Verse. 2163 (AR)

١٨ - ٱلْكَهْف

18 - Al-Kahf (AR)

وَلَا تَقُوْلَنَّ لِشَايْءٍ اِنِّىْ فَاعِلٌ ذٰلِكَ غَدًا۝۲۳ۙ
Wala taqoolanna lishayin innee faAAilun thalika ghadan

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ولا تقولن لشيء» أي لأجل شيء «إني فاعل ذلك غدا» أي قيما يستقبل من الزمان.

23

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن في الآية مسائل: المسألة الأولى: قال المفسرون إن القوم لما سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن المسائل الثلاثة، قال عليه السلام أجيبكم عنها غداً ولم يقل إن شاء الله، فاحتبس الوحي خمسة عشر يوماً وفي رواية أخرى أربعين يوماً، ثم نزلت هذه الآية، اعترض القاضي على هذا الكلام من وجهين. الأول: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان عالماً بأنه إذا أخبر عن أنه سيفعل الفعل الفلاني غداً فربما جاءته الوفاة قبل الغد، وربما عاقه عائق آخر عن الإقدام على ذلك الفعل غداً، وإذا كان كل هذه الأمور محتملاً، فلو لم يقل إن شاء الله ربما خرج الكلام مخالفاً لما عليه الوجود وذلك يوجب التنفير عنه، وعن كلامه عليه السلام، أما إذا قال إن شاء الله كان محترزاً عن هذا المحذور، وإذا كان كذلك كان من البعيد أن يعد بشيء ولم يقل فيه إن شاء الله. الثاني: أن هذه الآية مشتملة على فوائد كثيرة وأحكام جمة فيبعد قصرها على هذا السبب ويمكن أن يجاب عن الأول: أنه لا نزاع أن الأولى أن يقول إن شاء الله إلا أنه ربما اتفق له أنه نسي هذا الكلام لسبب من الأسباب فكان ذلك من باب ترك الأولى والأفضل، وأن يجاب عن الثاني أن اشتماله على الفوائد الكثيرة لا يمنع من أن يكون سبب نزوله واحداً منها. المسألة الثانية: قوله: {إِلاَّ أَن يَشَاء ٱللَّهُ } ليس فيه بيان أنه شاء الله ماذا، وفيه قولان: الأول: التقدير: {وَلاَ تَقْولَنَّ لِشَىْء إِنّى فَاعِلٌ ذٰلِكَ غَداً إِلاَّ أَن يَشَاء ٱللَّهُ } أن يأذن لك في ذلك القول، والمعنى أنه ليس لك أن تخبر عن نفسك أنك تفعل الفعل الفلاني إلا إذا أذن الله لك في ذلك الإخبار. القول الثاني: أن يكون التقدير: {وَلاَ تَقْولَنَّ لِشَىْء إِنّى فَاعِلٌ ذٰلِكَ غَداً } إلا أن تقول: {إِن شَاء ٱللَّهُ } والسبب في أنه لا بد من ذكر هذا القول هو أن الإنسان إذا قال سأفعل الفعل الفلاني غداً لم يبعد أن يموت قبل مجيء الغد، ولم يبعد أيضاً لو بقي حياً أن يعوقه عن ذلك الفعل شيء من العوائق، فإذا كان لم يقل إن شاء الله صار كاذباً في ذلك الوعد، والكذب منفرد وذلك لا يليق بالأنبياء عليهم السلام، فلهذا السبب أوجب عليه أن يقول: {إِن شَاء ٱللَّهُ } حتى أن بتقدير أن يتعذر عليه الوفاء بذلك الموعود لم يصر كاذباً فلم يحصل التنفير. المسألة الثالثة: اعلم أن مذهب المعتزلة أن الله تعالى يريد الإيمان والطاعة من العبد والعبد يريد الكفر والمعصية لنفسه فيقع مراد العبد ولا يقع مراد الله فتكون إرادة العبد غالبة وإرادة الله تعالى مغلوبة، وأما عندنا فكل ما أراد الله تعالى فهو واقع فهو تعالى يريد الكفر من الكافر ويريد الإيمان من المؤمن وعلى هذا التقرير فإرادة الله تعالى غالبة وإرادة العبد مغلوبة إذا عرفت هذا فنقول إذا قال العبد لأفعلن كذا غداً إلا أن يشاء الله والله إنما يدفع عنه الكذب إذا كانت إرادة الله غالبة على إرادة العبد فإن على هذا القول يكون التقدير أن العبد قال أنا أفعل الفعل الفلاني إلا إذا كانت إرادة الله بخلافه فأنا على هذا التقدير لا أفعل لأن إرادة الله غالبة على إرادتي فعند قيام المانع الغالب لا أقوى على الفعل، أما بتقدير أن تكون إرادة الله تعالى مغلوبة فإنها لا تصلح عذراً في هذا الباب، لأن المغلوب لا يمنع الغالب. إذا ثبت هذا فنقول: أجمعت الأمة على أنه إذا قال والله لأفعلن كذا ثم قال: إن شاء الله دافعاً للحنث فلا يكون دافعاً للحنث إلا إذا كانت إرادة الله غالبة، فلما حصل دفع الحنث بالإجماع وجب القطع بكون إرادة الله تعالى غالبة وأنه لا يحصل في الوجود إلا ما أراده الله وأصحابنا أكدوا هذا الكلام في صورة معينة وهو أن الرجل إذا كان له على إنسان دين وكان ذلك المديون قادراً على أداء الدين فقال والله لأقضين هذا الدين غداً، ثم قال إن شاء الله فإذا جاء الغد ولم يقض هذا الدين لم يحنث وعلى قول المعتزلة أنه تعالى يريد منه قضاء الدين وعلى هذا التقدير فقوله: {إِن شَاء ٱللَّهُ } تعليق لذلك الحكم على شرط واقع فوجب أن يحنث، ولما أجمعوا على أن لا يحنث علمنا أن ذلك إنما كان لأن الله تعالى ما شاء ذلك الفعل مع أن ذلك الفعل قد أمر الله به ورغب فيه وزجر عن الإخلال به وثبت أنه تعالى قد ينهى عن الشيء ويريده وقد يأمر بالشيء ولا يريده وهو المطلوب، فإن قيل هب أن الأمر كما ذكرتم إلا أن كثيراً من الفقهاء قالوا: إذا قال الرجل لامرأته أنت طالق إن شاء الله لم يقع الطلاق فما السبب فيه؟ قلنا السبب هو أنه لما علق وقوع الطلاق على مشيئة الله لم يقع إلا إذا عرفنا وقوع الطلاق ولا نعرف وقوع الطلاق إلا إذا عرفنا أولاً حصول هذه المشيئة لكن مشيئة الله تعالى غيب فلا سبيل إلى العلم بحصولها إلا إذا علمنا أن متعلق المشيئة قد وقع وحصل وهو الطلاق فعلى هذا الطريق لا نعرف حصول المشيئة إلا إذا عرفنا وقوع الطلاق ولا نعرف وقوع الطلاق إلا إذا عرفنا وقوع المشيئة فيتوقف العلم بكل واحد منها على العلم بالآخرة، وهو دور والدور باطل فلهذا السبب قالوا الطلاق غير واقع. المسألة الرابعة: احتج القائلون بأن المعدوم شيء بقوله: {وَلاَ تَقْولَنَّ لِشَىْء إِنّى فَاعِلٌ ذٰلِكَ غَداً * أَن يَشَاء ٱللَّهُ } قالوا: الشيء الذي سيفعله الفاعل غداً سماه الله تعالى في الحال بأنه شيء لقوله: {وَلاَ تَقْولَنَّ لِشَىْء } ومعلوم أن الشيء الذي سيفعله الفاعل غداً فهو معدوم في الحال، فوجب تسمية المعدوم بأنه شيء. والجواب أن هذا الاستدلال لا يفيد إلا أن المعدوم مسمى بكونه شيئاً وعندنا أن السبب فيه أن الذي سيصير شيئاً يجوز تسميته بكونه شيئاً في الحال كما أنه قال: { أية : أَتَىٰ أَمْرُ ٱللَّهِ } تفسير : [النحل: 1] والمراد سيأتي أمر الله، أما قوله: {وَٱذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ } ففيه وجهان: الأول: أنه كلام متعلق بما قبله والتقدير أنه إذا نسي أن يقول إن شاء الله فليذكره إذا تذكره وعند هذا اختلفوا فقال ابن عباس رضي الله عنهما لو لم يحصل التذكر إلا بعد مدة طويلة ثم ذكر إن شاء الله كفى في دفع الحنث وعن سعيد بن جبير بعد سنة أو شهر أو أسبوع أو يوم، وعن طاوس أنه يقدر على الاستثناء في مجلسه، وعن عطاء يستثني على مقدار حلب الناقة الغزيرة، وعند عامة الفقهاء أنه لا أثر له في الأحكام ما لم يكن موصولاً، واحتج ابن عباس بقوله: {وَٱذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ } لأن الظاهر أن المراد من قوله: {وَٱذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ } هو الذي تقدم ذكره في قوله: {إِلاَّ أَن يَشَاء ٱللَّهُ } وقوله: {وَٱذْكُر رَّبَّكَ } غير مختص بوقت معين بل هو يتناول كل الأوقات فوجب أن يجب عليه هذا الذكر في أي وقت حصل هذا التذكر وكل من قال وجب هذا الذكر قال: إنه إنما وجب لدفع الحنث وذلك يفيد المطلوب، واعلم أن استدلال ابن عباس رضي الله عنهما ظاهر في أن الاستثناء لا يجب أن يكون متصلاً، أما الفقهاء فقالوا إنا لو جوزنا ذلك لزم أن لا يستقر شيء من العقود، والإيمان، يحكى أنه بلغ المنصور أن أبا حنيفة رحمه الله خالف ابن عباس في الاستثناء المنفصل فاستحضره لينكر عليه فقال أبو حنيفة رحمه الله: هذا يرجع عليك، فإنك تأخذ البيعة بالإيمان أتفرض أن يخرجوا من عندك فيستثنوا فيخرجوا عليك؟ فاستحسن المنصور كلامه ورضي به. واعلم أن حاصل هذا الكلام يرجع إلى تخصيص النص بالقياس وفيه ما فيه. وأيضاً فلو قال إن شاء الله على سبيل الخفية بلسانه بحيث لا يسمعه أحد فهو معتبر ودافع للحنث بالإجماع مع أن المحذور الذي ذكرتم حاصل فيه. فثبت أن الذي عولوا عليه ليس بقوي، والأولى أن يحتجوا في وجوب كون الاستثناء متصلاً بأن الآيات الكثيرة دلت على وجوب الوفاء بالعقد والعهد. قال تعالى: { أية : أَوْفُواْ بِٱلْعُقُودِ } تفسير : [المائدة: 1] وقال: { أية : وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ } تفسير : [الإسراء: 34] فالآتي بالعهد يجب عليه الوفاء بمقتضاه لأجل هذه الآيات خالفنا هذا الدليل فيما إذا كان متصلاً لأن الاستثناء مع المستثنى منه كالكلام الواحد بدليل أن لفظ الاستثناء وحده لا يفيد شيئاً، فهو جار مجرى نصف اللفظ الواحدة، فجملة الكلام كالكلمة الواحدة المفيدة، وعلى هذا التقدير فعند ذكر الاستثناء عرفنا أنه لم يلزم شيء بخلاف ما إذا كان الاستثناء متصلاً فإنه حصل الالتزام التام بالكلام فوجب عليه الوفاء بذلك الملتزم والقول الثاني أن قوله: {وَٱذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ } لا تعلق له بما قبله بل هو كلام مستأنف وعلى هذا القول ففيه وجوه. أحدها: واذكر ربك بالتسبيح والاستغفار إذا نسيت كلمة الاستثناء، والمراد منه الترغيب في الاهتمام بذكر هذه الكلمة. وثانيها: واذكر ربك إذا اعتراك النسيان ليذكرك المنسي. وثالثها: حمله بعضهم على أداء الصلاة المنسية عند ذكرها، وهذا القول بما فيه من الوجوه الثلاثة بعيد لأن تعلق هذا الكلام بما قبله يفيد إتمام الكلام في هذه القضية وجعله كلاماً مستأنفاً يوجب صيرورة الكلاء مبتدأ منقطعاً وذلك لا يجوز ثم قال تعالى: {وَقُلْ عَسَىٰ أَن يَهْدِيَنِ رَبّى لأَقْرَبَ مِنْ هَـٰذَا رَشَدًا } وفيه وجوه: الأول: أن ترك قوله: {أَن يَشَاء ٱللَّهُ } ليس بحسن وذكره أحسن من تركه وقوله: {لأَقْرَبَ مِنْ هَـٰذَا رَشَدًا } المراد منه ذكر هذه الجملة. الثاني: إذا وعدهم بشيء وقال معه إن شاء الله فيقول عسى أن يهديني ربي لشيء أحسن وأكمل مما وعدتكم به. والثالث: أن قوله: {لأَقْرَبَ مِنْ هَـٰذَا رَشَدًا } إشارة إلى نبأ أصحاب الكهف ومعناه لعل الله يؤتيني من البينات والدلائل على صحة أني نبي من عند الله صادق القول في ادعاء النبوة ما هو أعظم في الدلالة وأقرب رشداً من نبأ أصحاب الكهف. وقد فعل الله ذلك حيث آتاه من قصص الأنبياء والإخبار بالغيوب ما هو أعظم من ذلك، وأما قوله تعالى: {وَلَبِثُواْ فِى كَهْفِهِمْ مِئَةٍ سِنِينَ وَٱزْدَادُواْ تِسْعًا * قُلِ ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُواْ لَهُ غَيْبُ ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَٱلأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُم مّن دُونِهِ مِن وَلِىّ وَلاَ يُشْرِكُ فِى حُكْمِهِ أَحَدًا } فاعلم أن هذه الآية آخر الآيات المذكورة في قصة أصحاب الكهف وفي قوله: {وَلَبِثُواْ فِى كَهْفِهِمْ } قولان: الأول: أن هذا حكاية كلام القوم والدليل عليه أنه تعالى قال: {سَيَقُولُونَ ثَلَـٰثَةٌ رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ } وكذا إلى أن قال: {وَلَبِثُواْ فِى كَهْفِهِمْ } أي أن أولئك الأقوام قالوا ذلك ويؤكده أنه تعالى قال بعده: {قُلِ ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُواْ } وهذا يشبه الرد على الكلام المذكور قبله ويؤكده أيضاً ما روي في مصحف عبد الله: وقالوا ولبثوا في كهفهم. والقول الثاني: أن قوله: {وَلَبِثُواْ فِى كَهْفِهِمْ } هو كلام الله تعالى فإنه أخبر عن كمية تلك المدة، وأما قوله: {سَيَقُولُونَ ثَلَـٰثَةٌ رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ } فهو كلام قد تقدم وقد تخلل بينه وبين هذه الآية ما يوجب انقطاع أحدهما عن الآخر وهو قوله: {فَلاَ تُمَارِ فِيهِمْ إِلاَّ مِرَآء ظَـٰهِرًا } وقوله: {قُلِ ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُواْ لَهُ غَيْبُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ } لا يوجب أن ما قبله حكاية، وذلك لأنه تعالى أراد: {قُلِ ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُواْ لَهُ غَيْبُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ } فارجعوا إلى خبر الله دون ما يقوله أهل الكتاب. المسألة الثانية: قرأ حمزة والكسائي ثلثمائة سنين بغير تنوين والباقون بالتنوين وذلك لأن قوله: {سِنِينَ } عطف بيان لقوله: {ثلثمائة} لأنه لما قال: {وَلَبِثُواْ فِى كَهْفِهِمْ } لم يعرف أنها أيام أم شهور أم سنون فلما قال سنين صار هذا بياناً لقوله: {ثلثمائة} فكان هذا عطف بيان له وقيل هو على التقديم والتأخير أي لبثوا سنين ثلثمائة. وأما وجه قراءة حمزة فهو أن الواجب في الإضافة ثلثمائة سنة إلا أنه يجوز وضع الجمع موضع الواحد في التمييز كقوله: { أية : نُنَبّئُكُم بِٱلأَخْسَرِينَ أَعْمَـٰلاً } تفسير : [الكهف: 103]. المسألة الثالثة: قوله: {وَٱزْدَادُواْ تِسْعًا }؟ المعنى وازدادوا تسع سنين فإن قالوا: لم لم يقل ثلثمائة وتسع سنين؟ وما الفائدة في قوله {وَٱزْدَادُواْ تِسْعًا }؟ قلنا: قال بعضهم: كانت المدة ثلثمائة سنة من السنين الشمسية وثلثمائة وتسع سنين من القمرية، وهذا مشكل لأنه لا يصح بالحساب هذا القول، ويمكن أن يقال: لعلهم لما استكملوا ثلثمائة سنة قرب أمرهم من الأنبياء ثم اتفق ما أوجب بقاءهم في النوم بعد ذلك تسع سنين ثم قال: {قُلِ ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُواْ } معناه أنه تعالى أعلم بمقدار هذه المدة من الناس الذين اختلفوا فيها، وإنما كان أولى بأن يكون عالماً به لأنه موجد للسموات والأرض ومدبر للعالم، وإذا كان كذلك كان عالماً بغيب السموات والأرض فيكون عالماً بهذه الواقعة لا محالة ثم قال تعالى: {أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ } وهذه كلمة تذكر في التعجب، والمعنى ما أبصره وما أسمعه، وقد بالغنا في تفسير كلمة التعجب في سورة البقرة في تفسير قوله تعالى: { أية : فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى ٱلنَّارِ } تفسير : [البقرة: 175] ثم قال تعالى: {مَا لَهُم مّن دُونِهِ مِن وَلِىّ } وفيه وجوه. الأول: ما لأصحاب الكهف من دون الله من ولي فإنه هو الذي يتولى حفظهم في ذلك النوم الطويل. الثاني: ليس لهؤلاء المختلفين في مدة لبث أهل الكهف ولي من دون الله يتولى أمرهم ويقيم لهم تدبير أنفسهم فإذا كانوا محتاجين إلى تدبير الله وحفظه فكيف يعلمون هذه الواقعة من غير أعلامه. الثالث: أن بعض القوم لما ذكروا في هذا الباب أقوالاً على خلاف قول الله فقد استوجبوا العقاب، فبين الله أنه ليس لهم من دونه ولي يمنع الله من إنزال العقاب عليهم. ثم قال: {وَلاَ يُشْرِكُ فِى حُكْمِهِ أَحَدًا } والمعنى أنه تعالى لما حكم أن لبثهم هو هذا المقدار فليس لأحد أن يقول قولاً بخلافه. والأصل أن الاثنين إذا كانا لشريكين فإن الاعتراض من كل واحد منهما على صاحبه يكثر ويصير ذلك مانعاً لكل واحد منهما من إمضاء الأمر على وفق ما يريده. وحاصله يرجع إلى قوله تعالى: { أية : لَوْ كَانَ فِيهِمَا الِهَةٌ إِلاَّ ٱللَّهُ لَفَسَدَتَا } تفسير : [الأنبياء: 22] فالله تعالى نفى ذلك عن نفسه بقوله تعالى: {وَلاَ يُشْرِكُ فِى حُكْمِهِ أَحَدًا } وقرأ ابن عامر ولا تشرك بالتاء والجزم على النهي والخطاب عطفاً على قوله: {وَلاَ تَقْولَنَّ لِشَىْء } أو على قوله: {وَٱذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ } والمعنى ولا تسأل أحداً عما أخبرك الله به من عدة أصحاب الكهف واقتصر على حكمه وبيانه ولا تشرك أحداً في طلب معرفة تلك الواقعة وقرأ الباقون بالياء والرفع على الخبر والمعنى أنه تعالى لا يفعل ذلك. المسألة الرابعة: اختلف الناس في زمان أصحاب الكهف وفي مكانهم، أما الزمان الذي حصلوا فيه، فقيل إنهم كانوا قبل موسى عليه السلام وإن موسى ذكرهم في التوراة، ولهذا السبب فإن اليهود سألوا عنهم، وقيل: إنهم دخلوا الكهف قبل المسيح وأخبر المسيح بخبرهم ثم بعثوا في الوقت الذي بين عيسى عليه السلام وبين محمد صلى الله عليه وسلم، وقيل إنهم دخلوا الكهف بعد المسيح، وحكى القفال هذا القول عن محمد بن إسحق. وقال قوم: إنهم لم يموتوا ولا يموتون إلى يوم القيامة. وأما مكان هذا الكهف، فحكى القفال عن محمد بن موسى الخوارزمي المنجم أن الواثق أنفذه ليعرف حال أصحاب الكهف إلى الروم، قال: فوجه ملك الروم معي أقواماً إلى الموضع الذي يقال إنهم فيه، قال: وإن الرجل الموكل بذلك الموضع فزعني من الدخول عليهم، قال: فدخلت ورأيت الشعور على صدورهم قال وعرفت أنه تمويه واحتيال وأن الناس كانوا قد عالجوا تلك الجثث بالأدوية المجففة لأبدان الموتى لتصونها عن البلى مثل التلطيخ بالصبر وغيره، ثم قال القفال: والذي عندنا لا يعرف أن ذلك الموضع هو موضع أصحاب الكهف أو موضع آخر، والذي أخبر الله عنه وجب القطع به ولا عبرة بقول أهل الروم إن ذلك الموضع هو موضع أصحاب الكهف، وذكر في الكشاف عن معاوية أنه غزا الروم فمر بالكهف فقال: لو كشف لنا عن هؤلاء فنظرنا إليهم فقال ابن عباس رضي الله عنهما: ليس لك ذلك قد منع الله من هو خير منك، فقال: لو اطلعت عليهم لوليت منهم فراراً ولملئت منهم رعباً، فقال لابن عباس: لا أنتهي حتى أعلم حالهم، فبعث أناساً فقال لهم: اذهبوا فانظروا فلما دخلوا الكهف بعث الله عليهم ريحاً فأحرقتهم، وأقول العلم بذلك الزمان وبذلك المكان ليس للعقل فيه مجال، وإنما يستفاد ذلك من نص، وذلك مفقود فثبت أنه لا سبيل إليه. المسألة الخامسة: اعلم أن مدار القول بإثبات البعث والقيامة على أصول ثلاثة. أحدها: أنه تعالى قادر على كل الممكنات. والثاني: أنه تعالى عالم بجميع المعلومات من الكليات والجزئيات. وثالثها: أن كل ما كان ممكن الحصول في بعض الأوقات كان ممكن الحصول في سائر الأوقات فإذا ثبتت هذه الأصول الثلاثة ثبت القول بإمكان البعث والقيامة، فكذلك ها هنا ثبت أنه تعالى عالم قادر على الكل، وثبت أن بقاء الإنسان حياً في النوم مدة يوم ممكن فكذلك بقاؤه مدة ثلثمائة سنة يجب أن يكون ممكناً بمعنى أن إله العالم يحفظه ويصونه عن الآفة. وأما الفلاسفة فإنهم يقولون أيضاً: لا يبعد وقوع أشكال فلكية غريبة توجب في هيولي عالم الكون والفساد حصول أحوال غريبة نادرة، وأقول: هذه السور الثلاثة المتعاقبة اشتمل كل واحد منها على حصول حالة عجيبة نادرة في هذا العالم فسورة بني إسرائيل اشتملت على الإسراء بجسد محمد صلى الله عليه وسلم من مكة إلى الشام وهو حالة عجيبة، وهذه السورة اشتملت على بقاء القوم في النوم مدة ثلثمائة سنة وأزيد وهو أيضاً حالة عجيبة، وسورة مريم اشتملت على حدوث الولد لا من الأب وهو أيضاً حالة عجيبة. والمعتمد في بيان إمكان كل هذه العجائب والغرائب المذكورة في هذه السور الثلاثة المتوالية هو الطريقة التي ذكرناها. ومما يدل على أن هذا المعنى من الممكنات أن أبا علي بن سينا ذكر في باب الزمان من كتاب الشفاء أن أرسطاطاليس الحكيم ذكر أنه عرض لقوم من المتألهين حالة شبيهة بحالة أصحاب الكهف، ثم قال أبو علي: ويدل التاريخ على أنهم كانوا قبل أصحاب الكهف.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَلاَ تَقْولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذٰلِكَ غَداً إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ} فيه مسألتان: الأولى: قال العلماء: عاتب الله تعالى نبيّه عليه السلام على قوله للكفار حين سألوه عن الروح والفتية وذي القرنين: غداً أخبركم بجواب أسئلتكم؛ ولم يستثن في ذلك. فاحتبس الوحي عنه خمسة عشر يوماً حتى شقّ ذلك عليه وأرجف الكفار به، فنزلت عليه هذه السورة مفرّجة. وأمر في هذه الآية ألا يقول في أمر من الأمور إني أفعل غدا كذا وكذا، إلاّ أن يعلق ذلك بمشيئة الله عز وجل حتى لا يكون محقّقاً لحكم الخبر؛ فإنه إذا قال: لأفعلن ذلك ولم يفعل كان كاذباً، وإذا قال لأفعلن ذلك إن شاء الله خرج عن أن يكون محقّقاً للمخبر عنه.واللام في قوله «لشيء» بمنزلة في، أو كأنه قال لأجل شيء. الثانية: قال ابن عطية: وتكلّم الناس في هذه الآية في الاستثناء في اليمين، والآية ليست في الأيمان وإنما هي في سُنّة الاستثناء في غير اليمين. وقوله: {إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ} في الكلام حذف يقتضيه الظاهر ويحسّنه الإيجاز؛ تقديره: إلا أن تقول إلا أن يشاء الله؛ أو إلا أن تقول إن شاء الله. فالمعنى: إلا أن تذكر مشيئة الله؛ فليس «إلا أن يشاء الله» من القول الذي نُهي عنه. قلت: ما اختاره ابن عطية وارتضاه هو قول الكسائيّ والفرّاء والأخفش. وقال البصريون: المعنى إلا بمشيئة الله. فإذا قال الإنسان أنا أفعل هذا إن شاء الله فمعناه بمشيئة الله. قال ابن عطية: وقالت فرقة «إلا أن يشاء الله» استثناء من قوله: «ولا تقولنّ» قال: وهذا قول حكاه الطبري وردّ عليه، وهو من الفساد بحيث كان الواجب ألا يُحكَى. وقد تقدّم القول في الاستثناء في اليمين وحكمه في «المائدة». قوله تعالى: {وَٱذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ} فيه مسألة واحدة، وهو الأمر بالذكر بعد النسيان ـ واختلف في الذكر المأمور به؛ فقيل: هو قوله: {وَقُلْ عَسَىٰ أَن يَهْدِيَنِ رَبِّي لأَقْرَبَ مِنْ هَـٰذَا رَشَداً}. قال محمد الكوفي المفسر: إنها بألفاظها مما أمر أن يقولها كل من لم يستثن، وإنها كفارة لنسيان الاستثناء. وقال الجمهور: هو دعاء مأمور به دون هذا التخصيص. وقيل: هو قوله «إن شاء الله» الذي كان نسيه عند يمينه. حكي عن ابن عباس أنه إن نسي الاستثناء ثم ذكر ولو بعد سنة لم يحنث إن كان حالفاً. وهو قول مجاهد. وحكى إسماعيل بن إسحاق ذلك عن أبي العالية في قوله تعالى: {وَٱذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ} قال: يستثني إذا ذكره. الحسن: ما دام في مجلس الذكر. ابن عباس: سنتين؛ ذكره الغزنويّ قال: فيحمل على تدارك التبرك بالاستثناء للتخلّص عن الإثم. فأما الاستثناء المفيد حكماً فلا يصح إلا متصلاً. السُّدّي: أي كل صلاة نسيها إذا ذكرها. وقيل: استثن باسمه لئلا تنسى. وقيل اذكره متى ما نسيته. وقيل: إذا نسيت شيئاً فاذكره يذكّركه. وقيل: اذكره إذا نسيت غيره أو نسيت نفسك؛ فذلك حقيقة الذكر. وهذه الآية مخاطبة للنبيّ صلى الله عليه وسلم، وهي استفتاح كلام على الأصح، وليست من الاستثناء في اليمين بشيء، وهي بعد تعمّ جميع أمته؛ لأنه حكم يتردّد في الناس لكثرة وقوعه. والله الموفق.

