١٨ - ٱلْكَهْف
18 - Al-Kahf (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
17
Tafseer
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَتَرَى ٱلشَّمْسَ إِذَا طَلَعَت تَّزَاوَرُ عَن كَهْفِهِمْ ذَاتَ ٱلْيَمِينِ} أي ترى أيّها المخاطب الشمس عند طلوعها تميل عن كهفهم. والمعنى: إنك لو رأيتهم لرأيتهم كذا؛ لا أن المخاطب رآهم على التحقيق. و «تزاور» تتنحّى وتميل؛ من الازورار. والزور المَيَل. والأزور في العين المائل النظر إلى ناحية، ويستعمل في غير العين؛ كما قال ابن أبي ربيعة:شعر : وجنبـي خيفـةَ القـوم أزْوَرُ تفسير : ومن اللفظة قول عنترة:شعر : فازوَرّ مـن وَقْـع القَنَـا بلبَانـه تفسير : وفي حديث غزوة مؤتة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى في سرير عبد الله بن رواحة ازوراراً عن سرير جعفر وزيد بن حارثة. وقرأ أهل الحرمين وأبو عمرو «تزاور» بإدغام التاء في الزاي، والأصل «تتزاور»، وقرأ عاصم وحمزة والكسائيّ «تزاور» مخففة الزاي. وقرأ ابن عامر «تزورّ» مثل تحمر. وحكى الفراء «تزوارّ» مثل تحمار؛ كلُّها بمعنًى واحد. {وَإِذَا غَرَبَت تَّقْرِضُهُمْ} قرأ الجمهور بالتاء على معنى تتركهم؛ قاله مجاهد. وقال قتادة: تدعهم. النحاس: وهذا معروف في اللغة، حكى البصريون أنه يقال: قرضه يقرضه إذا تركه؛ والمعنى: أنهم كانوا لا تصيبهم شمس ألبتة كرامةً لهم؛ وهو قول ابن عباس. يعني أن الشمس إذا طلعت مالت عن كهفهم ذات اليمين، أي يمين الكهف، وإذا غربت تمرّ بهم ذات الشمال، أي شمال الكهف، فلا تصيبهم في ابتداء النهار ولا في آخر النهار. وكان كهفهم مستقبل بنات نعش في أرض الروم، فكانت الشمس تميل عنهم طالعةً وغاربة وجارية لا تبلغهم لتؤذيهم بحرّها، وتغيّر ألوانهم وتبلي ثيابهم. وقد قيل: إنه كان لكهفهم حاجب من جهة الجنوب، وحاجب من جهة الدُّبور وهم في زاويته. وذهب الزجاج إلى أن فعل الشمس كان آية من الله، دون أن يكون باب الكهف إلى جهة توجب ذلك. وقرأت فرقة «يقرضهم» بالياء من القرض وهو القطع، أي يقطعهم الكهف بظلّه من ضوء الشمس. وقيل: «وإذا غربت تقرضهم» أي يصيبهم يسير منها، مأخوذ من قُراضة الذهب والفضة، أي تعطيهم الشمس اليسير من شعاعها. وقالوا: كان في مَسِّها لهم بالعشيّ إصلاح لأجسادهم. وعلى الجملة فالآية في ذلك أن الله تعالى آواهم إلى كهف هذه صفته لا إلى كهف آخر يتأذّون فيه بانبساط الشمس عليهم في معظم النهار. وعلى هذا فيمكن أن يكون صرف الشمس عنهم بإظلال غمام أو سبب آخر. والمقصود بيان حفظهم عن تطرّق البلاء وتغيّر الأبدان والألوان إليهم، والتأذّي بحر أو برد. {وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِّنْهُ} أي من الكهف. والفجوة المتّسع، وجمعها فجوات وفجاء؛ مثل ركوة وركاء وركوات. وقال الشاعر:شعر : ونحن ملأنا كلّ واد وفجوة رجالاً وخيلاً غيرَ ميل ولا عُزْل تفسير : أي كانوا بحيث يصيبهم نسيم الهواء. {ذٰلِكَ مِنْ آيَاتِ ٱللَّهِ} لطف بهم، وهذا يقوّي قول الزجاج. وقال أهل التفسير: كانت أعينهم مفتوحة وهم نائمون؛ فكذلك كان الرائي يحسبهم أيقاظاً. وقيل: تحسبهم أيقاظاً لكثرة تقلّبهم كالمستيقظ في مضجعه. و «أيقاظاً» جمع يقظ ويقظان، وهو المنتبه. {وَهُمْ رُقُودٌ} كقولهم: وهم قوم ركوع وسجود وقعود؛ فوصف الجمع بالمصدر. {وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ ٱليَمِينِ وَذَاتَ ٱلشِّمَالِ} قال ابن عباس: لئلا تأكل الأرض لحومهم. قال أبو هريرة: كان لهم في كل عام تقليبتان. وقيل: في كل سنة مرة. وقال مجاهد: في كل سبع سنين مرة. وقالت فرقة: إنما قُلبوا في التسع الأواخر، وأما في الثلثمائة فلا. وظاهر كلام المفسرين أن التقليب كان من فعل الله، ويجوز أن يكون من مَلَك بأمر الله، فيضاف إلى الله تعالى. قوله تعالى: {وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِٱلوَصِيدِ} فيه أربع مسائل: الأولى: قوله تعالى: {وَكَلْبُهُمْ} قال عمرو بن دينار: إن مما أخذ على العقرب ألا تضر أحداً (قال) في ليله أو في نهاره: صلّى الله على نوح. وإن مما أخذ على الكلب ألا يضر من حَمَل عليه (إذا قال): وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد. أكثر المفسرين على أنه كلب حقيقةً، وكان لصيد أحدهم أو لزرعه أو غنمه؛ على ما قال مقاتل. واختلف في لونه اختلافاً كثيراً، ذكره الثعلبيّ. تحصيله: أيّ لون ذكرت أصبت؛ حتى قيل لون الحجر وقيل لون السماء. واختلف أيضاً في اسمه؛ فعن عليّ: ريان. ابن عباس: قطمير. الأوزاعي: مشير. عبد الله بن سلام: بسيط. كعب: صهيا. وهب: نقيا. وقيل: قطفير؛ ذكره الثعلبي. وكان اقتناء الكلب جائزاً في وقتهم، كما هو عندنا اليوم جائز في شرعنا. وقال ابن عباس: هربوا ليلاً، وكانوا سبعة فمرّوا براع معه كلب فاتبعهم على دينهم. وقال كعب: مرّوا بكلب فنبح لهم فطردوه فعاد فطردوه مراراً، فقام الكلب على رجليه ورفع يديه إلى السماء كهيئة الداعي، فنطق فقال: لا تخافوا مني! أنا أحبّ أحبّاء الله تعالى فناموا حتى أحرسكم. الثانية: ورد في الصحيح عن ابن عمر عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : من اقتنى كلباً إلا كلب صيد أو ماشية نقص من أجره كل يوم قيراطان»تفسير : . وروي في الصحيح أيضاً عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من اتخذ كلباً إلا كلب ماشية أو صيد أو زرع انتقص من أجره كل يوم قيراط»تفسير : . قال الزهري: وذكر لابن عمر قول أبي هريرة فقال: يرحم الله أبا هريرة! كان صاحب زرع. فقد دلّت السنة الثابتة على اقتناء الكلب للصيد والزرع والماشية. وجعل النقص في أجر من اقتناها على غير ذلك من المنفعة؛ إما لترويع الكلب المسلمين وتشويشه عليهم بنباحه، أو لمنع دخول الملائكة البيت، أو لنجاسته، على ما يراه الشافعي، أو لاقتحام النهي عن اتخاذ ما لا منفعة فيه؛ والله أعلم. وقال في إحدى الروايتين «قيراطان» وفي الأخرى «قيراط». وذلك يحتمل أن يكون في نوعين من الكلاب أحدهما أشدّ أذًى من الآخر، كالأسود الذي أمر عليه السلام بقتله، ولم يدخله في الاستثناء حين نهى عن قتلها كما هو منصوص في حديث جابر، أخرجه الصحيح. وقال: «حديث : عليكم بالأسود البهيم ذي النقطتين فإنه شيطان»تفسير : . ويحتمل أن يكون ذلك لاختلاف المواضع، فيكون ممسكه بالمدينة مثلاً أو بمكة ينقص قيراطان وبغيرها قيراط. وأما المباح اتخاذه فلا ينقص؛ كالفرس والهِرّة. والله أعلم. الثالثة:وكلب الماشية المباح اتخاذه عند مالك هو الذي يسرح معها، لا الذي يحفظها في الدار من السّراق. وكلب الزرع هو الذي يحفظها من الوحوش بالليل أو بالنهار لا من السراق. وقد أجاز غير مالك اتخاذها لسراق الماشية والزرع. وقد تقدّم في «المائدة» من أحكام الكلاب ما فيه كفاية، والحمد لله. الرابعة: قال ابن عطية: وحدّثني أبي رضي الله عنه قال سمعت أبا الفضل الجوهري في جامع مصر يقول على منبر وعظة سنة تسع وستين وأربعمائة: إن مَن أحبَّ أهل الخير نال من بركتهم؛ كلبٌ أحبّ أهل فضلٍ وصحبهم فذكره الله في محكم تنزيله. قلت: إذا كان بعض الكلاب قد نال هذه الدرجة العليا بصحبته ومخالطته الصلحاء والأولياء حتى أخبر الله تعالى بذلك في كتابه جل وعلا فما ظنك بالمؤمنين الموحدين المخالطين المحبين للأولياء والصالحين! بل في هذا تسلية وأنس للمؤمنين المقصّرين عن درجات الكمال، المحبين للنبيّ صلى الله عليه وسلم وآله خير آل. روى الصحيح حديث : عن أنس بن مالك قال: بينا أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم خارجان من المسجد فلقينا رجل عند سدّة المسجد فقال: يا رسول الله، متى الساعة؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما أعددتَ لها» قال: فكأنّ الرجل استكان، ثم قال: يا رسول الله، ما أعددتُ لها كثير صلاة ولا صيام ولا صدقة، ولكني أحبّ الله ورسوله. قال: «فأنت مع من أحببت»تفسير : . في رواية قال أنس بن مالك: حديث : فما فرحنا بعد الإسلام فرحاً أشدّ من قول النبيّ صلى الله عليه وسلم: «فأنت مع من أحببت»تفسير : . قال أنس: فأنا أحب الله ورسوله وأبا بكر وعمر، فأرجو أن أكون معهم وإن لم أعمل بأعمالهم. قلت: وهذا الذي تمسّك به أنس يشمل من المسلمين كلّ ذي نفس، فكذلك تعلقت أطماعنا بذلك وإن كنا مقصرين، ورجونا رحمة الرحمن وإن كنا غير مستأهلين، كلبٌ أحب قوماً فذكره الله معهم! فكيف بنا وعندنا عقد الإيمان وكلمة الإسلام، وحبّ النبيّ صلى الله عليه وسلم، {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِّنَ ٱلطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً}. وقالت فرقة: لم يكن كلباً حقيقة، وإنما كان أحدهم، وكان قد قعد عند باب الغار طليعةً لهم؛... كما سمي النجم التابع للجوزاء كلباً؛ لأنه منها كالكلب من الإنسان؛ ويقال له: كلب الجبّار. قال ابن عطية: فسمِّي باسم الحيوان الملازم لذلك الموضع أما إنّ هذا القول يضعفه ذكر بسط الذراعين فإنها في العرف من صفة الكلب حقيقة؛ ومنه قول النبيّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : ولا يبسط أحدكم ذراعيه انبساط الكلب». تفسير : وقد حكى أبو عمر المطرّز في كتاب اليواقيت أنه قرىء «وكالبهم باسط ذراعيه بالوصيد». فيحتمل أن يريد بالكالب هذا الرجل على ما روى؛ إذ بسط الذراعين واللصوقُ بالأرض مع رفع الوجه للتطلع هي هيئة الريبة المستخفي بنفسه. ويحتمل أن يريد بالكالب الكلب. وقرأ جعفر بن محمد الصادقُ «وكالبهم» يعني صاحب الكلب. قوله تعالى: {بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ} أعمل اسم الفاعل وهو بمعنى المضيّ؛ لأنها حكاية حال ولم يقصد الإخبار عن فعل الكلب. والذراع من طرف المرفق إلى طرف الأصبع الوسطى. ثم قيل: بسط ذراعيه لطول المدّة. وقيل: نام الكلب، وكان ذلك من الآيات. وقيل: نام مفتوح العين. والوصيد: الفناء؛ قاله ابن عباس ومجاهد وابن جبير، أي فناء الكهف، والجمع وصائد ووصد. وقيل: الباب. وقاله ابن عباس أيضاً. وأنشد:شعر : بأرض فضاءٍ لا يُسَدّ وصِيدُها عليّ ومعروفي بها غير منكر تفسير : وقد تقدّم. وقال عطاء: عتبة الباب، والباب الموصد هو المغلق. وقد أوصدت الباب وآصدته أي أغلقته. والوصيد: النبات المتقارب الأصول، فهو مشترك، والله أعلم. قوله تعالى: {لَوِ ٱطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ} قرأ الجمهور بكسر الواو. والأعمش ويحيى بن وثّاب بضمها. {لَوْلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَاراً} أي لو أشرفت عليهم لهربت منهم. {وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً} أي لما حفهم الله تعالى من الرُّعب واكتنفهم من الهيبة. وقيل: لوحشة مكانهم؛ وكأنهم آواهم الله إلى هذا المكان الوحش في الظاهر لينفر الناس عنهم. وقيل: كان الناس محجوبين عنهم بالرعب، لا يجسر أحد منهم على الدنوّ إليهم. وقيل: الفرار منهم لطول شعورهم وأظفارهم؛ وذكره المهدويّ والنحاس والزجاج والقشيري. وهذا بعيد؛ لأنهم لما استيقظوا قال بعضهم لبعض: لبثنا يوما أو بعض يوم. ودلّ هذا على أن شعورهم وأظفارهم كانت بحالها؛ إلا أن يقال: إنما قالوا ذلك قبل أن ينظروا إلى أظفارهم وشعورهم. قال ابن عطية: والصحيح في أمرهم أن الله عز وجل حفظ لهم الحالة التي ناموا عليها لتكون لهم ولغيرهم فيهم آية، فلم يبل لهم ثوب ولم تغيَّر صفة، ولم ينكر الناهض إلى المدينة إلا معالم الأرض والبناء، ولو كانت في نفسه حالة ينكرها لكانت عليه أهم. وقرأ نافع وابن كثير وابن عباس وأهل مكة والمدينة «لَمُلِّئْتَ منهم» بتشديد اللام على تضعيف المبالغة؛ أي ملئت ثم ملئت. وقرأ الباقون «لملئت» بالتخفيف، والتخفيف أشهر في اللغة. وقد جاء التثقيل في قول المخبّل السعديّ:شعر : وإذ فَتَكَ النُّعمان بالناس مُحْرِماً فملِّىء من كعب بن عوف سلاسله تفسير : وقرأ الجمهور «رُعْباً» بإسكان العين. وقرأ بضمها أبو جعفر. قال أبو حاتم: هما لغتان. و«فرارا» نصب على الحال و«رعباً» مفعول ثان أو تمييز.
ابن كثير
تفسير : فهذا فيه دليل على أن باب هذا الكهف كان من نحو الشمال؛ لأنه تعالى أخبر أن الشمس إذا دخلته عند طلوعها تزاور عنه {ذَاتَ ٱلْيَمِينِ} أي: يتقلص الفيء يمنة، كما قال ابن عباس وسعيد بن جبير وقتادة: {تَّزَاوَرُ} أي: تميل، وذلك أنها كلما ارتفعت في الأفق، تقلص شعاعها بارتفاعها حتى لا يبقى منه شيء عند الزوال في مثل ذلك المكان، ولهذا قال: {وَإِذَا غَرَبَت تَّقْرِضُهُمْ ذَاتَ ٱلشِّمَالِ} أي: تدخل إلى غارهم من شمال بابه، وهو من ناحية المشرق، فدل على صحة ما قلناه، وهذا بيّن لمن تأمله، وكان له علم بمعرفة الهيئة وسير الشمس والقمر والكواكب، وبيانه أنه لو كان باب الغار من ناحية الشرق، لما دخل إليه منها شيء عند الغروب، ولو كان من ناحية القبلة، لما دخل منها شيء عند الطلوع، ولا عند الغروب، ولا تزاور الفيء يميناً ولا شمالاً، ولو كان من جهة الغرب، لما دخلته وقت الطلوع، بل بعد الزوال، ولم تزل فيه إلى الغروب، فتعين ما ذكرناه، ولله الحمد. وقال ابن عباس ومجاهد وقتادة: تقرضهم تتركهم، وقد أخبر الله تعالى بذلك، وأراد منا فهمه وتدبره، ولم يخبرنا بمكان هذا الكهف في أي البلاد من الأرض، إذ لا فائدة لنا فيه، ولا قصد شرعي، وقد تكلف بعض المفسرين فذكروا فيه أقوالاً، فتقدم عن ابن عباس أنه قال: هو قريب من أيلة. وقال ابن إسحاق: هو عند نينوى. وقيل: ببلاد الروم. وقيل: ببلاد البلقاء، والله أعلم بأي بلاد الله هو، ولو كان لنا فيه مصلحة دينية، لأرشدنا الله تعالى ورسوله إليه، فقد قال صلى الله عليه وسلم: «حديث : ما تركت شيئاً يقربكم إلى الجنة ويباعدكم من النار إلا وقد أعلمتكم به» تفسير : فأعلمنا تعالى بصفته، ولم يعلمنا بمكانه، فقال: {وَتَرَى ٱلشَّمْسَ إِذَا طَلَعَت تَّزَاوَرُ عَن كَهْفِهِمْ} قال مالك عن زيد بن أسلم: تميل {ذَاتَ ٱلْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَت تَّقْرِضُهُمْ ذَاتَ ٱلشِّمَالِ وَهُمْ فِى فَجْوَةٍ مِّنْهُ} أي: في متسع منه داخلاً بحيث لا تصبيهم، إذ لو أصابتهم لأحرقت أبدانهم وثيابهم، قاله ابن عباس. {ذَٰلِكَ مِنْ آيَـٰتِ ٱللَّهِ} حيث أرشدهم إلى هذا الغار الذي جعلهم فيه أحياء، والشمس والريح تدخل عليهم فيه لتبقى أبدانهم، ولهذا قال تعالى: {ذَٰلِكَ مِنْ آيَـٰتِ ٱللَّهِ}، ثم قال: {مَن يَهْدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلْمُهْتَدِ} الآية، أي هو الذي أرشد هؤلاء الفتية إلى الهداية من بين قومهم، فإنه من هداه الله اهتدى، ومن أضله فلا هادي له.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَتَرَى ٱلشَّمْسَ إِذَا طَلَعَت تَّزَاوَرُ } بالتشديد والتخفيف تميل {عَن كَهْفِهِمْ ذَاتَ ٱلْيَمِينِ } ناحيته {وَإِذَا غَرَبَت تَّقْرِضُهُمْ ذَاتَ ٱلشّمَالِ } تتركهم وتتجاوز عنهم فلا تصيبهم ألبتة {وَهُمْ فِى فَجْوَةٍ مّنْهُ } متسع من الكهف ينالهم برد الريح ونسيمها {ذٰلِكَ } المذكور {مِنْ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ } دلائل قدرته {مَن يَهْدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلْمُهْتَدِ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيّاً مُّرْشِدًا }.
