١٨ - ٱلْكَهْف
18 - Al-Kahf (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
22
Tafseer
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ} الضمير في «سيقولون» يراد به أهل التوراة ومعاصري محمد صلى الله عليه وسلم. وذلك أنهم اختلفوا في عدد أهل الكهف هذا الاختلاف المنصوص. وقيل: المراد به النصارى؛ فإن قوماً منهم حضروا النبيّ صلى الله عليه وسلم من نجران فجرى ذكر أصحاب الكهف فقالت اليعقوبيّة: كانوا ثلاثة رابعهم كلبهم. وقالت النسطورية: كانوا خمسة سادسهم كلبهم. وقال المسلمون: كانوا سبعة ثامنهم كلبهم. وقيل: هو إخبار عن اليهود الذين أمروا المشركين بمسألة النبيّ صلى الله عليه وسلم عن أصحاب الكهف. والواو في قوله: {وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ} طريق النحويين أنها واو عطف دخلت في آخر إخبار عن عددهم؛ لتفصّل أمرهم، وتدلّ على أن هذا غاية ما قيل ولو سقطت لصح الكلام. وقالت فرقة منها ابن خالويه: هي واو الثمانية. وحكى الثعلبيّ عن أبي بكر بن عيّاش أن قريشاً كانت تقول في عددها ستة سبعة وثمانية؛ فتدخل الواو في الثمانية. وحكى نحوه القفّال، فقال: إن قوما قالوا العدد ينتهي عند العرب إلى سبعة، فإذا احتيج إلى الزيادة عليها استؤنف خبر آخر بإدخال الواو، كقوله: {أية : ٱلتَّائِبُونَ ٱلْعَابِدُونَ} تفسير : [التوبة:112] ثم قال: {أية : وَٱلنَّاهُونَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ وَٱلْحَافِظُونَ} تفسير : [التوبة: 112] يدلّ عليه أنه لما ذكر أبواب جهنم {أية : حَتَّىٰ إِذَا جَآءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا} تفسير : [الزمر: 71] بلا واو، ولما ذكر الجنة قال: {أية : فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا} تفسير : [الزمر: 73] بالواو. وقال {خَيْراً مِّنكُنَّ مُسْلِمَاتٍ} ثم قال: {أية : وَأَبْكَاراً} تفسير : [التحريم: 5] فالسبعة نهاية العدد عندهم كالعشرة الآن عندنا. قال القشيري أبو نصر: ومثل هذا الكلام تحكُّم، ومن أين السبعة نهاية عندهمٰ ثم هو منقوض بقوله تعالى: {أية : هُوَ ٱللَّهُ ٱلَّذِي لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْمَلِكُ ٱلْقُدُّوسُ ٱلسَّلاَمُ ٱلْمُؤْمِنُ ٱلْمُهَيْمِنُ ٱلْعَزِيزُ ٱلْجَبَّارُ ٱلْمُتَكَبِّرُ} تفسير : [الحشر: 23] ولم يذكر الاسم الثامن بالواو. وقال قوم ممن صار إلى أن عددهم سبعة: إنما ذكر الواو في قوله: «سبعة وثامنهم» لينبّه على أن هذا العدد هو الحق، وأنه مباين للأعداد الأخر التي قال فيها أهل الكتاب؛ ولهذا قال تعالى في الجملتين المتقدمتين «رجماً بالغيب» ولم يذكره في الجملة الثالثة ولم يقدح فيها بشيء؛ فكأنه قال لنبيّه هم سبعة وثامنهم كلبهم. والرجم: القول بالظن؛ يقال لكل ما يُخرص: رجم فيه ومرجوم ومرجم؛ كما قال:شعر : وما الحرب إلا ما علمتم وذُقْتُمُ وما هو عنها بالحديث المُرَجَّم تفسير : قلت: قد ذكر الماوردي والغزنوي: وقال ابن جريج ومحمد بن إسحاق كانوا ثمانية، وجعلا قوله تعالى: «وثامنهم كلبهم» أي صاحب كلبهم. وهذا مما يقوّي طريق النحويين في الواو، وأنها كما قالوا. وقال القشيريّ: لم يذكر الواو في قوله: رابعهم سادسهم، ولو كان بالعكس لكان جائزاً، فطلب الحكمة والعلة في مثل هذه الواو تكلّف بعيد، وهو كقوله في موضع آخر {أية : وَمَآ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلاَّ وَلَهَا كِتَابٌ مَّعْلُومٌ} تفسير : [الحجر: 4]. وفي موضع آخر: {أية : إِلاَّ لَهَا مُنذِرُونَ ذِكْرَىٰ} تفسير : [الشعراء: 208-209] قوله تعالى: {قُل رَّبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِم} أمر الله تعالى نبيّه عليه السلام في هذه الآية أن يردّ علم عدّتهم إليه عز وجل. ثم أخبر أن عالم ذلك من البشر قليل. والمراد به قوم من أهل الكتاب؛ في قول عطاء. وكان ابن عباس يقول: أنا من ذلك القليل، كانوا سبعة وثامنهم كلبهم، ثم ذكر السبعة بأسمائهم، والكلب اسمه قطمير كلب أنمر، فوق القَلَطيّ ودون الكرديّ. وقال محمد بن سعيد بن المسيّب: هو كلب صيني. والصحيح أنه زبيري. وقال: ما بقي بنيسابور محدّث إلا كتب عني هذا الحديث إلا من لم يقدر له. قال: وكتبه أبو عمرو الحيريّ عني. قوله تعالى: {فَلاَ تُمَارِ فِيهِمْ إِلاَّ مِرَآءً ظَاهِراً} أي لا تجادل في أصحاب الكهف إلا بما أوحيناه إليك؛ وهو ردّ علم عدتهم إلى الله تعالى. وقيل: معنى المراء الظاهر أن تقول: ليس كما تقولون، ونحو هذا، ولا تحتج على أمر مقدّر في ذلك. وفي هذا دليل على أن الله تعالى لم يبيّن لأحد عددهم فلهذا قال {إِلاَّ مِرَآءً ظَاهِراً} أي ذاهباً؛ كما قال:شعر : وتـلك شَكَـاةٌ ظاهـرٌ عنـك عارُهـا تفسير : ولم يبح له في هذه الآية أن يماري؛ ولكن قوله: «إلاّ مراءً» استعارة من حيث يماريه أهل الكتاب. سميت مراجعته لهم مراء ثم قيد بأنه ظاهر؛ ففارق المراء الحقيقي المذموم. والضمير في قوله: «فيهم» عائد على أهل الكهف. وفي قوله «منهم» عائد على أهل الكتاب المعارضين. وقوله: {فَلاَ تُمَارِ فِيهِمْ} يعني في عدتهم؛ وحذفت العدّة لدلالة ظاهر القول عليها. قوله تعالى: {وَلاَ تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِّنْهُمْ أَحَداً} روي أنه عليه السلام سأل نصارى نجران عنهم فنهي عن السؤال. وفي هذا دليل على منع المسلمين من مراجعة أهل الكتاب في شيء من العلم.
البيضاوي
تفسير : {سَيَقُولُونَ} أي الخائضون في قصتهم في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم من أهل الكتاب والمؤمنين. {ثَلَـٰثَةٌ رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ } أي هم ثلاثة رجال يربعهم كلبهم بانضمامه إليهم. قيل هو قول اليهود وقيل هو قول السيد من نصارى نجران وكان يعقوبياً. {وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ } قاله النصارى أو العاقب منهم وكان نسطورياً. {رَجْماً بِٱلْغَيْبِ} يرمون رمياً بالخبر الخفي الذي لا مطلع لهم عليه وإتياناً به، أو ظناً بالغيب من قولهم رجم بالظن إذا ظن وإنما لم يذكر بالسين اكتفاء بعطفه على ما هو فيه. {وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ } إنما قاله المسلمون بإخبار الرسول لهم عن جبريل عليهما الصلاة والسلام وإيماء الله تعالى إليه بأن أتبعه قوله {قُل رَّبّى أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِم مَّا يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ قَلِيلٌ } وأتبع الأولين قوله رجماً بالغيب وبأن أثبت العلم بهم لطائفة بعد ما حصر أقوال الطوائف في الثلاثة المذكورة، فإن عدم إيراد رابع في نحو هذا المحل دليل العدم مع أن الأصل ينفيه، ثم رد الأولين بأن أتبعهما قوله {رَجْماً بِٱلْغَيْبِ} ليتعين الثالث وبأن أدخل فيه الواو على الجملة الواقعة صفة للنكرة تشبيهاً لها بالواقعة حالاً من المعرفة، لتأكيد لصوق الصفة بالموصوف والدلالة على أن اتصافه بها أمر ثابت. وعن علي رضي الله عنه هم سبعة وثامنهم كلبهم وأسماؤهم: يمليخا ومكشلينيا ومشلينيا هؤلاء أصحاب يمين الملك، ومرنوش ودبرنوش وشاذنوش أصحاب يساره وكان يستشيرهم، والسابع الراعي الذي وافقهم واسم كلبهم قطمير واسم مدينتهم أفسوس. وقيل الأقوال الثلاثة لأهل الكتاب والقليل منهم. {فَلاَ تُمَارِ فِيهِمْ إِلاَّ مِرَاءً ظَـٰهِرًا } فلا تجادل في شأن الفتية إلاَّ جدالاً ظاهراً غير متعمق فيه، وهو أن تقص عليهم ما في القرآن من غير تجهيل لهم والرد عليهم. {وَلاَ تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مّنْهُمْ أَحَداً } ولا تسأل أحداً منهم عن قصتهم سؤال مسترشد فإن فيما أوحي إليك لمندوحة من غيره، مع أنه لا علم لهم بها ولا سؤال متعنت تريد تفضيح المسؤول وتزييف ما عنده فإنه مخل بمكارم الأخلاق.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى مخبراً عن اختلاف الناس في عدة أصحاب الكهف، فحكى ثلاثة أقوال، فدل على أنه لا قائل برابع، ولما ضعف القولين الأولين بقوله: {رَجْماً بِٱلْغَيْبِ} أي: قولاً بلا علم، كمن يرمي إلى مكان لا يعرفه، فإنه لا يكاد يصيب، وإن أصاب، فبلا قصد. ثم حكى الثالث، وسكت عليه، أو قرره بقوله: {وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ} فدل على صحته، وأنه هو الواقع في نفس الأمر. وقوله: {قُل رَّبِّىۤ أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِم} إرشاد إلى أن الأحسن في مثل هذا المقام رد العلم إلى الله تعالى، إذ لا احتياج إلى الخوض في مثل ذلك بلا علم، لكن إذا أطلعنا على أمر، قلنا به، وإلا وقفنا حيث وقفنا. وقوله: {مَّا يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ قَلِيلٌ} أي: من الناس. قال قتادة: قال ابن عباس: أنا من القليل الذي استثنى الله عز وجل، كانوا سبعة. وكذا روى ابن جريج عن عطاء الخراساني عنه: أنه كان يقول: أنا ممن استثنى الله عز وجل، ويقول: عدتهم سبعة، وقال ابن جرير: حدثنا ابن بشار، حدثنا عبد الرحمن، حدثنا إسرائيل عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس {مَّا يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ قَلِيلٌ} قال: أنا من القليل، كانوا سبعة؛ فهذه أسانيد صحيحة إلى ابن عباس أنهم كانوا سبعة، وهو موافق لما قدمناه. وقال محمد بن إسحاق بن يسار عن عبد الله بن أبي نجيح عن مجاهد قال: لقد حدثت أنه كان على بعضهم من حداثة سنه وضح الورق. قال ابن عباس: فكانوا كذلك ليلهم ونهارهم في عبادة الله يبكون ويستغيثون بالله، وكانوا ثمانية نفر: مكسلمينا، وكان أكبرهم، وهو الذي كلم الملك عنهم، ومجسيميلنينا وتمليخا، ومرطونس، وكشطونس، وبيرونس، وديموس، ويطبونس، وقالوش، هكذا وقع في هذه الرواية، ويحتمل أن هذا من كلام ابن إسحاق، أو من بينه وبينه، فإن الصحيح عن ابن عباس أنهم كانوا سبعة، وهو ظاهر الآية، وقد تقدم عن شعيب الجبائي: أن اسم كلبهم حمران، وفي تسميتهم بهذه الأسماء واسم كلبهم نظر في صحته، والله أعلم، فإن غالب ذلك متلقى من أهل الكتاب، وقد قال تعالى: {فَلاَ تُمَارِ فِيهِمْ إِلاَّ مِرَآءً ظَـٰهِرًا} أي: سهلاً هيناً، فإن الأمر في معرفة ذلك لا يترتب عليه كبير فائدة {وَلاَ تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِّنْهُمْ أَحَداً} أي: فإنهم لا علم لهم بذلك إلا ما يقولونه من تلقاء أنفسهم رجماً بالغيب، أي: من غير استناد إلى كلام معصوم، وقد جاءك الله يا محمد بالحق الذي لا شك فيه، ولا مرية فيه، فهو المقدم الحاكم على كل ما تقدمه من الكتب والأقوال.
المحلي و السيوطي
تفسير : {سَيَقُولُونَ } أي المتنازعون في عدد الفتية في زمن النبي صلى الله عليه وسلم أي يقول بعضهم لبعض: هم {ثَلَٰثَةٌ رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ } أي بعضهم {خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ } والقولان لنصارى (نجران) {رَجْماً بِٱلْغَيْبِ } أي ظناً في الغيبة عنهم، وهو راجع إلى القولين معا، ونصبه على المفعول له أي لظنهم ذلك {وَيَقُولُونَ } أي المؤمنون {سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ } الجملة من المبتدأ وخبره، صفة سبعة بزيادة الواو، وقيل: تأكيد و دلاله على لصوق الصفة بالموصوف، وَوَصْفُ الأولين بالرجم دون الثالث دليل على أنه مرضيّ وصحيح {قُل رَّبّى أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِم مَّا يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ قَلِيلٌ } قال ابن عباس:( أنا من القليل)، وذكرهم سبعة {فَلاَ تُمَارِ } تجادل {فِيهِمْ إِلاَّ مِرَآءً ظَٰهِرًا } مما أنزل عليك {وَلاَ تَسْتَفْتِ فِيهِمْ } تطلب الفتيا {مِنْهُمْ } من أهل الكتاب اليهود {أَحَدًا }.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم ويقولون خمسة سادسهم كلبهم رجماً بالغيب ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم} فأدخل الواو على انقطاع القصة لأن الخبر قد تم. {قل ربي أعلم بعدتهم ما يعلمهم إلا قليل} في المختلفين في عددهم قولان: أحدهما: أنهم أهل المدينة قبل الظهور عليهم. الثاني: أنهم أهل الكتاب بعد طول العهد بهم. وقوله تعالى: {رجماً بالغيب} قال قتادة قذفاً بالظن، قال زهير: شعر : وما الحرب إلاَّ ما علمتم وذقتم وما هو عنها بالحديث المرجّم. تفسير : وقال ابن عباس: أنا من القليل الذي استثنى الله تعالى: كانوا سبعة وثامنهم كلبهم. وقال ابن جريج ومحمد بن إسحاق: كانوا ثمانية، وجعلا قوله تعالى: {وثامنهم كلبهم} أي صاحب كلبهم. وكتب قومهم أسماءهم حين غابوا، فلما بان أمرهم كتبت أسماؤهم على باب الكهف. قال ابن جريج: أسماؤهم مكسلمينا ويمليخا وهو الذي مضى بالورق يشتري به الطعام، ومطرونس، ومحسيميلنينا، وكشوطوش، وبطلنوس ويوطونس وبيرونس. قال مقاتل: وكان الكلب لمكسلمينا وكان أسنهم وكان صاحب غنم. {فلا تمار فيهم إلاّ مراءً ظاهراً} فيه خمسة أوجه: أحدها: إلا ما قد أظهرنا لك من أمرهم، قاله مجاهد. الثاني: حسبك ما قصصا عليك من شأنهم، فلا تسألني عن إظهار غيره، قاله قتادة. الثالث: إلا مِراء ظاهراً يعني بحجة واضحة وخبر صادق، قاله علي بن عيسى. الرابع: لا تجادل فيهم أحداً ألا أن تحدثهم به حديثاً، قاله ابن عباس. الخامس: هو أن تشهد الناس عليهم. {ولا تستفت فيهم منهم أحداً} فيه وجهان: أحدهما: ولا تستفت يا محمد فيهم أحداً من أهل الكتاب، قاله ابن عباس. ومجاهد وقتادة. الثاني: أنه خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ونهي لأمته.
ابن عطية
تفسير : الضمير في قوله {سيقولون} يراد به أهل التوراة، من معاصري محمد صلى الله عليه وسلم، وذلك أنهم اختلفوا في عدد أهل الكهف هذا الاختلاف المنصوص، وقرأ الجمهور الجمهور "ثلاثة"، وقرأ ابن محيصن "ثلاث" بإدغام التاء في الثاء، وقرأ شبل عن ابن كثير "خمَسة" بفتح الميم إتباعاً لعشرة، وقرأ ابن محيصن "خِمِسة" بكسر الخاء والميم، وقوله {رجماً بالغيب} معناه ظناً، وهو مستعار من الرجم، كأن الإنسان يرمي الموضع المشكل المجهول عنده بظنه المرة بعد المرة، يرجمه به عسى أن يصيب، ومن هذا هو الترجمان وترجمة الكتاب، ومنه قول زهير: [الطويل] شعر : وما الحرب إلا ما علمتم وذقتمُ وما هو عنها بالحديث المرجم تفسير : والواو في قوله {وثامنهم} طريق النحويين فيها أنها واو عطف دخلت في آخر إخبار عن عددهم، لتفصل أمرهم، وتدل على أن هذا نهاية ما قيل، ولو سقطت لصح الكلام. وتقول فرقة منها ابن خالويه: هي واو الثمانية، وذكر ذلك الثعلبي عن أبي بكر بن عياش أن قريشاً كانت تقول في عددها ستة سبعة وثمانية تسعة، فتدخل الواو في الثمانية. قال القاضي أبو محمد: وقد تقدم شرحها، وهي في القرآن في قوله {أية : الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر} تفسير : [التوبة: 112] وفي قوله {أية : وفتحت} تفسير : [النبأ: 19]، وأما قوله تعالى: {أية : ثيبات وأبكاراً} تفسير : [التحريم: 5]، وقوله {أية : سبع ليال وثمانية أيام} تفسير : [الحاقة: 7] فتوهم في هذين الموضعين أنها واو الثمانية وليست بها بل هي لازمة لا يستغني الكلام عنها، وقد أمر الله تعالى نبيه عليه السلام في هذه الآية أن يرد علم "عدتهم" إليه عز وجل، ثم أخبر أن عالم ذلك من البشر قليل، والمراد به قوم من أهل الكتاب، وكان ابن عباس يقول: أنا من ذلك القليل، وكانوا سبعة وثامنهم كلبهم، ويستدل على هذا من الآية: بأن القرآن لما حكى قول من قال "ثلاثة وخمسة" قرن بالقول أنه رجم بالغيب فقدح ذلك فيها، ثم حكى هذه المقالة ولم يقدح فيها بشيء، بل تركها مسجلة، وأيضاً فيقوي ذلك على القول بواو الثمانية لأنها إنما تكون حيث عدد الثمانية صحيح، وقوله تعالى: {فلا تمار فيهم إلا مراء ظاهراً} معناه على بعض الأقوال، أي بظاهر ما أوحيناه إليك، وهو رد علم عدتهم إلى الله تعالى، وقيل معنى "الظاهر" أن يقول ليس كما تقولون، ونحو هذا، ولا يحتج هو على أمر مقرر في ذلك فإن ذلك يكون مراء في باطن من الأمر، وقال التبريزي: {ظاهراً} معناه ذاهباً، وأنشد: شعر : وتلك شكاة ظاهر عنك عارها. تفسير : ولم يبح له في هذه الآية أن يماري، ولكن قوله {إلا مراء} استعارة من حيث يماريه أهل الكتاب، سميت مراجعته لهم {مراء}، ثم قيد بأنه ظاهر، ففارق المراء الحقيقي المذموم. و"المراء" مشتق من المرية، وهو الشك، فكأنه المشاككة، والضمير في قوله {فيهم} عائد على أهل الكهف، وفي قوله {منهم} عائد على أهل الكتاب المعاصرين، وقوله {فلا تمار فيهم} يعني في عدتهم، وحذفت العدة لدلالة ظاهر القول عليها، وقوله {ولا تقولن لشيء} الآية، عاتب الله تعالى فيها نبيه عليه السلام على قوله للكفار غداً أخبركم بجواب أسئلتكم، ولم يستثن في ذلك، فاحتبس عنه الوحي خمسة عشر يوماً حتى شق ذلك عليه، وأرجف الكفار به، فنزلت عليه هذه السورة مفرجة، وأمر في هذه الآية أن يقول في أمر من الأمور: إني أفعل غداً كذا وكذا إلا وأن يعلق ذلك بمشيئة الله عز وجل، واللام في قوله {لشيء} بمنزلة في أو كأنه قال لأجل شيء، وقوله {إلا أن يشاء الله} في الكلام حذف يقتضيه الظاهر، ويحسنه الإيجاز، تقديره: إلا أن تقول إلا أن يشاء الله، أو إلا أن تقول إن شاء الله، فالمعنى إلا أن تذكر مشيئة الله، فليس {إلا أن يشاء الله} من القول الذي نهي عنه وقالت فرقة: قوله {إلا أن يشاء الله} استثناء من قوله {ولا تقولن} وهذا قول حكاه الطبري ورد عليه، وهو من الفساد بحيث كان الواجب ألا يحكى، وقوله {واذكر ربك إذا نسيت} قال ابن عباس والحسن معناه، والإشارة به إلى الاستثناء أي ولتستثن بعد مدة، إذا نسيت الاستثناء أولاً لتخرج من جملة من لم يعلق فعله بمشيئة الله، وقال عكرمة: المعنى واذكر ربك إذا غضبت، وتكلم الناس في هذه الآية في الاستثناء في اليمين، والآية ليست في الأيمان، وإنما هي في سنة الاستثناء في غير اليمين، ولكن من حيث تكلم الناس فيها، ينبغي أن نذكر شيئاً من ذلك، أما مالك رحمه الله وجميع أصحابه، فيما علمت، وكثير من العلماء، فيقولون لا ينفع الاستثناء ويسقط الكفّارة إلا أن يكون متصلاً باليمين، وقال عطاء له أن يستثني في قدر حلب الناقة الغزيرة، وقال قتادة إن استثنى قبل أن يقول أو يتكلم فله ثنياه، وقال ابن حنبل له الاستثناء ما دام في ذلك الأمر، وقاله ابن راهويه، وقال طاوس والحسن ينفع الاستثناء ما دام الحالف في مجلسه، وقال ابن جبير ينفع الاستثناء بعد أربعة أشهر فقط، وقال ابن عباس ينفع الاستثناء ولو بعد سنة، وقال مجاهد بعد سنتين، وقال أبو العالية ينفع أبداً، واختلف الناس في التأويل على ابن عباس، فقال الطبري وغيره إنما أراد ابن عباس أنه ينفع في أن يحصل الحالف في رتبة المستثنين بعد سنة من حلفه، وأما الكفارة فلا تسقط عنه، قال الطبري ولا أعلم أحداً يقول ينفع الاستثناء بعد مدة، يقول بسقوط الكفارة، قال ويرد ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : من حلف على يمين ثم رأى غيرها خيراً منها فليكفر وليأت الذي هو خير" تفسير : . فلو كان الاستثناء يسقط الكفارة لكان أخف على الأمة، ولم يكن لذكر الكفارة فائدة، وقال الزهراوي: إنما تكلم ابن عباس في أن الاستثناء بعد سنة لمن قال أنا أفعل كذا... لا لحالف أراد حل يمينه، وذهبت فرقة من الفقهاء إلى أن مذهب ابن عباس سقوط الكفارة وألزموا كل من يقول ينفع الاستثناء بعد مدة، إسقاط الكفارة، وردوا على القول بعد إلزامه، وليس الاستثناء إلا في اليمين بالله، لا يكون في طلاق ونحوه، ولا في مشي إلى مكة، هذا قول مالك وجماعة، وقال الشافعي وأصحاب الرأي وطاوس وحماد الاستثناء في ذلك جائز، وليس في اليمين الغموس استثناء ينفع، ولا يكون الاستثناء بالقول، وإنما يكون قولاً ونطقاً، وقوله {وقل عسى} الآية، قال محمد الكوفي المفسر: إنها بألفاظها مما أمر أن يقولها كل من لم يستثن، وإنها كفارة لنسيان الاستثناء، وقال الجمهور هو دعاء مأمور به دون هذا التخصيص، وقرأ الجمهور "يهديني" بإثبات الياء، وهي قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو، وقرأ طلحة من مصرف دون ياء في الوصل، وهي قراءة ابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي، والإشارة بهذا إلى الاستدراك الذي يقع من ناسي الاستثناء. وقال الزجاج المعنى عسى أن ييسر الله من الأدلة على نبوتي أقرب من دليل أصحاب الكهف. قال القاضي أبو محمد: وما قدمته أصوب، أي عسى أن يرشدني فيما أستقبل من أمري وهذه الآية مخاطبة للنبي عليه السلام، وهي بعد تعم جميع أمته، لأنه حكم يتردد الناس بكثرة وقوعه والله الموفق.
