Verse. 2153 (AR)

١٨ - ٱلْكَهْف

18 - Al-Kahf (AR)

نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَاَہُمْ بِالْحَقِّ۝۰ۭ اِنَّہُمْ فِتْيَۃٌ اٰمَنُوْا بِرَبِّہِمْ وَزِدْنٰہُمْ ہُدًى۝۱۳ۤۖ
Nahnu naqussu AAalayka nabaahum bialhaqqi innahum fityatun amanoo birabbihim wazidnahum hudan

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«نحن نقص» نقرأ «عليك نبأهم بالحق» بالصدق «إنهم فتية آمنوا بربِّهم وزدناهم هدى».

13

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه تعالى ذكر من قبل جملة من واقعتهم ثم قال: {إنهم فتية آمنو بربهم} أي على وجه الصدق: {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نبَأَهُم } كانوا جماعة من الشبان آمنوا بالله، ثم قال تعالى في صفاتهم: {وَرَبَطْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ } أي ألهمناها الصبر وثبتناها: {إِذْ قَامُواْ } وفي هذا القيام أقوال: الأول: قال مجاهد كانوا عظماء مدينتهم فخرجوا فاجتمعوا وراء المدينة من غير ميعاد، فقال رجل منهم أكبر القوم إني لأجد في نفسي شيئاً ما أظن أن أحداً يجده، قالوا ما تجد؟ قال أجد في نفسي أن ربي رب السموات والأرض. القول الثاني: أنهم قاموا بين يدي ملكهم دقيانوس الجبار، وقالوا: ربنا رب السموات والأرض، وذلك لأنه كان يدعو الناس إلى عبادة الطواغيت، فثبت الله هؤلاء الفتية، وعصمهم حتى عصوا ذلك الجبار، وأقروا بربوبية الله، وصرحوا بالبراءة عن الشركاء والأنداد. والقول الثالث: وهو قول عطاء ومقاتل أنهم قالوا ذلك عند قيامهم من النوم وهذا بعيد لأن الله استأنف قصتهم بقوله: {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ } وقوله: {لَّقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا } معنى الشطط في اللغة مجاوزة الحد، قال الفراء يقال قد أشط في السوم إذ جاوز الحد ولم يسمع إلا أشط يشط أشطاطاً وشططاً، وحكى الزجاج وغيره شط الرجل وأشط إذا جاوز الحد، ومنه قوله: { أية : وَلاَ تُشْطِطْ } تفسير : [ص: 22] وأصل هذا من قولهم شطت الدار إذا بعدت، فالشطط البعد عن الحق، وهو ههنا منصوب على المصدر، والمعنى لقد قلنا إذا قولاً شططاً، أما قوله: {هَـؤُلاء قَوْمُنَا ٱتَّخَذْواْ مِن دُونِهِ ءالِهَةً } هذا من قول أصحاب الكهف ويعنون الذين كانوا في زمان دقيانوس عبدوا الأصنام {لَّوْلاَ يَأْتُونَ} - هلا يأتون - {عَلَيْهِم بِسُلْطَـٰنٍ بَيّنٍ } بحجة بينة، ومعنى عليهم أي على عبادة الآلهة، ومعنى الكلام أن عدم البينة بعدم الدلائل على ذلك لا يدل على عدم المدلول، ومن الناس من يحتج بعدم الدليل على عدم المدلول ويستدل على صحة هذه الطريقة بهذه الآية. فقال إنه تعالى استدل على عدم الشركاء والأضداد بعدم الدليل عليها فثبت أن الاستدلال بعدم الدليل على عدم المدلول طريقة قوية، ثم قال: {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا } يعني أن الحكم بثبوت الشيء مع عدم الدليل عليه ظلم وافتراء على الله وكذب عليه، وهذا من أعظم الدلائل على فساد القول بالتقليد.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نبَأَهُم بِٱلْحَقِّ} لما اقتضى قوله تعالى: {لِنَعْلَمَ أَيُّ الحِزْبَيْنِ أَحْصَىٰ} اختلافاً وقع في أمد الفتية، عقّب بالخبر عن أنه عز وجل يعلم من أمرهم بالحق الذي وقع. وقوله تعالى: {إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ} أي شباب وأحداث حكم لهم بالفتوّة حين آمنوا بلا واسطة؛ كذلك قال أهل اللسان: رأس الفتوّة الإيمان. وقال الجنيد: الفتوّة بذل النَّدى وكفُّ الأذى وترك الشكوى. وقيل: الفتوّة اجتناب المحارم واستعجال المكارم. وقيل غير هذا. وهذا القول حسن جداً؛ لأنه يعمّ بالمعنى جميع ما قيل في الفتوّة. قوله تعالى: {وَزِدْنَاهُمْ هُدًى} أي يسّرناهم للعمل الصالح؛ من الانقطاع إلى الله تعالى، ومباعدة الناس، والزهد في الدنيا. وهذه زيادة على الإيمان. وقال السُّدِّي: زادهم هُدًى بكلب الراعي حين طردوه ورجموه مخافة أن ينبح عليهم وينبّه بهم؛ فرفع الكلب يديه إلى السماء كالداعي فأنطقه الله، فقال: يا قوم! لِمَ تطردونني، لم ترجمونني! لم تضربونني! فوالله لقد عرفت الله قبل أن تعرفوه بأربعين سنة؛ فزادهم الله بذلك هُدًى.

ابن كثير

تفسير : من ههنا شرع في بسط القصة وشرحها، فذكر تعالى أنهم فتية، وهم الشباب، وهم أقبل للحق، وأهدى للسبيل من الشيوخ الذين قد عتوا وانغمسوا في دين الباطل، ولهذا كان أكثر المستجيبين لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم شباباً، وأما المشايخ من قريش، فعامتهم بقوا على دينهم، ولم يسلم منهم إلا القليل. وهكذا أخبر تعالى عن أصحاب الكهف أنهم كانوا فتية شباباً، وقال مجاهد: بلغني أنه كان في آذان بعضهم القرطة، يعني: الحلق، فألهمهم الله رشدهم، وآتاهم تقواهم، فآمنوا بربهم، أي: اعترفوا له بالوحدانية، وشهدوا أنه لا إله إلا هو {وَزِدْنَـٰهُمْ هُدًى} استدل بهذه الآية وأمثالها غير واحد من الأئمة كالبخاري وغيره ممن ذهب إلى زيادة الإيمان وتفاضله، وأنه يزيد وينقص، ولهذا قال تعالى: {وَزِدْنَـٰهُمْ هُدًى} كما قال: {أية : وَٱلَّذِينَ ٱهْتَدَوْاْ زَادَهُمْ هُدًى وَءَاتَـٰهُمْ تَقُوَاهُمْ } تفسير : [محمد: 17] وقال: {أية : فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَـٰناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ} تفسير : [التوبة: 124] وقال: {أية : لِيَزْدَادُوۤاْ إِيمَـٰناً مَّعَ إِيمَانِهِمْ} تفسير : [الفتح: 4] إلى غير ذلك من الآيات الدالة على ذلك. وقد ذكر أنهم كانوا على دين المسيح عيسى بن مريم، فالله أعلم، والظاهر أنهم كانوا قبل ملة النصرانية بالكلية، فإنهم لو كانوا على دين النصرانية، لما اعتنى أحبار اليهود بحفظ خبرهم وأمرهم؛ لمباينتهم لهم، وقد تقدم عن ابن عباس: أن قريشاً بعثوا إلى أحبار اليهود بالمدينة يطلبون منهم أشياء يمتحنون بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فبعثوا إليهم أن يسألوه عن خبر هؤلاء، وعن خبر ذي القرنين، وعن الروح، فدل هذا على أن هذا أمر محفوظ في كتب أهل الكتاب، وأنه متقدم على دين النصرانية، والله أعلم. وقوله: {وَرَبَطْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُواْ فَقَالُواْ رَبُّنَا رَبُّ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} يقول تعالى: وصبرناهم على مخالفة قومهم ومدينتهم، ومفارقة ما كانوا فيه من العيش الرغيد والسعادة والنعمة، فإنه قد ذكر غير واحد من المفسرين من السلف والخلف: أنهم كانوا من أبناء ملوك الروم وسادتهم، وأنهم خرجوا يوماً في بعض أعياد قومهم، وكان لهم مجتمع في السنة يجتمعون فيه في ظاهر البلد، وكانوا يعبدون الأصنام والطواغيت، ويذبحون لها، وكان لهم ملك جبار عنيد يقال له: دقيانوس، وكان يأمر الناس بذلك، ويحثهم عليه، ويدعوهم إليه، فلما خرج الناس لمجتمعهم ذلك، وخرج هؤلاء الفتية مع آبائهم وقومهم، ونظروا إلى ما يصنع قومهم بعين بصيرتهم، عرفوا أن هذا الذي يصنعه قومهم من السجود لأصنامهم والذبح لها لا ينبغي إلا الله الذي خلق السموات والأرض، فجعل كل واحد منهم يتخلص من قومه، وينحاز منهم، ويتبرز عنهم ناحية، فكان أول من جلس منهم وحده أحدهم، جلس تحت ظل شجرة، فجاء الآخر فجلس إليها عنده، وجاء الآخر فجلس إليهما، وجاء الآخر فجلس إليهم، وجاء الآخر، وجاء الآخر، وجاء الآخر، ولا يعرف واحد منهم الآخر، وإنما جمعهم هناك الذي جمع قلوبهم على الإيمان. كما جاء في الحديث الذين رواه البخاري تعليقاً من حديث يحيى بن سعيد عن عمرة عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : الأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف» تفسير : وأخرجه مسلم في صحيحه من حديث سهيل عن أبيه عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس يقولون: الجنسية علة الضم، والغرض أنه جعل كل أحد منهم يكتم ما هو عليه عن أصحابه خوفاً منهم، ولا يدري أنهم مثله، حتى قال أحدهم: تعلمون والله يا قوم أنه ما أخرجكم من قومكم وأفردكم عنهم إلا شيء، فليظهر كل واحد منكم بأمره، فقال آخر: أما أنا، فإني والله رأيت ما قومي عليه، فعرفت أنه باطل، وإنما الذي يستحق أن يعبد وحده ولا يشرك به شيء هو الله الذي خلق كل شيء: السموات والأرض وما بينهما، وقال الآخر: وأنا والله وقع لي كذلك، وقال الآخر كذلك، حتى توافقوا كلهم على كلمة واحدة، فصاروا يداً واحدة، وإخوان صدق، فاتخذوا لهم معبداً يعبدون الله فيه، فعرف بهم قومهم، فوشوا بأمرهم إلى ملكهم، فاستحضرهم بين يديه، فسألهم عن أمرهم وما هم عليه، فأجابوه بالحق، ودعوه إلى الله عز وجل، ولهذا أخبر تعالى عنهم بقوله: {وَرَبَطْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُواْ فَقَالُواْ رَبُّنَا رَبُّ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ لَن نَّدْعُوَاْ مِن دُونِهِ إِلـٰهاً} ولن لنفي التأبيد، أي: لا يقع منا هذا أبداً؛ لأنا لو فعلنا ذلك، لكان باطلاً، ولهذا قال عنهم: {لَّقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا} أي: باطلاً وبهتاناً {هَـٰؤُلاۤءِ قَوْمُنَا ٱتَّخَذْواْ مِن دُونِهِ ءَالِهَةً لَّوْلاَ يَأْتُونَ عَلَيْهِم بِسُلْطَـٰنٍ بَيِّنٍ} أي: هلا أقاموا على صحة ما ذهبوا إليه دليلاً واضحاً صحيحاً {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا} يقولون: بل هم ظالمون كاذبون في قولهم ذلك، فيقال: إن ملكهم لما دعوه إلى الإيمان بالله، أبى عليهم، وتهددهم وتوعدهم، وأمر بنزع لباسهم عنهم الذي كان عليهم من زينة قومهم، وأجلهم لينظروا في أمرهم لعلهم يرجعون عن دينهم الذي كانوا عليه، وكان هذا من لطف الله بهم، فإنهم في تلك النظرة توصلوا إلى الهرب منه والفرار بدينهم من الفتنة، وهذا هو المشروع عند وقوع الفتن في الناس أن يفر العبد منهم خوفاً على دينه، كما جاء في الحديث: «حديث : يوشك أن يكون خير مال أحدكم غنماً يتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر، يفر بدينه من الفتن» تفسير : ففي هذه الحال تشرع العزلة عن الناس، ولا تشرع فيما عداها؛ لما يفوت بها من ترك الجماعات والجمع، فلما وقع عزمهم على الذهاب والهرب من قومهم، واختار الله تعالى لهم ذلك، وأخبر عنهم بذلك في قوله: {وَإِذِ ٱعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إَلاَّ ٱللَّهَ} أي: وإذا فارقتموهم وخالفتموهم بأديانكم في عبادتهم غير الله، ففارقوهم أيضاً بأبدانكم، {فَأْوُواْ إِلَى ٱلْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِّن رَّحْمَتِهِ} أي يبسط عليكم رحمة يستركم بها من قومكم {وَيُهَيِّىءْ لَكُمْ مِّنْ أَمْرِكُمْ} الذي أنتم فيه {مِّرْفَقًا} أي: أمراً ترتفقون به، فعند ذلك خرجوا هِراباً إلى الكهف، فأووا إليه، ففقدهم قومهم من بين أظهرهم، وتطلبهم الملك، فيقال: إنه لم يظفر بهم، وعمى الله عليه خبرهم؛ كما فعل بنبيّه محمد صلى الله عليه وسلم وصاحبه الصديق حين لجآ إلى غار ثور، وجاء المشركون من قريش في الطلب، فلم يهتدوا إليه مع أنهم يمرون عليه، وعندها قال النبي صلى الله عليه وسلم حين رأى جزع الصديق في قوله: يا رسول الله لو أن أحدهم نظر إلى موضع قدميه لأبصرنا، فقال: «حديث : يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟» تفسير : وقد قال تعالى: {أية : إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ ٱللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ ٱثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي ٱلْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلسُّفْلَىٰ وَكَلِمَةُ ٱللَّهِ هِيَ ٱلْعُلْيَا وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} تفسير : [التوبة: 40] فقصة هذا الغار أشرف وأجل وأعظم وأعجب من قصة أصحاب الكهف، وقد قيل: إن قومهم ظفروا بهم، ووقفوا على باب الغار الذي دخلوه، فقالوا: ماكنا نريد منهم من العقوبة أكثر مما فعلوا بأنفسهم، فأمر الملك بردم بابه عليهم ليهلكوا مكانهم، ففعلوا ذلك، وفي هذا نظر، والله أعلم، فإن الله تعالى قد أخبر أن الشمس تدخل عليهم في الكهف بكرة وعشياً، كما قال تعالى:

المحلي و السيوطي

تفسير : {نَحْنُ نَقُصُّ } نقرأ {عَلَيْكَ نبَأَهُم بِٱلْحَقِّ } بالصدق {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نبَأَهُم بِٱلْحَقِّ إِنَّهُمْ }.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {وربطنا على قلوبهم..} فيه وجهان: أحدهما: ثبتناها. الثاني: ألهمناها صبراً، قاله اليزيدي. {... ولقد قلنا إذاً شططاً} فيه وجهان: أحدهما: غُلواً. الثاني: تباعداً. قوله تعالى: {... لولا يأتون عليهم بسلطان بيّنٍ} فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: بحجة بينة، قاله مقاتل. الثاني: بعذر بيّن، قاله قتادة. الثالث: بكتاب بيّن، قاله الكلبي. قوله تعالى: {...ويهيىء لكم من أمركم مرفقاً} فيه وجهان: أحدهما: سعة. الثاني: معاشاً. ويحتمل ثالثاً: يعني خلاصاً، ويقرأ {مِرْفقاً} بكسر الميم وفتح الفاء {ومَرفِقاً} بفتح الميم وكسر الفاء، والفرق بينهما أنه بكسر الميم وفتح الفاء إذا وصل إليك من غيرك، وبفتح الميم وكسر الفاء إذا وصل منك إلى غيرك.

