Verse. 2161 (AR)

١٨ - ٱلْكَهْف

18 - Al-Kahf (AR)

وَكَذٰلِكَ اَعْثَرْنَا عَلَيْہِمْ لِيَعْلَمُوْۗا اَنَّ وَعْدَ اللہِ حَقٌّ وَّاَنَّ السَّاعَۃَ لَا رَيْبَ فِيْہَا۝۰ۚۤ اِذْ يَتَنَازَعُوْنَ بَيْنَہُمْ اَمْرَہُمْ فَقَالُوا ابْنُوْا عَلَيْہِمْ بُنْيَانًا۝۰ۭ رَبُّہُمْ اَعْلَمُ بِہِمْ۝۰ۭ قَالَ الَّذِيْنَ غَلَبُوْا عَلٰۗي اَمْرِہِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْہِمْ مَّسْجِدًا۝۲۱
Wakathalika aAAtharna AAalayhim liyaAAlamoo anna waAAda Allahi haqqun waanna alsaAAata la rayba feeha ith yatanazaAAoona baynahum amrahum faqaloo ibnoo AAalayhim bunyanan rabbuhum aAAlamu bihim qala allatheena ghalaboo AAala amrihim lanattakhithanna AAalayhim masjidan

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وكذلك» كما بعثناهم «أعثرنا» أطلعنا «عليهم» قومهم والمؤمنين «ليعلموا» أي قومهم «أن وعد الله» بالبعث «حق» بطريق أن القادر على إنامتهم المدة الطويلة وإبقائهم على حالهم بلا غذاء قادر على إحياء الموتى «وأن الساعة لا ريب» لا شك «فيها إذ» معمول لأعثرنا «يتنازعون» أي المؤمنون والكفار «بينهم أمرهم» أمر الفتية في البناء حولهم «فقالوا» أي الكفار «ابنوا عليهم» أي حولهم «بنيانا» يسترهم. «ربهم أعلم بهم قال الذين غلبوا على أمرهم» أمر الفتية وهم المؤمنون «لنتخذن عليهم» حولهم «مسجدا» يصلى فيه، وفعل ذلك على باب الكهف.

21

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن المعنى كما زدناهم هدى وربطنا على قلوبهم وأنمناهم وقلبناهم وبعثناهم لما فيها من الحكم الظاهرة، فكذلك أعثرنا عليهم أي أطلعنا غيرهم على أحوالهم يقال عثرت على كذا أي علمته وقالوا: إن أصل هذا أن من كان غافلاً عن شيء فعثر به نظر إليه فعرفه، فكان العثار سبباً لحصول العلم والتبين فأطلق اسم السبب على المسبب واختلفوا في السبب الذي لأجله عرف الناس واقعة أصحاب الكهف على وجهين: الأول: أنه طالت شعورهم وأظفارهم طولاً مخالفاً للعادة وظهرت في بشرة وجوههم آثار عجيبة تدل على أن مدتهم قد طالت طولاً خارجاً عن العادة. والثاني: أن ذلك الرجل لما دخل إلى السوق ليشتري الطعام وأخرج الدراهم لثمن الطعام قال صاحب الطعام: هذه النقود غير موجودة في هذا اليوم. وإنها كانت موجودة قبل هذا الوقت بمدة طويلة ودهر داهر فلعلك وجدت كنزاً، واختلف الناس فيه وحملوا ذلك الرجل إلى ملك البلد فقال الملك من أين وجدت هذه الدراهم؟ فقال: بعت بها أمس شيئاً من التمر، وخرجنا فراراً من الملك دقيانوس فعرف ذلك الملك أنه ما وجد كنزاً وأن الله بعثه بعد موته ثم قال تعالى: {لِيَعْلَمُواْ أَنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ } يعني أنا إنما أطلعنا القوم على أحوالهم ليعلم القوم أن وعد الله حق بالبعث والحشر والنشر روى أن ملك ذلك الوقت كان ممن ينكر البعث إلا أنه كان مع كفره منصفاً فجعل الله أمر الفتية دليلاً للملك، وقيل بل اختلفت الأمة في ذلك الزمان فقال بعضهم: الجسد والروح يبعثان جميعاً، وقال آخرون: الروح تبعث، وأما الجسد فتأكله الأرض. ثم إن ذلك الملك كان يتضرع إلى الله أن يظهر له آية يستدل بها على ما هو الحق في هذه المسألة فأطلعه الله تعالى على أمر أصحاب أهل الكهف. فاستدل ذلك الملك بواقعتهم على صحة البعث للأجساد، لأن انتباههم بعد ذلك النوم الطويل يشبه من يموت ثم يبعث فقوله: {إِذْ يَتَنَـٰزَعُونَ بَيْنَهُمْ } متعلق بأعثرنا أي أعثرناهم عليهم حين يتنازعون بينهم. واختلفوا في المراد بهذا التنازع فقيل كانوا يتنازعون في صحة البعث، فالقائلون به استدلوا بهذه الواقعة على صحته، وقالوا كما قدر الله على حفظ أجسادهم مدة ثلثمائة سنة وتسع سنين فكذلك يقدر على حشر الأجساد بعد موتها، وقيل: إن الملك وقومه لما رأوا أصحاب الكهف ووقفوا على أحوالهم عاد القوم إلى كهفهم فأماتهم الله فعند هذا اختلف الناس، فقال قوم إنهم نيام كالكرة الأولى وقال آخرون بل الآن ماتوا. والقول الثالث: أن بعضهم قال: الأولى أن يسد باب الكهف لئلا يدخل عليهم أحد ولا يقف على أحوالهم إنسان. وقال آخرون: بل الأولى أن يبنى على باب الكهف مسجد وهذا القول يدل على أن أولئك الأقوام كانوا عارفين بالله معترفين بالعبادة والصلاة. والقول الرابع: أن الكفار قالوا: إنهم كانوا على ديننا فنتخذ عليهم بنياناً، والمسلمون قالوا كانوا على ديننا فنتخذ عليهم مسجداً. والقول الخامس: أنهم تنازعوا في قدر مكثهم. والسادس: أنهم تنازعوا في عددهم وأسمائهم، ثم قال تعالى: {رَّبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ } وهذا فيه وجهان. أحدهما: أنه من كلام المتنازعين كأنهم لما تذاكروا أمرهم وتناقلوا الكلام في أسمائهم وأحوالهم ومدة لبثهم، فلما لم يهتدوا إلى حقيقة ذلك قالوا ربهم أعلم بهم. الثاني: أن هذا من كلام الله تعالى ذكره رداً للخائضين في حديثهم من أولئك المتنازعين ثم قال تعالى: {قَالَ ٱلَّذِينَ غَلَبُواْ عَلَىٰ أَمْرِهِمْ } قيل المراد به الملك المسلم، وقيل: أولياء أصحاب الكهف، وقيل: رؤساء البلد: {لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَّسْجِدًا } نعبد الله فيه ونستبقي آثار أصحاب الكهف بسبب ذلك المسجد، ثم قال تعالى: {سَيَقُولُونَ ثَلَـٰثَةٌ رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ } الضمير في قوله: {سَيَقُولُونَ } عائد إلى المتنازعين. روى أن السيد والعاقب وأصحابهما من أهل نجران كانوا عند النبي صلى الله عليه وسلم فجرى ذكر أصحاب الكهف فقال السيد وكان يعقوبياً كانوا ثلاثة رابعهم كلبهم، وقال العاقب وكان نسطورياً كانوا خمسة سادسهم كلبهم، وقال المسلمون كانوا سبعة وثامنهم كلبهم، قال أكثر المفسرين هذا الأخير هو الحق ويدل عليه وجوه. الأول: أن الواو في قوله: {وَثَامِنُهُمْ } هي الواو التي تدخل على الجملة الواقعة صفة للنكرة كما تدخل على الواقعة حالاً عن المعرفة في نحو قولك جاءني رجل ومعه آخر، ومررت بزيد وفي يده سيف، ومنه قوله تعالى: { أية : وَمَآ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلاَّ وَلَهَا كِتَـٰبٌ مَّعْلُومٌ } تفسير : [الحجر: 4] وفائدتها توكيد ثبوت الصفة للموصوف والدلالة على أن اتصافه بها أمر ثابت مستقر، فكانت هذه الواو دالة على صدق الذين قالوا إنهم كانوا سبعة وثامنهم كلبهم، وأنهم قالوا قولاً متقرراً متحققاً عن ثبات وعلم وطمأنينة نفس. الوجه الثاني: قالوا: إنه تعالى خص هذا الموضع بهذا الحرف الزائد وهو الواو فوجب أن تحصل به فائدة زائدة صوناً للفظ عن التعطيل، وكل من أثبت هذه الفائدة الزائدة قال المراد منها تخصيص هذا القول بالإثبات والتصحيح. الوجه الثالث: أنه تعالى أتبع القولين الأولين بقوله: {رَجْماً بِٱلْغَيْبِ } وتخصيص الشيء بالوصف يدل على أن الحال في الباقي بخلافه، فوجب أن يكون المخصوص بالظن الباطل هو القولان الأولان، وأن يكون القول الثالث مخالفاً لهما في كونهما رجماً بالظن. والوجه الرابع: أنه تعالى لما حكى قولهم: {وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ } قال بعده: {قُل رَّبّى أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِم مَّا يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ قَلِيلٌ } فاتباع القولين الأولين بكونهما رجماً بالغيب واتباع هذا القول الثالث بقوله: {قُل رَّبّى أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِم مَّا يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ قَلِيلٌ } يدل على أن هذا القول ممتاز عن القولين الأولين بمزيد القوة والصحة. والوجه الخامس: أنه تعالى قال: {مَّا يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ قَلِيلٌ } وهذا يقتضي أنه حصل العلم بعدتهم لذلك القليل وكل من قال من المسلمين قولاً في هذا الباب قالوا إنهم كانوا سبعة وثامنهم كلبهم فوجب أن يكون المراد من ذلك القليل هؤلاء الذين قالوا هذا القول. كان علي بن أبي طالب رضي الله عنه يقول: كانوا سبعة وأسماؤهم هذا: يمليخا، مكسلمينا، مسلثينا وهؤلاء الثلاثة كانوا أصحاب يمين الملك، وكان عن يساره: مرنوس، ودبرنوس، وسادنوس، وكان الملك يستشير هؤلاء الستة في مهماته، والسابع هو الراعي الذي وافقهم لما هربوا من ملكهم واسم كلبهم قطمير، وكان ابن عباس رضي الله عنهما يقول: أنا من ذلك العدد القليل، وكان يقول: إنهم سبعة وثامنهم كلبهم. الوجه السادس: أنه تعالى لما قال: {وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُل رَّبّى أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِم مَّا يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ قَلِيلٌ } والظاهر أنه تعالى لما حكى الأقوال فقد حكى كل ما قيل من الحق والباطل لأنه يبعد أنه تعالى ذكر الأقوال الباطلة ولم يذكر ما هو الحق. فثبت أن جملة الأقوال الحقة والباطلة ليست إلا هذه الثلاثة، ثم خص الأولين بأنهما رجم بالغيب فوجب أن يكون الحق هو هذا الثالث. الوجه السابع: أنه تعالى قال لرسوله؛ {فَلاَ تُمَارِ فِيهِمْ إِلاَّ مِرَآء ظَـٰهِرًا وَلاَ تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مّنْهُمْ أَحَداً } فمنعه الله تعالى عن المناظرة معهم وعن استفتائهم في هذا الباب، وهذا إنما يكون لو علمه حكم هذه الواقعة، وأيضاً أنه تعالى قال: {مَّا يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ قَلِيلٌ } ويبعد أن يحصل العلم بذلك لغير النبي ولا يحصل للنبي، فعلمنا أن العلم بهذه الواقعة حصل للنبي عليه السلام، والظاهر أنه لم يحصل ذلك العلم إلا بهذا الوحي، لأن الأصل فيما سواه العدم، وأن يكون الأمر كذلك فكان الحق هو قوله: {وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ } واعلم أن هذه الوجوه وإن كان بعضها أضعف من بعض إلا أنه لما تقوى بعضها ببعض حصل فيه كمال وتمام، والله أعلم. بقي في الآية مباحث. البحث الأول: في الآية حذف والتقدير سيقولون هم ثلاثة فحذف المبتدأ لدلالة الكلام عليه. البحث الثاني: خص القول الأول بسين الاستقبال، وهو قوله سيقولون، والسبب فيه أن حرف العطف يوجب دخول القولين الآخرين فيه. البحث الثالث: الرجم هو الرمي، والغيب ما غاب عن الإنسان فقوله: {رَجْماً بِٱلْغَيْبِ } معناه أن يرى ما غاب عنه ولا يعرفه بالحقيقة، يقال فلان يرمي بالكلام رمياً، أي يتكلم من غير تدبر. البحث الرابع: ذكروا في فائدة الواو في قوله: {وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ } وجوهاً الوجه الأول: ما ذكرنا أنه يدل على أن هذا القول أولى من سائر الأقوال. وثانيها: أن السبعة عند العرب أصل في المبالغة في العدد قال تعالى: { أية : إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً } تفسير : [التوبة:80] وإذا كان كذلك فإذا وصلوا إلى الثمانية ذكروا لفظاً يدل على الاستئناف، فقالوا وثمانية، فجاء هذا الكلام على هذا القانون، قالوا: ويدل عليه نظيره في ثلاث آيات، وهي قوله: { أية : وَٱلنَّاهُونَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ } تفسير : [التوبة: 112] لأن هذا هو العدد الثامن من الأعداد المتقدمة وقوله: { أية : حَتَّىٰ إِذَا جَاءوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوٰبُهَا } تفسير : [الزمر: 73] لأن أبواب الجنة ثمانية، وأبواب النار سبعة، وقوله: { أية : ثَيّبَـٰتٍ وَأَبْكَاراً } تفسير : [التحريم: 5] هو العدد الثامن مما تقدم، والناس يسمون هذه الواو واو الثمانية، ومعناه ما ذكرناه، قال القفال: وهذا ليس بشيء، والدليل عليه قوله تعالى: { أية : هُوَ ٱللَّهُ ٱلَّذِى لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْمَلِكُ ٱلْقُدُّوسُ ٱلسَّلَـٰمُ ٱلْمُؤْمِنُ ٱلْمُهَيْمِنُ ٱلْعَزِيزُ ٱلْجَبَّارُ ٱلْمُتَكَبّرُ } تفسير : [الحشر: 23] ولم يذكر الواو في النعت الثامن، ثم قال تعالى: {قُل رَّبّى أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِم مَّا يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ قَلِيلٌ } وهذا هو الحق، لأن العلم بتفاصيل كائنات العالم والحوادث التي حدثت في الماضي والمستقبل لا تحصل إلا عند الله تعالى، وإلا عند من أخبره الله عنها، وقال ابن عباس أنا من أولئك القليل، قال القاضي: إن كان قد عرفه ببيان الرسول صح، وإن كان قد تعلق فيه بحرف الواو فضعيف، ويمكن أن يقال: الوجوه السبعة المذكورة وإن كانت لا تفيد الجزم إلا أنها تفيد الظن، واعلم أنه تعالى لما ذكر هذه القصة أتبعه بأن نهى رسوله عن شيئين، عن المراء والاستفتاء، أما النهي عن المراء، فقوله: {فَلاَ تُمَارِ فِيهِمْ إِلاَّ مِرَآء ظَـٰهِرًا } والمراد من المراء الظاهر أن لا يكذبهم في تعيين ذلك العدد، بل يقول: هذا التعيين لا دليل عليه، فوجب التوقف وترك القطع. ونظيره قوله تعالى: { أية : وَلاَ تُجَـٰدِلُواْ أَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ إِلاَّ بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ } تفسير : [العنكبوت: 46] وأما النهي عن الاستفتاء فقوله: {وَلاَ تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مّنْهُمْ أَحَداً }، وذلك لأنه لما ثبت أنه ليس عندهم علم في هذا الباب وجب المنع من استفتائهم، واعلم أن نفاة القياس تمسكوا بهذه الآية قالوا لأن قوله: {رَجْماً بِٱلْغَيْبِ } وضع الرجم فيه موضع الظن فكأنه قيل: ظناً بالغيب لأنهم أكثروا أن يقولوا: رجم بالظن مكان قولهم ظن، حتى لم يبق عندهم فرق بين العبارتين، ألا ترى إلى قوله: شعر : وما هو عنها بالحديث المرجم تفسير : أي المظنون هكذا قاله صاحب الكشاف، وذلك يدل على أن القول بالظن مذموم عند الله ثم إنه تعالى لما ذم هذه الطريقة رتب عليه من استفتاء هؤلاء الظانين، فدل ذلك على أن الفتوى بالمظنون غير جائز عند الله، وجواب مثبتي القياس عنه قد ذكرناه مراراً.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَكَذٰلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ} أي أطلعنا عليهم وأظهرناهم. و «أعثر» تعدية عثر بالهمزة، وأصل العثار في القدم. {لِيَعْلَمُوۤاْ أَنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ} يعني الأمة المسلمة الذين بعث أهل الكهف على عهدهم. وذلك أن دقيانوس مات ومضت قرون وملك أهل تلك الدار رجلٌ صالح، فاختلف أهل بلده في الحشر وبعث الأجساد من القبور، فشك في ذلك بعض الناس واستبعدوه وقالوا: إنما تحشر الأرواح والجسد تأكله الأرض. وقال بعضهم: تبعث الروح والجسد جميعاً؛ فكبر ذلك على الملك وبقي حيران لا يدري كيف يتبيّن أمره لهم، حتى لبس المسوح وقعد على الرمّاد وتضرّع إلى الله تعالى في حجة وبيان، فأعثر الله على أهل الكهف؛ فيقال: إنهم لما بعثوا أحدهم بورقهم إلى المدينة ليأتيهم برزق منها استنكر شخصه واستنكرت دراهمه لبعد العهد، فحمل إلى الملك وكان صالحاً قد آمن وآمن من معه، فلما نظر إليه قال: لعل هذا من الفتية الذين خرجوا على عهد دقيانوس الملك، فقد كنت أدعو الله أن يرينيهم، وسأل الفتى فأخبره؛ فسرّ الملك بذلك قال: لعل الله قد بعث لكم آية، فلنسر إلى الكهف معه، فركب مع أهل المدينة إليهم، فلما دنوا إلى الكهف قال تمليخا: أنا أدخل عليهم لئلا يرعبوا فدخل عليهم فأعلمهم الأمر وأن الأمة أمة إسلام، فروي أنهم سرّوا بذلك وخرجوا إلى الملك وعظّموه وعظّمهم ثم رجعوا إلى كهفهم. وأكثر الروايات على أنهم ماتوا حين حدّثهم تمليخا ميتة الحق، على ما يأتي. ورجع من كان شكّ في بعث الأجساد إلى اليقين. فهذا معنى «أعثرنا عليهم». «ليعلموا أن وعد الله حق» أي ليعلم الملك ورعيته أن القيامة حق والبعث حق «إذ يتنازعون بينهم أمرهم». وإنما استدلوا بذلك الواحد على خبرهم وهابوا الدخول عليهم فقال الملك: ابنوا عليهم بنيانا؛ فقال الذين هم على دين الفتية: اتخذوا عليهم مسجداً. وروي أن طائفة كافرة قالت: نبني بيعة أو مضيفاً، فمانعهم المسلمون وقالوا لنتخذن عليهم مسجداً. وروي أن بعض القوم ذهب إلى طمس الكهف عليهم وتركهم فيه مغيّبين. وروي عن عبد لله بن عمر أن الله تعالى أعمى على الناس حينئذٍ أثرهم وحجبهم عنهم، فلذلك دعا الملك إلى بناء البنيان ليكون مَعْلَماً لهم. وقيل: إن الملك أراد أن يدفنهم في صندوق من ذهب فأتاه آتٍ منهم في المنام فقال: أردت أن تجعلنا في صندوق من ذهب فلا تفعل؛ فإنا من التراب خلقنا وإليه نعود، فدعنا. وتنشأ هنا مسائل ممنوعة وجائزة؛ فاتخاذ المساجد على القبور والصلاة فيها والبناء عليها، إلى غير ذلك مما تضمّنته السنة من النهي عنه ممنوع لا يجوز؛ لما روى أبو داود والترمذيّ عن ابن عباس قال: حديث : لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم زوّارات القبور والمتخذين عليها المساجد والسُّرُجتفسير : . قال الترمذيّ: وفي الباب عن أبي هريرة وعائشة حديث ابن عباس حديث حسن. وروى الصحيحان عن عائشة: حديث : أن أم حبيبة وأمّ سلمة ذكرتا كنيسة رأينها بالحبشة فيها تصاوير لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنّ أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على قبره مسجداً وصوّروا فيه تلك الصور أولئك شرارُ الخلق عند الله تعالى يوم القيامة»تفسير : . لفظ مسلم. قال علماؤنا: وهذا يحرم على المسلمين أن يتّخذوا قبور الأنبياء والعلماء مساجد. وروى الأئمة عن أبي مرثد الغنويّ قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : لا تصلّوا إلى القبور ولا تجلسوا عليها» تفسير : لفظ مسلم. أي لا تتخذوها قبلة فتصلّوا عليها أو إليها كما فعل اليهود والنصارى، فيؤدي إلى عبادة من فيها كما كان السبب في عبادة الأصنام. فحذّر النبيّ صلى الله عليه وسلم عن مثل ذلك، وسَدَّ الذرائع المؤدّية إلى ذلك فقال: «حديث : اشتدّ غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد». تفسير : وروى الصحيحان عن عائشة وعبد الله بن عباس قالا: حديث : لما نزل برسول الله صلى الله عليه وسلم طَفِق يطرح خَميصة له على وجهه فإذا اغتمّ بها كشفها عن وجهه فقال وهو كذلك: لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» تفسير : يحذّر ما صنعوا. وروى مسلم عن جابر قال: حديث : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجصّص القبر وأن يقعد عليه وأن يبنى عليهتفسير : . وخرّجه أبو داود والترمذي أيضاً عن جابر قال: حديث : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تجصّص القبور وأن يكتب عليها وأن يبنى عليها وأن توطأتفسير : . قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وروى الصحيح عن أبي الهيّاج الأسدي قال: قال لي عليّ بن أبي طالب: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألاّ تَدَعَ تمثالاً إلا طمسته ولا قبراً مُشرفاً إلا سوّيته ـ في رواية ـ ولا صورة إلا طمستها. وأخرجه أبو داود والترمذيّ. قال علماؤنا: ظاهره منع تسنيم القبور ورفعها وأن تكون لاطئة. وقد قال به بعض أهل العلم. وذهب الجمهور إلى أن هذا الارتفاع المأمور بإزالته هو ما زاد على التسنيم، ويبقى للقبر ما يعرف به ويحترم، وذلك صفة قبر نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وقبر صاحبيه رضي الله عنهما ـ على ما ذكر مالك في الموطأ ـ وقبر أبينا آدم صلى الله عليه وسلم؛ على ما رواه الدارقطنيّ من حديث ابن عباس. وأما تعلية البناء الكثير على نحو ما كانت الجاهلية تفعله تفخيماً وتعظيماً فذلك يهدم ويزال؛ فإن فيه استعمال زينة الدنيا في أول منازل الآخرة، وتشبُّهاً بمن كان يعظّم القبور ويعبدها. وباعتبار هذه المعاني وظاهر النهي ينبغي أن يقال: هو حرام. والتسنيم في القبر: ارتفاعه قدر شبر؛ مأخوذ من سنام البعير. ويُرَشّ عليه بالماء لئلا ينتثر بالريح. وقال الشافعيّ لا بأس أن يطيّن القبر. وقال أبو حنيفة: لا يجصص القبر ولا يطين ولا يرفع عليه بناء فيسقط. ولا بأس بوضع الأحجار لتكون علامة؛ لما رواه أبو بكر الأثرم قال: حدّثنا مسدّد حدّثنا نوح بن دُرّاج عن أبان بن تغلب عن جعفر بن محمد قال: كانت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم تزور قبر حمزة بن عبد المطلب كل جمعة وعلّمته بصخرة؛ ذكره أبو عمر. وأما الجائزة: فالدفن في التابوت؛ وهو جائز لا سيما في الأرض الرّخْوة. وروي أن دانيال صلوات الله عليه كان في تابوت من حجر، وأن يوسف عليه السلام أوصى بأن يتخذ له تابوت من زجاج ويلقي في ركيّة مخافة أن يعبد، وبقي كذلك إلى زمان موسى صلوات الله عليهم أجمعين؛ فدلّته عليه عجوز فرفعه ووضعه في حظيرة إسحاق عليه السلام. وفي الصحيح عن سعد بن أبي وقّاص: أنه قال في مرضه الذي هلك فيه: اتخذوا لي لَحْداً وانصبوا عليّ اللّبن نَصْباً؛ كما صنع برسول الله صلى الله عليه وسلم. اللحد: هو أن يشقّ في الأرض ثم يحفر قبر آخر في جانب الشق من جانب القبلة إن كانت الأرض صلبة يدخل فيه الميت ويسدّ عليه باللّبن. وهو أفضل عندنا من الشق؛ لأنه الذي اختاره الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم. وبه قال أبو حنيفة قال: السنة اللحد. وقال الشافعي: الشق. ويكره الآجر في اللحد. وقال الشافعي: لا بأس به لأنه نوع من الحجر. وكرهه أبو حنيفة وأصحابه؛ لأن الآجر لإحكام البناء، والقبر وما فيه للبلى، فلا يليق به الإحكام. وعلى هذا يسوّى بين الحجر والآجر. وقيل: إن الآجر أثر النار فيكره تفاؤلاً؛ فعلى هذا يفرق بين الحجر والآجر. قالوا: ويستحب اللّبن والقَصَب لما روي أنه وضع على قبر النبيّ صلى الله عليه وسلم حزمة من قصب. وحكي عن الشيخ الإمام أبي بكر محمد بن الفضل الحنفيّ رحمه الله أنه جوّز اتخاذ التابوت في بلادهم لرخاوة الأرض. وقال: لو اتخذ تابوت من حديد فلا بأس به؛ لكن ينبغي أن يفرش فيه التراب وتطيّن الطبقة العليا مما يلي الميت، ويجعل اللّبن الخفيف على يمين الميت ويساره ليصير بمنزلة اللحد. قلت: ومن هذا المعنى جعل القطيفة في قبر النبيّ صلى الله عليه وسلم؛ فإن المدينة سبخة، قال شُقْران: أنا والله طرحت القطيفة تحت رسول الله صلى الله عليه وسلم في القبر: قال أبو عيسى الترمذي: حديث شقران حديث حسن صحيح غريب.

