١٨ - ٱلْكَهْف
18 - Al-Kahf (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
19
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن التقدير وكما: زدناهم هدى، وربطنا على قلوبهم، فضربنا على آذانهم وأنمناهم وأبقيناهم أحياء لا يأكلون ولا يشربون ونقلبهم فكذلك بعثناهم أي أحييناهم من تلك النومة التي تشبه الموت ليتساءلوا بينهم تساءل تنازع واختلاف في مدة لبثهم، فإن قيل: هل يجوز أن يكون الغرض من بعثهم أن يتساءلوا ويتنازعوا؟ قلنا: لا يبعد ذلك لأنهم إذا تساءلوا انكشف لهم من قدرة الله تعالى أمور عجيبة وأحوال غريبة، وذلك الانكشاف أمر مطلوب لذاته. ثم قال تعالى: {قَالَ قَائِلٌ مّنْهُمْ كَم لَبِثْتُمْ} أي كم مقدار لبثنا في هذا الكهف: { قَالُواْ لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ } قال المفسرون إنهم دخلوا الكهف غدوة وبعثهم الله في آخر النهار، فلذلك قالوا لبثنا يوماً فلما رأوا الشمس باقية قالوا أو بعض يوم، ثم قال تعالى: {قَالُواْ رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ }، قال ابن عباس هو رئيسهم يمليخا رد علم ذلك إلى الله تعالى لأنه لما نظر إلى أشعارهم وأظفارهم وبشرة وجوههم رأى فيها آثار التغير الشديد فعلم أن مثل ذلك التغير لا يحصل إلا في الأيام الطويلة. ثم قال: {فَٱبْعَثُواْ أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَـٰذِهِ إِلَىٰ ٱلْمَدِينَةِ } قرأ أبو عمرو وحمزة وأبو بكر عن عاصم بورقكم ساكنة الراء مفتوحة الواو ومنهم من قرأ(ها) مكسورة الواو ساكنة الراء وقرأ ابن كثير بورقكم بكسر الراء وإدغام القاف في الكاف وعن ابن محيصن أنه كسر الواو وأسكن الراء وأدغم القاف في الكاف، وهذا غير جائز لالتقاء الساكنين على هذه، والورق اسم للفضة سواء كانت مضروبة أم لا، ويدل عليه ما روى أن عرفجة اتخذ أنفاً من ورق، وفيه لغات ورق وورق وورق مثل كبد وكبد وكبد، ذكره الفراء والزجاج قال الفراء وكسر الواو أردؤها. ويقال أيضاً للورق الرقة، قال الأزهري أصله ورق مثل صلة وعدة، قال المفسرون كانت معهم دراهم عليها صورة الملك الذي كان في زمانهم يعني بالمدينة التي يقال لها اليوم طرسوس، وهذه الآية تدل على أن السعي في إمساك الزاد أمر مهم مشروع وأنه لا يبطل التوكل وقوله: {فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَىٰ طَعَامًا }. قال ابن عباس: يريد ما حل من الذبائح لأن عامة أهل بلدهم كانوا مجوساً وفيهم قوم يخفون إيمانهم. وقال مجاهد: كان ملكهم ظالماً فقولهم: {أَزْكَىٰ طَعَامًا } يريدون أيها أبعد عن الغضب، وقيل أيها أطيب وألذ، وقيل أيها أرخص، قال الزجاج: قوله: {أَيُّهَا } رفع بالابتداء، و {أَزْكَىٰ } خبره و {طَعَامًا } نصب على التمييز، وقوله: {وَلْيَتَلَطَّفْ } أي يكون ذلك في سر وكتمان يعني دخول المدينة وشراء الطعام {وَلاَ يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا } أي لا يخبرن بمكانكم أحداً من أهل المدينة: {إِنَّهُمْ إِن يَظْهَرُواْ عَلَيْكُمْ } أي يطلعوا ويشرفوا على مكانكم أو على أنفسكم من قولهم: ظهرت على فلان إذا علوته وظهرت على السطح إذا صرت فوقه، ومنه قوله تعالى: { أية : فَأَصْبَحُواْ ظَـٰهِرِينَ } تفسير : [الصف: 14] أي عالين، وكذلك قوله: { أية : لِيُظْهِرَهُ عَلَى ٱلدّينِ كُلّهِ } تفسير : [التوبة: 33] أي ليعليه وقوله: {يَرْجُمُوكُمْ } يقتلوكم، والرجم بمعنى القتل كثير في التنزيل كقوله: { أية : وَلَوْلاَ رَهْطُكَ لَرَجَمْنَـٰكَ } تفسير : [هود: 91] وقوله: { أية : أَن تَرْجُمُونِ } تفسير : [الدخان: 20] وأصله الرمي، قال الزجاج: أي يقتلوكم بالرجم، والرجم أخبث أنواع القتل: {أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِى مِلَّتِهِمْ } أي يردوكم إلى دينهم {وَلَن تُفْلِحُواْ إِذًا أَبَدًا } أي إذا رجعتم إلى دينهم لن تسعدوا في الدنيا ولا في الآخرة قال الزجاج قوله: {إِذًا أَبَدًا } يدل على الشرط أي ولن تفلحوا إن رجعتم إلى ملتهم أبداً، قال القاضي: ما على المؤمن الفار بدينه أعظم من هذين فأحدهما فيه هلاك النفس وهو الرجم الذي هو أخبث أنواع القتل، والآخر هلاك الدين بأن يردوا إلى الكفر، فإن قيل: أليس أنهم لو أكرهوا على الكفر حتى إنهم أظهروا الكفر لم يكن عليهم مضرة فكيف قالوا: {وَلَن تُفْلِحُواْ إِذًا أَبَدًا } قلنا يحتمل أن يكون المراد أنهم لو ردوا هؤلاء المسلمين إلى الكفر على سبيل الإكراه بقوا مظهرين لذلك الكفر مدة فإنه يميل قلبهم إلى ذلك الكفر ويصيرون كافرين في الحقيقة، فهذا الاحتمال قائم فكان خوفهم منه، والله أعلم.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَكَذٰلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَآءَلُوا بَيْنَهُمْ} البعث: التحريك عن سكون. والمعنى: كما ضربنا على آذانهم وزدناهم هدى وقلّبناهم بعثناهم أيضاً؛ أي أيقظناهم من نومهم على ما كانوا عليه من هيئاتهم في ثيابهم وأحوالهم. قال الشاعر: شعر : وفِتْيَانِ صِدْق قد بَعثْتُ بسُحْرَةٍ فقاموا جميعاً بين عاثٍ ونَشْوانِ تفسير : أي أيقظت. واللام في قوله «ليتساءلوا» لام الصيرورة وهي لام العاقبة؛ كقوله: {لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً} فبعْثُهم لم يكن لأجل تساؤلهم. قوله تعالى: {قَالُواْ لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ} وذلك أنهم دخلوه غُدوةً وبعثهم الله في آخر النهار؛ فقال رئيسهم تمليخا أو مكسلمينا: الله أعلم بالمدّة. قوله تعالى: {فَٱبْعَثُواْ أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَـٰذِهِ إِلَىٰ ٱلْمَدِينَةِ} فيه سبع مسائل: الأولى: قال ابن عباس: كانت ورقهم كأخفاف الرُّبع؛ ذكره النحاس. وقرأ ابن كثير ونافع وابن عامر والكسائيّ وحفص عن عاصم «بورقكم» بكسر الراء. وقرأ أبو عمرو وحمزة وأبو بكر عن عاصم «بورقكم» بسكون الراء، حذفوا الكسرة لثقلها، وهما لغتان. وقرأ الزجاج «بوِرْقكم» بكسر الواو وسكون الراء. ويروى أنهم انتبهوا جياعاً، وأن المبعوث هو تمليخا، كان أصغرهم؛ فيما ذكر الغزنويّ. والمدينة: أفْسُوس ويقال هي طَرسوس، وكان اسمها في الجاهلية أفسوس؛ فلما جاء الاسلام سمّوها طرسوس. وقال ابن عباس: كان معهم دراهم عليها صورة الملك الذي كان في زمانهم. الثانية: قوله تعالى: {فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَآ أَزْكَىٰ طَعَاماً} قال ابن عباس: أحلّ ذبيحةً؛ لأن أهل بلدهم كانوا يذبحون على اسم الصنم، وكان فيهم قوم يخفون إيمانهم. ابن عباس: كان عامتهم مجوساً. وقيل: «أزكى طعاماً» أي أكثر بركة. قيل: إنهم أمروه أن يشتري ما يُظن أنه طعام اثنين أو ثلاثة لئلا يُطلّع عليهم، ثم إذا طبخ كفى جماعة؛ ولهذا قيل ذلك الطعام الأرز. وقيل: كان زبيباً. وقيل تمراً؛ فالله أعلم. وقيل: «أزكى» أطيب. وقيل: أرخص. {فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِّنْهُ} أي بقُوت. {وَلْيَتَلَطَّفْ} أي في دخول المدينة وشراء الطعام. {وَلاَ يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَداً} أي لا يخبرنّ. وقيل: إن ظُهر عليه فلا يوقعنّ إخوانه فيما وقع فيه. {إِنَّهُمْ إِن يَظْهَرُواْ عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ} قال الزجاج: معناه بالحجارة، وهو أخبث القتل. وقيل: يرموكم بالسب والشتم؛ والأوّل أصح، لأنه كان عازماً على قتلهم كما تقدّم في قصصهم. والرجم فيما سلف هي كانت على ما ذكر قبله (عقوبة) مخالفة دين الناس إذ هي أشفى لجملة أهل ذلك الدِّين من حيث إنهم يشتركون فيها. الثالثة: في هذه البعثة بالورق دليل على الوكالة وصحتها. وقد وكّل عليّ بن أبي طالب أخاه عقيلاً عند عثمان رضي الله عنهما؛ ولا خلاف فيها في الجملة. والوكالة معروفة في الجاهلية والإسلام؛ ألا ترى إلى عبد الرحمن بن عوف كيف وكّل أميّة بن خلف بأهله وحاشيته بمكة؛ أي يحفظهم، وأمية مشرك، والتزم عبد الرحمن لأمية من حفظ حاشيته بالمدينة مثل ذلك مجازاةً لصنعه. روى البخاريّ عن عبد الرحمن بن عوف قال: كاتبت أمية بن خلف كتاباً بأن يحفظني في صاغيتي بمكة وأحفظه في صاغيته بالمدينة؛ فلما ذكرت الرحمن؛ قال: لا أعرف الرحمن! كاتبني باسمك الذي كان في الجاهلية، فكاتبته عبد عمرو... وذكر الحديث. قال الأصمعي: صاغية الرجل الذين يميلون إليه ويأتونه؛ وهو مأخوذ من صغا يصغو ويصغَى إذا مال، وكلّ مائل إلى الشيء أو معه فقد صغا إليه وأصغى؛ من كتاب الأفعال. الرابعة: الوكالة عقدُ نيابةٍ، أذن الله سبحانه فيه للحاجة إليه وقيام المصلحة في ذلك، إذ ليس كل أحد يقدر على تناول أموره إلا بمعونة من غيره أو بترفّه فيستنيب من يريحه. وقد استدل علماؤنا على صحتها بآيات من الكتاب، منها هذه الآية، وقوله تعالى: {أية : وَٱلْعَامِلِينَ عَلَيْهَا} تفسير : [التوبة: 60] وقوله: {أية : اذهبوا بقميصي هذا} تفسير : [يوسف: 93]. وأما من السنة فأحاديث كثيرة؛ منها حديث عروة البارقيّ، وقد تقدّم في آخر الأنعام. حديث : روى جابر بن عبد الله قال: أردت الخروج إلى خيبر فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت له: إني أردت الخروج إلى خيبر؛ فقال: إذا أتيت وكيلي فخذ منه خمسة عشر وَسْقاً فإن ابتغى منك آيةً فضع يدك على تَرْقُوته» تفسير : خرجه أبو داود. والأحاديث كثيرة في المعنى، وفي إجماع الأمة على جوازها كفاية. الخامسة: الوكالة جائزة في كل حق تجوز النيابة فيه، فلو وكل الغاصبُ لم يجز، وكان هو الوكيل؛ لأن كل محرَّم فعله لا تجوز النيابة فيه. السادسة: في هذه الآية نكتة بديعة، وهي أن الوكالة إنما كانت مع التَّقِيّة خوف أن يشعر بهم أحد لما كانوا عليه من الخوف على أنفسهم. وجواز توكيل ذوي العذر متفق عليه؛ فأما من لا عذر له فالجمهور على جوازها. وقال أبو حنيفة وسحنون: لا تجوز. قال ابن العربي: وكأن سحنون تلقّفه من أسد بن الفُرات فحكم به أيام قضائه، ولعله كان يفعل ذلك بأهل الظلم والجبروت؛ إنصافاً منهم وإذلالاً لهم، وهو الحق؛ فإن الوكالة معونة ولا تكون لأهل الباطل. قلت: هذا حسن؛ فأما أهل الدين والفضل فلهم أن يوكّلوا وإن كانوا حاضرين أصحّاء. والدليل على صحة جواز الوكالة للشاهد الصحيح ما خرّجه الصحيحان وغيرهما عن أبي هريرة قال: حديث : كان لرجل على النبيّ صلى الله عليه وسلم سِنّ من الإبل فجاء يتقاضاه فقال: «أعطوه» فطلبوا له سِنّه فلم يجدوا إلا سِنًّا فوقها؛ فقال: «أعطوه» فقال: أوفَيْتَني أوْفَى الله لك. قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: إن خيركم أحسنُكم قضاء»تفسير : . لفظ البخاري. فدل هذا الحديث مع صحته على جواز توكيل الحاضر الصحيح البدن؛ فإن النبيّ صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه أن يعطوا عنه السنّ التي كانت عليه؛ وذلك توكيل منه لهم على ذلك، ولم يكن النبيّ صلى الله عليه وسلم مريضاً ولا مسافراً. وهذا يرد قول أبي حنيفة وسحنون في قولهما: إنه لا يجوز توكيل الحاضر الصحيح البدن إلا برضا خصمه؛ وهذا الحديث خلاف قولهما. السابعة: قال ابن خُوَيْزِ منداد: تضمنت هذه الآية جواز الشركة لأن الورق كان لجميعهم. وتضمنت جواز الوكالة لأنهم بعثوا من وكّلوه بالشراء. وتضمنت جواز أكل الرفقاء وخلطهم طعامهم معا، وإن كان بعضهم أكثر أكلاً من الآخر؛ ومثله قوله تعالى: {وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ} حسبما تقدم بيانه في «البقرة». ولهذا قال أصحابنا في المسكين يتصدّق عليه فيخلطه بطعام لغنيّ ثم يأكل معه: إن ذلك جائز. وقد قالوا في المضارب يخلط طعامه بطعام غيره ثم يأكل معه: إن ذلك جائز. وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وكّل من اشترى له أضحية. قال ابن العربي: ليس في الآية دليل على ذلك؛ لأنه يحتمل أن يكون كل واحد منهم قد أعطاه منفرداً فلا يكون فيه اشتراك. ولا معوَّل في هذه المسألة إلا على حديثين: أحدهما: أن ابن عمر مرّ بقوم يأكلون تمراً فقال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الاقتران إلا أن يستأذن الرجل أخاه. الثانية: حديث أبي عبيدة في جيش الخبط. وهذا دون الأول في الظهور؛ لأنه يحتمل أن يكون أبو عبيدة يعطيهم كفافاً من ذلك القوت ولا يجمعهم عليه. قلت: ومما يدل على خلاف هذا من الكتاب قوله تعالى: {أية : وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ} تفسير : [البقرة: 220] وقوله {أية : لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَأْكُلُواْ جَمِيعاً أَوْ أَشْتَاتاً} تفسير : [النور: 16] على ما يأتي إن شاء الله تعالى.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى: كما أرقدناهم، بعثناهم صحيحة أبدانهم وأشعارهم وأبشارهم، لم يفقدوا من أحوالهم وهيآتهم شيئاً، وذلك بعد ثلثمائة سنة وتسع سنين، ولهذا تساءلوا بينهم: {كَم لَبِثْتُمْ} أي: كم رقدتم؟ {قَالُواْ لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ} لأنه كان دخولهم إلى الكهف في أول نهار، واستيقاظهم كان في آخر نهار، ولهذا استدركوا فقالوا: {أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُواْ رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ} أي: الله أعلم بأمركم، وكأنه حصل لهم نوع تردد في كثرة نومهم، فالله أعلم، ثم عدلوا إلى الأهم في أمرهم إذ ذاك، وهو احتياجهم إلى الطعام والشراب، فقالوا: {فَٱبْعَثُواْ أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ} أي: فضتكم هذه، وذلك أنهم كانوا قد استصحبوا معهم دراهم من منازلهم لحاجتهم إليها، فتصدقوا منها، وبقي منها، فلهذا قالوا: {فَٱبْعَثُواْ أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَـٰذِهِ إِلَىٰ ٱلْمَدِينَةِ} أي: مدينتكم التي خرجتم منها، والألف واللام للعهد {فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَآ أَزْكَىٰ طَعَامًا} أي: أطيب طعاماً؛ كقوله: {أية : وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَداً} تفسير : [النور: 21] وقوله: {أية : قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّىٰ } تفسير : [الأعلى: 14] ومنه الزكاة التي تطيب المال وتطهره، وقيل: أكثر طعاماً، ومنه: زكا الزرع، إذا كثر، قال الشاعر:شعر : قَبائِلُنا سَبْعٌ وأَنْتُمْ ثَلاثَة ولَلسَّبْعُ أَزْكَى من ثَلاثٍ وأَطْيَبُتفسير : والصحيح الأول؛ لأن مقصودهم إنما هو الطيب الحلال، سواء كان كثيراً أو قليلاً. وقوله: {وَلْيَتَلَطَّفْ} أي: في خروجه وذهابه وشرائه وإيابه، يقولون: وليختف كل ما يقدر عليه {وَلاَ يُشْعِرَنَّ} أي: ولا يعلمن {بِكُمْ أَحَدًا إِنَّهُمْ إِن يَظْهَرُواْ عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ} أي: إن علموا بمكانكم {يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ} يعنون أصحاب دقيانوس، يخافون منهم أن يطلعوا على مكانهم، فلا يزالون يعذبونهم بأنواع العذاب إلى أن يعيدوهم في ملتهم التي هم عليها، أو يموتوا، وإن وافقتموهم على العود في الدين، فلا فلاح لكم في الدنيا ولا في الآخرة، ولهذا قال: {وَلَن تُفْلِحُوۤاْ إِذًا أَبَدًا}.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَكَذٰلِكَ } كما فعلنا بهم ما ذكرنا {بَعَثْنَٰهُمْ } أيقظناهم {لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ } عن حالهم ومدّة لبثهم {قَالَ قَائِلٌ مّنْهُمْ كَم لَبِثْتُمْ قَالُواْ لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ } لأنهم دخلوا الكهف عند طلوع الشمس وبُعثوا عند غروبها فظنوا أنه غروب يوم الدخول ثم {قَالُواْ } متوقفين في ذلك {رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَٱبْعَثُواْ أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ } بسكون الراء وكسرها بفضتكم {هَٰذِهِ إِلَىٰ ٱلْمَدِينَةِ } يقال إنها المسماة الآن «طَرَسُوس» بفتح الراء {فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَىٰ طَعَامًا } أي: أيّ أطعمة المدينة أَحَلَّ {فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مّنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلاَ يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا }.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {وكذلك بعثناهم} يعني به إيقاظهم من نومهم. قال مقاتل: وأنام الله كلبهم معهم. {ليتساءلوا بينهم قال قائلٌ منهم كم لبثتم} ليعلموا قدر نومهم. {قالوا لبثنا يوماً أو بعض يوم} كان السائل منهم أحدهم، والمجيب له غيره، فقال لبثنا يوما لأنه أطول مدة النوم المعهود، فلما رأى الشمس لم تغرب قال {أو بعض يوما} لأنهم أنيموا أول النهار ونبهوا آخره. {قالوا ربُّكم أعْلمُ بما لبثتم} وفي قائله قولان: أحدهما: أنه حكاية عن الله تعالى أنه أعلم بمدة لبثهم. الثاني: أنه قول كبيرهم مكسلمينا حين رأى الفتية مختلفين فيه فقال {ربكم أعلم بما لبثتم} فنطق بالصواب ورد الأمر إلى الله عالمه، وهذا قول ابن عباس. {فابعثوا أحدكم بورقكم هذه الى المدينة} قرىء بكسر الراء وبتسكينها، وهو في القراءتين جميعاً الدراهم، وأما الورَق بفتح الراء فهي الإبل والغنم، قال الشاعر: شعر : إياك أدعو فتقبل مَلَقي كَفِّرْ خطاياي وثمِّرْ ورقي تفسير : يعني إبله وغنمه. {فلينظر أيها أزكي طعاماً} فيه أربعة تأويلات: أحدها: أيها أكثر طعاماً، وهذا قول عكرمة. الثاني: أيها أحل طعاماً، وهذا قول قتادة. الثالث: أطيب طعاماً، قاله الكلبي. الرابع: أرخص طعاماً. {فليأتكم برزق مِنْه} فيه وجهان: أحدهما: بما ترزقون أكله. الثاني: بما يحل لكم أكله. {وليتلطف...} يحتمل وجهين: أحدهما: وليسترخص. الثاني: وليتلطف في إخفاء أمركم. وهذا يدل على جواز اشتراك الجماعة في طعامهم وإن كان بعضهم أكثر أكلاً وهي المناهدة، وكانت مستقبحة في الجاهلية فجاء الشرع بإباحتها. قوله عز وجل: {إنهم إن يظهروا عليكم يرجموكم} فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: يرجموكم بأيديهم استنكاراً لكم، قاله الحسن. الثاني: بألسنتهم غيبة لكم وشتماً، قاله ابن جريج. الثالث: يقتلوكم. والرجم القتل لأنه أحد أسبابه. {أو يعيدوكم في ملتهم} يعني في كفرهم. {ولن تفلحوا إذاً أبداً} إن أعادوكم في ملتهم.
ابن عطية
تفسير : الإشارة بذلك إلى الأمر الذي ذكر الله في جهتهم، والعبرة التي فعلها فيهم، و"البعث" التحريك عن سكون، واللام في قوله {ليتساءلوا} لام الصيرورة، لأن بعثهم لم يكن لنفس تساؤلهم، وقول القائل {كم} لبثتم يقتضي أنه هجس في خاطره طول نومهم، واستشعر أن أمرهم خرج عن العادة بعض الخروج، وظاهر أمرهم أنهم انتبهوا في حال من الوقت والهواء الزمني، لا تباين التي ناموا فيها، وأما أن يجدد الأمر جداً فبعيد، وقرأ ابن كثير ونافع وابن عامر والكسائي وحفص عن عاصم "بورِقكم" بكسر الراء وقرأ أبو عمرو وحده وأبو بكر عن عاصم "بورْقكم" بسكون الراء وهما لغتان، وحكى الزجاج قراءة "بوِرْقكم" بكسر الواو وسكون الراء دون إدغام، وروي عن أبي عمرو الإدغام، وإنما هو إخفاء، لأن الإدغام مع سكون الراء متعذر، وأدغم ابن محيصن القاف في الكاف قال أبو حاتم: وذلك إنما يجوز مع تحريك الراء، وقرأ علي بن أبي طالب "بوارقكم"، اسم جمع كالحامل والباقر، وقرأ أبو رجاء، "بورقكم" بكسر الواو والراء والإدغام، ويروى أنهم انتبهوا جياعاً، وأن المبعوث هو تلميخا، وروي أنهم صلوا كأنما ناموا ليلة واحدة، وبعثوا تلميخا في صبيحتها، وروي أن باب الكهف انهدم بناء الكفار منه بطول السنين، وروي أن راعياً هدمه ليدخل فيه غنمه، فأخذ تلميخاً ثياباً رثة منكرة ولبسها، وخرج من الكهف، فأنكر ذلك البناء المهدوم إذ لم يعرفه، ثم مشى فجعل ينكر الطريق والمعالم ويتحير، وهو في ذلك لا يشعر شعوراً تاماً، بل يكذب ظنه فيما تغير عنده حتى بلغ باب المدينة، فرأى على بابها أمارة الإسلام، فزادت حيرته وقال كيف هذا بلد دقيوس، وبالأمس كنا معه تحت ما كنا، فنهض إلى باب آخر فرأى نحواً من ذلك، حتى مشى الأبواب كلها، فزادت حيرته، ولم يميز بشراً، وسمع الناس يقسمون باسم عيسى، فاستراب بنفسه وظن أنه جن، أو انفسد عقله، فبقي حيران يدعو الله تعالى، ثم نهض إلى بائع الطعام الذي أراد شراءه فقال يا عبد الله بعني من طعامك بهذه الورق، فدفع إليه دراهم كأخفاف الربع فيما ذكر، فعجب لها البياع، ودفعها إلى آخر بعجبه، وتعاطاها الناس وقالوا له هذه دراهم عهد فلان الملك، من أين أنت، وكيف وجدت هذا الكنز؟ فجعل يبهت ويعجب، وقد كان بالبلد مشهوراً هو وبيته، فقال: ما أعرف غير أني وأصحابي خرجنا بالأمس من هذه المدينة فقال الناس هذا مجنون، اذهبوا به إلى الملك، ففزع عند ذلك فذهب به حتى جيء به الملك، فلما لم ير دقيوس الكافر تأنس، وكان ذلك الملك مؤمناً فاضلاً يسمى ببدوسيس فقال له الملك أين وجدت هذا الكنز؟ فقال له إنما خرجت أنا وأصحابي أمس من هذه المدينة فأوينا إلى الكهف الذي في جبل الجلوس، فلما سمع الملك ذلك قال في بعض ما روي، لعل الله قد بعث لكم أيها الناس آية فلنسر إلى الكهف معه حتى نرى أصحابه، فسار وروي أنه أو بعض جلسائه قال: هؤلاء هم الفتية الذين أرخ أمرهم على عهد دقيوس الملك، وكتب على لوح النحاس بباب المدينة، فسار الملك إليهم، وسار الناس معه، فلما انتهوا إلى الكهف قال تمليخا: أدخل عليهم لئلا يرعبوا، فدخل عليهم، فأعلمهم بالأمر، وأن الأمة أمة إسلام، فروي أنهم سُرُّوا وخرجوا إلى الملك، وعظموه وعظمهم، ثم رجعوا إلى كهفهم، وأكثر الروايات على أنهم ماتوا حيث حدثهم تمليخا، فانتظرهم الناس فلما أبطأ خروجهم، دخل الناس إليهم فرعب كل من دخل، ثم أقدموا فوجدوهم موتى، فتنازعوا بحسب ما يأتي في تفسير الآية التي بعد هذه، وفي هذا القصص من اختلاف الروايات والألفاظ ما تضيق به الصحف، فاختصرته، وذكرت المهم الذي به تتفسر ألفاظ هذه الآية، واعتمدت الأصح، والله المعين برحمته، وفي هذه البعثة بالورق الوكالة وصحتها، وقد وكل علي بن أبي طالب أخاه عقيلاً عند عثمان رضي الله عنهم، وقرأ الجمهور "فلْينظر" بسكون لام الأمر، وقرأ الحسن "فلِينظر" بكسرها، و {أزكى} معناه أكثر فيما ذكر عكرمة، وقال قتادة معناه خير، وقال مقاتل: المراد أطيب، وقال ابن جبير: المراد أحل. قال أبو القاضي أبو محمد: وهو من جهة ذبائح الكفرة وغير ذلك فروي أنه أراد شراء زبيب، وقيل بل شراء تمر، وقوله {وليتلطف} أي في اختفائه وتحيله، وقرأ الحسن "ولِيتلطف" بكسر اللام، والضمير في {إنهم} عائد على الكفار، آل دقيوس، و {يظهروا عليكم} معناه يثقفوكم بعلوهم وغلبتهم، وقولهم {يرجموكم} قال الزجاج معناه بالحجارة. قال القاضي أبو محمد: وهو الأصح، لأنه كان عازماً على قتلهم لو ظفر بهم، و"الرجم" فيما سلف هي كانت على ما ذكر قتلة مخالف دين الناس، إذ هي أشفى لحملة ذلك الدين، ولهم فيها مشاركة، وقال حجاج، {يرجموكم} معناه بالقول، وباقي الآية بين.