ابن عطية

تفسير : لما اقتضى قوله {أية : لنعلم أي الحزبين أحصى} تفسير : [الكهف: 12] اختلافاً وقع في أمر الفتية، عقب بالخبر عن أنه عز وجل يعلم من أمرهم {بالحق} الذي وقع، وفي مجموع هذه الآيات جواب قريش عن سؤالهم الذي أمرتهم به بنو إسرائيل. و"القص" الإخبار بأمر يسرد، لا بكلام يروى شيئاً شيئاً، لأن تلك المخاطبة ليست بقصص، وقوله {وزدناهم هدى} أي يسرناهم للعمل الصالح والانقطاع إلى الله عز وجل ومباعدة الناس والزهد في الدنيا، وهذه زيادات على الإيمان. وقوله {وربطنا على قلوبهم} عبارة عن شدة عزم وقوة صبر أعطاها الله لهم، ولما كان الفزع وخور النفس يشبه بالتناسب الانحلال، حسن في شدة النفس وقوة التصميم أن يشبه الربط، ومنه يقال: فلان رابط الجأش إذا كان لا تفرق نفسه عند الفزع والحرب وغيرها، ومنه الربط على قلب أم موسى، وقوله {إذ قاموا فقالوا} يحتمل معنيين، أحدهما أن يكون هذا وصف مقامهم بين يدي الملك الكافر، فإنه مقام يحتاج إلى الربط على القلب حيث صلبوا عليه وخالفوا دينه ورفضوا في ذات الله هيبته، والمعنى الثاني أن يعبر بالقيام عن انبعاثهم بالعزم إلى الهروب إلى الله ومنابذة الناس، كما تقول قام فلان إلى أمر كذا إذا اعتزم عليه بغاية الجد، وبهذه الألفاظ التي هي قاموا فقالوا تعلقت الصوفية في القيام والقول، وقرا الأعمش "إذ قاموا قياماً فقالوا"، وقولهم: {لقد قلنا إذاً شططاً} أي لو دعونا من دون ربنا إلهاً، والشطط الجور، وتعدي الحد والغلو بحسب الأمر، ومنه اشتط الرجل في السوم إذا طلب في سلعته فوق قيمتها، ومنه شطوط النوى والبعد، ومن اللفظة قول الشاعر: [الطويل] شعر : ألا يالقومي قد اشتط عواذلي ويزعمن أن أودى بحقي باطلي تفسير : وقولهم: {هؤلاء قومنا} مقالة تصلح أن تكون مما قالوا في مقامهم بين يدي الملك، وتصلح أن تكون من قول بعضهم لبعض عند قيامهم للأمر الذي عزموا عليه، وقولهم: {لولا يأتون} تحضيض بمعنى التعجيز، لأنه تحضيض على ما لا يمكن، وإذا لم يمكنهم ذلك لم يجب أن تلفت دعواهم، و"السلطان" الحجة، وقال قتادة: المعنى بعذر بين، وهذه عبارة محلقة، ثم عظموا جرم الداعين مع الله آلهة وظلمهم بقوله على جهة التقرير {فمن أظلم ممن افترى على الله كذباً} وقولهم {وإذ اعتزلتموهم} الآية أن القيام في قوله {إذ قاموا} عزماً كما تضمن التأويل الواحد وكان القول منهم فيما بينهم فهذه المقالة يصح أن تكون من قولهم الذي قالوه عند قيامهم، وإن كان القيام المذكور مقامهم بين يدي الملك فهذه المقالة لا يترتب أن تكون من مقالهم بين يدي الملك، بل يكون في الكلام حذف تقديره وقال بعضهم لبعض، وبهذا يترجح أن قوله تعالى: {إذ قاموا فقالوا} إنما المراد به إذ عزموا ونفذوا لأمرهم، وقوله {إلا الله} إن فرضنا الكفار الذين فر أهل الكهف منهم لا يعرفون الله ولا علم لهم به، وإنما يعتقدون الألوهية في أصنامهم فقط، فهو استثناء منقطع ليس من الأول، وإن فرضناهم يعرفون الله ويعظمونه كما كانت تفعل العرب لكنهم يشركون أصنامهم معه في العبادة فالاستثناء متصل، لأن الاعتزال وقع في كل ما يعبد الكفار إلا في جهة الله تعالى، وفي مصحف ابن مسعود "وما يعبدون من دون الله"، قال قتادة هذا تفسيرها، قال هارون وفي بعض مصاحفه "وما يعبدون من دوننا"، فعلى ما قال قتادة تكون {إلا} بمنزلة غير، و {ما} من قوله {وما يعبدون} في موضع نصب عطفاً على الضمير في قوله {اعتزلتموهم}، ومضمن هذه الآية أن بعضهم قال لبعض إذ فارقنا الكفار وانفردنا بالله تعالى فلنجعل الكهف مأوى ونتكل على الله تعالى فإنه سيبسط لنا رحمته وينشرها علينا ويهيىء لنا من أمرنا {مرفقاً} ، وهذا كله دعاء بحسب الدنيا، وعلى ثقة من الله كانوا في أمر آخرتهم، وقرأ نافع وابن عامر "مَرفِقاً" بفتح الميم وكسر الفاء، وهو مصدر كالرفق فيما حكى أبو زيد، وهي قراءة أبي جعفر والأعرج وشيبة، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم وحمزة والكسائي والحسن وطلحة والأعمش وابن أبي إسحاق "مِرفَقاً" بكسر الميم وفتح الفاء، ويقالان جميعاً في الأمر وفي الجارحة، حكاه الزجاج، وذكر مكي عن الفراء أنه قال: لا أعرف في الأمر وفي اليد وفي كل شيء إلا كسر الميم، وأنكر الكسائي أن يكون "المرفق" من الجارحة إلا بفتح الميم وكسر الفاء، وخالفه أبو حاتم، وقال "المَرفق" بفتح الميم الموضع كالمسجد وهما بعد لغتان.

النسفي

تفسير : {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نبَأَهُم بِٱلْحَقّ } بالصدق {إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ } جمع فتى والفتوة بذل الندى وكف الأذى وترك الشكوى واجتناب المحارم واستعمال المكارم. وقيل: الفتى من لا يدعي قبل الفعل ولا يزكي نفسه بعد الفعل {ءَامَنُواْ بِرَبّهِمْ وَزِدْنَـٰهُمْ هُدًى} يقينا، وكانوا من خواص دقيانوس قد قذف الله في قلوبهم الإيمان وخاف بعضهم بعضاً وقالوا: ليخل اثنان اثنان منا فيظهر كلاهما ما يضمر لصاحبه ففعلوا فحصل اتفاقهم على الإيمان {وَرَبَطْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ } وقويناها بالصبر على هجران الأوطان والفرار بالدين إلى بعض الغيران وجسرناهم على القيام بكلمة الحق والتظاهر بالإسلام {إِذْ قَامُواْ } بين يدي الجبار ــ وهو دقيانوس ــ من غير مبالاة به حين عاتبهم على ترك عبادة الأصنام {فَقَالُواْ رَبُّنَا رَبُّ ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَٱلأَرْضِ} مفتخرين {لَن نَّدْعُوَاْ مِن دُونِهِ إِلـٰهاً } ولئن سميناهم آلهة {لَّقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا } قولاً ذا شطط وهو الإفراط في الظلم والإبعاد فيه من شط يشط ويشط إذا بعد.

ابن عادل

تفسير : قوله: {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نبَأَهُم بِٱلْحَقِّ} [أي: نقص عليك نبأهم] على وجه الصدق. قوله: {إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ} شبَّان {ءَامَنُواْ بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى} إيماناً وبصيرة. وقوله: {ءَامَنُواْ بِرَبِّهِمْ}: فيه التفاتٌ من التكلم إلى الغيبة؛ إذ لو جاء على نسقِ الكلامِ، لقيل: إنَّهم فتيةٌ آمنوا بنا، وقوله: "وَزِدْنَاهُم" التفات من هذه الغيبة إلى التكلم أيضاً. ومعنى قوله: "ورَبَطْنَا" وشددنا "عَلى قُلوبِهمْ" بالصَّبْر والتثبت، وقوَّيناهم بنور الإيمان، حتَّى صبروا على هجران ديار قومهم، ومفارقة ما كانوا فيه من خفض العيش، وفرُّوا بدينهم إلى الكهف، والرَّبطُ: استعارةٌ لتقوية كلمة في ذلك المكان الدَّحض. قوله: {إِذْ قَامُواْ}: منصوب بـ "رَبَطْنَا". وفي هذا القيام أقوالٌ: أحدها: قال مجاهدٌ: كانوا عظماء مدينتهم، فخرجوا، فاجتمعوا وراء المدينة من غير ميعادٍ، فقال أكبرهم: إنِّي لأجد في نفسي شيئاً، إنَّ ربِّي ربُّ السموات والأرض، فقالوا: نحن كذلك نجد في أنفسنا، فقاموا جميعاً، فقالوا: {رَبُّنَا رَبُّ ٱلسَّمَٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ}. والثاني: أنَّهم قاموا بين يدي ملكهم دقيانوس، حين عاتبهم على ترك عبادة الصَّنم، {فَقَالُواْ رَبُّنَا رَبُّ ٱلسَّمَٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ لَن نَّدْعُوَاْ مِن دُونِهِ إِلـٰهاً} فثبت الله هؤلاء الفتية وعصمهم، حتَّى عصوا ذلك الجبَّار، وأقرُّوا بربوبيَّة الله تعالى. الثالث: قال عطاءٌ ومقاتلٌ: إنهم قالوا ذلك عند قيامهم من النَّوم، وهذا بعيدٌ؛ لأنَّ الله تعالى استأنف قصَّتهم فقال: {نَّحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُم}. قوله: {لَّقَدْ قُلْنَآ إِذاً شَطَطاً}. "إذن" جواب وجزاء، أي: لقد قلنا قولاً شططاً، إن دعونا من دونه إلهاً، و "شططاً" في الأصل مصدر، يقال: شطَّ شططاً وشُطُوطاً، أي: جار وتجاوز حدَّه، ومنه: شطَّ في السَّوم، وأشطَّ، أي: جاوز القدر حكاه الزجاج وغيره، ومن قوله: "ولا تشطط" وشطَّ المنزلُ: أي بعد، [من ذلك] وشطَّت الجارية شطاطاً أي: طالت، من ذلك. فصل قال الفراء: ولم أسمع إلا "أشطَّ يُشطُّ إشطاطاً" فالشطُّ البعد عن الحقِّ. قال ابن عباس: "شَطَطاً" أي: جوراً. وقال قتادة: كذباً. وفي انتصابه ثلاثة أوجه: الأول: مذهب سيبويه النصب على الحال، من ضمير مصدر "قُلْنَا". الثاني: نعت لمصدر، أي: قولاً ذا شططٍ، أو هو الشَّططُ نفسه؛ مبالغة. الثالث: أنه مفعول بـ "قُلنا" لتضمُّنه معنى الجملة. قوله: {هَـٰؤُلاۤءِ قَوْمُنَا ٱتَّخَذُواْ}: يجوز في "قَوْمنَا" أن يكون بدلاً، أو بياناً، و "اتَّخذُوا" هو خبر "هؤلاء" ويجوز أن يكون "قَوْمُنا" هو الخبر، و "اتَّخذوا" حالاً، و "اتَّخذ" يجوز أن يتعدى لواحد؛ بمعنى "عملوا" لأنهم نحتوها بأيديهم، ويجوز أن تكون متعدية لاثنين؛ بمعنى "صيَّروا" و "مِن دونه" هو الثاني قدِّم، و "آلهة" هو الأول، وعلى الوجه الأول يجوز في "من دونه" أن يتعلق بـ "اتَّخذُوا" وأن يتعلق بمحذوفٍ حالاً من "آلهة" إذ لو تأخَّر، لجاز أن يكون صفة لـ "آلهة". قوله: "لَوْلاَ يَأتُونَ" تحضيض فيه معنى الإنكار، و "عَليْهِمْ" أي: على عبادتهم، أو على اتخاذهم، فحذف المضاف للعلم به، ولا يجوز أن تكون هذه الجملة التحضيضية صفة لـ "آلهة" لفساده؛ معنى وصناعة؛ لأنها جملة طلبية. فإن قلت: أضمر قولاً؛ كقوله: [الرجز] شعر : 3491- جَاءُوا بمَذْقٍ هل رَأيْتَ الذِّئْبَ قَطْ تفسير : فالجواب لم يساعد المعنى لفساده عليه. فصل في المعني بقوله تعالى: {هَـٰؤُلاۤءِ قَوْمُنَا} هذا قول أصِحاب الكهف يعنون أهل بلدهم هم الذين كانوا في زمن دقيانوس، عبدوا الأصنام {لَّوْلاَ يَأْتُونَ} هلا يأتون "عَليْهِمْ" على عبادتهم "بسُلْطَانٍ" بحجَّة بينة واضحة، ومعنى الكلام أن عدم البينة بعدم الدَّليل لا يدلُّ على عدم المدلول، وهذه الآية تدلُّ على صحَّة هذه الطريقة؛ لأنَّه تعالى استدلَّ على عدم الشركاء والأضداد؛ لعدمِ الدَّليل عليه، ثم قال: {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً} فزعم أنَّ له شريكاً، وولداً، يعني أنَّ الحكم بثبوت الشيء مع عدم الدليل عليه ظلمٌ وافتراءٌ على الله وكذبٌ، وهذا من أعظم الدلائل على فساد القول بالتَّقليد. قوله: {وَإِذِ ٱعْتَزَلْتُمُوهُمْ}: "إذْ" منصوب بمحذوف، أي: وقال بعضهم لبعض وقت اعتزالهم، وجوَّز بعضهم أن تكون "إذ" للتعليل، أي: فأووا إلى الكهف؛ لاعتزالكم إيَّاهم، ولا يصحُّ. قوله: "ومَا يَعبُدُونَ" يجوز في "مَا" ثلاثة أوجهٍ: أحدها: أن تكون بمعنى "الذي" والعائد مقدر، أي: واعتزلتم الذي يعبدونه وهذا واضح. و "إلاَّ الله" يجوز فيه أن يكون استثناء متصلاً، فقد روي أنَّهم كانوا يعبدون الله ويشركون به غيره، ومنقطعاً؛ فقد روي أنهم كانوا يعبدون الأصنام فقط، والمستثنى منه يجوز أن يكون الموصول، وأن يكون عائدهُ، والمعنى واحد. والثاني: أن تكون مصدرية، أي: واعتزلتم عبادتهم، أي: تركتموها، و "إلاَّ الله" على حذف مضافٍ، أي: إلاَّ عبادة الله، وفي الاستثناء الوجهان المتقدمان. الثالث: أنها نافية، وأنه من كلام الله تعالى، وعلى هذا، فهذه الجملة معترضة بين أثناء القصَّة، وإليه ذهب الزمخشريُّ، و "إلاَّ الله" استثناء مفرَّغٌ، أخبر الله عن الفتيةِ أنهم لا يعبدون غيره، وقال أبو البقاء: "والثالث: أنها حرف نفيٍ، فيخرج في الاستثناء وجهان: أحدهما: هو منقطعٌ، والثاني: هو متصل، والمعنى: وإذ اعتزلتموهم إلا الله وما يعبدون إلا الله". فظاهر هذا الكلام: أن الانقطاع والاتصال في الاستثناء مترتِّبان على القول يكون "ما" نافية، وليس الأمر كذلك. فصل في كلام أهل الكهف قال المفسِّرون: إنَّ أهل الكهف قال بعضهم لبعض: {وَإِذِ ٱعْتَزَلْتُمُوهُمْ} يعني قومكم {وَمَا يَعْبُدُونَ إِلاَّ ٱللَّهَ}، أي: اعتزلتموهم، وجميع ما يعبدون إلا الله، فإنَّكم لم تعتزلوا عبادته، فإنَّهم كانوا يعبدون الله ويعبدون معه الأوثان. وقرأ أبو مسعود: "ومَا يعبدون من دون الله، فأووا إلى الكهف". قال الفراء: هو جواب "إذْ" كما تقولُ: إذ فعلت كذا فافعل كذا، والمعنى اذهبوا إليه، واجعلوه مأواكم. {يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِّن رَّحْمَتِهِ} أي يبسطها عليكم، {وَيُهَيِّئْ لَكُم} يسهِّل لكم {مِّنْ أَمْرِكُمْ مِّرْفَقاً} ما يعود إليه رفقكم. قوله: "مرفقاً" قرأ الجمهور بكسر الميم، وفتح الفاءِ. وقرأ نافع وابن عامر وعاصم في رواية البرجمي وأبو جعفر بالعكس، وفيها خلاف عند أهل اللغة؛ فقيل: هما بمعنى واحد، وهو ما يرتفق به، وليس بمصدر، وقيل: هو بكسر الميم لليد، وبفتحها للأمر، وقد يستعمل كل واحدٍ منهما موضع الآخر، حكاه الأزهريُّ عن ثعلب، وأنشد الفراء جمعاً بين اللغتين في الجارحة: [الرجز] شعر : 3492- بِتُّ أجَافِي مِرْفقاً عن مَرْفقِ تفسير : و [قد] يستعملان معاً في الأمرِ، وفي الجارحة، حكاه الزجاج. وحكى مكيٌّ، عن الفرَّاء أنه قال: "لا أعرفُ في الأمر، ولا في اليد، ولا في كلِّ شيء إلا كسر الميم". قلت: وتواترُ قراءة نافعٍ والشاميين يردُّ عليه، وأنكر الكسائي كسر الميم في الجارحة، وقال: لا أعرفُ فيه إلا الفتح، وهو عكس قول تلميذه، ولكن خالفه أبو حاتم، وقال: "هو بفتح الميم: الموضع كالمسجد، وقال أبو زيد: هو بفتح الميم مصدر جاء على مفعلٍ" وقال بعضهم: هما لغتان فيما يرتفق به، فأمَّا الجارحةُ، فبكسر الميم فقط، وحكي عن الفراء أنه قال: "أهل الحجاز يقولون: "مرفقاً" بفتح الميم وكسر الفاء فيما ارتفقت به، ويكسرون مرفق الإنسان، والعرب بعد يكسرون الميم منهما جميعاً" وأجاز معاذٌ فتح الميم والفاء، وهو مصدر كالمضرب والمقتل. و "مِنْ أمْرِكُم" متعلق بالفعل قبله، و "مِنْ" لابتداء الغاية، أو للتبعيض. وقيل: هي بمعنى بدلٍ، قاله ابن الأنباري، وأنشد: [الطويل] شعر : 3493- فَليْتَ لَنَا مِنْ مَاءِ زَمْزمَ شَرْبةً مُبرَّدةً باتتْ على طَهيَانِ تفسير : أي: بدلاً. ويجوز أن يكون حالاً من "مِرْفقاً" فيتعلق بمحذوفٍ.

