١٨ - ٱلْكَهْف
18 - Al-Kahf (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
24
Tafseer
المحلي و السيوطي
تفسير : {إِلاَّ أَن يَشَاء ٱللَّهُ } أي إلا ملتبساً بمشيئة الله تعالى بأن تقول إن شاء الله {وَٱذْكُر رَّبَّكَ } أي مشيئته معلِّقاً بها {إِذَا نَسِيتَ } التعليق بها ويكون ذكرها بعد النسيان كذكرها مع القول قال الحسن وغيره: ما دام في المجلس {وَقُلْ عَسَىٰ أَن يَهْدِيَنِ رَبّى لأَقْرَبَ مِنْ هَٰذَا } من خبر أهل الكهف في الدلالة على نبوّتي {رَشَدًا } هداية، وقد فعل الله ذلك.
ابن عبد السلام
تفسير : {إِلآ أَن يَشَآءَ اللَّهُ} فيه إضمار إلا أن تقول: لأنه إذا علق بالمشيئة لم يكن كاذباً بإخلافه، ولا كفارة عليه إن كان يمين مع ما فيه من الإذعان لقدرة الله ـ تعالى ـ {إِذَا نَسِيتَ} الشيء فاذكر الله ـ تعالى ـ ليذكرك إياه فإن فعل برئت ذمتك وإلا فسيدلك على أرشد مما نسيته، أو اذكره إذا غضبت ليزول غضبك، أو إذا نسيت الاستثناء فاذكر ربك بقولك {عَسَى أَن يَهْدِيَنِ رَبِّى} الآية، أو اذكره بالاستثناء، ويصح الاستثناء إلى سنة فتسقط الكفارة ولا يصح بعدها "ع"، أو في مجلس اليمين ولا يصح بعد فراقه، أو يصح ما لم يأخذ في كلام غير اليمين، أو مع قرب الزمان دون بعده، أو مع الاتصال باليمين دون الانفصال.
ابو السعود
تفسير : {إِلاَّ أَن يَشَاء ٱللَّهُ} استثناءٌ مفرَّغ من النهي أي لا تقولن ذلك في حال من الأحوال إلا حالَ ملابستِه بمشيئته تعالى على الوجه المعتادِ وهو أن يقال: إن شاء الله أو في وقت من الأوقات إلا وقتَ أن يشاء الله أن تقوله لا مطلقاً بل مشيئةً إذن، فإن النسيانَ أيضاً بمشيئته تعالى، ولا مساغَ لتعليقه بفاعل لعدم سِدادِ استثناءِ اقترانِ المشيئة بالفعل ومنافاةِ استثناءِ اعتراضها النهي، وقيل: الاستثناءُ جارٍ مَجرى التأبـيدِ، كأنه قيل: لا تقولنّه أبداً كقوله تعالى: { أية : وَمَا يَكُونُ لَنَا أَن نَّعُودَ فِيهَا إِلا أَن يَشَاء ٱللَّهُ} تفسير : [الأعراف: 89] {وَٱذْكُر رَّبَّكَ} بقولك: إن شاء الله متدارِكاً له {إِذَا نَسِيتَ} إذا فرَطَ منك نسيانٌ ثم ذكرتَه، وعن ابن عباس رضي الله عنهما: ولو بعد سنةٍ ما لم يحنَثْ، ولذلك جوّز تأخيرُ الاستثناءِ، وعامةُ الفقهاء على خلافه إذ لو صح ذلك لما تقرر إقرارٌ ولا طلاقٌ ولا عَتاقٌ ولم يُعلم صِدقٌ ولا كذِبٌ. قال القرطبـيُّ: هذا في تدارُك التَّرْك والتخلف عن الإثم، وأما الاستثناءُ مبالغةٌ في الحث عليه، أو اذكر ربَّك وعقابَه إذا تركت بعضَ ما أمرك به ليبعثك ذلك على التدارُك، أو اذكره إذا اعتراك النسيانُ ليذكِّرك المنسيَّ، وقد حُمل على أداء الصلاةِ المنْسية عند ذكرِها {وَقُلْ عَسَىٰ أَن يَهْدِيَنِى رَبّى} أي يوفقني {لأقْرَبَ مِنْ هَـٰذَا} أي لشيء أقربَ وأظهرَ من نبأ أصحابِ الكهفِ من الآيات