١٨ - ٱلْكَهْف
18 - Al-Kahf (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
18
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن معنى قوله: {وَتَحْسَبُهُمْ } على ما ذكرناه في قوله: {أية : وَتَرَى ٱلشَّمْسَ }تفسير : [الكهف:17] أي لو رأيتهم لحسبتهم {أَيْقَاظًا } وهو جمع يقظ ويقظان قاله الأخفش وأبو عبيدة والزجاج وأنشدوا لرؤبة: شعر : ووجدوا إخوانهم أيقاظاً تفسير : ومثله قوله نجد ونجدان وأنجاد، وهم رقود أي نائمون وهو مصدر سمي المفعول به كما يقال قوم ركوع وقعود وسجود يوصف الجمع بالمصدر، ومن قال إنه جمع راقد فقد أبعد لأنه لم يجمع فاعل على فعول، قال الواحدي: وإنما يحسبون {أَيْقَاظًا } لأن أعينهم مفتحة وهم نيام وقال الزجاج لكثرة تقلبهم يظن أنهم أيقاظ، والدليل عليه قوله تعالى: {وَنُقَلّبُهُمْ ذَاتَ ٱليَمِينِ وَذَاتَ ٱلشّمَالِ } واختلفوا في مقدار مدة التقليب فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن لهم في كل عام تقليبتين وعن مجاهد يمكثون على أيمانهم تسع سنين ثم يقلبون على شمائلهم فيمكثون رقوداً تسع سنين وقيل لهم تقليبة واحدة في يوم عاشوراء. وأقول هذه التقديرات لا سبيل للعقل إليها، ولفظ القرآن لا يدل عليه، وما جاء فيه خبر صحيح فكيف يعرف؟ وقال ابن عباس رضي الله عنهما فائدة تقليبهم لئلا تأكل الأرض لحومهم ولا تبليهم. وأقول هذا عجيب لأنه تعالى لما قدر على أن يمسك حياتهم مدة ثلثمائة سنة وأكثر فلم لا يقدر على حفظ أجسادهم أيضاً من غير تقليب؟ وقوله: {ذَاتُ } منصوبة على الظرف لأن المعنى {نقلبهم} في ناحية {ٱلْيَمِينِ } أو على ناحية {ٱلْيَمِينِ } كما قلنا في قوله: {تَّزَاوَرُ عَن كَهْفِهِمْ ذَاتَ ٱلْيَمِينِ } وقوله: {وَكَلْبُهُمْ بَـٰسِطٌ ذِرَاعَيْهِ } قال ابن عباس وأكثر المفسرين قالوا إنهم هربوا ليلاً من ملكهم، فمروا براع معه كلب فتبعهم على دينهم ومعه كلبه، وقال كعب مروا بكلب فنبح عليهم فطردوه فعاد ففعلوا مراراً، فقال لهم الكلب ما تريدون مني لا تخشوا جانبي أنا أحب أحباء الله فناموا حتى أحرسكم، وقال عبيد بن عمير كان ذلك كلب صيدهم ومعنى: {بَـٰسِطٌ ذِرَاعَيْهِ } أي يلقيهما على الأرض مبسوطتين غير مقبوضتين، ومنه الحديث في الصلاة: « حديث : أنه نهى عن افتراش السبع » تفسير : وقال: « حديث : لا تفترش ذراعيك افتراش السبع » تفسير : قوله: {بِٱلوَصِيدِ } يعني فناء الكهف قال الزجاج الوصيد فناء البيت وفناء الدار وجمعه وصائد ووصد، وقال يونس والأخفش والفراء الوصيد والأصيد لغتان مثل الوكاف والإكاف، وقال السدي: {الوصيد} الباب والكهف لا يكون له باب ولا عتبة وإنما أراد أن الكلب منه بموضع العتبة من البيت، ثم قال: {لَوِ ٱطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ } أي أشرفت عليهم يقال اطلعت عليهم أي أشرفت عليهم، ويقال أطلعت فلاناً على الشيء فاطلع وقوله: {لَوْلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا } قال الزجاج قوله: {فِرَاراً } منصوب على المصدر لأن معنى وليت منهم فررت: {وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا } أي فزعاً وخوفاً قيل في التفسير طالت شعورهم وأظفارهم وبقيت أعينهم مفتوحة وهم نيام، فلهذا السبب لو رآهم الرائي لهرب منهم مرعوباً، وقيل: إنه تعالى جعلهم بحيث كل من رآهم فزع فزعاً شديداً، فأما تفصيل سبب الرعب فالله أعلم به. وهذا هو الأصح وقوله: {وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا } قرأ نافع وابن كثير لملئت بتشديد اللام والهمزة والباقون بتخفيف اللام، وروى عن ابن كثير بالتخفيف والمعنى واحد إلا أن في التشديد مبالغة، قال الأخفش الخفيفة أجود في كلام العرب، يقال: ملأتني رعباً، ولا يكادون يعرفون ملأتني، ويدل على هذا أكثر استعمالهم كقوله: شعر : فيملأ بيتنا أقطاً وسمناً تفسير : وقول الآخر: شعر : ومن مالىء عينيه من شيء غيره إذا راح نحو الجمرة البيض كالدمى تفسير : وقال الآخر: شعر : لا تملأ الدلو وعرق فيها تفسير : وقال الآخر: شعر : امتلأ الحوض وقال قطني تفسير : وقد جاء التثقيل أيضاً، وأنشدوا للمخبل السعدي: شعر : وإذا قتل النعمان بالناس محرما فملأ من عوف بن كعب سلاسله تفسير : وقرأ ابن عامر والكسائي رعباً بضم العين في جميع القرآن والباقون بالإسكان.
ابن كثير
تفسير : ذكر بعض أهل العلم: أنهم لما ضرب الله على آذانهم بالنوم، لم تنطبق؛ لئلا يسرع إليها البلى، فإذا بقيت ظاهرة للهواء، كان أبقى لها، ولهذا قال تعالى: {وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ} وقد ذكر عن الذئب أنه ينام فيطبق عيناً، ويفتح عيناً، ثم يفتح هذه، ويطبق هذه وهو راقد، كما قال الشاعر:شعر : يَنامُ بِإِحْدَى مُقْلَتَيْهِ وَيَتَّقِي بِأُخْرَى الرّزايا فَهْوَ يَقْظانُ نائِمُ تفسير : وقوله تعالى: {وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ ٱليَمِينِ وَذَاتَ ٱلشِّمَالِ} قال بعض السلف: يقلبون في العام مرتين. قال ابن عباس: لو لم يقلبوا، لأكلتهم الأرض. قوله: {وَكَلْبُهُمْ بَـٰسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِٱلوَصِيدِ} قال ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وقتادة: الوصيد: الفناء، وقال ابن عباس: بالباب. وقيل: بالصعيد، وهو التراب، والصحيح أنه بالفناء، وهو الباب، ومنه قوله تعالى: {أية : إِنَّهَا عَلَيْهِم مُّؤْصَدَةٌ } تفسير : [الهمزة: 8] أي: مطبقة مغلقة، ويقال: وصيد وأصيد، ربض كلبهم على الباب؛ كما جرت به عادة الكلاب، قال ابن جريج: يحرس عليهم الباب، وهذا من سجيته وطبيعته، حيث يربض ببابهم كأنه يحرسهم، وكان جلوسه خارج الباب؛ لأن الملائكة لا تدخل بيتاً فيه كلب، كما ورد في الصحيح، ولا صورة، ولا جنب، ولا كافر؛ كما ورد به الحديث الحسن، وشملت كلبهم بركتهم، فأصابه ما أصابهم من النوم على تلك الحال، وهذا فائدة صحبة الأخبار، فإنه صار لهذا الكلب ذكر وخبر وشأن. وقد قيل: إنه كان كلب صيد لأحدهم، وهو الأشبه، وقيل: كلب طباخ الملك، وقد كان وافقهم على الدين، وصحبه كلبه، فالله أعلم. وقد روى الحافظ ابن عساكر في ترجمة همام بن الوليد الدمشقي: حدثنا صدقة بن عمر الغساني، حدثنا عباد المنقري، سمعت الحسن البصري يقول: كان اسم كبش إبراهيم عليه الصلاة والسلام: جرير، واسم هدهد سليمان عليه السلام: عَنْقَز، واسم كلب أصحاب الكهف: قطمير، واسم عجل بني إسرائيل الذي عبدوه: بهموت، وهبط آدم عليه السلام بالهند، وحواء بجدة، وإبليس بدست بيسان، والحية بأصفهان، وقد تقدم عن شعيب الجبائي أنه سماه حمران، واختلفوا في لونه على أقوال لا حاصل لها، ولا طائل تحتها، ولا دليل عليها، ولا حاجة إليها، بل هي مما ينهى عنه، فإن مستندها رجم بالغيب. وقوله تعالى: {لَوِ ٱطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوْلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا} أي: إنه تعالى ألقى عليهم المهابة بحيث لا يقع نظر أحد عليهم إلا هابهم؛ لما ألبسوا من المهابة والذعر؛ لئلا يدنو منهم أحد، ولا تمسهم يد لامس، حتى يبلغ الكتاب أجله، وتنقضي رقدتهم التي شاء تبارك وتعالى فيهم، لما له في ذلك من الحكمة والحجة البالغة والرحمة الواسعة.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَتَحْسَبُهُمْ } لو رأيتهم {أَيْقَاظًا } أي منتبهين لأن أعينهم منفتحة جمع (يقظ) بكسر القاف {وَهُمْ رُقُودٌ } نيام جمع راقد {وَنُقَلّبُهُمْ ذَاتَ ٱليَمِينِ وَذَاتَ ٱلشّمَالِ } لئلا تأكل الأرض لحومهم {وَكَلْبُهُمْ بَٰسِطٌ ذِرَاعَيْهِ } يديه {بِٱلوَصِيدِ } بفناء الكهف وكانوا إذا انقلبوا انقلب هو مثلهم في النوم واليقظة {لَوِ ٱطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوْلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ } بالتشديد والتخفيف {مِنْهُمْ رُعْبًا } بسكون العين وضمها منعهم الله بالرعب من دخول أحد عليهم.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {وتحسبهم أيقاظاً وهم رقودٌ} الأيقاظ: المنتبهون. قال الراجز: شعر : قد وجدوا إخوانهم أيقاظا والسيف غياظ لهم غياظا تفسير : والرقود: النيام. قيل إن أعينهم كانت مفتوحة ويتنفسون ولا يتكلمون. {ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال} يعني تقلب النيام لأنهم لو لم يقلبوا لأكلتهم الأرض لطول مكثهم. وقيل إنهم كانوا يقلبون في كل عام مرتين، ستة أشهر على جنب. وستة أشهر على جنبٍ آخر، قاله ابن عباس. قال مجاهد: إنما قلبوا تسع سنين بعد ثلاثمائة سنة لم يقلبوا فيها. وفيما تحسبهم من أجله أيقاظاً وهم رقود قولان: أحدهما: لانفتاح أعينهم. الثاني: لتقليبهم ذات اليمين وذات الشمال. {وكلبهم باسِطٌ ذِراعيه بالوصيد} في {كلبهم} قولان: أحدهما: أنه كلب من الكلاب كان معهم، وهو قول الجمهور. وقيل إن اسمه كان حمران. الثاني: أنه إنسان من الناس كان طباخاً لهم تبعهم، وقيل بل كان راعياً. وفي {الوصيد} خمسة تأويلات: أحدها: أنه العتبة. الثاني: أنه الفناء قاله ابن عباس. الثالث: أنه الحظير، حكاه اليزيدي. الرابع: أن الوصيد والصعيد التراب، قاله سعيد بن جبير. الخامس: أنه الباب، قاله عطية، وقال الشاعر: شعر : بأرض فضاءَ لا يُسَدُّ وَصيدها عليَّ ومعروفي بها غيرُ مُنْكَرِ تفسير : وحكى جرير بن عبيد أنه كان كلباً ربيباً صغيراً. قال محمد بن إسحاق كان اصفر اللون. {لو أطّلعت عليهم لوليت منهم فِراراً ولملِئت منهم رُعباً} فيه وجهان: أحدهما: لطول أظفارهم وشعورهم يأخذه الرعب منهم فزعاً. الثاني: لما ألبسهم الله تعالى من الهيبة التي ترد عنهم الأبصار لئلا يصل إليهم أحد حتى يبلغ الكتاب فيهم أجله. حكى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: غزوت مع معاوية رضي الله عنه في بحر الروم فانتهينا إلى الكهف الذي فيه أصحاب الكهف، فقال معاوية أريد أن أدخل عليهم فأنظر إليهم، فقلت ليس هذا لك فقد منعه الله من هو خير منك، قال تعالى {لو اطعلت عليهم لوليت منهم فراراً} الآية. فأرسل جماعة إليهم دخلوا الكهف أرسل الله عليهم ريحاً أخرجتهم. وقيل إن هذه المعجزة من قومهم كانت لنبي قيل إنه كان أحدهم وهو الرئيس الذي اتبعوه وآمنوا به.
ابن عبد السلام
تفسير : {وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظاً}، لأن أعينهم مفتوحة يتنفسون ولا يتكلمون، أو لأنهم يقلبون يميناً وشمالاً. {وَنُقَلِّبُهُمْ} تقليب النيام لئلا تأكلهم الأرض، أو كل ستة أشهر على جنب "ع"، أو لم يقلبوا إلا في التسع بعد الثلاثمائة {وَكَلْبُهُم} من جملة الكلاب اسمه "حمران" أو "قطمير" أو هو إنسان طباخ لهم، أو راعي {بِالْوَصِيدِ} لعله العتبة، أو الفناء "ع"، أو الصعيد والتراب، أو الباب أو الحظيرة. {رُعْباً} فزعاً لطول أظفارهم وأشعارهم ولما ألبسوا من الهيبة لئلا يصل إليهم أحد حتى يبلغ الكتاب أجله، ولما غزا ابن عباس ـ رضي الله تعالى عنه ـ مع معاوية بحر الروم فانتهوا إلى الكهف عزم معاوية أن يدخل عليهم فينظر إليهم، فقال ابن عباس ـ رضي الله تعالى عنهما ـ: ليس هذا لك فقد منعه الله ـ تعالى ـ من هو خير منك، فقال: {لَوِ أطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ} الآية فأرسل إليهم جماعة فلما دخلوا الكهف أرسل الله ـ تعالى ـ ريحاً فأخرجتهم. قيل كان رئيسهم نبياً اتبعوه وآمنوا به فكان ذلك معجزة له.
النسفي
تفسير : {وَتَحْسَبُهُمْ } بفتح السين: شامي وحمزة وعاصم غير الأعشى، وهو خطاب لكل أحد {أَيْقَاظًا } جمع يقظ {وَهُمْ رُقُودٌ } نيام. قيل: عيونهم مفتحة وهم نيام فيحسبهم الناظر لذلك أيقاظاً {وَنُقَلّبُهُمْ ذَاتَ ٱليَمِينِ وَذَاتَ ٱلشّمَالِ } قيل: لهم تقلّبتان في السنة. وقيل: تقلبة واحدة في يوم عاشوراء {وَكَلْبُهُمْ بَـٰسِطٌ ذِرَاعَيْهِ } حكاية حال ماضية لأن اسم الفاعل لا يعمل إذا كان في معنى المضي {بِٱلوَصِيدِ } بالفناء أو بالعتبة {لَوِ ٱطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ } لو أشرفت عليهم فنظرت إليهم {لَوْلَّيْتَ مِنْهُمْ } لأعرضت عنهم وهربت منهم {فِرَاراً } منصوب على المصدر لأن معنى {وليت منهم} فررت منهم {وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ } ويتشديد اللام: حجازي للمبالغة {رُعْبًا } تمييز. وبضم العين: شامي وعلي، وهو الخوف الذي يرعب الصدر أي يملؤه وذلك لما ألبسهم الله من الهيبة أو لطول أظفارهم وشعورهم وعظم أجرامهم. وعن معاوية أنه غزا الروم فمر بالكهف فقال: أريد أن أدخل فقال ابن عباس رضي الله عنهما: لقد قيل لمن هو خير منك {لوليت منهم فراراً} فدخلت جماعة بأمره فأحرقتهم ريح.
