١٨ - ٱلْكَهْف
18 - Al-Kahf (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
10
Tafseer
القرطبي
تفسير : فيه ثلاث مسائل: الأولى: قوله تعالى: {إِذْ أَوَى ٱلْفِتْيَةُ إِلَى ٱلْكَهْفِ} رُوي أنهم قوم من أبناء أشراف مدينة دقيوس الملك الكافر، [يقال فيه: دقليوس] ويقال فيه دقينوس. وروي أنهم كانوا مطوّقين مسوّرين بالذهب ذوي ذوائب، وهم من الروم واتبعوا دين عيسى. وقيل: كانوا قبل عيسى، والله أعلم. وقال ابن عباس: إن ملكا من الملوك يقال له دقيانوس ظهر على مدينة من مدائن الروم يقال لها أفْسُوس. وقيل هي طرسوس وكان بعد زمن عيسى عليه السلام فأمر بعبادة الأصنام فدعا أهلها إلى عبادة الأصنام، وكان بها سبعة أحداث يعبدون الله سرًّا، فرفع خبرهم إلى الملك وخافوه فهربوا ليلاً، ومرُّوا براع معه كلب فتبعهم فآووا إلى الكهف فتبعهم الملك إلى فم الغار، فوجد أثر دخولهم ولم يجد أثر خروجهم، فدخلوا فأعمى الله أبصارهم فلم يروا شيئاً؛ فقال الملك: سُدُّوا عليهم باب الغار حتى يموتوا فيه جوعاً وعطشاً. وروى مجاهد عن ابن عباس أيضاً أن هؤلاء الفتية كانوا في دين ملك يعبد الأصنام ويذبح لها ويكفر بالله، وقد تابعه على ذلك أهل المدينة، فوقع للفتية علم من بعض الحواريين ـ حسبما ذكر النقاش أو من مؤمني الأمم قبلهم ـ فآمنوا بالله ورأوا ببصائرهم قبيح فعل الناس، فأخذوا نفوسهم بالتزام الدين وعبادة الله؛ فرفع أمرهم إلى الملك وقيل له: إنهم قد فارقوا دينك واستخفّوا آلهتك وكفروا بها، فاستحضرهم الملك إلى مجلسه وأمرهم باتباع دينه والذبح لآلهته، وتوعّدهم على فراق ذلك بالقتل؛ فقالوا له فيما روي: {رَبُّنَا رَبُّ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} إلى قوله: {وَإِذِ ٱعْتَزَلْتُمُوهُمْ}. وروي أنهم قالوا نحو هذا الكلام وليس به، فقال لهم الملك: إنكم شبان أغمار لا عقول لكم، وأنا لا أعجل بكم بل أستأني فاذهبوا إلى منازلكم ودبّروا رأيكم وارجعوا إلى أمري، وضرب لهم في ذلك أجلاً، ثم إنه سافر خلال الأجل فتشاور الفتية في الهروب بأديانهم، فقال لهم أحدهم: إني أعرف كهفاً في جبل كذا، كان أبي يدخل فيه غنمه فلنذهب فلنختف فيه حتى يفتح الله لنا؛ فخرجوا فيما روي يلعبون بالصَّولجان والكرة، وهم يدحرجونها إلى نحو طريقهم لئلا يشعر الناس بهم. وروي أنهم كانوا مثقفين فحضر عيد خرجوا إليه فركبوا في جملة الناس، ثم أخذوا باللّعب بالصولجان حتى خلصوا بذلك. وروى وهب بن منبّه أن أول أمرهم إنما كان حواريّ لعيسى بن مريم جاء إلى مدينة أصحاب الكهف يريد دخولها، فأجّر نفسه من صاحب الحمام وكان يعمل فيه، فرأى صاحب الحمام في أعماله بركة عظيمة، فألقى إليه بكل أمره، وعرف ذلك الرجل فتيان من أهل المدينة فعرفهم الله تعالى فآمنوا به واتبعوه على دينه، واشتهرت خلطتهم به؛ فأتى يوماً إلى ذلك الحمام ولد الملك بامرأة أراد الخلوة بها، فنهاه ذلك الحواري فانتهى، ثم جاء مرة أخرى فنهاه فشتمه، وأمضى عزمه في دخول الحمام مع البغيّ، فدخل فماتا فيه جميعاً، فاتهم ذلك الحواريّ وأصحابه بقتلهما، ففروا جميعاً حتى دخلوا الكهف. وقيل في خروجهم غير هذا. وأما الكلب فروي أنه كان كلبَ صيد لهم، وروي أنهم وجدوا في طريقهم راعياً له كلب فاتبعهم الراعي على رأيهم وذهب الكلب معهم؛ قاله ابن عباس. واسم الكلب حمران وقيل قطمير. وأما أسماء أهل الكهف فأعجمية، والسند في معرفتها واه. والذي ذكره الطبري هي هذه: مكسلمينا وهو أكبرهم والمتكلم عنهم، ومحسيميلنينا ويمليخا، وهو الذي مضى بالورق إلى المدينة عند بعثهم من رقدتهم، ومرطوس وكشوطوش ودينموس ويطونس وبيرونس. قال مقاتل: وكان الكلب لمكسلمينا، وكان أسنّهم وصاحب غنم. الثانية: هذه الآية صريحة في الفرار بالدين وهجرة الأهل والبنين والقرابات والأصدقاء والأوطان والأموال خوف الفتنة وما يلقاه الإنسان من المحنة. وقد خرج النبيّ صلى الله عليه وسلم فاراً بدينه، وكذلك أصحابه، وجلس في الغار حسبما تقدم في سورة «النحل». وقد نص الله تعالى على ذلك في «براءة» وقد تقدم. وهجروا أوطانهم وتركوا أرضهم وديارهم وأهاليهم وأولادهم وقراباتهم وإخوانهم، رجاء السلامة بالدين والنجاة من فتنة الكافرين. فسكنَى الجبال ودخول الغيران، والعزلة عن الخلق والانفراد بالخالق، وجواز الفرار من الظالم هي سنة الأنبياء صلوات الله عليهم والأولياء. وقد فضّل رسول الله صلى الله عليه وسلم العزلة، وفضّلها جماعة العلماء لا سيما عند ظهور الفتن وفساد الناس، وقد نص الله تعالى عليها في كتابه فقال: {فَأْوُوا إِلَى ٱلْكَهْفِ}. قال العلماء: الاعتزال عن الناس يكون مرّة في الجبال والشّعاب، ومرة في السواحل والرِّباط، ومرة في البيوت؛ وقد جاء في الخبر: «إذا كانت الفتنة فأخف مكانك وكفّ لسانك». ولم يخصّ موضعاً من موضع. وقد جعلت طائفة من العلماء العزلة اعتزال الشر وأهله بقلبك وعملك، إن كنت بين أظهرهم. وقال ابن المبارك في تفسير العزلة: أن تكون مع القوم فإذا خاضوا في ذكر الله فخض معهم، وإن خاضوا في غير ذلك فاسكت. وروى البغويّ عن ابن عمر عن النبيّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم أفضل من المؤمن الذي لا يخالطهم ولا يصبر على أذاهم»تفسير : . وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : نعم صوامع المؤمنين بيوتهم» تفسير : من مراسيل الحسن وغيره. وقال عقبة بن عامر لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ما النجاة يا رسول الله؟ فقال: «حديث : يا عقبة أمسك عليك لسانك وليسعك بيتك وابك على خطيئتك»تفسير : . وقال صلى الله عليه وسلم: «حديث : يأتي على الناس زمان خير مال الرجل المسلم الغنمُ يتبع بها شَعَفَ الجبال ومواقع القطر يَفِرّ بدينه من الفتن»تفسير : . خرّجه البخاري. وذكر عليّ بن سعد عن الحسن بن واقد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إذا كانت سنة ثمانين ومائة فقد حلّت لأمتي العزبة والعزلة والترهّب في رؤوس الجبال»تفسير : . وذكر أيضاً علي بن سعد عن عبد الله بن المبارك عن مبارك بن فضالة عن الحسن يرفعه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : يأتي على الناس زمان لا يسلم لذي دين دينه إلا من فرّ بدينه من شاهق إلى شاهق أو حجر إلى حجر فإذا كان ذلك لم تنل المعيشة إلا بمعصية الله فإذا كان ذلك حلّت العُزْبة. قالوا: يا رسول الله، كيف تحلّ العزبة وأنت تأمرنا بالتزويج؟ قال: إذا كان ذلك كان فساد الرجل على يدي أبويه فإن لم يكن له أبوان كان هلاكه على يدي زوجته فإن لم تكن له زوجة كان هلاكه على يدي ولده فإن لم يكن له ولد كان هلاكه على يدي القرابات والجيران. قالوا: وكيف ذلك يا رسول الله؟ قال: يعيِّرونه بضيق المعيشة ويكلّفونه ما لا يطيق فعند ذلك يورد نفسه الموارد التي يهلك فيها». تفسير : قلت: أحوال الناس في هذا الباب تختلف، فربّ رجلٍ تكون له قوّة على سكنى الكهوف والغيران في الجبال، وهي أرفع الأحوال لأنها الحالة التي اختارها الله لنبيّه صلى الله عليه وسلم في بداية أمره، ونص عليها في كتابه مخبراً عن الفتية، فقال: {وَإِذِ ٱعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إَلاَّ ٱللَّهَ فَأْوُوا إِلَى ٱلْكَهْفِ}. وربّ رجل تكون العزلة له في بيته أخف عليه وأسهل؛ وقد اعتزل رجال من أهل بدر فلزموا بيوتهم بعد قتل عثمان فلم يخرجوا إلا إلى قبورهم. وربَّ رجلٍ متوسّط بينهما فيكون له من القوّة ما يصبر بها على مخالطة الناس وأذاهم، فهو معهم في الظاهر ومخالف لهم في الباطن. وذكر ابن المبارك حدّثنا وهيب بن الورد قال: جاء رجل إلى وهب بن منبِّه فقال: إن الناس وقعوا فيما فيه وقعواٰ وقد حدّثت نفسي ألا أخالطهم. فقال: لا تفعل! إنه لا بدّ لك من الناس، ولا بدّ لهم منك، ولك إليهم حوائج، ولهم إليك حوائج، ولكن كن فيهم أصمَّ سميعاً، أعمى بصيراً، سَكوتاً نَطُوقاً. وقد قيل: إن كل موضع يبعد عن الناس فهو داخل في معنى الجبال والشِّعاب؛ مثل الاعتكاف في المساجد، ولزوم السواحل للرّباط والذكر، ولزوم البيوت فراراً عن شرور الناس. وإنما جاءت الأحاديث بذكر الشعاب والجبال واتباع الغنم ـ والله أعلم ـ لأن ذلك هو الأغلب في المواضع التي يعتزل فيها؛ فكل موضع يبعد عن الناس فهو داخل في معناه؛ كما ذكرنا، والله الموفق وبه العصمة. وروى عقبة بن عامر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : يعجب ربُّك من راعي غنم في رأس شظيّة الجبل يؤذِّن بالصلاة ويصلي فيقول الله عز وجل انظروا إلى عبدي يؤذن ويقيم الصلاة يخاف مني قد غفرت لعبدي وأدخلته الجنة»تفسير : . خرجه النسائيّ. الثالثة: قوله تعالى: {وَهَيِّىءْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَداً} لما فرُّوا ممن يطلبهم اشتغلوا بالدعاء ولجأوا إلى الله تعالى فقالوا: {رَبَّنَآ آتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً} أي مغفرة ورزقاً. {وَهَيِّىءْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَداً} توفيقاً للرشاد. وقال ابن عباس: مخرجاً من الغار في سلامة. وقيل صواباً. ومن هذا المعنى أنه عليه السلام كان إذا حَزَبَه أمر فَزع إلى الصلاة.
البيضاوي
تفسير : {إِذْ أَوَى ٱلْفِتْيَةُ إِلَى ٱلْكَهْفِ } يعني فتية من أشراف الروم أرادهم دقيانوس على الشرك فأبوا وهربوا إلى الكهف، {فَقَالُواْ رَبَّنَا ءاتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً } توجب لنا المغفرة والرزق والأمن من العدو. {وَهَيّىء لَنَا مِنْ أَمْرِنَا } من الأمر الذي نحن عليه من مفارقة الكفار. {رَشَدًا } نصير بسببه راشدين مهتدين، أو اجعل أمرنا كله رشداً كقولك: رأيت منك أسداً وأصل التهيئة إحداث هيئة الشيء.
المحلي و السيوطي
تفسير : اذكر {إِذْ أَوَى ٱلْفِتْيَةُ إِلَى ٱلْكَهْفِ } جمع (فتى) وهو الشاب الكامل خائفين على إيمانهم من قومهم الكفار {فَقَالُواْ رَبَّنَا ءاتِنَا مِن لَّدُنكَ } من قبلك {رَحْمَةً وَهَيّىء} أصلح { لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا } هداية.
ابن عطية
تفسير : {الفتية} فيما روي، قوم من أبناء أشراف مدينة دقيوس الملك الكافر، ويقال فيه دقليوس، ويقال دقينوس، وروي أنهم كانوا مطوقين مسورين بالذهب، وهم من الروم واتبعوا دين عيسى، وقيل كانوا قبل عيسى، وأما أسماؤهم فهي أعجمية، والسند في معرفتها واه، ولكن التي ذكر الطبري هي هذه، مكسيليمنيا وهو أكبرهم والمتكلم عنهم، ومجسيلينيا وتمليخا وهو الذي مضى بالورق إلى المدينة عند بعثهم من رقدتهم، مرطوس وكشوطونس، وبيرونس، ودينموس، ويطونس، واختلف الرواة في قصص هؤلاء الفتية وكيف كان اجتماعهم وخروجهم إلى الكهف؟ وأكثر المؤرخون في ذلك، ولكن نختصر من حديثهم ونذكر ما لا تستغني الآية عنه، ونذكر من الخلاف عيونه بحول الله، روى مجاهد عن ابن عباس أن هؤلاء الفتية كانوا في دين ملك يعبد الأصنام ويذبح لها ويكفر بالله، وقد تابعه على ذلك أهل المدينة فوقع للفتية علم من بعض النحويين حسب ما ذكر النقاش أو من مؤمني الأمم قبلهم بحسب الخلاف الذي ذكرناه، فآمنوا بالله ورأوا ببصائرهم قبيح فعل الناس، فأخذوا نفوسهم بالتزام الدين وعبادة الله، فرفع أمرهم إلى الملك، وقيل له إنهم قد فارقوا دينك واستخفوا آلهتك وكفروا بها، فاستحضرهم الملك في مجلسه وأمرهم باتباع دينه والذبح لآلهته وتوعدهم على فراق ذلك بالقتل، فقالوا له فيما روي {أية : ربنا رب السماوات والأرض} تفسير : [الكهف: 14] إلى قوله {أية : وإذ اعتزلتموهم} تفسير : [الكهف: 16]، وروي أنهم قالوا نحو هذا الكلام وليس به، فقال لهم الملك إنكم شبان أغمار لا عقول لكم، وأنا لا أعجل بكم، بل أستأني، فاذهبوا إلى منازلكم ودبروا رأيكم وارجعوا إلى أمري، وضرب لهم في ذلك أجلاً، ثم إنه سافر خلال الأجل فتشاور الفتية في الهروب بأديانهم، فقال لهم أحدهم إني أعرف كهفاً في جبل كذا كان أبي يدخل فيه غنمه، فلنذهب إليه فنختفي فيه حتى يفتح الله لنا، فخرجوا فيما روي يلعبون بالصولجان والكرة وهم يدحرجونها إلى نحو طريقهم لئلا يشعر الناس بهم، وقيل إنهم كانوا مثقفين فحضر عيد أخرجوا له فركبوا في جملة الناس، ثم أخذوا في اللعب بالصولجان حتى خلصوا بذلك، وروت فرقة أن أمر أصحاب الكهف إنما كان أنهم كانوا من أبناء الأشراف فحضر عيد لأهل المدينة فرأى الفتيان ما يمتثله الناس في ذلك العيد من الكفر وعبادة الأصنام والذبح لها، فوقع الإيمان في قلوبهم وأجمعوا على مفارقة الناس لئلا ينالهم العذاب معهم، فزايلوا الناس، وذهبوا إلى الكهف، وروى وهب بن منبه أن أمرهم إنما كان أن حوارياً لعيسى ابن مريم، جاء إلى مدينة أصحاب الكهف يريد دخولها، فآجر نفسه من صاحب الحمام فكان يعمل فيه، فرأى صاحب الحمام في أعماله بركة عظيمة فألقى إليه بكل أمره، وعرف ذلك الرجل فتيان من أهل المدينة، فنشر فيهم الإيمان وعرفهم الله تعالى، فآمنوا واتبعوه على دينه، واشتهرت خلطتهم به، فأتى يوماً إلى ذلك الحمام ولد الملك بامرأة بغي أراد الخلوة بها، فنهاه ذلك الحواري فانتهى، ثم جاءه مرة أخرى فنهاه فشتمه وأمضى عزمه في دخول الحمام مع البغي، فدخل فماتا فيه جميعاً، فاتهم ذلك