والدلائل الدالةِ على نبوتي {رَشَدًا} أي إرشاداً للناس ودلالةً على ذلك، وقد فعل عز وجل ذلك حيث آتاه من البـينات ما هو أعظمُ من ذلك وأبـينُ كقصص الأنبـياءِ المتباعدِ أيامُهم والحوادثِ النازلة في الأعصار المستقبلةِ إلى قيام الساعةِ أو لأقربَ رشداً وأدنىٰ خبراً من المنسيّ. {وَلَبِثُواْ فِى كَهْفِهِمْ} أحياءً مضروباً على آذانهم {ثَلَـٰثَ مِئَةٍ سِنِينَ وَٱزْدَادُواْ تِسْعًا} وهي جملةٌ مستأنَفةٌ مبـيّنةٌ لما أُجمل فيما سلف وأُشير إلى عزة منالِه، وقيل: إنه حكايةُ كلامِ أهلِ الكتابِ فإنهم اختلفوا في مدة لُبثِهم كما اختلفوا في عِدّتهم فقال بعضهم هكذا وبعضُهم ثلاثمائة. وروي عن علي رضي الله عنه أنه قال: عند أهلِ الكتابِ أنهم لبِثوا ثلاثَمائةِ سنةٍ شمسيةٍ والله تعالى ذكر السنةَ القمريةَ والتفاوتَ بـينهما في كل مائة سنةٍ ثلاث سنين فيكون ثلاثَمائةٍ وتسعَ سنين، وسنينَ عطفُ بـيانٍ لثلاثمائة، وقيل: بدلٌ وقرىء على الإضافة وضعاً للجمع موضعَ المفردِ ومما يحسّنه هٰهنا أن علامةَ الجمعِ فيه جبرٌ لما حُذف في الواحد وأن الأصلَ في العدد إضافتُه إلى الجمع.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {وَٱذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ} [الآية: 24]. قال ابن عطاء: إذا نسيت نفسك والخلق، فاذكرنى فإن الأذكار لا تمازج ذكرى قيل له: كيف بنا نفسه وخلقه؟ فقال: يرى أولهم هو ويرى آخرهم هو ويرى أنهم بلاهم حتى يكون ناسيًا للخلق والنفس من ذكرهم إياه. قال الواسطى رحمه الله: إذا نسيت ذكرى بى فاذكرنى. قال جعفر: إذا نسيت الأغيار فتقرب إلىّ بالأذكار. قال الجنيد رحمه الله: الذكر فناء الذاكر فيه، والذكر فى مشاهدة المذكور. سمعت منصور بن عبد الله يقول: سمعت أبا القاسم يقول: قال ابن عطاء فى قوله: {وَٱذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ} إذا انقطعت علائق الاتصال وبقيت الانفصال عن مشاهدة الأعواض حينئذ ذكرته بحقيقة ذكره. وقال الشبلى رحمه الله فى قوله: {وَٱذْكُر رَّبَّكَ}: ما هذا خطاب أهل الحقيقة وأنى ينسى المُحِق الحق فيذكره بل يذكره حيوته وكونه وأنشد: شعر : لا لأنى أنساك أكثر ذكراك ولكن بذاك يجرى لسانى تفسير : وقال بعضهم فى هذه الآية: تب إلى ربك إذا عصيت. وقال ابن عطاء: نسيان الأكابر إذا ورد المحق عليهم بحضوره. قال الجنيد رحمه الله: حقيقة الذكر الفناء بالمذكور عن الذكر لذلك قال الله تعالى: {وَٱذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ} أى إذا نسيت الذكر يكون المذكور صفتك. قوله تعالى: {وَقُلْ عَسَىٰ أَن يَهْدِيَنِ رَبِّي لأَقْرَبَ مِنْ هَـٰذَا رَشَداً} [الآية: 24]. قال الجنيد رحمه الله فى هذه الآية: إن فوق الذكر منزلة هو أقرب رشدًا ذكره له، وهو تجريد النعوت بذكره لك قبل أن يسبق إلى الله بذكره.
