١٨ - ٱلْكَهْف
18 - Al-Kahf (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
16
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن المراد أنه قال بعضهم لبعض: {وَإِذَا ٱعْتَزَلْتُمُوهُمْ } واعتزلتم الشيء الذي يعبدونه إلا الله فإنكم لم تعتزلوا عبادة الله: {فَأْوُواْ إِلَى ٱلْكَهْفِ } قال الفراء هو جواب إذ كما تقول إذ فعلت كذا فافعل كذا، ومعناه: إذهبوا إليه واجعلوه مأواكم: {يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مّن رَّحْمَتِهِ } أي يبسطها عليكم: {وَيُهَيّىء لَكُمْ مّنْ أَمْرِكُمْ مّرْفَقًا } قرأ نافع وابن عامر وعاصم في رواية مرفقاً بفتح الميم وكسر الفاء والباقون مرفقاً بكسر الميم وفتح الفاء، قال الفراء: وهما لغتان واشتقاقهما من الارتفاق، وكان الكسائي ينكر في مرفق الإنسان الذي في اليد إلا كسر الميم وفتح الفاء، والفراء يجيزه في الأمر وفي اليد وقيل هما لغتان إلا أن الفتح أقيس والكسر أكثر وقيل المرفق ما ارتفقت به، والمرفق بالفتح المرافق ثم قال تعالى: {وَتَرَى ٱلشَّمْسَ إِذَا طَلَعَت تَّزَاوَرُ عَن كَهْفِهِمْ ذَاتَ ٱلْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَت تَّقْرِضُهُمْ ذَاتَ ٱلشّمَالِ } وفيه مباحث: البحث الأول: قرأ ابن عامر تَزْوَرُّ ساكنة الزاي المعجمة مشددة الراء مثل تحمر، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي تزاور بالألف والتخفيف والباقون تزاور بالتشديد والألف والكل بمعنى واحد، والتزاور هو الميل والانحراف، ومنه زاره إذا مال إليه والزور الميل عن الصدق، وأما التشديد فأصله تتزاور سكنت التاء الثانية وأدغمت في الزاي، وأما التخفيف فهو تفاعل من الزور وأما تزور فهو من الازورار. البحث الثاني: قوله: {وَتَرَى ٱلشَّمْسَ } أي أنت أيها المخاطب ترى الشمس عند طلوعها تميل عن كهفهم وليس المراد أن من خوطب بهذا يرى هذا المعنى ولكن العادة في المخاطبة تكون على هذا النحو، ومعناه أنك لو رأيته على هذه الصورة. البحث الثالث: قوله: {ذَاتَ ٱلْيَمِينِ } أي جهة اليمين وأصله أن ذات صفة أقيمت مقام الموصوف لأنها تأنيث ذو في قولهم رجل ذو مال، وامرأة ذات مال، والتقدير كأنه قيل تزاور عن كهفهم جهة ذات اليمين، وأما قوله: {وَإِذَا غَرَبَت تَّقْرِضُهُمْ ذَاتَ ٱلشّمَالِ } ففيه بحثان: البحث الأول: قال الكسائي قرضت المكان أي عدلت عنه وقال أبو عبيدة القرض في أشياء فمنها القطع، وكذلك السير في البلاد أي إذا قطعها. تقول لصاحبك هل وردت مكان كذا فيقول المجيب إنما قرضته فقوله: {تَّقْرِضُهُمْ ذَاتَ ٱلشّمَالِ } أي تعدل عن سمت رؤوسهم إلى جهة الشمال. البحث الثاني: للمفسرين ههنا قولان: القول الأول: أن باب ذلك الكهف كان مفتوحاً إلى جانب الشمال فإذا طلعت الشمس كانت على يمين الكهف وإذا غربت كانت على شماله فضوء الشمس ما كان يصل إلى داخل الكهف، وكان الهواء الطيب والنسيم الموافق يصل، والمقصود أن الله تعالى صان أصحاب الكهف من أن يقع عليهم ضوء الشمس وإلا لفسدت أجسامهم فهي مصونة عن العفونة والفساد. والقول الثاني: أنه ليس المراد ذلك، وإنما المراد أن الشمس إذا طلعت منع الله ضوء الشمس من الوقوع. وكذا القول حال غروبها، وكان ذلك فعلاً خارقاً للعادة وكرامة عظيمة خص الله بها أصحاب الكهف، وهذا قول الزجاج واحتج على صحته بقوله: {ذٰلِكَ مِنْ آيَـٰتِ ٱللَّهِ } قال ولو كان الأمر كما ذكره أصحاب القول الأول لكان ذلك أمراً معتاداً مألوفاً فلم يكن ذلك من آيات الله، وأما إذا حملنا الآية على هذا الوجه الثاني كان ذلك كرامة عجيبة فكانت من آيات الله، واعلم أنه تعالى أخبر بعد ذلك أنهم كانوا في متسع من الكهف ينالهم فيه برد الريح ونسيم الهواء، قال: {وَهُمْ فِى فَجْوَةٍ مّنْهُ } أي من الكهف، والفجوة متسع في مكان، قال أبو عبيدة وجمعها فجوات، ومنه الحديث: «حديث : فإذا وجد فجوة نص» تفسير : ثم قال تعالى: {ذٰلِكَ مِنْ آيَـٰتِ ٱللَّهِ } وفيه قولان الذين قالوا إنه يمنع وصول ضوء الشمس بقدرته قالوا المراد من قوله ذلك أي ذلك التزاور والميل، والذين لم يقولوا به قالوا المراد بقوله ذلك أي ذلك الحفظ الذي حفظهم الله في الغار تلك المدة الطويلة، من آيات الله الدالة على عجائب قدرته وبدائع حكمته، ثم بين تعالى أنه كما أن بقاءهم هذه المدة الطويلة مصوناً عن الموت والهلاك من تدبيراته ولطفه وكرمه، فكذلك رجوعهم أولاً عن الكفر ورغبتهم في الإيمان كان بإعانة الله ولطفه فقال: {مَن يَهْدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلْمُهْتَدِ } مثل أصحاب الكهف: {وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيّا مُّرْشِدًا } كدقيانوس الكافر وأصحابه، ومناظرات أهل الجبر والقدر في هذه الآية معلومة.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَإِذِ ٱعْتَزَلْتُمُوهُمْ} قيل: هو من قول الله لهم. أي وإذا اعتزلتموهم فأووا إلى الكهف. وقيل: هو من قول رئيسهم يمليخا؛ فيما ذكر ابن عطية. وقال الغزنويّ: رئيسهم مكسلمينا، قال لهم ذلك؛ أي إذ اعتزلتموهم واعتزلتم ما يعبدون. ثم استثنى وقال «إلا الله» أي إنكم لم تتركوا عبادته؛ فهو استثناء منقطع. قال ابن عطية: وهذا على تقدير إن الذين فرّ أهل الكهف منهم لا يعرفون الله، ولا علم لهم به، وإنما يعتقدون الأصنام في ألوهيتهم فقط. وإن فرضنا أنهم يعرفون الله كما كانت العرب تفعل لكنهم يشركون أصنامهم معه في العبادة فالاستثناء متصل؛ لأن الاعتزال وقع في كل ما يعبد الكفار إلا في جهة الله. وفي مصحف عبد الله بن مسعود «وما يعبدون من دون الله». قال قتادة هذا تفسيرها. قلت: ويدل على هذا ما ذكره أبو نعيم الحافظ عن عطاء الخراسانيّ في قوله تعالى «وإذا اعتزلتموهم وما يعبدون إلا الله» قال: كان فتية من قوم يعبدون الله ويعبدون معه آلهة فاعتزلت الفتية عبادة تلك الآلهة ولم تعتزل عبادة الله. ابن عطية: فعلى ما قال قتادة تكون «إلاّ» بمنزلة غير، و «ما» من قوله «وما يعبدون إلا الله» في موضع نصب، عطفا على الضمير في قوله «اعتزلتموهم». ومضمَّن هذه الآية أن بعضهم قال لبعض: إذا فارقنا الكفار وانفردنا بالله تعالى فلنجعل الكهف مأوًى ونتكل على الله؛ فإنه سيبسط لنا رحمته، وينشرها علينا، ويهيّىء لنا من أمرنا مرفقاً. وهذا كله دعاء بحسب الدنيا، وعلى ثقة كانوا من الله في أمر آخرتهم. وقال أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين رضي الله عنه: كان أصحاب الكهف صياقلة، واسم الكهف حيوم. {مِّرْفَقاً} قرىء بكسر الميم وفتحها، وهو ما يرتفق به. وكذلك مِرْفق الإنسان ومَرْفقه؛ ومنهم من يجعل «المرفق» بفتح الميم وكسر الفاء من الأمر، والمرفق من الإنسان، وقد قيل: المرفق بفتح الميم الموضع كالمسجد، وهما لغتان.
المحلي و السيوطي
تفسير : قال بعض الفتية لبعض: {وَإِذِ ٱعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إَلاَّ ٱللَّهَ فَأْوُواْ إِلَى ٱلْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مّن رَّحْمَتِهِ وَيُهَيّىءْ لَكُمْ مّنْ أَمْرِكُمْ مِّرْفَقًا } بكسر الميم وفتح الفاء وبالعكس ما ترتفقون به من غداء وعشاء.
ابن عبد السلام
تفسير : {مِّرْفَقاً} سعة، أو معاشاً، بكسر الميم إذا وصل إليك من غيرك، وبفتحها، إذا وصلته إلى غيرك.