البقاعي

تفسير : ولما كان الكلام على اختلاف وقع في مدتهم، وكان الحزبان معاً هم ومن خالفهم متقاربين في الجهل بإحصائه على سبيل القطع وكان اليهود الذين أمروا قريشاً بالسؤال عن أمرهم تشكيكاً في الدين لا يعلمون أمرهم على الحقيقة، نبه على ذلك بقوله - جواباً لمن كأنه قال: أيهما أحصاه؟: {نحن} أو يقال: ولما أخبر الله سبحانه عن مسألة قريش الثانية، وهي قصة أهل الكهف، مجملاً لها بعض الإجمال بعد إجمال الجواب عن المسألة الأولى، وهي الروح، كان السامع جديراً بأن تستشرف نفسه إلى بيان أكثر من ذلك فيضيق صدره خشية الاقتصار على ما وقع من ذلك من الأخبار، فقال جواباً لمن كأنه قال: اسأل الإيضاح وبيان الحق من خلاف الحزبين: نحن {نقص} أي نخبر إخباراً تابعاً لآثارهم قدماً فقدماً {عليك} على وجه التفصيل {نبأهم بالحق } أي خبرهم العظيم وليس أحد غيرنا إلا قصاً ملتبساً بباطل: زيادة أو نقص، فكأنه قيل: ما كان نبأهم؟ فقال تعالى: {إنهم فتية} أي شبان {ءامنوا بربهم} المحسن إليهم الناظر في مصالحهم الذي تفرد بخلقهم ورزقهم، وهداهم بما وهب لهم في أصل الفطرة من العقول الجيدة النافعة. ولما دل على الإحسان باسم الرب، وكان في فعله معهم من باهر القدرة ما لا يخفى، التفت إلى مقام العظمة فقال تعالى عاطفاً على ما تقديره: فاهتدوا بإيمانهم: {وزدناهم} بعد أن آمنوا {هدى} بما قذفنا في قلوبهم من المعارف، وشرحنا لهم صدورهم من المواهب التي حملتهم على ارتكاب المعاطب، والزهد في الدنيا والانقطاع إليه {وربطنا} بما لنا من العظمة {على قلوبهم} أي قويناها، فصار ما فيها من القوى مجتمعاً غير مبدد، فكانت حالهم في الجلوة كحالهم في الخلوة {إذ قاموا} لله تعالى حق القيام في ذلك الجيل الكافرين بين يدي طاغيتهم دقيانوس {فقالوا} مخالفين لهم: {ربنا} الذي يستحق أن نفرده بالعبادة لتفرده بتدبيرنا، هو {رب السماوات والأرض} أي موجدهما ومدبرهما {لن ندعوا من دونه إلهاً *} بعد أن ثبت عجز كل من سواه، والله {لقد قلنا إذاً} أي إذا دعونا من دونه غيره {شططاً} أي قولاً ذا بعد مفرط عن الحق جداً؛ ثم شرعوا يستدلون على كونه شططاً بأنه لا دليل عليه، ويجوز أن يكونوا لما قالوا ذلك عرض لهم الشيطان بشبهة التقليد فقالوا مجيبين عنها: {هؤلاء} وأن يكونوا قالوا ذلك للملك إنقاذاً له من شرك الجهل، وبين المشار إليهم بقولهم: {قومنا} أي وإن كانوا أسن منا وأقوى وأجل في الدنيا {اتخذوا} أي مخالفين مع منهاج العقل داعي الفطرة الأولى {من دونه ءالهة} أشركوهم معه لشبهة واهية استغواهم بها الشيطان؛ ثم استأنفوا على طريق التخصيص ما ينبه على أنهم من حين عبادتهم إلى الآن لم يأتوا على ذلك بدليل، فقالوا منبهين على فساد التقليد في أصول الدين وأنه لا مقنع فيه بدون القطع: {لولا} أي هلا {يأتون} الآن. ولما كانوا بعبادتهم لهم قد أحلوهم محل العلماء، قال تعالى: {عليهم} أي على عبادتهم إياهم، وحققوا ما أرادوا من الاستعلاء بقولهم: {بسلطان} أي دليل قاهر {بين} مثل ما نأتي نحن على تفرد معبودنا بالأدلة الظاهرة، والبراهين الباهرة، فإن مثل هذا الأمر لا يقنع فيه بدون ذلك، وقد جمعنا الأدلة كلها في الاستدلال على تفرد الله باستحقاقه للعبادة بأنه تفرد بخلق الوجود، فتسبب عن عجزهم عن دليل أنهم أظلم الظالمين لافتعالهم الكذب عن ملك الملوك ومالك الملك، فلذلك قالوا: {فمن أظلم ممن افترى} أي تعمد {على الله} أي الملك الأعظم {كذباً *} فالآية دالة على فساد التقليد في الوحدانية.

السيوطي

تفسير : أخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه، عن ابن عباس رضي الله عنهما‏:‏ ما بعث الله نبياً إلا وهو شاب، ولا أوتي العلم عالم إلا وهو شاب‏.‏ وقرأ‏:‏ ‏{‏قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم‏}‏ ‏{وإذ قال موسى لفتاه} و ‏ {‏إنهم فتية آمنوا بربهم‏}‏‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن الربيع بن أنس في قوله‏:‏ ‏ {‏وزدناهم هدى‏} ‏ قال‏:‏ إخلاصا‏ً.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله‏:‏ ‏ {‏وربطنا على قلوبهم‏} ‏ قال‏:‏ بالإيمان‏.‏ وفي قوله‏:‏ ‏ {‏لقد قلنا إذاً شططا‏} ‏ قال‏:‏ كذباً‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله‏:‏ ‏ {‏لقد قلنا إذا شططا‏} ‏ قال‏:‏ جوراً. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد في الآية قال‏:‏ الشطط، الخطأ من القول.

ابو السعود

تفسير : {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ} شروعٌ في تفصيل ما أُجمل فيما سلف من قوله تعالى: {إِذْ أَوَى ٱلْفِتْيَةُ} الخ، أي نحن نخبرك بتفاصيل أخبارِهم وقد مر بـيانُ اشتقاقِه في مطلع سورة يوسفَ عليه السلام {نبَأَهُم} النبأُ الخبرُ الذي له شأنٌ وخطرٌ {بِٱلْحَقّ} إما صفةٌ لمصدر محذوف أو حالٌ من صمير نقصّ أو من (نبأَهم) أو صفةٌ له على رأي من يرى حذفَ الموصولِ مع بعض صلتِه، أي نقصّ قَصصاً ملتبساً بالحق أو نقصّه ملتبسين به أو نقص نبأهم ملتبساً به أو نبأهم الملتبسَ به، ونبأهم حسبما ذكره محمدُ بن إسحاقَ بنِ يسارَ أنه مرَج أهلُ الإنجيل وعظُمت فيهم الخطايا وطغت ملوكُهم فعبدوا الأصنامَ وذبحوا للطواغيت، وكان ممن بالغ في ذلك وعتا عتوًّا كبـيراً دقيانوس فإنه غلا فيه غلوًّا شديداً فجاس خلالَ الديار والبلاد بالعبث والفسادِ وقتل مَنْ خالفه من المتمسكين بدين المسيحِ عليه السلام، وكان يتبع الناسَ فيخيّرهم بـين القتل وعبادةِ الأوثانِ فمن رغِب في الحياة الدنيا الدنية يصنع ما يصنع ومن آثر عليها الحياةَ الأبديةَ قتله وقطع آرابه وعلقها في سور المدينةِ وأبوابِها، فلما رأى الفتيةُ ذلك وكانوا عظماءَ أهلِ مدينتهم، وقيل: كانوا من خواصّ الملك، قاموا فتضرعوا إلى الله عز وجل واشتغلوا بالصلاة والدعاء. فبـينما هم كذلك إذ دخل عليهم أعوانُ الجبار فأحضروهم بـين يديه فقال لهم ما قال وخيّرهم بـين القتل وبـين عبادةِ الأوثان، فقالوا: إن لنا إلٰهاً ملأ السمواتِ والأرضَ عظمتُه وجبروتُه لن ندعوَ من دونه أحداً، ولن نُقِرّ بما تدعونا إليه إبداً فاقضِ ما أنت قاضٍ، فأمر بنزع ما عليهم من الثياب الفاخرةِ وأخرجهم من عنده وخرج هو إلى مدينة نينوى لبعض شأنِه وأمهلهم إلى رجوعه ليتأملوا في أمرهم فإن تبِعوه وإلا فعل بهم ما فعل بسائر المسلمين، فأزمعت الفتيةُ على الفرار بالدين والالتجاء إلى الكهف الحصين، فأخذ كل منهم من بـيت أبـيه شيئاً فتصدّقوا ببعضه وتزوّدوا بالباقي فأوَوا إلى الكهف فجعلوا يصلّون فيه آناءَ الليل وأطرافَ النهار ويبتهلون إلى الله سبحانه بالأنين والجُؤار وفوّضوا أمرَ نفقتِهم إلى يمليخا، فكان إذا أصبح يضع عنه ثيابَه الحِسانَ ويلبس لباس المساكين ويدخُل المدينة ويشتري ما يُهمّهم ويتحسس ما فيها من الأخبار ويعود إلى أصحابه، فلبِثوا على ذلك إلى أن قدم الجبارُ المدينةَ فطلبهم وأحضر آباءَهم فاعتذروا بأنهم عصَوْهم ونبهوا أموالَهم وبذروها في الأسواق وفرّوا إلى الجبل، فلما رأى يمليخا ما رأى من الشر رجع إلى أصحابه وهو يبكي ومعه قليلٌ من الزاد فأخبرهم بما شهده من الهول ففزِعوا إلى الله عز وجل وخرّوا له سُجّداً ثم رفعوا رؤوسهم وجلسوا يتحدثون في أمرهم، فبـينما هم كذلك إذ ضرب الله تعالى على آذانهم فناموا ونفقتُهم عند رؤوسهم، فخرج دقيانوس في طلبهم بخيله ورَجِلِه فوجدوهم قد دخلوا الكهفَ فأمر بإخراجهم فلم يُطِق أحدٌ أن يدخله فلما ضاق بهم ذرعاً قال قائل منهم: أليس لو كنتَ قدَرتَ عليهم قتلتَهم؟ قال: بلى، قال: فابْنِ عليهم باب الكهف ودعهم يموتوا جوعاً وعطشاً وليكن كهفُهم قبراً لهم، ففعل ثم كان من شأنهم ما قص الله عز وجل عنهم {إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ} استئنافٌ تحقيقيٌّ مبني على تقدير السؤالِ من قبل المخاطَب، والفتيةُ جمعُ قلة للفتى كالصبـية للصبى {ءَامَنُواْ بِرَبّهِمْ} أوثر الالتفاتُ للإشعار بعلّية وصفِ الربوبـية لإيمانهم ولمراعاة ما صدر عنهم من المقالة حسبما سيُحكى عنهم {وَزِدْنَـٰهُمْ هُدًى} بأن ثبتناهم على ما كانوا عليه من الدين وأظهرنا لهم مكنوناتِ محاسنِه، وفيه التفاتٌ من الغيبة إلى ما عليه سبكُ النظمِ سباقاً وسياقاً من التكلم.

