱللَّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } تفسير : [يونس: 62] والرب ولي العبد قال تعالى: { أية : ٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ } تفسير : [البقرة: 257] وقال: { أية : وَهُوَ يَتَوَلَّى ٱلصَّـٰلِحِينَ } تفسير : [الأعراف: 196] وقال: { أية : إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ } تفسير : [المائدة: 55] وقال: { أية : أَنتَ مَوْلَـٰنَا } تفسير : [البقرة: 286] وقال: { أية : ذَلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ مَوْلَى ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ } تفسير : [محمد: 11] فثبت أن الرب ولي العبد وأن العبد ولي الرب وأيضاً الرب حبيب العبد والعبد حبيب الرب قال تعالى: { أية : يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ } تفسير : [المائدة: 54] وقال: { أية : وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ أَشَدُّ حُبّا لِلَّهِ } تفسير : [البقرة: 165] وقال: { أية : إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلتَّوابِينَ وَيُحِبُّ ٱلْمُتَطَهّرِينَ } تفسير : [البقرة: 222] وإذا ثبت هذا فنقول: العبد إذا بلغ في الطاعة إلى حيث يفعل كل ما أمره الله وكل ما فيه رضاه وترك كل ما نهى الله وزجر عنه فكيف يبعد أن يفعل الرب الرحيم الكريم مرة واحدة ما يريده العبد بل هو أولى لأن العبد مع لؤمه وعجزه لما فعل كل ما يريده الله ويأمره به فلأن يفعل الرب الرحيم مرة واحدة ما أراده العبد كان أولى ولهذا قال تعالى: { أية : أَوْفُواْ بِعَهْدِى أُوفِ بِعَهْدِكُمْ } تفسير : [البقرة: 40]. الحجة الثانية: لو امتنع إظهار الكرامة لكان ذلك إما لأجل أن الله ليس أهلاً لأن يفعل مثل هذا الفعل أو لأجل أن المؤمن ليس أهلاً لأن يعطيه الله هذه العطية، والأول: قدح في قدرة الله وهو كفر، والثاني: باطل فإن معرفة ذات الله وصفاته وأفعاله وأحكامه وأسمائه ومحبة الله وطاعاته والمواظبة على ذكر تقديسه وتمجيده وتهليله أشرف من إعطاء رغيف واحد في مفازة أو تسخير حية أو أسد فلما أعطى المعرفة والمحبة والذكر والشكر من غير سؤال فلأن يعطيه رغيفاً في مفازة فأي بعد فيه؟ الحجة الثالثة: قال النبي صلى الله عليه وسلم حكاية عن رب العزة: « حديث : ما تقرب عبد إلي بمثل أداء ما افترضت عليه ولا يزال يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت له سمعاً وبصراً ولساناً وقلباً ويداً ورجلاً بي يسمع وبي يبصر وبي ينطق وبي يمشي » تفسير : وهذا الخبر يدل على أنه لم يبق في سمعهم نصيب لغير الله ولا في بصرهم ولا في سائر أعضائهم إذ لو بقي هناك نصيب لغير الله لما قال أنا سمعه وبصره. إذا ثبت هذا فنقول: لا شك أن هذا المقام أشرف من تسخير الحية والسبع وإعطاء الرغيف وعنقود من العنب أو شربة من الماء فلما أوصل الله برحمته عبده إلى هذه الدرجات العالية فأي بعد في أن يعطيه رغيفاً واحداً أو شربة ماء في مفازة. الحجة الرابعة: قال عليه السلام حاكياً عن رب العزة: « حديث : من آذى لي ولياً فقد بارزني بالمحاربة » تفسير : فجعل إيذاء الولي قائماً مقام إيذائه وهذا قريب من قوله تعالى: { أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ ٱللَّهَ } تفسير : [الفتح: 10] وقال: { أية : وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً } تفسير : [الأحزاب: 36] وقال: { أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلأَخِرَةِ } تفسير : [الأحزاب: 57] فجعل بيعة محمد صلى الله عليه وسلم بيعة مع الله ورضاء محمد صلى الله عليه وسلم رضاء الله وإيذاء محمد صلى الله عليه وسلم إيذاء الله فلا جرم كانت درجة محمد صلى الله عليه وسلم أعلى الدرجات إلى أبلغ الغايات فكذا ههنا لما قال: « حديث : من آذى لي ولياً فقد بارزني بالمحاربة » تفسير : دل ذلك على أنه تعالى جعل إيذاء الولي قائماً مقام إيذاء نفسه ويتأكد هذا بالخبر المشهور أنه تعالى يقول: « حديث : يوم القيامة مرضت فلم تعدني، استسقيتك فما سقيتني، استطعمتك فما أطعمتني فيقول يا رب كيف أفعل هذا وأنت رب العالمينٰ فيقول إن عبدي فلاناً مرض فلم تعده أما علمت أنك لو عدته لوجدت ذلك عندي » تفسير : وكذا في السقي والإطعام فدلت هذه الأخبار على أن أولياء الله يبلغون إلى هذه الدرجات فأي بعد في أن يعطيه الله كسرة خبز أو شربة ماء أو يسخر له كلباً أو ورداً. الحجة الخامسة: أنا نشاهد في العرف أن من خصه الملك بالخدمة الخاصة وأذن له في الدخول عليه في مجلس الأنس فقد يخصه أيضاً بأن يقدره على ما لا يقدر عليه غيره، بل العقل السليم يشهد بأنه متى حصل ذلك القرب فإنه يتبعه هذه المناصب فجعل القرب أصلاً والمنصب تبعاً وأعظم الملوك هو رب العالمين فإذا شرف عبداً بأنه أوصله إلى عتبات خدمته ودرجات كرامته وأوقفه على أسرار معرفته ورفع حجب البعد بينه وبين نفسه وأجلسه على بساط قربه فأي بعد في أن يظهر بعض تلك الكرامات في هذا العالم مع أن كل هذا العالم بالنسبة إلى ذرة من تلك السعادات الروحانية والمعارف الربانية كالعدم المحض. الحجة السادسة: لا شك أن المتولي للأفعال هو الروح لا البدن ولا شك أن معرفة الله تعالى للروح كالروح للبدن على ما قررناه في تفسير قوله تعالى: { أية : يُنَزّلُ ٱلْمَلَـٰئِكَةَ بِٱلْرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ } تفسير : [النمل: 20] وقال عليه السلام: « حديث : أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني » تفسير : ولهذا المعنى نرى أن كل من كان أكثر علماً بأحوال عالم الغيب كان أقوى قلباً وأقل ضعفاً ولهذا قال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: والله ما قلعت باب خيبر بقوة جسدانية ولكن بقوة ربانية. وذلك لأن علياً كرم الله وجهه في ذلك الوقت انقطع نظره عن عالم الأجساد وأشرقت الملائكة بأنوار عالم الكبرياء فتقوى روحه وتشبه بجواهر الأرواح الملكية وتلألأت فيه أضواء عالم القدس والعظمة فلا جرم حصل له من القدرة ما قدر بها على ما لم يقدر عليه غيره وكذلك العبد إذا واظب على الطاعات بلغ إلى المقام الذي يقول الله كنت له سمعاً وبصراً فإذا صار نور جلال الله سمعاً له سمع القريب والبعيد وإذا صار ذلك النور بصراً له رأى القريب والبعيد وإذا صار ذلك النور يداً له قدر على التصرف في الصعب والسهل والبعيد والقريب. الحجة السابعة: وهي مبنية على القوانين العقلية الحكمية، وهي أنا قد بينا أن جوهر الروح ليس من جنس الأجسام الكائنة الفاسدة المتعرضة للتفرق والتمزق، بل هو من جنس جواهر الملائكة وسكان عالم السموات ونوع المقدسين المطهرين إلا أنه لما تعلق بهذا البدن واستغرق في تدبيره صار في ذلك الاستغراق إلى حيث نسي الوطن الأول والمسكن المتقدم وصار بالكلية متشبهاً بهذا الجسم الفاسد فضعفت قوته وذهبت مكنته ولم يقدر على شيء من الأفعال، أما إذا استأنست بمعرفة الله ومحبته وقل انغماسها في تدبير هذا البدن، وأشرقت عليها أنوار الأرواح السماوية العرشية المقدسة، وفاضت عليها من تلك الأنوار قويت على التصرف في أجسام هذا العالم مثل قوة الأرواح الفلكية على هذه الأعمال، وذلك هو الكرامات، وفيه دقيقة أخرى وهي أن مذهبنا أن الأرواح البشرية مختلفة بالماهية ففيها القوية والضعيفة، وفيها النورانية والكدرة، وفيها الحرة والنذلة والأرواح الفلكية أيضاً كذلك، ألا ترى إلى جبريل كيف قال الله في وصفه: { أية : إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * ذِى قُوَّةٍ عِندَ ذِى ٱلْعَرْشِ مَكِينٍ * مُّطَـٰعٍ ثَمَّ أَمِينٍ } تفسير : [التكوير: 19 ـ 21] وقال في قوم آخرين من الملائكة: { أية : وَكَمْ مّن مَّلَكٍ فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ لاَ تُغْنِى شَفَـٰعَتُهُمْ شَيْئاً } تفسير : [النجم: 26] فكذا ههنا فإذا اتفق في نفس من النفوس كونها قوية، القوة القدسية العنصرية مشرقة الجوهر علوية الطبيعة، ثم انضاف إليها أنواع الرياضات التي تزيل عن وجهها غبرة عالم الكون والفساد أشرقت وتلألأت وقويت على التصرف في هيولي عالم الكون والفساد بإعانة نور معرفة الحضرة الصمدية وتقوية أضواء حضرة الجلال والعزة. ولنقبض ههنا عنان البيان فإن وراءها أسراراً دقيقة وأحوالاً عميقة من لم يصل إليها لم يصدق بها، ونسأل الله الإعانة على إدراك الخيرات، واحتج المنكرون للكرامات بوجوه. الشبهة الأولى: وهي التي عليها يعولون وبها يضلون أن ظهور الخارق للعادة جعله الله دليلاً على النبوة فلو حصل لغير نبي لبطلت هذه الدلالة لأن حصول الدليل مع عدم المدلول يقدح في كونه دليلاً، وذلك باطل. والشبهة الثانية: تمسكوا بقوله عليه السلام حكاية عن الله سبحانه: « حديث : لن يتقرب المتقربون إلي بمثل أداء ما افترضت عليهم » تفسير : قالوا: هذا يدل على أن التقرب إلى الله بأداء الفرائض أعظم من التقرب إليه بأداء النوافل، ثم إن المتقرب إليه بأداء الفرائض لا يحصل له شيء من الكرامات فالمتقرب إليه بأداء النوافل أولى أن لا يحصل له ذلك. الشبهة الثالثة: تمسكوا بقوله تعالى: { أية : وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَىٰ بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُواْ بَـٰلِغِيهِ إِلاَّ بِشِقّ ٱلأَنفُسِ } تفسير : [النحل: 7] والقول بأن الولي ينتقل من بلد إلى بلد بعيد ـ لا على الوجه ـ طعن في هذه الآية، وأيضاً أن محمداً صلى الله عليه وسلم لم يصل من مكة إلى المدينة إلا في أيام كثيرة مع التعب الشديد فكيف يعقل أن يقال أن الولي ينتقل من بلد نفسه إلى الحج في يوم واحد. الشبهة الرابعة: قالوا: هذا الولي الذي تظهر عليه الكرامات إذا ادعى على إنسان درهماً فهل نطالبه بالبينة أم لا؟ فإن طالبناه بالبينة كان عبثاً لأن ظهور الكرامات عليه يدل على أنه لا يكذب، ومع قيام الدليل القاطع كيف يطلب الدليل الظني، وإن لم نطالبه بها فقد تركنا قوله عليه السلام: « حديث : البينة على المدعي » تفسير : فهذا يدل على أن القول بالكرامة باطل. الشبهة الخامسة: إذا جاز ظهور الكرامة على بعض الأولياء جاز ظهورها على الباقين، فإذا كثرت الكرامات حتى خرقت العادة جرت وفقاً للعادة وذلك يقدح في المعجزة والكرامة. «والجواب» عن الشبهة الأولى: أن الناس اختلفوا في أنه هل يجوز للولي دعوى الولاية؟ فقال قوم من المحققين: إن ذلك لا يجوز، فعلى هذا القول يكون الفرق بين المعجزات والكرامات أن المعجزة تكون مسبوقة بدعوى النبوة والكرامة لا تكون مسبوقة بدعوى الولاية، والسبب في هذا الفرق أن الأنبياء عليهم السلام إنما بعثوا إلى الخلق ليصيروا دعاة للخلق من الكفر إلى الإيمان ومن المعصية إلى الطاعة فلو لم تظهر دعوى النبوة لم يؤمنوا به وإذا لم يؤمنوا به بقوا على الكفر وإذا ادعوا النبوة وأظهروا المعجزة آمن القوم بهم فإقدام الأنبياء على دعوى النبوة ليس الغرض منه تعظيم النفس بل المقصود منه إظهار الشفقة على الخلق حتى ينتقلوا من الكفر إلى الإيمان، أما ثبوت الولاية للولي فليس الجهل بها كفراً ولا معرفتها إيماناً فكان دعوى الولاية طلباً لشهوة النفس، فعلمنا أن النبي يجب عليه إظهار دعوى النبوة والولي لا يجوز له دعوى الولاية فظهر الفرق؛ أما الذين قالوا: يجوز للولي دعوى الولاية فقد ذكروا الفرق بين المعجزة والكرامة من وجوه: الأول: أن ظهور الفعل الخارق للعادة يدل على كون ذلك الإنسان مبرءاً عن المعصية، ثم إن اقترن هذا الفعل بادعاء النبوة دل على كونه صادقاً في دعوى النبوة، وإن اقترن بادعاء الولاية دل على كونه صادقاً في دعوى الولاية، وبهذا الطريق لا يكون ظهور الكرامة على الأولياء طعناً في معجزات الأنبياء عليهم السلام. الثاني: أن النبي صلى الله عليه وسلم يدعي المعجزة ويقطع بها، والولي إذا ادعى الكرامة لا يقطع بها لأن المعجزة يجب ظهورها، أما الكرامة (فـ)ـلا يجب ظهورها. الثالث: أنه يجب نفي المعارضة عن المعجزة ولا يجب نفيها عن الكرامة. الرابع: أنا لا نجوز ظهور الكرامة على الولي عند ادعاء الولاية إلا إذا أقر عند تلك الدعوى بكونه على دين ذلك النبي ومتى كان الأمر كذلك صارت تلك الكرامة معجزة لذلك النبي ومؤكدة لرسالته وبهذا التقدير لا يكون ظهور الكرامة طاعناً في نبوة النبي بل يصير مقوياً لها. «والجواب» عن الشبهة الثانية: أن التقرب بالفرائض وحدها أكمل من التقرب بالنوافل؛ أما الولي فإنما يكون ولياً إذا كان آتياً بالفرائض والنوافل، ولا شك أنه يكون حاله أتم من حال من اقتصر على الفرائض فظهر الفرق. «والجواب» على الشبهة الثالثة: أن قوله تعالى: {وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَىٰ بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُواْ بَـٰلِغِيهِ إِلاَّ بِشِقّ ٱلأَنفُسِ } محمول على المعهود المتعارف، وكرامات الأولياء أحوال نادرة فتصير كالمستثناة عن ذلك العموم. وهذا هو «الجواب» عن الشبهة الرابعة وهي التمسك بقوله عليه السلام البينة على المدعي. «والجواب» عن الشبهة الخامسة أن المطيعين فيهم قلة كما قال تعالى: { أية : وَقَلِيلٌ مّنْ عِبَادِىَ ٱلشَّكُورُ } تفسير : [سبأ: 13] وكما قال إبليس: { أية : وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَـٰكِرِينَ } تفسير : [الأعراف: 17] وإذا حصلت القلة فيهم لم يكن ما يظهر عليهم من الكرامات في الأوقات النادرة قادحاً في كونها على خلاف العادة. المسألة السابعة: في الفرق بين الكرامات والاستدراج، اعلم أن من أراد شيئاً فأعطاه الله مراده لم يدل ذلك على كون ذلك العبد وجيهاً عند الله تعالى سواء كانت العطية على وفق العادة أو لم تكن على وفق العادة بل قد يكون ذلك إكراماً للعبد وقد يكون استدراجاً له ولهذا الاستدراج أسماء كثيرة من القرآن، أحدها: الاستدراج قال الله تعالى: { أية : سَنَسْتَدْرِجُهُم مّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ } تفسير : [الأعراف: 182] ومعنى الاستدراج أن يعطيه الله كل ما يريده في الدنيا ليزداد غيه وضلاله وجهله وعناده فيزداد كل يوم بعداً من الله وتحقيقه أنه ثبت في العلوم العقلية أن تكرر الأفعال سبب لحصول الملكة الراسخة فإذا مال قلب العبد إلى الدنيا ثم أعطاه الله مراده فحينئذ يصل الطالب إلى المطلوب وذلك يوجب حصول اللذة وحصول اللذة يزيد في الميل وحصول الميل يوجب مزيد السعي ولا يزال يتأدى كل واحد منهما إلى الآخر وتتقوى كل واحدة من هاتين الحالتين درجة فدرجة ومعلوم أن الاشتغال بهذه اللذات العاجلة مانع عن مقامات المكاشفات ودرجات المعارف فلا جرم يزداد بعده عن الله درجة فدرجة إلى أن يتكامل فهذا هو الاستدراج. وثانيها: المكر قال تعالى: { أية : فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْقَوْمُ ٱلْخَـٰسِرُونَ } تفسير : [الأعراف: 99]، { أية : وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ ٱللَّهُ وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلْمَـٰكِرِينَ } تفسير : [آل عمران: 54] وقال: { أية : وَمَكَرُواْ مَكْراً وَمَكَرْنَا مَكْراً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ } تفسير : [النمل: 50]. وثالثها: الكيد قال تعالى: { أية : يُخَـٰدِعُونَ ٱللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ } تفسير : [النساء: 142] وقال: { أية : يُخَـٰدِعُونَ ٱللَّهَ وَٱلَّذِينَ ءامَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إلاَّ أَنفُسَهُمْ } تفسير : [البقرة: 9]. ورابعها: الإملاء قال تعالى: { أية : وَلاَ يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ خَيْرًا لأَنفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْمَاً } تفسير : [آل عمران: 178]. وخامسها: الإهلاك قال تعالى: { أية : حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُواْ بِمَا أُوتُواْ أَخَذْنَـٰهُمْ } تفسير : [الأنعام: 44] وقال في فرعون: { أية : وَٱسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِى ٱلأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقّ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لاَ يُرْجَعُونَ * فَأَخَذْنَـٰهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَـٰهُمْ فِى ٱلْيَمّ } تفسير : [القصص: 39، 40] فظهر بهذه الآيات أن الإيصال إلى المرادات لا يدل على كمال الدرجات والفوز بالخيرات بقي علينا أن نذكر الفرق بين الكرامات وبين الاستدراجات. فنقول: إن صاحب الكرامة لا يستأنس بتلك الكرامة بل عند ظهور الكرامة يصير خوفه من الله تعالى أشد وحذره من قهر الله أقوى فإنه يخاف أن يكون ذلك من باب الاستدراج، وأما صاحب الاستدراج فإنه يستأنس بذلك الذي يظهر عليه ويظن أنه إنما وجد تلك الكرامة لأنه كان مستحقاً لها وحينئذ يستحقر غيره ويتكبر عليه ويحصل له أمن من مكر الله وعقابه ولا يخاف سوء العاقبة فإذا ظهر شيء من هذه الأحوال على صاحب الكرامة دل ذلك على أنها كانت استدراجاً لا كرامة. فلهذا المعنى قال المحققون: أكثر ما اتفق من الانقطاع عن حضرة الله إنما وقع في مقام الكرامات فلا جرم ترى المحققين يخافون من الكرامات كما يخافون من أنواع البلاء. والذي يدل على أن الاستئناس بالكرامة قاطع عن الطريق وجوه: الحجة الأولى: أن هذا الغرور إنما يحصل إذا اعتقد الرجل أنه مستحق لهذ الكرامة لأن بتقدير أن لا يكون مستحقاً لها امتنع حصول الفرح بها بل يجب أن يكون فرحه بكرم المولى وفضله أكبر من فرحه بنفسه فثبت أن الفرح بالكرامة أكثر من فرحه بنفسه وثبت أن الفرح بالكرامة لا يحصل إلا إذا اعتقد أنه أهل ومستحق لها وهذا عين الجهل لأن الملائكة قالوا: { أية : لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا } تفسير : [البقرة: 32] وقال تعالى: { أية : وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ } تفسير : [الأنعام: 91] وأيضاً قد ثبت بالبرهان اليقيني أنه لا حق لأحد من الخلق على الحق فكيف يحصل ظن الاستحقاق. الحجة الثانية: أن الكرامات أشياء مغايرة للحق سبحانه فالفرح بالكرامة فرح بغير الحق والفرح بغير الحق حجاب عن الحق والمحجوب عن الحق كيف يليق به الفرح والسرور. الحجة الثالثة: أن من اعتقد في نفسه أنه صار مستحقاً للكرامة بسبب عمله حصل لعمله وقع عظيم في قلبه ومن كان لعمله وقع عنده كان جاهلاً ولو عرف ربه لعلم أن كل طاعات الخلق في جنب جلال الله تقصير وكل شكرهم في جنب آلائه ونعمائه قصور وكل معارفهم وعلومهم فهي في مقابلة عزته حيرة وجهل. رأيت في بعض الكتب أنه قرأ المقرىء في مجلس الأستاذ أبي علي الدقاق قوله تعالى: { أية : إِلَيْهِ يَصْعَدُ ٱلْكَلِمُ ٱلطَّيّبُ وَٱلْعَمَلُ ٱلصَّـٰلِحُ يَرْفَعُهُ } تفسير : [فاطر: 10] فقال علامة أن الحق رفع عملك أن لا يبقى (ذكره) عندك فإن بقي عملك في نظرك فهو مدفوع وإن لم يبق معك فهو مرفوع مقبول. الحجة الرابعة: أن صاحب الكرامة إنما وجد الكرامة لإظهار الذل والتواضع في حضرة الله فإذا ترفع وتجبر وتكبر بسبب تلك الكرامات فقد بطل ما به وصل إلى الكرامات فهذا طريق ثبوته يؤديه إلى عدمه فكان مردوداً ولهذا المعنى لما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم مناقب نفسه وفضائلها كان يقول في آخر كل واحد منها ولا فخر يعني لا أفتخر بهذه الكرامات وإنما أفتخر بالمكرم والمعطي. الحجة الخامسة: أن ظاهر الكرامات في حق إبليس وفي حق بلعام كان عظيماً ثم قيل لإبليس وكان من الكافرين وقيل لبلعام فمثله كمثل الكلب وقيل لعلماء بني إسرائيل: { أية : مَثَلُ ٱلَّذِينَ حُمّلُواْ ٱلتَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ ٱلْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً } تفسير : [الجمعة: 5] وقيل أيضاً في حقهم: { أية : وَمَا ٱخْتَلَفَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ ٱلْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ } تفسير : [آل عمران: 19] فبين أن وقوعهم في الظلمات والضلالات كان بسبب فرحهم بما أوتوا من العلم والزهد. الحجة السادسة: أن الكرامة غير المكرم وكل ما هو غير المكرم فهو ذليل وكل من تعزز بالذليل فهو ذليل، ولهذا المعنى قال الخليل صلوات الله عليه: أما إليك فلا، فالاستغناء بالفقير فقر والتقوى بالعاجز عجز والاستكمال بالناقص نقصان والفرح بالمحدث بله والإقبال بالكلية على الحق خلاص، فثبت أن الفقير إذا ابتهج بالكرامة سقط عن درجته. أما إذا كان لا يشاهد في الكرامات إلا المكرم ولا في الإعزاز إلا المعز ولا في الخلق إلا الخالق فهناك يحق الوصول. الحجة السابعة: أن الافتخار بالنفس وبصفاتها من صفات إبليس وفرعون، قال إبليس: { أية : أَنَاْ خَيْرٌ مّنْهُ } تفسير : [الأعراف: 12] وقال فرعون: { أية : أَلَيْسَ لِى مُلْكُ مِصْرَ } تفسير : [الزخرف: 51] وكل من ادعى الإلهية أو النبوة بالكذب فليس له غرض إلا تزيين النفس وتقوية الحرص والعجب ولهذا قال عليه السلام: « حديث : ثلاث مهلكات، وختمها بقوله: وإعجاب المرء بنفسه » تفسير : . الحجة الثامنة: أنه تعالى قال: { أية : فَخُذْ مَا ءاتَيْتُكَ وَكُنْ مّنَ ٱلشَّـٰكِرِينَ } تفسير : [الأعراف: 144] { أية : وَٱعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ ٱلْيَقِينُ } تفسير : [الحجر: 99] فلما أعطاه الله العطية الكبرى أمره بالاشتغال بخدمة المعطى لا بالفرح بالعطية. الحجة التاسعة: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما خيره الله بين أن يكون ملكاً نبياً وبين أن يكون عبداً نبياً ترك الملك، ولا شك أن وجدان الملك الذي يعم المشرق والمغرب من الكرامات بل من المعجزات ثم إنه صلى الله عليه وسلم ترك ذلك الملك واختار العبودية لأنه إذا كان عبداً كان افتخاره بمولاه وإذا كان ملكاً كان افتخاره بعبيده، فلما اختار العبودية لا جرم جعل السنة التي في التحيات التي رواها ابن مسعود «وأشهد أن محمداً عبده ورسوله» وقيل في المعراج: { أية : سُبْحَانَ ٱلَّذِى أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ } تفسير : [الإسراء: 1]. الحجة العاشرة: أن محب المولى غير، ومحب ما للمولى غير، فمن أحب المولى لم يفرح بغير المولى ولم يستأنس بغير المولى، فالاستئناس بغير المولى والفرح بغيره يدل على أنه ما كان محباً للمولى بل كان محباً لنصيب نفسه ونصيب النفس إنما يطلب للنفس فهذا الشخص ما أحب إلا نفسه. وما كان المولى محبوباً له بل جعل المولى وسيلة إلى تحصيل ذلك المطلوب. والصنم الأكبر هو النفس كما قال تعالى: { أية : أَفَرَأَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ هَوَاهُ } تفسير : [الجاثية: 23] فهذا الإنسان عابد للصنم الأكبر حتى أن المحققين قالوا لا مضرة في عبادة شيء من الأصنام مثل المضرة الحاصلة في عبادة النفس ولا خوف من عبادة الأصنام كالخوف من الفرح بالكرامات. الحجة الحادية عشرة: قوله تعالى: { أية : وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ } تفسير : [الطلاق:2، 3] وهذا يدل على أن من لم يتق الله ولم يتوكل عليه لم يحصل له شيء من هذه الأفعال والأحوال. المسألة الثامنة: في أن الولي هل يعرف كونه ولياً، قال الأستاذ أبو بكر بن فورك لا يجوز وقال الأستاذ أبو علي الدقاق وتلميذه أبو القاسم القشيري يجوز، وحجة المانعين وجوه: الحجة الأولى: لو عرف الرجل كونه ولياً لحصل له الأمن بدليل قوله تعالى: { أية : أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء ٱللَّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } تفسير : [يونس:62] لكن حصول الأمن غير جائز ويدل عليه وجوه: أحدها: قوله مالي: { أية : فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْقَوْمُ ٱلْخَـٰسِرُونَ } تفسير : [الأعراف:99] واليأس أيضاً غير جائز لقوله تعالى: { أية : إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون } تفسير : [يوسف:87] ولقوله تعالى: { أية : وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبّهِ إِلاَّ ٱلضَّآلُّونَ } تفسير : [الحجر:56] والمعنى فيه أن الأمن لا يحصل إلا عند اعتقاد العجز، واليأس لا يحصل إلا عند اعتقاد البخل واعتقاد العجز والبخل في حق الله كفر، فلا جرم كان حصول الأمن والقنوط كفراً. الثاني: أن الطاعات وإن كثرت إلا أن قهر الحق أعظم ومع كون القهر غالباً لا يحصل الأمن. الثالث: أن الأمن يقتضي زوال العبودية وترك الخدمة والعبودية يوجب العداوة والأمن يقتضي ترك الخوف. الرابع: أنه تعالى وصف المخلصين بقوله: { أية : وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُواْ لَنَا خـٰشِعِينَ } تفسير : [الأنبياء:90] قيل رغباً في ثوابنا، ورهباً من عقابنا. وقيل: رغباً في فضلنا، ورهباً من عدلنا. وقيل رغباً في وصالنا، ورهباً من فراقنا. والأحسن أن يقال رغباً فينا، ورهباً منا. الحجة الثانية: على أن الولي لا يعرف كونه ولياً، أن الولي إنما يصير ولياً لأجل أن الحق يحبه لا لأجل أنه يحب الحق، وكذلك القول في العدو، ثم إن محبة الحق وعداوته سران لا يطلع عليهما أحد فطاعات العباد ومعاصيهم لا تؤثر في محبة الحق وعداوته لأن الطاعات والمعاصي محدثة، وصفات الحق قديمة غير متناهية، والمحدث المتناهي لا يصير غالباً للقديم غير المتناهي. وعلى هذا التقدير فربما كان العبد في الحال في عين المعصية إلا أن نصيبه من الأزل عين المحبة. وربما كان العبد في الحال في عين الطاعة ولكن نصيبه من الأزل عين العداوة وتمام التحقيق أن محبته وعداوته صفة، وصفة الحق غير معللة، ومن كانت محبته لا لعلة، فإنه يمتنع أن يصير عدواً بعلة المعصية، ومن كانت عدواته لا لعلة يمتنع أن يصير محباً لعلة الطاعة، ولما كانت محبة الحق وعداوته سرين لا يطلع عليهما لا جرم قال عيسى عليه السلام: { أية : تَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِى وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنتَ عَلَّـٰمُ ٱلْغُيُوبِ } تفسير : [المائدة: 116] الحجة الثالثة: على أن الولي لا يعرف كونه ولياً؛ أن الحكم بكونه ولياً وبكونه من أهل الثواب والجنة يتوقف على الخاتمة، والدليل عليه قوله تعالى: { أية : مَن جَاء بِٱلْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا } تفسير : [الأنعام:160] ولم يقل من عمل حسنة فله عشر أمثالها، وهذا يدل على أن استحقاق الثواب مستفاد من الخاتمة لا من أول العمل، والذي يؤكد ذلك أنه لو مضى عمره في الكفر ثم أسلم في آخر الأمر كان من أهل الثواب وبالضد، وهذا دليل على أن العبرة بالخاتمة لا بأول العمل، ولهذا قال تعالى: { أية : قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنتَهُواْ يُغْفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ } تفسير : [الأنفال:38] فثبت أن العبرة في الولاية والعداوة وكونه من أهل الثواب أو من أهل العقاب بالخاتمة، فظهر أن الخاتمة غير معلومة لأحد، فوجب القطع بأن الولي لا يعلم كونه ولياً، أما الذين قالوا إن الولي قد يعرف كونه ولياً فقد احتجوا على صحة قولهم بأن الولاية لها ركنان. أحدهما: كونه في الظاهر منقاداً للشريعة. الثاني: كونه في الباطن مستغرقاً في نور الحقيقة، فإذا حصل الأمران وعرف الإنسان حصولهما عرف لا محالة كونه ولياً، أما الانقياد في الظاهر للشريعة فظاهر، وأما استغراق الباطن في نور الحقيقة فهو أن يكون فرحه بطاعة الله واستئناسه بذكر الله، وأن لا يكون له استقرار مع شيء سوى الله. والجواب: أن تداخل الأغلاط في هذا الباب كثيرة غامضة والقضاء عسر، والتجربة خطر، والجزم غرور. ودون الوصول إلى عالم الربوبية أستار، تارة من النيران، وأخرى من الأنوار، والله العالم بحقائق الأسرار، ولنرجع إلى التفسير.
القرطبي
تفسير : مذهب سيبويه أن «أم» إذا جاءت دون أن يتقدّمها ألف استفهام أنها بمعنى بل وألف الاستفهام، وهي المنقطعة. وقيل: «أم» عطف على معنى الاستفهام في لعلك، أو بمعنى ألف الاستفهام على الإنكار. قال الطبري: وهو تقرير للنبيّ صلى الله عليه وسلم على حسابه أن أصحاب الكهف كانوا عجباً، بمعنى إنكار ذلك عليه؛ أي لا يعظم ذلك بحسب ما عظمه عليك السائلون من الكفرة، فإن سائر آيات الله أعظم من قصتهم وأشيع؛ هذا قول ابن عباس ومجاهد وقتادة وابن إسحاق. والخطاب للنبيّ صلى الله عليه وسلم؛ وذلك أن المشركين سألوه عن فتية فقدوا، وعن ذي القرنين وعن الروح، وأبطأ الوحي على ما تقدّم. فلما نزل قال الله تعالى لنبيه عليه السلام: أحسبت يا محمد أن أصحاب الكهف والرّقيم كانوا من آياتنا عجباً؛ أي ليسوا بعجب من آياتنا، بل في آياتنا ما هو أعجب من خبرهم. الكلبي: خَلْقُ السموات والأرض أعجبُ من خبرهم. الضحاك: ما أطلعتك عليه من الغيب أعجب. الجنيد: شأنك في الإسراء أعجب. الماورديّ: معنى الكلام النفي؛ أي ما حسبت لولا إخبارنا. أبو سهل: استفهام تقرير؛ أي أحسبت ذلك فإنهم عجب. والكهف: النَّقْب المتّسع في الجبل؛ وما لم يتّسع فهو غار. وحكى النقاش عن أنس بن مالك أنه قال: الكهف الجبل؛ وهذا غير شهير في اللغة. واختلف الناس في الرقيم؛ فقال ابن عباس: كل شيء في القرآن أعلمه إلا أربعة: غِسْلين وحَنَان والأوّاه والرقيم. وسئل مرة عن الرقيم فقال: زعم كعب أنها قرية خرجوا منها. وقال مجاهد: الرقيم وادٍ. وقال السّدي: الرقيم الصخرة التي كانت على الكهف. وقال ابن زيد: الرقيم كتاب غمّ الله علينا أمره، ولم يشرح لنا قصته. وقالت فرقة: الرقيم كتاب في لوح من نحاس. وقال ابن عباس: في لوح من رصاص كَتب فيه القوم الكفارُ الذين فرّ الفتية منهم قصتهم وجعلوها تاريخاً لهم، ذكروا وقت فقدهم، وكم كانوا، وبين من كانوا. وكذا قال الفراء، قال: الرقيم لوح من رصاص كتب فيه أسماؤهم وأنسابهم ودينهم وممن هربوا. قال ابن عطية: ويظهر من هذه الروايات أنهم كانوا قوماً مؤرّخين للحوادث، وذلك من نبل المملكة؛ وهو أمر مفيد. وهذه الأقوال مأخوذة من الرَّقْم؛ ومنه كتاب مرقوم. ومنه الأرقم لتخطيطه. ومنه رَقْمة الوادي؛ أي مكان جَرْي الماء وانعطافه. وما روي عن ابن عباس ليس بمتناقض؛ لأن القول الأوّل إنما سمعه من كَعْب. والقول الثاني يجوز أن يكون عرف الرقيم بعده، وروى عنه سعيد بن جُبير قال: ذكر ابن عباس أصحاب الكهف فقال: إن الفتية فقدوا فطلبهم أهلوهم فلم يجدوهم فرفع ذلك إلى الملك فقال: ليكونن لهم نبأ، وأحضر لوحاً من رصاص فكتب فيه أسماءهم وجعله في خزانته؛ فذلك اللوح هو الرقيم. وقيل: إن مؤمنين كانا في بيت الملك فكتبا شأن الفتية وأسماءهم وأنسابهم في لوح من رصاص ثم جعلاه في تابوت من نحاس وجعلاه في البنيان؛ فالله أعلم. وعن ابن عباس أيضاً: الرقيم كتاب مرقوم كان عندهم فيه الشرع الذي تمسكوا به من دين عيسى عليه السلام. وقال النقاش عن قتادة: الرقيم دراهمهم. وقال أنس بن مالك والشعبيّ: الرقيم كلبهم. وقال عكرمة: الرقيم الدواة. وقيل: الرقيم اللوح من الذهب تحت الجدار الذي أقامه الخضر. وقيل: الرقيم أصحاب الغار الذي انطبق عليهم؛ فذكر كلُّ واحد منهم أصلح عمله. قلت: وفي هذا خبر معروف أخرجه الصحيحان، وإليه نحا البخاري. وقال قوم: أخبر الله عن أصحاب الكهف، ولم يخبر عن أصحاب الرقيم بشيء. وقال الضحاك: الرقيم بلدة بالروم فيها غار فيه أحد وعشرون نفساً كأنهم نيام على هيئة أصحاب الكهف، فعلى هذا هم فتية آخرون جرى لهم ما جرى لأصحاب الكهف. والله أعلم. وقيل: الرقيم وادٍ دون فلسطين فيه الكهف؛ مأخوذ من رقمة الوادي وهي موضع الماء؛ يقال: عليك بالرقمة ودع الصِّفّة؛ ذكره الغزنوي. قال ابن عطية: وبالشام على ما سمعت به من ناس كثير (كهف) فيه موتى، يزعم مجاوروه أنهم أصحاب الكهف وعليهم مسجد وبناء يسمى الرقيم ومعهم كلبٌ رمّة. وبالأندلس في جهة غرناطة بقرب قرية تسمى لوشة كهف فيه موتى ومعهم كلبٌ رمّة، وأكثرهم قد تجرّد لحمه وبعضهم متماسك، وقد مضت القرون السالفة ولم نجد من علم شأنهم أثارة. ويزعم ناس أنهم أصحاب الكهف، دخلت إليهم ورأيتهم سنة أربع وخمسمائة وهم بهذه الحالة، وعليهم مسجد، وقريب منهم بناء رومي يسمى الرقيم، كأنه قصر مخلق قد بقي بعض جدرانه، وهو في فلاة من الأرض خربة، وبأعلى غرناطة مما يلي القبلة آثار مدينة قديمة رومية يقال لها مدينة دقيوس، وجدنا في آثارها غرائب من قبور ونحوها. قلت: ما ذكر من رؤيته لهم بالأندلس فإنما هم غيرهم؛ لأن الله تعالى يقول في حق أصحاب الكهف: {لَوِ ٱطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوْلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَاراً وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً} وقد قال ابن عباس لمعاوية لما أراد رؤيتهم: قد منع الله من هو خير منك عن ذلك؛ وسيأتي في آخر القصة. وقال مجاهد في قوله: «كانوا من آياتنا عجباً» قال: هم عجب. كذا روى ابن جريج عنه؛ يذهب إلى أنه ليس بإنكار على النبيّ صلى الله عليه وسلم أن يكون عنده أنهم عَجَب. وروى ابن نجيح عنه قال: يقول ليس بأعجب آياتنا.
