١٨ - ٱلْكَهْف
18 - Al-Kahf (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
14
Tafseer
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَرَبَطْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ} عبارة عن شدّة عزم وقوّة صبرٍ، أعطاها الله لهم حتى قالوا بين يدي الكفار: {رَبُّنَا رَبُّ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ لَن نَّدْعُوَاْ مِن دُونِهِ إِلـٰهاً لَّقَدْ قُلْنَا إِذاً شَطَطاً}. ولما كان الفزع وخَوَر النفس يشبه بالتناسب الانحلال حسن في شدة النفس وقوة التصميم أن يشبه الربط؛ ومنه يقال: فلان رابط الجأش، إذا كان لا تفرق نفسه عند الفزع والحرب وغيرها. ومنه الرّبط على قلب أمّ موسى. وقوله تعالى: {أية : وَلِيَرْبِطَ عَلَىٰ قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ ٱلأَقْدَامَ} تفسير : [الأنفال: 11] وتقدّم. قوله تعالى: {إِذْ قَامُواْ فَقَالُواْ} فيه مسألتان: الأولى: قوله تعالى: {إِذْ قَامُواْ فَقَالُواْ} يحتمل ثلاثة معان: أحدها: أن يكون هذا وصفَ مقامهم بين يدي الملك الكافر ـ كما تقدّم، وهو مقام يحتاج إلى الربط على القلب حيث خالفوا دينه، ورفضوا في ذات الله هيبته. والمعنى الثاني فيما قيل: إنهم أولاد عظماء تلك المدينة، فخرجوا واجتمعوا وراء تلك المدينة من غير ميعاد؛ فقال أسنُّهم: إني أجد في نفسي أن ربي ربُّ السموات والأرض؛ فقالوا ونحن كذلك نجد في أنفسنا. فقاموا جميعاً فقالوا: «ربُّنا ربُّ السموات والأرض لن ندعو من دونه إلٰهاً لقد قلنا إذاً شَطَطاً». أي لئن دعونا إلٰهاً غيره فقد قلنا إذا جوراً ومحالاً. والمعنى الثالث: أن يعبّر بالقيام عن انبعاثهم بالعزم إلى الهروب إلى الله تعالى ومنابذة الناس؛ كما تقول: قام فلان إلى أمر كذا إذا عزم عليه بغاية الجدّ. الثانية: قال ابن عطية: تعلقت الصوفية في القيام والقول بقوله: «إذ قاموا فقالوا ربنا رب السموات والأرض». قلت: وهذا تعلّق غير صحيح! هؤلاء قاموا فذكروا الله على هدايته، وشكروا لما أولاهم من نعمه ونعمته، ثم هاموا على وجوههم منقطعين إلى ربهم خائفين من قومهم؛ وهذه سنة الله في الرسل والأنبياء والفضلاء الأولياء. أين هذا من ضرب الأرض بالأقدام والرقص بالأكمام! وخاصة في هذه الأزمان عند سماع الأصوات الحسان من المرد والنسوان؛ هيهات! بينهما والله ما بين الأرض والسماء. ثم هذا حرام عند جماعة العلماء، على ما يأتي بيانه في سورة لقمان إن شاء الله تعالى. وقد تقدّم في «سبحان» عند قوله: {أية : وَلاَ تَمْشِ فِي ٱلأَرْضِ مَرَحاً} تفسير : [الإسراء: 37] ما فيه كفاية. وقال الإمام أبو بكر الطَّرسوسيّ وسئل عن مذهب الصوفية فقال: وأما الرقص والتواجد فأوّل من أحدثه أصحاب السامريّ؛ لما اتخذ لهم عجلاً جسداً له خوار قاموا يرقصون حواليه ويتواجدون؛ فهو دين الكفار وعبّاد العجل، على ما يأتي.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَرَبَطْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ } قوّيناها على قول الحق {إِذْ قَامُواْ } بين يدي ملكهم وقد أمرهم بالسجود للأصنام {فَقَالُواْ رَبُّنَا رَبُّ ٱلسَّمَٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ لَن نَّدْعُوَاْ مِن دُونِهِ } أي غيره {إِلٰهاً لَّقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا } أي قولاً ذا شطط: أي إفراط في الكفر إن دعونا إلهاً غير الله فرضاً.