البقاعي
تفسير : ولما استدلوا على معتقدهم، وعلموا سفه من خالفهم، وهم قوم لا يدان لهم بمقاومتهم، لكثرتهم وقلتهم، تسبب عن ذلك هجرتهم ليسلم لهم دينهم، فقال تعالى شارحاً لما بقي من أمرهم، عاطفاً على ما تقديره: وقالوا أو من شاء الله منهم حين خلصوا من قومهم نجياً: لا ترجعوا إلى قومكم أبداً ما داموا على ما هم عليه، هذا إن كان المراد قيامهم بين يدي دقيانوس، وإن كان المراد من القيام الانبعاث بالعزم الصادق لم يحتج إلى هذا التقدير: {وإذ} أي حين {اعتزلتموهم} أي قومكم {وما} أي واعتزلتم ما {يعبدون إلا الله} أي الذي له صفات الكمال، وهذا دليل على أنهم كانوا يشركون، ويجوز أن يكونوا سموا الانقياد كرهاً لمشيئته والخضوع بزعمهم لاقضيته عبادة {فأوا} أي بسبب هذا الاعتزال، وهذا دليل العامل في { إذ} {إلى الكهف} أي الغار الذي في الجبل {ينشر} أي يحيي ويبعث {لكم ربكم} الذي لم يزل يحسن إليكم {من رحمته} ما يكفيكم به من المهم من أمركم {ويهيىء لكم من أمركم} الذي من شأنه أن يهمكم {مرفقاً *} ترتفقون به، وهو بكسر الميم وفتح الفاء في قراءة الجماعة، وبفتحها وكسر الفاء للنافع وابن عامر، وهذا الجزم من آثار الربط على قلوبهم بما علموا من قدرته على كل شيء، وحمايته من لاذ به ولجأ إليه وعبده وتوكل عليه، ففعلوا ذلك ففعل الله ما رجوه فيه، فجعل لهم أحسن مرفق بأن أنامهم ثم أقامهم بعد مضي قرون ومرور دهور، وهدى بهم ذلك الجيل الذي أقامهم فيه {وترى} لو رأيت كهفهم {الشمس إذا طلعت}. ولما كان حالهم خفياً، وكذا حال انتقال الشمس عند من لم يراقبه، أدغم تاء التفاعل نافع وابن كثير وأبو عمرو، وأسقطها عاصم وحمزة والكسائي، فقال تعالى: {تزاور} أي تتمايل وتتحرف، ولعل قراءة ابن عامر ويعقوب تزور بوزن تحمر ناظرة إلى الحال عند نهاية الميل {عن كهفهم} بتقلص شعاعها بارتفاعها إلى أن تزول {ذات اليمين} إذا كنت مستقبلاً القبلة وأنت متوجه إليه أو مستقبلاً الشمس فيصيبهم من حرها ما يمنع عنهم التعفن ويمنع سقف الكهف شدة الحرارة المفسدة في بقية النهار {وإذا غربت} أي أخذت في الميل إلى الغروب {تقرضهم} أي تعدل في مسيرها عنهم {ذات الشمال} كذلك، لئلا يضرهم شدة الحرارة، ويصيبهم من منافعها مثل ما كان عند الطلوع، فلا يزال كهفهم رطباً، ويأتيه من الهواء الطيب والنسيم الملائم ما يصونهم عن التعفن والفساد، فتحرر بذلك أن باب الغار مقابل لبنات نعش، وأن الجبل الذي هم فيه شمالي مكة المشرفة، ويجوز أن يكون المراد يمين من يخرج من الكهف وشماله، فلا يلزم ذلك، وقال الأصبهاني: قيل: إن باب ذلك كان مفتوحاً إلى جانب الشمال إذا طلعت الشمس عن يمين الكهف، وإذا غربت كانت على شماله. ومادة (قرض) وليس لها إلا هذا التركيب - تدور على القطع، ويلزمه الميل عن الشيء والعدول والازورار عنه، قرضت الشيء، - بالفتح - أقرضه - بالكسر: قطعته بالمقراض أو بغيره - لأنك إذا وصلت إليه فقد حاذيته فإذا قطعته تجاوزته فانحرفت عنه، والقرض: قول الشعر خاصة - لأنه لا شيء من الكلام يشبهه فهو مقطوع منه مائل عنه بما خص به من الميزان، وهل مررت بمكان كذا؟ فتقول: قرضته ذات اليمين ليلاً، أي كان عن يميني، والقرض: ما تعطيه من المال لتقضاه - لأنك قطعته من مالك، والقرض - بالكسر: لغة فيه عن الكسائي، والقرض: ما سلفت من إحسان أو إساءة - على التشبيه، والتقريض: المدح والذم - لأنه يميز الكلام فيه تمييزاً ظاهراً، وهما يتقارضان كذا - كأن كلاًّ منهما مقرض لصاحبه وموف له على ما أقرضه، والمقارضة: المضاربة - لأن صاحب المال قطع من ماله، والعامل قطع من عمله حصة لهذا المال، قرض فلان الرباط - إذا مات، لأنه إذا انقطعت حياته انقطع كل رباط له في الدنيا، وجاء فلان وقد قرض رباطه - إذا جاء مجهوداً قد أشرف على الموت - كأنه أطلق عليه ذلك للمقاربة، والمقارضة: المشاتمة - لقطعها العرض وما بين المتشاتمين، والاقتراض: الاغتياب - من ذلك ومن القرض أيضاً، لأن من اغتاب اغتيب، وقرض - بالكسر - إذا زال من شيء إلى شيء - لأنه بوصل الثاني قطع الأول، وقرض - إذا مات، والمقارض: الزرع القليل - إما للإزالة على الضد من الكثير، أو تشبيه بمواضع الاستقاء في البئر القليلة الماء، فإن المقارض أيضاً المواضع التي يحتاج المستقي إلى أن يقرض منها الماء، أي يميح، أي يدخل الدلو في البئر فيملأها لقلة الماء - لأنها مواضع قطع الماء برفعه عن البئر والمقارض أيضاً: الجرار الكبار - كأنها لكبرها وقطعها كثيراً من الماء هي التي قطعت دون الصغار، وما عليه قراض، أي ما يقرض عنه العيون فيستره لتعدل عنه العيون - لعدم نفوذها إلى جلده، والقرض في السير هو أن تعدل عن الشيء في مسيرك، فإذا عدلت عنه فقد قرضته، والمصدر القرض وأصله من القطع، وابن مقرض - كمنبر: ويبة تقتل الحمام - كأنها سميت لقطعها حياة الحمام، وقرض البعير جرته: مضغها فهي قريض - لتقطيعها بالمضغ ولقطعها من بطنه بردها إلى حنكه للمضغ. ولما بين تعالى أنه حفظهم من حر الشمس، بين أنه أنعشهم بروح الهواء، وألطفهم بسعة الموضع في فضاء الغار فقال: {وهم في فجوة منه} أي في وسط الكهف ومتسعه. ولما شرح هذا الأمر الغريب، والنبأ العجيب، وصل به نتيجته فقال تعالى: {ذلك} أي المذكور العظيم من هدايتهم، وما دبروا لأنفسهم، وما دبر لهم من هذا الغار المستقبل للنسيم الطيب المصون عن كل مؤذ، وما حقق به رجاءهم مما لا يقدر عليه سواه {من ءايات الله} أي الملك الأعلى المحيط بكل شيء علماً وقدرة، وإن كان إذا قيس إلى هذا القرآن القيم وغيره مما خصت به هذه الأمة كان يسيراً. ولما كان انفرادهم بالهدى عن أهل ذلك القرن كلهم عجباً، وصل به ما إذا تؤمل زال عجبه فقال تعالى: {من يهد} ولو أيسر هداية - بما دل عليه حذف الياء في الرسم {الله} أي الذي له الأمر كله بخلق الهداية في قلبه للنظر في آياته التي لا تعد والانتفاع بها {فهو} خاصة {المهتد} في أي زمان كان، فلن تجد له مضلاً مغوياً {ومن يضلل} إضلالاً ظاهرياً بما دل عليه الإظهار بإعمائه عن طريق الهدى، فهو لا غيره الضال {فلن تجد له} أصلاً من دونه، لأجل أن الله الذي له الأمر كله ولا أمر لأحد معه أضله {ولياً مرشداً *} فتجده يرى الآيات بعينه، ويسمعها بأذنه، ويحسها بجميع حواسه، ولا يعلم أنها آيات فضلاً عن أن يتدبرها وينتفع بها، فالآية من الاحتباك: ذكر الاهتداء أولاً دليلاً على حذف الضلال ثايناً، والمرشد ثانياً دليلاً على حذف المضل أولاً.
السيوطي
تفسير : أخرج سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن عطاء الخراساني في قوله: {وإذ اعتزلتموهم وما يعبدون إلا الله} قال: كان قوم الفتية يعبدون الله ويعبدون معه آلهة شتى، فاعتزلت الفتية عبادة تلك الآلهة ولم تعتزل عبادة الله. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه {وإذ اعتزلتموهم وما يعبدون إلا الله} قال: هي في مصحف ابن مسعود: وما يعبدون من دون الله، فهذا تفسيرها. وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: {فأووا إلى الكهف} قال: كان كهفهم بين جبلين. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: {ويهيء لكم من أمركم مرفقاً} يقول: غذاء.