البيضاوي
تفسير : {أَمْ حَسِبْتَ} بل أحسبت. {أَنَّ أَصْحَـٰبَ ٱلْكَهْفِ وَٱلرَّقِيمِ } في إبقاء حياتهم مدة مديدة. {كَانُواْ مِنْ ءايَـٰتِنَا عَجَبًا } وقصتهم بالإِضافة إلى خلق ما على الأرض من الأجناس والأنواع الفائتة للحصر على طبائع متباعدة وهيئات متخالفة تعجب الناظرين من مادة واحدة، ثم ردها إليها ليس بعجيب مع أنه من آيات الله كالنزر الحقير. و {ٱلْكَهْفِ } الغار الواسع في الجبل. و {الرقيم} اسم الجبل أو الوادي الذي فيه كهفهم، أو اسم قريتهم أو كلبهم. قال أمية بن أبي الصلت:شعر : وَلَيْسَ بِهَا إِلاَّ الرَّقِيمُ مُجَاوِرا وَصَيْدَهُمُو وَالقَوْمُ فِي الكَهْفِ هُجّدٌ تفسير : أو لوح رصاصي أو حجري رقمت فيه أسماؤهم وجعل على باب الكهف. وقيل أصحاب الرقيم قوم آخرون كانوا ثلاثة خرجوا يرتادون لأهلهم، فأخذتهم السماء فأووا إلى الكهف فانحطت صخرة وسدت بابه. فقال أحدهم اذكروا أيكم عمل حسنة لعل الله يرحمنا ببركته، فقال أحدهم: استعملت أجراء ذات يوم فجاء رجل وسط النهار وعمل في بقيته مثل عملهم فأعطيته مثل أجرهم، فغضب أحدهم وترك أجره فوضعته في جانب البيت، ثم مر بي بقر فاشتريت به فصيلة فبلغت ما شاء الله، فرجع إلي بعد حين شيخاً ضعيفاً لا أعرفه وقال: إنه لي عندك حقاً وذكره لي حتى عرفته فدفعتها إليه جميعاً، اللهم إن كنت فعلت ذلك لوجهك فافرج عنا، فانصدع الجبل حتى رأوا الضوء. وقال آخر: كان فِيَّ فضل وأصابت الناس شدة، فجاءتني امرأة فطلبت مني معروفاً فقلت: والله ما هو دون نفسك فأبت وعادت ثم رجعت ثلاثاً، ثم ذكرت لزوجها فقال أجيبي له وأغيثي عيالك، فأتت وسلمت إلي نفسها فلما تكشفتها وهممت بها ارْتَعَدَتْ فقلت: ما لكِ قالت أخاف الله، فقلت لها: خفته في الشدة ولم أخفه في الرخاء فتركتها وأعطيتها ملتمسها، اللهم إن كنت فعلته لوجهك فافرج عنا، فانصدع حتى تعارفوا. وقال الثالث كان لي أبوان هرمان وكانت لي غنم وكنت أطعمهما وأسقيهما ثم أرجع إلى غنمي فحبسني ذات يوم غيث فلم أبرح حتى أمسيت، فأتيت أهلي وأخذت محلبي فحلبت فيه ومضيت إليهما، فوجدتهما نائمين فشق علي أن أوقظهما، فتوقعت جالساً ومحلبي على يدي حتى أيقظهما الصبح فسقيتهما. اللهم إن كنت فعلته لوجهك فافرج عنا. ففرج الله عنهم فخرجوا وقد رفع ذلك نعمان بن بشير.
ابن كثير
تفسير : هذا إخبار من الله تعالى عن قصة أصحاب الكهف على سبيل الإجمال والاختصار، ثم بسطها بعد ذلك فقال: {أَمْ حَسِبْتَ} يعني: يا محمد {أَنَّ أَصْحَـٰبَ ٱلْكَهْفِ وَٱلرَّقِيمِ كَانُواْ مِنْ ءَايَـٰتِنَا عَجَبًا} أي: ليس أمرهم عجيباً في قدرتنا وسلطاننا؛ فإن خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار، وتسخير الشمس والقمر والكواكب، وغير ذلك من الآيات العظيمة الدالة على قدرة الله تعالى، وأنه على ما يشاء قادر، ولا يعجزه شيء، أعجب من أخبار أصحاب الكهف؛ كما قال ابن جريج عن مجاهد: {أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَـٰبَ ٱلْكَهْفِ وَٱلرَّقِيمِ كَانُواْ مِنْ ءَايَـٰتِنَا عَجَبًا} يقول: قد كان من آياتنا ما هو أعجب من ذلك. وقال العوفي عن ابن عباس: {أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَـٰبَ ٱلْكَهْفِ وَٱلرَّقِيمِ كَانُواْ مِنْ ءَايَـٰتِنَا عَجَبًا} يقول: الذي آتيتك من العلم والسنّة والكتاب أفضل من شأن أصحاب الكهف والرقيم، وقال محمد بن إسحاق: ما أظهرت من حججي على العباد أعجب من شأن أصحاب الكهف والرقيم، وأما الكهف فهو الغار في الجبل، وهو الذي لجأ إليه هؤلاء الفتية المذكورون، وأما الرقيم، فقال العوفي عن ابن عباس: هو واد قريب من أيلة، وكذا قال عطية العوفي وقتادة. وقال الضحاك: أما الكهف فهو غار في الوادي، والرقيم اسم الوادي، وقال مجاهد: الرقيم كان بنيانهم، ويقول بعضهم: هو الوادي الذي فيه كهفهم. وقال عبد الرزاق: أخبرنا الثوري عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس في قوله: الرقيم: كان يزعم كعب أنها القرية، وقال ابن جريج عن ابن عباس: الرقيم: الجبل الذي فيه الكهف، وقال ابن إسحاق عن عبد الله ابن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عباس قال: اسم ذلك الجبل بنجلوس، وقال ابن جريج: أخبرني وهب ابن سليمان عن شعيب الجبائي: أن اسم جبل الكهف بنجلوس، واسم الكهف حيزم، والكلب حمران. وقال عبد الرزاق: أنبأنا إسرائيل عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس قال: القرآن أعلمه، إلا حناناً والأواه والرقيم. وقال ابن جريج: أخبرني عمرو بن دينار أنه سمع عكرمة يقول: قال ابن عباس: ما أدري ما الرقيم؟ كتاب أم بنيان؟ وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: الرقيم: الكتاب. وقال سعيد ابن جبير: الرقيم: لوح من حجارة كتبوا فيه قصص أصحاب الكهف، ثم وضعوه على باب الكهف. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: الرقيم: الكتاب، ثم قرأ: {أية : كِتَـٰبٌ مَّرْقُومٌ} تفسير : [المطففين:9] وهذا هو الظاهر من الآية، وهو اختيار ابن جرير، قال: الرقيم فعيل بمعنى مرقوم، كما يقال للمقتول: قتيل، وللمجروح جريح، والله أعلم. وقوله: {إِذْ أَوَى ٱلْفِتْيَةُ إِلَى ٱلْكَهْفِ فَقَالُواْ رَبَّنَآ ءَاتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وَهَيِّىءْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا} يخبر تعالى عن أولئك الفتية الذين فروا بدينهم من قومهم لئلا يفتنوهم عنه، فهربوا منهم فلجؤوا إلى غار في جبل ليختفوا عن قومهم، فقالوا حين دخلوا سائلين من الله تعالى رحمته ولطفه بهم: {رَبَّنَآ ءَاتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً} أي: هب لنا من عندك رحمة ترحمنا بها، وتسترنا عن قومنا {وَهَيِّىءْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا} أي: وقدر لنا من أمرنا هذا رشداً، أي: اجعل عاقبتنا رشداً، كما جاء في الحديث «حديث : وما قضيت لنا من قضاء فاجعل عاقبته رشداً» تفسير : وفي المسند من حديث بسر بن أرطاة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يدعو: «حديث : اللهم أحسن عاقبتنا في الأمور كلها، وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة».تفسير : وقوله: {فَضَرَبْنَا عَلَىٰ ءَاذَانِهِمْ فِي ٱلْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا} أي: ألقينا عليهم النوم حين دخلوا إلى الكهف، فناموا سنين كثيرة، {ثُمَّ بَعَثْنَـٰهُمْ} أي: من رقدتهم تلك، وخرج أحدهم بدراهم معه ليشتري لهم بها طعاماً يأكلونه كما سيأتي بيانه وتفصيله، ولهذا قال: {ثُمَّ بَعَثْنَـٰهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الحِزْبَيْنِ} أي: المختلفين فيهم {أَحْصَىٰ لِمَا لَبِثُواْ أَمَدًا} قيل: عدداً، وقيل: غاية، فإنّ الأمد الغاية، كقوله:شعر : سَبْق الجَوادِ إذا اسْتَوْلى على الأَمَدِ
المحلي و السيوطي
تفسير : {أَمْ حَسِبْتَ } أي ظننت {أَنَّ أَصْحَٰبَ ٱلْكَهْفِ } الغار في الجبل {وَٱلرَّقِيمِ } اللوح المكتوب فيه أسماؤهم وأنسابهم وقد سئل صلى الله عليه وسلم عن قصتهم {كَانُواْ } في قصتهم {مِنْ } جملة {ءَايَٰتِنَا عَجَبًا} خبر (كان) وما قبله حال، أي كانوا عجباً دون باقي الآيات أو أعجبها؟ ليس الأمر كذلك.
الشوكاني
تفسير : قوله: {أَمْ حَسِبْتَ } "أم": هي المنقطعة المقدّرة ببل والهمزة عند الجمهور، وببل وحدها عند بعضهم والتقدير: بل أحسبت، أو بل حسبت، ومعناها: الانتقال من حديث إلى حديث آخر، لا لإبطال الأول والإضراب عنه كما هو معنى بل في الأصل. والمعنى: أن القوم لما تعجبوا من قصة أصحاب الكهف وسألوا عنها الرسول على سبيل الامتحان، قال سبحانه: بل أظننت يا محمد أنهم كانوا عجباً من آياتنا فقط؟ لا تحسب ذلك فإن آياتنا كلها عجب، فإن من كان قادراً على جعل ما على الأرض زينة لها للابتلاء، ثم جعل ما عليها صعيداً جرزاً كأن لم تغن بالأمس، لا تستبعد قدرته وحفظه ورحمته بالنسبة إلى طائفة مخصوصة، وإن كانت قصتهم خارقة للعادة، فإن آيات الله سبحانه كذلك وفوق ذلك. و {عَجَبًا } منتصبة على أنه خبر كان أي: ذات عجب، أو موصوفة بالعجب مبالغة، و{من آياتنا} في محل نصب على الحال، و {إِذْ أَوَى ٱلْفِتْيَةُ } ظرف لحسبت أو لفعل مقدّر، وهو أذكر، أي: صاروا إليه وجعلوه مأواهم، والفتية: هم أصحاب الكهف، والكهف: هو الغار الواسع في الجبل، فإن كان صغيراً سمي غاراً، والرقيم قال كعب والسدّي: إنه اسم القرية التي خرج منها أصحاب الكهف. وقال سعيد بن جبير ومجاهد: إنه لوح من حجارة أو رصاص رقمت فيه أسماؤهم جعل على باب الكهف. قال الفراء: ويروى أنه إنما سمي رقيماً لأن أسماءهم كانت مرقومة فيه. والرقم: الكتابة. وروي مثل ذلك عن ابن عباس. ومنه قول العجاج في أرجوزة له:شعر : ومستقرى المصحف الرقيم تفسير : وقيل: إن الرقيم: اسم كلبهم، وقيل: هو اسم الوادي الذي كانوا فيه، وقيل: اسم الجبل الذي فيه الغار. قال الزجاج: أعلم الله سبحانه أن قصة أصحاب الكهف ليست بعجيبة من آيات الله، لأن خلق السمٰوات والأرض وما بينهما أعجب من قصة أصحاب الكهف {فَقَالُواْ رَبَّنَا ءاتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً } أي: من عندك، و"من" ابتدائية متعلقة بـ {آياتنا}، أو لمحذوف وقع حالاً، والتنوين في {رحمة}: إما للتعظيم أو للتنويع، وتقديم {من لدنك} للاختصاص أي: رحمة مختصة بأنها من خزائن رحمتك، وهي: المغفرة في الآخرة والأمن من الأعداء، والرزق في الدنيا {وَهَيّىء لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا } أي: أصلح لنا، من قولك هيأت الأمر فتهيأ، والمراد بأمرهم: الأمر الذي هم عليه وهو مفارقتهم للكفار، والرشد: نقيض الضلال، و"من" للابتداء. ويجوز أن تكون للتجريد كما في قولك: رأيت منك رشداً. وتقدم المجرورين للاهتمام بهما. {فَضَرَبْنَا عَلَىٰ ءاذَانِهِمْ } قال المفسرون: أنمناهم. والمعنى: سددنا آذانهم بالنوم الغالب عن سماع الأصوات، والمفعول محذوف أي: ضربنا على آذانهم الحجاب تشبيهاً للإنامة الثقيلة المانعة من وصول الأصوات إلى الآذان بضرب الحجاب عليها، و {فِى ٱلْكَهْفِ } ظرف لضربنا، وانتصاب {سِنِينَ } على الظرفية، و {عَدَدًا } صفة لسنين، أي: ذوات عدد على أنه مصدر، أو بمعنى: معدودة على أنه لمعنى المفعول، ويستفاد من وصف السنين بالعدد الكثرة. قال الزجاج: إن الشيء إذا قلّ فهم مقدار عدده فلم يحتج إلى العدد، وإن كثر احتاج إلى أن يعدّ. وقيل: يستفاد منه التقليل لأن الكثير قليل عند الله: {أية : وَإِنَّ يَوْماً عِندَ رَبّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مّمَّا تَعُدُّونَ } تفسير : [الحج: 47]. {ثُمَّ بَعَثْنَـٰهُمْ } أي: أيقظناهم من تلك النومة {لنعلم} أي: ليظهر معلومنا، وقرىء بالتحتية مبنياً للفاعل على طريقة الالتفات، و {أَيُّ الحِزْبَيْنِ } مبتدأ معلق عنه العلم لما في أيّ من الاستفهام، وخبره {أَحْصَىٰ } وهو فعل ماض، قيل: والمراد بالعلم الذي جعل علة للبعث هو: الاختبار مجازاً فيكون المعنى: بعثناهم لنعاملهم معاملة من يختبرهم، والأولى ما ذكرناه من أن المراد به ظهور معلوم الله سبحانه لعباده، والمراد بالحزبين: الفريقان من المؤمنين والكافرين من أصحاب الكهف المختلفين في مدة لبثهم. ومعنى أحصى: أضبط. وكأنه وقع بينهم تنازع في مدة لبثهم في الكهف، فبعثهم الله ليتبين لهم ذلك، ويظهر من ضبط الحساب ممن لم يضبطه، و"ما" في {لِمَا لَبِثُواْ } مصدرية، أي: أحصى للبثهم، وقيل: اللام زائدة، و"ما" بمعنى: الذي، و {أَمَدًا } تمييز، والأمد: الغاية، وقيل: إن {أحصى} أفعل تفضيل. وردّ بأنه خلاف ما تقرر في علم الإعراب، وما ورد من الشاذ لا يقاس عليه كقولهم: أفلس من ابن المذلق، وأعدى من الجرب. وأجيب بأن أفعل التفضيل من المزيد قياس مطرد عند سيبويه وابن عصفور، وقيل: إنهم الحزبين هم أصحاب الكهف اختلفوا بعد انتباههم كم لبثوا، وقيل: إن أصحاب الكهف حزب وأصحابهم حزب. وقال الفراء: إن طائفتين من المسلمين في زمان أصحاب الكهف اختلفوا في مدة لبثهم {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نبَأَهُم بِٱلْحَقّ } هذا شروع في تفصيل ما أجمل في قوله: {إِذْ أَوَى ٱلْفِتْيَةُ } أي: نحن نخبرك بخبرهم بالحق، أي: قصصناه بالحق، أو متلبساً بالحق {إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ } أي: أحداث شبان، و {آمنوا بربهم} صفة لـ {فتية}. والجملة مستأنفة بتقدير سؤال. والفتية جمع قلة، و {زِدْنَاهُمْ هُدًى} بالتثبيت والتوفيق، وفيه التفات من الغيبة إلى الخطاب. {وَرَبَطْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ } أي: قويناها بالصبر على هجر الأهل والأوطان، وفراق الخلان والأخدان {إِذْ قَامُواْ } الظرف منصوب بربطنا. واختلف أهل التفسير في هذا القيام على أقوال فقيل: إنهم اجتمعوا وراء المدينة من غير ميعاد، فقال رجل منهم هو أكبر القوم: إني لأجد في نفسي شيئاً، إن ربي ربّ السمٰوات والأرض، فقالوا: ونحن أيضاً كذلك نجد في أنفسنا، فقاموا جميعاً {فَقَالُواْ رَبُّنَا رَبُّ * ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلاْرْضَ } قاله مجاهد. وقال أكثر المفسرين: إنه كان لهم ملك جبار يقال له: دقيانوس، وكان يدعو الناس إلى عبادة الطواغيت، فثبت الله هؤلاء الفتية وعصمهم حتى قاموا بين يديه {فَقَالُواْ رَبُّنَا رَبُّ * ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلاْرْضَ } وقال عطاء ومقاتل: إنهم قالوا ذلك عند قيامهم من النوم {لَن نَّدْعُوَاْ مِن دُونِهِ إِلـٰهاً } أي: لن نعبد معبوداً آخر غير الله لا اشتراكاً ولا استقلالاً {لَّقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا } أي: قولاً ذا شطط، أو قولاً هو نفس الشطط لقصد المبالغة بالوصف بالمصدر، واللام هي: الموطئة للقسم، والشطط: الغلو ومجاوزة الحد. قال أعشى بن قيس: شعر : أتنتهون ولن ينهى ذوي شطط كالطعن يذهب فيه الزيت والفتل تفسير : {هَـؤُلاء قَوْمُنَا ٱتَّخَذْواْ مِن دُونِهِ ءالِهَةً } هٰؤلاء مبتدأ، وخبره {اتخذوا}، و{قومنا} عطف بيان، وفي هذا الإخبار معنى للإنكار، وفي الإشارة إليهم تحقير لهم {لَّوْلاَ يَأْتُونَ عَلَيْهِم بِسُلْطَـٰنٍ بَيّنٍ } أي: هلا يأتون بحجة ظاهرة تصلح للتمسك بها {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا } فزعم أن له شريكاً في العبادة أي: لا أحد أظلم منه. {وَإِذِ ٱعْتَزَلْتُمُوهُمْ } أي: فارقتموهم وتنحيتم عنهم جانباً، أي: عن العابدين للأصنام، وقوله: {وَمَا يَعْبُدُونَ إَلاَّ ٱللَّهَ } معطوف على الضمير المنصوب، و"ما" موصولة أو مصدرية أي: وإذ اعتزلتموهم واعتزلتم معبودهم أو الذي يعبدونه، وقوله: {إِلاَّ ٱللَّهُ } استثناء منقطع على تقدير: أنهم لم يعبدوا إلا الأصنام، أو متصل على تقدير: أنهم شركوها في العبادة مع الله سبحانه وقيل: هو كلام معترض إخبار من الله سبحانه عن الفتية أنهم لم يعبدوا غير الله فتكون ما على هذا نافية {فَأْوُواْ إِلَى ٱلْكَهْفِ } أي: صيروا إليه واجعلوه مأواكم. قال الفراء: هو جواب إذ، ومعناه: اذهبوا إليه واجعلوه مأواكم، وقيل: هو دليل على جوابه، أي إذ اعتزلتموهم اعتزالاً اعتقادياً، فاعتزلوهم اعتزالاً جسمانياً، وإذا أردتم اعتزالهم فافعلوا ذلك بالالتجاء إلى الكهف {يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مّن رَّحْمَتِهِ } أي: يبسط ويوسع {وَيُهَيّىء لَكُمْ مّنْ أَمْرِكُمْ مّرْفَقًا } أي يسهل وييسر لكم من أمركم الذي أنتم بصدده {مّرْفَقًا } المرفق بفتح الميم وكسرها لغتان قرىء بهما، مأخوذ من الارتفاق وهو الانتفاع، وقيل: فتح الميم أقيس، وكسرها أكثر. قال الفراء: وأكثر العرب على كسر الميم من الأمر ومن مرفق الإنسان، وقد تفتح العرب الميم فيهما فهما لغتان، وكأن الذين فتحوا أرادوا أن يفرقوا بين المرفق من الأمر، والمرفق من الإنسان. وقال الكسائي: الكسر في مرفق اليد، وقيل: المرفق بالكسر: ما ارتفقت به، والمرفق بالفتح: الأمر الرافق، والمراد هنا: ما يرتفقون به وينتفعون بحصوله، والتقديم في الموضعين يفيد الاختصاص. وقد أخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم من طريق عليّ بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: الرقيم: الكتاب. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم من طريق العوفيّ عنه قال: الرقيم: وادٍ دون فلسطين قريب من أيلة. والراويان عن ابن عباس ضعيفان. وأخرج ابن جرير من طريق ابن جريج عنه أيضاً قال: هو الجبل الذي فيه الكهف. وأخرج ابن المنذر عنه، قال: والله ما أدري ما الرقيم الكتاب أم بنيان؟ وفي رواية عنه من طريق أخرى قال: وسألت كعباً فقال: اسم القرية التي خرجوا منها. وأخرج ابن أبي حاتم عن أنس قال: الرقيم: الكلب. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {كَانُواْ مِنْ ءايَـٰتِنَا عَجَبًا } يقول: الذي آتيتك من العلم والسنّة والكتاب أفضل من شأن أصحاب الكهف والرقيم. وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: {فَضَرَبْنَا عَلَىٰ ءاذَانِهِمْ } يقول: أرقدناهم {ثُمَّ بَعَثْنَـٰهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الحِزْبَيْنِ } من قوم الفتية، أهل الهدى، وأهل الضلالة {أَحْصَىٰ لِمَا لَبِثُواْ }، وذلك أنهم كتبوا اليوم الذي خرجوا فيه والشهر والسنة. وأخرج ابن أبي حاتم عن الربيع بن أنس في قوله: {وَزِدْنَـٰهُمْ هُدًى } قال: إخلاصاً. وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: {وَرَبَطْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ } قال: بالإيمان وفي قوله: {لَّقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا } قال: كذباً. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدّي قال: جوراً. وأخرج سعيد بن منصور، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن عطاء الخراساني في قوله: {وَإِذِ ٱعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إَلاَّ ٱللَّهَ } قال: كان قوم الفتية يعبدون الله ويعبدون معه آلهة شتى، فاعتزلت الفتية عبادة تلك الآلهة ولم تعتزل عبادة الله. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن قتادة في الآية قال: هي في مصحف ابن مسعود، وما يعبدون من دون الله، فهذا تفسيرها.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجباً} أما الكهف فهو غار في الجبل الذي أوى إليه القوم. وأما الرقيم ففيه سبعة أقاويل: أحدها: أنه اسم القرية التي كانوا منها، قاله ابن عباس. الثاني: أنه اسم الجبل، قاله الحسن. الثالث: أنه اسم الوادي، قاله الضحاك. قال عطية العوفي: هو واد بالشام نحو إبلة وقد روي أن اسم جبل الكهف بناجلوس، واسم الكهف ميرم واسم المدينة أفسوس، واسم الملك وفيانوس. الرابع: أنه اسم كلبهم. قاله سعيد بن جبير، وقيل هو اسم لكل كهف. الخامس: أن الرقيم الكتاب الذي كتب فيه شأنهم، قاله مجاهد. ماخوذ من الرقم في الثوب. وقيل كان الكتاب لوحاً من رصاص على باب الكهف، وقيل في خزائن الملوك لعجيب أمرهم. السادس: الرقيم الدواة بالرومية، قاله أبو صالح. السابع: أن الرقيم قوم من أهل الشراة كانت حالهم مثل حال أصحاب الكهف، قاله سعيد بن جبير. {كانوا مِنْ آياتنا عجباً} فيه وجهان: أحدهما: معناه ما حسبت أنهم كانوا من آياتنا عجباً لولا أن أخبرناك وأوحينا إليك. الثاني: معناه أحسبت أنهم أعجب آياتنا وليسوا بأعجب خلقنا، قاله مجاهد. قوله عز وجل: {إذ أوى الفتية إلى الكهف} اختلف في سبب إيوائهم إليه على قولين: أحدهما: أنهم قوم هربوا بدينهم إلى الكهف، قاله الحسن. {فقالوا ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيىء لنا من أمرِنا رشداً}. الثاني: أنهم أبناء عظماء وأشراف خرجوا فاجتمعوا وراء المدينة على غير ميعاد، فقال أسَنُّهم: إني أجد في نفسي شيئاً ما أظن أحداً يجده، إن ربي رب السموات والأرض، {فقالوا} جميعاً {ربُّنا ربُّ السموات والأرض لن ندعوا من دونه إلهاً لقد قلنا إذاً شَطَطَاً} ثم دخلوا الكهف فلبثوا فيه ثلاثمائةٍ سنين وازدادوا تسعاً، قاله مجاهد. قال ابن قتيبة: هم أبناء الروم دخلوا الكهف قبل عيسى، وضرب الله تعالى على آذنهم فيه، فلما بعث الله عيسى أخبر بخبرهم، ثم بعثهم الله تعالى بعد عيسى في الفترة التي بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم. وفي {شططاً} ثلاثة أوجه: أحدها: كذباً، قاله قتادة. الثاني: غلوّاً، قاله الأخفش. الثالث: جوراً، قاله الضحاك. قوله عز وجل: {فضربنا على آذانهم في الكهف سنين عدداً} والضرب على الآذان هو المنع من الاستماع، فدل بهذا على أنهم لم يموتوا وكانوا نياماً، {سنين عدداً} فيه وجهان: أحدهما: إحصاء. الثاني: سنين كاملة ليس فيها شهور ولا أيام. وإنما ضرب الله تعالى على آذانهم وإن لم يكن ذلك من أسباب النوم لئلا يسمعوا ما يوقظهم من نومهم. قوله عز وجل: {ثم بعثناهم} الآية. يعني بالعبث إيقاظهم من رقدتهم. {لنِعلَم} أي لننظر {أي الحزبين أحصى لما لبثوا أمداً} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: عدداً، قاله مجاهد. الثاني: أجلاً، قاله مقاتل. الثالث: الغاية، قاله قطرب. وفي الحزبين أربعة أقاويل: أحدها: أن الحزبين هما المختلفان في أمرهم من قوم الفتية، قاله مجاهد. الثاني: أن أحد الحزبين الفتية، والثاني: من حضرهم من أهل ذلك الزمان. الثالث: أن أحد الحزبين مؤمنون، والآخر كفار. الرابع: أن أحد الحزبين الله تعالى، والآخر الخلق، وتقديره: أنتم أعلم أم الله.
ابن عبد السلام
تفسير : {الْكَهْفِ} غار في الجبل الذي أووا إليه. {وَالرَّقِيمِ} اسم ذلك الجبل، أو اسم قريتهم، أو كلبهم، أو لكل كلب، أو الوادي، وقيل هو وادٍ بالشام نحو أيلة، أو الكتاب الذي فيه شأنهم من رقم الثوب، وكان لوحاً من رصاص على باب الكهف، أو في خزائن الملوك لعجيب أمرهم، أو الدواة بالرومية، أو قوم من أهل السراة كانت حالهم كحال أصحاب الكهف، قاله سعيد {عَجَباً} ما حسبت أنهم كانوا عجباً لولا أخبرناك وأوحينا إليك، أو أحسبت أنهم أعجب آياتنا وليسوا بأعجب خلقنا.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَـٰبَ ٱلْكَهْفِ وَٱلرَّقِيمِ كَانُواْ مِنْ آيَـٰتِنَا عَجَبًا }، أي: ليسوا بعجب من آياتِ اللَّهِ، أي فلا يَعْظُمْ ذلك عليك بحسب ما عَظَّمه السائلون، فإِن سائر آيات اللَّه أعظَمُ من قصتهم، وهو قول ابن عباس وغيره، واختلف الناس في {الرَّقِيمِ} ما هو؟ اختلافاً كثيراً، فقيل: «الرقيم» كتابٌ في لوحِ نُحَاسٍ، وقيل: في لوحِ رَصَاصٍ، وقيل: في لوحِ حجارةٍ كتبوا فيه قصَّة أهْل الكهفِ، وقيل غير هذا، وروي عن ابن عباس؛ أنه قال: ما أدْرِي مَا الرَّقِيم؟ قال * ع *: ويظهر من هذه الرواياتِ؛ أنهم كانوا قوماً مؤَرِّخين، وذلك مِنْ نُبْل المملكة، وهو أمر مفيدٌ. وقوله سبحانه: {إِذْ أَوَى ٱلْفِتْيَةُ إِلَى ٱلْكَهْفِ }: {ٱلْفِتْيَةُ }، فيما روي؛ قوم من أبناء أشرافِ مدينةِ دِقْيُوس المَلِكِ الكافِرِ، ويقال فيه «دقيانوس»، وروي أنهم كانوا مُطَوَّقين مسَوَّرين بالذهب، وهم من الروم، واتبعوا دينَ عيسَى، وقيل: كانوا قبل عيسَى، واختلف الرواةُ في قصصهم، ونذْكُر من الخلافِ عُيُونَه، وما لا تستغني الآية عنه: فروي عن مجاهدٍ عن ابن عباس، أن هؤلاء الفتية كانوا في دينِ مَلِكٍ يعبد الأصنام، فوقَع للفتيةِ عِلْمٌ من بعض الحواريِّين، حَسْبما ذكره النَّقَّاش، أو من مؤمني الأمم قبلهم، فآمنوا باللَّه، ورأَوا ببصائرهم قَبِيحَ فعْل الناس، فرفع أمرهم إِلى المَلِك، فاستحضَرَهُمْ، وأمرهم بالرجُوعِ إِلى دينه، فقالوا له فيما رُوِيَ: { أية : رَبُّنَا رَبُّ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ... } تفسير : [الكهف:14] الآية، فقال لهم الملك: إِنَّكُمْ شُبَّانٌ أغْمَارٌ، لا عَقْل لكم، وأَنا لا أعْجَلُ عليكم، وضَرَبَ لهم أجلاً ثم سافر خِلاَلَ الأجَلِ، فتشاور الفتْيَةُ في الهروبِ بأديانهم، فقال لهم أحَدُهم: إِني أعْرِفُ كهْفاً في جَبَلِ كذا، فلنذهب إِليه. وروت فرقةٌ إنَّ أمر أصحاب الكهْف إنما كان أنهم من أبناء الأشْرَافِ، فحضر عيدٌ لأهْلِ المدينة، فرأى الفتْيَةُ ما ينتحله الناسُ في ذلك العِيدِ من الكُفْرِ وعبَادة الأصنام، فوقع الإِيمانُ في قلوبهم، وأجمعوا على مفارقة دِينِ الكَفَرة، وروي أنهم خَرَجُوا، وهُمْ يلعبون بالصَّوْلَجَانِ والكَرة، وهم يدحرجونها إِلى نحو طريقهم؛ لئلاَّ يشعر الناس بهم؛ حتى وصلوا إِلى الكهف، وأما الكلب فرِوِيَ أنه كان كَلْبَ صيدٍ لبعضهم، وروي أنهم وجدوا في طريقهم رَاعياً له كلْبٌ، فٱتبعهم الراعي على رأيهم، وذهب الكلْبُ معهم، فدخلوا الغَارَ، فروت فرقة أن اللَّه سبحانه ضَرَبَ على آذانهم عند ذلك، لما أراد مِنْ سَتْرهم وخَفِيَ على أهْل المملكة مكانُهم، وعَجِبَ الناسُ من غَرَابة فَقْدهم، فأرَّخوا ذلك ورقَّموه في لوحَيْنِ من رصاصٍ أو نحاسٍ، وجعلوه على باب المدينةِ، وقيل على الرواية: إِن الملك بَنَى باب الغار، وإِنهم دفنوا ذلك في بِنَاءِ الملِك على الغار، وروت فرقة، أن المَلِك لما علم بذَهَاب الفتية، أَمَرَ بقَصِّ آثارهم إِلى باب الغار، وأمر بالدخول عليهم، فهَابَ الرجالُ ذلك، فقال له بعضُ وزرائه: «أَلَسْتَ أيها المَلِكُ إِن أخرجتَهم قتلَتهم؟ قال: نعم، قال: فأيُّ قِتْلة أبلغُ من الجُوع والعَطَش، ٱبْنَ عليهم باب الغارِ، ودعْهم يموتوا فيه، ففعل، وقد ضَرَبَ اللَّه على آذانهم كما تقدَّم، ثم أخبر اللَّه سبحانه عن الفتْيَة أنهم لما أَوَوْا إِلى الكَهْف، أي: دخلوه وجعلوه مأوًى لهم وموضعَ ٱعتصامٍ دَعَوُا اللَّه تعالى بأن يؤتيهم من عنده رحمةً، وهي الرْزقُ فيما ذكره المفسِّرون، وأن يهيِّىء لهم من أمرهم رَشَدَاً؛ خلاصاً جميلاً، وهذا الدعاء منهم كان في أمر دنياهم، وألفاظهم تقتضي ذلك، وقد كانوا على ثقةٍ من رَشَدِ الآخرة ورحمتها، وينبغي لكُلِّ مؤمن أنْ يجعَلَ دعاءه في أمر دنياه بهذه الآية الكريمة فقطْ؛ فإنها كافية، ويحتمل ذكر الرحمة أن يراد بها أمْر الآخرة.