الخازن
تفسير : قوله سبحانه وتعالى: {وتحسبهم} خطاب لكل أحد {أيقاظاً} أي منتبهين لأن أعينهم مفتحة {وهم رقود} أي نيام {ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال} قال ابن عباس: كانوا يقلبون في السنة مرة من جانب إلى جانب لئلا تأكل الأرض لحومهم، قيل كانوا يقلبون في عاشوراء وقيل كانوا لهم في السنة تقلبتان {وكلبهم باسط ذراعيه} قال ابن عباس: كان كلباً أغر وعنه أنه كان فوق القلطي ودون الكرزي. والقلطي كلب صيني وقيل كان أصفر وقيل كان شديد الصفرة يضرب إلى حمرة، وقال ابن عباس: كان اسمه قطمير وقيل ريان وقيل صهبان قيل ليس في الجنة دواب سوى كلب أصحاب الكهف وحمار بلعام {بالوصيد} أي فناء الكهف، وقيل عتبة الباب وكان الكلب قد بسط ذراعيه وجعل وجهه عليهم، قيل كان ينقلب مع أصحابه فإذا انقلبوا ذات اليمين كسر الكلب أذنه اليمنى ورقد عليها، وإذا انقلبوا ذات الشمال كسر أذنه اليسرى ورقد عليها {لو اطلعت عليهم} يا محمد {لوليت منهم فراراً} وذلك لما ألبسهم الله من الهيبة حتى لا يصل إليهم أحد حتى يبلغ الكتاب أجله فيوقظهم الله من رقدتهم {ولملئت منهم رعباً} أي خوفاً من وحشة المكان. وقيل لأن أعينهم مفتحة كالمتيقظ الذي يريد أن يتكلم وهم نيام وقيل لكثرة شعورهم، وطول أظافرهم ولتقلبهم من غير حس ولا إشعار وقيل إن الله سبحانه وتعالى منعهم بالرعب لئلا يراهم أحد. قال ابن عباس: غزونا مع معاوية نحو الروم فمررنا بالكهف الذي فيه أصحاب الكهف فقال معاوية: لو كشف الله عن هؤلاء لنظرنا إليهم، فقال ابن عباس: قد منع ذلك من هو خير منك فقيل له لو اطلعت عليهم لوليت منهم فراراً. فبعث معاوية ناساً فقال اذهبوا فانظروا، فلما دخلوا الكهف بعث الله ريحاً فأحرقهم. قوله سبحانه وتعالى {وكذلك بعثناهم} يعني كما أنمناهم في الكهف وحفظنا أجسامهم من البلى على طول الزمان بعثناهم من النومة التي تشبه الموت {ليتساءلوا بينهم} أي ليسأل بعضهم بعضاً {قال قائل منهم} وهو رئيسهم وكبيرهم مكسلمينا {كم لبثتم} أي في نومكم وذلك، أنهم استنكروا طول نومهم وقيل إنهم راعهم ما فاتهم من الصلاة فقالوا ذلك {قالوا لبثنا يوماً} ثم نظروا فوجدوا الشمس قد بقي منها بقية فقالوا {أو بعض يوم} فلما نظروا إلى طول شعورهم وأظافرهم علموا أنهم لبثوا أكثر من يوم {قالوا ربكم أعلم بما لبثتم} وقيل إن مكسلمينا لما سمع الاختلاف بينهم قال دعوا الاختلاف ربكم أعلم بما لبثتم {فابعثوا أحدكم} يعني تمليخا {بورقكم} هي الفضة مضروبة كانت أو غير مضروبة {هذه إلى المدينة} قيل هي ترسوس وكان اسمها في الزمن الأول قبل الإسلام أفسوس {فلينظر أيها أزكى طعاماً} أي أحل طعاماً وقيل أمروه أن يطلب ذبيحة مؤمن، ولا تكون من ذبح من يذبح لغير الله وكان فيهم مؤمنون يخفون إيمانهم، وقيل أطيب طعاماً وأجود وقيل أكثر طعاماً وأرخصه {فليأتكم برزق منه} أي قوت وطعام تأكلونه {وليتلطف} أي وليترفق في الطريق وفي المدينة وليكن في ستر وكتمان {ولا يشعرن} أي ولا يعلمن {بكم أحداً} أي من الناس {إنهم إن يظهروا عليكم} أي يعلموا بمكانكم {يرجموكم} قيل معناه يشتموكم ويؤذوكم بالقول وقيل يقتلوكم، وكان من عادتهم القتل بالحجارة وهو أخبث القتل وقيل يعذبوكم {أو يعيدوكم في ملتهم} أي الكفر {ولن تفلحوا إذاً أبداً} أي إن عدتم إليه.
ابن عادل
تفسير : قوله: {وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظاً} أي: لو رأيتهم، لحسبتهم. وقال شهاب الدِّين: لا حاجة إلى هذا التقدير. {أَيْقَاظاً}: جمع "يَقُظٍ" بضم القاف، وبجمع على يقاظٍ، ويقظ وأيقاظ، كعضدٍ وأعضادٍ، ويقظ ويقاظ، كرجلٍ ورجالٍ، وظاهرُ كلام الزمخشريِّ أنه يقال: "يقظٌ" بالكسر؛ لأنه قال: وأيقاظٌ جمع "يقظٍ" كأنكاد في "نكدٍ". وقال الأخفش، وأبو عبيدة، والزجاج: أيقاظٌ جمع يقظٍ ويقظان. وأنشدوا [لرؤبة]: [الرجز] شعر : 3499- ووَجدُوا إخْوانَهُم أيْقَاظا ............. تفسير : وقال البغوي: أيقاظاً جمع يقيظ ويقظ، واليقظة: الانتباه عند النَّوم. قال الواحديُّ: وإنما يحسبون أيقاظاً؛ لأنَّ أعينهم مفتحةٌ، وهم نيامٌ. وقال الزجاج: لكثرة تقلبهم يظنُّ أنهم أيقاظٌ؛ لقوله تعالى: {وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ ٱليَمِينِ وَذَاتَ ٱلشِّمَالِ} والرقود جمع راقدٍ، كقاعدٍ وقعود. فصل في مدة تقليبهم اختلفوا في مقدار مدَّة التَّقليب: فعن أبي هريرة - رضي الله عنه -: "أنَّ لهم في كلِّ عام تَقْليبَتَيْنِ" وعن مجاهدٍ: يمكثون رقوداً على أيمانهم تسع سنينَ، ثم ينقلبون على شمائلهم، فيمكثون رقوداً تسع سنين. وقيل: لهم تقليبة واحدة في يوم عاشوراء. وقال ابن الخطيب: وهذه التقديرات لا سبيل للعقل إليها، والقرآن لا يدل عليها، وما جاء فيه خبر صحيح، فكيف يعرف؟ وقال ابن عباس: فائدة تقليبهم؛ لئلا تأكل الأرض لحومهم وتبليهم. قال ابن الخطيب: عجبت من ذلك؛ لأنَّ الله تعالى قدر على أن يمسك حياتهم ثلاثمائة سنة وأكثر، فلم لا يقدر على حفظ أجسامهم من غير تقليب؟!. قوله: "ونُقلِّبهُم" قرأ العامة "نُقلِّبهُم" مضارعاً مسنداً للمعظِّم نفسه. وقرىء أيضاً بالياء من تحت، أي: الله أو الملك، وقرأ الحسن: "يُقلِبُهمْ" بالياء من تحت ساكن القاف، مخفف اللام، وفاعله، إمَّا الله أو الملكُ. وقرأ أيضاً "وتَقَلُّبَهُم" بفتح التاء، وضمِّ اللام مشددة مصدر تقلَّب كقوله: {أية : وَتَقَلُّبَكَ فِي ٱلسَّاجِدِينَ} تفسير : [الشعراء: 219] ونصب الباء، وخرَّجه أبو الفتح على إضمار فعل، أي: ونرى تقلُّبهم، أو نشاهد تقلُّبهم، وروي عنه أيضاً رفع الباء على الابتداءِ، والخبر الظرف بعده، ويجوز أن يكون محذوفاً، أي: آية عظيمة. وقرأ عكرمة "وتقلبُهمْ" بتاء التأنيث مضارع "قَلبَ" مخفَّفاً، وفاعله ضمير الملائكةِ المدلولِ عليهم بالسِّياق. وقوله: "ذَاتَ" منصوب على الظَّرف، لأنَّ المعنى: ونُقلِّبُهمْ من ناحية اليمين أو على ناحية "اليمين" كما تقدَّم في قوله: {أية : تَّزَاوَرُ عَن كَهْفِهِمْ ذَاتَ ٱلْيَمِينِ}تفسير : [الكهف: 17]. وقوله: {وَكَلْبُهُم بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِٱلوَصِيدِ}. قرأ العامة "وكَلْبُهمْ" وقرأ جعفر الصادق "كَالبُهمْ" أي: صاحب كلبهم كلابنٍ وتامرٍ، ونقل أبو عمر الزاهدُ غلامُ ثعلبٍ "وكَالِئُهُمْ" بهمزة مضمومة اسم فاعل من كَلأ يَكْلأُ أي: حفظ يحفظُ. و "باسطٌ" اسم فاعل ماض، وإنما عمل على حكاية الحال، والكسائي يعمله، ويستشهد بالآية. والوَصِيدُ: الباب؛ قاله ابن عبَّاس والسديُّ. وقيل: العَتبَةُ. والكهفُ لا يكون له بابٌ، ولا عتبة، وإنما أراد موضع الباب. وقال الزجاج: الوصيد فناءُ البيت، وفناء الدَّار. وقيل: الصَّعيدُ والتُّراب. قال الشاعر: [الطويل] شعر : 3500- بأرْضِ فَضاءٍ لا يسدُّ وصيدُها عَليَّ ومَعرُوفِي بها غَيْرُ مُنْكرِ تفسير : وجمعه: وصائد ووصدٌ. وقيل: الوصيدُ: الصَّعيدُ والتراب. قال يونس، والأخفش، والفراء: الأصيدُ والوصيدُ لغتان؛ مثل: الوكاف والإكاف. وقال مجاهدٌ، والضحاك: "الوَصِيدُ": الكهف. وأكثر المفسرين على أنَّ الكلب كان من جنس الكلاب. وروي عن ابن جريج: أنه كان أسداً، وسمِّي الأسد كلباً، فإن النبي صلى الله عليه وسلم دعا على عتبة بن أبي لهبٍ، فقال: "اللَّهُم سلِّط عليه كلباً من كِلابِكَ" فافترسه الأسدُ. قال ابن عباس: كان كلباً أغرَّ، واسمه قطميرٌ، وعن عليِّ: اسمه "ريَّان". وقال الأوزاعي: يشور قال السدي: يور. وقال كعبٌ: صهباً. وقال مقاتل: كان كلباً أصفر. وقال الكلبيُّ: لونه كالحليج، وقيل غير ذلك. قال خالد بن معدان: ليس في الجنَّة من الدوابِّ إلاَّ كلب أصحاب الكهف، وحمار بلعام. قال ابن عباس وأكثر المفسرين: هربوا من ملكهم فمرُّوا براعٍ، معه كلبٌ، فتبعهم على دينهم، ومعه كلبه. وقال الكلبيُّ: مرُّوا بكلبٍ فنبح عليهم، فطردوه، فعاد، ففعلوا ذلك مراراً، فقال لهم الكلب: لا تخشوا جانبي؛ فإنِّي أحبُّ أحبَّاء الله، فناموا؛ حتَّى أحرسكم. فصل قال عبيد بن عميرٍ: كان ذلك كلب صيدهم، ومعنى {بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ}، أي: ألقاها على الأرض مبسوطتين، غير مقبوضتين. ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : اعتدلُوا في السُّجودِ، ولا يَبْسُط أحدكم ذِرَاعيْهِ انْبسَاطَ الكلْبِ ". تفسير : قال المفسرون: كان الكلب بسط ذراعيه، وجعل وجهه عليهما. قوله: {لَوِ ٱطَّلَعْتَ} العامَّة على كسر الواو من "لَو اطَّلعْتَ" على أصل التقاء الساكنين، وقرأها مضمومة أبو جعفرٍ، وشيبة، ونافع، وابن وثَّاب، والأعمش؛ تشبيهاً بواوِ الضمير، وتقدَّم تحقيقه. قوله: {لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَاراً} لما ألبسهم الله من الهيبة؛ حتَّى لا يصل إليهم أحدٌ؛ حتى يبلغ الكتاب أجله، فيوقظهم الله من رقدتهم. "فِرَاراً" يجوز أن يكون منصوباً على المصدر من معنى الفعل قبله؛ لأنَّ التولِّي والفرارَ من وادٍ واحدٍ، ويجوز أن يكون مصدراً في موضع الحالِ، أي: فارًّا، ويكون حالاً مؤكدة، ويجوز أن يكون مفعولاً له. قوله: {وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً} قرأ ابن كثير، ونافع "لمُلِّئْتَ" بالتشديد على التكثير. وأبو جعفرٍ، وشيبة كذلك، إلا أنه بإبدال الهمزة ياء، والزهري بتخفيف اللام والإبدال، وهو إبدال قياسي والباقون بتخفيف اللام، و "رُعباً" مفعول ثانٍ: وقيل: تمييزٌ. قال الأخفش: الخفيفة أجود في كلام العربِ. يقولون: ملأتنِي رعباً، ولا يكادون يعرفون ملأّتنِي؛ ويدل على هذا أكثر استعمالهم؛ كقوله: [الوافر] شعر : 3501- فَتَمْلأ بَيْتنَا أقِطاً وسَمْنَا ................ تفسير : وقول الآخر: [الطويل] شعر : 3502أ- ومن مالِئٍ عَيْنَيْهِ مِنْ شيءِ غَيْرِهِ إذَا رَاحَ نحو الجمْرَةِ البِيضُ كالدُّمَى تفسير : وقال الآخر: [الرجز] شعر : 3502ب- لا تَمْلأ الدَّلو وعَرِّقْ فيها تفسير : وقال الاخر: [الرجز] شعر : 3503- امْتَلأ الحَوضُ وقَالَ قَطْنِي تفسير : وقد جاء التثقيل أيضاً، أنشدوا للمخبَّل السعديِّ: [الطويل] شعر : 3504- وإذْ قتل النُّعْمانُ بالنَّاسِ مُحرِمَا ................ تفسير : وقرأ ابن عامر والكسائي "رُعباً" بضمِّ العين في جميع القرآن، والباقون بالإسكان. فصل في سبب الرعب اختلفوا في ذلك الرُّعب كان لماذا؟ فقيل: من وحشة المكان، وقال الكلبي: لأنَّ أعينهم مفتَّحة، كالمستيقظ الذي يريد أن يتكلَّم، وهم نيامٌ. وقيل: لكثرة شعورهم، وطول أظفارهم، وتقلُّبهم من غير حسٍّ، كالمستيقظ. وقيل: إنَّ الله تعالى، منعهم بالرُّعب؛ لئلاَّ يراهم أحدٌ. ورُوِيَ عن سعيد بن جبيرٍ عن ابن عبَّاس، قال: غزونا مع مُعاويةَ نحو الرُّومِ، فمَررْنَا بالكَهْفِ الذي فِيهِ أصْحابُ الكهفِ، فقال مُعاوِيةُ: لو كُشِفَ لنَا عنْ هؤلاءِ، لنَظَرْنَا إليْهِمْ، فقَال ابْنُ عبَّاسٍ: قَدْ مَنَعَ الله ذلِكَ مَنْ هُو خَيْرٌ مِنْكَ: {لو اطَّلعْتَ عَليْهِم لولَّيتَ مِنهُم فراراً}، فبعث معاوية ناساً، فقال: اذهبوا، فانظروا، فلمَّا دخلوا الكهف، بعث الله عليهم ريحاً، أخرجتهم.