ابن عبد السلام
تفسير : {وَرَبَطْنَا} ثبتنا، أو ألهمناها صبراً {شَطَطاً} غلواً، أو تباعداً.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {وَرَبَطْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ }: عبارة عن شدَّةِ عزمٍ، وقوةِ صبرٍ، ولما كان الفَزَعُ وخَوَرُ النفس يشبه بالتناسُب الانحلالَ، حَسُنَ في شدَّة النفْس، وقوَّة التصميمِ أنْ يُشْبِه الربْطُ، ومِنْه يقالُ: فلانٌ رَابِطُ الجأشَ؛ إِذا كان لا تَفْرَقُ نفسه عند الفَزَعَ والحروبِ وغيرها، ومنْه الربْطُ على قَلْب أمِّ موسى. وقوله تعالى: {إِذَ قَامُواْ } يحتمل أنْ يكون وصف قيامهم بين يَدَيِ الملك الكافِرِ، فإِنَّه مَقَامٌ يحتاج إلى الربْطِ على القَلْب، ويحتمل أن يعبر بالقيام على انبعاثهم بالعَزْمِ على الهُرُوب إلى اللَّه ومنابذة النَّاس؛ كما تقول: قَامَ فُلاَنٌ إِلى أمْرِ كذا؛ إذا اعتزم عليه بغايةِ الجِدِّ، وبهذه الألفاظ التي هي: {قَامُواْ فَقَالُواْ }، تعلَّقتِ الصوفيَّة في القيامِ والقَوْل، «والشَّطَط»: الجَوْر وتعدِّي الحدِّ والحقِّ بِحَسَبِ أَمْرٍ أَمْرٍ و«السلطان»: الحجة، وقال قتادة: المعنى بعذرٍ بيِّن، ثم عظموا جرم الداعين مع اللَّه غيره، وظُلُمَهم بقولهم: {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا }، وقولهم: {وَإِذِ ٱعْتَزَلْتُمُوهُمْ...} الآية: المعنى قال بعضهم لبعضٍ، وبهذا يترجَّح أن قوله تعالى: {إِذْ قَامُواْ فَقَالُواْ } إنما المراد به إِذ عزموا ونَفَذُوا لأمْرهم، وفي مصحف ابن مسعود: «ومَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ»، ومضمَّن هذه الآية الكريمة أن بعضهم قال لبعض: إِذ قد فارَقْنَا الكفَّار، وانفردْنا باللَّه تعالى، فلنجعل الكَهْفَ مأوًى، ونَّتكل على اللَّهِ تعالى، فإنه سيبسُطُ علينا رحمته، وينشرها علينا ويهيِّىءُ لنا من أمرنا مرفقاً، وهذا كله دعاءٌ بحَسَب الدنيا، وهم على ثِقَة من اللَّه في أمر آخرتهم، وقرأ نافع وغيره: «مَرْفِقاً» بفتح الميم وكسر الفاء، وقرأ حمزة وغيره بكسر الميم وفتح الفاء، ويقالان معاً في الأمر، وفي الجارحة، حكاه الزَّجَّاج.
ابو السعود
تفسير : {وَرَبَطْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ} أي قويناها حتى اقتحموا مضايقَ الصبر على هجر الأهلِ والأوطانِ والنعيم والإخوانِ، واجترأوا على الصدْع بالحق من غير خوف، وحذِروا الردَّ على دقيانوسَ الجبار {إِذْ قَامُواْ} منصوبٌ بربطنا والمرادُ بقيامهم انتصابُهم لإظهار شعارِ الدين، قال مجاهد: خرجوا من المدينة فاجتمعوا على غير ميعادٍ، فقال أكبرُهم: إني لأجد في نفسي شيئاً أن ربـي ربُّ السمواتِ والأرض، فقالوا: نحن أيضاً كذلك فقاموا جميعاً {فَقَالُواْ رَبُّنَا رَبُّ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْض} ضمّنوا دعواهم ما يحقق فحواها ويقضي بمقتضاها فإن ربوبـيتَه عز وجل لهما تقتضي ربوبـيتَه لما فيهما أيَّ اقتضاءٍ، وقيل: المراد قيامُهم بـين يدي الجبارِ من غير مبالاةٍ به حين عاتبهم على ترك عبادةِ الأصنام، فحينئذ يكون ما سيأتي من قوله تعالى: {هَـؤُلاء} الخ، منقطعاً عما قبله صادراً عنهم بعد خروجِهم من عنده {لَن نَّدْعُوَاْ} لن نعبدَ أبداً {مِن دُونِهِ إِلـٰهاً} معبوداً آخرَ لا استقلالاً ولا اشتراكاً، والعدولُ عن أن يقال: ربًّا للتنصيص على رد المخالفين حيث كانوا يسمون أصنامَهم آلهةً وللإشعار بأن مدارَ العبادة وصفُ الألوهية وللإيذان بأن ربوبـيتَه تعالى بطريق الألوهيةِ لا بطريق المالكية المجازية {لَّقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا} أي قولاً ذا شططٍ أي تجاوزَ عن الحد أو قولاً هو عينُ الشطط، على أنه وُصفَ بالمصدر مبالغةً ثم اقتُصر على الوصف مبالغةً على مبالغة، وحيث كانت العبادةُ مستلزِمةً للقول لما أنها لا تَعرَى عن الاعتراف بألوهية المعبودِ والتضرّعِ إليه قيل: لقد قلنا، وإذاً جوابٌ وجزاءٌ أي لو دعَونا من دونه إلٰهاً والله لقد قلنا قولاً خارجاً عن حد العقولِ مُفْرِطاً في الظلم. {هَـؤُلاء} هو مبتدأ وفي اسم الإشارةِ تحقيرٌ لهم {قَوْمُنَا} عطفُ بـيانٍ له {ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ ءالِهَةً} خبرُه وفيه معنى الإنكار {لَّوْلاَ يَأْتُونَ} تخصيصٌ فيه معنى الإنكارِ والتعجيزِ أي هلا يأتون {عَلَيْهِمْ} على ألوهيتهم أو على صحة اتخاذِهم لها آلهةً {بِسُلْطَـٰنٍ بَيّنٍ} بحجة ظاهرةِ الدلالةِ على مُدّعاهم وهو تبكيتٌ لهم وإلقامُ حجرٍ {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا} بنسبة الشريكِ إليه تعالى عن ذلك علواً كبـيراً، والمعنى أنه أظلمُ من كل ظالمٍ، وإن كان سبكُ النظمِ على إنكار الأظلميةِ من غير تعرضٍ لإنكار المساواة كما مر تحقيقه في سورة هود.