ابن عبد السلام
تفسير : {وَثَامِنُهُمْ} أدخل الواو على انقطاع القصة وأن الخبر قد تم، والذين اختلفوا في عددهم أهل بلدهم قبل الظهور عليهم، أو أهل الكتاب بعد طول العهد بهم {رَجْماً بِالْغَيْبِ} قذفاً بالظن {قَلِيلٌ} ابن عباس ـ رضي الله تعالى عنهماـ "أنا من القليل الذي استثنى الله ـ تعالى ـ كانوا سبعة وثامنهم كلبهم"، ابن جريج: "كانوا ثمانية" وقوله ثامنهم كلبهم أي صاحب كلبهم ولما غابوا عن قومهم كتبوا أسماءهم، فلما بان أمرهم كُتبت أسماؤهم على باب الكهف. {مِرَآءً ظَاهِراً} ما أظهرنا لك من أمرهم، أو حسبك ما قصصناه عليك فلا تسأل عن إظهار غيره، أو بحجة واضحة وخبر صادق، أو لا تجادل أحداً إلا أن تحدثهم به حديثاً "ع"، أو هو أن تشهد الناس عليه {وَلا تَسْتَفْتِ} يا محمد فيهم أحداً من أهل الكتاب، أو هو خطاب للرسول صلى الله عليه وسلم ونهي لأمته.
النسفي
تفسير : {سَيَقُولُونَ ثَلَـٰثَةٌ رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْماً بِٱلْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ } الضمير في {سيقولون} لمن خاض في قصتهم في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم من المؤمنين، وأهل الكتاب سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهم فأخر الجواب إلى أن يوحى إليه فيهم فنزلت إخباراً بما سيجري بينهم من اختلافهم في عددهم، وأن المصيب منهم من يقول سبعة وثامنهم كلبهم. ويُروى أن السيد والعاقب وأصحابهما من أهل نجران كانوا عند النبي صلى الله عليه وسلم فجرى ذكر أصحاب الكهف فقال السيد: ــ وكان يعقوبيا ــ كانوا ثلاثة رابعهم كلبهم. وقال العاقب: ــ وكان نسطوريا ــ كانوا خمسة سادسهم كلبهم. وقال المسلمون: كانوا سبعة وثامنهم كلبهم. فحقق الله قول المسلمين. وإنما عرفوا ذلك بإخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم وبما ذكرنا من قبل. وعن علي رضي الله عنه: هم سبعة نفر أسماؤهم: يمليخا ومكشلينا ومشليينار هؤلاء أصحاب يمين الملك ــ وكان عن يساره مرنوش ودبرنوش وشاذنوش ــ وكان يستشير هؤلاء الستة في أمره ــ والسابع الراعي الذي وافقهم حين هربوا من ملكهم دقيانوس، واسم مدينتهم أفسوس واسم كلبهم قطمير. وسين الاستقبال وإن دخل في الأول دون الآخرين فهما داخلان في حكم السين كقولك «قد أكرم وأنعم» تريد معنى التوقع في الفعلين جميعاً، أو أريد بـ {يفعل} معنى الاستقبال الذي هو صالح له {ثلاثة} خبر مبتدأ محذوف أي هم ثلاثة، وكذلك {خمسة} و{سبعة} و{رابعهم كلبهم} جملة من مبتدأ وخبر واقعة صفة لـ {ثلاثة} وكذلك {سادسهم كلبهم} و{ثامنهم كلبهم رجماً بالغيب} رمياً بالخبر الخفي وإتيانا به كقوله {أية : ويقذفون بالغيب}تفسير : [سبأ: 53] أي يأتون به، أو وضع الرجم موضع الظن فكأنه قيل: «ظنا» بالغيب لأنهم أكثروا أن يقولوا رجم بالظن مكان قولهم ظن حتى لم يبق عندهم فرق بين العبارتين. والواو الداخلة على الجملة الثالثة هي الواو التي تدخل على الجملة الواقعة صفة النكرة كما تدخل على الواقعة حالاً عن المعرفة في قولك «جاءني رجل ومعه آخر ومررت بزيد وفي يده سيف» وفائدتها توكيد لصوق الصفة بالموصوف. والدلالة على أن اتصافه بها أمر ثابت مستقر، وهذه الواو هي التي آذنت بأن الذين قالوا {سبعة وثامنهم كلبهم} قالوه عن ثبات علم ولم يرجموا بالظن كما رجم غيرهم دليله أن الله تعالى أتبع القولين الأولين قوله {رجماً بالغيب} وأتبع القول الثالث قوله {قُل رَّبّى أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِم } أي قل ربي أعلم بعدّتهم وقد أخبركم بها بقوله {سبعة وثامنهم كلبهم} {مَّا يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ قَلِيلٌ } قال ابن عباس رضي الله عنهما: أنا من ذلك القليل. وقيل: إلا قليل من أهل الكتاب، والضمير في {سيقولون} على هذا لأهل الكتاب خاصة أي سيقول أهل الكتاب فيهم كذا وكذا ولا علم بذلك إلا في قليل منهم وأكثرهم على ظن وتخمين {فَلاَ تُمَارِ فِيهِمْ } فلا تجادل أهل الكتاب في شأن أصحاب الكهف {إِلاَّ مِرَآء ظَـٰهِرًا } إلا جدالاً ظاهراً غير متعمق فيه وهو أن تقص عليهم ما أوحى الله إليك فحسب ولا تزيد من غير تجهيل لهم أو بمشهد من الناس ليظهر صدقك {وَلاَ تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مّنْهُمْ أَحَداً } ولا تسأل أحداً منهم عن قصتهم سؤال متعنت له حتى يقول شيئاً فترده عليه وتزيف ما عنده ولا سؤال مسترشد لأن الله تعالى قد أرشدك بأن أوحى إليك قصتهم.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {سَيَقُولُونَ ثَلَـٰثَةٌ رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ...} الآية: الضميرُ في {سَيَقُولُونَ } يراد به أهْل التوراةِ من معاصري نبيِّنا محمد صلى الله عليه وسلم، وذلك أنهم اختلفوا في عدد أهْل الكهف. وقوله: {رَجْماً بِٱلْغَيْبِ }: معناه ظَنًّا وهو مستعارٌ من الرجْمِ، كأن الإِنسان يرمي الموضع المُشْكِلَ المجهول عنده بظنه المرةَ بعد المَرَّة يرجُمُه به، عَسَى أن يصيبه، والواو في قوله: {وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ }: طريق النحاة فيها أنها واو عَطْفٍ دخلَتْ في آخر الكلام؛ إخباراً عن عددهم، لتفصِّل أمرهم، وتدلَّ على أن هذا نهايةُ ما قيل، ولو سقطَتْ، لصح الكلام، وتقول فرقةٌ منهم ابنُ خالَوَيْهِ: هي واو الثمَانِيَةِ، وذكر ذلك الثعلبيُّ عن أبي بكر بن عَيِّاشٍ وأن قريشاً كانت تقول في عددها: ستة، سبعة وثمانية تسعةٌ، فتدخل الواو في الثمانية. * ع *: وهي في القرآن في قوله: { أية : وَٱلنَّاهُونَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ } تفسير : [التوبة:112] وفي قوله: { أية : وَفُتِحَتْ أَبْوَٰبُهَا } تفسير : [الزمر:73] وأما قوله: { أية : وَأَبْكَاراً } تفسير : [التحريم:5] وقوله: { أية : وَثَمَـٰنِيَةَ أَيَّامٍ } تفسير : [الحاقة:7] فليستْ بواو الثمانيةِ بل هي لازمة إِذ لا يستغني الكلامُ عنها، وقد أمر اللَّه سبحانه نبيَّه في هذه الآية، أنْ يرد علْمَ عدَّتهم إِليه، ثم قال: {مَّا يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ قَلِيلٌ } يعني: مِنْ أهل الكتاب، وكان ابن عبَّاس؛ يقولُ: أنا من ذلك القليل، وكانوا سبعةً، وثامنهم كلبهم. قال * ع *: ويدلُّ على هذا من الآية أنه سبحانه لَمَّا حكى قول من قال: ثلاثة، وخمسة، قَرَنَ بالقول؛ أنه رَجْم بالغيب، ثم حكى هذه المقالة، ولم يقدَحْ فيها بشيء، وأيضاً فَيَقْوى ذلك على القول بواوِ الثمانية؛ لأنها إِنما تكون حيث عدد الثمانية صحيحٌ. وقوله سبحانه: {فَلاَ تُمَارِ فِيهِمْ إِلاَّ مِرَآءً ظَـٰهِرًا } معناه على بعض الأقوال: أي: بظاهر ما أوحينا إِليك، وهو ردُّ علْمِ عدتهم إِلى اللَّه تعالى، وقيل: معنى الظاهر؛ أنْ يقول: ليس كما تقولون، ونحو هذا، ولا يحتجّ هو على أمر مقرَّر في ذلك، وقال التِّبْرِيزِيُّ: {ظَاهِراً } معناه: ذاهباً وأنشد: [الطويل] شعر : .................................... وَتلْكَ شَكَاةٌ ظَاهِرٌ عَنْكَ عَارُهَا تفسير : ولم يبح له في هذه الآية أن يماري، ولكن قوله: {إِلاَّ مِرَآءً} مجازٌ من حيث يماريه أهْلُ الكتاب، سمِّيت مراجعته لهم مِرَاءً، ثم قيد بأنه ظاهرٌ، ففارَقَ المراءَ الحقيقيَّ المذمومَ، و«المِرَاء»: مشتقٌّ من المِرْية، وهو الشكُّ، فكأنه المُشَاكَكَة. * ت *: وفي سماع ابن القاسمِ، قال: كان سليمان بن يَسَارٍ، إِذا ارتفع الصوْتُ في مجلسه، أو كانِ مَراءً، أخذ نعليه، ثم قام. قال ابنُ رُشْد: هذا مِنْ وَرَعه وفَضْله، و«المِرَاء» في العِلْم منهيٌّ عنه، فقد جاء أنه لا تُؤْمَنُ فتنته، ولا تفهم حِكْمته انتهى من «البيان». والضمير في قوله: {وَلاَ تَسْتَفْتِ فِيهِم} عائد على أهل الكَهْف، وفي قوله: {مِّنْهُمْ } عائدٌ على أهْل الكتاب. وقوله: {فَلاَ تُمَارِ فِيهِمْ}، أي: في عدَّتهم.
ابن عادل
تفسير : قوله: {سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ}: قيل: إنَّما أتي بالسِّين في هذا؛ لأنَّ في الكلام طيًّا وإدماجاً، تقديره: فإذا أجبتهم عن سؤالهم عن قصَّة أهل الكهف، فسلهم عن عددهم، فإنهم سيقولون. ولم يأت بها في باقية الأفعال؛ لأنها معطوفة على ما فيه السين، فأعطيت حكمه من الاستقبال. وقرأ ابن محيصن "ثلاثٌ" بإدغام الثاء المثلثة في تاء التأنيث؛ لقرب مخرجيهما، ولأنهما مهموسان، ولأنهما بعد ساكن معتل. {رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ} الجملة في محل رفع صفة لـ "ثَلاثَة". قوله: {وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ} قرأ ابن كثير في رواية بفتح الميم، وهي لغة كعشرةٍ، وقرأ ابن محيصن بكسر الخاء والميم، وبإدغام التاء في السين، يعني تاء "خمسةٌ" في سين "سادسهم" وهي قراءة ثقيلة جداً؛ لتوالي كسرتين وثلاث سيناتٍ، قال شهاب الدين: ولا أظن مثل هذا إلا غلطاً على مثله، وروي عنه إدغام التنوين في السين من غيرغنَّة. و "ثَلاثةٌ" و "خَمسةٌ" و "سَبعةٌ" إخبار المبتدأ محذوف مضمرٍ، أي: هم ثلاثة، وهم خمسةٌ، وهم سبعة، وما بعد "ثلاثة" و "خمسة" من الجملة صفة لهما، كما تقدَّم، ولا يجوز أن تكون الجملة حالاً، لعدم عاملٍ فيها، ولا يجوز أن يكون التقدير: هؤلاء ثلاثة، وهؤلاء خمسةٌ، ويكون العامل اسم الإشارة أو التنبيه، قال أبو البقاء: "لأنَّها إشارةٌ إلى حاضر، ولم يشيروا إلى حاضر". قوله: {رَجْماً بِٱلْغَيْبِ} فيه أربعة أوجهٍ: أحدها: أنه مفعولٌ من أجله؛ يقولون ذلك لأجل الرمي بالغيب. والثاني: أنه في موضع الحال، أي: ظانِّين. والثالث: أنه منصوب بـ "يَقُولونَ" لأنه بمعناه. والرابع: أنه منصوب بمقدر من لفظه، أي: يرجمون بذلك رجماً. والرَّجمُ في الأصل: الرَّميُ بالرِّجامِ، وهي الحجارة الصِّغارُ، ثم عبِّر به عن الظنِّ، قال زهير: [الطويل] شعر : 3505- ومَا الحَربُ إلاَّ ما عَلِمْتُمْ وذُقْتُم ومَا هُوَ عَنْهَا بالحَديثِ المُرجَّمِ تفسير : أي: المظنون. قوله: "وثامنُهم" في هذه الواو أوجهٌ: أحدها: أنها عاطفة، عطفت هذه الجملة على جملة قوله "هُم سَبْعةٌ" فيكونون قد أخبروا بخبرين، الأول: أنهم سبعة رجالٍ على البتِّ. والثاني أنَّ ثامنهم كلبهم، وهذا يؤذنُ بأن جملة قوله {وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ} من كلام المتنازعين فيهم. الثاني: أن الواو للاستئناف، وأنه من كلام الله تعالى أخبر عنهم بذلك، قال هذا القائل: وجيء بالواو؛ لتعطي انقطاع هذا ممَّا قبله. الثالث: أنها الواو الداخلة على الصفة؛ تأكيداً، ودلالة على لصق الصفة بالموصوف، وإليه ذهب الزمخشري، ونظره بقوله: {أية : مِن قَرْيَةٍ إِلاَّ وَلَهَا كِتَابٌ مَّعْلُومٌ} تفسير : [الحجر: 4]. وردَّ أبو حيَّان عليه: بأنَّ أحداً من النحاة لم يقله، وقد تقدَّم الكلام عليه في ذلك. الرابع: أنَّ هذه تسمَّى واو الثمانية، وأنَّ لغة قريشٍ، إذا عدُّوا يقولون: خمسةٌ ستَّة سبعة، وثمانية تسْعةٌ، فيدخلون الواو على عقد الثمانية خاصة، ذكر ذلك ابن خالويه، وأبو بكر راوي عاصم، قلت: وقد قال ذلك بعضهم في قوله تعالى: {أية : وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا} تفسير : [الزمر: 73] في الزمر، فقال: دخلت في أبواب الجنة؛ لأنها ثمانية، ولذلك لم يجأ بها في أبواب جهنَّم؛ لأنها سبعة، وسيأتي هذا، إن شاء الله. قال أصحاب هذا القول: إنَّ السبعة عند العرب أمثل في المبالغة في العدد؛ قال تعالى: {أية : إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً} تفسير : [التوبة: 80]. ولما كان كذلك، فلما وصلوا إلى الثَّمانية، ذكروا لفظاً يدلُّ على الاستئناف فقالوا: وثمانية، فجاء هذا الكلام على هذا القانون، قالوا: ويدلُّ عليه قوله تعالى: {أية : وَٱلنَّاهُونَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ} تفسير : [التوبة: 112]؛ لأن هذا هو العدد الثامن من الأعداد المتقدمة. وقوله: {أية : حَتَّىٰ إِذَا جَآءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا} تفسير : [الزمر: 73] لأن أبواب الجنة ثمانيةٌ، وأبواب النَّار سبعة، فلم يأتِ بالواو فيها. وقوله: {أية : ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَاراً} تفسير : [التحريم: 5] هو العدد الثامن مما تقدَّم. قال القفال: وهذا ليس بشيء؛ لقوله تعالى: {أية : هُوَ ٱللَّهُ ٱلَّذِي لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْمَلِكُ ٱلْقُدُّوسُ ٱلسَّلاَمُ ٱلْمُؤْمِنُ ٱلْمُهَيْمِنُ ٱلْعَزِيزُ ٱلْجَبَّارُ ٱلْمُتَكَبِّرُ} تفسير : [الحشر: 23] ولم يذكر الواو في النَّعت الثامن. وقرىء: "كَالبُهمْ" أي: صاحب كلبهم، ولهذه القراءةِ قدَّر بعضهم في قراءة العامة: وثامنهم صاحب كلبهم. وثلاثةٌ وخمسةٌ وسبعةٌ: مضافة لمعدودٍ محذوف، فقدَّره أبو حيان: ثلاثة أشخاص، قال: "وإنَّما قدَّرنا أشخاصاً؛ لأنَّ رابعهم اسم فاعل أضيف إلى الضمير، والمعنى: أنه ربعهم، أي: جعلهم أربعة، وصيَّرهم إلى هذا العدد، فلو قدَّرناه رجالاً، استحال أن يصيِّر ثلاثة رجالٍ أربعة؛ لاختلافِ الجنسين" وهو كلامٌ حسنٌ. فصل وقال أبو البقاء: "ولا يعمل اسم الفاعل هنا؛ لأنه ماض" قلت: يعني أنَّ رابعهم فيما مضى، فلا يعمل النصب تقديراً، والإضافة محضة، وليس كما زعم، فإنَّ المعنى على: يصير الكلب لهم أربعة، فهو ناصبٌ تقديراً، وإنما عمل، وهو ماضٍ؛ لحكاية الحال كـ "بَاسِطٌ". فصل روي أن السيِّد والعاقب وأصحابهما من نصارى نجران، كانوا عند النبيِّ صلى الله عليه وسلم فجرى ذكر أصحاب الكهف، فقال السيِّد - وكان يعقوبياً -: كانوا ثلاثة رابعهم كلبهم. وقال العاقبُ - وكان نُسطوريًّا -: كانوا خمسة سادسهم كلبهم. وقال المسلمون: كانوا سبعة، وثامنهم كلبهم، فحقَّق الله قول المسلمين بعدما حكى قول النصارى، فقال: "سَيقُولونَ ثَلاثةٌ رابعهُم كَلْبهُم، ويَقُولونَ خَمسَةٌ سَادسهُمْ كَلبُهمْ رجماً بالغيب ويَقُولونَ: سَبْعةٌ وثَامنهُمْ كَلبُهمْ". قوله: {رَجْماً بِٱلْغَيْبِ} أي: ظنًّا وحدساً من غير يقينٍ، ولم يقل هذا في السبعة، فقال: {وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ}. فصل قال أكثر المفسرين: هذا هو الحقُّ؛ ويدلُّ عليه وجوهُ: الأول: أنَّ الواو في قوله: {وَثَامِنُهُمْ} هي الواو التي تدخل على الجملة الواقعة صفة للنَّكرة، كما تدخل على الجملة الواقعة حالاً عن المعرفة في قولك: "جَاءنِي رجلٌ، ومَعهُ آخَرُ" ومررت بزيدٍ، ومعه سيفٌ، ومنه قوله: {أية : وَمَآ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلاَّ وَلَهَا كِتَابٌ مَّعْلُومٌ} تفسير : [الحجر: 4]. وفائدتها: تأكيد لصوق الصفة بالموصوف، والدلالة على أنَّ اتصافه به أمرٌ ثابتٌ مستقرٌّ، فكانت هذه الواو دالة على أنَّ الذين كانوا في الكهف كانوا سبعة وثامنهم كلبهم. الثاني: أنه تعالى خصَّ هذا الموضع بهذا الحرف الزَّائد وهو الواو؛ فوجب أن يحصل به فائدة زائدة؛ صوناً للفظ عن التعطيل، وليس الفائدة إلاَّ تخصيص هذا القول بالإثبات والتَّصحيح. الثالث: أنه تعالى أتبع القولين بقوله: {رَجْماً بِٱلْغَيْبِ} ولم يقله في السَّبعة، وتخصيص الشيء بالوصف يدلُّ على أنَّ الحال في الباقي بخلافه، وأنه مخالف لهما في كونه "رجْماً بالغَيْب". الرابع: أنه قال بعده: {رَّبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِم مَّا يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ قَلِيلٌ} فدلَّ على أن هذا القول ممتازٌ عن القولين الأوَّلين بمزيد القوَّة والصَّحة. الخامس: أنه تعالى قال: {مَّا يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ قَلِيلٌ} فدلَّ على أنَّه حصل العلم بعدتهم لذلك القليل، وكلُّ من قال من المسلمين قولاً في هذا الباب، قال: إنهم كانوا سبعة، وثامنهم كلبهم؛ فوجب أن يكون المراد من ذلك القليل هؤلاء الذين قالوا هذا القول، وكان عليٌّ - رضي الله عنه - يقول: كانوا سبعة، وثامنهم كلبهم، وأسماؤهم: يمليخا، مكسلمينا، مسلثينا وهؤلاء الثلاثة كانوا أصحاب يمين الملك، وعن يساره: مرنوس، ديرنوس، سادنوس، وكان الملكُ يستشير هؤلاء الستَّة، يتصرَّفون في مهمَّاته، والسَّابع هو الرَّاعي الذي وافقهم، لمَّا هربوا من ملكهم، واسم كلبهم قطميرٌ، وروي عن ابن عباس أنه قال: مكسلمينا، ويلميخا، ومرطوس وبينويس، وسارينوس، وذونوانس، وكشفيطيطونونس وهو الراعي، وكان ابن عباس يقول: أنا من أولئك العدد القليل. السادس: أنه تعالى، لما قال: {سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ} قال: {قُل رَّبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِم مَّا يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ قَلِيلٌ}. والظاهر أنَّه لما حكى الأقوال، فقد حكى كلَّ ما قيل من الحقِّ والباطل، ويبعد أنَّه تعالى ذكر الأقوال الباطلة، ولم يذكر ما هو الحقُّ، فثبت أن جملة الأقوال الحقَّة والباطلة ليست إلاَّ هذه الثَّلاثة، ثم خصَّ الأولين بأنه رجمٌ بالغيب؛ فوجب أن يكون الحق هو الثالث. السابع: أنه قال لرسوله - عليه الصلاة والسلام -: {فَلا تُمارِ فِيهمْ إلاَّ مِراءً ظَاهِراً، ولا تَسْتفْتِ فِيهم مِنهُمْ أحَداً} فمنعه من المناظرة معهم في هذا الباب، وهذا إنما يكون، لو علم حكم هذه الواقعة، ويبعد أن يحصل العلم بذلك لغير النبيِّ صلى الله عليه وسلم ولا يحصل للنبيِّ - عليه السلام - فعلمنا أنَّ العلم بهذه الواقعة حصل للنبيِّ صلى الله عليه وسلم والظاهر أنه لم يحصل ذلك إلاَّ بهذا الوحي؛ لأنَّ الأصل فيما سواهُ العدم، فيكون الأمر كذلك، ويكون الحقُّ قوله: {سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ} وهذه الوجوه، وإن كان فيها بعض الضعف إلاَّ أنه لما تقوَّى بعضها ببعضٍ، حصل فيها تمامٌ وكمالٌ. فصل في هذه الآية محذوفٌ، وتقديره: سيقولون: هم ثلاثة، فحذف المبتدأ؛ لدلالة الكلام عليه، ثم قال تعالى: {قُل رَّبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِم} أي: بعددهم {مَّا يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ قَلِيلٌ}، وهذا هو الحق؛ لأن العلم بتفاصيل كائنات العالم، وحوادثه في الماضي والمستقبل، لا يحصل إلاَّ عند الله، أو عند من أخبره الله تعالى، ثم لمَّا ذكر تعالى هذه القصَّة، نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المراءِ والاستفتاء، فقال: {فَلاَ تُمَارِ فِيهِمْ إِلاَّ مِرَآءً ظَاهِراً}، أي لا تجادل، ولا تقل في عددهم وشأنهم إلاَّ مراء ظاهراً إلا بظاهر ما قصصنا عليك، فقف عنده، {وَلاَ تَسْتَفْتِ فِيهِم مِّنْهُمْ أَحَداً} أي من أهل الكتاب، أي: لا ترجع إلى قولهم بعد أن أخبرناك؛ لأنَّه ليس عندهم علمٌ في هذا الباب إلاَّ رجماً بالغيب. فصل واعلم أنَّ نفاة القياس تمسَّكوا بهذه الآية، قالوا: لأن قوله: {رَجْماً بِٱلْغَيْبِ} قيل: كان ظنًّا بالغيب؛ لأنَّهم أكثروا أن يقولوا رجماً بالظنِّ، مكان قولهم: "ظنَّ" حتى لم يبق عندهم فرقٌ بين العبارتين، كما قال: [الطويل] شعر : 3506-.............. ومَا هُوَ عَنْهَا بالحَديثِ المُرجَّمِ تفسير : أي: المظنون، ثم إنه تعالى، لمَّا ذم هذه الطريقة، رتَّب عليها المنع من استفتاء هؤلاء الظانِّين، فدلَّ على أن الفتوى بالمظنون غير جائزٍ عند الله تعالى، وتقدَّم جوابهم.