البيضاوي

تفسير : {وَلاَ تَقْولَنَّ لِشَىْء إِنّى فَاعِلٌ ذٰلِكَ غَداً إِلاَّ أَن يَشَاء ٱللَّهُ } نهي تأديب من الله تعالى لنبيه حين قالت اليهود لقريش: سلوه عن الروح وأصحاب الكهف وذي القرنين، فسألوه فقال: «ائتوني غداً أخبركم» ولم يستثن فأبطأ عليه الوحي بضعة عشر يوماً حتى شق عليه وكذبه قريش. والاستثناء من النهي أي ولا تقولن لأجل شيء تعزم عليه إني فاعله فيما يستقبل إلا بـ {أَن يَشَاء ٱللَّهُ } أي إلا ملتبساً بمشيئته قائلاً إن شاء الله أو إلا وقت أن يشاء الله أن تقوله بمعنى أن يأذن لك فيه، ولا يجوز تعليقه بفاعل لأن استثناء اقتران المشيئة بالفعل غير سديد واستثناء اعتراضها دونه لا يناسب النهي {وَٱذْكُر رَّبَّكَ } مشيئة ربك وقل إن شاء الله. كما روي أنه لما نزل قال عليه الصلاة والسلام: "إن شاء الله". {إِذَا نَسِيتَ } إذا فرط منك نسيان لذلك ثم تذكرته. وعن ابن عباس ولو بعد سنة ما لم يحنث، ولذلك جوز تأخير الاستثناء عنه. وعامة الفقهاء على خلافه لأنه لو صح ذلك لم يتقرر إقرار ولا طلاق ولا عتاق ولم يعلم صدق ولا كذب، وليس في الآية والخبر أن الاستثناء المتدارك به من القول السابق بل هو من مقدر مدلول به عليه، ويجوز أن يكون المعنى واذكر ربك بالتسبيح والاستغفار إذا نسيت الاستثناء مبالغة في الحث عليه، أو اذكر ربك وعقابه إذا تركت بعض ما أمرك به ليبعثك على التدارك، أو اذكره إذا اعتراك النسيان ليذكرك المنسي. {وَقُلْ عَسَىٰ أَن يَهْدِيَنِ رَبّى } يدلني. {لأَقْرَبَ مِنْ هَـٰذَا رَشَدًا } لأقرب رشداً وأظهر دلالة على أني نبي من نبأ أصحاب الكهف. وقد هداه لأعظم من ذلك كقصص الأنبياء المتباعدة عنه أيامهم، والإِخبار بالغيوب والحوادث النازلة في الأعصار المستقبلة إلى قيام الساعة، أو لأقرب رشداً وأدنى خيراً من المنسي.