الحواري وأصحابه بقتله، ففروا جميعاً حتى دخلوا الكهف، وقال عبيد بن عمير: إن أصحاب الكهف كانوا فتية أبناء العظماء مطوقين مسورين ذوي ذوائب قد داخلهم الإيمان أفذاذاً، وأزمع واحد منهم الفرار بدينه من بلد الكفر، فأخرجهم الله في يوم واحد لما أراده بهم، فخرج أحدهم فجلس في ظل شجرة على بعد من المدينة، فخرج ثان، فلما رأى الجالس جلس إليه، ثم الثالث ثم الباقون حتى كمل جميعهم في ظل الشجرة، فألقى الله في نفوسهم أن غرضهم واحد، فتساءلوا، ففزع بعضهم من بعض وتكتموا، ثم تراضوا برجلين منهم، وقالوا لنفرد أو تواثقا وليفش كل واحد منكما سره إلى صاحبه، فإن اتفقتما كنا معكما، فنهضا بعيداً وتكلما فأفصحا بالإيمان والهروب بالدين فرجعا وفضحا الأمر وتابعهما الآخرون ونهضوا إلى الكهف، وأما الكلب فروي أنه كان كلب صيد لبعضهم، وروي أنهم وجدوا في طريقهم راعياً له كلب فاتبعهم الراعي على رأيهم، وذهب الكلب معهم، واسم الكلب حمران، وقل قطير، فدخلوا الغار على جميع هذه الأقوال فروت فرقة أن الله عز وجل "ضرب على آذانهم" عند ذلك لما أراده من سترهم، وخفي على أهل المملكة مكانهم، وعجب الناس من غرابة فقدهم، فأرخوا ذلك ورقموه في لوحين من رصاص أو نحاس، وجعلوه على باب المدينة فيه اسماؤهم وأسماء آبائهم وذكر شرفهم، وأنهم فقدوا بصورة كذا في وقت كذا، وقيل إن الذي كتب هذا وتهمم به رجلان قاضيان مؤمنان يكتمان إيمانهما من أهل بيت المملكة، وتسترا بذلك ودفنا اللوحين عندهما: وقيل على الرواية بأن الملك أتى باب الغار، وأنهما دفنا ذلك في بناء الملك على الغار، وروت فرقة أن الملك لما ذهب الفتية أمر بقص آثارهم، فانتهى ذلك بمتبعيهم إلى باب الغار، فعرف الملك، فركب في جنده حتى وقف عليه، فأمر بالدخول عليهم فهاب الرجال ذلك، فقال له بعض وزرائه ألست أيها الملك إن أخرجتهم قتلتهم، قال نعم، قال فأي قتلة أبلغ من الجوع والعطش، ابن عليهم باب الغار ودعهم يموتوا فيه، ففعل، وقد "ضرب الله على آذانهم" قبل ذلك لما أراد من تأمينهم، وأرخ الناس أمرهم في اللوحين، أو أرخه الرجلان بحسب الخلاف، واسم أحد الرجلين فيما ذكر الطبري بندروس، واسم الآخر روناس، وروي أن هذا الملك الذي فر الفتية من دينه، كان قد امتحن الله به المؤمنين حيث أحس بهم، يقتلهم ويعلقهم أشخاصاً ورؤوساً على أسوار مدينته، وكان يريد أن يذهب فيما ذكر، دين عيسى، وكان هو وقومه من الروم، ثم أخبر الله تعالى عن الفتية أنهم لما أووا إلى الكهف أي دخلوه وجعلوه مأوى لهم وموضع اعتصام، دعوا الله تعالى بأن يؤتيهم من عنده رحمة، وهي الرزق فيما ذكر المفسرون، وأن يهيىء لهم من أمرهم {رشداً} أي خلاصاً جميلاً، وقرأ الجمهور "رَشَداً" بفتح الراء والشين، وقرأ أبو رجاء "رُشْداً" بضم الراء وسكون الشين، والأولى أرجح لشبهها بفواصل الآيات قبل وبعد، وهذا الدعاء منهم كان في أمر دنياهم، وألفاظه تقتضي ذلك، وقد كانوا على ثقة من رشد الآخرة ورحمتها، وينبغي لكل مؤمن أن يجعل دعاءه في أمر دنياه هذه الآية فقط، فإنها كافية، ويحتمل ذكر "الرحمة" أن يراد بها أمر الآخرة وقد اختصرت هذا القصص، ولم أغفل من مهمه شيئاً بحسب اجتهادي، والله المعين برحمته، وقوله {فضربنا على آذانهم} الآية عبارة عن إلقاء الله تعالى النوم عليهم، ويعبر عن هذا ونحوه بـ "الضرب" لتبين قوة المباشرة وشدة اللصوق في الأمر المتكلم فيه والإلزام، ومنه ضرب الذلة والمسكنة، ومنه ضرب الجزية، ومنه ضرب البعث. ومنه قول الفرزدق: الكامل] شعر : ضربت عليك العنكبوت بنسجها وقضى عليك به الكتاب المنزل تفسير : فهذا يستعمل في اللزوم البليغ، وأما تخصيص "الآذان" بالذكر فلأنها الجارحة التي منها عظم فساد النوم، وقلَّما ينقطع نوم نائم إلا من جهة أذنه، ولا يستحكم نوم إلا مع تعطل السمع، ومن ذكر الأذن في النوم قوله صلى الله عليه وسلم "حديث : ذلك رجل بال الشيطان في أذنه" تفسير : أشار عليه السلام إلى رجل طويل النوم لا يقوم بالليل، وقوله "عدداً" نعت للسنين، والقصد به العبارة عن التكثير، أي تحتاج إلى عدد وهي ذات عدد، قال الزجاج: ويجوز أن يكون نصب {عدداً} على المصدر، و"البعث" التحريك بعد سكون، وهذا مطرد مع لفظة البعث حيث وقعت، وقد يكون السكون في الشخص أو عن الأمر المبعوث فيه وإن كان الشخص متحركاً، وقوله {لنعلم} عبارة عن خروج ذلك الشيء إلى الوجود، وهذا على نحو كلام العرب أي لنعلم ذلك موجوداً، وإلا فقد كان الله تعالى علم {أي الحزبين} أحصى الأمد وقرأ الزهري "ليعلم" بالياء، و"الحزبان" الفريقان، والظاهر من الآية أن الحزب الواحد هم الفتية، إذ ظنوا لبثهم قليلاً، والحزب الثاني هم أهل المدينة الذين بعث الفتية على عهدهم حين كان عندهم التاريخ بأمر الفتية، وهذا قول الجمهور من المفسرين، وقالت فرقة: هما حزبان من الكافرين اختلفا في مدة أصحاب الكهف، وقالت فرقة: هما حزبان من المؤمنين، وهذا لا يرتبط من ألفاظ الآية، وأما قوله {أحصى} فالظاهر الجيد فيه أنه فعل ماض، و {أمداً} منصوب به على المفعول، و"الأمد" الغاية، وتأتي عبارة عن المدة من حيث للمدة غاية هي أمدها على الحقيقة، وقال الزجاج: {أحصى} هو أفعل، و {أمداً} على هذا نصب على التفسير، ويلحق هذا القول من الاختلال أن أفعل لا يكون من فعل رباعي إلا في الشاذ، و {أحصى} فعل رباعي، ويحتج لقول أبي إسحاق بأن أفعل من الرباعي قد كثر، كقولك ما أعطاه للمال، وآتاه للخير، وقال النبي عليه السلام في صفه جهنم: "حديث : هي أسود من القار" تفسير : وقال في صفة حوضه عليه السلام "حديث : ماؤه أبيض من اللبن" تفسير : وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه "فهو لما سواها أضيع" وهذه كلها أفعل من الرباعي، وقال مجاهد: {أمداً} معناه عدداً، وهذا تفسير بالمعنى على جهة التقريب، وقال الطبري: نصب {أمداً} بـ {لبثوا} ، وهذا غير متجه.
ابن عبد السلام
تفسير : {أَوَى الْفِتْيَةُ} قوم فروا بدينهم إلى الكهف، أو أبناء أشراف خرجوا فاجتمعوا وراء المدينة على غير ميعاد فقال أسنهم: أجد في نفسي شيئاً ما أظن أحداً يجده "إن ربي رب السماوات والأرض" فقالوا جميعا: {أية : رَبُّنَا رَبُّ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ}تفسير : [الكهف: 14] ثم دخلوا الكهف فلبثوا فيه ثلاثمائة وتسعاً، أو من أبناء الروم دخلوا الكهف قبل عيسى ـ عليه الصلاة والسلام ـ وضُرب على آذانهم فلما بُعث عيسى ـ عليه الصلاة والسلام ـ أُخبر بخبرهم ثم بُعثوا بعده في الفترة التي بينه وبين محمد صلى الله عليه وسلم. {شَطَطاً} كذباً، أو غلواً، أو جوراً.