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {وَرَبَطْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُواْ فَقَالُواْ رَبُّنَا رَبُّ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} [الآية: 14]. قال ابن عطاء: وسمنا أسرارهم بسمة الحق، فقاموا بالحق للحق فقالوا: {رَبُّنَا} إظهار إرادة ودعوة ثم قال: {رَبُّ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} رجوعًا من صفاتهم بالكلية إلى صفاته وحقيقة علمه {لَن نَّدْعُوَاْ مِن دُونِهِ إِلـٰهاً} لن نعتمد سواه فى شىء، لو قلنا غير ذلك كان شططًا يعنى بعيدًا من طريق الحق. وقال ابن عطاء: ربطنا على قلوبهم حتى صدقوا العهد والميثاق وأخلينا أسرارهم عمَّا دوننا. وقال جعفر: إذ قاموا، أى: قاموا وأخلصوا فى دعائنا. وقال ابن عطاء: قاموا عَمَّا كان أفقدهم من الاشتغال بالأكوان فقالوا: {رَبُّنَا رَبُّ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} لم ينظروا إلى شىء دوننا ولم يسكنوا إليه. وقال جعفر: قاموا إلى الحق بالحق قيام أدب ونادوه نداء صدق وأظهروا له صحة الفقر، ولجؤوا إليه أحسن لجإٍ وقالوا: ربُّنا رب السماوات والأرض: افتخارًا به وتعظيمًا له، فكافأهم على قيامهم الإجابة على ندائهم بأحسن جواب وألطف خطاب، وأظهر عليهم من الآيات ما يعجب منه الرُّسل حين قال: {لَوِ ٱطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَاراً} [الآية: 18]. وسمعت بعض مشايخنا يستدل بهذه الآية فى حركة الواجدين فى وقت السماع والذكر. إن القلوب إذا كانت مربوطة بالملكوت ومحل القدس حركتها أنوار الأذكار وما يرد عليها من فنون السماع والأصل قوله تعالى: {وَرَبَطْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُواْ}.
اسماعيل حقي
تفسير : {وربطنا على قلوبهم} اى قويناهم حتى اقتحموا مضايق الصبر على هجر الاهل والاوطان والنعيم والاخوان واجترأوا على الصدع بالحق من غير خوف وحذار والرد على دقيانوس الجبار وفى الحديث "حديث : افضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر"تفسير : وذلك لان المجاهد متردد بين رجاء وخوف واما صاحب السلطان فمتعرض للتلف فصار الخوف اغلب. قال فى الاساس ربطت الدابة شددتها برباط والمربط الخيل ومن المجاز ربط الله على قلبه اى صبره ولما كان الخوف والقلق يزعج القلوب عن مقارها قال الله تعالى {أية : بلغت القلوب الحناجر}تفسير : قيل فى مقابلته ربط قلبه اذا تمكن وثبت وهو تمثيل شبه تثبيت القلوب بالصبر بشد الدواب بالرباط {اذ قاموا} منصوب بربطنا والمراد بقيامهم انتصابهم لاظهار شعار الدين وقيل المراد قيامهم بين يدى دقيانوس الجبار من غير مبالاة به حين عاتبهم على ترك عبادة الاصنام فحينئذ يكون ما سيأتى من قوله تعالى {هؤلاء} منقطعا عما قبله صادرا عنهم بعد خروجهم من عنده. وفى التأويلات النجمية{وربطنا على قلوبهم اذ قاموا} يعنى لئلا يلتفتوا الى الدنيا وزخارفها وينقطعوا الى الله بالكلية ولذلك ما اختاروا بعد البعث الحياة فى الدنيا ورغبوا فى ان يرجعوا الى جوار الحق تعالى {فقالوا ربنا رب السموات والارض} رب العالم ومالكه وخالقه والصنم جزؤ من العالم فهو مخلوق لا يصلح للعبادة {لن ندعو} لن نعبد ابدا وبالفارسية [نخواهيم برستيد] {من دونه آلها} معبودا آخر لا استقلالا ولا اشتراكا والعدول عن ان يقال ربا للتنصيص على رد المخالفين حيث كانوا يسمون اصنامهم آلهة {لقد قلنا اذا} [آن هنكام كه ديكرى را برستيم] {شططا} قولا ذا شطط اى تجاوز عن الحد فهو نعت لمصدر محذوف بتقدير المضاف او قولا هو عين الشطط على انه وصف بالمصدر مبالغة. قال فى القاموس شط فى سلعته شططا محركة جاوز القدر والحد وتباعد عن الحق انتهى. وحيث كانت العبادة مستلزمة للقول لما انها لا تعرى عن الاعتراف بالوهية المعبود والتضرع اليه قيل لقد قلنا واذا جواب وجزاء اى لو دعونا من دونه آلها والله لقد قلنا قولا خارجا عن حد العقول مفرطا فى الظلم {هؤلاء} مبتدأ وفى التعبير باسم اشارة تحقير لهم {قومنا} عطف بيان له. يعنى [اين كروه كه كسان ما اند درنسب يعنى جمعى از اهل افسوس]. وقال فى التأويلات النجمية انما قالوا {قومنا} اى كنا من جملتهم وبالضالة فى زمرتهم فانعم الله علينا بالهداية والمعرفة وفرق بيننا وبينهم بالرعاية والعناية وخلصنا من عبادة الهوى والدنيا وشهواتها {اتخذوا من دونه آلهة} خبره وهو اخبار فى معنى الانكار اى عبدوا الاصنام وجعلوها آلهة جهلا منهم. قال ابو حيان اتخذوا هنا يحتمل ان يكون بمعنى عملوا لانها اصنام هم نحتوها وان يكون بمعنى صيروا. وفى المثنوى شعر : بيش جوب وبيش سنك نقشى كنند اى بسا كولان كه سر هامى نهند ديو الحاح غوايت ميكند شيخ الحاح هدايت ميكند تفسير : {لولا يأتون} هلا يأتون. وبالفارسية [جرانمى آرندكه كافران] {عليهم} على الوهيتهم {بسلطان بين} بحجة ظاهرة الدلالة على مدعاهم يعنى يعبدون الهة لم يتمسكوا فى صحة عبادتها ببرهان سماوى من جهة الوحى والسمع ولا لهم فيها علم ضرورى ولا دليل عقلى. وفيه دليل على ان ما لا دليل عليه من الديانات مردود والآية انكار وتعجيز وتبكيت لان الاتيان بالسطان على عبادة الاوثان محال {فمن اظلم}[بس كيست سمتكارتر] {ممن افترى على الله كذبا} بنسبة الشريك اليه تعالى عن ذلك علوا كبيرا. والمعنى انه اظلم من كل ظالم وعذابه اعظم من كل عذاب لان الظلم موجب للعذاب فيكون الاعظم للاظلم.