ابو السعود
تفسير : {وَإِذِ ٱعْتَزَلْتُمُوهُمْ} أي فارقتموهم في الاعتقاد أو أردتم الاعتزالَ الجُسمانيَّ {وَمَا يَعْبُدُونَ إَلاَّ ٱللَّهَ} عطفٌ على الضمير المنصوبِ وما موصولةٌ أو مصدريةٌ، أي إذِ اعتزلتموهم ومعبودِيهم إلا الله أو وعبادتَهم إلا عبادةَ الله وعلى التقديرين فالاستثناءُ متصلٌ على تقدير كونِهم مشركين كأهل مكةَ، ومنقطعٌ على تقدير تمحضهم في عبادة الأوثان، ويجوز كونُ ما نافيةً على أنه إخبارٌ من الله تعالى عن الفتية بالتوحيد معترضٌ بـين إذْ وجوابِه {فَأْوُواْ} أي التجِئوا {إِلَى ٱلْكَهْفِ} قال الفراء: هو جوابُ إذ، كما تقول: إذْ فعلتَ فافعل كذا، وقيل: هو دليلٌ على جوابه أي إذ اعتزلتموهم اعتزالاً اعتقادياً فاعتزلوهم اعتزالاً جُسمانياً، أو إذا أردتم اعتزالَهم فافعلوا ذلك بالالتجاء إلى الكهف {يَنْشُرْ لَكُمْ} يبسُطْ لكم ويوسِّعْ عليكم {رَبُّكُـمْ} مالكُ أمرِكم {مّن رَّحْمَتِهِ} في الدارين {وَيُهَيّىء لَكُمْ} يسهلْ لكم {مّنْ أَمْرِكُمْ} الذي أنتم بصدده من الفرار بالدين {مّرْفَقًا} ما ترتفقون وتنتفعون به، وقرىء بفتح الميم وكسر الفاء مصدراً كالمرِجع، وتقديمُ لكم في الموضعين لما مر مراراً من الإيذان من أول الأمر بكون المؤخر من منافعهم والتشويقِ إلى وروده. {وَتَرَى ٱلشَّمْسَ} بـيانٌ لحالهم بعد ما أَوَوا إلى الكهف، ولم يصرح به إيذاناً بعدم الحاجةِ إليه لظهور جرَيانِهم على موجب الأمرِ به لكونه صادراً عن رأي صائبٍ وتعويلاً على ما سلف من قوله سبحانه: {إِذْ أَوَى ٱلْفِتْيَةُ إِلَى ٱلْكَهْفِ} وما لحق من إضافة الكهفِ إليهم وكونِهم في فجوة منه، والخطابُ للرسول عليه الصلاة والسلام أو لكل أحد ممن يصلُح للخطاب، وليس المرادُ به الإخبارَ بوقوع الرؤيةِ تحقيقاً بل الإنباءُ بكون الكهفِ بحيث لو رأيته ترى الشمس {إِذَا طَلَعَت تَّزَاوَرُ} أي تتزاوَر وتتنحّى بحذف إحدى التاءين، وقرىء بإدغام التاء في الزاي، وتزورّ كتحمرّ، وتزْوارّ كتحمار وتزوتر، وكلها من الزَّوَر وهو الميل {عَن كَهْفِهِمْ} الذي أووا إليه فالإفاضة لأدنى ملابسة {ذَاتَ ٱلْيَمِينِ} أي جهةَ ذاتِ يمين الكهفِ عند توجه الداخلِ إلى قعره أي جانبه الذي يلي المغرِبَ فلا يقع عليهم شعاعُها فيؤذيهم {وَإِذَا غَرَبَت} أي تراها عند غروبها {تَّقْرِضُهُمْ} أي تقطَعهم من القطيعة والصَّرْم ولا تقربهم {ذَاتَ ٱلشّمَالِ} أي جهةَ ذاتِ شمال الكهف أي جانبه الذي يلي المشرِق، وكان ذلك بتصريف الله سبحانه على منهاج خرقِ العادةِ كرامةً لهم، وقوله تعالى: {وَهُمْ فِى فَجْوَةٍ مّنْهُ} جملةٌ حالية مبـينةٌ لكون ذلك أمراً بديعاً أي تراها تميل عنهم يميناً وشمالاً ولا تحوم حولهم مع أنهم في متّسع من الكهف معرَّضٍ لإصابتها لولا أن صرفتْها عنهم يدُ التقدير. {ذٰلِكَ} أي ما صنع الله بهم من تزاوُر الشمسِ وقَرْضِها حالتي الطلوعِ والغروب مع كونهم في موقع شعاعِها {مِنْ آيَـٰتِ ٱللَّهِ} العجيبةِ الدالةِ على كمال علمِه وقدرتِه وحقية التوحيدِ وكرامةِ أهله عنده سبحانه وتعالى. وهذا قبل أن سد دقيانوسُ بابَ الكهف شمالياً مستقبلَ بناتِ نْعشٍ، وأقربُ المشارقِ والمغاربِ إلى محاذاته رأسُ مشرِق السرَطان ومغربِه، والشمسُ إذا كان مدارُها مدارَه تطلُع مائلةً عنه مقابلةً لجانبه الأيمنِ وهو الذي يلي المغربَ، وتغرُب محاذيةً لجانبه الأيسرِ فيقع شعاعُها على جنبـيه وتحلّل عفونتَه وتعدّل هواءه ولا يقع عليهم فيؤذي أجسادَهم ويُبْلي ثيابَهم، ولعل ميلَ الباب إلى جانب الغرب كان أكثر ولذلك أوقع التزاورَ على كهفهم والقرضَ على أنفسهم، فذلك حينئذ إشارةٌ إلى إيوائهم إلى كهف هذا شأنُه، وأما جعلُه إشارةً إلى حفظ الله سبحانه إياهم في ذلك الكهفِ تلك المدةَ الطويلةَ أو إلى إطلاعه سبحانه لرسوله صلى الله عليه وسلم على أخبارهم فلا يساعده إيرادُه في تضاعيف القصة {مَن يَهْدِ ٱللَّهُ} إلى الحق بالتوفيق له {فَهُوَ ٱلْمُهْتَدِ} الذي أصاب الفلاحَ، والمرادُ إما الثناءُ عليهم والشهادةُ لهم بإصابة المطلوبِ والإخبارُ بتحقيق ما أمّلوه من نشر الرحمةِ وتهيئةِ المرافق، أو التنبـيهُ على أن أمثالَ هذه الآيةِ كثيرةٌ ولكن المنتفعَ بها من وفقه الله تعالى للاستبصار بها {وَمَن يُضْلِل} أي يخلق فيه الضلالَ لصرف اختيارِه إليه {فَلَن تَجِدَ لَهُ} أبداً وإن بالغتَ في التتبع والاستقصاء {وَلِيّاً} ناصراً {مُّرْشِدًا} يهديه إلى ما ذكر من الفلاح لاستحالة وجودِه في نفسه، لا لأنك لا تجده مع وجوده أو إمكانه.
القشيري
تفسير : العزلةُ عن غير الله توجِبُ الوصلة بالله. بل لا تحصل الوصلةُ بالله إلا بعد العُزْلَةِ عن غير الله. ويقال لما اعتزلوا ما عُبِدَ من دون الله آواهم الحقُّ إلى كنف رعايته، ومهد لهم مثوىً في كهف عنايته. ويقال مَنْ تبرَّأ مِنَ اختياره في احتياله، وصَدَقَ رجوعه إلى الله في أحواله، ولم يستَعِنْ - بغير الله - من أشكاله وأمثاله آواه إلى كَنَفِ أفضاله، وكفاه جميعَ أشغاله، وهَّيأ له مَحَلاً يتفيؤ فيه في بَرْدِ ظِلالِه، بكمالِ إقباله.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {وَإِذِ ٱعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلاَّ ٱللَّهَ فَأْوُوا إِلَى ٱلْكَهْفِ} اخبر سبحانه عن صدقهم واخلاصهم وفرحهم بالايمان بالله والنجاة عن الكفر والضلال واجتماعهم فى مقام الخلوة اى اذا اخرجتم من اماكن النفوس والهوى وصرتم منفردين باليقين الصادق فاووا الى جوار كرمه وبساط قدمه {يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم} ذخائر لطائف علومه الغيبية ويبسط لكم بساط عطايا مشاهدته وانوار قربه ومحبته {وَيُهَيِّىءْ لَكُمْ مِّنْ أَمْرِكُمْ} اى احتياجكم الى وصاله وروية جماله {مِّرْفَقاً} مسند الانس ويسقيكم شراب الزلفة من بحر القدس قال الاستاد العزلة عن غير الله يوجب الوصل بالله بل لا يحصل الوصلة بالله الا بعد العزلة عن غير الله ثم اخبر عن زيادة تلطفه بهم بان دفع عنهم تواثير العناصر التى اصلها من طبع الشمس والقمر والسيارة ودفع عنهم حرارة الشمس وشعاعها لئلا يتغير اشباحهم عن احكام الروحانية ك انه تعالى ادخلهم فى حجلة الانس فى عالم القدس وجعل ذلك العالم فى الكهف وهو قادر على ان يخلق الف جنة فى عين نملة فلما سكنهم فى حجر وصلته رفع عنهم تغاير الحدثية واطلاع الخليقة عليهم من غيرته فمن غيرته حجبهم عن الشمس الطالعة التى هى فى الفلك الرابعة فاذا حجبهم عن الشمس مع جلالتها التى هى سبب نماء العالم فانظر كيف يطلع عليهم غيرها من الخلق.
اسماعيل حقي
تفسير : {واذ اعتزلتموهم} الاعتزال بالفارسية [جداشدن] اى فارقتموهم فى الاعتقاد واردتم الاعتزال الجسمانى وهو خطاب بعضهم لبعض حين صممت عزيمتهم على الفرار بدينهم. قال الكاشفى [قبل ازين كذشت كه دقيانوس بعد از معارضه ايشان مهلت داد وايشان فرار كردند يمليخا كه مهتر ايشان بود در اثناى طريق بايشان كفت {واذ اعتزلتموهم} وجون يكسو شديد ازاهل شرك ودورى جستيد ازا يشان] {وما يعبدون الا الله} عطف على الضمير المنصوب وما مصدرية او موصولة اى اذا اعتزلتموهم ومعبوديهم الا الله اى وعبادتهم الا عبادة الله وعلى التقديرين فالاستثناء متصل على تقدير كونهم مشركين كاهل مكة ومنقطع على تقدير تمحضهم فى عباد الاوثان {فأووا} التجئوا {الى الكهف} قال الفراء هو جواب اذ كما تقول اذ فعلت فافعل كذا وقيل هو دليل على جوابه اى اذا اعتزلتموهم اعتزالا اعتقاديا فاعتزلوهم اعتزالا جسمانيا او اذ اردتم اعتزالهم فافعلوا ذلك بالالتجاء الى الكهف. وفيه اشارة الى ان الاعتزال الاعتقادى يوجب الاعتزال الجسمانى. ومن ثم قال فى مجمع الفتاوى سئل الرستغفنى عن المناحكة بين اهل السنة وبين اهل الاعتزال فقال لا يجوز {ينشر لكم} يبسط لكم ويوسف عليكم {ربكم} مالك امركم {من رحمته} من تفضله وانعامه فى الدارين {ويهيئ لكم} يسهل لكم {من امركم} الذى انتم بصدده من الفرار بالدين {مرفقا} ما ترفقون وتنتفعون به وجزمهم بذلك لخلوص يقينهم عن شوب الشك وقوة وثوقهم. وفى الحديث "حديث : ادعوا الله وانتم موقنون بالاجابة"تفسير : وفى الآية اشارة الى ان التائب الصادق والطالب المحق من اعتزل عن قومه وترك اهل صحبته وقطع عن اخوان سوئه واعتقد ان لا يعبد الا الله يعرض عما سوى الله مستعينا بالله متوكلا على الله فارّا الى الله من غير الله: قال الحجندى شعر : وصل ميسر نشود جز بقطع قطع نخست از همه ببريدنست تفسير : ثم يأوى الى كهف الخلوة: قال الجامى شعر : زابناى دهر وقت كسى خوش نميشود خوش وقت آنكه معتكف كنج عزلتست تفسير : متمسكا بذيل ارادة شيخ كامل مكمل واصل موصل ليربيه ويزيد فى هدايته ويربط على قلبه بنور الولاية وقوة الرعاية كما كان حال اصحاب الكهف: وفى المثنوى شعر : كرجه شيرى جون روى ره بى دليل خويش بينى در ضلالى وذليل هين مبر الا كه بابرهاى شيخ تابينى عون لشكرهاى شيخ تفسير : ولكنهم كانوا مجذوبين من الله مربوبين بربهم وذلك من النوادر ولا حكم للنادر واليه يشير قوله عليه السلام "حديث : ان الله ادبنى فاحسن تأديبى"تفسير : وهذا من قدرة الله ان يهدى جماعة الى الايمان بلا واسطة رسول او نبى بجذبات العناية الى مقامات القرب ومحل الاولياء بلا شيخ مرشد وهاد مرب ومن سنة الله ان يهدى عباده بالانبياء والرسل وبخلافتهم ونيابتهم بالعلماء الراسخين والمشايخ المقتدين ففى قوله {فأووا الى الكهف} اشارة الى الالتجاء بالخلوة والتمسك بالمشايخ المسلكين يعنى لهذه الطريقة {ينشر لكم ربكم من رحمته} اى يخصصكم برحمة الخاصة المضافة الى نفسه وهو ان يجذبهم بجذبات العناية ويدخلهم فى عالم الصفات ليتخلقوا باخلاقه ويتصفوا بصفاته كقوله تعالى {أية : يدخل من يشاء فى رحمته}تفسير : وله رحمة عامة مشتركة بين المؤمن والكافر والجن والانس والحيوان {ويهيئ لكم من امركم مرفقا} اى ينشر لكم طريق الوصول والوصال كما فى التأويلات النجمية.