التستري

تفسير : قوله تعالى: {إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُواْ بِرَبِّهِمْ}[13] قال سهل: إنما سماهم فتية لأنهم آمنوا به بلا واسطة، وقاموا إليه بإسقاط العلائق عن أنفسهم. قوله تعالى: {وَزِدْنَاهُمْ هُدًى}[13] أي بصيرة في الإيمان.

السلمي

تفسير : سمعت منصور بن عبد الله يقول: سمعت أبا القاسم يقول: قال ابن عطاء. زدناهم هدى أى زدناهم نورًا ومن يعرف قدر زيادة الله لذلك كانت الشمس تزاور عن كهفهم خوفًا من نورهم على نورها أن يطمسه. وقال أيضًا: نحن نقص عليك نبأهم بالحق لننظر إليهم بعين المشاهدة. وقال سهل: زدناهم هدى. قال: بصيرة فى الإيمان. وقال: سماهم الله فتية لأنهم آمنوا بالله بلا وساطة وقاموا إلى الله بإسقاط العلائق عنهم. وقال أبو بكر الوراق: أول قدم فى الإيمان. الفتوة وهو أن لا يجرى عليك التلوين لما يرد. وقال محمد بن على الترمذى: الفتوة تصديق اللسان فيما وعد وأوعد، وهو الإيمان على الحقيقة أن لا يخالف ظاهرك وباطنك، ولا باطنك ظاهرك. وسئل أبو حفص: ما الفتوة؟ قال: أن تنظر إلى الخلق كلهم بعين الأولياء، ولا تستفتح منهم إلا ما خالف الشرع، ولا تلوم أحدًا على ذنب ويجعل له فى ذلك عذرًا. وقال بعضهم: الفتوة أن لا تبالى إلى من أخرجت رفقك بعد أن قبله منك. وقال أبو عثمان: الفتوة اتباع الشرع والاقتداء بالسنن، وسعة الصدر، وحسن الخلق. قال الله: {إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُواْ بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى}. وقال الفضيل: الفتوة الصفح عن عثرات الإخوان.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نبَأَهُم بِٱلْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُواْ بِرَبِّهِمْ}. لمَّا كانوا مأخوذين عنهم تولَّى الحق - سبحانه - أَنْ قصَّ عنهم، وفَرْقٌ بين من كان عن نفسه وأوصافه قاصاً؛ لبقائه في شاهده وكونه غيرَ منتفٍ بجملته.. وبين من كان موصوفاً بواسطة غيره؛ لفنائه عنه وامتحائه منه وقيام غيره عنه. ويقال لا تُسَمعُ قصةُ الأحباب أعلى وأَجَلّ مما تُسْمعُ من الأحباب، قال عزَّ من قائل: {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ}، وأنشدوا: شعر : وحَدَّثْتَنِي يا سَعْدُ عنها فَزِدْتني حنيناً فَزِدْني من حديثكَ يا سعدُ تفسير : قوله: {إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُواْ بِرَبِّهِمْ}: يقال إنهم فتية لأنهم آمنوا - على الوهلة - بربِّهم، آمنوا من غير مهلة، لمَّا أتتهم دواعي الوصلة. ويقال فتية لأنهم قاموا لله، وما استقروا حتى وصلوا إلى الله. قوله جلّ ذكره: {وَزِدْنَاهُمْ هُدًى وَرَبَطْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ}. لاَطفهم بإحضارهم، ثم كاشفهم في أسرارهم، بما زاد من أنوارهم، فلقَّاهم أولاً التبيين، ثم رقّاهم عن ذلك باليقين. {وَرَبَطْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ}: بزيادة اليقين حتى متع نهار معارفهم، واستضاءت شموسُ تقديرهم، ولم يَبْقَ للتردد مجالٌ في خواطرهم، و (...) في التجريد أسرارهم، وتَمَّتْ سكينةُ قلوبهم. ويقال: {وَرَبَطْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ}: بأن أفنيناهم عن الأغيار، وأغنيناهم عن التفكُّر بما أوليناهم من أنوار التبصُّر. ويقال ربطنا على قلوبهم بما أسكَنَّا فيها من شواهِدِ الغيب، فلم تسنح فيها هواجسُ التخمين ولا وساوس الشياطين. قوله جلّ ذكره: {إِذْ قَامُواْ فَقَالُواْ رَبُّنَا رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ}. قاموا لله بالله، ومَنْ قام بالله فُقِدَ عمَّا سوى الله. ويقال من قام لله لم يقعد حتى يصلَ إلى الله. ويقال قعدت عنهم الشهوات فَصَحَّ قيامُهم بالله. قوله جلّ ذكره: {لَن نَّدْعُوَاْ مِن دُونِهِ إِلـٰهاً لَّقَدْ قُلْنَا إِذاً شَطَطاً}. مَنْ أحال الشيءَ على الحوادثِ فقد أشرك بالله، ومَنْ قال إِنَّ الحوادث من غير الله فقد اتخذ إلهاً مِنْ دون الله.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نبَأَهُم بِٱلْحَقِّ} ليس شئ اطيب عند الحبيب من ذكر احبّائه لاحبائه ذكر الحبيب الاوّل ما اطيب عند الحبيب استطاب الحق ذكر قصّة فتيان محبته ومعرفته لحبيبه الاكبر ليعرف منازل المحبين والعارفين الذين هاموا بوجوههم فى بيداء شوقه وعشقه ليزيد رغبته فى شوقه ومعرفته اى انا احقق خبر اسرارهم لك لتعرفهم اين تاهوا فى مفاوز القيوميّة واين استغرقوا فى بحار الديمومية يا حبيبى اعلمان تلك فتيان محبتى انفردوا بى عن غيرى وهم شبان حسان الوجوه قلوبهم مسفرة بانوار شمس جلالى فيها واسرارهم مقدسة بسر اسرار قدسى وابدانهم غائبة فى مجالس انسى آمنوا بربهم عرفونى بى واستانسوا بى واستوحشوا من غيرى ما اطيب حالهم معى وما احسن شانهم فى محبتى زدناهم نورا عن جمالى فاهتدوا به طرق معان ذاتى وصفاتى وذاك النور لهم على مزيد الوضوح الى الابد لان نورى لا نهاية له وايضا زدناهم مشاهدة وقربا ووصالا ومعرفة وكمالا ومحبة وشفاء انهم فتية اصحاب الفتوة حيث بذلوا انفسهم لى ولوجدانهم وحسن صالى ابدا يا حبيبى الفتوة من الفتيان بالحقيقة طلب معادن المحبة والانصراف الى مصرف المعرفة والقاء الوجود بنعت الوجد للموجود القديم جل وعز قال ابن عطا زدناهم نورا ومن يعرف قدر زيادة الله لذلك كانت الشمس تزاور عن كهفهم خوفا من نورهم على نورها ان يطمسه وقال ايضا فى قوله نحن نقص عليك نباهم بالحق لتنظر اليهم بعين المشاهدة وقال سهل سماهم الله فتية لانهم آمنوا بالله بلا واسطة وقاموا الى الله باسقاط العلائق وقال فضيل الفتوة الصفح عن عثرات الاخوان قال ابو عثمان الفتوة اتباع الشرع والاهتداء بالسنن وسعة الصدر وحسن الخلق قال الله انهم فتية الآية قال الجنيد فى قوله وزدناهم هدى جعلناهم ائمة المهتدين وقال بعضهم سهلنا لهم طريق القربة والوصلة ويقال لا يسمع قصة الاحباب اعلى واجل مما يسمع من الاحباب قال عز من قائل نحن نقص عليك نباهم بالحق وانشد فى معناه شعر : وحدثتنى يا سعد عنها فزدتنى جنونا فزدنى من حديثك يا سعد تفسير : ويقال فتية لانهم قاموا بالله وما استقروا حتى وصلوا الى الله وقال الاستاذ زدناهم هدى لاطفهم باحضارهم ثم كاشفهم بما زاد من انوارهم فلقاهم اولا بالنبيين ثم رقام عن ذلك الى ما كان كاليقين ثم زاد فى وصف ايقانهم وايمانهم وعرفانهم وثبات قلوبهم حين قاموا مقام المحبة بشرط وفاء العبودية ونفاد ابصارهم واسرارهم فى المشاهدة والبراهين العقلية وبلوغها الى رؤية رب العزة بقوله {وَرَبَطْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُواْ} اضاف ارتباط قلوبهم الى نفسه حيث عرّفهم نفسه بنفسه بلا واسطة فلما ادخلهم فى عالم الملكوت واراهم سبحان عظمة الجبروت لكادت قلوبهم تفنى فى اول بوادى انوار العزة وبديهة كشف سناء الاولية فالقى عليها رواسى انوار الهيبة وربطها على مشاهد القربة بمسامير المحبة حتى استقاموا فى المعرفة حين قاموا بالشوق الى مشاهدة الوصلة فلما عظم عليهم قهر لطمات بحر القدم الجاهم الحق الى سواحل الكرم واشهدهم مشاهد ما اخرج من العدم حتى {فَقَالُواْ رَبُّنَا رَبُّ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} ولولا خوف الزوال لهم ما غابوا عن القدم الى مراسم العدم ولكن قلوبهم فى مواقف العدم مرتبة وان كانوا فى مشاهدة الرسوم لهم اشارة الى براهين بقوله {لَن نَّدْعُوَاْ مِن دُونِهِ إِلـٰهاً} اى لن نرى من دونه شيئا فى البين ولو نرى الوسايط فى رؤية الوسائط {لَّقَدْ قُلْنَا إِذاً شَطَطاً} اى ميلا عن طريق افراد القدم عن الحدوث قال ابن عطا رسمنا اسرارهم بسمة الحق فقاموا بالحق للحق فقالوا ربنا اظهار ارادة ودعوة ثم قالوا رب السماوات والارض رجوعا من صفاتهم بالكلية الى صفاته وحقيقة علمه لن ندعو من دونه الها لن نعتمد سواه فى شئ لو قلنا غير ذلك كان شططا يعنى بعيدا من طريق الحق وقال جعفر قاموا الى الحق بالحق قيام ادب ونادوه نداء صدق واظهروا له صحة الفقر ولجاؤا اليه احسن اللجا وقالوا ربنا رب السماوات والارض افتخارا به وتعظيما له فكافاهم الحق على قيامهم الاجابة عن ندائهم باحسن جواب والطف خطاب اظهر عليهم من الآيات ما يعجب منه الرسل حين قال لو اطلعت عليهم لوليت منهم فرارا وقد استدل بعض المشائخ بهذه الآية فى حركة الواجدين فى وقت السماع والذكر لان القلوب اذا كانت مربوطة بالملكوت ومحل القدس حركها انواع الاذكار وما يرد عليها من فنون السماع والاصف قوله وربطنا على قلوبهم اذ قاموا نعم هذا المعنى اذا كان القيام قياما بالصورة واذا كان القيام من جهة الحفظ والرعاية والربطة من جهة النقل من محل التلوين الى محل التمكين فالاستدلال بها فى السكون فى الوجد احسن اذا كان الربط بمعنى التسكين والقيام بمعنى الاستقامة ويقال ربطنا على قلوبهم بما اسكنا فيها من اليقين فلم يسبح فيها هواجس التخمين ولا وساوس الشياطين.