الجنابذي
تفسير : {وَرَبَطْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ} الحبّ فجذبهم الينا او اوقعنا الرّبط على قلوبهم بمعنى جعلناهم متحابّين مربوطاً قلب بعضهم على بعضٍ وذلك بعد معرفة كلّ حال الآخرين واتّحادهم فى الدّين {إِذْ قَامُواْ} عن القعود مع المشركين واظهار الاشراك للفرار عنهم {فَقَالُواْ رَبُّنَا رَبُّ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ لَن نَّدْعُوَاْ مِن دُونِهِ إِلـٰهاً} لا باطناً ولا ظاهراً {لَّقَدْ قُلْنَا إِذاً شَطَطاً} قولاً ذا شططٍ ذا بعد او ميلٍ عن الحقّ قالوا ذلك فيما بينهم بعد التّلاقى فى خارج البلد، او فى انفسهم قبل الخروج والتّلاقى.
اطفيش
تفسير : {وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ} قوينا قلوبهم بالإيمان والتثبيت والصبر على مفارقة الوطن والأهل والمال والعيش الأنعَم وعلى إظهار الحق والرد على ملكهم دقيانوس من شد الوَثاق على فم قربة أو غيرها. {إذْ قَامُوا} بين يدى ملكهم دقيانوس ويقال دقيوس وهو مشرك جبار عات عاتبهم على ترك عبادة الأصنام وأمرهم بالسجود لها. {فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمٰواتِ وَالأَرْضِ} أى لا أنت. {لَنْ نَدْعُوَا} لن نعبد أو نطلب فى كشف الملمات أو جلب الحاجات. {مِنْ دُونِهِ} أى غيره. {إِلهاً} كما تحب وتفعل أنت وقومك عبادة غير الله وطلبه فى الدفع والجلب. {لَقَدْ قُلْنَا إذاً} أى إن دعونا إلها من دون رب السماوات والأرض. {شَطَطاً} أى قولا هو فى نفسه أبعد عن الحق والصواب وهو فى نفسه الإفراط فى ظلم أنفسنا وفى نقص من حق رب السماوات والأرض تعالى وتقدس عن كل نقص فشططا مصدر نعت به قول محذوف مبالغة أى قولا شططا وذلك مبالغة ولك تقدير مضاف أى قولا ذا شطط والتأويل بالوصف أى قولا شاطا.