ابو السعود
تفسير : {إِذْ أَوَى} ظرفٌ لعجباً لا لحسِبتَ أو مفعولٌ لاذكرُ أي حين التجأ {ٱلْفِتْيَةُ} أي أصحابُ الكهف، أوثر الإظهارُ على الإضمار لتحقيق ما كانوا عليه في أنفسهم من حال الفتوةِ فإنهم كانوا فتيةً من أشراف الرومِ أرادهم دقيانوسُ على الشرك فهربوا منه بدينهم ولأن صاحبـيّةَ الكهف من فروع التجائِهم إلى الكهف فلا يناسب اعتبارُها معهم قبل بـيانه {إِلَى ٱلْكَهْفِ} بجلبهم للجلوس واتخذوه مأوى {فَقَالُواْ رَبَّنَا ءاتِنَا مِن لَّدُنكَ} من خزائن رحمتِك الخاصةِ المكنونةِ عن عيون أهلِ العادات، فمن ابتدائيةٌ متعلقةٌ بآتنا أو بمحذوف وقع حالاً من مفعوله الثاني قُدّمت عليه لكونه نكرةً، ولو تأخّرت لكانت صفةً له أي آتنا كائنةً من لدنك {رَحْمَةً} خاصةً تستوجب المغفرةَ والرزقَ والأمنَ من الأعداء {وَهَيّىء لَنَا مِنْ أَمْرِنَا} الذي نحن عليه من مهاجَرة الكفارِ والمثابرة على طاعتك، وأصلُ التهيئةِ إحداثُ هيئةِ الشيء، أي أصلحْ ورتِّب وأتممْ لنا من أمرنا {رَشَدًا} إصابةً للطريق الموصلِ إلى المطلوب واهتداءً إليه، وكِلا الجارّين متعلقٌ بهيِّـىءْ لاختلافهما في المعنى، وتقديمُ المجرورَين على المفعول الصريحِ لإظهار الاعتناءِ بهما وإبرازِ الرغبةِ في المؤخر بتقديم أحوالِه فإن تأخيرَ ما حقُّه التقديمُ عما هو من أحواله المرغّبة فيه كما يورث شوقَ السامعِ إلى وروده ينبىء عن كمال رغبةِ المتكلّم واعتنائِه بحصوله لا محالة، وكذا الكلامُ في تقديم قوله تعالى: {مِن لَّدُنْكَ} على تقدير تعلّقِه بآتنا، وتقديمُ لنا على (من أمرنا) للإيذان من أول الأمرِ بكون المسؤول مرغوباً فيه لديهم، أو اجعل أمرَنا راشداً كلَّه على أن من تجريديةٌ مثلُها في قولك: رأيتُ منك أسداً. {فَضَرَبْنَا عَلَىٰ ءاذَانِهِمْ} أي أَنَمناهم على طريقة التمثيل المبنيِّ على تشبـيه الإنامةِ الثقيلةِ المانعةِ عن وصول الأصواتِ إلى الآذان بضرب الحجابِ عليها، وتخصيصُ الآذان بالذكر مع اشتراك سائرِ المشاعرِ لها في الحجْب عن الشعور عند النومِ لما أنها المحتاجُ إلى الحجب عادة، إذ هي الطريقةُ للتيقظ غالباً لا سيما عند انفرادِ النائم واعتزالِه عن الخلق، وقيل: الضربُ على الآذان كنايةٌ عن الإنامة الثقيلةِ، وحملُه على تعطيلها كما في قولهم: ضرب الأميرُ على يد الرعيةِ أي منعهم من التصرف مع عدم ملاءمتِه لما سيأتي من البعث لا يدل على النوع مع أنه المرادُ قطعاً، والفاء في فضربنا كما في قوله عز وجل: {فَٱسْتَجَبْنَا لَهُ} بعد قوله تعالى: {أية : إِذْ نَادَىٰ } تفسير : [الأنبياء: 76] فإن الضربَ المذكور وما ترتب عليه من التقليب ذاتَ اليمين وذاتَ الشمال والبعثِ وغيرِ ذلك إيتاءُ رحمةً لدنيّةٍ خافيةٍ عن أبصار المتمسكين بالأسباب العادية استجابةً لدعوتهم {فِى ٱلْكَهْفِ} ظرف مكان لضربنا {سِنِينَ} ظرفُ زمان له باعتبار بقائِه لا ابتدائِه {عَدَدًا} أي ذواتَ عدد أو تُعدّ عدداً على أنه مصدرٌ أو معدودةً على أنه بمعنى المفعول، ووصفُ السنين بذلك إما للتكثير وهو الأنسبُ بإظهار كمالِ القدرةِ أو للتقليل وهو الأليقُ بمقام إنكارِ كون القصةِ عجباً من بـين سائر الآياتِ العجيبة فإن مدة لُبثهم كبعض يومٍ عنده عز وجل.
التستري
تفسير : قوله تعالى: {آتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً}[10] أي احفظنا على ذكرك.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {آتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وَهَيِّىءْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَداً} [الآية: 10]. قال سهل بن عبد الله رحمه الله: ارزقنا ذكرك وشكرك على جميع الأحوال فهو جُل رحمة من عندك، وسهل لنا سبيل التوفيق فهو أرشد الطرق قوله تعالى: {لَوِ ٱطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَاراً} [الآية: 18]. قال جعفر: لو اطلعت عليهم من حيث أنت لوليت منهم فرارًا، ولو اطلعت عليهم من حيث الحق لشاهدت فيهم معانى الوحدانية والربانية. وقال ابن عطاء رحمه الله: لو اطلعت عليهم أَتى على الأكوان بما فيها {لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَاراً} لصرفت البصر عنهم تبرمًا بهم فإنك مطالع لنا، ومطالع منا. وقال ابن عطاء فى هذه الآية: إنه وردت عليهم أنوار الحق من فتون الخلع، وأظلتهم سرادقات التعظيم وأحدقت بهم جلابيب الهيبة لذلك قال لنبيه صلى الله عليه وسلم: {لَوِ ٱطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَاراً}. وقال الحسين فى قوله: لو اطلعت عليهم لوليت منهم فرارًا. قال: أنفة مما هم فيه من إظهار الأحوال عليهم وقهر الأحوال لهم مع مشاهدته من عظيم المحل فى القرب والمشاهدة فلم يؤثر عليك لجلالة محلك. وقال جعفر: لو اطلعت على ما بهم من آثار قدرتنا ورعايتنا لهم وتولية حياطتهم لوليت منهم فرارًا. أى ما قدرت على الثبات لمشاهدة ما بهم من هيبتنا فيكون حقيقة الفرار منا لا منهم لأن ما يرى عليهم منا. وقال أيضًا: لو اطلعت عليهم من حيث أنت. لفررت ولو اطلعت عليهم من حيث أنا لوقفت وذلك أن الولى له من الله أحوال على قدر مشاهدته من نظر إليه من عند نفسه من ضعف البشرية يفر من رؤيتهم وقد فرّ النبى صلى الله عليه وسلم من الكفار. قال بعضهم: حين سئل عن الفرق بين أنوار هدايته وأنوار الملائكة؟ فقال: أنوار الملائكة أنوار كراماته وأنوار بنى آدم أنوار هدايته وهو نور ظاهر وباطن لذلك وقعت هيبته أكبر فقال: لو اطلعت عليهم لوليت منهم فرارًا. ولم يكن من أنوار الملائكة عند الحجب فرارًا كفرار الشيطان من عمر بن الخطاب رضى الله عنه.