البيضاوي

تفسير : {وَكَذٰلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ } وكما أنمناهم وبعثناهم لتزداد بصيرتهم أطلعنا عليهم. {لِيَعْلَمُواْ } ليعلم الذين أطلعناهم على حالهم.{أَنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ } بالبعث أو الموعود الذي هو البعث. {حَقّ } لأن نومهم وانتباهم كحال من يموت ثم يبعث. {وَأَنَّ ٱلسَّاعَةَ لاَ رَيْبَ فِيهَا } وأن القيامة لا ريب في إمكانها، فإن من توفى نفوسهم وأمسكها ثلاثمائة سنين حافظاً أبدانها عن التحلل والتفتت، ثم أرسلها إليها قدر أن يتوفى نفوس جميع الناس ممسكاً إياها إلى أن يحشر أبدانهم فيردها عليها. {إِذْ يَتَنَـٰزَعُونَ } ظرف لـ {أَعْثَرْنَا } أي أعثرنا عليهم حين يتنازعون. {بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ } أمر دينهم، وكان بعضهم يقول تبعث الأرواح مجردة وبعضهم يقول يبعثان معاً ليرتفع الخلاف ويتبين أنهما يبعثان معاً، أو أمر الفتية حين أماتهم الله ثانياً بالموت فقال بعضهم، ماتوا وقال آخرون ناموا نومهم أول مرة، أو قالت طائفة نبني عليهم بنياناً يسكنه الناس ويتخذونه قربة، وقال آخرون لنتخذن عليهم مسجداً يصلى فيه كما قال تعالى: {فَقَالُواْ ٱبْنُواْ عَلَيْهِمْ بُنْيَـٰنًا رَّبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ ٱلَّذِينَ غَلَبُواْ عَلَىٰ أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَّسْجِدًا } وقوله {رَّبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ } اعتراض إما من الله رداً على الخائضين في أمرهم من أولئك المتنازعين أو من المتنازعين في زمانهم، أو من المتنازعين فيهم على عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، أو من المتنازعين للرد إلى الله بعد ما تذكروا أمرهم وتناقلوا الكلام في أنسابهم وأحوالهم فلم يتحقق لهم ذلك. حكي أن المبعوث لما دخل السوق وأخرج الدراهم وكان عليها اسم دقيانوس اتهموه بأنه وجد كنزاً فذهبوا به إلى الملك ـ وكان نصرانياً موحداً ـ فقص عليه القصص، فقال بعضهم: إن آباءنا أخبرونا أن فتية فروا بدينهم من دقيانوس فلعلهم هؤلاء، فانطلق الملك وأهل المدينة من مؤمن وكافر وأبصروهم وكلموهم، ثم قالت الفتية للملك نستودعك الله ونعيذك به من شر الجن والإِنس ثم ارجعوا إلى مضاجعهم فماتوا فدفنهم الملك في الكهف وبني عليهم مسجداً. وقيل لما انتهوا إلى الكهف قال لهم الفتى مكانكم حتى أدخل أولاً لئلا يفزعوا، فدخل فعمي عليهم المدخل فبنوا ثم مسجداً.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى: {وَكَذٰلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ} أي: أطلعنا عليهم الناس {لِيَعْلَمُوۤاْ أَنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ ٱلسَّاعَةَ لاَ رَيْبَ فِيهَا} ذكر غير واحد من السلف أنه كان قد حصل لأهل ذلك الزمان شك في البعث، وفي أمر القيامة. وقال عكرمة: كان منهم طائفة قد قالوا: تبعث الأرواح ولا تبعث الأجساد، فبعث الله أهل الكهف حجة ودلالة وآية على ذلك، وذكروا أنه لما أراد أحدهم الخروج ليذهب إلى المدينة في شراء شيء لهم ليأكلوه، تنكر وخرج يمشي في غير الجادة حتى انتهى إلى المدينة، وذكروا أن اسمها دقسوس، وهو يظن أنه قريب العهد بها، وكان الناس قد تبدلوا قرناً بعد قرن، وجيلاً بعد جيل، وأمة بعد أمة، وتغيرت البلاد ومن عليها، كما قال الشاعر:شعر : أَمَّا الدِّيارُ فَإِنَّها كَدِيارِهِمْ وأَرى رِجالَ الحَيِّ غَيْرَ رِجالِهِ تفسير : فجعل لا يرى شيئاً من معالم البلد التي يعرفها، ولا يعرف أحداً من أهلها: لا خواصها، ولا عوامها، فجعل يتحير في نفسه، ويقول: لعل بي جنوناً أو مساً أو أنا حالم، ويقول: والله ما بي شيء من ذلك، وإن عهدي بهذه البلدة عشية أمس على غير هذه الصفة. ثم قال: إن تعجيل الخروج من ههنا لأولى لي، ثم عمد إلى رجل ممن يبيع الطعام، فدفع إليه ما معه من النفقة، وسأله أن يبيعه بها طعاماً، فلما رآها ذلك الرجل، أنكرها، وأنكر ضربها، فدفعها إلى جاره، وجعلوا يتداولونها بينهم، ويقولون: لعل هذا وجد كنزاً، فسألوه عن أمره، ومن أين له هذه النفقة، لعله وجدها من كنز، وممن أنت؟ فجعل يقول: أنا من أهل هذه البلدة، وعهدي بها عشية أمس، وفيها دقيانوس، فنسبوه إلى الجنون، فحملوه إلى ولي أمرهم، فسأله عن شأنه وخبره حتى أخبرهم بأمره، وهو متحير في حاله وما هو فيه، فلما أعلمهم بذلك، قاموا معه إلى الكهف - ملك البلد وأهلها - حتى انتهى بهم إلى الكهف، فقال لهم: دعوني حتى أتقدمكم في الدخول؛ لأعلم أصحابي، فدخل، فيقال: إنهم لا يدرون كيف ذهب فيه، وأخفى الله عليهم خبرهم، ويقال: بل دخلوا عليهم، ورأوهم، وسلم عليهم الملك، واعتنقهم، وكان مسلماً فيما قيل، واسمه ثيدوسيس، ففرحوا به، وآنسوه بالكلام، ثم ودعوه وسلموا عليه، وعادوا إلى مضاجعهم، وتوفاهم الله عز وجل، فالله أعلم. قال قتادة: غزا ابن عباس مع حبيب بن مسلمة، فمروا بكهف في بلاد الروم، فرأوا فيه عظاماً، فقال قائل: هذه عظام أهل الكهف، فقال ابن عباس: لقد بليت عظامهم من أكثر من ثلثمائة سنة، ورواه ابن جرير، وقوله: {وَكَذٰلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ} أي: كما أرقدناهم وأيقظناهم بهيآتهم، أطلعنا عليهم أهل ذلك الزمان {لِيَعْلَمُوۤاْ أَنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ ٱلسَّاعَةَ لاَ رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَـٰزَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ} أي: في أمر القيامة، فمن مثبت لها، ومن منكر، فجعل الله ظهورهم على أصحاب الكهف حجة لهم وعليهم {فَقَالُواْ ٱبْنُواْ عَلَيْهِمْ بُنْيَـٰنًا رَّبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ} أي: سدوا عليهم باب كهفهم، وذروهم على حالهم {قَالَ ٱلَّذِينَ غَلَبُواْ عَلَىٰ أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَّسْجِدًا} حكى ابن جرير في القائلين ذلك قولين: [أحدهما] أنهم المسلمون منهم. [والثاني] أهل الشرك منهم، فالله أعلم، والظاهر أن الذين قالوا ذلك هم أصحاب الكلمة والنفوذ، ولكن هل هم محمودون أم لا؟ فيه نظر، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد» تفسير : يحذر ما فعلوا، وقد روينا عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه: أنه لما وجد قبر دانيال في زمانه بالعراق، أمر أن يخفى عن الناس، وأن تدفن تلك الرقعة التي وجدوها عنده، فيها شيء من الملاحم وغيرها.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَكَذٰلِكَ } كما بعثناهم {أَعْثَرْنَا } أطلعنا {عَلَيْهِمْ } قومهم والمؤمنين {لِيَعْلَمُواْ } أي قومهم {أَنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ } بالبعث {حَقّ } بطريق أن القادر على إنامتهم المدّة الطويلة وإبقائهم على حالهم بلا غذاء قادر على إحياء الموتى {وَأَنَّ ٱلسَّاعَةَ لاَ رَيْبَ } [لا] شكّ {فِيهَا إِذْ } مفعول ل «أعثرنا» {يَتَنَٰزَعُونَ } أي المؤمنون والكفار {بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ } أمر الفتية في البناء حولهم {فَقَالُواْ } أي الكفار {ٱبْنُواْ عَلَيْهِمْ } أي حولهم {بُنْيَٰنًا } يسترهم {رَّبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ ٱلَّذِينَ غَلَبُواْ عَلَىٰ أَمْرِهِمْ } أمر الفتية وهم المؤمنون {لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ } حولهم {مَّسْجِدًا } يصلى فيه، وفعل ذلك على باب الكهف.