اسماعيل حقي
تفسير : {الا ان يشاء الله} استثناء مفرغ من النهى اى لا تقولن ذلك فى حال من الاحوال الاحال ملابسته بمشيئته تعالى على الوجه المعتاد وهو ان يقال ان شاء الله وفيه اشارة الى ان الاختيار والمشيئة لله وافعال العباد كلها مبنية على مشيئته كما قال {أية : وما تشاؤون الا ان يشاء الله}تفسير : {واذكر ربك} اى قل ان شاء الله {اذا نسيت} ثم تذكرته كما روى انه عليه السلام لما نزل قال {أية : ان شاء الله}تفسير : {وقل عسى}[شايدكه]{ان يهدين ربى} اى يوفقنى {لاقرب من هذا} اى لشئ اقرب واظهر من نبأ اصحاب الكهف من الآيات والدلائل الدالة على نبوتى {رشدا} اى ارشادا للناس ودلالة على ذلك وقد فعل حيث اراه من البينات ما هو اعظم من ذلك وابين كقصص الانبياء المتبعادة ايامهم والحوادث النازلة فى الاعصار المستقبلة الى قيام الساعة. قال سعدى المفتى لما جعل اليهود الحكاية عن اصحاب الكهف دالة على نبوته هون الله امرها وقال {قل عسى} الآية كما هون المحكى فى مفتتح الكلام بقوله {أية : ام حسبت ان اصحاب الكهف والرقيم}تفسير : الآية انتهى. وقال السمرقندى فى بحر العلوم والظاهر ان يكون المعنى اذا نسيت شيئا فاذكر ربك وذكر ربك عند نسيانه ان تقول عيسى ربى ان يهدينى لشئ آخر بدل هذا المنسى اقرب منه رشدا وادنى خيرا ومنفعة انتهى. قال الامام فى تفسيره والسبب فى انه لا بد من ذكر هذا القول هو ان الانسان اذا قال سافعل الفعل الفلانى غدا لم يبعد ان يموت قبل ان يجيئ الغد ولم يبعد ايضا لو بقى حيا ان يعوقه من ذلك الفعل عائق فاذا لم يقل ان شاء الله صار كاذبا فى ذلك الوعد والكذب منفر وذلك لا يليق بالانبياء عليهم السلام فلهذا السبب وجب عليه ان يقول ان شاء الله حتى انه بتقدير ان يتعذر عليه الوفاء بذلك الموعود لم يصر كاذبا فلم يحصل التنفير انتهى. قال ابو الليث رحمه الله روى ابو هريرة رضى الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انه قال قال سليمان بن داود عليهما السلام "لاطوفن الليلة على مائة امرأة كل امرأة تأتى بغلام يقاتل فى سبيل الله ونسى ان يقول ان شاء الله فلم تأت واحدة منهن بشئ الا امرأة بشق غلام" فقال النبى عليه السلام "حديث : والذى نفسى بيده لو قال ان شاء الله لولد له ذلك"تفسير : وذلك ان من لم يعلق فعله بمشيئته تعالى فان من سنته ان يجرى الامر على