الشوكاني
تفسير : قوله: {وَتَرَى ٱلشَّمْسَ إِذَا طَلَعَت } شرع سبحانه في بيان حالهم، بعد ما أووا إلى الكهف. {تَّزَاوَرُ } قرأ أهل الكوفة بحذف تاء التفاعل، وقرأ ابن عامر (تزور) قال الأخفش: لا يوضع الازورار في هذا المعنى، إنما يقال هو مزورّ عني، أي: منقبض. وقرأ الباقون بتشديد الزاي وإدغام تاء التفاعل فيه بعد تسكينها، وتزاور مأخوذ من الزور بفتح الواو، وهو الميل، ومنه زاره إذا مال إليه، والزور: الميل، فمعنى الآية: أن الشمس إذا طلعت تميل وتتنحى {عَن كَهْفِهِمْ } قال الراجز الكلبي:شعر : جاب المندّا عن هوانا أزور تفسير : أي: مائل {ذَاتَ ٱلْيَمِينِ } أي: ناحية اليمين، وهي الجهة المسماة باليمين، وانتصاب {ذات} على الظرف، {وَإِذَا غَرَبَت تَّقْرِضُهُمْ } القرض: القطع. قال الكسائي والأخفش والزجاج وأبو عبيدة: تعدل عنهم وتتركهم، قرضت المكان: عدلت عنه، تقول لصاحبك: هل وردت مكان كذا؟ فيقول: إنما قرضته: إذا مرّ به وتجاوز عنه، والمعنى: أن الشمس إذا طلعت مالت عن كهفهم ذات اليمين، أي: يمين الكهف، وإذا غربت تمرّ {ذَاتَ ٱلشّمَالِ } أي شمال الكهف لا تصيبه. بل تعدل عن سمته إلى الجهتين، والفجوة: المكان المتسع، وجملة: {وَهُمْ فِى فَجْوَةٍ مّنْهُ } في محل نصب على الحال، وللمفسرين في تفسير هذه الجملة قولان: الأوّل: أنهم مع كونهم في مكان منفتح انفتاحاً واسعاً في ظلّ جميع نهارهم لا تصيبهم الشمس في طلوعها ولا في غروبها، لأن الله سبحانه حجبها عنهم. والثاني: أن باب ذلك الكهف كان مفتوحاً إلى جانب الشمال، فإذا طلعت الشمس كانت عن يمين الكهف، وإذا غربت كانت عن يساره، ويؤيد القول الأوّل قوله: {ذٰلِكَ مِنْ آيَـٰتِ ٱللَّهِ } فإن صرف الشمس عنهم مع توجه الفجوة إلى مكان تصل إليه عادة أنسب بمعنى كونها آية، ويؤيده أيضاً إطلاق الفجوة وعدم تقييدها بكونها إلى جهة كذا، ومما يدلّ على أن الفجوة المكان الواسع قول الشاعر:شعر : ألبست قومك مخزاة ومنقصة حتى أبيحوا وخلوا فجوة الدار تفسير : ثم أثنى سبحانه عليهم بقوله: {مَن يَهْدِ ٱللَّهُ } أي: إلى الحق {فَهُوَ ٱلْمُهْتَدِ } الذي ظفر بالهدى وأصاب الرشد والفلاح {وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيّا مُّرْشِدًا } أي: ناصراً يهديه إلى الحق كدقيانوس وأصحابه. ثم حكى سبحانه طرفاً آخر من غرائب أحوالهم فقال: {وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا } جمع يقظ بكسر القاف وفتحها {وَهُمْ رُقُودٌ } أي: نيام، وهو جمع راقد كقعود في قاعد. قيل: وسبب هذا الحسبان أن عيونهم كانت مفتحة وهم نيام. وقال الزجاج: لكثرة تقلبهم {وَنُقَلّبُهُمْ ذَاتَ ٱليَمِينِ وَذَاتَ ٱلشّمَالِ } أي: نقلبهم في رقدتهم إلى الجهتين لئلا تأكل الأرض أجسادهم {وَكَلْبُهُمْ بَـٰسِطٌ ذِرَاعَيْهِ } حكاية حال ماضية، لأن اسم الفاعل لا يعمل إذا كان بمعنى المضيّ كما تقرر في علم النحو. قال أكثر المفسرين: هربوا من ملكهم ليلاً، فمرّوا براع معه كلب فتبعهم. والوصيد، قال أبو عبيد وأبو عبيدة هو فناء الباب، وكذا قال المفسرون، وقيل: العتبة، وردّ بأن الكهف لا يكون له عتبة ولا باب، وإنما أراد أن الكلب موضع العتبة من البيت {لَوِ ٱطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوْلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا } قال الزجاج: فراراً منصوب على المصدرية بمعنى: التولية، والفرار: الهرب {وَلَمُلِئْتَ } قرىء بتشديد اللام وتخفيفها {مِنْهُمْ رُعْبًا } قرىء بسكون العين وضمها أي: خوفاً يملأ الصدر، وانتصاب {رعباً} على التمييز، أو على أنه مفعول ثانٍ، وسبب الرّعب الهيبة التي ألبسهم الله إياها، وقيل: طول أظفارهم وشعورهم وعظم أجرامهم ووحشة مكانهم، ويدفعه قوله تعالى: {لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ } فإن ذلك يدل على أنهم لم ينكروا من حالهم شيئاً، ولا وجدوا من أظفارهم وشعورهم ما يدل على طول المدّة. {وَكَذٰلِكَ بَعَثْنَـٰهُمْ لِيَتَسَاءلُوا بَيْنَهُمْ } الإشارة إلى المذكور قبله أي: وكما فعلنا بهم ما فعلنا من الكرامات بعثناهم من نومهم، وفيه تذكير لقدرته على الإماتة والبعث جميعاً، ثم ذكر الأمر الذي لأجله بعثهم فقال: ليتساءلوا بينهم أي: ليقع التساؤل بينهم والاختلاف والتنازع في مدة اللبث لما يترتب على ذلك من انكشاف الحال وظهور القدرة الباهرة، والاقتصار على علة التساؤل لا ينفي غيرها، وإنما أفرده لاستتباعه لسائر الآثار، وجملة {قَالَ قَائِلٌ مّنْهُمْ كَم لَبِثْتُمْ } مبينة لما قبلها من التساؤل أي: كم مدّة لبثكم في النوم؟ قالوا ذلك لأنهم رأوا في أنفسهم غير ما يعهدونه في العادة {قَالُواْ لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ } أي: قال بعضهم جواباً عن سؤال من سأل منهم، قال المفسرون: إنهم دخلوا الكهف غدوة، وبعثهم الله سبحانه آخر النهار، فلذلك قالوا يوماً، فلما رأوا الشمس قالوا أو بعض يوم، وكان قد بقيت بقية من النهار، وقد مرّ مثل هذا الجواب في قصة عزير في البقرة. {قَالُواْ رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ } أي: قال البعض الآخر هذا القول، إما على طريق الاستدلال، أو كان ذلك إلهاماً لهم من الله سبحانه، أي: أنكم لا تعلمون مدّة لبثكم، وإنما يعلمها الله سبحانه {فَٱبْعَثُواْ أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَـٰذِهِ إِلَىٰ ٱلْمَدِينَةِ } أعرضوا عن التحاور في مدّة اللبث، وأخذوا في شيء آخر، كأنه قال القائل منهم: اتركوا ما أنتم فيه من المحاورة، وخذوا في شيء آخر مما يهمكم، والفاء: للسببية، والورق: الفضة مضروبة أو غير مضروبة. وقرأ ابن كثير ونافع وابن عامر والكسائي وحفص عن عاصم بكسر الراء، وقرأ أبو عمرو وحمزة، وأبو بكر عن عاصم بسكونها، وقرىء بكسر الراء وإدغام القاف في الكاف. وقرأ ابن محيصن بكسر الواو وسكون الراء. وفي حملهم لهذه الورق معهم دليل على أن إمساك بعض ما يحتاج إليه الإنسان لا ينافي التوكل على الله، والمدينة: دقسوس، وهي مدينتهم التي كانوا فيها، ويقال لها اليوم: طرسوس، كذا قال الواحدي: {فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَىٰ طَعَامًا } أي: ينظر أيّ أهلها أطيب طعاماً، وأحلّ مكسباً، أو أرخص سعراً، وقيل: يجوز أن يعود الضمير إلى الأطعمة المدلول عليها في المقام كما يقال: زيد طبت أبا، على أن الأب هو زيد، وفيه بعد. واستدل بالآية على حلّ ذبائح أهل الكتاب لأن عامة أهل المدينة كانوا كفاراً، وفيهم قوم يخفون إيمانهم، ووجه الاستدلال أن الطعام يتناول اللحم كما يتناول غيره مما يطلق عليه اسم الطعام {وَلْيَتَلَطَّفْ } أي: يدقق النظر حتى لا يعرف أو لا يغبن، والأوّل أولى، ويؤيده {وَلاَ يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا } أي: لا يفعلنّ ما يؤدي إلى الشعور ويتسبب له، فهذا النهي يتضمن التأكيد للأمر بالتلطف. ثم علل ما سبق من الأمر والنهي فقال: {إِنَّهُمْ إِن يَظْهَرُواْ عَلَيْكُمْ } أي: يطلعوا عليكم ويعلموا بمكانكم، يعني: أهل المدينة {يَرْجُمُوكُمْ } يقتلوكم بالرجم، وهذه القتلة هي أخبث قتلة. وكان ذلك عادة لهم، ولهذا خصه من بين أنواع ما يقع به القتل {أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِى مِلَّتِهِمْ } أي: يردّوكم إلى ملتهم التي كنتم عليها قبل أن يهديكم الله، أو المراد بالعود هنا: الصيرورة على تقدير أنهم لم يكونوا على ملتهم، وإيثار كلمة "في" على كلمة "إلى" للدلالة على الاستقرار {وَلَن تُفْلِحُواْ إِذًا أَبَدًا } في إذاً معنى الشرط. كأنه قال: إن رجعتم إلى دينهم فلن تفلحوا إذاً أبداً، لا في الدنيا ولا في الآخرة. وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {تَّزَاوَرُ } قال: تميل، وفي قوله: {تَّقْرِضُهُمْ } قال: تذرهم. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: {تَّقْرِضُهُمْ } قال: تتركهم، {وَهُمْ فِى فَجْوَةٍ مّنْهُ } قال: المكان الداخل. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير، قال: الفجوة: الخلوة من الأرض، ويعني بالخلوة: الناحية من الأرض. وأخرج ابن أبي حاتم، وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: {وَنُقَلّبُهُمْ } الآية قال: ستة أشهر على ذي الجنب اليمين، وستة أشهر على ذي الجنب الشمال. وأخرج سعيد بن منصور، وابن المنذر عن سعيد بن جبير في الآية قال: كي لا تأكل الأرض لحومهم. وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد أن اسم كلبهم: قطمورا. وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن قال: اسمه قطمير. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم من طرق عن ابن عباس في قوله: {بِٱلوَصِيدِ } قال: بالفناء. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عنه قال: بالباب. وأخرج سعيد بن منصور، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه أيضاً في قوله: {أَزْكَىٰ طَعَامًا } قال: أحلّ ذبيحة، وكانوا يذبحون للطواغيت. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه {أَزْكَىٰ طَعَامًا } يعني: أطهر، لأنهم كانوا يذبحون للطواغيت.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {وترى الشمس إذا طَلَعَتْ تزوار عن كهفهم ذاتَ اليمين وإذا غربت تقرضهم ذات الشمال} فيه وجهان أحدهما: تعرض عنه فلا تصيبه. الثاني: تميل عن كهفهم ذات اليمين. {وإذا غربت تقرضهم ذات الشمال} فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: معنى تقرضهم تحاذيهم، والقرض المحاذاة، قاله الكسائي والفراء. الثاني: معناه تقطعهم ذات الشمال أي أنها تجوزهم منحرفة عنهم، من قولك قرضته بالمقراض أي قطعته. الثالث: معناه تعطيهم اليسير من شعاعها ثم تأخذه بانصرافها، مأخوذ من قرض الدراهم التي ترد لأنهم كانوا في مكان موحش، وقيل لأنه لم يكن عليهم سقف يظلهم ولو طلعت عليهم لأحرقتهم. وفي انحرافها عنهم في الطلوع والغروب قولان: أحدهما: لأن كهفهم كان بإزاء بنات نعش فلذلك كانت الشمس لا تصيبه في وقت الشروق ولا في وقت الغروب، قاله مقاتل. الثاني: أن الله تعالى صرف الشمس عنهم لتبقى أجسامهم وتكون عبر لمن يشاهدهم أو يتصل به خبرهم. {وهم في فجوة منه} فيه أربعة أقاويل: أحدها: يعني في فضاء منه، قاله قتادة. الثاني: داخل منه، قاله سعيد بن جبير. الثالث: أنه المكان الموحش. الرابع: أنه ناحية متسعة، قاله الأخفش، ومنه قول الشاعر: شعر : ونحن ملأنا كلَّ وادٍ وفجوةٍ رجالاً وخيلاً غير ميلٍ ولا عُزْلِ
ابن عطية
تفسير : بين هاتين الآيتين اقتضاب يبينه ما تقدم من الآيات، تقديره فآووا وضرب الله على آذانهم ومكثوا كذلك، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو "تزّاور" بتشديد الزاي وإدغام التاء، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي "تزَاور" بتخفيفها بتقدير تتزاور فحذفت إحدى التاءين، وقرأ ابن عامر وابن أبي إسحاق وقتادة "تزور" في وزن تحمر، وقرأ الجحدري وأبو رجاء "تزوار" بألف بعد الواو، ومعنى اللفظة على كل هذا التصريف تعدل وتروغ وتميل، وهذه عبارات المفسرين، أما أن الأخفش قال "تزور" معناه تنتقض والزور الميل، والأزور في العين المائل النظر إلى ناحية، ويستعمل في غير العين كقول ابن أبي ربيعة: شعر : وجنبي خيفة القوم أزور تفسير : ومن اللفظة قول عنترة: [الكامل] شعر : فازور من وقع القنا بلبانه تفسير : ومنه قول بشر بن أبي حازم: [الوافر] شعر : تؤم بها الحداة مياه نخل وفيها عن أبانين ازورار تفسير : وفي حديث غزوة مؤتة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى في سرير عبد الله بن رواحة ازوراراً عن سرير جعفر وزيد بن حارثة، وقرأ الجمهور "تقرضهم" بالتاء، وفرقة "يقرضهم" بالياء، أي الكهف كأنه من القرض وهو القطع، أي يقتطعهم الكهف بظله من ضوء الشمس، وجمهور من قرأ بالتاء، فالمعنى أنهم كانوا لا تصيبهم شمس البتة وهو قول ابن عباس، فيتأولون "تقرضهم" بمعنى تتركهم، أي كأنها عنده تقطع كلّ ما لا تناله عن نفسها، وفرقة ممن قرأ بالتاء تأول أنها كانت بالعشي تنالهم، فكأنها "تقرضهم" أي تقتطعهم مما لا تناله، وقالوا كان في مسها لهم بالعشي صلاح لأجسامهم، وحكى الطبري أن العرب تقول: قرضت موضع كذا أي قطعته، ومنه قول ذي الرمة: [الطويل] شعر : إلى ظعن يقرضن أجواز مشرف شمالاً وعن أيمانهن الفوارس تفسير : ومنه أقرضني درهماً أي اقطعه لي من مالك، وهذه الصفة مع {الشمس} تقتضي أنه كان لهم حاجب من جهة الجنوب وحاجب من جهة الدبور وهم في زاويته، وحكى الزجاج وغيره قال: كان باب الكهف ينظر إلى بنات نعش، وقاله عبد الله بن مسلم وهذا نحو ما قلناه، غير أن الكهف كان مستور الأعلى من المطر، وذهب الزجاج إلى أن فعل الشمس كان آية من الله تعالى دون أن يكون باب الكهف إلى جهة توجب ذلك، وقوله {ذات اليمين وذات الشمال} يحتمل أن يريد ذات يمين الكهف بأن نقدر باب الكهف بمثابة وجه إنسان فإن الشمس تجيء منه أول النهار عن يمين، وآخره عن شمال، ويحتمل أن يريد ذات يمين الشمس وذات شمالها، بأن نقدر الشعاع الممتد منها إلى الكهف بمثابة وجه إنسان، والوجه الأول أصح و"الفجوة" المتسع وجمعها فجى، قال قتادة: في فضاء منه، ومنه الحديث كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسير العنف فإذا وجد فجوة نص، وقال ابن جبير: {في فجوة} في مكان داخل، وقوله {ذلك من آيات الله} الإشارة إلى الأمر بجملته، وعلى قول الزجاج إن الشمس كانت تزاور وتقرض دون جحاب تكون الإشارة إلى هذا المعنى خاصة ثم تابع بتعظيم الله عز وجل والتسليم له وما يقتضي صرف الآمال إليه، وقوله {وتحسبهم} الآية، صفة حال قد نقضت وجاءت أفعالها مستقبلة تجوزاً واتساعاً و {أيقاظاً} جمع يقظ كعضد وأعضاد، وهو المنتبه قال أهل التفسير: كانت أعينهم مفتوحة وهم نائمون، فلذلك كان الرائي يحسبهم {أيقاظاً} . قال القاضي أبو محمد: ويحتمل أن يحسب الرائي ذلك لشدة الحفظ الذي كان عليهم وقلة التغير، وذلك أن الغالب على النوام أن يكون لهم استرخاء وهيئات تقتضي النوم، ورب نائم على أحوال لم يتغير عن حالة اليقظة فيحسبه الرائي يقظاناً وإن كان مسدود العينين، ولو صح فتح أعينهم بسند يقطع العذر كان أبين في أن يحسب عليهم التيقظ، وقرأ الجمهور "ونقلبهم" بنون العظمة، وقرأ الحسن "وَتَقلُّبُهم" بالتاء المفتوحة وضم اللام والباء، وهو مصدر مرتفع بالابتداء، قاله أبو حاتم، وحكى ابن جني القراءة عن الحسن بفتح التاء وضم اللام وفتح الباء، وقال هذا نصب بفعل مقدر كأنه قال وترى أو تشاهد تقلبهم، وأبو حاتم أثبت، ورأت فرقة أن التقلب هو الذي من أجله كان الرائي يحسبهم {أيقاظاً} وهذا وإن كان التقلب لمن صادف رؤيته دليلاً على ذلك، فإن ألفاظ الآية لم تسقه إلا خبراً مستأنفاً، وقال أبو عياض: كان هذا التقليب مرتين في السنة، وقالت فرقة كل سبع سنين مرة، وقالت فرقة إنما قلبوا في التسع الأواخر، وأما في الثلاثمائة فلا، وذكر بعض المفسرين أن تقلبهم إنما كان حفظاً من الأرض، وروي عن ابن عباس أنه قال لو مستهم الشمس لأحرقتهم، ولولا التقليب لأكلتهم الأرض. قال القاضي أبو محمد: وآية الله في نومهم هذه المدة الطويلة وحياتهم دون تغد أذهب في الغرابة من حفظهم مع مس الشمس ولزوم الأرض ولكنها روايات تجلب. وتتأمل بعد، وظاهر كلام المفسرين أن التقليب كان بأمر الله وفعل ملائكته، ويحتمل أن يكون ذلك بإقدار الله إياهم على ذلك وهم في غمرة النوم لا ينتبهون كما يعتري كثيراً من النوام، لأن القوم لم يكونوا موتى. وقوله {وكلبهم} أكثر المفسرين على أنه كلب حقيقة كان لصيد أحدهم فيما روي، وقيل كان لراع مروا عليه فصحبهم وتبعه الكلب. قال القاضي أبو محمد: وحدثني أبي رضي الله عنه، قال: سمعت أبا الفضل الجوهري في جامع مصر يقول على منبر وعظه سنة تسع وستين وأربعمائة: إن من أحب أهل الخير نال من بركتهم، كلب أحب أهل فضل وصحبهم فذكره الله في محكم تنزيله، وقيل كان أنمر، وقيل أحمر، وقالت فرقة كان رجلاً طباخاً لهم حكاه الطبري ولم يسم قائله، وقالت فرقة: كان أحدهم وكان قعد عند باب الغار طليعة لهم. قال القاضي أبو محمد: فسمي باسم الحيوان الملازم لذلك الموضع من الناس، كما سمي النجم التابع للجوزاء كلباً لأنه منها كالكلب من الإنسان، ويقال له كلب الحيار: أما أن هذا القول يضعفه بسط الذراعين، فإنهما في العرف من صفة الكلب حقيقة ومنه قول النبي عليه السلام: "حديث : ولا يبتسط أحدكم ذراعيه في السجود ابتساط الكلب"تفسير : ، وقد حكى أبو عمر المطرز في كتاب اليواقيت أنه قرىء "وكالبهم باسط ذراعيه" فيحتمل أن يريد بـ "الكالب" هذا الرجل، على ما روي إذ بسط الذراعين واللصوق بالأرض مع رفع الوجه للتطلع هي هيئة الربيئة، المستخفي بنفسه، ويحتمل أن يريد بـ "الكالب" الكلب، وقوله {باسط ذراعيه} أعمل اسم الفاعل وهو بمعنى المضي لأنها حكاية حال، ولم يقصد الإخبار عن فعل الكلب، و"الوصيد" العتبة لباب الكهف أو موضعها حيث ليست. وقال ابن عباس ومجاهد وابن جبير "الوصيد" الفناء، وقال ابن عباس أيضاً "الوصيد" الباب، وقال ابن جبير أيضاً "الوصيد" التراب، والقول الأول أصح، والباب الموصد هو المغلق، أي قد وقف على وصيده، ثم ذكر الله عز وجل ما حفهم من الرعب واكتنفهم من الهيبة، وقرأ "لوِ اطلعت" بكسر الواو جمهور القراء، وقرأ الأعمش وابن وثاب "لوُ اطلعت" بضمها. وقد ذكر ذلك عن نافع وشيبة وأبي جعفر، وقرأ ابن كثير ونافع وابن عباس وأهل مكة والمدينة "لملّئت" بشد اللام على تضعيف المبالغة أي ملئت ثم ملئت ثم ملئت، وقرأ الباقون "لمُلِئت" بتخفيف اللام والتخفيف أشهر في اللغة، وقد جاء التثقيل في قول المخبل السعدي: [الطويل] شعر : وإذ فتك النعمان بالناس محرماً فملىء من كعب بن عوف سلاسله تفسير : وقالت فرقة إنما حفهم هذا الرعب لطول شعورهم وأظفارهم، ذكره المهدوي والزجاج، وهذا قول بعيد، ولو كانت حالهم هكذا، لم يقولوا {أية : لبثنا يوماً أبو بعض يوم} تفسير : [الكهف: 19] وإنما الصحيح في أمرهم، أن الله عز وجل حفظ لهم الحالة التي ناموا عليها، لتكون لهم ولغيرهم فيهم آية، فلم يبل لهم ثوب، ولا تغيرت صفة، ولا أنكر الناهض إلى المدينة إلا معالم الأرض والبناء، ولو كانت في نفسه حالة ينكرها لكانت عليه أهم، ولروي ذلك، وقرأ الجمهور "رعْباً" بسكون العين، وقرأ "رعُباً" بضمها أبو جعفر وعيسى، قال أبو حاتم: هما لغتان.
ابن عبد السلام
تفسير : {تَّزَاوَرُ} تعرض عنه فلا تصيبه، أو تميل عنه ذات اليمين {تَّقْرِضُهُمْ} تحاذيهم، القرض: المحاذاة، أو تجوزهم منحرفة وتقطعهم قرضته بالمقراض قطعته، أو تعطيهم القليل من شعاعها ثم تأخذه بانصرافها، من قرض الدراهم التي ترد، لأنهم كانوا في مكان موحش، أو لم يكن عليهم سقف فلو طلعت عليهم لأحرقتهم، كان كهفهم بإزاء بنات نعش فلم تصبهم عند شروقها وغروبها، أو صرفها الله ـ تعالى ـ عنهم لتبقى أجسادهم عبرة لمن شاهدهم. {فَجْوَةٍ} فضاء، أو داخل منه، أو مكان موحش، أو مكان متسع.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {وَتَرَى ٱلشَّمْسَ إِذَا طَلَعَت تَّزَاوَرُ عَن كَهْفِهِمْ ذَاتَ ٱلْيَمِينِ } و{تَّزَاوَرُ }، أي: تميل، و{تَّقْرِضُهُمْ } معناه تتركهم، والمعنى: أنهم كانوا لا تصيبهم شمْسٌ ألبتة، وهو قول ابن عباس، وحكى الزَّجَّاج وغيره، قال: كان بابُ الكَهْف ينْظُرُ إِلى بناتِ نَعْشٍ، وذهب الزَّجَّاج إِلى أن فعْلَ الشمس كان آيةً من اللَّه تعالى دون أنْ يكون باب الكهْفِ إِلى جهة توجِبُ ذلك، والـــ {فَجْوَةٍ }: المتَّسِعَ، قال قتادة: في فضاء منه؛ ومنه الحديث: « حديث : فَإِذَا وَجَدَ فَجْوَةً نَصَّ ». تفسير : وقوله سبحانه: {ذَٰلِكَ مِنْ آيَـٰتِ ٱللَّهِ } الإِشارة إلى الأمر بجملته. وقوله سبحانه: {وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ ٱليَمِينِ...} الآية: ذكر بعض المفسِّرين أن تقليبهم إِنما كان حفظاً من الأرض، وروي عن ابن عبَّاس، أنه قال لو مَسَّتهم الشمْسُ، لأحرقتهم، ولولا التقليبُ، لأكلتهم الأرض، وظاهر كلام المفسِّرين أن التقليب كان بأمر اللَّه وفعْلِ ملائكته، ويحتمل أنْ يكون ذلك بإِقدار اللَّه إِياهم على ذلك، وهم في غَمْرة النَّوْم. وقوله: {وَكَلْبُهُم}: أكثر المفسِّرين على أنه كَلْبٌ حقيقةً. قال * ع *: وحدَّثني أبي رحمه الله قال: سَمِعْتُ أبا الفضل بن الجَوْهَرِيِّ في جامِعِ مِصْرَ يقُولُ على منبر وعْظِهِ سنَةَ تسْعٍ وستِّينَ وأربعمائةٍ: مَنْ أحَبَّ أهْلَ الخير، نال مِنْ بركتهم، كَلْبٌ أحبَّ أهْل الفضل، وصَحبهم، فَذَكَره اللَّه في مُحْكَم تنزيله. و«الوَصِيدُ» العَتَبة التي لباب الكهْفِ أو موضعها إِن لم تكنْ، وقال ابن عباس: «الوصيد» الباب والأول أصحُّ، والباب المُوَصَدُ هو المُغْلَق، ثم ذكر سبحانه ما حفَّهم به من الرُّعْب، واكتنفهم من الهَيْبة، حْفظاً منه سبحانه لهم، فقال: {لَوِ ٱطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ...} الآية.