ابن عادل
تفسير : قوله: {أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ ٱلْكَهْفِ وَٱلرَّقِيمِ كَانُواْ مِنْ ءَايَاتِنَا عَجَباً} الآية. معناها: أظننت، يا محمد، أنَّ أصحاب الكهف والرَّقيم كانوا من آياتنا عجباً. وقيل: معناه أنَّهم ليسوا بأعجب من آياتنا؛ فإنَّ ما خلقت من السموات والأرض وما فيهن من العجائب أعجبُ منهم، فكيف يستبعدُ من قدرته ورحمته حفظ طائفة مدة ثلاثمائة سنةٍ وأكثر؟ هذا وجه النظم. وقد تقدَّم سببُ نزولِ قصَّة أصحاب الكهف عند قوله: {أية : وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلرُّوحِ}تفسير : [الإسراء: 85]. والكهف هو الغار في الجبل وقيل: مطلق الغار، وقيل: هو ما اتسع في الجبل، فإن لم يتَّسِعْ، فهو غارٌ، والجمع "كُهُوف" في الكثرة، و "أكْهُفٌ" في القِلَّةِ. والرَّقيم: قيل: بمعنى مرقوم. وعلى هذا قال أهل المعاني: الرَّقيمُ الكتاب. ومنه قوله: {أية : كِتَابٌ مَّرْقُومٌ}تفسير : [المطففين: 9] أي: مكتوب. قال الفراء: الرقيم لوحٌ كان فيه أسماؤهم وصفاتهم، وسمِّي رقيماً؛ لأنَّ أسماءهم كانت مرقومة فيه. قال سعيد بن جبيرٍ، ومجاهدٌ: كان لوحاً من حجارةٍ، وقيل: من رصاصٍ، كتبنا فيه أسماءهم وصفاتهم، وشدَّ ذلك اللَّوح على باب الكهف، وهو أظهر الأقوال. وقيل: بمعنى راقم، وقيل: هو اسم الكلب الذي لأصحاب الكهفِ، وأنشدوا لأمية بن أبي الصَّلت: [الطّويل] شعر : 3486- وليْسَ بِهَا إلاَّ الرَّقيمُ مُجاوِراً وصِيدَهُمُ، والقَوْمُ بالكهْفِ هُمَّدُ تفسير : وروى عكرمة عن ابن عبَّاس أنَّه قال: كلُّ القرآن معلومٌ إلا أربعة: غسلين، وحناناً، والأوَّاه، والرَّقيم. وروى عكرمة عن ابن عبَّاس أنه سئل عن الرَّقيم فقال: زعم كعبٌ أنَّها القرية التي خرجوا منها، وهو قول السديِّ. وحكي عن ابن عباس: أنَّه اسمٌ للوادي الذي فيه أصحاب الكهف، وعلى هذا هو من رقمة الوادي، وهو جانبه. وقيل: اسم للجبلِ الذي فيه الكهف. قوله: {أَمْ حَسِبْتَ}: "أم" هذه منقطعة، فتقدَّر بـ "بل" التي للانتقال، لا للإبطال، وبهمزة الاستفهام عند جمهور النحاة، و "بل" وحدها أو بالهمزة وحدها عند غيرهم، وتقدَّم تحقيق القولِ فيها. و "أنَّ" وما في حيِّزها سادَّةٌ مسدَّ المفعولين، أو أحدهما، على الخلافِ المشهور. قوله: "عَجَباً" يجوز أن تكون خبراً، و "مِنْ آيَاتِنَا" حالٌ منه، وأن يكون خبراً ثانياً، و "مِنْ آيَاتِنَا" خبراً أوَّل، وأن يكون "عجباً" حالاً من الضمير المستتر في "من آيَاتِنَا" لوقوعه خبراً، ووحِّد، وإن كان صفة في المعنى لجماعة؛ لأن أصله المصدر قال ابن الخطيب: عجباً، و "العجب" ها هنا مصدر، سمِّي المفعول به، والتقدير: "كانوا معجوباً منهم" فسمُّوا بالمصدر. وقالوا: "عَجَباً" في الأصل صفة لمحذوفٍ، تقديره: آية عجباً، وقيل: على حذف مضافٍ، أي: آية ذات عجبٍ. قوله: {إِذْ أَوَى}: يجوز أن ينتصب بـ "عَجَباً" وأن ينتصب بـ "اذْكُرْ"؛ لأنه لا يجوز أن يكون "إذْ" ههنا متعلقاً بما قبله على تقدير "أمْ حَسِبْتَ"؛ لأنَّه كان بين النبي صلى الله عليه وسلم وبينهم مدة طويلة، فلم يتعلق الحسبان بذلك الوقت الذي أووا فيه إلى الكهف، بل يتعلق بمحذوفٍ. والتقدير: اذكر إذ أوى الفتيةُ إلى الكهف، والمعنى صاروا إليه، وجعلوهُ مأواهم، فقالوا: {رَبَّنَآ ءَاتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً} أي من خزائن رحمتك. قوله: "وهَيِّىء": العامة على همزة بعد الياء المشددة، وأبو جعفر وشيبة والزهريُّ بياءين: الثانية خفيفة، وكأنَّه أبدل الهمزة ياء، وإن كان سكونها عارضاً، ورُوِيَ عن عاصم "وهيِّ" بياءٍ مشددة فقط، فيحتمل أن يكون حذف الهمزة من أول وهلةٍ تخفيفاً، وأن يكون أبدلها؛ كما فعل أبو جعفرٍ، ثم أجرى الياء مجرى حرفِ العلَّة الأصليِّ، فحذفه، وإن كان الكثير خلافه، ومنه: شعر : 3487- جَرِيءٍ مَتَى يُظلمْ يُعَاقِبْ بظُلمهِ سَرِيعاً وإلاَّ يُبْدَ بالظُّلمِ يَظلِمِ تفسير : معنى "هيِّىء لنا" أصلح من قولك "هيَّأت الأمرَ، فتهيَّأ". وقرأ أبو رجاء "رُشداً" ها هنا بضم الراء وسكون الشين، وتقدم تحقيق ذلك في الأعراف، وقراءة العامة هنا أليق؛ لتوافق الفواصل. والتقدير: هيِّىء لنا أمراً ذا رشدٍ؛ حتَّى نكون بسببه راشدين مهتدين. وقيل: اجعل أمرنا رشداً كلَّهُ؛ كقولك: رَأيتُ منه رشداً. قوله: {فَضَرَبْنَا}: مفعوله محذوف، أي: ضربنا الحجاب المانع، و "عَلَى آذانِهم" استعارة للزوم النوم؛ كقول الأسود: [الكامل] شعر : 3488- ومَن الحَوادثِ لا أبَا لكِ أنَّنِي ضُربَتْ عليَّ الأرضُ بالأسْدادِ تفسير : وقال الفرزدق: [الكامل] شعر : 3489- ضَربتْ عَليْكَ العَنْكبُوتَ بِنَسْجِهَا وقضَى عَليْكَ بِهِ الكِتابُ المُنزَلُ تفسير : ونصَّ على الآذان؛ لأنَّ بالضَّرب عليها خصوصاً يحصل النُّومُ. وأمال "آذانهم". قوله: {فِي ٱلْكَهْفِ} وهو ظرف المكان، ومعنى الكلام: إنَّما هم في الكهف، واسمه خيرم، واسم الجبل الذي هو فيه [مخلوس]. وقوله: "سِنينَ" ظرف "زمان" لـ "ضَربْنَا" و "عَدداً" يجوز فيه أن يكون مصدراً، وأن يكون "فعلاً" بمعنى مفعول، أي من باب تسمية المفعول باسم المصدر، كالقبض والنَّقض. فعلى الأول: يجوز نصبه من وجهين: احدهما: النعت لـ "سنين" على حذف مضافٍ، أي: ذوات عدد، أو على المبالغة على سبيل التأكيد والنصب بفعلٍ مقدرٍ، أي: تعدُّ عدداً. وعلى الثاني: نعتٌ ليس إلا، أي: معدودة. فصل [ذكر العدد هنا على سبيل التأكيد] قال الزجاج: ذكر العدد ها هنا يفيد كثرة السِّنين، وكذلك كل شيءٍ ممَّا يعدُّ إذا ذكر فيه العددُ، ووصف به، أريد كثرته؛ لأنَّه إذا قلَّ، فهم مقداره بدون التعديد، أمَّا إذا كثر فهناك يحتاج إلى التعديد، فإذا قلت: أقمتُ أيَّاماً عدداً، أردتَّ به الكثرة. قوله: {ثُمَّ بَعَثنَاهُمْ لِنَعْلَمَ}. اللام لامُ الغرض؛ فيدل على أن أفعال الله تعالى معلَّلة بالأغراض، وقد تقدم الكلام فيه، ونظير هذه الآية في القرآن كثير، منها ما سبق في هذه السورة، وفي سورة البقرة: {أية : إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ ٱلرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ} تفسير : [البقرة: 143] وفي آل عمران: {أية : وَلَمَّا يَعْلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ} تفسير : [آل عمران: 142] وقوله: {أية : وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّىٰ نَعْلَمَ ٱلْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ} تفسير : [محمد: 31]. فصل وقال بعض العلماء: "لِنعلمَ" أي: علم المشاهدة. وقوله: {لِنَعْلَمَ}: متعلق بالبعث، والعامة على نون العظمة؛ جرياً على ما تقدم وقرأ الزهريُّ "ليَعْلم" بياء الغيبة، والفاعل الله تعالى، وفيه التفاتٌ من التكلم إلى الغيبة، ويجوز أن يكون الفاعل "أيُّ الحِزبينِ" إذا جعلناها موصولة، كما سيأتي. وقرىء "ليُعلمَ" مبنيًّا للمفعول، والقائم مقام الفاعل، قال الزمخشريُّ: "مضمون الجملة، كما أنه مفعول العلم". وردَّه أبو حيان بأنه ليس مذهب البصريين، وتقدم تحقيق هذا أول البقرة. وللكوفيين في قيام الجملة مقام الفاعل أو المفعولِ الذي لم يسمَّ فاعله: الجواز مطلقاً، و التفصيل بين ما تعلق به؛ كهذه الآية فيجوز، فالزمخشريُّ نحا نحوهم على قوليهم، وإذا جعلنا "أيُّ الحزبَينِ" موصولة، جاز أن يكون الفعل مسنداً إليه في هذه القراءة أيضاً؛ كما جاز إسناده إليه في القراءة قبلها. وقرىء "ليُعْلِمَ" بضم الياء، والفاعل الله تعالى، و المفعول الأول محذوف، تقديره: ليعلم الله الناس، و "أيُّ الحِزْبيْنِ" في موضع الثاني فقط، إن كانت عرفانية، وفي موضع المفعولين إن كانت يقينيَّة. وفي هذه القراءة فائدتان: إحداهما: أنَّ على هذا التقدير: لا يلزم إثبات العلم المتجدَّد لله، بل المقصود أنَّا بعثناهم؛ ليحصل هذا العلمُ لبعض الخلقِ. والثانية: أنَّ على هذا التقدير: يجب ظهور النَّصب في قوله "أيُّ" لكن لقائلٍ أن يقول الإشكال باقٍ؛ لأنَّ ارتفاع لفظة "أيُّ" بالابتداء لا بإسناده "ليُعْلِمَ" إليه. ولمجيبٍ بأن يجيب؛ فيقول: لا يمتنعُ اجتماعُ عاملين على معمولٍ واحدٍ؛ لأنَّ العوامل النحوية علاماتٌ ومعرفاتٌ، ولا يمتنع اجتماع معرفاتٍ كثيرة على شيءٍ واحد. قوله: "أحْصَى" يجوز فيه وجهان: أحدهما: أنه أفعلُ تفضيلٍ، وهو خبر لـ "أيُّهُم" و "أيُّهُم" استفهامية، وهذه الجملة معلقة للعلم قبلها، و "لِمَا لَبثُوا" حال من "أمَداً"، لأنه لو تأخَّر عنه، لكان نعتاً له، ويجوز أن تكون اللامُ على بابها من العلَّة، أي: لأجل، قاله أبو البقاء، ويجوز أن تكون زائدة، و "ما" مفعولة: إمَّا بـ "أحْصَى" على رأي من يعمل أفعل التفضيل في المفعول به، وإما بإضمار فعلٍ، و "أمداً" مفعول "لبثُوا" أو منصوبٌ بفعلٍ مقدرٍ يدلُّ عليه أفعل عند الجمهور، أو منصوب بنفس أفعل عند من يرى ذلك. والوجه الثاني: أن يكون "أحْصَى" فعلاً ماضياً [أي: أيهم ضبط أمداً لأوقات لبثهم] و "أمداً" مفعوله، و "لما لبثُوا" متعلق به، أو حال من "أمداً" أو اللام فيه مزيدة، وعلى هذا: فـ "أمداً" منصوب بـ "لبثُوا" و "ما" مصدريَّة، أو بمعنى "الذي" واختار الأول - أعني كون "أحْصى" للتفضيل - الزجاج والتبريزيُّ، واختار الثاني أبو عليٍّ والزمخشري وابن عطية، قال الزمخشري: "فإن قلت: فما تقول فيمن جعله من أفعل التفضيل؟ قلت: ليس بالوجه السديد، وذلك أن بناءه من غير الثلاثيِّ ليس بقياسٍ، ونحو "أعْدَى من الجَربِ" و "أفلسُ من ابنِ المُذلَّقِ" شادٌّ، و القياس على الشاذِّ في غير القرآن ممتنعٌ، فكيف به؟ ولأنَّ "أمَداً": إمَّا أن ينتصب بأفعل، وأفعلُ لا يعمل، وإمَّا أن ينتصب بـ "لَبِثُوا" فلا يسدُّ عليه المعنى، فإن زعمت أني أنصبه بفعلٍ مضمرٍ، كما أضمر في قوله: شعر : 3490- ................. وأضْرَبَ منَّا بالسُّيُوفِ القَوانِسَا تفسير : فقد أبعدتَّ المتناول؛ حيث أبَيْتَ أن يكون "أحْصَى" فعلاً، ثم رجعت مضطراً إلى تقديره". وناقشه أبو حيان فقال: "أمَّا دعواه أنَّه شاذٌّ، فمذهب سيبويه خلافه، وذلك أنَّ أفعل فيه ثلاثةُ مذاهب: الجواز مطلقاً، ويعزى لسيبويه، والمنع مطلقاً، وهو مذهبُ الفارسيِّ، والتفصيل: بين أن يكون همزته للتعديةِ، فيمتنع، وبين ألاَّ تكون، فيجوز، وهذا ليست الهمزة فيه للتعدية، وأما قوله: "أفْعَلُ لا يَعْملُ" فليس بصحيح؛ لأنه يعمل في التمييز، و "أمَداً" تمييزٌ لا مفعولٌ به، كما تقول: زيدٌ أقطع النَّاس سيفاً، وزيدٌ أقطع للْهَامِ سَيْفاً". فصل قال شهاب الدين: الذي أحوج الزمخشريَّ إلى عدمِ جعله تمييزاً، مع ظهوره في بادىء الرأي عدم صحَّة معناه، وذلك: أنَّ التمييز شرطه في هذا الباب: أن تصحَّ نسبةُ ذلك الوصفِ الذي قبله إليه، ويتَّصف به؛ ألا ترى إلى مثاله في قوله: "زَيْدٌ أقطعُ النَّاس سَيْفاً" كيف يصحُّ أن يسند إليه، فيقال: زيدٌ قطع سيفه، وسيفه قاطعٌ، إلى غير ذلك، وهنا ليس الإحصاء من صفة الأمدِ، ولا تصحُّ نسبته إليه، وإنَّما هو من صفات الحزبين، وهو دقيق. وكان أبو حيان نقل عن ابي البقاء نصبه على التمييز، وأبو البقاء لم يذكر نصبه على التمييز حال جعله "أحْصَى" أفعل تفضيلٍ، وإنما ذكر ذلك حين ذكر أنه فعل ماضٍ، قال أبو البقاء: في أحصى وجهان: أحدهما: هو فعلٌ ماضٍ، و "أمَداً" مفعوله. و "لما لبثُوا" نعتُ له، قدِّم، فصار حالاً، أو مفعولاً له، أي: لأجل لبثهم، وقيل: اللام زائدة و "ما" بمعنى "الذي" و "أمداً" مفعول "لَبِثُوا" وهو خطأ، وإنما الوجه أن يكون تمييزاً، والتقدير: لما لبثوهُ. والوجه الثاني: هو اسم، و "أمداً" منصوب بفعلٍ دلَّ عليه الاسم انتهى، فهذا تصريح بأنَّ "أمَداً" حال جعله "أحْصَى" اسماً، ليس بتمييز بل مفعول به بفعل مقدر، وأنه جعله تمييزاً عن "لبثُوا" كما رأيت. ثم قال أبو حيَّان: "وأمَّا قوله وإمَّا أن ينصب بـ "لبثُوا" فلا يسدُّ عليه المعنى، أي: لا يكون معناه سديداً، فقد ذهب الطبريُّ إلى أنه منصوب بـ "لبِثوا" قال ابن عطيَّة: "وهو غير متَّجهٍ" انتهى، وقد يتَّجه: وذلك أنَّ الأمد هو الغاية، ويكون عبارة عن المدَّة من حيث إنَّ المدَّة غاية هي أمد المدَّة على الحقيقة، و "ما" بمعنى "الذي" و "أمداً" منصوب على إسقاط الحرف، وتقديره: لما لبثوا من أمدٍ، أي: من مدة، ويصير "مِنْ أمدٍ" تفسيراً لما أبهم من لفظ "ما" كقوله: {أية : مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ} تفسير : [البقرة: 106] {أية : مَّا يَفْتَحِ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ} تفسير : [فاطر: 2] ولمَّا سقط الحرف، وصل إليه الفعل". قال شهاب الدين: يكفيه أنَّ مثل ابن عطيَّة جعله غير متَّجهٍ، وعلى تقدير ذلك، فلا نسلِّم أن الطبري عنى نصبه بـ "لَبِثُوا" مفعولاً به، بل يجوز أن يكون عنى نصبه تمييزاً؛ كما قاله أبو البقاء. ثم قال: وأمَّا قوله: فإنْ زَعَمْتَ إلى آخره، فنقول: لا يحتاج إلى ذلك؛ لأنَّ لقائل ذلك أن يذهب مذهب الكوفيين في أنَّه ينصب "القَوانِسَ" بنفس "أضْرَبُ" ولذلك جعل بعض النحاة أنَّ "أعْلَمُ" ناصب لـ "مَنْ" في قوله: {أية : أَعْلَمُ مَن يَضِلُّ} تفسير : [الأنعام: 117]، وذلك لأنَّ أفعل مضمَّن لمعنى المصدر؛ إذ التقدير: "يزيدُ ضَرْبنَا القَوانِسَ على ضَرْبِ غَيْرنا". قال شهاب الدين: هذا مذهبٌ مرجوحٌ، وأفعل التفضيل ضعيف، ولذلك قصر عن الصفةِ المشبهة باسم الفاعل؛ حيث لم يؤنَّث، ولم يثنَّ، ولم يجمع. وإذا جعلنا "أحْصَى" اسماً فجوَّز أبو حيان في "أي" أن تكون الموصولة، و "أحْصَى" خبر لمبتدأ محذوف، هو عائدها، وأنَّ الضمة للبناء على مذهب سيبويه لوجود شرط البناء، وهو إضافتها لفظاً، وحذف صدر صلتها، وهذا إنما يكون على جعل العلم بمعنى العرفان؛ لأنَّه ليس في الكلام إلا مفعولٌ واحدٌ، وتقدير آخر لا حاجة إليه، إلا أنَّ في إسناد "عَلِمَ" بمعنى عرف إلى الله تعالى إشكالاً تقدَّم تحريره في الأنفالِ وغيرها، وإذا جعلناه فعلاً، امتنع أن تكون موصولة؛ إذ لا وجه لبنائها حينئذ، وهو حسن. فصل في المراد بالحزبين روى عطاءٌ عن ابن عبَّاس أنَّ المراد بالحزبين الملوك الذين تداولوا المدينة ملكاً بعد ملك، فأصحاب الكهف حزبٌ، والملوك حزبٌ. وقال مجاهدٌ: "الحزبين" من قوم الفتية؛ لأنَّهم لما انتبهوا، اختلفوا في أنَّهم كم ناموا؛ لقوله تعالى: {أية : قَالَ قَآئِلٌ مِّنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُواْ لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُواْ رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ}تفسير : [الكهف: 19]. وكأنَّ الذين قالوا: "ربُّكُمْ أعلم بِمَا لَبثْتُم" هم الذين علمُوا بطول مكثهم. وقال الفراء: هم طائفتان من المسلمين في زمان أصحاب الكهف اختلفوا في مدَّة لبثهم. وقولهم: {أَحْصَىٰ لِمَا لَبِثُواْ} أي: أحفظ لما مكثُوا في كهفهم نياماً {أَمَدًا} أي: غاية. وقال مجاهد: عدداً.
البقاعي
تفسير : ولما كان هذا من العجائب التي تضاءل عندها العجائب، والغرائب التي تخضع لديها الغرائب، وإن صارت مألوفة بكثرة التكرار، والتجلي على الأبصار، هذا إلى ما له من الآيات التي تزيد على العد، ولا يحصر بحد، من خلق السماوات والأرض، واختلاف الليل والنهار، وتسخير الشمس والقمر والكواكب - وغير ذلك، حقر آية أصحاب الكهف - وإن كانت من أعجب العجب - لاضمحلالها في جنب ذلك، لأن الشيء إذا كان كذلك كثر ألفه فلم يعد عجباً، فنبه على ذلك بقوله تعالى عطفاً على ما تقديره: أعلمت أن هذا وغيره من عجائب قدرتنا؟: {أم حسبت} على ما لك من العقل الرزين والرأي الرصين {أن أصحاب الكهف} أي الغار الواسع المنقور في الجبل كالبيت {والرقيم} أي القرية أو الجبل {كانوا} هم فقط {من ءاياتنا عجباً *} على ما لزم من تهويل السائلين من الكفرة من اليهود والعرب، والواقع أنهم - وإن كانوا من العجائب - ليسوا بعجب بالنسبة إلى كثرة آياتنا، وبالنسبة إلى هذا العجب النباتي الذي أعرضتم عنه بإلفكم له من كثرة تكرره فيكم، فإنه سبحانه أخرج نبات الأرض على تباين أجناسه، واختلاف ألوانه وأنواعه، وتضاد طبائعه، من مادة واحدة، يهتز بالينبوع، يبهج الناظرين ويروق المتأملين، ثم يوقفه ثم يرده باليبس والتفرق إلى التراب فيختلط به حتى لا يميزه عن بقية التراب، ثم يرسل الماء فيختلط بالتراب فيجمعه أخضر يانعاً يهتز بالنمو على أحسن ما كان، وهكذا كل سنة، فهذا بلا شك أعجب حالاً ممن حفظت أجسامهم مدة عن التغير ثم ردت أرواحهم فيها، وقد كان في سالف الدهر يعمر بعض الناس أكثر من مقدار ما لبثوا، وهذا الكهف - قيل: هو في جبال بمدينة طرسوس وهو المشهور، وقال أبو حيان: قيل: هو في الروم، وقيل: في الشام، وقيل: في الأندلس، قال: في جهة غرناطة بقرب قرية تسمى لوشة كهف فيه موتى ومعهم كلب رمة، وأكثرهم قد انجرد لحمه، وبعضهم متماسك وقد مضت القرون السالفة ولم نجد من عرف شأنهم، ويزعم ناس أنهم أصحاب الكهف، ونقل عن ابن عطية قال: دخلت إليهم سنة أربع وخمسمائة فرأيتهم بهذه الحالة وعليهم مسجد وقريب منهم بناء رومي يسمى الرقيم، وهو في فلاة من الأرض، وبأعلى حضرة غرناطة مما يلي القبلة آثار مدينة قديمة يقال لها مدينة دقيوس، ونقل أبو حيان عن أبيه أنه حين كان بالأندلس كان الناس يزورون هذا الكهف ويذكرون أنهم يغلطون في عدتهم إذا عدوهم وأن معهم كلباً، قال: وأما ما ذكرت من مدينة دقيوس التي بقبلي غرناطة، فقد مررت عليها مراراً لا تحصى، قال: ويترجح كون أصحاب الكهف بالأندلس - انتهى ملخصاً. قلت: وفيه نظر، والذي يرجح المشهور ما نقل البغوي وغيره عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: غزونا مع معاوية بحر الروم فمررنا بالكهف الذي فيه أصحاب الكهف فإن معاوية لم يصل إلى بلاد الأندلس والله أعلم. ولما صغر أمرهم بالنسبة إلى جليل آياته وعظيم بيناته وغريب مصنوعاته، لخص قصتهم التي عدوها عجباً وتركوا الاستبصار على وحدانية الواحد القهار بما هو العجب العجيب، والنبأ الغريب، فقال تعالى: {إذ أوى} أي كانوا على هذه الصفة حين أووا، ولكنه أبرز الضمير لبيان أنهم شبان ليسوا بكثيري العدد فليست لهم أسنان استفادوا بها من التجارب والتعلم ما اهتدوا إليه من الدين والدنيا، ولا كثرة حفظوا بها ممن يؤذيهم أيقاظاً ورقوداً فقال تعالى: {الفتية} وهو أصحاب الكهف المسؤول عنهم، والشبان أقبل للحق وأهدى للسبيل من الشيوخ {إلى الكهف} المقارب لقريتهم المشهور ببلدتهم فراراً بدينهم كما أويت أنت والصديق إلى غار ثور فراراً بدينكما {فقالوا} عقب استقرارهم فيه: {ربنا ءاتنا} ولما كانت الموجودات - كما مضى عن الحرالي في آل عمران - على ثلاث رتب: حكميات جارية على قوانين العادات، وعنديات خارقة للمطردات ولدنيات مستغرقة في الأمور الخارقات، طلبوا أعلاها فقالوا: {من لدنك} أي من مستبطن الأمور التي عندك ومستغربها {رحمة} أي إكراماً تكرمنا به كما يفعل الراحم بالمرحوم {وهيىء لنا} أي جميعاً لا تخيب منا أحداً {من أمرنا رشداً *} أي وجهاً ترشدنا فيه إلى الخلاص في الدارين، لا جرم صارت قصتهم على حسب ما أجابهم ربهم بديعة الشأن فردة في الزمان، يتحدث بها في سائر البلدان، في كل حين وأوان. ولما أجابهم سبحانه، عبر عن ذلك بقوله تعالى: {فضربنا} أي عقب هذا القول وبسببه {على ءاذانهم} أي سددناها وأمسكناها عن السمع، وكان أصله؛ ضربنا عليها حجاباً بنوم ثقيل لا تزعج منه الأصوات، لأن من كان مستيقظاً أو نائماً نوماً خفيفاً وسمعه صحيح سمع الأصوات {في الكهف} أي المعهود. ولما كانت مدة لبثهم نكرة بما كان لأهل ذلك الزمان من الشرك، عبر بما يدل على النكرة فقال تعالى: {سنين}: ولما كان ربما ظن أنه ذكر السنين للمبالغة لأجل بعد هذا النوم عن العادة، حقق الأمر بأن قال مبدلاً منها معرفاً لأن المراد بجمع القلة هنا الكثرة: {عدداً} أي متكاثرة؛ قال الزجاج كل شيء مما يعد إذا ذكر فيه العدد ووصف أريد كثرته لأنه إذا قل فهم مقدار عدده بدون التقدير فلم يحتج إلى أن يعد. {ثم بعثناهم} أي نبهناهم من ذلك النوم {لنعلم} علماً مشاهداً لغيرنا كما كنا نعلم غيباً ما جهله من يسأل فيقول: {أي الحزبين} هم أو من عثر عليهم من أهل زمانهم {أحصى} أي حسب وضبط {لما} أي لأجل علم ما {لبثوا أمداً *} أي وقع إحصاءه لمدة لبثهم فإنهم هم أحصوا لبثهم فقالوا: لبثنا يوماً أو بعض يوم، ثم تبرؤوا من علم ذلك وردوه إلى عالمه وأهل البلد، أحصوا ذلك بضرب النقد الذي وجد معهم أو غير ذلك من القرائن التي دلتهم عليه، ولكنهم وإن صادق قولهم ما في نفس الأمر أو قريباً منه فعلى سبيل الظن والتقريب، لا القطع والتحديد، بقوله تعالى {أية : قل الله أعلم بما لبثوا} تفسير : [الكهف: 26] فإذا علم بجهل كل من الحزبين بأمرهم أن الله هو المختص بعلم ذلك، علم أنه المحيط بصفات الكمال، وأنه لم يتخذ ولداً، ولا له شريك في الملك، وأنه أكبر من كل ما يقع في الوهم.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك قال: {الكهف} هو غار في الوادي. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق علي، عن ابن عباس قال: {الرقيم} الكتاب. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق العوفي، عن ابن عباس قال: {الرقيم} وادٍ دون فلسطين قريب من أيلة. وأخرج ابن جرير من طريق ابن جريج، عن ابن عباس قال: والله ما أدري ما الرقيم، لكتاب أم بنيان؟ وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر، عن مجاهد قال: {الرقيم} منهم من يقول كتاب قصصهم، ومنهم من يقول الوادي. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر، عن أبي صالح قال: {الرقيم} لوح مكتوب. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير قال: {الرقيم} لوح من حجارة، كتبوا فيه قصة أصحاب الكهف وأمْرهم، ثم وضع على باب الكهف. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي قال: {الرقيم} حين رقمت أسماؤهم في الصخرة، كتب الملك فيها أسماؤهم وكتب أنهم هلكوا في زمان كذا وكذا في ملك ريبوس، ثم ضربها في سور المدينة على الباب، فكان من دخل أو خرج قرأها. فذلك قوله: {أصحاب الكهف والرقيم}. وأخرج سعيد بن منصور وعبد الرزاق والفريابي وابن المنذر وابن أبي حاتم والزجاجي في أماليه وابن مردويه، عن ابن عباس قال: لا أدري ما الرقيم؛ وسألت كعباً فقال: اسم القرية التي خرجوا منها. وأخرج عبد الرزاق عن ابن عباس قال: كل القرآن أعلمه، إلا أربعاً: غسلين، وحناناً، والأواه، والرقيم. وأخرج ابن أبي حاتم عن أنس بن مالك قال: {الرقيم} الكلب. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا} يقول: الذي آتيتك من العلم والسنة والكتاب، أفضل من شأن أصحاب الكهف والرقيم. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: {أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجباً} كانوا بقولهم أعجب آياتنا، ليسوا بأعجب آياتنا. وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله: {أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجباً} قال: ليسوا بأعجب آياتنا، كانوا من أبناء الملوك. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي جعفر قال: كان أصحاب الكهف صيارفة. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه، عن النعمان بن بشير أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدث عن أصحاب الرقيم: "حديث : أن ثلاثة نفر دخلوا إلى الكهف، فوقع من الجبل حجر على الكهف فأوصد عليهم، فقال قائل منهم: تذكروا أيكم عمل حسنة لعل الله أن يرحمنا. فقال أحدهم: نعم، قد عملت حسنة مرة... إنه كان لي عمال استأجرتهم في عمل لي، كل رجل منهم بأجر معلوم. فجاءني رجل ذات يوم وذلك في شطر النهار فاستأجرته بقدر ما بقي من النهار بشطر أصحابه الذين يعملون بقية نهارهم ذلك، كل رجل منهم نهاره كله. فرأيت من الحق أن لا أنقصه شيئاً مما استأجرت عليه أصحابه. فقال رجل منهم: يعطي هذا مثل ما يعطيني ولم يعمل إلا نصف نهاره!! فقلت له: إني لا أبخسك شيئاً من شرطك، وإنما هو مالي أحكم فيه بما شئت. فغضب وترك أجره، فلما رأيت ذلك عزلت حقه في جانب البيت ما شاء الله، ثم مر بي بعد ذلك بقر فاشتريت له فصيلاً من البقر حتى بلغ ما شاء الله، ثم مر بي الرجل بعد حين وهو شيخ ضعيف وأنا لا أعرفه، فقال لي: إن لي عندك حقاً. فلم أذكره حتى عرّفني ذلك، فقلت له: نعم... إياك أبغي. فعرضت عليه ما قد أخرج الله له من ذلك الفصيل من البقر، فقلت له: هذا حقك من البقر. فقال لي: يا عبد الله، لا تسخر بي... إن لا تتصدق علي أعطني حقي. فقلت: والله ما أسخر منك: إن هذا لحقك. فدفعته إليه، اللهم فإن كنت تعلم أني قد كنت صادقا وأني فعلت ذلك لوجهك فأفرج عنا هذا الحجر. فانصدع حتى رأوا الضوء وأبصروا. وقال الآخر: قد عملت حسنة مرة، وذلك أنه كان عندي فضل فأصاب الناس شدة فجاءتني امرأة فطلبت مني معروفاً، فقلت: لا والله، ما هو دون نفسك. فأبت عليَّ ثم رَجَعَتْ فذكّرتني بالله، فأبيت عليها وقلت: لا والله، ما هو دون نفسك. فأبت عليّ ثم رجَعَت فذكّرتني بالله فأبيت عليها وقلت: لا والله، ما هو دون نفسك. فأبت عليّ فذكَرَتْ ذلك لزوجها فقال: أعطيه نفسك وأغني عيالك. فلما رأت ذلك سمحت بنفسها، فلما هممت بها قالت: إني أخاف الله رب العالمين. فقلت لها: تخافين الله في الشدّة ولم أخفه في الرخاء؟ فأعطيتها ما استغنت هي وعيالها. اللهم فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك لوجهك فأفرج عنا هذا الحجر، فانصدع الحجر حتى رأوا الضوء وأيقنوا الفرج. ثم قال الثالث: قد عملت حسنة مرة، كان لي أبوان شيخان كبيران قد بلغهما الكبر، وكانت لي غنم فكنت أرعاها... وأختلف فيما بين غنمي وبين أبوي أطعمهما وأشبعهما وأرجع إلى غنمي، فلما كان ذات يوم أصابني غيث شديد فحبسني فلم أرجع إلا مؤخراً، فأتيت أهلي فلم أدخل منزلي حتى حلبت غنمي، ثم مضيت إلى أبوي أسقيهما فوجدتهما قد ناما، فشق عليّ أن أوقظهما وشق عليّ أن أترك غنمي، فلم أبرح جالساً ومحلبي على يدي حتى أيقظهما الصبح فسقيتهما، اللهم إن كنت تعلم أني فعلت ذلك لوجهك فأفرج عنا هذا الحجر. ففرّج الله عنهم وخرجوا إلى أهليهم راجعين "تفسير : . وأخرج أحمد وابن المنذر، عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : أن ثلاثة نفر فيما سلف من الناس انطلقوا يرتادون لأهليهم، فأخذتهم السماء فدخلوا غاراً فسقط عليهم حجر، فجافّ حتى ما يرون منه خصاصة. فقال بعضهم لبعض: قد وقع الحجر وعفا الأثر ولا يعلم مكانكم إلا الله، فادعوا الله عز وجل بأوثق أعمالكم. فقال رجل منهم: اللهم إن كنت تعلم أنه كان لي والدان فكنت أحلب لهما في إنائهما فآتيهما، فإذا وجدتهما راقدين قمت على رأسيهما كراهة أن أرد سنتهما في رأسيهما حتى يستيقظا متى استيقظا، اللهم إن كنت تعلم أني إنما فعلت ذلك رجاء رحمتك ومخافة عذابك ففرِّج عنا. فزال ثلث الحجر. وقال الثاني: اللهم إن كنت تعلم أني استأجرت أجيراً على عمل يعمله فأتاني يطلب أجره وأنا غضبان فزبرته فانطلق وترك أجره فجمعته وثمرته حتى كان منه كل المال فأتاني يطلب أجره فدفعت إليه ذلك كله، ولو شئت لم أعطه إلا أجره الأوّل، اللهم إن كنت تعلم أني إنما فعلت ذلك رجاء رحمتك ومخافة عذابك، فافرج عنا. فزال ثلثا الحجر. وقال الثالث: اللهم إن كنت تعلم أنه أعجبته امرأة فجعل لها جعلاً فلما قدر عليها وفر لها نفسها وسلّم لها جَعْلَها. اللهم إن كنت تعلم أني إنما فعلت ذلك رجاء رحمتك ومخافة عذابك، ففرّج عنا. فزال الحجر وخرجوا معاتيق يمشون "تفسير : . وأخرج البخاري ومسلم والنسائي وابن المنذر، عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : بينما ثلاثة نفر ممن كان قبلكم يمشون، إذ أصابهم مطر فأووا إلى غار فانطبق عليهم، فقال بعضهم لبعض: إنه والله يا هؤلاء لا ينجيكم إلا الصّدْق، فليدع كل رجل منكم بما يعلم أنه قد صدق فيه. فقال واحد منهم: اللهم إن كنت تعلم أنه كان لي أجير يعلم على فرق من أرز فذهب وتركه، وإني عمدت إلى ذلك الفرق فزرعته فصار من أمره أني اشتريت منه بقراً، وأنه أتاني يطلب أجره فقلت له: اعمد إلى تلك البقر فسقْها فقال لي: إنما لي عندك فرق من أرز. فقلت له: اعمد إلى تلك البقر فإنها من ذلك الفرق فساقها، فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك من خشيتك ففرّج عنّا. فانساخت عنهم الصخرة. فقال الآخر: اللهم إن كنت تعلم أنه كان لي أبوان شيخان كبيران فكنت آتيهما كل لية بلبن غنم لي، فأبطأت عليهما ليلة فجئت وقد رقدا، وعيالي يتضاغون من الجوع فكنت لا أسقيهم حتى يشرب أبواي، فكرهت أن أوقظهما وكرهت أن أدعهما فيستكنا بشربتهما، فلم أزل أنتظر حتى طلع الفجر، فإن كُنْتَ تعلم أني فعلت ذلك من خشيتك ففرّج عنا. فانساخت عنهم الصخرة حتى نظروا إلى السماء. فقال الآخر: اللهم إن كنت تعلم أنه كان لي ابنة عم من أحب الناس إليّ، وإني راودتها عن نفسها فأبت إلا أن آتيها بمائة دينار، فطلبتها حتى قَدِرْتُ فأتيتها بها فدفعْتها إليها فأمكنتني من نفسها، فلما قعدت بين رجليها قالت: اتق الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه. فقمت وتركت المائة دينار، فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك من خشيتك ففرج عنّا. ففرج الله عنهم فخرجوا ". تفسير : وأخرج البخاري في تاريخه من حديث ابن عباس مثله. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال: غزونا مع معاوية غزوة المضيق نحو الروم فمررنا بالكهف الذي فيه أصحاب الكهف الذي ذكر الله في القرآن، فقال معاوية: لو كشف لنا عن هؤلاء فنظرنا إليهم! فقال له ابن عباس: ليس ذلك لك، قد منع الله ذلك عمن هو خير منك. فقال: {لو اطلعت عليهم لَوَلَّيْتَ منهم فراراً ولَمُلِئْتَ منهم رعباً} فقال معاوية: لا أنتهي حتى أعلم علمهم. فبعث رجالاً فقال: اذهبوا فادخلوا الكهف فانظروا. فذهبوا، فلما دخلوا الكهف بعث الله عليهم ريحاً فأخرجتهم. فبلغ ذلك ابن عباس فأنشأ يحدث عنهم فقال: إنهم كانوا في مملكة ملك من الجبابرة يعبد الأوثان، وقد أجبر الناس على عبادتها، وكان وهؤلاء الفتية في المدينة، فلما رأوا ذلك خرجوا من تلك المدينة فجمعهم الله على غير ميعاد، فجعل بعضهم يقول لبعض: أين تريدون...؟ أين تذهبون...!؟ فجعل بعضهم يخفي على بعض؛ لأنه لا يدري هذا على ما خرج هذا، ولا يدري هذا. فأخذوا العهود والمواثيق أن يخبر بعضهم بعضاً، فإن اجتمعوا على شيء وإلا كتم بعضهم بعضاً. فاجتمعوا على كلمة واحدة {فقالوا ربنا رب السماوات والأرض...} إلى قوله: {مرفقاً} قال: فقعدوا فجاء أهلهم يطلبونهم لا يدرون أين ذهبوا، فرفع أمرهم إلى الملك فقال: ليكونن لهؤلاء القوم بعد اليوم شأن... ناس خرجوا لا يدري أين ذهبوا في غير خيانة ولا شيء يعرف...!! فدعا بلوح من رصاص فكتب فيه أسماؤهم ثم طرح في خزانته. فذلك قول الله: {أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم} والرقيم، هو اللوح الذي كتبوا. فانطلقوا حتى دخلوا الكهف فضرب الله على آذانهم فقاموا. فلو أن الشمس تطلع عليهم لأحرقتهم، ولولا أنهم يقلبون لأكلتهم الأرض. ذلك قول الله: {وترى الشمس...} الآية. قال: ثم إن ذلك الملك ذهب وجاء ملك آخر فعبد الله وترك تلك الأوثان، وعدل في الناس، فبعثهم الله لما يريد {وقال قائل منهم كم لبثتم} فقال بعضهم: يوماً. وقال بعضهم يومين. وقال بعضهم أكثر من ذلك. فقال كبيرهم: لا تختلفوا، فإنه لم يختلف قوم قطّ إلا هلكوا، فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة. فرأى شارة أنكرها ورأى بنياناً أنكره، ثم دنا إلى خباز فرمى إليه بدرهم وكانت دراهمهم كخفاف الربع - يعني ولد الناقة - فأنكر الخباز الدرهم فقال: من أين لك هذا الدرهم؟ لقد وجدت كنزاً لتدلّنني عليه أو لأرفعنك إلى الأمير. فقال: أَوَ تخوّفني بالأمير؟ وأتى الدهقان الأمير، قال: من أبوك؟ قال: فلان. فلم يعرفه. قال: فمن الملك؟ قال: فلان. فلم يعرفه، فاجتمع عليهم الناس فرفع إلى عالمهم فسأله فأخبره فقال: عليّ باللوح، فجيء به فسمى أصحابه فلاناً وفلاناً. وهم مكتوبون في اللوح، فقال للناس: إن الله قد دلكم على إخوانكم. وانطلقوا وركبوا حتى أتوا إلى الكهف، فلما دنوا من الكهف قال الفتى: مكانكم أنتم حتى أدخل أنا على أصحابي، ولا تهجموا فيفزعون منكم وهم لا يعلمون أن الله قد أقبل بكم وتاب عليكم. فقالوا لتخرجن علينا قال: نعم إن شاء الله. فدخل فلم يدروا أين ذهب، وعمي عليهم فطلبوا وحرضوا فلم يقدروا على الدخول عليهم {فقالوا لنتخذن عليهم مسجداً} فاتخذوا عليهم مسجداً فجعلوا يصلون عليهم ويستغفرون لهم. وأخرج عبد الرزاق وابن أبي حاتم، عن عكرمة رضي الله عنه قال: كان أصحاب الكهف أبناء ملوك، رزقهم الله الإسلام فتعوذوا بدينهم واعتزلوا قومهم حتى انتهوا إلى الكهف، فضرب الله على صماخاتهم فلبثوا دهراً طويلاً حتى هلكت أمتهم، وجاءت أمة مسلمة وكان ملكهم مسلماً، واختلفوا في الروح والجسد فقال قائل: يبعث الروح والجسد جميعاً. وقال قائل: يبعث الروح وأما الجسد فتأكله الأرض فلا يكون شيئاً، فشق على ملكهم إختلافهم فانطلق فلبس المسوح وجلس على الرماد، ثم دعا الله فقال: أي رب، قد ترى إختلاف هؤلاء فابعث لهم آية تبين لهم، فبعث الله أصحاب الكهف، فبعثوا أحدهم ليشتري لهم طعاماً فدخل السوق، فلما نظر جعل ينكر الوجوه ويعرف الطرق، ورأى الإيمان ظاهراً بالمدينة. فانطلق وهو مستخف حتى أتى رجلاً يشتري منه طعاماً، فلما نظر الرجل إلى الورق أنكرها. حسبت أنه قال: كأنها أخفاف الربيع - يعني الإبل الصغار - فقال الفتى: أليس ملككم فلان؟ قال الرجل: بل ملكنا فلان. فلم يزل ذلك بينهما حتى رفعه إلى الملك، فنادى في الناس فجمعهم فقال: إنكم اختلفتم في الروح والجسد وإن الله قد بعث لكم آية، فهذا رجل من قوم فلان - يعني ملكهم الذي قبله - فقال الفتى: انطلق بي إلى أصحابي. فركب الملك وركب معه الناس حتى انتهى إلى الكهف، فقال الفتى: دعوني أدخل إلى أصحابي. فلما أبصروه وأبصرهم ضرب على آذانهم، فلما استبطؤوه دخل الملك ودخل الناس معه، فإذا أجساد لا يبلى منها شيء غير أنها لا أرواح فيها. فقال الملك: هذه آية بعثها الله لكم، فغزا ابن عباس مع حبيب بن مسلمة فمروا بالكهف فإذا فيه عظام، فقال رجل: هذه عظام أهل الكهف. فقال ابن عباس: ذهبت عظامهم أكثر من ثلثمائة سنة. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه قال: كان أصحاب الكهف أبناء عظماء أهل مدينتهم وأهل شرفهم، خرجوا فاجتمعوا وراء المدينة على غير ميعاد، فقال رجل منهم - هو أشبههم - : إني لأجد في نفسي شيئاً ما أظن أحداً يجده. قالوا: ما تجد؟ قال: أجد في نفسي أن ربي رب السموات والأرض. فقاموا جميعاً فقالوا: {ربنا رب السماوات والأرض لن ندعو من دونه إلهاً لقد قلنا إذا شططاً} وكان مع ذلك من حديثهم وأمرهم ما قد ذكر الله في القرآن، فأجمعوا أن يدخلوا الكهف وعلى مدينتهم إذ ذاك جبار يقال له (دقيوس) فلبثوا في الكهف ما شاء الله رقوداً، ثم بعثهم الله فبعثوا أحدهم ليبتاع لهم طعاماً، فلما خرج إذا هم بحظيرة على باب الكهف، فقال: ما كانت هذه ههنا عشية أمس. فسمع كلاما من كلام المسلمين بذكر الله - وكان الناس قد أسلموا بعدهم وملك عليهم رجل صالح - فظن أنه أخطأ الطريق، فجعل ينظر إلى مدينته التي خرج منها وإلى مدينتين وجاهها، أسماؤهن: اقسوس وايديوس وشاموس. فيقول: ما أخطأت الطريق - هذه اقسوس وايديوس وشاموس!!!... فعمد إلى مدينته التي خرج منها، ثم عمد حتى جاء السوق فوضع ورقة في يد رجل، فنظر فإذا ورق ليست بورق الناس، فانطلق به إلى الملك وهو خائف فسأله وقال: لعل هذا من الفتية الذين خرجوا على عهد دقيوس، فإني قد كنت أدعو الله أن يرينيهم وأن يعلمني مكانهم. ودعا مشيخة أهل القرية - وكان رجل منهم قد كان عنده أسماؤهم وأنسابهم - فسألهم فأخبروه، فسأل الفتى فقال: صدق. وانطلق الملك وأهل المدينة معه لأن يدلهم على أصحابه، حتى إذا دنوا من الكهف سمع الفتية حسّ الناس فقالوا: أتيتم... ظهر على صاحبكم، فاعتنق بعضهم بعضاً وجعل يوصي بعضهم بعضاً بدينهم، فلما دنا الفتى منهم أرسلوه، فلما قدم إلى أصحابه ماتوا عند ذلك ميتة الحق. فلما نظر إليهم الملك شق عليه أن لم يقدر عليهم أحياء، وقال: لا أدفنهم إذاً، فائتوني بصندوق من ذهب. فأتاه آت منهم في المنام فقال: أردت أن تجعلنا في صندوق من ذهب، فلا تفعل ودعنا في كهفنا، فمن التراب خلقنا وإليه نعود. فتركهم في كهفهم وبنى على كهفهم مسجداً. وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر، عن وهب بن منبه رضي الله عنه قال: جاء رجل من حواريي عيسى عليه السلام إلى مدينة أصحاب الكهف، فأراد أن يدخلها فقيل: على بابها صنم لا يدخلها أحد إلا سجد له، فكره أن يدخل فأتى حماماً فكان فيه قريباً من تلك المدينة وكان يعمل فيه يؤاجر نفسه من صاحب الحمام؛ ورأى صاحب الحمام في حمامه البركة والرزق وجعل يسترسل إليه وعلقه فتية من أهل المدينة، فجعل يخبرهم عن خبر السماء والأرض وخبر الآخرة حتى آمنوا به وصدقوه، وكانوا على مثل حاله في حسن الهيئة، وكان يشترط على صاحب الحمام: أن الليل لي ولا تحول بيني وبين الصلاة إذا حضرت، حتى أتى ابن الملك بامرأة يدخل بها الحمام فعيره الحواري فقال: أنت ابن الملك وتدخل مع هذه الكداء؟!... فاستحيا فذهب، فرجع مرة أخرى فسبه وانتهره فلم يلتفت حتى دخل - ودخلت معه المرأة، فباتا في الحمام جميعاً فماتا فيه. فأتى الملك فقيل له: قتل ابنك صاحب الحمام. فالتمس فلم يقدر عليه وهرب من كان يصحبه، فسموا الفتية. فالتمسوا فخرجوا من المدينة فمروا بصاحب لهم في زرع له وهو على مثل أمرهم، فذكروا له أنهم التمسوا فانطلق معهم ومعه كلب حتى آواهم الليل إلى الكهف فدخلوا فيه، فقالوا: نبيت ههنا الليلة حتى نصبح إن شاء الله ثم تروا رأيكم. فضرب على آذانهم، فخرج الملك بأصحابه يبتغونهم حتى وجدوهم قد دخلوا الكهف، فكلما أراد الرجل منهم أن يدخل أرعب فلم يطق أحد أن يدخله، فقال له قائل: ألست قلت: لو قدرت عليهم قتلتهم؟ قال: بلى. قال: فابن عليهم باب الكهف ودعهم يموتوا عطشاً وجوعاً. ففعل، ثم صبروا زماناً، ثم إن راعي غنم أدركه المطر عند الكهف فقال: لو فتحت هذا الكهف وأدخلت غنمي من المطر، فلم يزل يعالجه حتى فتح لغنمه فادخلها فيه، ورد الله أرواحهم في أجسادهم من الغد حين أصبحوا فبعثوا أحدهم بورق ليشتري لهم طعاماً، فكلما أتى باب مدينتهم لا يرى أحد من ورقهم شيئاً إلا استنكرها، حتى جاء رجلاً فقال: بعني بهذه الدراهم طعاماً. فقال: ومن أين لك هذه الدراهم؟ قال: إني رحت وأصحابي أمس فأتى الليل ثم أصبحنا فأرسلوني. قال: فهذه الدراهم كانت على عهد ملك فلان!... فأنى لك هذه الدراهم؟ !!... فرفعه إلى الملك - وكان رجلاً صالحاً - فقال: ومن أين لك هذا الورق؟ قال: خرجت أنا وأصحابي أمس حتى إذا أدركنا الليل في كهف كذا وكذا، ثم أمروني أن اشتري لهم طعاماً. قال: وأين أصحابك؟ قال: في الكهف. فانطلق معه حتى أتوا باب الكهف فقال: دعوني أدخل إلى أصحابي قبلكم. فلما رأوه ودنا منهم، ضرب على أذنه وآذانهم فأرادوا أن يدخلوا فجعل كلما دخل رجل منهم رعب، فلم يقدروا أن يدخلوا إليهم، فبنوا عندهم مسجداً يصلون فيه. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أصحاب الكهف أعوان المهدي ". تفسير : وأخرج الزجاجي في أماليه، عن ابن عباس في قوله: {أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم} قال: إن الفتية لما هربوا من أهليهم خوفاً على دينهم. فقدوهم فخبروا الملك خبرهم، فأمر بلوح من رصاص فكتب فيه أسماءهم وألقاه في خزانته وقال: إنه سيكون لهم شأن، وذلك اللوح هو الرقيم، والله أعلم. وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: {فضربنا على آذانهم} يقول: أرقدناهم {ثم بعثناهم لنعلم أي الحزبين} من قوم الفتية أهل الهدى وأهل الضلالة {أحصى لما لبثوا} أنهم كتبوا اليوم الذي خرجوا فيه والشهر والسنة. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: {أي الحزبين} قال: من قوم الفتية {أحصى لما لبثوا أمداً} قال: عدداً. وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله: {لنعلم أي الحزبين أحصى لما لبثوا أمداً} يقول: ما كان لواحد من الفريقين علم، لا لكفارهم ولا لمؤمنيهم.
التستري
تفسير : وسئل عن قوله: {وَٱلرَّقِيمِ}[9] فقال: الرقيم هو رئيسهم، وهو المسمى بالكلب، وليس بكلب لهم.
السلمي
تفسير : قال الحسين: أصحاب الكهف فى ظل المعرفة الأصلية لا يزايلهم بحال كذلك خفى على الخلق آثارهم. وقال ابن عطاء فى قوله: {مِنْ آيَاتِنَا عَجَباً} سلبهم عنهم وأخذهم منهم، وحال بينهم وبين الأغيار وألجأهم إلى غار الأنس وآواهم وأمنهم ثم أفناهم عنهم وغيبهم منهم، ومن إرادتهم ومعانيهم فتاهوا فى الحضرة والعين لذلك قال: {أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ ٱلْكَهْفِ وَٱلرَّقِيمِ كَانُواْ مِنْ آيَاتِنَا عَجَباً}. قال الجنيد رحمه الله فى قوله: {كَانُواْ مِنْ آيَاتِنَا عَجَباً} قال: لا تعجب منهم فشأنك أعظم من شأنهم وأعظم حيث أسرى بك فى ليلة من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى وبلغ بك سدرة المنتهى وكنت فى القرب كقاب قوسين أو أدنى ثم ردت عند انقضاء الليلة إلى مضجعك. وقيل بعضهم: أصحاب الكهف كالنيام لا علم لهم بوقت، ولا زمان، ولا معرفة بعمل ولا مكان أحياء موتى صراعى. مفيقون، نيام منتبهون لا إليهم سبيل ولا لهم إلى غيرهم طريق وردت عليهم خلع من خلع الهيبة، وأظلتهم ستور التعظيم وأحدقت بهم حجب العظمة واستناروا بنور العزيز الكريم، كذلك قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: {لَوِ ٱطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَاراً}.
القشيري
تفسير : أزال الأعجوبةَ عن أوصافهم بما أضافه إلى ربِّه بقوله: {مِنْ آيَاتِنَا}؛ فَقَلْبُ العادةِ مِنْ قِبَلِ اللَّهِ غيرُ مُسْتَنْكَرٍ ولا مُبْتَدَعٍ. ويقال مكثوا في الكهف مدةً فأضافهم إلى مُسْتَقَرِّهم فقال: {أَصْحَابَ ٱلْكَهْفِ}، وللنفوس مَحَالٌ، وللقلوب مَقَارٌّ، وللهمم مَجَال، وحيثما يعتكف يُطْلَبُ أبداً صاحبه. ويقال الإشارة فيه ألا تَتَعَجَّبَ من قصتهم؛ فحالُكَ أعجبُ في ذهابك إلينا في شطر من الليل حتى قاب قوسين أو أدنى، وهم قد بقوا في الكهف سنين.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ ٱلْكَهْفِ وَٱلرَّقِيمِ كَانُواْ مِنْ آيَاتِنَا عَجَباً} ذكر سبحانه من بسط قدرته وعظيم آياته وعجائب شانه اى ايش معجب من اصحاب الكهف والرقيم من لبثهم فى الكهف ثلثمائة سنين وزيادة فانهم فى مراقد انسنا وبساتين قدسنا غايبون فينا عن غيرنا فان فى سعة قدرتنا انا نحن لو ننشق وردة من بساتين غيبنا لمشام العالمين يهيمون فى البوادى والقفار ابدا وما اظهرنا فيك من الآيات الكبرى اعجب من حالهم الف مرة وليس فى عالم القدرة القديمة عجز عن ايجاد كل موهوم ومعدوم قال الحسين اصحاب الكهف فى ظل المعرفة الاصلية لا يزايلهم بحال لذلك خفى على الخلق آثارهم وقال ابن عطا سلبهم عنهم واخذهم منهم وحال بينهم وبين الاغيار والجاهم الى غار الانس واواهم وامنهم ثم افناهم عنهم وغيبهم فمن ارادتهم ومعاينتهم فتاهوا فى الحضرة والعين لذلك قال ام حسبت ان اصحاب الكهف وقال الجنيد لا تتعجب منهم فشانك اعجب من شانهم حيث اسرى بك فى ليلهة من المسجد الحرام الى المسجد الاقصى وبلغ بك سدرة المنتهى وكنت فى القربى كقاب قوسين او ادنى ثم رددت عند انقضاء الليلة الى مضجعك وقال بعضهم اصحاب الكهف كالنومى لا علم لهم بوقت ولا زمان ولا معرفة بمحل ولا مكان احياء موتى مرعى مفيقون === منتبهون لا اليهم سبيل ولا لهم الى غيرهم طريق وردت عليهم خلع من خلع الهيبة واظلهم ستور التعظيم واحدقت بهم حجب العظمة واستناروا بنور العرش الكريم لذلك قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم لو اطلعت عليهم لوليت منهم فرارا وقال الاستاد مكثوا فى الكهف مدة فاضافهم الى مستقرهم فقال اصحاب الكهف وللنفوس محالّ وللقلوب مقارّ وللهمم مجال وحيث ما يعتكف القلب فهناك يطلب ابدا صاحبه.
اسماعيل حقي
تفسير : {ام حسبت} الخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم والمراد انكار حسبان امته وام منقطعة مقدرة ببل التى هى للانتقال من حديث الى حديث لا للابطال وبهمزة الاستفهام عند الجمهور وببل وحدها عند غيرهم اى بل حسبت وظننت بمعنى ما كان ينبغى ان يحتسب ولم حسبت. قال الكاشفى [آورده اندكه جون يهود قريش راسه سؤال در آموخاتندكه ازحضرت رسالت صلى الله عليه وسلم برسيدند بانكديكر ميكفتندكه قصه جوانان بس عجبست عجب ازوى كه جواب آن داند حق سبحانه وتعالى آيت فرستاد كه {ام حسبت} نه جنانست كه ميكويند آيا مى بندارى تو] {ان اصحاب الكهف} الكهف الغار الواسع فى الجبل فان لم يكن واسعا فغار {والرقيم} هو كلبهم بلغة الروم - يروى - عن الصاحب بن عباد انه كان يتردد فى معنى الرقيم وتبارك والمتاع ويدور على قبائل العرب فسمع امرأة تسأل اين المتاع ويجيب ابنها الصغير بقوله جاء الرقيم واخذ المتاع وتبارك الجبل فاستفسر عنها وعرف ان الرقيم هو الكلب وان المتاع هو ما يبل بالماء فيمسح به وان تبارك بمعنى صعد. قال فى القاموس الرقيم كامير قرية اصحاب الكهف او جبلهم او كلبهم او الوادى او الصحراء او لوح رصاصى او حجرى نقش ورقم فيه نسبهم واسماؤهم ودينهم ومم هربوا وجعل على باب الكهف فالرقيم عربى فعيل بمعنى مفعول. قال الطبرى كان فى بيت الملك رجلان مؤمنان اسم احدهما يندوروس والآخر روناس كتبا اسماهم وقصتهم وانسابهم فى لوحين من رصاص ووضعاهما فى تابوت من نحاس ثم جعلاه على فم الغار فى البنيان وقالا لعل الله ان يظهر عليهم قوما مؤمنين قبل يوم القيامة فتعلم اخبارهم {كانوا} فى بقائهم على الحياة مدة طويلة من الدهر [يعنى درخواب ماندن سيصدونه سال] {من آياتنا} من بين آياتنا ودلائل قدرتنا {عجبا} اى آية ذات عجب وضعا له موضع المضاف او ووصفا لذلك بالمصدر مبالغة والعجيب ما خرج عن حد اشكا له ونظائره وهو خبر لكانوا ومن آياتنا حال منه. والمعنى ان قصتهم وان كانت خارقة للعادات ليست بعجيبة بالنسبة الى سائر الآيات فان لله تعالى آيات عجيبة قصتهم عندها كالنزر الحقير. قال الكاشفى [يعنى قصه ايشان بنسبت قدرت ما كه در آفرينش ارض وسما ظاهراست جندان عجيب وغريب نيست مراد ازكهف غاريست جيرم نام واقع دركوه تباخلوس ازحوالى شهر افسوس كه دار الملك دقيانوس بود آورده اندكه دقيانوس درزمان تسخير ممالك روم بشهر افسوس رسيد وآنجا مذبحى براى بتان كه معبودان او بودند ساخته اهل شهررا تكليف برستش ايشان كرد هركه سخن او شيند خلاص يافت وهركه تمرد نمود بقتل رسيد شش جوان نورسيده خدا برست از بزركان زاد كان شهر كوشه كرفته بدعا ونياز مشغول كشتند واز حق سبحانه وتعالى درخواست نمودندكه ايشانرا ازفتنه آن جبار ايمن سازد القصه مهم ايشان بعرض دقيانوس رسيده وباحاضر ايشان امر كرده تهديد بسيارنمود ايشان بر طريق توحيد رسوخ ورزيده مطلقا فرمان او قبول نكرديند دقيانوس بفرمودتا حلى وحلل كه دبربر داشتند ازايشان انتزاع ردند وكفت شما جوانيد وخرد سال وشمالرا دوسه روزى مهلت دادم تادركار خود تأمل كنيد وبينيد كه مصلحت شمادر قبول قول منست يا دررد آن بس ازان شهر متوجه موضعى ديكر شد وجوانان رفتن اورا غنيمت دانسته بايكديكر درباب مهم خود مشاورت نمودندورأى همه بر فرار قرار يافت هريك ازخانه بدر قدرى مال بجهت زاد ونفقه بر داشته روى بكوهى كه نزديك شهر بود آوردند ودرراه شبانى بديشان رسيدو بدين ايشان در آمد ودرمر افقت موافقت نمود سك شبان نيزبر عقب ايشان دويدن آغاز كرد جندان كه منع كردند ممتنع نشدوخداى اورا بسخن آوردنا بزبان فصيح كفت ازمن مترسيد كه من دوستان خدايرا دوست ميدارم شمادر خواب رويد تامن شمارا باسبانى كنم اما جون نزديك كوه شدند شبان كفت من درين كوه غارى ميدانم كه بدان بناه مى توان كرفت بس اتفاق روى بغار نهادند وحق سبحانه وتعالى ازرفتن ايشان بغار برين وجه خبر ميدهد].
ابن عجيبة
تفسير : قلت: {أم}: منقطعة مقدرة ببل، التي هي للانتقال من حديث إلى حديث، لا للإبطال، والهمزة: للاستفهام عند الجمهور، وبمعنى "بل"، فقط، عند غيرهم، و {عجبًا}: خبر كان، و {من آياتنا}: حال منه، و {إذ أوى}: ظرف لعجبًا، لا لحَسِبَْتَ، أو مفعول اذكر، أي: اذكر هذا الوقت العجيب، وهو حين التجأ الفتية إلى الكهف، و {لنا} و {مِنْ أمرنا}: يتعلق بـ {هيئ}، و {أيّ الحزبين}: معلق لنعلم عن المفعولين؛ لما فيه من معنى الاستفهام، وهو مبتدأ، و "أحصى": خبره، وهو فعل ماضٍ، و {أمدًا}: مفعوله. و {لِما لبثوا}: حال منه، أو مفعول "أحصى"، واللام زائدة، و {ما}: موصولة، و {أمدًا}: تمييز، وقيل: {أحصى}: اسم تفضيل، من الإحصاء بحذف الزوائد، و {أمدًا}: منصوب بفعل دل عليه أحصى، أي: يحصى كقوله: شعر : وَأَضْرَبَ مِنَّا بالسُّيُوفِ القَوَانِسَا تفسير : لأن اسم التفضيل لا ينصب المفعول به، إجماعًا، ويجوز أن يكون تمييزًا بعد اسم التفضيل. يقول الحقّ جلّ جلاله: {أم حَسِبْتَ} أي: ظننت يا محمد، والمراد: حسبان أمته {أنَّ أصحابَ الكهف}، وهو الغار الواسع في الجبل. واختُلف في موضعه؛ فقيل: بقرب فلسطين، وقيل: بالأندلس بمقربة من لوشة في جهة غرناطة. وذكر ابن عطية أنه دخل كهفهم، وفيه موتى، ومعهم كلبهم، وعليهم مسجد، وقريب منه بناء يقال له الرَّقِيم، قد بقي موضع جدرانه، وفي تلك الجهة آثار يقال لها: مدينة "دقيوس"، والله أعلم. وقال ابن جزي: ومما يُبعد ذلك ما رُوي أن معاوية مرَّ عليهم، وأراد الدخول إليهم ولم يدخل، هيبةً، ومعاوية لم يدخل الأندلس قط، وأيضًأ: فإن الموتى في لَوْشة يراهم الناس، ولا يدرك أحد الرعب الذي ذكر الله في أهل الكهف. هـ. والمشهور: أن الرقيم هو اللوح المكتوب فيه أسماؤهم وأنسابهم، وكان جُعِل ذلك الكتاب في خزانة الملك، وهو لوح من رصاص أو حجر، أمر بكتب أسمائهم فيه لما شكا قومُهم فقْدَهم. وقيل: اسم كلبهم. أي: أظننت أنهم {كانوا} في قصتهم {من} بين {آياتنا عَجَبًا} أي: كانوا عجبًا دون باقي آياتنا، ليس الأمر كذلك. والمعنى: أن قصتهم، وإن كانت خارقة للعادة، ليست بعجيبة، بالنسبة إلى سائر الآيات التي من تعاجيبها ما ذكر من خلق الله تعالى على الأرض، من الأجناس والأنواع الفائتة الحصر من مادة واحدة، بل هي عندها كالنزر الحقير. وقال القشيري: أزال موضع الأعجوبة من أوصافهم، بما أضاف إلى نفسه بقوله: {من آياتنا}، وقَلْبُ العادةِ مِنْ قِبَلِ اللهِ غيرُ مُسْتَنْكَرٍ ولا مُبْتَدَعٍ. هـ. ثم ذكر أول قصتهم، فقال: {إِذْ أوى الفتيةُ}: جمع فتى، وهو الشاب الكامل، أي: اذكر حين التجأ الفتية إلى الكهف، هاربين بدينهم، خائفين على إيمانهم من كفار قومهم، ورأسهم "دقيانوس"، على ما يأتي في قصتهم. {فقالوا}؛ حين دخلوا الغار: {ربَّنا آتنا من لدُنك}؛ من مستبطن أمورك وخزائن رحمتك الخاصة المكنونة عن أعين العادات، {رحمةً} خاصة تستوجب الرفق والأمن من الأعداء، {وَهَيِّئ}: أصلح {لنا من أمرنا} الذي نحن عليه من مفارقة الكفار ومهاجرتهم، {رَشَدًا}: هداية نصير بها راشدين مهتدين، أو: اجعل أمرنا كله رشدًا وصوابًا، كقولك: لقيت منك أسدًا، فتكون من باب التجريد، أو: إصابة للطريق الموصل إلى المطلوب، وأصل التهيئة: إحداث هيئة الشيء. {فَضَرَبْنَا على آذانهم} أي: أَنَمْنَاهُمْ، شبَّه الإنامة الثقيلة المانعة من وصول الأصوات إلى الآذان بضرب الحجاب عليها، وتخصيص الآذان بالذكر مع اشتراك سائر المشاعر لها في الحَجْب عن الشعور عند النوم؛ لأنها تحتاج إلى الحجب أكثر، إذ هي الطريقة للتيقظ غالبًا. والفاء في {فضربنا}: مثلها في قوله: {أية : فَٱسْتَجَبْنَا لَهُ} تفسير : [الأنبياء: 90]، بعد قوله: {إِذ نادى}، فإنَّ الضرب المذكور، وما ترتب عليه من التقليب ذات اليمين وذات الشمال، والبعث، وغير ذلك، إيتاءُ رحمةٍ لَدُنِّيَّةٍ خفيةٍ عن أبصار المستمسكين بالأسباب العادية؛ استجابة لدعوتهم، أي: فاستجبنا لهم وأَنَمْناهم، {في الكهف سنينَ عددًا} أي: ذوات عدد، أو تُعَدُّ عددًا، أو معدودة، ووصْف السنين بذلك: إمَّا للتكثير، وهو الأنسب بكمال القدرة، أو التقليل، وهو الأليق بمقام إنكار كون القصة عجبًا من سائر الآيات العجيبة؛ فإن مدة لبثهم كبعض يوم عنده تعالى. {ثم بعثناهم}؛ أيقظناهم من تلك النومة الشبيهة بالموت، {لنعْلَمَ} علم مشاهدة، أي: ليتعلق علمنا تعلقًا حاليًّا كتعلُّقه أولاً تعلقًا استقباليًّا، {أيُّ الحزبين}: الفريقين المختلفين في مدة لبثهم المذكور في قوله: {قالوا لبثنا يومًا...} الخ، {أحْصَى} أي: أضبط {لِما لَبِثُوا}: للبثهم، {أمدًا} أي: غاية، فيظهر بذلك عجزهم، ويُفوضوا ذلك إلى العليم الخبير، ويتعرفوا حالهم وما صنع الله بهم، من حفظ أبدانهم وأديانهم، فيزدادوا يقينًا بكمال قدرته وعلمه، وليتيقنوا به أمر البعث، ويكون ذلك لطفًا بمؤمني زمانهم، وآية بينة لكفارهم، وعبرةً لمن يأتي بعدهم، فهذه حِكَمُ إيقاظهم بعد نومهم، والله عليم حكيم. الإشارة: عادته تعالى فيمن انقطع إليه بكليته، وآوى إلى كهف رعايته، وآيس من رفق مخلوقاته، أن يكلأه بعين عنايته، ويرعاه بحفظ رعايته، ويُغَيِّبَ سمع قلبه عن صوت الأكدار، ويصون عين بصيرته عن رؤية الأغيار، حين انحاشوا إلى حِمى رحمته المانع، وتظللوا تحت ظل رشده الواسع. وبالله التوفيق. ثمَّ تمم قصتهم فقال: {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نبَأَهُم...}
الطوسي
تفسير : يقول الله تعالى لنبيه (صلى الله عليه وسلم) {أم حسبت} يا محمد، والمراد به أمته أي أحسبت {أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجباً} بل ما خلقت من السموات والارض وما بينهن من العجائب اعجب من اصحاب اهل الكهف، وحجتي بذلك ثابتة على هؤلاء المشركين من قومك وغيرهم من جميع عبادي، وهو قول مجاهد وقتادة وابن اسحاق. وقال قوم: معناه {أم حسبت} يا محمد {أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجباً} فان الذي آتيتك من العلم والحكمة أفضل منه، وهو قول ابن عباس. وقال الجبائي: المعنى أحسبت {أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجباً} ولو لم نعلمك ذلك لما علمته. والاول أشبه، لأن الله تعالى جعل انزال سورة الكهف احتجاجاً على الكفار بما واطأهم عليه اليهود، والمراد بالكهف في الآية كهف الجبل الذي أوى اليه القوم الذين قص الله شأنهم وذكر اخبارهم في هذه السورة. واختلفوا في معنى {الرقيم} فقال قوم: هو اسم قرية - ذهب اليه ابن عباس - وفى رواية أخرى عنه: أنه واد بين غضبان، وايلة، دون فلسطين، وهو قريب من ايلة. وقال عطية: {الرقيم} واد. وقال قتادة: {الرقيم} اسم الوادي الذي فيه اصحاب الكهف. وقال مجاهد: {الرقيم} كتاب تبيانهم. وفي رواية ايضاً عن ابن عباس أن {الرقيم} هو الكتاب. وقال سعيد بن جبير: هو لوح من حجارة كتبوا فيه قصص اصحاب الكهف ثم وضعوه على باب الكهف، وهو اختيار البلخي والجبائي وجماعة. وقيل: جعل ذلك اللوح في خزائن الملوك، لانه من عجائب الامور. وقيل بل جعل على باب كهفهم. وقال ابن زيد: {الرقيم} كتاب، ولذلك الكتاب خبر، فلم يخبر الله عن ذلك الكتاب وما فيه. وقرأ قوله {أية : وما أدراك ما عليون كتاب مرقوم يشهده المقربون} تفسير : وقال: هو اسم جبل اصحاب الكهف، روى ذلك عن ابن عباس. وقيل: إن اسم ذلك الجبل (تيحلوس) وقيل تياحلوس. وقد روي عن ابن عباس أنه قال: كل القرآن أعلمه إلا (حنان) و (الأواه) و {الرقيم}. واختار الطبري أن يكون ذلك اسماً لكتاب أو لوح أو حجر كتب فيه. والرقيم (فعيل) أصله مرقوم، صرف الى فعيل مثل جريح بمعنى مجروح وقتيل بمعنى مقتول يقال: رقمت الكتاب أرقمه إذا كتبته ومنه الرقيم في الثوب لأنه خط يعرف به ثمنه. وقيل للحبة أرقم لما فيها من الآثار، وتقول العرب عليك بالرقمة [بمعنى عليك برقمة الوادي حيث الماء] ودع الضفة أي الجانب. والضفتان جانبا الوادي، ولعل من ذهب الى أن الرقيم الوادي: ذهب الى رقمة الوادي. وقوله {إذ أوى الفتية إلى الكهف} معناه {أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجباً} حين {أوى الفتية إلى الكهف} أي حين جاء أصحاب الكهف الى الكهف، كهف الجبل هرباً بدينهم الى الله، قالوا إذ أووه {ربنا آتنا من لدنك رحمة} رغبة منهم الى ربهم في أن يرزقهم من عنده رحمة. وقوله {وهيء لنا من أمرنا رشداً} معناه انهم قالوا يسر لنا ما نبتغي ونلتمس من رضاك أي دلنا على ما فيه نجاتنا والهرب من الكفر بك ومن عبادة الأوثان التي يدعونا اليها قومنا {رشداً} أي رشداً الى العمل الذي تحب. وقيل إن هؤلاء الفتية كانوا مسلمين على دين عيسى (ع) وكان ملكهم يعبد الأصنام، فهربوا بدينهم منه. وقال آخرون: هربوا من الملك بجناية اتهموا بها فدخلوا الكهف. ويجوز {رشداً} - بضم الراء وتسكين الشين - غير أنه لم يقرأ به - ها هنا - أحد، لأن أواخر الآيات كلها على وزن (فَعَل) فلم يخالفوا بينها.