الشوكاني

تفسير : قوله: {وَكَذٰلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ } أي: وكما أنمناهم وبعثناهم، أعثرنا عليهم، أي: أطلعنا الناس عليهم وسمي الإعلام: إعثاراً، لأن من كان غافلاً عن شيء فعثر به نظر إليه وعرفه، فكان الإعثار سبباً لحصول العلم. {لِيَعْلَمُواْ أَنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ } أي: ليعلم الذين أعثرهم الله عليهم أن وعد الله بالبعث حق. قيل: وكان ملك ذلك العصر ممن ينكر البعث، فأراه الله هذه الآية. قيل: وسبب الإعثار عليهم أن ذلك الرجل الذي بعثوه بالورق، وكانت من ضربة دقيانوس إلى السوق، لما اطلع عليها أهل السوق اتهموه بأنه وجد كنزاً، فذهبوا به إلى الملك، فقال له: من أين وجدت هذه الدراهم؟ قال: بعت بها أمس شيئاً من التمر، فعرف الملك صدقه، ثم قصّ عليه القصة فركب الملك وركب أصحابه معه حتى وصلوا إلى الكهف {وَأَنَّ ٱلسَّاعَةَ لاَ رَيْبَ فِيهَا } أي: وليعلموا أن القيامة لا شكّ في حصولها، فإن من شاهد حال أهل الكهف علم صحة ما وعد الله به من البعث {إِذْ يَتَنَـٰزَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ } الظرف متعلق بأعثرنا أي: أعثرنا عليهم وقت التنازع والاختلاف بين أولئك الذين أعثرهم الله في أمر البعث، وقيل: في أمر أصحاب الكهف في قدر مكثهم، وفي عددهم، وفيما يفعلونه بعد أن اطلعوا عليهم {فَقَالُواْ ٱبْنُواْ عَلَيْهِمْ بُنْيَـٰنًا } لئلا يتطرق الناس إليهم، وذلك أن الملك وأصحابه لما وقفوا عليهم وهم أحياء أمات الله الفتية، فقال بعضهم: ابنوا عليهم بنياناً يسترهم عن أعين الناس. ثم قال سبحانه حاكياً لقول المتنازعين فيهم وفي عددهم، وفي مدّة لبثهم، وفي نحو ذلك مما يتعلق بهم {رَّبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ } من هؤلاء المتنازعين فيهم، قالوا ذلك تفويضاً للعلم إلى الله سبحانه، وقيل: هو من كلام الله سبحانه، ردّاً لقول المتنازعين فيهم، أي: دعوا ما أنتم فيه من التنازع، فإني أعلم بهم منكم، وقيل: إن الظرف في {إِذْ يَتَنَـٰزَعُونَ } متعلق بمحذوف هو أذكر، ويؤيده أن الإعثار ليس في زمن التنازع بل قبله، ويمكن أن يقال: إن أولئك القوم ما زالوا متنازعين فيما بينهم قرناً بعد قرن، منذ أووا إلى الكهف إلى وقت الإعثار، ويؤيد ذلك أن خبرهم كان مكتوباً على باب الغار، كتبه بعض المعاصرين لهم من المؤمنين الذين كانوا يخفون إيمانهم كما قاله المفسرون {قَالَ ٱلَّذِينَ غَلَبُواْ عَلَىٰ أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَّسْجِدًا } ذكر اتخاذ المسجد يشعر بأن هؤلاء الذين غلبوا على أمرهم هم المسلمون، وقيل: هم أهل السلطان، والملك من القوم المذكورين فإنهم الذين يغلبون على أمر من عداهم، والأوّل أولى. قال الزجاج: هذا يدل على أنه لما ظهر أمرهم غلب المؤمنون بالبعث والنشور. لأن المساجد للمؤمنين. {سَيَقُولُونَ ثَلَـٰثَةٌ رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ } هؤلاء القائلون بأنهم ثلاثة أو خمسة أو سبعة، هم المتنازعون في عددهم في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل الكتاب والمسلمين، وقيل: هم أهل الكتاب خاصة، وعلى كل تقدير فليس المراد أنهم جميعاً قالوا جميع ذلك، بل قال بعضهم بكذا، وبعضهم بكذا، وبعضهم بكذا }ثلاثة رابعهم كلبهم} أي: هم ثلاثة أشخاص، وجملة {رابعهم كلبهم} في محل نصب على الحال أي: حال كون كلبهم جاعلهم أربعة بانضمامه إليهم {وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ } الكلام فيه كالكلام فيما قبله، وانتصاب {رَجْماً بِٱلْغَيْبِ } على الحال، أي: راجمين أو على المصدر، أي: يرجمون رجماً، والرجم بالغيب هو القول بالظن والحدس من غير يقين، والموصوفون بالرجم بالغيب هم كلا الفريقين القائلين بأنهم ثلاثة، والقائلين بأنهم خمسة {وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ } كأن قول هذه الفرقة أقرب إلى الصواب بدلالة عدم إدخالهم في سلك الراجمين بالغيب. قيل: وإظهار الواو في هذه الجملة يدل على أنها مرادة في الجملتين الأوليين. قال أبو عليّ الفارسي: قوله {رابعهم كلبهم}، و{سادسهم كلبهم} جملتان استغني عن حرف العطف فيهما بما تضمنتا من ذكر الجملة الأولى وهي قوله: {ثلاثة}، والتقدير: هم ثلاثة، هكذا حكاه الواحدي عن أبي علي، ثم قال: وهذا معنى قول الزجاج في دخول الواو في: {وثامنهم} وإخراجها من الأوّل، وقيل: هي مزيدة للتوكيد، وقيل: إنها واو الثمانية، وإن ذكره متداول على ألسن العرب إذا وصلوا إلى الثمانية كما في قوله تعالى: {أية : وَفُتِحَتْ أَبْوٰبُهَا } تفسير : [الزمر: 73] وقوله: {أية : ثَيّبَـٰتٍ وَأَبْكَاراً } تفسير : [التحريم: 5]. ثم أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يخبر المختلفين في عددهم بما يقطع التنازع بينهم فقال: {قُل رَّبّى أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِم } منكم أيها المختلفون، ثم أثبت علم ذلك لقليل من الناس فقال: {مَّا يَعْلَمُهُمْ } أي: يعلم ذواتهم فضلاً عن عددهم، أو ما يعلم عددهم على حذف المضاف {إِلاَّ قَلِيلٌ } من الناس، ثم نهى الله سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم عن الجدال مع أهل الكتاب في شأن أصحاب الكهف فقال: {فَلاَ تُمَارِ فِيهِمْ } المراء في اللغة: الجدال يقال: مارى يماري مماراة ومراءً أي: جادل، ثم استثنى سبحانه من المراء ما كان ظاهراً واضحاً فقال: {إِلاَّ مِرَآء ظَـٰهِرًا } أي: غير متعمق فيه وهو أن يقصّ عليهم ما أوحى الله إليه فحسب. وقال الرازي: هو أن لا يكذبهم في تعيين ذلك العدد، بل يقول: هذا التعيين لا دليل عليه، فوجب التوقف، ثم نهاه سبحانه عن الاستفتاء في شأنهم فقال: {وَلاَ تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مّنْهُمْ أَحَداً } أي: لا تستفت في شأنهم من الخائفيين فيهم أحداً منهم، لأن المفتي يجب أن يكون أعلم من المستفتي، وها هنا الأمر بالعكس، ولا سيما في واقعة أهل الكهف، وفيما قصّ الله عليك في ذلك ما يغنيك عن سؤال من لا علم له. {وَلاَ تَقْولَنَّ لِشَىْء إِنّى فَاعِلٌ ذٰلِكَ غَداً } أي: لأجل شيء تعزم عليه فيما يستقبل من الزمان، فعبر عنه بالغد، ولم يرد الغد بعينه، فيدخل فيه الغد دخولاً أوّلياً. قال الواحدي: قال المفسرون: لما سألت اليهود النبيّ صلى الله عليه وسلم عن خبر الفتية فقال: "حديث : أخبركم غداً"تفسير : ، ولم يقل إن شاء الله، فاحتبس الوحي عنه حتى شقّ عليه، فأنزل الله هذه الآية يأمره بالاستثناء بمشيئة الله يقول: إذا قلت لشيء: إني فاعل ذلك غداً، فقل: إن شاء الله. وقال الأخفش والمبرد والكسائي والفراء: لا تقولنّ لشيء إني فاعل ذلك غداً إلا أن تقول إن شاء الله، فأضمر القول ولما حذف تقول نقل شاء إلى لفظ الاستقبال، قيل: وهذا الاستثناء مفرّغ، أي: لا تقولنّ ذلك في حال من الأحوال، إلا حال ملابسته لمشيئة الله وهو أن تقول إن شاء الله، أو في وقت من الأوقات إلا وقت أن يشاء الله أن تقوله مطلقاً، وقيل: الاستثناء جار مجرى التأبيد كأنه قيل: لا تقولنه أبداً كقوله: {أية : وَمَا يكون لَنَا أَن نَّعُودَ فِيهَا إِلا أَن يَشَاء ٱللَّهُ }تفسير : [الأعراف: 89]. لأن عودهم في ملتهم مما لا يشاؤه الله. {وَٱذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ } الاستثناء بمشيئة الله أي: فقل إن شاء الله، سواء كانت المدّة قليلة أو كثيرة. وقد اختلف أهل العلم في المدّة التي يجوز إلحاق الاستثناء فيها بعد المستثنى منه على أقوال معروفة في مواضعها وقيل: المعنى {وَٱذْكُر رَّبَّكَ } بالاستغفار {إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَىٰ أَن يَهْدِيَنِى رَبّى لأقْرَبَ مِنْ هَـٰذَا رَشَدًا } المشار إليه بقوله: {من هذا} هو نبأ أصحاب الكهف، أي: قل يا محمد عسى أن يوفقني ربي لشيء أقرب من هذا النبأ من الآيات والدلائل الدالة على نبوّتي. قال الزجاج: عسى أن يعطيني ربي من الآيات والدلالات على النبوّة ما يكون أقرب في الرشد وأدلّ من قصة أصحاب الكهف، وقد فعل الله به ذلك حيث آتاه من علم غيوب المرسلين وخبرهم ما كان أوضح في الحجة وأقرب إلى الرشد من خبر أصحاب الكهف، وقيل: الإشارة إلى قوله: {وَٱذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ } أي: عسى أن يهديني ربي عند هذا النسيان لشيء آخر بدل هذا المنسيّ، وأقرب منه رشداً وأدنى منه خيراً ومنفعة، والأوّل أولى. {وَلَبِثُواْ فِى كَهْفِهِمْ ثلاثمائة سنين وَٱزْدَادُواْ تِسْعًا } قرأ الجمهور بتنوين مائة ونصب سنين، فيكون سنين على هذه القراءة بدلاً أو عطف بيان. وقال الفراء وأبو عبيدة والزجاج والكسائي: فيه تقديم وتأخير، والتقدير سنين ثلثمائة، ورجح الأوّل أبو عليّ الفارسي. وقرأ حمزة والكسائي بإضافة مائة إلى سنين، وعلى هذه القراءة تكون سنين تمييزاً على وضع الجمع موضع الواحد في التمييز كقوله تعالى: {أية : بِٱلأخْسَرِينَ أَعْمَـٰلاً }تفسير : [الكهف: 103]قال الفراء: ومن العرب من يضع سنين موضع سنة. قال أبو علي الفارسي: هذه الأعداد التي تضاف في المشهور إلى الآحاد نحو ثلثمائة رجل وثوب قد تضاف إلى المجموع وفي مصحف عبد الله (ثلثمائة سنة). وقال الأخفش: لا تكاد العرب تقول مائة سنين. وقرأ الضحاك (ثلثمائة سنون) بالواو. وقرأ الجمهور (تسعاً) بكسر التاء. وقرأ أبو عمرو بفتحها، وهذا إخبار من الله سبحانه بمدّة لبثهم. قال ابن جرير: إن بني إسرائيل اختلفوا فيما مضى لهم من المدّة بعد الإعثار عليهم، فقال بعضهم: إنهم لبثوا ثلثمائة سنة وتسع سنين، فأخبر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن هذه المدّة في كونهم نياماً، وأن ما بعد ذلك مجهول للبشر، فأمر الله أن يردّ علم ذلك إليه، فقال: {قُلِ ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُواْ } قال ابن عطية: فقوله على هذا: لبثوا الأوّل يريد في يوم الكهف، ولبثوا الثاني يريد بعد الإعثار عليهم إلى مدة محمد صلى الله عليه وسلم، أو إلى أن ماتوا. وقال بعضهم: إنه لما قال: {وَٱزْدَادُواْ تِسْعًا } لم يدر الناس أهي ساعات أم أيام أم جمع أم شهور أم أعوام؟ واختلف بنو إسرائيل بحسب ذلك، فأمر الله برد العلم إليه في التسع، فهي على هذا مبهمة. والأوّل أولى، لأن الظاهر من كلام العرب المفهوم بحسب لغتهم أن التسع أعوام، بدليل أن العدد في هذا الكلام للسنين لا للشهور ولا للأيام ولا للساعات. وعن الزجاج أن المراد: ثلثمائة سنة شمسية وثلثمائة وتسع سنين قمرية، وهذا إنما يكون من الزجاج على جهة التقريب. ثم أكد سبحانه اختصاصه بعلم ما لبثوا بقوله: {لَهُ غَيْبُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ} أي: ما خفي فيهما وغاب من أحوالهما ليس لغيره من ذلك شيء، ثم زاد في المبالغة والتأكيد فجاء بما يدلّ على التعجب من إدراكه للمبصرات والمسموعات فقال: {أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ } فأفاد هذا التعجب على أن شأنه سبحانه في علمه بالمبصرات والمسموعات خارج عما عليه إدراك المدركين، وأنه يستوي في علمه الغائب والحاضر، والخفيّ والظاهر، والصغير والكبير، واللطيف والكثيف، وكأن أصله ما أبصره وما أسمعه، ثم نقل إلى صيغة الأمر للإنشاء، والباء زائدة عند سيبويه وخالفه الأخفش، والبحث مقرر في علم النحو {مَا لَهُم مّن دُونِهِ مِن وَلِىّ } الضمير لأهل السمٰوات والأرض، وقيل: لأهل الكهف، وقيل: لمعاصري محمد من الكفار، أي: ما لهم من موالٍ يواليهم أو يتولى أمورهم أو ينصرهم، وفي هذا بيان لغاية قدرته وأن الكل تحت قهره {وَلاَ يُشْرِكُ فِى حُكْمِهِ أَحَدًا } قرأ الجمهور برفع الكاف على الخبر عن الله سبحانه. وقرأ ابن عباس والحسن وأبو رجاء وقتادة بالتاء الفوقية وإسكان الكاف على أنه نهي للنبيّ صلى الله عليه وسلم أن يجعل لله شريكاً في حكمه، ورويت هذه القراءة عن ابن عامر. وقرأ مجاهد بالتحتية والجزم. قال يعقوب: لا أعرف وجهها، والمراد بحكم الله: ما يقضيه، أو علم الغيب. والأوّل أولى. ويدخل علم الغيب في ذلك دخولاً أوّلياً، فإن علمه سبحانه من جملة قضائه. وقد أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {وَكَذٰلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ } قال: أطلعنا. وأخرج عبد الرزاق، وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: {قَالَ ٱلَّذِينَ غَلَبُواْ عَلَىٰ أَمْرِهِمْ } قال: الأمراء، أو قال: السلاطين. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدّي في قوله: {سَيَقُولُونَ ثَلَـٰثَةٌ } قال: اليهود {وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ } قال: النصارى. وأخرج عبد الرزاق، وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: {رَجْماً بِٱلْغَيْبِ } قال: قذفاً بالظنّ. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن مسعود في قوله: {مَّا يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ قَلِيلٌ } قال: أنا من القليل كانوا سبعة. وأخرج الطبراني في الأوسط عن ابن عباس قال السيوطي بسند صحيح في قوله: {مَّا يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ قَلِيلٌ } قال: أنا من أولئك القليل كانوا سبعة، ثم ذكر أسماءهم. وحكاه ابن كثير عن ابن عباس في رواية قتادة وعطاء وعكرمة، ثم قال: فهذه أسانيد صحيحة إلى ابن عباس: أنهم كانوا سبعة. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: {فَلاَ تُمَارِ فِيهِمْ } يقول: حسبك ما قصصت عليك. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه من طرق عن ابن عباس في قوله: {وَلاَ تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مّنْهُمْ أَحَداً } قال: اليهود. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني عن ابن عباس في قوله: {وَلاَ تَقْولَنَّ لِشَىْء } الآية قال: إذا نسيت أن تقول لشيء إني أفعله فنسيت أن تقول: إن شاء الله، فقل إذا ذكرت: إن شاء الله. وأخرج سعيد بن منصور، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، والحاكم، وابن مردويه عنه أنه كان يرى الاستثناء ولو بعد سنة، ثم قرأ: {وَٱذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ }. وأخرج ابن أبي حاتم، والطبراني، وابن مردويه عنه أيضاً في الآية قال: هي خاصة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وليس لأحد أن يستثني إلا في صلة يمين. وأخرج سعيد بن منصور عن ابن عمر قال: كل استثناء موصول فلا حنث على صاحبه، وإذا كان غير موصول فهو حانث. وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : قال سليمان بن داود: لأطوفنّ الليلة على سبعين امرأة - وفي رواية: تسعين - تلد كل امرأة منهن غلاماً يقاتل في سبيل الله، فقال له الملك: قل إن شاء الله، فلم يقل، فطاف فلم يلد منهنّ إلا امرأة واحدة نصف إنسان، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: والذي نفسي بيده لو قال: إن شاء الله لم يحنث، وكان دركاً لحاجته»تفسير : . وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في الشعب عن عكرمة {إِذَا نَسِيتَ } قال: إذا غضبت. وأخرج البيهقي في الأسماء والصفات عن الحسن {إِذَا نَسِيتَ } قال: إذا لم تقل إن شاء الله. وأخرج ابن أبي حاتم، وابن مردويه عن ابن عباس قال: إن الرجل ليفسر الآية يرى أنها كذلك فيهوي أبعد ما بين السماء والأرض، ثم تلا {وَلَبِثُواْ فِى كَهْفِهِمْ } الآية، ثم قال: كم لبث القوم؟ قالوا: ثلثمائة وتسع سنين، قال: لو كانوا لبثوا كذلك لم يقل الله {قُلِ ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُواْ } ولكنه حكى مقالة القوم فقال: {سَيَقُولُونَ ثَلَـٰثَةٌ } إلى قوله: {رَجْماً بِٱلْغَيْبِ } فأخبر أنهم لا يعلمون، ثم قال: سيقولون {وَلَبِثُواْ فِى كَهْفِهِمْ ثلاثمائة سِنِينَ وَٱزْدَادُواْ تِسْعًا }. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن قتادة في حرف ابن مسعود، وقالوا: {ولبثوا في كهفهم} الآية، يعني: إنما قاله الناس ألا ترى أنه قال: {قُلِ ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُواْ }. وأخرج ابن مردويه عن الضحاك عن ابن عباس قال: لما نزلت هذه الآية: {وَلَبِثُواْ فِى كَهْفِهِمْ ثلاثمائة} قيل: يا رسول الله أياماً أم أشهراً أم سنين؟ فأنزل الله {سِنِينَ وَٱزْدَادُواْ تِسْعًا }. وأخرجه ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن الضحاك بدون ذكر ابن عباس. وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله: {أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ } قال: الله يقوله.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {وكذلك أعثرنا عليهم} فيه وجهان أحدهما: أظهرنا أهل بلدهم عليهم. الثاني: أطلعنا برحمتنا إليهم. {وليعلموا أن وعْدَ اللهِ حقٌّ.. .} يحتمل وجهين: أحدهما: ليعلم أهل بلدهم أن وعد الله حق في قيام الساعة وإعادة الخلق أحياء، لأن من أنامهم كالموتى هذه المدة الخارجة عن العادة ثم أيقظهم أحياء قادر على إحياء من أماته وأقبره. الثاني: معناه ليرى أهل الكهف بعد علمهم أن وعد الله حق في إعادتهم. {إذ يتنازعون بينهم أمرهم} ذلك أنهم لما بعثوا أحدهم بورقهم إلى المدينة ليأتيهم برزق منها وطعام، استنكروا شخصه واستنكرت ورقه لبعد العهد فحمل إلى الملك وكان صالحاً قد آمن ومن معه، فلما نظر إليه قال: لعل هذا من الفتية الذين خرجوا على عهد دقيانوس الملك فقد كنت أدعو الله أن يريناهم، وسأل الفتى فأخبره فانطلق والناس معه إليهم، فلما دنوا من أهل الكهف وسمع الفتية كلامهم خافوهم ووصى بعضهم بعضاً بدينهم فلما دخلوا عليهم أماتهم الله ميتة الحق، فحينئذ كان التنازع الذي ذكره الله تعالى فيهم. وفي تنازعهم قولان: أحدهما: أنهم تنازعوا هل هم أحياء أم موتى؛ الثاني: أنهم تنازعوا بعد العلم بموتهم هل يبنون عليهم بنياناً يعرفون به أم يتخذون عليهم مسجداً. وقيل: إن الملك أراد أن يدفنهم في صندوق من ذهب، فأتاه آت منهم في المنام فقال: أردت أن تجعلنا في صندوق من ذهب فلا تفعل فإنا من التراب خلقنا وإليه نعود فدعْنا.

ابن عطية

تفسير : الإشارة بذلك في قوله {وكذلك} إلى {أية : بعثناهم ليتساءلوا} تفسير : [الكهف: 19] أي كما بعثناهم {أعثرنا عليهم}، و"أعثر" تعدية بالهمزة، وأصل العثار في القدم، فلما كان العاثر في الشيء منتبهاً له شبه به من تنبه لعلم شيء عن له وثار بعد خفائه، والضمير في قوله {ليعلموا} يحتمل أن يعود على الأمة المسلمة الذين بعث أهل الكهف على عهدهم، وإلى هذا ذهب الطبري، وذلك أنهم، فيما روي، دخلتهم حينئذ فتنة في أمر الحشر وبعث الأجساد من القبور، فشك في ذلك بعض الناس واستبعدوه، وقالوا إنما تحشر الأرواح، فشق على ملكهم ذلك وبقي حيران لا يدري كيف يبين أمره لهم، حتى لبس المسوح وقعد على الرماد، وتضرع إلى الله في حجة وبيان، فأعثر الله على أهل الكهف، فلما بعثهم الله، وتبين الناس أمرهم، سر الملك ورجع من كان شك في بعث الأجساد إلى اليقين به، وإلى هذا وقعت الإشارة بقوله {إذ يتنازعون بينهم أمرهم} على هذا التأويل، ويحتمل أن يعمل في {أن} على هذا التأويل، {أعثرنا}، ويحتمل أن يعمل فيه {ليعلموا}، والضمير في قوله {ليعلموا} يحتمل أن يعود على أصحاب الكهف، أي جعل الله أمرهم آية لهم دالة على بعث الأجساد من القبور، وقوله {إذ يتنازعون} على هذا التأويل ابتداء خبر عن القوم الذين بعثوا على عهدهم، والعامل في {إذ}، فعل مضمر تقديره واذكر، ويحتمل أن يعمل فيه {فقالوا} {إذ يتنازعون} {ابنوا عليهم} . والتنازع على هذا التأويل، إنما هو في أمر البناء أو المسجد، لا في أمر القيامة، و"الريب": الشك، والمعنى أن الساعة في نفسها وحقيقتها لا شك فيها، وإن كان الشك قد وقع لناس، فذلك لا يلحقها منه شيء، وقيل إن التنازع إنما هو في أن اطلعوا عليهم فقال بعض هم أموات، وبعض هم أحياء، وروي أن بعض القوم ذهب إلى طمس الكهف عليهم، وتركهم فيه مغيبين، فقالت الطائفة الغالبة على الأمر: لنتخذن عليهم مسجداً، فاتخذوه، وقال قتادة {الذين غلبوا} هم الولاة، وقرأ الحسن وعيسى الثقفي: "غُلِبوا" بضم الغين وكسر اللام، والمعنى أن الطائفة التي أرادت المسجد كانت أولاً تريد أن لا يبنى عليهم شيء، وأن لا يعرض لموضعهم، فروي أن طائفة أخرى مؤمنة أرادت ولا بد طمس الكهف، فلما غلبت الأولى على أن يكون بنيان لا بد، قالت يكون مسجداً، فكان، وروي أن الطائفة التي دعت إلى البنيان، إنما كانت كافرة، أرادت بناء بيعة أو مصنع لكفرهم، فمانعهم المؤمنون، وقالوا {لنتخذن عليهم مسجداً}، وروي عن عبيد بن عمير أن الله عمى على الناس حينئذ أثرهم، وحجبهم عنهم، فلذلك دعا إلى بناء البنيان ليكون معلماً لهم.

ابن عبد السلام

تفسير : {أَعْثَرْنَا} أظهرنا أهل بلدهم عليهم، أو اطَّلعنا برحمتنا إليهم {لِيَعْلَمُواْ} يحتمل ليعلم أهل بلدهم أن وعد الله بالبعث حق لأنه لما خرق العادة في إنامتهم كان قادراً على إحياء الموتى، أو ليرى أهل الكهف بعد علمهم أن وعد الله حق {إِذْ يَتَنَازَعُونَ} لما دخل أحدهم المدينة لشراء الطعام استنكر أهل المدينة شخصه وورقه لبعد العهد فحمل إلى الملك وكان صالحاً مؤمناً لما نظر إليه قال: لعله من الفتية الذين خرجوا على عهد دقيانوس الملك، وقد كنت أدعو الله أن يرينيهم، وسأل الفتى فأخبره، فانطلق والناس معه إليهم فلما دنا من الكهف وسمع الفتية كلامهم خافوا وأوصى بعضهم بعضاً بدينهم فلما دخلوا عليهم ماتوا ميتة الحق، فتنازعوا هل هم أحياء، أو موتى؟، أو علموا موتهم وتنازعوا في هل يبنون عليهم بناء يعرفون به، أو يتخذون عليهم مسجداً.

الخازن

تفسير : قوله عز وجل: {وكذلك أعثرنا عليهم} أي أطلعنا الناس عليهم {ليعلموا أن وعد الله حق} يعني قوم بيدروس الذين أنكروا البعث {وأن الساعة لا ريب فيها} أي لا شك فيها أنها آتية {إذ يتنازعون بينهم أمرهم}. قال ابن عباس: في البنيان فقال المسلمون نبني عليهم مسجداً يصلي فيه الناس لأنهم على ديننا وقال المشركون نبني بنياناً لأنهم على ملتنا وقيل كان يتنازعهم في البعث فقال المسلمون تبعث الأجساد والأرواح وقال قوم تبعث الأرواح فأراهم الله آية وأن البعث للأرواح والأجساد وقيل تنازعوا في مدة لبثهم وقيل في عددهم {فقالوا ابنوا عليهم بنياناً ربهم أعلم بهم قال الذين غلبوا على أمرهم} يعني بيدروس وأصحابه {لنتخذن عليهم مسجداً} قوله تعالى {سيقولون ثلاثة رابعهم} روي أن السيد والعاقب وأصحابهما من نصارى نجران كانوا عند النبي صلى الله عليه وسلم فجرى ذكر أصحاب الكهف عندهم فقال السيد وكان يعقوبياً كانوا ثلاثة رابعهم {كلبهم ويقولون} أي وقال العاقب وكان نسطورياً {خمسة سادسهم كلبهم رجماً بالغيب ويقولون} وقال المسلمون {سبعة وثامنهم كلبهم} فحقق الله قول المسلمين وإنما عرفوا ذلك بأخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم على لسان جبريل صلى الله عليه سلم بعدما حكى قول النصارى أولاً، ثم أتبعه بقوله سبحانه وتعالى رجماً بالغيب أي ظناً وحدساً من غير يقين ولم يقل ذلك في السبعة وتخصيص الشيء بالوصف يدل على أن الحال في الباقي بخلافه، فوجب أن يكون المخصوص بالظن هو قول النصارى وأن يكون قول المسلمين مخالفاً لقول النصارى في كونه رجماً بالغيب وظناً، ثم أتبعه بقوله سبحانه وتعالى {قل ربي أعلم بعدتهم ما يعلمهم إلا قليل} هذا هو الحق لأن العلم بتفاصيل العوالم والكائنات فيه في الماضي والمستقبل لا يكون إلا لله تعالى أو من أخبره الله سبحانه وتعالى بذلك. قال ابن عباس رضي الله عنهما: أنا من أولئك القليل كانوا سبعة وهم مكسلمينا وتمليخا ومرطونس وبينونس وسارينوس ودنوانس وكشفيططنونس وهو الراعي واسم كلبهم قطمير {فلا تمار فيهم}. أي لا تجادل ولا تقل في عددهم وشأنهم {إلا مراء ظاهراً} أي إلا بظاهر ما قصصنا عليك فقف عنده ولا تزد عليه {ولا تستفت فيهم} أي في أصحاب الكهف {منهم} أي من أهل الكتاب {أحداً} أي لا ترجع إلى قول أحد منهم بعد أن أخبرناك قصتهم. قوله سبحانه وتعالى {ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غداً إلا أن يشاء الله} يعني إذا عزمت على فعل شيء غداً فقل إن شاء الله ولا تقله بغير استثناء, وذلك أن أهل مكة سألوا رسول الله صلى الله عليه سلم عن الروح وعن أصحاب الكهف وعن ذي القرنين فقال أخبركم غداً ولم يقل إن شاء الله فلبث الوحي أياماً ثم نزلت هذه الآية وقد تقدمت القصة في سورة بني إسرائيل {واذكر ربك إذا نسيت} قال ابن عباس: معناه إذا نسيت الاستثناء ثم ذكرت فاستثن وجوز ابن عباس الاستثناء المنقطع، وإن كان بعد سنة وجوزه الحسن ما دام في المجلس وجوزه بعضهم إذا قرب الزمان، فإن بعد لم يصح ولم يجوزه جماعة حتى يكون الكلام متصلاً بالاستنثاء وقيل في معنى الآية واذكر ربك إذا غضبت قال وهب مكتوب في التوراة والإنجيل ابن آدم "اذكرني حين تغضب أذكرك حين أغضب"، وقيل الآية في الصلاة يدل عليه ما روي عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : من نسي صلاة فليصلها إذ ذكرها " تفسير : قال تعالى {أقم الصلاة لذكري} متفق عليه زاد مسلم أو نام عنها فكفارتها أن يصليها إذا ذكرها {وقل عسى أن يهدين ربي لأقرب من هذا رشداً} أي يثبتني على طريق هو أقرب إليه وأرشد، وقيل إن الله سبحانه وتعالى أمره أن يذكره إذا نسي شيئاً ويسأله أن يذكره أو يهديه لما هو خير له من أن يذكر ما نسي وقيل إن القوم لما سألوه عن قصة أصحاب الكهف على وجه العناد أمره الله سبحانه وتعالى أن يخبرهم أن الله سبحانه وتعالى سيؤتيه من الحجج على صحة نبوته ما هو أدل لهم من قصة أصحاب الكهف وقد فعل حيث آتاه من علم غيب المرسلين وقصصهم مما هو أوضح وأقرب إلى الرشد من خبر أصحاب الكهف. وقيل هذا شيء أمره الله أن يقوله إن شاء الله إذا ذكر الاستثناء بعد النسيان وإذا نسي الإنسان قوله إن شاء الله فتوبته من ذلك أن يقول مع قوله إن شاء الله عسى أن يهديني ربي لأقرب من هذا رشداً. قوله عز وجل {ولبثوا في كهفهم ثلاث مائة سنين وازدادوا تسعاً} قيل هذا خبر عن قول أهل الكتاب ولو كان خبراً من الله عن قدر لبثهم لم يكن لقوله قل الله أعلم بما لبثوا وجه ولكن الله رد قولهم.