ابن عادل
تفسير : قوله: {وَتَرَى ٱلشَّمْسَ} أي: أنت أيُّها المخاطب، وليس المراد أنَّ من خوطب بهذا يرى هذا المعنى، ولكنَّ العادة في المخاطبة تكون على هذا النحو. قوله: {إِذَا طَلَعَت تَّزَاوَرُ عَن كَهْفِهِمْ}. قرأ ابن عامر ويعقوب "تَزْوَرُّ" بسكون الزاي بزنة تَحْمَرُّ. والكوفيون "تَزاوَرُ" بتخفيف الزاي، والباقون بتثقيلها، فـ "تَزْورُّ" بمعنى "تميلُ" من الزَّورِ، وهو الميل، و "زاره" بمعنى "مال إليه" وقول الزُّور: ميلٌ عن الحق، ومنه الأزورُ، وهو المائلُ بعينه وبغيرها، قال عمر بن أبي ربيعة: [الطويل] شعر : 3494-................ وجَنْبِي خِيفَةَ القَوْمِ أزْوَرُ تفسير : وقيل: تَزورُّ بمعنى تنقبضُ من "ازْوَرَّ" أي: انقبض، ومنه قول عنترة: [الكامل] شعر : 3495- فَازْوَرَّ من وقْع القَنا بِلبَانهِ وشَكَا إليَّ بِعبْرةٍ وتَحمْحُمِ تفسير : وقيل: مال، ومثله قول بشر بن أبي خازم: [الوافر] شعر : 3496- يُؤمُّ بِهَا الحُداةُ مِياهَ نَخْلٍ وفِيهَا عن أبَانيْنِ ازْوِرَارُ تفسير : أي: ميلٌ. وأما "تَزاوَرُ" و "تزَّاوَرُ" فأصلهما "تَتزاورُ" بتاءين، فالكوفيون حذفوا إحدى التاءين، وبعضهم أدغم، وقد تقدَّم نظائر هذا في {أية : تَظَاهَرُونَ} تفسير : [الآية: 85 من البقرة] و{أية : تَسَآءَلُونَ} تفسير : [النساء: 1] ونحوهما، ومعنى ذلك الميل أيضاً. وقرأ أبو رجاء، والجحدريُّ، وابن أبي عبلة، وأيوبُ السَّختيانيُّ "تَزوَارُّ" بزنة "تحْمَارُّ" وعبد الله، وأبو المتوكل "تَزوَئِرُّ" بهمزة مكسورة قبل راء مشددة، وأصلها "تَزوَارُّ" كقراءة أبي رجاء، ومن معه، وإنما كرهَ الجمع بين الساكنين، فأبدل الألف همزة على حدِّ إبدالها في {أية : ٱلْجَآنَّ} تفسير : [الرحمن: 15] و {أية : ٱلضَّآلِّينَ} تفسير : [الفاتحة: 7]. وقد تقدم تحقيقه آخر الفاتحة. و "إذا طلعت" معمول لـ "ترى" أو لـ "تَزاوَرُ" وكذا "إذا غَربَتْ" معمولٌ للأول، أو للثاني، وهو "تَقْرِضُهمْ" والظاهر تمحّضهُ للظرفيةِ، ويجوز أن تكون شرطية. ومعنى "تَقْرضُهمْ": تقطعهم، لا تقربهم؛ إذ القرض القطع؛ من القطيعة والصَّرم، قال ذو الرمَّة: [الطويل] شعر : 3497- إلى ظُعنٍ يَقْرضْن أقْوازَ مُشرِفٍ شِمَالاً، وعنْ أيْمانِهنَّ الفَوارِسُ تفسير : والقَرْضُ: القطعُ، وتقدم تحقيقه في البقرة، وقال الفارسي: "معنى تقرضهم: تعطيهم من ضوئها شيئاً، ثم تزول سريعاً، كالقرض يستردُّ" وقد ضعِّف قوله؛ بأنه كان ينبغي أن يقرأ "تُقرضُهمْ" بضمِّ التاء، لأنه من أقرضَ. وقرىء "يَقْرضُهمْ" بالياء من تحت، أي: الكهف، وفيه مخالفةٌ بين الفعلين وفاعلهما، فالأولى أن يعود على الشمس، ويكون كقوله: [المتقارب] شعر : 3498-................ ولا أرْضَ أبْقلَ إبْقَالهَا تفسير : وهو قول ابن كيسان. و "ذات اليمينِ" و "ذاتَ الشِّمالِ" ظرفا مكانٍ بمعنى جهة اليمين، وجهة الشِّمال. فصل قال المفسرون: "تَزاوَرُ" بمعنى "تَمِيلُ" وتعدل عن كهفهم {ذَاتَ ٱلْيَمِينِ}، أي: جهة ذات اليمين، وأصله أنَّ ذات اليمين صفة أقيمت مقام الموصوف؛ لأنَّها تأنيث "ذو" في قولهم: "رجلٌ ذُو مالٍ، وامرأةٌ ذات مالٍ"؛ فكأنَّه قال: تَزاورُ عن كهفهم جهة ذات اليمين، {وَإِذَا غَرَبَت تَّقْرِضُهُمْ ذَاتَ ٱلشِّمَالِ}. قال الكسائيُّ: قرضت المكان، أي: عدلتُ عنه. وقال أبو عبيدة: القرض في أشياء، منها القطع، وكذلك السَّير في البلاد، إذا قطعتها؛ تقول لصاحبك: هل وردتَّ [موضع] كذا؟ فيقول المجيب: إنما قرضتهُ. فقوله: {تَّقْرِضُهُمْ ذَاتَ ٱلشِّمَالِ}، أي: تعدل عن سمت رؤوسهم إلى جهة الشِّمال. ثم ها هنا قولان: الأول: قال ابن قتيبة وغيره: كان كهفهم مستقبل بناتِ نعشٍ، لا تقع فيه الشمس عند الطُّلوع، ولا عند الغروب، ولا فيما بين ذلك وكان الهواء الطيِّب والنَّسيم الموافقُ يصل إليهم، فلا جرم بقيتْ أجسادهم مصونة عن العفونة والفساد. والثاني: أن الله تعالى منع ضوء الشمس من الوقوع عليهم عند طلوعها، وكذا عند غروبها، وكان ذلك فعلاً خارقاً للعادة، وكرامة عظيمة، خصَّ الله بها أصحاب الكهف، قاله الزجاج، واحتجَّ على صحَّته بقوله: {ذَٰلِكَ مِنْ ءَايَاتِ ٱللَّهِ} ولو كان الأمر كما ذكره أصحاب القول الأول، لكان ذلك أمراص معتاداً مألوفاً، ولم يكن من آيات الله تعالى. ثم قال تعالى: {وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِّنْهُ} أي متَّسعٍ من الكهف، وجمعها فجواتٌ. قال أبو عبيدة: ومنه الحديث: فإذا وجد فجوة نصَّ. وقال غيره: الفجوة المتَّسع من الفجاء، وهو تباعد ما بين الفخذين، يقال: رجل أفجأ، وامرأةٌ فجواء، وجمع الفجوة فجاء كقصعة وقصاع. وقوله: {وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِّنْهُ} جملة حالية، أي: نفعل هذا مع اتساع مكانهم، وهو أعجب لحالهم؛ إذ كان ينبغي أن تصيبهم الشمس لاتساع مكانهم. فصل قال المفسرون: اختار الله تعالى لهم مضجعاً في مقناة لا تدخل عليهم الشمس، فتؤذيهم بحرِّها، وتغيِّر ألوانهم، وهم في متَّسع ينالهم بردُ الرِّيح، ويدفع عنهم كرب الغار. قوله: "ذلِكَ" مبتدأ أشأر به إلى جميع ما تقدم من قصَّتهم. وقيل: "ذلِكَ" إشارةٌ إلى الحفظ الذي حفظهم الله تعالى في ذلك الغار تلك المدَّة الطويلة. قوله: {مِنْ ءَايَاتِ ٱللَّهِ} العجيبة الدَّالة على قدرته، وبدائع حكمته، و {مِنْ ءَايَاتِ ٱللَّهِ} الخبر، ويجوز أن يكون "ذلك" خبر مبتدأ محذوف، أي: الأمر ذلك، و {مِنْ آيَاتِ ٱللَّهِ} حال. ثم بين تعالى أنه كما أبقاهم هذه المدَّة الطويلة مصونين عن الموت والهلاك من لطفه وكرمه، فكذلك رجوعهم أوَّلاً عن الكفر، ورغبتهم في الإيمان كان بإعانة الله ولطفه؛ فقال: {مَن يَهْدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلْمُهْتَدِ} مثل أصحاب الكهف "ومن يُضْلِل"، أي: يضلله الله، ولم يرشده؛ كـ "دقيانُوس" وأصحابه {فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيّاً} معيناً "مُرْشِداً".
السيوطي
تفسير : أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: {تزاور} قال: تميل. وفي قوله: {تقرضهم} قال: تذرهم. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: {تقرضهم} قال: تتركهم {وهم في فجوة منه} قال: المكان الداخل. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله: {وهم في فجوة منه} قال: يعني بالفجوة، الخلوة من الأرض. ويعني بالخلوة، الناحية من الأرض. وأخرج ابن المنذر عن أبي مالك في قوله: {وهم في فجوة منه} قال: في ناحية. وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة {وتحسبهم} يا محمد {أيقاظاً وهم رقود} يقول: في رقدتهم الأولى {ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال} قال: وهذا التقليب في رقدتهم الأولى، كانوا يقلبون في كل عام مرة. وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه، عن ابن عباس في قوله: {ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال} قال: ستة أشهر على ذي الجنب، وستة أشهر على ذي الجنب. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عياض في قوله: {ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال} قال: في كل عام مرتين. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: {ونقلبهم} قال: في التسع سنين ليس فيما سواه. وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر، عن سعيد بن جبير في قوله: {ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال} قال: كي لا تأكل الأرض لحومهم. وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: {وكلبهم} قال: اسم كلبهم قطمور. وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن قال: اسم كلب أصحاب الكهف، قطمير. وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج قال: قلت لرجل من أهل العلم: زعموا أن كلبهم كان أسداً، قال: لعمر الله ما كان أسداً، ولكنه كان كلباً أحمر خرجوا به من بيوتهم يقال له، قطمور. وأخرج ابن أبي حاتم عن كثير النواء قال: كان كلب أصحاب الكهف أصفر. وأخرج ابن أبي حاتم من طريق سفيان قال: قال رجل بالكوفة يقال له: عبيد وكان لا يتهم بكذب، قال: رأيت كلب أصحاب الكهف أحمر كأنه كساء انبجاني. وأخرج ابن أبي حاتم من طريق جويبر، عن عبيد السواق قال: رأيت كلب أصحاب الكهف صغيراً، باسطاً ذراعيه بفناء باب الكهف، وهو يقول: هكذا يضرب بأذنيه. وأخرج ابن أبي حاتم عن عبدالله بن حميد المكي في قوله: {وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد} قال: جعل رزقه في لحس ذراعيه. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طرق، عن ابن عباس في قوله: {بالوصيد} قال: بالفناء. وأخرج ابن جرير وابن المنذر، عن ابن عباس في قوله: {بالوصيد} قال: بالباب. وأخرج ابن أبي حاتم عن عطية في قوله: {بالوصيد} قال: بفناء باب الكهف. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير في قوله: {بالوصيد} قال: بالصعيد. وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: {وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد} قال: ممسك عليهم باب الكهف. وأخرج ابن أبي حاتم عن شهر بن حوشب رضي الله عنه قال: كان لي صاحب شديد النفس، فمر بجانب كهفهم فقال: لا أنتهي حتى أنظر إليهم، فقيل له: لا تفعل... أما تقرأ {لو اطلعت عليهم لوليت منهم فراراً ولملئت منهم رعباً} فأبى إلا أن ينظر، فأشرف عليهم فابيضت عيناه وتغير شعره، وكان يخبر الناس بعد يقول: عدتهم سبعة. وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: {أزكى طعاماً} قال: أحل ذبيحة، وكانوا يذبحون للطواغيت. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر، عن ابن عباس في قوله: {أزكى طعاماً} يعني، أطهر؛ لأنهم كانوا يذبحون الخنازير.
التستري
تفسير : قوله تعالى: {وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيّاً مُّرْشِداً}[17] قال: من يرد الله منه إظهار ما علم منه من الشقاوة بترك العصمة إياه، فلن تجد له عاصماً منه.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {وَتَرَى ٱلشَّمْسَ إِذَا طَلَعَت تَّزَاوَرُ عَن كَهْفِهِمْ ذَاتَ ٱلْيَمِينِ} [الآية: 17]. قال ابن عطاء: ذلك لمعنى النور الذى كان عليهم بقوله: {وَزِدْنَاهُمْ هُدًى} نور على نور، وبرهان على برهان، والشمس نور ولكن إذا غلب نور أقوى منها انكشفت الشمس فكانت تزيغ عن كهفهم لغلبة نورهم خوفًا أن ينكشف نورها من غلبة نورهم. قال جعفر: يمين المرء قلبه، وشماله نفسه، والرعاية يدور عليهما ولولا ذلك لهلك. قال ابن عطاء: زينهم الله عز وجل لخلقة الرضا فكشفت الأنوار لنورهم، وخضعت لها فترى الشمس إذا طلعت تزاور عن كهفهم تهرب بنورها عن أنوارهم. قوله تعالى: {مَن يَهْدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلْمُهْتَدِ} {الآية: 17]. سمعت منصور بن عبد الله يقول: سمعت أبا القاسم البزار رحمه الله سمعت ابن عطاء يقول: ما حُجِبَ عن الله أحدًا إلا من أراد أن يصل إليه بحركاته وسعيه، وما وصل إليه أحد إلا من أراد أن يصل إليه بصفته عزّ وتعالى. قوله تعالى: {وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيّاً مُّرْشِداً} {الآية: 17]. قال الواسطى: من جاء بأوائل الإيمان بلا علة، وبأواخره بلا علة وهذا صفات الحق لا صفات الخلق فنظرات المهتدى هو المباين من جميع أوصافه المتصف بأوصاف الحق. قال سهل: من حكم الله عليه بالشقاوة لم يقدر على صرف ذلك أحد عنه بحال.
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {وَتَرَى ٱلشَّمْسَ إِذَا طَلَعَت تَّزَاوَرُ عَن كَهْفِهِمْ ذَاتَ ٱلْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَت تَّقْرِضُهُمْ ذَاتَ ٱلشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِّنْهُ ذٰلِكَ مِنْ آيَاتِ ٱللَّهِ}. كانوا في مُتَّسَعٍ من الكهف، ولكن كان شعاعُ الشمس لا ينبسط عليهم مع هبوب الرياح عليهم. ويقال أنوار الشمس تتقاصر وتتصاغر بالإضافة إلى أنوارهم. إن نورَ الشمس ضياءٌ يستضيءُ به الخَلْقُ، ونور معارفهم أنوار يُعْرَف بها الحق، فهذا نور يظهر في الصورة، وهذا نور يلوح في السريرة. وبنور الشمس يدرك الخلْق وبنورهم كانوا يعرفون الحق. وفي قوله - عَزَّ اسمه: {ذٰلِكَ مِنْ آيَاتِ ٱللَّهِ} فيه دلالة على أن في الأمر شيئاً بخلاف العادة، فيكون من جملة كرامات الأولياء؛ ويحتمل أن يكون شعاعُ الشمسِ إذا انتهى إليهم ازورَّ عنهم، ومضى دونَهم بخلاف ما يقول أصحاب الهبة، ليكونَ فعلاً ناقضاً للعادة فلا يبعد أن يقال إن نور الشمس يُسْتَهْلَكُ في النور الذي عليهم. قوله جلّ ذكره: {مَن يَهْدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلْمُهْتَدِ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيّاً مُّرْشِداً}. فاللَّه يهْدِي قوماً بالأدلةِ والبراهين، وقوماً بكشف اليقين؛ فمعارفُ الأولين قضية الاستدلال، ومعارف الآخرين حقيقة الوصال، فهؤلاء مع برهان، وهؤلاء على بيان كأنهم أصحاب عيان: {وَمَن يُضْلِلْ}: أي مَنْ وَسَمه بِسِمَةِ الحرمان فلا عرفانَ ولا علمَ ولا إيمان.