الجنابذي
تفسير : {أَمْ حَسِبْتَ} الخطاب للنّبىّ (ص) او لكلّ من يتأتّى منه الخطاب وهو اضراب عن قوله: فلعلّك باخعٌ نفسك باعتبار المعنى فانّه فى معنى ءآنت باخع نفسك؟ لانّه فى مقام الانكار وان كان بلفظ التّرجّى واحسبت انّ ما على الارض يمنعهم من الايمان ام حسبت انّ مقام الايمان واصحاب الايمان كان من آياتنا عجباً لا يمكن الوصول اليه فحسبت {أَنَّ أَصْحَابَ ٱلْكَهْفِ وَٱلرَّقِيمِ} ورد فى اخبارنا انّ الرّقيم كان لوحاً او لوحين من نحاسٍ وكان مرقوماً فيه امر الفتية وقصّتهم وما اراد منهم دقيانوس الملك، وقيل: انّ الرّقيم كان اسم الجبل الّذى فيه الكهف، او الوادى الّذى فيه الكهف، او اسم قريتهم، او اسم الكلب الّذى كان معهم، وقيل: اصحاب الرّقيم كانوا قوماً آخرين لم يذكر الله قصّتهم، وكان قصّتهم انّهم كانوا ثلاثة وخرجوا يرتادون لاهلهم فأخذهم المطر فأووا الى كهفٍ فانحطّت صخرة وسدّت باب كهفهم، فقال احدهم: ليذكر كلّ منكم ما عمل من حسنةٍ خالصاً لله لعلّ الله يرحمنا، فقال احدهم: انّى استعملتُ اجراء ذات يومٍ فجاء رجل وسط النّهار وعمل فى بقيّته مثل عملهم فأعطيته مثل اجرهم فغضب احدهم وترك اجره فوضعته فى جانب البيت ثمّ مرّ بى بقرة فاشتريت به فصيلها فبلغت ما شاء الله فرجع الىّ بعد حينٍ شيخاً ضعيفاً لا اعرفه وقال: انّ لى عندك حقّاً وذكره حتّى عرفته فدفعتها اليه جميعاً، اللّهم ان كنت فعلت ذلك لوجهك فافرج عنّا، فانصدع الجبل حتّى رأوا الضّوء، وقال آخر: كان فى فضل واصاب النّاس شدّة فجاءتنى امرأة فطلبت منّى معروفاً، فقلت: لا الاّ ان تعطينى حظّى من نفسك، فأبت ورجعت ثم عادت فقلت لها مثل ما قالت سابقاً، فأبت ورجعت، ثمّ ذكرت لزوجها، فقال لها: اجيبيه واغيثى عيالك، فأتت وسلّمت الىّ نفسها فلّما تكشّفتها وهممت منها ارتعدت فقلت: ما لك؟ - قالت: اخاف الله، فقلت: خفته فى الشّدّة ولم اخفه فى الرّخاء، فتركتها وأعطيتها ملتمسها؛ اللّهمّ ان فعلته لوجهك فافرج عنّا، فانصدع حتّى تعارفوا، وقال الثّالث: كان لى ابوان همّان وكانت لى غنم وكنت أطعمهما وأسقيهما ثمّ أرجع الى غنمى، فحبست ذات يوم حتّى امسيت فأتيت اهلى فأخذت محلبى وأتيتهما فوجدتهما نائمين فلم اوقظهما وتوقّفت عندهما حتّى اصبحا واستيقظا، فسقيتهما؛ اللّهم ان فعلته لوجهك فافرج عنّا، ففرّج الله عنهم. وقصّة الكهف اجمالاً كما يستفاد من الاخبار انّهم كانوا اصحاب دقيانوس الملك وانّه كان يدعو الخلق الى عبادة الاصنام، وهؤلاء آمنوا بربّهم وحده ورفضوا عبادة الاصنام واسرّوا التّوحيد واظهروا الشّرك وكانوا يحضرون معهم الى عبادة الاصنام ولم يعلم احد بدينهم ولا يعلم كلّ منهم دين صاحبه ومضوا على ذلك مدّةً متماديةً، حتّى سئموا وملّوا من موافقة دقيانوس وقومه فخرجوا من القرية فراراً منهم واظهروا قصد الصّيد، فاتّفق ان كان خروجهم فى يومٍ واحدٍ فتلاحقوا فى البادية فتساءلوا عن شأنهم وخروجهم كلّ عن الآخر، فأخذوا المواثيق واظهر كلّ دينه وقصده، فعرفوا انّهم كانوا على دينٍ واحدٍ وقصد واحدٍ فتوافقوا فى المسير ومرّوا براعٍ، فدعوه الى التّوحيد فلم يجبهم واجابهم كلبه وذهبوا على وجههم ودخلوا الكهف فأماتهم الله ثلاثمائة وتسع سنين او انامهم على اختلاف فى الرّويات، فأحياهم الله او أيقظهم بعد ذلك وتساءلوا بينهم كما حكى الله. وسبب نزول هذه السورة كما فى الخبر "حديث : انّ قريشاً بعثوا ثلاثة نفر الى نجران اليمن الى علماء اليهود ليتعلّموا مسائل منهم ويسألوا محمّداً (ص) بعد رجوعهم لعلّهم الزموه، فذهبوا اليهم وسألوهم فقالوا: سلوه عن ثلاث مسائل فان اجابكم فيها على ما عندنا فهو صادق ثمّ سلوه عن مسئلة واحدة فان ادّعى علمها فهو كاذبٌ، فقالوا: سلوه عن فتيةٍ خرجوا وغابوا وناموا مدّةً كم كان عددهم؟ وكم كان نومهم؟ وما كان معهم من غيرهم؟ وما كان قصّتهم؟ ثمّ سلوه عن موسى (ع) ومن امره الله باتّباعه من هو؟ وكيف كان قصّته؟ ثمّ سلوه عن طائفٍ طاف المشرق والمغرب حتّى بلغ سدّ يأجوج ومأجوج، من هو؟ وكيف كان قصّته؟ وأملوا القصص الثّلاث عليهم، فرجعوا وسألوه فقال: اخبركم غداً ولم يستثن، فحبس الوحى عنه (ص) اربعين يوماً حتّى اغتمّ النبىّ (ص) وشكّ اصحابه وفرحت قريش واستهزؤا وآذوا وحزن ابو طالب فلمّا كان بعد اربعين يوماً نزل جبرئيل (ع) بسورة الكهف وكان سبب تأخيره تركه (ص)" تفسير : الاستثناء {كَانُواْ مِنْ آيَاتِنَا عَجَباً} آية عجباً يعنى لا ينبغى لك ذلك الحسبان مع ما آتيناك من عجائب الآيات واريناك من معظمها، فانّ اصحاب الكهف وايمانهم امر سهل فى غاية السّهولة فى جنب ما آتيناك.
الأعقم
تفسير : {أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم} حسبت، قيل: ظننت، وقيل: علمت أن أصحاب الكهف وقصتهم حين أووْا إلى الكهف وهو الغار وإبقاء حياتهم فيه مدة طويلة، والرقيم: اسم كلبهم، وقيل: لوح من رصاص رقمت فيه أسماؤهم وجعل على باب الكهف، وقيل: الناس رقموا حديثهم، وقيل: الجبل، وقيل: الوادي، وقيل... وبين عطفان وأيلة، وقيل: الرقيم ثلاثة نفر حبسوا في غار فدعوا الله ففرّج عنهم، واختلفوا في أصحاب الكهف، قيل: كانوا قبل عيسى، وقيل: كانوا بعد عيسى، وقيل: كانوا قبل موسى لأنهم في التوراة وكان ملكهم يقال له: دقيانوس يعبد الأصنام ويدعو إليها ويقتل من خالفه فأخبر بمكانهم فدعاهم وأوعدهم وقال: إما أن تعبدوا آلهتنا أو أقتلكم، فقال كبيرهم: إن لنا إلهاً ملء السموات والأرض عَظَمَتُهُ لن ندعو من دونه إلهاً لكن نعبده ونسأله النجاة وكل خير، فقال كلهم مثل ما قال، فأمر بنزع ثيابهم ويجلدوا فإن أطاعوا وإلا قتلوا، وانطلق دقيانوس إلى مدينة أخرى {كانوا من آياتنا عجباً}، قيل: معناه كانوا عجباً مع اني خلقت السموات والأرض وما بينهما ما هو أعجب، وقيل: لا تعجب منهم فأمرك أعجب إذ أسري بك في ليلة من مكة إلى المسجد الأقصى {إذ أوى الفتية إلى الكهف} أي الغار، وقيل: هم قوم هربوا بدينهم، قيل: لما خافوا من يلحقهم {فقالوا ربنا آتنا من لدنك رحمة} أي نعمة ينجوا من الكفار {وهيّء لنا من أمرنا رشداً} يعني دلّنا على أمر فيه نجاتنا، وقيل: يهيّء في سائر أمورنا الخير والرشد سألوهم النجاة من الأعداء وكانوا متحيرين في الحق فأجاب الله دعاءهم وألقى النوم عليهم حتى كفّوا من المطعم والملبس {فضربنا على آذانهم في الكهف سنين عدداً}، قيل: جعلنا فيها ما يمنع من الادراك، وقيل: سلطنا عليهم النوم سنين عدداً أي سنين معدودة {ثمّ بعثناهم} أيقظناهم من نومهم، قوله تعالى: {لنعلم} لنظهر المعلوم فنعلمه موجوداً لأنه لا يعلم كذلك إلا بعد وجوده، وقيل: لنعلم اختلاف الحزبين في مدة لبثهم وأيهم أعلم {أيُّ الحزبين} أي أهل الطائفتين من أهل ذلك الزمان، وقيل: المؤمنين والكفار، وقيل: أحد الحزبين أهل الكتاب عرفوا ذلك في كتبهم، والحزب الثاني النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والمسلمون وقد أعلمهم الله، وقيل: أن الملك دقيانوس لما غاب ائتمروا بينهم وعلموا أنه إن رجع يقتلهم فخرجوا ومعهم كلبٌ حتى أتوا الكهف، وقيل: مروا بكلب فتبعهم فطردوه فقال: لا تخشوا جانبي أنا أحب أحباء الله نوموا حتى أحرسكم، وروي أنهم مروا براعي له كلبٌ فتبعهم على دينهم، وأووا إلى الكهف يصلّون ويعبدون الله فضرب الله على آذانهم في الكهف سنين عدداً، وكلبهم باسط ذراعيه بباب الكهف، ففقدهم دقيانوس فلم يجدهم وطلبهم حتى أخبر بمكانهم، فأمر أن يسد عليهم الكهف فيكون لهم قبراً، وكان مع دقيانوس رجلان مؤمنان فكتبا أسماءهم وقصّتهم في لوح من رصاص، ومات دقيانوس وانقرضت قومه وقروناً بعدهم كثيرة، وكان لبثهم ثلاثمائة وتسع سنين ينامون وينقلبون على أيمانهم وشمائلهم.
اطفيش
تفسير : {أَمْ حَسِبْتَ} أى بل ظننت فأم بمعنى بل الانتقالية وهمزة الإنكار. أنكر الله جل جلاله على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ظنه بالفعل وبالقوة أن أصحاب الكهف والرقيم عجب من دون آياتنا أو أنكر ظنه بالفعل أو بالقوة أنهم أَعجب من آياتنا أو أنكر ظنه أنهم من الآيات العظام مع أنهم آية صغيرة بالنسبة إلى ما هو أعظم. {أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ} الغار الواسع فى الجبل واسم هذا الكهف جيرم. {وَالرَّقِيمِ}: الوادى الذى فيه كهفهم. روى عن ابن عباس أنه بين عمان وأيلة دون فلسطين. وقيل: الجبل الذى فيه الكهف. وقال كعب الأحبار: سمى الرقيم لأن الناس رقموا أسماءهم فيه. وقال كعب الأحبار: قريتهم التى خرجوا منها وقيل: كلبهم. قال أمية بن أبى الصلت: شعر : وليس بها إلا الرقيم مجاورا وصيدهُمُ فى الكهف والقوم هجدا تفسير : أى نوام. والوصيد: فِناء البيت والغار ونحوهما أو ما بين العتبتين. وقال سعيد بن جبير وغيره من أئمة الأحبار: من حجر. وقيل: من رصاص رقمت أى كتبت فيه أسماؤهم وأنسابهم وبلدهم وتاريخهم وملكهم وجعلت على باب الكهف فقد تبين لك أن أصحاب الكهف والرقيم قوم واحد أضيفوا للكهف بلا واسطة وللرقيم بواسطة العطف. وقيل: إن أصحاب الكهف قوم وأصحاب الرقيم قوم آخرون فالقومان مدرجان فى لفظة أصحاب المذكورة فى الآية أو يقدر مضاف أى وأصحاب الرقيم وإنما بقى على الجر مع حذف المضاف لذكر مثل ذلك المضاف المحذوف وعلى هذا القول فأصحاب الرقيم ثلاثة رجال. روى نافع عن أبى عمرو عن النعمان ابن بشير حديث : عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم ثلاثة خرجوا يطلبون الحشيش أو الماء لأهلهم فأمطرت السماء فأَووا إلى كهف وليس بالكهف المذكور فى الآية ولا هم بالفتية المذكورين فيها ولما دخلوا الكهف انحطت صخرة وسدت بابه فقال أحدهم: اذكروا أيكم عمل حسنة لعل الله يرحمنا ببركته. فقال واحد: استعملت أُجَراء ذات يوم فجاء رجل وسط النهار وعمل فى بقيته مثل عملهم فأعطيته مثل أجرهم فغضب أحدهم وترك أجره فوضعته فى جانب البيت ثم مرت بى بقرة فاشتريتها فبلغت ما شاء الله فرجع إلىَّ بعد حين شيخا ضعيفا لا أعرفه وقال: إن لى عندك حقا وذكره لى حتى عرفته فدفعتها إليه وكل ما ولدت وما استغلت فقال: يا عبد الله لا تسخر بى إن لم تصدق علىَّ فأَعطنى حقى فقلت: والله ما أسخر بك إنما هو حقك ما فيه شئ. اللهم إن كنت فعلت ذلك لوجهك فأفرج عنا فانصدع الجبل حتى رأوا الضوء. وقال آخر: كان لى فضل وأصاب الناس شدة فجاءتنى امرأة فطلبت منى معروفا فقلت: والله ما هو دون نفسك فأبت وعادت ثم رجعت ثلاثا ثم ذكرت لزوجها فقال: أجيبى وأعينى عيالك فأتت وسلَّمت إلىَّ نفسها فلما تكشفتها وهممت بها ارتعدت فقلت: مالكِ؟ فقالت: أخاف الله. فقلت لها: خفتِه فى الشدة ولم أخَفْه فى الرخاء فتركتها وأعطيتها ملتمسها. اللهم إن كنت فعلته لوجهك فأفرج عنا فأفرج الله الجبل حتى تعارفوا. وقال الثالث: كان لى أبوان هَرِمان وكان لى غنم وكنت أطعمهما وأسيهما ثم أرجع إلى غنمى فحبسنى ذات يوم غيث فلم أرح حتى أمسيت فأتيت أهلى وأخذت محلبى فحلبت فيه ومضيت إليهما فوجدتهما نائمين فشق علىَّ أن أوقظهما فوقفت ومحلبى على يدى حتى أيقظهما الصبح فسقيتهما. اللهم إن كنت فعلته لوجهك فأفرج عنا فأَفرج الله عنهم فخرجواتفسير : . وروى ذلك مرفوعا عن النعمان بن بشير. وروى عنه أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: حديث : قال الجبل: طاق ففرج الله عنهم فخرجوا . تفسير : {كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَباً} أى كانوا عجباً من بين آياتنا كأنه قيل عجباً من دون آياتنا. والمراد أنهم عجب وسائر آياتنا عجب. وقيل: عجبا بمعنى اعجب ويحتمل أن يريد حسبت أنهم من آياتنا العظام كلا بل هم آية صغيرة بالنسبة إلى العظام كخلق السماء أو أشار إلى أنهم كخلق ما على الأرض من أنواع وأجناس لا تحصى على طبائع متباعدة وهيئات متخالفة تعجب الناظرين من مادة واحدة وهم ثم رد ذلك إلى الأرض كما اتصل الآية هذه بآية ذلك أو إشارة إلى أنهم كلا آية بالنسبة إلى سائر الآيات ومن آياتنا حال من عجبا وعجبا خبر كان.
اطفيش
تفسير : {أَمْ حَسِبْتَ} أم منقطعة فهى حرف ابتداء مقدرة ببل، والهمزة الاستفهامية عند الجمهور، وبالهمزة وحدها عند قوم، وببل عند قوم، والهمزة المقدرة للاستفهام الإنكارى، وفى كل موضع بما يصلح له، وبل للانتقال لا للإبطال. {أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا} أفرده مع أنه خبر كانوا، أو حال لأنه مصدر بمعنى معجوبا بهم، والمعنى: أتظن أن قصتهم عجب، وتغفل عما هو أعجب كخلق السموات والأرض وغيرهما، ولم يتعظ قومك بهما، ولم يؤمنوا فلهم الويل مما يصفون، بلغ بهم الإنكار حتى بلغوا إلى السؤال عن أصحاب الكهف تعنتًا، ولم يعلموا أن جعل ما على الأرض صعيداً بعد تمكنه فيها من أعظم الآيات، لا خصوص أصحاب الكهف. والذى يتبادر لى إِثبات أنهم عجب، وإِخبار به، كما نقول لمن لم يعلم بقيام زيد: أعلمت أنه قام ولا ضعف فى هذا، كما قيل فهو تنبيه على قدرته تعالى، وهو الغار الواسع فى الجبل، وإن لم يتسع لم يسم كهفا، وقيل: الغار فيه مطلقا، وقيل فيه أو فى الأرض، والرقيم اللوح من حجر أو حديد أو رصاص أو ذهب رقمت فيه أسماؤهم، وقال بعض: رقمت فيه قصتهم وأمرهم، وجعل على باب الكهف، وقيل: فى تابوت فى فم الكهف، وقيل وضع تحت جدار اليتيمين، وقيل: فى سور المدينة، فرقيم بمعنى مرقوم، كقوله تعالى: "أية : كتاب مرقوم" تفسير : [المطففين: 9، 20] وقيل: فى ذلك اللوح دين عيسى، لأنهم من الروم أخذوا بدينه، وهو رواية عن ابن عباس. وقيل: من حين قبل عيسى قال قتادة: الرقيم دراهمهم التى معهم، وقيل: اسم الجبل الذى فيه كهفهم، وقيل اسم الوادى الذى فيه كهفهم، وعليه ابن عباس، وعنه: وادٍ دون فلسطين قريب من أيلة، وقال كعب الأحبار: إنه اسم قريتهم، وقيل: اسم كلبهم، قال أمية بن أبى الصلت: شعر : وليس بها إلا الرقيم مجاورا وصيدهم والقوم فى الكهف همَّدا تفسير : أراد بالرقيم الكلب، كما قال الله جل وعلا: "أية : وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد" تفسير : [الكهف: 18] وهمّداً حال بمعنى نوّام فللعرب معرفة بأصحاب الكهف، ولو لم يضبطوا تفصيل قصتهم، وقيل: أصحاب الرقيم قوم آخرون، والرقيم واديهم أو جبلهم، وكهفهم غير ذلك الكهف. أنه خرج ثلاثة نفر ينظرون أين النبات ليرعى أهلوهم عليه مواشيهم، فاشتد عليهم المطر، فدخلوا غاراً فسقطت صخرة سدت بابه، فقال أحدهم: توجهوا إلى الله بما عملتم من البر. فقال أحدهم: استعملت أُجراء فجاء رجل وسط النهار، وعمل فى بقيته مثل عملهم، فأعطيته مثل أجرهم، وهو فرق من أرز فغضب أحدهم وترك أجره جانب البيت، فاشتريت به هدما حرثته له، وأمَّا فصيلة، وتجرت له وأنسلت الفصيلةُ، فرجع إلىّ بعد مدة شيخا ضعيفا لا أعرفه، وقال لى: عندك حتى فذكره فعرفته فأعطيته الجميع، فقال: أتهزأ بى؟ فقلت: لا بل هو حقك، اللهم إن كنت فعلت ذلك لأجلك فأفرج عنا، فتحركت حتى رأينا الضوء. وقال آخر: كنت غنيا وافتقر الناس، فطلبت منى امرأة معروفا فأبيت إلا بجماعها، فرجعت ثم عادت ثلاثا، وذكرت لزوجها فقال: أغيثى عيالك، فلما كشفتها ارتعدت، فقلت: مالك؟ فقالت: أخاف الله، فقلت: خفته حال الاحتياج، وكيف لا أخافه فى الرخاء وتركتها، وأعطيتها ما طلبت، فانتقلت الصخرة حتى تعارفوا. وقال الثالث: لى أبوان كبيران جدا وكنت أطعمهما وأسقيهما، ثم أرجع إلى غنمى فحبسنى المطر يوما، فأتين أهلى وأخذت محلبى فحلبت لهما، فوجدتهما نائمين، وكرهت إيقاظهما فتوقفت جالسا ومحلبى على يدى حتى أيقظهما الصبح، فسقيتهما، اللهم إن كنت فعلت ذلك لوجهك فأفرج عنا، فتحركت حتى خرجوا. وفى رواية: أن صاحب المحلب وقف الليل كله، ومحلبه بيده، والبرد شديد حتى قطرت يده دما، ويروى أنه ينصدع لهم الجبل عن الصخرة، والقصة من رواية النعمان بن بشير، وابن عباس، وأنس.
الالوسي
تفسير : {أَمْ حَسِبْتَ} خطاب لسيد المخاطبين صلى الله عليه وسلم والمقصود غيره كما ذهب إليه غير واحد. و {أَمْ} منقطعة مقدرة ببل التي هي للانتقال من كلام إلى آخر لا للإبطال وبهمزة الاستفهام عند الجمهور وببل وحدها عند بعض، وقيل: هي هنا بمعنى الهمزة والحق الأول أي بل أحسبت {أَنَّ أَصْحَـٰبَ ٱلْكَهْفِ وَٱلرَّقِيمِ كَانُواْ} في بقائهم على الحياة ونومهم مدة طويلة من الدهر {مِنْ ءايَـٰتِنَا} أي من بين دلائلنا الدالة على القدرة والألوهية {عَجَبًا} أي آية ذات عجب وضعاً له / موضع المضاف أو وصفاً لذلك بالمصدر مبالغة، وهو خبر لكانوا و {مِنْ ءايَـٰتِنَا} حال منه كما هو قاعدة نعت النكرة إذا تقدم عليها. وجوز أبو البقاء أن يكون {عَجَبًا} و{مِنْ ءايَـٰتِنَا} خبرين وأن يكون {عَجَبًا} حالاً من الضمير في الجار والمجرور وليس بذاك. والمعنى أن قصتهم وإن كانت خارقة للعادة ليست بعجيبة بالنسبة إلى سائر الآيات التي من جملتها ما تقدم، ومن هنا يعلم وجه الربط. وفي «الكشف» أنه تعالى ذكر من الآيات الكلية وإن كان لتسليته صلى الله عليه وسلم وأنه لا ينبغي أن يبخع نفسه على آثارهم فالمسترشد يكفيه أدنى إشارة والزائغ لا تجدي فيه آيات النذارة والبشارة ما يشتمل على أمهات العجائب وعقبه سبحانه بقوله: {أَمْ حَسِبْتَ} الخ يعني أن ذلك أعظم من هذا فمن لا يتعجب من ذلك لا ينبغي أن يتعجب من هذا وأريد من الخطاب غيره صلى الله عليه وسلم لأنه كان يعرف من قدرته تعالى ما لا يتعاظمه لا الأول ولا الثاني فأنكر اختلافهم في حالهم تعجباً وإضرابهم عن مثل تلك الآيات البينات والاعتراض عليه بأن الإضراب عن الكلام الأول إنما يحسن إذا كان الثاني أغرب ليحصل الترقي. وإيثار أن الهمزة للتقرير وهو قول آخر في الآية لذلك غير قادح لأن تعجبهم عن هذا دون الأول هو المنكر وهو الأغرب فافهم. وبأن المنكر ينبغي أن يكون مقرراً عند السامع معلوماً عنده، وهذا ابتداء إعلام منه تعالى على ما يعرف من سبب النزول كذلك لأن الإنكار من تعجبهم ويكفي في ذلك معرفتها إجمالاً وكانت حاصلة كيف وقد علمت أنه راجع إلى الغير أعني أصحاب الكتاب الذين أمروا قريشاً بالسؤال وكانوا عالمين، ثم إنه مشترك الإلزام لأن التقرير أيضاً يقتضي العلم بل أولى انتهى. وقال الطبري: المراد إنكار ذلك الحسبان عليه عليه الصلاة والسلام على معنى لا يعظم ذلك عندك بحسب ما عظمه عليك السائلون من الكفرة فإن سائر آيات الله تعالى أعظم من قصتهم وزعم أن هذا قول ابن عباس ومجاهد وقتادة وابن إسحاق وفي القلب منه شيء. وقيل: المراد من الاستفهام إثبات أنهم عجب كأنه قيل اعلم أنهم عجب كما تقول أعلمت أن فلاناً فعل كذا أي قد فعل فاعلمه. والمقصود بالخطاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أيضاً وليس بشيء. وزعم الطيبـي أن الوجه أن يجري الكلام على التسلي والاستفهام على التنبيه ويقال: إنه عليه الصلاة والسلام لما أخذه من الكآبة والأسف من إباء القوم عن الإيمان ما أخذه قيل له ما قيل وعلل بقوله تعالى: {أية : إِنَّا جَعَلْنَا} تفسير : [الكهف: 7] إلى آخره على معنى أنا جعلنا ذلك لنختبرهم وحين لم تتعلق إرادتنا بإيمانهم تشاغلوا به عن آياتنا وشغلوا عن الشكر وبدلوا الإيمان بالكفران فلم نبال بهم وإنا لجاعلون أبدانهم جرزاً لأسيافكم كما إنا لجاعلون ما عليها صعيداً جرزاً ألا ترى إلى أولئك الفتيان كيف اهتدوا وفروا إلى الله تعالى وتركوا زينة الدنيا وزخرفها فأووا إلى الكهف قائلين: {أية : رَبَّنَا ءاتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وَهَيّىء لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا} تفسير : [الكهف: 10] وكما تعلقت الإرادة بإرشادهم فاهتدوا تتعلق بإرشاد قوم من أمتك يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين اهـ، ويكاد يكون أعجب من قصة أهل الكهف فتأمل. والحسبان إما بمعنى الظن أو بمعنى العلم وقد استعمل بالمعنيين. والكهف النقب المتسع في الجبل فإن لم يكن واسعاً فهو غار، وأخرج ابن أبـي حاتم أنه غار الوادي، وعن مجاهد أنه فرجة بين الجبلين، وعن أنس هو الجبل وهو غير مشهور في اللغة. والرقيم اسم كلبهم على ما روي عن أنس والشعبـي وجاء في رواية عن ابن جبير ويدل عليه قول أمية بن أبـي الصلت:شعر : وليس بها إلا الرقيم مجاوراً وصيدهمو والقوم في الكهف هجدا تفسير : / وأخرج ابن المنذر وغيره عن ابن جبير أنه لوح من حجارة كتبوا فيه قصة أصحاب الكهف وأمرهم ثم وضع على باب الكهف، وقيل لوح من حجارة كتب فيه أسماؤهم وجعل في سور المدينة وروي ذلك عن السدي. وقيل لوح من رصاص كتب فيه شأنهم ووضع في تابوت من نحاس في فم الكهف وقيل لوح من ذهب كتب فيه ذلك وكان تحت الجدار الذي أقامه الخضر عليه السلام، وروي عن ابن عباس أنه كتاب كان عندهم فيه الشرع الذي تمسكوا به من دين عيسى عليه السلام، وقيل من دين قبل عيسى عليه السلام فهو لفظ عربـي وفعيل بمعنى مفعول. وأخرج ابن جرير وابن أبـي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس أنه واد دون فلسطين قريب من أيلة والكهف على ما قيل في ذلك الوادي فهو من رقمة الوادي أي جانبه، وأخرجاهما وجماعة من طريق آخر عنه رضي الله تعالى عنه أنه قال: لا أدري ما الرقيم وسألت كعباً فقال: اسم القرية التي خرجوا منها، وعلى جميع هذه الأقوال يكون أصحاب الكهف والرقيم عبارة عن طائفة واحدة، وقيل إن أصحاب الرقيم غير أصحاب الكهف وقصتهم في «الصحيحين» وغيرهما. فقد أخرج البخاري ومسلم والنسائي وابن المنذر عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : بينما ثلاثة نفر ممن كان قبلكم يمشون إذ أصابهم مطر فأووا إلى غار فانطبق عليهم فقال بعضهم لبعض: إنه والله يا هؤلاء لا ينجيكم إلا الصدق فليدع كل رجل منكم بما يعلم أنه قد صدق فيه فقال واحد منهم: اللهم إن كنت تعلم أنه كان لي أجير عمل على فرق من أرز فذهب وتركه وإني عمدت إلى ذلك الفرق فزرعته فصار من أمره أنني اشتريت منه بقراً وأنه أتاني يطلب أجره فقلت اعمد إلى تلك البقر فسقها فقال لي: إنما لي عندك فرق من أرز فقلت: اعمد إلى تلك البقر فإنها من ذلك الفرق فساقها فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك من خشيتك ففرج عنا فانساخت عنهم الصخرة فقال الآخر: اللهم إن كنت تعلم أنه كان لي أبوان شيخان كبيران فكنت آتيهما كل ليلة بلبن غنم لي فأبطأت عليهما ليلة فجئت وقد رقدا وأهلي وعيالي يتضاغون من الجوع فكنت لا أسقيهم حتى يشرب أبواي فكرهت أن أوقظهما وكرهت أن أدعهما فيستكينا لشربتهما فلم أزل أنتظر حتى طلع الفجر فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك من خشيتك ففرج عنا فانساخت عنهم الصخرة حتى نظروا إلى السماء فقال الآخر: اللهم إن كنت تعلم أنه كان لي ابنة عم من أحب الناس إليّ وإني راودتها عن نفسها فأبت إلا أن آتيها بمائة دينار فطلبتها حتى قدرت فأتيتها بها فدفعتها إليها فأمكنتني من نفسها فلما قعدت بين رجليها قالت: اتق الله تعالى ولا تفض الخاتم إلا بحقه فقمت وتركت المائة دينار فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك من خشيتك ففرج عنا ففرج الله تعالى عنهم فخرجوا» تفسير : وروي نحو ذلك عن ابن عباس وأنس والنعمان بن بشير كل يرفعه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، والرقيم على هذا بمعنى محل في الجبل، وقيل بمعنى الصخرة، وقيل بمعنى الجبل، ويكون ذكر ذلك تلميحاً إلى قصتهم وإشارة إلى أنه تعالى لا يضيع عمل أحد خيراً أو شراً فهو غير مقصود بالذات، ولا يخفى أن ذلك بعيد عن السياق، وليس في الأخبار الصحيحة ما يضطرنا إلى ارتكابه فتأمل.