اطفيش
تفسير : {وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا} شددنا الإيمان على قلوبهم، كما يربط شئ على آخر، فاختاروه على الوطن والأهل، والمال والأصحاب، وعِشرة الملك، حتى إنهم قاموا بين يدى الملك دقيانوس الرومى فى بلدتهم، وهى أفسوس، وقيل طرسوس، وقيل: بلدة واحدة أفسوس، والعرب تسميها طرسوس، وأمرهم بالسجود له أو للصنم، وكان يقتل المسلمين، ويعلق لحومهم على سور البلد، وأظهروا الحق بين يديه، ولم يخافوه لجرأة قلوبهم، لربط الله عليها، فلا يخرج منها الإيمان. والربط مستعار للشد، والتثبيت تصريحية أو مكنية تخييلية. وكانوا قعوداً فقاموا لإظهار الدين، وقيل: القيام التثبيت، وقيل: الاجتهاد فى دعاء الناس إلى الإسلام. {فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَا مِنْ دُونِهِ إلهًا} لن نعبد غير الله وحده، ولا مع الله، وكان دقيانوس يدعوهم وغيرهم إِلى أن يعبدوه، وقيل: يدعو إِلى عبادة صنم له كان يعبده، ويذبح له، ويأمر الناس بالذبح له وعبادته، فخيَّرهم بين أن يكونوا كالناس فى ذلك، وبين أن يقتلهم فقال أكبرهم: لنا إله يملك السماوات والأرض، وكل شئ، فاصنع ما بدا لك، فأمر بنزع لباسهم وما عليهم من السوار والطوق، وكانوا من أهل الملك والشرف معه، وقال: أخرتكم لعلكم تتفكرون، لأنكم شباب، وسافر على نينَوَى. فخافوا قهره إِذا رجع، فكانوا يرسلون تمليخا بالمثناة الفوقية، وقيل: التحتية من الكهف، يشترى لهم الطعام بعد انقضاء زادهم مستخفيًا، فبينما هو فىالمدينة، سمع برجوعه، أتاهم بطعام، وأخبرهم عند الغروب، وزادوا تضرعًا وذكر ا لله عز وجل على ما هم عليه، فقال لهم: يا إخوتاه كلوا وتوكلوا على ربكم، وتكلموا وتواصوا، وأنامهم الله، وأنام كلبهم، فلما رجع فتش عليهم فوجدهم وعيونهم شديدة النظر فقال: إن ربهم الذى هربوا إليه يعذبهم فسد عليهم باب الكهف ليموتوا جوعا إشارة بعض من معه أنك إن قدرت عليهم قتلتهم، فالبناء عليهم قتل لهم، ولا يدرى أنهم نوَّم، وقيل: موتى. وقيل: هم عظماء المدينة، اجتمعوا خارجها بلا ميعاد، وكل يخفى حاله عن الآخر، فقال أكبرهم: فى قلبى أن ربى رب السموات والأرض، فقالوا كذلك نجد فى قلوبنا، فقالوا جميعًا {ربنا رب السماوات والأرض، لن ندعوَ من دونه إِلهٰاً} وقيل: جاء حوارى إلى بلدهم فقيل له: لا تدخل إِلا إن سجدت للصنم عند الباب، فلم يدخل، ودخل حماما عند الباب، واستجاره الحمامى، ورأى منه بركة، وشرط الحوارى أن الليل لى، ولا تمنعنى من الصلاة، فكان يعلم الأولاد توحيد الله، فاجتمع له عدد، ودل ابن الملك الحمام مع أجنبية جميلة، فوعظه، فاستحيا ليلاً، وعاد ليلاً آخر، فزجره فلم ينزجر، فدخل وبات معها فى الحمام، فماتا فقيل: إنه قتلهما، فخاف فهرب بالأولاد، وهم أصحاب الكهف. {لَقَدْ قُلْنَا إِذَاً} إِذ عبدنا غير الله، وقلنا: إنه الله بعد البيان، أو إِذ فعلنا ذلك فيما مضى {شَطَطًا} قولا ذا شطط، أى بعد عن الحق مفرط فى الظلم والكذب والجور.
الالوسي
تفسير : {وَرَبَطْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ} قويناها بالصبر فلم تزحزحها عواصف فراق الأوطان وترك الأهل والنعيم والإخوان ولم يزعجها الخوف من ملكهم الجبار ولم يرعها كثرة الكفار. وأصل الربط الشد المعروف واستعماله فيما ذكر مجاز كما قال غير واحد. وفي «الأساس» ((ربطت الدابة شددتها برباط والمِربط الحبل، ... ومن المجاز ربط الله تعالى على قلبه صبره و[رجل] رابط الجاش)). وفي «الكشف» لما كان الخوف والتعلق يزعج القلوب عن مقارها ألا ترى إلى قوله تعالى {أية : وَبَلَغَتِ ٱلْقُلُوبُ ٱلْحَنَاجِرَ } تفسير : [الأحزاب: 10] قيل في مقابله ربط قلبه إذا تمكن وثبت وهو تمثيل. وجوز بعضهم أن يكون في الكلام استعارة مكنية تخييلية. وعدي الفعل بعلى وهو متعد بنفسه لتنزيله منزلة اللازم كقوله: يجرح في عراقيبها نصلي. {إِذْ قَامُواْ} متعلق بربطنا، والمراد بقيامهم انبعاثهم بالعزم على التوجه إلى الله تعالى ومنابذة الناس كما في قولهم: قام فلان إلى كذا إذا عزم عليه بغاية الجد، وقريب منه ما قيل المراد به انتصابهم لإظهار الدين. أخرج ابن المنذر وابن أبـي حاتم أنهم خرجوا من المدينة فاجتمعوا وراءها على غير ميعاد فقال رجل منهم هو أشبههم إني لأجد في نفسي شيئاً ما أظن أحداً يجده قالوا: ما تجد؟ قال: أجد في نفسي أن ربـي رب السمٰوات والأرض فقالوا أيضاً: نحن كذلك فقاموا جميعاً {فَقَالُواْ رَبُّنَا رَبُّ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ} وقد تقدم آنفاً عن ابن عباس القول باجتماعهم على غير ميعاد أيضاً إلا أنه قال: إن بعضهم أخفى حاله عن بعض حتى تعاهدوا فاجتمعوا على كلمة فقالوا ذلك. وقال صاحب «الغنيان» المراد به وقوفهم بين يدي الجبار دقيانوس، وذلك أنهم قاموا بين يديه حين دعاهم إلى عبادة الأوثان فهددهم بما هددهم فبينما هم بين يديه تحركت هرة وقيل فارة ففزع الجبار منها فنظر بعضهم إلى بعض فلم يتمالكوا أن قالوا ذلك غير مكترثين به. وقيل المراد قيامهم لدعوة الناس سراً إلى الإيمان. وقال عطاء: المراد قيامهم من النوم وليس بشيء، ومثله ما قيل إن المراد قيامهم على الإيمان، وما أحسن ما قالوا فإن ربوبيته تعالى للسمٰوات والأرض تقتضي ربوبيته لما فيهما وهم من جملته أي اقتضاء، وأردفوا دعواهم تلك بالبراءة من إلٰه غيره عز وجل فقالوا: {لَن نَّدْعُوَاْ مِن دُونِهِ إِلـٰهاً} وجاؤا بلن لأن النفي بها أبلغ من النفي بغيرها حتى قيل إنه يفيد استغراق الزمان فكيون المعنى لا نعبد أبداً من دونه إلٰهاً أي معبوداً آخر لا استقلالاً ولا اشتراكاً. قيل وعدلوا عن قولهم رباً إلى قولهم {إِلَـٰهاً} للتنصيص على رد المخالفين حيث كانوا يسمون أصنامهم آلهة، وللإشعار بأن مدار العبادة وصف الألوهية، وللإيذان بأن ربوبيته تعالى بطريق الألوهية / لا بطريق المالكية المجازية. وقد يقال: إنهم أشاروا بالجملة الأولى إلى توحيد الربوبية، وبالجملة الثانية إلى توحيد الألوهية وهما أمران متغايران وعبدة الأوثان لا يقولون بهذا ويقولون بالأول {أية : وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ } تفسير : [لقمان: 25] وحكى سبحانه عنهم أنهم يقولون: {أية : مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرّبُونَا إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَى} تفسير : [الزمر: 3] وصح أنهم يقولون أيضاً: لبيك لا شريك لك إلا شريكاً هو لك تملكه وما ملك. وجاؤا بالجملة الأولى مع أن ظاهر القصة كونهم بصدد ما تشير إليه الجملة الثانية من توحيد الألوهية لأن الظاهر أن قومهم إنما أشركوا فيها وهم إنما دعوا لذلك الإشراك دلالة على كمال الإيمان، وابتدأوا بما يشير إلى توحيد الربوبية لأنه أول مراتب التوحيد، والتوحيد الذي أقرت به الأرواح في عالم الذر يوم قال لها سبحانه: {أية : أَلَسْتَ بِرَبّكُمْ} تفسير : [الأعراف: 172] وفي ذكر ذلك أولاً وذكر الآخر بعده تدرج في المخالفة فإن توحيد الربوبية يشير إلى توحيد الألوهية بناء على أن اختصاص الربوبية به عز وجل علة لاختصاص الألوهية واستحقاق المعبودية به سبحانه وتعالى، وقد ألزم جل وعلا الوثنية القائلين باختصاص الربوبية بذلك في غير موضع، ولكون الجملة الأولى لكونها مشيرة إلى توحيد الربوبية مشيرة إلى توحيد الألوهية قيل إن في الجملة الثانية تأكيداً لها فتأمل، ولا تعجل بالاعتراض. والجار والمجرور متعلق بمحذوف وقع حالاً من النكرة بعده، ولو أخر لكان صفة أي لن ندعوا إلٰهاً كائناً من دونه تعالى. {لَّقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا} أي قولاً ذا شطط أي بعد عن الحق مفرط أو قولاً هو عين الشطط والبعد المفرط عن الحق على أنه وصف بالمصدر مبالغة ثم اقتصر على الوصف مبالغة على مبالغة. وجوز أبو البقاء كون {شَطَطًا} مفعولاً به لقلنا. وفسره قتادة بالكذب، وابن زيد بالخطأ، والسدي بالجور، والكل تفسير باللازم، وأصل معناه ما أشرنا إليه لأنه من شط إذا أفرط في البعد، وأنشدوا:شعر : شط المراد بحزوى وانتهى الأمل تفسير : وفي الكلام قسم مقدر واللام واقعة في جوابه. و{إِذَاً} حرف جواب وجزاء فتدل على شرط مقدر أي لو دعونا وعبدنا من دونه إلٰهاً والله لقد قلنا الخ. واستلزام العبادة القول لما أنها لا تعرى عن الاعتراف بألوهية المعبود والتضرع إليه. وفي هذا القول دلالة على أن الفتية دعوا لعبادة الأصنام وليموا على تركها، وهذا أوفق بكون قيامهم بين يدي الملك.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {وَرَبَطْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُواْ}. أي ثبتنا قلوبهم وقويناها على الصبر، حتى لا يجزعوا ولا يخافوا من أن يصدعوا بالحق، ويصبروا على فراق الأهل والنعيم، والفرار بالدين في غار في جبل لا أنيس به، ولا ماء ولا طعام. ويفهم من هذه الآية الكريمة: أن من كان في طاعة ربه جل وعلا أنه تعالى يقوي قلبه، ويثبته على تحمل الشدائد، والصبر الجميل. وقد أشار تعالى إلى وقائع من هذا المعنى في مواضع أخر، كقوله في أهل بدر مخاطباً نبيه صلى الله عليه وسلم وأصحابه: {أية : إِذْ يُغَشِّيكُمُ ٱلنُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن ٱلسَّمَآءِ مَآءً لِّيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ ٱلشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَىٰ قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ ٱلأَقْدَامَ إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى ٱلْمَلاۤئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُواْ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ}تفسير : [الأنفال: 11-12]، الآية، وكقوله في أم موسى: {أية : وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَىٰ فَارِغاً إِن كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلاۤ أَن رَّبَطْنَا عَلَىٰ قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ}تفسير : [القصص: 10]. وأكثر المفسرين على أن قوله {إِذْ قَامُواْ} أي بين يدي ملك بلادهم، وهو ملك جبار يدعو إلى عبادة الأوثان، يزعمون أن اسمه: دقيانوس. وقصتهم مذكورة في جميع كتب التفسير، أعرضنا عنها لأنها إسرائيليات. وفي قيامهم المذكور هنا أقوال أخر كثيرة. والعامل في قوله "إذ" هو "ربطنا"، على قلوبهم حين قاموا. قوله تعالى: {فَقَالُواْ رَبُّنَا رَبُّ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ لَن نَّدْعُوَاْ مِن دُونِهِ إِلـٰهاً لَّقَدْ قُلْنَا إِذاً شَطَطاً}. ذكر جل وعلا هذه الآية الكريمة: أن هؤلاء الفتية الذين آمنوا بربهم فزادهم ربهم هدى قالوا إن ربهم هو رب السموات والأرض، وأنهم لن يدعوا من دونه إلهاً، وأنهم لو فعلوا ذلك قالوا شططاً. أي قولاً ذا شطط. أو هو من النعت بالمصدر للمبالغة. كأن قولهم هو نفس الشطط. والشطط: البعد عن الحق والصواب. وإليه ترجع أقوال المفسرين، كقول بعضهم "شططا": جواراً، تعدياً، كذباً، خطاً، إلى غير ذلك من الأقوال. وأصل مادة الشطط: مجاوزة الحد، ومنه أشط في السوم: إذا جاوز الحد. ومنه قوله تعالى: {أية : وَلاَ تُشْطِطْ}تفسير : [ص: 22] الآية. أو البعد، ومنه قول عمر بن أبي ربيعة. شعر : تشط غداً دار جيراننا وللدار بعد غد أبعد تفسير : ويكثر استعمال الشطط في الجور والتعدي، ومنه قول الأعشى: شعر : أتنتهون ولن ينهى ذوي شطط كالطعن يذهب فيه الزيت والفتل تفسير : وهذه الآية الكريمة تدل دلالة واضحة على أن من أشرك مع خالق السموات والأرض معبوداً آخر فقد جاء بأمر شطط بعيد عن الحق والصواب في غاية الجور والتعدي. لأن الذي يستحق العبادة هو الذي يبرز الخلائق من العدم إلى الوجود، لأن الذي لا يقدر على خلق غيره مخلوق يحتاج إلى خالق يخلقه ويرزقه. ويدبر شؤونه. وهذا المعنى الذي دلت عليه هذه الآية الكريمة جاء مبيناً في آيات أخر كثيرة، كقوله: {أية : يَاأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱعْبُدُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ فِرَاشاً وَٱلسَّمَاءَ بِنَآءً وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ ٱلثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ فَلاَ تَجْعَلُواْ للَّهِ أَندَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ}تفسير : [البقرة: 21-22]، وقوله تعالى: {أية : أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ}تفسير : [النحل: 17]، وقوله تعالى: {أية : أَمْ جَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَآءَ خَلَقُواْ كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ ٱلْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ ٱللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ ٱلْوَاحِدُ ٱلْقَهَّارُ}تفسير : [الرعد: 16] أي الواحد القهار الذي هو خالق كل شيء هو المستحق للعبادة وحده جل وعلا. وقوله جل وعلا: {أية : أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ}تفسير : [الأعراف: 191]، وقوله تعالى: {أية : وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ آلِهَةً لاَّ يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ}تفسير : [الفرقان: 3] الآية، إلى غير ذلك من الآيات. وقوله جل وعلا في هذه الآية الكريمة: {لَّقَدْ قُلْنَا إِذاً شَطَطاً} أي إذا دعونا من دونه إلهاً - فقد قلنا شططا.