ابن كثير

تفسير : هذا إرشاد من الله تعالى لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الأدب فيما إذا عزم على شيء ليفعله في المستقبل، أن يرد ذلك إلى مشيئة الله عز وجل، علام الغيوب الذي يعلم ما كان، وما يكون، وما لم يكن لو كان كيف يكون، كما ثبت في "الصحيحين" عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : قال سليمان بن داود عليهما السلام: لأطوفن الليلة على سبعين امرأة - وفي رواية: تسعين امرأة، وفي رواية: مائة امرأة - تلد كل امرأة منهن غلاماً يقاتل في سبيل الله، فقيل له - وفي رواية: قال له الملك -: قل: إن شاء الله، فلم يقل، فطاف بهم، فلم يلد منهن إلا امرأة واحدة نصف إنسان - فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: والذي نفسي بيده لو قال: إن شاء الله لم يحنث، وكان دركاً لحاجته» تفسير : وفي رواية: «حديث : ولقاتلوا في سبيل الله فرساناً أجمعين»تفسير : وقد تقدم في أول السورة ذكر سبب نزول هذه الآية في قول النبي صلى الله عليه وسلم لما سئل عن قصة أصحاب الكهف: «حديث : غداً أجيبكم» تفسير : فتأخر الوحي خمسة عشر يوماً، وقد ذكرناه بطوله في أول السورة، فأغنى عن إعادته. وقوله: {وَٱذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ} قيل: معناه إذا نسيت الاستثناء، فاستثن عند ذكرك له، قاله أبو العالية والحسن البصري، وقال هشيم عن الأعمش عن مجاهد عن ابن عباس في الرجل يحلف قال: له أن يستثني، ولو إلى سنة، وكان يقول: {وَٱذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ} في ذلك، قيل للأعمش: سمعته عن مجاهد؟ فقال: حدثني به ليث بن أبي سليم يرى ذهب كسائي هذا، ورواه الطبراني من حديث أبي معاوية عن الأعمش به. ومعنى قول ابن عباس: إنه يستثني ولو بعد سنة، أي: إذا نسي أن يقول في حلفه أو في كلامه: إن شاء لله، وذكر ولو بعد سنة، فالسنة له أن يقول ذلك، ليكون آتياً بسنة الاستثناء، حتى ولو كان بعد الحنث، قاله ابن جرير رحمه الله، ونص على ذلك، لا أن يكون رافعاً لحنث اليمين، ومسقطاً للكفارة، وهذا الذي قاله ابن جرير رحمه الله هو الصحيح، وهو الأليق بحمل كلام ابن عباس عليه، والله أعلم. وقال عكرمة: {وَٱذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ} إذا غضبت، وهذا تفسير باللازم. وقد قال الطبراني: حدثنا أحمد بن يحيى الحلواني، حدثنا سعيد بن سلمان، عن عباد بن العوام، عن سفيان بن حسين، عن يعلى بن مسلم، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس: {وَلاَ تَقْولَنَّ لِشَىْءٍ إِنِّى فَاعِلٌ ذٰلِكَ غَدا إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ وَٱذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ} أن تقول: إن شاء الله وقال الطبراني: حدثنا محمد بن الحارث الجبيلي، حدثنا صفوان بن صالح، حدثنا الوليد بن مسلم عن عبد العزيز بن حصين، عن ابن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عباس في قوله: {وَلاَ تَقْولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّى فَاعِلٌ ذٰلِكَ غَداً إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ وَٱذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ} أن تقول: إن شاء الله، وروى الطبراني أيضاً عن ابن عباس في قوله: {وَٱذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ} الاستثناء، فاستثن إذا ذكرت، وقال: هي خاصة برسول الله صلى الله عليه وسلم وليس لأحد منا أن يستثني إلا في صلة من يمينه، ثم قال: انفرد به الوليد عن عبد العزيز بن الحصين، ويحتمل في الآية وجه آخر، وهو أن يكون الله تعالى قد أرشد من نسي الشيء في كلامه إلى ذكر الله تعالى؛ لأن النسيان منشؤه من الشيطان؛ كما قال فتى موسى: {أية : وَمَآ أَنْسَانِيهُ إِلاَّ ٱلشَّيْطَـٰنُ أَنْ أَذْكُرَهُ} تفسير : [الكهف: 63] وذكر الله تعالى يطرد الشيطان، فإذا ذهب الشيطان، ذهب النسيان، فذكر الله تعالى سبب للذكر، ولهذا قال: {وَٱذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ} وقوله: {وَقُلْ عَسَىٰ أَن يَهْدِيَنِ رَبِّى لأَِقْرَبَ مِنْ هَـٰذَا رَشَدًا} أي: إذا سئلت عن شيء لا تعلمه، فاسأل الله تعالى فيه، وتوجه إليه في أن يوفقك للصواب والرشد في ذلك، وقيل في تفسيره غير ذلك، والله أعلم.

المحلي و السيوطي

تفسير : وسأله أهل مكة عن خبر أهل الكهف فقال:( أخبركم به غداً) ولم يقل إن شاء الله، فنزل:{وَلاَ تَقْولَنَّ لِشَىْء } أي لأجل شيء {إِنّى فَاعِلٌ ذٰلِكَ غَداً } أي فيما يستقبل من الزمان.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {ولا تقولن لشيءإني فاعلٌ ذلك غداً} {إلا إن يشاء الله} قال الأخفش: فيه إضمار وتقديره: إلا أن تقول إن شاء الله، وهذا وإن كان أمراً فهو على وجه التأديب والإرشاد أن لا تعزم على أمر إلا أن تقرنه بمشيئة الله تعالى لأمرين: أحدهما: أن العزم ربما صد عنه بمانع فيصير في وعده مخلفاً في قوله كاذباً، قال موسى عليه السلام {أية : ستجدني إن شاء الله صابراً} تفسير : [الكهف: 70] ولم يصبر ولم يكن كاذباً لوجود الاستثناء في كلامه. الثاني: إذعاناً لقدرة الله تعالى، وإنه مدبر في أفعاله بمعونة الله وقدرته. الثالث: يختص بيمينه إن حلف وهو سقوط الكفارة عنه إذا حنث. {واذكر ربك إذا نسيت} فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: أنك إذا نسيت الشيء فاذكرالله ليذكرك إياه، فإن فعل فقد أراد منك ما ذكرك، وإلا فسيدلك على ما هو أرشد لك مما نسيته، قاله بعض المتكلمين. الثاني: واذكر ربك إذا غضبت، قاله عكرمة، ليزول عنك الغضب عند ذكره. الثالث: واذكر ربك إذا نسيت الاستثناء بمشيئة الله في يمينك. وفي الذكر المأمور به قولان: أحدهما: أنه ما ذكره في بقية الآية {وقل عسى أن يهديني ربي لأقرب من هذا رشداً} الثاني: أنه قول إن شاء الله الذي كان نسيه عند يمينه. واختلفوا في ثبوت الاستثناء بعد اليمين على خمسة أقاويل: أحدها: أنه يصح الاستثناء بها إلى سنة، فيكون كالاستثناء بها مع اليمين في سقوط الكفارة ولا يصح بعد السنة، قاله ابن عباس. الثاني: يصح الاستثناء بها في مجلس يمينه، ولا يصح بعد فراقه، قاله الحسن وعطاء. الثالث: يصح الاستثناء بها ما لم يأخذ في كلام غيره. الرابع: يصح الاستثناء بها مع قرب الزمان، ولا يصح مع بعده. الخامس: أنه لا يصح الاستثناء بها إلا متصلاً بيمينه وهو الظاهر من مذهب مالك والشافعي رحمهما الله.

النسفي

تفسير : {وَلاَ تَقْولَنَّ لِشَىْء } لأجل شيء تعزم عليه {إِنّى فَاعِلٌ ذٰلِكَ } الشيء {غَداً } أي فيما يستقبل من الزمان ولم يرد الغد خاصة {إِلاَّ أَن يَشَاء ٱللَّهُ } أن تقوله بأن يأذن ذلك لك فيه، أو ولا تقولنه إلا بأن يشاء الله أي إلا بمشيئته، وهو في موضع الحال أي إلا ملتبساً بمشيئة الله قائلاً إن شاء الله. وقال الزجاج: معناه: ولا تقولن إني أفعل ذلك إلا بمشيئة الله تعالى، لأن قول القائل «أنا أفعل ذلك إن شاء الله» معناه: لا أفعله إلا بمشيئة الله، وهذا نهي تأديب من الله لنبيه حين قالت اليهود لقريش: سلوه عن الروح وعن أصحاب الكهف وذي القرنين فسألوه فقال: ائتوني غداً أخبركم ولم يستثن فأبطأ عليه الوحي حتى شق عليه {وَٱذْكُر رَّبَّكَ } أي مشيئة ربك وقل إن شاء الله {إِذَا نَسِيتَ } إذا فرط منك نسيان لذلك، والمعنى إذا نسيت كلمة الاستثناء ثم تنبهت عليها فتداركها بالذكر، عن الحسن: مادام في مجلس الذكر. وعن ابن عباس رضي الله عنهما: ولو بعد سنة. وهذا محمول على تدارك التبرك بالاستثناء، فأما الاستثناء المغير حكماً فلا يصح إلا متصلاً، وحُكي أنه بلغ المنصور أن أبا حنيفة رحمه الله خالف ابن عباس رضي الله عنهما في الاستثناء المنفصل فاستحضره لينكر عليه فقال له أبو حنيفة: هذا يرجع عليك إنك تأخذ البيعة بالأيمان أفترضى أن يخرجوا من عندك فيستثنوا فيخرجوا عليك؟ فاستحسن كلامه وأمر الطاعن فيه بإخراجه من عنده. أو معناه واذكر ربك بالتسبيح والاستغفار إذا نسيت كلمة الاستثناء تشديداً في البعث على الاهتمام بها، أو صل صلاة نسيتها إذا ذكرتها، أو إذا نسيت شيئاً فاذكره ليذكرك المنسي {وَقُلْ عَسَىٰ أَن يَهْدِيَنِى رَبّى لأَِقْرَبَ مِنْ هَـٰذَا رَشَدًا } يعني إذا نسيت شيئاً فاذكر ربك، وذكر ربك عند نسيانه أن تقول: عسى ربي أن يهديني لشيء آخر بدل هذا المنسي أقرب منه رشداً وأدنى خيراً ومنفعه. {أن يهدين}، {إن ترن}، {أن يؤتين}، {أن تعلمن}. مكى في الحالين، ووافقه أبو عمرو ومدني في الوصل.

الثعالبي

تفسير : وقوله سبحانه: {وَلاَ تَقْولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَٰلِكَ غَداً * إِلاَّ أَن يَشَاءَ ٱللَّهُ } قد تقدَّم أن هذه الآية عتاب من اللَّه تعالى لنبيِّه حيث لم يستثْنِ، والتقدير: إِلا أنْ تقولَ إِلاَّ أنْ يشاء اللَّه أو إِلاَّ أنْ تقولَ: إِن شاء اللَّه، والمعنى: إِلا أن تذكُرَ مشيئَةَ اللَّهِ. وقوله سبحانه: {وَٱذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ } قال ابن عباس والحسن معناه: اِلاشارة به إلى الاستثناء، أي: ولتستثْنِ بعد مدَّة إذا نسيت، أولاً لِتَخْرُجَ من جُمْلة من لم يعلِّق فعله بمشيئة اللَّه، وقال عكرمة: وٱذكر ربَّك إِذا غَضِبْتَ، وعبارة الواحِدِيِّ: {وَٱذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ }، أي: إِذا نسيتَ الاستثناء بمشيئة اللَّه، فاذكره وقُلْه إِذا تذكَّرت. ا هـــ. وقوله سبحانه: {وَقُلْ عَسَىٰ أَن يَهْدِيَنِ رَبِّي...} الآية: الجمهورُ أنَّ هذا دعاءٌ مأمورٌ به، والمعنى: عسى أنْ يرشدني ربِّي فيما أستقبل من أمري، والآية خطابٌ للنبيِّ صلى الله عليه وسلم، وهي بعدُ تعمُّ جميع أمته. وقال الواحديُّ: {وَقُلْ عَسَىٰ أَن يَهْدِيَنِ}، أي: يعطيني ربي الآياتِ من الدلالاتِ على النبوَّة ما يكون أقرَبَ في الرشد، وأدلَّ من قصَّة أصحاب الكهف، ثم فعل اللَّه له ذلك حيثُ آتاه علْم غَيْوب المرسَلِينَ وخَبَرَهم. انتهى. وقوله سبحانه: {وَلَبِثُواْ فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِاْئَةٍ سِنِينَ...} الآية: قال قتادة وغيره: الآية حكايةٌ عن بني إسرائيلُ، أنهم قالوا ذلك؛ واحتجوا بقراءة ابن مسعود وفي مُصِحفه: «وقَالُوا لَبِثُوا في كَهْفِهِمْ»، ثم أمر اللَّه نبيَّه بأن يردَّ العلْم إِليه؛ ردَّا على مقالهم وتفنيداً لهم، وقال المحقِّقون: بل قوله تعالى: {وَلَبِثُواْ فِي كَهْفِهِمْ...} الآية خبرٌ من اللَّه تعالى عن مُدَّة لبثهم، وقوله تعالى: {قُلِ ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُواْ }، أي: فليزل اختلافكم أيها المخرِّصون، وظاهر قوله سبحانه: {وَٱزْدَادُواْ تِسْعًا } أنها أعوام. وقوله سبحانه: {أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ }، أي: ما أَسْمَعَهُ سبحانه، وما أبْصَرَهُ، قال قتادة: لا أحَدَ أبْصَرُ مِنَ اللَّه، ولا أسْمَعَ. قال * ع * وهذه عبارةٌ عن الإِدراك، ويحتملُ أن يكون المعنى: أبْصِرْ به أي: بوحيه وإِرشاده، هُدَاكَ، وحُجَجَكَ، والحَقَّ من الأمور، وأسْمِعْ به العَالَم، فتكون اللفظتان أمرين لا على وجْه التعجُّب. وقوله سبحانه: {مَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ }: الضمير في {لَهُمْ } يحتمل أنْ يرجع إِلى أهْلِ الكهْفِ، ويحتمل أنَّ يرجع إلى معاصري النبيِّ صلى الله عليه وسلم من الكُفَّار، ويكون في الآية تهديدٌ لهم.