البقاعي
تفسير : ولما ذكر تعالى تنازع أولئك الذين هداهم الله بهم، ذكر ما يأتي من إفاضة من علم قريشاً أن تسأل صلى الله عليه وعلى آله وسلم منهم في الفضول الذي ليس لهم إليه سبيل، ولا يظفرون فيه بدليل علماً من أعلام النبوة فقال تعالى: {سيقولون} أي أهل الكتاب ومن وافقهم في الخوض في ذلك بعد اعترافهم بما قصصت عليك من نبأهم بوعد لا خلف فيه: هم {ثلاثة} أشخاص {رابعهم كلبهم} ولا علم لهم بذلك، ولذلك أعراه عن الواو فدل إسقاطها على أنهم ليسوا ثلاثة وليس الكلب رابعاً {ويقولون} أي وسيقولون أيضاً: {خمسة سادسهم كلبهم}. ولما تغير قولهم حسن جداً قوله تعالى: {رجماً بالغيب} أي رمياً بالأمر الغائب عنهم الذي لا اطلاع لهم عليه بوجه {ويقولون} أيضاً دليلاً على أنه لا علم لهم بذلك: {سبعة وثامنهم كلبهم} وتأخير هذا عن الرجم - وإن كان ظناً - مشعر بأنه حق، ويؤيده هذه الواو التي تدخل على الجملة الواقعة صفة للنكرة كما تدخل الواو حالاً عن المعرفة في نحو {أية : إلا ولها كتاب معلوم} تفسير : [الحجر: 4] فإن فائدتها توكيد لصوق الصفة بالموصوف، والدلالة على أن اتصاف الموصوف بالصفة أمر ثابت مستقر، فدلت هذه الواو على أن أهل هذا القول قالوه عن ثبات علم وطمأنينة نفس، ولم يرجموا بالظن، وفي براءة، كلام نفيس عن اتباع الوصف تارة بواو وتارة مجرداً عنها. فلما ظهر كالشمس أنه لا علم لهم بذلك كان كأنه قيل: ماذا يقال لهم؟ فقيل: {قل ربي} أي المحسن إليّ بإعلامي بأمرهم وغيره {أعلم بعدتهم} أي التي لا زيادة فيها ولا نقص، فكان كأنه قيل: قد فهم من صيغة "أعلم" أم من الخلق من يعلم أمرهم فقيل: {ما يعلمهم إلا قليل *} أي من الخلق وهو مؤيد لأنهم أصحاب القول الغالب، وهو، قول ابن عباس رضي الله عنهما، وكان يقول: أنا من ذلك القليل. {فلا} أي فتسبب عن ذلك أن يقول لك على سبيل البت الداخل تحت النهي عن قفو ما ليس لك به علم: لا {تمار} أي تجادل وتراجع {فيهم} أحداً ممن يتكلم بغير ما أخبرتك به {إلا مرآء ظاهراً} أدلته، وهو ما أوحيت إليك به ولا تفعل فعلهم من الرجم بالغيب {ولا تستفت} أي تسأل سؤال مستفيد {فيهم} أي أهل الكهف {منهم} أي من الذين يدعون العلم من بني إسرائيل أو غيرهم {أحداً *}. ولما كان نهيه عن استفتائهم موجباً لقصر همته على ربه سبحانه فكان من المعلوم أنه إذا سئل عن شيء، التفتت نفسه إلى تعرفه من قبله، فربما قال لما يعلم من إحاطة علم الله سبحانه وكرمه لديه: سأخبركم به غداً، كما وقع من هذه القصص، علمه الله ما يقول في كل أمر مستقبل يعزم عليه بقوله تعالى: {ولا تقولن لِشَاْئٍ} أي لأجل شيء من الأشياء التي يعزم عليها جليلها وحقيرها، عزمت على فعله: عزماً صادقاً من غير تردد وإن كنت عند نفسك في غاية القدرة عليه: {إني فاعل ذلك} أي الشيء وإن كان مهماً {غداً *} أي فيما يستقبل في حال من الأحوال {إلا} قولاً كائناً معه {أن يشاء} في المستقبل ذلك الشيء {الله} أي مقروناً بمشيئة الملك الأعلى الذي لا أمر لأحد معه سبحانه تعظيماً لله أن يقطع شيء دونه واعترافاً بأنه لا حول ولا قوة إلا به، ولأنه إن قيل ذلك دون استثناء فات قبل الفعل أو عاقه عنه عائق كان كذباً منفراً عن القائل. ولما كان النسيان من شأن الإنسان وهو غير مؤاخذ به قال تعالى: {واذكر ربك} أي المحسن إليك برفع المؤاخذة حال النسيان {إذا نسيت} الاستثناء بالاستعانة والتوكل عليه وتفويض الأمر كله بأن تقول: إن شاء الله، ونحوها في أيّ وقت تذكرت؛ وأخرج الطبراني في معجمه الأوسط في ترجمة محمد بن الحارث الجبيلي - بضم الجيم وفتح الموحدة - عن ابن عباس رضي الله عنهما أن هذا خاص برسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وليس لأحد منا أن يستثني إلا بصلة اليمين. ثم عطف على ما أفهمه الكلام وهو: فقل إذا نسيت: إني فاعل ذلك غداً إن شاء الله - ونحو ذلك من التعليق بالمشيئة المؤذن بأنه لا حول ولا قوة إلا بالله ولا مشيئة لأحد معه قوله: {وقل عسى أن يهدين ربي} أي المحسن إليّ {لأقرب} أي الى أشد قرباً {من هذا } أي الذي عزمت على فعله ونسيت الاستثناء فيه فقضاه الله ولم يؤاخذني، أو فاتني أو تعسر عليّ لكوني لم أقرن العزم عليه بذكر الله {رشداً *} أي من جهة الرشد بأن يوفقني للاستثناء فيه عند العزم عليه مع كونه أجود أثراً وأجل عنصراً فأكون كل يوم في ترق بالأفعال الصالحة في معارج القدس، و "اقرب" أفعل تفضيل من قرب - بضم الراء - من الشيء، لازم، لا من المكسور الراء المتعدي نحو { أية : ولا تقربوا الزنى} تفسير : [الإسراء: 32] { أية : ولا تقربوا مال اليتيم} تفسير : [الإسراء: 34] الآية، والأقرب من رشد الاستدلال بقصة أهل الكهف التي الحديث عنها على صحة نبوة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ونحو ذلك الاستدلال على وحدانية الصانع وقدرته على البعث وغيره بالأمور الكلية أو الجزئيات القريبة المتكررة، لا بهذا الأمر الجزئي النادر المتعب ونحو هذا من المعارف الإلهية.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: {سيقولون ثلاثة} قال: اليهود {ويقولون خمسة} قال: النصارى. وأخرج ابن أبي حاتم وعبد الرزاق، عن قتادة في قوله: {رجما بالغيب} قال: قذفا بالظن. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي مسعود رضي الله عنه في قوله {ما يعلمهم إلا قليل} قال: إنا من القليل، كانوا سبعة. وأخرج عبد الرزاق والفريابي وابن سعد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طرق، عن ابن عباس في قوله: {ما يعلمهم إلا قليل} قال: إنا من القليل، كانوا سبعة. وأخرج الطبراني في الأوسط بسند صحيح، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {ما يعلمهم إلا قليل} قال: أنا من القليل، مكسلمينا وتمليخا، وهو المبعوث بالورق إلى المدينة، ومرطوس ونينونس ودردوتس وكفاشطهواس ومنطفوا سيسوس، وهو الراعي. والكلب اسمه قطمير، دون الكردي وفوق القبطي الألطم فوق القبطي. قال أبو عبد الرحمن: بلغني أن من كتب هذه الأسماء في شيء وطرحه في حريق سكن الحريق. وأخرج ابن أبي حاتم عن وهب بن منبه قال: كل شي في القرآن قليل، وإلا قليل فهو دون العشرة. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: {فلا تمار فيهم} يقول: حسبك ما قصصت عليك. وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: {فلا تمار فيهم إلا مراء ظاهراً} قال: يقول: إلا ما أظهرنا لك من أمرهم {ولا تستفت فيهم منهم أحداً} قال: يقول لا تسأل اليهود عن أصحاب الكهف، إلا ما قد أخبرناك من أمرهم. وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: {فلا تُمارِ فيهم} الآية. قال: حسبك ما قصصنا عليك. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه من طرق، عن ابن عباس في قوله: {ولا تستفت فيهم منهم أحداً} قال: اليهود. والله أعلم.
ابو السعود
تفسير : {سَيَقُولُونَ} الضميرُ في الأفعال الثلاثة للخائضين في قصتهم في عهد النبـيِّ عليه الصلاة والسلام من أهل الكتابِ والمسلمين لكن لا على وجه إسنادِ كلَ منها إلى كلهم بل إلى بعضهم {ثَلَـٰثَةٌ رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ} أي هم ثلاثةُ أشخاص رابعُهم أي جاعلُهم أربعةً ـ بانضمامه إليهم ـ كلبُهم، قيل: قالته اليهودُ، وقيل: قاله السيد من نصارى نَجرانَ وكان يعقوبـياً، وقرىء ثلاةٌ بإدغام الثاء في التاء {وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ} قيل: قالتْه النصارى أو العاقبُ منهم وكان نِسْطورياً {رَجْماً بِٱلْغَيْبِ} رمياً بالخبر الخفيِّ الذي لا مُطَّلَعَ عليه أو ظنًّا بالغيب من قولهم: رجَمَ بالظن إذا ظن، وانتصابُه على الحالية من الضمير في الفعلين جميعاً أي راجمين أو على المصدرية منهما فإن الرجْمَ والقولَ واحد، أو من محذوف مستأنَفٍ واقعٍ موقعَ الحال من الضمير في الفعلين معاً أي يرجُمون رجماً، وعدم إيرادِ السينِ للاكتفاء بعطفه على ما فيه ذلك. {وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ} هو ما يقوله المسلمون بطريق التلقي من هذا الوحي وما فيه مما يرشدهم إلى ذلك من عدم نظمِه في سلك الرجْمِ بالغيب، وتغيـيرُ سبكه بزيادة الواو المفيدةِ لزيادة وكادةِ النسبة فيما بـين طرفيها لا بوحي آخرَ كما قيل {قُلْ} تحقيقاً للحق وردًّا على الأولين {رَّبّى أَعْلَمُ} أي أقوى علماً {بِعِدَّتِهِم} بعددهم {مَّا يَعْلَمُهُمْ} أي ما يعلم عِدّتهم أو ما يعلمهم فضلاً عن العلم بعِدتهم {إِلاَّ قَلِيلٌ} من الناس قد وفقهم الله تعالى للاستشهاد بتلك الشواهد. قال ابن عباس رضي الله عنهما: حين وقعت الواوُ انقطعت العِدّةُ وعليه مدارُ قوله رضي الله عنه: أنا من ذلك القليل ولو كان في ذلك وحيٌ آخرُ لما خفيَ عليه ولما احتاج إلى الاستشهاد بالواو ولكان المسلمون أسوةً له في العلم بذلك. وعن علي كرم الله وجهه أنهم سبعةُ نفرٍ أسماؤُهم: يمليخا ومكشليبنا ومشليبنا، هؤلاء أصحابُ يمينِ الملكِ وكان عن يساره مرنوش ودبرنوش وشاذنوش وكان يستشير هؤلاء الستةَ في أمره، والسابعُ الراعي الذي رافقهم حين هربوا من ملكهم دقيانوسَ واسمه كفيشيططيوش {فَلاَ تُمَارِ} الفاءُ لتفريع النهي على ما قبله أي إذ قد عرفتَ جهلَ أصحابِ القولين فلا تجادلهم {فِيهِمْ} في شأن الفتية {إِلاَّ مِرَآء ظَـٰهِرًا} قدرَ ما تعرّض له الوحيُ من وصفهم بالرجم بالغيب وعدمِ العلم على الوجه الإجمالي وتفويضِ العلم إلى الله سبحانه من غير تصريحٍ بجهلهم وتفضيحٍ لهم فإنه يُخِلُّ بمكارم الأخلاق. {وَلاَ تَسْتَفْتِ فِيهِمْ} في شأنهم {مِنْهُمْ} من الخائضين {أَحَدًا} فإن فيما قُص عليك لمندوحةً عن ذلك مع أنه لا علمَ لهم بذلك. وقال عطاء: إلا قليلٌ من أهل الكتابِ فالضمائرُ الثلاثة في الأفعال الثلاثةِ لهم وما ذكر من الشواهد لإرشاد المؤمنين إلى صحة القولِ الثالثِ وفيه محيصٌ عما في الأول من التكلف في جعل أحدِ الأقوالِ المحكية المنظومةِ في سِمْط واحدٍ ناشئاً عن الحكاية مع كون الأخيرين بخلافه ووضوحٌ في سبب حذف المفعولِ في لا تُمار، والمعنى حينئذ: وإذ قد وقفتَ على أن كلَّهم ليسوا على خطأ في ذلك فلا تجادِلْهم إلا جدالاً ظاهراً نطَق به الوحيُ المبـين من غير تجهيل لجميعهم فإن فيهم مُصيباً وإن قل، والنهيُ عن الاستفتاء لدفع ما عسى يُتوهم من احتمال جوازِه أو احتمالِ وقوعِه بناءً على إصابة بعضهم، فالمعنى لا ترجِعْ إليهم في شأن الفتيةِ ولا تصدّق القولَ الثالثَ من حيث صدورُه عنهم، بل من حيث التلقّي من الوحي.
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْماً بِٱلْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ}. أخبر أنَّ علومَ الناسِ متقاصرةٌ عن عددهم؛ فالأحوالُ التي لا يطلع عليها إلا الله في أسرارهم وقلوبهم... متى يكون للخَلْق عليها إشرافٌ؟ أشكل عليهم عددهم، وعددهم يُعْلَم بالضرورة، وهم لا يُدْرَكُون بالمشاهدة. ويقال سَعِدَ الكلبُ حيث كَرَّرَ الحقُّ - سبحانه - ذِكْرَهم وذكَرَ الكلبَ معهم على وجه التكرار، ولمَّا ذَكَرَهم عَدَّ الكلب في جملتهم. قوله جلّ ذكره: {قُل رَّبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِم مَّا يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ قَلِيلٌ}. لما كانوا من أوليائه فلا يعلمهم إلا خواصُّ عباده، ومَنْ كان قريباً في الحالِ منهم؛ فهم في كتم الغَيْرَة وإيواء الستر لا يَطَّلِعُ الأجانبُ عليهم؛ ولا يعلمهم إلا قليلٌ؛ لأنَّ الحق - سبحانه يستر أولياءه عن الأجانب، فلا يعلمهم إلا أهل الحقيقة، فالأجانب لا يعرفون الأقارب، ولا تشكل أحوال الأقارب على الأقارب. كذلك قال شيوخ هذه الطائفة: "الصوفية أهل بيتٍ واحدٍ لا يدخل فيهم غيرهم". قوله جلّ ذكره: {وَلاَ تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِّنْهُمْ أَحَداً}. كما لا يعرفهم من كان بمعزلٍ عن حالتهم، ولا يهتدي إلى أحكامهم من لا يعرفهم.. فلا يصحُّ استفتاءُ مَنْ غاب علمهم عنه في حالهم. ومَنْ لم يكن قلبُه محلاً لمحبة الأحباب لا يكون لسانُه مقراً لذكرهم.