ابن عادل

تفسير : قوله: {وَكَذَٰلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ}: أي: وكما أنمناهم، وبعثناهم، لما فيه من الحكم الظاهرة؛ أعثرنا، أي: أطلعنا. وتقدَّم الكلام على مادَّة "عثر" في المائدة. يقال: عثرتُ على كذا، أي: علمته، وأصله أن من كان غافلاً عن شيءٍ فعثر به، نظر إليه، فعرفه، وكان العثارُ سبباً لحصول العلم، فأطلق اسم السَّببِ على المسبَّب "ليَعْلَمُوا" متعلق بـ "أعْثرْنَا" والضمير: قيل: يعود على مفعول "أعْثَرنَا" المحذوف، تقديره: أعثرنا النَّاس، وقيل: يعود على أهل الكهف. فصل في سبب تعرف الناس عليهم اختلفوا في السَّبب الذي عرف الناس به واقعة أصحاب الكهف، فقيل: لطول شعورهم، وأظفارهم؛ بخلاف العادة، وظهرت في بشرة وجوههم آثار عجيبةٌ يستدلُّ بها على أن مدَّتهم طالت طولاً بخلاف العادة. وقيل: لأن أحدهم لما ذهب إلى المدينةِ؛ ليشتري الطَّعام، أخرج الدراهم لثمن الطَّعام، فقال صاحب الطعام: هذه النُّقود غير موجودة في هذا الزَّمان، وإنها كانت موجودة قبل هذا الوقت بمدَّة مديدة؛ [فلعلك] وجدتَّ كنزاً، فحملوه إلى ملك تلك المدينة، فقال له الملك: أين وجدتَّ تلك الدَّراهم؟ فقال: بعتُ بها أمس تمراً، وخرجنا فراراً من الملك دقيانوس، فعرف الملك أنَّه ما وجد كنزاً، وأنَّ الله تعالى بعثه بعد موته. ومعنى قوله: {لِيَعْلَمُوۤاْ أَنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ} أي: إنما أطلعنا القوم على أحوالهم؛ ليعلم القوم أنَّ وعد الله حقٌّ بالبعث والنَّشر؛ فإنَّ ملكَ ذلك الزَّمان كان منكر البعث، فجعل الله أمر الفتية دليلاً للملكِ. وقيل: اختلف أهلُ ذلك الزَّمانِ، فقال بعضهم: الرُّوحُ والجسد يبعثان جميعاً. وقال آخرون: إنَّما يبعثُ الرُّوح فقط، فكان الملك يتضرَّع إلى الله تعالى أن يظهر له آية يستدلُّ بها على الحقِّ في هذه المسالة، فأطلعه الله تعالى على أصحاب الكهف، فاستدلَّ بهم على صحَّة بعث الأجساد؛ لأنَّ انتباههم بعد ذلك النَّوم الطويل يشبه من يموت، ثم يبعث. قوله: "إذ يَتنازعُونَ" يجوز أن يعمل فيه "أعْثَرنا" أو "لِيعْلمُوا" أو لمعنى "حقٌّ" أو لـ "وَعْد" عند من يتَّسعُ في الظرف، وأمَّا من لا يتَّسعُ، فلا يجوز عنده الإخبار عن الموصول قبل تمامِ صلته. واختلف في هذا التَّنازع، فقيل: كانوا يتنازعون في صحَّة البعث، فاستدلَّ القائلون بصحَّة هذه الواقعةِ، وقالوا: كما قدر الله على حفظ أجسادهم مدَّة ثلاثمائةٍ وتسع سنين، فكذلك يقدر على حشر الأجساد بعد موتها. وقيل: إنَّ الملك وقومه، لما رأوا أصحاب الكهف، ووقفوا على أحوالهم، عاد القوم إلى كهفهم، فأماتهم الله، فعند هذا اختلف الناس، فقال قومٌ: إنَّ بعضهم قال: إنهم نيامٌ، كالكرَّة الأولى. وقال آخرون: بل الآن ماتوا. وقيل: إن بعضهم، قال: سدّوا عليهم باب الكهف؛ لئلاَّ يدخل أحدٌ عليهم، ويقف على أحوالهم. وقال آخرون: بل الأولى أن يبنى على باب الكهف مسجدٌ، وهذا القول يدلُّ على أنَّ هؤلاء القوم كانوا عارفين بالله تعالى، ويعترفون بالعبادة و الصلاة. وقيل: إنَّ الكفار قالوا: إنهم على ديننا، فنتخذ عليهم بنياناً، وقال المسلمون [إنهم] على ديننا، فنتخذ عليهم مسجداً. وقيل: تنازعوا في مقدار مكثهم. وقيل: تنازعوا في عددهم، وأسمائهم. قوله: "بُنْياناً" يجوز أن يكون مفعولاً به، جمع بنيانةٍ، وأن يكون مصدراً. قوله: {رَّبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ} يجوز أن يكون من كلام الله تعالى، وأن يكون من كلامِ المتنازعين فيهم، ثم قال {قَالَ ٱلَّذِينَ غَلَبُواْ عَلَىٰ أَمْرِهِمْ} قيل: هو الملك المسلم، واسمه بيدروس وقيل: رؤساء البلد. قوله "غلبوا" قرأ عيسى الثقفيُّ، والحسن بضمِّ الغين، وكسر اللام. قوله: {لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِم مَّسْجِداً} يعبد الله فيه، ونستبقي آثار اصحاب الكهف بسبب ذلك المسجد.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏ {‏وكذلك أعثرنا عليهم‏}‏ قال‏:‏ أطلعنا‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي قال‏:‏ دعا الملك شيوخاً من قومه فسألهم عن أمرهم فقالوا‏:‏ كان ملك يدعى دقيوس، وإن فتية فُقِدُوا في زمانه، وأنه كتب أسماءهم في الصخرة التي كانت على باب بالمدينة‏.‏ فدعا بالصخرة فقرأها فإذا فيها أسماؤهم، ففرح الملك فرحاً شديداً وقال‏:‏ هؤلاء قوم كانوا قد ماتوا فبعثوا، ففشا فيهم أن الله يبعث الموتى‏.‏ فذلك قوله‏:‏ ‏ {‏وكذلك أعثرنا عليهم ليعلموا أن وعد الله حق وأن الساعة لا ريب فيها‏}‏ فقال الملك‏:‏ لأتخذن عند هؤلاء القوم الصالحين مسجداً، فلأعبدن الله فيه حتى أموت‏.‏ فذلك قوله‏:‏ ‏ {‏قال الذين غلبوا على أمرهم لنتخذن عليهم مسجدا‏ً}‏‏. وأخرج عبد الرزاق وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله‏:‏ ‏ {‏قال الذين غلبوا على أمرهم‏}‏ قال‏:‏ هم الأمراء، أو قال‏:‏ السلاطين‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال‏:‏ بنى عليهم الملك بيعة فكتب في أعلاها أبناء الأراكنة أبناء الدهاقين‏.

التستري

تفسير : قوله تعالى: {قَالَ ٱلَّذِينَ غَلَبُواْ عَلَىٰ أَمْرِهِمْ}[21] قال: ظاهرها الولاية، وباطنها نفس الروح وفهم العقل وفطنة القلب بالذكر لله عزَّ وجلَّ.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {رَّبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ} [الآية: 21]. قال ابن عطاء رحمة الله عليه وعلى جماعتهم فى قوله: ربهم أعلم بهم: حيث أظهر عليهم عجائب صنعه وجعلهم أحد شواهد عزته، وجعلهم بالمحل الذى خاطب به النبى صلى الله عليه وسلم فيهم. فقال {لَوِ ٱطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَاراً}.

القشيري

تفسير : جعل أحوالَهم عِبْرةً لِمَنْ جاءَ بَعْدَهم حين كشف لأهل الوقت قصتهم، فعاينهم الناس، وازداد يقين مَنْ كان يؤمن بالله حين شاهدوا بالعيان ما كان نَقْضاً للعادة المستمرة. ثم إن الله تعالى ردَّهم إلى ما كانوا عليه من الحالة، كانوا مأخوذين عن التمييز، متقلبين في القبضة على ما أراده الحق، مستودعين فيما كوشفوا، مستهلكين عنهم في وجود الحق - سبحانه.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {رَّبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ} بين ان القوم بلغوا الى مشاهدة جلال ازله واغرقهم فى بحار ابده ووجدوا منها جواهر اسرار محبته وقرب وصاله ما لا يطلع عليها احد غير الله فنفى احاطة علم الغير بهم فكانه اخبر عما عمرهم من سطوات العزة واستيلاء قهر الربوبية ما افناهم اى انا اعلم بما هم فيه من فنائهم فى الوجد والموجود اخبر عن عظيم ما ورد عليهم من سلطان قهر مشاهدة قدمه قال ابن عطا ربهم اعلم بهم حيث اظهر عليهم عجائب صنعه وجعلهم احد شواهد عزته وجعلهم بالمحل الذى خاطب به النبى صلى الله عليه وسلم فهمَّ فقال لو اطلعت عليهم لوليت منهم فرارا.

اسماعيل حقي

تفسير : {وكذلك}. قال الكاشفى [يمليخاكه بعقل كامل موصوف بود وصيتها قبول نموده روى بشهر نهاد وبدروازه رسيد اوضاع آنرا متغير ديد وجون بشهر دراآمد بازار ومحلات واشكال والوان مردم بر نمطى ديكر يافت حيرت بروى غلبه كرد آخر الامر بدكان خباز آمد ودرمى از آنجه همراه داشت بوى داد تادر عوض نان بستاند نان واى زرى ديد منقش بنام دقيانوس خيال بست كه اين مرد كنجى يافته آن زررا ببازارى ديكر بديكرى نمود بيك لحظه اين خبر دربازار منتشر شده بشحنه رسيد ويمليخارا طلبيده تهديدى عظيم نمود وطلب باقى زرها كرد يمليخا كفت من كنجى نيافته ام دى روزا اين زررا ازخانه بدر برداشته ام وامر وزببازار آورده ام نام بدرش بر سيدند وجون كفت كسى ازاهل شهر ندانست ويراتكذيب نمودند واوازغايت دهشت كفت مرابيش دقيانوس بريدكه او ازمهم من آكاهى دارد مردمان آغاز استهزاء كردندكه دقيانوس قريب سيصد ساله شد كه مرده است تو مارا افسوس ميكرى يمليخا كفت شما بامن سخريه ميكنيد ديروز ما جماعتى ازوى كريخته بكوه رفتيم وامروز مرابشهر بطلب طعام فرستلدند من بجزاين جيزى ندانم القصة اورانزديك ملك آوردند وصورت حال تقرير كرد ملك باجماعتى از مقربان واشراف بلد روى بغار آوردند ويمليخا بغار درآمد ويارانرا ازصورت حال خبر داد وعلى الفور ملك برسيد وآن لوح كه بردر غار بود برخواندند واسامى واحوال ايشان معلوم كرد وباقوم بغار در آمده ايشانرا ديد بارويهاى تازه وجامهاى نو متحير شده برايشان سلام كرد جواب دادند حق سبحانه وتعالى ازين حال اخبار فرمود] {وكذلك} اى كما انمناهم وبعثناهم من تلك النومة لما فى ذلك من اظهار القدرة الباهرة والحكمة البالغة وازدياد بصيرتهم ويقينهم {اعثرنا} اى اطلعنا الناس {عليهم} اى على اصحاب الكهف واصله ان الغافل عن شئ ينظر اليه اذا عثر به فيعرفه فكان العثار سبب العلم به فاطلق اسم السبب على المسبب. قال فى تهذيب المصادر الاعثار [بررسانيدن كسى را بر جيزى] قال الله تعالى {وكذلك اعثرنا} والاطلاع [بر رسانيدن كسى برنهانى] العرب تقول اطلع فلان على القوم ظهر لهم حتى رأوه واطلع عنهم غاب عنهم حتى لا يروه {ليعلموا} اى الذين اطلعناهم على حالهم وهم قوم تندروس الذين انكروا البعث {ان وعد الله} اى وعده بالبث للروح والجسد معا {حق} صدق لا خلف فيه لان نومهم وانتباههم بعده كحال من يموت ثم يبعث اذا لنوم اخو الموت {وان الساعة} ان القيامة التى هى عبارة عن وقت بعث الخلائق جميعا للحساب والجزاء {لا ريب فيها} لا شك فى قيامها ولا شبهة فى وقوعها فان من شاهد انه تعالى توفى نفوسهم وامسكها ثلاثمائة سنة واكثر حافظا ابدانهم من التحلل والتفتت ثم ارسالها اليها علم يقينا انه تعالى يتوفى نفوس جميع الناس ويمسكها الى ان يحشر ابدانها فيردها اليها للحساب والجزاء شعر : بيش قدرت كارها دشوار نيست عجزها باقوت حق كارنيست تفسير : يقول الفقير هذا من لطف الله بالقوم وارشاده اياهم بصورة النوم حيث اظهر هذه القدرة وبين الحق بوجه يقوم مقام بعث الرسول لمن هو من اهل اليقظة. وفى التأويلات النجمية قوله {وكذلك اعثرنا عليهم} اشارة الى انا كما اطلعنا بعض منكرى البعث والنشور بالاجساد على احوال اصحاب الكهف ليعلموا ويتحقق لهم ان وعد الله بالبعث واحياء الموتى حق وان قيام الساعة لا ريب فيه انا قادرون على احياء بعض القلوب الميتة وان وعد الله به بقوله {أية : فلنحيينه حياة طيبة}تفسير : وبقوله {أية : أو من كان ميتا فاحييناه}تفسير : حق وان قيام قلوب الصديقين المحبين لا ريب فيه انتهى [درتفسير امام ثعلبى مذكور است كه حضرت رسالت صلى الله عليه وسلم را آرزوى آن شدكه اصحاب كهف را به بيند جبريل آمدكه يا رسول الله توايشانرا درين دنيا نخواهى ديد اما ازاخيار اصحاب خود جهاركس را بفرست تا ايشانرا بدين تودعوت كنند آن حضرت فرمودكه جكونه فرستم وكه را برفتن بفر ما يم جبريل فرمود وداى مبارك خود بكستران وصديق وفاروق ومرتضى وابودرداء رضى الله عنهم بكوتا هريك بكوشه نشيند وبادرا كه مسخر سليمان بود بطلب كه خداى تعالى اورا مطيع توكردانيد بفرماى تا ايشانرا برداشته بدان غار برد حضرت آنجنان كردو صحابه بدر غارسيدند سنكى بود برداشتند سك ايشان روشنى بانك دركرفت وحمله آورد واما جون جشم وى ايشانرا ديددم جنبانيدن آغار نهاد وبسر اشارة كردكه در آييد ايشان در آمده كفتند السلام عليكم ورحمة الله وبركاته حق سبحانه ارواح باسجاد ايشاز باز آورد تابر خاستند وجواب سلام بازدادند صحابه كفتند نبى الله محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم شما سلام رسانيده ايشان كفتندو السلام على محمد رسول الله بس دعوت كردند ايشانرا بدين اسلام وايشان قبول نمودند وحضرت بغمبررا سلام رسانيدند باز درمضاجع خود تكيه كردند وبارديكر نزد خروج مهدى از اهل محمد عليه السلام زنده شوند ومهدى برايشان سلام كند وجواب دهند بس بميرند ودرقيامت مبعوث كردند] {اذ يتنازعون} قال بعض اصحاب التفسير هو متعلق باذكر المقدر. يقول الفقير هو الاظهر والانسب لترتيب الفاء الآتية عليه فيكون كلاما منفصلا عما قبله والمتنازعون هم قوم تندروس {بينهم امرهم} اى تدبير امر اصحاب الكهف حين توفاهم الله ثانيا بالموت كيف يخفون مكانهم وكيف يستر الطريق اليهم {فقالوا} اى بعض اهل المدينة {ابنوا عليهم} اى على باب كهفهم {بنيانا}[ديوارى كه ازجشم مردم بوشيده شوند] يعنى لا يعلم احد تربتهم وتكون محفوظة من تطرق الناس كما حفظت تربة رسول الله بالحظيرة {ربهم اعلم بهم} بحالهم وشأنهم لا حاجة الى علم الغير بمكانهم {قال الذين غلبوا على امرهم} من المسلمين وملكهم {لتتخذن عليهم مسجدا} اى لنبنين على باب كهفهم مسجدا يصلى فيه المسلمون ويتبركون بمكانهم - روى - انه لما اختلف قوم تندروس فى البعث مقترحين وجاحدين دخل الملك بيته واغلق بابه ولبس مسحا جلس على رماد وسأل ربه ان يظهر الحق فالقى الله تعالى فى نفس رجل من رعيانهم فهدم ما سد به دقيانوس باب الكهف ليتخذه حظيرة لغنمه فعند ذلك بعثهم الله فلما انتشر خبرهم واطلع عليهم الملك واهل المدينة مسلمهم وكافرهم كلموهم وحمدوا الله على الآية الدالة على البعث ثم قالت الفتية للملك نستودعك الله ونعيذك به من شر الجن والانس ثم رجعوا الى مضاجعهم فناموا وماتوا فالقى الملك عليهم ثيابه وامر فجعل لكل واحد نابوتا من ذهب فرآهم فى المنام كارهين للذهب فجعلها من الساج وبنى على باب الكهف مسجدا. يقول الفقير هذه حال اهل الفناء ولذا لم يقبل حضرة الشيخ صدر الدين القنوى قدس سره البناء على مرقده فعملوا من الالواح ثم اخذتها الصاعقة كأنها لم يقبل الغطاء وسببه ما سمعته من حضرة شيخى وسندى روح الله روحه وهو انه قال ان الشيخ صدر الدين كان من اولاد الملوك كحضرة مولانا صاحب المثنوى وكان مولانا تاركا للدنيا مطلقا وصدر الدين متجملا صورة حتى كان له خدام متزينون وله ابريق وطشت من فضة وتغير عليه شخص فى ذلك فاشار حضرة الشيخ الى الابريق فاتى الى حضرة الشيخ وقربه فتحير الحاضرون وتاب الشخص وقال يوما لحضرة مولانا نعيش كالمولك ونضطجع كالصعلوك فقال مولانا نعيش كالصعلوك ونضطجع كالملوك ولذا ترى تربة مولانا على الاحتشام العظيم دون مرقد صدر الدين رزقنا الله شفاعتهما: قال المولى الجامى شعر : وصلش مجودر اطلس شاهى كه دوخت عشق اين جامه برتنى كه نهان زير زنده بود