البقاعي
تفسير : ولما نبه سبحانه هذا التنبيه تسلية للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وتثبيتاً أن يبخع نفسه، عطف على ما مضى بقية أمرهم فقال: {وتحسبهم أيقاظاً} لانفتاح أعينهم للهواء ليكون أبقى لها، ولكثرة حركاتهم {وهم رقود ونقلبهم} بعظمتنا في حال نومهم تقليباً كثيراً بحسب ما ينفعهم كما يكون النائم {ذات} أي في الجهة التي هي صاحبة {اليمين} منهم {وذات الشمال} لينال روح النسيم جميع أبدانهم ولا يتأثر ما يلي الأرض منها بطول المكث {وكلبهم باسط} وأعمل اسم الفاعل هذا، لأنه ليس بمعنى الماضي بل هو حكاية حال ماضية فقال: {ذراعيه بالوصيد} أي بباب الكهف وفنائه كما هي عادة الكلاب، وذكر هذا الكلب على طول الآباد بجميل هذا الرقاد من بركة صحبة الأمجاد. ولما كان هذا مشوقاً إلى رؤيتهم، وصل به ما يكف عنه بقوله تعالى: {لو اطلعت عليهم} وهم على تلك الحال {لوليت منهم فراراً} أي حال وقوع بصرك عليهم {ولملئت} في أقل وقت بأيسر أمر {منهم رعباً *} لما ألبسهم الله من الهيبة، وجعل لهم من الجلالة، وتدبيراً منه لما أراد منهم {وكذلك} أي فعلنا بهم هذا من آياتنا من النوم وغيره، ومثل ما فعلناه بهم {بعثناهم} بما لنا من العظمة {ليتساءلوا} وأظهر بالافتعال إشارة إلى أنه في غاية الظهور. ولما كان المراد تساؤلا عن أخبار لا تعدوهم قال تعالى: {بينهم} أي عن أحوالهم في نومهم ويقظتهم فيزدادوا إيماناً، وثباتاً وإيقاناً، بما ينكشف لهم من الأمور العجيبة، والأحوال الغريبة فيعلم أنه لا علم لأحد غيرنا، ولا قدرة لأحد سوانا، وأن قدرتنا تامة، وعلمنا شامل، فليعلم ذلك من أنكر قدرتنا على البعث وسأل اليهود البعداء البغضاء عن نبيه الحبيب الذي أتاهم بالآيات، وأراهم البينات، فإن كانوا يستنحصون اليهود فليسألوهم عما قصصنا من هذه القصة، فإن اعترفوا به لزمهم جميعاً الإيمان والرجوع عن الغي والعدوان، وإن لم يؤمنوا علم قطعاً أنه لا يؤمن من أردنا هدايته بالآيات البينات كأهل الكهف وغيرهم، لا بإنزال الآيات المقترحات. ولما كان المقام مقتضياً لأن يقال: ما كان تساؤلهم؟ أجيب بقوله تعالى: {قال قائل منهم} مستفهماً من إخوانه: {كم لبثتم } نائمين في هذا الكهف من ليلة أو يوم، وهذا يدل على أن هذا القائل استشعر طول لبثهم بما رأى من هيئتهم أو لغير ذلك من الأمارات؛ ثم وصل به في ذلك الأسلوب أيضاً قوله تعالى: {قالوا لبثنا يوماً} ودل على أن هذا الجواب مبني على الظن بقوله دالاً حيث أقرهم عليه سبحانه على جواز الاجتهاد والقول بالظن المخطىء، وأنه لا يسمى كذباً وإن كان مخالفاً للواقع {أو بعض يوم} كما تظنون أنتم عند قيامكم من القبور إن لبثتم إلا قليلاً، لأنه فرق بين صديق وزنديق في الجهل بما غيبه الله تعالى: فكأنه قيل: على أي شيء استقر أمرهم في ذلك؟ فأجيب بأنهم ردوا الأمر إلى الله بقوله: {قالوا} أي قال بعضهم إنكاراً على أنفسهم ووافق الباقون بما عندهم من التحاب في الله والتوافق فيه في الحقيقة إخوان الصفا وخلان الألفة والوفا {ربكم} المحسن إليكم {أعلم} أي من كل أحد {بما لبثتم فابعثوا} أي فتسبب عن إسناد العلم إلى الله تعالى أن يقال: اتركوا الخوض في هذا واشتغلوا بما ينفعكم بأن تبعثوا {أحدكم بورقكم} أي فضتكم {هذه} التي جمعتموها لمثل هذا {إلى المدينة} التي خرجتم منها وهي طرطوس ليأتينا بطعان فإنا جياع {فلينظر أيها} أي أي أهلها {أزكى} أي أطهر وأطيب {طعاماً فليأتكم} ذلك الأحد {برزق منه} لنأكل {وليتلطف} في التخفي بأمره حتى لا يتفطنوا له {ولا يشعرن} أي هذا المبعوث منكم في هذا الأمر {بكم أحداً *} أن فطنوا له فقبضوا عليه، وإن المعنى: لا يقولن ولا يفعلن ما يؤدي من غير قصد منه إلى الشعور بكم فيكون قد أشعر بما كان منه من السبب، وفي قصتهم دليل على أن حمل المسافر ما يصلحه من المنفعة رأى المتوكلين لا المتآكلين المتكلين على الإنفاقات على ما في أوعية القوم من النفقات، وفيها صحة الوكالة؛ ومادة (ورق) بجميع تراكيبها الخمسة عشر قد تقدم في سورة سبحان وغيرها أنها تدور على الجمع، فالورق مثلثة وككتف وجبل: الدراهم المضروبة - تشبيهاً بالورق في الشكل وفي الجمال، وبها جمع حال الإنسان، وحالها مقتض للجمع، والورّاق: الكثير الدراهم وهو أيضاً مورّق الكتب، وحرفته الوراقة، وما زلت منك موارقاً، أي قريباً مدانياً - أي كالذي يساجلك في قطاف الورق من شجرة واحدة فهو يأخذ من ناحية وأنت من أخرى، والمداناة: أول الجمع والورق - محركة: جمال الدنيا وبهجتها - لأنها تجمع ألواناً وأنواعاً، ولعل منه الورقة، قال في مختصر العين: إنها سواد في غبرة. وحمامة ورقاء - أي منه، وفي القاموس: والأورق من الإبل: ما في لونه بياض إلى سواد، ورأى رجل الغول على جمل أورق فقال: جاء بأم الربيق على أريق، أي بالداهية العظيمة، صغر الأورق كسويد في أسود، والأصل وريق فقلبت واوه همزة، والأورق أيضاً من الكتاب والشجر معروف - لأنك لا تكاد تحد واحدة منه على لون واحد، ولأنه يجمع الواحدة منه إلى الأخرى ويجمع معنى ما يحمله، قال في مختصر العين: والورق: أدم رقاق منه ورق المصحف، والورق أيضاً: الخبط - لأنه لما كانت الإبل تعلفه كان كأنه هو الورق لا غيره، والورق: الحي من كل حيوان - لأن الحياة هي الجمال، وبها جماع الأمور، ولأن الورق دليل على حياة الحي من الشجر، فهو من إطلاق اسم الدال على المدلول، والورق أيضاً: ما استدار من الدم على الأرض، أو ما سقط اسم من الجراحة - لأن الاستدارة أجمع الأشكال، وهو تشبيه بورق الشجر في الشكل، والورق: المال من إبل ودراهم وغيرها - لأن جماع حياة الإنسان وكمالها بذلك كما أن كمال حياة الشجر بالورق، ولرعي المال من الحيوان الورق، والورق: حسن القوم وجمالهم - من ذلك، لأنه يجمع أمرهم ويجمع إليهم غيرهم، والورق من القوم: أحداثهم أو الضعاف من الفتيان - تشبيه بالورق لأنه لا يقيم غالباً أكثر من عام، ولأنه ضعيف في نفسه، وضعيف النفع بالنسبة إلى الثمر، والورقة - بهاء: الخسيس والكريم، ضد - للنظر تارة إلى كونه نافعاً للمرعى ودالاً على الحياة، وإلى كونه غير مقصود بالذات أخرى، ورجل ورق وامرأة ورقة: خسيسان أي لا ثمرة لهما، ومن ذلك أورق الصائد - إذا رمى فأخطأ أي لم يقع على غير الورق، أي لم تحصل له ثمرة، بل وقع على شجرة غير مثمرة، وكذا أورق القوم: أخفقوا في حاجتهم، أي رجعوا بلا ثمرة، ومن ذلك أيضاً أورقوا: كثر مالهم ودراهمهم - ضد، هذا بالنظر إلى أن في الورق جمال الشجر وحياته، والتجارة مؤرقة للمال كمجلبة أي مكثرة؛ ومنه قول القزاز في ديوانه: هذا رجل مؤرق له دراهم، والمؤرق: الذي لا شيء له - ضد، أو أنه تارة يكون للإيجاب والصيرورة نحو أغدّ البعير، وتارة للسلب نحو أشكيته، والوراق ككتاب: وقت خروج الورق من الشجر، وشجرة وريقة وورقة: كثيرة الورق، والوارقة: الشجرة الخضراء الورق الحسنته، والوراق - كسحاب: خضرة الأرض من الحشيش، وليس من الورق في شيء، وذلك أن تلك الخضرة لا تخلو عن لون آخر، والرقة - كعدة: أول نبات النصي والصليان وهما نباتان أفضل مراعي الإبل، لأنهما سبب لجمع المال للرعي، والرقة: الأرض التي يصيبها المطر في الصفرية - أي أول الخريف - أو في القيظ فتنبت فتكون خضراء - كأن ذلك النبات يكون أقل خضرة من نبات الربيع، ويكون اختلاطه لغيره من الألوان أكثر مما في الربيع، وفي القوس ورقة - بالفتح: عيب، والورقاء: الذئبة - من أجل أن الورق الخالي عن الثمر تقل الرغبة في شجره وهو دون المثمر، ولأن الورق مختلط اللون، والاختلاط في كل شيء عيب بالنسبة إلى الخالص، وتورقت الناقة: أكلت الورق. وقار الرجل يقور: مشى على أطراف قدميه لئلا يسمع صوتهما - لأن فاعل ذلك جدير بالوصول إلى ما أراد مما يجمع شمله، ومنه قار الصيد: ختله - لأن أهل الخداع أولى بالظفر، ألا ترى الأسود تصاد به، ولو غولبت عز أخذها، وقار الشيء: قطعه من وسطه خرقاً مستديراً كقوّره - لأن الثوب يصير بذلك الخرق يجمع ما يراد منه، والاستدارة أجمع الأشكال كما سلف، والقوارة - كثمامة: ما قور الثوب وغيره، أو يخص بالأديم، وما قطعت من جوانب الشيء، والشيء الذي قطع من جوانبه - ضد، وهو من تسميه موضع الشيء باسمه، والقارة: الجبل الصغير الصلب المنقطع عن الجبال - لشدة اجتماع أجزائه بالصلابة واجتماعه في نفسه بانقطاعه عن غيره مما لو خالطه لفرقه، ولم يعرف حد على ما هو، والقارة: الصخرة العظيمة، والأرض ذات الحجارة السود - لاجتماعها في نفسها بتميزها عن غيرها بتلك الحجارة، ودار قوراء: واسعة - تشبيهاً بقوارة الثواب، ولأنها كلما اتسعت كانت أجمع، والقار: الإبل أو القطيع الضخم منها، والاقورار: تشنج الجلد وانحناء الصلب هزالاً وكبراً - لأن كلاًّ من التشنج والانحناء اجتماع، والاقورار: الضمر - لأن الضامر اجتمعت أجزاؤه، والاقورار: السمن - ضد، لأن السمين جمع اللحم والشحم، والاقورار: ذهاب نبات الأرض - لأنها تصير بذلك قوراء فتصير أجدر بأن تسع الجموع، ويمكن أن يكون الأقورار كله من السلب إلا ما للسمن، والقور: القطن الحديث أو ما رزع من عامة لأنه يلبس فيجمع البدن، ولقيت منه الأقورين - بكسر الراء، والأقوريات أي الدواهي القاطعة - تشبيهاً بما قور من الثوب، فهي للسلب، والقور - محركة: العين - لأن محلها يشبه القوارة، والمقور - كمعظم: المطلي بالقطران - لاجتماع أجزائه بذلك، واقتار: احتاج، أي صار أهلاً لأن يجمع، وتقور الليل: تهور، أي مضى، من القطع، وتقورت الحية: تثنت أي تجمعت، والقار: شجر مر - كأنه الذي تطلى به السفن، وهذا أقير من هذا: أشد مرارة - لأن المرارة تجمع اللهوات عند الذوق، والقارة قبيلة - لأن ابن الشداخ أراد أن يفرقهم فقال شاعرهم: شعر : دعونا قارة لا تذعرونا فنجفل مثل إجفال الظليم تفسير : فسموا القارة بهذا وكانوا رماة، وفي المثل: قد أنصف القارة من راماها. والرقوة: فويق الدعص من الرمل، ويقال رقو، بلا هاء - كأنه لجمعه الكثير من الرمل، أو لجمعه من يطلب الإشراف على الأماكن البعيدة بالعلو عليه لترويح النفس - والله الموفق.
ابو السعود
تفسير : {وَتَحْسَبُهُمْ} بفتح السين وقرىء بكسرها أيضاً، والخطابُ فيه كما سبق {أَيْقَاظًا} جمع يَقظ بكسر القاف وفتحها وهو اليقظانُ، ومدارُ الحسبانِ انفتاحُ عيونِهم على هيئة الناظرِ، وقيل: كثرةُ تقلّبهم، ولا يلائمه قوله تعالى: {وَنُقَلّبُهُمْ} {وَهُمْ رُقُودٌ} أي نيام، وهو تقريرٌ لما لم يُذْكَر فيما سلف اعتماداً على ذكره السابقِ من الضرب على آذانهم {وَنُقَلّبُهُمْ} في رقدتهم {ذَاتَ ٱلْيَمِينِ} نصبٌ على الظرفية أي جهةً تلي أَيمانهم {وَذَاتَ ٱلشّمَالِ} أي جهةً تلي شمالَهم كيلا تأكلَ الأرضُ ما يليها من أبدانهم. قال ابن عباس رضي الله عنهما: لو لم يقلّبوا لأكلتْهم الأرضُ، قيل: لهم تقليبتان في السنة. وقيل: تقليبةٌ واحدةٌ يوم عاشوراءَ، وقيل: في كل تسع سنين، وقرىء يقلبهم على الإسناد إلى ضمير الجلالة، وتقَلُّبَهم على المصدر منصوباً بمضمر ينبىء عنه وتحسبهم أي وترى تقلّبَهم {وَكَلْبُهُمْ} قيل: هو كلبٌ مروا به فتبعهم فطردوه مراراً فلم يرجِع فأنطقه الله تعالى فقال: لا تخشَوا جانبـي فإني أحب أحباءَ الله تعالى فناموا حتى أحرُسَكم، وقيل: هو كلبُ راعٍ قد تبعهم على دينهم ويؤيده قراءة كالبُهم إذ الظاهرُ لحوقُه بهم، وقيل: هو كلبُ صيد أحدِهم أو زرعِه أو غنمِه، واختلف في لونه فقيل: كان أنمرَ، وقيل: أصفرَ، وقيل: أصهبَ، وقيل: غير ذلك، وقيل: كان اسمُه قطمير، وقيل: ريان، وقيل: تتوه، وقيل: قطمور، وقيل: ثور. قال خالدُ بنُ مَعْدان: ليس في الجنة من الدواب إلا كلبُ أصحابِ الكهف وحمارُ بلعم، وقيل: لم يكن ذلك من جنس الكلاب بل كان أسداً {بَـٰسِطٌ ذِرَاعَيْهِ} حكايةُ حالٍ ماضية ولذلك أُعمل اسمُ الفاعل وعند الكسائي، وهشام، وأبـي جعفر، من البصريـين يجوز إعمالُه مطلقاً، والذراعُ من المرفق إلى رأس الأُصبَعِ الوسطى {بِٱلوَصِيدِ} أي بموضع الباب من الكهف {لَوِ ٱطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ} أي لو عاينتَهم وشاهدتَهم، وأصلُ الاطّلاع الإشرافُ على الشيء بالمعاينة والمشاهدة، وقرىء بضم الواو. {لَوْلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا} هرباً مما شاهدتَ منهم، وهو إما نصبٌ على المصدرية من معنى ما قبله إذ التوليةُ والفِرارُ من واد واحدٍ وإما على الحالية بجعل المصدرِ بمعنى الفاعل أي فارًّا، أو بجعل الفاعلِ مصدراً مبالغة كما في قوله: [البسيط] شعر : [تَرْتع ما رَتَعتْ حتى إذا ادَّكرتْ] فإنما هيَ إقبالٌ وإدبارُ تفسير : وإما على أنه مفعولٌ له {وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا} وقرىء بضم العين أي خوفاً يملأ الصدرَ ويُرعِبه، وهو إما مفعولٌ ثانٍ أو تميـيز، ذلك لما ألبسهم الله عز وجل من الهيبة والهيئةِ كانت أعينُهم مفتّحةً كالمستيقظ الذي يريد أن يتكلم، وقيل: لطول أظفارِهم وشعورِهم ولا يساعده قولُهم: {لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ} وقوله: {وَلاَ يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا} فإن الظاهرَ من ذلك عدمُ اختلافِ أحوالِهم في أنفسهم، وقيل: لعِظم أجرامِهم، ولعل تأخيرَ هذا عن ذكر التوليةِ للإيذان باستقلال كلَ منهما في الترتب على الاطلاع، إذ لو رُوعيَ ترتيبُ الوجودِ لتبادر إلى الفهم ترتبُ المجموعِ من حيث هو عليه وللإشعار بعدم زوالِ الرعبِ بالفرار كما هو المعتادُ. وعن معاوية (لما غزا الروم فمرّ بالكهف، قال: لو كشفتَ لنا عن هؤلاء فنظرنا إليهم، فقال له ابن عباس رضي الله عنهما: ليس لك ذلك قد منع الله تعالى من هو خيرٌ منك حيث قال: {لَوِ ٱطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ} الآية، قال معاوية: لا أنتهي حتى أعلمَ علمَهم، فبعث ناساً وقال لهم: اذهبوا فانظُروا، ففعلوا فلما دخلوا الكهفَ بعث الله تعالى ريحاً فأحرقتْهم). وقرىء بتشديد اللام على التكثير وبإبدال الهمزةِ ياءً مع التخفيف والتشديد.