خلاف مشيئته ليعلم ان لا مشيئية فى الحقيقة الا الله تعالى وفى الحديث "حديث : ان من تمام ايمان العبد ان يستثنى فى كل حديثه"تفسير : اى سواء كان ذلك باللسان والقلب معا او بالقلب فقط فان مجرد الاستثناء باللسان غير مفيد: وفى المثنوى شعر : ترك استثناء مرادم قسوتيست نى همين كفتن كه عارض حالتيست اى بسا نا ورده استثناء بكفت جان او باجان استثناست جفت تفسير : ومن لطائف روضة الخطيب انه سئل رجل الى اين فقال الى الكناسة لاشترى حمارا فقيل قل ان شاء الله فقال لست احتاج الى الاستثناء فالدراهم فى كمى والحمير فى الكناسة فلم يبلغ الكناسة حتى سرقت دراهمه من كمه فرجع فقال رجل من اين قال من الكناسة ان شاء الله سرقت دراهمى ان شاء الله. واعلم ان ابن عباس رضى الله عنهما جوز الاسثتناء المنفصل بالآية المذكورة وعامة الفقهاء على خلافه اذ لو صح ذلك لما تقرر اقرار ولا طلاق ولا عتاق ولم يعلم صدق ولا كذب فى الاخبار عن الامور المستقبلة. قال القرطبى فى تأويل الآية هذا فى تدارك التبرّى والتخلص من الاثم واما الاستثناء المغير للحكم فلا يكون الا متصلا انتهى. قال فى مناقب الامام الاعظم روى ان محمد بن اسحاق صاحب المغازى كان يحسد ابا حنيفة لما روى من تفضيل المنصور ابى جعفر ابا حنيفة على سائر العلماء فقال محمد بن اسحاق عند امير المؤمنين ابى جعفر المنصور لابى حنيفة ما تقول فى رجل حلف وسكت ثم قال ان شاء الله بعد ما فرغ من يمينه وسكت فقال ابو حنيفة لا يعمل الاستثناء لانه مقطوع وانما ينفعه اذا كان متصلا فقال محمد بن اسحاق كيف لا ينفعه وقد قال جد امير المؤمنين وهو عبد الله بن عباس رضى الله عنهما انه يعمل الاستثناء وان كان بعد سنة لقوله تعالى {أية : واذكر ربك اذا نسيت}تفسير : فقال امير المؤمنين اهكذا قول جدى فقال نعم فقال المنصور على وجه الغضب لابى حنيفة أتخالف جدى يا ابا حنيفة فقال ابو حنيفة لقول ابن عباس تأويل يخرج على الصحة ثم قال لامير المؤمنين ان هذا واصحابه لا يرونك اهلا للخلافة لانهم يبايعونك ثم يخرجون فيقولون ان شاء الله ويخرجون من بيعتك ولا يكون فى عنقهم حنث فقال امير المؤمنين لاعوانه خذوا هذا يعنى محمد بن اسحاق فاخذوه وجعلوا رداءه فى عنقه وحبسوه شعر : ملزم آمد محمد اسحاق مبتلا شد بنقيض اطلاق تفسير : وفيه تعظيم امام الملة قائل الحق بغير العله.