ابن عجيبة

تفسير : قلت: {إذ يتنازعون}: ظرف لقوله: {أعثرنا}، لا ليعلموا، أي: أعثرنا هم عليهم حين يتنازعون بينهم... الخ، و {رجمًا}: حال، أي: راجمين بالغيب، أو مفعول مُطلق، أي: يرجمون رجمًا. يقول الحقّ جلّ جلاله: {وكذلك} أي: وكما أنمناهم وبعثناهم لازدياد يقينهم {أعْثَرْنا عليهم}: أطلعنا الناس عليهم {ليَعْلموا} أي: ليعلم القوم الذين كانوا في ذلك الوقت {أنَّ وعد الله} أي: وعده بالبعث والثواب والعقاب {حقٌّ} صادق لا خُلْف فيه، أو: ثابت لا مرد له؛ لأن نومهم وانتباههم كحال من يموت ثم يُبعث، {وأنَّ الساعة} أي: القيامة، التي هي عبارة عن وقت بعث الخلائق جميعًا؛ للحساب والجزاء، {لا ريبَ فيها}: لا شك في قيامها، فإنَّ مَنْ شاهد أنه جلّ وعلا تَوفَّى نفوسهم وأمسكها ثلاثمائة سنة وأكثر، حافظًا لأبدانها من التحلل والفساد، ثم أرسلها كما كانت، لا يبقى معه ريب، ولا يختلجه شك، في أن وعده تعالى حق، وأنه يبعث مَنْ في القبور، ويجازيهم بأعمالهم. وكان ذلك الإعثار {إِذْ يتنازعون}: حين كانوا يتنازعون {بينهم أمْرَهُم}، في أمر البعث مختلفين فيه؛ ففرقة أقرّت، وفرقة جَحَدّتْ، وقائل يقول: تُبعث الأرواح فقط، وآخر يقول: تُبعث جميعُ الأجسام بالأرواح، قيل: كان ملك المدينة حينئذ رجلاً صالحًا، ملَكها ثمانيًا وعشرين سنة، ثم اختلف أهلُ مملكته في البعث كما تقدم، فدخل الملِكُ بيته وغلق الباب، ولبس مسحًا وجلس على رماد، وسأل ربه أن يظهر الحق، فألقى الله - عزّ وجلّ - في نفس رجل من ذلك البلد الذي فيه الكهف، أن يهدم بنيان فم الكهف، فهدم ما سدَّ به "دقيانوس" بابَ الكهفِ؛ ليتخذه حظيرة لغنمه، فعند ذلك بعثهم الله - تعالى - فجرى بينهم من التقاول ما جرى. رُوِيَ أنَّ المبعوث لمَّا دخل المدينة؛ ليشتري الطعام، أخرج دراهمه، وكانت على ضرب (دقيانوس)، فاتهموه أنه وجد كنزاً، فذهبوا به إلى الملك، فقص عليه القصة، فقال بعضهم: إن آباءنا أخبرونا أن فتية فروا بدينهم من (دقيانوس)، فلعلهم هؤلاء، فانطلق الملكُ وأهلُ المدينة؛ من مسلم وكافر، فدخلوا عليهم وكلموهم، ثم قالت الفتية للملك: نُودعك الله ونعيذك به من الإنس والجن، ثم رجعوا إلى مضاجعهم، فماتوا، فألقى المَلِكُ عليهم ثيابه، وجعل لكل منهم تابوتًا من ذهب، فرآهم في المنام كارهين للذهب، فجعلها من الساج، وبنى على باب الكهف مسجدًا. وقيل: لما انتهوا إلى الكهف قال لهم الفتى: مكانَكَم حتى أدخل أولاً؛ لئلا يفزعوا، فدخل، فَعُمِّي عليهم المدخل، فبنوا ثَمَّةَ مسجدًا. وقيل: المتنازَع فيه: أمر الفتية قبل بعثهم، أي: أعثرنا عليهم حين يتذاكرون بينهم أمرهم، وما جرى بينهم وبين دقيانوس من الأحوال والأهوال، ويتلقون ذلك من الأساطير وأفواه الرجال. وعلى التقديرين: فالفاء في قوله: {فقالوا ابنُوا} فصيحة، أي: أعثرنا عليهم فرأوا ما رأوا، ثم ماتوا، فقال بعضهم: {ابنوا عليهم}: على باب كهفهم {بُنيانًا}؛ لئلا يتطرق إليهم الناس، ففعلوا ذلك؛ ضنًا بمقامهم ومحافظة عليهم. ثم قالوا: {ربهم أعلمُ بهم}، كأنهم لما عجزوا عن إدراك حقيقة حالهم؛ من حيث النسبة، ومن حيث العدد، ومن حيث بُعد اللبث في الكهف، قالوا ذلك؛ تفويضًا إلى علام الغيوب. أو: يكون من كلامه سبحانه؛ ردًا لقول الخائضين في حديثهم من أولئك المتنازعين، {قال الذين غلبوا على أمرهم}، وهو الملك والمسلمون، وكانوا غالبين في ذلك الوقت: {لنَتَّخِذَنَّ عليهم مسجدًا}، فذكر في القصة أنه جعل على باب الكهف مسجدًا يصلي فيه. ثم وقع الخوض في عهد نبينا - عليه الصلاة والسلام - بين نصارى نجران حين قدموا المدينة، فجرى بينهم ذكر أهل الكهف وبين المسلمين في عددهم، كما قال تعالى: {سيقولون ثلاثةٌ رابعُهُم كلبهم}، وهو قول اليعقوبية من النصارى، وكبيرهم السيد، وقيل: قالته اليهود، {ويقولون خمسة سادِسُهم كلبهُم}، هو قول النسطورية منهم، وكبيرهم العاقب، {رجمًا بالغيب}: رميًا بالخبر من غير اطلاع على حقيقة الأمر، أو ظنًا بالغيب من غير تحقيق، {ويقولون سبعة وثامنهمْ كلبهم}، وهو ما يقوله المسلمون بطريق التلقي من هذا الوحي، وعدم نظمه في سلك الرجم بالغيب، وتغيير سبكه؛ بزيادة الواو المفيدة لزيادةِ تأكيد النسبة فيما بين طرفيها، يَقضي بصحته. قال تعالى: {قل} يا محمد؛ تحقيقًا للحق، وردًا على الأولين: {ربي أعلم بعدَّتهم} أي: ربي أقوى علمًا بعدتهم، {ما يعلمهم} أي: ما يعلم عددهم {إِلا قليلٌ} من الناس، قد وفقهم الله تعالى للاطلاع عليهم بالدلائل أو بالإلهام. قال ابن عباس رضي الله عنه: "أنا من ذلك القليل"، قال: حين وقعت الواو انقطعت العدة، وأيضًا حين سكت عنه تعالى ولم يقل: رجمًا بالغيب، علم أنه حق. وعن علي - كرم الله وجهه -: أنهم سبعة، أسماؤهم: يمليخا، وهو الذي ذهب بورقهم، ومكسيلمينيا، وهو أكبرهم والمتكلم عنهم، ومشلينا، وفي رواية الطبري: ومجْسَيْسِيا بدله، وهؤلاء أصحاب يمين الملك، وكان عن يساره: مرنوش ودبرنوش وجشاذنوس، وكان يستشير هؤلاء الستة في أمره، و السابع: الراعي الذي تبعهم حين هربوا من دقيانوس، واسمه: كفشططيوش. وذكر ابن عطية عن الطبري غير هؤلاء، وكلهم عجميون، قال: والسندُ في معرفتهم واهٍ. والله تعالى أعلم. الإشارة: عادة الحق تعالى في أوليائه أن يُخْفِيهم أولاً عن أعين الناس، رحمةً بهم؛ إذ لو أظهرهم في البدايات؛ لفتنوهم وردوهم إلى ما كانوا عليه، حتى إذا تخلصوا من البقايا، وتمكنوا من معرفة الحق وشهوده، أعثر عليهم من أراد سعادته ووصوله إلى حضرته؛ ليعلموا أن وعد الله بإبقاء العدد الذين يحفظ الله بهم نظام العالم في كل زمان حق، وأنّ خراب العالم بانقراضهم، وقيام الساعة لا ريب فيه. وفي الآية تنبيه على ذم الخوض بما لا علم للعبد به، ومدح من رد العلم إلى الله في كل شيء. والله تعالى أعلم. ثمَّ نهى نبنه عن المجادلة بعد وضوح الحق

اطفيش

تفسير : {وَكَذَلِكَ} أى كما أنمناهم وبعثناهم لما فى ذلك من الحكمة. {أَعْثرْنَا} أطلعنا. {عَليْهِمْ} قوم بندريس المنكرين للبعث بعد الموت وغيرهم من المشركين المنكرين للبعث والمؤمنين فى زمانهم حين أيقظناهم. {لِيَعْلَمُوا} أى ليعلم من ينكرون البعث أو ليستيقن المؤمنون ومنكرو البعث. {أَنَّ وَعْدَ اللهِ} بالبعث بعد الموت فالوعد مصدر باق على معناه ويجوز أن يكون المعنى أن موعود الله فيكون بمعنى مفعول وموعوده هو البعث {حَقٌّ} فإن الإيقاظ من النوم مطلقاً مثل البعث ولا سيما الإيقاظ من ذلك الموت المتطاول سنين. {وَأَنَّ السَّاعَةَ لاَ رَيْبَ} لا شك. {فِيهَا} وهى وقت القيامة فإن من أخرج نفوسهم وأمسكها سنين وحفظهم عن التفتت ثم أرسلها إليهم فاستيقظوا قادر أن يحشر الموتى وحفظه أبدانهم أقرب إلى الاستدلال من حيث كمال القدرة من أن يعترض به أحد فيقول: إن الموتى متفتتون فيتعذر بعثهم لأن مانع التفتت مع دواعى التفتت ظاهر كمال القدرة فلا يعسر عليه بعث المتفتت بل من التفتت بعقله أدنى التفات أغناه عن ادعاء التعذر والعسر ما يراه فيه الأشياء تبتدع بلا تقدم ويرى أنه وأمثاله عاجزون عن إبداعها وأن الشئ لا يوجد نفسه. {إِذْ} متعلق بأعثرنا أى أعثرنا عليهم حين {يَتَنَازَعُونَ} ليرتفع التنازع إذا رأوهم مبعوثه أرواحهم فى أجسادهم حساسة وهذا المضارع للحال بالحكاية والواو للمؤمنين والمشركين فى زمان أصحاب الكهف. {بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ} ففريق ينكر بعث الأجساد والأرواح وفريق ينكر بعث الأجساد ويثبت بعث الأرواح وفريق يثبت بعثهما معاً وهو الصواب فالمراد بأمرهم أمر دينهم وهو ما ذكرناه. وقيل: الهاء فى أمرهم عائدة إلى أصحاب الكهف، وأمرهم هو رجوعهم بعد الاستيقاظ كما كانوا فقال فريق: ماتوا. وقال فريق: ناموا كنومهم الأول وهو الثابت الواضح. وقيل: أمرهم قصتهم وما ظهر من الآية فيهم وأمرهم منصوب على المفعولية المقيدة على كل حال والمعنى يتنازعون فى أمرهم أو المفعولية المصرحة على تضمين يتنازعون معنى يتجابذون أى يجبذ كل من الفرَق الأمر إلى ما يدعى. وما ذكر الله سبحانه وتعالى بقوله: قالوا: ابنوا، ليس تفصيلا لذلك التنازع بل خلاف آخر كما تعلمه من تفسيرى الأمر بما دكرت. وقيل: إن تنازعهم فى أمر أصحاب الكهف هو ما خص الله له بقوله {فَقَالُوا} أى قال بعضهم {ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْياناً} يسترهم سدًّا للطريق إليهم فلا يأتيهم الناس ولا يتنافسون فى أمرهم ولا يتسارعون إلى أَخذ ترابهم. وقيل: المعنى ابنو عليهم بنيانا يسكنه الناس وتتخذونه قربة وإلا لا نسب بقوله {رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ} وعلى الثانى يقال: المعنى حاصل ما يفعل أن يبنى عليهم بنيان وندع التنازع فى أمرهم ربهم أعلم بهم. وذكر بعضهم أن القائلين ابنوا عليهم بنيانا هم المشركون المنكرون للبعث مطلقاً أو المنكرون لبعث الأجساد فإن أقروا بالله كما هو المتبادر من إنكار بعث الأجساد فالمراد بربهم الله فشرك هؤلاء بإنكار البعث أو إنكار بعث الأجساد وإن لم يقروا به فمرادهم بالرب من كان ربًّا لأصحاب الكهف بدون أَن يعلم هؤلاء القائلون أن ربهم الله. قال ابن عباس: قال المشركون: نبنى عليهم بنيانا لأنهم من أَهل ديننا. {قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا} استولوا أو غلبوا غيرهم. {عَلَى أَمْرِهِمْ} أَمر الفتية أصحاب الكهف وهؤلاء الغالبون هم المؤمنون وقيل: الملوك والرؤساء. {لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ} من فوقهم أو على باب الكهف. {مَسْجِداً} يصلى فيه المؤمنون ويتبركون بهم وبمكانهم لأنهم على ديننا. وقيل: كأنهم تنازعوا فى أنسابهم وأحوالهم ومدة لبثهم فلم يهتدوا إلى == فقالوا: ربهم أعلم بهم فإنه الذى فعل بهم ذلك. وقيل: ربهم أعلم بهم هو كلام الله عز وجل رد به على الخائضين فى حديثهم من أُولئك المتنازعين المذكورين فى الآية أو الذين تنازعوا فيهم على عهد رسول اله صلى الله عليه وسلم من أَهل الكتاب. وقيل: الأمر الذى تنازعوا فيه هو عدد أصحاب الكهف. وإنما قيل قال الذين غلبوا بدون واو العطف لأن المراد أن يكون جواب سؤال مقدر فإن قوله: ابنوا عليهم بنياناً يستدعى أن يقال: فهل بنوه عليهم؟ وماذا وقع ولا سيما أنهم تنازعوا فى أمر البنيان كما خرّج عليه بعضهم قوله تعالى: {إذ يتنازعون بينهم أمرهم} فكأنه قيل أيضاً: وماذا قال الآخرون فأجاب بأنهم قالوا: لنتخذن عليهم مسجدا وأجاب بأن الواقع بناء المسجد لكن هذا يفهم فهما لا تصريحاً من حيث إن قائليه هم الغالبون ومعنى الغلبة على أمر الفتية الاستيلاء عليه ويجوز ردها أمرهم إلى الغالبين أى الذين استولوا أو غلبوا غيرهم على أمر أنفسهم الذى أرادوه بحيث صاروا إنما يكون ما أرادوا لا يغلبهم فيه منازعهم.

اطفيش

تفسير : {وَكَذَلِكَ} كما أيقظناهم، أو أحييناهم، أو كما أنمناهم وأيقظناهم {أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ} أوقفنا الناس أو أهل مدينتهم عليهم وعلى حالهم، ليزداد بصيرة، من قال يبعث الأجساد والأرواح معا وليؤمن بالبعث من أنكره أو شك فيه، وأصل العثور السقوط مطلقا، وقيل: للوجه، واستعمل فى الاطلاع على الشئ مجازاً، وذكر بعض أنه حقيقة، وعلى الأول العلاقة السببية، لأن الساقط ينظر بأى سبب سقط. {لِيَعْلَمُوا} أى ليعلم من أعثرنا عليهم {أَنَّ وَعْدَ اللهِ} يبعث الأرواح والأجساد معا أو موعود الله، وهو البعث، وقيل: المراد كل وعد، وكل موعود فيدخل البعث بالأولى وأكد ذلك بذكر الساعة بعد تخصيصا بعد تعميم {حَقٌّ} فكما قدر على إِبقائهم مدة طويلة لا تعتاد بلا أكل ولا شرب نائمين أو موتى، وبعثهم بعدها يقدر على إحياء غيرهم من الموتى. {وَأَنَّ السَّاعَةَ} يوم القيامة {لاَ رَيْبَ فِيهَا} لأن ثلاثمائة سنة وتسعا لا فرق بينها وبين ما هو أكثر {إِذْ} مفعول لمحذوف، أى اذكر أو ظرف متعلق بقول محذوف، أى اذكر قولهم إذ إلخ لا ظرف لأعثرنا، لأن التنازع بعد الإعثار لا فى حاله إلا تجوزاً للجواز، أو توسعا فى الوقت، بأن بعد وقت الإعثار، ووقت التنازع واحداً، وقع الإعثار، فى بعضه، والتنازع فى بعضه. {يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ} الضمائر لأهل مدينة أصحاب الكهف، أو الناس المعثرين، وأمرهم مفعول ليتنازع، كأنه قيل يقتسمون أمرهم ويتجاذبونه، فبعضهم يقول: تبعث الأرواح، وتبقى الأجساد معدومة، وبعضهم يقول: تبعث الأرواح، والأجساد، أو الضميران الأولان لأهل المدينة وهاء أمرهم لأصحاب الكهف بعضهم يقول: نبنى عليهم بنيان بيعة، لأنهم على ديننا فنعمل صليبا وناقوسا فيها. وقال المسلمون نبنى عليهم مسجداً يصلى فيه الناس بلا كفر، لأنهم على ديننا، وقال المشركون نبنى عليهم بنيانا على معتادنا، وقيل: أَمرهم مدة لبثهم وقيل عددهم، وقيل هو كونهم بعد ذلك الاطلاع عليهم ماتوا أو ناموا كأول مرة. {فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ} حولهم {بُنْيَانًا} يسترهم، قال ذلك غير المسلمين، والبنيان مسجد كفر أو مدينة يسكنها الناس والعطف على يتنازعون، وقيل على محذوف أى تحققوا الآية من الله فقالوا: {رَبُّهُمْ أَعْلمُ بِهِمْ} بأبدانهم ونسبهم، ومدة لبثهم وأحوالهم. هذا من كلام المتنازعين،و قيل من كلام الله سبحانه وتعالى ردًّا على الخائضين فيهم من المتنازعين، أو ممن كان على عهده صلى الله عليه وسلم من أهل الكتاب. {قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أمْرِهِمْ} أمر الفتية بالقوة والتمكن، ونفاذ الكلمة، وهم المسلمون، وقيل أهل أصحاب الكهف، وقيل أكابر البلد {لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا} إِسلاميا يصلى فيه فبنوه وسدوا به باب الكهف كما مر، مرت أعوام بعد دقيانوس، وملك المدينة مؤمن، وفى المدينة قوم ينكرون بعث الأجساد إلا الأرواح، فلبس المسوح، وقعد على الرماد، وتضرع إلى الله، فأعثرهم الله على أصحاب الكهف، فآمن كثير ببعث الأجساد. فقيل علم الناس طوال المدة بطول الشعور والأظفار طولا غير معتاد، وبقراءة ما فى اللوح أو اللوحين المذكورين، ولأنهم ذهبوا بدراهم فيها اسم دقيانوس فأنكروها، وذهبوا به إِلى الملك وهو مؤمن اسمه بندوسيس، فتبيَّن أمرهم وزمانهم بإِخباره، وقال: أردت شراء التَّمر لأصحابى المختفين من دقيانوس. وقيل: قال: بعث كرمة لى أمس فعلم أنه لم يجد كنزاً كما اتهمه الناس به، فأظهر الله أمرهم، فشكر الله لما رأى شخصه ودرهمه إِستنكرهما، فقال: لعله من الفتية الهاربين من دقيانوس، فقد كنت أسأَل الله أن يرينيهم، وسأله فأَخبره فقال لقومه سيروا معه إلى الكهف، لعل الله يرينا آية، ولما وصلوا قال تمليخا: أنا أدخل أولا لئلا يرهبوا، فأخبرهم أن الأمة مسلمون، فقيل: خرجوا إلى الملك وعظموه وعظمهم فرجعوا إلى الكهف. وأكثر القول أنهم ماتوا حين كلمهم تمليخا، ودفنهم الملك، وروى أنه جعلهم فى توابيت من ذهب، فأَتوه فى النوم فقالوا: خلقنا من تراب، فجعلهم فى توابيت من ساج، وروى أنه دخل تمليخا ولم يرجع إليهم، ومات هو وأصحابه، ولم يخرجوا ولم يكلِّمهم الملك، وروى أن بعض القوم طمس الغار عليهم لئلا يراهم أحد، وروى أنهم بنوا مسجداً عنده ليعلم الغار، ولا ينسى. وقيل: لما دخل تمليخا عمى فم الغار، فبنوا هناك مسجداً، وليس فى ذكر بناء المسجد عليهم ما يبيح بناءه على القبر، لأن كهفهم ليس قبراً، ولأن جدار المسجد سدّ لباب الكهف وليس المسجد على الكهف، ولأن الكهف ليس قبراً، وليسوا موتى، ولأنه تعالى لم يذكره بالجواز. ولصحة الحديث فى النهى عن البناء على القبر، ففى مسلم بسنده عن أبى الهياج الأسدى قال لى على: أبعثك على ما بعثنى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن لا تدع تمثالا إلا طمسته، ولا قبراً مشرفاً إِلا سويته، وقد روى عنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : لعن الله الذين يتخذون المساجد على القبور ".