التستري
تفسير : قال الله تعالى: {وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِٱلوَصِيدِ}[18] أي باسط ذراعيه بالأمر والنهي. وقال عكرمة: الرقيم الدواة بلسان الروم. وقال الحسن: الرقيم الوادي الذي فيه الكهف. وقال كعب: الرقيم لوح من رصاص فيه أسماؤهم وأنسابهم ودينهم وممن هربوا، وأما الوصيد فهو فناء الباب. قوله تعالى: {لَوِ ٱطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوْلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَاراً}[18] يعني لو اطلعت عليهم بنفسك لوليت منهم فراراً، ولو اطلعت عليهم بالحق لوقفت على حقائق الوحدانية فيهم منه.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظاً وَهُمْ رُقُودٌ} [الآية: 18]. قال ابن عطاء: مقيمون فى الحضرة كالنيام لا علم لهم بوقتٍ ولا زمان ولا معرفة بمحل ولا مكان أحياء موتى صرعى مفيقون نيام منتبهون لا لهم إلى غيرهم طريق ولا لغيرهم إليهم سبيل ومحل الحضور والمشاهدة إنما هو الجمود تحت الصفات لا غير. قال أبو سعيد: هذا محل الفناء والبقاء أن يكونوا فانين بالحق باقين به، لا هُم كالنيام ولا هُم كالأيقاظ أوصافهم فانية عنهم وأوصاف الحق بادية عليهم وهو حيرة تحت كشفٍ وولهٍ مقابلة يقين. وقال أبو سعيد: هؤلاء أئمة الواحِدين لما قاموا فقالوا {رَبُّنَا رَبُّ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} كشف لهم حتى يتبينوا جلال القدرة وعظم الملكوت فغيبوا عن التمتع بشىء من الكون لحقيقة أحوالهم فصاروا دَهشين لا أيقاظ ولا رقود. قوله تعالى: {وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ ٱليَمِينِ وَذَاتَ ٱلشِّمَالِ} {الآية: 18]. قال ابن عطاء: نقلبهم فى حالى القبض والبسط والجمع والتفرقة جمعناهم مما تفرقوا فيه فحصلوا معنا فى عين الجمع. قال بعضهم: نقلبهم من حال الفناء والبقاء والكشف والاحتجاب والتجلى والاستتار. قوله تعالى: {وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِٱلوَصِيدِ} {الآية: 18]. قال أبو بكر الوراق: مجالسة الصالحين ومجاورتهم يؤثر على الخلق وأن لهم أن يكونوا أجناسًا ألا ترى الله عز وعلا كيف ذكر عن أصحاب الكهف فذكر كلبهم معهم لمجاورتهم إياهم.
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظاً وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ ٱليَمِينِ وَذَاتَ ٱلشِّمَالِ}. هم مسلوبون عنهم، مُخْتَطَفُون منهم، مُستَهلَكون فيما كوشِفوا به من وجود الحق؛ فظاهرهم - في رأي الخَلْق - أنهم بأنفسهم، وفي التحقيق: القائمُ عنهم غيرُهم. وهم محوٌ فيما كوشفوا به من الحقائق. ثم قال: {وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ ٱليَمِينِ وَذَاتَ ٱلشِّمَالِ}: وهذا إخبارٌ عن حُسْنِ إيوائه لهم؛ فلا كشفقةِ الأمهات بل أتم، ولا كرحمة الآباء بل أعزُّ... وبالله التوفيق. ويقال إن أهلَ التوحيد صفتهم ما قال الحقُّ - سبحانه - في صفة أصحاب الكهف: {وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظاً وَهُمْ رُقُودٌ} فَهُمْ بشواهد الفَرْقِ في ظاهرهم، لكنهم بعين الجمع بما كُوشِفوا به في سرائرهم، يُجْرِي عليهم أحوالِهم وهم غير متكلِّفين، بل هم يثبتون - وهم خمودٌ عما هم به - أن تصرفاتِهم القائمُ بها عنهم سواهم، وكذلك في نطقهم. قوله جلّ ذكره: {وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِٱلوَصِيدِ لَوِ ٱطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَاراً وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً}. كما ذَكَرَهُم ذَكَرَ كلبَهم، ومَنْ صَدَقَ في محبة أحدٍ أحبَّ مَنْ انتسب إليه وما يُنْسَبُ إليه. ويقال كلبٌ خَطَا مع أحبائه خطواتٍ فإلى القيامة يقول الصبيان - بل الحق يقول بقوله العزيز -: {وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ} فهل ترى أنَّ مُسْلِماً يصحب أولياءَه من وقت شبابه إلى وقت مشيبه يردُّه يوم القيامة خائباً؟ إنه لا يفعل ذلك. ويقال في التفاسير إنهم قالوا للراعي الذي تبعهم والكلب معه: اصرف هذا الكلب عنَّا.. فقال الراعي: لا يمكنني، فإني أنا ديته. ويقال أنطق الله سبحانه - الكلبَ فقال لهم: لِمَ تضربونني؟ فقالوا: لِتَنْصَرِفَ عنَّا. فقال: لا يمكنني أن أنصرف.. لأنه ربَّاني. ويقال كلبٌ بَسَطَ يده على وصيد الأولياء فإلى القيامة يقال: {وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِٱلوَصِيدِ}...فهل إذا رَفَعَها مسلمٌ إليه خمسين سنة ترى يرِدُّها خائبةً؟ هذا لا يكون. ويقال لما صَحِبهَم الكلبُ لم تضره نجاسةُ صِفتِهِ، ولا خساسةُ قيمته. ويقال قال في صفة أصحاب الكهف إن كانوا {أية : سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ} تفسير : [الكهف: 22]، أو {أية : خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ} تفسير : [الكهف: 22] فقد قال في صفة هذه الأمة: {أية : مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَىٰ ثَلاَثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلاَ خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ}تفسير : [المجادلة: 7]. وشتَّان ما هما! ويقال كُلٌ يُعامَلُ بما يليق به من حالته ورتبته؛ فالأولياء قال في صفتهم: {وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ ٱليَمِينِ وَذَاتَ ٱلشِّمَالِ}، والكلب قال في صفته: {وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِٱلوَصِيدِ}. ويقال كما كرَّر ذكرَهم، كرر ذِكْرَ كلبِهم. وجاء في القصة أن الكلبَ لما لم ينصرفْ عنهم قالوا: سبيلنا إذا لم ينصرف عنَّا أَنْ نَحْمِلَه حتى لا يُسْتَدَّلَ علينا بأثر قَدَمِه فحملوه، فكانوا في الابتداء (بل إياه) وصاروا في الانتهاء مطاياه.. كذا مَنْ اقتفى أَثَرَ الأحباب. ويقال في القصة إن الله أنطق الكلب معهم، وبِنُطْقِه رَبَطَ على قلوبهم بأَنْ أزدادوا يقيناً بسماع نطقه، فقال: لِمَ تضربوني؟ فقالوا: لتنصرف، فقال: أنتم تخَافون بلاءً يصيبكم في المستقبل وأنتم بلائي في الحال. ثم إنَّ بلاَءَكم الذي تخافون أنْ يصيبكم من الأعداء، وبلائي منكم وأنتم الأولياء. ويقال لما لزم الكلبُ محلَّه ولم يجاوزْ حَدَّه فوضع يديه على الوصيد بقي مع الأولياء... كذا أدب الخدمة يوجب بقاءَ الوُصلة. قوله جلّ ذكره: {لَوِ ٱطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَاراً وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً}. الخطاب له - صلى الله عليه وسلم - والمرادُ منه غيره. ويقال لو اطلعتَ عليهم من حيث أنت لوليت منهم فراراً، ولو شاهدتَهم من حيث شهود تولِّي الحق لهم لبقيت على حالك. ويقال لو اطلعتَ عليهم وشاهدْتَهم لَوَلَّيْت منهم فراراً مِنْ أنْ تُرَدَّ عن عالي منزلتك إلى منزلتهم؛ والغنيُّ إذا رُدَّ إلى منزلة الفقير فَرَّ منه، ولم تَطِبْ به نَفسُه. {وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً} بأن يُسْلَبَ عظيمُ ما هو حالك، وتُقَامَ في مثل حالهم النازلة عن حالك. ويقال: {لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَاراً} لأنك لا تريد أن تشهد غيرنا.
اسماعيل حقي
تفسير : {وتحسبهم} تظنهم والخطاب فيه كما فى ترى {ايقاظا} متنبهين جمع يقظ يفتح القاف وكسرها وهو اليقظان ومجار الحسبان انفتاح عيونهم على هيئة الناظر {وهم رقود} نيام جمع راقد مثل بكيا وجثيا فى سورة مريم جمع باك وجاث والاصل بكوى وجثوى على وزن رقود {در كشف الاسرار آورده كه اين حال نمو دار كار جوانمردان طريقتست جون بظواهر ايشان درنكرى بينى كه جلوه كراند در ميدان اعمال وجون سرائر ايشان دريابى بينى كه ازهمه فارغند در بوستان لطف ذو الجلال بباطن مست وبظاهر هشيار بمعنى بيكار وبصورت دركار} شعر : ظاهرى بااين وآن درساخته باطنى از جمله وابرد اخته تفسير : {ونقلبهم} فى رقدتهم بايدى الملائكة {ذات اليمين} نصب على الظرفية اى جهة تلى ايمانهم {وذات الشمال} اى جهة تلى شمائلهم كيلا تأكل الارض ما يليها من ابدانهم على طول الزمان قال ابو هريرة رضى الله عنه كانت لهم تقلبتان فى السنة. وقال ابن عباس رضى الله عنهما تقلبة واحدة من جانب الى جانب لئلا تأكل الارض لحومهم وذلك فى يوم عاشوراء وتعجب منه الامام وقال ان الله قادر على حفظهم من غير تقليب واجاب عنه سعدى المفتى بقوله لا ريب فى قدرة الله ولكن تعالى جعل لكل شئ سببا فى اغلب الاحوال انتهى. قال بعض الكبار الميل الى اليمن عند النفى حين التلفظ بكلمة الشهادة والى اليسار عند الاثبات مأخوذ من هذه الآية الشريفة. قال فى التأويلات النجمية فيه اشارة لطيفة وهى ان المريد الذى يربيه الله بلا واسطة المشايخ يحتاج الى ان يكون كالميت بين يدى الغسال مسلما نفسه بالكلية اليه مدة ثلاثمائة سنة وتسع سنين حتى تبلغ مبلغ الرجال والمريد الذى يربيه الله بواسطة المشايخ لعله يبلغ مبلغ الرجال البالغين بخلوة اربعين يوما او خلوتين او خلوات معدودة وذلك ان هؤلاء خلفاء الله بواسطة المشايخ وصورة لطفه كما ان الاشجار فى الجبال تربى بلا واسطة فلا تثمر كما تثمر الاشجار فى البساتين بواسطة الدهاقين وتربيتهم شعر : زمن اى دوست اين يك بندبيذير برو فتراك صاحب دولتى كير كه قطره تا صدف را درنيايد نكردد كوهر وروشن نتابد تفسير : {وكلبهم} هو كلب راع قد تبعهم على دينهم واسمه قطمير {باسط ذراعيه} حكاية حال ماضية ولذلك اعمل اسم الفاعل وعند الكسائى وهشام وابى جعفر من البصريين يجوز اعماله مطلقا والذراع من المرفق الى رأس الاصبع الوسطى {بالوصيد} اى بموضع الباب من الكهف. قال فى القاموس الوصيد الفناء والعتبة انتهى. قال السدى الكهف لا يكون له عتبة ولا باب وانما اراد ان الكلب منه موضع العتبة من البيت - روى - انه يدخل الجنة مع المؤمنين على ما قال مقاتل عشرة من الحيونات تدخل الجنة ناقة صالح وعجل ابراهيم وكبش اسماعيل وبقرة موسى وحوت يونس وحمار عزير ونملة سليمان وهدهد بلقيس وكلب اصحاب الكهف وناقة محمد صلى الله عليه وسلم فكلهم يصيرون على صورة كبش ويدخلون الجنة ذكره فى مشكاة الانوار: قال الشيخ سعدى قدس سره. شعر : سك اصحاب كهف روزى جند بى نيكان كرفت ومردم شد تفسير : يعنى [بامردمان داخل جنت شد درصورت كبش. ودر تفسير امام ثعلبى مذكوراست كه هركه درشبانروز برحضرت نوح عليه السلام درود فرستد از كزدم ضررى بوى نرسد وهركه اين كلمات {وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد} نوشته باخود دارد از سك متضرر نكردد]. قال فى حياة الحيوان اكثر اهل التفسير على ان كلب اهل الكهف كان من جنس الكلاب - روى - عن ابن جريج انه قال كان اسدا ويسمى الاسد كلبا لان النبى عليه الرسلام دعا على عتبه بن ابى لهب ان يسلط الله عليه كلبا من كلابه فاكله الاسد والكلب نوعان اهلى وسلوقى نسبة الى سلوق وهى مدينة باليمن ينسب اليها الكلاب السلوقية فانه يكون فيها كلاب طوال يصيدون بها. ومن بلاغات الزمخشرى السوقية والكلاب السلوقية سواء يعنى ان السوقية لما فيهم من سوء الخلق ورداءة المعاملة والكلاب السلوقية متساويتان وكلا النوعين فى