اطفيش
تفسير : {إلاّ أَنْ يَشَاءَ اللهُ} والمراد الاستثناء بهذا المعنى بأَى لفظ ولو بغير إلا أو بغير لفظ المشيئة أو بغير لفظ الجلالة من أسماء الله أو بغير إلا ونحوها بل بكسر الهمزة استثناء من النهى وهو منقطع وأن مصدرية ناصبة أى إلا مشيئة الله ويجوز كونه متصلا مفرغا وفيه أوجه: الأول: أن يقدر الجار ويعلق بحال محذوفة أى متلفظا بمشيئة الله أو ملتبسا بمشيئة الله ونحو ذلك ومعنى التلفظ بها والاقتباس بها أن يقول: إن شاء الله. الثانى: أن يجعل المصدر مفعولا لحال محذوفة أى إلا ذاكرا مشيئة الله أو إلا قائلا مشيئة الله وإنما نصب القول المفرد لأن هذا المفرد كناية عن الجملة مثل قولك: إن شاء الله. الثالث: أن يجعل المصدر نائبا عن ظرف الزمان أى لا تقولن لشئ إنى فاعل ذلك غدا إلا وقت مشيئة الله بأن يقول لك: قل إنى أفعله غدا أو يخبرك بأنك فاعله غدا هذا مراد الزمخشرى بقوله: ولا تقولن ذلك القول إلا أن يشاء أن تقوله بأَن يأذن لك فيه. وفهم ابن هشام أن معناه إلا إن قضى الله أن تقوله وقدر قوله فرد عليه بأن ذلك معلوم فى كل أمر ونهى وبأنه يقتضى النهى عن قوله: إنى فاعل ذلك غدا مطلقا وليس كما فهم فرده غير ثابت. وردّ أيضا بالرأى الأخير على قول الزمخشرى: إن هناك وجها هو أن يكون إن شاء الله فى معنى كلمة تأَبد كأنه قيل ولا تقوله أبدا كقوله: وما كان لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله؛ لأن عودهم فى الشرك لا يشاؤه أبدا وبه رد أيضا على من قال: إن الاستثناء منقطع وقد قلت به من رأى وأقول رده بذلك لا يصح لأن المعنى على التأبيد أو الانقطاع لا تقل مجرد إنى فاعل ذلك غدا أبدا ولكن مشيئته هى الواقعة ولا شك أن قوله ذلك مجردا عن الاستثناء لا يجوز أبدا. وذكر عن السهيلى أن الاستثناء لا يتعلق بقوله فاعل إذ لم ينه عن أن يصل إلا أن يشاء الله بقوله ذلك ولا بالنهى لأنك إذا قلت أنت منهى عن أن تقول إلا أن يشاء الله فلست بمنهى فقد سلطته عن أن يقوم ويقول شاء الله ذلك ولا وجه لقولك أنت منهى ولا وجه لقولك نهيت عن أن تقول: إنى فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله فعله ولا لقولك نهيت عن أن تقول إنى فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله عدم فعله فالأول استثناء لا حاجة إليه والثانى مأمور به لا منهى عنه وأُوِّل ذلك أن الأصل إلا قائلا أن يشاء الله وحذف القول كثير قال: فقد تضمن كلامه حذف أداة الاستثناء والمستثنى جميعا والصواب أن الاستثناء مفرغ وأن المستثنى مصدر أو حال أى إلا قولا مصحوبا بأن يشاء الله أو إلا ملتبساً بأن يشاء الله وقد علم أنه لا يكون القول مصحوبا بذلك إلا مع حرف الاستثناء فطوى ذكره لذلك وعليهما فالباء محذوفة من أن. وقوله طوى ذكره أى من غير تقديره فى الكلام ليغاير كلام السهلى. {وَاذْكُرْ رَبَّكَ} أى مشيئة ربك وقل إن شاء الله. {إذَا نَسِيتَ} الاستثناء عند الكلام ثم تذكرت أو نبهك أحد وقد روى حديث : أنه صلى الله عليه وسلم لما قال لسائليه عن أصحاب الكهف والروح وذى القرنين: أخبركم غدا ونزل: ولا تقولن لشئ الخ قال: إن شاء اللهتفسير : قال ابن عباس: ينفع الاستثناء ولو بعد سنة ما لم يحنث رواه الطبرانى وكذا عن سعيد بن جبير. وقال الحسن وطاووس: له الاستثناء ما دام فى مجلسه