الالوسي

تفسير : {وَكَذٰلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ} أي كما أنمناهم وبعثناهم فالإشارة إلى الإنامة والبعث والإفراد باعتبار ما ذكر ونحوه. وقال العز بن عبد السلام في «أماليه»: الإشارة إلى البعث المخصوص وهو البعث بعد تلك الإنامة الطويلة. وأصل العثور كما قال الراغب السقوط للوجه يقال عثر عثوراً وعثاراً إذا سقط لوجهه، وعلى ذلك قولهم في المثل الجواد لا يكاد يعثر، وقولهم من سلك الجدد أمن العثار ثم تجوز به في الاطلاع على أمر من غير طلبه. وقال الإمام المطرزي: لما كان كل عاثر ينظر إلى موضع عثرته ورد العثور بمعنى الاطلاع والعرفان فهو في ذلك مجاز مشهور بعلاقة السببية وإن أوهم ذكر اللغويين له أنه حقيقة في ذلك، وجعله الغوري حقيقة في الاطلاع على أمر كان خفياً وأمر التجوز على حاله. ومفعول {أَعْثَرْنَا} الأول محذوف لقصد العموم أي وكذلك أطلعنا الناس عليهم، وقال أبو حيان: أهل مدينتهم. {لِيَعْلَمُواْ} أي الذين أطلعناهم عليهم بما عاينوا من أحوالهم العجيبة {إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ} أي وعده سبحانه وتعالى بالبعث على أن الوعد بمعناه المصدري ومتعلقه مقدر أو موعوده تعالى شأنه الذي هو البعث على أن المصدر مؤول باسم المفعول المراد موعوده المعهود، ويجوز أن يراد كل وعده تعالى أو كل موعوده سبحانه ويدخل في ذلك ما ذكر دخولاً أولياً {حَقٌّ} صادق لا خلف فيه أو ثابت متحقق سيقع ولا بد قيل لأن نومهم الطويل المخالف للمعتاد وانتباههم كالموت والبعث. {وَأَنَّ ٱلسَّاعَةَ} أي القيامة التي هي في لسان الشرع عبارة عن وقت بعث الخلائق جميعاً للحساب والجزاء. {لاَ رَيْبَ فِيهَا} أي ينبغي أن لا يرتاب الآن في إمكان وقوعها لأنه لا يبقى بيد المرتابين في ذلك بعد النظر والبحث سوى الاستناد إلى الاستبعاد وعلمهم بوقوع ذلك الأمر الغريب والحال العجيب الذي لو سمعوه ولم يتحققوا وقوعه لاستبعدوه وارتابوا فيه ارتيابهم في ذلك يكسر شوكة ذلك الاستبعاد ويهدم ذلك الاستناد فينبغي حينئذٍ أن لا يرتابوا. وقال بعض المحققين في توجيه ترتب العلم بما ذكر على الاطلاع: إن من شاهد أنه جل وعلا توفى نفوسهم وأمسكها ثلثمائة سنة وأكثر حافظاً أبدانها من التحلل والتفتت ثم أرسلها إليها لا يبقى معه شائبة شك في أن وعده تعالى حق وأنه تعالى يبعث من في القبور فيرد عليهم أرواحهم فيحاسبهم ويجازيهم بحسب أعمالهم اهـ. وأنت تعلم أن في استفادة العلم بالمحاسبة والمجازاة من الاطلاع على حال القوم نظراً. واعترض بأن المطلوب في البعث إعادة الأبدان بعد تفرق أجزائها وما في القصة طول حفظ الأبدان وأين هذا من ذاك؟ والقول بأنه / متى صح طول حفظ الأبدان المحتاجة إلى الطعام والشراب صح قدرته سبحانه على إعادتهما بعد تفرق أجزائها بطريق الأولى غير مسلم. وأجيب بأن طول الحفظ المذكور يدل على قدرته تعالى على ما ذكر بطريق الحدس فليتدبر. ولعل الأظهر توجيه الترتب بما ذكره أولاً، وتوضيحه أن حال الفتية حيث ناموا في تلك المدة المديدة والسنين العديدة وحبست عن التصرف نفوسهم وتعطلت مشاعرهم وحواسهم من غير تصاعد أبخرة شراب وطعام أو نزول علل وأسقام وحفظت أبدانهم عن التحلل والتفتت وأبقيت على ما كانت عليه من الطراوة والشباب في سالف الأعوام حتى رجعت الحواس والمشاعر إلى حالها وأطلقت النفوس من عقالها وأرسلت إلى تدبير أبدانها والتصرف في خدامها وأعوانها فرأت الأمر كما كان والأعوان هم الأعوان ولم تنكر شيئاً عهدته في مدينتها ولم تتذكر طول حبسها عن التصرف في سرير سلطنتها، وحال الذي يقومون من قبورهم بعدما تعطلت مشاعرهم وحبست نفوسهم ثم لما أطلقت وجدت ربوعاً عامرة ومنازل كأنها لم تكن داثرة قائلين قبل أن يكشر عن أنيابه العنا من بعثنا من مرقدنا في الغرابة من صقع واحد ولا ينكر ذلك إلا جاهل أو معاند، ووقوع الأول يزيل الارتياب في إمكان وقوع الثاني حيث كان مستنداً إلى الاستبعاد في الحقيقة كما سمعت فيما قبل لبطلان أدلة النافين للحشر الجسماني. نعم في ترتب العلم بأن البعث سيقع لا محالة على نفس الاطلاع على حال الفتية خفاء فإن الظاهر أن العلم المذكور إنما يترتب على إخبار الصادق بوقوعه وعلى إمكانه في نفسه لكن لما كان الاطلاع المذكور سبباً للعلم بالإمكان وكان كالجزء الأخير من العلة بالنسبة للكفار الذين بلغهم خبر الصادق قيل يترتب العلم بذلك عليه، وكذا في ترتب العلم بأن كل ما وعده الله تعالى حق على نفس الاطلاع خفاء ولم أر من تعرض لتوجيهه من الفضلاء فتأمل. ثم لا يخفى أن ذكر قوله تعالى: {وَأَنَّ ٱلسَّاعَةَ لاَ رَيْبَ فِيهَا} بعد قوله سبحانه: {إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ} على التفسير الذي سمعت مما لا غيار عليه وليس ذلك من ذكر الإمكان بعد الوقوع ليلغو كما زعمه من زعمه. وقال بعضهم: إن الظاهر أن يفسر قوله تعالى: {إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ} بأن كل ما وعده سبحانه متحقق ويجعل قوله تعالى: {وَأَنَّ ٱلسَّاعَةَ لاَ رَيْبَ فِيهَا} تخصيصاً بعد تعميم على معنى لا ريب في تحققها وهو وجه في الآية إلا أن في دعوى الظهور مقالاً فلا تغفل. {إِذْ يَتَنَـٰزَعُونَ} ظرف لأعثرنا عليهم قدم عليه الغاية إظهاراً لكمال العناية بذكرها. وجوز أبو حيان وأبو البقاء وغيرهما كونه ظرفاً {لِيَعْلَمُواْ} وتعقب بأنه يدل على أن التنازع يحدث بعد الإعثار مع أنه ليس كذلك، وبأن التنازع كان قبل العلم وارتفع به فكيف يكون وقته وقته؛ وللمناقشة في ذلك مجال. وجوز أن يكون ظرفاً لحق أو لوعد وهو كما ترى. وأصل التنازع التجاذب ويعبر به عن التخاصم، وهو باعتبار أصل معناه يتعدى بنفسه وباعتبار التخاصم يتعدى بفي كقوله تعالى {أية : فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِى شَىْء } تفسير : [النساء: 59] وضمير {يَتَنَـٰزَعُونَ} لما عاد عليه ضمير {لِيَعْلَمُواْ} أي وكذلك أعثرنا على أصحاب الكهف الناس أو أهل مدينتهم حين يتنازعون {بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ} ويتخاصمون فيه ليرتفع الخلاف ويتبين الحق. وضمير {أَمَرَهُمْ} قيل عائد / أيضاً على مفعول {أَعْثَرْنَا} والمراد بالأمر البعث، ومعنى إضافته إليهم اهتمامهم بشأنه والوقوف على حقيقة حاله. وقد اختلفوا فيه فمن مقر به وجاحد وقائل يقول تبعث الأرواح دون الأجساد وآخر يقول ببعثهما معاً كما هو المذهب الحق عند المسلمين. روي أنه بعد أن ضرب الله تعالى على آذان الفتية ومضى دهر طويل لم يبق أحد من أمتهم الذين اعتزلوهم وجاء غيرهم وكان ملكهم مسلماً فاختلف أهل مملكته في أمر البعث حسبما فصل فشق ذلك على الملك فانطلق فلبس المسوح وجلس على الرماد ثم دعا الله عز وجل فقال: أي رب قد ترى اختلاف هؤلاء فابعث لهم آية تبين لهم فقيض الله تعالى راعي غنم أدركه المطر فلم يزل يعالج ما سد به دقيانوس باب الكهف حتى فتحه وأدخل غنمه فلما كان الغد بعثوا من نومهم فبعثوا أحدهم ليشتري لهم طعاماً فدخل السوق فجعل ينكر الوجوه ويعرف الطرق ورأى الإيمان ظاهراً بالمدينة فانطلق وهو مستخف حتى أتى رجلاً يشتري منه طعاماً فلما نظر الورق أنكرها حيث كانت من ضرب دقيانوس كأنها أخفاف الربع فاتهمه بكنز وقال: لتدلني عليه أو لأرفعنك إلى الملك فقال: هي من ضرب الملك أليس ملككم فلاناً؟ فقال الرجل: لا بل ملكنا فلان وكان اسمه يندوسيس فاجتمع الناس وذهبوا به إلى الملك وهو خائف فسأله عن شأنه فقص عليه القصة وكان قد سمع أن فتية خرجوا على عهد دقيانوس فدعا مشيخة أهل مدينته وكان رجل منهم عنده أسماؤهم وأنسابهم فسأله فأخبره بذلك وسأل الفتى فقال: صدق ثم قال الملك: أيها الناس هذه آية بعثها الله تعالى لكم ثم خرج هو وأهل المدينة ومعهم الفتى فلما رأى الملك الفتية اعتنقهم وفرح بهم ورآهم جلوساً مشرقة وجوههم لم تبل ثيابهم فتكلموا معه وأخبروه بما لقوا من دقيانوس فبينما هم بين يديه قالوا له: نستودعك الله تعالى والسلام عليك ورحمة الله تعالى حفظك الله تعالى وحفظ ملكك ونعيذك بالله تعالى من شر الإنس والجن ثم رجعوا إلى مضاجعهم فتوفاهم الله تعالى فقام الملك إليهم وجعل ثيابه عليهم وأمر أن يجعل كل منهم في تابوت من ذهب فلما كان الليل ونام أتوه في المنام فقالوا: أردت أن تجعل كلاً منا في تابوت من ذهب فلا تفعل ودعنا في كهفنا فمن التراب خلقنا وإليه نعود فجعلهم في توابيت من ساج وبنى على باب الكهف مسجداً. ويروى أن الفتى لما أتي به إلى الملك قال: من أنت؟ قال: أنا رجل من أهل هذه المدينة وذكر أنه خرج أمس أو منذ أيام وذكر منزله وأقواماً لم يعرفهم أحد وكان الملك قد سمع أن فتية قد فقدوا في الزمان الأول وأن أسماءهم مكتوبة على لوح في الخزانة فدعا باللوح ونظر في أسمائهم فإذا هو من أولئك القوم فقال الفتى: وهؤلاء أصحابـي فركب القوم ومن معه فلما أتوا باب الكهف قال الفتى: دعوني حتى أدخل على أصحابـي فأبشرهم فإنهم إذا رأوكم معي رعبوا فدخل فبشرهم وقبض الله تعالى أرواحهم وعمي على الملك ومن معه أثرهم فلم يهتدوا إليهم فبنوا عليهم مسجداً وكان وقوفهم على حالهم بإخبار الفتى وقد اعتمدوا صدقه وهذا هو المراد بالإعثار عليهم، وروي غير ذلك. وقيل: ضمير {أَمَرَهُمْ} للفتية والمراد بالأمر الشأن والحال الذي كان قبل الإعثار أي وكذلك أعثرنا الناس على أصحاب الكهف حين تذاكرهم بينهم أمرهم وما جرى لهم في عهد الملك الجبار من الأحوال والأهوال، ولعلهم قد تلقوا ذلك من الأساطير وأفواه الرجال لكنهم لم يعرفوا هل بقوا أحياء أم حل بهم الفناء. والفاء في قوله تعالى: {فَقَالُواْ ٱبْنُواْ} بناء على القول الأول فصيحة بلا ريب على دأب / اخصارات القرآن كأنه قيل: وكذلك أعثرنا الناس على أصحاب الكهف حين تنازعهم في أمر البعث فتحققوا ذلك وعلموا أن هؤلاء آية من آياتنا فتوفاهم الله تعالى بعد أن حصل الغرض من الإعثار فقالوا ابنوا إلى آخره، وكذلك على القول الثاني كأنه قيل وكذلك أعثرنا الناس على أصحاب الكهف حين تذاكرهم أمرهم وما جرى لهم في عهد الملك الجبار ولم يكونوا عارفين بما هم عليه فوقفوا من أحوالهم على ما وقفوا واتضح لهم ما كانوا قد جهلوا فتوفاهم الله تعالى بعد أن حصل الغرض من الإعثار فقالوا ابنوا إلى آخره أي قال بعضهم ابنوا {عَلَيْهِمْ} أي على باب كهفهم {بُنْيَـٰنًا} نصب على أنه مفعول به، وهو كما قال الراغب واحد لا جمع له، وقال أبو البقاء: هو جمع بنيانة كشعير وشعيرة، وقيل: هو نصب على المصدرية، وهذا القول من البعض عند بعض كان عن اعتناء بالفتية وذلك أنهم ضنوا بتربتهم فطلبوا البناء على باب كهفهم لئلا يتطرق الناس إليهم. وجوزوا في قوله تعالى: {رَّبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ} بعد القول بأنه اعتراض أن يكون من كلام المتنازعين المعثرين كأنهم تذاكروا أمرهم وتناقلوا الكلام في أنسابهم وأحوالهم ومدة لبثهم فلما لم يهتدوا إلى حقيقة ذلك فوضوا العلم إلى الله تعالى علام الغيوب، وأن يكون من كلامه سبحانه رداً للخائضين في أمرهم إما من المعثرين أو ممن كان في عهده صلى الله عليه وسلم من أهل الكتاب وحينئذ يكون فيه التفات على أحد المذهبين. وقيل: ضمير {أَمَرَهُمْ} للفتية والمراد بالأمر الشأن والحال الذي كان بعد الإعثار على أن المعنى إذ يتنازعون بينهم تدبير أمرهم وحالهم حين توفوا كيف يفعلون بهم وبماذا يجعلون قدرهم أو إذ يتنازعون بينهم أمرهم من الموت والحياة حيث خفي عليهم ذلك بعد الإعثار فلم يدروا هل ماتوا أو ناموا كما في أول مرة، وعلى هذا تكون {إِذْ} معمولاً لاذكر مضمراً أو ظرفاً لقوله تعالى: {قَالَ ٱلَّذِينَ غَلَبُواْ عَلَىٰ أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَّسْجِدًا} ويكون قوله تعالى: {فَقَالُواْ} معطوفاً على {يَتَنَـٰزَعُونَ} وإيثار صيغة الماضي للدلالة على أن هذا القول ليس مما يستمر ويتجدد كالتنازع. وصرح بعض الأجلة أن الفاء على أول المعنيين للتعقيب وعلى ثانيهما فصيحة كأنه قيل: اذكر حين يتنازعون في أنهم ماتوا أو ناموا ثم فرغوا من التنازع في ذلك واهتموا بإجلال قدرهم وتشهير أمرهم فقالوا: ابنوا إلى آخره. وذكر الزمخشري احتمال كون ضمير {أَمَرَهُمْ} للمعثرين وأن المراد من (أمرهم) أمر دينهم وهو البعث واحتمال كون الضمير للفتية، والمعنى حينئذ إذ يتذاكر الناس بينهم أمر أصحاب الكهف ويتكلمون في قصتهم وما أظهر الله تعالى من الآية فيهم أو إذ يتنازعون بينهم تدبير أمرهم حين توفوا كيف يخفون مكانهم وكيف يسدون الطريق إليهم، وجعل (إذ) في الأوجه ظرفاً لأعثرنا. وذكر صاحب «الكشف» أن الفاء على الأول فصيحة لا محالة وعلى الأخيرين للتعقيب، أما على الثاني منهما فظاهر، وأما على الأول فلأنهم لما تذاكروا قصتهم وحالهم وما أظهر الله تعالى من الآية فيهم قالوا: دعوا ذلك وابنوا عليهم بنياناً أي خذوا فيما هو أهم إلى آخر ما قال. واحتمال جعل الفاء فصيحة على هذا الأول غير بعيد، وتعلق الظرف بأعثرنا على الوجهين الأخيرين وكذا على ما نقلناه آنفاً ليس بشيء لأن إعثارهم ليس في وقت التنازع فيما ذكر بل قبله. وجعل وقت التنازع ممتداً يقع في بعضه الإعثار وفي بعضه التنازع تعسف لا يخفى مع أنه لا مخصص لإضافته إلى التنازع وهو مؤخر في الوقوع. وحكى في «البحر» أن ضمير {لِيَعْلَمُواْ} عائد على أصحاب الكهف، والمراد أعثرنا عليهم ليزدادوا علماً بأن وعد الله حق إلى آخره، وجعل ذلك غاية للإعثار بواسطة وقوفهم بسببه / على مدة لبثهم بما تحققوه من تبدل القرون، وجعل {إِذْ يَتَنَـٰزَعُونَ} على هذا ابتداء إخبار عن القوم الذين بعثوا في عهدهم، وخص الأمر المتنازع فيه بأمر البناء والمسجد، ويختار حينئذ تعلق الظرف باذكر، ولا يخفى أن جعل ذلك الضمير للفتية وإن دعا لتأويل يعلموا بما سمعت ليس ببعيد الإرادة من النظم الكريم إذا قطع النظر عن الأمور الخارجية كالآثار، ولم يذهب أحد فيما أعلم إلى احتمال كون الضمائر في قوله تعالى: {إِذْ يَتَنَـٰزَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ} عائدة على الفتية كضمير يعلموا، و {إِذْ} ظرف {أَعْثَرْنَا} والمراد بالأمر المتنازع مقدار زمن لبثهم وتنازعهم فيه قول بعضهم {أية : لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ} تفسير : [الكهف: 19] وقول الآخر رداً عليه {أية : رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ} تفسير : [الكهف: 19] وحيث لم يتضح الحال ولم يحصل الإجماع على مقدار معلوم كان التنازع في حكم الباقي فكان زمانه ممتداً فصح أن يكون ظرفاً للإعثار وضمير {فَقَالُواْ} للمعثرين والفاء فصيحة أي وكذلك أعثرنا الناس على الفتية وقت تنازعهم في مدة لبثهم ليزدادوا علماً بالبعث فكان ما كان وصار لهم بين الناس شأن أي شأن فقالوا: ابنوا إلى آخره. وكأن ذلك لما فيه من التكلف مع عدم مساعدة الآثار إياه، ثم ما ذكر من احتمال كون {رَّبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ} من كلامه سبحانه جيء به لرد المتنازعين من المعثرين لا يخلو عن بعد، وأما الاحتمال الأخير فبعيد جداً. والظاهر أنه حكاية عن المعثرين وهو شديد الملاءمة جداً لكون التنازع في أمرهم من الموت والحياة. والذي يقتضيه كلام كثير من المفسرين أن غرض الطائفتين القائلين {ٱبْنُواْ} إلى آخره والقائلين {لَنَتَّخِذَنَّ} إلى آخره تعظيمهم وإجلالهم. والمراد من (الذين غلبوا على أمرهم) كما أخرج عبد الرزاق وابن أبـي حاتم عن قتادة الولاة، ويلائمه {لَنَتَّخِذَنَّ} دون اتخذوا بصيغة الطلب المعبر بها الطائفة الأولى فإن مثل هذا الفعل تنسبه الولاة إلى أنفسها، وضمير {أمرهم } هنا قيل للموصول المراد به الولاة، ومعنى غلبتهم على أمرهم أنهم إذا أرادوا أمراً لم يتعسر عليهم ولم يحل بينه وبينهم أحد كما قيل في قوله تعالى: {أية : وَٱللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ} تفسير : [يوسف: 21]. وذكر بعض الأفاضل أن الضمير لأصحاب الكهف، والمراد بالذين غلبوا قيل الملك المسلم، وقيل أولياء أصحاب الكهف؛ وقيل رؤساء البلد لأن من له الغلبة في هذا النزاع لا بد أن يكون أحد هؤلاء، والمذكور في القصة أن الملك جعل على باب الكهف مسجداً وجعل له في كل سنة عيداً عظيماً. وعن الزجاج أن هذا يدل على أنه لما ظهر أمرهم غلب المؤمنون بالبعث لأن المساجد إنما تكون للمؤمنين به انتهى. ويبعد الأول التعبير بما يدل على الجمع، والثاني إن أريد من الأولياء الأولياء من حيث النسب كما في قولهم أولياء المقتول أنه لم يوجد في أثر أن لأصحاب الكهف حين بعثوا أولياء كذلك. وفسر غير واحد الموصول بالملك والمسلمين ولا بعد في إطلاق الأولياء عليهم كما في قوله تعالى: {أية : ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتِ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ} تفسير : [التوبة: 71] ويدل هذا على أن الطائفة الأولى لم تكن كذلك، وقد روي أنها كانت كافرة وأنها أرادت بناء بيعة أو مصنع لكفرهم فمانعهم المؤمنون وبنوا عليهم مسجداً. وظاهر هذا الخبر أن المسجد مقابل البيعة، وما أخرج ابن أبـي حاتم عن سعيد بن جبير من أن الملك بنى عليهم بيعة فكتب في أعلاها أبناء الأراكنة أبناء الدهاقين ظاهر في عدم المقابلة، ولعله الحق لأنه لا يصح أن يراد بالمسجد هنا ما يطلق عليه اليوم من مصلى المحمديين بل المراد به معبد المؤمنين من تلك الأمة وكانوا على ما سمعت أولاً نصارى وإن كان في المسألة قول آخر ستسمعه إن شاء الله تعالى قريباً ومعبدهم يقال له بيعة، وظاهر ما تقدم أن المسجد اتخذ لأن يعبد الله تعالى فيه من شاء / وأخرج أبو حاتم عن السدي أن الملك قال: لأتخذن عند هؤلاء القوم الصالحين مسجداً فلأعبدن الله تعالى فيه حتى أموت، وعن الحسن أنه اتخذ ليصلي فيه أصحاب الكهف إذا استيقظوا، وهذا مبني على أنهم لم يموتوا بل ناموا كما ناموا أولاً وإليه ذهب بعضهم بل قيل إنهم لا يموتون حتى يظهر المهدي ويكونوا من أنصاره ولا معول على ذلك وهو عندي أشبه شيء بالخرافات. ثم لا يخفى أنه على القول بأن الطائفة الأولى الطالبة لبناء البنيان عليهم إذا كانت كافرة لم تكن غاية الإعثار متحققة في جميع المعثرين، ولا يتعين كون {رَّبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ} مساقاً لتعظيم أمر أصحاب الكهف، ولعل تلك الطائفة لم تتحقق حالهم وأنهم ناموا تلك المدة ثم بعثوا فطلبت انطماس الكهف عليهم وأحالت أمرهم إلى ربهم سبحانه والله تعالى أعلم بحقيقة الحال. وقرأ الحسن وعيسى الثقفي {غلبوا} بضم الغين وكسر اللام على أن الفعل مبني للمفعول، ووجه بذلك بأن طائفة من المؤمنين المعثرين أرادت أن لا يبني عليهم شيء ولا يتعرض لموضعهم وطائفة أخرى منهم أرادت البناء وأن لا يطمس الكهف فلم يمكن للطائفة الأولى منعها ووجدت نفسها مغلوبة فقالت: إن كان بنيان ولا بد فلنتخذن عليهم مسجداً. هذا واستدل بالآية على جواز البناء على قبور الصلحاء واتخاذ مسجد عليها وجواز الصلاة في ذلك. وممن ذكر ذلك الشهاب الخفاجي في «حواشيه على البيضاوي» وهو قول باطل عاطل فاسد كاسد، فقد روى أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لعن الله تعالى زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج» تفسير : ومسلم «حديث : ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد فإني أنهاكم عن ذلك» تفسير : وأحمد عن أسامة وهو والشيخان والنسائي عن عائشة، ومسلم عن أبـي هريرة: «حديث : لعن الله تعالى اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد»تفسير : وأحمد والشيخان والنسائي «حديث : إن أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على قبره مسجداً وصوروا فيه تلك الصور أولئك شرار الخلق يوم القيامة» تفسير : وأحمد والطبراني «حديث : إن من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء ومن يتخذ القبور مساجد» تفسير : وعبد الرزاق «حديث : من شرار أمتي من يتخذ القبور مساجد» تفسير : وأيضاً«حديث : كانت بنو اسرائيل اتخذوا القبور مساجد فلعنهم الله تعالى» تفسير : إلى غير ذلك من الأخبار الصحيحة والآثار الصريحة. وذكر ابن حجر في «الزواجر» أنه وقع في كلام بعض الشافعية عد اتخاذ القبور مساجد والصلاة إليها واستلامها والطواف بها ونحو ذلك من الكبائر، وكأنه أخذ ذلك مما ذكر من الأحاديث، ووجه اتخاذ القبر مسجداً واضح لأنه عليه الصلاة والسلام لعن من فعل ذلك في قبور الأنبياء عليهم السلام وجعل من فعل ذلك بقبور الصلحاء شرار الخلق عند الله تعالى يوم القيامة ففيه تحذير لنا، واتخاذ القبر مسجداً معناه الصلاة عليه أو إليه وحينئذ يكون قوله والصلاة إليها مكرراً إلا أن يراد باتخاذها مساجد الصلاة عليها فقط، نعم إنما يتجه هذا الأخذ إن كان القبر قبر معظم من نبي أو ولي كما أشارت إليه رواية: «إذا كان فيهم الرجل الصالح» ومن ثم قال أصحابنا: تحرم الصلاة إلى قبور الأنبياء والأولياء تبركاً وإعظاماً فاشترطوا شيئين أن يكون قبر معظم وأن يقصد الصلاة إليها، ومثل الصلاة عليه التبرك والإعظام، وكون هذا الفعل كبيرة ظاهر من الأحاديث، وكأنه قاس عليه كل تعظيم للقبر كإيقاد السرج عليه تعظيماً له وتبركاً به والطواف به كذلك وهو أخذ غير بعيد سيما وقد صرح في بعض الأحاديث المذكورة بلعن من اتخذ على القبر سراجاً فيحمل قول الأصحاب بكراهة ذلك على ما إذا لم يقصد به تعظيماً وتبركاً بذي القبر. / وقال بعض الحنابلة: قصد الرجل الصلاة عند القبر متبركاً به عين المحادة لله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم وإبداع دين لم يأذن به الله عز وجل للنهي عنها ثم إجماعاً فإن أعظم المحرمات وأسباب الشرك الصلاة عندها واتخاذها مساجد أو بناؤها عليها، وتجب المبادرة لهدمها وهدم القباب التي على القبور إذ هي أضر من مسجد الضرار لأنها أسست على معصية رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه عليه الصلاة والسلام نهى عن ذلك وأمر بهدم القبور المشرفة، وتجب إزالة كل قنديل أو سراج على قبر ولا يصح وقفه ولانذره اهـ. وفي «المنهاج» و«شرحه» للعلامة المذكور ويكره تجصيص القبر والبناء عليه في حريمه وخارجه في غير المسبلة إلا إن خشي نبش أو حفر سبع أو هدم سيل ويحرم البناء في المسبلة، وكذا تكره الكتابة عليه للنهي الصحيح عن الثلاثة سواء كتابة اسمه وغيره في لوح عند رأسه أو في غيره، نعم بحث الأذرعي حرمة كتابة القرآن لتعريضه للامتهان بالدوس والتنجيس بصديد الموتى عند تكرر الدفن ووقوع المطر، وندب كتابة اسمه لمجرد التعريف به على طول السنين لا سيما قبور الأنبياء والصالحين لأنه طريق للإعلام المستحب، ولما روى الحاكم النهي قال: ليس العمل عليه الآن فإن أئمة المسلمين من المشرق والمغرب مكتوب على قبورهم فهو عمل أخذ به الخلف عن السلف. ويرد بمنع هذه الكلية وبفرضها فالبناء على قبورهم أكثر من الكتابة عليها في المقابر المسبلة كما هو مشاهد لا سيما بالحرمين ومصر ونحوها وقد علموا بالنهي عنه فكذا هي، فإن قلت: هو إجماع فعلى فهو حجة كما صرحوا به قلت: ممنوع بل هو أكثري فقط إذ لم يحفظ ذلك حتى عن العلماء الذين يرون منعه، وبفرض كونه إجماعاً فعلياً فمحل حجيته كما هو ظاهر إنما هو عند صلاح الأزمنة بحيث ينفذ فيها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وقد تعطل ذلك منذ أزمنة. ولو بنى نفس القبر لغير حاجة مما مر كما هو ظاهر أو نحو تحويط أو قبة عليه في مقبرة مسبلة كأرض موات اعتادوا الدفن فيها أو موقوفة لذلك بل هي أولى هدم وجوباً لحرمته كما في «المجموع» لما فيه من التضييق مع أن البناء يتأبد بعد انمحاق الميت فيحرم الناس تلك البقعة. وهل من البناء ما اعتيد من جعل أربعة أحجار مربعة محيطة بالقبر مع لصق كل رأس منها برأس الآخر بجص محكم أو لا لأنه لا يسمى بناء عرفاً؟ والذي يتجه الأول لأن العلة من التأبيد موجودة هنا، وقد أفتى جمع بهدم كل ما بقرافة مصر من الأبنية حتى قبة الإمام الشافعي عليه الرحمة التي بناها بعض الملوك، وينبغي لكل أحد هدم ذلك ما لم يخش منه مفسدة فيتعين الرفع للإمام أخذاً من كلام ابن الرفعة في الصلح انتهى. وفي «صحيح مسلم» عن أبـي الهياج الأسدي قال: «قال لي علي كرم الله تعالى وجهه أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا تدع تمثالاً إلا طمسته ولا قبراً مشرفاً إلا سويته»، قال ابن الهمام في «فتح القدير»: وهو محمول على ما كانوا يفعلونه من تعلية القبور بالبناء الحسن العالي، والأحاديث وكلام العلماء المنصفين المتبعين لما ورد عن النبـي صلى الله عليه وسلم وجاء عن السلف الصالح أكثر من أن يحصى. لا يقال: إن الآية ظاهرة في كون ما ذكر من شرائع من قبلنا - وقد استدل بها فقد روي أنه صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : من نام عن صلاة أو نسيها» تفسير : الحديث ثم تلا قوله تعالى: {أية : أَقِمِ ٱلصَّلَٰوةَ لِذِكْرِى} تفسير : [طه: 14] وهو مقول لموسى عليه السلام وسياقه الاستدلال. واحتج محمد على جواز قسمة الماء بطريق المهايأة بقوله تعالى: {أية : لَّهَا شِرْبٌ} تفسير : [الشعراء: 155] الآية {أية : وَنَبّئْهُمْ أَنَّ ٱلْمَاء قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ} تفسير : [القمر: 28] / وأبو يوسف على جري القود بين الذكر والأنثى بآية {أية : وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ} تفسير : [المائدة: 45] والكرخي على جريه بين الحر والعبد والمسلم والذمي بتلك الآية الواردة في بني إسرائيل إلى غير ذلك - لأنا نقول: مذهبنا في شرع من قبلنا وإن كان أنه يلزمنا على أنه شريعتنا لكن لا مطلقاً بل إن قصه الله تعالى علينا بلا إنكار وإنكار رسوله صلى الله عليه وسلم كإنكاره عز وجل، وقد سمعت أنه عليه الصلاة والسلام لعن الذين يتخذون المساجد على القبور، على أن كون ما ذكر من شرائع من قبلنا ممنوع، وكيف يمكن أن يكون اتخاذ المساجد على القبور من الشرائع المتقدمة مع ما سمعت من لعن اليهود والنصارى حيث اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد. والآية ليست كالآيات التي ذكرنا آنفاً احتجاج الأئمة بها وليس فيها أكثر من حكاية قول طائفة من الناس وعزمهم على فعل ذلك وليست خارجة مخرج المدح لهم والحض على التأسي بهم فمتى لم يثبت أن فيهم معصوماً لا يدل فعلهم فضلاً عن عزمهم على مشروعية ما كانوا بصدده، ومما يقوي قلة الوثوق بفعلهم القول بأن المراد بهم الأمراء والسلاطين كما روي عن قتادة. وعلى هذا لقائل أن يقول: إن الطائفة الأولى كانوا مؤمنين عالمين بعدم مشروعية اتخاذ المساجد على القبور فأشاروا بالبناء على باب الكهف وسده وكف كف التعرض عن أصحابه فلم يقبل الأمراء منهم وغاظهم ذلك حتى أقسموا على اتخاذ المسجد، وكأن الأولين إنما لم يشيروا بالدفن مع أن الظاهر أنه هو المشروع إذ ذاك في الموتى كما أنه هو المشروع عندنا فيهم لعدم تحققهم موتهم، ومنعهم من تحقيقه أنهم لم يقدروا كما أخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن وهب بن منبه على الدخول عليهم لما أفيض عليهم من الهيبة ولهذا قالوا: {رَّبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ} وإن أبيت إلا حسن الظن بالطائفة الثانية فلك أن تقول: إن اتخاذهم المسجد عليهم ليس على طرز اتخاذ المساجد على القبور المنهي عنه الملعون فاعله وإنما هو اتخاذ مسجد عندهم وقريباً من كهفهم، وقد جاء التصريح بالعندية في رواية القصة عن السدي ووهب، ومثل هذا الاتخاذ ليس محظوراً إذ غاية ما يلزم على ذلك أن يكون نسبة المسجد إلى الكهف الذي هم فيه كنسبة المسجد النبوي إلى المرقد المعظم صلى الله عليه وسلم، ويكون قولهم {لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ} على هذا لمشاكلة قول الطائفة {ٱبْنُواْ عَلَيْهِمْ} وإن شئت قلت: إن ذلك الاتخاذ كان على الكهف فوق الجبل الذي هو فيه، وفي خبر مجاهد أن الملك تركهم في كهفهم وبنى على كهفهم مسجداً وهذا أقرب لظاهر اللفظ كما لا يخفى، وهذا كله إنما يحتاج إليه على القول بأن أصحاب الكهف ماتوا بعد الإعثار عليهم وأما على القول بأنهم ناموا كما ناموا أولاً فلا يحتاج إليه على ما قيل، وبالجملة لا ينبغي لمن له أدنى رشد أن يذهب إلى خلاف ما نطقت به الأخبار الصحيحة والآثار الصريحة معولاً على الاستدلال بهذه الآية فإن ذلك في الغواية غاية وفي قلة النهي نهاية، ولقد رأيت من يبيح ما يفعله الجهلة في قبور الصالحين من إشرافها وبنائها بالجص والآجر وتعليق القناديل عليها والصلاة إليها والطواف بها واستلامها والاجتماع عندها في أوقات مخصوصة إلى غير ذلك محتجاً بهذه الآية الكريمة وبما جاء في بعض روايات القصة من جعل الملك لهم في كل سنة عيداً وجعله إياهم في توابيت من ساج ومقيساً البعض على البعض وكل ذلك محادة لله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم وإبداع دين لم يأذن به الله عز وجل. ويكفيك في معرفة الحق تتبع ما صنع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في قبره عليه الصلاة والسلام وهو أفضل قبر على وجه الأرض بل أفضل من العرش، والوقوف على أفعالهم في زيارتهم له والسلام عليه عليه الصلاة / والسلام فتتبع ذاك وتأمل ما هنا وما هناك والله سبحانه وتعالى يتولى هداك. ثم أعلم أنهم اختلفوا في تعيين موضع المسجد والكهف وقد مرت عليك بعض الأقوال. وفي «البحر» ((أن في الشام كهفاً فيه موتى ويزعم مجاوروه أنهم أصحاب الكهف وعليهم مسجد وبناء يسمى الرقيم ومعهم كلب رمة، وبالأندلس في جهة غرناطة بقرب قرية تسمى لوشة كهف فيه موتى ومعهم كلب رمة وأكثرهم قد انجرد لحمه وبعضهم متماسك وقد مضت القرون السالفة ولم نجد من علم شأنهم ويزعم ناس أنهم أصحاب الكهف؛ قال ابن عطية: دخلت عليهم فرأيتهم سنة أربع وخمسمائة وهم بهذه الحالة وعليهم مسجد وقريب منهم بناء رومي يسمى الرقيم كأنه قصر مخلق قد بقي بعض جدرانه وهو في فلاة من الأرض خربة وبأعلا حصن غرناطة مما يلي القبلة آثار مدينة قديمة يقال لها مدينة دقيوس وجدنا في آثارها غرائب انتهى، وحين كنا بالأندلس كان الناس يزورون هذا الكهف ويذكرون أنهم يغلطون في عدتهم إذا عدوهم وأن معهم كلباًَ ويرحل الناس إلى لوشة لزيارتهم، وأما ما ذكره من المدينة القديمة فقد مررت عليها مراراً لا تحصى وشاهدت فيها حجارة كباراً، ويترجح كون ذلك بالأندلس لكثرة دين النصارى بها حتى أنها هي بلاد مملكتهم العظمى ولأن الأخبار بما هو في أقصى مكان من أرض الحجاز أغرب وأبعد أن يعرف إلا بوحي من الله تعالى)) انتهى. وما تقدم من خبر ابن عباس ومعاوية يضعف ما ادعى ترجحه لأن معاوية لم يدخل الأندلس، وتسمية الأندلسيين نصارى الأندلس بالروم في نثرهم ونظمهم ومخاطبة عامتهم كما في «البحر» أيضاً لا يجدي نفعاً، وقد عول الكثير على أن ذلك طرسوس والله تعالى أعلم.