ابن عاشور
تفسير : (أم) للإضراب الانتقالي من غرض إلى غرض. ولما كان هذا من المقاصد التي أنزلت السورة لبيانها لم يكن هذا الانتقال اقتضاباً بل هو كالانتقال من الديباجة والمقدمة إلى المقصود. على أن مناسبة الانتقال إليه تتصل بقوله تعالى: { أية : فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفاً } تفسير : [الكهف: 6]، إذ كان مما صرف المشركين عن الإيمان إحالتهم الإحياء بعد الموت، فكان ذكر أهل الكهف وبعثِهم بعد خمودهم سنين طويلة مثالاً لإمكان البعث. و{أم} هذه هي (أم) المنقطعة بمعنى (بل)، وهي ملازمة لتقدير الاستفهام معها، يقدر بعدها حرف استفهام، وقد يكون ظاهراً بعدها كقول أفْنُون التغلبي: شعر : أنّى جَزَوا عامراً سُوءاً بضعته أم كيف يجزونني السُّوأَى عن الحسن تفسير : والاستفهام المقدر بعد (أم) تعجيبي مثل الذي في البيت. والتقدير هنا: أحسبت أن أصحاب الكهف كانوا عجباً من بين آياتنا، أي أعجب من بقية آياتنا، فإن إماتة الأحياء بعد حياتهم أعظم من عجب إنامة أهل الكهف. لأن في إنامتهم إبقاءً للحياة في أجسامهم وليس في إماتة الأحياء إبقاء لشيء من الحياة فيهم على كثرتهم وانتشارهم. وهذا تعريض بغفلة الذين طلبوا من النبي صلى الله عليه وسلم بيان قصة أهل الكهف لاستعلام ما فيها من العجب، بأنَهم سألوا عن عجيب وكفروا بما هو أعجب، وهو انقراض العالم، فإنهم كانوا يعرضون عن ذكر فناء العالم ويقولون: { أية : ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر } تفسير : [الجاثية: 24]. أي إن الحياة إلا حياتنا الدنيا لا حياة الآخرة وأن الدهر يهلكنا وهو باقٍ. وفيه لفت لعقول السائلين عن الاشتغال بعجائب القصص إلى أن الأولى لهم الاتعاظ بما فيها من العِبر والأسباب وآثارها. ولذلك ابتدىء ذكر أحوالهم بقوله: { أية : إذ أوى الفتية إلى الكهف فقالوا ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيىء لنا من أمرنا رشداً } تفسير : [الكهف: 10] فأعلم الناس بثبات إيمانهم بالله ورجائهم فيه، وبقوله: { أية : إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى } تفسير : [الكهف: 13]. الآيات الدالِّ على أنهم أبطلوا الشرك وسفهوا أهله تعريضاً بأن حق السامعين أن يقتدوا بهداهم. والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم. والمراد: قومه الذين سألوا عن القصة، وأهل الكتاب الذين أغروهم بالسؤال عنها وتطلب بيانها. ويظهر أن الذين لقنوا قريشاً السؤال عن أهل الكهف هم بعض النصارى الذين لهم صلة بأهل مكة من التجار الواردين إلى مكة؛ أو من الرهبان الذين في الأديرة الواقعة في طريق رحلة قريش من مكة إلى الشام وهي رحلة الصيف. ومحل التعجب هو قوله: {من آياتنا}، أي من بين آياتنا الكثيرة المشاهدة لهم وهم لا يتعجبون منها ويقصرون تعجبهم على أمثال هذه الخوارق؛ فيؤول المعنى إلى أن أهل الكهف ليسوا هم العجب من بين الآيات الأخرى، بل عجائب صنع الله تعالى كثيرة منها ما هو أعجب من حال أهل الكهف ومنها ما يساويها. فمعنى (مِن) في قوله: {من آياتنا} التبعيض، أي ليست قصة أهل الكهف منفردة بالعجب من بين الآيات الأخرى، كما تقول: سأل فلاناً فهو العالم منا، أي المنفرد بالعلم من بيننا. ولك أن تجعلها للظرفية المجازية، أي كانوا عجباً في آياتنا، أي وبقية الآيات ليست عجباً. وهذا نداء على سوء نظرهم إذ يعلقون اهتمامهم بأشياء نادرة وبين يديهم من الأشياء ما هو أجدر بالاهتمام. وأخبر عن أصحاب الكهف بالعجب وإنما العجب حالهم في قومهم، فَثمّ مضاف محذوف يدل عليه الكلام. وأخبر عن حالهم بالمصدر مبالغة، والمراد عجيب. والكهف: الشق المتسع الوسط في جبل، فإن لم يكن متسعاً فهو غار. والرقيم: فعيل بمعنى مفعول من الرقم وهو الكتابة. فالرقيم كتاب كان مع أصحاب الكهف في كهفهم. قيل: كتبوا فيه ما كانوا يدينون به من التوحيد، وقيل: هو كتاب دينهم، دينٍ كان قبل عيسى ــــ عليه السلام ــــ، وقيل: هو دين عيسى، وقيل: كتبوا فيه الباعث الذي بعثهم على الالتجاء إلى الكهف فراراً من كفر قومهم. وابتدأ القرآن من قصتهم بمحل العبرة الصادقة والقدوة الصالحة منه، وهو التجاؤهم إلى ربهم واستجابته لهم. وقد أشارت الآية إلى قصة نفَر من صالحي الأمم السالفة ثبتوا على دين الحق في وقت شيوع الكفر والباطل فانزووا إلى الخلوة تجنباً لمخالطة أهل الكفر فأووا إلى كهف استقروا فيه فراراً من الفتنة في دينهم، فأكرمهم الله تعالى بأن ألقَى عليهم نوماً بقُوا فيه مدة طويلة ثم أيقظهم فأراهم انقراض الذين كانوا يخافونهم على دينهم. وبعد أن أيقنوا بذلك أعاد نومتهم الخارقة للعادة فأبقاهم أحياء إلى أمد يعلمه الله أو أماتهم وحفظ أجسادهم من البِلى كرامة لهم. وقد عَرَف الناس خبرهم ولم يقفوا على أعيانهم ولا وقفوا على رقيمهم، ولذلك اختلفوا في شأنهم، فمنهم من يثبت وقوع قصتهم ومنهم من ينفيها. ولما كانت معاني الآيات لا تتضح إلا بمعرفة ما أشارت إليه من قصة أهل الكهف تعين أن نذكر ما صح عند أعلام المؤرخين على ما فيه من اختلاف. وقد ذكر ابن عطية ملخصاً في ذلك دون تعريج على ما هو من زيادات المبالغين والقُصّاص. والذي ذكره الأكثر أن في بلد يقال له (أَبْسُس) ــــ بفتح الهمزة وسكون الموحدة وضم السين بعدها سين أخرى مهملة ــــ وكان بلداً من ثغور طرسوس بين حلب وبلاد أرمينية وأنطاكية. وليست هي (أفسس) ــــ بالفاء أخت القاف ــــ المعروفة في بلاد اليونان بشهرة هيكل المشتري فيها فإنها من بلاد اليونان وإلى أهلها كتب بُولس رسالته المشهورة. وقد اشتبه ذلك على بعض المؤرخين والمفسرين. وهي قريبة من(مَرْعش) من بلاد أرمينية، وكانت الديانة النصرانية دخلت في تلك الجهات، وكان الغالب عليها دين عبادة الأصنام على الطريقة الرومية الشرقية قبل تنصر قسطنطين، فكان من أهل (أبسُس) نفر من صالحي النصارى يقاومون عبادة الأصنام. وكانوا في زمن الأنبراطور (دوقيوس) ويقال (دقيانوس) الذي ملك في حدود سنة 237. وكان ملكه سنة واحدة. وكان متعصباً للديانة الرومانية وشديد البغض للنصرانيّة، فأظهروا كراهية الديانة الرومانية. وتوعدهم دوقيوس بالتعذيب، فاتفقوا على أن يخرجوا من المدينة إلى جبل بينه وبين المدينة فرسخان يقال له (بنجلوس) فيه كهف أووا إليه وانفردوا فيه بعبادة الله. ولما بلغ خبر فرارهم مسامع الملك وأنهم أووا إلى الكهف أرسل وراءهم فألقى الله عليهم نومةً فظنهم أتباعُ الملك أمواتاً. وقد قيل: إنه أمر أن تُسد فوهة كهفهم بحائط، ولكن ذلك لم يتم فيما يظهر لأنه لو بني على فوهة كهفهم حائط لما أمكن خروج من انبعث منهم. ولعل الذي حال دون تنفيذ ما أمر به الملك أن مدته لم تطل في الملك إذ لم تزد مدته على عام واحد، وقد بقوا في رقدتهم مدة طويلة قربها ابن العبري بمائتين وأربعين سنة، وكان انبعاثهم في مدة مُلك (ثاوذوسيوس) فيصر الصغير، وذكر القرآن أنها ثلاثمائة سنة. ثم إن الله جعلهم آية لأنفسهم وللناس فبعثهم من مرقدهم ولم يعلموا مدة مكثهم وأرسلوا أحدهم إلى المدينة، وهي (أبسس)، بدراهم ليشتري لهم طعاماً. فعجب الناس من هيئته ومن دراهمه وعجب هو مما رأى من تغيير الأحوال. وتسامَع أهل المدينة بأمرهم، فخرج قيصر الصغير مع أساقفةٍ وقسيسين وبطارقة إلى الكهف فنظروا إليهم وكلموهم وآمنوا بآيتهم، ولما انصرفوا عنهم ماتوا في مواضعهم، وكانت آية تأيّد بها دين المسيح. والذي في «كتاب الطبري» أن الذين ذهبوا إلى مشاهدة أصحاب الكهف هم رئيسا المدينة (أريوس) و (أطيوس) ومن معهما من أهل المدينة، وقيل لما شاهدهم الناس كتبَ واليا المدينة إلى ملك الروم، فحضر وشاهدهم وأمر بأن يبنى عليهم مسجد. ولم يذكروا هَلْ نُفّذ بناء المسجد أو لم ينفذ. ولم يذكر أنه وقع العثور على هذا الكهف بعد ذلك. ولعله قد انهدم بحادث زلزال أو نحوه كرامة من الله لأصحابه، وإن كانت الأخبار الزائفة عن تعيينه في مواضع من بلدان المسلمين في أقطار الأرض كثيرة. وفي جنوب القطر التونسي موضع يُدعى أنه الكهف. وفي مواضع أخرى من بادية القطر مشاهد يسمونها السبعة الرقود اعتقاداً بأن أهل الكهف كانوا سبعة. وستعلم مثار هذه التوهمات. وفي «تفسير الألوسي» عن ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: غزونا مع معاوية غزو المَضيق نحو الروم فمررنا بالكهف الذي فيه أصحاب الكهف. فقال معاوية: لو كُشف لنا عن هؤلاء فنظرنا إليهم، فقال ابن عباس: ليس ذلك لك، قد منع الله ذلك مَن هو خير منك، فقال: { أية : لو اطلعتَ عليهم لوليتَ منهم فراراً } تفسير : [الكهف: 18] فقال معاوية: لا أنتهي حتى أعلم علمهم فبعث رجالاً وقال: اذهبوا فادخلوا الكهف وانظروا، فذهبوا فلما دخلوه بعث الله عليهم ريحاً فأخرجتهم. وروى عبد الرزاق وابن أبي حاتم عن عكرمة: أن ابن عباس غزا مع حبيب بن مسلمة فمروا بالكهف فإذا فيه عظام. فقال رجل: هذه عظام أهل الكهف. فقال ابن عباس: لقد ذهبت عظامهم منذ أكثر من ثلاثمائة سنة. وفي تفسير الفخر عن القفال عن محمد بن موسى الخوارزمي المنجم: «أن الواثق أنفذه ليعرف حال أصحاب الكهف، فسافر إلى الروم فوجه ملك الروم معه أقواماً إلى الموضع الذي يقال إنهم فيه، قال: وإن الرجل الموكل بذلك الموضع فزعني من الدخول عليهم، قال: فدخلت ورأيت الشعور على صدورهم، قال: وعرفت أنه تمويه واحتيال، وأن الناس كانوا قد عالجوا تلك الجثث بالأدوية المجففة لأبدان الموتى لتصونها عن البلى مثل التلطيخ بالصبر وغيره» ا هــــ. وقوله: (فسافر إلى الروم) مبني على اعتقادهم أن الكهف كان حول مدينة (أفسوس) ــــ بالفاء أخت القاف ــــ وهو وهم حصل من تشابه اسمي البلدين كما نبهنا عليه آنفاً، فإن بلد (أفسس) في زمن الواثق لا تزال في حكم قياصرة الروم بالقسطنطينية، ولذلك قال بعض المؤرخين: إن قيصر الروم لما بلغته بعثة الجماعة الذين وجههم الخليفة الواثق، أمر بأن يجعل دليل في رفقة البعثة ليسهل لهم ما يحتاجونه، أما مدينة (أبسس) ــــ بالباء الموحدة ــــ فقد كانت حينئذٍ من جملة مملكة الإسلام. قال ابن عطية: «وبالأندلس في جهة (أغرناطة) بقرب قرية تسمى (لُوشة) كهف فيه موتى ومعهم كلب رمة، وأكثرهم قد انجرد لحمه وبعضهم متماسك، وقد مضت القرون السالفة ولم نجدْ مِن علم شأنهم أثارةً، ويزعم الناس أنهم أصحاب الكهف، دخلت إليهم ورأيتُهم سنة أربع وخمسمائة، وهم بهذه الحال وعليهم مسجد وقريب منهم بناء رومي يسمى الرقيم كأنه قصر محلق (كذا بحاء مهملة لعله بمعنى مستدير كالحلقة) وقد بقي بعض جدرانه وهو في فلاة من الأرض حَزنة، وبأعلى حَضرة (أغرناطة) مما يلي القبلة آثار مدينة قديمة رومية يقال لها مدينة (دقيوس) وجدنا في آثارها غرائب في قبورها ونحوها» ا هــــ. وقصة أهل الكهف لها اتصال بتاريخ طور كبير من أطوار ظهور الأديان الحق، وبخاصة طور انتشار النصرانية في الأرض. وللكهوف ذكر شائع في اللوْذ إليها والدفن بها. وقد كان المتنصرون يُضطهدون في البلاد فكانوا يفرون من المدن والقرى إلى الكهوف يتخذونها مساكن فإذا مات أحدهم دفن هنالك، وربما كانوا إذا قتلوهم وضعوهم في الكهوف التي كانوا يتعبدون فيها. ولذلك يوجد في رومية كهف عظيم من هذه الكهوف اتخذه النصارى لأنفسهم هنالك، وكانوا كثيراً ما يستصحبون معهم كلباً ليدفع عنهم الوحوش من ذئاب ونحوها. وما الكهف الذي ذكره ابن عطية إلا واحد من هذه الكهوف. غير أن ما ذكر في سبب نزول السورة من علم اليهود بأهل الكهف، وجعلهم العلم بأمرهم أمارة على نبوءة محمد صلى الله عليه وسلم يبعد أن يكون أهل الكهف هؤلاء من أهل الدين المسيحي فإن اليهود يتجافون عن كل خبر فيه ذكر للمسيحية، فيحتمل أن بعض اليهود أووا إلى بعض الكهوف في الاضطهادات التي أصابت اليهود وكانوا يأوون إلى الكهوف. ويوجد مكان بأرض سُكرة قرب المرسى من أحواز تونس فيه كهوف صناعية حقق لي بعض علماء الآثار من الرهبان النصارى بتونس أنها كانت مخابىء لليهود يختفون فيها من اضطهاد الرومان القرطاجنيين لهم. ويجوز أن يكون لأهل كلتا الملتين اليهودية والنصرانية خبراً عن قوم من صالحيهم عرفوا بأهل الكهف أو كانوا جماعة واحدة ادعى أهل كلتا الملتين خبرها لصالحي ملته، وبُني على ذلك اختلاف في تسمية البلاد التي كان بها كهفهم. قال السهيلي في «الروض الأنف»: وأصحاب الكهف من أمة عجمية والنصارى يعرفون حديثهم ويؤرخون به ا هــــ. وقد تقدم طرف من هذا عند تفسير قوله تعالى: { أية : ويسألونك عن الروح } تفسير : في سورة الإسراء (85).
الشنقيطي
تفسير : {أَمْ} في هذه الآية الكريمة هي المنقطعة عن التحقيق، ومعناها عند الجمهور "بل والهمزة" وعند بعض العلماء بمعنى "بل" فقط، فعلى القول الأول فالمعنى: بل أحسبت، وعلى الثاني - فالمعنى: بل حسبت، فهي على القول الأول جامعة بين الإضراب والإنكار. وعلى الثاني - فهي للإضراب الانتقالي فقط. وأظهر الأقوال في معنى الآية الكريمة: أن الله يقول لنبيه صلى الله عليه وسلم: إن قصة أصحاب الكهف وإن استعظمها الناس وعجبوا منها، فليست شيئاً عجباً بالنسبة إلى قدرتنا وعظيم صنعنا فإن خلقنا للسموات الأرض وجعلنا ما على الأرض زينة لها، وجعلنا إياها بعد ذلك صعيداً جرزاً - أعظم وأعجب مما فعلنا بأصحاب الكهف، ومن كوننا أنمناهم هذا الزمن الطويل، ثم بعثناهم، ويدل لهذا الذي ذكرنا آيات كثيرة: منها - أنه قال: {أية : إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى ٱلأَرْضِ زِينَةً لَّهَاً}تفسير : [الكهف: 7] إلى قوله - {أية : صَعِيداً جُرُزا }تفسير : [الكهف: 8]، ثم اتبع ذلك بقوله: {أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ ٱلْكَهْفِ} الآية، فدل ذلك على أن المراد أن قصتهم لا عجب فيها بالنسبة إلى ما خلقنا مما هو أعظم منها. ومنها - أنه يكثر في القرآن العظيم تنبيه الناس على أن خلق السموات والأرض أعظم من خلق الناس، ومن خلق الأعظم فهو قادر على الأصغر بلا شك، كقوله تعالى: {أية : لَخَلْقُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ أَكْـبَرُ مِنْ خَلْقِ ٱلنَّاسِ}تفسير : [غافر: 57] الآية، وكقوله: {أية : أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ ٱلسَّمَآءُ بَنَاهَا}تفسير : [النازعات: 27] إلى قوله {أية : مَتَاعاً لَّكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ}تفسير : [النازعات: 33] كما قدمناه مستوفى في سورة "البقرة والنحل". ومن خلق هذه المخلوقات العظام: كالسماء والأرض وما فيهما فلا عجب في إقامته أهل الكهف هذه المدة الطويلة، ثم بعثه إياهم، كما هو واضح. والكهف: النقب المتسع في الجبل، فإن لم يك واسعاً فهو غار. وقيل: كل غار في جبل: كهف. وما يروى عن أنس من أن الكهف نفس الجبل غريب، غير معروف في اللغة. واختلف العلماء في المراد بـ {الرقيم} في هذه الآية على أقوال كثيرة، قيل: الرقيم اسم كلبهم، و هو اعتقاد أمية بن أبي الصلت حيث يقول: شعر : وليس بها إلا الرقيم مجاوراً وصيدهم والقوم في الكهف همد تفسير : وعن الضحاك - أن الرقيم: بلدة بالروم، وقيل: اسم الجبل الذي فيه الكهف. وقيل: اسم للوادي الذي فيه الكهف. والأقوال فيه كثيرة. وعن ابن عباس أنه قال: لا أدري ما الرقيم؟ أكتاب أم بنيان؟. وأظهر الأقوال عندي بحسب اللغة العربية وبعض آيات القرآن: أن الرقيم معناه: المرقوم، فهو فعيل بمعنى مفعول، من رقمت الكتاب إذا كتبته، ومنه قوله تعالى {أية : كِتَابٌ مَّرْقُومٌ}تفسير : [المطففين: 9] الآية. سواء قلنا: إن الرقيم كتاب كان عندهم فيه شرعهم الذي تمسكوا به، أو لوح من ذهب كتبت فيه أسماؤهم وأنسابهم وقصتهم وسبب خروجهم، أو صخرة نقشت فيها أسماؤهم. والعلم عند الله تعالى. والظاهر أن أصحاب الكهف والرقيم: طائفة واحدة أضيفت إلى شيئين: أحدهما معطوف على الآخر، خلافاً لمن قال: إن أصحاب الكهف طائفة، وأصحاب الرقيم طائفة أخرى وأن الله قص على نبيه في هذه السورة الكريمة قصة أصحاب الكهف ولم يذكر له شيئاً عن أصحاب الرقيم: وخلافاً لمن زعم أن أصحاب الكهف هم الثلاثة الذين سقطت عليهم صخرة فسدت عليهم باب الكهف الذي هم فيه، فدعو الله بأعمالهم الصالحة: وهم البار بوالديه، والعفيف، والمستأجر. وقصتهم مشهورة ثابتة في الصحيح، إلا أن تفسير الآية بأنهم هم المراد - بعيد كما ترى. واعلم أن قصة أصحاب الكهف وأسماءهم، وفي أي محل من الأرض كانوا - كل ذلك لم يثبت فيه عن النَّبي صلى الله عليه وسلم شيء زائد على ما في القرآن، وللمفسرين في ذلك أخبار كثيرة إسرائيلية أعرضنا عن ذكرها لعدم الثقة بها. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: {عجباً} صفة لمحذوف، أي شيئاً عجباً. أو آية عجباً. وقوله: {من آياتنا} في موضع الحال. وقد تقرر في فن النحو أن نعت النكرة إذا تقدم عليها صار حالاً، وأصل المعنى: كانوا عجباً كائناً من آياتنا، فلما قدم النعت صار حالاً.
القطان
تفسير : الكهف: النقب المتسع في الجبل. الرقيم: اللوح الذي كتبت فيه اسماء اصحاب الكهف. فضربنا على آذانهم: أنمناهم عددا من السنين، والنائم عادة لا يسمع. ثم بعثناهم: ايقظناهم. احصى: اضبطُ لاوقات لبثهم. لقد انكر الذين استهوتهم الدنيا البعثَ، مع ان الوقائع تثبت الحياة بعد الرقود الطويل، وهذه قصة أهل الكهف واللوح الذي رُقمتْ أسماؤهم فيه بعد موتهم لم تكن وحدها من العجائب وان كانت قصةً خارقة للعادة. اما قصتهم فهي ان جماعة من الشباب آمنوا بربهم، وهربوا بدينهم من الاضطهاد، فلجأوا الى كهف، ودعوا ربهم ان ينقذَهم قائلين: ربنا آتِنا من عندك رحمة وهيّىء لنا من أمرنا رشَدا. فاستجبنا دعاءهم، فأنمناهم آمنين في ذلك الكهف سنين عديدة لا ينتبهون. ثم أيقظناهم لنعلم مَن مِن الحزبين اللذين اختلفا في مدة مُكثهم بالكهف أضْبَطُ احصاءً لطول المدة التى مكثوها. روي عن ابن عباس: ان الرقيم اسم قرية قرب أَيلة "العقبة"، ويقول ياقوت في معجم البلدان: "وبقرب البلقاء من اطراف الشام موضع يقال له الرقيم.." ويقول: "ان بالبلقاء بأرض العرب من نواحي دمشق موضعاً يزعمون انه الكهف والرقيم قرب عَمان، وذكروا ان عمّان هي مدينة دقيانوس" الملِكِ الذي كان في ذلك الزمان. وهناك اقوال كثيرة متضاربة علمُها عند الله. وقد اورد الطبري وغيره من المفسرين قصتهم، وليس لها سند صحيح، وقد اعتنى احد موظفي الآثار من اهل عمان بهذا الكهف وهو اليوم في ضواحي عمان، وعمل له باباً، وألّف رسالة مؤكدا فيها انه هو الكهف المقصود في القرآن، وبنى بجانبه مسجدا، والآن يزور الكهف كثير من السيّاح.
د. أسعد حومد
تفسير : {أَصْحَابَ} {آيَاتِنَا} (9) - قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي نُزُولِ هذِهِ السُّورَةِ: إِنَّ قُرَيْشاً أَرْسَلَتْ شَخْصَيْنِ إِلَى يَهُودِ المَدِينَةِ يَسَأَلُونَهُمْ رَأَيهُمْ فِي دَعْوَةِ مُحَمَّدٍ. فَقَالَ اليَهُودُ لِرَسُولَي قُرَيْشٍ: اسْأَلُوهُ عَنْ ثَلاَثَةِ أُمُورٍ، فَإِنْ أَجَابَكُمْ عَلَيهِنَّ فَإِنَّهُ نَبِيٌّ مُرْسَلٌ، وَإِلاَّ فَهُوَ رَجُلٌ مُتَقَوِّلٌ، فَتَرَوْا فِيهِ رَأْيَكُمْ. - سَلُوهُ عَنْ فِتْيَةٍ ذَهَبُوا فِي الدَّهْرِ الأَوَّلِ، مَا كَانَ مِنْ أَمْرِهِمْ فَإِنَّهُمْ قَدْ كَانَ لَهُمْ حَدِيثٌ عَجِيبٌ. - وَسَلُوهُ عَنْ رَجُلٍ طَوّافٍ بَلَغَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبِهَا، مَا كَانَ نَبَؤُهُ؟ - وَسَلُوهُ عَنِ الرُّوحِ مَا هُوَ؟ وَلَمَّا سَأَلَتْ قُرَيْشٌ النَّبِيَّ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ)، اسْتَمْهَلَهُمْ إِلَى الغَدِ وَلَمْ يَسْتَثْنِ (أَيْ إِنَّهُ لَمْ يَقُلْ إِنْ شَاءَ اللهُ)، فَتَأَخَّرَ الوَحْيُ عَنْهُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْماً، فَحَزِنَ الرَّسُولُ لِذلِكَ، وَتَقَوَّلَ المُشْرِكُونَ، ثُمَّ نَزَلَ عَلَيهِ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ بِهذِهِ السُّورَةِ. وَيَبْدَأُ تَعَالَى بِسَرْدِ قِصَّةِ أَهْلِ الكَهْفِ، وَهُمُ الفِتْيَةُ الَّذِينَ ذَهَبُوا فِي الدَّهْرِ الأَوَّلِ. وَيَقُولُ اللهُ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ صلى الله عليه وسلم إِنَّ أَمْرَهُمْ لَيْسَ عَجِيباً فِي قُدْرَتِنَا وَسُلْطَانِنا، فَإِنَّ اللهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا، وَخَلْقُ كُلِّ ذلِكَ أَعْجَبُ مِنْ أَخْبَارِ أَهْلِ الكَهْفِ. وَيَقُولُ تَعَالَى مُبْتَدِئاً سَرْدَ قِصَّةِ أَهْلِ الكَهْفِ: لاَ تَحْسَبْ أَنَّ قِصَّةَ أَهْلِ الكَهْفِ وَالرَّقِيمِ، الَّذِينَ نَامُوا أَمَداً طَوِيلاً، هِيَ الآيَةُ العَجِيبَةُ وَحْدَهَا مِنْ بَيْنِ آيَاتِنَا التِي لاَ تُعَدُّ وَلاَ تُحْصَى، وَالتِي تَدُلُّ عَلَى قُدْرَتِنا، فَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ، وَمَا بَيْنَهُمَا، وَمَا فِيهِما، أَعْجَبُ مِنْ قِصَّةِ أَهْلِ الكَهْفِ. أَمْ حَسِبْتَ - بَلْ ظَنَنْتَ. الكَهْفِ - النَّقَبِ المُتَّسِعِ فِي الجَبَلِ. الرَّقِيمِ - اللَّوْحِ فِيهِ أَسْمَاءُ أَهْلِ الكَهْفِ وَقِصَّتُهُمْ.