ابن عادل

تفسير : وذلك أن أهل مكَّة سألوه عن الروح، وعن أصحاب الكهف، وعن ذي القرنين، فقال: أخبركم غداً، ولم يقل: إن شاء الله، فلبث الوحيُ أيَّاماً، ثم نزلت هذه الآية. فصل اعترض القاضي على هذا الكلام من وجهين: الأول: أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان عالماً بأنَّه إذا أخبر أنه سيفعل الفعل الفلانيَّ غداً، فربَّما جاءته الوفاة قبل الغد، وربما عاقه عائقٌ عن ذلك الفعل غداً، وإذا كانت هذه الأمور محتملة، فلو لم يقل: إن شاء الله، خرج الكلام مخالفاً لما عليه، وذلك يوجب التنفير عنه. أما إذا قال: "إن شاء الله تعالى" كان محترزاً عن هذا المحذور المذكور، وإذا كان كذلك، كان من البعيد أن يعد بشيءٍ، ولم يقل: إن شاء الله. الثاني: أن هذه الآية مشتملةٌ على قواعد كثيرةٍ، وأحكام جمَّة، فيبعد قصرها على هذا السبب، إذ يمكن أن يجاب عن الأول بأنه لا يمتنع أن الأولى أن يقول: "إن شاء الله تعالى"، إلاَّ أنه ربَّما اتَّفق له نسيان قول "إن شاء الله" لسبب من الأسباب، وكان ذلك من باب ترك الأولى والأفضل، وأنه يجاب عن الثاني بأنَّ اشتماله على الفوائد الكثيرةِ لا يمتنع أن يكون نزوله بسببٍ واحدٍ منها. قوله: {إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ}: قال أبو البقاء: في المستثنى منه ثلاثة أوجهٍ: أحدها: هو من النَّهي. والمعنى: لا تقولنَّ: أفعلُ غداً، إلاَّ أن يؤذن لك في القول. الثاني: هو من "فاعلٌ"، أي: لا تقولنَّ إني فاعل غداً؛ حتَّى تقرن به قول "إن شاء الله". والثالث: أنه منقطعٌ، وموضع "أن يشاء الله" نصب على وجهين: أحدهما: على الاستثناء، و التقدير: لا تقولنَّ ذلك في وقتٍ إلاَّ وقت أن يشاء الله، أي: يأذن، فحذف الوقت، وهو المراد. الثاني: هو حالٌ، والتقدير: لا تقولنَّ: أفعل غداً إلا قائلاً: "إن شاء الله" وحذف القول كثير، وقيل: التقدير إلاَّ بأن يشاء الله، أي: إلاَّ ملتبساً بقول: "إن شاء الله". وقد ردَّ الزمخشريُّ الوجه الثاني، فقال: "إلاَّ أن يشاءَ" متعلقٌ بالنهي، لا بقوله "إنِّي فاعلٌ" لأنه لو قال: إني فاعل كذا إلا أن يشاء الله، كان معناه: إلا أن تعترض مشيئة الله دون فعله، وذلك ممَّا لا مدخل فيه للنهي. معناه أنَّ النهي عن مثل هذا المعنى، لا يحسن. ثم قال: "وتعلُّقهُ بالنهي من وجهين: أحدهما: ولا تقولنَّ ذلك القول، إلا أن يشاء الله أن تقوله بأن يأذن لك فيه. والثاني: ولا تقولنَّه إلاَّ بأن يشاء الله، أي: إلاَّ بمشيئته، وهو في موضع الحال، أي: ملتبساً بمشيئة الله، قائلاً إن شاء الله. وفيه وجه ثالثٌ: وهو أن يكون "إلاَّ أن يشاء" في معنى كلمة تأبيدٍ، كأنَّه قيل: ولا تقولنَّه أبداً، ونحوه: {أية : وَمَا يَكُونُ لَنَآ أَن نَّعُودَ فِيهَآ إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ رَبُّنَا} تفسير : [الأعراف: 89] لأن عودهم في ملتهم ممَّا لم يشأ الله". وهذا الذي ذكره الزمخشري قد ردَّه ابن عطيَّة بعد أن حكاه عن الطبري وغيره، ولم يوضِّح وجه الفساد. وقال أبو حيان: "وإلا أن يشاء الله، استثناء لا يمكن حمله على ظاهره؛ لأنه يكون داخلاً تحت القول، فيكونُ من المقول، ولا ينهاه الله أن يقول: إني فاعلٌ ذلك غداً إلا أن يشاء الله؛ لأنه قول صحيحٌ في نفسه، لا يمكن أن ينهى عنه، فاحتيج في تأويل هذا الظاهر إلى تقديرٍ، فقال ابن عطيَّة: في الكلام حذف يقتضيه الظاهر، ويحسِّنهُ الإيجاز، تقديره: إلاَّ أن يقول: إلا أن يشاء الله، أو إلاَّ أن تقول: إن شاء الله، والمعنى: إلاَّ أن تذكر مشيئة الله، فليس "إلاَّ أن يشاء الله" من القول الذي نهي عنه". فصل قال كثيرٌ من الفقهاء: إذا قال الرَّجل لزوجته: "أنْتِ طالقٌ، إن شاء الله" لم يقع الطَّلاق؛ لأنه لما علَّق وقوع الطَّلاق على مشيئة الله، لم يقعِ الطَّلاق إلا إذا علمنا حصول المشيئة، ومشيئةُ الله غيبٌ لا سبيل لنا إلى العلم بحصولها، إلا إذا علمنا أن متعلَّق المشيئة وقع وحصل، وهو هذا الطلاق، وعلى هذا لا يعرف حصول المشيئة، إلاَّ إذا وقع الطلاق، ولا يعرف وقوع الطلاق، إلاَّ إذا عرفنا المشيئة، فيوقف كلُّ واحدٍ منهما على العلم بالآخرِ، وهو دورٌ؛ فلهذا لم يقع الطَّلاق. فصل احتجوا بهذه الآية على أنَّ المعدوم شيءٌ، قالوا: لأنَّ الشيء الذي سيفعله غداً سمَّاه الله تعالى في الحال شيئاً، وهو معدومٌ في الحال. [وأجيب] بأنَّ هذا الاستدلال لا يفيدُ إلاَّ أنَّ المعدوم مسمى بكونه شيئاً، والسبب فيه أنَّ الذي يصير شيئاً يجوز تسميته بكونه شيئاً في الحال تسمية للشيء بما يئولُ إليه؛ لقوله تعالى: {أية : أَتَىٰ أَمْرُ ٱللَّهِ} تفسير : [النحل: 1] والمراد سيأتي أمر الله. ثم قال تعالى: {وَٱذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ} قال ابن عباس، ومجاهد، والحسن: معناه: إذا نسيت الاستثناء، ثم ذكرت، فاستثنِ. وقال ابن عباس: بالاستثناءِ المنقطع، وإن كان إلى سنةٍ لهذه الآية. وقيَّده الحسن وطاوس بالمجلس. وعن سعيد بن جبيرٍ: بعد سنة، أو شهرٍ، أو أسبوعٍ، أو يوم. وعن عطاءٍ: بمقدار حلب ناقةٍ غزيرةٍ. وعند عامة الفقهاء: لا أثر له في الأحكام ما لم يكن موصولاً، وقالوا: لأنا لو جوَّزنا ذلك، لزم ألاَّ يستقرَّ شيءٌ من العهود والإيمان. [يحكى] أنه بلغ المنصور أنّ أبا حنيفة خالف ابن عبَّاس في الاستثناء المنفصل، فاستحضره؛ لينكر عليه، فقال له أبو حنيفة: هذا يرجع عليك؛ فإنك تأخذ البيعة بالأيمان، أترضى أن يخرجوا من عندك، فيستثنوا، فيخرجوا عليك، فاستحسن المنصور كلامه، ورضي عنه. واعلم أن هذا تخصيص النصِّ بالقياس، وفيه ما فيه. وأيضاً فلو قال: "إنْ شَاءَ الله" خفية؛ بحيث لا يسمع، كان دافعاً للحنث بالإجماع، مع أنَّ المحظور باقٍ، فما عوَّلوا عليه ليس بقويٍّ، [والأولى] أن يحتجَّ في وجوب كون الاستثناء متَّصلاً بالآيات الكثيرة الدالة على وجوب الوفاءِ بالعقد والعهد؛ كقوله: {أية : أَوْفُواْ بِٱلْعُقُودِ} تفسير : [المائدة: 1] {أية : وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ} تفسير : [الإسراء: 34]، فإذا أتى بعهدٍ، وجب عليه الوفاء بمقتضاه بهذه الآيات. خالفنا الدليل فيما إذا كان متَّصلاً؛ لأن الاستثناء مع المستثنى منه كالكلام الواحد؛ بدليل أنَّ الاستثناء وحده لا يفيد شيئاً، فهو جارٍ مجرى بعض الكلمة الواحدة، فجملة الكلام كالكلمة الواحدة المفيدة، وإذا كان كذلك، فإن لم يكن منفصلاً، حصل الالتزام التَّامُّ بالكلام؛ فوجب عليه الوفاء بذلك المتلزم. وقيل: إن قوله: {وَٱذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ} كلامٌ مستأنفٌ لا تعلّق له بما قبله. فصل قال عكرمة: واذكر ربَّك، إذا غضبت. وقال وهبٌ: مكتوب في الإنجيل "ابن آدمَ، اذكُرنِي حين تغضبُ، أذكرك حينَ أغْضَبُ". وقال الضحاك، و السديُّ: هذا في الصَّلاة المنسيَّة. قال ابن الخطيب: وتعلق هذا الكلام بما قبله يفيد إتمام الكلام في هذه القضيَّة، وجعله مستأنفاً يصير الكلام مبتدأ منقطعاً، وذلك لا يجوز. ثم قال: {وَقُلْ عَسَىٰ أَن يَهْدِيَنِ رَبِّي لأَقْرَبَ مِنْ هَـٰذَا رَشَداً} وفيه وجوهٌ: الأول: أن ترك قوله: {إنْ شَآءَ ٱللَّهُ} ليس بحسن، وذكره أحسن من تركه، وهو قوله: {لأَقْرَبَ مِنْ هَـٰذَا رَشَداً} المراد منه ذكر هذه الجملة. الثاني: أنَّه لمَّا وعدهم بشيءٍ، وقال معه (إن شاء الله تعالى) فيقول: عسى أن يهديني ربِّي لشيءٍ أحسن وأكمل مما وعدتُّكم به. الثالث: أن قوله: {عَسَىٰ أَن يَهْدِيَنِ رَبِّي لأَقْرَبَ مِنْ هَـٰذَا رَشَداً} إشارةٌ إلى قصَّة أصحاب الكهف، أي: لعلَّ الله يؤتيني من البيِّنات والدلائل على صحَّة نبوَّتي وصدقي في ادِّعاء النبوة ما هو أعظم في الدلالة، وأقرب رشداً من قصَّة أصحاب الكهف، وقد فعل الله ذلك حين آتاهُ من قصص الأنبياء، والإخبار بالغيوب ما هو أعظم من ذلك.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن المنذرعن مجاهد، أن قريشاً اجتمعت فقالوا‏:‏ ‏"‏يا محمد، قد رغبت عن ديننا ودين آبائنا، فما هذا الدين الذي جئت به‏؟‏ قال‏:‏ هذا دين جئت به من الرحمن‏.‏ فقالوا‏:‏ إنا لا نعرف الرحمن، إلا رحمن اليمامة - يعنون مسيلمة الكذاب - ثم كاتبوا اليهود فقالوا‏:‏ قد نبغ فينا رجل يزعم أنه نبي، وقد رغب عن ديننا ودين آبائنا، ويزعم أن الذي جاء به من الرحمن‏.‏ قلنا‏:‏ لا نعرف الرحمن إلا رحمن اليمامة، وهو أمين لا يخون‏.‏‏.‏ وفيّ لا يغدر‏.‏‏.‏ صدوق لا يكذب، وهو في حسب وثروة من قومه، فاكتبوا إلينا بأشياء نسأله عنها‏.‏ فاجتمعت يهود فقالوا‏:‏ إن هذا لوصفه وزمانه الذي يخرج فيه‏.‏ فكتبوا إلى قريش‏:‏ أن سلوه عن أمر أصحاب الكهف، وعن ذي القرنين، وعن الروح. فإن يكن الذي أتاكم به من الرحمن، فإن الرحمن هو الله عز وجل، وإن يكن من رحمن اليمامة فينقطع‏.‏ فلما أتى ذلك قريشاً أتى الظفر في أنفسها فقالوا‏:‏ يا محمد، قد رغبت عن ديننا ودين آبائك‏.‏‏.‏‏.‏ فحدثنا عن أمر أصحاب الكهف وذي القرنين والروح‏.‏ قال‏:‏ ائتوني غداً‏.‏ ولم يستثن، فمكث جبريل عنه ما شاء الله لا يأتيه، ثم أتاه فقال‏:‏ سألوني عن أشياء لم يكن عندي بها علم فأجيب حتى شق ذلك علي‏ّ.‏ قال‏:‏ ألم ترنا لا ندخل بيتاً فيه كلب ولا صورة‏؟‏ - وكان في البيت جرو كلب - ونزلت ‏ {‏ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غداً إلا أن يشاء الله واذكر ربك إذا نسيت وقل عسى أن يهدين ربي لأقرب من هذا رشدا‏ً} ‏ من علم الذي سألتموني عنه أن يأتي قبل غد‏؟‏ ونزل ما ذكر من أصحاب الكهف ونزل ‏{أية : ويسألونك عن الروح‏.‏‏.‏‏.‏‏} ‏تفسير : [‏الإسراء: 85‏]‏ الآية‏"‏‏. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس، أن النبي صلى الله عليه وسلم حلف على يمين فمضى له أربعون ليلة، فأنزل الله ‏ {‏ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غداً إلا أن يشاء الله‏}‏ واستثنى النبي صلى الله عليه وسلم بعد أربعين ليلة‏. وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وابن مردويه، عن ابن عباس أنه كان يرى الاستثناء ولو بعد سنة، ثم قرأ ‏ {‏واذكر ربك إذا نسيت‏}‏ قال‏:‏ إذا ذكرت‏. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني، عن ابن عباس في هذه الآية قال‏:‏ إذا نسيت أن تقول لشيء‏؛‏ إني أفعله، فنسيت أن تقول إن شاء الله، فقل إذا ذكرت‏:‏ إن شاء الله‏. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر، عن أبي العالية في قوله‏:‏ ‏ {‏واذكر ربك إذا نسيت‏}‏ قال‏:‏ تستثني إذا ذكرت‏. وأخرج ابن المنذر عن سعيد بن جبير في رجل حلف ونسي أن يستثني، قال له‏:‏ ثنياه إلى شهر، وقرأ ‏ {‏واذكر ربك إذا نسيت‏}‏‏. وأخرج ابن أبي حاتم من طريق عمرو بن دينار، عن عطاء أنه قال‏:‏ من حلف على يمين فله الثنيا حلب ناقة‏.‏ قال: وكان طاوس يقول‏:‏ ما دام في مجلسه‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن إبراهيم قال‏:‏ يستثني ‏"‏ما دام‏"‏ في كلامه‏. وأخرج ابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه، عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏{‏واذكر ربك إذا نسيت‏} ‏ قال‏:‏ إذا نسيت الاستثناء فاستثن إذا ذكرت‏.‏ قال‏:‏ هي خاصة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وليس لأحدنا أن يستثني إلا في صلة يمينه‏. وأخرج سعيد بن منصور عن ابن عمر قال‏:‏ كل استثناء موصول فلا حنث على صاحبه، وإذا كان غير موصول فهو حانث‏. وأخرج البيهقي في الأسماء والصفات، عن ابن عمر قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏حديث : من حلف فقال‏:‏ إن شاء الله‏.‏ فإن شاء مضى، وإن شاء رجع غير حانث ‏"‏‏. تفسير : وأخرج أحمد والبخاري ومسلم والنسائي والبيهقي في الأسماء والصفات، عن أبي هريرة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏قال سليمان بن داود عليهما السلام‏:‏ لأطوفن الليلة على تسعين امرأة، تلد كل امرأة منهن غلاماً يقاتل في سبيل الله‏.‏ فقال له الملك‏:‏ قل إن شاء الله، فلم يقل‏.‏ فطاف فلم تلد منهن إلا امرأة واحدة نصف إنسان‏ ". تفسير : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ "حديث : والذي نفسي بيده، لو قال إن شاء الله، لم يحنث وكان دركاً لحاجته ‏"‏‏. تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في شعب الإيمان، عن عكرمة في قوله‏:‏ ‏ {‏واذكر ربك إذا نسيت‏}‏ قال‏:‏ إذا غضبت‏. وأخرج البيهقي في الأسماء والصفات، عن الحسن في قوله‏:‏ ‏ {‏واذكر ربك إذا نسيت‏}‏ قال‏:‏ إذا لم تقل إن شاء الله‏. وأخرج البيهقي من طريق المعتمر بن سليمان قال‏:‏ سمعت أبا الحارث، عن رجل من أهل الكوفة كان يقرأ القرآن في الآية قال‏:‏ إذا نسي الإنسان أن يقول إن شاء الله، فتوبته من ذلك أن يقول‏:‏ ‏ {‏عسى أن يهدين ربي لأقرب من هذا رشدا‏ً} ‏‏.

ابو السعود

تفسير : {وَلاَ تَقْولَنَّ لِشَىْء} أي لأجل شيءٍ تعزم عليه {إِنّى فَاعِلٌ ذٰلِكَ} الشيءَ {غَداً} أي فيما يُستقبل من الزمان مطلقاً فيدخُل فيه الغدُ دخولاً أولياً (فإنه نزل حين قالت اليهودُ لقريش: سلُوه عن الروح وعن أصحاب الكهفِ وذي القرنين، فسألوه عليه الصلاة والسلام فقال: « حديث : ائتوني غداً أُخبرْكم » تفسير : ولم يستثنِ فأبطأ عليه الوحيُ حتى شق عليه وكذّبته قريشٌ). وما قيل من أن المدلولَ بالعبارة هو الغدُ وما بعد ذلك مفهومٌ بطريق دِلالة النصِّ يرده أن ما بعده ليس بمعناه في مناط النهي، فإن وسعةَ المجالِ دليلُ القدرة فليتأمل.