الطوسي
تفسير : قرأ ابن عامر واهل الكوفة، وابو بكر والاعشى إلا يحيى والعليمي "مرفقاً" بفتح الميم وكسر الفاء. الباقون - بكسر الميم وفتح الفاء - وقرأ ابن عامر ويعقوب (تزور) - بتخفيف الزاي وتسكينها وتشديد الراء من غير ألف - وقرأ أهل الكوفة بتخفيف الزاي والف بعدها وتخفيف الراء. الباقون كذلك إلا أنهم شددوا الزاي. وقرأ أهل الحجاز "لمليت" بتشديد اللام. الباقون بتخفيفها وبالهمز. قال ابو عبيدة: المرفق ما ارتفقت به وبعضهم يقول: المرفق. فأما في اليدين فهو (مرفق) بكسر الميم وفتح الفاء، وهو قول الكسائي، واجاز الفراء الفتح أيضاً. وقال ابو زيد يقال: رفق الله عليك أهون المرفق والرفق. قال ابو علي: ما حكاه أبو زيد في {المرفق} فانه جعله مصدراً، لأنه جعله كالرفق، وكان القياس الفتح لانه من (يرفق) لكنه كقوله {أية : مرجعكم} {أية : ويسألونك عن المحيض} تفسير : وقال ابو الحسن: {مرفقاً} أي شيئاً يرتفقون به مثل المقطع. و {مرفقاً} جعله اسماً مثل المسجد أو يكون لغة يعنى في اسم المصدر مثل المطلع ونحوه. ولو كان على القياس لفتحت اللام. وقال الحسن ايضاً: مرفق - بكسر الميم وفتحها - لغتان لا فرق بينهما انما هما اسمان مثل المسجد والمطبخ. ومن قرأ "تزورّ" فانه مثل تحمر وتصفر، ومعناه تعدل وتميل قال عنترة: شعر : فازور من وقع القنا بلبانه وشكى الي بعبرة وتحمحم تفسير : وقرأ عاصم والجحدري "تزوار" مثل تحمار وتصفار. ومن قرأ "تزاور" أراد تتزاور فأدغم التاء في الراء. ومن خفف اراد ذلك، وحَذَفَ إحدى التائين وهي الثانية مثل تساقط، وتساقط، وتظاهرون، وتظاهرون. قال أبو الزحف: شعر : ودون ليلى بلد سمهدر جدب المندى عن هوانا ازور تفسير : يقال: هو أزور عن كذا أي مائل. وفى فلان زور أي عوج، والزور - بسكون الواو - هو المصدر، ومثله الجوشن، والكلكل، والكلكال، كل ذلك يراد به المصدر وقال ابو الحسن: قراءة ابن عامر "تزور" لا توضع في ذا المعنى، انما يقال: هو مزور عني أي منقبض. وقال ابو علي: يدل على أن (ازور) بمعنى انقبض - كما قال ابو الحسن - قول الشاعر: شعر : وأزور من وقع بلبانه تفسير : والذي حسّن القراءة به قول جرير: شعر : عسفن على الاداعس من مهيل وفى الاظغان عن طلح ازورار تفسير : فظاهر استعمال هذا (الاظغان) مثل استعماله في {الشمس}. ويقال: ملئ فلان وعياً وفزعاً، فهو مملؤ، وملي، فهو مملي - بالتشديد، للتكثير من ملأت الاناء فهو ملآن، وامتلأ الحوض يمتلئ امتلاءاً، وقولهم: تمليت طويلا، وعانقت حبيباً، ومت شهيداً، وابليت جديداً، فهو غير مهموز. قال ابو الحسن: الخفيفة أجود في كلام العرب، لانهم يقولون ملأته رعباً، فلا يكادون يعرفون (ملأتني). قال ابو علي: يدل على قول أبي الحسن قولهم (فيملأ بيتنا اقطاً وسمنا) وقال الاعشى: شعر : وقد ملأت بكر ومن لف لفها تفسير : وقال الآخر: شعر : لا تملأ الدلو وعرق فيها تفسير : وقولهم: (امتلأت) يدل على (ملئ) لأن مطاوع (فعلت) (افتعلت) وقد انشدوا في التثقيل قول المخبل السعدي: شعر : فملأ من كعب سلاسله تفسير : وقوله {وإذ اعتزلتموهم} خطاب من اهل الكهف بعضهم لبعض، ودعاء بعضهم بعضاً الى أن يأووا الى الكهف، رجاء من الله أن ينشر لهم من رحمته ويبسطها عليهم، ويهيئ لهم من أمرهم مرفقاً اي شيئاً يرتفق به ويستعان به كالمقطع والمجزر. وقوله {وما يعبدون إلا الله} {ما} في موضع نصب ومعناه وإذ اعتزلتموهم وما يعبدون من دون الله من الاصنام والاوثان، ويحتمل الاستثناء امرين: أحدهما - أن يكون متصلا، فيجوز على ذلك أن يكون فيهم من يعبد الله مع عبادة الوثن، فيكون اعتزالهم للاوثان دون الله. والثاني - يجوز أن يكون جميعهم كان يعبد الأوثان دون الله فعلى هذا يكون الاستثناء منقطعاً. وقوله {فأووا إلى الكهف} أي اجعلوه مأواكم ومقركم {ينشر} الله {لكم من رحمته ويهيئ لكم من أمركم} ما ترتفقون به. وقوله {فأووا} جواب (إذ) كما تقول: إذ فعلت قبيحاً، فتب. وقوله {وترى الشمس إذا طلعت تزاور عن كهفهم ذات اليمين} أي تعدل عنهم وتميل، يقال: ازور ازوراراً، وفيه زور أي ميل. وقوله {وإذا غربت تقرضهم ذات الشمال} قيل في معناه قولان: أحدهما - تقطعهم فى ذات الشمال أي انها تجوزهم منحرفة عنهم، من قولك قرضته بالمقراض أي قطعته. الثاني - تعطيهم اليسير من شعاعها ثم تأخذه بانصرافها، ومن قرض الدراهم التي تسترد. وقال مجاهد: تقرضهم تتركهم. وقال ابو عبيدة كذلك هو في كلامهم يقال: قرضت الموضع إذا قطعته وجاوزته. وقال الكسائي والفراء: هو المجاوزة يقال: قرضني فلان يقرضني وجازني يجوزني بمعنى واحد، قال ذو الرمة: شعر : الى قرض يقرض اجواز مشرف شمالا وعن ايمانهن الفوارس تفسير : والقرض يستعمل في اشياء غير هذا، فمنه القطع للثوب وغيره، ومنه سمي المقراض، ومنه قرض الفار. وقال ابو الدرداء: (إن قارضتهم قارضوك وإن تركتهم لم يتركوك) ومعناه إن طعنت فيهم وعبتهم فعلوا بك مثله وإن تركتهم منه لم يتركوك. والقرض، من يتقارض الناس بينهم الاموال، وقد يكون ذلك في الثناء تثني عليه كما يثني عليك. والقرض بلغة أهل الحجاز المضاربة، والقرض قول الشعر القصيد منه خاصة دون الرجز، وقيل للشعر قريض. ومن ذلك قول الاغلب العجلي: شعر : أرجزاً يريد أو قريضاً تفسير : والمعنى في الآية ان الشمس لا تصيبهم البتة أو في اكثر الأمر، فتكون صورهم محفوظة. وقيل ان الكهف الذي كانوا فيه كان محاذياً لبنات النعش إذا جازت خط نصف النهار. والفجوة: المتسع من الارض. وقال قتادة: في فضاء منه، وتجمع فجوات وفجاء ممدود، وقيل الفجوة متسع داخل الكهف بحيث لا يراه من كان ببابه، وكان الكلب بباب الفجوة. وقوله {ذلك من آيات الله} أي ادلته وبراهينه {من يهد الله فهو المهتد} معناه من يسمه الله هادياً ويحكم بهدايته {فهو المهتد}. ويحتمل أن يكون اراد: من يهده الله الى الجنة، فهو المهتدي في الحقيقة. ويحتمل أن يكون: من يلطف الله له بما يهتدى عنده، فهو المهتدي {ومن يضلل} اى يحكم بضلاله أو يسميه ضالا أو من يضله عن طريق الجنة، ويعاقبه {فلن تجد له ولياً مرشداً} اى معيناً وناصراً يرشده الى الجنة والثواب. ثم قال تعالى {وتحسبهم} يعني وتحسب يا محمد أهل الكهف إذا رأيتهم {أيقاظاً} أي منتبهين {وهم رقود} أي نيام. وقيل انهم كانوا في مكان موحش منه، أعينهم مفتوحة يتنفسون ولا يتكلمون. وواحد {رقود} راقد أى نائم. وقوله {ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال} اخبار منه تعالى عما يفعل بهم وكيفية حفظ اجسادهم بأن يقلبهم من جنب الى جنب الى اليمين تارة والى الشمال أخرى. وقوله {وكلبهم باسط ذراعية بالوصيد} قال ابن عباس: الوصيد الفناء، وبه قال مجاهد وقتادة والضحاك. وفي رواية أخرى عن ابن عباس: انه هو الباب اذا أغلمته، ومنه {أية : نار موصدة}. تفسير : ويجمع (وصيد) وصائد ووصد، وفى واحده لغتان: وصيد، وأصيد. وأوصدت وآصدت. وليس أحدهما مؤخوذاً من الآخر، بل هما لغتان مثل ورخت الكتاب وأرخته، ووكدت الأمر وأكدته. وقوله {لو اطلعت عليهم لوليت منهم فراراً} نصب على المصدر، ومعناه لو اشرفت عليهم لاعرضت عنهم هرباً استيحاشاً للموضع {ولملئت منهم رعباً} نصب على الحال، والمعنى لما ألبسهم الله تعالى من الهيبة لئلا يصل اليهم احد حتى يبلغ الكتاب اجله فيهم، فينتبهون من رقدتهم باذن الله عند ذلك من امرهم. وقيل انه: كانت اضفارهم قد طالت، وكذلك شعورهم، فلذلك يأخذه الرعب منهم. وقال الجبائي: نومهم ثلثمائة سنة وتسع سنين - لا تتغير احوالهم ولا يطعمون ولا يشربون - معجزة لا تكون إلا لنبي. وقيل النبي كان احدهم، وهم الرئيس الذى اتبعوه وآمنوا به.