اسماعيل حقي
تفسير : {سيقولون} الضمائر فى الافعال الثلاثة للخائضين فى قصتهم فى عهد النبى صلى الله عليه وسلم من اهل الكتاب والمسلمين لكن لا على وجه اسناد كل فيها الى كلهم الى بعضهم سألوا رسول الله فاخر الجواب الى ان يوحى اليه فيهم فنزلت اخبارا بما سيجرى بينهم من اختلافهم فى عددهم وان المصيب منهم من يقول سبعة وثامنهم كلبهم اى سيقول اليهود هم اى اصحاب الكهف {ثلثة} اى ثلاثة اشخاص {رابعهم كلبهم} اى جاعلهم اربعة بانضمامه اليهم كلبهم {ويقولون} اى النصارى وانما لم يجئ بالسين اكتفاء بعطفه على ما هو فيه {خمسة سادسهم كلبهم رجما بالغيب} رميا بالخبر الخفى عليهم واتيانا به كقوله {ويقذفون بالغيب} اى يأتون او ظنا بالغيب من قولهم رجما بالظن اذا ظن وانتصابه على الحالية من الضمير فى الفعلين معا اى راحمين او على المصدر منهما فان الرجم والقول واحد اى يرجمون رجما بالغيب {ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم} القائلون المسلمون بطريق التلقن من هذا الوحى وما فيه مما يرشدهم الى ذلك من عدم نظم فى سلك الرجم بالغيب وتغيير سبكه بزيادة الواو المفيدة لزيادة وكادة النسبة فيما بين طرفيها وذلك لان الوحى مقدم على المقالة المذكورة على ما يدل عليه السنن {قل} تحقيقا للحق وردا على الاولين {ربى اعلم}. قال سعدى المفتى اى اقوى علما وازيد فى الكيفية فان مراتب اليقين متفاوتة فى القوة ولا يجوز ان يكون التفضيل بالاضافة الى الطافئتين الاوليين اذ لا شركة لهما فى العلم {بعدتهم} بعددهم {ما يعلمهم الا قليل} ما يعلمهم عدتهم الا قليل من الناس قد وفقهم الله للاستشهاد بتلك الشواهد. قال ابن عباس رضى الله عنهما حين وقعت الواو وانقطعت العدة اى لم يبق بعدها عدة عاد يعتد بها وثبت انهم سبعة وثامنهم كلبهم قطعا وجزما وعليه مدار قوله انا من ذلك القليل. وعن على رضى الله عنه انهم سبعة نفر اسماؤهم يمليخا ومكشليينا ومشليينا هؤلاء اصحاب يمين الملك وكان عن يساره مرنوش ودبرنوش وشازنوش وكان يستشير هؤلاء الستة فى امره والسابع الراعى الذى وافقهم حين هربوا من ملكهم دقيانوس واسمه كفشططيوش او كفيشيططيوش. قال الكاشفى الاصح انه مرطوش. قال النيسابورى عن ابن عباس رضى الله عنهما ان اسماء اصحاب الكهف تصلح للطلب والهرب واطفاء الحريق تكتب فى حرقة ويرمى بها فى وسط النار ولبكاء الطفل تكتب وتوضع تحت رأسه فى المهد وللحرث تكتب على القرطاس وترفع على خشب منصوب فى وسط الزرع وللضربان والحمى المثلثة والصداع والغنى والجاه والدخول على السلاطين تشد على الفخذ اليمنى ولعسر الولادة تشد على فخذها اليسرى ولحفظ المال والركوب فى البحر والنجاة من القتل {فلا تمار} والمماراة [ستيزه كردن] الفاء لتفريع النهى على ما قبله اى اذ قد عرفت جهل اصحاب القولين الاولين فلا تحاد لهم {فيهم} اى فى شأن اصحاب الكهف {الا مراء ظاهرا} الا جدالا ظاهرا غير متعمق فيه وهوان تقص عليهم ما فى القرآن من غير تصريح بجهلهم وتفضيح لهم فانه مما يخل بمكارم الاخلاق {ولا تستفت} [وفتوى مجوى يعنى مبرس] {فيهم} اى فى شأنهم {منهم} اى من الخائضين {احدا} فان فيما قص عليك لمندوحة عن ذلك مع انه لا اعلم لهم بذلك. قال الكاشفى اهل تأويل را درباب اصحاب كهف سخن بسياراست بعض كويند اين قصه نمود از احوال بدلاء سبعة اسنت كه هفت اقليم عالم بوجود ايشان قائمست وكهف خلو تخانه ايشان بود وكلب نفس حيوانيه]. وعن الخضر عليه السلام انه قال ثلاثمائة هم الاولياء وسبعون هم النجباء واربعون هم اوتاد الارض وعشرة هم النقباء وسبعة هم العرفاء وثلاثة هم المختارون وواحد هو الغوث لم يبلغوا ما بلغوا بكثرة الصوم والصلاة والتخشع وحسن الحلية ولكن بلغوا بصدق الورع وحسن النية وسلامة الصدر والرحمة لجميع المسلمين اصطفاهم الله بعلمه واستخلصهم لنفسه وهم لا يسبون شيئا ولا يلعنونه ولا يؤذون من تحتهم ولا يحقرونه ولا يحسدون من فوقهم اطيب الناس خبرا والينهم عريكة واسخاهم نفسا كذا فى روض الرياحين للامام اليافعى رحمه الله [ونزدجمعى اشارتست بروح وقلب وعقل فطرى ومعيش وقوت قدسيه وسر وخفى كه تعلق بكهف بدن دارد ودقيانوس نفس اماره است] شعر : كند مردار نفس اماره خوار اكر هو شمندى عزيزش مدار مبرطاعت نفس شهوت برست كه هرساعتش قبلهُ ديكرست
ابن عجيبة
تفسير : قلت: {إلا أن يشاء}: استثناء مفرغ من النهي، أي: لا تقولن في حال من الأحوال، إلا حال ملابسةٍ بمشيئته تعالى على الوجه المعتاد، وهو أن تقول: إن شاء الله، أو: في وقت من الأوقات، إلا وقت إن شاء الله. يقول الحقّ جلّ جلاله: {فلا تُمَارِ} أي: لا تجادل {فيهم}؛ في شأن أهل الكهف {إِلا مِراءً ظاهرًا} قدر ما تعرض له الوحي من وصفهم، من غير زيادة عليه، مع تفويض العلم إلى الله، فلا تُصرح بجهلهم، ولا تفضح خطأهم، فإنه يُخل بمكارم الأخلاق، {ولا تَسْتَفْتِ فيهم}: في شأنهم {منهم}؛ من الخائضين {أحدًا}؛ فإن فيما أوحي إليك لمندوحة عن ذلك، مع أنهم لا علم لهم بذلك. {ولا تقولنّ لشيء} أي: لأجل شيء تعزم عليه: {إِني فاعلٌ ذلك} الشيء {غدًا}: فيما يستقبل من الزمان مطلقًا، فيصدق بالغد وما بعده؛ لأنه نزل حين قالت اليهود لقريش: سلوه عن الروح، وعن أصحاب الكهف، وعن ذي القرنين. فسألوه صلى الله عليه وسلم فقال: "حديث : غدًا أخبركم"تفسير : ، ولم يستثن، فأبطأ عليه الوحي، حتى شقَّ عليه، وكذبته قريشٌ، ثم نزلت السورة بعد أربعة عشر يومًا، أو قريبًا منها، على ما ذكره أهل السِّيَر، أي: لا تَقُلْ إني فاعل شيئًا في حال من الأحوال إلا متلبسًا بمشيئته على الوجه المعتاد، وهو أن تقول: إن شاء الله، أو في وقت من الأوقات، إن شاء الله أن تقوله، بمعنى: أن يأذن لك فيه، فإن النسيان بمشيئته تعالى. {واذكر ربكَ} بقولك: إلا أن يشاء الله؛ مستدركًا له، {إِذا نسيتَ}: إذا فرط منك نسيان ثم ذكرته. وعن عبد الله بن عباس رضي الله عنه: ولو بعد سنة ما لم يحنث. ولذلك جوَّز تأخير الاستثناء. وعامة الفقهاء على خلافه، إذ لو صح ذلك لما تقرر طلاق ولا عتاق، ولم يعلم صدق ولا كذب، وقال القرطبي: هذا في تدارك الترك والتخلص من الإثم، وأما الاستثناء المغير للحكم فلا يكون إلا متصلاً به، ويجوز أن يكون المعنى: واذكر ربك؛ بالتسبيح والاستغفار؛ إذا نسيت الاستثناء؛ مبالغة في الحث عليه، أو: اذكر ربك إذا اعتراك نسيان؛ لتستدرك ما فات، وحُمل على أداء الصلاة المنسية عند ذكرها. وسيأتي في الإشارة بقية الكلام عليها. {وقل عسى أن يَهْديَنِ ربي}: يوفقني {لأقربَ من هذا} أي: لنبأ أقرب وأظهر من نبأ أصحاب الكهف، من الآيات والدلائل الدالة على نبوتي، {رَشَدًا} أي: إرشادًا للناس ودلالة على ذلك. وقد فعل عزّ وجلّ ذلك؛ حيث آتاه من البينات ما هو أعظم وأبين لقصص الأنبياء، المتباعدة أيامهم، والإخبار بالغيوب والحوادث النازلة في الأعمار المستقبلة إلى قيام الساعة. أو: لأقرب رشدًا وأدنى خيرًا من المَنْسِي، أي: عسى أن يدلني على ما هو أصلح لي من الذي نسيته؛ إذ يجوز أن يكون نسيانه خيرًا له من ذكره؛ إذ فيه إظهار قهريته تعالى، وغناه عن خلقه، وعدم مبالاته بإدبار من أدبر وإقبال من أقبل، أو: الطريق الأقرب من هذا الذي هدى إليه أهل الكهف؛ رشدًا وصوابًا، وقد فعل ذلك حيث هداه إلى الدين القيِّم الذي أظهره على الأديان كلها، ولو كره المشركون. {ولَبِثُوا في كهفهم}؛ أحياءً، مضروبًا على آذانهم، {ثلاث مائةٍ سنينَ وازدادوا تسعًا}، رُوي عن علي - كرم الله وجهه - أنه قال: عند أهل الكتاب أنهم لبثوا ثلاثمائة سنة شمسية، والله تعالى ذكر السنة القمرية، والتفاوت بينهما في كل مائة ثلاثُ سنين، فيكون ثلاث مائة سنة وتسع سنين. هـ. {قُلِ الله أعلم بما لَبِثُوا} أي: الزمان الذي لبثوا فيه. {له غيبُ السماوات والأرض} أي: ما غاب فيهما، وخفي من أحوال أهلها، {أبصِرْ به وأسمعْ} أي: ما أسمعه وما أبصره. دل بصيغة التعجب على أن سمعه تعالى وبصره خارج عما عليه إدراك المدركين؛ لأنه تعالى لا يحجبه شيء، ولا يحول دونه حائل، ولا يتفاوت بالنسبة إليه اللطيف والكثيف، والصغير والكبير، والخفي والجلي. والتعجب في حقه تعالى مجاز؛ لأنه إنما يكون مما خفي سببه، ولأنه دهشة وروعة تلحق المتعجب عند معاينة ما لم يعتَدْه، وهو تعالى منزَّه عن ذلك، فيُؤَوَّل بأنه مبالغة في إحاطة سمعه وبصره بكل شيء، كما تقدم. {ما لهم من دونه من وليٍّ} أي: ما لأهل السماوات والأرض من دونه تعالى من ولي؛ يتولى أمورهم وينصرهم إلا هو سبحانه، {ولا يُشرِكُ في حُكمِهِ}: في قضائه في علم الغيب {أحدًا} منهم، ولا يجعل له فيه مدخلاً، وقرئ بالخطاب لكل أحد، أي: ولا تشرك أيها السامع في حكمه وتدبيره أحدًا من خلقه، فإنه لا فعل له ولا تدبير. والله تعالى أعلم. الإشارة: قد تضمنت إشارة الآية خمس خصال من خصال الصوفية: الأولى: ترك المراء والجدال، إلا ما كان على وجه المذاكرة والمناظرة في استخراج الحق أو تحقيقه، من غير ملاججة ولا مخاصمة، في سهولة وليونة وسلامة القلوب. الثانية: استفتاء القلوب فيما يعرض من الأمور؛ قال صلى الله عليه وسلم "حديث : اسْتَفْتِ قَلْبَكَ، وإنْ أفتاك المفْتونَ وأفتَوْك، فالبر ما اطمأن القلب وسكن إليه، والإثم ما حاك في الصدر وتردد"تفسير : ، والمراد بالقلوب التي تُسْتَفْتَى. القلوب الصافية المنورة بذكر الله، الزاهدة فيما سوى الله، فإنها إذا كانت بهذه الصفة لا يتجلى فيها إلا الحق، ولا تسكن إلا إلى الحق، بخلاف القلوب المخوضة بحب الدنيا والهوى، فلا تفتي إلا بما يوافق هواها. الثالثة: التفويض إلى مشيئة الله وتدبيره، والرضا بما يبرز به القضاء، بحيث لا يعقد على شيء، ولا يجزم بفعل شيء، إلا ملتبسًا بمشيئة الله، فينظر ما يفعل الله، فالعاقل إذا أصبح نظر ما يفعل الله به، والجاهل إذا أصبح نظر ما يفعل بنفسه، كما قال صاحب الحِكم. الرابعة: الاشتغال بالذكر والفكر، حتى يغيب عما سوى المذكور؛ قال تعالى: {واذكر ربك إذا نسيت} أي: إذا نسيت ما سواه، حينئذ تكون ذاكرًا حقيقة، فالذكر الحقيقي: هو الذي يغيب صاحبه عن شهود نفسه ورسمه وحسه، حتى يكون الحق تعالى هو المتكلم على لسانه؛ لشدة غيبته فيه، وهذا أمر مشاهد لمن عثر على شيخ التربية والتزم صحبته. الخامسة: التماس الترقي والزيادة في الاهتداء واليقين، فكل مقام يدركه ينبغي أن يطلب مقامًا أعلى منه، ولا نهاية لعلمه تعالى ولا لعظمته، {وقل عسى أن يهديني ربي لأقرب من هذا رشدًا}، وبالله التوفيق. ثمَّ أمره بتلاوة كتابه الذي هو أصل كل رشد وصواب
الطوسي
تفسير : يقول الله لنبيه (صلى الله عليه وسلم) انه سيقول قوم من المختلفين في عدد اصحاب الكهف فى هذا الوقت: انهم ثلاثة رابعهم كلبهم، وطائفة أخرى يقولون: خمسة سادسهم كلبهم رجماً بالغيب، وتقول طائفة ثالثة: انهم سبعة وثامنهم كلبهم. وذهب بعضهم الى انهم سبعة لدخول واو العطف بعده في قوله {وثامنهم كلبهم} ولم يقل ذلك في الاول. وهذا ليس بشيء، لأنه انما لم يدخل الواو في الاول، لانه جاء على الصفة بالجملة، والثاني على العطف على الجملة. قال الرماني: وفرق بينهما، لأن السبعة أصل للمبالغة فى العدة، كما قال (عز وجل): {أية : استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم} تفسير : وحكى البلخي عن بعض أهل العلم أنه قال: الواجب أن يعد في الحساب: واحد اثنان ثلاثة اربعة، فاذا بلغت الى السبعة قلت: وثمانية - بالواو - اتباعاً للآية. وقوله {رجماً بالغيب} قال قتادة: معناه قذفاً بالظن. وقال المؤرج: ظناً بالغيب بلغة هذيل. وقال قوم: ما لم تستيقنه فهو الرجم بالغيب قال الشاعر: شعر : واجعل مني الحق غيباً مرجماً تفسير : وقال زهير: شعر : وما الحرب إلا ما علمتم وذقتم وما هو عنها بالحديث المرجم تفسير : ثم قال تعالى لنبيه (صلى الله عليه وسلم): قل لهم يا محمد: ربي اعلم بعدتهم، من الخائضين في ذلك والقائلين فى عددهم بغير علم. ثم قال تعالى: ليس يعلم عددهم إلا قليل من الناس، وهم النبي ومن أعلمه الله من نبيه. وقال ابن عباس: أنا من القليل الذين يعلمون ذلك: كانوا سبعة وثامنهم كلبهم. ثم قال تعالى، ناهياً لنبيه - والمراد به امته - {فلا تمار فيهم إلا مراء ظاهراً}. قال ابن عباس وقتادة ومجاهد والضحاك: معناه إلا بما أظهرنا لك من امرهم، والمعنى انه لا يجوز أن تماري وتجادل إلا بحجة ودلالة، واخبار من الله، وهو المراء الظاهر. وقال الضحاك: معناه حسبك ما قصصنا عليك. وقال البلخي: وفى ذلك دلالة على أن المراء قد يحسن إذا كان بالحق وبالصحيح من القول. وإنما المذموم منه ما كان باطلا والغرض المبالغة لا بيان الحق. والمراء الخصومة والجدل. وقوله {ولا تستفت فيهم} يعني فى أهل الكهف، وفى مقدار عددهم {منهم} يعني من اهل الكتاب {أحداً} ولا تستفهم من جهتهم. وهو قول ابن عباس ومجاهد وقتادة. وقوله {ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غداً إلا أن يشاء الله} نهي من الله تعالى لنبيه ان يقول: اني افعل شيئاً في الغد إلا أن يقيد قوله بمشيئة الله، فيقول: ان شاء الله، لانه لا يأمن اخترامه، فيكون خبره كذباً. وإذا قيده بقوله إن شاء الله، ثم لم يفعل، لم يكن كاذباً. والمراد بالخطاب جميع المكلفين، ومتى اخبر المخبر عن ظنه وعزمه بأنه يفعل شيئاً فيما بعد ثم لم يفعل لا يكون كاذباً، لانه اخبر عن ظنه وهو صادق فيه. وقال قوم: "إلا أن يشاء الله" معناه إلا أن يشاء الله أن يلجئني الى تركه. وقال الفراء: قوله {إلا أن يشاء الله} بمعنى المصدر، فكأنه قال إلا مشيئة الله والمعنى إلا ما يريده الله. وإذا كان الله تعالى لا يشاء إلا الطاعات فكأنه قال: لا تقل اني افعل إلا الطاعات وما يقرب الى الله. وهذا وجه حسن. ولا يطعن في ذلك جواز الاخبار عما يريد فعله من المباحات التي لا يشاؤها الله، لأن هذا النهي ليس نهي تحريم، وانما هو نهي تنزيه، لانه لو لم يقل ذلك لما أثم بلا خلاف وانما هو نهي تحريم فيما يتعلق بالقبيح فانه لا يجوز أن يقول اني افعل ذلك بحال. والآية تضمنت أن لا يقول الانسان اني افعل غداً شيئاً إلا أن يشاء الله. فأما أن يعزم عليه من ذكر ذلك، فلا يلزم المشيئة فيه إلا ندباً. بغير الآية. وقوله {واذكر ربك إذا نسيت} قال الحسن: معناه انه اذا نسي أن يقول: إن شاء الله، ثم ذكر فليقل ان شاء الله. وقال ابن عباس: له ان يستثني ولو الى سنة. وقال بعضهم: وله أن يستثني بعد الحنث إلا انه لا تسقط عنه الكفارة في اليمين، إلا إن يكون الاستثناء موصولا بالاجماع. وقال الحسن له أن يستثني ما لم يقم من مجلسه الذي هو فيه، فان قام بطل استثناؤه. وقال قوم {واذكر ربك إذا نسيت} أمراً ثم تذكرته، فان لم تذكره فقل {عسى أن يهديني ربي لأقرب من هذا رشداً}. وقال بعضهم: عسى أن يعطيني ربي من الرشد ما هو أولى من قصة اصحاب الكهف. والذي نقوله: ان الاستثناء متى لم يكن متصلا بالكلام أو فى حكم المتصل، لم يكن له تعلق بالاول ولا حكم له، وانه يجوز دخول الاستثناء بمشيئة الله في جميع انواع الكلام: من الامر. والنهي، والخبر، والأيمان، وغير ذلك. ومتى استثنى ثم خالف لم يكن حانثاً في يمينه ولا كاذباً في خبره. ومتى هو استثناه بعد مدة بعد انفصال الكلام لم يبطل ذلك حنثه ولزمته الكفارة. ولو لم نقل ذلك أدى الى ان لا يصح يمين ولا خبر ولا عقد، فان الانسان متى شاء استثنى في كلامه ويبطل حكم كلامه. وقد روي عن النبي (صلى الله عليه وسلم) انه قال: "حديث : من حلف على أمر يفعله ثم رأى ما هو خير له فليحنث وليكفر عن يمينه" تفسير : ولو كان الاستثناء جائزاً بعد مدة، لكان يقول فليستثني ولا يحتاج الى الكفارة ولا يلزمه الحنث. وقد روي في اخبارنا مثل ما حكيناه عن ابن عباس. ويشبه أن يكون المراد به أنه اذا استثنى وكان قد نسي من غير تعمد فانه يحصل له ثواب المستثني دون أن يؤثر في كلامه، وهو الاشبه بابن عباس وأليق بعمله وفعله، فان ما حكي عنه بعيد جداً. وقال المبرد، وجماعة: إن قوله {ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غداً إلا أن يشاء الله} ضم الاستثناء الى الكلام الذي قبله. ثم قال {واذكر ربك إذا نسيت وقل عسى} استأنف كلاماً آخر وقصة أخرى. وقال الجبائي هذا استئناف كلام من الله، وأمر منه لنبيه (صلى الله عليه وسلم) أنه اذا أراد فعلا من الافعال فنسيه فليذكر الله وليقل عسى أن يهديني ربي لاقرب مما نسيته رشداً. وقال عكرمة: {اذكر ربك إذا نسيت} معناه اذا نسيت امراً فاذكر ربك تتذكره، وهذا يدل على أنه لم يرد اليمين في الاستثناء. وقيل سبب نزول ذلك أن قريشاً لما جاءت وسألت النبي (صلى الله عليه وسلم) عن قصة اصحاب الكهف وقصة ذي القرنين، فقال لهم: غداً اخبركم، فأبطأ عنه جبرائيل. وقيل تأخر عنه اياماً ثم أتاه بخبرهم. وهذا ليس بصحيح، لانه لو كان كذلك بأن وعدهم بأن يخبرهم غداً ثم لم يخبرهم لكان كذباً، وهو منه محال. وقال ابراهيم: اذا حلف الحالف والكلام متصل فله استثناؤه اذا قال ان شاء الله. وقال الكسائي والفراء: التقدير: ولا تقولن لشيء اني فاعل ذلك غداً إلا أن تقول ان شاء الله فأضمر القول. وانما كان الاستثناء مؤثراً اذا كان الكلام متصلا لانه يدل على انه يؤل كلامه، وإذا لم يكن متصلاً فقد استقرت نيته وثبتت فلا يؤثر الاستثناء فيها. وروي عن ابن عباس انه قال: {رابعهم كلبهم} يعني راعياً يتبعهم، حكاه قطرب. وقال اخبر عن الكلب وأراد صاحبه، كقوله {واسأل القرية}. وانما اراد اهلها. [وهذا لا يصح مع ظاهر قوله {وكلبهم باسط ذارعيه}] وقال الجبائي: لما اجتازوا على الراعي، فقال لهم اين تريدون قالوا: نفر بديننا، فقال الراعي: انا أولى بذلك، فتبعهم وتبعه الكلب. وفي اصحاب الحديث من يقول: ان الكلب خاطبهم بالتوحيد والاعتراف بما اعترفوا به، ولذلك تبعهم. وهذا خرق عادة يجوز أن يكون الله فعله لطفاً لهم، ومعجزة لبعضهم على ما حكي ان بعضهم كان نبياً، وهو رئيسهم، فيكون ذلك معجزة له، غير انه ليس بمقطوع به. وقوله {عسى أن يهديني ربي لأقرب من هذا رشداً} معناه قل يا محمد عسى ان يعطيني ربي من الآيات على النبوة ما يكون اقرب وأدل من قصة اصحاب الكهف.