القشيري
تفسير : آواهم إلى الكهف بظاهرهم، وفي الباطن فهو مُقِيلُهم في ظِلِّ إقباله وعنايته، ثم أخذهم عنهم، وقام عنهم فأجرى عليهم الأحوال وهم غائبون عن شواهدهم. وأخبر عن ابتداء أمرهم بقوله. {رَبَّنَآ آتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وَهَيِّىءْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَداً}: أي أنهم أَخَذُوا في التبرِّي مِنْ حَوْلِهم وقُوَّتِهم، ورجعوا إلى الله بِصِدْقِ فَافَتِهم، فاستجاب لهم دعوتَهم، ودفع عنهم ضرورتَهم، وبَوَّأَهم في كنف الإيواء مقيلاً حسناً.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {إِذْ أَوَى ٱلْفِتْيَةُ إِلَى ٱلْكَهْفِ} وصف الله سبحانه اوّل زمرة السبعة المختارة من اصحاب الكهف والثلاثة المختارة من اصحاب الرقيم وهم فتيان المعرفة الذين خلقوا بسجية الفتوة وفتوتهم اعراضهم عن غير الله وعن الكون جميعا واقبالهم على الله بنعت ايوايهم الى كهوف وصاله وظلال جماله وحصون انسه وقصور قدسه بدلوا معجتهم لله بلا نصب لانفسهم وطلبوه منه ودخلوا فى فرار قربه ومساقط انوار شهوده فلما استقامو فى منازل الانس ومشاهدة القدس وراوا محبوبهم بنعت الرعاية والكلامة هيجهم نور البسط وسر الافتقار الى سوال زيادة القربات والمدانات {فَقَالُواْ رَبَّنَآ آتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً} معرفة كاملة وتوحيدا عزيزا وهيّى لنا من امر محبتك رشد اصابتك والوصول الى وصال قدمك الذى بلا زوال ولا امتحان فهناك مقيل السعادة الكبرى ومراقد المشاهدة الكبرى قال الاستاد اواهم الى كهف بظاهرهم وفى الباطن مهد مقيلهم فى ظل اقباله وعنايته ثم اخذهم عنهم وقام عنهم فاجرى عليهم الاحوال وهم مصطلمون عن شواهدهم فلما عاينوا من الكشف الاكبر والرضوان الاعظم استطابوا الوقت وخافوا الفوت والتجاؤا منه اليه فالطف عليهم الحق سبحانه فغيبهم عن الوجود واخذهم بنفسه عن وجودهم بقوله {فَضَرَبْنَا عَلَىٰ آذَانِهِمْ فِي ٱلْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً} ذكرو احدا من الاحساس وجميعها مستغرقة فى انوار وطاه هيبة الجلال عليم لما سترهم وضرب عليهم سرادق غيرته بقى عليهم حس الاذان فضرب على اذانهم ستر الغيرة حتى لا يجسوا اصوات الاغيار ادخلهم فى قباب عصمته وآنسهم بحسن مشاهدته وغيبهم عنهم فيه وزوال عنهم رسوم البشرية فبقوا مع الحق بالحق ناظرا الى الحق بلا فترة وفيه نكتة لطيفة لما راوا الحق بهتوا فى انوار قدمه وفنوا فى سطوت عظمته وذهبوا عن مقام سماع الخطاب ولو بقى عليهم سماع الخطاب لم يستحكموا فى مقام الخطاب على حد الرضا مقام الاستلذاذ والانس والبسط والبقاء فافناهم عنها لاستيفاء حظ التوحيد والفناء عنهم وايضا صارت اسماع الظاهر الى سماع بواطنهم فسمعوا باسماع القلوب والارواح والاسرار وما سمعوا من الحق شغل اسماع خواطرهم عن اسماع الاصوات المختلفة قيل اخذنا عنهم اسماعهم حتى لا يسمعوا الا منا واخذنا عنهم ابصارهم فلا ينظروا الا الينا حتى لا يكون لهم الى الغير التفات ولا للغير فيهم نصيب بحال وقال ابن عطا اخرجنا منهم صفة البشرية وافنيناهم بصفات القدسية قدسنا ظواهرهم وبواطنهم وجعلناهم اسراء فى القبضة ثم رددناهم الى هياكلهم وصفاتهم بقوله ثم بعثناهم وقال ايضا ان الفايدة فى الضرب على الاذان وليس للاذان فى النوم شئ انه ضرب على اذانهم حتى لا يسمعوا الاصوات فينتبهوا ويكونوا من الخلق كلهم فى راحة قال الاستاد اخذناهم عن احساسهم بانفسهم واختطفناهم عن شواهدهم بما استغرقناهم فيه وحقائق ما كنا سقيناهم به من شهود الاحدية واطلعناهم عليه من دوام نعت الصمدية فلما استوفوا حظ شهود الغيب ولطائف مقام السكر واراد ان يجعلهم من مقام الصبح ولهم حظا رفع عنهم برجاء الهيبة وسجوف ليالى الحشمة وافاقهم عن خمار السكرة بقوله {ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الحِزْبَيْنِ أَحْصَىٰ لِمَا لَبِثُواْ أَمَداً} اقامهم مقام الاستقامة ليعرفوا منازل القرب بنعت الصحو لان السكارى صيّروا فى قفار الديمومية بالحظ والوجد لا بالمعرفة وليعرفوا مسالك الحقيقة اهل الارادة قال الاستاد اى رددناهم الى حال صحوهم واوصاف تمييزهم واقمنا شواهد التفرقة بعدما محوناهم عن شواهدهم بما اقمناهم بوصف الجمع.
اسماعيل حقي
تفسير : {اذ اوى} ظرف لعجبا او مفعول لا ذكر اى اذكر حين صار واتى وانضم والتجأ {الفتية} يعنى فتية من اشراف الروم اكرههم دقيانوس على الشرك فابوا وهربوا {الى الكهف} هو جيروم فى جبلهم بنجلوس واتخذوه مأوى. والفتية جمع الفتى وهو الشاب القوى الحدث ويستعار للمملوك وان كان شيخا كالغلام وعن النبى صلى الله عليه وسلم "حديث : لا يقل احدكم عبدى وامتى ولكن ليقل فتاى وفتاتى"تفسير : وعن ابى يوسف من قال انا فتى فلان كان اقرارا منه بالرق {فقالوا ربنا آتنا من لدنك} من خزائن رحمتك الخاصةالمكنونة عن عيون اهل العادات فمن ابتدائية متعلقة بآتنا {رحمة} خاصة تستوجب المغفرة والزرق والا من من الاعداء {وهيئ لنا من امرنا} كلا الجارين متعلق بهيئ لاختلافهما فى المعنى واصل التهيئة اظهار هيئة الشئ وفى الصحاح هيأت الشئ اصلحته والاصلاح نقيض الافساد وهو جعل الشئ على الحالة المستقيمة النافعة والافساد هو الاخراج عن حد الاعتدال. والمعنى اصلح ورتب. واتمم لنا من امرنا الذى هو مهاجرة الكفار والمثابرة على الطاعة {رشدا} اصابة للطريق الموصل الى المطلوب واهتداء اليه.
الجنابذي
تفسير : {إِذْ أَوَى ٱلْفِتْيَةُ إِلَى ٱلْكَهْفِ} اذ تعليل للحسبان او لعجباً او مفعول لا ذكر مقدّراً او ذكّر، والفتية جمع الفتى، وهو كما يطلق على العبد والشّابّ والخادم والمطيع يطلق على المؤمن فانّه شابّ عقلاً والاّ فانّهم كانوا كهولاً {فَقَالُواْ} التجاءً واستغاثةً {رَبَّنَآ آتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وَهَيِّىءْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا} من ديننا الّذى صار سبباً لمهاجرة الكفّار والفرار من الاشرار وابتغاء سنّة الاخيار {رَشَداً} فى معاشنا ما نصير بسببه راشدين يمكن لنا التّعيّش مع الخلق كما قال تعالى: ويهيّئ لكم من امركم مرفقاً يعنى ما يمكن لكم المداراة مع الخلق.
الهواري
تفسير : قوله: {إِذْ أَوَى الفِتْيَةُ إِلَى الكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا ءَاتِنَا} أي: أعطنا { مِن لَّدُنْكَ} أي: من عندك { رَحْمَةً} أي: رزقاً { وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَداً}، كانوا قوماً قد آمنوا ففروا بدينهم من قومهم. وكان قومهم على الكفر وخشوا على أنفسهم القتل. قال: { فَضَرَبْنَا عَلَى ءَاذَانِهِمْ فِي الكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَداً} أي: المنتهى الذي بعثوا فيه، أي: لم يكن لواحد من الفريقين علم، لا لمؤمنهم ولا لكافرهم. وقال مجاهد: {أَمَداً} أي: عدداً، أي: لم يكن لهم علم بما لبثوا. قوله: {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُم بِالْحَقِّ} أي خبرهم بالحق {إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ ءَامَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى} أي أيماناً. {وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ} أي: بالإِيمان {إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لَن نَّدْعُوَا مِن دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا} أي: جوراً وكذباً. قوله: { هَؤُلاَءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ ءَالِهَةً لَّوْلاَ} أي: هلاّ {يَأْتُونَ عَلَيْهِم بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ} أي: بحجة بيّنة. تفسير الحسن وابن عباس في هذا الحرف في القرآن كله: حجة بيّنة. وقال بعضهم: هذا الحرف حيث كان في القرآن كله: عذر بيّن. وقال الحسن: بَيِّن بأن الله أمرهم بعبادتهم. قال: { فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِباً} أي: لا أحد أظلم منه.