ابن عبد السلام
تفسير : {بَعَثْنَاهُمْ} أيقظناهم، وكان الكلب قد نام معهم {لَبِثْنَا يَوْماً} لما أُنيموا أول النهار وبُعثوا آخر نهار أخر قالوا لبثنا يوماً لأنه أطول مدة النوم المعتاد فلما رأوا الشمس لم تغرب قالوا: أو بعض يوم. {قَالُواْ رَبُّكُمْ أَعْلَمُ} لما رأى كبيرهم اختلافهم قال: ذلك، أو هو حكاية عن الله ـ تعالى ـ أنه أعلم بمدة لبثهم. {بِوَرِقِكُمْ} بكسر الراء وسكونها الدراهم، وبفتحها الإبل والغنم {أزْكَى} أكثر، أو أحل، أو خير، أو أطيب، أو أرخص. {بِرِزْقٍ} يحتمل بما ترزقون أكله، أو بما يحل أكله {وَلْيَتَلَطَّفْ} في إخفاء أمركم، أو ليسترخص فيه دليل على جواز المناهدة وكان الجاهلية يستقبحونها فأباحها الشرع.
النسفي
تفسير : {وَكَذٰلِكَ بَعَثْنَـٰهُمْ } وكان أنمناهم تلك النومة كذلك أيقظناهم إظهاراً للقدرة على الإنامة والبعث جميعاً {لِيَتَسَاءلُوا بَيْنَهُمْ } ليسأل بعضهم بعضاً ويتعرفوا حالهم وما صنع الله بهم فيعتبروا ويستدلوا على عظم قدرة الله ويزدادوا يقيناً ويشكروا ما أنعم الله به عليهم {قَالَ قَائِلٌ مّنْهُمْ } رئيسهم {كَمْ لَبِثْتُمْ } كم مدة لبثكم؟ {قَالُواْ لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ } جواب مبني على غالب الظن، وفيه دليل على جواز الاجتهاد والقول بالظن الغالب {قَالُواْ رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ } بمدة لبثكم إنكار عليهم من بعضهم كأنهم قد علموا بالأدلة أو بإلهام أن المدة متطاولة وأن مقدارها لا يعلمه إلا الله. ورُوي أنهم دخلوا الكهف غدوة وكان انتباههم بعد الزوال فظنوا أنهم في يومهم، فلما نظروا إلى طول أظفارهم وأشعارهم قالوا ذلك: وقد استدل ابن عباس رضي الله عنهما على أن الصحيح عددهم سبعة لأنه قد قال في الآية: {قال قائل منهم كم لبثتم} وهذا واحد، وقالوا في جوابه {لبثنا يوماً أو بعض يوم} وهو جمع وأقله ثلاثة، ثم قال {ربكم أعلم بما لبثتم} وهذا قول جمع آخرين فصاروا سبعة {فَٱبْعَثُواْ أَحَدَكُمْ } كأنهم قالوا ربكم أعلم بذلك لا طريق لكم إلى علمه فخذوا في شيء آخر مما يهمكم فابعثوا أحدكم ــ أي يمليخا ــ {بِوَرِقِكُمْ } هي الفضة مضروبة كانت أو غير مضروبة، وبسكون الراء: أبو عمرو وحمزة وأبو بكر {هَـٰذِهِ إِلَىٰ ٱلْمَدِينَةِ } هي طرسوس وحملهم الورق عند فرارهم دليل على أن حمل النفقة وما يصلح للمسافر هو رأي المتوكلين على الله دون المتكلين على الاتفاقات وعلى ما في أوعية القوم من النفقات. وعن بعض العلماء أنه كان شديد الحنين إلى بيت الله ويقول: ما لهذا السفر إلا شيئان شد الهميان والتوكل على الرحمن {فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا } أي أهلها فخذف كما في {أية : واسئل القرية}تفسير : [يوسف: 82] و«أي» مبتدأ وخبره {أَزْكَىٰ } أحل وأطيب أو أكثر وأرخص {طَعَامًا } تمييز {فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مّنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ } وليتكلف اللطف فيما يباشره من أمر المبايعة حتى لا يغبن أو في أمر التخفي حتى لا يعرف {وَلاَ يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا } ولا يفعلن ما يؤدي إلى الشعور بنا من غير قصد منه فسمى ذلك إشعاراً منه بهم لأنه سبب فيه .
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {وَكَذَٰلِكَ بَعَثْنَـٰهُمْ لِيَتَسَاءلُواْ بَيْنَهُمْ } الإِشارة بـــ«ذلك» إلى الأمر الذي ذكَره اللَّه في جِهَتِهِمْ، والعبرة التي فعلها فيهم، «والبَعْث»: التحريك عن سكونٍ، واللام في قوله: {لِيَتَسَاءَلُواْ } لام الصيرورة، وقول القائلِ: {كَمْ لَبِثْتُمْ } يقتضى أنه هَجَسَ في خاطره طُولُ نومهم، واستشعر أنَّ أمرهم خَرَجَ عن العادة بعضَ الخروجِ، وظاهر أمرهم أنهم انتبهوا في حالٍ منَ الوَقْت، والهواء الزمانيُّ لا يباين الحالة التي ناموا عليها، وقولهم: {فَٱبْعَثُواْ أَحَدَكُم بِوَرِقِكُمْ } يروى أنهم انتبهوا، وهُمْ جيَاعٌ، وأنَّ المبعوثَ هو تَمْلِيخَا، وروي أن باب الكهف انهدَمَ بناءُ الكفَّار منه؛ لطول السنين، ويروى أن راعياً هدمه؛ ليدخل فيه غنمه، فأخذ تمليخا ثياباً رثَّةً منْكَرة ولبسها، وخرَجَ من الكهف، فأنكر ذلك البِنَاءَ المهدُومَ؛ إذ لم يعرفه بالأمْسِ، ثم مَشى، فجعل يُنْكِر الطريق والمعالمَ، ويتحيَّر وهو في ذلك لا يشعر شعوراً تامًّا، بل يكذِّب ظنه فيما تغيَّر عنده حتى بَلَغَ بابَ المدينة، فرأى على بابها أمَارة الإِسلام، فزادَتْ حَيْرَتُه، وقال: كيف هَذَا بِبَلد دقْيُوس، وبالأمْسِ كنا معه تَحْتَ ما كنا، فنهض إلى بابٍ آخر، فرأى نحواً من ذلك؛ حتى مشَى الأبوابَ كلَّها، فزادَتْ حيرته، ولم يميِّز بشراً، وسمع الناس يُقْسِمُون باسم عيسى، فاستراب بنَفْسه، وظنَّ أنه جُنَّ، أو انفسد عقله، فبقي حَيْرَان يدعو اللَّه تعالى، ثم نهض إِلى باب الطعام الذي أراد اشتراءه، فقال: يا عبد اللَّه، بِعْنِي من طعامك بهذه الوَرِقِ، فدفع إِليه دَرَاهِمَ، كأخْفَافِ الربع فيما ذُكِرَ، فعجب لها البائعُ ودَفَعَهَا إلى آخر يُعَجِّبُهُ، وتعاطَاهَا النَّاسُ، وقالوا له: هذه دراهِمُ عَهْدِ فلانٍ المَلِكِ، مِنْ أيْن أنْتَ؟ وكَيْفَ وجدتَّ هذا الكَنْزَ، فجعل يبهت ويعجَبُ، وقد كان بالبلد مشهوراً هو وبَيْتُهُ، فقال: ما أعرفُ غير أنِّي وأصْحَابي خَرَجْنا بالأمْس من هذه المدينةِ، فقال النَّاس: هذا مجنونٌ، ٱذهبوا به إِلى المَلِكِ، ففزِعَ عند ذلك، فَذُهِبَ به حتى جيءَ به إلى المَلِكِ، فلما لم يَرَ دْقيُوس الكافِرَ، تأنَّس، وكان ذلك المَلِكُ مؤمناً فاضلاً يسمَّى تبدوسِيس، فقال له المَلِكُ: أين وجدت هذا الكَنْز؟ فقال له: إِنما خرجْتُ أنا وأصْحَابي أمْس من هذه المدينة، فأوينا إِلى الكَهْف الذي في جَبَل أنجلوس، فلما سمع المَلِكُ ذلك، قال في بعض ما رُوِيَ: لعلَّ اللَّه قَدْ بعث لكُمْ أيُّها الناس آيَةً فَلْنَسِرْ إِلى الكهف، حتى نرى أصحابه، فساروا، وروي أنه أو بعض جلسائه قال: هؤلاءِ هُمُ الفتيةُ الذين ورِّخَ أمرهم على عهد دقْيُوس المَلِك، وكتب على لُوح النُّحَاس بباب المدينةِ، فسار الملك إليهم، وسار الناس معه فلما انتهوا إلى الكهف، قال تَمْليَخا: أدخُلُ عليهم لئلا يرعبوا، فدخل عليهم، فأعلمهم بالأمْر، وأن الأمة أمَّة إِسْلام، فروي أنهم سُرُّوا وخَرَجُوا إلى الملك، وعظَّموه، وعظَّمهم، ثم رجَعُوا إلى الكهف، وأكثرُ الروايات على أنهم ماتُوا حين حدَّثهم تملِيخَا، فانتظرهم النَّاسُ، فلما أبطأ خروجُهم، دَخَل الناس إليهم، فرعبَ كلُّ من دخل، ثم أقدموا فوجَدُوهم موتى، فتنازعوا بحَسَب ما يأتى، وفي هذه القصص من الاختلاف ما تَضِيقُ به الصُحفُ فاختصرته، وذكرت المهم الذي به تتفسَّر ألفاظ الآيةِ، واعتمدتُّ الأصحَّ واللَّه المعينُ برحمته، وفي هذا البَعْثِ بالوَرِقِ جوازُ الوَكَالةِ، وصحَّتُها. و {أَزْكَى} معناه: أكثر فيما ذكر عكرمة، وقال ابن جُبَيْر: المراد أحَلّ، وقولهم: {يَرْجُمُوكُمْ } قال الزجاج: بالحجارة، وهو الأصح وقال حَجَّاج: «يرجموكم» معناه: بالقول وقوله سبحانه: {وَكَذَٰلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ }: الإِشارة في قوله: {وَكَذَٰلِكَ } إلى بعثهم ليتساءلوا، أي: كما بعثناهم، أعثرنا عليهم، والضمير في قوله: { لِيَعْلَمُواْ } يحتمل أن يعود على الأمَّة المسلمة الذين بُعِثَ أهّل الكهف على عهدهم، وإلى هذا ذهب الطبريُّ؛ وذلك أنهم فيما روي دخلتهم حينئذٍ فتنةٌ في أمْرِ الحَشْر وبَعْثِ الأجساد من القبور، فشَكَّ في ذلك بعضُ الناس، واستبعدوه، وقالوا: إِنما تُحْشَر الأرواح، فشَقَّ ذلك على مَلِكهم، وبقي حَيرَان لا يَدْرِي كيف يبيِّن أمره لهم، حتى لَبَس المُسُوح، وقعد على الرَّمَادَّ وتضرَّع إلى اللَّه في حُجَّة وبيانٍ، فأعثرهم اللَّه على أَهْل الكهف، فلما بعثهم اللَّه، وتبيَّن الناس أمرهم؛ سُرَّ الملِكُ، ورَجَعَ مَنْ كان شَكَّ في بعث الأجساد إلى اليقين به، وإلى هذا وقعت الإِشارة بقوله: {إِذْ يَتَنَـٰزَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ }؛ على هذا التأويل، ويحتمل أن يعود الضميرُ في {يَعْلَمُواْ } على أصحاب الكهف، وقوله: {إِذْ يَتَنَـٰزَعُونَ }؛ على هذا التأويل: ابتداءُ خبرٍ عن القوم الذين بُعِثُوا على عهدهم، والتنازع على هذا التأويل إِنما هو في أمر البناء أو المسجد، لا في أمر القيامة، وقد قيل: إِن التنازع إِنما هو في أنْ ٱطلعوا عَليْهم، فقال بعضهم: هم أمواتٌ، وبعضٌ: هم أحياء، وروي أنَّ بعض القومِ ذهبوا إلى طمس الكَهْف عليهم، وترْكِهِم فيه مغيِّبين، فقالت الطائفة الغالبة على الأمر: {لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَّسْجِدًا }، فاتخذوه، قال قتادة: {ٱلَّذِينَ غَلَبُواْ } هم الولاة.
ابن عادل
تفسير : قوله: {وَكَذَٰلِكَ بَعَثْنَاهُمْ}: الكاف نعت لمصدر محذوف، أي: كما أنمناهم تلك النَّومةَ، كذلك بعثناهم؛ ادِّكاراً بقدرته، والإشارة بـ "ذلِكَ" إلى المصدر المفهوم من قوله "فَضرَبْنَا"، أي: مثل جعلنا إنامتهم هذه المدة المتطاولة آية، جعلنا بعثهم آية، قاله الزجاج والزمخشريُّ. قوله: {لِيَتَسَآءَلُوا بَيْنَهُمْ} متعلقة بالبعث، وقيل: هي للصَّيرورة؛ لأن البعث لم يكن للتساؤل، قاله ابن عطيَّة، والصحيح أنَّها على بابها من السببية. قوله: {كَمْ لَبِثْتُمْ} "كم" منصوبة على الظرف، والمميز محذوف، تقديره: كم يوماً؛ لدلالةِ الجواب عليه، و "أوْ" في قوله: {أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ} للشكِّ منه، وقيل: للتفصيل، أي: قال بعضهم كذا، وبعضهم كذا. فصل المعنى كما أنمناهم في الكهف، وحفظنا أجسامهم من البلى، طول الزمان، فكذلك بعثناهم من النَّوم الذي يشبه الموت؛ {لِيَتَسَآءَلُوا بَيْنَهُمْ} ليسأل بعضهم بعضاً، واللام لام العاقبة؛ لأنَّهم لم يبعثوا للسُّؤال. فإن قيل: هل يجوز أن يكون الغرض من بعثهم أن يتساءلوا ويتنازعوا؟. فالجواب: لا يبعد ذلك؛ لأنَّهم إذا تساءلوا، انكشف لهم من قدرة الله أمورٌ عجيبةٌ، وذلك أمرٌ مطلوبٌ. قاله ابن الخطيب. ثم قال تعالى: {قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ} وهو رئيسهم، واسمه مكسلمينا: {كَمْ لَبِثْتُمْ} في نومكم، أي: كم مقدار لبثنا في هذا الكهف {قَالُواْ لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ}. قال المفسرون: إنهم دخلوا الكهف غدوة وبعثهم الله في آخر النَّهار؛ فلذلك قالوا: يوماً، فلما رأوا الشمس، قالوا: أو بعض يوم، فلما نظروا إلى شعورهم وأظفارهم "قَالُوا" أي: علموا أنَّهم لبثوا أكثر من يوم: {قَالُواْ رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ}. قيل: إنَّ رئيسهم مكسلمينا، لما [رأى] الاختلاف بينهم قال: دعوا الخلاف. قوله: {فَٱبْعَثُواْ أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَـٰذِهِ} يعني يمليخا، قاله ابن عباس. قوله: "بورِقكُمْ" حال من "أحَدكُمْ"، أي: مصاحباً لها، وملتبساً بها، وقرأ أبو عمرو، وحمزة، وأبو بكر بفتح الواو وسكون الراء والفكِّ، وباقي السبعة بكسر الراء، والكسر هو الأصل، والتسكين [تخفيف] كـ "نَبْق" في نَبِق، وحكى الزجاج كسر الواو، وسكون الراء، وهو نقلٌ، وهذا كما يقال: كَبِدٌ وكَبْدٌ وكِبْدٌ. وقرأ أبو رجاء، وابن محيصن كذلك، إلاَّ أنه بإدغام الفاق، واستضعفوها من حيث الجمع بين ساكنين على غير حدَّيهما، وقد تقدَّم ذلك في المتواتر ما يشبهُ هذه من نحو {أية : تُسْأَلُونَ عَمَّا} تفسير : [في الآية: 134 من البقرة] و{أية : لاَ تَعْدُواْ فِي ٱلسَّبْتِ} تفسير : [النساء: 154] و {أية : الخُلْدِ جَزَآءً} تفسير : [فصلت: 38] و {أية : فِي ٱلْمَهْدِ صَبِيّاً} تفسير : [مريم: 29] وروي عن ابن محيصن؛ أنَّه لمَّا أدغم كسر الراء فراراً ممَّا ذكرنا. وقرأ أمير المؤمنين "بوارقكم" اسم فاعلٍ، أي: صاحب ورقٍ، كـ "لابنٍ" وقيل: هو اسم جمع كجاملٍ وباقرٍ. والوَرِقُ: الفضَّة المضروبة، وقيل: الفضَّة مطلقاً مضروبة كانت، أو غير مضروبة؛ ويدلُّ عليه ما رُوي أنَّ عرفجة اتَّخذَ أنفاً من ورقٍ. فصل في لغات "الوَرِق" قال الفراء والزجاج: فيه ثلاثُ لغاتٍ: وَرِقٌ، ووَرْقٌ، ووِرْقٌ، كـ "كَبِدٍ وكَبْدٍ وكِبْدٍ" وكسر الواو أردؤها يقال لها: "الرِّقةُ" بحذف الواو، وفي الحديث: "في الرِّقةِ ربعُ العُشْرِ" وجمعت شذوذاً جمع المذكر السالم. فصل قال المفسرون: كان معهم دراهم عليها صورة الملكِ الذي كان في زمانهم، ثم قال تعالى: {إِلَىٰ ٱلْمَدِينَةِ} وهي الَّتي يقال لها اليوم (طرسوس)، وكان اسمها في الجاهلية "أفسوس"، وهذه الآية تدل على أنَّ السَّعي في إمساك الزَّاد أمرٌ مشروعٌ. قوله: {فَلْيَنظُرْ أَيُّهَآ أَزْكَىٰ طَعَاماً} [يجوز في "أي" أن تكون استفهامية، وأن تكون موصولة. قال الزجاج: إنها رفع بالابتداء و "أزكى" خبرها، وتقدم الكلام على نظيره في قوله: {أية : أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً} تفسير : [الكهف: 7]، ولا بد ها هنا من حذف "أيُّ" أي: أيّ أهلها أزكى و "طعاماً"] تمييزٌ، أي: لا يكون من غصبٍ، أي: سببٍ حرام. وقيل: لا حذف، والضميرُ عائدٌ على الأطعمة المدلول عليها من السِّياق. قيل: أمروهُ أن يطلب ذبيحة مؤمنٍ، ولا يكون من ذبيحة من يذبح لغير الله، وكان فيهم مؤمنون ينكرون إيمانهم. فصل في معنى "أزكى" قال الضحاك: أزكى طعاماً، أي: أطيب. وقال مقاتلٌ: أجود. وقال عكرمة: أكثر. وأصل الزَّكاة النُّمو والزيادة. وقيل: أرخص طعاماً {فَلْيَأْتِكُم بِرِزْقٍ مِّنْهُ} أي: قوتٍ وطعامٍ تأكلونه. قوله: "ولْيَتلَطَّفْ" قرأ العامة بسكون لام الأمر، والحسنُ بكسرها على الأصل، [وقتيبة الميَّال] "وليُتَلَطَّفْ" مبنياً للمفعول، وأبو جعفر وأبو صالحٍ، وقتيبة "ولا يشعُرنَّ" بفتح الياء وضمِّ العين. فإن قيل: "بكُمْ" "أحدٌ" فاعل به. فالجواب: معنى "وليَتَلطَّفْ" أي: يكون في سترة، وكتمانٍ في دخول المدينة، قاله الزمخشريُّ، ويجوز أن يعود على قومهم؛ لدلالة السِّياق عليهم. وقرأ زيدُ بن عليٍّ "يُظْهرُوا" مبنيًّا للمفعول. فصل {يَظْهَرُواْ عَلَيْكُمْ}، أي: يطَّلعوا عليكم، ويعلموا مكانكم. وقيل: أو يشرفوا على مكانكم أو على أنفسكم من قولهم: ظهرتُ على فلانٍ، إذا علوتهُ، وظهرتُ على السَّطح، إذا صرت فوقه، ومنه قوله تعالى: {أية : فَأَصْبَحُواْ ظَاهِرِينَ} تفسير : [الصف: 14] أي عالين. وقوله: {أية : لِيُظْهِرَهُ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِ} تفسير : [التوبة: 33] أي: ليعليه. قوله: {يَرْجُمُوكُمْ}. قال ابن جريج: يَشْتموكُمْ، ويُؤذُوكم بالقول، وقيل: يقتلوكم بالحجارة، والرجمُ بمعنى القتل كثيرٌ. قال تعالى: {أية : وَلَوْلاَ رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ} تفسير : [هود: 91] وقوله: {أية : أَن تَرْجُمُونِ} تفسير : [الدخان: 20] والرجم أخبث القتل، قاله الزجاج. {أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ} أي يردُّوكم إلى دينهم. قوله: {وَلَن تُفْلِحُوۤاْ إِذاً أَبَداً} أي إن رجعتم إلى دينهم، لم تسعدوا في الدنيا، ولا في الآخرة، فـ "إذاً" جوابٌ وجزاءٌ، أي: إن يظهروا، فلن تفلحوا. وقال الزجاج: لن تُفْلِحُوا، إذا رجعتم إلى ملتهم أبداً، فإن قيل: أليس أنَّهم لو أكرهوا على الكفر، حتى أظهروا الكفر، لم يكن عليهم مضرَّة، فكيف قالوا: {وَلَن تُفْلِحُوۤاْ إِذاً أَبَداً}؟. فالجواب: يحتمل أن يكون المراد أنَّهم لو ردُّوا إلى الكفر، وبقوا مظهرين له، فقد يميل بهم ذلك إلى الكفر، ويصيروا كافرين حقيقة، فكان تخوُّفهم من هذا الاحتمال.
ابو السعود
تفسير : {وَكَذٰلِكَ بَعَثْنَـٰهُمْ} أي كما أنمناهم وحفِظنا أجسادَهم من البِلى والتحلّل آيةً دالةً على كمال قدرتِنا بعثناهم من النوم {لِيَتَسَاءلُوا بَيْنَهُمْ} أي ليسأل بعضُهم بعضاً فيترتب عليه ما فُصّل من الحِكَم البالغةِ، وجعلُه غايةً للبعث المعلّل فيما سبق بالاختبار من حيث إنه من أحكامه المترتبةِ عليه والاقتصارُ على ذكره لاستتباعه لسائر آثارِه {قَالَ} استئنافٌ لبـيان تساؤلِهم {قَائِلٌ مّنْهُمْ} هو رئيسُهم واسمُه مكسلمينا {كَمْ لَبِثْتُمْ} في منامكم، لعله قاله لِما رأى من مخالفة حالِهم لما هو المعتادُ في الجملة {قَالُواْ} أي بعضُهم {لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ} قيل: إنما قالوه لأنهم دخلوا الكهفَ غُدوةً وكان انتباهُهم آخرَ النهار، فقالوا: لبثنا يوماً، فلما رأَوا أن الشمسَ لم تغرُبْ بعْدُ، قالوا: أو بعضَ يوم، وكان ذلك بناءً على الظن الغالب فلم يُعْزوا إلى الكذب {قَالُواْ} أي بعضٌ آخرُ منهم بما سنح لهم من الأدلة أو بإلهام من الله سبحانه {رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ} أي أنتم لا تعلمون مدة لبثِكم وإنما يعلمها الله سبحانه، وهذا ردٌّ منهم على الأولين بأجملِ ما يكون من مراعاة حسنِ الأدب وبه يتحقق التحزبُ إلى الحزبـين المعهودين فيما سبق، وقد قيل: القائلون جميعُهم ولكن في حالتين، ولا يساعده النظمُ الكريم فإن الاستئنافَ في الحكاية والخطابَ في المحكيّ يقضي بأن الكلامَ جارٍ على منهاج المحاورةِ والمجاوبةِ، وإلا لقيل: ثم قالوا: ربنا أعلمُ بما لبثنا. {فَٱبْعَثُواْ أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَـٰذِهِ إِلَىٰ ٱلْمَدِينَةِ} قالوه إعراضاً عن التعمق في البحث وإقبالاً على ما يُهمّهم بحسب الحالِ كما ينبىء عنه الفاءُ والورِقُ الفضةُ مضروبةً أو غيرَ مضروبة، ووصفُها باسم الإشارةِ يُشعر بأن القائلَ ناولها بعضَ أصحابه ليشتريَ بها قوتَ يومِهم ذلك، وقرىء بسكون الراء وبإدغام القافِ في الكاف وبكسر الواو وبسكون الراء مع الإدغام، وحملُهم لها دليلٌ على أن التزودَ لا ينافي التوكلَ على الله تعالى {فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا} أي أهلِها {أَزْكَىٰ} أحلُّ وأطيبُ أو أكثرُ وأرخصُ {طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مّنْهُ} أي من ذلك الأزكى طعاماً {وَلْيَتَلَطَّفْ} وليتكلّف اللُّطفَ في المعاملة كيلا يُغبَنَ أو في الاستخفاء لئلا يُعرَف {وَلاَ يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا} من أهل المدينةِ فإنه يستدعي شيوعَ أخبارِكم أي لا يفعلنّ ما يؤدّي إلى ذلك، فالنهيُ على الأول تأسيسٌ وعلى الثاني تأكيدٌ للأمر بالتلطف.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {قَالُواْ لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ} [الآية: 19]. قال ابن عطاء: مقام المحب مع الحبيب وإن طال فإنه قصير عنده إذ لا يفضى من حبيبه وطرًا ولو مكث دوام الدهر فإن انتهاء شوقه إليه كالابتداء فانتهاؤه فيه ابتداؤه وأنشد: شعر : لا أظلم الليل ولا ادعى أن نجوم الليل ليست ثغور ليلى كما شاءت فإن لم تجد طالت وإن جادت فليلى قصيرُ تفسير : قوله تعالى: {فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِّنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ} [الآية: 19]. سمعت جعفر بن أحمد الرازى يقول: أوصى يوسف بن الحسين بعض أصحابه فقال: إذا حملت إلى الفقراء أو أهل المعرفة شيئًا واشتريت لهم طعامًا فليكن لطيفًا، فإن الله وصف أصحاب الكهف حين بعثوا من يشترى لهم طعامًا قالوا: وليتلطف وإذا اشتريت للزهاد والعباد. فاشتر كل ما تجده فإنهم بعد فى تذليل أنفسهم ومنعها من الشهوات. سمعت أبا عثمان المعزى يقول: إرفاق العارفين باللطف وإرفاق المريدين بالعنف.