الطبع سواء وفى طبعه الاحتلام وتحيض اناثه. قال ابن عباس رضى الله عنهما كلب امين خير من صاحب خوان. وكان للحارث بن صعصعة ندماء لا يفارقهم وكان شديد المحبة لهم فخرج فى بعض منزهاته ومعه ندماؤه فتخلف منهم واحد فدخل على زوجته فأكلا وشربا ثم اضطجعا فوثب الكلب عليهما فقتلهما فلما رجع الحارث الى منزله فوجدهما قتيلين عرف الامر فانشد يقول شعر : وما زال يرعى ذمتى ويحوطنى ويحفظ عرسى والخليل يخون فيا عجبا للخل تحليل حرمتى ويا عجبا للكلب كيف يصون تفسير : وفى عجائب المخلوقات ان شخصا قتل شخصا باصفهان والقاه فى بئر وللمتقول كلب يرى ذلك فكان يأتى كل يوم الى رأس البئر وينحى التراب عنها ويشير واذا رأى القاتل نبح عليه فلما تكرر منه ذلك حفروا الموضع فوجدوا القتيل ثم اخذوا الرجل فاقر فقتل به قال المولى الجامى فى ذم ابناء الزمان شعر : در لباس دوستى سازند كار دشمنى حسب الامكان واجبست ازكيد ايشان اجتناب شكل ايشان شكل انسان فعل شان فعل سباع هم ذئاب فى ثياب او ثياب فى ذئاب تفسير : وعن الحسن البصرى رحمه الله قال فى الكلب عشر خصال ينبغى لكل مؤمن ان تكون فيه الاولى ان يكون جائعا فانه من دأب الصالحين. والثانية ان لا يكون له مكان معروف وذلك من علامات المتوكلين. والثالثة ان لا ينام من الليل الا قليلا وذلك من علامات المحبين. والرابعة اذا مات لا يكون له ميراث وذلك من صفات المتزهدين. والخامسة انه لا يترك صاحبه وان ضربه وجفاه وذلك من علامات المريدين الصادقين. والسادسة انه يرضى من الارض بادنى الاماكن وذلك من علامات المتواضعين. والسابعة اذا تغلب على مكانه تركه وانصرف الى غيره وهذه من علامات الراضين. والثامنة اذا ضرب وطرد وجفى عليه وطرح له كسرة اجاب ولم يحقد على ما مضى وذلك من علامات الخاشعين. والتاسعة اذا حضر الاكل جلس بعيدا ينظر وهذه من خصال المساكين. والعاشرة انه اذا رحل من مكان لا يلتفت اليه وهذه من علامات المخزونين كذا فى روض الرياحين للامام اليافعى رحمه الله {لو اطلعت عليهم} اى لو عاينتهم وشاهدتهم واصل الاطلاع الاشراف على الشئ بالمعاينة والمشاهدة {لوليت منهم} اى هربت {فرارا} نصب على المصدرية من معنى ما قبله اذا التولية والفرار من واحد اى وليت تولية او فررت فرارا {ولملئت} [وهر آينه بر كرده شوى} {منهم رعبا} خوفا يملأ الصدر ويرعبه وهوا ما مفعول ثان او تمييز وذلك لما البسهم الله من الهيبة والهيئة كانت اعينهم مفتحة كالمستيقظ الذى يريد ان يتكلم. قال الكاشفى [مراد آنست كه كسى را طاقت ديدن ايشان نيست بجهت آنكه جشماهاى ايشان كشاده است ومويها وناخونهاى ايشان دراز شده وايشان درمكان مظلم وموحش اند] وعن معاوية رضى الله عنه انه غزا الروم فمر بالكهف فقال لو كشف لنا عن هؤلاء فنظرنا اليهم فقال له ابن عباس رضى الله عنهما ليس لك ذلك وقد منع الله من هو خير منك فقال {أية : لو اطلعت عليهم لوليت منهم فرارا}تفسير : فقال معاوية لا انتهى حتى اعلم علمهم فبعث ناسا وقال لهم اذهبوا فانظروا ففعلوا فلما دخلوا الكهف جاءت ريح فاحرقتهم وقيل فاخرجتهم. فان قيل من اين يفهم المنع من الآية. قلنا من حيث دلالتها على انهم لما البسهم الله تعالى من الهيبة لا يستطيع احد ان ينظر اليهم نظر الاستقصاء وهذا الذى طلبه معاوية ولم يسمع لانه ظن ان هذا المعنى وهو امتناع الاطلاع عليه مختص بذلك الزمان الذى قبل بعثهم والاعثار عليهم وبناء المسجد فوقهم. واما ابن عباس رضى الله عنهما فقد علم ان ذلك عام فى جميع الازمان كذا فى حواشى سعدى المفتى. يقول الفقير لا شك ان عبارة الخطاب فى لو اطلعت وما يليه لحضرة الرسالة واشارته لكل من يصلح له من امته فمعاوية داخل تحت اشارة هذا الخطاب فيكون التفتيش عنهم اذا ضائعا لا طائل تحته وذلك لان مطالعة ما خرج عن حد اشكاله من الامور العجيبة الخارقة لا تتيسر لكل نظر ألا ترى انه عليه السلام مع غلبة الملكية عليه لما رأى جبرائيل على صورته العجيبة وقد سد باجنحته ما بين المشرق والمغرب خر مغشيا عليه مع ان فى النظر اليهم ابتذالا لهم بالنسبة الى من ليس من اهله وقد جرت عادة الله تعالى على ستر المعانى فى الدنيا والصور فى البرزخ الذى هو مقدمة عالم الآخرة فكما لا يشاهد الروح وهو فى البرزخ لكون حسن الرائى حجابا مانعا كذلك الجسد الطاهر المقدس لكونه متصلا بمقام الروح ولذا لا تأكله الارض فافهم - حكى - ان صوفيا رأى وليا من اولياء الله تعالى راكبا لاسد وبيده حية بدل السوط فلما شاهده هلك من هيبة المقام شعر : خام را طاقة بروانه بر سوخته نيست
اطفيش
تفسير : {وَتَحْسَبُهُمْ} تظنهم يا محمد لو رأَيتهم ولم نخبرك بأنهم رقود والخطاب لكل من يصلح للظن أو الخطاب وقرئ بكسر السين. {أَيْقَاظاً} جمع يقظ بضم القاف وكسرها أَى تحسبهم غير نائمين لانفتاح عيونهم وقيل: لكثرة تقلبهم. {وَهُمْ رُقُودٌ} نائمون. الجملة حال من هاء تحسبهم والرابط واو الحال والضمير بعده أو من ضمير تحسب فالرابط الواو وأَنت خبير بأن المراد باليقظة كون الإنسان غير نائم وقيل: المراد الانتباه من النوم كما هو المتبادر. {وَنُقَلبُهُمْ} فى نومهم لئلا تأكل الأرض ثيابهم وأجسامهم وقرئ يقلبهم بالمثناة آخر حروف الهجاء والضمير المستتر عائد إلى الله سبحانه وتعالى والمعنى: تقلبهم ملائكتنا أو تقلبهم ملائكتى فحذف المضاف وجعل الفعل كما يناسب المضاف إليه أو أسند الله سبحانه وتعالى للتقليب إلى نفسه لأنه أمر به وواقع بإذنه ويجوز أن يكون تقلبهم بقدرة الله بلا واسطة مَلَك. وقرئ وتقلبهم بتاء مفتوحة مثناة وقاف كذلك وضم اللام وفتح الباء الموحدة وهو مصدر مفعول به بمحذوف أى وتشاهد تقلبهم يدل عليه قوله عز وجل: وتحسبهم أيقاظا. واختلفوا فى تقلبهم فقيل: كثير كما مر وقيل: يقلبون فى السنة مرة واحدة يوم عاشوراء وهو رواية عن ابن عباس وقال أبو هريرة: يقلبون كل سنة مرتين. {ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ} أى نوقع التقليب فى جنبهم الأيمن إلى جنب الشمال وفى جنب الشمال منهم إلى الأيمن. {وكَلْبُهُمْ} كلبُ راعٍ مروا به يتبعهم وتبعهم الكلب كما يأتى إن شاء الله وأضيف إليهم لأن الراعى صاحبه واحد منهم أو روعى مصاحبة الكلب لهم فى ذلك المكان أو فيه وفى طريقهم إليه وأضيف إليهم باعتبار تلك الملابسة فقط ولو فى حق مالكه وألفى كونه مالكه ولو اعتبر مالكه واعتبرت الملابسة فى حق غيره للزم استعمال الإضافة فى معناها الحقيقى ومعناها المجازى. وقرأ جعفر الصادق: وكالبهم بوزن فاعل للنسب كَلاَبنٍ وتامرٍ أى وصاحب كلبهم. وقيل: إن الكلب الذى تبعهم إنما هو كلب تبعهم لما مروا به وروى أنهم طردوه فأنطقه الله فقال: أنا أحب أحباء الله فناموا وأنا أحرسكم ويؤيد القول الأول قراءة جعفر المذكورة. {بَاسِطٌ ذِرَاعيْهِ} يديه. قيل: إنه إلى الآن باسط يديه وهو كحالهم حى نائم يقلَّب إذا قلِّبوا ويفترش أذنه. وعلى هذا إنما عمل اسم الفاعل لأنه للحال وقيل: إنه مات وذهب قبل نزول الآية فقيل: إنما عمل اسم الفاعل مع أنه للماضى تنزيلا للحالة الماضية منزلة الحالة الحاضرة تقريراً لأمر ذلك الكلب وبسطه كأنه مشاهد. وقال الكسائى: إن اسم الفاعل يعمل ولو كان للماضى لهذه الآية ونحوها وهكذا الخلق فى صيغة المبالغة واسم المفعول وذلك فى نصب المفعول وأما رفع الفاعل والنائب فلا يشترط الحال أو الاستقبال والمانع لعمل الذى للماضى يُؤَول ذلك بتنزيل الحال الماضية منزلة الحاضرة ويقدر الفعل ويجعله هو الناصب وذلك عندى تكلف والواضح قول الكسائى لكثرة الأدلة عليه والأصل عدم تأويل الكثير. {بِالوَصِيدِ} فِناء الكهف وقيل: الوصيد: الباب. وقيل: العتبة والباء للظرفية أو للإلصاق. روى عن ابن عباس أن كلبهم أعور فوق القلطى ودون الكردى والقلطى كلب الصين. قال مقاتل: كان أصفر. قال بعض: هو شديد الصفرة حتى ضرب إلى الحمرة وهو قول محمد بن كعب القرظى. وقال الكلبى: لونه كالذهب. وقيل: كلون الحجر وقيل: كلون السماء. وعن ابن عباس: أبيض. وعن علىّ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه أبلق وأن اسمه قطمير وهكذا روى عن ابن عباس أن اسمه قطمير وعن مجاهد قنطموريا وعن عبد الله بن كثير قطمور. وعن علىّ أيضا حران وعنه أشهريان. وعن شعيب حران كما مر عن علىّ. وعن الأوزاعى مواو. وعن عبد الله بن سلام بسيط وعن كعب صهبان وعن وهب بغى. وقالوا: من أراد أن لا ينبح عليه كلب فليقرأ: {وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد}. وذكروا أن الحيوانات التى تكون فى الجنة: عجل إبراهيم وكبشه الذى فدى به ابنه، وحوت يونس، وبقرة قوم موسى المذكورة فى سورة البقرة، وناقة صالح وفصيلها، وكلب أهل الكهف، وفأرة سبأ، وهدهد سليمان ونملته، وحمار عزير، وناقة سيدنا محمد وبلغته وحماره يعفور صلى الله على سيدنا محمد وسلم على الأنبياء وباقى الحيوان يكون ترابا. {لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ} أشرفت عليهم ببصرك وقرئ بضم الواو تشبيها بواو الجمع. {لَوَلَّيْتَ} لرجعت وراءك. {مِنْهُمْ فِرَاراً} أى هيبة التى ألبسهم الله إياها لئلا يصل إليهم أحد إلى المدة التى أراد الله إيقاظهم فيها أو يميتهم فى منامهم وفراراً مفعول مطلق لأن التولية المتصلة بالاطلاع بلا فصل لا تخلو عن فرار وأيضا التولية لفظ عام ويجوز كون مفعولا من أجله أو حالا تأكيدا ومبالغة كأنه نفس الفرار أو تقدير مضاف أى ذا فرار أو بالتأويل باسم الفاعل أى فارا. {وَلمُلِئْتَ} وقرأ نافع وابن كثير بتشديد اللام للمبالغة وقرئ بقلب الهمزة ياء مع التخفيف {مِنْهُمْ} من للتعليل أو للابتداء. {رُعْباً} وقرأ ابن عامر والكسائى ويعقوب بضم العين كالراء وهو بالإسكان والضم: الخوف الذى يملأ الصدر من رعبت الشئ ملأته وذلك لما ألبسهم الله من الهيبة. وقيل: لطول أظفارهم وشعورهم وعظم أجسامهم وانفتاح عيونهم كالمستيقظ الذى أراد أن يتكلم. وقيل: لوحشة مكانهم. وروى أن معاوية غزا الروم فمر بالكهف فقال: لو كشف لنا عن هؤلاء لننظر إليهم فقال له ابن عباس: ليس لك ذلك وقد منع الله عز وجل ذلك من هو خير منك فقال: لو اطلعت عليهم لوليت منهم فرارا. فقال له معاوية: لا أنتهى حتى أعلم علمهم فبعث ناسا وقال لهم: اذهبوا فانظروا ففعلوا فلما دخلوا الكهف بعث الله تعالى ريحا فأحرقتهم. وزعم بعضهم أن أهل تلك الأرض يقلمون أظفار أصحاب الكهف ويقصرون شعور رءوسهم ولحاهم وينفضون الغبرة عن ثيابهم مرة فى سنة وأن بعض رسل الملوك رآهم فخرجوا سالمين ولعلهم رسل معاوية وقيل: هم فى رستاق بين عمورية ونقيرة فى جبل علوه ألف ذراع ليس له سَرَب من وجه الأرض يؤدى إليهم وفى أعلى الجبل كهف يشبه البئر ينزل منه إلى باب السَّرَب ويمشى مقدار ثلاث خطوات ثم يفضى إلى بيوت منقورة منها بيت مرتفع العتبة مقدار قامة وعليه باب من حجر فيه أصحاب الكهف طليت أجسادهم بالصَّبِر والكافور وكلبهم عند أرجلهم رأسه مستدير إلى ذَنَبه لم يبق إلا رأسه وعَجُزه وفِقار ظهره ووهم أهل الأندلس فى قولهم: إنهم الذين فى لَوشة وإنما هؤلاء شهداء قال بعض من وثق به غيرى: لقد رأيت أصحاب الكهف فى ذلك الكهف الذى بين عمورية ونقيرة سنة عشر وخمسمائة.