الثعلبي
تفسير : {أَمْ حَسِبْتَ}، معناه: بل أم حسبت، يعني: أظننت يا محمد {أَنَّ أَصْحَابَ ٱلْكَهْفِ وَٱلرَّقِيمِ كَانُواْ مِنْ آيَاتِنَا عَجَباً}؟ يعني: ليسوا أعجب آياتنا؛ فإنّ ما خلقت من السماوات والأرض وما فيهنّ من العجائب أغرب منهم. والكهف هو الغار في الجبل. واختلفوا في الرقيم، فقال فيه ما روى ابن جريج عن موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إنّ ثلاثة نفر خرجوا يرتادون لأهلهم، بينا هم يمشون إذ أصابتهم السماء، فأووا إلى كهف فسقطت صخرة من الجبل فانطبقت على باب الكهف فانقفل عليهم، فقال قائل منهم: اذكروا أيّكم عمل حسنة لعل الله برحمته يرحمنا. فقال رجل منهم: قد عملت حسنة مرة، كان لي أُجراء يعملون عملاً استأجرت كل رجل منهم بأجر معلوم، فجاءني رجل ذات يوم وسط النهار فاستأجرته بشرط أصحابه، فعمل في بقية نهاره كما عمل الرجل منهم في نهاره كله، فرأيت عليَّ في الذِّمام ألاّ أُنقصه مّما استأجرت به أصحابه، لما جهد في عمله، فقال رجل منهم: أتعطي هذا ما أعطيتني ولا يعمل إلاّ نصف النهار؟ قلت: يا عبد الله لم أبخسك شيئاً من شرطك، وإنما هو مالي أحكم فيه ما شئت. قال: فغضب وذهب وترك أجره، فوضعت حقه في جانب من البيت ما شاء الله، ثمّ نزل بي بعد ذلك بقر فاشتريت به فصيلة من البقر، فبلغت ما شاء الله، فمرّ بي بعد حين شيخ ضعيف لا أعرفه، فقال لي: إنّ لي عندك حقاً. فذكره حتى عرفته، قلت: إيّاك أبغي وهذا حقّك. فعرضتها عليه جميعاً فقال: يا عبد الله، لا تسخر بي إن لم تتصدّق علي فأعطني حقي. قلت: والله لا أسخر، إنها لحقك ما لي فيه شيء، فدفعتها إليه. اللّهم إن كنت فعلت ذلك لوجهك فافرج عنّا. فانصدع الجبل حتى رأوا الضوء فأبصروا. وقال الآخر: قد عملت حسنة مرّة، كانت لي فضل، وأصاب النّاس شدّة، فجاءتني امرأة تطلب مني معروفاً، فقلت: والله ما هو دون نفسك. فأبت عليَّ، وذهبت ورجعت ثلاث مرات وقلت: لا والله ما هو دون نفسك. فأبت علّي وذهبت، وذكرت لزوجها، فقال لها: أعطيه نفسك وأغيثي عيالك. فرجعت إليّ ونشدتني بالله، فأبيت عليها وقلت: والله ما هو دون نفسك. فلّما رأت ذلك أسلمت إلىّ نفسها، فلّما تكشّفتها وهممت بها ارتعدت من تحتي، فقلت لها: ما شأنك؟ قالت: أخاف الله رب العالمين. فقلت لها: خفتِه في الشدّة ولم أخفه في الرخاء فتركتها وأعطيتها ما يحق علىّ بما تكشفتها. اللهمّ إن كنت فعلت ذلك لوجهك فافرج عنا. فانصدع حتى تعارفوا وتبيّن لهم. وقال الآخر: قد عملت حسنة مرّة، كان لي أبوان شيخان كبيران، وكان لي غنم، فكنت أُطعم أبوىَّ وأسقيهما ثمّ أرجع إلى أهلي. قال: فأصابني يوماً غيث حبسني حتى أمسيت فأتيت أهلي فأخذت محلبي وحلبت غنمي وتركتها قائمة فمضيت إليهما، فوجدتهما ناما، فشقّ عليَّ أن أُوقضهما، وشقّ عليَّ أن أترك غنمي فما برحت جالساً ومحلبي على يدي حتى أيقظهما الصبح فسقيتهما. اللهم إن فعلت ذلك لوجهك فافرج عنّا". قال النعمان لكأني أسمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "قال الجبل طاق، ففرج الله عنهم وخرجوا ". تفسير : وقال ابن عباس: الرقيم واد بين غطفان وأيلة، وهو الوادي الذي فيه أصحاب الكهف. وقال كعب هي قريتهم. وهو على هذا التأويل من رقمة الوادي وهو موضع الماء منه، تقول العرب: عليك بالرقمة، ودع الضّفة. والضِّفتان: جانبا الوادي. وقال سعيد بن جبير: الرَّقيم لوح من حديد، وقيل: من رصاص، كتبوا فيه أسماء أصحاب الكهف وقصتهم، ثمّ وضعوه على باب الكهف. وهو على هذا التأويل بمعنى المرقوم، أي المكتوب. والرّقم: الخط والعلامة، والرقم: الكتابة. ثمّ ذكر قصتهم فقال: {إِذْ أَوَى ٱلْفِتْيَةُ إِلَى ٱلْكَهْفِ}، أي رجعوا وصاروا. واختلفوا في مسيرهم إلى الكهف، فقال محمد بن إسحاق بن يسار: مرج أهل الإنجيل وعظمت فيهم الخطايا وطغت فيهم الملوك حتى عبدوا الأصنام وذبحوا للطواغيت، وفيهم بقايا على دين المسيح ابن مريم (عليه السلام)، متمسكين بعبادة الله عزّ وجّل وتوحيده. وكان ممّن فعل ذلك من ملوكهم ملك من الروم يُقال له دقيانوس كان قد عبد الأصنام وذبح للطواغيت وقتل من خالفه في ذلك ممّن أقام على دين المسيح. وكان ينزل بقرى الروم فلا يترك في قرية ينزلها أحداً إلاّ فتنه حتى يعبد الأصنام، ويذبح للطواغيت، حتى نزل مدينة أصحاب الكهف وهي أفسوس، فلما نزلها كبر ذلك على أهل الإيمان فاستخفوا منه وهربوا في كل وجه. وكان دقيانوس قد أمر حين قدمها أن يتتبّع أهل الإيمان، فيجمعوا له، واتّخذ شرطاً من الكفار من أهلها، فجعلوا يتتبعون أهل الإيمان في مساكنهم فيخرجونهم إلى دقيانوس فيقدمهم إلى الجامع الذي يذبح فيه للطواغيت، فيخيرهم بين القتل وبين عبادة الأصنام والذبح للطواغيت، فمنهم من يرغب في الحياة ومنهم من يأبى أن يعبد غير الله فيُقتل. فلما رأى ذلك أهل الشّدة في الإيمان بالله عز وجّل، جعلوا يسلمون أنفسهم للعذاب والقتل، فيُقتّلون ويقطّعون ثمّ يربط ما قُطع من أجسامهم على سور المدينة من نواحيها كلّها وعلى كلّ باب من أبوابها، حتّى عظمت الفتنة على أهل الإيمان فمنهم من أقّر فتُرك ومنهم مَن صَلُبَ على دينه فقتل. فلما رأى الفتية ذلك حزنوا حزناً شديداً، فقاموا وصلّوا وصاموا واشتغلوا بالدعاء والتسبيح لله عز وجّل، وكانوا من أشراف الرّوم، وكانوا ثمانية نفر، فبكوا وتضرّعوا وجعلوا يقولون: {رَبُّنَا رَبُّ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ لَن نَّدْعُوَاْ مِن دُونِهِ إِلـٰهاً لَّقَدْ قُلْنَا إِذاً شَطَطاً}، اكشف عن عبادك هذه الفتنة، وارفع عنهم البلاء، وأنعم على عبادك الذين آمنوا بك حتى يعلنوا عبادتك. فبينا هم على ذلك إذ أدركهم الشرَط، وكانوا قد دخلوا في مصلّى لهم فوجدوهم سجوداً على وجوههم يبكون ويتضرّعون إلى الله عز وجّل ويسألونه أن ينجيهم من دقيانوس وفئته. فلما رآهم أُولئك الكفرة قالوا لهم: ما خلفكم عن أمر الملك؟ انطلقوا إليه. ثمّ خرجوا من عندهم فرفعوا أمرهم إلى دقيانوس، فقالوا: نجمع الجميع وهؤلاء الفتية من أهل بيتك يسخرون منك ويعصون أمرك؟ فلما سمع ذلك أُتي بهم تفيض أعينهم من الدّمع، معفّرة وجوههم في التراب، فقال لهم: ما منعكم أن تشهدوا لذبح الآلهة الّتي تعبد في الأرض، وأن تجعلوا أنفسكم كغيركم؟ اختاروا إمّا أن تذبحوا لآلهتنا كما ذبح النّاس وإما أن أقتلكم. فقال مكسلمينا وكان أكبرهم: إن لنا إلهاً ملأ السماوات والأرض عظمته، لن ندعو من دونه إلهاً أبداً، ولن نقرّ بهذا الذي تدعونا إليه أبداً، ولكنّا نعبد الله ربّنا، وله الحمد والتكبير والتّسبيح من أنفسنا خالصاً، إيّاه نعبد، وإيّاه نسأل النجاة والخير فأمّا الطواغيت وعبادتها، فلن نعبدها أبداً، فاصنع بنا ما بدا لك. ثمّ قال أصحاب مكسلمينا لدقيانوس مثل ما قال له، فلما قالوا ذلك أمرهم فنُزع عنهم لبوس كان عليهم من لبوس عظمائهم، ثمّ قال: أمّا إذا فعلتم فإنّي أُؤخركم، وسأفرغ لكم فأُنجز لكم ما وعدتكم من العقوبة، وما يمنعني أن اعجل ذلك لكم إلاّ أني أراكم شباباً، حديثة أسنانكم، ولا أُحب أن أُهلككم حتى أجعل لكم أجلاً تذكّرون فيه، وتراجعون عقولكم. ثمّ أمر بحلية كانت عليهم من ذهب وفضة فنزعت منهم، ثمّ أمر بهم حتى أُخرجوا من عنده، وانطلق دقيانوس إلى مدينة سوى مدينتهم التي كانوا بها قريباً منهم لبعض أُموره، فلما رأى الفتية أن دقيانوس قد خرج من مدينتهم بادروا قدومه، وخافوا إذا قدم مدينتهم أن يذكرهم، فائتمروا بينهم أن يأخذ كلّ رجل نفقة من بيت أبيه فيتصدقوا بها ويتزوّدوا مما بقي، ثمّ ينطلقوا إلى كهف قريب من المدينة في جبل يقال له ينجلوس فيمكثون فيه، ويعبدون الله عزّ وجلّ، حتى إذا جاء دقيانوس أتوه فقاموا بين يديه فيصنع بهم ما شاء. فلما قال ذلك بعضهم لبعض، عمد كلّ فتى منهم إلى بيت أبيه وأخذ نفقة فتصدّقوا بها، انطلقوا بما بقي معهم من نفقتهم، وأتبعهم كلب كان لهم، حتى إذا أتوا ذلك الكهف الذي في ذلك الجبل تلبثوا فيه. وقال كعب الأحبار: مروا بكلب فنبح عليهم فطردوه، فعاد ففعلوا ذلك مراراً، فقال لهم الكلب: ما تريدون منّي؟ لا تخشون إجابتي. أنا أُحب أحبّاء الله، فناموا حتى أحرسكم. وقال ابن عباس: هربوا ليلاً من دقيانوس بن جلانوس حيث دعاهم إلى عبادة الأصنام، وكانوا سبعة فمروا براع معه كلب، وكان على دينهم، فخرجوا من البلد فأووا إلى الكهف، وهو قريب من البلدة، فلبثوا فيه ليس لهم عمل إلاّ الصلاة والتسبيح والتكبير والتّحميد ابتغاء وجه الله تعالى، فجعلوا نفقتهم إلى فتىً منهم يُقال له تمليخا، فكان على طعامهم يبتاع لهم أرزاقهم من المدينة سرًّا، وكان من أجملهم وأجلدهم. وكان تمليخا يصنع ذلك، فإذا دخل البلد يضع ثيابا كانت عليه حساناً، ويأخذ ثياباً كثياب المساكين الذين يستطعمون فيها، ثمّ يأخذ ورقة فينطلق إلى المدينة فيشتري طعاماً وشراباً ويسّمّع ويتجسس لهم الخبر: هل ذكروا أصحابه بشيء؟ ثمّ يرجع إلى أصحابه. فلبثوا بذلك ما لبثوا، ثمّ قدم دقيانوس الجبّار إلى المدينة فأمر العظماء فذبحوا للطواغيت، ففزع من ذلك أهل الإيمان، وكان تمليخا بالمدينة يشتري لأصحابه طعامهم وشرابهم، فرجع إلى أصحابه وهو يبكي ومعه طعام قليل، فأخبرهم أنّ الجبّار دقيانوس قد دخل المدينة، وأنهم ذُكروا والتُمسوا مع عظماء المدينة ليذبحوا للطواغيت. فلما أخبرهم فزعوا ووقعوا سجوداً يدعون الله عز وجّل ويتضرّعون ويتعوّذون به من الفتنة. ثمّ إنّ تمليخا قال لهم: ارفعوا رؤوسكم فاطعموا من رزق الله وتوكلّوا على بارئكم. فرفعوا وأعينهم تفيض من الدمع حزناً وخوفاً على أنفسهم، فطعموا منه وذلك مع غروب الشمس. ثمّ جلسوا يتحدّثون ويتدارسون ويذكر بعضهم بعضاً، فبينا هم على ذلك إذ ضرب الله على آذانهم في الكهف وكلبهم باسط ذراعيه بباب الكهف، فأصابه ما أصابهم، وهم مؤمنون موقنون، ونفقتهم عند رؤوسهم. فلما كان من الغد تفقّدهم دقيانوس والتمسهم فلم يجدهم، فقال لبعضهم: لقد ساءني هؤلاء الفتية الذين ذهبوا، لقد كانوا ظنوني غضِباً عليهم بجهلهم ما جهلوا من أمري، ما كنت لأحمل عليهم في نفسي ولا لواحد منهم إن تابوا وعبدوا آلهتي فقال له عظماء المدينة: ما أنت بحقيق أن ترحم قوماً فجرة مردة عصاة مقيمين على ظلمهم ومعصيتهم، وقد كنت أجّلت لهم أجلاً، فلوا شاؤوا لرجعوا في ذلك الأجل، ولكنّهم لم يتوبوا. فلما قالوا له ذلك غضب غضباً شديداً، ثمّ أرسل إلى آبائهم فسألهم عنهم، فقال: أخبروني عن أبنائكم المردة الذين عصوني. فقالوا له: أمّا نحن فلم نعصك، فلم تقتلنا بقوم مردة قد ذهبوا بأموالنا وأهلكوها في أسواق المدينة ثمّ انطلقوا فارتقوا إلى جبل يدعى ينجلوس؟ فلما قالوا له ذلك خلّى سبيلهم، وجعل لا يدري ما يصنع بالفتية، فألقى الله عز وجّل في نفسه أن يأمر بالكهف فيُسد عليهم، أراد الله عز وجل أن يكرمهم ويجعلهم آية لأُمّة يَستخلف من بعدهم، وأن يبين لهم أن الساعة آتية لا ريب فيها وأنّ الله يبعث من في القبور. فأمر دقيانوس بالكهف أن يسد عليهم، وقال: دعوهم كما هم في الكهف يموتوا عطشاً وجوعاً، وليكن كهفهم الذي اختاروا قبراً لهم. وهو يظن أنهم أيقاظ يعلمون ما يصنع بهم، قد توفى الله أرواحهم وفاة النوم وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد، بباب الكهف قد غشيه ما غشيهم، يتقلّبون ذات اليمين وذات الشمال. ثمّ إن رجلين مؤمنين كانا في بيت الملك دقيانوس يكتمان إيمانهما، اسم أحدهما بيدروس، واسم الآخر روتاس ائتمرا أن يكتبا شأن الفتية وأنسابهم وأسماءهم وخبرهم في لوح من رصاص يجعلانه في تابوت من نحاس، ثمّ يجعلان التابوت في البنيان، وقالا: لعل الله يظهر على هؤلاء الفتية قوماً مؤمنين قبل يوم القيامة فيعلم من فتح عليهم خبرهم حين يقرأ هذا الكتاب. ففعلا، ثمّ بنيا عليه، فبقي دقيانوس ما بقي، ثمّ مات وقومه وقرون بعد كثيرة، وخلفت الملوك بعد الملوك. وقال عبيد بن عمير: كان أصحاب الكهف فتياناً مطوّقين مسوّرين ذوي ذوائب، وكان معهم كلب صيدهم، فخرجوا في عيد لهم عظيم في زيّ وموكب وأخرجوا معهم آلهتهم التي يعبدونها من دون الله، وقد قذف الله في قلوب الفتية الإيمان وكان أحدهم وزير الملك فآمنوا، وأخفى كل واحد منهم الاِيمان عن صاحبه فقالوا في أنفسهم من غير أن يظهر بعضهم لبعض: نخرج من بين أظهر هؤلاء القوم لا يصيبنا عقاب بجرمهم، فخرج شاب منهم حتى انتهى إلى ظل شجرة فجلس فيه، ثمّ خرج آخر فرآه جالساً وحده، فرجا أن يكون على مثل أمره من غير أن يظهر ذلك، فجلس إليه ثمّ خرج الآخرون فجاؤوا فجلسوا إليهما، فاجتمعوا وقال بعضهم لبعض: ما جمعكم، وكل واحد يكتم إيمانه على صاحبه مخافة على نفسه؟ ثمّ قالوا: ليخرج كل فتيين منكم فيخلوَا ثمّ ليفششِ كل واحد منكم إلى صاحبه. فخرج فتيان منهم فتواقفا ثمّ تكلّما فذكر كل واحد منهما أمره لصاحبه، فأقبلا مستبشرين إلى أصحابهما فقالا: قد اتفقنا على أمر واحد. فإذا هم جميعاً على الإيمان، وإذا كهف في الجبل قريب منهم، فقال بعضهم لبعض: {فَأْوُوا إِلَى ٱلْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِّن رَّحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِّنْ أَمْرِكُمْ مِّرْفَقاً} . فدخلوا ومعهم كلب صيد، فناموا {ثَلاثَ مِاْئَةٍ سِنِينَ وَٱزْدَادُواْ تِسْعاً}. قال: وفقدهم قومهم، وطلبوهم فعمّى الله عليهم آثارهم وكهفهم، فلما لم يقدموا كتب أحدهم في لوح: فلان وفلان أبناء ملوكنا، فقدناهم في شهر كذا من سنة كذا في مملكة فلان بن فلان. ووضعوا اللوح في خزانة الملك وقالوا: ليكوننّ لهذا شأن. ومات ذلك الملك، وجاء قرن بعد قرن. وقال وهب بن منبّه: جاء أحد حواريّ عيسى بن مريم (عليه السلام) الى مدينة أصحاب الكهف، فأراد أن يدخلها، فقيل له: إن على بابها صنماً لا يدخلها أحد إلاّ سجد له. فكره أن يدخلها فأتى حمّاماً قريباً من تلك المدينة، فكان فيه، وكان يؤاجر نفسه من الحمامي ويعمل فيه. ورأى صاحب الحمام في حمامه البركة، ودرّ عليه الرزق، وجعل يقوم عليه، وعلقه فتية من أهل المدينة، فجعل يخبرهم خبر السماء وخبر الأرض وخبر الآخرة حتى آمنوا به وصدّقوه، وكانوا على مثل حاله في حسن الهيئة. وكان شرطه على صاحب الحمام: إن الليل لي لا يحول بيني وبين الصلاة أحد، وكان على ذلك حتى أتى ابن الملك بامراة فدخل بها الحمام، فعيّره الحواري وقال له: أنت ابن الملك وتدخل مع هذه؟ فاستحيا، فذهب، فرجع مرّة أُخرى فقال له مثل ذلك، فسبّه وانتهره ولم يلتفت حتى دخلا معاً فماتا جميعاً في الحمام، فأُتي الملك فقيل له: قتل صاحب الحمام ابنك. فالتُمس فلم يُقدر عليه، فهرب، فقال: من كان يصحبه؟ فسمّوا الفتية فالتُمسوا فخرجوا من المدينة، فمرّوا بصاحب لهم في زرع وهو على مثل إيمانهم فذكروا له أنهم التُمسوا، فانطلق معهم ومعه كلب حتى آواهم الليل إلى الكهف فدخلوا وقالوا: نبيت هاهنا الليلة، ثمّ نصبح إن شاء الله فترون رأيكم. فضرب الله على آذانهم. فخرج الملك في أصحابه يتبعونهم حتى وجدوهم قد دخلوا الكهف، وكلّما أراد الرجل منهم دخوله أُرعب، فلم يطق أحد دخوله، وقال قائل: أليس لو قدرت عليهم قتلتهم؟ قال: بلى. قال: فابنِ عليهم باب الكهف واتركهم فيه يموتوا عطشاً وجوعاً. ففعل. قال وهب: تركهم بعد ما سدّ عليهم باب الكهف زماناً بعد زمان، ثمّ إنّ راعياً أدركه المطر عند الكهف فقال: لو فتحت هذا الكهف فادخلته غنمي من المطر فلم يزل يعالجه حتى فتح، وردّ الله إليهم أرواحهم من الغد حين أصبحوا. وقال محمد بن إسحاق: ثمّ ملك أهل تلك البلاد رجل صالح يقال له تيدوسيس، فلما ملك بقي في ملكه ثمانياً وثلاثين سنة فتحزب الناس في ملكه، وكانوا أحزاباً؛ منهم من يؤمن بالله ويعلم أن الساعة حق، ومنهم من يكذّب بها، فكبر ذلك على الملك الصالح، وبكى إلى الله عز و جّل، وتضرّع إليه، وحزن حزناً شديداً. فلما رأى أهل الباطل يزيدون ويظهرون على أهل الحق ويقولون: لا حياة إلاّ الحياة الدنيا، وإنما تبعث الأرواح ولا تبعث الأجساد فأما الجسد فتأكله الأرض. ونسوا ما في الكتاب، فجعل تيدوسيس يرسل إلى من يظن فيه خيراً وأنه معه في الحق، فجعلوا يكذبون بالساعة حتى كادوا يحولون الناس عن الحقّ وملّة الحواريين. فلما رأى ذلك الملك الصالح تيدوسيس دخل بيته وأغلقه عليه ولبس مسحاً وجعل تحته رماداً ثمّ جلس عليه فدأب ليله ونهاره زماناً يتضرع إلى الله ويبكي مما يرى فيه الناس، ويقول: أي رب، قد ترى اختلاف هؤلاء الناس، فابعث إليهم من يبين لهم. ثمّ إن الرحمن الرحيم الذي يكره هلكة العباد أراد أن يظهر على الفتية أصحاب الكهف ويبين للناس شأنهم ويجعلهم آية له وحجة عليهم، وليعلموا أن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن يستجيب لعبده الصالح تيدوسيس ويتم نعمته عليه، ولا ينزع عنه ملكه ولا الإيمان الذي أعطاه، وأن يعبد الله ولا يشرك به شيئاً، وأن يجمع من كان ببلده من المؤمنين. فألقى الله عز و جّل في نفس رجل من أهل ذلك البلد الذي به الكهف وكان اسم ذلك الرجل أولياس أن يهدم ذلك البنيان الذّي على فم الكهف، فيبني به حظيرة لغنمه، فأستاجر عاملين فجعلا ينزعان تلك الحجارة ويبنيان بها تلك الحظيرة حتى نزعا ما على فم الكهف، وفتحا عليهم باب الكهف، فحجبهم الله تعالى من الناس بالرعب. فيزعمون أن أشجع من يريد أن ينظر إليهم أن يدخل من باب الكهف لم يتقدم حتى يرى كلبهم دونهم إلى باب الكهف، نائماً. فلما نزعا الحجارة وفتحا باب الكهف أذن الله عز و جّل بالقدرة والعظمة والسلطان محيي الموتى للفتية أن يجلسوا بين ظهراني الكهف، فجلسوا فرحين مسفرة وجوههم طيبة أنفسهم، فسلّم بعضهم على بعض كأنما استيقظوا من ساعتهم التي كانوا يستيقظون بها إذا أصبحوا من ليلتهم التي يبيتون فيها. ثمّ قاموا إلى الصلاة فصلوا كالذي كانوا يفعلون، لا يُرى في وجوههم ولا أبشارهم ولا ألوانهم شيء ينكرونه، وإنما هم كهيئتهم حين رقدوا، وهم يرون أن ملكهم دقيانوس الجبّار في طلبهم. فلما قضوا صلاتهم قالوا لتمليخا صاحب نفقتهم: إيتنا يا أخانا ما الذي قال الناس في شأننا عشية أمسِ عند هذا الجبّار وهم يظنون أنهم قد رقدوا كبعض ما كانوا يرقدون، وقد خيّل إليهم أنهم قد ناموا كأطول ما كانوا ينامون في الليلة التي أصبحوا فيها، حتى تساءلوا بينهم فقال بعضهم لبعض: {كَم لَبِثْتُمْ قَالُواْ لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُواْ رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ}. وكل ذلك في أنفسهم يسير، فقال لهم تمليخا: افتقدتم والتُمستم بالمدينة وهو يريد أن يؤتى بكم اليوم فتذبحوا للطواغيت أو يقتلكم، فما شاء الله بعد ذلك فعل. فقال لهم مكسلمينا: يا إخوتاه، اعلموا أنكم ملاقو الله، فلا تكفروا بعد إيمانكم إذا دعاكم غداً. ثمّ قالوا لتمليخا: انطلق إلى المدينة فتسمّع ما يقال [عنّا] بها اليوم وما الذي نُذكر به عند دقيانوس، وتلطف ولا تشعرنّ بنا أحداً، وابتع لنا طعاماً فائتنا به، فإنه قد نالنا الجوع، وزدنا على الطّعام الذي جئتنا به فإنه كان قليلاً فقد أصبحنا جياعاً. ففعل تمليخا كما كان يفعل، ووضع ثيابه، وأخذ الثياب التي كان يتنكّر فيها، فأخذ ورقاً من نفقتهم الّتي كانت معهم التي ضربت بطابع دقيانوس، وكانت كخفاف الربع. فانطلق تمليخا خارجاً فلمّا مّر بباب الكهف رأى حجارة منزوعة عن باب الكهف فعجب منها، ثمّ مّر فلم يبالِ بها، حتى أتى باب المدينة مستخفياً يصدّ عن الطريق تخوّفاً أن يراه أحد من أهلها فيعرفه فيذهب إلى دقيانوس، ولا يشعر العبد الصالح أن دقيانوس وأهله قد هلكوا قبل ذلك بثلاثمائة سنة. فلما رأى تمليخا باب المدينة رفع بصره فرأى فوق ظهر الباب علامة تكون لأهل الإيمان، فلمّا رآها عجب وجعل ينطر إليها مستخفياً، فنظر يميناً وشمالاً ثمّ ترك ذلك الباب فتحوّل إلى باب آخر من أبو ابها فنظر فرأى مثل ذلك، فجعل يخيّل إليه أن المدينة ليست بالتي كان يعرف ورأى ناساً كثيراً محدثين لم يكن رآهم قبل ذلك، فجعل يمشي ويعجب ويخيل إليه أنه حيران، ثمّ رجع إلى الباب التي أتى منها، فجعل يتعجب منه ومن نفسه ويقول: ياليت شعري أمّا هذه عشية أمس فكان المسلمون يخفون هذه العلامة ويستخفون بها، فأما اليوم فإنها ظاهرة فلعلّي حالم ثمّ يرى أنه ليس بنائم، فأخذ كساءه فجعله على رأسه ثمّ دخل المدينة، فجعل يمشي بين ظهراني سوقها فيسمع ناساً كثيرين يحلفون باسم عيسى بن مريم، فزادهُ فرقاً فرأى أنه حيران، فقام مسنداً ظهره إلى جدار من جدر المدينة ويقول في نفسه: والله ما أدري ما هذا، أمّا عشية أمسِ فليس على الأرض إنسان يذكر عيسى بن مريم إلاّ قتل، وأمّا الغداة فأسمعهم وكلّ إنسان يذكر أمر عيسى ولا يخاف. ثمّ قال في نفسه: لعلّ هذه المدينة ليست بالمدينة التي أعرفها اسمع كلام أهلها ولا أعرف أحداً منهم والله ما أعلم مدينة قرب مدينتنا فقام كالحيران لا يتوجّه وجهاً، ثمّ لقي فتىً من أهل المدينة، فقال: ما اسم هذه المدينة يا فتى؟ قال: دفسُوس. فقال في نفسه: لعل بي مسّاً أو أمراً أذهب عقلي، والله يحقّ لي أن أُسرع بالخروج منها قبل أن أُخزى أو يصيبني شر فأهلك. هذا الذي حدّث به تمليخا أصحابه حين تبين له حالهم. ثمّ إنّه أفاق فقال: والله لو عجّلت الخروج منها قبل أن يفطن بي لكان أكيس بي. فدنا من الذين يبيعون الطعام فأخرج الورق التي كانت معه فأعطاها رجلاً منهم، فقال: يا عبد الله، بعني بهذا الورق طعاماً. فأخذها الرجل فنظر إلى ضرب الورق ونقشها، فعجب منها ثمّ طرحها إلى رجل من أصحابه، فنظر إليها. ثمّ جعلوا يتطارحونها من رجل إلى رجل، ويعجبون منها، ثمّ جعلوا يتسارّون من أجله، ففرق فرقاً شديداً وجعل يرتعد ويظن أنهم فطنوا به وعرفوه، وأنهم إنما يريدون أن يذهبوا به إلى ملكهم دقيانوس، وجعل أُناس آخرون يأتونه فيتعرّفونه، فقال لهم وهو شديد الفرق: أفصلوا عليّ، قد أخذتم ورقي فأمسكوا، وأما طعامكم فلا حاجة لي به. فقالوا: من أنت يا فتى؟ وما شأنك؟ والله لقد وجدت كنزاً من كنوز الأوّلين، وأنت تريد أن تخفيه عنا، انطلق معنا فأرناه وشاركنا فيه نُخفِ عليك ما وجدت؛ فإنك إن لم تفعل نأتِ بك السّلطان فنسلمك إليه فيقتلك. فلما سمع قولهم عجب في نفسه، وقال: قد وقعت في كل شيء أحذر منه، ثمّ قالوا: يا فتى، إنك والله ما تستطيع أن تكتم ما حدث، ولا تظن في نفسك أنك سنُخفي عليك. فجعل تمليخا ما يدري ما يقول لهم وما يرجع إليهم، وفرق حتى ما يخبرهم شيئاً، فلما رأوه لا يتكلم أخذوا كساءه وطوقوه في عنقه، ثمّ جعلوا يقودونه في سكك المدينة مكبباً، حتى سمع به من فيها، فقيل: أُخذ رجل عنده كنز، فاجتمع عليه أهل المدينة، صغيرهم وكبيرهم، فجعلوا ينظرون إليه ويقولون: والله ما هذا الفتى من أهل هذه المدينة، وما رأيناه فيها قط، وما نعرفه. فجعل تمليخا ما يدري ما يقول لهم مع ما يسمع منهم، فلما اجتمع عليه أهل المدينة فرق وسكت ولم يتكلم، ولو قال إنه من أهل المدينة لم يُصدّق، وكان مستيقناً أن أباه وإخوته بالمدينة، وأن حسبه في أهل المدينة من عظماء أهلها، وأنهم سيأتونه إذا سمعوا، وقد استيقن أنه عشية أمس يعرف كثيراً من أهلها وأنه لا يعرف اليوم من أهلها أحداً. فبينا هو قائم كالحيران ينتظر متى يأتيه بعض أهله: أبوه أو بعض إخوته فيخلصه من أيديهم إذ اختطفوه، فانطلقوا به إلى رئيسي المدينة ومدبرَيها اللذين يدبّران أمرها، وهما رجلان صالحان اسم أحدهما أرموس واسم الآخر أسطيوس. فلما انطلقوا به إليهما ظن تمليخا أنه يُنطلق به إلى دقيانوس الجبار ملكهم الذي هربوا منه، فجعل يلتفت يميناً وشمالاً، وجعل الناس يسخرون منه كما يسخرون من المجنون والحيران، فجعل تمليخا يبكي ثمّ رفع رأسه إلى السماء وإلى الله عزّ وجلّ، ثمّ قال: اللهم إله السماء والأرض أفرغ عليّ اليوم صبراً وأولج معي روحاً منك تؤيّدني به عند هذا الجبار. وجعل يبكي ويقول في نفسه: فرّق بيني وبين إخوتي، يا ليتهم يعلمون ما لقيت وأين يُذهب بي، ولو أنهم يعلمون فيأتون فنقوم جميعاً بين يدي هذا الجبار، فإنا كنا تواثقنا [لنكونن معاً] لا نكفر بالله ولا نشرك به شيئاً ولا نعبد الطواغيت من دون الله [ف ] فُرق بيني وبينهم فلن يروني ولن أراهم أبداً، وقد كنا تواثقنا على ألاّ نفترق في حياة ولا موت، يا ليت شعري ما هو فاعل بي؟ أقاتلي أم لا؟ هذا ما حدث به تمليخا أصحابه عن نفسه حتى انتهي به إلى الرجلين الصالحين: أرموس وأسطيوس، فلما رأى تمليخا أنه لم يذهب به إلى دقيانوس أفاق وسكن عنه البكاء، فأخذ أرموس وأسطيوس الورق، فنظرا إليه وعجبا منه ثمّ قال أحدهما: أين الكنز الذي وجدت يا فتى؟ هذا الورق يشهد عليك أنك وجدت كنزاً. فقال لهم تمليخا: ما وجدت كنزاً، ولكن هذا الورق ورق آبائي ونقش هذه المدينة وضربها، ولكن والله ما أدري ما شأني، وما أدري ما أقول لكما. فقال أحدهما: فمن أنت؟ فقال له: أمّا ما أرى فكنت أرى أني من أهل القرية. قالوا له: فمن أبوك [ومن] يعرفك بها؟ فأنبأهم باسم أبيه فلم يجدوا أحداً يعرفه، ولا أباه، فقال له أحدهما: أنت رجل كذّاب لا تخبرنا بالحقّ. ولم يدرِ ما يقول لهم غير أنه نكس بصره إلى الأرض، فقال بعض من حوله: هذا رجل مجنون. وقال بعضهم: ليس بمجنون، ولكن يحمّق نفسه عمداً لينفلت منكم. فقال له أحدهما، ونظر إليه نظراً شديداً: أتظن أنا نرسلك ونصدقك بأن هذا مال، أبيك وضرب هذا الورق ونقشها أكثر من ثلاثمئة سنة، وأنت غلام شاب تظن أنك تأفكنا وتسخر بنا، ونحن شرط كما ترى، وحولك سراة أهل المدينة وولاة أمرها، وخزائن هذه البلدة بأيدينا، وليس عندنا من هذا الضرب درهم ولا دينار؟ إنني لأظنني سآمر بك فتعذّب عذاباً شديداً ثمّ أُوثقك حتى تعترف بهذا الكنز الذي وجدت. فلّما قال له ذلك، قال تمليخا: أنبئوني عن شيء أسألكم عنه، فإن فعلتم صدّقتم ما عندي. قالوا له: سل، ما نكتمك شيئاً. فقال: ما فعل الملك دقيانوس؟ قالا له: ليس نعرف ملكاً يُسمى دقيانوس على وجه الأرض، ولم يكن إلاّ ملكاً قد هلك منذ زمان ودهر طويل، وهلكت بعده قرون كثيرة. قال لهم تمليخا: فوالله ما هو بمصدّقي أحد من الناس بما أقول، لقد كنا فتية، وإن الملك أكرهنا على عبادة الأوثان والذبح للطواغيت فهربنا منه عشية أمس فنمنا، فلما انتبهنا خرجت لأشتري لأصحابي طعاماً وأتجسّس الأخبار فإذا أنا كما ترون، فانطلقوا معي إلى الكهف الذي في جبل ينجلوس أُرِكم أصحابي. فلما سمع أرموس ما يقول تمليخا، قال: يا قوم لعلّ هذه آية من آيات الله عزّ وجلّ جعلها لكم على يدي هذا الفتى، فانطلقوا بنا معه يُرِنا أصحابه كما قال. فانطلق معهم أرموس وأسطيوس وانطلق معهما أهل المدينة كبيرهم وصغيرهم نحو أصحاب الكهف ينظرون إليهم. ولمّا رأى الفتية أصحاب الكهف أن تمليخا قد احتبس عليهم بطعامهم وشرابهم عن القدر الذي كان يأتي به، ظنوا أنه قد أُخذ فذهب به إلى ملكهم دقيانوس الذي هربوا منه، فبينا هم يظنون ذلك ويتخوفون إذ سمعوا الأصوات وجلبة الخيل مصعدة نحوهم، وظنوا أنهم رسل دقيانوس الجبّار وأنه بعث إليهم ليؤتى بهم، فقاموا حين سمعوا ذلك إلى الصلاة، وسلّم بعضهم على بعض، وقالوا: انطلقوا بنا نأتِ أخانا تمليخا، فإنه الآن بين يدي الجبّار دقيانوس ينتظر متى نأتيه، فبينا هم يقولون ذلك، وهم جلوس بين ظهراني الكهف، فلم يروا إلاّ أرموس وأصحابه وقوفاً على باب الكهف، وسبقهم تمليخا فدخل عليهم وهو ويبكي، فلما رأوه يبكي، بكوا معه وسألوه عن شأنه، فأخبرهم بخبره وقصَّ عليهم النبأ كلّه فعرفوا عند ذلك أنهم كانوا نياماً بأمر الله ذلك الزمان كلّه، وإنما أُوقظوا ليكونوا آية للناس، وتصديقاً للبعث، وليعلموا أن الساعة آتية لا ريب فيها. ثمّ دخل على آثر تمليخا أرموس فرأى تابوتاً من نحاس مختوماً بخاتم من فضة فقام بباب الكهف، ثمّ دعا رجالاً من عظماء المدينة ففتح التابوت عندهم فوجدوا فيه لوحين من رصاص مكتوباً فيها: (إن مكسلمينا ومجسلمينا وتمليخا ومرطولس وكسوطونس وبيوسرس وتكريوس وبطينوس كانوا فتية هربوا من ملكهم دقيانوس الجبار مخافة أن يفتنهم عن دينهم، فدخلوا هذا الكهف، فلمّا أُخبر بمكانهم أمر بالكهف فسّد عليهم بالحجارة، وإنا كتبنا شأنهم وخبرهم ليعلمه مَن بعدهم إن عثروا عليهم. فلمّا رأوه عجبوا وحمدوا الله الذي أراهم آية البعث فيهم، ثمّ إنهم رفعوا أصواتهم بحمد الله وتسبيحه، ثمّ دخلوا على فتية الكهف فوجدوهم جلوساً بين ظهرانيه مشرقة وجوههم، لم تبلَ ثيابهم، فخرّ أرموس وأصحابه سجّداً، وحمدوا الله الذي أراهم آية من آياته، ثمّ كلّم بعضهم بعضاً وأنبأهم الفتية عن الذي لقوا من ملكهم دقيانوس. ثمّ إن أرموس وأصحابه بعثوا بريداً إلى ملكهم الصالح تيدوسيس أن عجّل، لعلك تنظر إلى آية من آيات الله جعلها الله على ملكك، وجعلها آية للعالمين لتكون نوراً وضياءً وتصديقاً للبعث، فاعجل على فتية بعثهم الله تعالى، وقد كان توفّاهم منذ أكثر من ثلاثمئة سنة. فلما أتى الملك الخبر قام من المسندة التي كان عليها ورجع إليه عقله، وذهب عنه همّه، ورجع إلى الله عز و جّل، فقال: أحمدك الله ربّ السماوات والأرض، وأعبدك وأُسبّح لك تطوّلت علي، ورحمتني برحمتك، فلم تطفئ النّور الذي كنت جعلت لآبائي وللعبد الصالح قسطيطوس الملك. فلمّا نبّأ به أهل المدينة ركبوا وساروا حتى أتوا مدينة دقيانوس فتلقّاهم أهل المدينة وساروا معه حتى صعدوا نحو الكهف وأتوه، فلما رأى الفتية تيدوسيس فرحوا به وخرّوا سجّداً على وجوههم، وقام تيدوسيس قدامهم ثمّ اعتنقهم وبكى وهم جلوس بين يديه على الأرض يسبّحون الله عزّ وجلّ ويحمدونه، ثمّ قال الفتية لتيدوسيس: نستودعك الله، ونقرأ عليك السلام، وحفظك الله وحفظ ملكك ونعيذك بالله من شرّ الجن والإنس. فبينا الملك قائم إذ رجعوا إلى مضاجعهم فناموا وتوفّى الله أنفسهم، وقام الملك إليهم فجعل ثيابه عليهم وأمر أن يجعل لكل رجل منهم تابوت من ذهب، فلما أمسوا ونام أتوه في المنام فقالوا: إنّا لم نخلق من ذهب ولا فضّة، ولكنا خلقنا من تراب وإلى التراب نصير، فاتركنا كما كنّا في الكهف على التراب حتى يبعثنا الله عزّ وجلّ منه. فأمر الملك حينئذ بتابوت من ساج فجعلوا فيه وحجبهم الله تعالى حين خرجوا من عندهم بالرعب، فلم يقدر أحد على أن يدخل عليهم، وأمر الملك فجُعل على باب الكهف مسجدٌ يُصلّى فيه، وجعل لهم عيداً عظيماً، وأمر أن يؤتى كل سنة. وقيل: إنهم لما أتوا إلى باب الكهف قال تمليخا: دعوني حتّى أدخل على أصحابي فأُبشّرهم؛ فإنهم إن رأوكم معي أرعبتموهم. فدخل فبشّرهم، وقبض الله روحه وأرواحهم، وعمي عليهم مكانهم، فلم يهتدوا إليه. فهذا حديث أصحاب أهل الكهف. ويقال: حديث : إنّ نبي الله محمداً صلى الله عليه وسلم سأل ربّه أن يريه إيّاهم، فقال: "إنّك لن تراهم في دار الدنيا، ولكن ابعث إليهم أربعة من خيار أصحابك ليبلغوهم رسالتك ويدعوهم إلى الإيمان بك". فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لجبرئيل (عليه السلام): "كيف أبعثهم؟". قال: "ابسط كساءً لهم، وأجلس على طرف من أطرافها أبا بكر، وعلى الثاني عمر وعلى الثالث عليًّا، وعلى الرابع أبا ذر، ثمّ ادعُ الريح الرخاء المسخّر لسليمان بن داود (عليهما السلام) فإن الله تعالى أمرها أن تطيعك" . ففعل النبي صلى الله عليه وسلم ما أمره، فحملتهم الريح حتى انطلقت بهم إلى باب الكهف، فلما دنوا من الباب قلعوا منه حجراً، فقام الكلب حين أبصر الضوء فهرّ وحمل عليهم، فلما رآهم حرّك رأسه وبصبص بذنبه وأومأ برأسه أن ادخلوا، فدخلوا الكهف وقالوا: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. فردّ الله إليهم أرواحهم، فقاموا بأجمعهم وقالوا: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. فقالوا: إنّ نبي الله محمد ابن عبد الله صلى الله عليه وسلم يقرأ عليكم السلام. فقالوا: على محمد رسول الله السلام ما دامت السماوات والأرض، وعليكم بما بلّغتم. ثمّ جلسوا بأجمعهم يتحدثون، فآمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم وقبلوا دين الإسلام، وقالوا: أقرئوا محمداً منّا السلام. فأخذوا مضاجعهم وصاروا إلى رقدتهم إلى آخر الزمان عند خروج المهدي. ويقال: إنّ المهدي يسلّم عليهم، فيحييهم الله عزّ وجلّ، ثمّ يرجعون إلى رقدتهم ولا يقومون إلى يوم القيامة. ثمّ جلس كل واحد منهم على مكانه، وحملتهم الريح، وهبط جبرئيل (عليه السلام) [على النبي صلى الله عليه وسلم وأخبره] بما كان [منهم]، فلما أتوا النبي صلى الله عليه وسلم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "كيف وجدتموهم؟ وما الذي أجابوا؟". فقالوا: يا رسول الله، دخلنا عليهم فسلّمنا عليهم، فقاموا بأجمعهم، فردّوا السّلام، وبلّغناهم رسالتك فأجابوا وأنابوا وشهدوا أنّك رسول الله حقاً، وحمدوا الله عزّ وجلّ على ما أكرمهم بخروجك وتوجيه رسولك إليهم، وهم يقرئونك السلام. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "اللهم لا تفرّق بيني وبين أصهاري وأحبائي وأختاني، واغفر لمن أحبّني وأحب أهل بيتي وحامّتي، وأحبّ أصحابي" . تفسير : فذلك قوله عزّ وجلّ {إِذْ أَوَى} أي صار وانضم {ٱلْفِتْيَةُ إِلَى ٱلْكَهْفِ}، وهو غار في جبل ينجلوس، واسم الكهف خيرم، {فَقَالُواْ رَبَّنَآ آتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وَهَيِّىءْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَداً} أي يسّر لنا ما نلتمس من رضاك. وقال ابن عباس: {رَشَداً} أي مخرجاً من الغار في سلامة. وقيل: صواباً. قوله: {فَضَرَبْنَا عَلَىٰ آذَانِهِمْ} هذا من فصيحات القرآن التي أقرّت العرب بالقصور عن الإتيان بمثله، ومعناه: أنمناهم وألقينا وسلّطنا عليهم النوم، كما يقال: ضرب الله فلانَ بالفالج، أي ابتلاه به وأرسله عليه. وقيل: معناه حجبناهم عن السمّع، وسددنا نفوذ الصوت إلى مسامعهم، وهذا وصف الأموات والنيام. وقال قطرب: هو كقول العرب: ضرب الأمير علي يد الرعية، إذا منعهم عن العبث والفساد، وضرب السّيد على يدي عبده المأذون في التجارة، إذا منعه عن التصرّف فيها. قال الأسود بن يعفر، وكان ضريراً: شعر : ومن الحوادث لا أبا لك أنني ضربت عليّ الأرض بالأسداد تفسير : {سِنِينَ عَدَداً} أي معدودة، وهو نعت للسنين، فالعدّ المصدر، والعدد الاسم المعدود، كالنقص والنقض والخبط والحبط. وقال أبو عبيدة: هو نصب على المصدر. {ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ}، يعني من نومهم؛ { لِنَعْلَمَ أَيُّ الحِزْبَيْنِ أَحْصَىٰ لِمَا لَبِثُواْ أَمَداً}، وذلك حين تنازع المسلمون الأوّلون أصحاب الملك، والمسلمون الآخرون الذين أسلموا حين أوى أصحاب الكهف في قدر مدّة لبثهم في الكهف، فقال المسلمون الأولون: مكثوا في كهفهم ثلاثمئة سنة وتسع سنين، وقال المسلمون الآخرون: بل مكثوا كذا وكذا. فقال الأوّلون: الله أعلم بما لبثوا، فذلك قوله: {ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ}، لتعلموا {أَيُّ الحِزْبَيْنِ}: الفريقين {أَحْصَىٰ}: أصوب وأحفظ {لِمَا لَبِثُواْ} في كهفهم نياماً، {أَمَداً}: غاية. وقال مجاهد: عدداً. وفي نصبه وجهان: أحدهما على التفسير والثاني لوقوع {لِمَا لَبِثُواْ} عليه. {نَحْنُ نَقُصُّ}، أي نقرأ وننزل {عَلَيْكَ نبَأَهُم}، أي خبر أصحاب الكهف {بِٱلْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ}: شبان وأحداث {آمَنُواْ بِرَبِّهِمْ}، حكم الله لهم بالفتوّة حين آمنوا بلا واسطة لذلك. وقال أهل اللسّان: رأس الفتوّة الإيمان. وقال الجنيد: الفتوّة كفّ الأذى وبذل الندى، وترك الشكوى. وقيل: الفتوّة شيئان: اجتناب المحارم، واستعمال المكارم. وقيل: الفتى من لا يدّعي قبل الفعل، ولا يزكّي نفسه بعد الفعل. وقيل: ليس الفتى من يصبر على السياط، إنما الفتى من جاز على الصراط. وقيل: ليس الفتى من يصبر على السكين، إنما الفتى من يطعم المسكين. {وَزِدْنَاهُمْ هُدًى} إيماناً وبصيرة وإيقاناً. {وَرَبَطْنَا}: وشددنا {عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ} بالصبر، وألهمناهم ذلك، وقوّيناهم بنور الإيمان حتى صبروا على هجران دار قومهم وفراق ما كانوا فيه من خفض العيش، وفرّوا بدينهم إلى الكهف، {إِذْ قَامُواْ} بين يدي دقيانوس {فَقَالُواْ} حين عاتبهم على تركهم عبادة الصنم: {رَبُّنَا رَبُّ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ لَن نَّدْعُوَاْ}: لن نعبد {مِن دُونِهِ إِلـٰهاً لَّقَدْ قُلْنَا إِذاً شَطَطاً}، يعني إن دعونا غير الله، لقد قلنا إذن شططاً. قال ابن عباس ومقاتل: جوراً. قال قتادة: كذباً. وأصل الشطط والإشطاط: مجاوزة القدر، والإفراط. {هَـٰؤُلاۤءِ قَوْمُنَا}، يعني أهل بلدهم {ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ}، أي من دون الله {آلِهَةً}، يعني الأصنام يعبدونها من دون الله {لَّوْلاَ يَأْتُونَ عَلَيْهِم} أي هلاّ يأتون على عبادتهم {بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ}: بحجة واضحة؛ {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً}، فزعم أنّ له شريكاً وولداً ؟ ثمّ قال بعضهم لبعض: {وَإِذِ ٱعْتَزَلْتُمُوهُمْ}، يعني قومكم {وَمَا يَعْبُدُونَ إِلاَّ ٱللَّهَ}، أي واعتزلتم أصنامهم التي يعبدونها من دون الله. وكذلك هو في مصحف عبد الله: (وما يعبدون من دون الله). {فَأْوُوا إِلَى ٱلْكَهْفِ }، أي صيروا إليه {يَنْشُرْ}، أي يبسط لكم ويظهر {لَكُمْ رَبُّكُم مِّن رَّحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِّنْ أَمْرِكُمْ مِّرْفَقاً}، أي رزقاً رغداً. والمرفق: ما يرتفق به الانسان، وفيه لغتان: مَرفِق، ومِرفَق.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وقد وردتْ قصة أهل الكهف نتيجة لسؤال كفار مكة الذين أرادوا أنْ يُحرجوا رسول الله، ويُروى أنهم أرسلوا رجلين منهم هما: النضر بن الحارث وعقبة بن أبي معيط إلى أهل الكتاب في المدينة ليسألوهم عن صدق رسول الله، وما خبره عندهم، وما ورد عنه في كتبهم. وقد كان يهود المدينة قبل البعثة يتوعدون الأوس والخزرج عباد الأصنام ببعثة النبي الجديد، يقولون: لقد أطلَّ زمان نبيٍّ نتبعه، ونقتلكم به قَتْل عاد وإرم؛ لذلك رغب أهل مكة في سؤال يهود المدينة عن صدق رسول الله، فلما ذهب الرجلان إلى يهود المدينة قالوا: إنْ أردتُمْ معرفة صدق محمد فاسألوه عن ثلاثة أشياء، فإنْ أجابكم فهو صادق، اسألوه: ما قصة القوم الذين ذهبوا في الدهر مذاهب عجيبة؟ وما قصة الرجل الطوّاف الذي طاف الأرض شرقاً وغرباً؟ وما الروح؟ وفعلاً ذهب الرجلان إلى رسول الله، وسألاه هذه الأسئلة فقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : أخبركم بما سألتم عنه غداً"تفسير : وجاء غد وبعد غد ومرَّت خمسة عشر يوماً دون أنْ يُوحَى لرسول الله شيء من أمر هذه الأسئلة، فشقّ ذلك على رسول الله وكَبُر في نفسه أنْ يعطِي وَعْداً ولا يُنجزه. وقالوا: إن سبب إبطاء الوحي على رسول الله في هذه المسألة أنه قال:"حديث : أخبركم بما سألتم عنه غداً"تفسير : ولم يقُلْ: إنْ شاء الله؛ ولذلك خاطبه ربه تبارك وتعالى بقوله: {أية : وَلاَ تَقُولَنَّ لِشَاْىءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذٰلِكَ غَداً * إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ ..}تفسير : [الكهف: 23-24]. وهذه الآية في حَدِّ ذاتها دليل على صدق رسول الله، وعلى أدبه، وعلى أمانته في البلاغ عن ربه عز وجل، وقد أراد الحق سبحانه أن يكون هذا الدرس في ذات الرسول ليكون نموذجاً لغيره، وحتى لا يستنكف أحد إذا استُدرك عليه شيء، فها هو محمد رسول الله يستدرك عليه ربه ويُعدِّل له. فكأن قوله تعالى: {أية : وَلاَ تَقُولَنَّ لِشَاْىءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذٰلِكَ غَداً * إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ ..}تفسير : [الكهف: 23-24] تربية للأمة في شخصية رسولها حتى لا يستنكف المربَّى من توجيه المربِّي، ما دام الهدف هو الوصول إلى الحقيقة، فإياكم أن ترفضوا استدراك رأي على رأي حتى وإنْ كان من الخَلْق، فما بالك إنْ كان الاستدراك من الخالق سبحانه، والتعديل والتربية من ناحيته؟ وإليك مثال لأدب الاستدراك ومشروعية استئناف الحكم، لقد ورد هذا الدرس في قوله تعالى: {أية : وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي ٱلْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ ٱلْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ}تفسير : [الأنبياء: 78]. فكان حكم داود عليه السلام في هذه المسألة أنْ يأخذ صاحب الزرع الغنم التي أكلتْ زرعه، فلما بلغ سليمان هذه الحكومة استدرك عليها قائلاً: بل يأخذ صاحب الزرع الغنم ينتفع بها، ويأخذ صاحب الغنم الزرع يُصلحه حتى يعودَ إلى ما كان عليه، ثم تعود الغنم إلى صاحبها، والزرع إلى صاحبه. لذلك قال تعالى بعدها: {أية : فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ ..}تفسير : [الأنبياء: 79] ولم يتهم داود بالخطأ، بل قال: {أية : وَكُلاًّ آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً ..}تفسير : [الأنبياء: 79]. ونلحظ هنا أن الاستدراك لم يَأْتِ من الأب للابن، فيكون أمراً طبيعياً، بل جاء من الابن للأب ليؤكد على أنه لا غضاضة أنْ يستدرك الصغير على الكبير، أو الابن على الأب، فالهدف هو الوصول إلى الحق والصواب، ونبيّ الله سليمان في هذه المسألة لم يغُضّ الطرف عن هذا القصور في حكومة أبيه، بل جهر بالحق ونطق به؛ لأن الحق أعزّ من أيِّ صلة حتى لو كانت صلة الأبوة. ومن هذه القضية نعلم أن استدراك الخَلْق على الخَلْق أمر طبيعي ومقبول لا يستنكف منه أحد، ومن هنا جاءت فكرة الاستئناف في المحاكم، فلعل القاضي في محكمة الاستئناف يستدرك على زميله في المحكمة الابتدائية، أو يقف على شيء لم يقف عليه، أو يرى جانباً من القضية لم يَرَهُ. ولنا هنا وَقْفة مع أمانته صلى الله عليه وسلم في البلاغ عن الله، وأنه لم يكتم من الوحي شيئاً حتى ما جاء في عتابه والاستدراك عليه، فكأنه أمينٌ حتى على نفسه، فالرسول هو الذي بلغنا: {أية : وَلاَ تَقُولَنَّ لِشَاْىءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذٰلِكَ غَداً}تفسير : [الكهف: 23] وهو الذي بلَّغنا: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكَ ..}تفسير : [التحريم: 1]. وهو الذي بلغنا في شأن غزوة بدر: {أية : عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ ..}تفسير : [التوبة: 43] وغيرها كثير من آيات القرآن؛ لذلك مدحه ربه تعالى بقوله: {أية : وَمَا هُوَ عَلَى ٱلْغَيْبِ بِضَنِينٍ}تفسير : [التكوير: 24]. حتى في مجال التهديد والوعيد لم يكتم رسول الله من الوحي حرفاً واحداً، انظر إلى قوله تعالى: {أية : وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ ٱلأَقَاوِيلِ * لأَخَذْنَا مِنْهُ بِٱلْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ ٱلْوَتِينَ}تفسير : [الحاقة: 44-46]. إنها الأمانة المطلقة والصدق الذي لا يُخفِي شيئاً. ألم يكُنْ جديراً بالقوم أنْ يفقهوا هذه الناحية من رسول الله، ويتفكّروا في صِدْقه صلى الله عليه وسلم حين يُخبرهم عن نفسه أشياء لم يعرفوها، وكان من المنتظر أنْ يُخفيها عنهم؟ أليس في ذلك دليلاً قاطعاً على صدقه فيما يقول؟ والحق تبارك وتعالى حينما يعلمنا أن نقول: إن شاء الله إذا أقدمنا على عمل في المستقبل إنما يُكرّم عبده ويحميه حتى لا يُوصَف بالكذب إذا لم يُحقِّق ما وعد به، وليس في قولنا: إنْ شاء الله حَجْر على أحد، أو تقييد لطموحات البشر كما يدّعي البعض أن قول إنْ شاء الله يلغي التخطيط للمستقبل. نقول: خَطِّط كما تريد، ودَبِّر من أمرك ما شئت، واصنع من المقدمات ما تراه مناسباً لإنجاح سعيك، لكن ما عليك إنْ قرنتَ هذا كله بمشيئة الله، وهي في حَدِّ ذاتها عَوْنٌ لك على ما تريد، فإنْ أخفقتَ فقد جعلتَ لنفسك حماية في مشيئة الله، فأنت غير كاذب، والحق تبارك وتعالى لم يشأ بَعْدُ أنْ تنجزَ ما تسعى إليه. والحقيقة أن الحدث في المستقبل لا يملكه أحد، ولا يضمنه أحد إلا الله تبارك وتعالى؛ لذلك عليك أن تُعلِّق الفعل على مشيئة الله، فإنْ قُلْتَ مثلاً: سأقابل فلاناً غداً لأكلمه في كذا، فهل تملك أنت من عناصر هذا الحدث شيئاً؟ أضمنتَ أن تعيش إلى غد؟ أضمنتَ حياة فلان هذا إلى الغد؟ أضمنتَ أن موضوع المقابلة باق لا يتغير فيه شيء، ولا يطرأ عليه طارئ؟ إذن: فكيف تقطع بالقول أنك ستفعل غداً كذا؟ قل: إن شاء الله، واخرج من دائرة الحرج هذه. نعود إلى الآية التي نحن بصددها فالحق سبحانه يقول: {أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ ٱلْكَهْفِ وَٱلرَّقِيمِ كَانُواْ مِنْ آيَاتِنَا عَجَباً} [الكهف: 9]. {أَمْ} حرف من حروف العطف، ويفيد الإضراب عَمَّا قبله وتوجيه الاهتمام إلى ما بعده، كما في قوله تعالى:{أية : قُلْ هَلْ يَسْتَوِي ٱلأَعْمَىٰ وَٱلْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي ٱلظُّلُمَاتُ وَٱلنُّورُ ..}تفسير : [الرعد: 16]. فالمراد: إنْ سألك كفار مكة عن مسألة أصحاب الكهف على أنها معضلة يريدون إحراجك بها، فدعْكَ من كلامهم، ودَعْك من سوء نيتهم، ولا تحسب أن أهل الكهف هي العجيبة الوحيدة لدينا، فالعجائب عندنا كثيرة، وهذه واحدة منها. و{ٱلْكَهْفِ}: الفجوة في الجبل و{وَٱلرَّقِيمِ} الشيء المرقوم أي: المكتوب عليه كحجر أو نحوه، ولعله حجر كان على باب الكهف رُقِم عليه أسماء هؤلاء الفتية، ومن ذلك قوله تعالى: {أية : كِتَابٌ مَّرْقُومٌ}تفسير : [المطففين: 9] أي: مكتوب. وقوله: {كَانُواْ مِنْ آيَاتِنَا عَجَباً} [الكهف: 9] أي: ليست هذه هي العجيبة الوحيدة، فكل آياتنا عجيبة تستحق التأمل. ثم تأخذ الآيات في تفصيل هذه العجيبة، فيقول تعالى: {إِذْ أَوَى ٱلْفِتْيَةُ إِلَى ٱلْكَهْفِ فَقَالُواْ رَبَّنَآ ءَاتِِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ ٱلْكَهْفِ وَٱلرَّقِيمِ} الرَّقيمُ: الوادي. وقال: القَريةُ. وقال: اللّوحُ المَكتوبُ فيهِ أَسماءُ أَصحابِ أهلِ الكهفِ.
الجيلاني
تفسير : أعَجِبْتَ واستبعدت عن كمال قوتنا وقدرتنا بجعل ما على الأرض صعيداً جرزاً؟ {أَمْ حَسِبْتَ} وشككت {أَنَّ أَصْحَابَ ٱلْكَهْفِ} أي: قصتهم وشأنهم. والكهف هو: الغار الواسع في الجبل. {وَٱلرَّقِيمِ} هو اسم الجبل الذي فيه الغار، أو اسم الوادي الذي فيه، أو اسم قريتهم، أو كلبهم، أو لوحُ رصاصي أو حجريُ، رُقِمَ أو رُقِمت فيه أسماؤهم وجُعل على باب الكهف، أو أصحابُ الرقيم قومُ آخرون على اختلاف الأقوال والروايات. وبالجملة: {كَانُواْ مِنْ آيَاتِنَا} الدالة على كمال قوتنا وقدرتنا {عَجَباً} [الكهف: 9] أي: آيةً يتعجب منها الناس، ويستبعدون وقوعها مع أنه لا شك في وقوعها؛ إذ بلغت من التواتر حداً لا يتوهم فيها الكذب قطعاً؛ إذ أمثال هذا في جنب قدرتنا الكاملة وقوتنا الشاملة سهلُ يسير. ولو رفعتَ أيها المعتبر المتأمل الإلْفَ والعادة عن البين، وطرحتَ تكرر المشاهدة والمؤانسة عن العين، لكان ظهور كل ذرةٍ من ذرائر العالم في التعجب والاستعباد وكمال الغرابة البداعة مثل هذا، بل أغرب وأعجب من هذا، فلك أن تراجع وجدانك وتتأمل أمرك وشأنك حتى تجد في نفسك عجائب وغرائب يدهش منها عقلك وينحسر رأيك وفهمك ويكلّ إدراكك، وبالجملة: استغرقتَ في بحر الحيرة والدهشة من نفسك فكيف من غيرك. أذقنا بلطفك حلاوة مطالعة مبدعاتك ومشاهدة مخترعاتك بنظر العبرة والحضور. اذكر يا أكمل الرسل قصة أصحاب الكهف وقت {إِذْ أَوَى} أي: التجأ ورجع {ٱلْفِتْيَةُ} الخمسة أو السبعة أو الثمانية من أشراف الروم ورؤسائهم، دعاهم ملكهم دقيانوس إلى الشرك، وهم موحّدون في أفسهم، فأبَوا وهربوا منه {إِلَى ٱلْكَهْفِ} ملتجئين {فَقَالُواْ} مناجين مستغيثين من الله: {رَبَّنَآ} يا من ربَّانا بأنواع اللطف الكرم وفقّنا بشرف توحيدك وتقديسك {آتِنَا} بفظلك وجودك {مِن لَّدُنكَ} لا بسبب أعمالنا ومتقضياتها {رَحْمَةً} تنجينا عن يد عدونا وعذابه، وعن وبال ما دعانا إليه من الكفر والعصيان {وَهَيِّىءْ لَنَا} أسباب معاشنا حين كنا فارّين من العدو وملتجئين إليك، مستعيذين بكنفك وجورك ووفق علينا {مِنْ أَمْرِنَا} الذي نعمل لمرضاتك ولوجهك الكريم {رَشَداً} [الكهف: 10] أي: هدايةً توصلنا إلى زلال توحيدك آمنين فائزين بلا خوفٍ وخطرٍ، فاستجبنا لهم مناجاتهم وأعطيناهم حاجاتههم. وبعدما دخلوا الكهف ملتجئين بنا متضرعين {فَضَرَبْنَا} وختمنا {عَلَىٰ آذَانِهِمْ} حين كانوا راقدين {فِي ٱلْكَهْفِ} حجاباً غليظاً يمنعهم سماع الأصوات ملطقاً وأنمناهم على هذا الوجه {سِنِينَ عَدَداً} [الكهف: 11] بلا طعامٍ ولا شرابٍ ولا شيءٍ من أسباب المعاش، وهم أحياء في صور الأموات، منقطعين عن لوازم الحياة مطلقاً سوى الأنفاس تجيء وتذهب. {ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ} وأيقظناهم من منامهم بعثَ الموتى للحشر {لِنَعْلَمَ} أي: نجرّب ونميّز {أَيُّ الحِزْبَيْنِ} المختلفين بعدما اختلفوا في مدة لبثهم {أَحْصَىٰ} أي: أضبط وأحفظ {لِمَا لَبِثُواْ} من المدة {أَمَداً} [الكهف: 12] يعني: أيهم أحفظ ضبطاً لمدة رقودهم في الكهف، فكلا الفريقين. أي: اليهود والنصارى. لا يعلمان مدة لبثهم حقااً مطاباً للواقع. بل: {نَحْنُ نَقُصُّ} من مقا مفضلنا وجودنا {عَلَيْكَ} يا أكمل الرسل {نبَأَهُم} أي: خبرَ مدة لبثهم ملتبساً {بِٱلْحَقِّ} الثابت الصحيح المطابق للواقع {إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ} أي: شبّان من أرباب الفتوة والمروءة، وُفقوا من عند الله بالعقل الكامل والرشد التام إلى أن {آمَنُواْ} وأذعنوا {بِرَبِّهِمْ} أي: بتوحيد مربيهم باستعمالهم عقولهم الموهوبة لهم إلى دلائل توحيده {وَزِدْنَاهُمْ} من لدّنا بعدما أخذوا بالتأمل والتدبر في آياتنا الدالة على عظمة ذاتنا وكمال أوصافنا {هُدًى} [الكهف: 13] وزيادةَ رشد تفضلاً وامتناناً. {وَ} ثبتناهم في الهداية والتوحيد بأن {رَبَطْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ} محبة الإيمان والعرفان، واذكر يا أكمل الرسل وقت {إِذْ قَامُواْ} بين يدي دقيانوس الظالم الطاغي حين دعاهم إلى الشرك والكفر على رءوس الملأ، وبعدما سمعةا منه دعوته {فَقَالُواْ} بلا مبالاةٍ له ولسطوته وشوكته: {رَبُّنَا} الذي أظهَرَنا من كتم العدم، وأوجَدَنا في فضاء الوجود {رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} أي: هو رب العلويات والسفليات الغيب والشهادة والظاهر والباطن، أوجد الكل بوحدته واستقلاله في التصرف والاستيلاء بلا مشاركةٍ مشيرٍ ومظاهرةِ ظهيرٍ، هو مستحق للألوهية والربوبية {لَن نَّدْعُوَاْ} ونعبد {مِن دُونِهِ إِلـٰهاً} باطلاً؛ ذ لا مستحق لعبادة إلا هو، والله لئن دعوتنا إلهاً سواه {لَّقَدْ قُلْنَا إِذاً شَطَطاً} [الكهف: 14] أي: قولاً ذا بعدٍ عن الحق والتحقيق بمراحل، وصرنا حينئذٍ مغمورين في الشرك والكفر وأنواع الضلال والطغيان، عصمنا الله منها. ثم قالوا على وجه التعريض والتسفيه: {هَـٰؤُلاۤءِ} الضالون عن منهج الرشاد ومسلك السداد {قَوْمُنَا ٱتَّخَذُواْ} من غوايتهم وضلالهم {مِن دُونِهِ} سبجانه {آلِهَةً} باطلةً أي: أصناماً وأوثاناً يعبدونها لعبادة الله {لَّوْلاَ} أي: هلا {يَأْتُونَ عَلَيْهِم بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ} أي: بحجةٍ واضحةٍ وبيّنةٍ لائحةٍ ومعجزةٍ باهرةٍ، صادرةٍ من قِبلهم دالةٍ على لياقتهم الألوهية والربوبية، فإن لم يأتوا فهم حينئذ مفترون على الله بإثبات الشريك له {فَمَنْ أَظْلَمُ} وأطغى وأضل {مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ} الواحد الأحد، المستقل بالألوهية بإثبات الشريك له، سيما أمثال هذه التماثيل العاطلة {كَذِباً} [الكهف: 15] مخالفاً للواقع، بلا مستند عقلي أو نقلي، بل ظلماً وزوراً. {َوَ} بعدما جرى بينهم وبين دقيانوس ما جرى، قال بعض الفتية لبعضهم: قد وجب علينا الآن الاعتزال منهم {إِذِ ٱعْتَزَلْتُمُوهُمْ} وهجرتموهم {وَمَا يَعْبُدُونَ} أي: معبوداتهم من الأصنام والأوثان التي يعتقدونها آلهةً شركاءَ مع الله يعبدونها كعبادته {إِلاَّ ٱللَّهَ} الواحد الأحد الحق الحقيق بالعبادة، وأخلصتم العبادة له سبحانه بلا خوفٍ منه ودهشةٍ، كان أولى وأليقَ بحالكم. وبالجملة: اتفقوا على الاعتزال واختيار الغربة والفرار من بينهم، فاعتزلوهم منهم وخرجوا من أظهرهم {فَأْوُوا} وانصرفوا {إِلَى ٱلْكَهْفِ} المعهود، ملتجئين إلى ربكم من خوف عدوكم، متوكلين عليه في رزقكم ومعاشكم {يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم} سبحانه ويبسط عليكم {مِّن} سعة {رَّحْمَتِهِ} وجوده ما تعيشون وتبقون بسبب أن تعلق مشيئته بإبقائكم {وَ} بعدما التجأتم إلى الله، وتوكلتم عليه، مفوضين أمروكم كلها إليه {وَيُهَيِّئْ لَكُمْ} ويسهل عليكم {مِّنْ أَمْرِكُمْ} الذي اخترتم لرضا الله ورعاية جنابه {مِّرْفَقاً} [الكهف: 16] أي: ما ترفقون وتنتفعون به من اللذات الروحانية يدل ما فوّتم لأنفسكم من اللذات الجسمانية.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : وهذا الاستفهام بمعنى النفي، والنهي. أي: لا تظن أن قصة أصحاب الكهف، وما جرى لهم، غريبة على آيات الله، وبديعة في حكمته، وأنه لا نظير لها، ولا مجانس لها، بل لله تعالى من الآيات العجيبة الغريبة ما هو كثير، من جنس آياته في أصحاب الكهف وأعظم منها، فلم يزل الله يري عباده من الآيات في الآفاق وفي أنفسهم، ما يتبين به الحق من الباطل، والهدى من الضلال، وليس المراد بهذا النفي أن تكون قصة أصحاب الكهف من العجائب، بل هي من آيات الله العجيبة، وإنما المراد، أن جنسها كثير جدا، فالوقوف معها وحدها، في مقام العجب والاستغراب، نقص في العلم والعقل، بل وظيفة المؤمن التفكر بجميع آيات الله، التي دعا الله العباد إلى التفكير فيها، فإنها مفتاح الإيمان، وطريق العلم والإيقان. وأضافهم إلى الكهف، الذي هو الغار في الجبل، الرقيم، أي: الكتاب الذي قد رقمت فيه أسماؤهم وقصتهم، لملازمتهم له دهرا طويلا. ثم ذكر قصتهم مجملة، وفصلها بعد ذلك فقال: { إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ } أي: الشباب، { إِلَى الْكَهْفِ } يريدون بذلك التحصن والتحرز من فتنة قومهم لهم، { فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً } أي تثبتنا بها وتحفظنا من الشر، وتوفقنا للخير { وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا } أي: يسر لنا كل سبب موصل إلى الرشد، وأصلح لنا أمر ديننا ودنيانا، فجمعوا بين السعي والفرار من الفتنة، إلى محل يمكن الاستخفاء فيه، وبين تضرعهم وسؤالهم لله تيسير أمورهم، وعدم اتكالهم على أنفسهم وعلى الخلق، فلذلك استجاب الله دعاءهم، وقيض لهم ما لم يكن في حسابهم، قال: { فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ } أي أنمناهم { سِنِينَ عَدَدًا } وهي ثلاث مائة سنة وتسع سنين، وفي النوم المذكور حفظ لقلوبهم من الاضطراب والخوف، وحفظ لهم من قومهم وليكون آية بينة. { ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ } أي: من نومهم { لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا } أي: لنعلم أيهم أحصى لمقدار مدتهم، كما قال تعالى: {أية : وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ } تفسير : الآية، وفي العلم بمقدار لبثهم، ضبط للحساب، ومعرفة لكمال قدرة الله تعالى وحكمته ورحمته، فلو استمروا على نومهم، لم يحصل الاطلاع على شيء من ذلك من قصتهم.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 536 : 1 : 6 - سفين عن سماك بن حرب عن عكرمة عن بن عباس أنه سأل كعبا عن قول الله {أَنَّ أَصْحَابَ ٱلْكَهْفِ وَٱلرَّقِيمِ} قال كعب، هي القرية. [الآية 9].
همام الصنعاني
تفسير : 1653- عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله تعالى: {أَصْحَابَ ٱلْكَهْفِ وَٱلرَّقِيمِ}: [الآية: 9]، قال: يقولُ بعضُهم: الرقيم كتاب تبيانهم، ويقولُ بعضُهم: هو الوادي الذي فيه كهفهم. 1654- عبد الرزاق، قال: أنبأنا الثوري، عن سماك بن حرب، عن عكرمة، عن ابن عباس، في قوله تعالى: {وَٱلرَّقِيمِ}: [الآية: 9]، قال: يزعم كعب أنها القرية. 1655- حدثنا عبد الرزاق، قال أنبأنا إسرائيل، عن سماك بن حرب، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: كل القرآن أعلمه إلا أربع: غسلين، وحناناً، والأوَّاهُ، والرقيم. 1656- عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، قال: أخبرني إسماعيل بن شَرْوَس، أنه سمع وهب بن منبه، يقول: جاء حواريُّ عيسى ابن مريم إلى مدينة أصحاب الكهف، فأراد أن يدخلها، فقيل له: إنَّ على بابِها صَنَماً، لا يدخلها أحد إلاسجد له، فكره أن يدخل، فأتى حماماً، فكان فيه قريباً من تلك المدينة، فكان يعمل فيه، ويؤجر نفسه من صاحب الحمام، ورأى صاحب الحمام في حمامه [البركة]، ودرَّ عليه الرزق، ففوّض إليه وجعل يسترسل إليه، وَعَلِقَه فتية من أهل المدينة، فجعل يخبرهم عن خبر السماء والأرض وخبر الآخرة، حتى آمنوا به وصدَّقوه، وكانوا على مثل حاله في حسن النِّيَّة، وكان يشترط على صاحب الحمام أن الليل لي ولا تحل بيني وبين الصلاة إذا حضرت، فكان ذلك، حتى جاء ابن الملك بأمرأةٍ يدخل بها الحمام، فعيَّره [الحواري]، وقال: أنت ابن الملك، وتدخل معك الكذا والكذا، فاستحيا، فذهب فرجع مرة أخرى، فقال له مثل قوله، فَسَبَّه وانتهره، ولم يلتفت حتى دخل، ودخلت معه المرأة، فماتا في الحمام، فأتِي الملك فقيل له: قَتَل ابنَكَ صاحبُ الحمام، فالْتُمِسَ، فلم يقدر عليه، هرب، فقال من كان يصحبه؟ [فَسَمُّوا] الفتية، فالْتُمِسُوا، فخرجوا من المدينة فمروا على صاحب لهم في زرع له، وهو على مثل أمرهم، فذكروا له أنهم الْتُمِسُوا فاطلق معهم ومعه كلبٌ حتى أواهم الليل إلى الكهف، فدخلوه، فقال: نبيت ها هنا الليلة، ثم نصبح إن شاء الله، [فتروا] رأيكم، فضرب الله على آذانهم، فخرج الملك في أصحابه يتبعونهم حتى وجدوهم قد دخلوا الكهف، فكلما أراد الرجل أن يَدْخُلَ أُرِْبَ، فلم يطق أحد أن يدخله، فقال له قائل: ألست قلت: لو كنت قدرت عليهم قتلتهم؟ قال: بلى، قال: فأبنِ عليهم باب الكهف، ودعهم يموتوا جوعاً وعطشاً، ففعل. ثم غبروا زماناً بعد زمانٍ، ثم إنَّ راعياً أدركه المطر عند الكهف، فقال: لو فَتَحْتُ هذا الكهف، وأدخلت غنمي من المطر، فلم يزل يعالجه حتى فتح لغنمه فأدخلها فيه، وردّ الله أرواحهم في أجسادهم من الغد حين أصبحوا، فبعثوا أحدهم بورقٍ يشتري لهم طعاماً، فكلما أتى باب مدينة، رأى شيئاً يُنكره، حتى دخل فأتى رجلاً، فقال: بعني [بهذه الدراهم] طعاماً، قال: ومن أين هذه الدراهم؟ قال: خرجت أنا وأصحابي لي أمس، [فأوانا الليل إلى] الكهف، ثم أصبحنا فأرسلوني، قال: هذه الدراهم كانت على عهد مُلْكِ فلان، فأنَّى لك [بها]؟ فرفعه إلى الملك، وكان ملكاً صالحاً، قال: من أين لك هذه الورق؟ قال: خرجت أنا وأصحاب لي أمس حتى أدركنا الليل في كهف كذا وكذا، ثم أمروني أن اشتري لهم طعاماً، قال: وأين أصحابك؟ قال: في الكهف. قال: فانْطَلَقَ [معه]، حتى أتوا باب الكهف، فقال: دعوني أدخل إلى أصحابي قبلكم، فلما رأوه ودنا منهم، ضُرِبَ على أذنه وآذانهم، وأرادوا أن يدخلوا، فجعلوا كلما دخل رجل أُرْعِبَ، فلم يقدروا على أن يدخلوا إليهم، فبنوا عليهم كنيسة واتخذوه مسجداً يُصَلُّونَ فيه.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):