البقلي
تفسير : قال سبحانه {وَتَرَى ٱلشَّمْسَ إِذَا طَلَعَت تَّزَاوَرُ عَن كَهْفِهِمْ ذَاتَ ٱلْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَت تَّقْرِضُهُمْ ذَاتَ ٱلشِّمَالِ} الاشارة فى الحقائق انه اخفاهم فى كهف الاسرار واجلسهم فى متسع الانوار واشهدهم مشاهدت الجمال وآواهم سناء الجمال ووقاهم من سطوات انوار شمس العزة والعظمة والكبرياء التى تطلع من مشرق القدم وتغرب فى مغرب الابد لئلا يحترقوا فى انوار عين الالوهية ويفنوا فى سلطان اشراق سبحات الكبرياء ولا يطلعوا على ذخائر غيوب البقاء كانه تعالى رباهم فى مشاهدته بنور جماله وحفظهم عن قهر كنه قدمه لئلا يتلاشوا فى عزة جلاله ويبقى معه بنعت الصحو والبقاء ولولا ذلك الفضل العميم لو لم يبقوا فى استعلان انوار وحدانيته باقل من لمحة رعاهم بنفسه عن نفسه لادراك العلم بنفسه هم فى فجوة الوصال وشمس الكبرياء تزاور عن كهف قربهم ذات اليمين الازل وذات الشمال الابد وهم فى فجوة وصال مشاهدة الجمال والجلال محروسون محفوظون عن قهر سلطان صرف ذات الازلية التى يتلاشى الاكوان فى اول بوادى اشراقها واى آية اعظم من هذه الاية انهم فى وسط نيران الكبرياء ولا يحترقون بها فبقوا بالحق مع الحق مستانسين بالحق للحق بنعت فقد الاحساس فى مقام الاستيناس غائبين عنهم شاهدين بالله على الله انظر كيف كان كمال غيرة الله بهم حيث حجبهم عنهم ورفع الاحساس عنهم ودفع حوادث الكون عنهم ليكون الكشف اصفى والقرب اجلى والسر اخفى والمشاهدة اشهى والروح ادنى والوقت احلى ولا يعرف هذه الاشارة الا العارف بالله بنعت الذوق ويرى الله بوصف الشوق المستقيم بالله لله قال الله تعالى {مَن يَهْدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلْمُهْتَدِ} من عرف نفسه واقدار اوليائه فهو عارف بالله وباوليائه ومن لم يكن من اهل سلوكه كان فى الازل محروما عن قربه وان خنق نفسه فى المجاهدة قال تعالى {وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيّاً مُّرْشِداً} شعر : من لم يكن للوصال اهلا فكل احسانه ذنوب تفسير : سبحان الله اين غابوا تلك السبعة العارفة فى اماكن الغيب ومشاهدة الرب هام طلاَّبهم فى بوادى المعارف والكواشف ولم يظفروا برويتهم وانحسرت الازمان والاكوان والحدثان عن تفقدهم ولا تطلع عليهم من غيرة الحق عليهم هم ملوك معارف القدم غابوا فى مهمة الكرم شعر : باى نواحى الارض ابغى وصالكم وانتم ملوك ما لمقصدكم نحو تفسير : قال ابن عطا فى قوله وترى الشمس اذا طلعت ذلك لمعنى النور الذى كان عليهم بقوله وزدناهم هدى نور على نور وبرهان على برهان والشمس نور ولكن اذا غلب نور اقوى منها انكشفت الشمس فكانت تزيغ عن كهفهم لغلبة نورهم خوفا ان ينكسف نورها من غلبة نورهم وقال جعفر يمين المرء قلبه وشماله نفسه والرعاية تدور عليهما ولولا ذلك لهلك وقال ابن عطا فى قوله من يهدى الله فهو المهتد ما حدب عن الله احد الا من اراد ان يصل اليه بحركاته وسعيه وما وصل اليه احدا لا من اراد ان يصل اليه بصفته تعالى وقال الواسطى فى قوله ومن يضلل من جاء باوائل الايمان بلا علة وقاواخره بلا علة وهذا صفة الحق لا صفة الخلق وظهر ان المهتدى هو البائن من جميع اوصافه المتصف بصفات الحق ثم زاد فى وصفهم لحبيبه عليه السلام بانهم غائبون بارواحهم فى انوار القدم وباسرارهم فى بحار الكرم وبعقولهم فى اودية الهوية وبقلوبهم فى قفار الديمومية وبانفسهم فى اشراف سلطنة الربوبية وباشباحهم فى اماكن الموانسة بقوله {وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظاً وَهُمْ رُقُودٌ} اى من كمال حسنهم فى الغيبة انه نشر انوار القربة على ظاهرهم وازال عنهم وحشة النومى واظهر عن صورتهم لطائف النعمى كان ارواحهم كاجسادهم واجسادهم كارواحهم لذلك قال عليه السّلام نحن معاشر الانبياء اجسادنا روح كانهم من كمال حسن وجدهم وغيبتهم فيه والتمكين لهم غير غائبين وانظ ركيف كانوا فى لطف غيبتهم حتى لا يعرف سيد المرسلين انهم رقود وهذا من شواهد التمكين ولطافة الحال لما حضروا مشاهد القرب غابوا عن القرب بالقرب وغابوا فى القرب بالقرب وغابوا عن قرب القرب فى قرب القرب وقضوا فى اسفار الازال ففى كل نفس لهم الترقى والنقل من مقام الى مقام لقوله سبحانه {وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ ٱليَمِينِ وَذَاتَ ٱلشِّمَالِ} اغرقهم الحق سبحانه فى بحار اوليته واخريته وقلبهم بنفسه ذات يمين الازل وذات شمال الابد قلبهم من رؤية الافعال الى انوار الاسماء ومن انوار الاسماء الى انوار النعوت والاوصاف ومنها الى رؤية انوار الذات قلبهم فى كل نفس من عالم صفة الى عالم صفة وهم معهم فى سيرهم بين الصفتين فادار بارواحهم الى صحارى الازال وازال الازال وادار بقلوبهم فى وادى الاباد واباد الاباد وادار بانجم عقولهم فى افلاك حقايقه وادار باسرارهم فى بساتين علوم غيبه المجهولة فقصر عليها بعد مزار اسفارهم بلطفه ولولا ذلك لبقوا فى تقلب المقامات وسير الحالات ولكنه بلطفه ورحمته خلصهم من القلب فى عالم الصفات ولو تركهم مع انفسهم لم يبلغوا امر الازل الى الابد الى رؤية صفة بعد رؤية صفة حملهم بنفسه وادارهم فى عالم صفاته ثم القاهم فى بحر وحدانيته فصاروا مستغرقين فى بحار ذاته متخلصين من التقلب ذهب بهم سيول طوفان الكبرياء الى قاموس البقاء فهناك قلبهم سرّ الاسرار تارة الى نكرة القدم وتارة الى معرفة البقاء قال ابن عطا نقلبهم فى حالتى القبض والبسط والجمع والتفرقة جمعناهم عما تفرقوا فيه فحصلوا معنا فى عين الجمع وقال بعضهم نقلبهم بين حالتى الفناء والبقاء والكشف والاحتجاب والتجلى والاستتار قال ابن عطا فى قوله وتحسبهم ايقاظا وهم رقود مقيمون فى الحضرة كالنومى لا علم لهم بوقت ولا زمان ولا معرفة محل ولا مكان احياء موتى صرعى يفيقون نومى منتبهون لا لهم الى غيرهم طريق ولا لغيرهم اليهم سبيل ومحل الحضور والمشاهدة انما هو الخمود تحت الصفات لا غير وقال ابو سعيد الخراز هذا محل الفناء والبقاء ان يكونوا فانين بالحق باقين به لا هم كالنيام ولا كاليقظى اوصافهم فانية عنهم واوصاف الحق بادية عليهم وهو حياة تحت كشف دولة مقابلة يقين وقال ايضا لهؤلاء ائمة الواحدين لما قاموا فقالوا ربنا رب السماوات كشف لهم حتى تبينوا جلال القدرة وعظم الملكوت فغيبوا عن التمتع بشئ من الكون بحقيقة احوالهم فصاروا دهشين لا ايقاظ ولا رقود وقال الاستاد هم مسلوبون عنهم مختطفون منه مستهلكون فيما كوشفوا به من وجود الحق وقال فى قوله ونقلبهم اخبار عن حسن ايوائه لهم ويقال اهل التوحيد صفتهم ما قاله الحق فى وصف اصحاب الكهف وتحسبهم ايقاظا وهم رقود لشواهد الفرق فى ظواهرهم لكنهم بعين الجمع بما كوشفوا به فى سرايرهم تجرى عليه احواله وهم غير مكلفين بل هم يبيتون وهم خمود عماهم به وفى قوله ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال وقع لى من طريان الاحوال رمز فى وصف الصفات المتشابهة اضاف نقلبهم الى نفسه اى اقلبهم بنفسى فى حجر وصلتى وهذه فيهم تلك الخاصية التى خص بها آدم عليه السلام بقوله وخلقت بيدى فباشرهم انوار يدى البقاء والقدم وتقلبهم من ذات يمين الربوبية بمحض الصفة بغير التشبيه والحلول الى ذات الشمال العبودية وذلك حين القاهم فى قفار الازال والاباد ولومهم على رؤس اودية الصفات بنعت الغيبة عن الذات ولولا ذلك التقلب الذى ارجعهم من معدن الربوبية الى معدن العبودية === صرصر الكبرياء فى هواء عزة البقاء لما اطلع عليهم الحق شموس جلاله كادوا ان يذوبوا فى رؤيتها فقلبهم من ذات يمين الاحدية الى ذات شمال الحدوثية لبقائهم بالحق مع الحق والا كيف يكون بقاء الحدث فى القدم واذا كانوا متنغصين فى مرارة التفرقة ومباشرة الحدوثية تقلبهم من الحدثان الى بحار العرفان فهم بين الثقلين فى مقامين الفناء والبقاء والقبض والبسط والجمع والتفرقة وهذه من لطايف سر العارفين وتقلب اسرار الموحدين فى عالم الملكوت والجبروت ثم اخبر سبحانه من سعة قدرته وكمال رحمته وجلال منته بانه اختار من بين سباع ابرية كلبا عارفا وجعله مستعدا لقبول المعرفة ممهدا لجريان انوار محبته ومقبلا عليه مع اوليائه لديه بقوله {وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِٱلوَصِيدِ} وضع قلب الروحانى الملكوتى فى كلب وجعل قلبه خزائنه من خزائن معارفه وصندوقا من صناديق جواهر سر اسراره وحركه بسلاسل جذباته وحبس عنايته الى مشاهد قربه وعرفه طرق الربوبية وسلوك العبودية فروحه كان روحانيا وسره ربانيا وشهوده رحمانيا والبسه ما والبس القوم لذلك فرّ الى الحق مع اوليائه من اماكن الحدثان ويا عاقل لا تنظر الى صورة الكلب وغيره فان متحمل الصفات حقائق فعله والكلب والغير من افعاله والصفات والافعال فى معادنها منزه عن التفاضل بل اذا اضيف الى الكون يفضل البعض على البعض من حيث العلم والحكمة واذا كان سبحانه اختار احدا من خلقه بمعرفته ومحبته بحسن عنايته الازلية لا ينظر الى سببه ولا الى نسبه ولا الى صورته ولا الى رتبته بل يجرى عليه بارادته القديمة احكام حسن عنايته فيصيره جواهر الآفاق ويجعله لطائف الترياق ويرفعه الى تمام الملكوت ويوصله الى ميادين الجبروت قال الله يختص برحمته من يشاء فجعل الكلب معظم آياته لهم حيث انطقه بمعرفته وكسى قلبه اسرار نوره وابرز له انوار هيبته فاضطجع مقام الحرمة للرعاية بحسن الادب بالوصيد وبين سبحانه رتبة الانسانية وفضلها على الحيوانية بحيث اقامه بالوصيد وعلى سرادق الكبرياء ووصيد مجد الجلال وادخلهم فى فجوة الوصال سبحان المتفضل بالكمال قال ابو بكر الوراق مجالسة الصالحين ومجاورتهم يوثر على الخلق وان لم يكونوا اجناسا الا ترى الله كيف ذكر اصحاب الكهف فذكر كلبهم معهم لمجاورته اياهم ويقال لما لزم الكلب محله ولم يجاوز حده فوضع يده على الوصيد بقى مع الاولياء كذا ادب الخدمة يوجب بقاء الوصلة ثم زاد سبحانه فى وصفهم مما كساهم من انوار جلاله وعظمته التى ترتعد من رؤيتها قلوب الصديقين وتقشعر من صولتها جلود المقربين وتفزع من حقايقها ارواح المرسلين بقوله {لَوِ ٱطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوْلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَاراً وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً} ان الله سبحانه نبهنا ههنا عن جلال قدر نبيه صلى الله عليه وسلم بانه تعالى ربى روحه وعقله وقلبه وسره ونفسه فى بدو الاول بنور حسن مشاهدته وانوار جمال وجهه خاصة بلا مطالعة العظمة والكبرياء لانه كان مصطفى لمحبته مجتبى لحسن وصاله ودنو دنوه ولطائف قرب قربه والبسه حلل حسن صفاته وطيبه بطيب انسه ونشقه ورد قدسه وسقاه من بحر وداده من مروق زلفته بكاس روحه فكان عيشه مع الحق من حيث الانس والانبساط والبسط والجمال وكان خطابه خطاب تكرمة ومكرمة عاش فى مشاهدة جماله ونيل وصاله كان عندليب رياض الانس وبلبل بساتين القدس راى الحق بعين الجمال فى مرآة الجلال وراه بعين الجلال فى مرآة الجمال محفوظا عن طوارق قهريات القدم وسطوات عظمة الازل حاله اصفى من كدورة عيش الخائفين وغبار ايام المجاهدين ما وقع على سره قهر الغيرة وما جرى على روحه سيول الفرقة كان مرادا معشوقا حبيبا محبوبا موصولا بالوصال معروفا بالجمال كان من لطافته الطف من نور العرش والكرسى وطيبه كان اطيب من طيب الفردوس شمال جماله يهب على رياض وصال الازل وحياة جنانه منزه عن قهر ايدى الاجل لو راى بالمثل نملة ملتبسة بنور هيبة فعل الحق لفزع منها من حسنه ولطافته لذلك قال تعالى لو اطلعت يا حبيبى من حيث انت على ما البستهم لباس قهر ربوبيتى وسطوات عظمتى لوليت منهم من رؤية ما عليهم من هيبتى وعظمتى ولملئت منهم رعبا لانهم مرآة عظمتى اتجلى منهم بنعت عظمتى للعالمين لئلا يقربوا منهم ويطلعوا عليهم لانهم فى عين غيرتى ولا اريد ان يطلع عليهم احد غيرى وانت يا حبيبى موضع سرى وموضع سرسرى ومكان لطفى لو رايتهم بذلك اللباس السلطانى الجبارى لتفر منهم وتملأ من رؤيتهم رعبا كما فر موسى كليمى من رؤية عصاه حين قلبتها حية تسعى وذلك من الباسى اياها كسوة عظمتى وجلال هيبتى ففر موسى من عظمتنا ولم يعلم من اى شئ === نقص عليك فانك وان كنت مربَّى بروية الحسن والجمال منا فجميع صفات العظمة ونعوت الكبرياء انكشفت لك فى لباس الحسن والجمال وانت جامع الجمع قال جعفر لو اطلعت عليهم من حيث انت لوليت منهم فرارا ولو اطلعت عليهم من حيث الحق لشاهدت فيهم معانى الوحدانية والربانية قال ابن عطا لانه وردت عليهم انوار الحق من فنون الخلع واظلتهم سرادق التعظيم واحرقت جلابيب الهيبة لذلك قال الله لنبيه صلى الله عليه وسلم لو اطلعت عليهم لوليت منهم فراراً وقال الحسين لوليت منهم فرارا انفه مما هم فيه من اظهار الحوال عليهم وقهر الاحوال لهم مع ما شاهدته من اعظم المحل فى القربات فى المشاهدة فلم يوثر عليك بحلاله محلك وقال جعفر لو اطلعت على ما بهم من آيات قدرتنا ورعايتنا لهم وتولية حفاظتهم لوليت منهم فرارا اى ما قدرت على مشاهدة ما بهم من هيبتنا فيكون حقيقة الفرار منا لا منهم لان ما بدا عليهم منا ثم اخبر سبحانه عن ارتفاع اثقال العظمة عنهم وافاقتهم عن سكر المشاهدة وحضورهم بعد الغيبة بقوله {وَكَذٰلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَآءَلُوا بَيْنَهُمْ} فيه اشارة انهم فى بديهة وقائع الغيب وهم اهل البدايات فى المعرفة وهجوم غلبات الوجد لذلك هاموا فى الغيب وطاشوا فى القرب ولو كانوا فى محل التمكين والصحو ما غابوا عن الاحساس ورسوم المعاملات ويكون حالهم كحال نبينا صلى الله عليه وسلم حين دنا وثبت فى التدلى واستقام فى منازل الاعلى واستقر بين انوار القدم والبقاء بنعت الصحو والصفا وقال لا احصى ثناء عليك انت كما اثنيت على نفسك ولو ان ما ورد عليه من احكام الربوبية فى المشاهدة ورد عنه على جميع الاولين والآخرين لطاشت عقولهم وطارت ارواحهم وفنيت قلوبهم واستهلكت نفوسهم ولكن ما اطيب زمان السكر للمريدين والمحبين والشائقين والعاشقين اخذهم سكر الوصال عن القيل والقال وعن الاشتغال والمحال وغيبهم فى انوار الجمال والجلال حتى لم يحسوا شيئا من الحدثان من ذوق وصال الرحمن ما اطيب تلك الاوقات السرمدة والاحوال المقدسة بحيث ما لهم خبر عن مرور الزمان وحوادث الملوان شعر : شهور ينقضين وما شعرنا بانصاف لهم ولا شرا تفسير : ما اقل زمان الوصاف لعشاق الجمال والدهر عندهم فى المشاهدة ساعة واعمار العالمين فى منازل انسهم لمحة وانشد شعر : صباحك سكر والمساء خمار نعمت وايام السرور قصار تفسير : زمان القربة قليل وزمان الفرقة طويل وذلك من غيرة العشق الهجران فى كمين الغيرة مقيم وملدوغ الفراق من سم افاعى الغيرة سليم لا يصبر الدهر حتى يفرق بين العاشقين والمعشوقين وانشد شعر : عجبت بسعى الدهر بينى وبينها فلما انقضى ما بيننا سكر الدهر تفسير : كانوا لا يعرفون اليوم من الامس ولا يعلمون من حدة الحال القمر الشمس {قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ كَم لَبِثْتُمْ قَالُواْ لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ} استقاموا مقام الوصال واستلذوا لطائف الجمال وتخبطوا فى المقال وما كان ذلك الا من خمار سكر الاحوال ذكروا ايام الوصلة فى مقام الفرقة وتعاظموا لطائف الموانسة فى منازل الوحشة واشتاقوا الى معاهد المشاهدة واياه المداناة وانشدوا شعر : سلام على تلك المعاهد انها شريعة ورد او مهب شمال ليالى لم تحصر حرون قطيعة ولم يمش الا فى سهول وصال فقد مرت ارضى من سواكن ارضها يجلّب برق او يطيف خيال تفسير : قال ابن عطا مقام المحب مع الحبيب وان طال فانه قصير عنده اذ لا يقضى من حبيبه وطرا ولو مكث معه دوام الدهر فان انتهاء شوقه اليه كالابتداء فانتهاؤه فيه ابتداء فلما رجعوا من مقام الجذب الى مقام السلوك ومن مقام الروحانية الى مقام البشرية واحتاجوا الى ما يعيش به الانسان استعملوا حقائق الطريقة بقوله سبحانه {فَٱبْعَثُواْ أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَـٰذِهِ إِلَىٰ ٱلْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَآ أَزْكَىٰ طَعَاماً} لما استطابوا الخلوة فلم يخرجوا وامروا المبعوث فى طلب الرزق فتركوا السوال واستعملوا الكسب بقوله فابعثوا احدكم بورقكم ثم امروه باستعمال الورع لان الورع من موجبات الطريقة وحقوق الحقيقة وهذا اداب الائمة لذلك قال ذو النون لا يطفى نور المعرفة نور الورع وامروه بالمراقبة حتى لا يطلع عليهم احد وفيه بيان ان الكسب ايضا من التوكل لان القوم بحمد الله لم يخلوا من مقام التوكل وفيه بيان ان اهل الوجد والحال والمكاشفة والمقال هم اهل الغذاء المحمود الملطف من لطف الطعام لان ارواحهم من عالم القدس ولا يليق بهم الا ما يليق باهل الانس من اكل الطيبات واشهى الماكولات ولبس الناعمات قال جعفر بن احمد الرازى اوصى يوسف بن الحسين بعض اصحابه فقال اذا حملت الى الفقراء واهل المعرفة شيئا واشريت لهم طعاما فليكن لطيفا فان الله تعالى وصف اصحاب الكهف حين بعثوا من يشترى لهم طعاما قالوا وليتلطف واذا اشتريت للزهاد والعباد فاشتر كل ما تجده فانهم بعد فى تذليل انفسهم ومنعها من الشهوات قال الشيخ ابو عبد الرحمن سمعت ابا عثمان المغربى يقول ارفاق المريدين بالعنف وارفاق العارفين باللطف وقال الاستاد تواصوا فيما بينهم بحسن الخلق وجميل الرفق اى ليتلطفن مع من يشترى منه شيئا ويقال من كان من اهل المعرفة لا يوافقه الخشن من الملبوس ولا النازل فى الطعم من الماكول ويقال اهل المجاهدات واصحاب الرياضات فطعامهم الخشن ولباسهم كمثله والذى بلغ المعرفة لا يوافقه الا كل لطيف ولا يستانس الا بكل مليح.
اسماعيل حقي
تفسير : {وترى الشمس} يا محمد او يا من يصلح للخطاب ويتأتى منه الرؤية وليس المراد به الاخبار بوقوع الرؤية تحقيقا بل الانباء بكون الكهف بحيث لو رأيته ترى الشمس. قال الكاشفى [آورده اندكه جوانان اتفاق نموده بكوه در آمدند وشبان ايشانرا بغار در آورد وجون درو قرار كرفتند حق سبحانه وتعالى خواب برايشان كما شت هما نجا بخفتند دقيانوس بعد ازدوسه روزى بافسوس باز آمده احوال جوانان برسيد وجون ازفرار ايشان خبر يافت آباء ايشانرا براحضار ايشان تكليف نمود كفتند اى ملك مبلغى اموال ما برده بدين كو متحصن شدند دقيانوس باجمعى ازعقب ايشان برفت وايشانرا درون غار تكيه كرده يافت بنداشت كه بيدارندكفت درغاررابسنك بر آريد تاهم آنجا بميرند بس درغاررا استوار كردند ودومؤمن ازمقربان دقيانوس اسامى واحاوال جوانرا برلوحى ازسنك نقش كرد ودرديوار غار وضع كردند باميد آنكه شايد كسى روزى آنجارسد وازحوال ايشان خبر دار كردد]. يقول الفقير فيكون ما ذكر فى الآية من تزاور الشمس وقرضها طالعة وغاربة قبل ان سد دقيانوس باب الكهف اذ لا يتصور دخول شعاع الشمس من الباب المسدود حتى يحتاج الى التزاور والقرض كما لا يخفى {اذا طلعت تزاور} اى تتزاور وتتنحى وتميل بحذف احدى التاءين من الزور بفتح الواو وهو الميل {عن كهفهم} الى آووا اليه فالاضافة لادنى ملابسة {ذات اليمين} اى جهة ذات يمين الكهف عند توجه الداخل على قعره اى جانبه الذى يلى المغرب فلا يقع عليهم شعاعها فيؤذيهم لان الكهف كان جنوبيا اى كانت سحاته داخلة فى جانب الجنوب اوزوّرها الله عنهم وصرفها على منهاج خرق العادة كرامة لهم وحقيقتها الجهة ذات اسم اليمين اى الجهة المسماة باسم اليمين {واذا غربت} اى تراها عند غروبها {تقرضهم} القرض القطع ومنه المقراض اى تقطعهم ولا تقربهم {ذات الشمال} اى جهة ذات شمال الكهف اى جانبه الذى يلى المشرق. وفى القاموس تقرضهم ذات الشمال اى تخلفهم شمالا وتجاوزهم وتقطعهم وتتركهم على شمالها {وهم فى فجوة منه} الفجوة الفرجة وما اتسع من الارض وساحة الدار وهى جملة حالية مبنية لكون ذلك امرا بديعا اى تراها تميل عنهم يمينا وشمالا ولا تحوم حولهم فى نهارهم كله مع انهم فى متسع من الارض اى فى وسط معرض لاصباتها لولا ان صرفتها فى نهارهم كله مع انهم فى متسع من الارض اى فى وسط معرض لاصابتها لولا ان صرفتها عنهم يد التقدير {ذلك} اى ما صنع الله بهم من تزاور الشمس وقرضها حالتى الطلوع والغروب مع كونهم فى موقع شعاعها {من آيات الله} العجيبة الدالة على كمال علمه وقدرته وحقية التوحيد وكرامة اهله عنده {من} [هركه] {يهد الله} الى الحق بالتوفيق له {فهو المهتد} الذى اصاب الفلاح واهتدى الى السعادة كلها فلن يقدر على اضلاله احد والمراد اما الثناء عليهم بانهم المهتدون او التنبيه على ان امثال هذه الآية كثيرة ولكن المنتفع بها من وفقه الله للاستبصار بها {ومن يضلل} اى يخلق فيه الضلالة لصرف اختياره اليها {فلن تجد له} ابدا وان بالغت فى التتبع والاستقصاء {وليا} ناصرا {مرشدا} يهديه الى الفلاح لاستحالة وجوده فى نفسه لا انك لا تجده مع وجوده او امكانه.