اسماعيل حقي

تفسير : {نحن نقص عليك} اى نخبرك ونبين لك وقد مر اشتقاقه فى مطلع سورة يوسف {نبأهم} اى خبر اصحاب الكهف والرقيم {بالحق} صفة لمصدر محذوف اى نقص قصا ملتبسا بالحق والصدق. وفيه اشارة الى ان القصاص كثيرا يقصون بالباطل ويزيدون وينقصون ويغيرون القصة كل واحد يعمل برأيه موافقا لطبعه وهواه وما يقص بالحق الا الله تعالى {انهم فتية}[شبان] {آمنوا بربهم}. قال فى التكملة سبب ايمانهم ان حواريا من حواريى عيسى عليه السلام اراد ان يدخل مدنيتهم فقيل له ان على بابها صنما لا يدخلها احد الا سجد له فامتنع من دخولها واتى حماما كان قريبا من تلك المدينة فآجر نفسه فيه فكان يعمل فيه فتعلق به فتية من اهل المدينة فجعل يخبرهم خبر السماء وخبر الآخرة حتى آمنوا به وصدقوه ثم هرب الحوارى بسبب ابن الملك اراد دخول الحمام بامرأة فنهاه الحوارى فانتهره فلما دخل مع المرأة ماتا فى الحمام فطلبه الملك لما قيل له انه قتل ابنك فهرب ثم قال الملك من كان يصحبه فسموا الفتية فهربوا الى الكهف. يقول الفقير الظاهر ان ايمانهم كان بالالهام الملكوتى والانجذاب اللاهوتى من غير دليل يدلهم على ذلك كما يشير اليه كلام التأويلات وسيأتى. واختلف فيهم متى كانوا فروى بعض الناس انهم كانوا قبل عيسى ابن مريم وان عيسى اخبر قومه خبرهم وان بعثهم من نومهم كان بعد رفع عيسى فى الفترة بينه وبين محمد عليهما السلام. وروى بعضهم ان امرهم كان بعد عيسى وانهم كانوا على دين عيسى. قال الطبرى وعليه اكثر العلماء {وزدناهم}[وبيفزوديم ايشانرا] {هدى} بان ثبتانهم على الدين الحق واظهرنا لهم مكنونات محاسنه. وفى التأويلات النجمية سماهم باسم الفتوة لانهم آمنوا بالتحقيق لا بالتقليد وطلبوا الهداية من الله الى الله بالله ولكنه طلبوا الهداية فى البداية بحسب نظرهم وقدر همتهم فالله تعالى على قضية "حديث : من تقرب الىّ شبرا تقربت اليه ذراعا"تفسير : زاد فى هداهم فضلا منه وكرما كما قال {وزدناهم هدى} اى زدنا على متمناهم فى الهداية فانهم كانوا يتمنون ان يهديهم الله الى الايمان بالله وبما جاء به الانبياء وبالبعث والنشور وايمانا بالغيب فزاد الله على متمناهم فى الهداية حين بعثهم من رقدتهم بعد ثلاثمائة وتسع سنين وما تغيرت احوالهم وما بليت ثيابهم فصار الايمان ياقانا والغيب عينا وعيانا. شعر : ميوه باشد آخر ازهار تو كعبه باشد آخر اسفار تو

ابن عجيبة

تفسير : قلت: {بالحق}: إما صفة لمصدر محذوف، أو حال من ضمير "نَقُصُّ"، أو من "نبأهم"، أو صفة له، على رأي من يرى حذف الموصول مع بعض صلته، أي: نَقُصُّ قصصًا ملتبسًا بالحق، أو نقصه متلبسين بالحق، أو نقص نبأهم ملتبسًا بالحق، أو نبأهم الذي هو ملتبس بالحق. و {إذ قاموا}: ظرف لربطنا، {وشططًا}: صفة لمحذوف، أي: قولاً شططًا، أي: ذا شطط، وُصِف به؛ للمبالغة. و {هؤلاء}: مبتدأ، وفي اسم الإشارة تحقير لهم، و {قومنا}: عَطْفُ بيانٍ له. و {اتخذوا}: خبر، و {ما يعبدون}: موصول، عطف على الضمير المنصوب، أو مصدرية، أي: وإذ اعتزلتموهم ومَعْبُودِيهِمْ إلا الله، أو عبادتهم إلا عبادة الله، وعلى التقديرين: فالاستثناء متصل على تقدير أنهم كانوا مشركين يعبدون الله والأصنام. ومنقطع؛ على تقدير تمحضهم بعبادة الأوثان، ويجوز أن تكون {ما} نافية؛ على أنه إخبار من الله - تعالى - عن الفتية بالتوحيد، معترض بين "إذ" وجوابه العامل فيها. يقول الحقّ جلّ جلاله: {نحن نقصُّ عليك نبأَهم}، والنبأ: الخبر الذي له شأن وخطر، قصصًا ملتبسًا {بالحق}: بالصدق الذي لا يطرقه كذب ولا ريبة. وخبرهم، حسبما ذكر محمد بن إسحاق: أنه قد مرج أهل الإنجيل، وظهرت فيهم الخطايا، وطغت ملوكهم، فعبدوا الأصنام وذبحوا للطواغيت، وكان مَنْ بَالَغَ في ذلك وعتا عتوًا كبيرًا: "دقيانوس"؛ فإنه غلا فيه غلوًا كبيرًا، فجاس خلال الديار والبلاد؛ بالعبث والفساد، وقتل من خالفه ممن تمسك بدين المسيح، وكان يتتبع الناس فيُخيرهم بين القتل وبين عبادة الأوثان، فمن رغب في الحياة الدنيا الدنية: تبعه وصنع ما يصنع، ومن آثر عليها الحياة الأبدية: قتله وقطع آرابه، وعلّقها بسور المدينة وأبوابها. فلما رأى الفتيةُ ذلك، وكانوا عظماء مدينتهم، وكانوا بني الملوك، قاموا فتضرعوا إلى الله تعالى، واشتغلوا بالصلاة والدعاء، فبينما هم كذلك إذ دخل عليهم أعوان الجبار، فأحضروهم بين يديه، فقال لهم ما قال، فخيَّرهم بين القتل وبين عبادة الأوثان، فقالوا: إن لنا إلهًا ملأ السماواتِ والأرض عظمةً وجبروتًا، لن ندعو من دونه أحدًا، ولن نُقر بما تدعونا إليه أبدًا، فاقض ما أنت قاض، فأمر بنزع ما عليهم من الثياب الفاخرة، وأخرجهم من عنده. زاد في رواية: وضمنهم أهلهم، وخرج إلى مدينة (نينوى)؛ لبعض شأنه، وأمهلهم إلى رجوعه؛ ليتأملوا في أمرهم، وإلاَّ فعل بهم ما فعل بسائر المسلمين. فأجمعت الفتيةُ على الفرار والالتجاء إلى الكهف الحصين، فأخذ كلٍّ منهم من بيت أبيه شيئًا، فتصدقوا ببعضه، وتزودوا بالباقي، فأَوَوْا إلى الكهف. وفي رواية: أنهم مروا بكلب فتبعهم، على ما يأتي في شأنه، فجعلوا يُصَلُّون في ذلك الكهف آناء الليل وأطراف النهار، ويبتهلون إلى الله - سبحانه - بالأنين والجُؤَار، ففوضوا أمر نفقتهم إلى "يمليخا"، فكان إذا أصبح يضع عنه ثيابه الحسان، ويلبس ثياب المساكين، ويدخل المدينة ويشتري ما يهمهم، ويتحسس ما فيها من الأخبار، ويعود إلى أصحابه، فلبثوا على ذلك إلى أن قَدِم الجبارُ المدينةَ فطلبهم، وأحضر آباءهم، فاعتذروا بأنهم عَصَوْهم ونهبوا أموالهم، وبذروها في الأسواق، وفروا إلى الجبل. فلما رأى "يمليخا" ما رأى من الشر رجع إلى أصحابه وهو يبكي، ومعه قليل من الزاد، فأخبرهم بما شهد من الهول، ففزعوا إلى الله - عزّ وجلّ - وخروا له سُجدًا، ثم رفعوا رؤوسهم وجلسوا يتحدثون في أمرهم، فبينما هم كذلك إذ ضرب الله على آذانهم فناموا، ونفقتُهم عند رؤوسهم. فخرج "دقيانوس" في طلبهم بخيله ورَجله، فوجدهم قد دخلوا الكهف، فأمر بإخراجهم فلم يُطق أحدٌ منهم أن يَدخله، فلما ضاق بهم ذرعًا، قال قائل منهم: أليس لو كنتَ قدرتَ عليهم قتلتهم؟ قال: بلى. قال: فابْنِ عليهم باب الكهف وَدَعْهم يموتوا؛ جُوعًا وعَطَشًا، ففعل فكان شأنهم ما قص الله تعالى، إذ قال: {إِنهم فتيةٌ}، استئناف بياني، كأن سائلاً سأل عن حالهم، فقال: إنهم فتية شبان كاملون في الفتوة {آمنوا بربهم }، فيه التفات إلى ذكر الربوبية التي اقتضت تربيتهم وحفظهم، {وزدناهم هُدىً}؛ بأن ثبَّتناهم على ما كانوا عليه، وأظهرنا لهم من مكنونات محاسننا ما آثروا به الفناء على البقاء. وفيه التفات إلى التكلم؛ لزيادة الاعتناء بشأنهم، {وربطنا على قلوبهم} أي: قويناهم، حتى اقتحموا مضايق الصبر على هجر الأهل والأوطان، والنعيم والإخوان، واجترأوا على الصدع بالحق من غير خوف ولا حذر، والرد على دقيانوس الجبار؛ {إِذْ قاموا} أي: انتصبوا لإظهار شعار الدين، قال مجاهد: خرجوا من المدينة فاجتمعوا على غير ميعاد. فقال أكبرهم: إني لأجد في نفسي شيئًا، إن ربي هو رب السماوات والأرض، فقالوا: نحن أيضًا كذلك، فقاموا جميعًا {فقالوا ربُنا ربُّ السماواتِ والأرضِ}، وعزموا على التصميم بذلك. وقيل: قاموا بين يدي الجبار من غير مبالاة به، حين عاتبهم على ترك عبادة الأصنام، فحينئذ يكون ما سيأتي من قوله تعالى: {هؤلاء...} الخ: منقطعًا صادرًا عنهم، بعد خروجهم من عنده. ثم قالوا: {لن ندعوَ من دونه إِلهًا}، لا استقلالاً ولا اشتراكًا، ولم يقولوا: ربًا؛ للتصميم على الرد على المخالفين، حيث كانوا يُسمون أصنامهم آلهة، وللإشعار بأن مدار العبودية على وصف الألوهية. {لقد قُلنا إِذًا شَطَطًا}: قولاً ذا شطط، وهو الجور والتعدي، أي: لقد جُرنا وأفرطنا في الكفر، وقلنا قولاً خارجًا عن حد المعقول، إنْ دعونا إلهًا غير الله جَزْمًا. {هؤلاء قومُنَا} قد {اتخذوا من دونه آلهةً}، فيه معنى الإنكار، {لولا}: هلا {يأتونَ عليهم}: على ألوهيتهم {بسلطان بَيِّن}: بحجة ظاهرة، {فمن أظلمُ} أي: لا أحد أظلم {ممن افترى على الله كذبًا} بنسبة الشريك إليه؛ فإنه أظلم من كل ظالم. {وإذ اعتزلتموهم} أي: فارقتموهم {و} فارقتم {ما يعبدون إِلا الله فَأْووا إِلى الكهف}: فالتجئوا إليه، والمعنى: وإذا اعتزلتموهم اعتزالاً اعتقاديًا فاعتزلوهم اعتزالاً جسمانيًا، {ينشرْ لكم ربٌُّكم}: يبسط لكم ويوسع عليكم {من رحمته} في الدارين، {ويهيئْ لكم من أمركم} الذي أنتم بصدده من الفرار بالدين، {مِرْفَقًا}: ما ترتفقون به، أي: تنتفعون، وجزمهم بذلك؛ لنصوع يقينهم، وقوة وثوقهم بفضل الله. والله تعالى أعلم. الإشارة: قد وصف الله - تعالى - أهلَ الكهف بخمسة أوصاف هي من شعار الصوفية؛ الإيمان، الذي هو الأساس، وزيادة الاهتداء بتربية الإيقان إلى الوصول إلى صريح العرفان، وربط القلب في حضرة الرب، والقيام في إظهار الحق أو لداعي الوجد، والصدع بالحق من غير مبالاة بأحد من الخلق. وقال الورتجبي في قوله تعالى: {وزدناهم هُدىً}: أي: زدناهم نورًا من جمالي، فاهتدوا به طرق معارف ذاتي وصفاتي، وذلك النور لهم على مزيد الوضوح إلى الأبد؛ لأن نوري لا نهاية له. وقال عند قوله: {إِذ قاموا}: قد استدل بهذه الآية بعضُ المشايخ على حركة الواجدين في وقت السماع والذكر؛ لأن القلوب إذا كانت مربوطة بالملكوت ومحل القدس حرَّكها أنواعُ الأذكار وما يَرِد عليها من فنون السماع. والأصل قوله: {وربطنا على قلوبهم إِذ قاموا}، نعم هذا المعنى إذا كان القيام قيامًا بالصورة، أي: الحسية في القيام الحسي، وإذا كان القيام من جهة الحفظ والرعاية، والربط من جهة النقل من محل التلوين إلى محل التمكين، فالاستدلال بها في السكون في الوجد أحسن، إذا كان الربط بمعنى التسكين والقيام بمعنى الاستقامة. هـ. قلت: الحاصل: أنا إذا حملنا القيام على الحسي ففيه دليل لأهل البداية على القيام في الذكر والسماع. وإذا حملناه على القيام المعنوي، وهو النهوض في الشيء، أو الاستقامة عليه كان فيه دلالة لأهل النهاية على السكون وعدم التحرك، وكأنه يشير إلى قضية الجنيد في بدايته ونهايته. والله تعالى أعلم. وقال ابن لب: قد اشتهر الخلاف بين العلماء في القيام لذكر الله - تعالى - وقد أباحته الصوفية، وفعلته ودامت عليه، واستفادوه من كتاب الله تعالى من قوله - عزّ وجلّ - في أصحاب الكهف: {إِذ قاموا فقالوا ربُّنا ربُّ السماوات والأرض}، وإن كانت الآية لها محامل أخرى سوى هذا. هـ. قلت: وقوله تعالى: {أية : ٱلَّذِينَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً}تفسير : [آل عمران: 191]: صريح في الجواز. وقال في القوت: وقد روينا أنه صلى الله عليه وسلم مرَّ برجل يظهر التأوه والوجد، فقال مَنْ كان معه: أتراه يا رسولَ الله مُرائيًا؟ فقال:"حديث : لا، بل أوّاه منيب"تفسير : ، وقال لآخر: أظهر صوته بالآية: "حديث : أِسْمِع الله عزَّ وجّل ولا تُسَمِّع"تفسير : ، فأنكر عليه بما شهد فيه، ولم ينكر على أبي موسى قوله: (لو علمتُ أنك تَسمع لحبَّرته لك تحبيرًا)؛ لأنه ذو نية في الخير وحسن قصد به، ولذا كل من كان له حسن قصد، ونية خير، في إظهار عمل، فليس من السمعة والرياء في شيء؛ لتجرده من الآفة الدنيوية، وهي الطمع والمدح. هـ. ثمَّ ذكر حالهم في الكهف فقال: {وَتَرَى ٱلشَّمْسَ إِذَا طَلَعَت تَّزَاوَرُ...}

الطوسي

تفسير : ثلاث آيات في عدد الكل - إلا الشامي - آخر الأولى {هدى} وعند الشامي شططاً. يقول الله تعالى إنا نخبرك يا محمد ونقص عليك نبأ هؤلاء الفتية الذين أووا الى الكهف على وجه الصحة. والقصص الخبر بمعاني يتلو بعضها بعضاً واصله الاتباع من قولهم: قص أثره يقصه قصصاً إذا اتبعه، ومنه قوله تعالى {وقالت لأخته قصيه} أي اتبعي أثره. والنبأ الخبر. وفتية جمع فتى، وهو جمع لا يقاس عليه لانه غير مطرد، وقد جاء غلام وغلمة وصبي وصبية، ولا يجوز غراب وغربة. ثم اخبر عنهم بانهم فتية آمنوا بربهم، واعترفوا بتوحيده {وزدناهم هدى} والمعنى وزدناهم المعارف بما فعلنا لهم من الالطاف لما فيها من الآيات التي رأوها، ومن الربط على قلوبهم حتى تمسكوا بها. وقوله {إذ قاموا فقالوا} معناه حين قاموا بحضرة الملك الجبار، فقالوا هذا القول الذي أفصحوا فيه عن الحق في الديانة ولم يستعملوا التقية، فقالوا: ربنا الذي نعبده هو الذي خلق السموات والارض لن ندعوا من دونه إلهاً آخر، فنوجه العبادة اليه، ومتى قلنا غير ذلك ودعونا معه إلهاً آخر {لقد قلنا إذا شططاً}. والشطط الخروج عن الحد بالغلو فيه، فقلنا شططاً أي غلواً في الكذب والبطلان. قال الشاعر: شعر : ألا يالقوم قد شطت عواذلي ويزعمن أن أودي بحقي باطلي ويلحينني في اللهو ألا أحبه وللهو داع دائب غير غافل تفسير : ومنه اشط فلان في السوم إذا تجاوز القدر بالغلو فيه يشط إشطاطاً وشططاً وشط منزل فلان يشط شطوطاً إذا جاوز القدر في البعد، وشطت الجارية تشط شطاطاً وشطاطة إذا جاوزة القدر في الطول. وقوله {هؤلاء قومنا اتخذوا من دونه آلهة} إخبار من الفتية بخضرة الملك على وجه الانكار على قومه {إن هؤلاء} قومك اتخذوا من دون الله آلهة يعبدونها {لولا يأتون عليهم بسلطان بين فمن أظلم ممن افترى على الله كذباً} معناه هلا يأتون على عبادتهم إياهم بحجة واضحة ودلالة بينة. وحذف لدلالة الكلام عليه ثم قالوا: فمن اظلم لنفسه ممن يتخرص على الله كذباً، ويضيف اليه ما لا اصل له. وفي ذلك دلالة على أن التقليد في الدين لا يجوز وانه لا يجوز أن يقبل دين إلا بحجة واضحة. وفى قصة اصحاب الكهف دلالة على أنه لا يجوز المقام في دار الكفر إذا كان لا يمكن المقام فيه إلا باظهار كلمة الكفر وانه يجب الهجرة الى دار الاسلام أو بحيث لا يحتاجون الى التلفظ بكلمة الكفر.