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {وَكَذٰلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَآءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ كَم لَبِثْتُمْ قَالُواْ لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ}. استقلوا مدة لُبْثهم وقد لَبِثُو (طويلاً)، ولكنهم كانوا مأخوذين عنهم، ولم يكن لهم عِلْمٌ بتفصيل أحوالهم، قال قائلهم: شعر : لست أدري أطال لَيْلِي أم لا؟ كيف يدري بذاك من يتقلَّى؟ لو تَفَرَّغْتُ لاستطالةِ لَيْلِي ورغيت النجومَ كنتُ مُخِلاَّ تفسير : ويقال أيامُ الوصالِ عندهم قليلة - وإنْ كانت طويلة، ولو كان الحال بالضدِّ لكان الأمر بالعكس، وأنشدوا: شعر : صَبَاحُكَ سُكْرٌ والمِساءُ خُمار نَعِمْتَ وأيامُ السرورِ قِصارُ تفسير : قوله جلّ ذكره: {يَوْمٍ قَالُواْ رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ}. لأنه هو الذي خَصَّكُم بما به أقامكم. قوله جلّ ذكره: {فَٱبْعَثُواْ أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَـٰذِهِ إِلَىٰ ٱلْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَآ أَزْكَىٰ طَعَاماً فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِّنْهُ}. ما داموا مأخوذين عنهم لم يكن لهم طلبٌ لأكل ولا شربٍ ولا شيء من صفة النَّفْس، فلمَّا رُدُّوا إلى التمييز أخذوا في تدبير الأكل أَوَّلَ ما أحسوا بحالهم، وفي هذا دلالة على شدة ابتداء الخَلْق بالأكل. قوله جلّ ذكره: {وَلْيَتَلَطَّفْ وَلاَ يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَداً}. تَوَاصَوْا فيما بينهم بحسن التَّخَلقِ وجميل الترفُّقِ، أي ليتلطف مع من يشتري منه شيئاً. ويقال أوصوا مَنْ يشتري لهم الطعامَ أَنْ يأتيهم بألطف شيءٍ وأطيبِه، ومن كان من أهل المعرفة لا يوافقه الخشن من الملبوس ولا المبتذل في المطعم من المأكول. ويقال أهل المجاهدات وأصحاب الرياضات طعامهم الخشن ولباسهم كذلك والذي بلغ المعرفة لا يوافقه إلا كل لطيف، ولا يستأنس إلا بكل مليح.
اسماعيل حقي
تفسير : {وكذلك}. قال الكاشفى [جون دقيانوس در غار برايشان استوار كرده باز كشت وبدار الملك باز آمدند كه زمانى را باداجل بناى حياتش درهم فكند وآن همه ملك ومال وجلال متلاشى كشت] شعر : دمى جند بشمرد وناجيز شد زمانه بخنديد كونيز شد تفسير : [وبعد ازو جند مالك ديكر برآن ممالك نظر كرد تانوبت ملك صالح تندروس وكويند تندروسى رسيد واومردى مؤمن وخداى ترس بود واكثر اهل زمان اوراد درحشر جسد شبه افتاد ومنكران شدند هرجند ملك ايشانرا بند داد سود نكرد حق سبحانه وتعالى خواست كه دليل برحشر جسد برايشان نمايد اصحاب كهف را ازخواب بيدار كردجنانجه كفت] {وكذلك} اى كما انمناهم تلك الانامة الطويلة وحفظنا اجسادهم وثيابهم من البلى والتحلل آية دالة على كمال قدرتنا {بعثناهم} اى ايقظناهم من النوم {ليتسائلوا بينهم} اى ليسأل بعضهم بعضا فيترتب عليه ما فصل من الحكم البالغة {قال} استئناف لبيان تسألهم {قائل منهم} هو رئيسهم مكشليينا. وفى بحر العلوم مكسلمينا {كم} [جندوقت] {لبثتم} فى منامكم لعله قال لما رأى من مخافة حالهم لما هو المعتاد فى الجملة {قالوا} اى بعضهم {لبثنا يوما او بعض يوم} قيل انما قالوه لما انهم دخلوا الكهف غدوة وكان انتباههم آخر النهار فقالوا لبثنا يوما فلما رأوا ان الشمس لم تغرب بعد قالوا او بعض يوم وكان ذلك بناء على الظن الغالب فلم ينسبوا الى الكذب. وقال الكاشفى [ ايشان بامداد بغار بر آمده بودند جون درنكريستند آفتاب بوقت جاشت رسيده ديند قالوا لبثنا كفتند درنك كرديم اينجا يوما روزى اكردى روز درخواب شده باشيم او بعض يوم يا باره از روز اكردرين روز خفته باشيم]. يقول الفقير هذا اولى مما قبله لان قوله فابعثوا احدكم بورقكم يدل على بقاء ما يسع فيه الذهاب والاياب من النهار بخلاف ما لو كان الوقت قبيل الغروب اذ يبعد البعث المذكور فيه لعدم امكان العود عادة لمكان المسافة بين الكهف والمدينة {قالوا} اى بعض آخر منهم بما سنح لهم من الادلة او بالهام من الله. وقال الكاشفى [بس جون ناخنان خودرا باليده ومويهاى سررا دراز يافتند كفتند بعضى ازايشان بعض ديكريرا] {ربكم اعلم بما لبثتم} اى انتم لا تعلمون مدة لبثكم لانها متطاولة ومقدارها مبهم وانما يعلمها الله تعالى وبه يتحقق التحزب الى الحزبين المعهودين فيما سبق {فابعثوا احدكم} يمليخا {بورقكم هذه الى المدينة} قالوه اعراضا عن التعمق فى البحث لانه ملتبس لا سبيل لهم الى علمه واقبالا على ما يهمهم بحسب الحال كما يبنئ عنه الفاء والورق الفضة مضروبة او غير مضروبة ووصفها باسم الاشارة يشعر بان القائل ناولها بعض اصحابه ليشترى بها قوت يومهم ذلك وحملهم لها دليل على ان الاتزود اى اخذ الزاد لا ينافى التوكل على الله بل هو فعل الصالحين ودأب المنقطعين الى الله دون المتوكلين على الانفاقات والتوكل يكون بعد مباشرة الاسباب: وفى المثنوى شعر : كرتوكل ميكنى دركار كن كشت كن بس تكيه بر جبار كن رمز الكاسب حبيب الله شنو ازتوكل درسبب كاهل مشو تفسير : وكونهم متوكلين علم من قولهم {ينشر لكم ربكم من رحمته ويهيئ لكم من امركم مرفقا} والمدينة طرسوس وكان اسمها فى الجاهلية افسوس. قال فى القاموس طرسوس كحلزون بلد مخصب كان للارمن ثم اعيد الى الاسلام فى عصرنا {فلينظر ايها} اى اهلها على حذف المضاف كقوله {أية : واسأل القرية}تفسير : {ازكى طعاما} احل واطيب واكثر وارخص طعاما {فليأتكم} [بس بيارد بشما] {برزق} بقوت وهو ما يقوم به بدن الانسان {منه} اى من ذلك الازكى طعاما. قال الكاشفى [در زمان ايشان در آن شهر كسان بودندكه ايمان خود مخفى مى داشتند غرض آن بودكه ذبيحه ايشان بيدا كند] {وليتلطف} وليتكلف اللطف فى المعاملة كيلا يغبن او فى الاستخفاء لئلا يعرف قال بعض المتقدمين حسبت القرآن بالحروف فوجدت النصف عند قوله فى سورة الكهف. {وليتلطف} اللام الثانى فى النصف الاول والطاء والفاء فى النصف الثانى كما فى البستان {ولا يشعرن بكم احدا} من اهل المدينة فانه يستدعى شيوع اخباركم اى لا يفعلن ما يؤدى الى الشعور بنا من غير قصد فسمى ذلك اشعارا منه بهم لانه سبب فيه فالنهى على الاول تأسيس وعلى الثانى تأكيد للامر بالتلطف.
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحقّ جلّ جلاله: {وكذلك} أي: وكما أنمناهم وحفظنا أجسادهم من البلاء والتحلل، وكان ذلك آية دالة على كمال قدرتنا، {بعثناهم} من النوم {ليتساءلوا بينهم} أي: ليسأل بعضُهم بعضًا، فيترتب عليه ما فصّل من الحِكَم البالغة، أو: ليتعرفوا حالهم وما صنع الله بهم، فيزدادوا يقينًا على كمال قدرة الله، ويستبصروا أمر البعث، ويشكروا ما أنعم الله به عليهم. {قال قائلٌ منهم} هو رئيسهم، واسمه: "مكْسلَيمنيا": {كم لبثتمْ} في منامكم؟ لعله قال ذلك؛ لِمَا رأى من مخالفة حالهم، لِمَا هو المعتاد في الجملة، {قالوا} أي: بعضهم: {لبثنا يومًا أو بعض يوم}، قيل: إنما قالوا ذلك؛ لأنهم دخلوا الكهف غُدوة، وكان انتباههم آخر النهار، فقالوا: {لبثنا يومًا}، فلما رأوا أن الشمس لم تغرب بعدُ قالوا: {أو بعض يوم}، وكان ذلك إخبارًا عن ظنِّ غالب، فلم يُعْزَوْا إلى الكذب. {قالوا} أي: بعضٌ آخر منهم، بما سنح له من الأدلة، ولِمَا رأى من طول أظافرهم وشعورهم: {ربكُم أعلمُ بما لبثتم} أي: أنتم لا تعلمون مدة لبثكم، وإنما يعلمها الله - سبحانه -، وهذا رد منهم على الأولين بأجمل ما يكون من حسن الأدب، {فابعثوا أحَدكم بورقكم هذه إِلى المدينة}، أعرضوا عن البحث عن المدة، وأقبلوا على ما يهم في الوقت، والورق: الفضة، مضروبة أو غير مضروبة، ووصْفُها باسم الإشارة يقتضي أنها كانت معينة ليشتري بها قوت ذلك اليوم، وحملها دليل على أن التزود لا ينافي التوكل، وقد كان نبينا صلى الله عليه وسلم يتزود لغار حراء ليتعبد فيه. ثم قالوا: {فلينظر أيُّها} أي: أيُّ أهلها {أزكى طعامًا} أي: أحل وأطيب، أو أكثر وأرخص، {فليأتِكُمْ برزقٍ منه} أي: من ذلك الأزكى طعامًا، {وليتلطف}: وليتكلف اللطفَ في دخول المدينة وشراء الطعام، لئلا يُعرف، {ولا يُشْعِرَنَّ بكم أحدًا}؛ ولا يخبر بكم ولا بمكانكم أحدًا من أهل المدينة، أو: لا يفعل ما يؤدي إلى ذلك. ثم علل النهي بقوله: {إِنهم إِن يَظْهَرُوا عليكم}: يطلعوا عليكم، أو يظفروا بكم، والضمير: للأهل المقدر في "أيها"، أي: إنَّ أهل المدينة إن يظفروا بكم {يَرجُموكم} إن ثبتم على ما أنتم عليه، {أو يُعيدوكم في مِلَّتهمْ} أي: يصيروكم إليها ويدخلوكم فيها؛ كرهًا، كقوله تعالى: {أية : أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا} تفسير : [إبراهيم: 13]، وقيل: كانوا على ملتهم ثم خالفوهم للحق. {ولن تُفلحوا إِذًا}؛ إن دخلتم فيها، ولو بالكره والجبر، {أبدًا}، لا في الدنيا ولا في الآخرة، وفيه من التشديد والتحذير ما لا يخفى. الإشارة: وكذلك بعثنا مَنْ توجه إلينا من نوم الغفلة والجهالة ليتساءلوا بينهم؛ ليتعرفوا ما أنعم الله به عليهم من اليقظة والنجاة من البطالة، فإذا انتبهوا من نوم الغفلة، استصغروا أيام البطالة؛ لأن أيام الغفلة قليلة أمدادها، وإن كثرت آمادها، وفي الحِكَم: "رب عمر اتسعت آماده، وقَلَّْتْ أمداده"، بخلاف زمان اليقظة، فإنه كثيرة أمداده، وإن قلّتْ آماده، فهو طويل؛ معنىً، وإن قلَّ؛ حسًا، ولذلك قال في الحِكَم أيضًا: "ورب عمر قليلةٌ آماده، كثيرةٌ أمداده". وقال أيضًا: "من بورك له في عمره: أدرك في يسيرٍ من الزمان مِنْ مِنَن الله تعالى ما لا يدخل تحت دوائر العبارة ولا تلحقه الإشارة". فإن توقفوا على قوت أشباحهم التمسوا أطيبه وأزكاه وأحله، فإنَّ أكل الحلال يُنور القلوب وينشط الأعضاء للطاعة، وتلطفوا في أخذه من غير مزاحمة ولا حرص ولا تعب، فإنْ أطلعهم الله على سره المكنون من أسرار ذاته بالغوا في إخفائه، حتى لا يُشْعروا به أحدًا من خلقه، غير من هو أهلٌ له؛ لأنهم، إن أظهروه لغيرهم، رجموهم أو أعادوهم إلى ملتهم، بأن يقهروهم إلى الرجوع عن طريق القوم، ولن يفلحوا إذًا أبدًا. وبالله التوفيق. ثمَّ ذكر اطلاع قوم أهل الكهف عليهم
الطوسي
تفسير : قرأ {بورقكم} - بسكون الراء - أبو عمرو وحده وأبو بكر عن عاصم الباقون بكسر الراء. وروي عن أبي عمرو "بورقكم" بادغام القاف في الكاف. وفي "ورقكم" اربع لغات - فتح الواو وكسر الراء - وهو الأصل. وفتح الواو وسكون الراء. وكسر الواو وسكون الراء. والادغام. فالورق الدراهم، ويقال ايضاً بفتح الراء، ويجمع اوراق. ورجل وراق كثير الدراهم. فأما ما يكتب فيه فهو (الورق) بفتح الراء لا غير. والورق الغلمان الملاح. وقيل الورق - بفتح الراء - المال كله المواشي وغيرها قال العجاج: شعر : اغفر خطاياي وطوح ورقي تفسير : في قصة أهل الكهف اعتبار ودلالة على أن من قدر على نقض العادة - بتلك المعجزة - قادر لا يعجزه شيء، وإن التدبير يجري بحسب الاختيار، لا بايجاب الطبائع، كما يتوهمه بعض الجهال، لانه على تدبير مختار، كما يدل على تدبير عالم. ووجه التشبيه في قوله {وكذلك بعثناهم} أي كما حفظنا احوالهم تلك المدة {بعثناهم} من تلك الرقدة، لان أحد الامرين كالآخر في أنه لا يقدر عليه إلا الله تعالى. بين الله تعالى أنه بعث أهل الكهف بعد نومهم الطويل ورقدتهم البعيدة ليسأل بعضهم بعضاً عن مدة مقامهم، فيتنبهوا بذلك على معرفة صانعهم إن كانوا كفاراً. وإن كانوا مؤمنين تثبتوا زيادة على ما معهم، ويزدادوا يقيناً الى يقينهم. وقال البلخي: اللام في قوله {ليتسألوا} لام العاقبة، لأن التساؤل بينهم قد وقع. ثم اخبر تعالى أن قائلا منهم قال: للباقين {كم لبثتم} مستفهماً لهم، فقالوا في جوابه: {لبثنا يوماً أو بعض يوم} وانما اخبروا بذلك من غير أن يعلموا صحته، لأن الاخبار في مثل هذا عن غالب الظن وعلى ذلك وقع السؤال، لان النائم لا يدري، ولا يتحقق مقدار نومه إلا على غالب الظن. وقيل أنهم لما ناموا كان عند طلوع الشمس فلما انتبهوا كانت الشمس دنت للغروب بقليل. فلذلك قالوا: يوماً أو بعض يوم - ذكره الحسن -. وقيل ايضاً إن الخبر بأنهم قالوا لبثنا يوماً أو بعض يوم ليس ينافى انهم لبثوا مدة طويلة، لان المدة الطويلة تأتي على قصيرة وتزيد عليها لا محالة. ثم قالوا {ربكم أعلم بما لبثتم} ومعناه ان الذي خلقكم اعرف بمدة لبثكم على التحقيق. والاعلم هو من كانت علومه اكثر أو صفاته في كونه عالماً أزيد. وقيل: إن الاعلم هو من كانت معلوماته اكثر، وهذا ليس بصحيح، لانه يلزم انه عالم من اجل العلوم. ثم قال بعضهم لبعض {فابعثوا احدكم بورقكم هذه الى المدينة فلينظر أيها أزكى طعاماً} وقيل في معناه قولان: احدهما - قال قتادة: {أزكى} أجل وخير. والثاني - ايها أنمى طعاماً بأنه طاهر حلال، لانهم كانوا يذبحون للاوثان، وهم كفار أرجاس. وقيل معناه ايها اكثر فان الزكاء والنماء الزيادة. {فليأتكم برزق منه وليتلطف} في شرائه واخفاء أمره {ولا يشعرن بكم احداً} أي لا يعلمن بمكانكم أحداً. وقيل: المعنى وإن ظهر عليه فلا يوقعن اخوانه فيما وقع فيه لانهم {إن يظهروا عليكم} ويعلموا بمكانكم {يرجموكم}. قال الحسن: معناه يرجموكم بالحجارة. وقال ابن جريج: يشتموكم ويؤذوكم بالقول القبيح {أو يعيدوكم في ملتهم} اي يردوكم في عبادة الاصنام. ومتى فعلتم ذلك {لن تفلحوا} بعد ذلك {أبداً} ولا تفوزوا بشيء من الخير. ثم قال: {وكذلك اعثرنا عليهم ليعلموا أن وعد الله حق} ومعناه انا كما فعلنا بهم ما مضى ذكره، مثل ذلك اظهرنا عليهم واطلعنا عليهم، ليعلم الذين يكذبون بالعث {أن وعد الله حق} ويزداد المؤمنون ايماناً، والتقدير، ليستدلوا بما يؤديهم الى العلم بأن الوعد فى قيام الساعة حق كما قبضت ارواح هؤلاء الفتية تلك المدة. ثم بعثوا كأنهم لم يزالوا أحياء على تلك الصفة. وقوله {إذ يتنازعون بينهم أمرهم} يجوز أن تكون {إذ} نصباً بـ {يعلموا} في وقت منازعتهم. ويجوز أن يكون بقوله {أعثرنا} والتقدير: وكذلك اطلعنا إذ وقعت المنازعة في امرهم. والمعنى انهم لما ظهروا عليهم وعرفوا خبرهم اماتهم الله في الكهف، فاختلف الذين ظهروا على امرهم من اهل مدينتهم من المؤمنين وهم الذين غلبوا على امرهم. وقيل رؤساؤهم الذين استولوا على امرهم. فقال بعضهم: ابنوا عليهم مسجداً ليصلي فيه المؤمنون تبركاً بهم. وقيل إن النزاع كان فى ان بعضهم قال: قد ماتوا فى الكهف. وبعضهم قال: لا بل هم نيام كما كانوا، فقال عند ذلك بعضهم: إن الذي خلقهم وانامهم وبعثهم اعلم بحالهم وكيفية امرهم، فقال عند ذلك الذين غلبوا على امرهم من رؤسائهم لنتخذن عليهم مسجداً. وروي انهم لما جاؤا الى فم الغار دخل صاحبهم اليهم واخبرهم بما كانوا عنه غافلين مدة مفامهم، فسألوا الله تعالى ان يعيدهم الى حالتهم الاولى فاعادهم اليها، وحال بين من قصدهم وبين الوصول الهيم بأن اضلهم عن الطريق الى الكهف الذي كانوا فيه، فلم يهتدوا اليهم. وقيل انهم لما دخلوا الغار سدوا على نفوسهم بالحجارة فلم يهتد احد اليهم لذلك.
الجنابذي
تفسير : {وَكَذٰلِكَ بَعَثْنَاهُمْ} يعنى كما انمناهم آية غريبة بعثناهم آية اخرى {لِيَتَسَآءَلُوا بَيْنَهُمْ} عن حالهم فيعرفوا انّ حالم اغرب من ان يعرف، وانّ صنع الله بهم لا يعرف كنهه ويزداد يقينهم فى امر البعث {قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ كَم لَبِثْتُمْ قَالُواْ} اى الآخرون {لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ} بناءً على ما هو المعتاد من النّوم وذلك قبل ان نظروا الى تغيّر حالهم وطول شعورهم واظفارهم وبعد ما نظروا الى ذلك {قَالُواْ رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ} والاوّل كان لبعضهم وهذا لبعضٍ آخر، ولمّا رأوا انّه لا طريق لهم الى معرفة ذلك اعرضوا عنه واخذوا فيما يهمّهم من الحاجة الى الغذاء وقالوا {فَٱبْعَثُواْ} يعنى اذا لم تقدروا على معرفة ذلك فابعثوا {أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَـٰذِهِ} الورق الفضّة المسكوكة {إِلَىٰ ٱلْمَدِينَةِ} واسمها كما نقل كان طرسوس او افسوس {فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَآ} اىّ اهلها او اىّ الاطعمة {أَزْكَىٰ طَعَاماً فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِّنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ} فى المعاملة حتّى لا يغبن او فى التّخفىّ حتّى لا يعرف {وَلاَ يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَداً إِنَّهُمْ إِن يَظْهَرُواْ عَلَيْكُمْ} ان يطّلعوا او يظفروا بكم {يَرْجُمُوكُمْ} يقتلوكم اشدّ قتلةٍ {أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ} وقد انعم الله عليكم بالنّجاة منها {وَلَن تُفْلِحُوۤاْ إِذاً أَبَداً وَكَذٰلِكَ} يعنى مثل اطّلاعنا ايّاهم على حالهم وطول مدّة منامهم ليزدادوا بصيرة بقدرتنا وعودهم الينا {أَعْثَرْنَا} غيرهم {عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوۤاْ} يعنى المطّلعين {أَنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ} بالبعث والاحياء بعد الاماتة {حَقٌّ وَأَنَّ ٱلسَّاعَةَ لاَ رَيْبَ فِيهَا} فى اتيانها، روى انّه قد رجع الى الدّنيا ممّن مات خلق كثير منهم اصحاب الكهف اماتهم الله ثلاثمائة عام وتسعةً ثمّ بعثهم فى زمان قومٍ انكروا البعث ليريهم قدرته؛ وهذا الخبر يدلّ على انّهم ماتوا فى تلك المدّة كما انّ بعض الاخبار يدلّ على انّهم ناموا، ونقل انّ المبعوث لمّا دخل المدينة انكرها وتحيّروا خرج الدّرهم وكان عليه اسم دقيانوس فاتّهموه بانّه رأى كنزاً واخذوه وذهبوا به الى الملك وكان نصرانيّاً موحّداً فقصّ القصّة عليه فقال بعض الحاضرين: انّ آباءنا اخبرونا انّ جماعةً فرّوا فى زمن دقيانوس بدينهم لعلّهم هؤلاء، فانطلق الملك واهل المدنية جميعاً الى الكهف ورأوهم وكلّموهم ثمّ قال الفتية نستودعك الله ايّها الملك، ورجعوا الى مضاجعهم فماتوا ودفنهم الملك، وقيل: تقدّمهم المبعوث، وقال اخبرهم لئلاّ يفزعوا فعمى عليهم باب الكهف فبنوا هناك مسجداً {إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ} ظرف لأعثرنا والمعنى اعثرنا عليهم اذ يتنازع الفتية امر نومهم قلّةً وكثرةً او يتنازع اهل البلد امر الفتية من حيث دفنهم وتركهم كما كانوا واخذ المسجد عليهم، او اذ يتنازع المطّلعون امر دنيهم وامر البعث بينهم بالانكار والاقرار ببعث الارواح دون الاجساد او بعث الارواح والاجساد جميعاً او ظرف ليلعموا، والمعنى ليعلم الفتية علماً شهوديّاً بعد ما كانوا علموا يقينيّاً اذ يتنازعون بينهم امرهم فى نومهم ومدّته، او ليعلم المطّلعون انّ وعد الله حقّ اذ يتنازعون بينهم امر بعثهم {فَقَالُواْ ٱبْنُواْ} عطف على يتنازعون عطف التّفصيل على الاجمال على بعض الوجوه، او عطف على اعثرنا {عَلَيْهِمْ بُنْيَاناً} يحفظ اجسادهم من السّباع والانظار {رَّبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ} من تتمّة قولهم يعنى اتركوهم على حالهم ولا تجسّسوا وابنوا عليهم بنياناً، او معترضة من الله يعنى ربّ الفتية اعلم بحال الفتية او بحال امتنازعين فيهم، او ربّ المتنازعين اعلم بحالهم من ارادة الخير او الشّرّ فى نزاعهم وما قالوه {قَالَ ٱلَّذِينَ غَلَبُواْ عَلَىٰ أَمْرِهِمْ} امر الفتية او امر اهل البلد من الرّؤساء، او قال الّذين غلبوا على امر انفسهم بالاسلام وغلبتهم على الشّيطان {لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَّسْجِداً} معبداً يعبد فيه ويزار ويتبرّك.