ابن عاشور

تفسير : {وَكَذٰلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوۤاْ أَنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ ٱلسَّاعَةَ لاَ رَيْبَ فِيهَا}. انتقل إلى جزء القصة الذي هو موضع عبرَةِ أهل زمانهم بحالهم وانتفاعهم باطمئنان قلوبهم لوقوع البعث يوم القيامة بطرِيقة التقريب بالمشاهدة وتأييد الدين بما ظهر من كرامة أنصاره. وقد كان القوم الذين عثروا عليهم مؤمنين مثلهم، فكانت آيتهم آية تثبيت وتقوية إيمان. فالكلام عطف على قوله: { أية : وكذلك بعثناهم } تفسير : [الكهف: 19] الآية. والقول في التشبيه والإشارة في {وكذلك} نظيرُ القول في الذي قبله آنفاً. والعثور على الشيء: الاطلاع عليه والظفَر به بعد الطلب. وقد كان الحديث عن أهل الكهف في تلك المدينة يتناقله أهلها فيسر الله لأهل المدينة العثور عليهم للحكمة التي في قوله: {ليعلموا أن وعد الله حق} الآية. ومفعول {أعثرنا} محذوف دل عليه عموم { أية : ولا يشعرن بكم أحداً } تفسير : [الكهف: 20]. تقديره: أعثرنا أهل المدينة عليهم. وضمير {ليعلموا} عائد إلى المفعول المحذوف المقدر لأن المقدر كالمذكور. ووعد الله هو إحياء الموتى للبعث. وأما علمهم بأن الساعة لا ريب فيها، أي ساعة الحشر، فهو إن صار علمهم بذلك عن مشاهدة تزول بها خواطر الخفاء التي تعتري المؤمن في اعتقاده حين لا يتصور كيفية العقائد السمعية وما هو بريب في العلم ولكنه في الكيفية، وهو الوارد فيه أنه لا يخطر إلا لصديق ولا يدوم إلا عند زنديق. الظرف متعلق بــــ {أعثرنا}، أي أعثرنا عليهم حين تنازعوا أمرهم. وصيغ ذلك بصيغة الظرفية للدلالة على اتصال التنازع في أمر أهل الكهف بالعثور عليهم بحيث تبادروا إلى الخوض في كرامة يجعلونها لهم. وهذا إدماج لذكر نزاع جرى بين الذين اعتدوا عليهم في أمور شتى جمعها قوله تعالى: {أمرهم} فضمير {يتنازعون} و{بينهم} عائدان إلى ما عاد الله ضمير {ليعلموا}. وضمير {أمرهم} يجوز أن يعود إلى أصحاب الكهف. والأمر هنا بمعنى الشأن. والتنازع: الجدال القوي، أي يتنازع أهل المدينة بينهم شأن أهل الكهف، مثل: أكانوا نياماً أم أمواتاً، وأيبقون أحياء أم يموتون، وأيبقون في ذلك الكهف أم يرجعون إلى سكنى المدينة، وفي مدة مكثهم. ويجوز أن يكون ضمير {أمرهم} عائداً إلى ما عاد عليه ضمير {يتنازعون}، أي شأنهم فيما يفعلونه بهم. والإتيان بالمضارع لاستحضار حالة التنازع. طوي هنا وصف العثور عليهم، وذكر عودهم إلى الكهف لعدم تعلق الغرض بذكره، إذ ليس موضع عبرة لأن المصير إلى مرقدهم وطرو الموت عليهم شأن معتاد لكل حي. وتفريع {فقالوا} على {يتنازعون}. وإنما ارتأوا أن يبنوا عليهم بنياناً لأنهم خشوا عليهم من تردد الزائرين غير المتأدبين، فلعلهم أن يؤذوا أجسادهم وثيابهم باللمس والتقليب، فأرادوا أن يبنوا عليهم بناءً يمكن غلق بابه وحراسته. وجملة {ربهم أعلم بهم} يجوز أن تكون من حكاية كلام الذين قالوا، ابنوا عليهم بنياناً. والمعنى: ربهم أعلم بشؤونهم التي تنزعنا فيها، فهذا تنهية للتنازع في أمرهم. ويجوز أن تكون معترضة من كلام الله تعالى في أثناء حكاية تنازع الذين أعثروا عليهم، أي رب أهل الكهف أو رب المتنازعين في أمرهم أعلم منهم بواقع ما تنازعوا فيه. والذين غلبوا على أمرهم ولاة الأمور بالمدينة، فضمير {أمرهم} يعود إلى ما عاد إليه ضمير {فقالوا}، أي الذين غلبوا على أمر القائلين: ابنوا عليهم بنياناً. وإنما رأوا أن يكون البناء مسجداً ليكون إكراماً لهم ويدوم تعهد الناس كهفهم. وقد كان اتخاذ المساجد على قبور الصالحين من سنة النصارى، ونهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم كما في الحديث يوم وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت عائشة ــــ رضي الله عنها ــــ: «ولولا ذلك لأبرز قبرُه»، أي لأبرز في المسجد النبوي ولم يجعل وراء جدار الحجرة. واتخاذ المساجد على القبور، والصلاة فيها منهي عنه، لأن ذلك ذريعة إلى عبادة صاحب القبر أو شبيهٌ بفعل من يعبدون صالحي ملتهم. وإنما كانت الذريعة مخصوصة بالأموات لأن ما يعرض لأصحابهم من الأسف على فقدانهم يبعثهم على الإفراط فيما يحسبون أنه إكرام لهم بعد موتهم، ثم يتناسى الأمر ويظن الناس أن ذلك لخاصية في ذلك الميّت. وكان بناء المساجد على القبور سنة لأهل النصرانية، فإن كان شرعاً لهم فقد نسخه الإسلام، وإن كان بدعة منهم في دينهم فأجدر.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {قَالَ ٱلَّذِينَ غَلَبُواْ عَلَىٰ أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَّسْجِداً}. لم يبين الله هنا من هؤلاء الذين غلبوا على أمرهم، هل هم من المسلمين أو من الكفار؟ وذكر ابن جرير وغيره فيهم قولين: أحدهما - أنهم كفار، والثاني - أنهم مسلمون، وهي قولهم: {لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَّسْجِداً} لأن اتخاذ المساجد من صفات المؤمنين لا من صفات الكفار. هكذا قال بعض أهل العلم. ولقائل أن يقول: اتخاذ المساجد على القبور من فعل الملعونين على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا من فعل المسلمين، وقد قدمنا ذلك مستوفى بأدلته في سورة "الحجر" في الكلام على قوله تعالى: {أية : وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ ٱلحِجْرِ ٱلْمُرْسَلِينَ}تفسير : [الحجر: 80].

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 21- وكما أنمناهم وبعثناهم أطلعنا أهل المدينة عليهم ليعلم المطلعون أن وعد الله بالبعث حق، وأن القيامة لا شك فى إتيانها. فآمن أهل المدينة بالله واليوم الآخر، ثم أمات الله الفتية فتنازعوا فى شأنهم، فقال بعضهم: ابنوا على باب الكهف بنياناً ونتركهم وشأنهم فربهم أعلم بحالهم، وقال أصحاب الكلمة فى القوم: لنتخذن على مكانهم مسجداً للعبادة. 22- سيقول فريق من الخائضين فى قصتهم من أهل الكتاب: هم ثلاثة رابعهم كلبهم، ويقول آخرون: هم خمسة سادسهم كلبهم. ظنا خالياً من الدليل، ويقول آخرون: هم سبعة وثامنهم كلبهم. قل لهؤلاء المختلفين: ربى عليم علماً ليس فوقه علم بعددهم. ولا يعلم حقيقته إلا قليل من الناس أطلعهم الله على عددهم، فلا تجادل هؤلاء المختلفين فى شأن الفتية إلا جدالا ظاهراً ليناً دون محاولة إقناعهم، فإنهم لا يقتنعون. ولا تسأل أحداً منهم عن نبئهم، فقد جاءك الحق الذى لا مِرْيَة فيه. 23- ولا تقولن لشئ تُقْدِم عليه وتهتم به: إنى فاعل ذلك فيما يستقبل من الزمان. 24- إلا قولا مقترناً بمشيئة الله بأن تقول: إن شاء الله! وإذا نسيت أمراً فتدارك نفسك بذكر الله، وقل عند اعتزامك أمراً وتعليقه على مشيئة الله: عسى أن يوفقنى ربى إلى أمر خير مما عزمت عليه وأرشد منه. 25- وإن الفتية مكثوا فى كهفهم نياماً ثلاثمائة سنين زادت تسعا.