اطفيش
تفسير : {إِذْ} أى اذكر إذ {أَوَى} أى مال أو التجأ. {الْفِتْيَةُ} جمع فتى وهو الشاب وهذا الجمع غير مقيس {إِلَى الْكَهْفِ} خائفين على إيمانهم وهم أشراف الروم. أراد دقيانوس أن يرجعوا إلى الشرك فأبوا وهربوا ودخلوا الكهف وهم: تمليخا ومكشلينيا ومشلينيا والثلاثة أصحاب يمين الملك ومرنوش ودبرنوش وشادنوش والثلاثة أصحاب يساره وكان يستشيرهم ومدينتهم أفسوس. وقد روى ذلك عن علىّ عنه صلى الله عليه وسلم أن أسماء الذين عن يساره مرطليوس وكسطوس وسادنوس. وقيل عن ابن عباس: مكسملينا وتمليخا ومرطولس وسلديبوبس ورنوانس وينبونس وكسفسيططيوس وبطينويمسيون وأنه الراعى. قال أبو شبل: بلغنى أنه من كتب هذه الأسماء فى شئ ووضعه فى حريق سكن الحريق بإذن الله تعالى. وذكر بعض أهل العمل أن قوله تعالى: {أية : أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم} تفسير : - إلى قوله عز وعلا - {أية : سنين عددا}تفسير : ينفع لقلة النوم فمن كتبها فى قرطاس ووضعها تحت رأس إنسان قليل النوم أو قرأها على رأسه سرا إذا كان يريد النوم فإنه ينام إن شاء الله. {فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِن لَدُنْكَ} من عندك {رَحْمَةً} إنعاما بمغفرة ورزق وأمن عدونا دقيانوس وغيره. {وَهَيِّئْ} أعْدِد وأوجد ويسِّر يقال: هيأه أى أعده وأوجده وأصل التهيئة إيجاد هيئة الشئ وقيل: المعنى: أصلح. {لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَداً} أى هداية نصير بها راشدين مهتدين والمراد بالأمر - والله أعلم - الأمر الذى هم عليه من مفارقة الكفار ويجوز أن تكون الآية من باب التجريد البديعى بأن يكونوا بالغوا فى طلب الرشد بأن يكون أمرهم كله رشدا يتولد من هذا الرشد لعظمه رشد آخر كقولك: رأيت وزيد أسدا فنجاهم الله جل وعلا بدعائهم.
اطفيش
تفسير : {إِذْ أَوَى} التجأ {الْفِتْيَةُ} جمع فتى وهو الشاب من كل حيوان وهم مرد، وأظهرهم للتنصيص على وصفهم بصغر السن، وهم سبعة مسورون بالذهب، ولهم ذوائب، والصحيح أن الكهف فى ناحية طرسوس فى المشرق لا فى المغرب، ففى الشام كهف فيه موتى يزعم مجاوروه أنهم أصحاب الكهف، وعليهم مسجد وبناء يسمى الرقيم، ومعهم رمة كلب. وقال الإمام أبو حيان: فى جهة غرناطة قرب لوشة كهف فيه موتى ومعهم كلب رمة، انجرد لحمه وتماسك بعضه، وقد مضت القرون ولم نجد من علم شأنهم، ويزعم الناس أنهم أصحاب الكهف. قال أبو حيان: قال ابن عطية: دخلت عليهم فرأيتهم سنة أربع وخمسمائة، وهم بهذه الحالة، وعليهم مسجد، وقريب منهم بناء رومى يسمى الرقيم، كأنه قصر مخلق قد يفنى بعضه، وهو فى فلاة من الأرض خربة، وبأعلى قصر غرناطة مما يلي القبلة، آثار مدينة قديمة يقال لها: دقيوس، وجدنا فى آثارها غرائب. وقال أبو حيان: وحين كنا بأندلس كان الناس يزورون هذا الكهف، ويذكرون أنهم يغلطون فى عدتهم، إذا عدوهم، وأن معهم كلبًا؛ يرحل الناس إلى لوشة لزيارتهم، قال: وقد مررت مراراً كثيرة على المدينة القديمة العظمى المذكورة، وشاهدت فيها أحجاراً عظيمة. قال: ويترجح كون ذلك بأندلس لكثرة دين النصارى بها، ولأن الإخبار بما هو أقصى من أرض الحجاز أغرب وأبعد أن يعرف إلا بوحى من الله عز وجل اهـ. وهو مخالف لما يذكر عن معاوية، أنه مر بالكهف وأراد دخوله، فمنعه ابن عباس. {إِلَى الْكَهْفِ} إذ ظرف لعجبًا أو مفعول لا ذكر، لا متعلق بحسبت، لأنه ليس صلى الله عليه وسلم فى وقت أويِّهم إلى الكهف، وكانوا شبانًا كما سماهم فتية، وهم من أشراف الروم على سن واحدة أو متقاربون، آمنوا بالله وبعيسى عليه السلام، أرادهم دقيانوس على الإشراك، وهو ملك الروم، فهربوا إلى الكهف قريبا من بلدهم، وقيل: كان ذلك قبل عيسى عليه السلام فى فترة، فكان إِيمانهم عبرة وتفكراً فى عظمة ملك الله وقدرته، ولم يأتهم وحى، ولم يقرءوا كتابًا، ولم يعلمهم أحد بعثه الله عز وجل، وهم فى الكهف، ورفعه الله بعد ثلاث وثلاثين سنة. ومضى بعد ذكر زمان طويل فبعثهم الله من نومهم، وأطلع أهل ذلك العصر على حالهم، ليَعْلموا أن الله يبعث الموتى، تزوَّدوا من بيوت آبائهم، وتصدقوا وهربوا خوفًا من أن يقهروا على عبادة سلطانهم دقيانوس، وهم معه فى مدينة أفسوس من مدائن الروم، والعرَب تسميها طرسوس، قيل: كانوا يبعثون واحداً منهم يشترى لهم الطعام من المدينة خيفة، قيل: جلسوا يوماً عند الغروب يتحدثون، فأَلقى الله عليهم النوم، كما قال عز وجل: {فضربنا على آذانهم} الآية. {فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً} إنعاما بالمغفرة والرزق والأمن من العدو، والنجاة من الشرك. {وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا} سيّر لنا، أو أحضر لنا صوابًا، وأصل التهيئة إحداث هيئة الشئ، واستعمل فى مطلق إعداده وإحضاره وأمرنا الأمر الذى نحن عليه من مفارقة الكفار، والأهل والوطن، ومن للابتداء أو السببية، والرشد الصواب بأن تثبتنا على الهداية والانقطاع عن الدنيا بعبادتك، أو استخرج من أمرنا الذى نحن عليه من الحق رشداً مبالغة منهم بأَن يتولد من صوابهم صواب آخر، وذلك من التجرد البديعى الواقع بمن، نحو: رأيت من زيد الأسد، ورأيت منه البحر فى مبالغة وصفه بالشجاعة والجود، ويكون فى وبغيرها كما ذكرته فى بيان البيان: شعر : يا رب هيئ لنا من أمرنا رشدا واجعل معونتك الحسنى لنا مددا ولا تكِلنــا إلـى تدبيــر أنفسـنا فالنفس تعجز عن إصلاح ما فسدا أنت الكريم وقد وجهت يا صمد إلى جنابك وجهاً سائلا ويدا والرجـاء ثـواب أنـت تعلمــــه فاجعل ثوابى دوام الستر لى أبدا تفسير : فأَجب دعائى يا جواد كما أجبت دعاءهم فى ضمن قولك تباركت وتعاليت: {فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ} حجابًا مانعًا من السمع {فِى الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا} أى أنمناهم، واستعمل ما وضع لضرب الحجاب على الشئ حتى لا يحس فى معنى الإنامة على الاستعارة المكنية والتمثيلية، لجامع إسقاط الإحساس، وعدداً نعت سنين، وصفها به تقليلاً لها، لأن هذه لبثهم كيوم أو بعضه عنده، وهى ثلاثمائة سنين وتسع سنين، وذلك كتقليل الكثير فى مقابلة ما لا يحصى كثرة أو تكثراً لأنها فى نفس الأمر عدد كثير، والله قادر على تلك الكثرة. ومعناه سنين معدودة، أو ذوات عدد، وقدر بعضهم تعد عدداً، والكثرة تناسب كمال القدرة، والقلة تناسب نفى كون قصتهم عجباً من دون سائر الآيات العجيبة التى كثرت فى القرآن، ونص على الآذان لأنه يحصل النوم بالضرب عليها، وبالنوم يبطل كل إحساس.