السلمي

تفسير : لم يطلق لرسوله صلى الله عليه وسلم أن يخبر عن الحق إلا بما أخبره الحق، ولم يأذن له فى الإخبار عن نفسه إلا عن مشيئة ربه فقال: {وَلاَ تَقْولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذٰلِكَ غَداً إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ}.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {وَلاَ تَقُولَنَّ لِشَاْىءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذٰلِكَ غَداً إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ}. إذا كانت الحوادثُ صادرةً عن مشيئة الله فَمَنْ عَرَفَ الله لم يَعُدّ من نفسه ما علم أنه لا يتم إلا بالله. ويقال مَنْ عَرَفَ الله سقط اختيارُه عند مشيئته، واندرجت أحكامه في شهوده لحكم الله. ويقال المؤمن يعزم على اعتناق الطاعةُ في مستقبله بقلبه، لكنه يتبرأ عن حَوْلِهِ وقُوََّتِهِ بسِرِّه، والشرعُ يستدعي منه نهوض قلبه في طاعته، والحقُّ يقف سِرَّه عند شهود ما منه لمحبوبه تحت جريان قسمته. قوله جلّ ذكره: {وَٱذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَىٰ أَن يَهْدِيَنِ رَبِّي لأَقْرَبَ مِنْ هَـٰذَا رَشَداً}. إنْ طَرأَتْ عليك طوارقُ النسيان - لا يتعهدك - فجرِّدْ بذكرك قَصْدَكَ عن أوطان غفلتك. ويقال {وَٱذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ}: في الحقيقة نَفْسُك تمنعك من استغراقك في شهود ذكرك. ويقال واذكر ربك إذا نسيت ذكرك لربِّك: فإن العبدَ إذا كان ملاحظاً لذكره كان ذلك آفة في ذكره. ويقال واذكر ربك إذا نسيت حَظَّك منه. ويقال واذكر ربَّك إذا نسيت غيرَ ربِّك.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {وَلاَ تَقْولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذٰلِكَ غَداً} ان الله سبحانه اعلم نبيه وادب حبيبه فى منازل العبودية ومشاهد الربوبية بمحو الوجود عند وجود القديم الازلى وان يرى الكل قائما بالله فى مقام التوحيد مع الكل فى غير الجمع بائنا عن الكل فى افراد القدم عن الحدوث وهو محض التجريد والتفريد وقطع حدود علوم الخليقة عما فى المشية الازلية فاعلم معنيين اثبات الكسب وسبق التقدير وابهم اسرار المشية على الكل فى بيان الاستثناء بقوله {إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ} قال بعضهم لم يطلق لرسوله صلى الله عليه وسلم ان يخبر عن الحق الا بما اخبره الحق ولم ياذن له فى الاخبار عن نفسه الا عن مشية ربه فقال ولا تقولن لشئ الخ ثم بين سبحانه ان من شاهد نفسه فى مشاهدة الحق حيث طوى عليه احكام رسوم الاكتساب من جهة الامر ولم يسقط شهود نفسه وكسبه فقد نسى الحق بقوله {وَٱذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ} فان قوله واذكر ربك عقيب قوله ولا تقولن لشئ انى فاعل يدل على ذلك اى اذا شاهدت نفسك فقد غبت مشاهدة ربك فاذكره اى شاهده مشاهدة تغيب فى مشاهدة عن مشاهدتك نفسك وايضا واذكر ربّك اذا كنت متصفا متحدا بربك حين يغلب عليك سر الانانية فاذا ذكرت ربك فى مقام الانانية خرجت من حد الخداع والتلبيس الصادرين من مكر القدم واذا ذكر قدمه بان عدمه واذا بان عدمه تلاشى الحدث فى القدم ولم يبق الا القدم ويتبين امر العبودية عند الربوبية وايضا واذكر ربّك اذا غبت فى مشاهدت المذكور حتى يتخلص من غمار الفناء فى الوحدانية ويبقى ببقاء الحق ورؤية الابدية فانّك ان لم تذكر ربك ولم يرجع من رؤية مذكورك الى ذكره تفنى فيه ولا تدرك حقائق وجوده فان السكران الفانى لا يظفر بما يظفر الصاحى المتمكن وايضا فاذكر ربّك اذا نسيت حظك من مشاهدته وغيب عن شهوده عليك حتى فصل بالذكر الى رؤية المذكور وايضا واذكر ربك اذا نسيت ذكرك له فان رؤية الذكر فى رؤية المذكور نسان المذكور بالحقيقة وايضا فاذكر ربك اذا نسيت الكون والحدوثية فان ذكره لا يكون ذكرا حقيقيا الا بنعت فناء ما دونه فاذا فنى الحدث فى القدم صار الذكر صافيا وايضا واذكر ربك اذا نسيت ما وجدت منه فان الوقوف فى المقامات حجاب ذكر الحقيقة وايضا واذكر ربك اذا نسيت نفسك فان فى رؤيتك وجودك وبقاء وجودك لا يكون الذكر بحقيقة الانفراد ورسم افراد القدم على حدوث ثم امره سبحانه ان يخاطب اهل السر من المعرفة بترجية وصول ادنى الدنو واعلى العلو بقوله {وَقُلْ عَسَىٰ أَن يَهْدِيَنِ رَبِّي لأَقْرَبَ مِنْ هَـٰذَا رَشَداً} كان عليه السّلام اقرب الخلق من الله بنفس المعرفة والاصطفائية الازلية لكن كان مع محله وشرفه فى حيّز حقائق المعرفة قطرة فى بحر الازلية فامره الحق ان يسأل منه مزيد ما فيه من طرق حقائق عرفان الازلية واقرب ما يكون فيه من وصول الوصول فان الحق غير متناه من جميع الوجوه قال ابن عطا اذا نسيت نفسك والخلق فاذكرنى فان الاذكار لا تمازج ذكرى قال الجنيد حقيقة الذكر فناء الذاكر فيه والذكر فى مشاهدة المذكور قال الشبلى ما هذا خطاب اهل الحقيقة وانى ينسى المحق الحق فيذكره بل يذكر حياته وكونه وانشد شعر : لا لانى انساك اكثر ذكراك ولكن بذاك يجرى لسانى تفسير : وقال الجنيد حقيقة الذكر الفناء بالمذكور عن الذكر لذلك قال الله واذكر ربك اذا نسيت اى اذا نسيت الذكر يكون المذكور صفتك وقد وقع لى نكتة ههنا قال تعالى واذكر ربك اذا نسيت الذكر حق جميع الذات والصفات ولا نهاية لهما وذكر جميعهما واجب الحقوق على الخلق والصفات القديمة والذات الازلى غير مذكور بذك رالحدثان كانه تعالى اعلم نبيه صلى الله عليه وسلم ان جميع ذكره ما بلغ الى وصف ذرة من صفته فكل وقت مع جميع ذكره فى حد النسيان حيث لا يبلغ ذكره حقائق القدم قال واذكر بعد ذكرك ولا تفتر عن ذكرك فان ذكرك على السرمدية واجب ابدا لان بعد كل ذكر نسيان عن الباقى فاذا لا ينقطع الذكر ابدا يدل على ما ذكرنا قوله تعالى قل عسى ان يهدين ربى لاقرب من هذا رشدا بمعرفتى معرفة المذكور بنعت مشاهدته ورؤية ذاته وصفاته بوصف فنائى وفناء ذكرى فيه قال الجنيد ان فوق الذكر منزلة هو اقرب رشد من ذكره له وهو تجديد للنعوت بذكره لك قبل ان يسبق الى الله بذكره وايضا لى نكتة فى الذكر اى واذكر ربّك اذا نسيت فانك اذا ذكرته بلسان الحدثية نسيته وان اردت ان تذكرنى بالحقيقة التى لا نسيان فيها ولا فترة فاتصف بصفتى ثم اذكرنى بصفتى حتى يصل ذكرك الى بالحقيقة.

اسماعيل حقي

تفسير : {ولا تقولن} نهى تأديب {لشايء} اى لاجل شئ تعزم عليه {انى فاعل ذلك} الشئ{غدا} اى فيما يستقبل من الزمان مطلقا فيدخل فيه العد دخولا اوليا فانه نزل حين قالت اليهود لقريش سلوه عن الروح وعن اصحاب الكهف وعن ذى القرنين فسألوه صلى الله عليه وسلم فقال "حديث : ائتونى غدا اخبركم"تفسير : ولم يستثن اى لم يقل ان شاء الله وتسميته استثناء لانه يشبه الاستثناء فى التخصص فابطأ عليه الوحى ايام حتى شق عليهم. يعنى {غبار ملال برمرآت دل بى غل آن حضرت نشست] وكذبته قريش وقالوا ودعه ربه وابغضه.

الجنابذي

تفسير : {وَلاَ تَقْولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذٰلِكَ غَداً إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ} استثناء مفرّغ من لا تقولن اى لا تقولنّ لشيءٍ بضمّ شيءٍ ان يشاء الله او فى حالٍ الاّ فى حال ضمّ ان يشاء الله، والمقصود الاّ بتذكّر مشيّة الله، وهذا تأديب له (ص) وتعليمٌ لغيره ان لا يقولوا شيئاً منوطاً بمشيّة الله الاّ ان يستثنوا، وقد سبق انّه (ص) قال فى جواب سؤالهم المسائل الثّلاث: اخبركم غداً، ولم يستثن، فحبس الوحى عنه اربعين يوماً {وَٱذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ} الاستثناء فى الخبر انّ للعبد ان يستثنى ما بينه وبين اربعين صباحاً {وَقُلْ عَسَىٰ أَن يَهْدِيَنِ رَبِّي لأَقْرَبَ مِنْ هَـٰذَا} الاستثناء القولىّ {رَشَداً} وهو الاستثناء الحالىّ والعيانىّ والتّحقّقىّ يعنى انتظر صيروة حالك حال الاستثناء دائماً او معاينة مشيّة فى كلّ شيءٍ او تحقّقك بمشيّته، وقيل فيه غير ذلك.

الهواري

تفسير : قال: { وَلاَ تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَداً إِلاَّ أَن يَشَاءَ اللهُ} يقول: إلا أن تستثنى. بلغنا أن اليهود لما سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أصحاب الكهف قال لهم رسول الله: أخبركم عنهم غداً، ولم يستثن، فأنزل الله هذه الآية. قال: { وَاذْكُرْ رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ} [أي: إذا نسيت الاستثناء] { وَقُلْ عَسَى أَن يَهْدِيَنِ رَبِّي لأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَداً}. ومتى ما ذكر الذي حلف فليقل إن شاء الله، لأن الله أمره أن يقول: إن شاء الله. ومن حلف على يمين فاستثنى قبل أن يتكلم بين اليمين وبين الاستثناء بشيء فله ثنياه، ولا كفارة عليه. وإن كان استثنى بعدما تكلم بعد اليمين قبل الاستثناء، أو متى ما استثنى، فالكفارة لازمة له، وسقط عنه المأثم حيث استثنى، لأنه كان قد ركب ما نهى عنه من تركه ما أمر به من الاستثناء. أي: لا يقول: إني أفعل حتى يقول إن شاء الله، ولا يقول: لا أفعل حتى يقول إن شاء الله. ذكر ابن عمر أنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : إذا استثنى فله ثنياه تفسير : وقال بعضهم: ليس الاستثناء بشيء حتى يجهر به كما يجهر باليمين. أي: إن الاستثناء في قبله ليس بشيء حتى يتكلم به لسانه. ذكروا عن الحسن أنه قال: من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها فليأتِ الذي هو خير وليكفر عن يمينه إلا طلاق أو عتاق.

اطفيش

تفسير : {وَلاَ تَقُولَنَّ لِشَاْئٍ} أى لشأن شئ أَى فى شأنه أو لأجل شئ هو بألف بين الشين والياء كما قال الشاطبى والخراز وغيرهما. قال أبو عمرو الدانى فى المقنع عن بعضهم: رأيت فى جميع المصاحف شيا بغير ألف ما خلا ولا تقوان لشئ قال البعض: وفى مصاحف عبد الله رأيتها كلها بألف قال أبو عمرو: ولم أجد شيئا من ذلك فى مصاحف أهل العراق ولا غيرها بأَلف ا هـ. وكنت متأَملا فى زيادتها هنا وأقول: زيدت تأكيداً ليعلم أن فى الكلمة همزة نتقوى فى خفائها بألف وتمد والفاصل بينهما ساكن فلم يكن حاجزا حصينا وخص هذا بهذا اللفظ فى هذا الموضع اعتناء بالنهى عن عدم الاستثناء فى الكلام ثم بعد ذلك والحمد لله رأيت بعضه منصوصا عليه لشارح عقيلة الشاطبى وشارح الخراز. روى حديث : أن اليهود سأَلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أو قالوا لقريش: سلوه عن الروح وأصحاب الكهف وذى القرنين فقال: ائتونى غدا فأخبركم ولم يقل إن شاء الله فأَبطأ عليه الوحى بضعة عشر. وقيل: أقل. وقيل: أربعين فشق عليه ذلك وقد مر ذلك فى سبحان فأنزل الله تعالى تأديبا له: ولا تقولن لشئ {إِنىِّ فَاعِلٌ ذَلِكَ} الشئ {غَدَاً} تفسير : حقيقته اليوم الذى بعد يومى متصلا به والمراد عندى هنا مطلق المستقبل ولو فى يومك أو بعد اليوم الذى يلى يومك فتكون لفظة غد مجازاً مرسلا لعلاقة الإطلاق أو التقيد أو هما وذلك أن الغد موضوع للمستقبل بقيد كونه تالى يومك واستعمل فى مطلق المستقبل فيلزم الاستثناء كل من يقول: إنى أفعل أو سأفعل أو نحو ذلك مما أريد به الاستقبال سواء نطق بمادة فعل أم لا كأجئ وأعطيك فإن ذلك داخل فى قوله فاعل. وقال بعض: لا يلزم الاستثناء الأمر من ذكر لفظة غد أو نحوها ما يكون مؤديا لمعناها اتباعا لظاهر الآية على أن المراد بلفظ الغد مدلول لفظ الغد بأى لفظ فقط. واختلف فى اعتقاده الفعل بدون النطق هل يلزم فيه الاستثناء أَم لا والنفى كالإثبات قياسا فى النطق والاعتقاد وقد يتكلف دخوله فى قوله فاعل فإنه قد يطلق الفعل على القدر المشترك بين الترك وعدمه ويدل له دخول ترك الصلاة ونحوها فى نحو من يعمل سوءا يجز به. وقيل: لا يلزم الاستثناء فى النفى.

الالوسي

تفسير : {وَلاَ تَقْولَنَّ} أي لأجل شيء تعزم عليه {إِنّى فَاعِلٌ ذٰلِكَ} الشيء {غَداً} أي فيما يستقبل من الزمان مطلقاً وهو تأكيد لما يدل عليه اسم الفاعل بناء على أنه حقيقة في الاستقبال ويدخل فيه الغد بمعنى اليوم الذي يلي يومك وهو المتبادر دخولاً أولياً، فإن الآية نزلت حين سألت قريش النبـي صلى الله عليه وسلم عن الروح وأصحاب الكهف وذي القرنين فقال عليه الصلاة والسلام: غداً أخبركم ولم يستثن فأبطأ عليه صلى الله عليه وسلم الوحي خمسة عشر يوماً على ما روى عن ابن إسحٰق، وقيل؛ ثلاثة أيام، وقيل: أربعين يوماً فشق ذلك عليه عليه الصلاة والسلام وكذبته قريش وحاشاه. وجوز غير واحد أن يبقى على المعنى المتبادر وما بعده بذلك المعنى يعلم بطريق دلالة النص. وتعقب بأن ما بعده ليس بمعناه في مناط النهي وهو احتمال المانع فإن الزمان إذا اتسع قد ترتفع فيه الموانع أو تخف وليس بشيء لأن المانع شامل للموت واحتمال في الزمان الواسع أقوى.