الأعقم
تفسير : {وكذلك بعثناهم} أي أيقظناهم من رقدتهم {ليتساءلوا بينهم} يعني يسأل بعضهم بعضاً، ويتعرفون حالهم، وما صنع الله بهم {قال قائل منهم كم لبثتم} في نومكم {قالوا لبثنا يوماً أو بعض يوم}، قيل: أخبروا بذلك عن غالب ظنهم ولذلك وقع السؤال لأن النائم لا يعلم مقدار لبثه، وقيل: إنهم دخلوا غدوة وناموا واستيقظوا في آخر النهار رأوا الشمس فقالوا: {أو بعض يوم}، وقيل: دخلوا الكهف بعد زوال الشمس وانتبهوا في آخر النهار {ربكم أعلم بما لبثتم} إنكاراً عليهم من بعضهم وأن الله أعلم بمدة لبثهم، وقيل: رئيسهم لما سمع الاختلاف بينهم قال ذلك، وقيل: نظروا إلى أظفارهم وشعورهم فعلموا أن لبثهم أكثر من يوم فقالوا: {ربكم أعلم بما لبثتم فابعثوا أحدكم بورقكم} يعني أرسلوا احدكم، وقيل: يمليخا صاحب نفقاتهم، والورق الفضة مضروبة كانت أو غير مضروبة {هذه إلى المدينة} هي التي أخرجوا منها، قيل: تسمى إقسوس {فلينظر أيُّها أزكى طعاماً} أي لينظر هذا الذي بعثوه الى أطعمتهم {أيها أزكى} أجل وأطيب وأكثر وأرخص، وقيل: أحلّ ذبيحة لأن عامتهم كانوا مجوساً وفيهم قوم مؤمنون يخفون إيمانهم عن ابن عباس وسعيد بن جبير {وليتلطَّف} في أمر المبايعة حتى لا يعين أو في أمر التخفي حتى لا يعرف {ولا يشعرنَّ بكم أحداً} أي لا يعلمن بكم أحداً كيلا يفتِنَهم، وأخبروا عن أهل البلد عن غالب ظنهم {إنهم إِن يظهروا عليكم} يعلموا مكانكم أهل المدينة وأصحاب الملك {يرجموكم بالحجارة} يعني يقتلوكم ويؤذوكم {أو يعيدوكم} يردوكم {في ملّتهم} في دينهم {ولن تفلحوا إذاً أبداً} إن عدتم في ملتهم {وكذلك أعثرنا عليهم} أي أطلعنا عليهم أهل البلد حتى رأوهم وعلموا حالهم {ليعلموا أن وعد الله حق} أي ليستدلوا بحالهم على صحة البعث وإن وعد الله بإحياء الخلق بعد الموت حق فيعلمون ذلك، ومتى قيل: لم أضاف العثور عليهم اليه؟ قالوا: لأن أهل البلد إنما عثروا عليهم بألطافه فيستدلوا بذلك على صحة البعث {وإن الساعة لا ريب فيها} أي القيامة لا شك فيها {إذ يتنازعون بينهم}، قيل: لما ظهروا عليهم أماتهم الله تعالى فاختلفوا قال المسلمون: نتخذ عليهم مسجداً فهم على ديننا، وقال المشركون: هم على ديننا وهذا تنازعهم، وقيل: يتنازعوا المسلمون والكفار في البعث، وقيل: تنازعوا في قدر لبثهم ومكثهم، وقيل: في عددهم، وقيل: قال بعضهم: ماتوا في الكهف، وقال بعضهم: عادوا نياماً {فقالوا ابنوا عليهم بنياناً ربهم أعلم بهم} أحياء أم نيام، وقيل: لما رأوهم عادوا نياماً، وقيل: بل ماتوا، وقيل: لا يموتون إلى يوم القيامة، وقيل: هذا من كلام المتنازعين في أمرهم، أو من كلام الله عز وجل رد لقول المخلصين، أو من الذين تنازعوا فيهم على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) {قال الذين غلبوا على أمرهم}، قيل: الملك المسلم وأصحابه، وقيل: رؤساء البلد {لنتخذنَّ عليهم مسجداً} أي متعبداً أو موضعاً للسجود والعبادة اتخذوا على باب الكهف مسجداً يصلي فيه المسلمون.
الهواري
تفسير : {وَكَذَلِكَ} أي: بهيئاتهم { بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ}. وكانوا دخلوا الكهف في أول النهار. قال: فنظروا فإذا هو قد بقي من الشمس بقيّة، فقالوا: أو بعض يوم. ثم إنهم شكّوا، فردّوا علم ذلك إلى الله فـ { قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ} يقوله بعضهم لبعض. قال: {فَابْعَثُوا أَحَدَكُم بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ} أي: بدراهمكم هذه {إِلَى المَدِينَةِ} وكانت معهم دراهم {فَلْيَنظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَاماً} قال بعضهم: أحل طعاماً، وقد كان من طعام قومهم ما لا يستحلون أكله قط. وقال بعضهم: أزكى أي: أطيب { فَلْيَأْتِكُم بِرِزْقٍ مِّنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلاَ يُشْعِرَنَّ} أي: لا يعلمنّ { بِكُمْ أَحَداً إِنَّهُمْ إِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ} أي: يطلعوا عليكم { يَرْجُمُوكُمْ} أي: يقتلوكم بالحجارة {أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ} أي: في الكفر { وَلَن تُفْلِحُوا إِذاً أَبَداً} أي: إن فعلتم ذلك. قال: { وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ} أي: أطلعنا عليهم، أي: على أصحاب الكهف، أي: أطلعنا أهل ذلك الزمان الذي أحياهم الله فيه، وليس بحياة النشور. قال: { لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لاَ رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ}. وكانت تلك الأمة الذين هربوا منهم قد بادت، وخلفت من بعدهم أمة أخرى، وكانوا على الإِسلام. ثم إنهم اختلفوا في البعث؛ فقال بعضهم: يُبعث الناس في أجسادهم، وهؤلاء المؤمنون، وكان الملك منهم، وقال بعضهم: تبعث الأرواح بغير أجساد، فكفروا. وهذا قول أهل الكتاب اليوم؛ فاختلفوا. فبعث الله أصحاب الكهف آية ليُعلِمهم أن الناس يُبعثون في أجسادهم، وقال في آية أخرى: (أية : يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ)تفسير : [النبأ:38] أي: روح كل شيء في جسده، وهو قوله: (أية : يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ العَالَمِينَ) تفسير : [المطفّفين:6]. فلما بعث أصحابُ الكهف صاحبَهم بالدراهم ليشتري بها طعاماً، وهم يرون أنها تلك الأمّة المشركة الذين فرّوا منهم، أمروا صاحبهم أن يتلطّف ولا يشعرنّ بهم أحداً. فلما دخل المدينة، وهي مدينة بالروح يقال لها فسوس، وكان ملكهم يقال له دقيانوس، فأخرج الدراهم ليشتري بها الطعام اسْتُنْكِرَت الدراهم، فأُخِذ وذُهِب به إلى ملك المدينة، فإذا الدراهم دراهم الملك الذي فرّوا منه، فقالوا: هذا رجل وجد كنزاً. فلما خاف على نفسه أن يعذّب أطلع على أصحابه. فقال لهم الملك: إن الله قد بيّن لكم ما اختلفتم فيه، فأعلمكم أن الناس يبعثون في أجسادهم. فركب الملك والناس معه حتى انتهوا إلى الكهف. وتقدمهم الرجل. حتى إذا دخل على أصحابه فرآهم ورأوه ماتوا، لأنهم قد كانت أتت عليهم آجالهم. فقال القوم كيف نصنع بهؤلاء فـ { فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِم بُنْيَاناً رَّبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ} وهم رؤساؤهم وأشرافهم، وقال بعضهم: مؤمنوهم { لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِم مَّسْجِداً}. ذكر عكرمة أنهم كانوا بني الأكفاء والرقباء ملوك الروم، رزقهم الله الإِسلام ففروا بدينهم، واعتزلوا قومهم حتى انتهوا إلى الكهف فضرب الله على أصمختهم فلبثوا دهراً طويلاً حتى هلكت أمتهم، وجاءت أمة مسلمة. وكان ملكهم مسلماً. فاختلفوا في الروح والجسد. فقال قائلون: يبعث الروح والجسد معاً. وقال قائلون: تبعث الأرواح، أما الأجساد فتأكلها الأرض فلا تكون شيئاً. فشق على ملكهم اختلافُهم؛ فانطلق فلبس المسوح، وقعد على الرماد. ثم دعا الله فقال: إنك ترى اختلاف هؤلاء، فابعث لهم آية تبيّن لهم بها. فبعث الله لهم أصحاب الكهف. فبعثوا أحدهم ليشتري لهم من الطعام. فجعل ينكر الوجوه ويعرف الطرق، ورأى الإِيمان في المدينة ظاهراً. فانطلق. وهو مستخف، حتى انتهى إلى رجل ليشتري من طعامه. فلما أبصر صاحب الطعام الورِق أنكرها. قال له الفتى أليس ملككم فلاناً؟ قال الرجل: بل ملكنا فلان. فلم يزل ذلك بينهما حتى رفعه إلى الملك. فأخبره صاحب الكهف بحديثه وأمره. فبعث الملك في الناس فجمعهم فقال: إنكم اختلفتم في الروح والجسد، وإن الله قد بعث لكم آية وبيّن لكم الذي اختلفتم فيه؛ فهذا رجل من قوم فلان، يعني ملكهم الذي مضى. فقال صاحب الكهف: انطلقوا إلى أصحابي. فركب الملك وركب الناس حتى انتهوا إلى الكهف. فقال الرجل: دعوني حتى أدخل إلى أصحابي. فلما أبصرهم وأبصروه ضرب الله على أصمختهم. [فلما استبطأوه] دخل الملك ودخل الناس معه، فإذا أجساد لا ينكرون منها شيئاً، غير أنه لا أرواح فيها. فقال الملك: هذه آية بعثها الله لكم. {قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِم}، وهو ملوكهم وأشرافهم {لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِم مَّسْجِداً}.
اطفيش
تفسير : {وَكذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ} أى بعثناهم من نومهم كما أنمناهم تلك الإنامة دلالة على كمال قدرتنا {لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ} أى ليسأل بعضهم بعضا عن حالهم ومدة لبثهم فيعرفهم مدة اللبث الذى أرسلوه بالورِق إلى المدينة فيزدادوا يقينا وإيمانا بالبعث وكمال القدرة ويشكروا نعمة الله. {قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ} هو كبيرهم فيما قيل واسمه مكشلينا. وقيل: كمسلمينا. {كَمْ لَبِثْتُمْ} فى نومكم كم هنا ظرف زمان منزل منزلة المفعول به وهى للاستفهام متعلق بلبثم أى كم ساعة أَو نحو ذلك قيل: إنهم استكثروا نومهم يتساءلوا عن مدته وقيل: راعهم ما فاتهم من الصلاة فقال ذلك. {قَالُوا لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ} بناء على غالب ظنهم لأن النائم لا يدرى كم نام إلا بدليل يراه وفى ذلك دليل على جواز الاجتهاد والقول بالظن الغالب وأنه لا يكون كذبا وإن جاز أن يكون خطأ قاله الزمخشرى ولما لم يتحققوا مدة اللبث ردوا العلم إلى الله. {قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ} منكم لأنكم ولو علمتم لكن بظن أو أعلم بمعنى علم أى ربكم عالم دونكم. {بِمَا لَبِثْتمْ} ما مصدرية أى بلبثكم ويقدر مضاف أى بمقدار لبثكم أو مدة لبثكم أو اسم أى بالزمان الذى لبثتموه وإنما كان العائد الهاء المحذوفة العائدة للزمان لأنها نُزِّلت منزلة المفعول به ولو عادت للزمان ولذلك ساغ حذفها. ويجوز أن يكون لبثا يوما أو بعض يوم قول بعض وربكم أعلم بما لبثتم قول آخرين منكرين عليهم الدخول فيما لا علم به لا على سبيل التحريم بل على سبيل التنزه لعدم موجب الدخول فيه. وقد روى أن كبيرهم المذكور سمع الاختلاف بينهم فقال: دعوا الاختلاف ربكم أعلم بما لبثتم. وقيل: دخلوا الكهف غُدوة فانتهوا بعد الزوال فظنوا أنهم فى يومهم وهو قولهم: أَو بعض يوم أو أنهم فى اليوم بعده وهو قولهم: لبثنا يوما فلم يذكروا بعض الذى بعده لأن أو للشك كما هو المتبادر. ولك أن تجعل أو بمعنى بل أو للتنويع باعتبار الكل والبعض فيكونون قد ذكروا بعض الذى بعده ومذهب سيبويه أنه لا تأتى بمعنى بل إلا إن أعيد الفاعل وتقدم نفى أو نهى. ويجوز كونها بمعنى الواو فيكونون قد ذكروه ولما نظروا طول أظفارهم وأشعارهم قالوا: ربكم أعلم بما لبثتم وقيل: قالوا لبثنا يوما فنظروا الشمس بقى منها بقية بأَن خرجوا إلى موضع ترى منه فقالوا: أو بعض يوم ولما نظروا طول أظفارهم وشعورهم علموا أنهم لبثوا أكثر من يوم فقالوا: ربكم أعلم بما لبثتم وذلك أظهر من أن يقال: علموا بإلهام أن المدة متطاولة وأن مقدارها مبهم لا يعلمه إلا الله ثم أخذوا بعد التحاور فيما يهمهم فقالوا: {فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ} فبعثوا تمليخا فقد بان لك وجه تفريع هذا على قولهم: ربكم أعلم بما لبثتم فكأنهم قالوا: دعوا الكلام فيما اختص الله بعلمه فإنكم لا تتحصلون منه على شئ وخذوا فيما يهمكم فابعثوا أحدكم. {بِوَرِقِكُمْ} فضتكم وهى دراهم مضروبة ويطلق أيضا على الفضة غير مضروبة والمراد هنا الأول والله أعلم. وقرأ أبو بكر وحمزة وأبو عمرو ووجّ عن يعقوب بإسكان الراء. وقرأه بعضهم بكسر الواو وإسكان الراء وليس من السبعة ولا من العشرة وكذا قراءة بعضهم ونسبت لابن محيصن بكسر الواو وإسكان الراء وإبدال القاف كافا وإدغام الكاف فى الكاف وهو غير جائز لالتقاء الساكنين على غير حدة وقراءة بعضهم بفتح الواو وكسر الراء وإدغام القاف بعد الإبدال وكونها به قراءة خارجة عن السبعة والعشرة هو الذى خفظت وهو ظاهر قول الإمام أبى عمرو الدانى أبو عمر ويعنى ابن العلا وأبو بكر وحمزة بورقكم بإسكان الراء والباقون بكسرها فظاهر قول القاضى إذ قال: إنه قرئ كذلك ولم ينسبه لواحد من العشرة وعادته أنه يصرح باسم القارئ إذا كان منهم. وقال الزمخشرى: إنها قراءة ابن كثير. {هذِهِ} بدل أو بيان أو نعت وجاز تأنيث الورِق لأنه فضة {إِلَى الْمَدِينَةِ} طرسوس بفتح الراء وتسمى قبل الإسلام أفسوس بالفاء أو بالقاف وليست مصاحبتهم لهذه الورق منافيه للتوكل لأنها حفظ للمال وتضييع المال إسراف محرم وإن كانت بنية فالتزود أيضا غير مناف للتوكل لأنه عمل الجارحة والتوكل إنا هو أمر قلبى ويتعين أنها تزوّد إن قيل: إنها من أموال آبائهم. اشتد شوق عالم فقير إلى الحج فكانت أغنياء بلده كلما أراد جماعة منهم الحج أتوه وعرضوا عليه ما يحتج به فيرده عليهم فإذا تفرقوا عنه قال: ما عندى لهذا السفر إلا شيئان مثل الهِميان والتوكل على الرحمن. والهميان: وعاء الدراهم يعنى شد الهِميان من كفافه. وسئلت عائشة عن مُحْرِم يشد عليه هِميانَه فقالت: أوثق عليك نفقتك بل من خرج بلا زاد طامعا فى الناس متوكل عليهم ومن خرج بلا زاد منفردا أو كان لا يقبل عطاء وهو غير متعود لأكل نحو الحشيش إن مات بذلك فقد قتل نفسه. {فلْيَنْظُرْ أَيُّهَا} يعنى أى مواضعها أو أى أسواقها هذا ما أقول وقال غيرى: أى أطعمتها ولا يضعفه التمييز بطعاما بعد لأن لفظ الأطعمة غير مذكور بل لو ذكر كان كقوله عز وعلا: {أية : إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا} تفسير : وقال غيرى أيضا أى أهلها وعلى كل فأى مبتدأ استفهامية وخبرها اسم التفضيل بعدها والجملة مفعول ينظر علق على الجملة بالاستفهام لأنه من النظر بمعنى العلم والتدبر فهو قلبى بل يجوز هذا أيضا فى فعل البصر وهو وجه ممكن هنا ولو اشتهر أن التعليق يختص بفعل القلب وعلى الأول فالمفعول هنا مقيد بالجار لأنه يقال: نظرت فيه. قال ابن هشام: وزعم ابن عصفور أنه لا يعلق فعل غير علم وظن حتى يضَّمن معناهما وعلى هذا فتكون الجملة سادّة مسد المفعولين. {أَزْكَى طَعاماً} أطهر وأبعد عن النجس والحرام والريبة وقد قيل: أمروه أن يطلب ذبيحة مؤمن لا ذبيحة من يذبح على الأصنام على أن فى المدينة مؤمنين يخفون إيمانهم وقيل: أجود طعاما وأفضل وقيل: أكثر وأرخص. {فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ} تتقوتون به والهاء عائدة إلى أى. {وَلْيَتَلَطَّفْ} يكتسب اللطف وهو الرفق ما قدر فى طريقه إلى المدينة وفيها وفى كلامه حتى لا يعرفه أحد ثم صرحوا له لأن المراد بالتلطف أن لا يُعْلِم بهم أحدا كما قال: {وَلاَ يُشْعِرَنَّ} يعلمن {بِكُمْ أَحَداً} من الكفار أى لا يفعل ولا يقول ما يؤدى إلى أن يعلم بنا أحد فإنهم لا يشكّون أن يتعمد ويقصد إشعار أحدهم فعبر بالإشعار عن سببه. وقيل: يجوز أن يكون معنى التلطف الحذر فى المعاملة لئلا يغبن وفيه عندى ضعف لأن القدر الواجب من القيام على النفس فى المبايعة لا يخلو عند رسولهم أيا كان منهم والتأكيد فى ذلك مع علمهم به حرص على الدنيا ورغبة اللهم إلا إن كانوا لا يعتادون المبايعة فحذروا من يرسلونه منهم أن يغبن.
اطفيش
تفسير : {وَكَذَلِكَ} كما أنمناهم، أو أمتناهم آية لتطاول المدة {بَعَثْنَاهُمْ} أيقظناهم أو أحييناهم {لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ} يديروا السؤال بينهم عن حالهم، ومدة لبثهم، فيتوصلوا إلى ذكر حفظ الله لهم عن دقيانوس، وبعد أن يعلموا طول المدة يزدادون شكراً فى توفيقهم إلى الحق من البعث، وأن الله هو الرب، وأن له القدرة التامة. {قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ} مكسلمينا وهو كبيرهم ورئيسهم، ويناسبه عادة أن تمليخا دونه ودونهم فى الشرف، إِذ كانوا يبعثونه لشراء الطعام، لكن قد يكون ذلك لأنه أعرف بالطرق والإخفاء، وقيل: القائل صاحب نفقتهم تمليخا والمعنى: قال لباقيهم، وهو تابع لما قد يصح من قولهم إن قالوا ووافقوا الحق إِلا أنهم لم يعلموا إلا بعد الإكشاف للناس. {كَمْ لَبِثْتُمْ} يا أصحابى وأنا معكم فى الحساب، كم ظرف زمان أى كم زمانًا، أو كم مدة أو مفعول مطلق، أى كم لَبْثٍ لبثتُه وذلك أن الزمان والمدة واللبث تطلق على أدق دقيق، وتطلق على قطع من ذلك، أو يقدر كم يومًا. {قَالُوا} أى الباقون {لَبِثْنَا} وأنت معنا، أو لبثنا نحن وأنت {يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ} أو للشك على الصحيح، وتحتمل تنوع القول أى قال بعض يومًا، وقال بعضهم بعض يوم، وهو ضعيف، وقيل للإضراب، ومع ضعفه هو أولى من التنويع، وكلاهما لا دليل عليه، ويقال قالوا: لبثنا بعض يوم، وفيه تفسير البعض بالأكثر، وذلك أنهم دخلوه عند طلوعها، وبعثوا عند غروبها، ثم تأمَّلوا شعورهم وأظفارهم، فعرفوا أن المدة طالت، ولم يدروا كم هى فقالوا كما قال اله عز وجل عنهم، وقيل: راعَهم ما فاتهم من الصلاة فقالوا ذلك. {قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ} بلبثكم أَى بمدة لبثكم، أو بمدة لبثتموها، أو بالمدة التى لبثتموها، وقد مر تصحيح أنهم لم يتغيروا بزيادة ولا نقص، وذلك فى حال لم يجعل لهم الله هيبة، فعليه لم تطل شعورهم وأظفارهم، وإن صح أنها طالت فلعلهم لم ينتبهوا لها عقب إيقاظهم، أو انتبهوا لها فقالوا: {ربكم أعلم} إلخ، ومر أنه قليل يدخل عليهم فتقص شعورهم وأظفارهم، ويقال يقلبون فى كل جمعة أو فى كل شهر أو فى كل عام، ولا يصح من ذلك شئ. {فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا} بعثوا تمليخا والورق الفضة يؤنث كما هنا ويذكر، وهى الفضة مسكوكة كما هنا، وهى حافر البغل أو غير مسكوكة، والكسب لا ينافى التوكل لأن المتوكل يعتقد أن كسبه لا ينفع ولا يؤثر إن لم ينفعه الله به، ولم يؤثره والمدينة طرسوس - بفتح الراء - من بلاد الروم، ولينظر أى أهلها فحذف المضاف أزكى طعاما: أحلى، وأرخص، وأكثر، وأحل، لأنهم نشأوا على ذلك، أو أرادوا الحل فقط لا ربا ولا مغصوبا ونحوهما من المحرمات. وعن الضحاك كان أكثر مال أهلها غصبا، وهم زهاد بعد الهروب، أو تحرزوا عن الذبائح التى تذبح للأصنام، وعن لحم الخنزير، وقيل: الأزكى الأرز، وقيل: التمر، وقيل: الزبيب، وفى المدينة مؤمنون خفيون وكافرون فيما قيل حين هربوا وهو عن ابن عباس، ويقال فيها مسلمون مستخفون ومجوس، والإشارة إلى دراهمهم التى أخذوها من بيوت آبائهم حين هربوا بل إِلى ما بقى منها بعد صرف ما صرفوا، وضعوها عند رءوسهم فوجدوها حين بعثهم الله. وقيل: المدينة أفسوس بضم الهمزة وإسكان الفاء، وقيل: هما واحدة تسمى فى الجاهلية أفسوف، وفى الإسلام أو عند العرب طرسوس، وهذا يحتاج إلى نقل صحيح، والظاهر التغاير، ومنها خرجوا، وقيل غير التى خرجوا، والصحيح الأول وأى موصولة حذف صدر صلتها أو استفهامية علق عنها النظر على أنه قلبى وهو الظاهر، والآية من باب الأسلوب الحكيم، ويقال أسلوب الحكم، ويقال أسلوب الحكم بالإضافة، وفى الأول تجوز فى الإسناد، وذلك الأسلوب هو تلقى المخاطب بما ليس مناسبًا لكلامه، لحمله على وجه آخر لحكمة. ولذلك حصل اتصالها بما قبلها حتى فرعت بالفاء لما التبس الأمر عليهم فى مدة اللبث، قالوا خذوا فى الأهم، وهو تحصيل المأكول، كما قال الحجاج لرجل: لأحملنك على الأدهم، يعنى الحديد يقيده به، فقال الرجل: مثل الأمير يحمل على الأدهم والأشهب، والأدهم الفرس الأسود، ودل له ذكر الأشهب أى الفرس الأبيض. {فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ} ما نأكله، والهاء للطعام، ومن للابتداء أو للتبعيض، وقيل: الهاء له أو للورق، كما مر أنه يذكر ويؤنث، فمن للبدل {وَلْيَتَلَطَّفْ} يحتل فى المعاملة لئلا يغبن، وفى التخفى لئلا يعرف فيها أو فى الذهاب، أو الرجوع. {وَلاَ يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا} تصريحًا ولا كناية، أو تلويحًا بما يعرفوننا به ولا بالتقصير فى الإخفاء، وعللوا ذلك بقولهم: {إِنَّهُمْ} إن أهل المدينة التى خرجوا منها {إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ} أى يطلعوا عليكم بالمعرفة بعد الخفاء، أو إن تغلبوا عليكم بالظفر بكم {يَرْجُمُوكُمْ} أى بالحجارة حتى تموتوا {أَوْ يُعِيدُوكُمْ} يصيِّروكم، أو قال ذلك لأنهم كانوا قبل ذلك فيها، وإن لم يبلغوا فلنشأتهم معهم، ومتابعتهم، ولو كانوا لا ذنب عليهم. {فِى مِلَّتِهِمْ} من الشرك بالقهر حتى تدخلوها، أو تصيروا فى تعب شديد من التقية والمباراة، ولم يقولوا إلى ملتهم، بل فى ملتهم، ذكراً لما هو أشد كراهة منهم، وهو المتمكن فى الكفر {وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا} إِذ دخلتم فيها {أَبَدا} فى الدنيا، ولا فى الآخرة، ولو كانوا يتقون بإظهار الكفر، لأن قلب المسلم يأبى من هذا أيضا، وأيضا بما أدتهم التقية إلى دخول الكفر إلى القلب، وقيل التقية بلفظ الكفر لا يجوز لمن قبلنا، وأيضًا قد لا يكتفون منهم بالقول، بل يجيرونهم على الذبح للأصنام، أو للسجود لغير الله.