ابن عجيبة
تفسير : قلت: {تزاور} أصله: تتزاور، فأُدغمت التاء في الزاي. وقرأ الكوفيون بحذفها، وابن عامر ويعقوب: "تَزَوَّرُ" كتَمرد، كلها من الزَّوْر بمعنى الميل. و {ذات اليمين}: ظرف بمعنى الجهة. وجملة: {وهم في فجوة}: حال، و {ذراعيه}: مفعول "باسط"؛ لأنه حكاية حال، أي: يبسط، و {فرارًا}: مصدر؛ لأنه عبارة عن معنى التولية، أو حال، أي: لوليت فارًا، و {رُعْبًا}: مفعول ثان لملئت، أو تمييز. يقول الحقّ جلّ جلاله: في بيان حالهم بعدما أووا إلى الكهف: {وترى الشمسَ إِذا طلعت تزَاورُ} أي: تنتحي وتميل {عن كهفهم} الذي أووا إليه، والخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم، أو لكل أحد ممن يصلح للخطاب. وليس المراد الإخبار بوقوع الرؤية تحقيقًا، بل الإنباء بكون الكهف بحيث لو رأيته ترى الشمس إذا طلعت تميل عن كهفهم {ذاتَ اليمين} أي: جهة ذات يمين الكهف، عند الداخل إلى قعره، {وإِذا غَرَبَت} أي: وتراها إذا غربت {تَقْرِضُهم} أي: تقطعهم وتتعدى عنهم {ذاتَ الشمال} أي: جهته وجانبه الذي يلي المشرق. وكان ذلك بتصريف الله تعالى على منهاج خرق العادة؛ كرامة لهم. وقيل: كان باب الكهف شماليًا يستقبل بنات نعش، {وهم في فجوةٍ منه}: في موضع واسع منه، وذلك موقع لإصابة الشمس، ومع ذلك يُنحيها الله عنهم. {ذلك من آيات الله} أي: ما صنع الله بهم من ميل الشمس عنهم عند طلوعها وغروبها، من آيات الله العجيبة الدالة على كمال علمه وقدرته، وفضيلة التوحيد وكرامة أهله عنده سبحانه. قال بعضهم: هذا قبل سد دقيانوس باب الكهف، قلت: كان قبل السد وبعد هدم السد؛ لأنه هُدم بعدُ، فما قام أهل الكهف حتى وجدوه مهدومًا. وظاهر الآية يُرجح من قال: إنه من باب خرق العادة. {مَن يَهدِ الله فهو المهتدِ} الذي أصاب الفلاح. والمراد: إما الثناء عليهم، والشهادة بإصابة المطلوب، والإخبار بتحقيق ما أمَّلُوه من نشر الرحمة وتهيئة المرافق، أو التنبيه على أن أمثال هذه الآية كثيرة، ولكن المنتفع بها هو مَنْ وفقه الله وهداه للاستبصار بها، {ومن يُضلل} أي: يخلق فيه الضلال؛ بصرف اختياره إليه، {فلن تجد له}، ولو بالغت في التتبع والاستقصاء، {وليًّا}: ناصرًا {مُرشدًا}، يهديه إلى ما ذكر من الفلاح. والجملة معترضة بين أجزاء القصة. ثم قال: {وتحسبُهُم} بالفتح والكسر، أي: تظنهم {أيقاظًا}، لانفتاح أعينهم، أو لكثرة تقلبهم، وهو جمع "يقظ"؛ بظم القاف وكسرها، {وهم رقود} أي: نيام، {ونُقلِّبهم} في رقودهم {ذاتَ اليمين} أي: جهة تلي أيمانهم، {وذات الشمال} أي: جهة تلي شمائلهم؛ لكي لا تأكل الأرضُ ما يليها من أبدانهم. قال ابن عباس رضي الله عنه: لو لم يتقلبوا لأكلتهم الأرض. قيل: كانوا يتقلبون مرتين في السنة. وقيل: مرة يوم عاشوراء. وقيل: في تسع سنين. {وكلبهم باسطٌ ذراعيه}، حكاية حال ماضية أي: يبسط ذراعيه، وهو من المرفق إلى رأس الأصابع. {بالوصيد} أي: بموضع من الكهف، وقيل: بالفِناء من الكهف، وقيل: العَتَبة. وهذا الكلب، قيل: هو كلبٌ مَروا به فتبعهم، فطردوه مرارًا، فلم يرجع، فأنطقه الله، فقال: يا أولياء الله لا تخشوا إصابتي؛ فإني أُحب أحباء الله، فناموا حتى أحرُسَكم. وقيل: هو كلبُ راعٍ مروا به فتبعهم على دينهم، ومر معه كلبه، ويؤيده قراءة: (وَكَالِبُهُمْ) أي: وصاحب كلبهم، وقيل: هو كلب صيد لهم أو زرع، واختُلف في لونه؛ قيل أحمر، وقيل: أصفر، وقيل: أصهب. {لو اطّلعتَ عليهم} أي: لو عاينتهم وشاهدتهم. والاطلاع: الإشراف على الشيء بالمعاينة والمشاهدة، {لولَّيت منهم فرارًا}: هربًا بما شاهدت منهم، {ولمُلئتَ منهم رُعْبًا}، أي: خوفًا يملأ الصدور برُعبه، لِمَا ألبسهم الله من الرهبة، أو لعظم أجرامهم وانفتاح أعينهم، وكانت منفتحة كالمستيقظ الذي يريد أن يتكلم. وعن معاوية: أنه غزا الروم فمرّ بالكهف، فقال: لو كُشف لنا عن هؤلاء فنظرنا إليهم، فقال ابن عباس رضي الله عنه: ليس لك ذلك؛ قد منع الله تعالى مَنْ هو خير منك، حيث قال: {لو اطلعت عليهم...} الآية، فلم يسمع، وقال: ما أنتهي حتى أعْلَم علمهم، فبعث ناسًا، وقال: اذهبوا فانظروا، ففعلوا، فلما دخلوا بعث الله ريحًا فأحرقتهم. هـ. الإشارة: للصوفية - رضي الله عنهم - تشبه قويّ بأهل الكهف، في الانقطاع إلى الله، والتجرد عن كل ما سواه، والانحياش إلى الله، والفرار من كل ما يشغل عن الله، والتماس الرحمة الخاصة من الله، وطلب التهيئة لكل رشد وصواب، ولهذا المعنى ختم الشيخ القطب ابن مشيش تصليته المشهورة بما دَعَوْا به، حين أووا إلى كهف الإيواء؛ تَشَبُّهًا بهم في مطلق الانقطاع والفرار من مواطن الحس. ولذلك لَمَّا تشبهوا بهم حفظهم الله - أي: الصوفية - ممن رام أذاهم، وغيّبهم عن حس أنفسهم، وأشهدهم عجائب لطفه وقدرته، ومن تمام التشبه بهم: أنك قلَّ أن تجد فرقة تُسافر منهم إلا ويتبعهم كلب يكون معهم، حتى شهدتُ ذلك في جُل أسفارنا مع الفقراء؛ تحقيقًا لكمال التشبيه. والله تعالى أعلم. ثم ذكر بعثهم بعد نومهم
الجنابذي
تفسير : {وَتَرَى} يا محمّد (ص) اذا رأيت كهفهم او يا من يتأتّى منه الرّؤية {ٱلشَّمْسَ إِذَا طَلَعَت تَّزَاوَرُ} تميل {عَن كَهْفِهِمْ ذَاتَ ٱلْيَمِينِ} اى الى الجهة من الكهف ذات يمين الواقف خارج الكهف مقبلاً على الباب او داخل الكهف مدبراً عن الباب، هذا اذا كان الكهف واقعاً فى جهة الجنوب وبابه الى جهة الشّمال، وبالعكس ان كان واقعاً فى جهة الشّمال وبابه الى جهة الجنوب، او عن الجهة ذات يمين الواقف خارج الكهف مدبراً عن الباب، او داخل الكهف مقبلاً على الباب اذا كان الكهف واقعاً فى جهة الجنوب وبابه الى جهة الشّمال، وبعكس ذلك ان كان الكهف بعكس ذلك، او المعنى ترى الشّمس اذا طلعت حالكونها فى الجهة ذات يمين الواقف، او حالكونها صاحبة يمين الواقف، او تزاور حالكونها فى يمين الواقف او ذات يمين الواقف، وتصوير وضع الكهف غير خفىٍّ بعد ما مضى، او المعنى تزاور فى الجهة ذات اليمين على ان يكون ظرفاً لغواً وتصوير وضعه كما اذا كان المعنى تزاور الى ذات اليمين {وَإِذَا غَرَبَت تَّقْرِضُهُمْ ذَاتَ ٱلشِّمَالِ} الى ذات الشّمال او عن ذات الشّمال او فى ذات الشّمال او حالكونها ذات الشّمال، وتصويرها بعد تصوير سوابقها غير صعبٍ {وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِّنْهُ} متّسع من الكهف بحيث لا يتأذّون من حرّ الشّمس ولا كرب الغار {ذٰلِكَ} اى كونهم فى الكهف بالوصف المذكور او ذلك المذكور من قصّة اصحاب الكهف وهو جملة معترضة لذكير السّامعين {مِنْ آيَاتِ ٱللَّهِ مَن يَهْدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلْمُهْتَدِ} معترضة اخرى للاشارة الى وجهٍ من وجوه التّأويل وتمثيل حالهم لحال جملة المؤمنين {وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيّاً مُّرْشِداً وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظاً} عطف على ترى الشّمس يعنى من رآهم يحسب انّهم ايقاظٌ لكون اعينهم مفتوحةً ناظرةً، او يحسب انّهم احياءٌ لطراوة اجسادهم ونضارة ابدانهم {وَهُمْ رُقُودٌ} نائمون او امواتٌ {وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ ٱليَمِينِ وَذَاتَ ٱلشِّمَالِ} اى على الجهة ذات اليمين او فى الجهة ذات اليمين يعنى لا نديم منهم جنباً واحداً على الارض حتّى يتغيّر ويتصرّف فيه الارض، وفيه اشارة الى اجابة دعائهم حيث سألوا الرّحمة والتّقليب الى ذات اليمين والرّشد يعنى التّقليب الى ذات الشّمال والمقصود التّوسّط بين الجذب والسّلوك، ولا يخفى على البصير الاستبصار بالتّأويل {وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِٱلوَصِيدِ} بفناء الكهف كالبوّاب المطيع {لَوِ ٱطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ} يا محمّد (ص) على طريقة: ايّاك اعنى واسمعى يا جارة، او يا من يتأتّى منه الاطّلاع {لَوْلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَاراً وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً} وذلك لما اعطاهم الله من الهيبة والخشية، او لانّ اجسادهم كانت كأجساد الموتى وكانت عيونهم مفتوحة بحيث يتوحّش النّاظر منهم.
فرات الكوفي
تفسير : {من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً 17} فرات قال: حدّثني الحسن بن علي بن بزيع معنعناً: حديث : عن أبي أمامة [الباهلي. ر] قال: كنا ذات يوم عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جلوساً فجاءنا [أمير المؤمنين. ر] علي بن أبي طالب عليه السلام واتفق من رسول الله [صلى الله عليه وآله وسلم. ب] قيام فلما رأى علياً جلس فقال: يا ابن أبي طالب أتعلم لم جلست؟ قال: اللهم لا. فقال [رسول الله. ر] صلى الله عليه وآله وسلم: ختمت أنا النبيين وختمت أنت الوصيين فحق الله أن لا يقف موسى بن عمران عليه [الصلاة و. ر] السلام موقفاً إلا وقف معه يوشع بن نون، وإني أقف وتوقف وأسأل وتسأل فأعد الجواب يا ابن أبي طالب فإنما أنت عضو من أعضائي تزول أينما زلت. فقال علي [عليه السلام. أ، ب]: يا رسول الله فما الذي تسأل حتى أهتدي؟ فقال: يا علي من يهد الله فلا مضل له ومن يضلله فلا هادي له، لقد أخذ الله ميثاقي وميثاقك وأهل مودتك وشيعتك إلى يوم القيامة فيكم شفاعتي، ثم قرأ: {إنما يتذكر أولوا الألباب} [9/ الزمر] هم شيعتك يا علي .
اطفيش
تفسير : {وَتَرَى الشَّمْسَ} أى تعلمها بإخبارنا إياك أو تراها ببصرك لو رأيت كهفهم حين انتشار الشمس بجوانبه والخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم أو لكل من تمكن منه الرؤية العلمية أو البصرية. {إذَا طَلَعَتْ} وجملة: {تَزَاوَرُ} مفعول ثان لترى بمعنى تعلم أو حال من الشمس على أن ترى بمعنى تبصر وجواب إذا أيضا جملة كهذه دلت عليها هذه أو جوابها هذه وإذا وجوابها مفعول أو حال ومعنى تزاور وتميل وأصله تتزاور بتاءين مفتوحتين بعدها زاى خفيفة أبدلت التاء الثانية زايا فسكنت هذه الزاى وأدغمت فى الزاى وقرأه الكوفيون تزاور بحذف إحدى التاءين وتخفيف الزاى وقرأه ابن عامر ويعقوب تَزْوَرّ بإسكان الزاى تشديد الراء بدون إدخال ألف بينهما وبين الواو قبلها وقرئ هكذا لكن بإدخال الألف بينهما والكل من الزور بمعنى الميل ومنه زاره زيارة أى مال إليه. {عَنْ كَهْفِهِمْ} أى تميل عنه ولا يقع شعاعها عليهم فيؤذيهم لأن الكهف كان جنوبيا ولأن الله أبعدها عنهم إكراما لهم وما كان فى ذلك السمت تصيبه الشمس. وقيل: لأن باب الكهف كان فى مقابلة بنات النعش وأقرب مطالع الشمس ومغاربها إلى محاذاة بابه مطلع شمس السرطان ومغربها والشمس إذا كان مدارها مدار رأس السرطان تطلع مائلة عن باب الكهف مقابلة لجانبه الأيمن وهو الذى يلى المغرب وتغرب محاذية لجانبه الأيسر فيقع شعاعها على جانبه وتحلل عفونة الكهف وتعدل هواءه ولا تقع عليهم فتؤذى أجسادهم وتبلى ثيابهم. {ذَاتَ الْيَمِينِ} أى جهة اليمين وهو يمين الكهف فذات ظرف مكان متعلق بتزاور أى تميل فى جهة اليمين كذا قيل وهو تفسير بالواقع وإلا فذات اليمين نفس اليمين أو جهة صاحبة اليمين أى من يمينه فإن يمين الشئ متسع غير محدود وهذه الجهة من جملة يمينه قريبة إليه وقيل: حقيقة ذلك لجهة ذات اسم اليمين. {وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ} أى تقطعهم بمعنى تعرض عنهم وتتركهم. والقرض: القطع والمراد هنا القطيعة كما ذكرت. {ذَاتَ الشِّمَالِ} شمال الكهف وفى هذا ما مر فى ذات اليمين وفيه دليل على أن يمين باب البيت يعتبر عند الخروج منه. {وَهُمْ فِى فَجْوَةٍ} متسع {مِنْهُ} من الكهف لا ينالهم غم الغار ولا حر الشمس لأنهم فى أوسطه بحيث ينالهم رَوح الهوى دون الشمس لأن باب الغار بحيث لا تدخل عليهم الشمس أو المعنى: إن الشمس تميل عنهم طلوعاً وغروباً ولا تصيبهم مع أنهم فى مكان واسع منفتح مظنة لأن تصيبهم لولا أن الله حجبها عنهم كما مر. {ذَلِكَ} أى شأنهم والتجاؤهم إلى الكهف على الحد المذكور أو إخبارك بقصتهم بدون أن تقرأها فى كتاب أَو يعلمكها إنسان أو تزاور الشمس وقرضها طالعة وغاربة مع أن ما فى ذلك السمت تصيبه الشمس فى العادة لولا أن الله منعها أن تدخل عليهم الغار بقدرته. {مِنْ آيَاتِ اللهِ} دليل وجوده وكمال قدرته. {مَنْ يَهْدِ اللهُ} بالتوفيق {فَهُوَ الْمُهْتَدِ} مثل أصحاب الكهف وغيرهم من الموفقين وذلك يتضمن الثناء على أصحاب الكهف ولا يقال كيف يثنى عليهم وهم موفقون لأنا نقول: ليس التوفيق جبرا بل أمر تسببوا فيه بأفعال وأقوال واعتقادات اختياريه قارنها التوفيق وكذا الإضلال ليس جبرا بل تسببوا بأمور قارنها الخذلان ويجوز عندى وجه آخر هو أن المعنى ليس مجرد الآيات موجبا للاهتداء كآية أصحاب الكهف وسائر الآيات بل موجب الاهتداء هداية الله عز وجل بالتوفيق للمتأمل فى الآيات. أثبت ياء المهتدى فى الوصل نافع وأبو عمرو. {وَمَنْ يُضْلِلْ} يخذله {فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا} من يليه بالتوفيق {مُرْشِداً} مصلحا لحاله مسددا له.
اطفيش
تفسير : {وَتَرَى الشَّمْسَ} يا محمد أو يا من يصلح للرؤية، لو رأيتهم، أو بمعنى تعلم على إفشاء العلم من إخباره. {إذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ} تميل تتزاور، أبدلت التاء زايًا وأدغمت لبعد التاء عن الزاى، ومنه زيارة أحد، لأنها ميل إليه {عَنْ كَهْفِهِمْ}، لا يقع شعاعها عليهم فيؤذيهم، لأن الكهف ساحته وداخله فى جانب الجنوب، فيكون بابه فى جانب الشمال. {ذَاتَ الْيَمِينِ} أى جهة صاحبة اليمين {وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ} تنقطع بهم من القَرْض بمعنى القَطْع، وقال الفارسى: المعنى تعطيهم بعض الضوء، ويزول سريعًا كالقرض يسترده صاحبه، ويرده أنه لم يسمع ثلاثى لهذا، وإنما هو أقرض بالهمزة، وأما القرض الثلاثى فاسم مصدر. {ذَاتَ الشِّمَالِ} أى جهة ذات الشمال {وَهُمْ فِى فَجْوَةٍ} فى متسع {مِنْهُ} ينالهم روح الهواء الطيب، لا كرب الغار، ولا حرَّ الشمس، فبقيت ألوانهم وثيابهم على حالها كذا زعموا، وهو غفلة وسهو وإنما بقوا بلا تغيير بقدرة الله، وإِلا فطول المدة يغيِّرهم ويغيِّر ثيابهم، على أى حال كانوا، وقد يقال يناسب ما ذكروا قوله تعالى: "أية : ونقلبهم" تفسير : [الكهف: 18] بأَن أجرى الله الأمر على ما ذكروا، كما أجرى الأمر على التقليب، مع أنه قادر على أن لا تأكلهم الأرض بلا تقليب، كما أنه تعالى يجرى غالب الأشياء على أسباب. وقد قيل: تدخل عليهم الشمس ولا تضر بهم، وذلك ينافى أن الغار قد سد، وما قيل إنه سده ملك مؤمن بجعل حائط مسجد سدًّا له، والآية بيان لتمايل الشمس عن كهفهم، لا بيان لأنه فتح ولا تنالهم، ولا لأنه لو فتح لنالتهم، وباب الكهف فى مقابلة بنات نعش الصغرى، وأقرب المشارق والمغارب إلى محاذاته مشرق رأس السرطان، ومغربه، والشمس إِذا كان مدارُها مداره تطلع مائلة عنه، مقابلة لجانبه الأيمن، وهو الذى يلى المغرب، وتغرب محاذية لجانبه الأيسر، وإنما سمى الذى يلى المغرب يميناً لأنه يمين المتوجه لبابه فى داخل الكهف. وإذا غربت كانت على شماله، وعبارة بعض المراد يمين الداخل وشمال الداخل، وكل نقطة على الأفق تطلع منها الشمس تسمى مشرقًا، ولما كان الكهف فى جانب شمال منطقة البروج، كان الأقرب إلى محاذاة الكهف مشرق رأس السرطان، أى نقطة على الأفق تطلع منها الشمس، إذا كانت فى رأس السرطان، أى أوله، لأن مشارق رأس السرطان أقرب إلى القطب من سائر المشارق، فلا بد أن يكون أشد محاذاة الكهف من سائر المشارق، فإذا طلعت من هذا المشرق يقع شعاعها فى الجانب الغربى من الكهف، وإذا غربت فى مغرب رأس السرطان يكون أقرب محاذاة إلى الكهف من سائر المغارب لأن هذا المغرب أقرب إلى القطب الشمالى، وكل نقطة تغرب فيها الشمس فهى مغرب. وقيل: منع الله عز وجل ضوء الشمس عنهم، مع أنها تقابلهم عند الطلوع والغروب، ولا تغيرهم، أو لا تقع عليهم مع مقابلتها لهم، وذلك خرق للعادة إكراما لهم، وعليه الزجاج على أن الباب غير مسدود، ويناسبه قوله عز وجل: {ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللهِ} إذا رددنا الإشارة إِلى بقائهم، فإنه الذى يكون مخالفًا للمعتاد لطول الزمان، ويجوز أن تكون الإشارة إلى أوبهم أو إيوائهم إلى الكهف، أو إخباره صلى الله عليه وسلم الناس بقصتهم، أو ما ذكر من ازورار الشمس وقرصها، واستحسن بعض أن الإشارة إلى مجموع هدايتهم إلى التوحيد، ومخالفة قومهم، وعدم الاكتراث بهم وبملكهم، وسطوتهم مع أنهم شباب وإيواؤهم إلى الكهف تلك صفته. وعن ابن عباس: ما أوتى أحد نبوّة ولا علمًا إِلا وهو شاب، يعنى غالبًا فصاحب الأربعين شاب، لأن صاحب النبوّة يعطاها على أربعين. {مَنْ يَهْدِ اللهُ} هداية توفيق كأصحاب الكهف {فَهُوَ الْمُهْتَدِ} أفاد أنه لا اهتداء إلا بهداه، وكفى بهذا مغايرة بين الشرط والجواب، أو معناه مصيب الفلاح. {وَمَنْ يُضْلِلْ} يخذل كدقيانوس وقومه، بأن لم يهدهم إلا هداية بيان {فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا} يهديه هداية توفيق، والآية مدح لأصحاب الكهف فى العموم، وذم لدقيانوس وقومه فى العموم، وتنبيه على أن الآيات كثيرة، لكن المنتفع بها من وفَّقه الله للاعتبار بها، وهى متصلة بقوله: ذلك من آيات الله، ومقتضى الظاهر، فهو الضار، عبَّر عنه بذلك للفاصلة.