اطفيش
تفسير : {وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا} جمع يقظ بكسر القاف كنكد وأنكاد، أو بضمها كعضد وأعضاد {وَهُمْ رُقُودٌ} جمع راقد، كما نص ابن مالك على صحة جمع فاعل على فعول، فلا حاجة إلى جعله مصدراً بمعنى الوصف، أو إلى تقدير مضاف ومعناه نوام، وقيل: موتى، شبَّه نومهم بالموت كقوله تعالى: "أية : مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مرقدنا"تفسير : [يس: 52] والأول أولى، والمعنى أنك تظنهم لو رأيتهم غير نائمين أو غير موتى لانفتاح عيونهم، وشدة نظرها، بحسب صورتها، وهم لا ينظرون بها، والنبى صلى الله عليه وسلم لا يظنهم أيقاظاً مع علمه بأَنهم رقود، لكن المراد أنه يراهم بصورة الأيقاظ، أو لو رآهم قبل علمه بعدم يقظتهم، أو الخطاب لمن يعلم به لو رآهم. {وَنُقَلِّبُهُمْ} وكلبهم {ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ} يقول لتقلبهم كن فيكون، أو تقلبهم الملائكة، وروى أن أهل تلك الجهة يقلبونهم، ويقلمون أظفارهم، لو لم يقلبهم لأكلتهم الأرض، كما قال ابن عباس: والله قادر أن لا تأكلهم بلا تقليب، ولكن يجرى الله عز وجل غالب الأمور على أسباب، كما يجمع صلى الله عليه وسلم ماء قليلا، أَو يأتى ماء قليلا، أو يجمع طعامًا قليلاً فيبارك فيه فينمو، ولو شاء الله لخلق له كثيراً بلا جمع. قيل: أو تقليبهم جرياً على عادتهم فى النوم من التقلب عن جنب إلى جنب، وذلك تشريف لهم، والتقليب مرة فى كل تمام ستة أشهر فيما روى عن ابن عباس رضى الله عنهما، وقيل: يوم عاشوراء فى كل سنة، وقيل: فى تسع سنين، ولا يخفى أن المضارع للتجديد، وذات ظرف أى وقع التقليب فى جهتهم اليمنى إلى اليسرى، وفى اليسرى إلى اليمنى. {وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ} الواو للحال، واسمه قطمير، وعن مجاهد قطمور، وقيل: ثور، وقيل: كلب تبعهم، وقيل: ريان، وهو أصفر اللون، وقيل: أسمر، وقيل: كلون السماء، وقال رجل من أهل الكوفة: رأيته أحمر كأنه ثوب إنجابى. قال قومنا: إنه رجل لا يتهم بالكذب، وإن اسمه عبيد، وقيل: فيه نمرة بيضاء، ونمرة سوداء، وهو لواحد منهم تبعه فطردوه فأنطقه الله: إنى مؤمن ومحب لأحباب الله، وقيل: لراع مروا به مع غنمه فاتَّبعهم الراعى إيمانا بالله، إِذ أخبروه بقصتهم، فتبعه كلبه فطردوه، ورفع يديه ودعا فأَنطقه الله بذلك، وبأنى لا أضر بل أنفعكم إِذا رقدتم أحرسكم، ولما ناموا نام، ولما استيقظوا تيقظ، ولما ماتوا مات معهم، ويدخل الجنة كناقة صالح، وكبش إِسماعيل، وهو كلب حاله من أخس الأحوال نال درجة الأبرار لحبه إياهم وصحبتهم، حتى كان يتلى فى القرآن فى مقام المدح. "حديث : قال رجل: يا رسول الله مَتَى الساعة؟ فقال:ما أعددت لها؟ فقال: يا رسول الله ما أعددت كثير صيام ولا صدقة ولا صلاة، ولكن أحب الله ورسوله، فقال: فأنت مع من أحببت" تفسير : وقال: "حديث : المرء مع من أحب" تفسير : قال أنس فما فرحنا بعد الإسلام بأشد من قول النبى صلى الله عليه وسلم: "حديث : فأنت مع مَن أحببت" تفسير : قال أنس: فأنا أحب الله ورسوله وأبا بكر وعمر، فأَرجو أن أكون معهم، ولو لم أعمل بأعمالهم. وقيل: كلبهم راعيهم، فساغ أن أصحاب الكهف ثمانية ولكن لا يلزم أن يكون منهم، ويناسبه قراءة: وكالبهم أى صاحب كلب شبه به، على أنه الباسط الذراع لا كلبه، ووجه الشبه الحفظ، ونصب باسط المفعول مع أنه للماضى غير مقرون بأن يجعل حالهم الماضية كالحاضرة ا لمشاهدة، لأن المشاهدة تزيد قوة، والوصيد الموضع الواسع أمام الكهف، أو هو الباب أو العتبة أو التراب، ولا باب ولا عتبة للكهف، فالمراد موضعين منه لو بنيا، ويحتمل أنهما بنيا. وقيل: لا يختصان بما بنى، بل هما ولو للغار وتقليبهم لئلا تأكلهم الأرض، رد على مَن قال: إنهم فى توابيت من ساج، إلا أن يقال نزعوا منها، وجعلوا على الأرض أو ما يليهم من التابوت مثل الأرض، كما روى أن ملكاً مسلمًا جعلهم فى توابيت من ذهب، فقالوا له فى المنام: إنا لم نخلق من الذهب بل من الأرض، وإليها نعود، فارددنا فى التراب، فجعلهم فى توابيت من ساج. ويروى أن مؤمنين من بيت دقيانوس كتما إيمانهما كتبا عددهم ودينهم وأحوالهم وأنسابهم، وفرارهم من دقيانوس فى لوحين من رصاص، وجعلاهما فى تابوت من نحاس، وجعلا التابوت فى البنيان، لعل الله يظهرهم لقوم مؤمنين، فيعلموهم، وقيل: كتب ذلك فى لوح، وجعل فى خزانة الملك، وملك المدينة بعده رجل مؤمن اسمه بيدروس، وشق عليه قول مَن يقول: إن الله يبعث الأرواح دون الأجسام، فتضرع إلى الله جل وعلا، فألقى الله فى قلب رجل أن يهدم سد النار، ويجعله حظيرة لغنمه، ففتحه وبعثهم الله فرحين لم يتغيَّروا، وبعث كلبهم، فأَخبر الناس بهم فجاءوهم. وروى أنهم بعد هذا الإحياء أرسلوا تمليخا للطعام، فوجد المدينة تغيَّرت، وغلب عليها أمر الإسلام، فجاءوا به إلى الملك، فأخبره تمليخا بشأنهم فقال: يا قوم لعل هذه آية من الله عز وجل لنا، فانطلقوا بنا ليرينا أصحابه، فانطلق ربوس واسطيوس من عظمائهم، وأهل المدينة فدخلا عليهم، فوجدا فى أثر البناء اللوحين فى التابوت فقرآهما، فأَرسلوا إلى الملك أن أعجل تر آية بعث الله فتية ماتوا أكثر من ثلاثمائة، فأتى وقال: أحمدك يا رب السماوات والأرض، تفضلت علىَّ فاعتنقهم ووقف بين أيديهم وهم جلوس على الأرض، يسبِّحون الله ويحمدونه. فقالوا له: نستودعك الله، والسلام عليك ورحمة الله، حفظك الله، وحفظ ملكك، ونعيذك بالله من شر الإنس والجن، فناموا، وتوفى الله أنفسهم، فجعل الملك عليهم ثيابهم، وجعلهم فى توابيت من ذهب على حد ما مر، وسد الغار بحائط مسجد بناه عليهم، وجعل لهم عيداً عظيما فى كل سنة. {لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ} يا محمد، أو يا من يصلح ونظرت إِليهم {لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ} من للابتداء، أو بمعنى على {فِرَارًا} مفعول مطلق لوليت، وأجيز الحال والتعليل {وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا} خوفاً يملأ قلبك، لما ألبسهم الله من الهيبة، أو عظم أجسامهم، أو انفتاح عيونهم، وشدة صورة نظرها وبريقها، أو وحشة مكانهم، أو كل ذلك، أو منعهم الله بالرعب حتى لا يراهم أحد. وعن سعيد بن جبير، عن ابن عباس رضى الله عنهما: غزونا مع معاوية نحو الروم، فمررنا بالكهف الذى فيه أصحاب الكهف، فقال معاوية: لو كُشف لنا عن هؤلاء نظرنا إليهم، فقال ابن عباس: قد مُنِعَ من ذلك مَن هو خير منك {لو اطلعت عليهم لوليت منهم فراراً} إلخ فقال معاوية: لا أنتهى حتى أعلم علمهم، فبعث رجالا فقال: اذهبوا فانظروا: فلما دخلوا الكهف بعث الله عليهم ريحا فأحرقتهم. ويروى فأخرجتهم، ظن معاوية أن منعهم عن الرؤية إِنما هو فى زمانه صلى الله عليه وسلم، أو ظن أنه قد ضعف حالهم بعد، أو ظن أنه قبل أن يبعثهم الله، أو رجى أن الله قد خلق من لا يرغب، وابن عباس عمل الرعب على الدوام، وهو الظاهر، لأنه إذا كان صلى الله عليه وسلم يرغب فغيره أولى، أو حمل الخطاب على العموم البدلى لكل مَن يصلح، ودخل رجل شديد عليهم فابيضت عيناه، وتغيَّر شعره إذ دخل، فكان يصفهم ويقول: هم سبعة، وهم باقون إلى الآن بلا تغيير، ولا يصح ما قيل إنه دخل عليهم رجل فوجدهم عظاما. وقيل: الرعب لطول شعورهم وأظافرهم، ويرده قول بعضهم لبثنا يوما أو بعض يوم، ولو طالت ذلك الطول المفرط المدعى لم يقل يوم أو بعض يوم إلا أن يقال: قال ذلك قبل النظر إِلى أَظفارهم وشعورهم، وصح ابن عطية أنهم بقوا على حالهم لم تزد شعورهم وأظفارهم، وإلا كانت أهم لهم، وهم لم ينكروا إلا تغير بناء المدينة والإسلام فيها، وعلى بابها.
الالوسي
تفسير : {وَتَحْسَبُهُمْ} بفتح السين. وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو والكسائي بكسرها، أي تظنهم. والخطاب فيه كما فيما سبق. والظاهر أن هذا إخبار مستأنف وليس على تقدير شيء، وقيل في الكلام حذف والتقدير ولو رأيتهم تحسبهم {أَيْقَاظًا} جمع يقظ بكسر القاف كأنكاد ونكد كما في «الكشاف» وبضمها كأعضاد وعضد كما في «الدر المصون». وفي «القاموس» رجل يقظ كندس وكتف فحكى اللغتين ضم العين وكسرها وهو اليقظان ومدار الحسبان انفتاح عيونهم على هيئة الناظر كما قال غير واحد. وقال ابن عطية: يحتمل أن يحسب الرائي ذلك لشدة الحفظ الذي كان عليهم وقلة التغير وذلك لأن الغالب على النيام استرخاء وهيآت يقتضيها النوم فإذا لم تكن لنائم يحسبه الرائي يقظان وإن كان مسدود العينين ولو صح فتح أعينهم بسند يقطع العذر كان أبين في هذا الحسبان. وقال الزجاج: مداره كثرة تقلبهم، واستدل عليه بذكر ذلك بعد، وفيه أنه لا يلائمه. {وَهُمْ رُقُودٌ} جمع راقد أي نائم، وما قيل إنه مصدر أطلق على الفاعل واستوى فيه القليل والكثير كركوع وقعود لأن فاعلاً لا يجمع على فعول مردود لأنه نص على جمعه كذلك النحاة كما صرح به في «المفصل» و«التسهيل»، وهذا تقرير لما لم يذكر فيما سلف اعتماداً على ذكره السابق من الضرب على آذانهم. {وَنُقَلّبُهُمْ} في رقدتهم كثيراً {ذَاتَ ٱلْيَمِينِ} أي جهة تلي أيمانهم {وَذَاتَ ٱلشّمَالِ} أي جهة تلي شمائلهم كيلا تأكل الأرض ما يليها من أبدانهم كما أخرجه سعيد بن منصور وابن المنذر عن ابن جبير. واستبعد ذلك وقال الإمام: إنه عجيب فإن الله تعالى الذي قدر على أن يبقيهم أحياء تلك المدة الطويلة هو عز وجل قادر على حفظ أبدانهم أيضاً من غير تقليب. وأجيب بأنه اقتضت حكمته تعالى أن يكون حفظ أبدانهم بما جرت به العادة وإن لم نعلم وجه تلك الحكمة، ويجري نحو هذا فيما قيل في التزاور وأخيه. وقيل يمكن أن يكون تقليبهم حفظاً لما هو عادتهم في نومهم من التقلب يميناً وشمالاً اعتناء بشأنهم. وقيل يحتمل أن يكون ذلك إظهاراً لعظيم قدرته تعالى في شأنهم حيث جمع تعالى شأنه فيهم الإنامة الثقيلة المدلول عليها بقوله تعالى: {أية : فَضَرَبْنَا عَلَىٰ ءاذَانِهِمْ} تفسير : [الكهف: 11] والتقليب الكثير، ومما جرت به العادة أن النوم الثقيل لا يكون فيه تقلب كثير، ولا يخفى بعده. واختلف في أوقات تقليبهم فأخرج ابن أبـي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنهم كانوا يقلبون في كل ستة أشهر مرة، وأخرج غير واحد عن / أبـي عياض نحوه، وقيل يقلبون في كل سنة مرة، وذلك يوم عاشوراء، وأخرج ابن المنذر وابن أبـي حاتم عن مجاهد أن التقليب في التسع سنين الضميمة ليس فيما سواها، وأخرج ابن أبـي حاتم عن قتادة أن هذا التقليب في رقدتهم الأولى يعني الثلثمائة سنة، وكانوا يقلبون في كل عام مرة ولم يكن في مدة الرقدة الثانية يعني التسع. وتعقب الإمام ذلك بأن هذه التقديرات لا سبيل للعقل إليها ولفظ القرآن لا يدل عليها وما جاء فيها خبر صحيح انتهى. فظاهر الآية يدل على الكثرة لمكان المضارع الدال على الاستمرار التجددي مع ما فيه من التثقيل. والظاهر أن {وَنُقَلّبُهُمْ} إخبار مستأنف. وجوز الطيبـي بناءً على ما سمعت عن الزجاج كون الجملة في موضع الحال وهو كما ترى. وقرىء {ويقلبهم} بالياء آخر الحروف مع التشديد والضمير لله تعالى، وقيل للملك. وقرأ الحسن فيما حكى الأهوازي في «الإقناع» }{ويقلبهم} بياء مفتوحة وقاف ساكنة ولام مخففة، وقرأ فيما حكى ابن جني {وتقلبهم} على المصدر منصوباً، ووجهه أنه مفعول لفعل محذوف يدل عليه {وَتَحْسَبُهُمْ} أي وترى أو تشاهد تقلبهم، وروي عنه أيضاً أنه قرأ كذلك إلا أنه رفع، وهو على الابتداء كما قال أبو حاتم والخبر ما بعد أو محذوف أي آية عظيمة أو من آيات الله تعالى، وحكى ابن خالويه هذه القراءة عن اليماني وذكر أن عكرمة قرأ {وتقلبهم} بالتاء ثالثة الحروف مضارع قلب مخففاً، ووجه بأنه على تقدير وأنت تقلبهم وجعل الجملة حالاً من فاعل {تَحْسَبُهُمْ} وفيه إشارة إلى قوة اشتباههم بالإيقاظ بحيث أنهم يحسبون إيقاظاً في حال سبر أحوالهم وقلبهم ذات اليمين وذات الشمال. {وَكَلْبُهُمْ} الظاهر أنه الحيوان المعروف النباح، وله أسماء كثيرة أفرد لها الجلال السيوطي «رسالة». قال كعب الأحبار: هو كلب مروا به فتبعهم فطردوه فعاد ففعلوا ذلك مراراً فقال لهم: ما تريدون مني لا تخشوا جانبـي أنا أحب أحباء الله تعالى فناموا وأنا أحرسكم. وروي عن ابن عباس أنه كلب راع مروا به