الجنابذي
تفسير : {وَإِذِ ٱعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلاَّ ٱللَّهَ فَأْوُوا إِلَى ٱلْكَهْفِ} استيناف من الله يعنى وقلنا اذ اعتزلتموهم او مقول لهم يعنى قال بعضهم لبعض واذ اعتزلتموهم فأووا الى الكهف فراراً منهم واخلوا مع الله {يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِّن رَّحْمَتِهِ} اجابة لمسؤلكم {وَيُهَيِّىءْ لَكُمْ مِّنْ أَمْرِكُمْ مِّرْفَقاً} ما تدارون به الخلق من قوّة الصّبر على اذاهم والعفو عن مسيئهم والنّصح لمحسنهم والاحسان الى كلّهم.
الهواري
تفسير : قوله: { وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلاَّ اللهَ} يقوله: بعضهم لبعض {وَمَا يَعْبُدُونَ إِلاَّ اللهَ} أي: وما يعبدون من دون الله، أي: وما يعبدون سوى الله. وفي مصحف عبد الله بن مسعود: وما يعبدون من دون الله، وهذا تفسيرها. { فأَوُوا إِلَى الكَهْفِ} [أي: فانتهوا إلى الكهف] { يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِّن رَّحْمَتِهِ} أي: من زرقه { ويُهَيِّئْ لَكُم مِّنْ أَمْرِكُمْ مِّرْفَقاً}. قوله: {وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَت تَّزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ} أي: تعدل عن كهفهم وقال بعضهم: تميل عن كهفهم { ذَاتَ اليَمِينِ وَإِذَا غَرَبَت} أي: غابت {تَّقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ} أي: تتركهم ذات الشمال. وقال الحسن: لا تدخل الشمس كهفهم على كل حال. { وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِّنْهُ} أي: في فضاء من الكهف. وتلك آية. وقال بعضهم: {فِي فَجْوَةٍ مِّنْهُ} أي: في عزلة منه. { ذَلِكَ مِنْ ءَايَاتِ اللهِ مَن يَهْدِ اللهُ فَهُوَ المُهْتَدِ وَمَن يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيّاً مُّرْشِداً}. قال: { وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظاً وَهُمْ رُقُودٌ} أي: مفتّحة أعينهم وهم موتى. { وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ اليَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ} قال بعضهم: وذلك في رقدتهم الأولى قبل أن يموتوا. وقال بعضهم: لهم في كل عام تقليبتان. { وَكَلْبُهُم بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ} أي: بفناء الكهف { لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَاراً وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً} أي: لحالهم.
اطفيش
تفسير : {وَإِذ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إلا اللهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ} ذكر بعض أن إذ تجئ حرف تعليل فعليه تكون تعليلا لقولهم فأووا أى ائْووا إلى الكهف لاعتزالكم إياهم فى أمورهم كذبائحهم وبقلوبكم وما يعبدونه غير الله والفاء صلة للتأكيد والتشبيه التعليل بالشرط فى التعليق ألا ترى مثل قولك: أمّا أنت بَرّا فاقترب، وقوله: شعر : أبا خراشةَ أمَّا أنت ذا نفر فإن قومىَ لم تأكلهم الضبُع تفسير : ويحتمل استعمال إذ للحال أو للاستقبال مجازاً فتكون ظرفا متعلقا بما بعد الفاء والفاء صلة للتأكيد أو لتضمين إذ معنى إذا فى الاستقبال والشرط إيضاح كونها للحال أنهم فى حال قولهم ائْووا معتزلون لهم وإيضاح كونها للاستقبال أن يقال: إن المعنى: وإذا أردتم الدوام على اعتزالكم لهم أو إذا أردتم اعتزالهم بأجسادكم كما اعتزلتموهم بقلوبكم وفى أمورهم. وقيل فى إذ التى هى حرف تعليل: إنها ظرف والتعليل مستفاد من قوة الكلام وما معطوفة على الهاء فى اعتزلتموهم واقعة على الأصنام والاستثناء منقطع على أنهم لا يعبدون الله بل الأصنام وحدها ومتصل على أنهم يعبدونها معه تعالى وذلك كله من كلامهم ويجوز أن تكون ما نافيه والاستثناء مفرغ على هذا فيكون قوله: {وما يعبدون إلا الله} من كلام الله سبحانه وتعالى معترض بين قولهم: {وإذ اعتزلتموهم} وقوله: {فأووا إلى الكهف} لتحقيق اعتزالهم للمشركين وإفادة أنهم فى تلك الحال عابدون لله وحده كما كانوا قبلها أى لا يصدق عليهم فى تلك الحال أن يقال: إنهم قد اتصفوا بعبادة غير الله فما مضى ولا فى تلك الحال. وقيل: كانوا مشركين ثم آمنوا وعلى هذا فالمراد نفى عبادة غير الله فى تلك الحال وما يتصل بها قبلها مما نزِّل كله منزلة الحاضر. ومعنى ائْووا: التجئوا واذهبوا. وفى مصحف ابن مسعود: وما يعبدون من دون الله وهو أنسب بكونه من كلامهم إذ لا يصح على قراءته أن يكون من كلام الله إلا بحذف أى وما يعبدون من دون الله وهو مكتوب بهمزة ساكنة هى فاء الكلمة فواو مضمومة هى عين الكلمة فواو الجماعة ولام الكلمة ياء محذوفة وكذلك يقرأ وقياس الكتابة أن يكون بألف غير مهموزة. وأل فى الكهف للحقيقة أى إلى كهف ما من الكهوف أو للعهد الحضورى إن كانوا يرونه حين القول كما روى أنهم يرونه حين كلامهم أو للعهد الذهنى إن كانوا قد توافقوا على ذلك الكهف قبل. وأما ذكر الكهف قبل هذه الآية فمن كلام الله سبحانه. {يَنْشُرْ} يبسط. {لَكُمْ رَبُّكُمْ} شيئاً {مِنْ رَحْمَتِهِ} فى الدنيا والآخرة ويوسع عليكم. {وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقاً} بفتح الميم وكسر الفاء مصدر ميمى شاذ والقياس فتح الفاء لأن مضارعه مكسور العين ومعناه يهيئ لكم من أمركم رفقاً أى ييسر لكم الرفق بمعنى يرفق بكم بأن يرزقكم ما تنتفعون به من نحو غداء وعشاء وهو من الرفق ضد التغليظ والتشديد أو من الرفق الذى بمعنى الارتفاق وهو الانتفاع أو بمعنى الارتفاق الذى هو الاصطحاب. وقيل: هو مصدر فى الأصل واستعمل بمعنى مفعول أى ما ينتفع به أو ما يصطحب به وقرأه غير نافع وابن عامر بكسر الميم وفتح الفاء فيكون اسماً لما يرتفق به أى ينتفع به أو يصطحب وإنما جزموا بأن الله الرحمن الرحيم يهيئ لهم من أمرهم مرفقاً لخلوص يقينهم وقوة وثوقهم بفضل الله وهذا هو الظاهر المناسب لمن أخلص نفسه إلى الله ويحتمل أن يكون قد أخبرهم بذلك نبى فى زمانهم قيل: أو كان بعضهم نبيا فلا يكون قد أشرك قط.
اطفيش
تفسير : قال بعضهم لباقيهم كما يدل له: فأووا إلى الكهف، فإنه ليس من غيرهم، وإذ اعتزلتموهم وأنا معكم فى الاعتزال والأوىّ إِلى الكهف، وكذا تقول فى مثل ذلك من خطاب بعض جماعة لباقيهم، وكذا لو قال اثنان فصاعداً للباقين. وعبارة بعض أن فيه تغليب الخطاب على التكلم، كأنه قيل: فإذا اعتزلت أنا وأنتم، ويعارضه فأووا فإنه يقتضى لام الأمر، ومضارع التكلم، فلآوى أنا وأنتم بأمر المتكلم نفسه وهو قليل، كقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : قوموا فلأصل بكم" تفسير : مع أنه فى رواية فلأصلى بالنصب، ولأن رواة الحديث قد لا يضبطون العربية إِلا الصحابة، ومثلهم ممن يتقنها، وجملة ما يعبدون إِلا الله معترضة من كلام الله، وما نافية، ولفظ الجلالة منصوب على التفريغ، وواو يعبدون لأصحاب الكهف، ولا بأس به إلا أن مذهبى أن جملة الاعتراض، إن قرنت بواو تكون معطوفة قبل تمام المعطوف عليه، ولا أقول بذلك فى غير الاعتراض، وحجتى فى ذلك أنه ليس الاعتراض ولا الاستئناف معنى للواو، لأن الاعتراض معلوم بنفسه، وكذا الاستئناف، ولو صحت واو الاستئناف لجاز أن تقول: وزيد قائم، أو تقول: وقام زيد بالواو بلا تقدم شئ، ولا تقدير له. وقد عاب ابن هشام أول المعربين أن ألا بالفتح والتخفيف حرف استفتاح بأن الاستفتاح موضع لها، وإنما معناها التنبيه والتوكيد، وإن كانت الجملة من كلام أصحاب الكهف، فالواو عاطفة على الهاء، وما فكرة موصوفة واقعة على صنم مثلاً، وصفت بجملة يعبدون، أى يعبدونه، وبقوله إلا الله، كما يقال فى قوله تعالى: "أية : لو كان فيهما آلهة إلاَّ الله" تفسير : [الأنبياء: 22] أو موصول اسمى أى الذى يعبدونه، أو حرفى أى وعبادتهم، والاستثناء على الوجهين منقطع، أى لكن الله هو أهل العبادة. إن قلنا: هؤلاء يعبدون الله وغيره فمتصل، كما روى عن عطاء الخراسانى، وقيل: يعبدون غير الله فقط، وإذ متعلق بما بعدالفاء، والفاء صلة للربط، أو رابطة لجواب إذ على تضمن إذ معنى الشرط، ولو لم تكن بعدها ما، وأجيز أن تكون تعليلية لقوله فأووا، والتحقيق أن التعليل فى إذا التعليلية مستفاد من مدخولها، مثل استفادة العلة من تعليق الحكم بالمشتق. والمعنى التجئوا بأَبدانكم إلى الكهف، كما اعتزلتموهم بدينكم، والماضى أوى، والمضارع يأوى بهمزة ساكنة قبل الواو، لأن مادة الأولى تصح همزتها، وهو من باب ضرب يضرب والأمر بهمزة وصل مكسورة، فهمزة مسكنة، هى فاء الكلمة، فواو مكسورة، هى عين الكلمة، فياء محذوفة لشبه الجزم، حذفت همزة الوصل للدرج بالفاء وضمت الواو لواو الجماعة بعدها المحذوفة فى الخط، وبنشر يبسط، ووسع ومفعوله محذوف، أى ينشر لكم ربكم الرزق فى الدارين، ومن للابتداء، والداخلة علىأمركم له، أو للتبعية، أو البدل متعلقة بهيئ أو بمحذوف حال من مرفقا، والمرفق ما يرتفق به، أى ينتفع به، قالوا ذلك لخلوص يقينهم.