الجنابذي
تفسير : {سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ} اى سيقول الحاضرون فى زمانك من اهل الكتاب ومن قريشٍ ومن امّتك {وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ} كأنّهم سلّموا انّ عددهم كان فرداً ولذلك ردّدوا بين الثّلاثة والخمسة والسّبعة {رَجْماً بِٱلْغَيْبِ} رمياً من افواههم بالخبر الغائب عنهم، وتعقيب القولين بذلك دليل تزييفهما {وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ} ادخال الواو ههنا دون سابقيه لاعتيادهم ذلك عند تعداد مراتب العدد فانّهم يقولون خمسة ستّة سبعة وثمانية وذلك لانّ السّبعة عدد كامل عندهم كما هو كذلك عند اهل الشّرع فقبل البلوغ الى السّبعة كان المراتب الآتية من متمّمات السّابقة وتخلّل الواو كأنّه تخلّل بين اجزاء شيءٍ واحد ولذلك يسمّى هذه الواو عندهم واو الثّمانية، فما قيل: انّ دخول الواو ههنا لتأكيد اللّصوق، ليس فى محلّه لانّه للاشعار بالتّفارق لا بالتّقارب {قُل رَّبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِم مَّا يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ قَلِيلٌ} وفى الاخبار ما يشعر بكونهم سبعة وثامنهم كلبهم {فَلاَ تُمَارِ فِيهِمْ} فلا تجادل فى خبرهم وعددهم قريشاً واهل الكتاب {إِلاَّ مِرَآءً ظَاهِراً} لا واقعاً فانّهم لا علم لهم ولا يقولون الاّ عن جهل والقائل عن جهل لا خطاب معه، وهذا يدلّ على انّ الجدال كما يحرم عمّن لا علم له يحرم مع من لا علم له {وَلاَ تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِّنْهُمْ أَحَداً} واقتصر على ما اوحينا اليك لانّهم لا يقولون ما يقولون من علمٍ وبصيرة، وهذا يدلّ على انّ الاستفتاء عمّن لا علم له حرام سواء قال عن تقليد او عن ظنٍّ وتخمينٍ.
الأعقم
تفسير : {سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم} روي أن السيد والعاقب وأصحابهما من أهل نجران كانوا عند رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فجرى ذكر أهل الكهف فقال السيد وكان يعقوبياً: كانوا ثلاثة رابعهم كلبهم، وقال العاقب وكان نسطورياً: كانوا خمسة وسادسهم كلبهم، وقال المسلمون: كانوا سبعة وثامنهم كلبهم فحقق الله قول المسلمين، وإنما عرفوا ذلك بأخبار رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) على لسان جبريل (عليه السلام): "هم سبعة أسماؤهم: يمليخا ومسكلسا ومشليثا هؤلاء يمين الملك، وكان عن يساره: مرنوش ودرنوش وشادنوش، وكان يستشير هؤلاء الستة في أمره، والسابع الراعي هربوا من ملكهم دقيانوس" والخطاب في قوله: {سيقولون ثلاثة} لمن خاض في قصتهم في زمن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من أهل الكتاب والمؤمنين {قل ربي أعلم بعدتهم ما يعلمهم إلا قليل} من الناس، وعن ابن عباس أنه قال: أما من القليل الذين يعرفونهم سبعة وثامنهم كلبهم، وقيل: ذلك القليل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، قوله تعالى: {فلا تمار فيهم} أي لا تجادل في شأنهم وعددهم، يعني لا تجادل في شأن أصحاب الكهف {إلاَّ مراء ظاهراً} يعني إلاّ جدالاً ظاهراً وهو أن تقص عليهم ما أوحى الله اليك فحسب {ولا تستفت} ولا تسأل {منهم أحداً} في قصتهم قيل: خطاب للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ونهي لأمّته، قيل: خطاب لأمته كأنه كان عارفاً والعانت يرجع إلى غيره، فالمراد المؤمنون حتى لا يرجعوا إلى أهل الكتاب، ومتى قيل: لم نهى عن الاستفتاء منهم؟ قلنا: إن كان الى النبي فلأنه عارفاً ولا يقتضي الشك في ثبوته وإن كان الخطاب لأمته فإنه لا يحتاج اليه في الدين ولأن الرجوع اليهم إظهار تعظيم لهم {ولا تقولنّ لِشَيءٍ إني فاعل ذلك غداً} {إلا أن يشاء الله}، قيل: هذا شرع متبدا للجميع حتى يصلوا كلامهم بالاستثناء لئلا يلزمهم كذب وحنث وهذا هو الوجه، وقيل: هو خطاب للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ولأمته وهو الوجه وقيل: سألوا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عن المسائل الثلاث قصة أصحاب الكهف وذي القرنين والروح فوعد أن يجيبهم ولم يستثني فانقطع الوحي عنه أياماً تأديباً له عن جماعة من المفسرين، وأنكر ذلك جماعة {واذكر ربك إذا نسيت} الاستثناء وقل: إن شاء الله {وقل عسى أن يهدينِ ربي لأقرب من هذا رشداً}، قيل: إذا نسيت أمراً فلم تذكره، فـ {قل عسى أن يهدينِ ربي} وهو الانقطاع اليه.
الهواري
تفسير : قال الله: { سَيَقُولُونَ} أي: سيقول أهل الكتاب { ثَلاَثَةٌ رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْماً بِالْغَيْبِ} أي: قذفاً بالغيب { وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُل رَّبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِم مَّا يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ قَلِيلٌ} أي: إلا قليل من الناس. ذكروا أن ابن عباس كان يقول: أنا من أولئك القليل الذين استثنى الله؛ كانوا سبعة وثامنهم كلبهم. قال: { فَلاَ تُمَارِ فِيهِمْ إِلاَّ مِرَاءً ظَاهِراً} يقول الله للنبي عليه السلام: لا تمار، أي: لا تجادل أهل الكتاب في أصحاب الكهف إلا مراءً ظاهراً أي: إلا بما أخبرتك. وحسبك ما قصصت عليك من أمرهم. { وَلاَ تَسْتَفْتِ فِيهِم} أي: في أصحاب الكهف { مِنْهُمْ أَحَداً} أي: من أهل اليهود. يقول: لا تسأل عنهم من اليهود أحداً، وهم الذين سألوه عنهم ليعنتوه بذلك.
اطفيش
تفسير : {سَيَقُولُونَ} الضمير لغير المتنازعون المذكورين فى الآية قيل: بل لأهل الكتاب والمؤمنين المتنازعين فى عدد الفتية أصحاب الكهف فى زمان النبى صلى الله عليه وسلم أخبر الله سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بأنه سيقول كل منهم كذا وكذا وقدر الله عز وجل إن اجتمعوا فقال كل منهم مقالته بعد ما أخبر الله بقوله سيقولون أى سيقول بعضهم {ثَلاَثَةٌ} أى الفتية ثلاثة رجال {رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ} قيل: هو قول اليهود والجملة نعت ثلاثة. {وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ} أى خمسة رجال {سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ} قيل: هو قول النصارى والجملة نعت خمسة قرئ يقولون الأول بالسين دون الثانى والثالث اكتفاء بانسحاب معنى السين عليهما إذ عطفا على الأول المسلط عليه معنى السين كما تقول قد أُكُرِمَ زيد ونصر وتسلط معنى قد من تحقيق أو توقع على الثانى كالأول لعطفه عليه وكما تقول مررت بزيد وبكر وينسحب معنى الإلصاق المستفاد بالباء على بكر لعطفه على ما دخلت عليه الباء. هذا هو الواضح عندى وأما أن يقال: إن المراد بالثانى والثالث الاستقبال فصحيح فى نفس الأمر لكن يبقى استقبالها غير مؤكد بالسين وغير مدلول على اتساعه بالسين. {رَجْماً} أى ظنا. {بِالْغَيْبِ} أى فى الغيب ووضع الرجم موضع الظن كثيراً والمعنى: رمياً بالخبر بالخفى عنهم وهو مفعول مطلق عائد إلى القولين أى يرجمون رجماً بالغيب أو مفعول لأجله أى يقول أصحاب القولين ذلك للرجم بالغيب. ويجوز تنازع القولين فيه ويجوز إعطاؤه لأحدهما وتقدير مثله للآخر ويجوز أيضا أن يكون مفعولا مطلقاً لأحد القولين على التنازع أو على إعطائه لأحدهما وتقدير مثله للآخر على حد قعدت جلوساً. {وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ} أى هم سبعة رجال. {وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ} هو قول المسلمين بإخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم عن جبريل عليه الصلاة والسلام فهو الحق كما يومئ إليه إبطال الأولين بقوله: رجماً بالغيب إبطال مبادرة ويومئ إليه إثبات العلم بهم لطائفة قليلة مع أن عدم إيراد قول رابع فى مثل هذا المحل دليل على عدمه مع أن عدمه الأصل فتبقى ثلاثة نص على أولها وثانيها بالرجم بالغيب المتبادر منه البطلان فيصرف علم القليل بهم إلى أصحاب القول الثالث ولو كان الثالث كالأولين لأتبعه بالرجم أو أخر لفظ الرجم عنه. ويدل على على صحة الثالث أيضاً الإتيان بالواو تأكيداً للصوق النعت وهو ثامنهم كلبم بالمنعوت وهو سبعة لصوقا معنويا فالجملة نعت فكأنه قيل: ويقولون قولا عن ثبات واطمئنان نفس: سبعة وثامنهم كلبهم قال ابن عباس: حين وقعت الواو انقطعت العدة أى لم تبق لأحد عدة يلتفت إليها. وروى أن أسيدا والعاقب وأصحابهما من نصارى نجران كانوا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فجرى ذكر أصحاب الكهف فقال أسيد وكان يعقوبيا: ثلاثة رابعهم كلبهم. وقال العاقب وكان نسطوريا: خمسة سادسهم كلبهم وقال المسلمون: سبعة وثامنهم كلبهم وهذا الاجتماع والاختلاف بعد نزول الآية. وقيل: إن الأقوال الثلاثة لأهل الكتاب والمصيب القول الثالث وأصحابه هم القليل فى قوله: ما يعلمهم إلا قليل على هذا القول. وقيل: الواو عاطفة جملة على أخرى أى هم سبعة وثامنهم كلبهم. وقيل: العطف من كلام الله تعالى. والمعنى: نعم هم سبعة وثامنهم كلبهم فسبعة من كلامهم أى هم سبعة والجملة معطوف عليها. وقوله: وثامنهم كلبهم من كلام الله جملة معطوفة وأن هذا تصديق للقول الثالث ويؤيده ما مر آنفا عن ابن عباس. وإن قلت: إذا كان الصادق هو القول الثالث أو كان قوله: وثامنهم كلبهم تصديقا له من الله تعالى فما وجه مجئ قوله: {قُلْ رَبِّي} وسكن الياء غير نافع وابن كثير وأبى عمرو. {أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إلاّ قَلِيلٌ}. قلت: وجه مجئ قوله: قل ربى أعلم بعدتهم توكيد صحة التصديق بإثبات علم المصدق. ووجه مجئ قوله: ما يعلمهم إلا قليل الإشعار بأن القائلين تلك المقالة الصادقة قليل أو أن الذى قالها منهم عن يقين قليل أو لما كان التصديق فى الآية خفيا لا يستخرجه إلا مثل ابن عباس قيل ذلك ولهذا كان يقول: أنا من ذلك القليل هم سبعة وثامنهم كلبهم ويذكرهم بأسمائهم التى ذكرتهم بها أولا وذكر أن السبع راعيهم وأنه يسمى كسططيور وأن كلبهم أنهر يسمى قطميرا. وقيل: اسم راعيهم كفشططيوش. وقيل: الواو للحال ويقدر المبتدأ اسم إشارة أى هؤلاء سبعة ليكون فى الكلام ما يعمل فى الحال ويرده أن حذف عامل الحال إذا كان معنويا وهو ما فيه معنى الفعل لا حروفه ممتنع وإن قال: نقدر: هؤلاء سبعة معدودون أو اعتبر ما فى قوله سبعة معنى معدودون فالعامل ليس يتعين أن يكون اسم إشارة بل يجوز أن يكون معنى معدودون المضمن فى سبعة أو لفظ معدودون المقدر فلا حاجة إلى التخصيص بالإشارة. وقيل: الواو واو الثمانية ذكرها جماعة منهم: الحريرى وأبو البقاء والقاضى الفاضل عبد الرحيم بن على وابن خالويه والثعلبى وزعموا أن العرب إذا عدوا قالوا: ستة وسبعة وثمانية إيذانا بأن السبعة عدد تام وأن ما بعده عدد مستأنف وذلك لغة ذكر بعض ذلك ابن هشام. وذكر الدمامينى وجه كون السبعة تمام العدد أنه إما فرد أو مرتب من فردين وهو الزوج أو من زود وفرد أو من زوجين فالثلاثة الأولى فى الثلاثة فإِن فى ضمنها الواحد والاثنين والأخير فى الأربعة ومجموع الثلاثة والأربعة سبعة فتمت بها الأصول فالثمانية زوج وزوج وزوج وقد مضى وهكذا والتسعة زوج وفرد ويبحث فيه بأن مثل هذا لا تبنى عليه اللغة. وقيل: إن أكثر الأشياء سبعة كالسماوات والأرض والأيام وأشواط الطواف والسعى ورمى الجمار وأبواب النار ويبحث فيه بأن الأكثرية غير مسلمة وأن مثل هذا ضعيف فى مباحث اللغة. {فَلاَ تُمَارِ} أى تجادل وأصله الإيقاع فى مرية أى شك فيما يظهر لى ويحتمل البقاء على هذا الأصل فى حديث: من تعلم علما ليمارى بها السفهاء. {فِيهِمْ} فى الفتية أصحاب الكهف أى فى شأنهم {إلاّ مِرَاءً} جدالا. {ظَاهِراً} يظهر لك بما أوحى إليك فيه غير متعمق فيه بالدخول فى دقائقه وأبحاثه أو معنى ظاهر أنه خفى مائل عن طريق الدعاء إلى الحق بالسياسة فكأنه قيل: إلا مراءً معروفا وهو المراد بما أوحى إليك من غير تغليظ وتجهيل لهم. {وَلاَ تَسْتَفْتِ} لا تطلب الفتوى. {فِيهِمْ} فى الفتية أى فى شأنهم {مِنْهُمْ} من أهل الكتاب حال من قوله: {أَحَداً} استفتاء مسترشد لأنهم غير رشداء فيرشدوك ولأنهم جاهلون ولأنك على رشد فيما أوحينا إليك من شأنهم ولا استفتاء متعنت وإرادة فضيحتهم وإظهار جهلهم لأن التعنت مخل بمكارم الأخلاق ومخالف لما أمرت به من المداراة واستعمال الجميل.
اطفيش
تفسير : {سَيَقُولُونَ} الواو هنا وفى الموضعين بعد الناس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، أى سيقول بعضهم: كذا، ويقول بعضهم: كذا، وقيل اليهود الخائضين فيهم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقيل: الأولان لنصارى نجران، والثالث للمؤمنين، ونجران قرية للنصارى بين الشام واليمن والحجاز، كذا قيل، وفيه قصور لتباعد ما بين تلك المواضع، قيل سيقولون لك يا محمد، يخبرونك إِذا سألتهم وذلك أن نصارى نجران عرب وقيل الأول لليهود، والثانى للنصارى، والثالث للمؤمنين، وقيل الواوات لمن فى زمان بعثهم وبعده، لا فى زمانه صلى الله عليه وسلم، فالاستقبال بالسين لاعتبار ما قبل قولهم، أو السين للتأكيد. {ثَلاَثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ} أى أصحاب الكهف ثلاثة رجال معهم كلب لأحدهم، أو للراعى أو تملكوا كلبًا وصحبوه، وقدر بعض ثلاثة أشخاص، واختير لقوله: {رابعهم كلبهم} لأن الكلب غير رجل، بل شخص، ولا يلزم ذلك لجواز استصحاب غير الجنس كأنه قال: ثلاثة رجال يربعهم كلب، ولا سيما أنه لأجل صحبتهم المباركة، يعد كأحدهم ففيه إِغراء على صحبة الأخيار، ولا يضرنا أنه تخيل شعرى، لأن له داعى الإغراء ويقال لذلك الذى بعثهم الله فى زمانه نصرانى مؤمن، يقول: عيسى رسول الله لا إله ولا ابن إله لما جاء إليه تمليخا وتكلم معه وأخبره، قال هو ومن معه: إن آباءنا أخبرونا أن فتية فروا بدينهم من دقيانوس، فلعلهم هؤلاء فانطلقوا إليهم وتبعهم أهل المدينة مؤمنهم وكافرهم. ومن ذلك تدعى النصارى أن أصحاب الكهف منهم، فقال السيد من نصارى نجران على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم: ثلاثة رابعهم كلبهم، وهو يعقوبى ونسب هذا القول لليهود، ويقال: وفد نصارى نجران على النبى صلى الله عليه وسلم، فجرى ذكر أصحاب الكهف، فقال اليعقوبية من النصارى: ثلاثة رابعهم كلبهم، وقال النسطورية منهم: خمسة سادسهم كلبهم، وقال المؤمنون سبعة وثامنهم كلبهم، وكان أصحاب الكهف بعد عيسى، وقيل: قبله، وقيل: قبل موسى عليهما الصلاة والسلام، لأن علم اليهود بهم يوجب أن يذكروا فى التوراة لكفر اليهود بالإنجيل، فلا يذكرون ما فيه، وهو قول الحسن وأبى بكر وغيرهما، وصححه بعض والفسطورية هم القائلون: إن الله ثالث ثلاثة، واليعقوبية هم القائلون: إن الله هو المسيح بن مريم، والملكانية يقولون: عيسى عبد الله ورسوله. {وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ} هم خمسة رجال، أو خمسة أشخاص، والعطف على مدخول السين، فيكون حكمهما لينسحبا على يقولون كأنه قيل: وسيقولون، وكذا فى الثالث، ويجوز العطف فيهما على السين ومدخولها، فلا ينسحب حكمها عليهما فيستفاد الاستقبال من المضارع. {وَسَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ} هو قول النصارى أو العاقب منهم، وهو من النسطورية وجملة رابعهم كلبهم نعت لثلاثة، وسادسهم كلبهم نعت لخمسة، أو مستأنفتان. {رَجْمًا بِالغَيْبِ} تعليل لمحذوف، أى يقول أصحاب القولين ذكر رجماً بالغيب، أو راجمين بالغيب، أو ذوى رجم، أو يرجمون رجماً، فيجوز نصبه على المفعولية المطلقة، بيقولون. والكلام استعارة له من الرجم بالحجارة، والغيب الغائب من الأخبار، أو بمعنى المظنون، والباء للتعدية، شبه الغائب المظنون بحجر يرمى به، ولا يصيب. {وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ} مثل ما مرّ، وهو قول المؤمنين ظنًّا صح أو عن الوحى، بدليل أنه لم يقل رجمًا بالغيب، كما قاله فى الأولين، فإن قوله رجمًا بالغيب عائد إلى الأولين جميعاً كما رأيت، وعدم إيراد قول رابع فى مثل هذا المحل النزاعى دليل على عدمه. وعن ابن عباس رضى الله عنهما: الصحيح أنهم سبعة، لأن الله جل وعلا قال فى أول الآية: "أية : قال قائل"تفسير : [الكهف: 19] فهذا واحد، وقال فى جواب قول هذا القائل: "أية : قالوا لبثنا يوماً أو بعض يوم" تفسير : [الكهف: 19] وقالوا قول جمع أول وأقله ثلاثة، ثم قال: "أية : قالوا ربكم أعلم بما لبثتم" تفسير : [الكهف: 19] وهذا قول جمع آخر خاطب الجمع الأول فالمجيبون ستة، والسائل واحد، فذلك سبعة. {وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ} هذه الجملة معطوفة على هم سبعة، ولا بأس بتسميتها واو الثمانية على معنى أن العرب إذا وصلوا فى العد ثمانية عطفوا بالواو، أو جاءوا بجملة حالية مقرونة واو الحال مثلا، فإنه يصح أن تكون الجملة حالا من واو يقولون، ولها معنى وهو العطف أو الحالية، مثلا وإنما المحذور أن يقال هى واو الثمانية زائدة بلا معنى، والسبعة عقد تام كعقود الشعرة لاشتمالها على أكثر مراتب أصول الأعداد، ومبالغة العرب بسبعة وسبعين وبسبعمائة وسبعين ألفًا، وكثر ذلك. والثمانية كعقد مستأنف، فبينهما اتصال من وجه، وانفصال من وجه، فصح العطف، ولا يوجد ذلك بين الستة والسبعة، ولا حاجة إلى دعوى أنها زائدة فى أول جملة النعت، لتأكيد لصوق الصفة بالموصوف، والدلالة على أن اتصافه بها أمر ثابت. ولا نسلم أن قوله تعالى: "أية : ولها كتاب معلوم"تفسير : [الحجر: 4] نعت لقرية مقرون بالواو، بل حال والواو حالية، ولو سلمنا ذلك لقلنا لما كان الثمانية فى الصفة جئ بواو الثمانية على معنى تأكيد اللصوق، وجاءت ثامنة فى قوله تعالى: "أية : والناهون عن المنكر" تفسير : [التوبة: 112] "أية : وأبكاراً"تفسير : [التحريم: 5] و "أية : فتحت أبوابها"تفسير : [الزمر: 71] ونحن بعد العرب نعد الأصل عشرة. {قُلْ رَبِّى أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ قَلِيلٌ} من الناس قال ابن عباس: أنا من القليل أنهم سبعة، وأن أسماءهم، مكسلمينا، وتمليخا، ومرطوش، وينبوش، وسارينوش، ودونوارش، وكفيشططيوش. وقال علىّ: تمليخا، ومكسلمينا ومشلمينا، وهم أصحاب يمين الملك، ومرنوش، ودبرنوش، وشاديوش، وهم أصحاب يساره، وكان يستثيرهم، والسابع الراعى واسمه قيل: كفشططيوس، وقيل فليسنطيونس، وكلبهم قطمير، وقيل: حمران، وقيل: ريان، وقيل: إلا قليل من أهل الكتاب، والصحيح الأول لقول ابن عباس أنا منهم كما مر. ويُطفأ الحريق إن شاء الله بإلقاء ورقة مكتوب فيها أسماء أهل الكهف، وتعلم الأولاد، وإن كُتبت على دار لم تحرق، أو على متاع لم يُسرق، أو على مركب لم يغرق، وتنفع بإذن الله عز وجل للطلب والهرب، وبكاء الأطفال، والحمى المثلثة، وللصداع بالشد على العضد الأيمن بها، والمتابعة، ونماء العقل، وحفظ المال، ونجاة الآثمين من السلطان، والغنى، والحياة، وعسر الولادة، بشدة على الفخذ اليسرى، ولا حجة لذلك. {فَلاَ تُمَارِ} تجادل {فِيهِمْ} فى شأنهم من عدد ووصف ومحل ونحو ذلك {إِلاّ مِرَاءً ظَاهِرًا} بأن تقص عليهم ما فى القرآن من غير تجهيلهم. والرد عليهم، من غير تعمق فيه، وتقول لمن ذكر منهم عدداً من أين أخذته، وما فى القرآن كفى ردٌّ وحجة. {وَلاَ تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ} حال من قوله: {أَحَدًا} وهاء منهم عائد لأهل الكتاب لعلمه صلى الله عليه وسلم بمرجع الضمير. روى أنه سأل نصارى نجران عنهم، فنهاه الله، ولا يحل لمسلم أن يراجع أهل الكتاب فى شئ من العلم، إذ لا تؤمن حياتهم وجهلهم، وقال: سأل أهل مكة اليهود فقالوا: سلوه عن ذى القرنين، وأصحاب الكهف، والروح كما مر، فسألوه فقال: غداً أخبركم، ولم يقل إن شاء الله، فلبث الوحى خمسة عشر يومًا أو غيرها كأربعين وكثلاثة كما مر تأديباً له، فنزل قوله تعالى: {وَلاَ تَقُولَنَّ لِشَئٍ} لأجل شئ، أو فى شأن شئ {إِنِّى فَاعِلٌ ذَلِكَ} شيئا ما من الأشياء فحسب الأحوال {غدًا} أو بعد غد من المستقبل، وقيل: غداً عبارة عن مطلق المستقبل.