فتبع دينهم وذهب معهم وتبعهم الكلب، وقال عبيد بن عمير: هو كلب صيد أحدهم، وقيل: كلب غنمه. ولا بأس في شريعتنا باقتناء الكلب لذلك وأما فيما عداه وما عدا ما ألحق به فمنهي عنه، ففي «البخاري» عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما حديث : من اقتنى كلباً ليس بكلب صيد أو ماشية نقص كل يوم من عمله قيراطانتفسير : ، وفي رواية قيراط. واختلف في لونه فأخرج ابن أبـي حاتم من طريق سفيان قال: قال لي رجل بالكوفة يقال له عبيد وكان لا يتهم بكذب رأيت كلب أصحاب الكهف أحمر كأنه كساء أنبجاني، وأخرج عن كثير النواء قال: كان الكلب أصفر، وقيل كان أنمر وروي ذلك عن ابن عباس، وقيل غير ذلك. وفي اسمه فأخرج ابن أبـي حاتم عن الحسن أنه قطمير، وأخرج عن مجاهد أنه قطمورا، وقيل ريان، وقيل ثور، وقيل غير ذلك. وهو في الكبر على ما روي عن ابن عباس فوق القلطي ودون الكردي. وأخرج ابن أبـي حاتم عن عبيد أنه قال رأيته صغيراً زينياً. قال الجلال السيوطي: يعني صينياً، وفي «التفسير الخازني» تفسير القلطي بذلك. وزعم بعضهم أن المراد بالكلب هنا الأسد وهو على ما في «القاموس» أحد معانيه. وقد جاء أنه صلى الله عليه وسلم دعا على كافر بقوله: «اللهم سلط عليه كلباً من كلابك» فافترسه أسد وهو خلاف الظاهر، وأخرج / ابن المنذر عن ابن جريج أنه قال: قلت لرجل من أهل العلم زعموا أن كلبهم كان أسداً فقال: لعمر الله ما كان أسداً ولكنه كان كلباً أحمر خرجوا به من بيوتهم يقال له قطمورا وأبعد من هذا زعم من ذهب إلى أنه رجل طباخ لهم تبعهم أو أحدهم قعد عند الباب طليعة لهم. نعم حكى أبو عمر الزاهد غلام ثعلب أنه قرىء {وكالئهم} بهمزة مضمومة بدل الباء وألف بعد الكاف من كلأ إذا حفظ. ولا يبعد فيه أن يراد الرجل الربيئة لكن ظاهر القراءة المتواترة يقتضي إرادة الكلب المعروف منه أيضاً وإطلاق ذلك عليه لحفظه ما استحفظ عليه وحراسته إياه. وقيل في هذه القراءة إنها تفسير أو تحريف. وقرأ جعفر الصادق رضي الله تعالى عنه {وكالبهم} بباء موحدة وزنة اسم الفاعل والمراد صاحب كلبهم كما تقول لابن وتامر أي صاحب لبن وتمر. وجاء في شأن كلبهم أنه يدخل الجنة يوم القيامة. فعن خالد بن معدان ليس في الجنة من الدواب إلا كلب أصحاب الكهف وحمار بلعم. ورأيت في بعض الكتب أن ناقة صالح وكبش إسماعيل أيضاً في الجنة ورأيت أيضاً أن سائر الحيوانات المستحسنة في الدنيا كالظباء والطواويس وما ينتفع به المؤمن كالغنم تدخل الجنة على كيفية تليق بذلك المكان وتلك النشأة وليس فيما ذكر خبر يعول عليه فيما أعلم نعم في الجنة حيوانات مخلوقة فيها. وفي خبر يفهم من كلام الترمذي صحته التصريح بالخيل منها والله تعالى أعلم. وقد اشتهر القول بدخول هذا الكلب الجنة حتى أن بعض الشيعة يسمون أبناءهم بكلب علي ويؤمل من سمي بذلك النجاة بالقياس الأولوي على ما ذكر وينشد:شعر : فتية الكهف نجا كلبهم كيف لا ينجو غداً كلب علي تفسير : ولعمري إن قبله علي كرم الله تعالى وجهه كلباً له نجا ولكن لا أظن يقبله لأنه عقور {بَـٰسِطٌ ذِرَاعَيْهِ } مادهما، والذراع من المرفق إلى رأس الأصبع الوسطى ونصب {ذِرَاعَيْهِ} على أنه مفعول {بَـٰسِطٌ} وعمل مع أنه بمعنى الماضي واسم الفاعل لا يعمل إذا كان كذلك لأن المراد حكاية الحال الماضية. وذهب الكسائي وهشام وأبو جعفر بن مضاء إلى جواز عمل اسم الفاعل كيفما كان فلا سؤال ولا جواب. {بِٱلوَصِيدِ} بموضع الباب ومحل العبور من الكهف وأنشدوا:شعر : بأرض فضاء لا يسد وصيدها عليّ ومعروفي بها غير منكر تفسير : وهو المراد بالفناء في التفسير المروي عن ابن عباس ومجاهد وعطية. وقيل بالعتبة والمراد بها ما يحاذي ذلك من الأرض لا المتعارف، فلا يقال إن الكهف لا باب له ولا عتبة على أنه لا مانع من ذلك. وأخرج ابن المنذر وغيره عن ابن جبير أن الوصيد الصعيد وليس بذاك وذكروا في حكمة كونه بالوصيد غير ثاوٍ معهم أن الملائكة عليهم السلام لا تدخل بيتاً فيه كلب وقد يقال: إن ذلك لكونه حارساً كما يشير إليه ما أخرجه ابن المنذر عن ابن جريج قال: باسط ذراعيه بالوصيد يمسك عليهم باب الكهف وكان فيما قيل يكسر أذنه اليمنى وينام عليها إذا قلبوا ذات اليمين، ويكسر أذنه اليسرى وينام عليها إذا قلبوا ذات الشمال، والظاهر أنه نام كما ناموا لكن أخرج ابن أبـي حاتم عن عبد الله بن حميد المكي أنه جعل رزقه في لحس ذراعيه فإنه كالظاهر أنه لم يستغرق نومه كما استغرق نومهم. {لَوِ ٱطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ} لو عاينتهم وشاهدتهم وأصل الاطلاع الوقوف على الشيء بالمعاينة والمشاهدة. وقرأ ابن وثاب والأعمش {لَوِ ٱطَّلَعْتَ} بضم الواو تشبيهاً لها بواو / الضمير فإنها قد تضم إذا لقيها ساكن نحو رموا السهام؛ وروي أن ذلك عن شيبة وأبـي جعفر. {لَوْلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا} أي لأعرضت بوجهك عنهم وأوليتهم كشحك. ونصب {فِرَاراً} إما على المصدر لوليت إذ التولية والفرار من واد واحد فهو كجلست قعوداً أو لفررت محذوفاً، وإما على الحالية بتأويله باسم الفاعل أو بجعله من باب فإنما هي إقبال وإدبار، وإما على أنه مفعول لأجله أي لرجعت لأجل الفرار {وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا} أي خوفاً يملأ الصدر، ونصب على أنه مفعول ثان، ويجوز أن يكون تمييزاً وهو محول عن الفاعل، وكون الخوف يملأ مجاز في عظمه مشهور كما يقال في الحسن إنه يملأ العيون. وفي «البحر» ((أبعد من ذهب إلى أنه تمييز محول عن المفعول كما في قوله تعالى شأنه: {أية : وَفَجَّرْنَا ٱلأَرْضَ عُيُوناً} تفسير : [القمر: 12] لأن الفعل لو سلط عليه ما تعدى إليه تعدي المفعول به بخلاف ما في الآية. وسبب ما ذكر أن الله عز وجل ألقى عليهم من الهيبة والجلال ما ألقى، وقيل سببه طول شعورهم وأظفارهم وصفرة وجوههم وتغير أطمارهم وقيل: إظلام المكان وإيحاشه)) وتعقب ذلك أبو حيان بأن القولين ليسا بشيء لأنهم لو كانوا بتلك الصفة أنكروا أحوالهم ولم يقولوا {أية : لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ} تفسير : [الكهف: 19] ولأن الذي بعث إلى المدينة لم ينكر إلا المعالم والبناء لا حال نفسه ولأنهم بحالة حسنة بحيث لا يفرق الرائي بينهم وبين الأَيقاظ وهم في فجوة موصوفة بما مر فكيف يكون مكانهم موحشاً اهـ. وأجيب بأنهم لا يبعد عدم تيقظهم لحالهم فإن القائم من النوم قد يذهل عن كثير من أموره ويدعي استمرار الغفلة في الرسول وإنكاره للمعالم لا ينافي إنكار الناس لحاله وكونه على حالة منكرة لم يتنبه لها، وأيضاً يجوز أنهم لم يطلعوا على حالهم ابتداءً فقالوا: {أية : لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ} تفسير : [الكهف: 19] ثم تنبهوا له فقالوا: {أية : رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ} تفسير : [الكهف: 19]، وأيضاً يجوز أن يكون هذا الخطاب للنبـي صلى الله عليه وسلم وذلك الحال إنما حدث بعد انتباههم الذي بعثوا فيه رسولهم إلى المدينة. وعلى هذا لا يضر عدم إنكار الرسول حال نفسه لأنه لم يحدث له ما ينكر بعد، وإيحاش المكان يجوز أن يكون حدث بعد على هذا أيضاً، وذلك بتغيره بمرور الزمان اهـ. ولا يخفى على منصف ما في هذه الأجوبة فالذي ينبغي أن يعول عليه أن السبب في ذلك ما ألقى الله تعالى عليهم من الهيبة وهم في كهفهم وأن شعورهم وأظفارهم إن كانت قد طالت فهي لم تطل إلى حد ينكره من يراه، واختار بعض المفسرين أن الله تعالى لم يغير حالهم وهيئتهم أصلاً ليكون ذلك آية بينة. والخطاب هنا كالخطاب فيما سبق، وعلى احتمال أن يكون له صلى الله عليه وسلم يلزم أن يكونوا باقين على تلك الحالة التي توجب فرار المطلع عليهم ومزيد رعبه إلى ما بعد نزول الآية فمن لا يقول به لا يقول به. وأخرج ابن أبـي شيبة وابن المنذر وابن أبـي حاتم عن ابن عباس قال: غزونا مع معاوية غزوة المضيق نحو الروم فمررنا بالكهف الذي فيه أصحاب الكهف الذين ذكر الله تعالى في القرآن فقال معاوية: لو كشف لنا عن هؤلاء فنظرنا إليهم فقال له ابن عباس: ليس ذلك لك قد منع الله تعالى ذلك من هو خير منك فقال: {لَوِ ٱطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوْلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا} فقال معاوية: لا أنتهي حتى أعلم علمهم فبعث رجالاً وقال: اذهبوا فادخلوا الكهف وانظروا فذهبوا فلما دخلوه بعث الله تعالى عليهم ريحاً فأخرجتهم. قيل وكأن معاوية إنما لم يجر على مقتضى كلام ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ظناً منه تغير حالهم عما كانوا عليه أو طلباً / لعلمهم مهما أمكن. وأخرج ابن أبـي حاتم عن شهر بن حوشب قال: كان لي صاحب ماض شديد النفس فمر بجانب الكهف فقال: لا أنتهي حتى أنظر إليهم فقيل له: لا تفعل أما تقرأ {لَوِ ٱطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ} الخ فأبـى إلا أن ينظر فأشرف عليهم فابيضت عيناه وتغير شعره وكان يخبر الناس بأن عدتهم سبعة. وربما يستأنس بمثل هذه الأخبار لوجودهم اليوم بل لبقائهم على تلك الحالة التي لا يستطاع معها الوقوف على أحوالهم وفي ذلك خلاف. فحكى السهيلي عن قوم القول به، وعن ابن عباس إنكاره فقد أخرج عبد الرزاق وابن أبـي حاتم عن عكرمة أن ابن عباس غزا مع حبيب بن مسلمة فمروا بالكهف فإذا فيه عظام فقال رجل هذه عظام أهل الكهف فقال ابن عباس: لقد ذهبت عظامهم منذ أكثر من ثلثمائة سنة، ولا يخفى ما بين هذا الخبر والخبر السابق عنه بل والآخر أيضاً من المخالفة. والذي يميل القلب إليه عدم وجودهم اليوم وإنهم إن كانوا موجودين فليسوا على تلك الحالة التي أشار الله تعالى إليها وأن الخطاب الذي في الآية لغير معين وأن المراد منها الإخبار عن أنهم بتلك الحالة في ذلك الوقت، وما أخرجه ابن مردويه عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : أصحاب الكهف أعوان المهدي» تفسير : على تقدير صحته لا يدل على وجودهم اليوم على تلك الحالة وأنه عليه الصلاة والسلام على القول بعموم الخطاب ليس من الأفراد المعينة به لأنه صلى الله عليه وسلم اطلع على ما هو أعظم منهم من ملكوت السمٰوات والأرض، ومن جعله صلى الله عليه وسلم معيناً قال: المراد لو اطلعت عليهم لوليت منهم فراراً ولملئت منهم رعباً بحكم جري العادة والطبيعة البشرية وعدم ترتب الجزاء على إطلاعه صلى الله عليه وسلم على ما هو أعظم منهم أمر خارق للعادة ومنوط بقوة ملكية بل بما هو فوقها أو المراد لو اطلعت عليهم بنفسك من غير أن نطلعك عليهم لوليت منهم فراراً الخ وإطلاعه عليه الصلاة والسلام على ما اطلع عليه كان باطلاع الله عز وجل إياه وفرق بين الإطلاعين. يحكى أن موسى عليه السلام وجعه بطنه فشكى إلى ربه سبحانه فقال له: اذهب إلى نبات كذا في موضع كذا فكل منه فذهب وأكل فذهب ما كان يجد ثم عاوده ذلك بعد سنوات فذهب إلى ذلك النبات فأكل منه فلم ينتفع به فقال يا رب أنت أعلم وجعني بطني في سنة كذا فأمرتني أن أذهب إلى نبات كذا فذهبت فأكلت فانتفعت ثم عاودني ما كنت أجد فذهبت إلى ذلك وأكلت فلم أنتفع فقال سبحانه: أتدري يا موسى ما سبب ذلك؟ قال: لا يا رب قال: السبب أنك في المرة الأولى ذهبت منا إلى النبات وفي المرة الثانية ذهبت من نفسك إليه. ومما يستهجن من القول ما يحكى عن بعض المتصوفة أنه سمع قارئاً يقرأ هذه الآية فقال: لو اطلعت أنا ما وليت منهم فراراً وما ملئت منهم رعباً. وما نقل عن بعضهم من الجواب بأن مراد قائله إثبات مرتبة الطفولية لنفسه فإن الطفل لا يهاب الحية مثلاً إذا رآها ولا يفرق بينها وبين الحبل على تقدير تسليم أن مراده ذلك لا يدفع الاستهجان، وذلك نظير قول من قال سبحانه وتعالى لا يعلم الغيب على معنى أنه لا غيب بالنسبة إليه عز وجل ليتعلق به علمه، ولنعم ما قال عمر رضي الله تعالى عنه كلموا الناس بما يفهمون أتريدون أن يكذب الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم. هذا وقرأ ابن عباس والحرميان وأبو حيوة وابن أبـي عبلة {ولملئت} بتشديد اللام والهمزة. وقرأ أبو جعفر وشيبة بتشديد اللام وقلب الهمزة ياء. وقرأ الزهري بالتخفيف والقلب. وقرأ أبو جعفر وعيسى {رعباً} / بضم العين.