ابن عاشور

تفسير : { وَلاَ تَقْولَنَّ لِشَىْءٍ إِنِّى فَاعِلٌ ذٰلِكَ غَداً} {إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ}. عطف على الاعتراض. ومناسبة موقعه هنا ما رواه ابن إسحاق والطبري في أول هذه السورة والواحدي في سورة مريم: حديث : أن المشركين لما سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن أهل الكهف وذي القرنين وعدهم بالجواب عن سؤالهم من الغد ولم يَقُل «إن شَاءَ الله »، فلم يأته جبريل ــــ عليه السلام ــــ بالجواب إلا بعد خمسة عشرَ يوماًتفسير : . وقيل: بعد ثلاثة أيام كما تقدم، أي فكان تأخير الوحي إليه بالجواب عتاباً رمزياً من الله لرسوله ــــ عليه الصلاة والسلام ــــ كما عاتب سليمان ــــ عليه السلام ــــ فيما رواه البخاري: « حديث : أن سليمان قال: لأطوفَنّ الليلة على مائة امرأة تَلِد كل واحدة ولداً يقاتل في سبيل الله فلم تحمل منهن إلا واحدة ولدت شِقّ غلام ». تفسير : ثم كان هذا عتاباً صريحاً فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما سئل عن أهل الكهف وعد بالإجابة ونسي أن يقول: «إن شاء الله» كما نسي سليمان، فأعلم الله رسوله بقصة أهل الكهف، ثم نهاه عن أن يَعِد بفعل شيء دون التقييد بمشيئة الله. وقوله: {إلا أن يشاء الله} استثناء حقيقي من الكلام الذي قبله. وفي كيفية نظمه اختلاف للمفسرين، فمقتضى كلام الزمخشري أنه من بقية جملة النهي، أي هو استثناء من حكم النهي، أي لا تقولن: إني فاعل الخ... إلا أن يشاء الله أن تقوله. ومشيئة الله تُعلم من إذنه بذلك، فصار المعنى: إلا أن يأذن الله لك بأن تقوله. وعليه فالمصدر المسبك من {أن يشاء الله} مستثنى من عموم المنهيات وهو من كلام الله تعالى، ومفعول {يشاء الله} محذوف دل عليْه ما قبله كما هو شأن فِعل المشيئة والتقدير: إلا قولاً شاءه الله فأنت غير منهي عن أن تقوله. ومقتضى كلام الكسائي والأخفش والفراء أنه مستثنى من جملة {إني فاعل ذلك غداً}، فيكون مستثنى من كلام النبي صلى الله عليه وسلم المنهي عنه، أيْ إلا قولاً مقترناً بــــ (إن شاء الله) فيكون المصدر المنسبك من (أن) والفعل في محل نصب على نزع الخافض وهو باء الملابسة. والتقدير: إلا بــــ (إن يشاء الله) أي بما يدل على ذكر مشيئة الله، لأن ملابسة القول لحقيقة المشيئة محال، فعلم أن المراد تلبسه بذكر المشيئة بلفظ (إن شاء الله) ونحوهِ، فالمراد بالمشيئة إذن الله له. وقد جمعت هذه الآية كرامة للنبيء صلى الله عليه وسلم من ثلاث جهات: الأولى: أنه أجاب سؤله، فبين لهم ما سألوه إياه على خلاف عادة الله مع المكابرين. الثانية: أنه علمه علماً عظيماً من أدب النبوءة. الثالثة: أنه ما علمه ذلك إلا بعد أن أجاب سؤله استئناساً لنفسه أن لا يبادره بالنهي عن ذلك قبل أن يجيبه، كيلا يتوهم أن النهي يقتضي الإعراض عن إجابة سؤاله، وكذلك شأن تأديب الحبيب المكرّم. ومثاله ما في الصحيح: حديث : أن حكيم بن حزام قال: «سألت رسول الله فأعطاني ثم سألته فأعطاني ثم سألته فأعطاني، ثم قال: يا حكيم إن هذا المال خَضِرَةٌ حُلوةٌ فمن أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه وكان كالذي يأكل ولا يشبع واليد العليا خير من اليد السفلى. قال حكيم: يا رسول الله والذي بعثك بالحق لا أرزأُ أحداً بعدك شيئاً حتى أفارق الدنيا» . تفسير : فعلم حكيم أن قول رسول الله صلى الله عليه وسلم له ذلك ليس القصد منه منعه من سُؤْله وإنما قصد منه تخليقه بخلق جميل، فلذلك أقسم حكيم: أن لا يأخذ عن أحد غير رسول الله شيئاً، ولم يقل: لا أسألك بعد هذه المرة شيئاً. فنظم الآية أن اللام في قوله: {لشيء} ليست اللام التي يتعدى بها فعل القول إلى المخاطب بل هي لام العلة، أي لا تقولن: إني فاعل كذا لأجل شيء تَعِدُ به، فاللام بمنزلة (في). و «شيء» اسم متوغل في التنكير يفسره المقام، أي لشيء تريد أن تفعله. والإشارة بقوله: {ذلك} عائدة إلى «شيء». أي أني فاعل الإخبار بأمر يسألونه. و{غداً} مستعمل في المستقبل مجازاً. وليست كلمة (غداً) مراداً بها اليوم الذي يلي يَومه، ولكنه مستعمل في معنى الزمان المستقبل، كما يستعمل اليومُ بمعنى زمان الحال، والأمسُ بمعنى زمن الماضي. وقد جمعها قول زهير: شعر : وأعلمُ عِلم اليوم والأمس قبله ولكنني عن علم ما في غدٍ عَمِ تفسير : وظاهر الآية اقتصار إعمالها على الإخبار بالعزم على فعل في المستقبل دون ما كان من الكلام إنشاءً مثل الأيمان، فلذلك اختلف فقهاء الأمصار في شمول هذه الآية لإنشاء الأيمان ونحوها، فقال جمهورهم: يكون ذكر {إلا أن يشاء الله} حَلاً لعقد اليمين يُسقط وجوب الكفارة. ولعلهم أخذوه من معنى (شيء) في قوله: {ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك} الخ: بحيث إذا أُعقبت اليمينُ بقول (إلا أن يشاء الله) ونحوه لم يلزم البر في اليمين. وروى ابن القاسم وأشهب وابنُ عبد الحكم عن مالك أن قوله: {ولا تقولن لشيء إني فاعل} الخ.. إنما قُصد بذلك ذكر الله عند السهو وليس باستثناء. يعني أن حكم الثنيا في الأيمان لا يؤخذ من هذه الآية بل هو مما ثبت بالسنّة. ولذلك لم يخالف مالك في إعمال الثنيا في اليمين، وهي قول (إن شاء الله). وهذا قول أبي حنيفة والشافعي. عطف على النهي، أي لا تَعِدْ بوعد فإن نسيتَ فقلت: إني فاعل، فاذكر ربك، أي اذكر ما نهاك عنه. والمراد بالذكر التدارك وهو هنا مشتق من الذُكر ــــ بضم الذال ــــ، وهو كناية عن لازم التذكر، وهو الامتثال، كما قال عُمر بن الخطاب ــــ رضي الله عنه ــــ: «أفْضَلُ من ذكر الله باللسان ذِكْرُ الله عند أمره ونهيه». وفي تعريف الجلالة بلفظ الرب مضافاً إلى ضمير المخاطب دون اسم الجلالة العَلَم من كمال الملاطفة ما لا يخفى. وحُذف مفعول {نسيت} لظهوره من المقام، أي إذا نسيت النهي فقلت: إني فاعل. وبعض الذين أعْملوا آية {إلا أن يشاء الله} في حل الأيمان بذكر الاستثناء بمشيئة الله جعلوا قوله: {واذكر ربك إذا نسيت} ترخيصاً في تدارك الثنيا عند تذكر ذلك، فمنهم من لم يحد ذلك بمدة. وعن ابن عباس: لا تحديد بمدة بل ولو طال ما بين اليمين والثنيا. والجمهور على أن قوله: {واذكر ربك إذا نسيت} لا دلالة فيه على جواز تأخير الثنيا، واستدلوا بأن السنّة وردت بخلافه. لما أبر الله وعَد نبيه صلى الله عليه وسلم الذي وعده المشركين أن يبين لهم أمر أهل الكهف فأوحاه إليه وأوقفهم عليْه، أعقب ذلك بعتابه على التصدي لمجارَاتهم في السؤال عما هو خارج عن غرض الرسالة دون إذن من الله، وأمَره أن يذكر نهي ربه. ويعزم على تدريب نفسه على إمساك الوعد ببيان ما يُسأل منه بيانُه دون أن يأذنه الله به، أمره هنا أن يخبر سائليه بأنه ما بُعث للاشتغال بمثل ذلك، وأنه يرجو أن الله يهديه إلى ما هو أقرب إلى الرشد من بيان أمثال هذه القصة، وإن كانت هذه القصة تشتمل على موعظة وهدى ولكن الهدى الذي في بيان الشريعة أعظم وأهم. والمعنى: وقل لهم عسى أن يهديني ربي لأقرب من هذا رشداً. فجملة {وقل عسى أن يهدين} الخ... معطوفة على جملة { أية : فلا تمار فيهم } تفسير : [الكهف: 22]. ويجوز أن تكون جملة {وقل عسى أن يهدين ربي} عطفاً على جملة {واذكر ربك إذا نسيت}، أي اذكر أمره ونهيه وقل في نفسك: عسى أن يهديني ربي لأقرب من هذا رشداً، أي ادع الله بهذا. وانتصب {رشداً} على تمييز نسبة التفضيل من قوله: {لأقرب من هذا}. ويجوز أن يكون منصوباً على أنه مفعول مطلق مبين لنوع فعل {أن يهدين} لأن الرشد نوع من الهداية. فــــ {عسى} مستعملة في الرجاء تأدباً، واسم الإشارة عائد إلى المذكور من قصة أهل الكهف بقرينة وقوع هذا الكلام معترضاً في أثنائها. ويجوز أن يكون المعنى: وارجُ من الله أن يهديك فيُذكرك أن لا تَعِد وعداً ببيان شيء دون إذن الله. والرّشَدــــ بفتحتين ــــ: الهدى والخير. وقد تقدم القول فيه عند قوله تعالى في هذه السورة { أية : وهيء لنا من أمرنا رشداً } تفسير : [الكهف: 10].

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {وَلاَ تَقْولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذٰلِكَ غَداً إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ}. نهى الله نبيه صلى الله عليه وسلم في هذه الآية الكريمة أن يقول: إنه سيفعل شيئاً في المستقبل إلا معلقاً ذلك على مشيئة الله الذي لا يقع شيء في العالم كائناً ما كان إلا بمشيئته جل وعلا فقوله: {وَلاَ تَقْولَنَّ لِشَيْءٍ} [الكهف: 23] أي لا تقولن لأجل شيء تعزم على فعله في المستقبل إني فاعل ذلك الشيء غداً. والمراد بالغد: ما يستقبل من الزمان لا خصوص الغد. ومن أساليب العربية إطلاق الغد على المستقبل من الزمان. ومنه قول زهير: شعر : واعلم علم اليوم والأمس قبله ولكنني عن علم ما في غد عم تفسير : يعني أنه لا يعلم ما يكون في المستقبل، إذ لا وجه لتخصيص الغد المعين بذلك. وقوله: {إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ} [الكهف: 24] إلا قائلاً في ذلك إلا أن يشاء الله، أي معلقاً بمشيئة الله. أو لا تقولنه إلا بإن شاء الله، أي إلا بمشيئة الله. وهو في موضع الحال، يعني إلا متلبساً بمشيئة الله قائلاً إن شاء الله، قاله الزمخشري وغيره. وسبب نزول هذه الآية الكريمة - أن اليهود قالوا لقريش: سلوا محمداً "صلى الله عليه وسلم" عن الروح، وعن رجل طواف في الأرض (يعنون ذا القرنين)، "حديث : وعن فتية لهم قصة عجيبة في الزمان الماضي {يعنون أصحاب الكهف). فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: "سأخبركم غداً عما سألتم عنه"تفسير : ولم يقل إن شاء الله، فلبث عنه الوحي مدة، قيل خمس عشرة ليلة، وقيل غير ذلك. فأحزنه تأخر الوحي عنه، ثم أنزل عليه الجواب عن الأسئلة الثلاثة، قال في الروح: {أية : وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلرُّوحِ قُلِ ٱلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي}تفسير : [الإسراء: 85] الآية. وقال في الفتية {أية : نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نبَأَهُم بِٱلْحَقِّ}تفسير : [الكهف: 13] الآيات إلى آخر قصتهم. وقال في الرجل الطواف: {أية : وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِي ٱلْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُواْ عَلَيْكُم مِّنْهُ ذِكْراً}تفسير : [الكهف: 83] الآيات الكريمة إلى آخر قصته. فإذا عرفت معنى هذه الآية الكريمة وسبب نزولها، وأن الله عاتب نبيه فيها على عدم قوله إن شاء الله، لما قال لهم سأخبركم غداً - فاعلم أنه دلت آية أخرى بضميمة بيان السنة لها على أن الله عاتب نبيه سليمان على عدم قوله إن شاء الله، كما عاتب نبيه في هذه الآية على ذلك. بل فتنة سليمان لذلك كانت أشد. فقد أخرج الشيخان في صحيحيهما من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال: حديث : "قال سليمان بن داود عليهما وعلى نبينا الصلاة والسلام: لأطوفن الليلة على سبعين امرأة وفي رواية تسعين امرأة، وفي رواية مائة امرأة - تلد كل امرأة منهن غلاماً يقاتل في سبيل الله" فقيل له - وفي رواية قال له الملك: "قل إن شاء الله" فلم يقل. فطاف بهن فلم تلد منهن إلا امرأة واحدة نصف إنسان. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "والذي نفسي بيده لو قال إن شاء الله لم يحنث وكان دركاً لحاجته". وفي رواية "ولقاتلوا في سبيل الله فرساناً أجمعون" تفسير : اهـ. فإذا علمت هذا فاعلم أن هذا الحديث الصحيح بين معنى قوله تعالى: {أية : وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَىٰ كُرْسِيِّهِ جَسَداً}تفسير : [ص: 34] الآية. وأن فتنة سليمان كانت بسبب تركه قول "إن شاء الله"، وأنه لم يلد من تلك النساء إلا واحدة نصف إنسان، وأن ذلك الجسد الذي هو نصف إنسان هو الذي ألقي على كرسيه بعد موته في قوله تعالى: {وَأَلْقَيْنَا عَلَىٰ كُرْسِيِّهِ جَسَداً} الآية، فما يذكره المفسرون في تفسير قوله تعالى: {وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ} الآية، من قصة الشيطان الذي أخذ الخاتم وجلس على كرسي سليمان، وطرد سليمان عن ملكه. حتى وجد الخاتم في بطن السمكة التي أعطاها له من كان يعمل عنده بأجر مطروداً عن ملكه، إلى آخر القصة - لا يخفى أنه باطل لا أصل له، وأنه لا يليق بمقام النبوة. فهي من الإسرائيليات التي لا يخفى أنها باطلة. والظاهر في معنى الآية هو ما ذكرنا، وقد دلت السنة الصحيحة عليه في الجلة، واختاره بعض المحققين. والعلم عند الله تعالى. قوله تعالى: {وَٱذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ}. في هذه الآية الكريمة قولان معروفان لعلماء التفسير: الأول: أن هذه الآية الكريمة متعلقة بما قبلها، والمعنى: أنك إن قلت سأفعل غداً كذا ونسيت أن تقول إن شاء الله، ثم تذكرت بعد ذلك فقل إن شاء الله. أي اذكر ربك معلقاً على مشيئته ما تقول أنك ستفعله غداً إذا تذكرت بعد النسيان. وهذا القول هو الظاهر. لأنه يدل عليه قوله تعالى: {وَلاَ تَقْولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذٰلِكَ غَداً إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ} [الكهف: 23-24] وهو قول الجمهور. وممن قال به ابن عباس والحسن البصري وأبو العالية وغيرهم. القول الثاني - أن الآية لا تعلق لها بما قبلها. أن المعنى: إذا وقع منك النسيان لشيء فاذكر الله. لأن النسيان من الشيطان. كما قال تعالى عن فتى موسى: {أية : وَمَآ أَنْسَانِيهُ إِلاَّ ٱلشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ}تفسير : [الكهف: 63]، وكقوله: {أية : ٱسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ ٱلشَّيْطَانُ فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ ٱللَّهِ}تفسير : [المجادلة: 19]، وقال تعالى: {أية : وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ ٱلشَّيْطَانُ فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ ٱلذِّكْرَىٰ مَعَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ}تفسير : [الأنعام: 68] وذكر الله تعالى يطرد الشيطان، كما يدل لذلك قوله تعالى: {أية : وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ ٱلرَّحْمَـٰنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ}تفسير : [الزخرف: 36] وقوله تعالى: {أية : قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلنَّاسِ مَلِكِ ٱلنَّاسِ إِلَـٰهِ ٱلنَّاسِ مِن شَرِّ ٱلْوَسْوَاسِ ٱلْخَنَّاسِ}تفسير : [الناس: 1-4] الآية. أي الوسواس عند الغفلة عن ذكر الله. الخناس الذي يخنس ويتأخر صاغراً عند ذكر الله، فإذا ذهب الشيطان النسيان. وقال بعضهم: {وَٱذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ} أي صل الصلاة التي كنت ناسياً لها عند ذكرك لها، كما قال تعالى: {أية : وَأَقِمِ ٱلصَّلاَةَ لِذِكْرِيۤ}تفسير : [طه: 14] وقول من قال إذا نسيت، أي إذا غضبت ظاهر السقوط. مسألة اشتهر على ألسنة العلماء عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه استنبط من هذه الآية الكريمة. أن الاستثناء يصح تأخيره عن المستثنى منه زمناً طويلاً قال بعضهم إلى شهر. وقال بعضهم: إلى سنة. وقال بعضهم عنه: له الاستثناء أبداً. ووجه أخذه ذلك من الآية: أن الله تعالى نهى نبيه أن يقول: إنه سيفعل شيئاً في المستقبل إلا من الاستثناء بإن شاء الله. ثم قال: {واذكر ربك إذا نسيت}، أي إن نسيت تستثنى بإن شاء الله فاستثن إذا تذكرت من غير تقييد باتصال ولا قرب. والتحقيق الذي لا شك فيه - أن الاستثناء لا يصح إلا مقترناً بالمستثنى منه. وأن الاستثناء المتأخر لا أثر له ولا تحل به اليمين. ولو كان الاستثناء المتأخر يصح لما علم في الدنيا أنه تقرر عقد ولا يمين ولا غير ذلك، لاحتمال طرو الاستثناء بعد ذلك، وهذا في غاية البطلان كما ترى. ويحكى عن المنصور أنه بلغه أن أبا حنيفة رحمه الله يخالف مذهب ابن عباس المذكور. فاستحضره لينكر عليه ذلك، فقال الإمام أبو حنيفة للمنصور: هذا يرجع عليك! إنك تأخذ البيعة بالأيمان، أفترضى أن يخرجوا من عندك فيستثنوا فيخرجوا عليك!؟ فاستحسن كلامه ورضي عنه. فائدة قال ابن العربي المالكي: سمعت فتاة ببغداد تقول لجارتها: لو كان مذهب ابن عباس صحيحاً في الاستثناء ما قال الله تعالى لأيوب: {أية : وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَٱضْرِب بِّهِ وَلاَ تَحْنَثْ}تفسير : [ص: 44] بل يقول استثن بإن شاء الله - انتهى منه بواسطة نقل صاحب نشر البنود في شرح وقوله في مراقي السعود: شعر : بشركة وبالتوطي قالا بعض وأوجب فيه الاتصالا وفي البواقي دون ما اضطرار وأبطلن بالصمت للتذكار تفسير : فإن قيل: فما الجواب الصحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما فيما نسب إليه من القول بصحة الاستثناء المتأخر. فالجواب - أن مراد ابن عباس رضي الله عنهما أن الله عاتب نبيه على قوله إنه سيفعل كذا غداً ولم يقل إن شاء الله، وبين له أن التعليق بمشيئة الله هو الذي ينبغي أن يفعل، لأنه تعالى لا يقع شيء إلا بمشيئته، فإذا نسي التعليق بالمشيئة ثم تذكر ولو بعد طول فإنه يقول إن شاء الله، ليخرج بذلك من عهدة عدم التعليق بالمشيئة، ويكون قد فوض الأمر إلى من لا يقع إلا بمشيئة. فنتيجة هذا الاستثناء - هي الخروج من عهدة تركة الموجب للعتاب السابق، لا أنه يحل اليمين لأن تداركها قد فات بالانفصال. هذا هو مراد ابن عباس كما جزم به الطبري وغيره. وهذا لا محذور فيه ولا إشكال. وأجاب بعض أهل العلم بجواب آخر وهو - أنه نوى الاستثناء بقلبه ونسي النطق به بلسانه. فأظهر بعد ذلك الاستثناء الذي نواه وقت اليمين، هكذا قاله بعضهم. والأول هو الظاهر. والعلم عند الله تعالى.

القطان

تفسير : {وَلاَ تَقْولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذٰلِكَ غَداً إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ...}. جاءت هاتان الآيتان معترضتين اثناء القصة فيهما ارشادٌ وتأديب للرسول الكريم، وتعليمٌ للمؤمنين بأن يفوّضوا الأمورَ كلّها إلى الله، بعد ان يتخذوا كل الاحتياطات، وان يقرِنوا قولهم بمشيئة الله علاّم الغيوب. لا تقولن ايها الرسول لشيء تُقدِم عليه وتهتم به: إني فاعل ذلك غداً او بعد غد دون أن تقرِنَ قولك بمشيئة الله بان تقول: "إن شاءَ الله". فاذا كان هذا الخطاب للرسول الكريم الذي قال: "حديث : أدّبني ربي فأحسنَ تأديبي"تفسير : فنحن أَوْلى وألزم ان نلتزم بهذا الادب القرآني العظيم، ونشعر دائما اننا مع الله يوجّهنا الى ما فيه الخير لنا ولأمتنا. واذا نسيتَ امراً فتداركْ نفسك بذِكر الله، وقل عسى ان يوفقني ربي إلى امرٍ خير مما عزمتُ عليه وأرشدَ منه. ثم بعد ذلك بين الله تعالى ما أجملَ في قوله: فضربْنا على آذانِهم في الكهف سنينَ عددا فقال: {وَلَبِثُواْ فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِئَةٍ سِنِينَ وَٱزْدَادُواْ تِسْعاً}. وثلاثمئة سنة وتسعٌ قمرية هي ثلاثمئة سنة شمسية، ولذلك جاء هذا النص مبينا حقيقة علمية لم تكن معروفة في ذلك الزمان. قل أيها الرسول للناس: ان الله تعالى وحدَه هو الذي يعلم كم لبثوا في كهفهم وهو الذي يعلم ما غاب في السماوات والارض. {أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ} ما اعظم بصره في كل موجود وما اعظم سمعه بكل مسموع، فهو لا يخفى عليه شيء. والله ولي امر هذا الخلق جميعهم، لا يُشرك في قضائه أحداً من خلقه، وليس له وزير ولا نصير ولا شريك. قراءات: قرأ حمزة والكسائي: ثلاثمئةِ سنين: بالاضافة، والباقون "ثلاثمئةٍ سنين" بتنوين مئة.

د. أسعد حومد

تفسير : {لِشَيْءٍ} (23) - يُرْشِدُ اللهُ رَسُولَهُ صلى الله عليه وسلم إِلَى أَنَّهُ عَلَيْهِ إِذا عَزَمَ عَلَى فِعْلِ شَيءٍ فِي المُسْتَقْبَلِ أَنْ يَرُدَّهُ إِلَى مَشِيئَةِ اللهِ. أَيْ وَلاَ تَقُلْ أَيُّهَا الرَّسُولُ إِنِّي سَأَفْعَلُ ذلِكَ الشَّيءَ غَداً إِلاَّ أَنْ تَقُولَ - إِنْ شَاءَ اللهُ - لأَِنَّهُ قَدْ يَمْنَعُهُ مَانِعٌ مِنَ الوَفَاءِ بِمَا قَالَ فَيَكُونُ مُخْلِفاً.