الالوسي
تفسير : {سَيَقُولُونَ} الضمير فيه وفي الفعلين بعد كما اختاره ابن عطية وبعض المحققين لليهود المعاصرين له صلى الله عليه وسلم الخائضين في قصة أصحاب الكهف، وأيد بذلك قول الحسن وغيره: إنهم كانوا قبل بعث موسى عليه السلام لدلالته أن لهم علماً في الجملة بأحوالهم وهو يستلزم أن يكون لهم ذكر في التوراة وفيه ما فيه. والظاهر أن هذا إخبار بما لم يكن واقعاً بعد كأنه قيل سيقولون إذا قصصت قصة أصحاب الكهف أو إذا سئلوا عن عدتهم هم {ثَلَـٰثَةً} أي ثلاثة أشخاص {رَّابِعُهُمْ} أي جاعلهم أربعة بانضمامه إليهم {كَلْبُهُمْ} فثلاثة خبر مبتدأ محذوف و {رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ} مبتدأ وخبر ولا عمل لاسم الفاعل لأنه ماض والجملة في موضع النعت لثلاثة والضميران لها لا للمبتدأ ومن ثم استغنى عنه بالحذف وإلا كان الظاهر أن يقال: هم ثلاثة وكلب لكن بما أريد اختصاصها بحكم بديع الشأن عدل إلى ما ذكر لينبه بالنعت الدال على التفضلة والتمييز على أن أولئك الفتية ليسوا مثل كل ثلاثة أصطحبوا، ومن ثم قرن الله تعالى في كتابه العزيز أخس الحيوانات ببركة صحبتهم مع زمرة المتبتلين إليه المعتكفين في جواره سبحانه وكذا يقال فيما بعد، وإلى هذا الإعراب ذهب أبو البقاء واختاره العلامة الطيبـي وهو الذي أشار إلى ما أشير إليه من النكتة ونظم في سلكها مع الآية حديث «حديث : ما ظنك باثنين الله تعالى ثالثهما» تفسير : فأوجب ذلك أن شنع بعض أجلة الأفاضل عليه حتى أوصله إلى الكفر ونسبه إليه، ولعمري لقد ظلمه وخفي عليه مراده فلم يفهمه. ولم يجوز ابن الحاجب كون الجملة في موضع النعت كما لم يجوز هو ولا غيره كأبـي البقاء جعلها حالاً وجعلها خبراً بعد خبر للمبتدأ المحذوف، وسيأتي إن شاء الله تعالى تمام الكلام في ذلك. / وتقدير تمييز العدد أشخاص أولى من تقديره رجال لأنه لا تصير الثلاثة الرجال أربعة بكلبهم لاختلاف الجنسين، وعدم اشتراط اتحاد الجنس في مثل ذلك يأباه الاستعمال الشائع مع كونه خلاف ما ذكره النحاة. والقول بأن الكلب بشرف صحبتهم ألحق بالعقلاء تخيل شعري. وقرأ ابن محيصن {ثَلـٰةً} بإدغام الثاء في التاء تقول أبعث تلك وحسن ذلك لقرب مخرجهما وكونهما مهموسين. {وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ} عطف على {سَيَقُولُونَ} والمضارع وإن كان مشتركاً بين الحال والاستقبال إلا أن المراد منه هنا الثاني بقرينة ما قبله فلذا اكتفى عن السين فيه وإذا عطفته على مدخول السين دخل معه في حكمها واختص بالاستقبال بواسطتها لكن قيل إن العطف على ذلك تكلف. وقرأ شبل بن عباد عن ابن كثير {خمسةٌ} بفتح الميم وهو كالسكون لغة فيها نظير الفتح والسكون في العشرة. وقرأ ابن محيصن بكسر الخاء والميم وبإدغام التاء في السين؛ وعنه أيضاً إدغام التنوين في السين بغير غنة {رَجْماً بِٱلْغَيْبِ} أي رمياً بالخبر الغائب الخفي عنهم الذي لا مطلع لهم عليه وإتياناً به أو ظناً بذلك، وعلى الأول: استعير الرجم وهو الرمي بالحجارة التي لا تصيب غرضاً ومرمى للمتكلم من غير علم وملاحظة بعد تشبيهه به. وفي «الكشف» أنه جعل الكلام الغائب عنهم علمه بمنزلة الرجام المرمي به لا يقصد به مخاطب معين ولو قصد لأخطأ لعدم بنائه على اليقين كما أن الرجام قلما يصيب المرجوم على السداد بخلاف السهم ونحوه ولهذا قالوا: قذفاً بالغيب ورجماً به ولم يقولوا رمياً به، وأما الرمي في السب ونحوه فالنظر إلى تأثيره في عرض المرمى تأثير السهم في الرمية انتهى. وعلى الثاني: شبه ذكر أمر من غير علم يقيني واطمئنان قلب بقذف الحجر الذي لا فائدة في قذفه ولا يصيب مرماه ثم استعير له ووضع الرجم موضع الظن حتى صار حقيقة عرفية فيه. وفي «الكشف» أيضاً أنه لما كثر استعمال قولهم: رجماً بالظن فهموا من المصدر معناه دون النظر إلى المتعلق فقالوا رجماً بالغيب أي ظناً به وعلى ذلك جاء قول زهير:شعر : وما الحرب إلا ما علمتم وذقتمو وما هو عنها بالحديث المرجم تفسير : حيث أراد المظنون. وانتصاب {رَجْماً} هنا على الوجهين إما على الحالية من الضمير في الفعلين أي راجمين أو على المصدرية منهما فإن الرجم والقول واحد. وفي «البحر» أنه ضمن القول معنى الرجم أو من محذوف مستأنف أو واقع موقع الحال من ضمير الفعلين معاً أي يرجمون رجماً. وجوز أبو حيان كونه منصوباً على أنه مفعول من أجله أي يقولون ذلك لرميهم بالغيب أو لظنهم بذلك أي الحال لهم على القول هو الرجم بالغيب وهو كما ترى. {وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ} المراد الاستقبال أيضاً، والكلام في عطفه كالكلام في عطف سابقه، والجملة الواقعة بعد العدد في موضع الصفة له كالجملتين السابقتين على ما نص عليه الزمخشري، ولم يجعل الواو مانعة عن ذلك بل ذكر أنها الواو التي تدخل على الجملة الواقعة صفة للنكرة كما تدخل على الواقعة حالاً عن المعرفة في قولك: جاءني رجل ومعه آخر ومررت بزيد وفي يده سيف ومنه قوله عز وجل: {أية : وَمَآ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلاَّ وَلَهَا كِتَـٰبٌ مَّعْلُومٌ} تفسير : [الحجر: 4] وفائدتها توكيد لصوق الصفة بالموصوف والدلالة على أن اتصافه بها أمر ثابت مستقر وهي التي أذنت هنا بأن قائلي ما ذكر قالوه عن ثبات علم وطمأنينة نفس ولم يرجموا بالظن كما رجم / غيرهم فهو الحق دون القولين الأولين، والدليل على ذلك أنه سبحانه وتعالى أتبعهما قوله تبارك اسمه {رَجْماً بِٱلْغَيْبِ} واتبع هذا قوله عز وجل. {قُل رَّبّى أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِم} أي أقوى وأقدم في العلم بها {مَّا يَعْلَمُهُمْ} أي ما يعلم عدتهم على ما ينساق إلى الذهن نظراً إلى المقام {إِلاَّ قَلِيلٌ} وعلى إيذان الواو بما ذكر يدل كلام ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، فقد روى أنه قال: حين وقعت الواو انقطعت العدة أي لم يبق بعدها عدة عاد يلتفت إليها، وثبت أنهم سبعة وثامنهم كلبهم على القطع والبتات. وقد نص عطاء على أن هذا القليل من أهل الكتاب، وقيل من البشر مطلقاً وهو الذي يقتضيه ما أخرجه الطبراني في «الأوسط» بسند صحيح عن ابن عباس أنه قال: أنا من أولئك القليل، وأخرجه عنه غير واحد من طرق شتى، وأخرج نحوه ابن أبـي حاتم عن ابن مسعود. وزعم بعضهم أن المراد إلا قليل من الملائكة عليهم السلام لا يرتضيه أحد من البشر، والمثبت في هذا الاستثناء هو العالمية وذلك لا يضر في كون الأعلمية له عز وجل. هذا وإلى كون الواو كما ذكر الزمخشري ذهب ابن المنير وقال بعد نقله: وهو الصواب لا كالقول بأنها واو الثمانية فإن ذلك أمر لا يستقر لمثبته قدم ورد ما ذكروه من ذلك، وسيأتي إن شاء الله تعالى في موضعه التنبيه عليه. وقال أبو البقاء: الجملة إذا وقعت صفة للنكرة جاز أن يدخلها الواو وهذا هو الصحيح في إدخال الواو في ثامنهم. واعترض على ذلك غير واحد فقال أبو حيان: ((كون الواو تدخل على الجملة الواقعة صفة دالة على لصوق الصفة بالموصوف وعلى ثبوت اتصاله بها شيء لا يعرفه النحويون بل قرروا أنه لا تعطف الصفة التي ليست بجملة على صفة أخرى إلا إذا اختلفت المعاني حتى يكون العطف دالاً على المغايرة، وأما إذا لم تختلف فلا يجوز العطف، هذا في الأسماء المفردة، وأما الجمل التي تقع صفة فهي أبعد من أن يجوز ذلك فيها. وقد ردوا على من ذهب إلى أن قول سيبويه: وأما ما جاء بالمعنى وليس باسم ولا فعل إلى أن وليس باسم الخ صفة لمعنى وأن الواو دخلت في الجملة بأن ذلك ليس من كلام العرب وليس من كلامهم مررت برجل ويأكل على تقدير الصفة، وأما قوله تعالى: {أية : إِلاَّ وَلَهَا كِتَـٰبٌ مَّعْلُومٌ} تفسير : [الحجر: 4] فالجملة فيه حالية ويكفي رداً لقول الزمخشري أنا لا نعلم أحداً من علماء النحو ذهب إليه)) اهـ. وقال صاحب «الفرائد»: دخول الواو بين الصفة والموصوف غير مستقيم لاتحاد الصفة والموصوف ذاتاً وحكماً وتأكيد اللصوق يقتضي الإثنينية مع أنا نقول: لا نسلم أن الواو تفيد التأكيد وشدة اللصوق غاية ما في الباب أنها تفيد الجمع والجمع ينبىء عن الإثنينية واجتماع الصفة والموصوف ينبىء عن الاتحاد بالنظر إلى الذات. وقد ذكر صاحب «المفتاح» أن قول من قال: إن الواو في قوله تعالى: {أية : وَلَهَا كِتَـٰبٌ مَّعْلُومٌ} تفسير : [الحجر: 4] داخلة بين الصفة والموصوف سهو منه وإنما هي واو الحال وذو الحال {أية : قَرْيَةٌ} تفسير : [الحجر: 4] وهي موصوفة أي وما أهلكنا قرية من القرى إلا ولها الخ، وأما جاءني رجل ومعه آخر ففيه وجهان، أحدهما أن يكون جملتين متعاطفتين وثانيهما أن يكون آخر معطوفاً على رجل أي جاءني رجل ورجل آخر معه، وعدل عن جاءني رجلان ليفهم أنهما جاءا مصاحبين، وأما الواو في مررت بزيد وفي يده سيف فإنما جاز دخولها بين الحال وذيها لكون الحال في حكم جملة بخلاف / الصفة بالنسبة إلى الموصوف فإن جاء زيد راكباً في حكم جاء وهو راكب بخلاف جاء زيد الراكب فافهمه. سلمنا أنها داخلة بين الصفة والموصوف لتأكيد اللصوق لكن الدلالة على أن اتصافه بها أمر ثابت مستقر غير مسلم وأين الدليل عليه؟ وكون الواو هي التي آذنت بأن القول المذكور عن ثبات علم وطمأنينة نفس في غاية البعد، والقول بأن الاتباع يدل على ذلك إن أريد منه أنه يدل على إيذان الواو بما ذكر فبطلانه ظاهر وإن أريد منه أنه يدل على صدق قائلي القول الأخير وعدم صدق قائلي القولين الأولين فمسلم أن إتباع القولين الأولين برجماً بالغيب يدل على عدم الصدق دلالة لا شبهة فيها لكن لا نسلم أن عدم اتباع القول الأخير به واتباعه بما اتبع يدل على ذلك وإن سلمنا فهو يدل دلالة ضعيفة، ولا نسلم أيضاً دلالة كلام ابن عباس على ما ذكر، والظاهر أنه علم أن القول الأخير صادق من الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم وأن مراده من قوله حين وقعت الواو انقطعت العدة أن الذي هو صدق ما وقعت الواو فيه وانقطعت العدة به، فالحق أن الواو واو عطف والجملة بعده معطوفة على الجملة قبله. وانتصر العلامة الطيبـي للزمخشري وأجاب عما اعترض به عليه فقال: اعلم أنه لا بد قبل الشروع في الجواب من تبيين المقصود تحريراً للبحث فالواو هنا ليست على الحقيقة ولا يعتبر في المجاز النقل الخصوصي بل المعتبر فيه اعتبار نوع العلاقة، وذكروا أن المجاز في عرف البلاغة أولى من الحقيقة وأبلغ وأن مدار علم البيان الذوق السليم الذي هو أنفع من ذوق التعليم ولا يتوقف على التوقيف وليس ذلك كعلم النحو، والمجاز لا يختص بالاسم والفعل بل قد يقع في الحروف. وقد نقل «شارح اللباب» عن سيبويه أن الواو في قولهم: بعت الشاة ودرهماً بمعنى الباء، وتحقيقه أن الواو للجمع والباء للإلصاق وهما من واد واحد فسلك به طريق الاستعارة وكم وكم، وإذا علم ذلك فليعلم أن معنى قوله: فائدتها توكيد لصوق الصفة بالموصوف أن للصفة نوع اتصال بالموصوف فإذا أريد توكيد اللصوق وسط بينهما الواو ليؤذن أن هذه الصفة غير منفكة عن الموصوف وإليه الإشارة فيما بعد من كلامه، وإن الحال في الحقيقة صفة لا فرق إلا بالاعتبار ألا ترى أن صفة النكرة إذا تقدمت عليها وهي بعينها تصير حالاً ولو لم يكونا متحدين لم يصح ذلك، ثم إن قولك: جاءني رجل ومعه آخر وقولك: مررت بزيد ومعه آخر لما كانا سواء في الصورة اللهم إلا في اعتبار المعرفة والنكرة كان حكمهما سواء في الواو وهو مراد الزمخشري من إيراد المثالين لا كما فهم بعضهم، وأما قول الفرايدي في تعليل امتناع دخول الواو بين الصفة والموصوف لاتحادهما ذاتاً وحكماً وهو مناف لما يقتضيه دخول الواو من المغايرة فمبني على أن الواو عاطفة لأنها هي التي تقتضي المغايرة كما قال السكاكي وقد بين وجه مجازه لمجرد الربط. وأما قوله في جاءني رجل ومعه آخر أنه جملتان فهو كما تراه، وأما قوله: إن جاء زيد راكباً في حكم جاء زيد وهو راكب فمن المعكوس فإن الأصل في الحال الإفراد كما يدل عليه كلام ابن الحاجب وغيره من الأعيان، وأما تسليمه الدخول لتأكيد اللصوق ومنه الدلالة على أن الاتصاف أمر ثابت مستقر فمن العجائب فكيف يسلم التأكيد ولا يسلم فائدته، ويدفع الاعتراضات الباقية أن ما استند إليه الزمخشري ليس من باب الأدلة اليقينية بل هي من باب الأمارات وتكفي في هذه المقامات، وقال ابن الحاجب: لا يجوز أن يكون {رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ} و{سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ} صفة لما قبل ولا حالاً لعدم العامل مع عدم الواو، ويجوز أن يكون كل منهما خبراً بعد خبر للمبتدأ / المحذوف والأَخبار إذا تعددت جاز في الثاني منها الاقتران بالواو وعدمه، وهذا إن سلم أن المعنى في الجمل واحد أما إذا قيل إن قوله تعالى: {وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ} استئناف منه سبحانه لا حكاية عنهم فيفهم أن القائلين سبعة أصابوا ولا يلزم أن يكون خبراً بعد خبر، ويقويه ذكر {رَجْماً بِٱلْغَيْبِ} قبل الثالثة فدل على أنها مخالفة لما قبلها في الرجم بالغيب فتكون صدقاً البتة إلا أن هذا الوجه يضعف من حيث إن الله تعالى قال: {مَّا يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ قَلِيلٌ} فلو جعل {وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ} تصديقاً منه تعالى لمن قال سبعة لوجب أن يكون العالم بذلك كثيراً فإن أخبار الله تعالى صدق فدل على أنه لم يصدق منهم أحد، وإذا كان كذلك وجب أن تكون الجملة كلها متساوية في المعنى، وقد تعذر أن تكون الأخيرة وصفاً فوجب أن يكون الجميع كذلك انتهى. ويفهم أن الواو هي المانعة من الوصفية والداء هو الداء فالدواء هو الدواء. وقوله: وإذا كان كذلك وجب الخ كلام بمراحل عن مقتضى البلاغة لأن في كل اختلاف فوائد والبليغ من ينظر إلى تلك الفوائد لا من يرده إلى التطويل والحشو في الكلام، وأيضاً لا بد من قول صادق من الأقوال الثلاثة لينطبق قوله تعالى: {مَّا يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ قَلِيلٌ} مع قوله سبحانه {رَجْماً بِٱلْغَيْبِ} لأنه قد اندفع به القولان الأولان فيكون الصادق هذا. وتعقيبه به أمارة على صدقه وذلك مفقود على ما ذهب إليه السائل، ومع هذا أين طلاوة الكلام وأين اللطف الذي تستلذه الأفهام. وما ذكره من لزوم كون العالم بذلك كثيراً على تقدير كون {وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ} استئنافاً منه تعالى لأن أخبار الله تعالى صدق لا يخلو عن بحث لأن المصدق حينئذ هم المسلمون وهم قليل بالنسبة إلى غيرهم، ولا اختصاص للقليل بما دون العشرة وإن أخرج ابن أبـي حاتم عن وهب بن منبه أنه قال: كل قليل في القرآن فهو دون العشرة فإن ذلك في حيز المنع ودون إثباته التعب الكثير، على أنه يمكن أن يقال: المراد قلة العالمين بذلك قبل تصديقه تعالى، ولا يبعد أن يكونوا قليلين في حد أنفسهم من المسلمين كانوا أو من أهل الكتاب أو منهما، نعم القول بالاستئناف مما لا ينبغي أن يلتفت إليه وإن ذهب إليه بعض المفسرين. هذا ووافق في الانتصار جماعة منهم سيد المحققين وسند المدققين فقال: الظاهر أن قوله تعالى: {وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ} صفة لسبعة كما يشهد به أخواه، وأيضاً ليس سبعة في حكم الموصوفة كما قيل في {قَرْيَةٍ} في قوله تعالى: {أية : وَمَآ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلاَّ وَلَهَا كِتَـٰبٌ مَّعْلُومٌ} تفسير : [الحجر: 4] حتى يصح الحمل على الحال اتفاقاً، ولا شك أن معنى الجمع يناسب معنى اللصوق وباب المجاز مفتوح فلتحمل هذه الواو عليه تأكيداً للصوق الصفة بالموصوف فتكون هذه أيضاً فرعاً للعاطفة كالتي بمعنى مع والحالية والاعتراضية. وأيد ذلك أيضاً بما روي عن ابن عباس وأورد على تعليل منعه للحالية بعدم كون النكرة في حكم الموصوفة أنه لا ينحصر مسوغ مجيء الحال من النكرة في كونها موصوفة أو في حكم الموصوفة كما في الآية التي ذكرها فقد ذكر في «المغني» أن من المسوغات اقتران الجملة الحالية بالواو فليحفظ. وقد وافق ابن مالك الرادين له فقال في «شرح التسهيل»: ما ذهب إليه صاحب «الكشاف» من توسط الواو بين الصفة والموصوف فاسد من خمسة أوجه، أحدها: أنه قاس في ذلك الصفة على الحال وبينهما فروق كثيرة لجواز تقدم الحال على صاحبها وجواز تخالفهما في الإعراب والتعريف والتنكير وجواز إغناء الواو عن الضمير في الجملة الحالية / وامتناع ذلك في الواقعة نعتاً فكما ثبت مخالفة الحال الصفة في هذه الأشياء ثبتت مخالفتها إياها بمقارنة الواو والجملة الحالية وامتناع ذلك في الجملة النعتية، الثاني: أن مذهبه في هذه المسألة لا يعرف بين البصريين والكوفيين فوجب أن لا يلتفت إليه، الثالث: أنه معلل بما لا يناسب وذلك أن الواو تدل على الجمع بين ما قبلها وما بعدها وذلك مستلزم لتغايرهما وهو ضد لما يراد من التوكيد فلا يصح أن يقال لعاطف مؤكد، الرابع: أن الواو فصلت الأول من الثاني ولولاها لتلاصقا فكيف يقال إنها أكدت لصوقها، الخامس: أن الواو لو صلحت لتأكيد لصوق الموصوف بالصفة لكان أولى المواضع بها موضعاً لا يصلح للحال بخلاف جملة تصلح في موضعها الحال اهـ، ويعلم ما فيه بالتأمل الصادق فيما تقدم. والعجب مما ذكره في الوجه الرابع فهو توهم يستغرب من الأطفال فضلاً عن فحول الرجال فتأمل ذاك والله تعالى يتولى هداك. وقال بعضهم: إن ضمائر الأفعال الثلاث للخائضين في قصة أصحاب الكهف في عهد النبـي صلى الله عليه وسلم من أهل الكتاب والمسلمين لا على وجه إسناد كل من الأفعال إلى كلهم بل إلى بعضهم فالقول الأول لليهود على ما أخرجه ابن أبـي حاتم عن السدي، وقيل لسيد من سادات نصارى العرب النجرانيين وكان يعقوبياً وكان قد وفد مع جماعة منهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فجرى ذكر أصحاب الكهف فذكر من عدتهم ما قصه الله تعالى شأنه، ولعل التعبير بضمير الجمع لموافقة من معه إياه في ذلك، والقول الثاني على ما روي عن السدي أيضاً النصارى ولم يقيدهم؛ وقيل العاقب ومن معه من نصارى نجران وكانوا وافدين أيضاً وكان نسطورياً والقول الثالث لبعض المسلمين، وكأنه عز اسمه لما حكى الأقوال قبل أن تقال على ذلك لقنهم الحق وأرشدهم إليه بعدم نظم ذلك القول في سلك الرجم بالغيب كما فعل بأخويه وتغيير سبكه بإقحام الواو وتعقيبه بما عقبه به على ما سمعت من كون ذلك إمارة على الحقية، والمراد بالقليل على هذا من وفقه الله تعالى للاسترشاد بهذه الأمارات كابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وقد مر غير بعيد أنه عد من ذلك وذكر ما ظاهره الاستشهاد بالواو. وقيل إنهم علموا تلك العدة من وحي غير ما ذكر بأن يكون قد أخبرهم صلى الله عليه وسلم بذلك عن إعلام الله تعالى إياه به. وتعقبه بأنه لو كان كذلك لما خفي على الحبر ولما احتاج إلى الاستشهاد ولكان المسلمون أسوة له في العلم بذلك. وأجيب بأنه لا مانع من وقوف الحبر على الخبر مع جماعة قليلة من المسلمين، ولا يلزم من إخباره صلى الله عليه وسلم بشيء وقوف جميع الصحابة عليه فكم من خبر تضمن حكماً شرعياً تفرد بروايته عنه عليه الصلاة والسلام واحد منهم رضي الله تعالى عنهم فما ظنك بما هو من باب القصص التي لم تتضمن ذلك، واستشهاده رضي الله تعالى عنه نصاً لا ينافي الوقوف بل قد يجامعه بناء على ما وقفت عليه آنفاً فهو ليس نصاً في عدم الوقوف. وقد أورد على القول بأن منشأ العلم التلقن من هذا الوحي لما تضمن من الأمارات أنه يلزم من ذلك كون الصحابة السامعين للآية أسوة لابن عباس في العلم نحو ما ذكره المتعقب بل لأنهم العرب الذين أرضعوا ثدي البلاغة في مهد الفصاحة وأشرقت على آفاق قلوبهم وصفحات أذهانهم من مطالع إيمانهم الاستوائية أنوار النبوة المفاضة من شمس الحضرة الأحدية وقلما تنزل آية ولا تلقى عصاها في رباع أسماعهم لوفور رغبتهم في / الاستماع ومزيد حرصه صلى الله عليه وسلم على إسماعهم، ومتى فهم الزمخشري وأضرابه من هذه الآية ما فهموا فلم لم يفهم أصحابه عليه الصلاة والسلام ذلك وهم هم أيخطر ببال من له أدنى عقل أن الأعجام شعروا وأكثر أولئك العرب لم يشعروا؟ أم كيف يتصور تجلي أسرار بلاغة القرآن لمن لا يعرف إعجازه إلا بعد المشقة وتحجب عمن يعرف ذلك بمجرد السليقة؟ ولا يكاد يدفع هذا الإيراد إلا بالتزام أن السامعين لهذه الآية قليلون لأنها نزلت في مكة وفي المسلمين هناك قلة مع عدم تيسر الاجتماع لهم برسول الله صلى الله عليه وسلم وكذا اجتماع بعضهم مع بعض نحو تيسر ذلك في المدينة أو بالتزام القول بأن الملتفتين إلى ما فيها من الشواهد كانوا قليلين وهذا كما ترى. وقيل إن الضمائر لنصارى نجران تناظروا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في عدد أصحاب الكهف فقالت الملكانية الجملة الأولى واليعقوبية الجملة لثانية والنسطورية الجملة الثالثة، ويروى هذا عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وهو أولى من القول السابق المحكى عن بعضهم. وقال الماوردي واستظهره أبو حيان: إن الضمائر للمتنازعين في حديثهم قبل ظهورهم عليهم فيكون قد أخبر سبحانه نبيه صلى الله عليه وسلم بما كان من اختلاف قومهم في عددهم، ولا يخفى أنه يبعد هذا القول من حكاية تلك الأقوال بصيغة الاستقبال مع تعقيبها بقوله تعالى: {قُل رَّبّى أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِم} وقد تقدم رواية أن القوم حين أتوا باب الكهف مع المبعوث لاشتراء الطعام قال: دعوني أدخل إلى أصحابـي قبلكم فدخل وعمي على القوم أثرهم، وفي رواية أنهم كلما أراد أن يدخل عليهم أحد منهم رعبوا فتركوا وبني عليهم مسجد، فلو قيل على هذا: إن الضمائر للمعثرين اختلفوا في عددهم لعدم تمكنهم من رؤيتهم والاجتماع معهم فقال كل طائفة منهم ما قالت، ولعل الطائفة الأخيرة استخبرت الفتى فأخبرها بتلك العدة فصدقته وأخذت كلامه بالقبول وتأيد بما عندهم من أخبار أسلافهم فقالت ذلك عن يقين ورجمت الطائفتان المتقدمتان لعدم ثبوت ما يفيد العلم عندهما ولعلهما كانتا كافرتين لم يبعد بعد ما نقل عن الماوردي فتدبر. ومن غريب ما قيل: إن الضمير في {يَقُولُونَ سَبْعَةٌ} لله عز وجل والجمع للتعظيم. وأسماؤهم على ما صح عن ابن عباس مكسلمينا ويمليخا ومرطولس وثبيونس ودردونس وكفاشيطيطوس ومنطنواسيس وهو الراعي والكلب اسمه قطمير، وروي عن علي كرم الله تعالى وجهه أن أسمائهم يمليخا ومكشلينيا ومثلينيا وهؤلاء أصحاب يمين الملك ومرنوش ودبرنوش وشاذنوش وهؤلاء أصحاب يساره وكان يستشير الستة والسابع الراعي، ولم يذكر في هذه الرواية اسمه، وذكر فيها أن اسم كلبهم قطمير، وفي صحة نسبة هذه الرواية لعلي كرم الله تعالى وجهه مقال، وذكر العلامة السيوطي في «حواشي البيضاوي» أن الطبراني روى ذلك عن ابن عباس في «معجمه الأوسط» بإسناد صحيح. والذي في «الدر المنثور» رواية الطبراني في «الأوسط» بإسناد صحيح ما قدمناه عن ابن عباس والله تعالى أعلم. وقد سموا في بعض الروايات بغير هذه الأسماء، وذكر الحافظ ابن حجر في «شرح البخاري» أن في النطق بأسمائهم اختلافاً كثيراً ولا يقع الوثوق من ضبطها. وفي «البحر» أن أسماء أصحاب الكهف أعجمية لا تنضبط بشكل ولا نقط والسند في معرفتها ضعيف، وذكروا لها خواصاً فقال النيسابوري عن ابن عباس: إن أسماء أصحاب الكهف تصلح للطلب والهرب وإطفاء الحريق تكتب في خرقة ويرمى بها في وسط النار ولبكاء الطفل تكتب وتوضع تحت رأسه في المهد وللحرث تكتب على القرطاس ويرفع على خشب منصوب في وسط الزرع / وللضربان وللحمى المثلثة والصداع والغنى والجاه والدخول على السلاطين تشد على الفخذ اليمنى ولعسر الولادة تشد على الفخذ الأيسر ولحفظ المال والركوب في البحر والنجاة من القتل انتهى، ولا يصح ذلك عن ابن عباس ولا عن غيره من السلف الصالح، ولعله شيء افتراه المتزيون بزي المشايخ لأخذ الدراهم من النساء وسخفة العقول، وأنا أعد هذا من خواص أسمائهم فإنه صحيح مجرب. وقرىء {وثامنهم كالبهم} أي صاحب كلبهم. واستدل بعضهم بهذه القراءة على أنهم ثمانية رجال وأول القراءة المتواترة بأنها على حذف مضاف أي وصاحب كلبهم وهو كما ترى. {فَلاَ تُمَارِ} الفاء لتفريع النهي على ماقبله، والمماراة على ما قال الراغب المحاجة فيما فيه مرية أي تردد، وأصل ذلك من مريت الناقة إذا مسحت ضرعها للحلب، وفسرها غير واحد بالمجادلة وهي المحاجة مطلقاً أي إذا قد وقفت على أن في الخائضين مخطئاً ومصيباً فلا تجادلهم {فِيهِمْ} أي في شأن الفتية {إِلاَّ مِرَآء ظَـٰهِرًا} غير متعمق فيه وذلك بالاقتصار على ما تعرض له الوحي المبين من غير تجهيل لجميعهم فإن فيهم مصيباً وإن قل ولا تفضيح وتعنيف للجاهل منهم فإن ذلك مما يخل بمكارم الأخلاق التي بعثت لإتمامها. وقال ابن زيد: المراء الظاهر القول لهم ليس كما تعلمون. وحكى الماوردي أن المراء الظاهر ما كان بحجة ظاهرة، وقال ابن الأنباري: هو جدال العالم المتيقن بحقيقة الخبر، وقال ابن بحر: هو ما يشهده الناس، وقال التبريزي: المراد من الظاهر الذاهب بحجة الخصم يقال ظهر إذا ذهب، وأنشد:شعر : وتلك شكاة ظاهر عنك عارها تفسير : أي ذاهب {وَلاَ تَسْتَفْتِ} ولا تطلب الفتيا {فِيهِمْ} في شأنهم {مِنْهُمْ} من الخائضين {أَحَدًا} فإن فيما أفتيناك غني عن الاستفتاء فيحمل على التفتي المنافي لمكارم الأخلاق إذ الحال لا تقتضي تطيب الخواطر أو نحو ذلك، وقيل: المعنى لا ترجع إليهم في شأن الفتية ولاتصدق القول الثالث من حيث صدوره منهم بل من حيث التلقي من الوحي، وقيل: المعنى إذ قد عرفت جهل أصحاب القولين فلا تجادلهم في شأنهم إلا جدالاً ظاهراً قدر ما تعرض له الوحي من وصفهم بالرجم بالغيب ولا تستفت فيهم من أولئك الطائفتين أحداً لاستغنائك بما أوتيت مع أنهم لا علم لهم بذلك وهو خلاف الظاهر كما لا يخفى.
ابن عاشور
تفسير : {سَيَقُولُونَ ثَلَـٰثَةٌ رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْماً بِٱلْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُل رَّبِّىۤ أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِم مَّا يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ قَلِيلٌ}. لما شاعت قصة أهل الكهف حين نزل بها القرآن صارت حديث النوادي، فكانت مثار تخرصات في معرفة عددهم، وحصر مدة مكثهم في كهفهم، وربما أملى عليهم المتنصرة من العرب في ذلك قصصاً، وقد نبههم القرآن إلى ذلك وأبهم على عموم الناس الإعلام بذلك لحكمة، وهي أن تتعود الأمة بترك الاشتغال فيما ليست منه فائدة للدين أو للناس، ودل عَلَم الاستقبال على أن الناس لا يزالون يخوضون في ذلك. وضمير «يقولون» عائد إلى غير مذكور لأنه معلوم من المقام، أي يقول الناس أو المسلمون، إذ ليس في هذا القول حرج ولكنهم نُبّهوا إلى أن جميعه لا حجة لهم فيه. ومعنى سين الاستقبال سارٍ إلى الفعلين المعطوفين على الفعل المقترن بالسين، وليس في الانتهاء إلى عدد الثمانية إيماء إلى أنه العدة في نفس الأمر. وقد أعلم الله أن قليلاً من الخلق يعلمون عدتهم وهم من أطلعهم الله على ذلك. وفي مقدمتهم محمد صلى الله عليه وسلم لأن قصتهم جاءت على لسانه فلا شك أن الله أطلعه على عدتهم. وروي أن ابن عباس قال: أنا من القليل. وكأن أقوال الناس تمالأت على أن عدتهم فردية تيمناً بعدد المفرد، وإلا فلا دليل على ذلك دون غيره، وقد سمى الله قولهم ذلك رجماً بالغيب. والرجم حقيقته: الرمي بحجر ونحوه. واستعير هنا لرمي الكلام من غير روية ولا تثبت، قال زهير:شعر : وما هو عنها بالحديث المرجم تفسير : والباء في {بالغيب} للتعدية، كأنهم لما تكلموا عن أمر غائب كانوا يرجمون به. وكل من جملة {رابعهم كلبهم} وجملة {سادسهم كلبهم} في موضع الصفة لاسم العدد الذي قبلها، أو موضع الخبر الثاني عن المبتدأ المحذوف. وجملة {وثامنهم كلبهم} الواو فيها واو الحال، وهي في موضع الحال من المبتدأ المحذوف، أو من اسم العدد الذي هو خبر المبتدأ، وهو وإن كان نكرة فإن وقوعه خبراً عن معرفةٍ أكسبه تعريفاً. على أن وقوع الحال جملة مقترنة بالواو قد عد من مسوغات مجيء الحال من النكرة. ولا وجه لجعل الواو فيه داخلة على جملة هي صفة للنكرة لقصد تأكيد لصوق الصفة بالموصوف كما ذهب إليه في «الكشاف» لأنه غير معروف في فصيح الكلام: وقد رده السكاكي في المفتاح وغير واحد. ومن غرائب فتن الابتكار في معاني القرآن قول من زعم: إن هذه الواو واو الثمانية، وهو منسوب في كتب العربية إلى بعض ضعَفة النحاة ولم يُعين مبتكره. وقد عد ابن هشام في «مغني اللبيب» من القائلين بذلك الحريري وبعض ضعفة النحاة كابن خالويه والثعلبي من المفسرين. قلت: أقدمُ هؤلاء هو ابن خالويه النحوي المتوفى سنة 370 فهو المقصود ببعض ضعفة النحاة. وأحسب وصفه بهذا الوصف أخذه ابن هشام من كلام ابن المنير في «الانتصاف على الكشاف» من سورة التحريم إذ روى عن ابن الحاجب: أن القاضي الفاضل كان يعتقد أن الواو في قوله تعالى: { أية : ثيبات وأبكارا } تفسير : في سورة التحريم (5) هي الواو التي سماها بعض ضعفة النحاة واو الثمانية. وكان القاضي يتبجح باستخراجها زائدة على المواضع الثلاثة المشهورة، أحدها: التي في الصفة الثامنة في قوله تعالى: { أية : والناهون عن المنكر } تفسير : في سورة براءة (112). والثانية: في قوله: {وثامنهم كلبهم}. والثالثة: في قوله: { أية : وفُتِّحَتْ أبوابها } تفسير : في الزمر (73). قال ابن الحاجب ولم يزل الفاضل يستحسن ذلك من نفسه إلى أن ذكَره يوماً بحَضرة أبي الجُود النحوي المُقْري؛ فبين له أنه واهم في عدها من ذلك القبيل وأحال البيان على المعنى الذي ذكره الزمخشري من دعاء الضرورة إلى الإتيان بالواو هنا لامتناع اجتماع الصفتين في موصوف واحد إلى آخره. وقال في المغني: سبق الثعلبي الفاضلَ إلى عدها من المواضع في تفسيره. وأقول: لعل الفاضل لم يطلع عليه. وزاد الثعلبي قوله تعالى: { أية : سبع ليال وثمانية أيام حسوما } تفسير : في سورة الحاقة (7) حيث قرن اسم عدد (ثمانية) بحرف الواو. ومن غريب الاتفاق أن كان لحقيقة الثمانية اعتلاقٌ بالمواضع الخمسة المذكورة من القرآن إما بلفظه كما هنا وآية الحاقة، وإما بالانتهاء إليه كما في آية براءة وآية التحريم، وإما بكون مسماه معدوداً بعدد الثمانية كما في آية الزمر. ولقد يعدُّ الانتباه إلى ذلك من اللطائف، ولا يبلغ أن يكون من المعارف. وإذا كانت كذلك ولم يكن لها ضابط مضبوط فليس من البعيد عد القاضي الفاضللِ منها آية سورة التحريم لأنها صادفت الثامنة في الذكر وإن لم تكن ثامنة في صفات الموصُوفين، وكذلك لعد الثعلبي آية سورة الحاقة؛ ومثل هذه اللطائف كالزهرةُ تُشم ولا تحك. وقد تقدم الكلام عليها عند قوله تعالى: { أية : والناهون عن المنكر } تفسير : في سورة براءة (112). وجملة {قل ربي أعلم بعدتهم} مستأنفة استئنافاً بيانياً لما تثيره جملة {سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم} إلى آخرها من ترقب تعيين ما يعتمد عليه من أمر عدتهم. فأجيب بأن يحال العلم بذلك على علام الغيوب. وإسناد اسم التفضيل إلى الله تعالى يفيد أن علم الله بعدتهم هو العلم الكامل وأن علم غيره مجرد ظن وحدس قد يصادف الواقع وقد لا يصادفه. وجملة {ما يعلمهم إلا قليل} كذلك مستأنفة استئنافاً بيانياً لأن الإخبار عن الله بأنه الأعلم يثير في نفوس السامعين أن يسألوا: هل يكون بعض الناس عالماً بعدتهم علماً غير كامل، فأجيب بأن قليلاً من الناس يعلمون ذلك ولا محالة هم من أطلعهم الله على ذلك بوحي وعلى كلّ حال فهم لا يوصفون بالأعلمية لأن علمهم مكتسب من جهة الله الأعلم بذلك. تفريع على الاختلاف في عدد أهل الكهف، أي إذا أراد بعض المشركين المماراة في عدة أهل الكهف لأخبار تلقوها من أهل الكتاب أو لأجل طلب تحقيق عدتهم فلا تمارهم إذ هو اشتغال بما ليس فيه جدوى. وهذا التفريع وما عطف عليه مُعترض في أثناء القصة. والتماري: تفاعل مشتق من المرية، وهي الشك. واشتقاق المفاعلة يدل على أنها إيقاع من الجانبين في الشك، فيؤول إلى معنى المجادلة في المعتقد لإبطاله وهو يفضي إلى الشك فيه، فأطلق المراء على المجادلة بطريق المجاز، ثم شاع فصار حقيقة لما ساوى الحقيقة. والمراد بالمراء فيهم: المراء في عدتهم كما هو مقتضى التفريع. والمراء الظاهر: هو الذي لا سبيل إلى إنكاره ولا يطول الخوض فيه. وذلك مثل قوله: {قل ربي أعلم بعدتهم} وقوله: {ما يعلمهم إلا قليل}، فإن هذا مما لا سبيل إلى إنكاره وإبايتهِ لوضوح حجّته وما وراء ذلك محتاج إلى الحجة فلا ينبغي الاشتغال به لقلة جدواه. والاستفتاء: طلب الفتوى، وهي الخبر عن أمر علمي مما لا يعلمه كل أحد. ومعنى {فيهم} أي في أمرهم، أي أمر أهل الكهف. والمراد من النهي عن استفتائهم الكناية عن جهلهم بأمر أهل الكهف، فضمير {منهم} عائد إلى ما عاد إليه ضمير {سيقولون ثلاثة}، وهم أهل مكة الذين سألوا عن أمر أهل الكهف. أو يكون كناية رمزية عن حصول علم النبي صلى الله عليه وسلم بحقيقة أمرهم بحيث هو غني عن استفتاء أحد، وأنه لا يُعلم المشركين بما علمه الله من شأن أهل الكهف، وتكون (من) تعليلية، والضمير المجرور بها عائداً إلى السائلين المتعنتين، أي لا تسأل علم ذلك من أجل حرص السائلين على أن تعلمهم بيقين أمر أهل الكهف فإنك علِمته ولم تؤمر بتعليمهم إياه، ولو لم يحمل النهي على هذا المعنى لم يتضح له وجه. وفي التقييد بــــ {منهم} مُحترز ولا يستقيم جعل ضمير {منهم} عائداً إلى أهل الكتاب، لأن هذه الآيات مكية باتفاق الرواة والمفسرين.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْماً بِٱلْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُل رَّبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِم مَّا يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ قَلِيلٌ}. أخبر جل وعلا في هذه الآية الكريمة عن اختلاف الناس في عدة أصحاب الكهف، فذكر ثلاثة أقوال. على أنه لا قائل برابع، وجاء في الآية الكريمة بقرينة تدل على أن القول الثالث هو الصحيح والأولان باطلان، لأنه لما ذكر القولين الأولين بقوله: {سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ} أتبع ذلك بقوله أَحَداً {رَجْماً بِٱلْغَيْبِ} أي قولاً بلا علم، كمن يرمي إلى مكان لا يعرفه فإنه لا يكاد يصيب، وإن أصاب بلا قصد، كقوله: {أية : وَيَقْذِفُونَ بِٱلْغَيْبِ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ}تفسير : [سبأ: 53] وقال القرطبي: الرجم القول بالظن، يقال لكل ما يخرص رجم فيه ومرجوم ومرجم كما قال زهير: شعر : وما الحرب إلا ما علمتم وذقتم وما هو عنها بالحديث المرجم تفسير : ثم حكى القول الثالث بقوله: {وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ} فأقره، ولم يذكر بعده أن ذلك رجم بالغيب، فدل على أنه صحيح. وقوله {مَّا يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ قَلِيلٌ} قال ابن عباس: أنا من ذلك القليل الذي يعلمهم، كانوا سبعة. وقوله: {قُل رَّبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِم} فيه تعليم للناس أن يردوا علم الأشياء إلى خالقها جل وعلا وإن علموا بها، كما أعلم نبيه صلى الله عليه وسلم بمدة لبثهم في قوله: {أية : وَلَبِثُواْ فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِئَةٍ سِنِينَ وَٱزْدَادُواْ تِسْعاً}تفسير : [الكهف: 25] ثم أمره مع ذلك برد العلم إليه جل وعلا في قوله جل وعلا: {أية : قُلِ ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُواْ لَهُ غَيْبُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ}تفسير : [الكهف: 26] الآية. وما قدمنا من أنه لا قائل برابع قاله ابن كثير أخذاً من ظاهر الآية الكريمة. مع أن ابن إسحاق وابن جريج قالا: كانوا ثمانية. والعلم عند الله تعالى.