الالوسي
تفسير : نعم، ينبغي أن يكون قوله تعالى: {وَإِذِ ٱعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إَلاَّ ٱللَّهَ} مقولاً فيما بينهم مطلقاً خاطب به بعضهم بعضاً. وفي «مجمع البيان» عن ابن عباس أن قائله يمليخا، والاعتزال تجنب الشيء بالبدن أو بالقلب وكلا الأمرين محتمل هنا، والتعزل بمعناه ومن ذلك قوله:شعر : يا بيت عاتكة الذي أتعزل حذر العدا وبه الفؤاد موكل تفسير : و{مَا} يحتمل أن تكون موصولة وأن تكون مصدرية، والعطف في الاحتمالين على الضمير المنصوب، والظاهر أن الاستثناء فيهما متصل، ويقدر على الاحتمال الثاني مضاف في جانب المستثنى ليتأتى الاتصال، أي وإذ اعتزلتموهم واعتزلتم الذين يعبدونهم إلا الله تعالى أو إذا اعتزلتموهم واعتزلتم عبادتهم إلا عبادة الله عز وجل، وتقدير مستثنى منه على ذلك الاحتمال لذلك نحو عبادتهم لمعبوديهم تكلف، ويحتمل أن يكون منقطعاً، وعلى الأول: يكون القوم عابدين الله تعالى وعابدين غيره كما جاء ذلك في بعض الآثار. أخرج سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبـي حاتم وأبو نعيم عن عطاء الخراساني أنه قال: كان قوم الفتية يعبدون الله تعالى ويعبدون معه آلهة شتى فاعتزلت الفتية عبادة تلك الآلهة ولم تعتزل عبادة الله تعالى. وعلى الثاني: يكونون عابدين غيره تعالى فقط، قيل وهذا هو الأوفق بقوله تعالى أولاً: {أية : هَٰؤُلاء قَوْمُنَا ٱتَّخَذْواْ مِن دُونِهِ ءالِهَةً} تفسير : [الكهف: 15] فتأمل. وجوز أن تكون (ما) نافية والاستثناء مفرغ والجملة إخبار من الله تعالى عن الفتية بالتوحيد معترضة بين (إذ) وجوابه أعني قوله تعالى: {فَأْوُواْ} أي التجؤا {إِلَى ٱلْكَهْفِ} ووجه الاعتراض على ما في «الكشف» أن قوله تعالى: {وَإِذِ ٱعْتَزَلْتُمُوهُمْ} فأووا معناه وإذا اجتنبتم عنهم وعما يعبدون فأخلصوا له العبادة في موضع تتمكنون منه فدل الاعتراض على أنهم كانوا صادقين وأنهم أقاموا بما وصى به بعضهم بعضاً فهو يؤكد مضمون الجملة. وإلى كون {فَأْوُواْ} جواب (إذ) ذهب الفراء، وقيل: إنه دليل الجواب أي وإذا اعتزلتموهم اعتزالاً اعتقادياً فاعتزلوهم اعتزالاً جسمانياً أو إذا أردتم الاعتزال الجسماني فافعلوا ذلك. واعترض كلا القولين بأن (إذ) بدون (ما) لا تكون للشرط، وفي «همع الهوامع» أن القول بأنها تكون له قول ضعيف لبعض النحاة أو تسامح لأنها بمعناه فهي هنا تعليلية أو ظرفية وتعلقها قيل بأووا محذوفاً دل عليه المذكور لا به لمكان الفاء أو بالمذكور والظرف يتوسع فيه ما لا يتوسع في غيره، وقال أبو البقاء: إذ ظرف لفعل محذوف أي وقال بعضهم لبعض، وظاهره أنه عنى بالفعل المحذوف قال؛ وأقول: هو من أعجب العجائب. وفي مصحف ابن مسعود كما أخرج ابن جرير وابن أبـي حاتم عن قتادة {وما يعبدون من دون ٱللَّهِ} وقال هرون: في بعض المصاحف {وما يعبدون من دوننا} وهذا / يؤيد الاعتراض، وفي «البحر» أن ما في المصحفين تفسير لا قراءة لمخالفته سواد الإمام. وزعم أن المتواتر عن ابن مسعود ما فيه. {يَنْشُرْ لَكُمْ} يبسط لكم ويوسع عليكم {رَبُّكُـمْ} مالك أمركم الذي هداكم للإيمان {مّن رَّحْمَتِهِ} في الدارين {وَيُهَيّىء} يسهل {لَكُمْ مّنْ أَمْرِكُمْ} الذي أنتم بصدده من الفرار بالدين والتوجه التام إلى الله تعالى {مِرْفَقًا} ما ترفقون وتنتفعون به، وهو مفعول {يهيىء} ومفعول {يَنْشُرْ} محذوف أي الخير ونحوه {وَمِنْ أَمَرَكُمُ} على ما في بعض «الحواشي» متعلق بيهيىء ومن لابتداء الغاية أو للتبعيض، وقال ابن الانباري: للبدل والمعنى يهيىء لكم بدلاً عن أمركم الصعب مرفقاً كما في قوله تعالى: {أية : أَرَضِيتُمْ بِٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا مِنَ ٱلآخِرَةِ} تفسير : [التوبة: 38] وقوله: شعر : فليت لنا من ماء زمزم شربة مبردة باتت على طهيان تفسير : وجوز أن يكون حالاً من {مِرْفَقًا} فيتعلق بمحذوف، وتقديم {لَكُمْ} لما مر مراراً من الإيذان من أول الأمر بكون المؤخر من منافعهم والتشويق إلى وروده، والظاهر أنهم قالوا هذا ثقة بفضل الله تعالى وقوة في رجائهم لتوكلهم عليه سبحانه ونصوع يقينهم فقد كانوا علماء بالله تعالى. فقد أخرج الطبراني وابن المنذر وجماعة عن ابن عباس قال: ما بعث الله تعالى نبياً إلا وهو شاب ولا أوتي العلم عالم إلا وهو شاب وقرأ {أية : قَالُواْ سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرٰهِيم} تفسير : [الأنبياء: 60] {أية : وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِفَتَـٰهُ} تفسير : [الكهف: 60] و{أية : إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ ءامَنُواْ بِرَبّهِمْ} تفسير : [الكهف: 13] وجوز أن يكونوا قالوه عن إخبار نبـي في عصرهم به وأن يكون بعضهم نبياً أوحى إليك ذلك فقاله، ولا يخفى أن ما ذكر مجرد احتمال من غير داع. وقرأ أبو جعفر والأعرج وشيبة وحميد وابن سعدان ونافع وابن عامر وأبو بكر في رواية الأعشى والبرجمي والجعفي عنه وأبو عمرو في رواية هارون {مرفقا} بفتح الميم وكسر الفاء ولا فرق بينه وبين ما هو بكسر الميم وفتح الفاء معنى على ما حكاه الزجاج وثعلب فإن كلاً منهما يقال في الأمر الذي يرتفق به وفي الجارحة، ونقل مكي عن الفراء أنه قال: لا أعرف في الأمر وفي اليد وفي كل شيء إلا كسر الميم، وأنكر الكسائي أن يكون المرفق من الجارحة إلا بفتح الميم وكسر الفاء وخالفه أبو حاتم وقال: المرفق بفتح الميم الموضع كالمسجد، وقال أبو زيد: هو مصدر جاء على مفعل كالمرجع، وقيل: هما لغتان فيما يرتفق به وأما من اليد فبكسر الميم وفتح الفاء لاغير، وعن الفراء أن أهل الحجاز يقولون: {مرفقا} بفتح الميم وكسر الفاء فيما ارتفقت به ويكسرون مرفق الإنسان، وأما العرب فقد يكسرون الميم منهما جميعاً اهـ. وأجاز معاذ فتح الميم والفاء. هذا واستدل بالآية على حسن الهجرة لسلامة الدين وقبح المقام في دار الكفر إذ لم يمكن المقام فيها إلا بإظهار كلمة الكفر وبالله تعالى التوفيق.