الالوسي
تفسير : {وَكَذٰلِكَ بَعَثْنَـٰهُمْ} أي كما أنمناهم هذه الإنامة الطويلة وهي المفهومة مما مر أيقظناهم فالمشبه الإيقاظ والمشبه به الإنامة المشار إليها ووجه الشبه كون كل منهما آية دالة على كمال قدرته الباهرة عز وجل. {لِيَتَسَاءلُوا بَيْنَهُمْ} أي ليسأل بعضهم بعضاً فيترتب عليه ما فصل من الحكم البالغة وجعله علة للبعث المعلل بما سبق فيما سبق قيل من حيث أنه من أحكامه المترتبة عليه والاقتصار على ذكره لاستتباعه لسائر آثاره. وجعل غير واحد اللام للعاقبة، واستظهره الخفاجي وادعى أن من فعل ذلك لاحظ أن الغرض من فعله تعالى شأنه إظهار كمال قدرته لا ما ذكر من التساؤل فتأمل. {قَالَ} استئناف لبيان تساؤلهم {قَائِلٌ مّنْهُمْ} قيل هو كبيرهم مكسلمينا، وقيل صاحب نفقتهم يمليخا {كَمْ لَبِثْتُمْ} أي كم يوماً أقمتم نائمين، وكأنه قال ذلك لما رأى من مخالفة حالهم لما هو المعتاد في الجملة، وقيل راعهم ما فاتهم من الصلاة فقالوا ذلك {قَالُواْ} أي قال بعضهم: {لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ} أو للشك كما قاله غير واحد. والمراد لم نتحقق مقدار لبثنا أي لا ندري أن مدة ذلك هل هي مقدار مدة يوم أو مقدار مدة بعض يوم منه. والظاهر أنهم قالوا ذلك لأن لوثة النوم لم تذهب من بصرهم وبصيرتهم فلم ينظروا إلى الأمارات، وهذا مما لا غبار عليه سواء كان نومهم وانتباههم جميعاً أو أحدهما في النهار أم لا. والمشهور أن نومهم كان غدوة وانتباههم كان آخر النهار، وقيل فلم يدروا أن انتباههم في اليوم الذي ناموا فيه أم في اليوم الذي بعده فقالوا ما قالوا. واعترض بأن ذلك يقتضي أن يكون التردد في بعض يوم ويوم وبعض، ومن هنا قيل إن (أو) للإضراب، وذلك أنهم لما انتبهوا آخر النهار وكانوا في جوف الغار ولوثة النوم لم تفارقهم بعد قالوا قبل النظر {لَبِثْنَا يَوْمًا} ثم لما حققوا أن الشمس لم تغرب بعد قالوا: {أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ} وأنت تعلم أن الظاهر أنها للشك والاعتراض مندفع بإرادة ما سمعت منه، نعم هو في ذلك مجاز. وحكى أبو حيان أنها للتفصيل على معنى قال بعضهم: لبثنا يوماً، وقال آخرون: لبثنا بعض يوم وقول كل مبني على غالب الظن على ما قيل فلا يكون كذباً؛ ولا يخفى أن القول بأنها للتفصيل مما لا يكاد يذهب إليه الذهن، ولا حاجة إلى بناء الأمر على غالب الظن لنفي أن يكون كذباً بناءً على ما ذكرنا من أن المراد لم نتحقق مقداره كما ذكره أهل المعاني في قول النبـي صلى الله عليه وسلم وقد سلم سهواً من صلاة رباعية فقال له ذو اليدين: «أقصرت الصلاة أم نسيت يا رسول الله؟ قال: كل ذلك لم يكن». {قَالُواْ} أي قال بعض آخر منهم استدلالاً أو إلهاماً {رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ} أي أنتم لا تعلمون مدة لبثكم، وإنما يعلمها الله سبحانه، وهذا رد منهم على الأولين على أحسن ما يكون من مراعاة حسن الأدب؛ وبه كما قيل يتحقق التحزب إلى الحزبين المعهودين فيما سبق، وقيل قائل القولين متحد لكن الحالة مختلفة. وتعقب بأنه لا يساعده النظم الكريم فإن الاستئناف في الحكاية والخطاب في المحكي يقضي بأن الكلام جار على منهاج المحاورة والمجاوبة وإلا لقيل ثم قالوا ربنا أعلم بما لبثنا {فَٱبْعَثُواْ أَحَدَكُمْ} أي واحداً منكم ولم يقل واحدكم لإيهامه إرادة سيدكم فكثيراً ما يقال جاء واحد القوم ويراد سيدهم {بِوَرِقِكُمْ} أي بدراهمكم المضروبة كما هو مشهور بين اللغويين، وقيل الورق الفضة مضروبة أو غير مضروبة، واستدل عليه بما وقع في حديث عرفجة أنه لما قطع أنفه اتخذ أنفاً من ورق فأنتن فاتخذ أنفاً من ذهب فإن الظاهر أنه أطلق فيه الورق / على غير المضروب من الفضة، وقول الأصمعي كما حكى عنه القتيبـي الورق في الحديث بفتح الراء، والمراد به الورق الذي يكتب فيه لأن الفضة لا تنتن لا يعول عليه والمنتن الذي ذكره لا صحة له. وقرأ أبو عمرو وحمزة وأبو بكر والحسن والأعمش واليزيدي ويعقوب في رواية وخلف وأبو عبيد وابن سعدان {بِورقكم} بإسكان الراء، وقرأ أبو رجاء بكسر الواو وإسكان الراء وإدغام القاف في الكاف، وكذا إسماعيل عن ابن محيصن، وعنه أيضاً أنه قرأ كذلك إلا أنه كسر الراء لئلا يلزم التقاء الساكنين على غير حده كما في الرواية الأخرى، وبهذا اعترض عليها. وأجيب بأن ذلك جائز وواقع في كلام العرب لكن على شذوذ، وقد قرىء {أية : نِعِمَّا} تفسير : [النساء: 58] بسكون العين والإدغام، وما قيل إنه لا يمكن التلفظ به قيل عليه إنه سهو. وحكى الزجاج أنه قرىء بكسر الواو وسكون الراء من غير إدغام. وقرأ علي كرم الله تعالى وجهه {بوارقكم} على وزن فاعل جعله اسم جمع كباقر وحامل. ووصف الورق بقوله تعالى: {هَـٰذِهِ} يشعر بأن القائل أحضرها ليناولها بعض أصحابه وإشعاره بأنه ناولها إياه بعيد. وفي حملهم لها دليل على أن التأهب لأسباب المعاش لمن خرج من منزله بحمل النفقة ونحوها لا ينافي التوكل على الله تعالى كما في الحديث «حديث : اعقلها وتوكل» تفسير : نعم قال بعض الأجلة: إن توكل الخواص ترك الأسباب بالكلية، ومن ذلك ما روي عن خالد بن الوليد من شرب السم، ومشي سعد بن أبـي وقاص وأبـي مسلم الخولاني بالجيوش على متن البحر ودخول تميم في الغار التي خرجت منه نار الحرة ليردها بأمر عمر رضي الله تعالى عنه. وقد نص الإمام أحمد وإسحاق وغيرهما من الأئمة على جواز دخول المفاوز بغير زاد وترك التكسب والتطبب لمن قوي يقينه وتوكله، وفسر الإمام أحمد التوكل بقطع الاستشراف باليأس من المخلوقين، واستدل عليه بقول إبراهيم عليه السلام حين عرض له جبريل عليه السلام يوم ألقي في النار وقال له: ألك حاجة؟ أما إليك فلا. وليس طرح الأسباب سبيل توكل الخواص عند الصوفية فقط كما يشعر به كلام بعض الفضلاء بل جاء عن غيرهم أيضاً {إِلَىٰ ٱلْمَدِينَةِ} المعهودة وهي المدينة التي خرجوا منها قيل وتسمى الآن طرسوس وكان اسمها يوم خرجوا منها أفسوس، وبهذا يجمع بين الروايتين السابقتين. وكان هذا القول صدر منهم إعراضاً عن التعمق في البحث وإقبالاً على ما يهمهم بحسب الحال كما ينبـىء عنه الفاء، وذكر بعضهم أن ذلك من باب الأسلوب الحكيم كقوله:شعر : أتت تشتكي عندي مزاولة القرى وقد رأت الضيفان ينحون منزلي فقلت كأني ما سمعت كلامها هم الضيف جدي في قراهم وعجلي تفسير : {فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَىٰ طَعَامًا} أي أحل فإن أهل المدينة كانوا في عهدهم يذبحون للطواغيت كما روى سعيد بن منصور وغيره عن ابن عباس، وفي رواية أخرى أنهم كانوا يذبحون الخنازير، وقال الضحاك: إن أكثر أموالهم كانت مغصوبة فأزكى من الزكاة وأصلها النمو والزيادة وهي تكون معنوية أخروية وحسية دنيوية وأريد بها الأولى لما في توخي الحلال من الثواب وحسن العاقبة، وقال ابن السائب ومقاتل: أي أطيب فإن كان بمعنى أحل لأنه يطلق عليه رجع إلى الأول وإن كان بمعناه المتبادر فالزيادة قيل حسية دنيوية، وقال عكرمة: أي أكثر وقال يمان بن ريان أي أرخص، وقال قتادة: أي أجود وهو أجود، وعليه وكذا على سابقيه على ما قيل تكون / الزيادة حسية دنيوية أيضاً زعم بعضهم أنهم عنوا بالأزكى الأرز وقيل التمر وقيل الزبيب، وحسن الظن بالفتية يقتضي أنهم تحروا الحلال، والنظر يحتمل أن يكون من نظر القلب وأن يكون من نظر العين، و(أي) استفهام مبتدأ و {أَزْكَىٰ} خبره والجملة معلق عنها الفعل للاستفهام. وجوز أن يكون (أي) موصولاً مبنياً مفعولاً لينظر و {أَزْكَىٰ} خبر مبتدأ محذوف هو صدر الصلة وضمير {أَيُّهَا} إما للمدينة والكلام على تقدير مضاف أي أي أهلها وإما للمدينة مراداً بها أهلها مجازاً، وفي الكلام استخدام ولا حذف، وإما لما يفهم من سياق الكلام كأنه قيل فلينظر أي الأطعمة أو المأكل أزكى طعاماً. {فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مّنْهُ} أي من ذلك الأزكى طعاماً فمن لابتداء الغاية أو التبعيض، وقيل الضمير للورق فيكون من للبدل، ثم إن الفتية إن لم يكن تحروا الحلال سابقاً فليكن مرادهم بالرزق هنا الحلال وإن لم يكن مختصاً به عندنا. واستدل بالآية - وسيأتي إن شاء الله تعالى ما يعلم منه ما فيه - على صحة الوكالة والنيابة. قال ابن العربـي: وهي أقوى آية في ذلك وفيها كما قال إلكيا دليل على جواز خلط دراهم الجماعة والشراء بها والأكل من الطعام الذي بينهم بالشركة وإن تفاوتوا في الأكل نعم لا بأس للأكول أن يزيد حصته من الدراهم {وَلْيَتَلَطَّفْ} أي وليتكلف اللطف في المعاملة كيلا تقع خصومة تجر إلى معرفته أو ليتكلف اللطف في الاستخفاء دخولاً وخروجاً، وقيل ليتكلف ذلك كي لا يغبن فيكون قوله تعالى: {وَلاَ يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا} أي لا يفعلن ما يؤدي إلى شعور أحد من أهل المدينة بكم تأسيساً على هذا وهو على الأولين تأكيد للأمر بالتلطف وتفسيره بما ذكر من باب الكناية نحو لا أرينك هٰهنا وفسره الإمام بلا يخبرن بكم أحداً فهو على ظاهره، وقرأ الحسن {وليتلطف} بكسر لام الأمر، وعن قتيبة الميال {وليتلطف} بضم الياء مبنياً للمفعول. وقرأ هو وأبو صالح ويزيد بن القعقاع {وَلاَ يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا} ببناء الفعل للفاعل ورفع (أحد) على أنه الفاعل.
ابن عاشور
تفسير : عطف لجزء من القصة الذي فيه عبرة لأهل الكهف بأنفسهم ليعلموا من أكرمهم الله به من حفظهم عن أن تنالهم أيدي أعدائهم بإهانة، ومن إعلامهم علم اليقين ببعض كيفية البعث، فإن علمه عظيم وقد قال إبراهيم { أية : رب أرني كيف تحيي الموتى } تفسير : [البقرة: 260]. والإشارة بقوله: {وكذلك} إلى المذكور من إنامتهم وكيفيتها، أي كما أنمناهم قروناً بعثناهم. ووجه الشبه: أن في الإفاقة آية على عظيم قدرة الله تعالى مثل آية الإنامة. ويجوز أن يكون تشبيه البعث المذكور بنفسه للمبالغة في التعجيب كما تقدم في قوله: { أية : وكذلك جعلناكم أمة وسطا } تفسير : [البقرة: 143]. وتقدم الكلام على معنى البعث في الآية المتقدمة، وفي حسن موقع لفظ البعث في هذه القصة، وفي التعليل من قوله: {ليتساءلوا} عند قوله: { أية : ثم بعثناهم لنعلم أي الحزبين أحصى } تفسير : [الكهف: 12]. والمعنى: بعثناهم فتساءلوا بينهم. وجملة {قال قائل منهم} بيان لجملة {ليتساءلوا}. وسميت هذه المحاورة تساؤلاً لأنها تحاور عن تطلب كل رأيَ الآخر للوصول إلى تحقيق المدة. و الذين قالوا: {لبثنا يوماً أو بعض} هم مَن عدا الذي قال: {كم لبثتم}. وأسند الجواب إلى ضمير جماعتهم: إما لأنهم تواطؤوا عليه، وإما على إرادة التوزيع، أي منهم من قال: لبثنا يوماً، ومنهم قال: لبثنا بعض يوم. وعلى هذا يجوز أن تكون (أو) للتقسيم في القول بدليل قوله بعد {قالوا ربكم أعلم بما لبثتم}، أي لما اختلفوا رجعوا فعدلوا عن القول بالظن إلى تفويض العلم إلى الله تعالى، وذلك من كمال إيمانهم. فالقائلون {ربكم أعلم بما لبثتم} يجوز أن يكون جميعهم وهو الظاهر. ويجوز أن يكون قول بعضهم فأسند إليهم لأنهم رأوه صواباً. وتفريع قولهم: {فابعثوا أحدكم} على قولهم: {ربكم أعلم بما لبثتم} لأنه في معنى فدَعُوا الخوض في مدة اللبث فلا يعلمها إلا الله وخذوا في شيء آخر مما يهمكم، وهو قريب من الأسلوب الحكيم. وهو تلقي السائل بغير ما يتطلب تنبيهاً على أن غيره أولى بحاله، ولولا قولهم: {ربكم أعلم بما لبثتم} لكان قولهم: {فابعثوا أحدكم} عين الأسلوب الحكيم. والوَرِق ــــ بفتح الواو وكسر الراءِ: الفضة. وكذلك قرأه الجمهور. ويقال وَرْق ــــ بفتح الواو وسكون الراء ــــ وبذلك قرأ أبوعمرو وحمزة وأبو بكر عن عاصم ورَوح عن يعقوب وخلف. والمراد بالورق هنا القطعة المسكوكة من الفضة، وهي الدراهم قيل: كانت من دراهم (دقيوس) سلطان الروم. والإشارة بهذه إلى دَراهم معينة عندهم، والمدينة هي (أبْسُسْ) ــــ بالباء الموحدة ــــ. وقد قدمنا ذكرها في صدر القصة. و {أيها} ما صدقه أي مكان من المدينة، لأن المدينة كل له أجزاء كثيرة منها دكاكين الباعة، أي فلينظر أي مكان منها هو أزكى طعاماً، أي أزكى طعامُه من طعام غيره. وانتصب {طعاماً} على التمييز لنسبة (أزكى) إلى (أي). والأزكى: الأطْيب والأحسن، لأن الزّكْوَ الزيادة في الخير والنفع. والرزق: القوت. وقد تقدم عند قوله تعالى: { أية : قال لا يأتيكما طعام ترزقانه } تفسير : في سورة يوسف (37)، والفاء لتفريع أمرهم مَن يبعثونه بأن يأتي بطعام زكي وبأن يتلطف. وصيغة الأمر في قوله: {فليأتكم} و{ليتلطف} أمر لأحدٍ غير معين سيوكَلونه، أي أن تبعثوه يأتكم برزق، ويجوز أن يكون المأمور معيناً بينهم وإنما الإجمال في حكاية كلامهم لا في الكلام المحكي. وعلى الوجهين فهم مأمورون بأن يوصوه بذلك. قيل التاء من كلمة {وليتلطف} هي نصف حروف القرآن عَدًّا. وهنالك قول اقتصر عليه ابن عطية هو أن النون من قوله تعالى: { أية : لقد جئت شيئاً نكراً } تفسير : [الكهف: 74] هي نصف حروف القرآن. والإشعار: الإعلام، وهو إفعال من شَعَر من باب نصر وكَرُم شُعوراً، أي علم. فالهمزة للتعدية مثل همزة {أعلم} من علم الذي هو عِلم العرفان يتعدى إلى واحد. وقوله: {بكم} متعلق بــــ {يُشعِرَنَّ}. فمدخول الباء هو المشعور، أي المعلوم. والمعلوم إنما يكون معنى من المعاني متعلق الضمير المجرور بفعل {يشعرن} من قبيل تعليق الحكم بالذات، والمراد بعض أحوالها. والتقدير: ولا يخبرن بوجودكم أحداً. فهنا مضاف محذوف دلت عليه دلالة الاقتضاء فيشمل جميع أحوالهم من عددهم ومكانهم وغير ذلك. والنون لتوكيد النهي تحذيراً من عواقبه المضمنة في جملة {إنهم إن يظهروا عليكم يرجموكم} الواقعة تعليلاً للنهي، وبياناً لوجه توكيد النهي بالنون، فهي واقعة موقع العلة والبيان، وكلاهما يقتضي فصلها عما قبلها. وجملة {إنهم إن يظهروا عليكم يرجموكم} علة للأمر بالتلطف والنهي عن إشعار أحد بهم. وضمير {إنهم} عائد إلى ما أفاده العموم في قوله: {ولا يشعرن بكم أحداً}، فصار {أحداً} في معنى جميع الناس على حكم النكرة في سياق شبه النهي. والظهور أصله: البروز دون ساتر. ويطلق على الظفر بالشيء، وعلى الغلبة على الغير، وهو المراد هنا. قال تعالى: { أية : أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء } تفسير : [النور: 31] وقال: { أية : وأظهره الله عليه } تفسير : [التحريم: 3] وقال: { أية : تظاهرون عليهم بالإثم والعدوان } تفسير : [البقرة: 85]. والرجم: القتل برمي الحجارة على المرجوم حتى يموت، وهو قتل إذلال وإهانة وتعذيب. وجملة {يرجموكم} جواب شرط {إن يظهروا عليكم}. ومجموع جملتي الشرط وجوابه دليل على خبر (إن) المحذوف لدلالة الشرط وجوابه عليه. ومعنى {يعيدوكم في ملتهم} يرجعوكم إلى الملة التي هي من خصائصهم، أي لا يخلو أمرهم عن أحد الأمرين إما إرجاعكم إلى دينهم أو قتلكم. والملة. الدين. وقد تقدم في سورة يوسف (37) عند قوله: { أية : إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله }. تفسير : وأكد التحذير من الإرجاع إلى ملتهم بأنها يترتب عليها انتفاء فلاحهم في المستقبل، لما دلت عليه حرف (إذاً) من الجزائية. و{أبداً} ظرف للمستقبل كله. وهو تأكيد لما دل عليه النفي بــــ (لن) من التأبيد أو ما يقاربه.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {وَكَذٰلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَآءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ كَم لَبِثْتُمْ قَالُواْ لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُواْ رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ}. ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه بعث أصحاب الكهف من نومتهم الطويلة ليتساءلوا بينهم، أي ليسأل بعضهم بعضاً عن مدة لبثهم في الكهف في تلك النومة، وأن بعضهم قال إنهم لبثوا يوماً أو بعض يوم، وبعضهم رد علم ذلك إلى الله جل وعلا. ولم يبين هنا قدر المدة التي تساءلوا عنها في نفس الأمر، ولكنه بين في موضع آخر أنها ثلاثمائة سنة بحساب السنة الشمسية، وثلاثمائة سنة وتسع سنين بحساب السنة القمرية، وذلك في قوله تعالى:{أية : وَلَبِثُواْ فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِئَةٍ سِنِينَ وَٱزْدَادُواْ تِسْعاً}تفسير : [الكهف: 25] كما تقدم. قوله تعالى: {فَٱبْعَثُواْ أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَـٰذِهِ إِلَىٰ ٱلْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَآ أَزْكَىٰ طَعَاماً فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِّنْهُ} [الآية]. في قوله هذه الآية "ازكى" قولان للعلماء. أحدهما - أن المراد بكونه "أزكى" أطيب لكونه حلالاً ليس مما فيه حرام ولا شبهة. والثاني - أن المراد بكونه أزكى أنه أكثر، كقولهم: زكا الزرع إذا كثر، وكقول الشاعر: شعر : قبائلنا سبع وأنتم ثلاثة وللسبع أزكى من ثلاث وأطيب تفسير : أي أكثر من ثلاثة. والقول الأول هو الذي يدل له القرآن، لأن أكل الحلال والعمل الصالح أمر الله به المؤمنين كما أمر المرسلين قال:{أية : يٰأَيُّهَا ٱلرُّسُلُ كُلُواْ مِنَ ٱلطَّيِّبَاتِ وَٱعْمَلُواْ صَالِحاً}تفسير : [المؤمنون: 51] الآية، وقال: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَٱشْكُرُواْ للَّهِ إِن كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ}تفسير : [البقرة: 172]. ويكثر في القرآن إطلاق مادة الزكاة على الطهارة كقوله: {أية : قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّىٰ}تفسير : [الأعلى: 14] الآية، وقوله: {أية : قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا} تفسير : [الشمس: 9] الآية، وقوله: {أية : وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنكُمْ مِّنْ أَحَدٍ أَبَداً}تفسير : [النور: 21]، وقوله: {أية : فَأَرَدْنَآ أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْراً مِّنْهُ زَكَـاةً وَأَقْرَبَ رُحْماً}تفسير : [الكهف: 81] وقوله: {أية : أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ}تفسير : [الكهف: 74] الآية، إلى غير ذلك من الآيات. فالزكاة في هذه الآيات ونحوها: يراد الطهارة من أدناس الذنوب والمعاصي، فاللائق بحال هؤلاء الفتية الأخيار المتقين أن يكون مطلبهم في مأكلهم - الحلبة والطهارة، لا الكثرة. وقد قال بعض العلماء: إن عهدهم بالمدينة فيها مؤمنون يخفون إيمانهم، وكافرون. وأنهم يريدون الشراء من طعام المؤمنين دون الكافرين. وأن ذلك مرادهم بالزكاة في قوله{أزكى طعاماً} وقيل: كان فيها أهل كتاب ومجوس. والعلم عند الله تعالى. والورق في قوله تعالى: {فَٱبْعَثُواْ أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ} الفضة، وأخذ علماء المالكية وغيرهم من هذه الآية الكريمة مسائل من مسائل الفقه: المسألة الأولى - جواز الوكالة وصحتها، لأن قولهم {فابعثوا أحدكم بورقكم.. } الآية تدل على توكيلهم لهذا المبعوث لشراء الطعام. وقال بعض العلماء: لا تدل الآية على جواز التوكيل مطلقاً بل مع التقية والخوف، لأنهم لو خرجوا كلهم لشراء حاجاتهم لعلم بهم أعداؤهم في ظنهم فهم معذورون، فالآية تدل على توكيل المعذور دون غيره. وإلى هذا ذهب أبو حنيفة. وهو قول سحنون من أصحاب مالك في التوكيل على الخصام. قال ابن العربي: وكأن سحنون تلقه من أسد بن الفرات، فحكم به أيام قضائه، ولعله كان يفعل ذلك لأهل الظلم والجبروت إنصافاً منهم وإذلالاً لهم. وهو الحق، فإن الوكالة معونة ولا تكون لأهل الباطل اهـ. وقال القرطبي: كلام ابن العربي هذا حسن. فأما أهل الدين والفضل فلهم أن يوكلوا وإن كانوا حاضرين أصحاء، والدليل على صحة جواز الوكالة للشاهد الصحيح - ما أخرجه الصحيحان وغيرهما حديث : عن أبي هريرة قال: كان لرجل على النبي صلى الله عليه وسلم سنّ من الإبل، فجاء يتقاضاه فقال: "أعطوه" فطلبوا سنّه فلم يجدوا إلا سناً فوقها. فقال "أعطوه" فقال: أوفيتني أوفى الله لك. وقال النَّبي صلى الله عليه وسلم: "إن خيركم أحسنكم قضاء"تفسير : لفظ البخاري. فدل هذا الحديث مع صحته على جواز توكيل الحاضر الصحيح البدن، فإن النَّبي صلى الله عليه وسلم: أمر أصحابه أن يعطوا عنه السن التي عليه وذلك توكيل منه لهم على ذلك، ولم يكن النَّبي صلى الله عليه وسلم مريضاً ولا مسافراً. وهذا يرد قول أبي حنيفة وسحنون في قولهما: أنه لا يجوز توكيل الحاضر الصحيح إلا برضا خصمه" وهذا الحديث خلاف قولهما اهـ كلام القرطبي. ولا يخفى ما فيه، لأن أبا حنيفة وسحنوناً إنما خالفا في الوكالة على المخاصمة بغير إذن الخصم فقط، ولم يخالفا في الوكالة في دفع الحق. وبهذه المناسبة سنذكر إن شاء الله الأدلة من الكتاب والسنة على صحة الوكالة وجوازها، وبعض المسائل المحتاج إليها من ذلك، تنبيهاً بها على غيرها. اعلم أولاً أن الكتاب والسنة والإجماع كلها دلّ على جواز الوكالة وصحتها في الجملة. فمن الآيات الدالة على ذلك قوله تعالى هنا: {فَٱبْعَثُواْ أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ} هذه الآية، وقوله تعالى: "" {أية : وَٱلْعَامِلِينَ عَلَيْهَا} تفسير : [التوبة: 60] الآية، فإن عملهم عليها توكيل لهم على أخذها. واستدل لذلك بعض العلماء أيضاً بقوله: {أية : ٱذْهَبُواْ بِقَمِيصِي هَـٰذَا فَأَلْقُوهُ عَلَىٰ وَجْهِ أَبِي}تفسير : [يوسف: 93] الآية، فإنه توكيل لهم من يوسف على إلقائهم قميصه على وجه أبيه ليرتد بصيراً. واستدل بعضهم لذلك أيضاً بقوله تعالى عن يوسف: {أية : قَالَ ٱجْعَلْنِي عَلَىٰ خَزَآئِنِ ٱلأَرْضِ}تفسير : [يوسف: 55] الاية، فإن توكيل على ما في خزائن الأرض. وأما السنة فقد دلت أحاديث كثيرة على جواز الوكالة وصحتها، من ذلك حديث أبي هريرة المتقدم في كلام القرطبي، الدال على التوكيل في قضاء الدين، وهو حديث متفق عليه. وأخرج الجماعة إلا البخاري من حديث أبي رافع عن النَّبي صلى الله عليه وسلم نحوه. ومنها حديث عروة بن أبي الجعد البارقي: أن النَّبي صلى الله عليه وسلم أعطاه ديناراً ليشتري به له شاة، فاشترى له به شاتين: فباع إحداهما بدينار وجاءه بدينار وشاة، فدعا بالبركة في بيعه. وكان لو اشترى التراب لربح فيه، رواه الإمام أحمد والبخاري وأبو داود والترمذي وابن ماجه والدارقطني وفيه التوكيل على الشراء. حديث : ومنها حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: أردت الخروج إلى خيبر، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قفلت: إني أردت الخروج إلى خيبر؟ فقال: "إذا أتيت وكيلي فخذ منه خمسة عشر وسقاً، فإن ابتغى منك آية فضع يدك على ترقوته"تفسير : أخرجه أبو داود والدارقطني. وفيه التصريح منه صلى الله عليه وسلم بأن له وكيلاً. ومنها قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: "حديث : واغد يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها"تفسير : وهو صريح في التوكيل في إقامة الحدود. ومنها حديث علي رضى الله عنه قال: "أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أقوم على بدنه وأن أتصدق بلحومها وجلودها وأجلتها، وألا أعطي الجازر منها شيئاً - وقال: نحن نعطيه من عندنا" متفق عليه. وفيه التوكيل على القيام على البدن والتصدق بلحومها وجلودها وأجلتها. وعدم إعطاء الجازر شيئاً منها. حديث : ومنها حديث عقبة بن عامر رضي الله عنه - أن النَّبي صلى الله عليه وسلم أعطاه غنماً يقسمها على أصحابه فبقي عتود، فذكره للنَّبي صلى الله عليه وسلم فقال "ضح أنت به"تفسير : متفق عليه أيضاً. وفيه الوكالة في تقسيم الضحايا، والأحاديث بمثل ذلك كثيرة. وقد أخرج الشيخان في صحيحهما طرفاً كافياً منها ذكرنا بعضه هنا. وقد قال ابن حجر في فتح الباري في كتاب الوكالة ما نصه: اشتمل كتاب الوكالة - يعني من صحيح البخاري - على ستة وعشرين حديثاً، المعلق منها ستة، والبقية موصولة. المكرر منها فيه وفيما مضى اثنا عشر حديثاً، والبقية خالصة وافقه مسلم على تخريجها سوى حديث عبد الرحمن بن عوف في قتل أمية بن خلف، وحديث كعب بن مالك في الشاة المذبوحة، وحديث وفد هوازن من طريقيه، وحديث أبي هريرة في حفظ زكاة رمضان، وحديث عقبة بن الحرث في قصة النعيمان، وفيه من الآثار عن الصحابة وغيرهم ستة آثار، والله أعلم. انتهى من فتح الباري. وكل تلك الأحاديث دالة على جواز الوكالة وصحتها. وأما الإجماع فقد أجمع المسلمون على جواز الوكالة وصحتها في الجملة وقال ابن قدامة في المغني: وأجمعت الأمة على جواز الوكالة في الجملة، ولأن الحاجة داعية إلى ذلك. فإن لا يمكن كل أحد فعل ما يحتاج إليه فدعت الحاجة إليها، انتهى منه. وهذا مما لا نزاع فيه. فروع تتعلق بمسألة الوكالة الفرع الأول - لا يجوز التوكيل إلا في شيء تصح النيابة فيه. فلا تصح في فعل محرم، لأن التوكيل من التعاون، والله يقول: {أية : وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلإِثْمِ وَٱلْعُدْوَانِ}تفسير : [المائدة: 42] الآية. ولا تصح في عبادة محضة كالصلاة والصوم ونحوهما، لأن ذلك مطلوب من كل أحد بعينه، فلا ينوب فيه أحد من أحد، لأن الله يقول: {أية : وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ}تفسير : [الذاريات: 56] الآية. أما الحج عن الميت والمعضوب، والصوم عن الميت - فقد دلت أدلة أخر على النيابة في ذلك. وإن خالف كثير من العلماء في الصوم عن الميت، لأن العبرة بالدليل الصحيح من الوحي، لا بآراء العلماء إلا عند عدم النص من الوحي. الفرع الثاني - ويجوز التوكيل في المطالبة بالحقوق وإثباتها والمحاكمة فيها. سواء كان الموكل حاضراً أو غائباً، صحيحاً أو مريضاً. وهذا قول جمهور العلماء، منهم مالك والشافعي وأحمد وابن أبي ليلى وأبو يوسف ومحمد وغيرهم. وقال أبو حنيفة: للخصم أن يمتنع من محاكمة الوكيل إذا كان الموكل حاضراً غير معذور، لأن حضوره مجلس الحكم ومخاصمته حق لخصمه عليه فلم يكن له نقله إلى غيره بغير رضا خصمه. وقد قدمنا في كلام القرطبي: أن هذا قول سحنون أيضاَ من أصحاب مالك. واحتج الجمهور بظواهر النصوص لأن الخصومة أمر لا مانع من الاستنابة فيه. قال مقيدة عفا الله عنه: الذي يظهر لي - والله تعالى أعلم - في مسألة التوكيل على الخصام والمحاكمة: أن الصواب فيها التفصيل. فإن كان الموكل ممن عرف بالظلم والجبروت والادعاء بالباطل - فلا يقبل منه التوكيل لظاهر قوله تعالى: {أية : وَلاَ تَكُنْ لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيماً}تفسير : [النساء: 105]. وإن كان معروفاً بغير ذلك فلا مانع من توكيله على الخصومة. والعلم عند الله تعالى. الفرع الثالث - ويجوز التوكيل بجعل وبدون جعل، والدليل على التوكيل بغير جعل أنه صلى الله عليه وسلم وكل أنيساً في إقامة الحد على المرأة، وعروة البارقي في شراء الشاة من غير جعل. ومثال ذلك كثير في الأحاديث التي ذكرنا غيرها. والدليل على التوكيل بجعل قوله تعالى: {أية : وَٱلْعَامِلِينَ عَلَيْهَا}تفسير : [التوبة: 60] فإنه توكيل على جباية الزكاة وتفريقها بجعل منها كما ترى. الفرع الرابع - إذا عزل الموكل وكيله في غيبته وتصرف الوكيل بعد العزل وقبل العلم به، أو مات موكله وتصرف بعد موته وقبل العلم به، فهل يمضي تصرفه نظراً لاعتقاده، أو لا يمضي نظراً للواقع في نفس الأمر. في ذلك خلاف معروف بين أهل العلم مبني على قاعدة أصولية، وهي: هل يستقل الحكم بمطلق وروده وإن لم يبلغ المكلف. أو لا يكون ذلك إلا بعد بلوغه للمكلف، ويبنى على الخلاف في هذه القاعدة الاختلاف في خمس وأربعين صلاة التي نسخت من الخمسين بعد فرضها ليلة الإسراء، هل يسمى ذلك نسخاً في حق الأمة لوروده، أو لا يسمى نسخاً في حقهم. لأنه وقع قبل بلوغ التكليف بالمنسوخ لهم. وإلى هذه المسألة أشار في مراقي السعود بقوله: شعر : هل يستقل الحكم بالورود أو ببلوغه إلى الموجود فالعزل بالموت أو العزل عرض كذا قضاء جاهل للمفترض تفسير : ومسائل الوكالة معروفة مفصلة في كتب فروع المذاهب الأربعة، ومقصودنا ذكر أدلة ثبوتها بالكتاب والسنة والإجماع، وذكر أمثلة من فروعها تنبيهاً بها على غيرها. لأنها باب كبير من أبواب الفقه. المسألة الثانية -أخذ بعض علماء المالكية من هذه الآية الكريمة جواز الشركة، لأنهم كانوا مشتركين في الورق التي أرسلوها ليشتري لهم طعام بها. وقال ابن العربي المالكي: لا دليل في هذه الآية على الشركة، لاحتمال أن يكون كل واحد منهم أرسل معه نصيبه منفرداً ليشتري له به طعامه منفرداً. وهذا الذي ذكره ابن العربي متجه كما ترى. وقد دلت أدلة أخرى على جواز الشركة. وسنذكر إن شاء الله بهذه المناسبة أدلة ذلك، وبعض مسائله المحتاج إليها، وأقوال العلماء في ذلك. اعلم أولاً - أن الشركة جائزة في الجملة بالكتاب والسنة وإجماع المسلمين. أما الكتاب فقد دلت على ذلك منه آيات في الجملة، كقوله تعالى: {أية : فَإِن كَانُوۤاْ أَكْثَرَ مِن ذٰلِكَ فَهُمْ شُرَكَآءُ فِي ٱلثُّلُثِ}تفسير : [النساء: 12]، وقوله تعالى: {أية : وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ ٱلْخُلَطَآءِ لَيَبْغِيۤ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ}تفسير : [ص: 24] عند من يقول: إن الخلطاء الشركاء، وقوله تعالى: {أية : وَٱعْلَمُوۤا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ}تفسير : [الأنفال: 41] الآية، وهي تدل على الاشتراك من جهتين. وأما السنة - فقد دلت على جواز الشركة أحاديث كثيرة سنذكر هنا إن شاء الله طرفاً منها. فمن ذلك ما أخرجه الشيخان عن ابن عمر رضي الله عنهما: أن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : من أعتق شركاً له في عبد وكان له مال يبلغ ثمن العبد قوم العبد عليه قيمة عدل فأعطى شركاءه حصصهم، وإلا فقد عتق عليه ما عتق"تفسير : . وقد ثبت نحوه نحوه في الصحيح عن أبي هريرة عن النَّبي صلى الله عليه وسلم، وفيه التصريح منه صلى الله عليه وسلم بالاشتراك في الرقيق. وقد ترجم البخاري رحمه الله في صحيحه لحديث ابن عمر وأبي هريرة المذكورين بقوله (باب الشركة في الرقيق)، ومن ذلك، ما أخرجه الإمام أحمد والبخاري رحمهما الله عن أبي المنهال قال: اشتريت أنا وشريك لي شيئاً يداً بيد ونسيئه، فجاءنا البراء بن عازب فسألناه فقال: فعلت أنا وشريكي زيد بن أرقم وسألنا النَّبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال: "حديث : ما كان يداً بيد فخذوه، وما كان نسيئة فذروه"تفسير : . وفيه إقراره صلى الله عليه وسلم البراء وزيداً المذكورين على ذلك الاشتراك. وترجم البخاري رحمه الله لهذا الحديث في كتاب الشركة بقوله: (باب الاشتراك في الذهب والفضة وما يكون فيه الصرف). ومن ذلك إعطاءه صلى الله عليه وسلم أرض خيبر لليهود ليعملوا فيها ويزرعوها، على أن لهم شطر ما يخرج من ذلك، وهو اشتراك في الغلة الخارجة منها، وقد ترجم البخاري رحمه الله لهذا الحديث في كتاب الشركة بقوله (باب مشاركة الذميين والمشركين في المزارعة) ومن ذلك ما أخرجه أحمد والبخاري عن جابر رضي الله عنه: أن النَّبي صلى الله عليه وسلم قضى بالشفعة. في كل ما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة. وترجم البخاري لهذا الحديث في كتاب الشركة بقوله (باب الشركة في الأرضين وغيرها). ثم ساق الحديث بسند آخر، وترجم له أيضاً بقوله (باب إذا قسم الشركاء الدور وغيرها، فليس لهم رجوع ولا شفعة) ومن ذلك ما رواه أبو داود عن أبي هريرة مرفوعاً قال: إن الله يقول: "حديث : أنا ثالث الشريكين ما لم يخن أحدهما صاحبه، فإذا خانه خرجت من بينهما"تفسير : قال العلامة الشوكاني رحمه الله تعالى (في نيل الأوطار) في هذا الحديث: صححه الحاكم وأعله ابن القطان بالجهل بحال سعيد بن حيان. وقد ذكره ابن حبان في الثقات، وأعله أيضاً ابن القطان بالإرسال، فلم يذكر فيه أبا هريرة وقال إنه الصواب. ولم يسنده غير أبي همام محمد بن الزبرقان وسكت أبو داود والترمذي على هذا الحديث، وأخرج نحوه أبو القاسم الأصبهاني في الترغيب والترهيب عن حكيم بن حزام. انتهى منه. ومن المعروف عن أبي داود رحمه الله - أنه لا يسكت الكلام في حديث إلا وهو يعتقد صلاحيته للاحتجاج. والسند الذي أخرجه به أبو داود الظاهر منه أنه صالح للاحتجاج، فإنه قال: حدثنا محمد بن سليمان المصيصي ثنا محمد بن الزبرقان عن أبي حيان التيمي عن أبيه عن أبي هريرة رحمه الله رفعه قال: إن الله يقول: "حديث : أنا ثالث الشريكين"تفسير : . إلى أخر الحديث. فالطبقة الأولى من هذا الإسناد هي محمد بن سليمان، وهو أبو جعفر العلاف الكوفي. ثم المصيصي لقبه لوين بالتصغير، وهو ثقة. والطبقة الثانية منه محمد بن الزبرقان أبو همام الأهوازي، وهو من رجال الصحيحين، وقال في التقريب: صدوق، ربما وهم. والطبقة الثالثة منه - هي أبو حيان التيمي، وهو يحيى بن سعد بن حيان الكوفي، وهو ثقة. والطبقة منه - هي أبوه سعيد بن حيان المذكور الذي قدمنا في كلام الشوكاني: أن ابن القطان أعل هذا الحديث بأنه مجهول، ورد ذلك بأن ابن حبان قد ذكره في الثقات. وقال ابن حجر (في التقريب): إنه وثقه العجلي أيضاً. والطبقة الخامسة منه - أبو هريرة رفعه. فهذا إسناد صالح كما ترى. وإعلال الحديث بأنه روي موقوفاً من جهة أخرى يقال فيه إن الرفع زيادة. وزيادة العدول مقبولة كما تقرر في الأصول وعلوم الحديث. ويؤيده كونه جاء من طريق أخرى عن حكيم بن حزام كما ذكرناه في كلام الشوكاني آنفاً. ومن ذلك حديث السائب بن أبي السائب أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم: كنت شريكي في الجاهلية فكنت خير شريك، لا تداريني ولا تماريني. أخرجه أبو داود وابن ماجه. ولفظه: كنت شريكي ونعم الشريك. كنت لا تداري ولا تماري. وأخرجه أيضاً النسائي والحاكم وصححه. وفيه إقرار النَّبي صلى الله عليه وسلم له على كونه كان شريكاً له. والأحاديث الدال على الشركة كثيرة جداً. وقد قال ابن حجر في فتح الباري في آخر كتاب الشركة ما نصه: اشتمل الشركة (يعني من صحيح البخاري) من الأحاديث المرفوعة على سبعة وعشرين حديثاً، المعلق منها واحد، والبقية موصولة، المكرر منها فيه وفيما مضى ثلاثة عشر حديثاً، والخالص أربعة عشر، وافقه مسلم على تخريجها سوى حديث النعمان "مثل القائم على حدود الله"، وحديثي عبد الله بن هشام، وحديثي عبد الله بن عمر، وحديث عبد الله بن الزبير في قصته، وحديث ابن عباس الأخير. وفيه من الآثار أثر واحد. والله أعلم انتهى كلام ابن حجر. وبهذا تعلم كثرة الأحاديث الدالة على الشركة في الجملة. وأما الإجماع فقد أجمع جميع علماء المسلمين على جواز أنواع من أنواع الشركات، وإنما الخلاف بينهم في بعض أنواعها. اعلم أولاً - أن الشركة قسمان: شركة أملاك، وشركة عقود. فشركة الأملاك - أن يملك عيناً اثنان أو أكثر بإرث، أو شراء، أو هبة ونحو ذلك. وهي المعروفة عند المالكية بالشركة الأعمية. وشركة العقود - تنقسم إلى شركة مفاوضة، وشركة عنان، وشركة وجوه، وشركة أبدان، وشركة مضاربة. وقد تتداخل هذه الأنواع فيجتمع بعضها مع بعض. أما شركة الأملاك فقد جاء القرآن الكريم بها في قوله تعالى: {أية : فَإِن كَانُوۤاْ أَكْثَرَ مِن ذٰلِكَ فَهُمْ شُرَكَآءُ فِي ٱلثُّلُثِ}تفسير : [النساء: 12] ولا خلاف فيها بين العلماء. وأما أنواع شركة العقود فسنذكر إن شاء الله هنا معانيها، وكلام العلماء فيها، وأمثلة للجائز منها تنبيهاً بها على غيرها، وما ورد من الأدلة في ذلك. اعلم - أن شركة المفاوضة مشتقة من التفويض. لأن كل واحد منهما يفوض أمر التصرف مال الشركة إلى الآخر. ومن هذا قوله تعالى عن مؤمن آل فرعون: {أية : وَأُفَوِّضُ أَمْرِيۤ إِلَى ٱللَّهِ}تفسير : [غافر: 44] الآية. وقيل: أصلها من المساواة. لاستواء الشريكين فيها في التصرف والضمان. وعلى هذا فهي من الفوضى بمعنى التساوي. ومنه قول الأفوه الأودي: شعر : لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم ولا سراة إذ جهالهم سادوا إذا تولى سرة الناس أمرهم نما على ذاك أمر القوم وازدادوا تفسير : فقوله: "لا يصلح الناس فوضى" أي لا تصلح أمورهم في حال كونهم فوضى، أي متساوين لا أشراف لهم يأمرونهم وينهونهم. والقول الأول هو الصواب. هذا هو أصلها في اللغة. وأما شركة العنان - فقد اختلف في أصل اشتقاقها اللغوي. فقيل: أصلها من عن الأمر يعن - بالكسر والضم - عنا وعنوناً: إذا عرض. ومنه قول امرىء القيس: شعر : فعن لنا سرب كأن نعاجه عذارى دوار في ملاء مذيل تفسير : قال ابن منظور في اللسان: وشرك العنان وشركة العنان: شركة في شيء خاص دون سائر أموالهما. كأنه عن لهما شيء فاشترياه واشتركا فيه. واستشهد لذلك قول النابغة الجعدي: شعر : فشاركنا قريشاً في تقاها وفي أحسابها شرك العنان بما ولدت نساء بني هلال وما ولدت نساء بني أبان تفسير : وبهذا تعلم: أن شركة العنان معروفه في كلام العرب، وأن قول ابن القاسم من أصحاب مالك: إنه لا يعرف شركة العنان عن مالك، وأنه لم ير أحداً من أهل الحجاز يعرفها، وإنما يروى عن مالك والشافعي من أنهما لم يطلقا هذا الإسم على هذه الشركة، وأنهما قالا: هي كلمة تطرق بها أهل الكوفة ليمكنهم التمييز بين الشركة العامة والخاصة من غير أن يكون مستعملاً في كلام العرب. كل ذلك فيه نظر لما عرفت أن كان ثابتاً عنهم. قال مقيدة عفا الله عنه وغفر له. اعلم - أن مراد النابغة في بيتيه المذكورين: شعر : بما ولدت نساء بني هلال تفسير : ابن عامر بن صعصعة، أن منهم لبابة الكبرى، ولبابة الصغرى، وهما أختان، ابنتا الحارث بن حزن بن بجير بن الهزم بن روبية بن عبد الله بن هلال، وهما أختا ميمونة بنت الحارث زوج للنَّبي صلى الله عليه وسلم. أما لبابة الكبرى - فهي زوج العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه، وهي أم أبنائه: عبد الله، وعبيد الله، والفضل وبه كانت تكنى، وفيها يقول الراجز: شعر : ما ولدت نجيبة من فحل كستة من بطن أم الفضل تفسير : وأما لبابة الصغرى - فهي أم خالد بن الوليد رضي الله عنه، وعمتهما صفية بنت حزن هي أم أبي سفيان بن حرب. وهذا مراده: شعر : بما ولدت نساء بني هلال تفسير : وأما نساء بني أبان فإنه يعنى أن أبا العاص، والعاص، وأبا العيص، والعيص أبناء أمية بن عبد شمس، أمهم آمنة بنت أبان بن كليب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة فهذه الأرحام المختلطة بن العامريين وبين قريش هي مراد النابغة بمشاركتهم لهم في الحسب والتقى - شرك العنان. وقيل: إن شركة العنان أصلها من عنان الفرس. كما يأتي إيضاحه إن شاء الله. وهو المشهور عند العلماء. وقيل هي من المعاناة بمعنى المعارضة، يقال عاننته إذا عارضته بمثل ماله أو فعاله، فكل واحد من الشريكين يعارض الآخر بماله وفعاله - وهي بكسر العين على الصحيح خلافاً لمن زعم فتحها، ويروى عن عياض وغيره وادعاء أن أصلها من عنان السماء بعيد جداً كما ترى. وأما شركة الوجوه - فأصلها من الوجاهة. لأن الوجيه تتبع ذمته بالدين، وإذا باع شيئاً باعه بأكثر مما يبيع به الخامل. وأما شركة الأبدان - فأصلها اللغوي واضح، لأنهما يشتركان بعمل أبدانهما، ولذا تسمى شركة العمل، إذ ليس الاشتراك فيها بالمال، وإنما هو بعمل البدن. وأما شركة المضاربة وهي القراض - فأصلها من الضرب في الأرض، لأن التاجر يسافر في طلب الربح. والسفر يكنى عنه بالضرب في الأرض، كما في قوله تعالى:{أية : وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي ٱلأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ}تفسير : [المزمل: 20] الآية، وقوله: {أية : وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي ٱلأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ ٱلصَّلاَةِ}تفسير : [النساء: 101] الآية. فإذا عرفت معاني أنواع الشركة في اللغة، فسنذكر لك إن شاء الله تعالى هنا معانيها المرادة بها في الاصطلاح عند الأئمة الأربعة وأصحابهم، وأحكامها، لأنهم مختلفون في المراد بها اصطلاحاً، وفي بعض أحكامها. أما مذهب مالك في أنواع الشركة وأحكامها فهذا تفصيله: اعلم - أن شركة المفاوضة جائزة عند مالك وأصحابه. والمراد بشركة المفاوضة عندهم هو أن يطلق كل واحد منهما التصرف لصاحبه في المال الذي اشتركا فيه غيبة وحضوراً، وبيعاً وشراء، وضماناً وتوكيلاً. وكفالة وقراضاً. فما فعل أحدهما من ذلك لزم صاحبه إذا كان عائداً على شركتهما. ولا يكونان شريكين إلا فيما يعقدان عليه الشركة من أموالهما، دون ما ينفرد به كل واحد منهما من ماله. وسواء اشتركا في كل ما يملكانه أو في بعض أموالهما، وتكون يد كل منهما كيد صاحبه، وتصرفه كتصرفه ما لم يتبرع بشيء ليس في مصلحة الشركة. وسواء كانت المفاوضة بينهما في جميع أنواع المتاجر أو في نوع واحد منها، كرقيق يتفاوضان في التجارة فيه فقط، ولكل واحد منهما أن يبيع بالدين ويشتري فيه ويلزم ذلك صاحبه وهذا هو الصواب. خلافاً لخليل في مختصره في الشراء بالدين. وقد أشار خليل في مختصره إلى جواز شركة المفاوضة في مذهب مالك مع تعريفها، وما يستلزمه عقدها من الأحكام بالنسبة إلى الشريكين بقوله: ثم إن أطلقا التصرف وإن بنوع فمفاوضة، ولا يفسدها انفراد أحدهما بشيء وله أن يتبرع إن استألف به أوخف كإعارة آلة ودفع كسرة ويبضع ويقارد ويودع لعذر وإلا ضمن، ويشارك في معين ويقيل ويولى ويقبل المعيب وإن أبى الآخر، ويقر بدين لمن لا يتهم عليه، ويبيع بالدين لا الشراء به. ككتابة وعتق على مال، وإذن لعبد في تجارة ومفاوضة وقد قدمنا أن الشراء بالدين كالبيع به. فللشريك فعله بغير إذن شريكه على الصحيح من مذهب مالك خلافاً لخليل: وأما الكتابة والعتق على المال وما عطف عليه - فلا يجوز شيء منه إلا بإذن الشريك. واعلم - أن الشركة المفاوضة هذه في مذهب مالك لا تتضمن شيئاً من أنواع الغرر التي حرمت من أجلها شركة المفاوضة عند الشافعية ومن وافقهم لأن ما استفاده أحد الشريكين المتفاوضين من طريق أخرى كالهبة والإرث، واكتساب مباح كاصطياد واحتطاب ونحو ذلك لا يكون شيء منه لشريكه. كما أن ما لزمه غرمه خارجاً عن الشركة كأرش جناية، وثمن مغصوب ونحو ذلك، لا شيء منه على شريكه، بل يقتصر كل ما بينهما على ما كان متعلقاً بمال الشركة، فكل منهما وكيل عن صاحبه، وكفيل عليه في جميع ما يتعلق بمال الشركة، وهكذا اقتضاه العقد الذي تعاقدا عليه. فلا موجب للمنع ولا غرر في هذه الشركة عند المالكية، لأنهم لا يجعلون المتفاوضين شريكين في كل ما اكتسبا جميعاً حتى يحصل الغرر بذلك، ولا متضامنين في كل ما جنيا حتى يحصل الغرر بذلك. بل هو عقد على أن كل واحد منهما نائب عن الآخر في كل التصرفات في مال الشركة، وضامن عليه في كل ما يتعلق بالشركة.. وهذا لا مانع منه كما ترى، وبه تعلم أن اختلاف المالكية والشافعية في شركة المفاوضة خلاف في حال، لا في حقيقة. وأما شركة العنان - فهي جائزة عند الأئمة الأربعة. مع اختلافهم في تفسيرها - وفي معناها في مذهب مالك قولان، وهي جائزة على كلا القولين: الأول وهو المشهور - أنها هي الشركة التي يشترط كل واحد من الشريكين فيها على صاحبه ألا يتصرف في مال الشركة إلا بحضرته وموافقته، وعلى هذا درج خليل في مختصره بقوله: وإن اشترطا نفي الاستبداد فعنان، وهي على هذا القول من عنان الفرس. لأن عنان كل واحد من الشريكين بيد الآخر فلا يستطيع الاستقلال دونه بعمل، كالفرس التي يأخذ راكبها بعنانها فإنها لا تستطيع الذهاب إلى جهة بغير رضاه. والقول الثاني عند المالكية: أن شركة العنان هي الاشتراك في شيء خاص. وبهذا جزم ابن رشد ونقله عنه المواق في شرح قول خليل وإن اشترطا نفي الاستبداد الخ. وهذا المعنى الأخير أقرب للمعروف في اللغة كما قدمنا عن ابن منظور في اللسان وأما شركة الوجوه - فلها عند العلماء معان: الأول منها - هو أن يشترك الوجيهان عند الناس بلا مال ولا صنعة. بل ليشتري كل واحد منهما بمؤجل في ذمته لهما معاً. فإذا باعا كان الربح الفاضل عن الأثمان بينهما. وهذا النوع من شركة الوجوه هو المعروف عند المالكية بشركة الذمم، وهو فاسد عند المالكية والشافعية. خلافاً للحنفية والحنابلة. ووجه فساده ظاهر. لما فيه من الغرر، لاحتمال أن يخسر هذا ويربح هذا كالعكس. وإلى فساد هذا النوع من الشركة أشار ابن عاصم المالكي في تحفته بقوله: شعر : وفسخها إن وقعت على الذمم ويقسمان الربح حكم ملتزم تفسير : المعنى الثاني من معانيها - أن يبيع وجيه مال خامل بزيادة ربح، على أن يكون له بعض الربح الذي حصل في المبيع بسبب وجاهته. لأن الخامل لو كان هو البائع لما حصل ذلك الربح. وهذا النوع أيضاً فاسد. لأنه عوض جاه، كما قاله غير واحد من أهل العلم والمعنى الثالث - أن يتفق وجيه وخامل على أن يشتري الوجيه في الذمة ويبيع الخامل ويكون الربح بينهما. وهذا النوع أيضاً فاسد عند المالكية والشافعية، لما ذكرنا من الغرر سابقاً. وأما شركة الأبدان عن المالكية - فهي جائزة بشروط، وهي أن يكون عمل الشركين متحدا كخياطين. أو متلازماً كأن يغزل أحدهما وينسج الآخر، لأن النسج لا بد له من الغزل، وأن يتساويا في العمل جودة ورداءة وبطأ وسرعة، أو يتقاربا في ذلك، وأن يحصل التعاون بينهما. إلى جواز هذا النوع من الشركة بشروطه أشار خليل في مختصره بقوله: وجازت بالعمل إن اتحد أو تلازم وتساويا فيه، أو تقاربا وحصل التعاون، وإن بمكانين. وفي جواز إخراج كل آلة واستئجاره من الآخر. أو لا بد من ملك أو كراء تأويلان، كطبيبين اشتركا في الدواء، وصائدين في البازين، وهل وإن افترقا رويت عليهما وحافرين بكركاز ومعدن، ولم يستحق وارثه بقيته وأقطعه الإمام. وقيد بما لم يبد، ولزمه ما يقبله صاحبه وإن تفاصلا وألغى مرض كيومين الخ. وبهذا تعلم أن شركة الأبدان جائزة عند المالكية في جميع أنواع العمل: من صناعات بأنواعها، وطب واكتساب مباح. كالاصطياد والاحتشاش والاحتطاب، وغير ذلك بالشروط المذكورة. وقال ابن عاصم في تحفته: شعر : شركة بمال أو بعمل أو بهما تجوز لا لأجل تفسير : وبقي نوع معروف عند المالكية من أنواع الشركة يسمى في الاصطلاح بـ "شركة الجبر" وكثير من العلماء يخالفهم في هذا النوع الذي هو "شركة الجبر". وشركة الجبر: هي أن يشتري شخص سلعة بسوقها المعهود لها، ليتجر بها بحضرة بعض تجار جنس تلك السلعة الذين يتجرون فيها، ولم يتكلم أولئك التجار الحاضرون. فإن لهم إن أرادوا الاشتراك في تلك السلعة مع ذلك المشتري أن يجبروه على ذلك، ويكونون شركاءه في تلك السلعة شاء أو أبى. وشركتهم هذه معه جبراً عليه - هي "شركة الجبر" المذكورة. فإن كان اشتراها ليقتنيها لا ليتجر بها، أو اشتراها ليسافر بها إلى محل آخر ولو للتجارة بها فيه - فلا جبر لهم عليه. وأشار خليل في مختصره إلى "شركة الجبر" بقوله: واجبر عليها إن اشترى شيئاً يسوقه لا لكفر أو قنية، وغيره حاضر لم يتكلم من تجاره. وهل في الزقاق لا كبيته قولان. أما شركة المضاربة - فهي القراض، وهو أن يدفع شخص إلى آخر مالاً ليتجر به على جزء من ربحه يتفقان عليه. وهذا النوع جائز بالإجماع إذا استوفى الشروط كما سيأتي إن شاء الله دليله. وأما أنوع الشركة في مذهب الشافعي رحمه الله فهي أربعة: ثلاثة منها باطلة في مذهبه، والرابع صحيح. وأما الثلاثة الباطلة - فالأول مها "شركة الأبدان" كشركة الحمالين، وسائر المحترفين: كالخياطين، والنجارين، والدلالين، ونحو ذلك، ليكون بينهما كسبهما متساوياً أومتفاوتاً مع اتفاق الصنعة أو اختلافها. فاتفاق الصنعة كشركة خياطين، واختلافها كشركة خياط ونجار ونحو ذلك. كل ذلك باطل في مذهب الشافعي، ولا تصح عنده الشركة إلا بالمال فقط لا بالعمل. ووجه بطلان شركة الأبدان عند الشافعية - هو أنها شركة لا مال فيها، وأن فيها غرراً، لأن كل واحد منهما لا يدري أيكتسب صاحبه شيئاً أم لا، ولأن كل واحد منهما متميز ببدنه ومنافعه فيختص بفوائده، كما لو اشتركا في ماشيتهما وهي متميزة على أن يكون النسل والدر بينهما، وقياساً على الاحتطاب والاصطياد. هكذا توجيه الشافعية للمنع في هذا النوع من الشركة. وقد علمت فيما مرّ شروط جواز هذا النوع عند المالكية، إذ بتوفر الشروط المذكورة ينتفي الغرر. والثاني من الأنواع الباطلة عند الشافعية - هو شركة المفاوضة، وهي عندهم أن يشتركا على أن يكون بينهما جميع كسبهما بأموالهما وأبدانهما، وعليهما جميع ما يعرض لكل واحد منهما من غرم، سواء كان بغصب أو إتلاف أو بيع فاسد أو غير ذلك. ولا شك أن هذا النوع مشتمل على أنواع من الغرر فبطلانه واضح، وهو ممنوع عند المالكية، ولا يجيزون هذا ولا يعنونه بـ "شركة المفاوضة" كما قدمنا. وقد قال الشافعي رحمه الله في هذا النوع: إن لم تكن شركة المفاوضة باطلة، فلا باطل أعرفه في الدنيا - يشير إلى كثرة الغرر والجهالات فيها: لاحتمال أن يكسب كل واحد منهما كسباً دون الآخر، وأن تلزم كل واحد منهما غرامات دون الآخر، فالغرر ظاهر في هذا النوع جداً. والثالث من الأنواع الباطلة عند الشافعية - هو "شركة الوجوه" وهي عندهم أن يشترط الوجيهان ليبتاع كل واحد منهما بمؤجل في ذمته لهما معاً فإذا باعا كان الفاضل من الأثمان بينهما. وهذا النوع هو المعروف عند المالكية بـ "شركة الذمم". ووجه فساده ظاهر، لما فيه من الغرر، لأن كلاًّ منهما يشتري في ذمته ويجعل كل منهما للآخر نصيباً من ربح ما اشترى في ذمته، مقابل نصيب من ربح ما اشترى الآخر في ذمته. والغرر في مثل هذا ظاهر جداً. وبقية أنواع "شركة الوجوه" ذكرناه في الكلام عليها في مذهب مالك، وكلها ممنوعة في مذهب مالك ومذهب الشافعي، ولذا اكتفينا بما قدمنا عن الكلام على بقية أنواعها في مذهب الشافعي أما النوع الرابع من أنواع الشركة الذي هو صحيح عند الشافعية - فهو "شركة العنان" وهي: أن يشتركا في مال لهما ليتجرا فيه. ويشترط فيها عندهم صيغة تدل على الإذن في التصرف في مال الشركة، فلو اقتصرا على لفظ "اشتركنا" لم يكف على الأصح عندهم. ويشترط في الشريكين أهلية التوكيل والتوكل، وهذا الشرط مجمع عليه. وتصح "شركة العنان" عند الشافعية في المثليات مطلقاً دون المقومات وقيل: تختص بالنقد المضروب. ويشترط عندهم فيها خلط المالين. بحيث لا يتميز أحدهم من الآخر. والحيلة عندهم في الشركة في العروض - هي أن يبيع كل واحد بعض عرضه ببعض عرض الآخر ويأذن له في التصرف، ولا يشترط عندهم تساوي المالين. والربح والخسران على قدر المالين، سواء تساويا في العمل أو تفاوتا. وإن شرطا خلاف ذلك فسد العقد، ويرجع كل واحد منهما على الآخر بأجرة عمله في ماله. عقد الشركة المذكورة يسلط كل واحد منهما على التصرف في مال الشركة بلا ضرر، فلا يبيع بنسيئة، ولا بغبن فاحش، ولا يبضعه بغير إذن شريكه، ولكل منهما فسخها متى شاء. وأما تفصيل أنواع الشركة في مذهب الإمام أبي حنيفة رحمه الله - فهو أن الشركة تنقسم إلى ضربين: شركة ملك، وشركة عقد. فشركة الملك واضحة. كأن يملكان شيئاً بإرث أو هبة ونحو ذلك كما تقدم. وشركة العقد عندهم تنقسم إلى ثلاثة أقسام: شركة بالمال، وشركة بالأعمال، وشركة بالوجوه. وكل قسم من هذه الأقسام الثلاثة عندهم ينقسم قسمين: مفاوضة، وعنان. فالمجموع ستة أقسام. أما شركة المفاوضة عندهم - فهي جائزة إن توفرت شروطها، وهي عندهم الشركة التي تتضمن وكالة كل من الشريكين للآخر، وكفالة كل منهما الآخر، ولا بد فيها من مساواة الشريكين في المال والدين والتصرف. فبتضمنها الوكالة يصح تصرف كل منهما في نصيب الآخر. وبتضمنها الكفالة يطلب كل منهما بما لزم الآخر. وبماساواتهما في المال يمتنع أحد أن يستبد أحدهما بشيء تصح الشركة فيه دون الآخر. ولذا لو ورث بعد العقد شيئاً تصح الشركة فيه كالنقد بطلت المفاوضة، ورجعت الشركة شركة عنان. وبتضمنها المساواة في الدين تمتنع بين مسلم وكافر. وبتضمنها المساواة في التصرف تمتنع بين بالغ وصبي، وبين حر وعبد، وكل ما اشتراه واحد من شريكي المفاوضة فهو بينهما. إلا طعام أهله وكسوتهم وكل دين لزم أحدهما بتجارة وغصب وكفالة لزم الآخر. ولا تصح عندهم شركة مفاوضة أو عنان بغير النقدين والتبر والفلوس النافقة. والحيلة في الشركة في العروض عندهم هي ما قدمناه عن الشافعية، فهم متفقون في ذلك. وأما شركة العنان فهي جائزة عند الحنفية. وقد قدمنا الإجماع على جوازها على كل المعاني التي تراد بها عند العلماء. وشركة العنان عند الحنفية - هي الشركة التي تتضمن الوكالة وحدها، ولم تتضمن الكفالة. وهي: أن يشتركا في نوع بز أو طعام أو في عموم التجارة ولم يذكر الكفالة. ويعلم من هذا - أن كل ما اشتراه أحدهما كان بينهما، ولا يلزم أحدهما ما لزم الآخر من الغرامات، وتصح عندهم شركة العنان المذكورة مع التساوي في المال دون الربح وعكسه إذا كانت زيادة الربح لأكثرهما عملاً. لأن زيادة الربح في مقابلة زيادة العمل وفاقاً للحنابلة. وعند غيرهم لا بد أن يكون الربح بحسب المال. ولو اشترى أحد الشريكين "شركة العنان" بثمن فليس لمن باعه مطالبة شريكه الآخر، لأنها لا تتضمن الكفالة بل يطالب الشريك الذي اشترى منه فقط، ولكن الشريك يرجع إعلى شريكه بحصته. ولا يشترط في هذه الشركة عندهم خلط المالين، فلو اشترى أحدهما بماله وهلك مال الآخر كان المشتري بينهما، ويرجع على شريكه بحصته منه. وتبطل هذه الشركة عندهم بهلاك المالين أو أحدهما قبل الشراء. وتفسد عندهم باشتراط دراهم مسماة من الربح لأحدهما.ويجوز عندهم لكل من شريكي المفاوضة والعنان - أن يبضع ويستأجر. ويودع ويضارب ويوكل. ويد كل منهما في مال الشركة يد أمانة، كالوديعة والعارية وأما شركة الأعمال ففيها تفصيل عند الحنفية. فإن كان العمل من الصناعات ونحوها جازت عندهم شركة الأعمال، ولا يشترطون اتحاد العمل أو تلازمه - خلافاً للمالكية كما تقدم فيجوز عند الحنفية: أن يشترك خياطان مثلاً، أو خياط وصباغ على أن يتقبلا الأعمال، ويكون الكسب بينهما، وكل عمل يتقبله أحدهما يلزمهما: وإذا عمل أحدهما دون الآخر فما حصل من عمله فهو بينهما. وإنما استحق فيه الذي لم يعمل لأنه ضمنه بتقبل صاحبه له، فاستحق نصيبه منه بالضمان. وهذا النوع الذي أجازه الحنفية لا يخفى أنه لا يخلو من غرر في الجملة عند اختلاف صنعة الشريكين. لاحتمال أن يحصل أحدهما أكثر مما حصله الآخر. فالشروط التي أجاز بها المالكية "شركة الأعمال" أحوط وأبعد من الغرر كما ترى. وأما إن كانت الأعمال من جنس اكتساب المباحات فلا تصح فيها الشركة عند الحنفية، كالاحتطاب والاحتشاش، والاصطياد واجتناء الثمار من الجبال والبراري، خلافاً للمالكية والحنابلة. ووجه منعه عند الحنفية - أن من اكتسب مباحاً كحطب أو حشيش أو صيد ملكه ملكاً مستقلاً. فلا وجه لكون جزء منه لشريك آخر، لأنه لا يصح التوكيل فيه ومن أجازه قال: إن كل واحد منهما جعل للآخر نصيباً من ذلك المباح الذي يكتسبه في مقابل النصيب الذي يكتسبه الآخر. والمالكية القائلون بجواز هذا يشترطون اتحاد العمل أو تقاربه، فلا غرر في ذلك، ولا موجب للمنع. وفي اشتراط ذلك عند الحنابلة خلاف كما سيأتي إن شاء الله. وأما "شركة الوجوه" التي قدمنا أنها هي المعروفة عند المالكية "بشركة الذمم" وقدمنا منعها عند المالكية والشافعية - فهي جائزة عند الحنفية، سواء كانت مفاوضة أو عناناً. وقد علمت مما تقدم أن المفاوضة عندهم تتضمن الوكالة والكفالة. وأن العنان تتضمن الوكالة فقط، وإن اشترط الشريكان في "شركة الوجوه" مناصفة المشتري أو مثالثته - فالربح كذلك عندهم وبطل عندهم شرط الفضل. لأن الربح عندهم لا يستحق إلا بالعمل. كالمضارب أو بالمال كرب المال. أو بالضمان كالأستاذ الذي يتقبل العمل من الناس ويلقيه على التلميذ بأقل مما أخذ، فيطيب له الفضل بالضمان - هكذا يقولونه. ولا يخفى ما في "شركة الوجوه" من الغرر. واعلم أن الربح في الشركة الفاسدة على حسب المال إن كانت شركة مال، وعلى حسب العمل إن كانت شركة عمل، وهذا واضح، وتبطل الشركة بموت أحدهما. وأما تفصيل أنواع الشركة في مذهب الإمام أحمد رحمه الله - فهي أيضاً قسمان: شركة أملاك، وشركة عقود. وشركة العقود عند الحنابلة خمسة أنواع: شركة العنان، والأبدان، والوجوه، والمضاربة، والمفاوضة. أما شركة الأبدان فهي جائزة عندهم، سواء كان العمل من الصناعات أو اكتساب المباحات. أما مع اتحاد العمل فهي جائزة عندهم بلا خلاف. وأما مع اختلاف العمل فقال أبو الخطاب: لا تجوز وفاقاً للمالكية. وقال القاضي: تجوز وفاقاً للحنفية في الصناعات دون اكتساب المباحات. وإن اشتركا على أن يتقبل أحدهما للعمل ويعمله الثاني والأجرة بينهما صحت الشركة عند الحنابلة والحنفية خلافاً لزفر. والربح في شركة الأبدان على ما اتفقوا عليه عند الحنابلة. وأما شركة الوجوه التي قدمنا أنها هي المعروفة بشركة الذمم عند المالكية فهي جائزة أيضاً في مذهب الإمام أحمد وفاقاً لأبي حنيفة، وخلافاً لمالك والشافعي. وأما شركة العنان فهي جائزة أيضاً عند الإمام أحمد. وقد قدمنا الإجماع على جوازها. وهي عندهم: أن يشترك رجلان بماليهما على أن يعملا فيهما بأبدانهما والربح بينهما. وهذه الشركة إنما تجوز عندهم بالدنانير والدراهم، ولا تجوز بالعروض. وأما شركة المفاوضة - فهي عند الحنابلة قسمان: أحدهما جائز والآخر ممنوع. وأما الجائز منهما فهو أن يشتركا في جميع أنواع الشركة. كأن يجمعا بين شركة العنان والوجوه والأبدان فيصح ذلك، لأن كل نوع منها يصح على انفراده فصح مع غيره. وأما النوع الممنوع عندهم منها فهو أن يدخلا بينهما في الشركة الاشتراك فيما يحصل لكل واحد منهما من ميراث أو يجده من ركاز أو لقطة. ويلزم كل واحد منهما ما لزم الآخر من أرش جناية وضمان غصب، وقيمة متلف، وغرامة ضمان، وكفالة وفساد هذا النوع ظاهر لما فيه من الغرر كما ترى. وأما شركة المضاربة - وهي القراض - فهي جائزة عند الجميع - وقد قدمنا أنها هي: أن يدفع شخص لآخر مالا يتجر فيه على أن يكون الربح بينهما بنسبة يتفقان عليها، وكون الربح في المضاربة بحسب ما اتفقا عليه لا خلاف فيه بين العلماء، سواء كان النصف أو أقل أو كثر لرب المال أو للعامل. وأما شركة العنان عند الشافعية والحنابلة والحنفية والمالكية، وشركة المفاوضة عند المالكية - فاختلف في نسبة الربح، فذهب مالك والشافعي إلى أنه لا بد من كون الربح والخسران بحسب المالين، وذهب أبو حنيفة وأحمد إلى أن الربح بينهما على ما اتفقا عليه، فلهما أن يتساويا في الربح مع تفاضل المالين. وحجة القول الأول - أن الربح تبع للمال، فيلزم أن يكون بحسبه. وحجة القول الأخير أن العمل مما يستحق به الربح، وقد يكون أحدهما أبصر بالتجارة وأقوى على العمل من الآخر، فتزاد حصته لزيادة عمله. هذا خلاصة مذاهب الأئمة الأربعة في أنواع الشركة. وقد علمت أنهم أجمعوا على جواز شركة العنان، وشركة المضاربة، وشركة الأملاك. واختلفوا فيما سوى ذلك. فأجاز الحنفية والحنابلة شركة الوجوه، ومنعها المالكية والشافعية. وأجاز المالكية والحنفية والحنابلة شركة الأبدان إلا في اكتساب المباحات فقط فلم يجزه الحنفية. ومنع الشافعية شركة الأبدان مطلقاً. وأجاز المالكية شركة المفاوضة، وصورها بصورة العنان عند الشافعية والحنابلة. وأجاز الحنفية شركة المفاوضة، وصورها بغير ما صورها به المالكية، وأجاز الحنابلة نوعاً من أنواع المفاوضة وصوروه بصورة مخالفة لتصوير غيرهم لها. ومنع الشافعية المفاوضات كما منعوا شركة الأبدان والوجوه. وصوروا المفاوضة بصورة أخرى كما تقدم. والشافعية إنما يجيزون الشركة بالمثلى مطلقاً نقداً أو غيره، لا بالمقومات. والحنفية لا يجيزونها إلا بالنقدين والتبر والفلوس النافقة. والحنابلة لا يجيزونها إلا بالدنانير والدراهم كما تقدم جميع ذلك. وقد بينا كيفية الحيلة في الاشتراك بالعروض عند الشافعية والحنفية، وعند المالكية تجوز بدنانير من كل واحد منهما، وبدراهم من كل واحد منهما، وبدنانير ودراهم من كل واحد منهما، وبنقد من أحدهما وعرض من الآخر، وبعرض من كل واحد منهما سواء اتفقا أو اختلفا، وقيل: إن اتفقا لا إن اختلفا، إلا أن العروض تقوم. وأما خلط المالين فلا بد منه عند الشافعي رحمه الله حتى لا يتميز أحدهما عن الآخر كما تقدم. ويكفي في مذهب مالك أن يكون المالان في حوز واحد. ولو كان كل واحد من المالين في صرته لم يختلط بالآخر. ولا يشترط خلط المالين عند الحنفية كما تقدم. وكذلك لا يشترط خلط المالين عند الحنابلة. فتحصل أنه لم يشترط خلط المالين إلا الشافعية: وأن المالكية إنما يشترطون كون المالين. في محل واحد. كحانوت أو صندوق، وإن كان كل واحد منهما متميزاً عن الآخر. فإذا عرفت ملخص كلام العلماء في أنواع الشركات، فسنذكر ما تيسر من أدلتها. أما النوع الذي تسميه المالكية "مفاوضة" ويعبر عنه الشافعية والحنابلة بشركة العنان. فقد يستدل له بحديث البراء بن عازب الذي قدمنا عن البخاري والإمام أحمد، فإنه يدل على الاشتراك في التجارة والبيع، والشراء لأن المقصود بالاشتراك التعاون على العمل المذكور فينوب كل واحد من الشريكين عن الآخر. ويدل لذلك أيضاً حديث أبي هريرة يرفعه قال: إن الله يقول "حديث : أنا ثالث الشريكين.." تفسير : الحديث المتقدم. وقد بينا كلام العلماء فيه، وبينا أنه صالح للاحتجاج، وهو ظاهر في أنهما يعملان معاً في مال الشركة بدليل قوله: "حديث : ما لم يخن أحدهما صاحبه.." تفسير : الحديث. ويدل لذلك أيضاً حديث السائب بن أبي السائب المتقدم في أنه كان شريك النَّبي صلى الله عليه وسلم كما تقدم، وهو اشتراك في التجارة والبيع والشراء. وأما شركة الأبدان فيحتج لها بما رواه أبو عبيدة عن أبيه عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: اشتركت أنا وعمار وسعد فيما نصيب يوم بدر قال: فجاء سعد بأسيرين ولم أجىء أنا وعمار بشيء: رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه، وقال المجد في "منقى الأخبار" بعد أن ساقه: وهو حجة في شركة الأبدان وتملك المباحات. وأعلَّ هذا الحديث بأن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه عبد الله المذكور فالحديث مرسل. وقد قدمنا مراراً أن الأئمة الثلاثة يحتجون بالمرسل خلافًا والمحدثين. وأما المضاربة فلم يثبت فيها حديث صحيح مرفوع، ولكن الصحابة أجمعوا عليها لشيوعها وانتشارها فيهم من غير نكير. وقد مضى على ذلك عمل المسلمين من لدن الصحابة إلى الآن من غير نكير. قال ابن حزم في مراتب الإجماع: كل أبواب الفقه فلها أصل من الكتاب والسنة، حاشا القراض فما وجدنا له أصلاً فيهما ألبتة، ولكنه إجماع صحيح مجرد. والذي يقطع به أنه كان في عصر النَّبي صلى الله عليه وسلم فعلم به وأقره، ولولا ذلك لما جاز اهـ. منه بواسطة نقل الشوكاني في نيل الأوطار. واعلم أن اختلاف الأئمة الذي قدمنا في أنواع الشركة المذكورة راجع إلى الاختلاف في تحقيق المناط، فبعضهم يقول: هذه الصورة يوجد فيها الغرر وهو مناط المنع فهي ممنوعة، فيقول الآخر: لا غرر في هذه الصورة يوجب المنع فمناط المنع ليس موجوداً فيها. والعلم عند الله تعالى. المسألة الثالثة - أخذ بعض علماء المالكية وغيرهم من هذه الآية الكريمة التي نحن بصددها أيضاً: جواز خلط الرفقاء طعامهم وأكل بعضهم مع بعض وإن كان بعضهم أكثر أكلاً من الآخر؛ لأن أصحاب الكهف بعثوا ورقهم ليشتري لهم بها طعام يأكلونه جميعاً. وقد قدمنا في كلام ابن العربي أنه تحتمل انفراد ورق كل واحد منهم وطعامه؛ فلا تدل الآية على خلطهم طعامهم. كما قدمنا عنه: أنها لا تدل على الاشتراك للاحتمال المذكور، وله وجه كما ترى. وقال ابن العربي: ولا معول في هذه المسألة إلا على حديثين، أحدهما: أن ابن عمر مر بقوم يأكلون تمراً فقال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الاقتران إلا أن يستأذن الرجل أخاه. والثاني: حديث أبي عبيدة في جيش الخبط. وهذا دون الأول في الظهور، لأنه يحتمل أن يكون أبو عبيدة يعطيهم كفافاً من ذلك القوت ولا يجمعهم اهـ كلام ابن العربي المالكي رحمه الله تعالى. قال مقيدة عفا الله عنه: هذا النوع من الاشتراك وهو خلط الرفقة طعامهم واشتراكهم في الأكل فيه - هو المعروف بـ "النهد" بكسر النون وفتحها، ولجوازه أدلة من الكتاب والسنة. أما دليل ذلك من الكتاب - فقوله تعالى {أية : وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ }تفسير : [البقرة: 220] فإنها تدل على خلط طعام اليتيم مع طعام وصيه وأكلهما جميعاً، وقوله تعالى: {أية : لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَأْكُلُواْ جَمِيعاً أَوْ أَشْتَاتاً}تفسير : [النور: 61] ومن صور أكلهم جميعاً أن يكون الطعام بينهم فيأكلون جميعاً. وأما السنة - فقد دلت على ذلك أحاديث صحيحة. منها حديث ابن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: "بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثاً إلى الساحل، فأمر عليهم أبا عبيدة بن الجراح، وهم ثلثمائة نفر، وأنا فيهم. فخرجنا حتى إذا كنا ببعض الطريق فني الزاد، فأمر أبوعبيدة بأزواد ذلك الجيش، فجمع ذلك كله، فكان مزودي تمر فكان يقوتنا كل يوم قليلاً حتى فنى، فلم يكن يصيبنا إلا تمرة تمرة. فقلت: وما تغنى تمرة؟ فقال لقد وجدنا فقدها حين فنيت. ثم انتهينا إلى البحر فإذا حوت"..الحديث. وهذا الحديث ثابت في الصحيح، واللفظ الذي سقناه به لفظ البخاري في كتاب "الشركة" وفيه. جمع أبو عبيدة بقية أزواد القوم وخلطها في مزودي تمر، ولم ينكر عليه صلى الله عليه وسلم بعد قدومهم إليه، حديث : ومنها حديث سلمة بن الأكوع رضي الله عنه قال: خفت أزواد القوم وأملقوا، فأتوا النَّبي صلى الله عليه وسلم في نحر إبلهم، فأذن لهم فلقيهم عمر فأخبروه فقال: ما بقاؤكم بعد إبلكم، فدخل على النَّبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، ما بقاؤهم بعد إبلهم؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ناد في الناس فيأتون بفضل أزوادهم" تفسير : فبسط لذلك نطع وجعلوه على النطع، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعا وبرك عليه، ثم دعاهم بأوعيتهم فاحتثى الناس حتى فرغوا، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله"تفسير : هذا الحديث ثابت في الصحيح، واللفظ الذي سقناه به للبخاري أيضاً في كتاب "الشركة" وفيه: خلط طعامهم بعضه مع بعض. ومنها حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: نهى النَّبي صلى الله عليه وسلم أن يقرن الرجل بين التمرتين جميعاً حتى يستأذن أصحابه. في رواية في الصحيح أن النَّبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الإقران إلا أن يستأذن الرجل منكم أخاه. كل هذا ثابت في الصحيح واللفظ للبخاري رحمه الله في كتاب "الشركة". وإذن صاحبه له يدل على اشتراكهما في التمر كما ترى. وهذا الذي ذكرنا جوازه من خلط الرفقاء طعامهم وأكلهم منه جميعاً - هو مراد البخاري رحمه الله بلفظ النهد في قوله "كتاب الشركة. الشركة في الطعام والنهد - إلى قوله - لم ير المسلمون في النهد بأساً أن يأكل هذا بعضاً وهذا بعضاً الخ. فروع تتعلق بمسألة الشركة الأول - إن دفع شخص دابته لآخر ليعمل عليها وما يرزق الله بينهما نصفين أو أثلاثاً أو كيفما شرطا - ففي صحة ذلك خلاف بين العلماء، فقال بعضهم: يصح ذلك. وهو مذهب الإمام أحمد، ونقل نحوه عن الأوزاعي. وقال بعضهم لا يصح ذلك، وما حصل فهو العامل وعليه أجرة مثل الدابة. وهذا هو مذهب مالك: قال ابن قدامة في "المغني" وكره ذلك الحسن والنخعي. وقال الشافعي وأبو ثور وابن المنذر وأصحاب الرأي: لا يصح، والربح كله لرب الدابة، وللعامل أجرة مثله، هذا حاصل كلام أهل العلم في هذه المسألة. وأقوى الأقوال دليلاً عندي فيها - مذهب مالك: من أجاز ذلك، كالإمام أحمد، بدليل حديث رويفع بن ثابت قال: إن كان أحدنا في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم ليأخذ نضو أخيه على أن له النصف مما يغنم ولنا النصف، وإن كان أحدنا لطير له النصل والريش وللآخر القدح. هذا الحديث أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي. قال الشوكاني في "نيل الأوطار": إسناد أبي داود فيه شيبان بن أمية القتباني وهو مجهول، وبقية رجاله ثقات. وقد أخرجه النسائي من غير طريق هذا المجهول بإسناد رجاله كلهم ثقات. والحديث دليل صريح على جواز دفع الرجل إلى الآخر راحلته في الجهاد على أن تكون الغنيمة بينهما. وهو عمل على الدابة على أنما يرزقه الله بينهما كما ترى. والتفريق بين العمل في الجهاد وبين غيره لا يظهر. والعلم عند الله تعالى. الفرع الثاني - أن يشترك ثلاثة: من أحدهم دابة، ومن آخر رواية، ومن الثالث العمل: على أن ما رزقه الله تعالى فهو بينهم، فهل يجوز هذا؟ اختلف في ذلك. فمن العلماء من قال لا يجوز هذا. وهو مذهب مالك، وهو ظاهر قول الشافعي: وممن قال بذلك: القاضي من الحنابلة وأجازه بعض الحنابلة. وقال ابن قدامه في "المغني": إنه صحيح في قياس قول أحمد رحمه الله. الفرع الثالث - أن يشترك أربعة: من أحدهم دكان، ومن آخر رحى، ومن آخر بغل، ومن الرابع العمل، على أن يطحنوا بذلك، فما رزقه الله تعالى فهو بينهم فهل يصح ذلك أو لا. اختلف فيه، فقيل: يصح ذلك وهو مذهب الإمام أحمد. وخالف فيه القاضي من الحنابلة وفاقاً للقائلين بمنع ذلك كالمالكية. قال ابن قدامة: ومنعه هو ظاهر قول الشافعي. لأن هذا لا يجوز أن يكون مشاركة ولا مضاربة: فلو كان صاحب الرحى، وصاحب الدابة، وصاحب الحانوت اتفقوا على أن يعملوا جميعاً وكان كراء الحانوت والرحى والدابة متساوياً، وعمل أربابها متساوياً فهو جائز عند المالكية.. وهذه المسألة هي ألتي أشار إليها خليل في مختصره بقوله عاطفاً على ما لا يجوز: وذي رحاً، وذي بيت، وذي دابة ليعلموا إن لم يتساو الكراء وتساووا في الغلة وترادوا الأكربة. وإن اشترط عمل رب الدابة فالغلة له وعليه كراؤهما. ولا يخفى أن "الشركة" باب كبير من أبواب الفقه، وأن مسائلها مبينة باستقصاء في كتب فروع الأئمة الأربعة رضي الله عنهم. وقصدنا هنا أن نبين جوازها بالكتاب والسنة والإجماع ونذكر أقسامها ومعانيها اللغوية والاصطلاحية، واختلاف العلماء فيها. وبيان أقوالهم، وذكر بعض فروعها تنبيها بها على غيرها، وقد أتينا على جميع ذلك. والحمد لله رب العالمين.