الالوسي
تفسير : {إِذْ أَوَى} معمول {أية : عَجَبًا}تفسير : [الكهف: 9] أو {أية : كَانُواْ} تفسير : [الكهف: 9] أو اذكر مقدراً، ولا يجوز أن يكون ظرفاً لحسبت لأن حسبانه لم يكن في ذلك الوقت أي حين التجأ {ٱلْفِتْيَةُ إِلَى ٱلْكَهْفِ} واتخذوه مأوى / ومكاناً لهم. والفتية جمع قلة لفتى، وهو كما قال الراغب وغيره الطري من الشبان ويجمع أيضاً على فتيان، وقال ابن السراج: إنه اسم جمع وقال غير واحد إنه جمع فتي كصبـي وصبية، ورجح بكثرة مثله. والمراد بهم أصحاب الكهف. وإيثار الإظهار على الإضمار لتحقيق ما كانوا عليه في أنفسهم من حال الفتوة، فقد روي أنهم كانوا شباناً من أبناء أشراف الروم وعظمائهم مطوقين مسورين بالذهب ذوي ذوائب، وقيل لأن صاحبية الكهف من فروع التجائهم إلى الكهف، فلا يناسب اعتبارها معهم قبل بيانه. والظاهر مع الضمير اعتبارها، وليس الأمر كذلك مع هذا الظاهر وإن كانت أل فيه للعهد. {فَقَالُواْ رَبَّنَا ءاتِنَا مِن لَّدُنكَ} أي من عندك {رَحْمَةً} عظيمة أو نوعاً من الرحمة فالتنوين للتعظيم أو للنوع. و {مِنْ} للابتداء متعلق بآتنا، ويجوز أن يتعلق بمحذوف وقع حالاً من {رَحْمَةً} قدم عليها لكونها نكرة ولو تأخر لكان صفة لها. وفسرت الرحمة بالمغفرة والرزق والأمن والأولى تفسيرها بما يتضمن ذلك وغيره. وفي ذكر {مِن لَّدُنْكَ} إيماء إلى أن ذلك من باب التفضل لا الوجوب فكأنهم قالوا ربنا تفضل علينا برحمة {وَهَيّىء لَنَا مِنْ أَمْرِنَا} الذي نحن عليه من مهاجرة الكفار والمثابرة على طاعتك. وقرأ أبو جعفر وشيبة والزهري {وهيـي} بياءين من غير همز يعني أنهم أبدلوا الهمزة الساكنة ياء، وفي «كتاب ابن خالويه» قرأ الأعشى عن أبـي بكر عن عاصم {وهيِّ} بلا همز انتهى. وهو يحتمل أن يكون قد أبدل الهمزة ياءً وأن يكون حذفها، والأول إبدال قياسي، والثاني مختلف فيه أينقاس حذف الحرف المبدل من الهمزة في الأمر والمضارع المجزومين أم لا. وأصل التهيئة إحداث الهيئة وهي الحالة التي يكون عليها الشيء محسوسة أو معقولة ثم استعمل في إحضار الشيء وتيسيره أي يسر لنا من أمرنا {رَشَدًا} إصابة للطريق الموصل إلى المطلوب واهتداءً إليه. وقرأ أبو رجاء {رشداً} بضم الراء وإسكان الشين والمعنى واحد إلا أن الأوفق بفواصل الآيات قراءة الجمهور. وإلى اتحاد المعنى ذهب الراغب قال: الرشد بفتحتين خلاف الغي ويستعمل استعمال الهداية وكذا الرشد بضم فسكون. وقال بعضهم: الرشد أي بفتحتين كما في بعض النسخ المضبوطة أخص من الرشد لأن الرشد بالضم يقال في الأمور الدنيوية والأخروية والرشد يقال في الأمور الأخروية لا غير اهـ، وفيه مخالفة لما ذكره ابن عطية فإنه قال: إن هذا الدعاء منهم كان في أمر دنياهم وألفاظه تقتضي ذلك وقد كانوا على ثقة من رشد الآخرة ورحمتها، وينبغي لكل مؤمن أن يجعل دعاءه في أمر دنياه لهذه الآية فإنها كافية ويحتمل أن يراد بالرحمة رحمة الآخرة اهـ، نعم فيما قاله نظر، والأولى جعل الدعاء عاماً في أمر الدنيا والآخرة وإن كان تعقيبه بما بعد ظاهراً في كونه خاصاً في أمر الأولى واللام و(من) متعلقان بهيىء فإن اختلف معناهما بأن كانت الأولى للأجل والثانية ابتدائية فلا كلام، وإن كانتا للأجل احتاجت صحة التعلق إلى الجواب المشهور. وتقديم المجرورين على المفعول الصريح لإظهار الاعتناء بهما وإبراز الرغبة في المؤخر وكذا الكلام في تقديم {مِن لَّدُنْكَ} على {رَحْمَةً} على تقدير تعلقه بآتنا، وتقديم المجرور الأول على الثاني للإيذان من أول الأمر بكون المسؤول مرغوباً فيه لديهم، وقيل الكلام على التجريد وهو إن ينتزع من أمر ذي صفة آخر مثله مبالغة كأنه بلغ إلى مرتبة من الكمال بحيث يمكن أن يؤخذ منه آخر كرأيت منك أسداً أي اجعل أمرنا كله رشداً.
ابن عاشور
تفسير : (إذ) ظرف مضاف إلى الجملة بعده، وهو متعلق بــــ { أية : كانوا } تفسير : [الكهف: 9] فتكون هذه الجملة متصلة بالتي قبلها. ويجوز كون الظرف متعلقاً بفعل محذوف تقديره: اذكر، فتكون مستأنفة استئنافاً بيانياً للجملة التي قبلها. وأياً ما كان فالمقصود إجمال قصتهم ابتداء، تنبيهاً على أن قصتهم ليست أعجب آيات الله، مع التنبيه على أن ما أكرمهم الله به من العناية إنما كان تأييداً لهم لأجل إيمانهم، فلذلك عطف عليه قوله: {فقالوا ربنا آتنا من لدنك رحمة}. وأوى أُوِياً إلى المكان: جعله مسكناً له، فالمكان: المَأْوَى. وقد تقدم عند قوله تعالى: { أية : أولئك مأواهم النار بما كانوا يكسبون } تفسير : في سورة يونس (8). والفتية: جمع قلة لفتى، وهو الشاب المكتمل. وتقدم عند قوله تعالى في سورة يوسف. والمراد بالفتية: أصحاب الكهف. وهذا من الإظهار في مقام الإضمار لأن مقتضى الظاهر أن يقال: إذ أووا، فعدل عن ذلك لما يدل عليه لفظ الفتية من كونهم أتراباً متقاربي السن. وذكرهم بهذا الوصف للإيماء إلى ما فيه من اكتمال خُلق الرجولية المعبر عنه بالفتوة الجامع لمعنى سداد الرأي، وثبات الجأش، والدفاع عن الحق، ولذلك عدل عن الإضمار فلم يقل: إذ أووا إلى الكهف. ودلت الفاء في جملة {فقالوا} على أنهم لما أووا إلى الكهف بادروا بالابتهال إلى الله. ودعوا الله أن يؤتيهم رحمة من لدنه، وذلك جامع لخير الدنيا والآخرة، أي أن يمن عليهم برحمة عظيمة تناسب عنايته باتباع الدين الذي أمر به، فزيادة {من لدنك} للتعلق بفعل الإيتاء تشير إلى ذلك، لأن في (من) معنى الابتداء وفي (لدن) معنى العندية والانتساب إليه، فذلك أبلغ مما لو قالوا: آتنا رحمة، لأن الخلق كلهم بمحل الرحمة من الله، ولكنهم سألوا رحمة خاصة وافرة في حين توقع ضدها، وقصدوا الأمن على إيمانهم من الفتنة، ولئلا يلاقوا في اغترابهم مشقة وألماً، وأن لا يهينهم أعداء الدين فيصيروا فتنة للقوم الكافرين. ثم سألوا الله أن يقدر لهم أحوالاً تكون عاقبتها حصول ما خولهم من الثبات على الدين الحق والنجاة من مناواة المشركين. فعبر عن ذلك التقدير بالتهيئة التي هي إعداد أسباب حصول الشيء. و (من) في قوله: {من أمرنا} ابتدائية. والأمر هنا: الشأن والحال الذي يكونون فيه، وهو مجموع الإيمان والاعتصام إلى محل العزلة عن أهل الشرك. وقد أعد الله لهم من الأحوال ما به رشدهم. فمن ذلك صرف أعدائهم عن تتبعهم، وأن ألهمهم موضع الكهف، وأن كان وضعه على جهة صالحة ببقاء أجسامهم سليمةً، وأن أنامهم نوماً طويلاً ليمضي عليهم الزمن الذي تتغير فيه أحوال المدينة، وحصل رَشَدهم إذ ثبتوا على الدين الحق وشاهدوه منصوراً متبعاً، وجعلهم آية للناس على صدق الدين وعلى قدرة الله وعلى البعث. والرَّشد ــــ بفتحتين ــــ: الخير وإصابة الحق والنفع والصلاح، وقد تكرر في سورة الجن باختلاف هذه المعاني. والرُشد ــــ بضم الراء وسكون الشين ــــ مرادف الرَّشَد. وغلب في حسن تدْبير المال. لم يقرأ هذا اللفظ هنا في القراءات المشهورة إلا ــــ بفتح الراء ــــ بخلاف قوله تعالى: { أية : قد تبين الرشد من الغي } تفسير : في البقرة (256)، وقوله: { أية : فإن آنستم منهم رشداً } تفسير : في سورة النساء (6) فلم يقرأ فيهما إلا بضم الراء. ووجه إيثار مفتوح الراء والشين في هذه السورة في هذا الموضع وفي قوله الآتي: { أية : وقل عسى أن يهدين ربي لأقرب من هذا رشدا } تفسير : [الكهف: 24]: أن تحريك الحرفين فيهما أنسب بالكلمات الواقعة في قرائن الفواصل؛ ألا ترى أن الجمهور قرؤوا قوله في هذه السورة: { أية : على أن تعلمني مما علمت رشدا } تفسير : [الكهف: 66] ـــ بضم الراء لأنه أنسب بالقرائن المجاورة له وهي { أية : من لدنا علماً } تفسير : [الكهف: 65] { أية : معي صبراً } تفسير : [الكهف: 67] { أية : ما لم تحط به خُبرا } تفسير : [الكهف: 68] { أية : ولا أعصي لك أمراً } تفسير : [الكهف: 69] إلى آخره. ولم يقرأه هنالك بفتح الراء والشين إلا أبو عمرو ويعقوب.