الثعلبي

تفسير : {وَلاَ تَقْولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذٰلِكَ غَداً * إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ} ، قال ابن عباس: يعني إذا عزمت على أن تفعل شيئاً غداً، أو تحلف على شيء أن تقول: إني فاعل ذلك غداً إن شاء الله. وإن نسيت الاستثناء ثمّ ذكرته فقله ولو بعد سنة، وهذا تأديب من الله تعالى لنبيّه صلى الله عليه وسلم حين سئل عن المسائل الثلاثة: أصحاب الكهف، والروح، وذي القرنين، فوعدهم أن يخبرهم ولم يستثنِ. عبد الله بن سعيد المقري عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : لا يتم إيمان العبد حتى يستثني في كلّ كلامه ". تفسير : {وَٱذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ}، قال ابن عباس ومجاهد وأبو العالية والحسن: معناه: إذا نسيت الاستثناء ثمّ ذكرت، فاستثنِ. وقال عكرمة: معناه: واذكر ربّك إذا غضبت. حدّثنا عبد الصمّد بن حسان عن وهيب قال: مكتوب في الإنجيل: ابن آدم، اذكرني حين تغضب أذكرك حين أغضب فلا أمحقك فيمن أمحق، وإذا ظُلِمتَ فلا تنتصر؛ فإن نصرتي لك خير من نصرتك لنفسك. وقال الضحّاك والسدي: هذا في الصلاة؛ لقول النبّي صلى الله عليه وسلم "حديث : من نسي صلاة أو نام عنها فليصلّها إذا ذكرها ". تفسير : وقال أهل الإشارة: معناه واذكر ربك إذا نسيت غيره؛ لأن ذكر الله تعالى إنما يتحقق بعد نسيان غيره. يؤيده قول ذي النون المصري: من ذكر الله ذكراً على الحقيقة نسي في جنب ذكره كل شيء، فإذا نسي في جنب ذكره كل شيء حفظ الله له كلّ شيء، وكان له عوضاً من كل شيء. وقيل: معناه: واذكر ربّك إذا تركت ذكره، والنسيان هو الترك. {وَقُلْ عَسَىٰ أَن يَهْدِيَنِ رَبِّي لأَقْرَبَ مِنْ هَـٰذَا رَشَداً}، أي يثبتني على طريق هو أقرب إليه، فأرشد. وقيل: معنا لعلّ الله أن يهديني ويسدّدني لأقرب مما وعدتكم وأخبرتكم أنه سيكون إن هو شاء. وقيل: إن الله تعالى أمره أن يذكره إذا نسي شيئاً ويسأله أن يذكره فيتذكّر، أو يهديه لما هو خير له من تذكُّر ما نسيه. ويقال: إن القوم لمّا سألوه عن قصة أصحاب الكهف على وجه العناد أمره الله تعالى أن يخبرهم أن الله سيؤتيه من الحجج والبيان على صحة نبوّته وما دعاهم إليه من الحق ودلّهم على ما سألوه. ثمّ إن الله عز و جّل فعل ذلك حيث آتاه من علم غيوب المرسلين وخبرهم ما كان أوضح في الحجة وأقرب إلى الرشد من خبر أصحاب الكهف. وقال بعضهم: هذا شيء أمر أن يقوله مع قوله: {أية : إِن شَاءَ اللَّهُ} تفسير : [القصص: 27] إذا ذكر الاستثناء بعد ما نسيه، فإذا نسي الإنسان فيؤتيه من ذلك. وكفارته أن يقول: {عَسَىٰ أَن يَهْدِيَنِ رَبِّي لأَقْرَبَ مِنْ هَـٰذَا رَشَداً}. {وَلَبِثُواْ} يعني: أصحاب الكهف {فِي كَهْفِهِمْ}، قال بعضهم: هذا خبر عن أهل الكتاب أنهم قالوا ذلك، وقالوا: لو كان خبراً من الله عز و جّل عن قدر لبثهم في الكهف لم يكن لقوله: {قُلِ ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُواْ} وجه مفهوم، وقد أعلم خلقه قدر لبثهم فيه، هذا قول قتادة. يدل عليه قراءة ابن مسعود: (وقالوا لبثوا في كهفهم). وقال مطر الورّاق في هذه الآية: هذا شيء قالته اليهود، فردّه الله عليهم، وقال: {قُلِ ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُواْ} . وقال الآخرون: هذا إخبار الله عن قدر لبثهم في الكهف، وقالوا: معنى قوله: {قُلِ ٱللَّهُ أَعْلَمُ} أن أهل الكتاب قالوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إن للفتية من لدن دخلوا الكهف إلى يومنا هذا ثلاثمئة وتسع سنين فردّ الله عز و جّل ذلك عليهم، وقال: {قُلِ ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُواْ} بعد أن قبض أرواحهم إلى يومنا هذا لا يعلم ذلك غير الله وغير من أعلمه الله ذلك. وقال الكلبي: قالت نصارى نجران: أما الثلاثمئة فقد عرفناها، وأما التسع فلا علم لنا بها فنزلت {قُلِ ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُواْ}. {ثلاثمائة سنين} مضاف غير منّون، قرأها حمزة، والكسائي والباقون بالتنوين يعني: ولبثوا في كهفهم سنين ثلاثمئة. وقال الضحّاك ومقاتل: نزلت: {وَلَبِثُواْ فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِاْئَةٍ} فقالوا: أيّاماً أو سنين؟ فنزلت {سِنِينَ} فلذلك قال: {سِنِينَ} ولم يقل: سنة. {وَٱزْدَادُواْ تِسْعاً * قُلِ ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُواْ لَهُ غَيْبُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ} يعني: ما أبصر الله بكل موجود وأسمعه بكل مسموع {مَا لَهُم}، أي لأهل السماوات والأرض {مِّن دُونِهِ} من دون الله {مِن وَلِيٍّ}: ناصر، {وَلاَ يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً} من الأصنام وغيرها. {وَٱتْلُ} أي واقرأ يا محمد {مَآ أُوْحِيَ إِلَيْكَ مِن كِتَابِ رَبِّكَ}، يعني: القرآن، واتّبع ما فيه {لاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ}، قال الكلبي: لا مغير للقرآن. وقال محمد بن جرير: يعني: لا مغير لما أوعد بكلماته أهل معاصيه والمخالفين لكتابه. { وَلَن تَجِدَ} أنت {مِن دُونِهِ} إن لم تتبع القرآن وخالفته {مُلْتَحَداً}، قال ابن عباس: حرزاً. وقال الحسن: مدخلا. وقيل: معدلا. وقيل: موئلا وقال مجاهد ملجأً، وأصله من الميل، ومنه لحد القبر. {وَٱصْبِرْ نَفْسَكَ} الآية قال المفسرون: نزلت في عيينة بن حصين الفزاري، وذلك أنه أتى النبّي صلى الله عليه وسلم قبل نزول هذه الآية، وعنده بلال وصهيب وخباب وعمار وعامر بن فهيرة ومهجع وسلمان، وعلى سلمان شملة قد عرق فيها وبيده خوصة يشتقها ثمّ ينسجها، فقال عيينة للنبّي صلى الله عليه وسلم أما يؤذيك ريح هؤلاء؟ فوالله لقد آذانا ريحهم. وقال: نحن سادات مضر وأشرافها فإن أسلمنا أسلم الناس وإن أبينا أبى الناس، وما يمنعنا من اتّباعك إلاّ هؤلاء، فنحِّ هؤلاء حتّى نتبعك، واجعل لنا مجلساً ولهم مجلساً. فأنزل الله عز و جّل: {وَٱصْبِرْ}: واحبس {نَفْسَكَ مَعَ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ}: يعبدون ربهم ويوقّرون {رَبَّهُم بِٱلْغَدَاةِ وَٱلْعَشِيِّ}، أي طرفي النهار {يُرِيدُونَ وَجْهَهُ}، يعني: يريدون الله عزّ وجلّ لا يريدون عرضاً من الدنيا. والمراد منه: الحسنة وترك الريّاء. قال قتادة: يعني: صلاة الصبح والعصر. وقال كعب الأحبار: والذي نفسي بيده إنّهم لأهل الصّلوات المكتوبة. قال قتادة: نزلت هذه الآية في أصحاب الصفة، وكانوا سبعمئة رجل فقراء لزموا مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يرجعون إلى تجارة ولا إلى زرع ولا ضرع، يصلّون صلاة وينتظرون أُخرى. قال قتادة: فلما نزلت هذه الآية قال نبي الله صلى الله عليه وسلم "حديث : الحمد لله الذي جعل في أُمّتي من أمرت أن أصبر معهم ". تفسير : {وَلاَ تَعْدُ عَيْنَاكَ}: لا تصرف ولا تجاوز عيناك {عَنْهُمْ} إلى غيرهم {تُرِيدُ زِينَةَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا}، يعني مجالسة الرؤساء والأغنياء والأشراف. ومعنى الآية: ولا تعدُ عيناك عنهم مريداً زينة الدنيا حال خوضهم في الاستغفار لأنه حكم على النبّي صلى الله عليه وسلم بإرادته الدنيا. {وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا} أي تركنا قلبه وأنسيناه ذكرنا. قال أبو العالية: يعني: أُميّة بن خلف الجمحي. وقال غيره: يعني عيينة بن حصين، {وَٱتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً}، قال قتادة والضحّاك ومجاهد: ضياعاً. وقال داود: ندماً. وقال حباب: هلاكاً. وقال ابن زيد: مخالفاً للحق. وقال مقاتل بن حيّان: سرفاً. وقال الأخفش: مجاوزاً للحد. وقال الفرّاء: متروكاً. وقيل: باطلاً. وقال أبو زيد البلخي: قُدُماً في الشر. قال أبو عبيد: هو من قول العرب: فرس فرط إذا سبقت الخيل، وفرط القول منّي أي سبق. وقيل: معناه ضيّع أمره وعطّل أيامه، قالوا: ان المؤمن من يستعمل الأوقات، ولا تستعمله الأوقات. {وَقُلِ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ}، الحقُ: رفع على الحكاية، وقيل: هو رفع على خبر ابتداء مضمر معناه: وقل هو الحقّ من ربكّم، يعني: ما ذكر من القرآن والإيمان وشأن محمد صلى الله عليه وسلم وقيل: هو رفع على الابتداء وخبره في قوله {مِن رَّبِّكُمْ}، ومعنى الآية: وقل يا محمّد لهؤلاء الّذين أغفلنا قلوبهم عن ذكرنا: أيُّها الناس، مِن ربكم الحقُّ، وإليه التوفيق والخذلان، وبيده الضلالة والهدى، يهدي من يشاء فيؤمن، ويضل من يشاء فيكفر ليس إليّ من ذلك شيء، ولست بطارد المؤمنين لكم، فإن شئتم فآمنوا، وإن شئتم فاكفروا؛ فإنكم إن كفرتم فقد أعدّ لكم ربكم على كفركم ناراً أحاط بكم سرادقها، وإن آمنتم وأطعتم فإن لكم ما وصف الله عزّ وجلّ لأهل طاعته. وقوله: {فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ} ليس بترخيص وتخيير، إنما هو وعيد وتهديد، كقوله: {أية : ٱعْمَلُواْ مَا شِئْتُمْ} تفسير : [فصلت: 40]. قال ابن عباس: من شاء الله له الاِيمان آمن، ومن شاء له الكفر كفر، وهو قوله: {أية : وَمَا تَشَآءُونَ إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ}تفسير : [الإنسان: 30]. {إِنَّا أَعْتَدْنَا}: أعددنا وهيّأنا، من العتاد، وهو العدّة {لِلظَّالِمِينَ}: للكافرين {نَاراً}، وفيه دليل على أن النار مخلوقة؛ لأنها لو لم تكن مخلوقة موجودة معدّة لكان المخبر كذّاباً، وتعالى الله عن ذلك. وقوله: {أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا}، روى سعيد الخدري عن النبّي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : سرادق النار أربعة جدر كُثُف، كل واحد مسيرة أربعين سنة"تفسير : . وقال ابن عباس: هو حائط من نار. الكلبي: هو عَنَق يخرج من النار فيحيط بالكفّار كالحظيرة. وقال القتيبي: السّرادق الحجرة التي تكون حول الفسطاط. قال رؤبة: شعر : يا حكم بن المنذر بن الجارودْ سرادق المجد عليك ممدودْ تفسير : وقال سلامة بن جندل: شعر : هو المدخل النعمان بيتاً سماؤه صدور الفيول بعد بيت مسردق تفسير : وهو هاهنا دخان يحيط بالكفار يوم القيامة، وهو الذي ذكره الله في سورة المرسلات: {أية : ٱنطَلِقُوۤاْ إِلَىٰ ظِلٍّ ذِي ثَلاَثِ شُعَبٍ} تفسير : [المرسلات: 30] . {وَإِن يَسْتَغِيثُواْ} من شدة العطش {يُغَاثُواْ بِمَآءٍ كَٱلْمُهْلِ}، روى أبو مسلم عن أبي سعيد "حديث : عن النبيّ صلى الله عليه وسلم {بِمَآءٍ كَٱلْمُهْلِ} قال: كعُكر الزّيت، فإذا قرب إليه سقطت فروة وجهه فيه"تفسير : . وقال ابن عباس: ماء غليظ مثل دردي الزيت. وقال الأعمش: هو عصارة الزيت. ومجاهد: القيح والدم. قال الضحّاك: المهل ماء أسود، وإن جهنم سوداء، ماؤها أسود، وشجرها أسود، وأهلها سود. وقال أبو عبيدة: كل ما أُذيب من جواهر الأرض. وروى روح بن عبادة، عن سعيد، عن قتادة قال: ذكر لنا أن ابن مسعود أُهديت له سقاية من ذهب وفضّة، فأمر بأُخدود فخُدّ في الأرض، ثمّ قذف فيه من جزل الحطب، ثمّ قذف فيه تلك السقاية، فلما أزبدت وانماعت، قال لغلامه: ادعُ من بحضرتك من أهل الكوفة. فدعا رهطاً، فلما دخلوا عليه قال: أترون هذا؟ قالوا: نعم. قال: ما رأينا في الدنيا شبهاً بالمهل أدنى من هذا الذهب والفضّة حين أزبد وانماع. وقال سعيد بن جبير: المهل الذي قد انتهى حرّه. وقال أبو عبيدة: سمعت المنتجع بن نبهان وذكر رجلاً، فقال: هو أبغض إلىّ من الطليا والمهل، فقلت له: ما المهل؟ قال: الملّة التي تحدّد من جوانب الرغيّف من النار، أحمر شديد الحمرة كأنّها الرمانة، وهي جمرة والطليا: الناقة المطليّة بالقطران. {يَشْوِي ٱلْوجُوهَ }، قال سعيد بن جبير: إذا جاع أهل النار استغاثوا بشجرة الزّقوم فيأكلون منها فاختلست جلودهم ووجوههم، فلو ان مارّاً مرّ يعرفهم لعرف جلود وجوههم فيها، ثمّ يصّب عليهم العطش فيستغيثون فيغاثون بماء كالمهل، وهو الذي قد انتهى حرّه، فإذا أدنوه من أفواههم اشتوى من حرّه لحوم وجوههم التي قد سقطت عنها الجلود. {بِئْسَ ٱلشَّرَابُ} هذا، {وَسَآءَتْ} النار {مُرْتَفَقاً}، قال ابن عباس: منزلاً. مجاهد: مجتمعاً. عطاء: مقرّاً. وقيل: مهاداً. وقال القتيبي: مجلساً. وأصل: المرتفق المتّكأ، يقال منه: ارتفقت، إذا اتّكأت على المرتفق. قال الشاعر: شعر : قالت له وارتفقت ألا فتى يسوق بالقوم غزالات الضحى تفسير : ويقال: ارتفق الرجل، إذا بات على مرفقه لا يأتيه نوم. قال أبو ذويب الهذلي: شعر : نام الخلي وبتّ الليل مرتفقاً كأن عيني فيها الصاب مذبوح تفسير : أي مقطوع من معتضده، والصاب: شجر اذا استؤصل خرج منه كهيئة اللبن، وربما ترتفع منه تربة أي فطرة، فيقع في العين فكأنها شهاب نار، وربما أضعف البصر. ويجوز أن يكون قوله: {مُرْتَفَقاً} من الرفق والمنفعة. {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً} . ليس قوله: {إِنَّا لاَ نُضِيعُ} خبراً لقوله: {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} بل هو كلام معترض، وخبر {إِنَّ} الأُولى قوله: {أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ} . ومثله في الكلام كثير، قال الشاعر: شعر : إنّ الخليفة إنّ الله سربله سربال ملك به ترجى الخواتيم تفسير : ومنهم من قال: فيه إضمار؛ فإن معناه: إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات فإنا لا نضيع أجره بل نجازيه. ثمّ ذكر الجزاء فقال: {أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ}، ووهي الإقامة {تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ ٱلأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ}: يلبسون {فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ}، وهو جمع الأسوار، قال سعيد بن جبير: يُحلّى كل واحد منهم ثلاثةً من الأساور، واحداً من فضّة، وواحداً من ذهب، ووحداً من لؤلؤ ويواقيت. {مِن ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَاباً خُضْراً مِّن سُنْدُسٍ}، وهو ما رقّ من الديباج {وَإِسْتَبْرَقٍ}، وهو ما غلظ منه. وقيل: هو فارسيّ معّرب {مُّتَّكِئِينَ فِيهَا}: في الجنان {عَلَى ٱلأَرَآئِكِ}، وهي السّرر في الحجال، واحدتها: أريكة {نِعْمَ ٱلثَّوَابُ وَحَسُنَتْ} يعني: الجنان {مُرْتَفَقاً}.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وتتجلى في هذه الآية رحمة الله بالمحبوب محمد صلى الله عليه وسلم فلم يُرِدْ سبحانه وتعالى أن يصدم رسوله بمسألة المخالفة هذه، بل أعطاه ما أراد، وأجابه إلى ما طَلب من مسألة أهل الكهف، ثم في النهاية ذكَّره بهذه المخالفة في أسلوب وَعْظ رقيق: {وَلاَ تَقُولَنَّ لِشَاْىءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذٰلِكَ غَداً * إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ ..} [الكهف: 23-24]. وقد سبق أنْ ذكرنا أنه صلى الله عليه وسلم حينما سأله القوم عن هذه القصة قال لهم: سأجيبكم غداً ولم يَقُلْ: إن شاء الله. فلم يعاجله الله تعالى بالعتاب، بل قضى له حاجته، ثم لفتَ نظره إلى أمر هذه المخالفة، وهذا من رحمة الله برسوله صلى الله عليه وسلم. كما خاطبه بقوله: {أية : عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ ..}تفسير : [التوبة: 43]. فقدَّم العفو أولاً وقرَّره؛ لأن هذه المسألة منتهية ومعلومة للرسول، ثم عاتبه بعد ذلك. كما لو طلب منك شخص عَوْناً أو مساعدة، وقد سبق أنْ أساء إليك، فمن اللياقة أَلاَّ تَصدِمه بأمر الإساءة، وتُذكّره به أولاً، بل اقْضِ له حاجته، ثم ذكّره بما فعل. والحق سبحانه يقول: {إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ وَٱذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ ...}.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : وبقوله تعالى: {وَلاَ تَقُولَنَّ لِشَاْىءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذٰلِكَ غَداً * إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ} [الكهف: 23-24] يشير إلى عدم الاختيار والمشيئة لحبيبه ونبيه صلى الله عليه وسلم في شيء من الأمور، وإن الاختيار والمشيئة لله تبارك وتعالى، وأفعال العباد كلها مبنية على مشيئته كقوله تعالى: {أية : وَمَا تَشَآءُونَ إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ} تفسير : [الإنسان: 30] ومن لم يعلق وقوع فعله بمشيئة الله، فإن من سنته أن يجري الأمر على خلاف مشيئتهم، كما كان حال سليمان عليه السلام في طلب الأولاد إذ دار على نسائه في ليلة واحدة وهن ثلاثمائة نسوة - والله أعلم - لتأتي كل واحدة منهم ولداً بأن يجاهد في سبيل الله، ولم يقل: إن شاء الله؛ فما أتت بولد إلا واحدة منهن لا شق له، وكما كان النبي صلى الله عليه وسلم حين سألته اليهود عن أحوال أصحاب الكهف وعددهم فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : سأخبركم" تفسير : ولم يقل: إن شاء الله، فأبهم الله أحوالهم عليه فقال: {أية : سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْماً بِٱلْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُل رَّبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِم} تفسير : [الكهف: 22] وهذا تأديب النبي صلى الله عليه وسلم حين لم يكل علمها إلى الله تعالى ووعدهم بأن يعلمهم بها. ومن تأديبه قوله: {أية : مَّا يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ قَلِيلٌ فَلاَ تُمَارِ فِيهِمْ إِلاَّ مِرَآءً ظَاهِراً} تفسير : [الكهف: 22] يعني: نحن نعلم قليلاً من أمتك أحوالهم كرامة لك، وإن لم نعلمكم بالتمام تأديباً لك، فلا تخبر أنت بما أخبرناك عن أحوالهم {وَلاَ تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِّنْهُمْ أَحَداً * وَلاَ تَقُولَنَّ لِشَاْىءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذٰلِكَ غَداً * إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ} [الكهف: 22-24] غيرنا لنخبرك تصرفاً بالاستقلال عن أحوالهم {وَٱذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ} [الكهف: 24] أي: واذكر بقولك إن شاء الله إذا نسيت وجودك، وإن لك تصرفاً بالاستقلال {وَقُلْ عَسَىٰ أَن يَهْدِيَنِ رَبِّي} [الكهف: 24] إذ لم يهدني إلى أحوالهم بالشرح يهديني بهذا التأديب {لأَقْرَبَ مِنْ هَـٰذَا رَشَداً} [الكهف: 24] أي: إلى طريق أقرب إليه وأرشد من هذا. ثم أخبر عن لبثهم في الكهف فقال: {وَلَبِثُواْ فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِاْئَةٍ سِنِينَ وَٱزْدَادُواْ تِسْعاً * قُلِ ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُواْ} [الكهف: 25-26] يعني: لو لم يخبر الله عن لبثهم ومدة إقامتهم في الكهف ما كان أحد أن يعلم بمدة لبثهم ولا هم بها علم كما {أية : قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ كَم لَبِثْتُمْ قَالُواْ لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ} تفسير : [الكهف: 19] لجهلهم بحال أنفسهم {لَهُ غَيْبُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ} [الكهف: 26] أي: ما غاب عن أهل السموات {وَٱلأَرْضِ} [الكهف: 26] أي ما غاب عن أهل الأرض {أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ} [الكهف: 26] أي: هو البصير بكل موجود وهو السميع بكل مسموع، فيه أبصر من أبصر، وبه سمع من سمع {مَا لَهُم مِّن دُونِهِ} [الكهف: 26] أحداً أي: من دون الله {مِن وَلِيٍّ} [الكهف: 26] يخبرهم عن غيب السماوات والأرض {وَلاَ يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ} [الكهف: 26] من الأزل إلى الأبد {أَحَداً} [الكهف: 26] لعزته. ثم أخبر عن إيجابه تلاوة كتابه بقوله تعالى {وَٱتْلُ} [الكهف: 27] على نفسك {مَآ أُوْحِيَ إِلَيْكَ مِن كِتَابِ رَبِّكَ} [الكهف: 27] أي: عن من كتاب كتبه ربك في الأزل {لاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَن تَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَداً} [الكهف: 27] إلى الأبد وهو قوله: {وَٱصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم} [الكهف: 28] وهم القلب والسر والروح والخفي يعني: هم المجبولون على طاعة الله وطلبه وشوقه ومحبته، كما أن النفس جبلت على طاعة الهوى، وطلب الدنيا ومحبتها {وَٱصْبِرْ نَفْسَكَ} [الكهف: 28] معهم في طاعة الله وطلبه وترك هواها والركون إلى الدنيا وما فيها؛ لتتصف بصفاتهم وهي العبودية على المحبة {بِٱلْغَدَاةِ} [الكهف: 28] أي: غداة الأزل {وَٱلْعَشِيِّ} [الكهف: 28] أي: عشي الأبد {يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} [الكهف: 28] أي: يطلبون الوصول إلى ذاته تبارك وتعالى ويقصدون الاتصاف بصفاته. {وَلاَ تَعْدُ عَيْنَاكَ} [الكهف: 28] أي: عينا همتك {عَنْهُمْ} [الكهف: 28] أي: عن القلب والسر والروح والخفي؛ ليكونوا متوجهين إلى الله تعالى متوحدين في طلبه، فإنك لم تراقب أحوالهم تتصرف فيهم النفس الأمارة بالسوء وتغيرهم عن صفاتهم، فإن الرضاع يغير الطباع، وإن طبع النفس أن {تُرِيدُ زِينَةَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} [الكهف: 28] فيريدونها وبها ينزلون عن أعلى عليين إلى أسفل سافلين {وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ} في الفطرة الأولى {عَن ذِكْرِنَا وَٱتَّبَعَ هَوَاهُ} [الكهف: 28] يعني: النفس {وَكَانَ أَمْرُهُ} [الكهف: 28] في متابعة الهوى {فُرُطاً} [الكهف: 28] أي: هلاكاً وخسراناً.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : هذا النهي كغيره، وإن كان لسبب خاص وموجها للرسول صل الله عليه وسلم، فإن الخطاب عام للمكلفين، فنهى الله أن يقول العبد في الأمور المستقبلة، { إني فاعل ذلك } من دون أن يقرنه بمشيئة الله، وذلك لما فيه من المحذور، وهو: الكلام على الغيب المستقبل، الذي لا يدري، هل يفعله أم لا؟ وهل تكون أم لا؟ وفيه رد الفعل إلى مشيئة العبد استقلالا وذلك محذور محظور، لأن المشيئة كلها لله {أية : وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين } تفسير : ولما في ذكر مشيئة الله، من تيسير الأمر وتسهيله، وحصول البركة فيه، والاستعانة من العبد لربه، ولما كان العبد بشرا، لا بد أن يسهو فيترك ذكر المشيئة، أمره الله أن يستثني بعد ذلك، إذا ذكر، ليحصل المطلوب، وينفع المحذور، ويؤخذ من عموم قوله: { وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ } الأمر بذكر الله عند النسيان، فإنه يزيله، ويذكر العبد ما سها عنه، وكذلك يؤمر الساهي الناسي لذكر الله، أن يذكر ربه، ولا يكونن من الغافلين، ولما كان العبد مفتقرا إلى الله في توفيقه للإصابة، وعدم الخطأ في أقواله وأفعاله، أمره الله أن يقول: { عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لأقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا } فأمره أن يدعو الله ويرجوه، ويثق به أن يهديه لأقرب الطرق الموصلة إلى الرشد. وحري بعبد، تكون هذه حاله، ثم يبذل جهده، ويستفرغ وسعه في طلب الهدى والرشد، أن يوفق لذلك، وأن تأتيه المعونة من ربه، وأن يسدده في جميع أموره.

النسائي

تفسير : سورة الكهف بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: {وَلاَ تَقُولَنَّ لِشَاْىءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذٰلِكَ غَداً ... إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ} [23-24]. 322 - أنا إبراهيم بن محمد، نا ابن داود، عن هشام بن عُروة، عن أبي الزِّناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : قال سليمان بن داود عليهما السلام: لأَطُوفنَّ الليلة على مائةِ امرأة فتأتي كل امرأة برجل يضرب بالسيف، ولم يقل: إن شاء الله، فطاف عليهن فجاءت واحدة بنصف ولدٍ، ولو قال سليمان: إن شاء الله، لكان ما قال" .

همام الصنعاني

تفسير : 1667- حدثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن الكلبي في قوله تعالى: {وَلاَ تَقُولَنَّ لِشَاْىءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذٰلِكَ غَداً * إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ}: [الآية: 23-24]، قال: إن نسيت فقل ذلك إذا ذكرت، وذلك قوله {وَٱذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ}: [الآية: 24]. 1668- حدثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن أيوب، عن ابن سيرين، أن أبا هريرة كان يحدث أن سليمان بن داود كانت له مائة امرأة، فقال: (لأطيفنَّ) الليلة بهن، فَلَتَلِدَنَّ كل امرأة منهنّ غلاماً يقاتل فارساً في سبيل الله، ولم يستثنِ، قال: فلم تلد منهنّ إلا امرأة ولد شطر رجل، ولو استثنى لوُلد له مائة غلام، وكل غلام يقاتل فارساً. 1669- حدثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال سليمان بن داود (لأطيفنَّ) الليلة على سبعين امرأة، تلد كل امرأة منهم غلاماً يقاتل في سبيل الله، فقيل له: قُلْ إنشاء الله، فلم يَقُلْن فأطاف بهن، فلم تلد منهم إلا امرأة احدة نصف إنسان، قال: فقال رسو الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لو قال إن شاء الله فلم يحنث، وكان (دركاً لحاجته) ".