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلسَّمَاوَاتِ} {نَّدْعُوَاْ} (14) - وَيُقَالُ إِنَّ هؤُلاءِ الفِتْيَةَ نَظَرُوا إِلَى مَا يَعْبُدُهُ قَوْمُهُمْ مِنْ أَصْنَامٍ وَأَوْثَانٍ فَنَفَرُوا مِنْها، فَاتَّخَذُوا لأَِنْفُسِهِمْ مَكَاناً يَتَعَبَّدُونَ اللهَ فِيهِ، فَعَلِمَ بِهِمْ قَوْمُهُمْ، فَرَفَعُوا أَمْرَهُمْ إِلى المَلِكِ، وَكَانَ مَلِكاً جَبَّاراً عَنِيداً، فَاسْتَحْضَرَهُمْ وَسَأَلَهُمْ عَنْ حَالِهِمْ، وَمَا يَعْبُدُونَ، فَأَلْهَمَهُمُ اللهُ قُوَّةَ العَزِيمَةِ، وَشَدَّدَ قُلُوبَهُمْ بِنُورِ الإِيمَانِ، فَقَامُوا بَيْنَ يَدَيِ المَلِكِ، فَاعْتَرَفُوا لَهُ بِنُفُورِهِمْ مِنْ عِبَادَةِ الأَصْنَامِ وَالأَوْثَانِ، وَبِأَنَّهُمْ يَعْبُدُونَ اللهَ وَحْدَهُ الذِي خَلَقَ كُلَّ شَيءٍ. ثُمَّ دَعَوْهُ إِلى عِبَادَةِ اللهِ وَحْدَهُ، فَذلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى {وَرَبَطْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ}. وَلَمَّا أَرَادَ المَلِكُ أَنْ يُقْنِعَهُمْ بِالعَوْدَةِ إِلى دِينِ قَوْمِهِمْ قَالُوا لَهُ: إِنَّ دِينَهُمْ هُوَ الدِّينُ الصَّحِيحُ الحَقُّ، وَلَنْ يَرْجِعُوا إِلى عِبَادَةِ الأَصْنَامِ أَبَداً، لأَِنَّهُمْ لَوْ فَعَلُوا ذلِكَ لَكَانَ ذلِكَ مِنْهُمْ بُهْتَاناً وَبَاطِلاً (لَقَدْ قُلْنَا إِذاً شَطَطاً). رَبَطْنَا - شَدَدْنَا وَقَوَّيْنَا بِالصَّبْرِ. شَطَطاً - قَوْلاً مُفْرِطاً فِي البُعْدِ عَنِ الحَقِّ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : والربط يعني أن تربط على الشيء وتشدّ عليه لتحفظ ما فيه، كما تربط القِرْبة حتى لا يسيل منها الماء، وتربط الدابة حتى لا تنفلت، وقد وردتْ مادة (ربط) في القرآن كثيراً، منها قوله تعالى في قصة أم موسى: {أية : وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَىٰ فَارِغاً إِن كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلاۤ أَن رَّبَطْنَا عَلَىٰ قَلْبِهَا ..}تفسير : [القصص: 10]. أي: ربط على ما في قلبها من الإيمان بالله الذي أوحى إليها أن تُلْقِيَ بولدها في الماء، ولولا أنْ ربط الله على قلبها وثبّتها لانطلقتْ خلف ولدها تصرخ وتنتحب وتُلفِت إليه الأنظار: {أية : كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلاۤ ..}تفسير : [القصص: 10]. أي: تكشف عن الخُطّة التي أمرها الله بها لنجاة موسى عليه السلام، وهكذا اطمأن قلب أم موسى، وأصبح فؤادها فارغاً - أي: من الانفعالات الضارة، ومعلوم أن القلب هو محلُّ الانفعالات، بدليل ما يحدث فيه من اضطراب وزيادة ضربات وتدفُّق للدم عند الغضب مثلاً. ولا يُسمَّى القلب فؤاداً إلا إذا توقّد بالمشاعر وتحرك بها، وربط الله على قلب أم موسى أحدث لها ضَبْطاً للشعور يحكم تصرفاتها فتأتي سليمة مُتمشّية مع الخطة المرادة. ومن هنا نأمر الغاضب الذي تغلي الدماء في عروقه بالهدوء وضبط النفس؛ لأن الهدوء سيعينه على الحق، ويُلجم جماح غضبه الذي لا تُحمد عُقباه، ألا ترى التوجيه النبوي في حال الغضب؟ إنه ينصح بتغيير الوضع الذي أنت عليه؛ لأن هذه العملية تحدث لديك نزوعية، تصرف عنك الغضب. وفي آية أخرى يقول الحق سبحانه وتعالى: {أية : وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَآءٌ}تفسير : [إبراهيم: 43] أي: فارغة خالية ليس فيها شيء؛ لأن الشيء إذا فَرَّغته من مُحتواه امتلأ بالهواء. وهنا يقول الحق سبحانه في أهل الكهف: {وَرَبَطْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ ..} [الكهف: 14] لتظل بداخلها العقيدة والإيمان بالله لا تتزعزع ولا تُخرِجها الأحداث والشدائد، وهذا من زيادة الهدى الذي أَخبرتْ به الآية السابقة. وقوله تعالى: {إِذْ قَامُواْ فَقَالُواْ رَبُّنَا رَبُّ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ ..} [الكهف: 14]. قاموا: القيام هنا دليل على مواجهتهم للباطل ووقوفهم في وجهه، وأن الباطل أفزعهم فهُّبوا للتصدِّي له بقولهم: {رَبُّنَا رَبُّ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ ..} [الكهف: 14] ولا بُدَّ أنهم سمعوا كلاماً يناقض قولهم، وتعرّضوا في دعوتهم للحرب والاضطهاد، فالآية تعطي صورة لفريقين: فريق الكفر الذي ينكر وجود الله أو يشرك به، وفريق الإيمان الذي يُعلنها مُدوّية: {رَبُّنَا رَبُّ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ ..} [الكهف: 14]. وإنْ كان فريق الكفر يدعو إلى عبادة آلهة من دون الله فإن فريق الإيمان يقول: {لَن نَّدْعُوَاْ مِن دُونِهِ إِلـٰهاً} [الكهف: 14] فإن ادّعَيْنَا إلهاً من دون الله {لَّقَدْ قُلْنَا إِذاً شَطَطاً} [الكهف: 14] أي: فقد تجاوزنا الحدّ، وبَعُدْنا عن الصواب. ثم يقول الحق سبحانه: {هَـٰؤُلاۤءِ قَوْمُنَا ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ ءَالِهَةً ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {وَرَبَطْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ} معناه أَلْهمنَاهُم الصَّبرَ. تفسير : وقوله تعالى: {لَّقَدْ قُلْنَا إِذاً شَطَطاً} معناهُ جَورٌ.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):