ابن عاشور
تفسير : يتعين أن يكون هذا من كلام بعضهم لبعض على سبيل النصح والمشورة الصائبة. وليس يلزم في حكاية أقوال القائلين أن تكون المحكيات كلها صادرة في وقت واحد، فيجوز أن يكونوا قال بعضهم لبعض ذلك بعد اليأس من ارعِواء قومهم عن فتنتهم في مقام آخر. ويجوز أن يكون ذلك في نفس المقام الذي خاطبوا فيه قومهم بأن غيروا الخطاب من مواجهة قومهم إلى مواجهة بعضهم بعضاً، وهو ضرب من الالتفات. فعلى الوجه الأول يكون فعل {اعتزلتموهم} مستعملاً في إرادة الفعل مثل { أية : إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم } تفسير : [المائدة: 6]، وعلى الوجه الثاني يكون الاعتزال قد حصل فيما بين مقام خطابهم قومهم وبين مخاطبة بعضهم بعضاً. وعلى الاحتمالين فالقرآن اقتصر في حكاية أقوالهم على المقصد الأهم منها في الدلالة على ثباتهم دون ما سوى ذلك ممّا لا أثر له في الغرض وإنما هو مجرد قصص. و إذ للظرفية المجازية بمعنى التعليل. والاعتزال: التباعد والانفراد عن مخالطة الشيء، فمعنى اعتزال القوم ترك مخالطتهم. ومعنى اعتزال ما يعبدون: التباعد عن عبادة الأصنام. والاستثناء في قوله: {إلا الله} منقطع لأن الله تعالى لم يكن يعبده القوم. والفاء للتفريع على جملة {وإذ اعتزلتموهم} باعتبار إفادتها معنى: اعتزلتم دينهم اعتزالاً اعتقادياً، فيقدر بعدها جملة نحو: اعتزلوهم اعتزالَ مفارقة فأوُوا إلى الكهف، أو يقدر: وإذ اعتزلتم دينهم يعذبونكم فأووا إلى الكهف. وجوز الفراء أن تضمن (إذْ) معنى الشرط ويكون {فأووا} جوابها. وعلى الشرط يتعين أن يكون {اعتزلتموهم} مستعملاً في إرادة الاعتزال. والأوْيُ تقدم آنفاً، أي فاسكنوا الكهف. والتعريف في {الكهف} يجوز أن يكون تعريف العهد، بأن كان الكهف معهوداً عندهم يتعبدون فيه من قبل. ويجوز أن يكون تعريف الحقيقة مثل { أية : وأخاف أن يأكله الذئب } تفسير : [يوسف: 13]، أي فأووا إلى كهف من الكهوف. وعلى هذا الاحْتمال يكون إشارة منهم إلى سُنة النصارى التي ذكرناها في أول هذه الآيات، أو عادة المضطهدين من اليهود كما ارتأيناه هنالك. ونشر الرحمة: توفر تعلقها بالمرحومين. شبه تعليق الصفة المتكرر بنشر الثوب في أنه لا يُبقي من الثوب شيئاً مخفياً، كما شبه بالبسط وشبه ضده بالطيّ وبالقبض. والمَرفق بفتح الميم وكسر الفاء: ما يرتفق به وينتفع. وبذلك قرأ نافع وابن عامر وأبو جعفر، وبكسر الميم وفتح الفاء وبه قرأ الباقون. وتهيئته مستعارة للإكرام به والعناية، تشبيهاً بتهيئة القرى للضيف المعتنى به. وجزم {ينشر} في جواب الأمر. وهو مبني على الثقة بالرجاء والدعاء. وساقوه مساق الحاصل لشدة ثقتهم بلطف ربهم بالمؤمنين.
الشنقيطي
تفسير : "إذ" في قوله {وَإِذِ ٱعْتَزَلْتُمُوهُمْ} للتعليل على التحقيق، كما قاله ابن هشام وعليه فالمعنى: ولأجل اعتزالكم قومكم الكفار وما يعبدونه من دون الله، فاتخذوا الكهف مأوى ومكان اعتصام، ينشر لكم ربكم من رحمته ويهيىء لكم من أمركم مرفقاً، وهذا يدل على أن اعتزال المؤمن قومه الكفار ومعبوديهم من أسباب لطف الله به ورحمته. وهذا المعنى يدل عليه أيضاً قوله تعالى في نبيه إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام: {أية : وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَىۤ أَلاَّ أَكُونَ بِدُعَآءِ رَبِّي شَقِيّاً فَلَمَّا ٱعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلاًّ جَعَلْنَا نَبِيّاً وَوَهَبْنَا لَهْمْ مِّن رَّحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيّاً}تفسير : [مريم: 48-50]. واعتزالهم إياهم هو مجانبتهم لهم، وفرارهم منهم بدينهم. وقوله: {وَمَا يَعْبُدُونَ إَلاَّ ٱللَّهَ} اسم موصول في محل نصب معطوف على الضمير المنصوب في قوله: {ٱعْتَزَلْتُمُوهُمْ} أي واعتزلتم معبوديهم من دون الله. وقيل: "ما" مصدرية، أي اعتزلتموهم واعتزلتم عبادتهم غير الله تعالى. والأول أظهر. وقوله: {إلا الله} قيل: هو استثناء متصل، بناء على أنهم كانوا يعبدون الله والأصنام. وقيل: هو استثناء منقطع. بناء على القول بأنهم كانوا لا يعبدون إلا الأصنام، ولا يعرفون الله ولا يعبدونه. وقوله: {مرفقاً} أي ما ترتفقون به أي تنتفعون به. وقرأه نافع وابن عامر بفتح الميم وكسر الفاء مع تفخيم الراء. وقرأه باقي السبعة بكسر الميم وفتح الفاء وترقيق الراء، وهما قراءتان ولغتان فيما يرتفق به، وفي عضو الإنسان المعروف. وأنكر الكسائي في "المرفق" بمعنى عضو الإنسان - فتح الميم وكسر الفاء، وقال: هو بكسر الميم وفتح الفاء، ولا يجوز غير ذلك. وزعم ابن الأنباري أن "من" في قوله: {وَيُهَيِّىءْ لَكُمْ مِّنْ أَمْرِكُمْ} بمعنى البديلة، أي يهيىء لكم بدلاً من "أمركم" الصعب مرفقاً: وعلى هذا الذي زعم غاية كقوله تعالى: {أية : أَرَضِيتُمْ بِٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا مِنَ ٱلآخِرَةِ}تفسير : [التوبة: 38] أي بدلاً منها وعوضاً عنها. ومن هذا المعنى قول الشاعر: شعر : فليت لنا من ماء زمزم شربة مبردة باتت على طهيان تفسير : أي بدلاً من ماء زمزم، والله تعالى أعلم. ومعنى {يَنْشُرْ لَكُمْ}: يبسط لكم: كقوله: {أية : وَهُوَ ٱلَّذِي يُنَزِّلُ ٱلْغَيْثَ مِن بَعْدِ مَا قَنَطُواْ وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ}تفسير : [الشورى: 28] الآية: وقوله {وَيُهَيِّىءْ} أي ييسر ويقرب ويسهل.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 16- وقال بعضهم لبعض: ما دمنا قد اعتزلنا القوم فى كفرهم وشركهم فالجأوا إلى الكهف فراراً بدينكم، يبسط لكم ربكم من مغفرته، ويسهل لكم من أمركم ما تنتفعون به من مرافق الحياة.
د. أسعد حومد
تفسير : {فَأْوُوا} (16) - وَيُقَالُ: إِنَّ المَلِكَ هَدَّدَهُمْ إِنْ لَمْ يَعُودُوا إِلَى دِينِ قَوْمِهِمْ، وَسَجْنِهُمْ، فَفَرُّوا مِنَ السِّجْنِ، وَالْتَجَؤُوا إِلَى الكَهْفِ. وَلِهذا قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ إِنَّكُمُ اعْتَزَلْتُمْ قَوْمَكُمْ وَخَالَفْتُمُوهُمْ فِيمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ، فَابْتَعِدُوا عَنْهُمْ، وَفَارِقُوهُمْ وَاذْهَبُوا إِلى الكَهْفِ، يَبْسُطْ عَلَيْكُمْ رَبُّكُمْ رَحْمَةً يَسْتركُمْ بِهَا مِنْ قَوْمِكُمْ، وَيُهَيِّىءْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمُ الذِي أَنْتُمْ فِيهِ، أَمْراً تَرْتَفِقُونَ بِهِ وَتَنْتَفِعُونَ (مِرْفَقاً). فَخَرَجُوا إِلى الكَهْفِ، وَالْتَجَؤُوا إِلَيْهِ، فَلَمْ يَهْتَدِ إِلَيْهِمْ قَوْمُهُمْ. مِرْفَقاً - مَا تَنْتَفِعُونَ بِهِ فِي عَيْشِكُمْ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : هذا حديث الفتية بعضهم إلى بعض: ما دُمْنا اعتزلنا أهل الكفر، ونأيْنَا عن طريقهم، وسلكنا مسلكَ الإيمان بالله الذي يسَّره الله لنا، فهيا بنا إلى الكهف نلجأ إليه ونحتمي فيه فراراً بديننا، ومخافة أن يفتننا القوم عن ديننا. ويلفتنا هنا إلى أن فرار هؤلاء الفتية ليس إلى بلد آخر فيه مُتّسع للحياة، بل إلى كهف ضيق في جبل في صحراء، وليس به مُقوّم من مُقوّمات الحياة؛ لذلك ينبهنا الحق سبحانه: إياك أن تقول: إن الكهف ضيق، وكيف يعيشون فيه؟ لأنهم مهاجرون إلى الله لاجئون إليه مُتوكّلون عليه. لذلك قال بعدها: {يَنْشُرْ لَكُمْ ..} [الكهف: 16] فالضيق يقابلُه البَسْط والسّعة، لقد قالوا هذه الكلمة وهم واثقون في رحمة الله معتقدون أن الذي هاجروا إليه لن يُسلمهم ولن يخذلهم، وسوف يُوسِّع عليهم برحمته هذا الضيق، وقد وَسَّعه الله عليهم فعلاً حين أنامهم، أَلاَ ترى النائم يربع في الدنيا هنا وهناك لا تحدُّه حدود؟ ومن هذه السعة ما حدث في قصة نبي الله موسى - عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام - حينما تبعه فرعون بجنوده حتى قال أتباعه: {أية : إِنَّا لَمُدْرَكُونَ ..}تفسير : [الشعراء: 61]، فقد ضاق عليهم الخناق حيث البحر من أمامهم، والعدو من خلفهم، ولا مهربَ لهم فيما يرون من واقع الأمر. فماذا قال موسى لقومه في هذا الموقف؟ قال بملء فيه قوْلَة الواثق من نصر الله: {أية : كَلاَّ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ}تفسير : [الشعراء: 62]. فجاءه التأييد من ربه في التوِّ واللحظة، وفُرّج عنه وعن أصحابه ما يُلاَقون من ضيق المخرج، فأوحى الله إليه: {أية : ٱضْرِب بِّعَصَاكَ ٱلْبَحْرَ ..}تفسير : [الشعراء: 63]. كذلك هنا: {يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِّن رَّحْمَتِهِ ..} [الكهف: 16]. ثم يقول تعالى: {وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِّنْ أَمْرِكُمْ مِّرْفَقاً} [الكهف: 16] والمراد بالمرفق جمع مرافق، وهي مُقوّمات الحياة التي لا يستغني عنها الإنسان، فلما أنامهم الله أغناهم عن مرافق الحياة، لأنهم إنْ ظلوا في حال اليقظة فلا بُدَّ أنْ يحتاجوا إلى هذه المرافق. ثم يقول الحق سبحانه: {وَتَرَى ٱلشَّمْسَ إِذَا طَلَعَت تَّزَاوَرُ عَن كَهْفِهِمْ ذَاتَ ٱلْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَت تَّقْرِضُهُمْ ذَاتَ ٱلشِّمَالِ ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِّنْ أَمْرِكُمْ مِّرْفَقاً} [معناه] ما ارتُفِقَ بهِ.