د. أسعد حومد

تفسير : {يَتَنَازَعُونَ} {بُنْيَاناً} (21) - وَكَمَا أَرْقَدْنَاهُمْ وَأَيْقَظْنَاهُمْ بِهَيْئَاتِهِمْ، أَطْلَعْنَا عَلَيْهِمْ أَهْلَ ذلِكَ الزَّمَانِ، لِيَعْلَمَ الشَّاكُّونَ بِالبَعْثِ وَالحَشْرِ أَنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ، وَأَنَّ القِيَامَةَ سَتَقُومُ فِي الوَقْتِ الَّذِي حَدَّدَهُ اللهُ لَهَا، بِدُونِ شَكٍّ. وَأَخَذَ النَّاسُ يَتَنَازَعُونَ فِي أَمْرِ هؤلاءِ الفِتْيَةِ فَقَالَ قَوْمٌ: سُدُّوا عَلَيْهِمْ بَابَ الكَهْفِ بِبِنَاءٍ وَاتْرُكُوهُمْ لإِرَادَةِ اللهِ. وَقَالَ آخَرُونَ (وَهُمُ الَّذِينَ كَانَتْ لَهُمُ الغَلَبَةُ فِي الحُكْمِ)، إِنَّهُمْ سَيُقِيمُونَ عَلَى كَهْفِهِمْ مَعْبَداً يُصَلِّي النَّاسُ فِيهِ {لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَّسْجِداً}. أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ - أَطْلَعْنَا النَّاسَ عَلَيْهِمْ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : في قوله تعالى: {وَكَذٰلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوۤاْ أَنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ ٱلسَّاعَةَ لاَ رَيْبَ فِيهَا ..} [الكهف: 21] يقيم من أهل الكهف دليلاً على قيام الساعة والبعث بعد الموت، فها أنتم ما زِلْتم على قَيْد الحياة وفي سَعَة الدنيا، ومع ذلك أنامكم الله هذه النَّوْمة الطويلة ثم بعثكم، وقد عُثِر عليهم، وما زالت فيهم حياة. ثم يقول تعالى: {إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَالُواْ ٱبْنُواْ عَلَيْهِمْ بُنْيَاناً رَّبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ ..} [الكهف: 21] حدث هذا التنازع من الجماعة الذين عثروا عليهم، ويبدو أنهم كانوا على مِسْحة من الدين، فأرادوا أنْ يحافظوا على هذه الآية الإلهية، ويصحّ أنهم بمجرد أنْ عثروا عليهم قضى أجلهم فماتوا. وهذه مسألة يجب أن يُؤرّخ لها، وأن تخلد؛ لذلك جعلوها مثلاً شَرُوداً للعالم كله لتُعرف قصة هؤلاء الفتية الذين ضَحَّوْا في سبيل عقيدتهم وفَرُّوا بدينهم من سَعَة الحياة إلى ضيق الكهف؛ ليكونوا مثلاً لكل أهل العقيدة، ودليلاً على أن الله تعالى ينصر أهله ويدافع عنهم ويُخلِّد ذكراهم إلى قيام الساعة. لذلك قال بعضهم لبعض: {ٱبْنُواْ عَلَيْهِمْ بُنْيَاناً ..} [الكهف: 21] أي: مطلق البنيان، فعارضهم آخرون بأن البناء يجب أن يكون مسجداً {قَالَ ٱلَّذِينَ غَلَبُواْ عَلَىٰ أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَّسْجِداً} [الكهف: 21] ليكون موضعاً للسجود لله وللعبادة ليتناسب مع هذه الآية العظيمة الخالدة. ثم تحدَّث الحق سبحانه عن الاختلافات التي نشأت عن فضول الناس لمعرفة عدد أهل الكهف، وما يتعلَّق بهم من تفصيلات هي في حقيقتها عِلْم لا ينفع وجَهْل لا يضر، فقال تعالى: {سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {وَكَذٰلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ} معناهُ أطلَعنا وأظهرَنا.

الجيلاني

تفسير : {وَ} كما أنمناهم نوماً طويلاً شبيهاً بالموت، ورحمناهم بتقلبٍ من جانبٍ إلى جانبٍ وحفظناهم من حر الشمس وأنواع المؤذيات، وبعثناهم من نومهم بعث الموتى للحشر؛ ليزدادوا بصيرة وثقة على الله {كَذٰلِكَ أَعْثَرْنَا} وأطعلنا {عَلَيْهِمْ} وعلى من شاهد حالهم، وشهد قصتهم من المؤمنين {لِيَعْلَمُوۤاْ} ويتيقنوا {أَنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ} القادر المقتدر بالقدرة التامة الكاملة لكل ما أراد وشاء {حَقٌّ} ثابتُ لائقُ له أن يُنجزه بلا خلفه {وَ} يتيقنوا خصوصاً {أَنَّ ٱلسَّاعَةَ} الموعودة التي وعدها الحق بألسنة جميع أنبيائه ورسله آتيهُ {لاَ رَيْبَ فِيهَا} وارتفع نزاع الناس فيها، ببعث هؤلاء بعد ثلاثمائة وتسع سنين. اذكر يا أكمل الرسل وقت {إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ} المتعلق بدينهم في المحشر والمعاد الجسماني؛ إذ القادر على حفظهم ورعايتهم في المدة المذكورة، وبعثِهم بعدها قادرُ على إحياء عموم الموتى من قبورهم وإعادة الروح إلى أجسامهم؛ إذ أمثال هذا سهلُ يسيرُ في جنب قدرة الله وإرادته، وبعدما بعثناهم من مراقدهم وأطلعنا الناس عليهم، فمضوا وتكلموا معهم، وحكوا ما حكوا، وأخبر القوم بمدة رقودهم، واستودعوا مع القوم ورجعوا إلى المراقد فماتوا وانقرضوا، فاختلف الناس في أمرهم، فقال المسلمون: هم منا لأنا موحدون، وقال الكافرون: بل هم منا لكونهم أولاد الكفار. وبالجلمة: {فَقَالُواْ ٱبْنُواْ عَلَيْهِمْ بُنْيَاناً} قال المسلمون: نحن نبني عليهم مسجداً، وقال الكافكرون نحن نبني عليهم كنسيةً، وكلا الفريقين ليسوا عالمين بكفرهم وإيامنهم، بل {رَّبُّهُمْ} الذي رثاهم بأنواع التربية ورحمهم بأنواع الرحمة {أَعْلَمُ بِهِمْ} وبحالهم فأمرُهم موكولُ إلى الله مفوض إليه، ثم لما تمادى النزاع بينهم وتطاول جدالهم {قَالَ ٱلَّذِينَ غَلَبُواْ عَلَىٰ أَمْرِهِمْ} بالقدرة الحجة، وهم الموحدون المسلمون {لَنَتَّخِذَنَّ} ونبنين {عَلَيْهِمْ مَّسْجِداً} [الكهف: 21] نتوجه فيه لله، ونتبرك بهم ونجعله محل الحاجات وقضاء المناجاة، فاتخذوه وجعلوه مرجعاً يرجع إليه الأقاصي والأداني. ثم لما اختلف الخائضون في قصتهم في عددهم، ذكر سبحانه أقوالهم أولاً، ثم بين ما هو أولى وأحق فقال: {سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رَّابِعُهُمْ} أي: مصيرهم أربعة {كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ} اي: مصيرهم ستةً {كَلْبُهُمْ} كلا القولين، الأول قول اليهود، والثاني قول النصارى صدر عنهم {رَجْماً} ورمياً {بِٱلْغَيْبِ} إذ لا مستند لهم من التواريخ وقول الرسل {وَيَقُولُونَ} هم {سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ} أي: مصيِّرهم ثمايةً {كَلْبُهُمْ} والواو وإن كان مقحماً، أفاد توكيد لصوق الصفة بالموصوف وشدة اتصاله به، ليدل على صدقه ومطابقته، ومثله في القرآن كثير، منه قوله تعالى: {أية : وَمَآ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلاَّ وَلَهَا كِتَابٌ مَّعْلُومٌ}تفسير : [الحجر: 4] وغير ذلك، وهي مثل الواو في قولهم: جاءني زيدُ ، ومعه ثوبُ. هذا قول المؤمنين أخذوا من رسول الله، وهو من جبريل، وجبرائيل من الله سبحانه، فإن شكوا فيه أيضاً ونسبوه إلى الرّمي والتخمين {قُلاً} لهم يا أكمل الرسل: {رَّبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِم} إذ لا يعزب عن علمه شيءُ من أحوالهم من أول أمرهم إلى أخره؛ لأن علمه بمعلوماته حضوريُ، لا يغيب عنه أصلاً وهم {مَّا يَعْلَمُهُمْ} من أحوالهم {إِلاَّ قَلِيلٌ} بالأخبار والتواريخ، وأكثرها غير مطابق للواقع، ولما كان قولهم وعلمهم راجعاً إلى الرجم والرمي بلا مستند {فَلاَ تُمَارِ} ولا تجادل يا أكمل الرسل {فِيهِمْ} أي: في حق الفتية {إِلاَّ مِرَآءً ظَاهِراً} أي: جدالاً خفيفاً مقتصراً على ما أوحينا إليك، لا متعمقاً غليظاً بأن تُجهلهم وتُسفههم، وتضحك من قولهم، وتنسبه إلى الخرافة الخرق. {وَ} أيضاً {لاَ تَسْتَفْتِ} ولا تسأل {فِيهِمْ} أي: في حق الفتية وأمرهم {مِّنْهُمْ} أي: من أهل الكتاب {أَحَداً} [الكهف: 22] يعني: لا ستفتِ أحداً منهم عن قصتهم وشأنهم بعدما ظهر عليك أمرهم بالوحي؛ لأن استفتاءك بعد الوحي، إما سؤالُ تعنتٍ وامتحانٍ، فهو لا يليق بمرتبة الرسالة والنبوة، بعدي عن مكارم الأخلاق ومحاسن الشيم اللازمة لمرتبة النبوة، وإما سؤال استعلام واسترشاد، فهم قاصرون عاجزون عنهها، مع أنه لا معنى للسؤال بعد الوحي. {وَ} لما أمره اليهود لقريش أن يسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم سؤال تعنتٍ وامتحانٍ عن الروح وذي القرنين وأصحاب الكهف، فسألوا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ائتُوني غَداً أُخْبِركُمْ عَنْهَا ". تفسير : قاله بلا استنثاءٍ وتعليقِ بمشيئتةِ؛ أي: لم يقل: إن شاء الله، فانسد عليه باب الوةحي بضعة عشر يوماً، فشق عليه صلى الله عليه وسلم الأمر، وكذَّبته قريش وتحزّن حزناً شديداًن فنهاه سبحانته نهياً مؤكداً، وأدّبه تأديباً بليغاً؛ لئلا يترك الاستثناء في الأمور أصلاً، فقال: {لاَ تَقُولَنَّ} يا أكمل الرسل ألبتة {لِشَاْىءٍ} عزمتَ عليه وأردتَ أن تفعله {إِنِّي فَاعِلٌ ذٰلِكَ} الشيء {غَداً} [الكهف: 23] على سبيل البيت والمبالغة. {إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ} أي: إلا أن تذكرَ وتجيءَ بالاستثناء بعد عزمك بقولك، إن شاء الله، {وَٱذْكُر رَّبَّكَ} يا أكمل الرسل {إِذَا نَسِيتَ} ذكر الاستثناء والتعليق على مشيئة الله في خلال الأمور حين القصد والعزيمة والقول بالإصدار، بعدما تذكرتَ نسيانَك تلافياً لما فُوّتَ وتداركاً لما تركتَ، ولو بعد حينٍ بل سنةٍ، وقل: إن شاء الله متذكراً الأمر الذي تركت التعليق فيه قضاءً لِما فات. {وَقُلْ} بعدما كشفنا عليك جواب سؤالهم هذا شكراً له، وابتهاجاً عليه، وطلباً للمزيد منه سبحانه: {عَسَىٰ أَن يَهْدِيَنِ رَبِّي} وأرجوا من فضله وجوده أن يرشدني ويدلني {لأَقْرَبَ مِنْ هَـٰذَا رَشَداً} [الكهف: 24] أي: لأمرٍ هو أقربُ دلالةٍ من أمر أصحاب الكهف وقصتهم إلى الهداية والرشاد، وأوضحُ إيصالاً إلى مسلك الصواب والسداد؛ تأديباً لنبوتي وتشييداً لرسالتي، وهو قد هداه وأرشده بأعظمَ من ذلك: كالإخبار عن بعض الغيوب، وقصص الأنبياء المتباعد عهدهم وزمانهم، وأمارات الساعة وأشراطها، وإنزال القرآن المشتمل على الرطب واليابس الحادثة في العالمين، الجارية في النشأتين. {وَ} ما اختلف أهل الكتاب في عدد الفتية، اختلفوا أيضاً في مدة لبثهم في الغار راقدين نائمين قال بعضهم: {لَبِثُواْ فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِاْئَةٍ سِنِينَ} بالسنة الشمسية على ما هو المشهور {وَ} بعضهم {ٱزْدَادُواْ} عليها {تِسْعاً} [الكهف: 25] من تلك السنة أيضاً، وإن كان المراد بالسنة فيه الأولى شمسية والثانية قمرية، كان كلا القولين واحداً؛ لأن التفاوت بينهما في كل مائة عام سنة ثلاث سنين، فيكون الزايدة في ثلاثمائة: تسع سنين قمرية. {قُلِ} ي أكمل الرسل بعدما لم يوجد شيءُ يوثَق به ويُعتمد عليه في تعيين مدة لبثهم في الغار سوى التخمين والحسبان {ٱللَّهُ} المطلعُ لجميع السرئر والخفايات {أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُواْ} أي: بمدة لبثهم في كهفهم راقدين؛ إذ {لَهُ} سبحانه لا لغيره من مظاهره وأظلاله {غَيْبُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} أي: الاطلاع على المغيبات الواقعة في العلويات من غاية انشكافه وانجلائه له أن يقال: {أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ} كما يجري في مبصراتنا ومسموعاتنا؛ لاستغنائه وتنزهه سبحانه عن الالتفات والإصغاء، بل المغيباتُ والمحسوساتُ كلُّها في حضوره وحضرة علمه على السواء بلا تفاوتٍ أصلاً. ثم قال سبحاه: {مَا لَهُم} أي: لأهل السماوات والأرض {مِّن دُونِهِ} أي: دون الله {مِن وَلِيٍّ} يوليهم ويلي أمورهم؛ إذ هو مستقلُ بالوجود والتصرف في ملكه وملكوته بلا مظاهرة أحدٍ ومعاونته {وَلاَ يُشْرِكُ} بمقتضى تعززه وكبريائه وسطوته واستيلائه {فِي حُكْمِهِ} السابق في قضائه إجمالاً، واللاحق في قَدْره تفصيلاً { أَحَداً} [الكهف: 26] من مظاهره ومصنوعاته، بل له الإيجاد والإعدام والإحياء والإماتة والتخليق والترزيق، وجميعُ ما حدث من الحوادث الجارية في الآفاق كلُّها مستندةُ إليه سبحانه وتعالى أولاً وبالذات، بلا تخلل الوسائل والوسائط العادية الناشئة من الأوهام والخيالات الباطلة بالنسبة إلى أولي الأحلام السخيفة، وذوي الحجب الكثيفة النافية لرؤية الحق انجلائه في المظاهر كلها. وأما أرباب الوصول والشهود، وهم الذين ارتقوا حجبَ الخيالات وسُدلَ الأوهام والعادات، فلا يَرون في الوجود سواه، ولا إله عندهم إلا هو، لذلك لم سُنسدوا شيئاً من الحوادث الكائنة بمقتضى التجليات والشئون الإلهية إلا له سبحانه؛ إذ ليس وراء الله عندهم مرمىً ومنتهىً. {وَ} إذ كان مفاتيحُ المغيبات ومقاليدُ العلوم والإدراكات، وكذا جميعُ ما في العالم من المحسوسات والمشاهدات كلُّها مستندةُ إليه سبحانه، ناشئةُ من عنده {ٱتْلُ} يا أكمل الرسل على من تبعك من المؤمين {مَآ أُوْحِيَ إِلَيْكَ مِن كِتَابِ رَبِّكَ} على الوجه الذي أُنزل إليك بلا تبديلٍ وتحريفٍ؛ إذ {لاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ} ولا متصرف في كلامه سواه، ولا تسمع قول المشركين: {أية : ٱئْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَـٰذَآ أَوْ بَدِّلْهُ}تفسير : [يونس: 15] إذ لا يسع لأحدٍ أن يبدله ويحرفه {وَ} إن همتَ إلى تبديله وتحريفه من تلقاء نفسك {لَن تَجِدَ مِن دُونِهِ} سبحانه {مُلْتَحَداً} [الكهف: 27] ملجاً تلتجئ إليه نزول عذاب الله، وحلول أخذه وانتقامه على تبديلك وتغييرك كلامه. ثم لما طلب صناديد قريش من روسل الله صلى الله عليه وسلم إبعاد فقراء المؤمنين وطردهم عن مجلسه، مثل أبن آم مكتوم وأبي ذر وفقراء أصحابه؛ لرثاثة حالهم وشمول الفاقة عليهم حتى يصاحبوه صلى الله عليه وسلم ويجالسوا معهم، فهمّ رسول الله صلى الله عليه وسلم على إنجاج ما أرادوا واقترحوا، وأمر بالفقراء ألا يحضروا معهم في مجلسه، ردّ الله سبحانه على رسوله رداً بليغاً، ونهاه عنه نهياً شديداً.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : ثم أخبر عن الحكمة في اختصاصهم بالعزلة بقوله تعالى: {وَكَذٰلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ} [الكهف: 21] إشارة إلى أنه كما أطلعنا بعض منكري البعث والنشور بالأجساد على أحوال أصحاب الكهف {لِيَعْلَمُوۤاْ} [الكهف: 21] ويتحقق لهم {أَنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ} [الكهف: 21] بالبعث وإحياء الموتى {حَقٌّ وَأَنَّ ٱلسَّاعَةَ} [الكهف: 21] أي: قيام الساعة {لاَ رَيْبَ فِيهَا} [الكهف: 21] أنا قادرون على إحياء بعض القلوب الميتة، وإن وعد الله به بقوله: {أية : فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً} تفسير : [النحل: 97] وبقوله: {أية : أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَٰهُ} تفسير : [الأنعام: 122] حق وإن قيامه قلوب الصديقين المحبين لا ريب فيها. ثم في قوله تعالى: {إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَالُواْ ٱبْنُواْ عَلَيْهِمْ بُنْيَاناً رَّبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ ٱلَّذِينَ غَلَبُواْ عَلَىٰ أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَّسْجِداً} إلى قوله: {وَلاَ تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِّنْهُمْ أَحَداً} [الكهف: 22] إشارة إلى أن الله تعالى بحكمته البالغة وإرادته القديمة يبدي بعض الأشياء على رسوله صلى الله عليه وسلم مما يسأل عنه، ومما لم يسأل، ويخفي بعضها حكمة منه، ومصلحة للخلق، وله في الإبداء والإخفاء أسرار. فمنها: عسى أن يكون في إبداء ما يسألون فتنة أو بلية أو مضرة لسائله لقوله تعالى: {أية : لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَآءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ} تفسير : [المائدة: 101]. ومنها: إن في إخفائها للحق مجال الاجتهاد، و "للمجتهد إذا أصاب أجران، وإن لم يصب فله أجر واحد" فلله الأجر فيما أظهر وأبدى أو أسر وأخفى.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يخبر الله تعالى، أنه أطلع الناس على حال أهل الكهف، وذلك -والله أعلم- بعدما استيقظوا، وبعثوا أحدهم يشتري لهم طعاما، وأمروه بالاستخفاء والإخفاء، فأراد الله أمرا فيه صلاح للناس، وزيادة أجر لهم، وهو أن الناس رأوا منهم آية من آيات الله، المشاهدة بالعيان، على أن وعد الله حق لا شك فيه ولا مرية ولا بعد، بعدما كانوا يتنازعون بينهم أمرهم، فمن مثبت للوعد والجزاء، ومن ناف لذلك، فجعل قصتهم زيادة بصيرة ويقين للمؤمنين، وحجة على الجاحدين، وصار لهم أجر هذه القضية، وشهر الله أمرهم، ورفع قدرهم حتى عظمهم الذين اطلعوا عليهم. و { فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا } الله أعلم بحالهم ومآلهم، وقال من غلب على أمرهم، وهم الذين لهم الأمر: { لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا } أي: نعبد الله تعالى فيه، ونتذكر به أحوالهم، وما جرى لهم، وهذه الحالة محظورة، نهى عنها النبي صلى الله عليه وسلم، وذم فاعليها، ولا يدل ذكرها هنا على عدم ذمها، فإن السياق في شأن تعظيم أهل الكهف والثناء عليهم، وأن هؤلاء وصلت بهم الحال إلى أن قالوا: ابنوا عليهم مسجدا، بعد خوف أهل الكهف الشديد من قومهم، وحذرهم من الاطلاع عليهم، فوصلت الحال إلى ما ترى. وفي هذه القصة، دليل على أن من فر بدينه من الفتن، سلمه الله منها. وأن من حرص على العافية عافاه الله ومن أوى إلى الله، آواه الله، وجعله هداية لغيره، ومن تحمل الذل في سبيله وابتغاء مرضاته، كان آخر أمره وعاقبته العز العظيم من حيث لا يحتسب {أية : وما عند الله خير للأبرار }.