الجنابذي

تفسير : {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نبَأَهُم بِٱلْحَقِّ} مقابل الكذب، وتقديم المسند اليه امّا لمحض التّقوىّ او للحصر {إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُواْ بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى} يعنى انّ الايمان كان هداية من الله الى الله، ولمّا حصّلوه بتوفيقه زادهم ايماناً.

الأعقم

تفسير : {نحن نقصّ عليك نبأهم بالحق إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى} {وربطنا على قلوبهم} أي شددنا عليها بالألطاف {إذ قاموا} بين يدي الجبار دقيانوس صرخوا بإبطال الشرك وأثبتوا التوحيد {فقالوا ربّنا ربُّ السموات والأرض لن ندعوا من دونه إلهاً لقد قلنا إذاً شططا} علواً في الكذب والبطلان {هؤلاء قومنا} يعني أهل بلدنا {اتخذوا من دونه} آلهة وهي الأصنام {لولا يأتون عليهم بسلطان بيّن} أي هلا يأتوا على ما وصفوا وعبدوا حجة واضحة {فمن أظلم ممن افترى على الله كذباً} أي لا أحد أظلم ممن افترى فيضيف اليه ما لا يليق به {وإذ اعتزلتموهم} خطاب من بعضهم لبعض حين صممت عزيمتهم على الفرار بدينهم، يعني وإذ اعتزلتموهم واعتزلهم معوذتهم، قال في الحاكم: ويدل على أن الاعتزال اسم مدح لذلك وصفهم به وإذ اعتزلتموهم، وفي قصة ابراهيم واعتزلكم {فأووا إلى الكهف} اجعلوه مسكناً، وقيل: قالوا: ادخلوا الكهف كيلا يلحقكم الطلب، وروي أنهم دخلوا وناموا للتعب الذي لحقهم {ينشر لكم ربكم من رحمته} أي يبسط عليكم من نعمته، وقيل: خرجوا من غير زاد توكلاً على الله فكفاهم الله أمر المطعم والمشرب {ويهيّء لكم} أي يسهل لكم {مرفقاً} ترفقون به في معاشكم، وقيل: رزقاً رغداً {وترى الشمس إذا طلعت تزاور عن كهفهم ذات اليمين وإذا غربت تقرضهم ذات الشمال} يعني أنها تجوزهم منحرفة عنهم لا يقع عليهم منها شيء، وقيل: ان الشمس تميل عنهم في طلوعها وغروبها مع أنهم في مكان واسع {ذلك من آيات الله} أي ما صنع بهم من ازورار الشمس وقرضها طالعة وغاربة إنه من آيات الله {من يهد الله فهو المهتد} ثنى عليهم بأنهم جاهدوا في الله وأسلموا له فلطف بهم وأعانهم، وكذلك من اهتدى فإنه يهديه الى ثوابه وكرامته ومن يضلل عن نيل ثوابه وجنته فلا يكون له ولي ولا ناصر {وتحسبهم أيقاظاً وهم رقود} منتبهين وهم نيام لكثرة تقليبهم {ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال}، قيل: لهم تقليبتان في السنة، وقيل: تقليبة واحدة في يوم عاشوراء، وقيل: نقلبهم يميناً ويساراً، وقيل: كانت أعينهم مفتوحة، وينفسون ولا يتكلمون عن أبي علي، وقيل: يقلبون مرة على الجنب الأيمن ومرة على الجنب الأيسر لئلا يؤذيهم {وكلبهم}، قيل: كلب صاحبهم لونه أنمر، وقيل: أصفر، قيل: اسمه ريان، وقيل: قطفير {باسط ذراعيه بالوصيد} الباب، وقيل: عتبة الباب، قوله تعالى: {لو اطلعت عليهم لولَّيت منهم فراراً ولملئت منهم رعباً} وهو الخوف الذي يرعب الصدور أي يملأه، وذلك لما ألبسهم الله تعالى من الهيبة، وقيل: طول أظفارهم وشعرهم.

اطفيش

تفسير : {نَّحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ} نملى ونقرأ عليك بواسطة جبريل خبرهم. {بِالحَقِّ} بالصدق. {إنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ} وهو الله جل وعلا لا رب غيره. {وَزِدْنَاهُمْ هُدىً} إيماناً وبصيرة بالتثبيت والتوفيق. وقال ابن عباس: زادهم الله هدى بكلام الكلب لهم كلبُ راعٍ، إذ أنطقه الله لهم حين تبعهم كما يأتى.

اطفيش

تفسير : {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ} يا محمد {نَبَأَهُمْ} خَبَرهم تفصيلا بعد قصة إجمالا {بِالْحَقِّ} بالصدق، وقد خاض الناس فيه بالباطل. {إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ} سبعة، وزعم بعض أنهم ثمانية {آمَنُوا بِرَبِّهِمْ} الهاء لجماعة أصحاب الكهف، لا لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، فلا يقال إنه على طريق الالتفات من الخطاب فى عليك إِلى الغيبة فى هاء ربّهم، فلا تهم، وإِنما الالتفات من تكلم نحن نقص، وما قبله إِلى غيبة لفظ رب، ومقتضى الظاهر آمنوا بنا. {وَزِدْنَاهُمْ هُدًى} بالاطلاع على دلائل أخرى وبالتثليث حتى إنهم لم يكتفوا بإظهار الحق، بل زادوا جدالا بالبرهان، فقد قيل: زادهم هدَى بإِنطاق الكلب، أنهم على الحق، وقيل: جاءهم ملَك فقوَّاهم على الحق، وأخبرهم بالنبى صلى الله عليه وسلم أنه سيجئ إلى الناس كلهم، فآمنوا به، ولا يلزم بذلك أن يكونوا أنبياء، وجعل بعضهم نبى.

الالوسي

تفسير : {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نبَأَهُم} شروع في تفصيل ما أجمل فيما سلف أي نحن نخبرك بتفصيل خبرهم الذي له شأن وخطر {بِٱلْحَقّ} إما صفة لمصدر محذوف أو حال من ضمير {نقص} أو من {نبَأَهُم} أو صفة له على رأي من يرى جواز حذف الموصول مع بعض الصلة أي نقص قصصاً ملتبساً بالحق أو نقصه ملتبسين به أو نقص نبأهم ملتبساً به أو نبأهم الملتبس به. ولعل في التقييد {بِٱلْحَقّ} إشارة إلى أن في عهده صلى الله عليه وسلم من يقص نبأهم لكن لا بالحق. وفي «الكشف» بعد نقل شعر أمية بن أبـي الصلت السابق ما نصه: وهذا يدل على أن قصة أصحاب الكهف كانت من علم العرب وإن لم يكونوا عالميها على وجهها. ونبؤهم حسبما ذكره ابن إسحاق وغيره أنه مرج أهل الإنجيل وعظمت فيهم الخطايا وطغت ملوكهم فعبدوا الأصنام وذبحوا للطواغيت وفيهم بقايا على دين المسيح عليه السلام متمسكين بعبادة الله تعالى وتوحيده وكان ممن فعل ذلك من ملوكهم وعتا عتواً كبيراً دقيانوس وفي رواية دقيوس فإنه غلا غلواً شديداً فجاس خلال الديار والبلاد وأكثر فيها الفساد وقتل من خالفه من المتمسكين بدين المسيح عليه السلام وكان يتتبع الناس فيخيرهم بين القتل وعبادة الأوثان فمن رغب في الحياة الدنيا انقاد لأمره وامتثله ومن آثر عليها الحياة الأبدية لم يبال بأي قتلة قتله فكان يقتل أهل الإيمان ويقطع أجسادهم ويجعلها على سور المدينة وأبوابها فلما رأى الفتية ذلك وكانوا عظماء مدينتهم واسمها على ما في بعض الروايات أفسوس وفي بعضها طرسوس، وقيل كانوا من خواص الملك قاموا فتضرعوا إلى الله عز وجل واشتغلوا بالصلاة والدعاء فبينما هم كذلك دخل عليهم الشرط فأخذوهم وأعينهم تفيض من الدمع ووجوههم معفرة بالتراب وأحضروهم بين يدي الجبار فقالوا لهم: ما منعكم أن تشهدوا الذبح لآلهتنا وخيرهم بين القتل وعبادة الأوثان فقالوا: إن لنا إلٰهاً ملأ السمٰوات والأرض عظمته وجبروته لن ندعو من دونه أحداً ولن نقر بما تدعونا إليه أبداً فاقض ما أنت قاض وأول من قال ذلك أكبرهم مكسلمينا فأمر الجبار فنزع ما عليهم من الثياب الفاخرة وأخرجهم من عنده وخرج هو إلى مدينة أخرى قيل هي نينوى لبعض شأنه وأمهلهم إلى رجوعه وقال: ما يمنعني أن أعجل عقوبتكم إلا أني أراكم شباناً فلا أحب أن أهلككم حتى أجعل لكم أجلاً تتأملون فيه وترجعون إلى عقولكم فإن فعلتم فبها وإلا أهلكتكم فلما رأوا خروجه اشتوروا فيما بينهم واتفقوا على أن يأخذ كل منهم نفقة من بيت أبيه فيتصدق ببعضها ويتزود بالباقي وينطلقوا إلى كهف قريب من المدينة يقال له بنجلوس ففعلوا ما فعلوا وأووا إلى الكهف فلبثوا فيه ليس لهم عمل إلا الصلاة والصيام والتسبيح والتحميد وفوضوا أمر نفقتهم إلى فتى منهم اسمه يمليخا فكان إذا أصبح يتنكر ويدخل المدينة ويشتري ما يهمهم ويتجسس ما فيها من الأخبار ويعود إليهم فلبثوا على ذلك إلى أن قدم الجبار مدينتهم فتطلبهم وأحضر آباءهم فاعتذروا بأنهم عصوهم ونهبوا أموالهم وبذروها في الأسواق وفروا إلى الجبل وكان يمليخا إذ ذاك في المدينة فرجع إلى أصحابه وهو يبكي ومعه قليل طعام فأخبرهم بما شاهد من الهول ففزعوا إلى الله تعالى وخروا له سجداً ثم رفعوا رؤوسهم وجلسوا يتحدثون في أمرهم فبينما هم كذلك إذ ضرب الله عز وجل على آذانهم فناموا ونفقتهم / عند رؤسهم وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد فأصابه ما أصابهم فخرج الجبار في طلبهم بخيله ورجله فوجدوهم قد دخلوا الكهف فأمر بإخراجهم فلم يطق أحد أن يدخله فلما ضاق بهم ذرعاً قال قائل منهم: أليس لو كنت قدرت عليهم قتلتهم؟ قال: بلى قال: فابن عليهم باب الكهف ودعهم يموتوا جوعاً وعطشاً وليكن كهفهم قبراً لهم ففعل ثم كان من شأنهم ما قص الله تعالى عز وجل. وأخرج ابن أبـي شيبة وابن المنذر وابن أبـي حاتم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنهم كانوا في مملكة ملك من الجبابرة يدعو الناس إلى عبادة الأوثان فلما رأوا ذلك خرجوا من تلك المدينة فجمعهم الله تعالى على غير ميعاد فجعل بعضهم يقول لبعض: أين تريدون أين تذهبون؟ فجعل بعضهم يخفي عن بعض لأنه لا يدري هذا علام خرج هذا ولا يدري هذا علام خرج هذا فأخذوا العهود والمواثيق أن يخبر بعضهم بعضاً فإن اجتمعوا على شيء وإلا كتم بعضهم بعضاً فاجتمعوا على كلمة واحدة فقالوا: {أية : رَبُّنَا رَبُّ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ}تفسير : [الكهف: 14] ـ إِلَى ـ {أية : مِرْفَقًا} تفسير : [الكهف: 16] ثم انطلقوا حتى دخلوا الكهف فضرب الله تعالى على آذانهم فناموا وفقدوا في أهلهم فجعلوا يطلبونهم فلم يظفروا بهم فرفع أمرهم إلى الملك فقال: ليكونن لهؤلاء القوم بعد اليوم شأن ناس خرجوا لا ندري أين ذهبوا في غير جناية ولا شيء يعرف فدعا بلوح من رصاص فكتب فيه أسماءهم ثم طرح في خزانته ثم كان من شأنهم ماقصه الله سبحانه وتعالى. وكانوا على ما أخرج ابن أبـي حاتم عن أبـي جعفر صيارفة. وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن وهب بن منبه قال: جاء رجل من حواري عيسى عليه السلام إلى مدينة أصحاب الكهف فأراد أن يدخلها فقيل على بابها صنم لا يدخل أحد إلا سجد له فكره أن يدخل فأتى حماماً قريباً من المدينة وآجر نفسه من صاحبه فكان يعمل فيه ورأى صاحب الحمام البركة والرزق وجعل يسترسل إليه وعلقه فتية من أهل المدينة فجعل يخبرهم عن خبر السماء وخبر الآخرة حتى آمنوا وكانوا على مثل حاله في حسن الهيئة وكان يشترط على صاحب الحمام أن الليل لي ولا تحول بيني وبين الصلاة إذا حضرت حتى جاء ابن الملك بامرأة يدخل بها الحمام فعيره الحواري فقال: أنت ابن الملك وتدخل مع هذه الإمرأة التي صفتها كذا وكذا فاستحيا فذهب فرجع مرة أخرى فسبه وانتهره فلم يلتفت حتى دخل ودخلت معه فباتا في الحمام جميعاً فماتا فيه فأتى الملك فقيل له: قتل ابنك صاحب الحمام فالتمس فلم يقدر عليه وهرب من كان يصحبه والتمس الفتية فخرجوا من المدينة فمروا بصاحب لهم في زرع له وهو على مثل أمرهم فذكروا له أنهم التمسوا فانطلق معهم حتى أواهم الليل إلى كهف فدخلوا فيه فقالوا نبيت هٰهنا الليلة ثم نصبح إن شاء الله تعالى فنرى رأينا فضرب على آذانهم فخرج الملك بأصحابه يتبعونهم حتى وجدوهم قد دخلوا الكهف فكلما أراد الرجل منهم أن يدخله أرعب فلم يطق أن يدخل فقال للملك قائل: ألست لو قدرت عليهم قتلتهم؟ قال: بلى قال: فابن عليهم باب الكهف ودعهم يموتوا عطشاً وجوعاً ففعل ثم كان ما كان، وروي غير ذلك والأخبار في تفصيل شأنهم مختلفة. وفي «البحر» لم يأت في الحديث الصحيح كيفية اجتماعهم وخروجهم ولا معول إلا على ما قص الله تعالى من نبئهم. {إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ} استئناف مبني على السؤال من قبل المخاطب وتقدم الكلام آنفاً في الفتية {آمَنُواْ بِرَبِّهِمْ} أي بسيدهم والناظر في مصالحهم، وفيه التفات من التكلم إلى الغيبة، وأوثر للإشعار بعلية وصف الربوبية لإيمانهم / ولما صدر عنهم من المقالة حسبما سيحكي عنهم. {وَزِدْنَـٰهُمْ هُدًى} بالتثبيت على الإيمان والتوفيق للعمل الصالح والانقطاع إلى الله تعالى والزهد في الدنيا. وفي «التحرير»: المراد زدناهم ثمرات هدى أو يقيناً قولان وما حصلت به الزيادة امتثال المأمور وترك المنهي أو إنطاق الكلب لهم بأنه على ما هم عليه من الإيمان أو إنزال ملك عليهم بالتبشير والتثبيت وإخبارهم بظهور نبـي من العرب يكون به الدين كله لله تعالى فآمنوا به صلى الله عليه وسلم قبل بعثه اهـ. ولا يلزم من القول بإنزال ملك عليهم بذلك القول بنبوتهم كما لا يخفى. وفي {زِدْنَاهُمْ} التفات من الغيبة إلى التكلم الذي عليه سبك النظم الكريم سباقاً وسياقاً. وفيه من تعظيم أمر الزيادة ما فيه.