الالوسي
تفسير : {وَتَرَى ٱلشَّمْسَ} بيان لحالهم بعد ما أووا إلى الكهف ولم يصرح سبحانه به تعويلاً على ما سبق من قوله تعالى: {أية : إِذْ أَوَى ٱلْفِتْيَةُ إِلَى ٱلْكَهْفِ} تفسير : [الكهف: 10] وما لحق من إضافة الكهف إليهم وكونهم في فجوة منه، وجوز أن يكون إيذاناً بعدم الحاجة إلى التصريح لظهور جريانهم على موجب الأمر لكونه صادراً عن رأي صائب وقد حذف سبحانه وتعالى أيضاً جملاً أخرى لا تخفى. والخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم أو لكل أحد ممن يصلح له وهو للمبالغة في الظهور وليس المراد الإخبار بوقوع الرؤية بل الإنباء بكون الكهف لو رأيته ترى الشمس {إِذَا طَلَعَت تَّزَاوَرُ} / أي تتنحى وأصله تتزاور بتاءين فحذف أحدهما تخفيفاً وهي قراءة الكوفيين والأعمش وطلحة وابن أبـي ليلى وخلف وابن سعدان وأبـي عبيدة وأحمد بن جبير الأنطاكي ومحمد بن عيسى الأصبهاني، وقرأ الحرميان وأبو عمرو {تزاور} بفتح التاء وتشديد الزاي، وأصله أيضاً تتزاور إلا أنه أدغمت التاء في الزاي بعد قلبها زاياً، وقرأ ابن أبـي إسحاق وابن عامر وقتادة وحميد ويعقوب عن العمري {تزور} كتحمر وهو من بناء الأفعال من غير العيوب والألوان، وقد جاء ذلك نادراً. وقرأ جابر والجحدري وأبو رجاء والسختياني وابن أبـي عبلة ووردان عن أبـي أيوب {تزوار} كتحمار وهو في البناء كسابقه، وقرأ ابن مسعود وأبو المتوكل {تزوئر} بهمزة قبل الراء المشددة كتطمئن، ولعله إنما جيء بالهمزة فراراً من التقاء الساكنين وإن كان جائزاً في مثل ذلك مما كان الأول حرف مد والثاني مدغماً في مثله وكلها من الزور بفتحتين مع التخفيف وهو الميل، وقيده بعضهم بالخلقى، والأكثرون على الإطلاق ومنه الأزور المائل بعينه إلى ناحية ويكون في غير العين قال ابن أبـي ربيعة: شعر : وجنبي خيفة القرم أزور تفسير : وقال عنترة: شعر : فازور من وقع القنا بلبانه وشكا إليَّ بعبرة وتحمحم تفسير : وقال بشر بن أبـي خازمشعر : تؤم بها الحداة مياه نخل وفيها عن أبانين ازورار تفسير : ومنه زاره إذا مال إليه، والزور أي الكذب لميله عن الواقع وعدم مطابقته، وكذا الزور بمعنى الصنم في قوله:شعر : جاءوا بزوريهم وجئنا بالأصم تفسير : وقال الراغب: إن الزور بتحريك الواو ميل في الزور بتسكينها وهو أعلى الصدر، والأزور المائل الزور أي الصدر وزرت فلاناً تلقيته بزوري أو قصدت زوره نحو وجهته أي قصدت وجهه، والمشهور ما قدمناه. وحكي عن أبـي الحسن أنه قال: لا معنى لتزور في الآية لأن الازوار الانقباض، وهو طعن في قراءة ابن عامر ومن معه بما يوجب تغيير الكنية، وبالجملة المراد إذا طلعت تزوغ وتميل. {عَن كَهْفِهِمْ} الذي أووا إليه فالإضافة لأدنى ملابسة {ذَاتَ ٱلْيَمِينِ} أي جهة ذات يمين الكهف عنه توجه الداخل إلى قعره أي جانبه الذي يلي المغرب أو جهة ذات يمين الفتية ومآله كسابقه، وهو نصب على الظرفية. قال المبرد في «المقتضب»: ذات اليمين وذات الشمال من الظروف المتصرفة كيميناً وشمالاً. {وَإِذَا غَرَبَت} أي تراها عند غروبها {تَّقْرِضُهُمْ} أي تعدل عنهم، قال الكسائي: يقال قرضت المكان إذا عدلت عنه ولم تقر به {ذَاتَ ٱلشّمَالِ} أي جهة ذات شمال الكهف أي جانبه الذي يلي المشرق، وقال غير واحد: هو من القرض بمعنى القطع تقول العرب: قرضت موضع كذا أي قطعته. قال ذو الرمة:شعر : إلى ظُعُنٍ يقرض أقواز مشرف شمالاً وعن أيمانهن الفوارس تفسير : والمراد تتجاوزهم {وَهُمْ فِى فَجْوَةٍ مّنْهُ} أي في متسع من الكهف، وهي على ما قيل من الفجا وهو تباعد ما بين الفخذين يقال رجل أفجى وامرأة فجواء، وتجمع على فجاء وفجا وفجوات. وحاصل الجملتين أنهم كانوا لا تصيبهم الشمس أصلاً فتؤذيهم وهم في وسط الكهف بحيث ينالهم روح الهواء، ولا يؤذيهم / كرب الغار ولا حر الشمس، وذلك لأن باب الكهف كما قال عبد الله بن مسلم وابن عطية كان في مقابلة بنات نعش وأقرب المشارق والمغارب إلى محاذاته مشرق رأس السرطان ومغربه والشمس إذا كان مدارها مداره تطلع مائلة عنه مقابلة لجانبه الأيمن، وهو الذي يلي المغرب، وتغرب محاذية لجانبه الأيسر فيقع شعاعها على جنبيه وتحلل عفونته وتعدل هواءه ولاتقع عليهم فتؤذي أجسادهم وتبلي ثيابهم، ولعل ميل الباب إلى جانب المغرب كان أكثر ولذلك وقع التزاور على كهفهم والقرض على أنفسهم؛ وقال الزجاج: ليس ذلك لما ذكر بل لمحض صرف الله تعالى الشمس بيد قدرته عن أن تصيبهم على منهاج خرق العادة كرامة لهم وجيء بقوله تعالى: {وَهُمْ فِى فَجْوَةٍ مّنْهُ} حالاً مبينة لكون ما ذكر أمراً بديعاً كأنه قيل ترى الشمس تميل عنهم يميناً وشمالاً ولا تحوم حولهم مع كونهم في متسع من الكهف معرض لإصابتها لولا أن كفها عنهم كف التقدير. واحتج عليه بقوله تعالى: {ذٰلِكَ مِنْ ءايَاتِ ٱللَّهِ} حيث جعل {ذٰلِكَ} إشارة إلى ما ذكر من التزاور والقرض في الطلوع والغروب يميناً وشمالاً، ولا يظهر كونه آية على القول السابق ظهوره على قوله فإن كونه آية دالة على كمال قدرة الله تعالى وحقية التوحيد وكرامة أهله عنده سبحانه على هذا أظهر من الشمس في رابعة النهار. وكان ذلك قبل سد باب الكهف على ما قيل. وقال أبو علي: معنى تقرضهم تعطيهم من ضوئها شيئاً ثم تزول سريعاً وتسترد ضوءها فهو كالقرض يسترده صاحبه، وحاصل الجملتين عنده أن الشمس تميل بالغدوة عن كهفهم وتصيبهم بالعشي إصابة خفيفة، ورد بأنه لم يسمع للقرض بهذا المعنى فعل ثلاثي ليفتح حرف المضارعة، واختار بعضهم كون المراد ما ذكر إلا أنه جعل تقرضهم من القرض بمعنى القطع لا بالمعنى الذي ذكره أبو علي لما سمعت وزعم أنه من باب الحذف والإيصال والأصل تقرض لهم وأن المعنى وإذا غربت تقطع لهم من ضوئها شيئاً، والسبب لاختياره ذلك توهمه أن الشمس لو لم تصب مكانهم أصلاً لفسد هواؤه وتعفن ما فيه فيصير ذلك سبباً لهلاكهم وفيه ما فيه، وأكثر المفسرين على أنهم لم تصبهم الشمس أصلاً وإن اختلفوا في منشأ ذلك. واختار جمع أنه لمحض حجب الله تعالى الشمس على خلاف ما جرت به العادة قالوا: والإشارة تؤيد ذلك أتم تأييد والاستبعاد مما لا يلتفت إليه لا سيما فيما نحن فيه فإن شأن أصحاب الكهف كله على خلاف العادة. وبعض من ذهب إلى أن المنشأ كون باب الكهف في مقابلة بنات نعش جعل (ذلك) إشارة إلى إيوائهم إلى كهف هذا شأنه وبعض آخر جعله إشارة إلى حفظ الله تعالى إياهم في ذلك الكهف المدة الطويلة وآخر جعله إشارة إلى إطلاعه سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم على أخبارهم. واعترض على الأخيرين بأنه لا يساعدهما إيراد ذلك في تضاعيف القصة. وجعله بعضهم إشارة إلى هدايتهم إلى التوحيد ومخالفتهم قومهم وآباءهم وعدم الاكتراث بهم وبملكهم مع حداثتهم وإيوائهم إلى كهف شأنه ذلك ولا يخلو عن حسن وإليه أميل والله تعالى أعلم. وقرىء {يقرضهم} بالياء آخر الحروف ولعل الضمير عائد على غروب الشمس. وقال أبو حيان: أي يقرضهم الكهف. { مَن يَهْدِ ٱللَّهُ} من يدله سبحانه دلالة موصولة إلى الحق ويوفقه لما يحبه ويرضاه {فَهُوَ ٱلْمُهْتَدِ} الفائز بالحظ الأوفر في الدارين، والمراد إما الثناء على أصحاب الكهف والشهادة لهم بإصابة المطلوب والإخبار بتحقق ما أملوه من نشر الرحمة وتهيئة المرفق أو التنبيه على أن / أمثال هذه الآيات كثيرة ولكن المشفع بها من وفقه الله تعالى للتأمل فيها والاستبصار بها فالمراد بمن إما الفتية أو ما يعمهم وغيرهم وفيه ثناء عليهم أيضاً وهو كما ترى. وجعله بعضهم ثناء على الله تعالى لمناسبة قوله سبحانه {أية : وَزِدْنَـٰهُمْ هُدًى} تفسير : [الكهف: 13] {أية : وَرَبَطْنَا} تفسير : [الكهف: 14] وملاءمة قوله عز وجل {وَمَن يُضْلِلْ} يخلق فيه الضلال لصرف اختياره إليه {فَلَن تَجِدَ لَهُ } أبداً وإن بالغت في التتبع والاستقصاء {وَلِيّاً} ناصراً {مُّرْشِدًا} يهديه إلى الحق ويخلصه من الضلال لاستحالة وجوده في نفسه لا أنك لا تجده مع وجوده أو إمكانه إذ لو أريد مدحهم لاكتفى بقوله تعالى {فَهُوَ ٱلْمُهْتَدِ} وفيه أنه لا يطابق المقام والمقابلة لا تنافي المدح بل تؤكده ففيه تعريض بأنهم أهل الولاية والرشاد لأن لهم الولي المرشد، ولعل في الآية صنعة الاحتباك.
ابن عاشور
تفسير : {وَتَرَى ٱلشَّمْسَ إِذَا طَلَعَت تَّزَاوَرُ عَن كَهْفِهِمْ ذَاتَ ٱلْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَت تَّقْرِضُهُمْ ذَاتَ ٱلشِّمَالِ وَهُمْ فِى فَجْوَةٍ مِّنْهُ}. عطف بعض أحوالهم على بعض. انتقل إلى ذكره بمناسبة الإشارة إلى تحقيق رجائهم في ربهم حين قال بعضهم لبعض { أية : ينشر لكم ربكم من رحمته ويهيىء لكم من أمركم مرفقاً } تفسير : [الكهف: 16]. وهذا حال عظيم وهو ما هيأ الله لهم في أمرهم من مرفق، وأن ذلك جزاؤهم على اهتدائهم وهو من لطف الله بهم. والخطاب لغير معين. والمعنى: يَرى مَن تُمكنه الرؤيةُ. وهذا كثير في الاستعمال، ومنه قول النابغة: شعر : ترى عافيات الطير قد وثقت لها بشبع من السُخل العتاق الأكايل تفسير : وقد أوجز من الخبر أنهم لما قال بعضهم لبعض { أية : فأووا إلى الكهف } تفسير : [الكهف: 16] أنهم أووا إليه. والتقدير: فأخذوا بنصيحته فأووا إلى الكهف. ودل عليه قوله في صدر القصة { أية : إذ أوى الفتية إلى الكهف } تفسير : [الكهف: 10] فرُد عجزُ الكلام على صدره. و{تزاور} مضارع مشتق من الزور ــــ بفتح الزاي ــــ، وهو المَيل. وقرأه نافع وابن كثير وأبو عمرو وأبو جعفر ــــ بفتح التاء وتشديد الزاي بعدها ألف وفتح الواو ــــ. وأصله: تتزاور ــــ بتاءين أدغمت تاء التفاعل في الزاي تخفيفاً ــــ. وقرأه عاصم وحمزة والكسائي وخلف ــــ بتخفيف الزاي ــــ على حذف إحدى التاءين وهي تاء المضارعة للتخفيف اجتزاء برفع الفعل الدال على المضارعة ــــ. وقرأه ابن عامر ويعقوب {تزور} ــــ بفتح التاء بعدها زاي ساكنة وبفتح الواو وتشديد الراء ــــ بوزن تَحْمَرُّ. وكلها أبنية مشتقة من الزَوَر بالتحريك، وهو الميل عن المكان، قال عنترة: شعر : فازورّ من وقع القنَا بلبَانِه تفسير : أي مال بعض بدنه إلى بعض وانقبض. والإتيان بفعل المضارعة للدلالة على تكرر ذلك كل يوم. و{تقرضهم} أي تنصرف عنهم. وأصل القَرْض القطع، أي أنها لا تطلع في كهفهم. و{ذات اليمين وذات الشمال} بمعنى صاحبة، وهي صفة لمحذوف يدل عليه الكلام، أي الجهة صاحبة اليمين. وتقدم الكلام على {ذات} عند قوله تعالى: { أية : وأصلحوا ذات بينكم } تفسير : في سورة الأنفال (1). والتعريف في {اليمين}، و{الشمال} عوض عن المضاف إليه، أي يمين الكهف وشماله، فيدل على أن فم الكهف كان مفتوحاً إلى الشمال الشرقي، فالشمس إذا طلعت تطلع على جانب الكهف ولا تخترقه أشعتُها، وإذا غربتْ كانت أشعتها أبعد عن فم الكهف منها حينَ طلوعها. وهذا وضع عجيب يسّره الله لهم بحكمته ليكون داخلُ الكهف بحالة اعتدال فلا ينتاب البِلى أجسادَهم، وذلك من آيات قدرة الله. والفجوة: المتسع من داخل الكهف، بحيث لم يكونوا قريبين من فم الكهف. وفي تلك الفجوة عون على حفظ هذا الكهف كما هو. {ذٰلِكَ مِنْ ءَايَاتِ ٱللَّهِ} الإشارة بقوله: {ذلك} إلى المذكور من قوله: {وترى الشمس}. وآيات الله: دلائل قدرته وعنايته بأوليائه ومؤيدي دين الحق. والجملة معترضة في خلال القصة للتنويه بأصحابها. والإشارةُ للتعظيم. استئناف بياني لما اقتضاه اسمُ الإشارة من تعظيم أمر الآية وأصحابِها. وعموم (مَن) الشرطية يشمل المتحدَث عنهم بقرينة المقام. والمعنى: أنَهم كانوا مهتدين لأن الله هداهم فيمن هدى، تنبيهاً على أن تيسير ذلك لهم من الله هو أثر تيسيرهم لليسرى والهُدى، فأبلغهم الحق على لسان رسولهم، ورزقهم أفهاماً تؤمن بالحق. وقد تقدم الكلام على نظير {من يهد الله فهو المهتد}، وعلى كتابة {المهتد} بدون ياء في سورة الإسراء. والمرشد: الذي يُبين للحيران وجه الرشد، وهو إصابة المطلوب من الخير.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {وَتَرَى ٱلشَّمْسَ إِذَا طَلَعَت تَّزَاوَرُ عَن كَهْفِهِمْ ذَاتَ ٱلْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَت تَّقْرِضُهُمْ ذَاتَ ٱلشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِّنْهُ ذٰلِكَ مِنْ آيَاتِ ٱللَّهِ}. اعلم أولاً أما قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك: أن من أنواع البيان التي تضمنها - أن يقول بعض العلماء في الآية قولاً، ويكون في نفس الآية قرينة تدل على خلاف ذلك القول. وذكرنا من ذلك أمثلة متعددة. وإذا علمت ذلك فاعلم أن العلماء اختلفوا في هذه الآية على قولين وفي نفس الاية قرينة تدل على صحة أحدهما وعدم صحة الآخر. أما القول الذي تدل القرينة في الآية على خلافه - فهو أن أصحاب الكهف كانوا في زاوية من الكهف، وبينهم وبين الشمس حواجز طبيعية من نفس الكهف، تقيهم حر الشمس عند طلوعها وغروبها. على ما سنذكر تفصيله إن شاء الله تعالى. وأما القول الذي تدل القرينة في هذه الآية على صحته - فهو أن أصحاب الكهف كانوا في فجوة من الكهف على سمت تصيبه الشمس وتقابله. إلا أن الله منع ضوء الشمس من الوقوع عليهم على وجه خرق العادة. كرامة لهؤلاء القوم الصالحين، الذين فروا بدينهم طاعة لربهم جل وعلا. والقرينة الدالة على ذلك هي قوله تعالى: {ذٰلِكَ مِنْ آيَاتِ ٱللَّهِ} إذ لو كان الأمر كما ذكره أصحاب القول الأول لكان ذلك أمراً معتاداً مألوفاً، وليس فيه غرابة حتى يقال فيه {ذٰلِكَ مِنْ آيَاتِ ٱللَّهِ} وعلى هذا الوجه الذي ذكرناه أنه تشهد له القرينة المذكورة. فمعنى تزاور الشمس عن كهفهم ذات اليمين عند طلوعها، وفرضها إياهم ذات الشمال عند غروبها - هو أن الله يقلص ضوءها عنهم ويبعده إلى جهة اليمين عند الطلوع، وإلى جهة الشمال عند الغروب. والله جل وعلا قادر على كل شيء، يفعل ما يشاء. فإذا علمت هذا - فاعلم أن أصحاب القول الأول اختلفوا في كيفية وضع الكهف.وجزم ابن كثير في تفسيره بأن الآية تدل على أن باب الكهف كان من نحو الشمال، قال: لأنه تعالى أخبر بأن الشمس إذا دخلته عند طلوعها تزاور عنه ذات اليمين، أي يتقلص الفيء يمنة. كما قال ابن عباس وسعيد بن جبير وقتادة: تزاور أي تميل، وذلك أنها كلما ارتفعت في الأفق تقلص شعاعها بارتفاعها حتى لا يبقى منه شيء عند الزوال في ذلك المكان. ولهذا قال تعالى {وَإِذَا غَرَبَت تَّقْرِضُهُمْ ذَاتَ ٱلشِّمَالِ} أي تدخل إلى غارهم من شمال بابه وهو من ناحية الشرق، فدل على صحة ما قلناه وهذا بين لمن تأمله، وكان له علم بمعرفة الهيئة وسير الشمس والقمر والكواكب. وبيانه - أنه لو كان باب الغار من ناحية الشرق لما دخل إليه منها شيء عند الغروب.ولو كان من ناحية القبلة لما دخل إليه منها شيء عند الطلوع ولا عند الغروب. ولا تزاور الفيء يميناً وشمالاً. ولو كان من جهة الغرب لما دخلته وقت الطلوع، بل بعد الزوال ولم تزل فيه إلى الغروب، فتعين ما ذكرناه، ولله الحمد. انتهى كلام ابن كثير. وقال الفخر الرازي في تفسيره: أصحاب هذا القول قالوا إن باب الكهف كان مفتوحاً إلى جانب الشمال، فإذا طلعت الشمس كانت على يمين الكهف، وإذا غربت كانت على شماله، فضوء الشمس ما كان يصل إلى داخل الكهف، وكان الهواء الطيب والنسيم الموافق يصل إليه، انتهى كلام الرازي. وقال أبو حيان في تفسير هذه الآية: وهذه الصفة مع الشمس تقتضي أنه كان لهم حاجب من جهة الجنوب، وحاجب من جهة الدبور وهم في زاوية. وقال عبد الله بن مسلم: كان باب الكهف ينظر إلى بنات نعش، وعلى هذا كان أعلى الكهف مستوراً من المطر. قال ابن عطية: كان كهفهم مستقبل بنات نعش لا تدخله الشمس عند الطلوع ولا عند الغروب، اختار الله لهم مضجعاً متسعاً في مقنأة لا تدخل عليهم الشمس فتؤذيهم. انتهى الغرض من كلام أبو حيان. والمقنأة: المكان الذي لا تطلع عليه الشمس، وإلى غير ذلك من أقوال العلماء. والقول الأول أنسب للقرينة القرآنية التي ذكرنا. وممن اعتمد القول الأول لأجل القرينة المذكورة - الزجاج، ومال إليه بعض الميل الفخر الرازي والشوكاني في تفسيريهما، لتوجيههما قول الزجاج المذكور بقرينة الآية المذكورة. وقال الشوكاني رحمه الله في تفسيره: ويؤيد القول الأول قوله تعالى: {ذٰلِكَ مِنْ آيَاتِ ٱللَّهِ} فإن صرف الشمس عنهم مع توجه الفجوة إلى مكان تصل إليه عادة أنسب، بمعنى كونها آية. ويؤيده أيضاً إطلاق الفجوة وعدم تقييدها بكونها إلى جهة كذا. ومما يدل على أن الفجوة المكان الواسع قول الشاعر: شعر : ألبست قومك مخزاة ومنقصة حتى أبيحوا وحلوا فجوة الدار تفسير : انتهى كلام الشوكاني. ومعلوم أن الفجوة: هي المتسع. وهو معروف في كلام العرب ومنه البيت المذكور، وقول الآخر: شعر : ونحن ملأنا كل واد وفجوة رجالاً وخيلاً غير ميل ولا عزل تفسير : ومنه الحديث: "فإذا وجد فجوة نص". وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: {وَتَرَى ٱلشَّمْسَ إِذَا طَلَعَت} أي ترى أيها المخاطب الشمس عند طلوعها تميل على كهفهم. والمعنى: أنك لو رأيتهم لرأيتهم كذلك. لا أن المخاطب رآهم بالفعل، كما يدل لهذا المعنى قوله تعالى: {أية : لَوِ ٱطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوْلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَاراًً}تفسير : [الكهف: 18] الآية والخطاب بمثل هذا مشهور في لغة العرب التي نزل بها هذا القرآن العظيم. وأصل مادة التزاور: الميل، فمعنى تزاور: تميل. والزور: الميل، ومنه شهادة الزور، لأنها ميل عن الحق. ومنه الزيادة، لأن الزائر يميل إلى المزور. ومن هذا المعنى قول عنترة في معلقته: شعر : فازور من وقع القنا بلبانه وشكا إلي بعبرة وتحمحم تفسير : وقول عمر بن أبي ربيعة: شعر : وخفض عني الصوت أقبلت مشية الـ حبات وشخصي خشية الحي أزور تفسير : وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: {ذات اليمين} أي جهة اليمين، وحقيقتها الجهة المسماة باليمين. وقال أبو حيان في البحر: وذات اليمين: جهة يمين الكهف، وحقيقتها الجهة المسماة باليمين، يعني يمين الداخل إلى الكهف، أو يمين الفتية اهـ وهو منصوب على الظرف. وقوله تعالى: {وَإِذَا غَرَبَت تَّقْرِضُهُمْ}. من القرض بمعنى القطيعة والصرم. أي تقطعهم وتتجافى عنهم ولا تقربهم. وهذا المعنى معروف في كلام العرب. ومنه قول غيلان ذي الرمة: شعر : نظرت بجرعاء السبية نظره ضحى وسواد العين في الماء شامس إلى ظعن يقرضن أفواز مشرف شمالاً وعن أيمانهن الفوارس تفسير : فقوله: "يقرضن أفواز مشرف" أي يقطعنها ويبعدنها ناحية الشمال وعن أيمانهن الفوارس، وهو موضع أو رمال الدهناء. والأقواز: جمع قوز - بالفتح - وهو العالي من الرمل كأنه جبل. ويروى أجواز مشرف - جمع جوز. من المجاز بمعنى الطريق. وهذا الذي ذكرنا هو الصواب في معنى قوله تعالى {تَّقْرِضُهُمْ} خلافاً لمن زعم أن معنى تقرضهم: تقطعهم من ضوئها شيئاً ثم يزول سريعاً كالقرض يسترد. ومراد قائل هذا القول - أن الشمس تميل عنهم بالغداة، وتصيبهم بالعشي إصابة خفيفة، بقدر ما يطيب لهم هواء المكان ولا يتعفن. قال أبو حيان في البحر: ولو كان من القرض الذي يعطى ثم يسترد لكان الفعل رباعياً، فتكون التاء في قوله "تقرضهم" مضمومة، لكن دل فتح التاء من قوله "تقرضهم" على أنه من القرض بمعنى القطع، أي تقطع لهم من ضوئها شيئاً، وقد علمت أن الصواب القول الأول. وقد قدمنا أن الفجوة: المتسع. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: {تَّزَاوَرُ عَن كَهْفِهِمْ} فيه ثلاث قراءات سبعيات: قرأه ابن عامر الشامي "تزور" بإسكان الزاي وإسقاط الألف وتشديد الراء. على وزن تحمر، وهو على هذه القراءة من الأزورار بمعنى الميل. كقول عنترة المتقدم: شعر : فازور من وقع القنا. البيت تفسير : وقرأه الكوفيون وهم عاصم وحمزة والكسائي بالزاي المخففة بعدها ألف. وعلى هذه القراءة فأصله "تتزاور" فحذفت منه إحدى التاءين. على حد قوله في الخلاصة: شعر : وما بتاءين ابتدى قد يقتصر فيه على تا كتبين العبر تفسير : وقرأه نافع المدني وابن كثير المكي وأبو عمرو البصري "تزاور" بتشديد الزاي بعدها ألف، وأصله "تتزاور" أدغمت فيه التاء في الزاي. وعلى هاتين القراءتين: أعني قراءة حذف إحدى التاءين، وقراءة إدغامها في الزاي فهو من التزاور بمعنى الميل أيضاً. وقد يأتي التفاعل بمعنى مجرد الفعل كما هنا، وكقولهم: سافر وعاقب وعافى. وعلى قول من قال: كهف حواجز طبيعية تمنع من دخول الشمس بحسب وضع الكهف فالإشارة في قوله: {ذٰلِكَ مِنْ آيَاتِ ٱللَّهِ} راجعة إلى ما ذكر من حديثهم. أي ذلك المذكور إلى هدايتهم إلى التوحيد وإخراجهم من بين عبدة الأوثان، وإيوائهم إلى ذلك الكهف، وحمايتهم من عدوهم إلى آخر حديثهم - من آيات الله. وأصل الآية عند المحققين "أيية" بثلاث فتحات، أبدلت فيه الياء الأولى ألفاً. والغالب في مثل ذلك أنه إذا اجتمع موجبا إعلال كان الإعلال في الأخير. لأن التغير عادة أكثر في الأواخر، كما في طوى ونوى، ونحو ذلك. وهنا أعلى الأول على خلاف الأغلب، كما أشار له في الخلاصة بقوله: شعر : وإن لحرفين ذا الإعلال استحق صحح أول وعكس قد يحق تفسير : والآية تطلق في اللغة العربية إطلاقين. وتطلق في القرآن العظيم إطلاقين أيضاً. أما إطلاقاها في اللغة الأول منهما - أنها تطلق بمعنى العلامة، وهو الإطلاق المشهور، ومنه قوله تعالى: {أية : إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَن يَأْتِيَكُمُ ٱلتَّابُوتُ}تفسير : [البقرة: 248] الآية، وقول عمر بن أبي ربيعة: شعر : بآية ما قالت غداة لقيتها بمدفع أكنان أهذا المشهر تفسير : يعني أن قولها ذلك هو العلامة بينها وبين رسوله إليها المذكور في قوله قبله: شعر : ألكني إليها بالسلام فإنه يشهر إلمامي بها وينكر تفسير : وقد جاء في شعر نابغة ذبيان وهو جاهلي تفسير الآية بالعلامة في قوله: شعر : توهمت آيات لها فعرفتها لستة أعوام وذا العام سابع تفسير : ثم بين أن مراده بالآيات علامات الدار بقوله بعده: شعر : رماد ككحل العين لأياً أبينه ونؤدي كجذم الحوض أثلم خاشع تفسير : وأما الثاني منهما - فهو إطلاق الآية بمعنى الجماعة، يقولون: جاء القوم بآيتهم، أي بجماعتهم. ومنه قول برج بن مسهر أو غيره: شعر : خرجنا من النقبين لاحى مثلنا بآياتنا لزجي اللقاح المطافلا تفسير : فقوله" بآياتنا" أي بجماعتنا. وإما إطلاقاها في القرآن فالأول منهما - إطلاقها على الآية الكونية القدرية، كقوله تعالى: {أية : إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَٱخْتِلاَفِ ٱلْلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ}تفسير : [ آل عمران: 190] أي علامات كونية قدرية يعرف بها أصحاب العقول السليمة أن خالقها هو الرب المعبود وحده جل وعلا. والآية الكونية القدرية في القرآن من الآية بمعنى العلامة لغة. وأما إطلاقها الثاني في القرآن فهو إطلاقها على الآية الشرعية الدينية، كقوله: {أية : رَّسُولاً يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ ٱللَّهِ} تفسير : [الطلاق: 11] الآية ونحوها من الآيات. والآية الشرعية الدينية قيل: هي من الآية بمعنى العلامة لغة، لأنها علامات على صدق من جاء بها. أو أن فيها علامات على ابتدائها وانتهائها. وقيل: من الآية. بمعنى الجماعة، لاشتمال الآية الشرعية الدينية على طائفة وجماعة من كلمات القرآن. قوله تعالى: {مَن يَهْدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلْمُهْتَدِ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيّاً مُّرْشِداً}. بين جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن الهدى والإضلال بيده وحده جل وعلا، فمن هداه فلا مضل له، ومن أضله فلا هادي له. وقد أوضح هذا المعنى في آيات كثيرة جداً، كقوله تعالى: {أية : وَمَن يَهْدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلْمُهْتَدِ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِهِ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمّاً}تفسير : [الإسراء: 97] الآية، وقوله: {أية : مَن يَهْدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلْمُهْتَدِي وَمَن يُضْلِلْ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْخَاسِرُونَ}تفسير : [الأعراف: 178]، وقوله:{أية : إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَآءُ}تفسير : [القصص: 56] الآية، وقوله: {أية : وَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ ٱللَّهِ شَيْئاً}تفسير : [المائدة: 41] الآية، وقوله: {أية : إِن تَحْرِصْ عَلَىٰ هُدَاهُمْ فَإِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي مَن يُضِلُّ وَمَا لَهُمْ مِّن نَّاصِرِينَ}تفسير : [النحل: 37]، وقوله تعالى: {أية : فَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي ٱلسَّمَآءِ}تفسير : [الأنعام: 125] والآيات بمثل هذا كثيرة جداً. ويؤخذ من هذه الآيات وأمثالها في القرآن - بطلان مذهب القدرية: أن العبد مستقل بعمله من خير أو شر، وأن ذلك ليس بمشيئة الله بل بمشيئة العبد، سبحانه جل وعلا عن أن يقع في ملكه شيء بدون مشيئته! وتعالى عن ذلك علواً كبيراً! وسيأتي بسط هذا المبحث إن شاء الله تعالى. وقد أوضحناه أيضاً في كتابنا (دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب) في سورة "الشمس" في الكلام على قوله تعالى:{أية : فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا}تفسير : [الشمس: 8] وقوله {فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيّاً مُّرْشِداً} أي لن يكون بينه وبينه سبب للمولاة يرشده إلى الصواب والهدى، أي لن يكون ذلك - لأن من أضله الله فلا هادي له، وقوله: {فَهُوَ ٱلْمُهْتَدِ} قرأه بإثبات الياء في الوصل دون الوقف نافع وأبو عمرو. وبقية السبعة قرؤوه بحذف الياء في الحالين.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 17- وقد كان فى الكهف فتحة متسعة فى الجبل، وهى متجهة إلى الشمال يجيئهم منها النسيم العليل، وإذا طلعت الشمس من الشرق عن يمينهم مالت أشعتها عنهم، وإذا غربت عن يسارهم تجاوزتهم ولم تدخل أشعتها فى كهفهم، فحرارة الشمس لا تؤذيهم. ونسيم الهواء يأتيهم، وذلك كله من دلائل قدرة الله، ومن يوفقه الله لإدراكها يهتدى، ومن لا يوفقه فلا مرشد له من بعد. 18- وتظنهم - أيها الناظر - منتبهين، وفى الحقيقة هم نيام، ونقلبهم فى نومهم يمينا مرة ويسارا مرة لنحفظ أجسامهم من تأثير الأرض، وكلبهم - الذى صاحبهم - مادا ذراعيه بالفناء وهو نائم أيضاً فى شكل اليقظان، لو اطلعت - أيها المخاطب - عليهم وهم على تلك الحال لفررت منهم هاربا، ولملئ قلبك منهم فزعا لهيبتهم فى منامهم، فلا يقع نظر أحد عليهم إلا هابهم، كيلا يدنو منهم أحد، ولا تمسهم يد حتى تنتهى المدة. 19- وكما أنَمْنَاهم أيقظناهم ليسأل بعضهم بعضاً عن مدة مكثهم نائمين، فقال واحد منهم: ما الزمن الذى مكثتموه فى نومكم؟ فقالوا: مكثنا يوماً أو بعض يوم، ولما لم يكونوا مُسْتَيقنين من ذلك قالوا: اتركوا الأمر لله، فهو الأعلم به، وليذهب واحد منكم بهذه العملة الفضية إلى المدينة وليتخير أطيب الأطعمة فيأتيكم بطعام منه، وليكن حسن التفاهم، ولا يظهرن أمركم لأحد من الناس. 20- إنهم إن رأوكم يقتلوكم رجماً بالحجارة أو يعيدوكم إلى الشرك بالقوة، وإذا عدتم إليه فلن تفلحوا فى الدنيا والآخرة.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: تزاور: أي تميل. تقرضهم: تتركهم وتتجاوز عنهم فلا تصيبهم. في فجوة منه: متسع من الكهف ينالهم برد الريح ونسيمها. من آيات الله: أي دلائل قدرته. أيقاظاً: جمع يقظ أي منتبهين لأن أعينهم منفتحة. بالوصيد: فناء الكهف. رُعباً: منعهم الله بسببه من الدخول عليهم. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في عرض قصة أصحاب الكهف يقول تعالى في خطاب رسوله صلى الله عليه وسلم {وَتَرَى ٱلشَّمْسَ إِذَا طَلَعَت تَّزَاوَرُ عَن كَهْفِهِمْ} أي تميل عنه ذات اليمين {وَإِذَا غَرَبَت تَّقْرِضُهُمْ} أي تتركهم وتتجاوز عنهم فلا تصيبهم ذات الشمال. وقوله تعالى: {وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِّنْهُ} أي متسع من الكهف ينالهم برد الريح ونسيمها، وقوله {ذٰلِكَ مِنْ آيَاتِ ٱللَّهِ} أي وذلك المذكور من ميلان الشمس عنهم إذا طلعت وقرضها لهم إذا غربت من دلائل قدرة الله تعالى ورحمته بأوليائه ولطفه بهم، وقوله تعالى: {مَن يَهْدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلْمُهْتَدِ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيّاً مُّرْشِداً} يخبر تعالى أن الهداية بيده وكذلك الإِضلال فليطلب العبد من ربه الهداية إلى صراطه المستقيم، وليستعذ به من الضلال المبين، إذ من يضله الله لن يوجد له ولي يرشده بحال من الأحوال، وقوله تعالى: {وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظاً وَهُمْ رُقُودٌ} أي أنك إذا نظرت إليهم تظنهم أيقاظاً أي منتبهين لأن أعينهم متفتحة وهم رقود نائمون لا يحسّون بأحد ولا يشعرون، وقوله تعالى: {وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ ٱليَمِينِ} أي جهة اليمين {وَذَاتَ ٱلشِّمَالِ} أي جهة الشمال حتى لا تَعْدو التربة على أجسادهم فتبليها. وقوله {وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِٱلوَصِيدِ} أي: وكلبهم الذي خرج معهم، وهو كلب صيد {بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِٱلوَصِيدِ} أي: بفناء الكهف. وقوله تعالى: {لَوِ ٱطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ} أي لو شاهدتهم وهم رقود وأعينهم مفتحة {لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَاراً} لرجعت فاراً منهم {وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً} أي خوفاً وفزعاً، ذلك أن الله تعالى ألقى عليهم من الهيبة والوقار حتى لا يدنو منهم أحد ويمسهم بسوء إلى أن يوقظهم عند نهاية الأجل الذي ضرب لهم، ليكون أمرهم آية من آيات الله الدالة على قدرته وعظيم سلطانه وعجيب تدبيره في خلقه. من هداية الآيات: 1- بيان لطف الله تعالى بأوليائه بإكرامهم في هجرتهم إليه. 2- تقرير أن الهداية بيد الله فالمهتدي من هداه الله والضال من أضله الله ولازم ذلك طلب الهداية من الله، والتعوذ به من الضلال لأنه مالك ذلك. 3- بيان عجيب تدبير الله تعالى وتصرفه في مخلوقاته فسبحانه من إله عظيم عليم حكيم.
د. أسعد حومد
تفسير : {تَّزَاوَرُ} {آيَاتِ} (17) - وَكَانَ وَضْعُ الكَهْفِ الذِي آوَى الفِتْيَةُ إِلَيْهِ، أَنَّهُ إِذَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ تَمِيلُ عَنْهُ ذَاتَ اليَمِينِ، وَإِذَا مَالَتْ لِلْغُرُوبِ، دَخَلَتْ غَارَهُمْ مِنْ شَمَالِيِّ بَابِهِ (تَقْرِضُهُمْ)، (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ إِنَّ مَعْنَى تَقْرِضُهُمْ هُوَ: تَتْرُكُهُمْ، وَتَعْدِلُ عَنْهُمْ)، وَكَانَ الفِتْيَةُ فِي مَكَانٍ مُتَّسِعٍ، دَاخِلَ الكَهْفِ {فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ} لاَ تَمَسُّهُمْ فِيهِ الشَّمْسُ. وَمِنْ آيَاتِ اللهِ وَلُطْفِهِ بِهِمْ أَنَّهُ أَرْشَدَهُمْ إِلى الإِيمَانِ، وَثَبَّتَهُمْ عَلَيْهِ، حِينَ قَامُوا بَيْنَ يَدَي المَلِكِ الجَبَّارِ، ثُمَّ أَنَّهُ هَدَاهُمْ إِلَى هذا الكَهْفِ الَّذِي يَدْخُلُهُ النُّورُ وَالهَوَاءُ وَالشَّمْسُ لِتَبْقَى أَبْدَانُهُمْ سَلِيمَةً. وَاللهُ تَعَالَى هُوَ الذِي هَدَى هؤلاءِ الفِتْيَةَ إِلى عِبَادَتِهِ، وَالإِيمَانِ بِهِ مِنْ بَيْنِ قَوْمِهِمْ، وَمَنْ هَدَاهُ اللهُ فَهُوَ المُهْتَدِي، وَمَنْ أَضَلَّهُ اللهُ فَلَيْسَ لَهُ مَنْ يَهْدِيهِ وَيُرْشِدُهُ إِلى الحَقِّ وَالصَّوَابِ. قَرَضَتِ المَكَانَ - عَدَلَتْ عَنْهُ. تَزَاوَرُ - تَتَنَحَّى وَتَمِيلُ. فَجْوَةٍ - مُتَّسَعٍ مِنَ الكَهْفِ.
الثعلبي
تفسير : {وَتَرَى ٱلشَّمْسَ إِذَا طَلَعَت تَّزَاوَرُ عَن كَهْفِهِمْ}، أي تتزاور، وقرأ أهل الكوفة بالتخفيف على حذف أحد الزاءين، وقرأ أهل الشام: {تَّزوَرُ} على وزن تحمرّ، وكلّها بمعنىً واحد، أي تميل وتعدل عن كهفهم {ذَاتَ ٱلْيَمِينِ}، أي جانب اليمين، {وَإِذَا غَرَبَت تَّقْرِضُهُمْ}، قال ابن عباس: تدعهم. قال مقاتل بن حيان: تجاوزهم. وأصل القرض: القطع. {ذَاتَ ٱلشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِّنْهُ}، أي متّسع من الكهف، وجمعها فجوات وفجىً. أخبرنا الله تعالى بحفظه ايّاهم في مهجعهم، وعرفنا لطفه بهم في مضجعهم واختياره لهم أصلح المواضع للرقاد فأعلمنا أنّه بوّأهم في مغناة من الكهف مستقبلاً بنات نعش، تميل عنهم الشمس طالعة وغاربة وجارية؛ لا تدخل عليهم فتؤذيهم بحرّها وتغّير ألوانهم وتبلى ثيابهم، وإنهم في متّسع منه ينالهم فيه بَرد الريح ونسيمها وتنفي عنهم كربة الغار وغمومه، {ذٰلِكَ} الذي ذكرت من أمر الفتية {مِنْ آيَاتِ ٱللَّهِ}: من عجائب صنع اللّه ودلالات قدرته وحكمته. {مَن يَهْدِ ٱللَّهُ} أي يهدهِ اللّه {فَهُوَ ٱلْمُهْتَدِ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيّاً} مُعينَاً {مُّرْشِداً} ؛ لأنّ التوفيق والخذلان بيد الله عزّ وجلّ. {وَتَحْسَبُهُمْ} يا محمد {أَيْقَاظاً} أي منتبهين، جمع يقِظ ويقَظ مثل قولك: رجل نجِد ونجَد للشجاع، وجمعه أنجاد، {وَهُمْ رُقُودٌ}: نيام، جمع راقد مثل قاعد وقعود، {وَنُقَلِّبُهُمْ}، وقرأ الحسن (ونقْلِبهم) بالتخفيف، {ذَاتَ ٱليَمِينِ وَذَاتَ ٱلشِّمَالِ} مرّة للجنب الأيمن ومرّة للجنب الأيسر. قال ابن عباس: كانوا ينقلبون في السنة مرة إلى جانب من جانب، لئلا تأكل الأرض لحومهم. ويقال: إنّ يوم عاشوراء كان يوم تقليبهم. وقال أبو هريرة: كان لهم في كل سنة تقليبان. {وَكَلْبُهُمْ}، قال ابن عباس: كان أنمر. وقال مقاتل: كان أصفر. وقال القرظي: شدة صفرته تضرب إلى الحمرة. الكلبي: لونه كالخلنج. وقيل: لون الحجر. وقيل: لون السماء. وقال علي ابن أبي طالب (رضي الله عنه): «كان اسمه ريان». وقال ابن عباس: قطمير. وقال الأوزاعي: نتوى. وقال شعيب الجبائي: حمران. عبد الله ابن كثير: اسم الكلب قطمور. [قال] السّدي: نون. عبد الله بن سلام: بُسيط. كعب: أصهب. وهب: نقيا، وقيل: قطفير. عن عمر قال: إن مما أُخذ على العقرب ألاّ يضر بأحد في ليله ونهاره: سلام على نوح، وإن مما أُخذ على الكلب ألاّ يضر من حمل عليه أن يقول: {وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِٱلوَصِيدِ}. وقرأ جعفر الصّادق (وكالبهم) يعني: صاحب الكلب. {بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِٱلوَصِيدِ}، قال مجاهد والضّحاك: الوصيد: فِناء الكهف، وهو رواية علي بن أبي طلحة عن ابن عباس. وقال سعيد بن جبير: الوصيد الصعيد، وهو التراب. وهذه رواية عطية العوفي عن ابن عباس. وقال السّدي: الوصيد الباب، وهي رواية عكرمة عن ابن عباس، وأنشد: شعر : بأرض فضاء لا يُسدّ وصيدها عليّ ومعروفي بها غير منكر تفسير : أي بابها. وقال عطاء: الوصيد: عتبة الباب. وقال القتيبي الوصيد: البناء، وأصله من قول العرب، أصدت الباب وأوصدته، أي أغلقته وأطبقته. {لَوِ ٱطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَاراً} ؛ لما ألبسهم الله تعالى من الهيئة حتى لا يصل إليهم واصل، ولا تلمسهم يدُ لامس حتى يبلغ الكتاب أجله، فيوقظهم الله من رقدتهم لإرادة الله عزّ وجلّ أن يجعلهم آية وعبرة لمن شاء من خلقه؛ {لِيَعْلَمُوۤاْ أَنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ ٱلسَّاعَةَ لاَ رَيْبَ فِيهَا} [الكهف: 21]. {وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً}: خوفاً، وقرأ أهل المدينة: (لملّئت) بالتشديد. وقيل: إنما ذلك من وحشة المكان الذي هم فيه. وقال الكلبي: لأن أعينهم مفتّحة كالمستيقظ الذي يريد أن يتكلم وهم نيام. وقيل: إن الله تعالى منعهم بالرعب لئلاّ يراهم أحد. وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: غزونا مع معاوية غزوة المضيق نحو الروم فمررنا بالكهف الذي فيه أصحاب الكهف، فقال معاوية: لو كشف لنا عن هؤلاء فنظرنا إليهم قال ابن عباس: ليس ذلك لك، قد منع الله من هو خير منك، قال: {لَوِ ٱطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَاراً وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً} . فقال معاوية: لا أنتهي حتى أعلم علمهم. فبعث ناساً فقال: اذهبوا فانظروا. ففعلوا، فلمّا دخلوا الكهف بعث الله عز و جّل عليهم ريحاً فأخرجتهم فلم يستطيعوا الاطلاع عليهم من الرعب. {وَكَذٰلِكَ بَعَثْنَاهُمْ} أي كما أنمناهم في الكهف، ومنعنا من الوصول إليهم، وحفظنا أجسامهم من البلى على طول الزمان، وثيابهم من العفن على مرّ الأيّام بقدرتنا، كذلك بعثناهم من النّومة التي تشبه الموت {لِيَتَسَآءَلُوا بَيْنَهُمْ}: ليتحدّثوا، ويسأل بعضهم بعضاً. {قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ} يعني: رئيسهم مكسلمينا: {كَم لَبِثْتُمْ} في نومكم؟ وذلك أنهم استنكروا من أنفسهم طول نومهم. ويقال: إنه راعهم ما فاتهم من الصلاة، فقالوا ذلك. {قَالُواْ لَبِثْنَا يَوْماً}؛ لأنهم دخلوا الكهف غدوة، فلما رأوا الشمس قالوا: {أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ} توقّياً من الكذب، وكانت قد بقيت من الشمس بقية. ويقال: كان بعد زوال الشمس. فلما نظروا إلى شعورهم وأظفارهم تيقّنوا أن لبثهم أكثر من يوم أو بعض يوم، ف{قَالُواْ رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ} . ويقال: إن رئيسهم لما سمع الاختلاف بينهم قال ذلك. {فَٱبْعَثُواْ أَحَدَكُمْ} يعني: تمليخا {بِوَرِقِكُمْ هَـٰذِهِ إِلَىٰ ٱلْمَدِينَةِ}، والورِق: الفضّة؛ مضروبة كانت أو غير مضروبة. والدليل عليه أنّ عرفجة بن أسعد أُصيب أنفه يوم الكلاب فاتّخذ أنفاً من ورِق فأنتن عليه، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يتخذ أنفاً من ذهب. وفيه لغات: (بورْقكم) وهي قراءة أبي عمرو وحمزة وخلف، و(ورقكم) بسكون الراء وإدغام القاف وهي قراءة أهل مكة، و بفتح الواو وكسر الراء وهي قراءة أكثر القراء. و(ورِق) مثل كبْد وكَبِد وكِلْمة وكَلِمة. (والمدينة): أفسوس، {فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَآ أَزْكَىٰ طَعَاماً} قال ابن عباس وسعيد بن جبير: أحلّ ذبيحةً، لأن عامّتهم كانوا مجوساً، وفيهم قوم مؤمنون يخفون إيمانهم. قال الضحّاك: أطيب. وقال مقاتل بن حيّان: أجود. وقال يمان بن رياب: أرفص. قتادة: خير. قال عكرمة: أكثر. وأصل الزكاة الزيادة والنّماء، قال الشاعر: شعر : قبائلنا سبع وأنتم ثلاثة ولَلسبع أزكى من ثلاث وأطيب تفسير : {فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِّنْهُ} أي قوت وطعام، {وَلْيَتَلَطَّفْ}: وليترفق في الشراء، وفي طريقه، وفي دخول المدينة، {وَلاَ يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَداً} من الناس، أي ولا يعلمن، أي إن ظُهر عليه فلا يوقعن إخوانه فيما يقع فيه. {إِنَّهُمْ إِن يَظْهَرُواْ عَلَيْكُمْ} فيعلموا بمكانكم {يَرْجُمُوكُمْ}، قال ابن جريج: يشتموكم ويؤذوكم بالقول. ويقال: يقتلوكم. ويقال: كان من عادتهم القتل بالرجم وهو من أخبث القتل. وقيل: هو التوبيخ. ويضربوكم {أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ}: دينهم الكفر {وَلَن تُفْلِحُوۤاْ إِذاً أَبَداً} إن عدتم إليهم. {وَكَذٰلِكَ أَعْثَرْنَا}، أي أطلعنا {عَلَيْهِمْ}، يقال: عثرت على الشيء إذا اطّلعت عليهم، فأعثرت غيري إذا أطلعته، {لِيَعْلَمُوۤاْ أَنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ} يعني قوم تيدوسيس، {وَأَنَّ ٱلسَّاعَةَ لاَ رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ}، قال ابن عباس: تنازعوا في البنيان والمسجد، قال المسلمون: نبني عليهم مسجداً، لأنهم على ديننا، وقال المشركون: نبني عليهم بنياناً؛ لأنهم من أهل سنّتنا. وقال عكرمة: تنازعوا في الأرواح والأجساد، فقال المسلمون: البعث للأرواح والأجساد، و قال بعضهم: البعث للأرواح دون الأجساد، فبعثهم الله من رقادهم وأراهم أن البعث للأرواح والأجساد. وقيل: تنازعوا في قدر لبثهم ومكثهم. وقيل: تنازعوا في عددهم، {فَقَالُواْ ٱبْنُواْ عَلَيْهِمْ بُنْيَاناً رَّبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ ٱلَّذِينَ غَلَبُواْ عَلَىٰ أَمْرِهِمْ} يعني تيدوسيس الملك وأصحابه: {لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَّسْجِداً}، وقيل: الذين تغلبوا على أمرهم، وهم المؤمنون. وهذا يرجع إلى الأوّل. {سيقولون ثلثة} وذلك أن السيد والعاقب وأصحابهما من نصارى أهل نجران كانوا عند النبيّ صلى الله عليه وسلم فجرى ذكر أصحاب الكهف فقال السيد: كانوا ثلاثة رابعهم كلبهم. وكان السيد يعقوبياً، وقال العاقب: كانوا خمسة سادسهم كلبهم. وكان نسطوريّاً، وقال المسلمون: كانوا سبعة وثامنهم كلبهم، فحقق الله قول المسلمين وصدّقهم بعد ما حكى قول النصارى، فقال {سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْماً بِٱلْغَيْبِ} أي قذفاً بالظنّ من غير يقين، كقول الشاعر: شعر : وأجعلُ منّي الحقّ غيباً مرجّما تفسير : {وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ} وقال بعضهم: هذه الواو واو الثمانية، إن العرب يقولون: واحد، اثنان، ثلاثة، أربعة، خمسة، ستة، سبعة، وثمانية، لأن العِقد كان عندهم سبعة كما هو اليوم عندنا عشرة. ونظيره قوله تعالى: {أية : ٱلتَّائِبُونَ ٱلْعَابِدُونَ ٱلْحَامِدُونَ ٱلسَّائِحُونَ ٱلرَّاكِعُونَ ٱلسَّاجِدونَ ٱلآمِرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَٱلنَّاهُونَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ} تفسير : [التوبة: 112]. وقوله في صفة أهل الجنّة {أية : حَتَّىٰ إِذَا جَآءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا} تفسير : [الزمر: 73]. وقوله لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم {أية : ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَاراً} تفسير : [التحريم: 5]. وقال بعضهم: هذه واو الحكم والتحقيق، فكأنه حكى اختلافهم فتمّ الكلام عند قوله: {وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ}، ثمّ حكم أن ثامنهم كلبهم، والثامن لا يكون إلاّ بعد السّبع، فهذا تحقيق قول المسلمين. {رَّبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِم مَّا يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ قَلِيلٌ}، قال قتادة: قليل من الناس. وقال عطاء: يعني بالقليل: أهل الكتاب. يحيى بن أبي روق عن أبيه عن الضحّاك عن ابن عباس في قوله تعالى. {مَّا يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ قَلِيلٌ} قال: أنا من أُولئك القليل. وهم: مكسلمينا، وتمليخا، ومرطونس، وسارينوس، وآنوانس، وروانوانس، ومشططيونس، وهو الرّاعي، والكلب واسمه قطمير كلب أنمر فوق القلطي ودون الكردي. وقال محمد بن المسيب: القلطي: كلب صيني، و قال: ما بقي بنيسابور محّدث إلاّ كتب عنّي هذا الحديث إلاّ من لم يقدر له. قال: وكتبه أبو عمرو، والحيري عني. {فَلاَ تُمَارِ فِيهِمْ}، أي في عدّتهم وشأنهم {إِلاَّ مِرَآءً ظَاهِراً} وهو ما قصّ عليه في كتابه من خبرهم يقول: حسبك ما قصّصت عليك فلا تمارِ فيهم، {وَلاَ تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِّنْهُمْ أَحَدا} من أهل الكتاب.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : بعد أنْ ضرب الله على آذانهم فعصمهم من الأصوات التي تُزعجهم وتُقلِق نومهم عصمهم أيضاً من ضوء الشمس، وقد أثبتت الأبحاث خطر الأشعة خاصة على النائم، وأن للظُّلمة مهمةً، فبها تهدأ الأعصاب وترتاح الأعضاء، والشمس خَلْق من خَلْق الله، لها مَدارٌ ثابت وقانون لا يتخلّف، كما قال تعالى: {أية : كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ}تفسير : [الأنبياء: 33]. ولكن الخالق سبحانه وتعالى خرق لهم نظام الشمس حتى لا يزعجهم ضوؤها فجعلها {تَّزَاوَرُ} أي: تميل عند طلوعها عن الكهف، ومنه الزُّور: أي الميل عن الحق، وازورّ عن الشيء أي: مال عنه، فكانت الشمس إذا طلعتْ تميل عن الكهف جهة اليمين. {وَإِذَا غَرَبَت تَّقْرِضُهُمْ ذَاتَ ٱلشِّمَالِ ..} [الكهف: 17] والقرْض - كما هو معلوم - أنْ تعطي غيرك شيئاً يحتاج إليه، فكأن الشمس تقرضهم وتسلفهم، كونها لا تدخل عليهم عند غروبها، وهذا أمر ليس من حقهم، فكأنها تقرضهم إياه. ولا شَكَّ أن هذه العملية مظهرٌ من مظاهر قدرة الله التي تصنع الشيء وضده. ونلحظ أن الحق - سبحانه وتعالى - جعل الفعل للشمس في تزاور وتقرضهم، وكأنها تفعل ذلك من نفسها بعد أنْ ضبط الله تعالى حركتها على هذه الأفعال كما تضبط الآلة اليوم. وقوله: {وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِّنْهُ ..} [الكهف: 17] أي: في الكهف {ذٰلِكَ مِنْ آيَاتِ ٱللَّهِ ..} [الكهف: 17] وما دامت هذه الأفعال للشمس آيةً من آيات الله، ومعجزة من معجزاته تعالى، فإياك أنْ تعترضَ: كيف تميل الشمس؟ وكيف تُغيِّر اتجاهها؟ لأن الخالق سبحانه خلق الخَلْق، وأعطى لكل مخلوق قانونه الذي يسير به، ومع ذلك لم يترك لكل مخلوق أنْ يفعل بقانونه ما يريد، بل له سبحانه وتعالى قيُّومية على القانون، تبطله إنْ شاء، وتحركه إنْ شاء. ثم يقول تعالى: {مَن يَهْدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلْمُهْتَدِ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيّاً مُّرْشِداً} [الكهف: 17]. فقضية الهداية والإضلال قائمة من قديم، ولا تزال ذيول هذه المعركة موجودة إلى الآن، فهناك دائماً من يقول: إذا كان الله هو الهادي والمُضِل، فلماذا يعذبني إن ضللت؟ وشاع هذا السؤال وأخذه المستشرقون والفلاسفة، ويراد منه إيجاد مبرر للنفس العاصية غير الملتزمة، ونقول لكل مجادل: لماذا قصرت الاعتراض على مسألة الضر والعذاب إن ضللت؟ ولماذا لم تذكر الثواب إن أحسنت وآمنت؟ إن اقتصارك على الأولى دون الثانية دليل على أن الهداية التي جاءت لك هي مكسب تركته وأخذت المسألة التي فيها ضرر، ولا يقول ذلك إلا المسرفون على أنفسهم. والهداية نوعان: هداية دلالة، وهي للجميع، للمؤمن والكافر؛ لأن الحق سبحانه لم يدل المؤمن فقط، بل يدل المؤمن والكافر على الإيمان به، فمن يُقبل على الإيمان به، فإن الحق تبارك وتعالى يجد فيه أهلاً للمعونة، فيأخذ بيده ويعينه، ويجعل الإيمان خفيفاً على قلبه، ويعطي له طاقة لفعل الخير، ويشرح له صدره وييسر له أمره. فمن شاء الحق سبحانه هدايته أعطاه الهداية، ومن شاء له الضلال زاده ضلالاً، وقد بيّن أن من شاء هدايته يهتدي، وهذه معونة من الله، والكافر لا يهتدي، وكذلك الظالم والفاسق، لأنه سبحانه قد ترك كل واحد منهم لاختياره، وهكذا يمنع الحق سبحانه عنهم هداية المعونة. ثم يقول الحق سبحانه: {وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظاً وَهُمْ رُقُودٌ ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {تَّقْرِضُهُمْ ذَاتَ ٱلشِّمَالِ} معناه تَقْطَعُهُم وتُجَاوِزَهُم. تفسير : وقوله تعالى: {وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِّنْهُ} معناهُ فِي نَاحيةٍ مِن الكَهفِ. وقال: هو المَكانُ المُتَطاطِئ. ويقالُ: فِي مُتسعٍ. والجَمعُ فَجَواتٌ وفِجاءٌ.
الجيلاني
تفسير : {وَ} من كمال رفق الله إياهم، ورأفته معهم أيها الرائي {تَرَى ٱلشَّمْسَ إِذَا طَلَعَت} من مشرقها في مدة الصيف حين ازدياد حرارتها {تَّزَاوَرُ} أي: تنقلب وتميل {عَن كَهْفِهِمْ ذَاتَ ٱلْيَمِينِ} أي: جانب يمين الغار؛ لئلا تؤذيهم بشعاعها وحرارتها {وَإِذَا غَرَبَت} أي: زالت ومالت عن الاستواء نحو المغرب {تَّقْرِضُهُمْ} أي: تقطعهم وتنصرف عنهم {ذَاتَ ٱلشِّمَالِ} أي: جانب يسار الغار؛ لحفظهم عن حرِّها {وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِّنْهُ} أي: والحال أنهم في متسع الغر ووسطه لا في زواياه؛ بحيث لو لم يكن رعاية الله وحفظه إياهم، وصرف شعاع الشمس عنهم لكانت منتشعشعة عليهم إلى وقت الغروب {ذٰلِكَ} أي: نشر الرحمة وتهيئة الرفق والرأفة وصرف أذى الشمس، وكذا جميع المؤذيات عنهم {مِنْ آيَاتِ ٱللَّهِ} الدالة على قبوله سبحانه إياهم ورضاه عنهم كونهم مهتدين إلى توحيده، موفقين من عنده، مبتغين لرضاه، متوكلين عليه في جميع الأمور، راضين بقضائه في كل الأحوال، مخلصين له في جميع الأعمال. {مَن يَهْدِ ٱللَّهُ} وأراد هدايته في سابق علمه وقضائه، ومضى عليهم حكمه {فَهُوَ ٱلْمُهْتَدِ} الموفق على الهداية والفوز بالفلاح المقصور عليها، وإن لم يصدر ولم يسبق من الأعمال الصالحة {وَمَن يُضْلِلْ} الله وتعلق مشيئته بضلاله في سابق قضائه، فهو الضال المقصور على الضلالة وإن صدرت عنه الأعمال الصالحة، لا يتبدل ضلالها أصلاً، وبعدما أراد سبحانه ضلاله {فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيّاً} يولي أمره بالشفاعة لينقذه من الضلال الفطري ويخرجه عن الوبال الجبلي {مُّرْشِداً} [الكهف: 17] يهديه ويرشده إلى طريق الرشاد ومنهج السداد. {وَ} من كمال لطف الله إياهم ورأفته لو رأيتهم أيها الرائي ي مضاجعهم ومراقدهم {تَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظاً} متيقظين؛ لانفتاح عيونهم، وورودهم أنفاسهم، وعدم نتنهم وانفاسخهم {وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ} عنايةً منَّا إياهم وقت احتياجهم إلى التقلب {ذَاتَ ٱليَمِينِ وَذَاتَ ٱلشِّمَالِ} كي لا تؤثر الأرض بأضلاعهم وجوانبهم {وَكَلْبُهُمْ} هو كلبُ مرُّوا عليه حين إواائهم إلى الغار معتزلين، فلحقهم فطردوه، فأنطقه الله فقال: أنا أحب أولياء الله وأحباءه دعوني أقتفِ أثركم فدعوه فتبعهم. وقيل: كلب راعٍ مضوا عليه فأطعمهم وحكوا عليه حالهم، فتبعهم وتبعه كلبه، وقراءة من قرأ: (وكالبهم) يؤيد هذا. {بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِٱلوَصِيدِ} أي: في الباب أو الغتبة أو الفناء {لَوِ ٱطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ} أيها الرائي ورأيت هيئة رقودهم في ذلك الغار المهيب {لَوَلَّيْتَ} أي: استدبرت ورجعت قَهْقَرى هرباً وهولاً {مِنْهُمْ فِرَاراً} أي: من هيبتهم {وَلَمُلِئْتَ} وأملأ صدرك {مِنْهُمْ رُعْباً} [الكهف: 18] خوفاً من رقودهم منفتحة العيون عظيمة الأجسام في غارٍ مُهيبٍ في خلال جبال عوالٍ بعيدةٍ عن العمران. {وَ} كما أقدرناهم وأنمناهم على هذا الوجه العجيب والطرز الغريب {كَذٰلِكَ بَعَثْنَاهُمْ} وأيقظناهم {لِيَتَسَآءَلُوا} وينقاولوا {بَيْنَهُمْ} ويستطلعوا معن مدة رقودهم ولبثهم في الغار؛ ليطلعوا على كمال قدرة الله، ووفور جوده ورحمته عليهم؛ ليزدادوا تعيناً واطمئناناً واعتماداً أو وثوقاً على كرم الله وفضله ولطفه، وبعدما قاما من هجعتهم {قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ كَم لَبِثْتُمْ} راقدين في هذا الغار؟ {قَالُواْ} على سبيل الظن والتخمين؛ لأن النائم لا اطلاع له على مدة نومه: {لَبِثْنَا يَوْماً} تاماً {أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ} لأنهم دخلوا على الغار غدوة وانتبهوا في الظهيرة، فظنوا أنهم في يومهم أو الذي بعده. ثم لما شاهدوا طول أظفارهم وأشعارهم {قَالُواْ رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ} إذ هو قائمُ حاضرُ في كل حالٍ بلا تبدلٍ واختلالٍ، ونحن نائمون لا شعور لنا بمدة رقودنا ولا همَّ لنا بتعيينها بل أهم أمورنا أن نُطعم {فَٱبْعَثُواْ أَحَدَكُمْ} إلى المدينة مصحوباً {بِوَرِقِكُمْ} أي: بعينكم ونقدكم المضروبة المسكوكة. والوَرق في اللغة: الفضة، سواء كانت مضروبة أم لا، والمراد هنا المضروبة. {هَـٰذِهِ} إشارة إلى ما في يد القاتل من النقد {إِلَىٰ ٱلْمَدِينَةِ} وهي: طرسوس التي فروا منها من دقيانوس {فَلْيَنْظُرْ} الذاهب المرسل، وليتأمل {أَيُّهَآ} أي: أي طبيخة طبّاخ {أَزْكَىٰ} أي: أنظف وأظهر {طَعَاماً فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِّنْهُ} حتى نطعم؛ إذ نحن جيعان {وَلْيَتَلَطَّفْ} الذاهب مع أهل السوق وليجامل معهم في المعاملة {وَ} ليخرج منها سريعاً حتى {لاَ يُشْعِرَنَّ} أي: الذاهب ولا يُطعن {بِكُمْ} أي: بحالكم ومكانكم {أَحَداً} [الكهف: 19] من أهل البلد. {إِنَّهُمْ} بعد اطلاعهم وشعورهم بحالكم {إِن يَظْهَرُواْ} ويغلبوا {عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ} أو يقتلوكم بضرب الأحجار {أَوْ يُعِيدُوكُمْ} ويرجعوكم مرتدين {فِي مِلَّتِهِمْ} التي كنتم عليها قبل انكاشفكم بالتوحيد {وَلَن تُفْلِحُوۤاْ} أو تفوزوا بالفلاح والصلاح {إِذاً} أي: حين عودكم وارتدادكم إليها {أَبَداً} [الكهف: 20] أي: لا يرجى فلا حكم بعد ذلك أصلاً. ثم لما أرسلوا واحداً منهم إلى البلدة فدخل على السوق، ودار حوق الطباخين واختار طبيخةً زكيةً، وأخرج الدرهم؛ ليشتري الطعام، وكان عليه اسم دقيانوس، فاتهموه بأنه وجد كنزاً، فذهبوا به إلى الملك، وكان الملك نصرانياً موحّداً، فقصّ عليه القصة عن آخرها، فقال بعض الحضّار: إن آباءنا قد أخبرونا أن فتيةً فروا بدينهم من دقيانوس فلعلهم هؤلاء، فانطلق الملك وجميع أهل المدينة مؤمنهم وكفارهم، فأبصروهم وتكلموا معهم، ثم قال الفتية نستودعك الله، ونعيذك من شر الجن والإنس، ثم رجعوا إلى مضاجعهم فماتوا، فدفنهم الملك، وبنى عليهم مسجداً.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : أي: حفظهم الله من الشمس فيسر لهم غارا إذا طلعت الشمس تميل عنه يمينا، وعند غروبها تميل عنه شمالا فلا ينالهم حرها فتفسد أبدانهم بها، { وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ } أي: من الكهف أي: مكان متسع، وذلك ليطرقهم الهواء والنسيم، ويزول عنهم الوخم والتأذي بالمكان الضيق، خصوصا مع طول المكث، وذلك من آيات الله الدالة على قدرته ورحمته بهم، وإجابة دعائهم وهدايتهم حتى في هذه الأمور، ولهذا قال: { مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ } أي: لا سبيل إلى نيل الهداية إلا من الله، فهو الهادي المرشد لمصالح الدارين، { وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا } أي: لا تجد من يتولاه ويدبره، على ما فيه صلاحه، ولا يرشده إلى الخير والفلاح، لأن الله قد حكم عليه بالضلال، ولا راد لحكمه. { وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ } أي: تحسبهم أيها الناظر إليهم [كأنهم] أيقاظ، والحال أنهم نيام، قال المفسرون: وذلك لأن أعينهم منفتحة، لئلا تفسد، فالناظر إليهم يحسبهم أيقاظا، وهم رقود، { وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ } وهذا أيضا من حفظه لأبدانهم، لأن الأرض من طبيعتها، أكل الأجسام المتصلة بها، فكان من قدر الله، أن قلبهم على جنوبهم يمينا وشمالا بقدر ما لا تفسد الأرض أجسامهم، والله تعالى قادر على حفظهم من الأرض، من غير تقليب، ولكنه تعالى حكيم، أراد أن تجري سنته في الكون، ويربط الأسباب بمسبباتها. { وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ } أي: الكلب الذي كان مع أصحاب الكهف، أصابه ما أصابهم من النوم وقت حراسته، فكان باسطا ذراعيه بالوصيد، أي: الباب، أو فنائه، هذا حفظهم من الأرض. وأما حفظهم من الآدميين، فأخبر أنه حماهم بالرعب، الذي نشره الله عليهم، فلو اطلع عليهم أحد، لامتلأ قلبه رعبا، وولى منهم فرارا، وهذا الذي أوجب أن يبقوا كل هذه المدة الطويلة، وهم لم يعثر عليهم أحد، مع قربهم من المدينة جدا، والدليل على قربهم، أنهم لما استيقظوا، أرسلوا أحدهم، يشتري لهم طعاما من المدينة، وبقوا في انتظاره، فدل ذلك على شدة قربهم منها.
همام الصنعاني
تفسير : 1660- حدثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {تَّزَاوَرُ عَن كَهْفِهِمْ ذَاتَ ٱلْيَمِينِ}: [الآية: 17]، قال: تميل عن كهفهم ذات اليمين. 1661- حدثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {تَّقْرِضُهُمْ ذَاتَ ٱلشِّمَالِ}: [الآية: 17]، قال: تدعهم ذات الشمال.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):