الواحدي
تفسير : {سيقولون ثلاثة...} الآية. أخبر الله تعالى عن تنازعٍ يجري في عدَّة أصحاب الكهف، فجرى ذلك بالمدينة حين قدم وفد نصارى نجران، فجرى ذكر أصحاب الكهف، فقالت اليعقوبيَّة منهم: كانوا ثلاثةً رابعُهم كلبهم، وقالت النِّسطورية: كانوا خمسةً سادسهم كلبهم،وقال المسلمون: كانوا سبعةً وثامنهم كلبهم، فقال الله تعالى: {قل ربي أعلم بعدتهم ما يعلمهم إلاَّ قليل} من النَّاس. قال ابن عباس: أنا من ذلك القليل، ثمَّ ذكرهم بأسمائهم فذكر سبعة. {فلا تمار} فلا تجادل في أصحاب الكهف {إلاَّ مراءً ظاهراً} بما أنزل عليك، أَيْ: أَفتِ في قصَّتهم بالظَّاهر الذي أنزل إليك، وقل: لا يعلمهم إلاَّ قليل كما أنزل الله: {ما يعلمهم إلاَّ قليل} ، {ولا تستفت فيهم} في أصحاب الكهف {منهم} من أهل الكتاب {أحداً}. {ولا تقولنَّ لشيء إني فاعل ذلك غداً إلاَّ أن يشاء الله} هذا تأديبٌ من الله سبحانه لنبيِّه صلى الله عليه وسلم، وأمرٌ له بالاستثناء بمشيئة الله سبحانه فيما يعزم. يقول: إذا قلت لشيءٍ: إني فاعله غداً فقل: إن شاء الله. {واذكر ربك إذا نسيت} أراد: إذا نسيت الاستثناء بمشيئة الله سبحانه فاذكره وقله إذا تذكَّرت {وقل عسى أن يهديني ربي} أَيْ: يعطيني ربِّي من الآيات والدّلالات على النُّبوَّة ما يكون أقرب في الرُّشد، وأدلَّ من صحَّة قصَّة أصحاب الكهف، ثمَّ فعل الله به ذلك حيث أتاه علم غيوب المرسلين وخبرهم، ثمَّ أخبر عن قدر مدَّة لبثهم في الكهف بقوله: {ولبثوا في كهفهم} منذ دخلوه إلى أن بعثهم الله {ثلثمائةٍ سنين وازدادوا} بعدها تسع سنين.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: رجماً بالغيب: أي قذفاً بالظن غير يقين علم. ما يعلمهم إلا قليل: أي من الناس. فلا تمار فيهم: لا تجادل في عدتهم. ولا تستفت فيهم منهم أحداً: أي من أهل الكتاب، الاستفتاء: الاستفهام والسؤال. إلا أن يشاء الله: أي إلا أن تقول إن شاء الله. لأقرب من هذا رشداً: هداية وأظهر دلالة على نبوتي من قصة أصحاب الكهف. له غيب السماوات والأرض: أي علم غيب السماوات والأرض وهو ما غاب فيهما. أبصر به وأسمع: أي أبصر بالله وأسمع به صيغة تعجب! والأصل ما أبصره وما أسمعه. ما لهم من دونه من ولي: أي ليس لأهل السماوات والأرض من دون الله أي من ناصر. ولا يشرك في حكمه أحداً: لأنه غني عما سواه ولا شريك له. معنى الآيات: ما زال السياق في الحديث عن أصحاب الكهف يخبر تعالى بأن الخائضين في شأن أصحاب الكهف سيقول بعضهم بأنهم ثلاثة رابعهم كلبهم ويقول بعض آخر هم خمسة سادسهم كلبهم {رَجْماً بِٱلْغَيْبِ} أي قذفاً بالغيب من غير علم يقيني، ويقول بعضهم هم سبعة وثامنهم كلبهم، ثم أمر الله تعالى رسوله أن يقول لأصحابه تلك الأقوال: {رَّبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِم مَّا يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ قَلِيلٌ} أي ما يعلم عددهم إلا قليل من الناس قال ابن عباس أنا من ذلك القليل فعدتهم سبعة وثامنهم كلبهم ولعله فهم ذلك من سياق الآية إذ ذكر تعالى أن الفريقين الأول والثاني قالوا ما قالوه من باب الرجم بالغيب لا من باب العلم والمعرفة، وسكت عن الفريق الثالث، فدل ذلك على أنهم سبعة وثامنهم كلبهم والله أعلم. وقوله تعالى {فَلاَ تُمَارِ فِيهِمْ إِلاَّ مِرَآءً ظَاهِراً} أي ولا تجادل أهل الكتاب في شأن أصحاب الكهف إلا جدالاً بيناً ليناً بذكرك ما قصصنا عليك دون تكذيب لهم، ولا موافقة لهم. وقوله تعالى {وَلاَ تَسْتَفْتِ فِيهِمْ} أي في أصحاب الكهف {مِّنْهُمْ} أي من أهل الكتاب {أَحَداً} وذلك لأنهم يعلمون عدتهم وإنما يقولون بالخرص والتخمين لا بالعلم واليقين. وقوله تعالى: {وَلاَ تَقُولَنَّ لِشَاْىءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذٰلِكَ غَداً إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ} أي لا تقل يا محمد في شأن تريد فعله مستقبلاً أي سأفعل كذا إلا أن تقول إن شاء الله، وذلك أنه صلى الله عليه وسلم لما سأله وفد قريش بإيعاز من اليهود عن المسائل الثلاث: الروح، وأصحاب الكهف وذي القرنين، قال لسائليه: أجيبكم غداً انتظاراً للوحي ولم يقل إن شاء الله، فأدبه ربه تعالى بانقطاع الوحي عنه نصف شهر، وأنزل هذه السورة وفيها هذا التأديب له صلى الله عليه وقوله: {وَٱذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ} أي إذا نسيت الاستثناء الذي علمناك فاذكره ولو بعد حين لتخرج من الحرج. أما الكفارة فلازمة إلا أن يكون الاستثناء متصلاً بالكلام وقوله تعالى: {وَقُلْ عَسَىٰ أَن يَهْدِيَنِ رَبِّي لأَقْرَبَ مِنْ هَـٰذَا رَشَداً} أي وقل بعد النسيان والاستثناء المطلوب منك {عَسَىٰ أَن يَهْدِيَنِ رَبِّي لأَقْرَبَ مِنْ هَـٰذَا رَشَداً} أي لعل الله تعالى أن يهديني فيسددني لأَسَدَّ ما وعدتكم أن أخبركم به مما هو أظهر دلالة على نبوتي مما سألتموني عنه اختباراً لي. وقوله تعالى {وَلَبِثُواْ فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِاْئَةٍ سِنِينَ وَٱزْدَادُواْ تِسْعاً} يخبر تعالى أن الفتية لبثوا في كهفهم رقوداً من ساعة دخلوه إلى أن أعثر الله عليهم قومهم ثلاثمائة سنين بالحساب الشمسي وزيادة تسع سنين بالحساب القمري. وقوله: {قُلِ ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُواْ} رد به على من قال من أهل الكتاب إن الثلاثمائة والتسع سنين هي من ساعة دخولهم الكهف إلى عهد النبي صلى الله عليه وسلم فأبطل الله هذا بتقرير الثلثمائة والتسع أولاً وبقوله {ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُواْ} ثانياً وبقوله: {لَهُ غَيْبُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} أي ما غاب فيهما، ثالثاً، وبقوله: {أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ} أي ما أبصره بخلفه وما أسمعه لأقوالهم حيث لا يخفى عليه شيء من أمورهم وأحوالهم خامساً، وقوله {مَا لَهُم} أي لأهل السماوات والأرض من دونه تعالى {مِن وَلِيٍّ} أيْ ولا ناصر {وَلاَ يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً} لغناه عما سواه ولعدم وجود شريك له بحال من الأحوال. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- بيان اختلاف أهل الكتاب وعدم ضبطهم للأحداث التاريخية. 2- بيان عدد فتية أصحاب الكهف وأنهم سبعة وثامنهم كلبهم. 3- من الأدب مع الله تعالى أن لا يقول العبد سأفعل كذا مستقبلاً إلا قال بعدها إن شاء الله. 4- من الأدب من نسي الاستثناء أن يستثني ولو بعد حين فإن حلف لا ينفعه الاستثناء إلا إذا كان متصلاً بكلامه. 5- تقرير المدة التي لبثها الفتية في كهفهم وهي ثلاث مائة وتسع سنين بالحساب القمري.
د. أسعد حومد
تفسير : {ثَلاثَةٌ} {ظَاهِراً} (22) - يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى: أَنَّ النَّاسَ اخْتَلَفُوا فِي عَدَدِ هؤلاءِ الفِتْيَةِ، فَقَالَ قَوْمٌ: إِنَّهُمْ ثَلاَثَةٌ، وَكَلْبُهُمْ رَابِعُهُمْ. وَقَالَ آخَرُوْنَ: إِنَّهُمْ خَمْسَةٌ وَكَلْبُهُمْ سَادِسُهُمْ. وَضَعَّفَ اللهُ تَعَالَى كِلاَ القَوْلَيْنِ وَعَدَّهُما مِنْ قَبِيلِ الرَّجْمِ بِالغَيْبِ، وَالقَوْلِ بِلا عِلْمٍ. وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ إِنَّهُمْ سَبْعَةٌ وَكَلْبُهُمْ ثَامِنُهُمْ، وَلَم يُضَعِّفِ اللهُ هذَا القَوْلَ، وَلَمْ يَقُلْ عَنْهُ إِنَّهُ رَجْمٌ بِالغَيْبِ، فَدَلَّ عَلَى صِحَّتِهِ، وَإِنَّهُ هُوَ الحَقِيقَةُ - كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ-. ثُمَّ قَالَ اللهُ تَعَالَى لِرَسُولِهِ الكَرِيمِ: إِنَّهُ مِنَ الأَفْضَلِ فِي مِثْلِ هذا المَقَامِ رَدُّ العِلْمِ إِلى اللهِ، إِذْ لاَ ضَرُورَةَ لِلْخَوْضِ فِي مِثْلِ هَذِهِ الأُمُورِ بِلاَ عِلْمٍ. فَلاَ يَعْلَمُ عَدَدَهُمْ فِي الحَقِيقَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ مِنَ النَّاسِ. وَيُنَبِّهُ اللهُ تَعَالَى النَّاسَ، مِنْ خِلاَلِ خِطَابِهِ لِلرَّسُولِ، أَنْ لاَ يَخُوضُوا، وَلاَ يُجَادِلُوا فِي ذَلِكَ الأَمْرِ إِلاَّ خَوْضاً سَهْلاً هَيِّناً، لأَِنَّ مَعْرفَةَ ذلِكَ لاَ تَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا فَائِدَةٌ كَبِيرَةٌ، وَأَنْ لاَ يَسْأَلُوا أَحَداً مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ مِمَّنْ يَدَّعُونَ العِلْمَ فِي أَمْرِ أَهْلِ الكَهْفِ فَإِنَّهُمْ لاَ عِلْمَ لَهُمْ بِشَيءٍ، وَإِنَّ مَا يَقُولُونَهُ إِنَّمَا هُوَ رَجْمٌ بِالغَيْبِ، وَقَوْلٌ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ لاَ مُسْتَنَدَ لَهُمْ فِيهِ، وَقَدْ جَاءَكُمُ الحَقُّ مِنْ عِنْدِ اللهِ فِي أَمْرِ هؤُلاءِ الفِتْيَةِ، وَهُوَ قَوْلٌ لاَ مِرْيَةَ فِيهِ وَلاَ شَكَّ، وَالمُهِمُّ فِي المَوْضُوعِ لَيْسَ مَعْرِفَةَ العَدَدِ، وَلكِن الاعْتِبَارَ بِالقِصَّةِ. رَجْماً بِالغَيْبِ - قَذْفاً بِالظَّنِّ مِنْ غَيْرِ يَقِينٍ. فَلاَ تُمَارِ فِيهِمْ - فَلاَ تُجَادِلْ فِي عدِّتِهِمْ وَشَأْنِهِمْ. إِلاَّ مِرَاءً ظَاهِراً - تِلاَوَةَ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ فِي أَمْرِهِمْ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : لقد اختلف القوم في عدد أهل الكهف، منهم مَنْ قال: ثلاثة رابعهم كلبهم. ومنهم مَنْ قال: خمسة سادسهم كلبهم، وعلَّق الحق سبحانه على هذا القول بأنه {رَجْماً بِٱلْغَيْبِ}؛ لأنه قَوْل بلا عِلْم، مما يدلُّنا على خطئه ومخالفته للواقع. ومنهم مَنْ قال: سبعة وثامنهم كلبهم، ولم يُعلِّق القرآن على هذا الرأي مما يدُّل على أنه الأقرب للصواب. ثم يأتي القول الفَصْل في هذه المسألة: {قُل رَّبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِم مَّا يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ قَلِيلٌ ..} [الكهف: 22] فلم يُبيّن لنا الحق سبحانه عددهم الحقيقي، وأمرنا أن نترك هذا لعلمه سبحانه، ولا نبحث في أمر لا طائل منه، ولا فائدة من ورائه، فالمهم أنْ يثبت أَصْل القصة وهو: الفتية الأشدّاء في دينهم والذين فَرُّوا به وضَحَّوْا في سبيله حتى لا يفتنهم أهل الكفر والطغيان، وقد لجأوا إلى الكهف ففعل الله بهم ما فعل، وجعلهم آيةً وعبرةً ومثَلاً وقدْوة. أما فرعيات القصة فهي أمور ثانوية لا تُقدّم ولا تُؤخّر؛ لذلك قال تعالى بعدها: {فَلاَ تُمَارِ فِيهِمْ إِلاَّ مِرَآءً ظَاهِراً ..} [الكهف: 22] أي: لا تجادل في أمرهم. ثم يأتي فضول الناس ليسألوا عن زمن القصة ومكانها، وعن أشخاصها وعددهم وأسمائهم، حتى كلبهم تكلموا في اسمه. وهذه كلُّها أمور ثانوية لا تنفع في القصة ولا تضرُّ، ويجب هنا أن نعلم أن القَصَص القرآني حين يبهم أبطاله يبهمهم لحكمة، فلو تأملتَ إبهام الأشخاص في قصة أهل الكهف لوجدته عَيْن البيان لأصل القصة؛ لأن القرآن لو أخبرنا مثلاً عن مكان هؤلاء الفتية لقال البعض: إن هذا الحدث من الفتية خاص بهذا المكان؛ لأنه كان فيه قدر من حرية الرأي. ولو حدد زمانهم لَقال البعض: لقد حدث ما حدث منهم؛ لأن زمانهم كان من الممكن أن يتأتّى فيه مثل هذا العمل، ولو حدد الأشخاص وعيَّنهم لقالوا: هؤلاء أشخاص لا يتكررون مرة أخرى. لذلك أبهمهم الله لتتحقّق الفائدة المرجوّة من القصة، أبهمهم زماناً، وأبهمهم مكاناً، وأبهمهم عدداً، وأبهمهم أشخاصاً ليشيع خبرهم بهذا الوصف في الدنيا كلها لا يرتبط بزمان ولا مكان ولا أشخاص، فحمل راية الحق، والقيام به أمر واجب وشائع في الزمان والمكان والأشخاص، وهذا هو عَيْن البيان للقصة، وهذا هو المغزى من هذه القصة. وانظر إلى قوله تبارك وتعالى: {وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ ..} [غافر: 28]. هكذا {رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ} دون أن يذكر عنه شيئاً، فالمهم أن الرجولة في الإيمان، أيّاً كان هذا المؤمن في أيّ زمان، وفي أيّ مكان، وبأيّ اسم، وبأيّ صفة. كذلك في قوله تعالى: {أية : ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱمْرَأَتَ نُوحٍ وَٱمْرَأَتَ لُوطٍ ..}تفسير : [التحريم: 10] ولم يذكر عنهما شيئاً، ولم يُشخِّصهما؛ لأن التشخيص هنا لا يفيد، فالمهم والمراد من الآية بيانُ أن الهداية بيد الله وحده، وأن النبي المرسَل من الله لم يستطع هداية زوجته وأقرب الناس إليه، وأن للمرأة حريةً عَقَدية مُطْلقة. وكذلك في قوله: {أية : وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ ٱمْرَأَتَ فِرْعَوْنَ ..}تفسير : [التحريم: 11] ولم يذكر لنا مَنْ هي، ولم يُشخِّصها؛ لأن تعيُّنها لا يُقدِّم ولا يُؤخِّر، المهم أن نعلم أن فرعونَ الذي ادَّعى الألوهية وبكل جبروته وسلطانه لم يستطع أنْ يحمل امرأته على الإيمان به. إذن: العقيدة والإيمان أمر شخصيّ قلبي، لا يُجبر عليه الإنسان، وها هي امرأة فرعون تؤمن بالله وتقول: {أية : رَبِّ ٱبْنِ لِي عِندَكَ بَيْتاً فِي ٱلْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ}تفسير : [التحريم: 11]. أما في قصة مريم، فيقول تعالى: {أية : وَمَرْيَمَ ٱبْنَتَ عِمْرَانَ ..}تفسير : [التحريم: 12] فشخَّصها باسمها، بل واسم أبيها، لماذا؟ قالوا: لأن الحدث الذي ستتعرَّض له حَدَثٌ فريد وشيء خاصٌّ بها لن يتكرر في غيرها؛ لذلك عيَّنها الله وعرَّفها، أما الأمر العام الذي يتكرر، فمن الحكمة أنْ يظلَّ مُبْهماً غير مرتبط بشخص أو زمان أو مكان، كما في قصة أهل الكهف، فقد أبهمها الحق سبحانه لتكون مثالاً وقُدْوة لكل مؤمن في كل زمان ومكان. ثم يقول الحق سبحانه: {وَلاَ تَقُولَنَّ لِشَاْىءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {فَلاَ تُمَارِ فِيهِمْ إِلاَّ مِرَآءً ظَاهِراً} معناه إلاّ أن تُحدِّثَهم بهِ حديثاً. تفسير : وقوله تعالى: {رَجْماً بِٱلْغَيْبِ} معناه ظَنٌّ.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يخبر تعالى عن اختلاف أهل الكتاب في عدة أصحاب الكهف، اختلافا صادرا عن رجمهم بالغيب، وتقولهم بما لا يعلمون، وأنهم فيهم على ثلاثة أقوال: منهم: من يقول: ثلاثة، رابعهم كلبهم، ومنهم من يقول: خمسة، سادسهم كلبهم. وهذان القولان، ذكر الله بعدهما، أن هذا رجم منهم بالغيب، فدل على بطلانهما. ومنهم من يقول: سبعة، وثامنهم كلبهم، وهذا -والله أعلم- الصواب، لأن الله أبطل الأولين ولم يبطله، فدل على صحته، وهذا من الاختلاف الذي لا فائدة تحته، ولا يحصل بمعرفة عددهم مصلحة للناس، دينية ولا دنيوية، ولهذا قال تعالى: { قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلا قَلِيلٌ } وهم الذين أصابوا الصواب وعلموا إصابتهم. { فَلا تُمَارِ } أي: تجادل وتحاج { فيهم إِلا مِرَاءً ظَاهِرًا } أي: مبنيا على العلم واليقين، ويكون أيضا فيه فائدة، وأما المماراة المبنية على الجهل والرجم بالغيب، أو التي لا فائدة فيها، إما أن يكون الخصم معاندا، أو تكون المسألة لا أهمية فيها، ولا تحصل فائدة دينية بمعرفتها، كعدد أصحاب الكهف ونحو ذلك، فإن في كثرة المناقشات فيها، والبحوث المتسلسلة، تضييعا للزمان، وتأثيرا في مودة القلوب بغير فائدة. { وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ } أي: في شأن أهل الكهف { مِنْهُمْ } أي: من أهل الكتاب { أَحَدًا } وذلك لأن مبنى كلامهم فيهم على الرجم بالغيب والظن، الذي لا يغني من الحق شيئا، ففيها دليل على المنع من استفتاء من لا يصلح للفتوى، إما لقصوره في الأمر المستفتى فيه، أو لكونه لا يبالي بما تكلم به، وليس عنده ورع يحجزه، وإذا نهي عن استفتاء هذا الجنس، فنهيه هو عن الفتوى، من باب أولى وأحرى. وفي الآية أيضا، دليل على أن الشخص، قد يكون منهيا عن استفتائه في شيء، دون آخر. فيستفتى فيما هو أهل له، بخلاف غيره، لأن الله لم ينه عن استفتائهم مطلقا، إنما نهى عن استفتائهم في قصة أصحاب الكهف، وما أشبهها.
همام الصنعاني
تفسير : 1664- حدثنا عبد الرزاق، قال أنبأنا معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {رَجْماً بِٱلْغَيْبِ}: [الآية: 22]، قال: قذفاً بالظن. 1665- حدثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن قتادة: {مَّا يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ قَلِيلٌ}: [الآية: 22]، قال: كان ابن عباس يقول: أنا من القليل، سبعة وثامنهم كلبهم. 1666- حدثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {فَلاَ تُمَارِ فِيهِمْ إِلاَّ مِرَآءً ظَاهِراً}: [الآية: 22]، قال: حسبك، ما قد قصصنا عليك من شأنهم.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):