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : ثم بقوله تعالى: {وَإِذِ ٱعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلاَّ ٱللَّهَ فَأْوُوا إِلَى ٱلْكَهْفِ} [الكهف: 16] يشير إلى أن التائب الصادق، والطالب المحق من اعتزل عن قومه وترك أهل صحبته، وقطع عن إخوانه شؤونه واعتقد إلا يعبد إلا الله، ولا يطلب إلا الله، ولا يحب إلا الله، يعرض عما سوى الله، متوكلاً على الله، مُنفراً إلى الله من غير الله، ثم يأوي إلى كهف الخلوة متمسكاً بذيل إرادة شيخ كامل مكمل واصل موصل؛ ليربيه ويزيد في هدايته ويربط على قلبه بقول الولاية وقوة الرعاية، كما كان حال أصحاب الكهف، ولكنهم كانوا مجذوبين من الله مربوبين بربهم وذلك من النوادر، ولا حكم للنادر هذا من قدرة الله أن يهدي جماعة إلى الإيمان بلا واسطة رسول أو نبي ويجذبهم بجذبات العناية إلى مقامات القرب ومحل الأولياء بلا شيخ مرشد وهاد مربي، ومن سنته تعالى أن يهدي عباده بالأنبياء والرسل وبخلافتهم ونيابتهم بالعلماء الراسخين والمشايخ المقتدين. ففي قوله: {فَأْوُوا إِلَى ٱلْكَهْفِ} [الكهف: 16] إشارة إلى الالتجاء بالحق والتمسك بالمشايخ المكملين يعني بهذه الطريقة {يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِّن رَّحْمَتِهِ} [الكهف: 16] أي: يخصصكم برحمته الخاصة المضافة إلى نفسه وهو أن يجذبهم بجذبات العناية ويدخلهم في عالم الصفات ليتخلقوا بأخلاقه ويتصفوا بصفاته كقوله تعالى: {أية : يُدْخِلُ مَن يَشَآءُ فِي رَحْمَتِهِ} تفسير : [الشورى: 8] وله تعالى رحمة عامة مشتركة بين المؤمن والكافر والجن والإنس والحيوان. {وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِّنْ أَمْرِكُمْ مِّرْفَقاً} [الكهف: 16] أي: ييسر لكم طريق الوصول والوصال. ثم أخبر عن أصناف ألطافه بأضيافه بقوله تعالى: {وَتَرَى ٱلشَّمْسَ إِذَا طَلَعَت تَّزَاوَرُ عَن كَهْفِهِمْ} [الكهف: 17] يشير إلى أن نور ولايتهم، وهو نور زاده الله على أنوار هدايتهم وإيمانهم، كما قال: {أية : وَزِدْنَاهُمْ هُدًى} تفسير : [الكهف: 13] يغلب على نور الشمس ويرده عن الكهف كما يغلب نور المؤمن على نار جهنم فيطفئها لقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : المؤمن إذا ورد النار تستغيث النار، وتقول: حز يا مؤمن فقد أطفأ نورك لهبي"تفسير : ، {ذَاتَ ٱلْيَمِينِ} [الكهف: 17] أي: يمين الكهف {وَإِذَا غَرَبَت تَّقْرِضُهُمْ ذَاتَ ٱلشِّمَالِ} [الكهف: 17] أي: تدعهم جانب شمال الكهف {وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِّنْهُ} [الكهف: 17] أي: متسع وفراغ من ذلك النور يدفع عنهم كل ضرر وآفة، ويراعيهم عن بلى أجسادهم وثيابهم {ذٰلِكَ مِنْ آيَاتِ ٱللَّهِ} [الكهف: 17] أي من دلالاته وكراماته التي يظهرها على أوليائه ويخصصهم بخصائص {مَن يَهْدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلْمُهْتَدِ} [الكهف: 17] أي: فهو الذي اهتدى بهداية الله إياه فلن يقدر على إضلاله أحد {وَمَن يُضْلِلْ} [الكهف: 17] أي: يضلل {فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيّاً مُّرْشِداً} [الكهف: 17] غير الله أي: فلن يقدر على هدايته أحد. {وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظاً} [الكهف: 18] لما رأيت على سيماء وجوههم منه فلك النور {وَهُمْ رُقُودٌ} [الكهف: 18] وفيه إشارة إلى إفنائهم على وجودهم وإبقائهم بوجودهم الحق لا هم كالنيام ولا هم كالرقود {وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ ٱليَمِينِ وَذَاتَ ٱلشِّمَالِ} [الكهف: 18] أي: بين الإفناء والإبقاء، والترقي من مقام إلى مقام، ومن حال إلى حال أي: بلغناهم مبلغ الرجال البالغين ووصلوا إلى درجات المقربين فيه إشارة لطيفة وهي: أن المريد الذي يربيه الله تعالى بلا واسطة المشايخ يحتاج إلى أن يكون كالميت بين يدي الغسال مستسلماً نفسه بالكلية إليه مدة ثلاثمائة سنة وتسع سنين حتى تبلغ مبلغ الرجال، والمريد الذي يربيه الله بواسطة المشايخ لعله يبلغ مبلغ الرجال البالغين بخلوة أربعين يوماً أو خلوتين أو خلوات معدودة، وذلك أن هؤلاء خلفاء الله وصورة لطفه كما أن الأشجار في الجبال ترقى بلا واسطة فلا تثمر كما تثمر الأشجار في البساتين بواسطة الدهاقين وتربيتهم. {وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِٱلوَصِيدِ} [الكهف: 18] يشير إلى أن كلب نفوسهم نائمة معطلة عن الأعمال التي بها تربية القلوب والأرواح، كما جرت بها السنة الإلهية - يعني هذه التربية - على هذا النوع من قبيل القدرة الإلهية التي هي أمارة أهل الولاية والكرامة في حقهم. {لَوِ ٱطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَاراً وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً} [الكهف: 18] بما شاهدت عليهم من آثار الأنوار التي زدناهم، وألقينا عليهم جلابيب العظمة بتجلي صفات جلالنا، وألبسناهم بلباس الهيئة الإلهية {وَكَذٰلِكَ بَعَثْنَاهُمْ} [الكهف: 19] أحييناهم بنور وصالنا وأغرقناهم في لجج بحر الوحدانية فدهشوا بسطوات ما ربطنا على قلوبهم {لِيَتَسَآءَلُوا بَيْنَهُمْ} [الكهف: 19] عند الرجوع من استغراق بحر الوصال إلى سواحل نفوسهم {قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ كَم لَبِثْتُمْ قَالُواْ لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ} [الكهف: 19] لأن أيام الوصال قصيرة، وأيام الفراق طويلة، فلما رأوا أنهم بعد في خبرة الأحوال ودهشة الوصال {قَالُواْ رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ} [الكهف: 19] لأنه كان حاضراً معكم وأنتم غيب عنكم، فالعجب كل العجب لما كانوا ثلاثمائة وتسع سنين في مقام عندية الحق خارجين من عنديتهم ما احتاجوا إلى طعام الدنيا لتغنوا عن غذاء الجسمانية بألوان غذاء الروحانية، كما كان حال النبي صلى الله عليه وسلم كان يواصل الأيام، ويقول: "حديث : أبيت عند ربي يطعمني ويسقين" تفسير : فلما رجعوا من عندية الحق إلى عندية نفوسهم احتاجوا في الحال إلى غذء نفوسهم قالوا: {فَٱبْعَثُواْ أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَـٰذِهِ إِلَىٰ ٱلْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَآ أَزْكَىٰ طَعَاماً فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِّنْهُ} [الكهف: 19] ففي طلبهم {أَزْكَىٰ طَعَاماً} [الكهف: 19] وأطيب إشارة إلى أن أرباب الوصول وأصحاب المشاهدة لما شهدوا ذلك الجمال والبهاء، وذاقوا طعم الوصال، ووجدوا حلاوة الأنس وملاطفات الحبيب، فإذا رجعوا إلى عالم النفوس تطالبهم الأرواح والقلوب بأغذيتهم الروحانية فيتعللون بمشاهدة كل جميل؛ لأن كل جميل من جمال الله وكل بهاء من بهاء الله، ويتوسلون بلطافة الأطعمة إلى تلك الملاطفات كما قالوا: {فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِّنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ} [الكهف: 19] أي: في الطعام {وَلاَ يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَداً} [الكهف: 19] فيه إشارة إلى الاحتراز عن شعور أهل الغفلة بأحوال أرباب المحبة، فإن لهم في النهاية أحوال كفر عند أهل البداية، كما قال أبو عثمان المغربي: إرفاق العارفين باللطف وإرفاق المريدين بالعنف. {إِنَّهُمْ إِن يَظْهَرُواْ عَلَيْكُمْ} [الكهف: 20] يعني: أهل الغفلة {يَرْجُمُوكُمْ} [الكهف: 20] بالملامة فيما يشاهدون منكم يا أهل المعرفة من وسعة الولاية وقوتها، واستحقاق التصرف في الكونين وانعدام تصرفها فيكم، فإنهم بمعزل عن بصيرة يشاهدون بها أحوالكم، فمن قصر نظرهم يطعنون فيكم أو يريدون أن {يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ} [الكهف: 20] وهي عبادة أصنام الهوى وطواغيت شهوات الدنيا وزينتها، فإن رجعتم إليها {وَلَن تُفْلِحُوۤاْ إِذاً أَبَداً} [الكهف: 20].
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : أي: قال بعضهم لبعض، إذ حصل لكم اعتزال قومكم في أجسامكم وأديانكم، فلم يبق إلا النجاء من شرهم، والتسبب بالأسباب المفضية لذلك، لأنهم لا سبيل لهم إلى قتالهم، ولا بقائهم بين أظهرهم، وهم على غير دينهم، { فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ } أي: انضموا إليه واختفوا فيه { يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقًا } وفيما تقدم، أخبر أنهم دعوه بقولهم: {أية : ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشدا } تفسير : فجمعوا بين التبري من حولهم وقوتهم، والالتجاء إلى الله في صلاح أمرهم، ودعائه بذلك، وبين الثقة بالله أنه سيفعل ذلك، لا جرم أن الله نشر لهم من رحمته، وهيأ لهم من أمرهم مرفقا، فحفظ أديانهم وأبدانهم، وجعلهم من آياته على خلقه، ونشر لهم من الثناء الحسن، ما هو من رحمته بهم، ويسر لهم كل سبب، حتى المحل الذي ناموا فيه، كان على غاية ما يمكن من الصيانة، ولهذا قال: { وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ ...}.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):