ابن عاشور
تفسير : {وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ ٱليَمِينِ وَذَاتَ ٱلشِّمَالِ} عطف على بقية القصة، وما بينهما اعتراض. والخطاب فيه كالخطاب في قوله: { أية : وترى الشمس } تفسير : [الكهف: 17]. وهذا انتقال إلى ما في حالهم من العبرة لمن لو رآهم من الناس مُدمَج فيه بيان كرامتهم وعظيم قدرة الله في شأنهم، وهو تعجيب من حالهم لمن لو رآه من الناس. ومعنى حسبانهم أيقاظاً: أنهم في حالة تشبه حال اليقظة وتخالف حال النوم، فقيل: كانت أعينهم مفتوحة. وصيغ فعل {تحسبهم} مضارعاً للدلالة على أن ذلك يتكرر مدة طويلة. والأيقاظ: جمع يَقِظ، بوزن كتف، وبضم القاف بوزن عَضُد. والرقود: جمع راقد. والتقليب: تغيير وضع الشيء من ظاهره إلى باطنه، قال تعالى: { أية : فأصبح يقلب كفيه } تفسير : [الكهف: 42]. و{ذات اليمين وذات الشمال} أي إلى جهة أيمانهم وشمائلهم. والمعنى: أنّ الله أجرى عليهم حال الأحياء الأيقاظ فجعلهم تتغير أوضاعهم من أيمانهم إلى شمائلهم والعكس، وذلك لحكمة لعل لها أثراً في بقاء أجسامهم بحالة سلامة. والإتيان بالمضارع للدلالة على التجدد بحسب الزمن المحكي. ولا يلزم أن يكونوا كذلك حين نزول الآية. {وَكَلْبُهُمْ بَـٰسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِٱلوَصِيدِ} هذا يدل على أن تقليبهم لليمين وللشمال كرامة لهم بمنحهم حالة الأحياء وعناية بهم، ولذلك لم يذكر التقليب لكلبهم بل استمر في مكانه باسطاً ذراعيه شأن جلسة الكلب. والوصيد: مدخل الكهف، شبه بالباب الذي هو الوصيد لأنه يوصد ويغلق. وعدم تقليب الكلب عن يمينه وشماله يدل على أن تقليبهم ليس من أسباب سلامتهم من البلى وإلا لكان كلبهم مثلهم فيه بل هو كرامة لهم. وقد يقال: إنهم لم يفنوا وأما كلبهم ففني وصار رِمة مبسوطةٌ عظامُ ذراعيه. {لَوِ ٱطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوْلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا} الخطاب لغير معين، أي لو اطلعت عليهم أيها السامع حين كانوا في تلك الحالة قبل أن يبعثهم الله، إذ ليس في الكلام أنهم لم يزالوا كذلك زمن نزول الآية. والمعنى: لو اطلعت عليهم ولم تكن علمت بقصتهم لحسبتهم لصوصاً قطاعاً للطريق، إذ هم عدد في كهف وكانت الكهوف مخابىء لقطاع الطريق، كما قال تأبط شراً:شعر : أقولُ للَحْيَان وقد صفّرتْ لهم وطابي ويوَمي ضَيّقُ الجُحْر مُعوِر تفسير : ففررت منهم وملك الرعب من شرهم، كقوله تعالى: { أية : نكرهم وأوجس منهم خيفة } تفسير : [هود: 70]. وليس المراد الرعب من ذواتهم إذ ليس في ذواتهم ما يخالف خلق الناس، ولا الخوف من كونهم أمواتاً إذ لم يكن الرعب من الأموات من خلال العرب، على أنه قد سبق {وتحسبهم أيقاظاً وهم رقود}. والاطلاع: الإشراف على الشيء ورؤيته من مكان مرتفع، لأنه افتعال من طَلع إذا ارتقى جَبلا، فصيغ الافتعال للمبالغة في الارتقاء، وضمن معنى الإشراف فعدي بــــ (على)، ثم استعمل مجازاً مشهوراً في رؤية الشيء الذي لا يراه أحد، وسيأتي ذكر هذا الفعل عند قوله تعالى: { أية : أطلع الغيب } تفسير : في سورة مريم (78)، فضلاً عن أن يكون الخطاب للنبيء. وفي الكشاف عن ابن عباس ما يقتضي ذلك وليس بصحيح. وانتصب {فراراً} على المفعول المطلق المبين لنوع وليت. {ومُلّئتَ} مبني للمجهول، أي مَلاك الرعب ومَلّا بتشديد اللام مضاعف مَلاَ وقرىء بهما. والمَلْء: كون المظروف حالاً في جميع فراغ الظرف بحيث لا تبقى في الظرف سعة لزيادة شيء من المظروف، فمثلت الصفة النفسية بالمظروف، ومُثل عقل الإنسان بالظرف، ومثل تمكن الصفة من النفس بحيث لا يُخالطها تفكير في غيرها بملء الظرف بالمظروف، فكان في قوله: {ملّئت} استعارة تمثيلية، وعكسه قوله تعالى: { أية : وأصبح فؤاد أم موسى فارغاً } تفسير : [القصص: 10]. وانتصب {رعباً} على تمييز النسبة المحول عن الفاعل في المعنى لأن الرعب هو الذي يَمْلأ، فلما بني الفعل إلى المجهول لقصد الإجمال ثم التفصيل صار ما حقه أن يكون فاعلاً تمييزاً. وهو إسناد بديع حصل منه التفصيل بعد الإجمال، وليس تمييزا مُحولاً عن المفعول كما قد يلوح بادىء الرأي. والرعب تقدم في قوله تعالى: { أية : سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب } تفسير : في سورة آل عمران (151). وقرأ نافع وابن كثير {ولَمُلِّئْتَ} ــــ بتشديد اللام ــــ على المبالغة في الملء، وقرأ الباقون بتخفيف اللام على الأصل. وقرأ الجمهور {رعباً} ــــ بسكون العين ــــ. وقرأه ابن عامر والكسائي وأبو جعفر ويعقوب ــــ بضم العين ــــ.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظاً وَهُمْ رُقُودٌ}. الحسبان بمعنى الظن. والأيقاظ: جمع يقظ - بكسر القاف وضمها -، ومنه قول عمر بن أبي ربيعة: شعر : فلما رأت من قد تنبه منهم وأيقاظهم قالت أشر كيف تأمر تفسير : والرقود: جمع راقد وهو النائم، أي تظنهم أيها المخاطب لو رأيتهم أيقاظاً والحال أنهم رقود. ويدل على هذا المعنى قوله تعالى في نظيره: {لَوِ ٱطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوْلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَاراً} [الكهف: 18] الآية. وقال بعض العلماء: سبب ظن الرائي أنهم أيقاظ هو أنهم نيام وعيونهم مفتحة، وقيل: لكثرة تقلبهم. وهذا القول يشير له قوله تعالى بعده: {وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ ٱليَمِينِ وَذَاتَ ٱلشِّمَالِ} [الكهف: 18]. وكلام المفسرين هنا في عدد تقلبهم من كثرة وقلة لا دليل عليه. ولذا أعرضنا عن ذكر الأقوال فيه. وقوله في هذه الآية: {وتحسبهم} قرأه بفتح السين على القياس ابن عامر وعاصم وحمزة. وقرأه بكسر السين نافع وابن كثير وأبو عمرو والكسائي، وهما قراءتان سبعيتان، ولغتان مشهورتان، والفتح أقيس والكسر أفصح. قوله تعالى: {وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِٱلوَصِيدِ}. اختلفت عبارات المفسرين في المراد بـ "الوصيد" فقيل: هو فناء البيت. ويروى عن ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وقيل الوصيد: الباب، وهو مروي عن ابن عباس أيضاً. وقيل: الوصيد العتبة. وقيل الصعيد. والذي يشهد له القرآن أن الوصيد هو الباب. ويقال له "أصيد" أيضاً. لأن الله يقول" {أية : إِنَّهَا عَلَيْهِم مُّؤْصَدَةٌ}تفسير : [الهمزة: 8] أي مغلقة مطبقة. وذلك بإغلاق كل وصيد أو أصيد، وهو الباب من أبوابها. ونظير الآية من كلام العرب قول الشاعر: شعر : تحن إلى أجبال مكة ناقتي ومن دونها أبواب صنعاء مؤصدة تفسير : وقول ابن قيس الرقيات: شعر : إن في القصر لو دخلنا غزالا مصفقاً مؤصداً عليه الحجاب تفسير : فالمراد بالإيصاد في جميع ذلك: الإطباق والإغلاق. لأن العادة فيه أن يكون بالوصيد وهو الباب. ويقال فيه أصيد. وعلى اللغتين القراءتان في قوله: "مؤصدة" مهموزاً من الأصيد.. وغير مهموز من الوصيد. ومن إطلاق العرب الوصيد على الباب قول عبيد بن وهب العبسي، وقيل زهير: شعر : بأرض فضاء لا يسد وصيدها علي ومعروفي بها غير منكر تفسير : أي لا يسد بابها علي، يعني ليست فيها أبواب حتى تسد علي. كقول الآخر: شعر : ولا ترى الضب بها ينجحر تفسير : فإن قيل: كيف يكون الوصيد هو الباب في الآية، والكهف غار في جبل لا باب له؟ فالجواب: أن الباب يطلق على المدخل الذي يدخل للشيء منه. فلا مانع من تسمية المدخل إلى الكهف باباً. ومن قال: الوصيد الفناء لا يخالف ما ذكرنا. لأن فناء الكهف هو بابه، وقد قدمنا مراراً أن من أنواع البيان التي تضمنها هذا الكتاب المبارك: أن يقول بعض العلماء في الآية قولاً وتكون في الآية قرينة تدل على خلافه. وقد قال بعض أهل العلم في هذه الآية الكريمة: إن المراد بالكلب في هذه الآية - رجل منهم لا كلب حقيقي. واستدلوا لذلك ببعض القراءات الشاذة، كقراءة " وكالبهم باسط ذراعيه بالوصيد" وقراءة " وكالئهم باسط ذراعيه". وقوله جل وعلا: {باسط ذراعيه} قرينة على بطلان ذلك القول. لأن بسط الذراعين معروف من صفات الكلب الحقيقي، ومنه حديث أنس المتفق عليه عن النَّبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : اعتدلوا في السجود ولا يبسط أحدكم ذراعيه انبساط الكلب"تفسير : وهذا المعنى مشهور في كلام العرب، فهو قرينة على أنه كلب حقيقي. وقراءة "وكالئهم" بالهمزة لا تنافي كونه كلباً، لأن الكلب يحفظ أهله ويحرسهم. والكلاءة: الحفظ. فإن قيل: ما وجه عمل اسم الفاعل الذي هو "باسط" في مفعوله الذي هو "ذراعيه" والمقرر في النحو أن اسم الفاعل إذا لم يكن صلة "ال" لا يعمل إلا إذا كان واقعاً في الحال أو المستقبل؟ فالجواب - أن الآية هنا حكاية حال ماضية، ونظير ذلك من القرآن قوله تعالى: {أية : إِنِّي جَاعِلٌ فِي ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً}تفسير : [البقرة: 30]، وقوله تعالى:{أية : وَٱللَّهُ مُخْرِجٌ مَّا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ}تفسير : [البقرة: 72]. واعلم أن ذكره جل وعلا في كتابه هذا الكلب، وكونه باسطاً ذراعيه بوصيد كهفهم في معرض التنويه بشأنهم - يدل على أن صحبة الأخيار عظيمة الفائدة. قال ابن كثير رحمه الله في تفسير هذه الآية الكريمة: وشملت كلبهم بركتهم، فأصابه ما أصابهم من النوم على تلك الحال، وهذا فائدة صحبة الأخيار، فإنه صار لهذا الكلب ذكر وخبر وشأن اهـ. ويدل لهذا المعنى حديث : قوله صلى الله عليه وسلم لمن قال إني أحب الله ورسوله: "أنت مع من أحببت"تفسير : متفق عليه من حديث أنس. ويفهم من ذلك أن صحبة الأشرار فيها ضرر عظيم. كما بينه الله تعالى في سورة "الصافات" في قوله: {أية : قَالَ قَآئِلٌ مِّنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ}تفسير : [الصافات: 51] إلى قوله - {أية : تَٱللَّهِ إِن كِدتَّ لَتُرْدِينِ وَلَوْلاَ نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنتُ مِنَ ٱلْمُحْضَرِينَ}تفسير : [الصافات: 56-57]. وما يذكره المفسرون من الأقوال في اسم كلبهم، فيقول بعضهم: اسمه قطمير. ويقول بعضه اسمه حمران، إلى غير ذلك - لم نطل به الكلام لعدم فائدته. ففي القرآن العظيم أشياء كثيرة لم يبينها الله لنا ولا رسوله، ولم يثبت في بيانها شيء، والبحث عنها لا طائل تحته ولا فائدة فيه. وكثير من المفسرين يطنبون في ذكر الأقوال فيها بدون علم ولا جدوى، ونحن نعرض عن مثل ذلك دائماً. كلون كلب أصحاب الكهف، واسمه، وكالبعض الذي ضرب به القتيل من بقرة بني إسرائيل، وكاسم الغلام الذي قتله الخضر، وأنكر عليه موسى قتله، وكخشب سفينة نوح من أي شجر هو، وكم طول السفينة وعرضها، وكم فيها من الطبقات، إلى غير ذلك مما لا فائدة في البحث عنه، ولا دليل على التحقيق فيه. وقد قدمنا في سورة "الأنعام" في الكلام على قوله تعالى: {أية : قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَآ أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً}تفسير : [الأنعام: 145] الآية - حكم أكل لحم الكلب وبيعه، وأخذ قيمته إن قتل، وما يجوز اقتناؤه منها وما لا يجوز. وأوضحنا الأدلة في ذلك وأقوال العلماء فيه.
د. أسعد حومد
تفسير : {بَاسِطٌ} (18) - وَيُقَالُ: إِنَّ الفِتْيَة نَامُوا وَعُيُونُهُمْ مَفْتُوحَةٌ لِكَيْلا يُسْرِعَ إِلَيْهَا البِلَى، فَيَحْسَبُ النَّاظِرُ إِلَيْهِمْ أَنَّهُمْ أَيْقَاظٌ، وَهُمْ فِي الحَقِيقَةِ نِيَامٌ (رُقُودٌ)، وَيُقَلِّبُهُمْ اللهُ عَلَى جَنْبَيْهِمْ: ذَاتَ اليَمِينَ، وَذَاتَ الشِّمَالِ، لِئَلاَّ تَأْكُلَ الأَرْضُ أَجْسَادَهُمْ، وَيُسْرِعَ إِلَيها البِلَى، وَكَلْبُهُمْ رَابِضٌ فِي فِنَاءِ الكَهْفِ (أَوْ عِنْدَ بَابِهِ) - (بِالوَصِيدِ) عَلَى هَيْئَتِهِ فِي جُلُوسِهِ حَالَ الحِرَاسَةِ، وَكَأَنَّهُ يَحْرُسُهُمْ، وَأَضْفَى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِمْ مَهَابَةً، لِكَيْلا يَقْتَرِبَ مِنْهُمْ أَحَدٌ، وَلِكَيْلا تَمَسَّهُمُ الأَيْدِي حَتَّى يَبْلُغَ الكِتَابُ أَجَلَهُ، فَإِذَا نَظَرَ إِلَيْهِمْ نَاظِرٌ امْتَلأتْ نَفْسُهُ مِنْهُمْ مَهَابَةً وَخَوْفاً. بِالوَصِيدِ - بِفَنَاءِ الكَهْفِ، أَوْ عَتَبَةِ بَابِهِ. رُعْباً - خَوْفاً وَفَزَعاً.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : أي: لو أتيح لك النظر إليهم لخُيّل إليك أنهم أيقاظٌ غير نائمين؛ ذلك لأن ربهم سبحانه حفظهم على حال اليقظة وعلى هيئتها، ثم أظهر فيهم آية أخرى من الإعجاز بأنْ يُقلِّبهم في نومهم مرة ناحية اليمين، وأخرى ناحية الشمال، لتظلّ أجسامهم على حالها، لا تأكلها الأرض. ومعلوم أن الإنسان إذا قُدِّر له أنْ ينام فترة طويلة على سرير المرض يُصَاب بمرض آخر يُسمُّونه قرحة الفراش، نتيجة لنومه المستمر على جانب واحد - عافانا الله وإياكم - وقد جعل لهم هذا التقليب ذات اليمين وذات الشمال على هيئة الإيقاظ. وقوله: {وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِٱلوَصِيدِ ..} [الكهف: 18] ويبدو أنهم كانوا من الرعاة، فتبعهم كلبهم وجلس مَادّاً ذراعيْه بفناء الكهف أو على بابه {لَوِ ٱطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَاراً وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً} [الكهف: 18] فقد ألقى الله مهابتهم والخوف منهم في نفوس الناس، فإذا ما اطلع عليهم إنسان خاف ووَلّى هارباً يملؤه الرعب؛ لأن هيئتهم تُوحي بذلك، حيث يتقلّبُون يميناً وشمالاً، ومع ذلك لا يصحُو منهم أحد، ولا يقوم منهم أحد طوال هذه المدة. ثم يقول الحق سبحانه: {وَكَذٰلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَآءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ كَم لَبِثْتُمْ قَالُواْ لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ...}.
مجاهد بن جبر المخزومي
تفسير : أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم: قال، نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد في قوله: {وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِٱلوَصِيدِ} [الآية: 18]. يعني بالفناءِ. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد في قوله: {وَلاَ تَسْتَفْتِ فِيهِمْ} [الآية: 22]. يعني اليهود. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد: {وَلَبِثُواْ فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِاْئَةٍ سِنِينَ وَٱزْدَادُواْ تِسْعاً} [الآية: 25]. يعني عدد ما لبثوا. أَنا عبد الرحمن، قال: / 41ظ / حدثنا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد: {وَلَن تَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَداً} [الآية: 27]. يعني: ملجأً. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد في قوله: {ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِٱلْغَدَاةِ وَٱلْعَشِيِّ} [الآية: 28]. قال: يعني صلاة المكتوبة. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً} [الآية: 28]. قال: يعني ضياعاً.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ ٱليَمِينِ وَذَاتَ ٱلشِّمَالِ} معناهُ أيمانُهم وشَمائِلُهم. تفسير : وقوله تعالى: {وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِٱلوَصِيدِ} الوَصِيدُ: الفِناءُ والوَصيد: البَابُ.
همام الصنعاني
تفسير : 1659- عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {بِٱلوَصِيدِ}: [الآية: 18]، قال: فناء الكهف.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):