الشنقيطي
تفسير : ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة من صفة أصحاب الكهف - أنهم فتية، وأنهم أووا إلى الكهف، وأنهم دعوا ربهم هذا الدعاء العظيم الشامل لكل خير، وهو قوله عنهم {رَبَّنَآ آتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وَهَيِّىءْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَداً}. وبين في غير هذا الموضع أشياء أخرى من صفاتهم وأقوالهم، كقوله: {أية : إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُواْ بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى}تفسير : [الكهف: 13] إلى قوله {أية : يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِّن رَّحْمَتِهِ وَيُهَيِّىءْ لَكُمْ مِّنْ أَمْرِكُمْ مِّرْفَقاً}تفسير : [الكهف: 16] و{إذ} في قوله هنا {إِذْ أَوَى ٱلْفِتْيَةُ} منصوبة بـ {اذكر} مقدراً. وقيل: بقوله {أية : عَجَباً}تفسير : [الكهف: 9] ومعنى قوله {إِذْ أَوَى ٱلْفِتْيَةُ إِلَى ٱلْكَهْفِ} أي جعلوا الكهف مأوى لهم ومكان اعتصام. ومعنى قوله: {آتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً} أي أعطنا رحمة من عندك. والرحمة هنا تشمل الرزق والهدى والحفظ مما هربوا خائفين منه من أذى قومهم، والمغفرة. والفتية: جمع فتى جمع تكسير، وهو من جموع القلة. ويدل لفظ الفتية على قلتهم، وأنهم شباب لا شيب، خلافاً لما زعمه ابن السراج من: أن الفتية اسم جمع لا جمع تكسير. وإلى كون مثل الفتية جمع تكسير من جموع القلة - أشار ابن مالك في الخلاصة بقوله: شعر : أفعلة افعل ثم فعله كذاك أفعال جموع قله تفسير : والتهيئة: التقريب والتيسير: أي يسر لنا وقرب لنا من أمرنا رشداً. والرشد: الاهتداء والديمومة عليه. و {من} في قوله {من أمرنا} فيها وجهان: أحدهما - أنها هنا للتجريد، وعليه فالمعنى: اجعل لنا أمرنا رشداً كله. كما تقول: لقيت من زيد أسداً. ومن عمرو بحراً. والثاني أنها للتبعيض. وعليه فالمعنى: واجعل لنا بعض أمرنا. أي وهو البعض الذي نحن فيه من مفارقة الكفار رشداً حتى نكون بسببه راشدين مهتدين.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 10- اذكر حين صار هؤلاء الفتيان إلى هذه المغارة وجعلوها مأوى لهم، فراراً بدينهم من الشرك والمشركين، فقالوا: يا ربنا آتنا من عندك مغفرة وأمناً من عدونا، ويسِّر لنا من شأننا هداية وتوفيقا. 11- فاستجبنا دعاءهم فَأنَمْنَاهُمْ آمنين فى الكهف سنين عديدة. 12- ثم أيقظهم الله بعد أن ظلوا نياماً أمداً طويلاً، لتكون عاقبة ذلك إظهار عِلْمنا بمن أصاب من الفريقين فى تقدير مدة مكثهم. 13- نحن نقص عليك - أيها الرسول - خبرهم بالصدق: إنهم فتيان كانوا قبل العهود السابقة على دين الحق، صدَّقوا بوحدانية ربهم وسط قوم مشركين وزدناهم يقينا. 14- وثبتنا قلوبهم على الإيمان والصبر على الشدائد حين قاموا فى قومهم فقالوا متعاهدين: ربنا أنت الحق رب السموات والأرض لن نعبد من غيره إلها، ولن نتحول عن هذه العقيدة. والله إذا قلنا غير هذا لكان قولنا بعيداً عن الصواب. 15- ثم قال بعضهم لبعض: هؤلاء قومنا أشركوا بالله غيره، هلاَّ يأتون على ألوهية من يعبدونهم من دون الله بحُجة ظاهرة؟ إنهم لظالمون فيما فعلوا، ولا أحد أشد ظلماً ممن افترى على الله كذباً بنسبة الشريك إليه.
د. أسعد حومد
تفسير : {آتِنَا} (10) - اذْكُرْ يَا مُحَمَّدُ قِصَّةَ الفِتْيَةِ الَّذِينَ فَرُّوا بِدِينِهِمْ مِنْ قَوْمِهِمْ، لِئَلاَّ يَفْتِنُوهُمْ عَنْهُ، فَلَجَؤُوا إِلَى غَارٍ فِي جَبَلٍ، لِيَخْتَفُوا فِيهِ عَنْ عُيُونِ قَوْمِهِمْ. فَلَمَّا دَخَلُوهُ سَأَلُوا اللهَ أَنْ يَمُنَّ عَلَيْهِمْ بِرَحْمَتِهِ وَلُطْفِهِ، وَأَنْ يَجْعَلَ عَاقِبَتَهُمْ رُشْداً وَهُدًى. أَوَى الفِتْيَةُ - التَجَؤُوا هَرَباً بِدِينِهِمْ. رَشَداً - اهْتِدَاءً إِلَى طَرِيقِ الحَقِّ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : {أَوَى} من المأوى، وهو المكان الذي يأوي إليه الإنسان ويلجأ إليه {ٱلْفِتْيَةُ} جمع فتى، وهو الشاب في مُقْتبل العمر، والشباب هم مَعْقِد الآمال في حَمْل الأعباء والنهوض بكل أمر صعب، وهؤلاء شباب مؤمن وقفوا يحملون راية عقيدتهم وإيمانهم أمام جبروت الكفر وطغيان الشرك، فالفتاء فيهم فتاء إيمان وعقيدة. لذلك لجأوا إلى الكهف مُخلِّفين وراءهم أموالهم وأهلهم وكل ما يملكون، وفرُّوا بدينهم إلى هذا المكان الضيق الخالي من أيِّ مُقوِّم من مُقوِّمات الحياة؛ لأنهم لا يشغلون أنفسهم بهذه المقوّمات، بل يعلمون أن لهم رباً سيتولى أمرهم؛ لذلك ضَرَعُوا إليه قائلين: {رَبَّنَآ ءَاتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً..} [الكهف: 10] أي: رحمة من عندك، أنت ترحم بها ما نحن فيه من انقطاع عن كل مُقوِّمات الحياة، فالرحمة في فجوة الجبل لن تكون من البشر، الرحمة هنا لا تكون إلا من الله: {وَهَيِّىءْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَداً} [الكهف: 10] أي: يَسِّر لنا طريقاً سديداً للخير وللحق. إن هؤلاء الفتية المؤمنين حينما ألجأهم الكفر إلى ضيق الكهف تضرَّعوا واتجهوا إلى ربهم، فهو وحده القادر على أن يُوسّع عليهم هذا الضيق، كما قال تعالى: {أية : فَلَوْلاۤ إِذْ جَآءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ ..}تفسير : [الأنعام: 43]. ثم يقول الحق سبحانه: {فَضَرَبْنَا عَلَىٰ ءَاذَانِهِمْ فِي ...}.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):