الواحدي
تفسير : {وكذلك} وكما فعلنا بهم هذه الأشياء {بعثناهم} أيقظناهم من تلك النَّومة التي تشبه الموت {ليتساءلوا بينهم} ليكون بينهم تساؤلٌ عن مدَّة لبثهم {قال قائل منهم كم لبثتم} كم مرَّ علينا منذ دخلنا الكهف؟ {قالوا لبثنا يوماً أو بعض يوم} وذلك أنَّهم دخلوا الكهف غدوةً، وبعثهم الله في آخر النَّهار، لذلك قالوا: يوماً، فلمَّا رأوا الشمس قالوا: أو بعض يوم، وكان قد بقيت من النَّهار بقيةٌ، فقال تمليخا: {ربكم أعلم بما لبثتم} ردَّ علم ذلك إلى الله سبحانه {فابعثوا أحدكم بورقكم} بدراهمكم {هذه إلى المدينة فلينظر أيها} أَيُّ أهلها {أزكى طعاماً} أحلّ من جهةِ أنَّه ذبيحةُ مؤمن، أو من جهة أنَّه غير مغصوب، وقوله: {وليتلطف} في دخول المدينة وشراء الطَّعام حتى لا يَطَّلِع عليه أحدٌ {ولا يشعرنَّ بكم} ولا يخبرنَّ بكم ولا بمكانكم {أحداً}. {إنهم إن يظهروا عليكم} يطَّلعوا ويُشرفوا عليكم {يرجموكم} يقتلوكم {أو يعيدوكم في ملتهم} يردُّوكم إلى دينهم {ولن تفلحوا إذاً أبداً} لن تسعدوا في الدُّنيا ولا في الآخرة إن رجعتم إلى دينهم. {وكذلك} وكما بعثناهم وأنمناهم {أَعْثرنا} أطلعنا {عليهم ليعلموا} ليعلم القوم الذين كانوا في ذلك الوقت {أنَّ وعد الله} بالثَّواب والعقاب {حقٌّ وأنَّ الساعة} القيامة {لا ريب فيها} لا شكَّ فيها، وذلك أنَّهم يستدلُّون بقصَّتهم على صحَّة أمر البعث {إذ يتنازعون} أَي: اذكر يا محمد إذ يتنازع أهلُ ذلك الزَّمان أمرَ أصحاب الكهف {بينهم} وذلك أنَّهم كانوا يختلفون في مدَّة مكثهم وفي عددهم. وقيل: تنازعوا فقال المؤمنون: نبني عندهم مسجداً، وقال الكافرون: نُحوِّط عليهم حائطاً. يدلُّ على هذا قوله: {ابنوا عليهم بنياناً} استروهم عن النَّاس ببناءٍ حولهم، وقوله: {ربُّهم أعلم بهم} يدلُّ على أنَّه وقع تنازعٌ في عدَّتهم. {قال الذين غلبوا على أمرهم} وهم المؤمنون، وكانوا غالبين في ذلك الوقت. {لنتخذنَّ عليهم مسجداً} فذكر في القصَّة أنّه جعل على باب الكهف مسجد يصلَّى فيه.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: كذلك بعثناهم: أي كما أنمناهم تلك النومة الطويلة الخارقة للعادة بعثناهم من رقادهم بعثاً خارقاً للعادة أيضاً فكان في منامهم آية وفي إفاقتهم آية. كم لبثتم: أي في الكهف نائمين. يوماً أو بعض يوم: لأنهم دخلوا الكهف صباحاً واستيقظوا عشية. بورقكم: بدراهم الفضة التي عندكم. إلى المدينة: أي المدينة التي كانت تسمى أفسوس وهي طرسوس اليوم. أزكى طعاماً: أي أيُّ أطعمة المدينة أَحلُّ أي أكثر حِلِّيَّةً. وليتلطف: أي يذهب يشتري الطعام ويعود في لطف وخفاء. يرجموكم: أي يقتلوكم رمياً بالحجارة. أعثرنا عليهم: أطلعنا عليهم أهل بلدهم. ليعلموا: أي قومهم أن البعث حق للأجساد والأرواح معاً. إذ يتنازعون: أي الكفار قالوا ابنوا عليهم أي حولهم بناء يسترهم. فقالوا: أي المؤمنون والكافرون في شأن البناء عليهم. وقال الذين غلبوا على أمرهم: وهم المؤمنون لنتخذن حولهم مسجداً يصلى فيه. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في الحديث عن أصحاب الكهف فقوله تعالى: {وَكَذٰلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَآءَلُوا بَيْنَهُمْ} أي كما أنمناهم ثلاثمائة سنة وتسعا وحفظنا أجسادهم وثيابهم من البلى ومنعناهم من وصول أحد إليهم، وهذا من مظاهر قدرتنا وعظيم سلطاننا بعثناهم من نومهم الطويل ليتساءلوا بينهم فقال قائل منهم مستفهماً كم لبثتم يا إخواننا فأجاب بعضهم قائلاً {لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ} لأنهم آووا إلى الكهف في الصباح وبعثوا من رقادهم في المساء وأجاب بعض آخر بقول مُرْضٍ للجميع وهو قوله: {رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ} فسلموا الأمر إليه، وكانوا جياعاً فقالوا لبعضهم {فَٱبْعَثُواْ أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَـٰذِهِ} يشيرون إلى عملة من فضة كانت معهم {إِلَىٰ ٱلْمَدِينَةِ} وهي أفسوس التي خرجوا منها هاربين بدينهم، وقوله: {فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَآ أَزْكَىٰ طَعَاماً فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِّنْهُ} أي فلينظر الذي تبعثونه لشراء الطعام أي أنواع الأطعمة أزكى أي أطهر من الحرام والاستقذار {فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِّنْهُ} لتأكلوه سداً لجوعكم وليتلطف في شرائه وذهابه وإيابه حتى لا يُشعر بكم أحداً وعلل لقوله هذا بقوله {إِنَّهُمْ إِن يَظْهَرُواْ عَلَيْكُمْ} أي يطلعوا {يَرْجُمُوكُمْ} أو يقتلوكم رجماً بالحجارة {أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ} ملة الشرك بالقسر والقوة. {وَلَن تُفْلِحُوۤاْ إِذاً أَبَداً} أي ولن تفلحوا بالنجاة من النار ودخول الجنة إذا أنتم عدتم للكفر والشرك.. فكفرتم وأشركتم بربكم. وقوله تعالى: {وَكَذٰلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ} أي وكما أنمناهم تلك المدة الطويلة وبعثناهم ليتساءلوا بينهم فيزدادوا إيماناً ومعرفة بولاية الله تعالى وحمايته لأوليائه {أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ} أهل مدينتهم الذين انقسموا إلى فريقين فريق يعتقد أن البعث حق وأنه بالأجسام والأرواح، وفريق يقول البعث الآخر للأرواح دون الأجسام كما هي عقيدة النصارى إلى اليوم، فأنام الله الفتية وبعثهم وأعثر عليهم هؤلاء القوم المختلفين فاتضح لهم أن الله قادر على بعث الناس أحياء أجساماً وأرواحاً كما بعث أصحاب الكهف وهو معنى قوله تعالى: {وَكَذٰلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوۤاْ} أي أولئك المختلفون في شأن البعث أن وعد الله حق وهو ما وعد به الناس من أنه سيبعثهم بعد موتهم يوم القيامة ليحاسبهم ويجزيهم بعملهم. {وَأَنَّ ٱلسَّاعَةَ لاَ رَيْبَ فِيهَا} وقوله تعالى: {إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ} أي أعثرناهم عليهم في وقت كان أهل البلد يتنازعون في شأن البعث والحياة الآخرة هل هي بالأجسام والأرواح أو بالأرواح دون الأجسام. فتبين لهم بهذه الحادثة أن البعث حق وأنه بالأجسام والأرواح معاً. وقوله تعالى: {فَقَالُواْ ٱبْنُواْ عَلَيْهِمْ بُنْيَاناً} واتركوهم في الكهف أي سدوا عليهم باب الكهف واتركوهم فيه لأنهم بعد أن عثروا عليهم ماتوا {رَّبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ} وبحالهم. وقوله تعالى: {قَالَ ٱلَّذِينَ غَلَبُواْ عَلَىٰ أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَّسْجِداً} أي قال الذين غلبوا على أمر الفتية لكون الملك كان مسلماً معهم {لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَّسْجِداً} أي للصلاة فيه وفعلاً بنوة على مقربة من فم الغار بالكهف. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- مظاهر قدرة الله تعالى وعلمه وحكمته. 2- وحوب طلب الحلال في الطعام والشراب وغيرهما. 3- الموت على الشرك والكفر مانع من الفلاح يوم القيامة أبداً. 4- تقرير معتقد البعث والجزاء الذي ينكره أهل مكة. 5- مصداق قول الرسول صلى الله عليه وسلم "حديث : لعن الله اليهود والنصارى إتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" تفسير : وقوله "حديث : إن أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على قبره مسجداً وصوروا فيه تلك الصور أولئك شرار الخلق يوم القيامة" تفسير : (في الصحيحين). 6- مصداق قول الرسول صلى الله عليه وسلم "حديث : لتتبعن سنن من قبلكم شبراً بشبر وذراعاً بذراع"تفسير : . إذ قد بنى المسلمون على قبور الأولياء والصالحين المساجد. بعد القرون المفضلة حتى أصبح يندر وجود مسجد عتيق خال من قبر أو قبور.
القطان
تفسير : بورقكم: الورق بفتح الواو وكسر الراء، والورق باسكان الراء: الفضة، سواء كانت عملة او غيرها. ازكى طعاما: اجود او اطيب. وليتلطف: ليكن حذرا ومعاملته لطيفة. ولا يشعرن بكم احدا: لا يفعل ما يؤدي الى كشف احوالهم. ان يظهروا عليكم: ان يطّلعوا عليكم. وكذلك اعثرنا عليهم: كذلك كشفنا امرهم فاطلع عليهم اهل المدينة. رجما بالغيب: القول بدون علم. وكما أنمناهم بعثناهم من نومِهم، ليسأل بعضُهم بعضا عن مدة بقائهم نائمين. فقال أحدهم: كم مكثتُم نائمين؟ قالوا: مكثنا يوماً او بعض يوم. ثم احالوا العِلم الى الله، فقالوا: الله أعلمُ بما لبثتم. وشعروا باحتياجهم الى الطعام والشراب فقالوا: ابعثوا أحدكَم بدراهمكم الفضيّة الى المدينة، فلْينظْر أي الاطعمة أشهى فليأتِنا برزق منه وليتلطف بالتخفيّ حتى لا يعرفه احد. وكانوا لا يعلمون ان ثلاثة قرونٍ قد مرّت عليهم وهم راقدون. انهم ان يطّلعوا عليكم يقتلوكم رجماً بالحجارة، او يعيدوكم إلى دينهم، ولن تفلحوا إذَنْ أبدا. واطلعنا عليهم أهل المدينة ليعلم الناسُ أن وعدَ الله بالبعث حق، وان القيامة لا شك فيها. وآمن اهلُ المدينة بالله واليوم الآخر، ثم امات الله الفتية وتنازعَ الناس في شأنهم، فقال بعضهم: ابنُوا عليهم بنيانا ونتركهم وشأنهم، فربُّهم أعلمُ بحالهم. وقال الذين غلبوا على امرهم لنتخذنَّ على مكانهم مسجداً نعبد الله فيه. قراءات: قرأ ابو عمرو وحمزة وابو بكر: "بوَرْقكم" بفتح الواو وسكون الراء. والباقون "بورِقِكم" بفتح الواو وكسر الراء. {سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ...} لما ذكر الله القصة ونزاعَ المتخاصمين فيما بينهم، شرع يقصّ علينا ما دار في عهد النبي صلى الله عليه وسلم من الخلاف في عدد اصحاب الكهف. سيقولُ فريق من الخائضين في قِصتّهم من اهل الكتاب: هم ثلاثةٌ رابعهم كلبهم، ويقول آخرون: هم خمسة سادسهم كلبهم، ظناً بدون يقين، ويقول آخرون هم سبعة وثامنهم كلبهم. قل يا محمد لهؤلاء المختلفين: ربي أعلمُ بعددهم، ولا يعلم حقيقته الا قليل من الناس أطلعَهم الله عليه، فلا تجادلْ في شأن الفتية الا جَدَلاً سهلاً ليّنا، ولا تستفتِ في شأنهم احدا، فقد جاءك الحق الذي لا مرية فيه.
د. أسعد حومد
تفسير : {بَعَثْنَاهُمْ} {قَائِلٌ} (19) - وَكَمَا أَرْقَدَهُمُ اللهُ تَعَالَى فِي الكَهْفِ وَحَفِظَ أَجْسَادَهُمْ مِنَ البِلَى، بَعَثَهُمْ مِنْ رُقُودِهِمْ، وَأَبْدَانُهُمْ سَلِيمَةٌ، وَشُعُورُهُمْ وَأَبْشَارُهُمْ سَلِيمَةٌ، فَسَأَلَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً كَمْ كَانَتْ مُدَّةُ رَقْدَتِكُمْ؟ فَقَالُوا: لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ (إِذْ يُقَالُ إِنَّهُمْ دَخَلوا الكَهْفَ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ، وَاسْتَيْقَظُوا فِي آخِرِهِ)، فَقَالُوا وَكَأَنَّهُمُ اسْتَكْثَرُوا نَوْمَهُمْ: اللهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ. وَالمُهِمُّ الآنَ أَنْ تَبْعَثُوا وَاحِداً مِنْكُمْ إِلى المَدِينَةِ بِمَا مَعَكُمْ مِنْ عِمْلَةٍ مِنَ الفِضَّةِ (وَرِقِكُمْ)، فَلْيَبْحَثْ لَكُمْ عَنْ أَطْيَبِ طَعَامٍ وَأَطْهَرِهِ، وَلْيَأْتِكُمْ بِشَيءٍ مِنْهُ، وَعَلَى هذا الرَّسُولِ أَنْ يُحَاوِلَ قَدْرَ جُهْدِهِ عَدَمَ لَفْتِ الأَنْظَارِ إِلَيْهِ، وَلْيَتَلَطَّفْ فِي ذَهَابِهِ وَإِيَّابِهِ، لِكَيْلا يُشْعِرَ أَحَداً بِمَكَانِكُمْ. بَعَثْنَاهُمْ - أَيْقَظْنَاهُمْ مِنْ نَوْمِهِمْ. بِوَرَقِكُمْ - بِدَرَاهِمِكُمْ المَضْرُوبَةِ مِنَ الفِضَّةِ. أَزْكَى طَعَاماً - أَكْثَرُ حِلاًّ، أَوْ أَجْوَدُ طَعَاماً.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : قوله: {بَعَثْنَاهُمْ} أي: أيقظناهم من نومهم؛ لأن نومهم الطويل الذي استغرق ثلاثمائة سنة وتِسْعاً أشبه الموت، فقال {بَعَثْنَاهُمْ}، والبعْثُ هنا لقضية خاصة بهم، وهي أنْ يسأل بعضهم بعضاً عن مُدّة لُبْثهم في الكهف، وقد انقسموا في سؤالهم هذا إلى فريقين الفريق الأول: {قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ كَم لَبِثْتُمْ ..} [الكهف: 19]. فَردَّ الفريق الآخر بما تقتضيه طبيعة الإنسان في النوم العادي، فقال: {قَالُواْ لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ..} [الكهف: 19] فالإنسان لا يستطيع تقدير مدّة نومه بالضبط، لكن المعتاد في النوم أن يكون كذلك يوماً أو بعض يوم. وقد أخذ العلماء من هذا القول أنهم حين تساءلوا هذا السؤال لم يجدوا في ذواتهم شيئاً يدلُّ على مرور زمن طويل، حيث وجدوا أنفسهم على الحال التي ناموا عليها، فلم يتغير مثلاً حالهم من الشباب إلى الشيخوخة، ولم يتغير شعرهم مثلاً إلى البياض؛ لذلك قالوا: لبثنا يوماً أو بعض يوم، ولو وجدوا أنفسهم شيباً لقدَّروا الزمن المناسب لهذا الشيْب. وهذه وقفة المشدوه حين يُسْأل عن زمن لا يدري مُدته، إنه طويل عند الله إنما قصير عنده، وهذا كقوله تعالى في سورة البقرة: {أية : قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِاْئَةَ عَامٍ فَٱنْظُرْ إِلَىٰ طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَٱنْظُرْ إِلَىٰ حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ ءَايَةً لِلنَّاسِ ..}تفسير : [البقرة: 259]. لقد حكم على مُدّة لُبْثه بيوم أو بعض يوم؛ لأنه وجد نفسه على الحال التي عهدها لم يتغير منه شيء، فكيف يتأتّى الصدق من الحق سبحانه في قوله (مائة عام) والصدق في قول العُزَيْر بيوم أو بعض يوم؟ لا شكَّ أننا أمام آية من آيات الخالق سبحانه، ومعجزة من معجزاته لا يقدر عليها إلا المالك للزمان وللمكان، القابض للزمان ليوم أو بعض يوم، الباسط له إلى مائة عام. لذلك أظهر الخالق سبحانه في هذه المعجزة الدليل على صدق القولين: ففي طعام العُزَير الذي ظلَّ على حاله طازجاً لم يتغير دليل على يوم أو بعض يوم، وفي حماره الذي رآه عظاماً بالية دليل على المائة عام، فسبحان الذي يجمع الشيء وضده في آن واحد. ثم يقول تعالى حكاية عنهم: {قَالُواْ رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ ..} [الكهف: 19] وهو قَوْل الجماعة الذين أرادوا إنهاء الخلاف في هذه المسألة، فقالوا لإخوانهم: دعونا من هذه القضية التي لا تفيد، واتركوا أمرها لله تعالى. ودائماً يأمرنا الحق سبحانه بأنْ ننقلَ الجدل من شيء لا ننتهي فيه إلى شيء، ونُحوله للأمر المثمر النافع؛ لذلك قالوا: {فَٱبْعَثُواْ أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَـٰذِهِ إِلَىٰ ٱلْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَآ أَزْكَىٰ طَعَاماً فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِّنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلاَ يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَداً} [الكهف: 19]. والوَرِق يعني العملة من الفضة، فأرادوا أنْ يرسلوا أحدهم بما معهم من النقود ليشتري لهم من المدينة طعاماً؛ لأنهم بمجرد أن استيقظوا انتهت حالتهم الاستثنائية، وعادوا إلى طبيعتهم؛ لذلك طلبوا الطعام، لكن نلحظ هنا أن الجوع لم يحملهم على طلب مطلق الطعام، بل تراهم حريصين على تزكية طعامهم واختيار أَطيبه وأَطْهره، وأبعده عن الحرام. وكذلك لم يَفُتْهم أنْ يكونوا على حذر من قومهم، فَمْن سيذهب منهم إلى هذه المهمة عليه أن يدخل المدينة خِلْسة، وأن يتلطف في الأمر حتى لا يشعر به أحد من القوم، ذلك لأنهم استيقظوا على الحالة التي ناموا عليها، وما زالوا على حَذَر من قومهم يظنون أنهم يتتبعونهم ويبحثون عنهم، ويسَعَوْن للقضاء عليهم. ثم يقول الحق سبحانه: {إِنَّهُمْ إِن يَظْهَرُواْ عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {أَيُّهَآ أَزْكَىٰ طَعَاماً} معناه أَحَدُّ، وذَلِكَ أَنَّ قَومَهُ كَانوا يَذبَحُونَ للطَّواغيتَ. ويقالُ: أَطيبُ. ويقالُ أَكثرُ. تفسير : وقوله تعالى: {وَلاَ يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَداً} يعني لاَ يَعلَمنَّ.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يقول تعالى: { وكذلك بعثناهم } أي: من نومهم الطويل { ليتساءلوا بينهم } أي: ليتباحثوا للوقوف على الحقيقة من مدة لبثهم. { قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ } وهذا مبني على ظن القائل، وكأنهم وقع عندهم اشتباه. في طول مدتهم، فلهذا { قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ } فردوا العلم إلى المحيط علمه بكل شيء، جملة وتفصيلا ولعل الله تعالى -بعد ذلك- أطلعهم على مدة لبثهم، لأنه بعثهم ليتساءلوا بينهم، وأخبر أنهم تساءلوا، وتكلموا بمبلغ ما عندهم، وصار آخر أمرهم، الاشتباه، فلا بد أن يكون قد أخبرهم يقينا، علمنا ذلك من حكمته في بعثهم، وأنه لا يفعل ذلك عبثا. ومن رحمته بمن طلب علم الحقيقة في الأمور المطلوب علمها، وسعى لذلك ما أمكنه، فإن الله يوضح له ذلك، وبما ذكر فيما بعده من قوله. { وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لا رَيْبَ فِيهَا } فلولا أنه حصل العلم بحالهم، لم يكونوا دليلا على ما ذكر، ثم إنهم لما تساءلوا بينهم، وجرى منهم ما أخبر الله به، أرسلوا أحدهم بورقهم، أي: بالدراهم، التي كانت معهم، ليشتري لهم طعاما يأكلونه، من المدينة التي خرجوا منها، وأمروه أن يتخير من الطعام أزكاه، أي: أطيبه وألذه، وأن يتلطف في ذهابه وشرائه وإيابه، وأن يختفي في ذلك، ويخفي حال إخوانه، ولا يشعرن بهم أحدا. وذكروا المحذور من اطلاع غيرهم عليهم، وظهورهم عليهم، أنهم بين أمرين، إما الرجم بالحجارة، فيقتلونهم أشنع قتلة، لحنقهم عليهم وعلى دينهم، وإما أن يفتنوهم عن دينهم، ويردوهم في ملتم، وفي هذه الحال، لا يفلحون أبدا، بل يحشرون في دينهم ودنياهم وأخراهم، وقد دلت هاتان الآيتان، على عدة فوائد. منها: الحث على العلم، وعلى المباحثة فيه، لكون الله بعثهم لأجل ذلك. ومنها: الأدب فيمن اشتبه عليه العلم، أن يرده إلى عالمه، وأن يقف عند حده. ومنها: صحة الوكالة في البيع والشراء، وصحة الشركة في ذلك. ومنها: جواز أكل الطيبات، والمطاعم اللذيذة، إذا لم تخرج إلى حد الإسراف المنهي عنه لقوله { فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ } وخصوصا إذا كان الإنسان لا يلائمه إلا ذلك ولعل هذا عمدة كثير من المفسرين، القائلين بأن هؤلاء أولاد ملوك لكونهم أمروه بأزكى الأطعمة، التي جرت عادة الأغنياء الكبار بتناولها. ومنها: الحث على التحرز، والاستخفاء، والبعد عن مواقع الفتن في الدين، واستعمال الكتمان في ذلك على الإنسان وعلى إخوانه في الدين. ومنها: شدة رغبة هؤلاء الفتية في الدين، وفرارهم من كل فتنة، في دينهم وتركهم أوطانهم في الله. ومنها: ذكر ما اشتمل عليه الشر من المضار والمفاسد، الداعية لبغضه، وتركه، وأن هذه الطريقة، هي طريقة المؤمنين المتقدمين، والمتأخرين لقولهم: { وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا }.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 537 : 2: 1 - سفين عن أبي حصين عن سعيد بن جبير في قوله: {أَيُّهَآ أَزْكَىٰ طَعَاماً} قال، أحل طعاماً. [الآية 19]. 538 : 3 : 2 - سفين عن أبي حصين عن عكرمة قال، اكثر طعاما.
همام الصنعاني
تفسير : 1662- حدثنا عبد الرزاق، قال أنبأنا معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {أَيُّهَآ أَزْكَىٰ طَعَاماً}: [الآية: 19]، قال: خير طعاماً، يعني أجوده. 1663- حدثنا عبد الرزاق، قال: أخبرني الثوري، عن أبي حصين، عن سعيد بن جبير، في قوله: {أَزْكَىٰ طَعَاماً}: [الآية: 19]، قال: أحل. قال أبو حصين وقال عكرمة: أكثر.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):