ابن عاشور

تفسير : لما اقتضى قوله: { أية : لنعلم أي الحزبين أحصى } تفسير : [الكهف: 12] أن في نبأ أهل الكهف تخرصات ورجماً بالغيب أثار ذلك في النفس تطلعا إلى معرفة الصدق في أمرهم، من أصل وجود القصة إلى تفاصيلها من مخبر لا يُشك في صدق خبره كانت جملة نحن نقص عليك نبأهم بالحق استئنافاً بيانياً لجملة لنعلم أي الحزبين أحصى لما لبثوا أمداً [الكهف: 12]. وهذا شروع في مجمل القصة والاهتمام بمواضع العبرة منها. وقدم منها ما فيه وصف ثباتهم على الإيمان ومنابذتهم قومهم الكفرة ودخولهم الكهف. وتقديم المسند إليه على المسند الفعلي في جملة {نحن نقص عليك} يفيد الاختصاص، أي نحن لا غيرُنا يقص قصصهم بالحق. والحق: هنا الصدق. والصدق من أنواع الحق، ومنه قوله تعالى: { أية : حقيق عليّ أن لا أقول على الله إلا الحق } تفسير : في سورة الأعراف (105). والباء للملابسة، أي القصص المصاحب للصدق لا للتخرصات. والقصص: سَرد خبر طويل فالإخبارُ بمخاطبة مفرقة ليس بقصص، وتقدم في طالع سورة يوسف. والنبأ: الخبر الذي فيه أهمية وله شأن. وجملة {إنهم فتية} مبينة للقصص والنبأ. وافتتاح الجملة بحرف التأكيد لمجرد الاهتمام لا لرد الإنكار. وزيادة الهدى يجوز أن يكون تقوية هُدى الإيمان المعلوم من قوله: {آمنوا بربهم} بفتح بصايرهم للتفكير في وسائل النجاة بإيمانهم وألهمهم التوفيق والثبات، فكل ذلك هدى زائد على هدى الإيمان. ويجوز أن تكون تقوية فضل الإيمان بفضل التقوى كما في قوله تعالى: { أية : والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم } تفسير : [محمد: 17]. والزيادة: وفرةُ مقدار شيء مخصوص، مثل وفرة عدد المعدود، ووزن الموزون، ووفرة سكان المدينة. وفعل (زاد) يكون قاصراً مثل قوله تعالى: { أية : وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون } تفسير : [الصافات: 147]، ويكون متعدياً كقوله: { أية : فزادهم الله مرضاً } تفسير : [البقرة: 10]. وتستعار الزيادة لقوة الوصف كما هنا. والربط على القلب مستعار إلى تثبيت الإيمان وعدم التردد فيه، فلما شاع إطلاق القلب على الاعتقاد استعير الربط عليه للتثبيت على عقده. كما قال تعالى: { أية : لولا أن ربطنا على قلبها لتكون من المؤمنين } تفسير : [القصص: 10]. ومنه قولهم: هو رابط الجأش. وفي ضده يقال: اضطرب قلبه، وقال تعالى: { أية : وبلغت القلوب الحناجر } تفسير : [الأحزاب: 10]. استعير الاضطراب ونحوه للتردد والشك في حصول شيء. وتعدية فعل {ربطنا} بحرف الاستعلاء للمبالغة في الشد لأن حرف الاستعلاء مستعار لمعنى التمكن من الفعل. و{إذ قاموا} ظرف للربط، أي كان الربط في وقت في قيامهم، أي كان ذلك الخاطر الذي قاموا به مقارناً لربط الله على قلوبهم، أي لولا ذلك لما أقدموا على مثل ذلك العمل وذلك القول. والقيام يحتمل أن يكون حقيقياً، بأن وقفوا بين يدي ملك الروم المشرك، أو وقفوا في مجامع قومهم خطباء معلنين فساد عقيدة الشرك. ويحتمل أن يكون القيام مستعاراً للإقدام والجَسْر على عمل عظيم، وللاهتمام بالعمل أو القول، تشبيهاً للاهتمام بقيام الشخص من قعود للإقبال على عمل ما، كقول النابغة: شعر : بأن حِصْناً وحياً من بني أسد قَاموا فقالوا حِمانا غيرُ مقروب تفسير : فليس في ذلك قيام بعد قعود بل قد يكونون قالوه وهم قعود. وعرفوا الله بطريق الإضافة إلى ضميرهم: إما لأنهم عُرفوا من قبل بأنهم عبدوا الله المنزه عن الجسم وخصائص المحدثات، وإما لأن الله لم يكن معروفاً باسم عَلَم عند أولئك المشركين الذين يزعمون أن رب الأرباب هو (جوبتير) الممثل في كوكب المشتري، فلم يكن طريق لتعريفهم الإله الحق إلا طريق الإضافة. وقريب منه ما حكاه الله عن قول موسى لفرعون بقوله تعالى: { أية : قال فرعون وما رب العالمين قال رب السماوات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين } تفسير : [الشعراء: 23 - 24]. هذا إن كان القول مَسوقاً إلى قومهم المشركين قصدوا به إعلان إيمانهم بين قومهم وإظهارَ عدم الاكتراث بتهديد الملك وقومه، فيكون موقفهم هذا كموقف بني إسرائيل حين قالوا لفرعون { أية : لا ضيْر إنا إلى ربنا منقلبون } تفسير : [الشعراء: 50]، أو قصدوا به موعظة قومهم بدون مواجهةِ خطابهم استنزالاً لطائرهم على طريقة التعريض من باب (إيّاككِ أعني فاسمعي يا جارة)، واستقصاءً لتبليغ الحق إليهم. وهذا هو الأظهر لحمل القيام على حقيقته، ولأن القول نُسب إلى ضمير جمعهم دون بعضهم، بخلاف الإسناد في قوله: { أية : قال قائل منهم كم لبثتم } تفسير : [الكهف: 19] تقتضي أن يكون المقول له ذلك فريقاً آخر، ولظهور قصد الاحتجاج من مقالهم، ويكون قوله: {رب السماوات والأرض} خبر المبتدأ إعلاماً لقومهم بهذه الحقيقة وتكون جملة {لن ندعوا} استئنافاً. وإن كان هذا القول قد جرى بينهم في خاصتهم تمهيداً لقوله: { أية : وإذ اعتزلتموهم } تفسير : [الكهف: 16] الخ. فالتعريف بالإضافة لأنها أخطر طريق بينهم، ولأنها تتضمن تشريفاً لأنفسهم، ويكون قوله: {رب السماوات والأرض} صفةً كاشفة، وجملة {لن ندعوا من دونه إلهاً} خبرَ المبتدأ. وذكروا الدعاء دون العبادة لأن الدعاء يشمل الأقوال كلها من إجراء وصف الإلهية على غير الله ومن نداء غير الله عند السؤال. وجملة {لقد قلنا إذاً شططاً} استئناف بياني لما أفاده توكيد النفي بِــــ(لن). وإن وجود حرف الجواب في خِلال الجملة ينادي على كونها متفرعة على التي قبلها. واللام للقسم. والشطط: الإفراط في مخالفة الحق والصواب. وهو مشتق من الشط، وهو البعد عن الموطن لما في البعد عنه من كراهية النفوس، فاستعير للإفراط في شيء مكروه، أي لقد قلنا قولاً شططاً، وهو نسبة الإلهية إلى من دون الله.

الشنقيطي

تفسير : ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة لنبيه صلى الله عليه وسلم -أنه يقص عليه نبأ أصحاب الكهف بالحق. ثم أخبره مؤكداً له أنهم فتية آمنوا بربهم، وأن الله جل وعلا زادهم هدى. ويفهم من هذه الآية الكريمة - أن من آمن بربه وأطاعه زاده ربه هدى. لأن الطاعة سبب للمزيد من الهدى والإيمان. وهذا المفهوم من هذه الآية الكريمة جاء مبيناً في مواضع أخر. كقوله تعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ ٱهْتَدَوْاْ زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقُوَاهُمْ}تفسير : [محمد: 17]، وقوله: {أية : وَٱلَّذِينَ جَاهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا}تفسير : [العنكبوت: 69] الآية، وقوله تعالى: {أية : يِا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إَن تَتَّقُواْ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً}تفسير : [الأنفال: 29] الآية، وقوله: {أية : فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ}تفسير : [التوبة: 124]، وقوله تعالى: {أية : هُوَ ٱلَّذِيۤ أَنزَلَ ٱلسَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ ٱلْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوۤاْ إِيمَاناً مَّعَ إِيمَانِهِمْ}تفسير : [الفتح: 4] الآية، وقوله تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَآمِنُواْ بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ}تفسير : [الحديد: 28] الآية، إلى غير ذلك من الآيات. وهذه الآيات المذكورة نصوص صريحة في أن الإيمان يزيد - مفهوم منها أنه ينقص أيضاً، كما استدل بها البخاري رحمه الله على ذلك. وهي تدل عليه دلالة صريحة لا شك فيها، فلا وجه معها للاختلاف في زيادة الإيمان ونقصه كما ترى. والعلم عند الله تعالى.

الواحدي

تفسير : {نحن نقصُّ عليك نبأهم} خبرهم {بالحق} بالصِّدق {إنهم فتية} شُبَّانٌ وأحداثٌ {آمنوا بربهم وزدناهم هدى} ثبَّتناهم على ذلك. {وربطنا على قلوبهم} ثبتناها بالصَّبر واليقين {إذ قاموا} بين يديّ ملكهم الذي كان يفتن أهل الأديان عن دينهم {فقالوا ربنا رب السموات والأرض لن ندعواْ من دونه إلهاً لقد قلنا إذاً شططاً} كذباً وجوراً إنْ دعونا غيره. {هؤلاء قومنا اتخذوا من دونه آلهة} يعنون: الذين عبدوا الأصنام في زمانهم {لولا} هلاَّ {يأتون عليهم} على عبادتهم {بسلطانٍ بيِّن} بحجَّةٍ بيِّنةٍ {فمن أظلم ممن افترى على الله كذباً} فزعم أنَّ معه إلهاً، فقال لهم تمليخا - وهو رئيسهم -: {وإذ اعتزلتموهم} فارقتموهم {وما يعبدون} من الأصنام {إلاَّ الله} فإنكم لن تتركوا عبادته {فأووا إلى الكهف} صيروا إليه {ينشر لكم ربكم من رحمته} يبسطها عليكم {ويهيَّىء لكم من أمركم مرفقاً} يُسهَّل لكم غذاءً تأكلونه. {وترى الشمس إذا طلعت تزاور} تميل عن كهفهم {ذات اليمين} في ناحية اليمين {وإذا غربت تقرضهم} تتركهم وتتجاوز عنهم {ذات الشمال} في ناحية الشِّمال، فلا تصيبهم الشَّمس ألبتةَ؛ لأنَّها تميل عنهم طالعةَ غاربةً، فتكون صورهم محفوظة، {وهم في فجوة منه} مُتَّسعٍ من الكهف ينالهم برد الرِّيح ونسيم الهواء. {ذلك} التَّزوار والقرض {من آيات الله} دلائل قدرته ولطفه بأصحاب الكهف. {من يهد الله فهو المهتد} أشار إلى أنَّه هو الذي تولَّى هدايتهم، ولولا ذلك لم يهتدوا. {وتحسبهم أيقاظاً} لأنَّ أعينهم مُفتَّحة {وهم رقود} نيامٌ {ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال} لئلا تأكل الأرض لحومهم {وكلبهم باسط ذراعيه} يديه {بالوصيد} بفناء الكهف {لو اطلعت} أشرفت {عليهم لوليت} أعرضت {منهم فراراً ولملئت منهم رعباً} خوفاً وذلك أنَّ الله تعالى منعهم بالرُّعب لئلا يراهم أحد.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: نبأهم بالحق: أي خبرهم العجيب بالصدق واليقين. وزنادهم هدى: أي إيماناً وبصيرة في دينهم ومعرفة ربهم حتى صبروا على الهجرة. وربطنا على قلوبهم: أي شددنا عليها فقويت عزائمهم حتى قالوا كلمة الحق عند سلطان جائر. لن ندعوا من دونه إلها: لن نعبد من دونه إلهاً آخر. لولا يأتون عليهم بسلطان: أي هلا يأتون بحجة قوية تثبت صحة عبادتهم. على الله كذباً: أي باتخاذ آلهة من دونه تعالى يدعوها ويعبدها. فأووا إلى الكهف: أي انزلوا في الكهف تستترون به على أعين أعدائكم المشركين. ينشر لكم ربكم من رحمته: أي يبسط من رحمته عليكم بنجاتكم مما فررتم منه. ويهيء لكم من أمركم: وييسر لكم من أمركم الذي أنتم فيه من الغم والكرب. مرفقا: أي ما ترتفقون به وتنتفعون من طعام وشراب وإواء. معنى الآيات: بعد أن ذكر تعالى موجز قصة أصحاب الكهف أخذ في تفصيلها {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نبَأَهُم بِٱلْحَقِّ} أي نحن رب العزة والجلال نقص عليك أيها الرسول خبر أصحاب الكهف بالحق الثابت الذي لا شك فيه {إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ}، جمع فتى {آمَنُواْ بِرَبِّهِمْ} أي صدقوا بوجوده ووجوب عبادته وتوحيده فيها وقوله {وَزِدْنَاهُمْ هُدًى} أي هداية إلى معرفة الحق من محاب الله تعالى ومكارهه. وقوله تعالى: {وَرَبَطْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ} أي قوّينا عزائمهم بما شددنا على قلوبهم حتى قاموا وقالوا على رؤوس الملأ وأمام ملك كافر {رَبُّنَا رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} أي ليس لنا رب سواه، لن ندعو من دونه إلهاً مهما كان شأنه، إذ لو اعترفنا بعبادة غيره لكنا قد قلنا إذاً شططاً من القول وهو الكذب والغلو فيه وقوله تعالى: {هَـٰؤُلاۤءِ قَوْمُنَا ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ آلِهَةً} يخبر تعالى عن قيل الفتية لما ربط الله على قلوبهم إذ قاموا في وجه المشركين الظلمة وقالوا: {هَـٰؤُلاۤءِ قَوْمُنَا ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ آلِهَةً لَّوْلاَ يَأْتُونَ عَلَيْهِم بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ} أي هلا يأتون عليهم بسلطان بيّن أي بحجة واضحة تثبت عبادة هؤلاء الأصنام من دون الله؟ ومن أين ذلك والحال أنه لا إله إلا الله؟! وقوله تعالى: {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ} ينفي الله عز وجل أن يكون هناك أظلم ممن افترى على الله كذباً باتخاذ آلهة يعبدها معه باسم التوسل بها وشعار التشفع والتقرب إلى الله زلفى بواسطتها!! وقوله تعالى عن قيل أصحاب الكهف لبعضهم: {وَإِذِ ٱعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلاَّ ٱللَّهَ} من الأصنام والأوثان {فَأْوُوا إِلَى ٱلْكَهْفِ} أي فصيروا إلى غار الكهف المسمى "بنجلوس" {يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِّن رَّحْمَتِهِ} أي يبسط لكم من رحمته بتيسيره لكم المخرج من الأمر الذي رميتم به من الكافر "دقينوس" {وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِّنْ أَمْرِكُمْ مِّرْفَقاً} أي ما ترتفقون به من طعام وشراب وأمن في مأواكم الجديد الذي أويتم إليه فراراً بدينكم واستخفائكم من طالبكم المتعقب لكم ليفتنكم في دينكم أو يقتلكم. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- تقرير النبوة المحمدية بذكر قصة أصحاب الكهف. 2- تقرير زيادة الإِيمان ونقصانه. 3- فضيلة الجرأة في الحق والتصريح به ولو أدى إلى القتل أو الضرب أو السجن. 4- تقرير التوحيد وأنه لا إله إلا الله على لسان أصحاب الكهف. 5- بطلان عبادة غير الله لعدم وجود دليل عقلي أو نقلي عليها. 6- الشرك ظلم وكذب والمشرك ظالم مفتر كاذب. 7- تقرير فرض الهجرة في سبيل الله. 8- فضيلة الالتجاء إلى الله تعالى وطلب حمايته لعبده وكفاية الله من لجأ إليه في صدق.

القطان

تفسير : النبأ: الخبر العظيم. وربطنا على قلوبهم: قوّينا عزائمهم. الشطط: الجور والظلم. السلطان المبين: الحجة الظاهرة. اعتزلتموهم: بعدتم عنهم وتجنبتموهم. المرفق: كل ما ينتفع به. تزاور: اصله تتزاور، تميل. وتقرضهم: تجاوزهم. في فجوة منه: متسع من الارض. وتحسبهم ايقاظا: تظنهم صاحين غير نائمين. وهم رقود: جمع راقد نائم. باسط ذراعيه: عندما يجلس الكلب فانه يمد ذراعيه. بالوصيد: فناء الكهف. نحن نقصّ عليك أيها الرسول خَبَرهُم بالصدق، إنهم شبابٌ آمنوا بربهم وسط قوم مشركين، وزِدناهم هدى بالتثبيت على الإيمان. وثبّتنا قلوبهم، فثبتوا ولم يرهبوا أحدا، ووقفوا وقفة واحدة فقالوا: ربّنا الحقُّ ربُّ السماوات والارض، ولن نعبدَ غيره إلهاً، ولن نتحول عن هذه العقيدة، لأننا اذا دَعَوْنا غيرَ الله نكون قد بعُدنا عن الحق وتجاوزنا الصواب. ثم إنهم تشاوروا فيما بينهم، فقال بعضهم لبعض: ما دمنا قد اعتزلْنا قَوْمَنا في كفرهم وشِركهم، فالجأوا الى الكهف فراراً بدِينكم، وأخلِصوا لله العبادة، فإنه تعالى يبسط لكم الخير من رحمته في الدارَين، ويسهل لكم من امركم ما تنتفعون به من مرافق الحياة. ثم بين تعالى حالهم بعد ان لجأوا الى الكهف فقال: {وَتَرَى ٱلشَّمْسَ إِذَا طَلَعَت تَّزَاوَرُ عَن كَهْفِهِمْ ذَاتَ ٱلْيَمِينِ...}. وانك ايها المخاطَب لو رأيتَ الكهف لرأيت الشمس حين طلوعها تميل عنه جهةَ اليمين، ورأيتها حين الغروب تتركهم وتعدِلُ عنهم جهةَ الشمال، وهم في متّسع من الأرض، فحرارة الشمس لا تؤذيهم، ونسيمُ الهواء يأتيهم. وذلك كلّه من دلائل قدرة الله، فمن اهتدى بآيات الله فقد هداه وفقَ ناموسه حقا، ومن لم يأخذ بأسباب الهدى فقد ضلّ، ولن تجد له من يرشدُه ويهديه. وتظنهم أيها الناظر منتبهين، وفي الحقيقة هم نيام، ونقلّبهم في نومهم مرةً يمينا، وأُخرى يسارا لنحفظ أجسامَهم من تاثير الارض، وكلبُهم الذي صاحَبَهم مادٌّ ذراعيه بفناء الكهف وهو نائم في شكل اليقظان. ولو شاهدتَهم وهم على تلك الحال لهربتَ منهم، {وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً} ولفزعت منهم فزعا شديدا، لأنهم في وضع غريب، وذلك لكيلا يدنو منهم احد ولا تمسّهم يد. قراءات: قرأ ابن عامر واهل المدينة: "مَرفِقا" بفتح الميم وكسر الفاء. والباقون: "مِرفقا" بكسر الميم وفتح الفاء. وقرأ ابن عامر ويعقوب: "تزورّ" بفتح التاء وإسكان الزاي وتشديد الراء. والباقون: "تزاور". وقرأ اهل الحجاز: "لملّيت" بتشديد اللام وبالياء وبدون همزة. والباقون "لملئت" بالهمزة.

د. أسعد حومد

تفسير : {آمَنُواْ} {وَزِدْنَاهُمْ} (13) - نَحْنُ نُخْبِرُكَ بِنَبإِ هؤُلاءِ الفِتْيَةِ الَّذِينَ اوَوْا إِلَى الكَهْفِ كَمَا وَقَعَ، وَلاَ مَحَلَّ فِيهِ للرِّيبَةِ أَوِ الشَّكِّ. إِنَّهُمْ شُبَّانٌ فِي مُقْتَبَلِ العُمْرِ (فِتْيَةٌ)، اهْتَدوا إِلَى الإِيمَانِ بِرَبِّهِمْ لاَ إِلهَ إِلاَّ هُوَ، فَعَبَدُوهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، ثُمَّ زَادَهُمْ رَبُّهُمْ هُدًى عَلَى هُدَاهُمْ، بِتَثْبِيتِهِمْ عَلَى الإِيمَانِ، وَتَوْفِيقِهِمْ إِلَى العَمَلِ الصَّالِحِ وَالزُّهْدِ فِي الدُّنْيَا. (وَيَرَى ابْنُ كَثِيرٍ أَنَّ قِصَّةَ أَهْلِ الكَهْفِ كَانَتْ قَبْلَ ظُهُورِ النَّصْرَانِيَّةِ لاَ بَعْدَهَا، لأَِنَّ أَحْبَارَ اليَهُودِ كَانُوا يَعْرِفُونَهَا، وَقَدْ أَرْسَلُوا إِلَى قُرَيْشٍ لِسُؤَالِ النَّبِيِّ عَنْهَا عَلَى وَجْهِ التَّعْجِيزِ)، (وَاسْتَدَلَّ الفُقَهَاءُ مِنْ هَذِهِ الآيَةِ عَلَى أَنَّ الإِيمَانَ يُمْكِنُ أَنْ يَزِيدَ وَيَنْقُصَ).

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : {نَحْنُ} أي: الحق سبحانه وتعالى، فهو الذي يقصُّ ما حدث بالحق، فلو أن القاصَّ غير الله لتُوقّع منه الخطأ أو النسيان، أو ترك شيء من الأحداث لِهَوىً في نفسه، إنما إنْ جاءك القصص من الله فهو الحق، كما قال في آية أخرى: {أية : نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ ٱلْقَصَصِ ..}تفسير : [يوسف: 3]. إذن: هناك قصَص ليس بالحسن، وهو القَصَص غير الدقيق. فالقصَصُ القرآني يضمن لك منتهى الدقة في عرض الأحداث، ويُصوّر لك كل اللقطات، وكلمة قصة أو قَصَص تدلُّ على دقة التتبع؛ لأنها من قصَّ الأثر أي: تتبَّعه وكان لهذه المهمة رجال معروفون بقصّاصي الأثر، وهم الذين يتتبعون الواقع. و{نبَأَهُم} النبأ: هو الخبر العظيم. ثم يقول تبارك وتعالى: {إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُواْ بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى} [الكهف: 13]. هذا هو تفصيل القصة بعد أنْ لخَّصها القرآن في المذكرة والبرقية السابقة، وكأن الحق سبحانه يقول لرسوله: لقد ذكر ناسٌ هذه القصة من قبل، لكنها قُصَّتْ بغير الحق، وغُيّر فيها، لكن قَصّنا لها هو القَصَص الحق الذي لا كذبَ فيه. فحقيقة هؤلاء أنهم فتية آمنوا بالله، وهذه قضيتهم التي ضَحَّوْا من أجلها، فلما آمنوا بالله تولاّهم ونوَّر بصائرهم وربط على قلوبهم، وزادهم إيماناً، كما قال في آية أخرى: {أية : وَٱلَّذِينَ ٱهْتَدَوْاْ زَادَهُمْ هُدًى وَءَات&#1648هم تَقْوَاهُمْ}تفسير : [محمد: 17]. وما أشبه هذه المسألة بالمعلِّم الذي يلمح أمارات النجابة والذكاء على أحد تلاميذه، ويراه مُجيباً حريصاً على العلم فيُولِيه اهتمامه ويمنحه المزيد من المعلومات. ونلاحظ هنا أن هؤلاء المؤمنين الذين ضَحَّوْا بكلِّ شيء وفرُّوا بدينهم ما زالوا في مرحلة الشباب، وهو مظنّة الانشغال بالدنيا والحِرْص على مُتعها، أما هؤلاء فقد انشغلوا بدينهم منذ صِغَرهم ليكونوا قدْوة ومثَلاً للشباب المؤمن في كل زمان ومكان، فالفتاء في أهل الكهف: فتاء إيمان وفتاء عقيدة. والحق سبحانه يقول: {وَرَبَطْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُواْ فَقَالُواْ رَبُّنَا ...}.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : هذا شروع في تفصيل قصتهم، وأن الله يقصها على نبيه بالحق والصدق، الذي ما فيه شك ولا شبهة بوجه من الوجوه، { إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ } وهذا من جموع القلة، يدل ذلك على أنهم دون العشرة، { آمَنُوا } بالله وحده لا شريك له من دون قومهم، فشكر الله لهم إيمانهم، فزادهم هدى، أي: بسبب أصل اهتدائهم إلى الإيمان، زادهم الله من الهدى، الذي هو العلم النافع، والعمل الصالح، كما قال تعالى: {أية : ويزيد الله الذين اهتدوا هدى }. تفسير : { وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ } أي صبرناهم وثبتناهم، وجعلنا قلوبهم مطمئنة في تلك الحالة المزعجة، وهذا من لطفه تعالى بهم وبره، أن وفقهم للإيمان والهدى، والصبر والثبات، والطمأنينة. { إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ } أي: الذي خلقنا ورزقنا، ودبرنا وربانا، هو خالق السماوات والأرض، المنفرد بخلق هذه المخلوقات العظيمة، لا تلك الأوثان والأصنام، التي لا تخلق ولا ترزق، ولا تملك نفعا ولا ضرا، ولا موتا ولا حياة ولا نشورا، فاستدلوا بتوحيد الربوبية على توحيد الإلهية، ولهذا قالوا: { لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا } أي: من سائر المخلوقات { لَقَدْ قُلْنَا إِذًا } أي: إن دعونا معه آلهة، بعد ما علمنا أنه الرب الإله الذي لا تجوز ولا تنبغي العبادة، إلا له { شَطَطًا } أي: ميلا عظيما عن الحق، وطريقا بعيدة عن الصواب، فجمعوا بين الإقرار بتوحيد الربوبية، وتوحيد الإلهية، والتزام ذلك، وبيان أنه الحق وما سواه باطل، وهذا دليل على كمال معرفتهم بربهم، وزيادة الهدى من الله لهم.