وعن عطاء مقدار حلب ناقة غزيرة وقال الجمهور وأبو حنيفة لا يفيد الاستثناء إلا إن كان متصلا باليمين أو مفصولا بمانع كعطاس وسعلة وتثاؤب ولو كان كما قال غيرهم لم يتقرر إقرار ولا طلاق ولا عتاق ولم يعلم صدق ولا كذب. وحكى أنه بلغ المنصورَ أن أبا حنيفة خالف ابن عباس واستحضره لينكر عليه فقال أبو حنيفة: هذا يرجع عليك لأنك تأخذ البيعة بالأيمان أفترضى أن يخرجوا من عندك فيستثنوا فيخرجوا عليك فاستحسن كلامه ورضى عنه. وقيل: يفيد الاستثناء ما لم يتكلم وعن ابن عمر عنه صلى الله عليه وسلم: إذا استثنى فله نيتاه ولا يفيد الاستثناء بالقلب وحده. وقيل: المعنى واذكر ربك بالتسبيح والاستغفار إذا نسيت كلمة الاستثناء حثًّا فى البعث على الاهتمام بالاستثناء. وقيل: اذكره إذا غضبت فنسيت ذكره ثم تذكرت أو نُبهت قال وهب: ذكر الله جل وعلا فى التوراة والإنجيل: يا ابن آدم اذكرنى حين تغضب أذكرك حين أغضب. وقيل: اذكره إذا اعتراك النسيان ليذكرك المنسى. وقيل: ذكره هو أداء الصلاة المنسية إذا تذكرها كما ورد فى الحديث: حديث : من نام عن صلاة أو نسيها ثم ذكرها فذلك وقتها . تفسير : وقيل: اذكر ربك وعقابه إذا تركت بعض ما أمرك به يبعثك الذكر على التدارك وهذا يصرف لغيره صلى الله عليه وسلم ولو كان الخطاب له ويجوز أن يكون لمن يمكن منه الترك. {وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ} ربى بإثبات الياء بعد النون وصلا فى قراءة نافع وأبى عمرو وأثبتها ابن كثير وصلا ووقفا والمعنى أن يدلنى ويرشدنى. {رَبِّى لأَِقْرَبَ مِنْ هذَا} أى من أصحاب الكهف. {رَشَداً} علماً ودلالة على نبوتى ورسالتى. وهداه الله سبحانه لأعظم من خبر أصحاب الكهف كقصص الأنبياء المتباعدة أيامهم وأخبار الغيب والحوادث المستقبلة إلى قيام الساعة وسائر الحجج والبراهين فأفحم معانديه إفحاما عاما سألوه عن أصحاب الكهف والروح وذى القرنين فأجاب بالحق مع ما سبق له من المعجزات وزاد لهم: إنى سيكون لى ما هو أعظم برهانا من ذلك وأقرب منه إلى ما أقوله لكم من أنى نبى مرسل وعسى من الله واجبة ولما أمر نبيه أن يقولها علمنا أن ذلك وعد له والله سبحانه لا يخلف الوعد والجملة مستأنفة معترضة فى قصة أصحاب الكهف أو معطوفة على اذكر عطف قصة على أخرى. ويجوز أن يكون قوله وقل عسى الخ متصلا بقوله: واذكر ربك إذا نسيت فى المعنى وعطفا عليه أى إذا نسيت شيئا فاذكر ربك وقل عسى أن يهدينى لشئ آخر خير مما نسيت وأقرب نفعا منه ولعل النسيان خيرة وقوله عسى ربى زيادة على الذكر الذى أمر به ويحتمل أن يكون إياه.
اطفيش
تفسير : {إِلاّ أنْ يَشَاءَ اللهُ} الاستثناء منقطع، أى لكن المعتبر مشيئة الله، وأن مصدرية أى إِلا مشيئة أو مفعول لحال محذوفة، أى إلا شارطاً مشيئة الله، أو إلا ذاكراً مشيئة الله، أو إلا متلبسا بإن شاء الله، أى بذكر مشيئة الله، أو إلا مقيداً بمشيئة الله، ولا يصح تقدير إلا وقت مشيئته، لأنه ليس المعنى على أن القول وقت مشيئة الله، لأنا لا ندرى الوقت الذى أراد الله إيقاع الفعل فيه من الفاعل ولا يصح أن يقال التقدير إلا لئلا إن يشأ الله، لأنه لا يقول إن يشأ بفتح الهمزتين، فما معنى إلا قائلا إن يشأ الله، والقول لا ينصب المفرد إلا إن تضمن جملة، أو على تأويله بذاكر فليقدر ذاكراً كما رأيت، ولا يصح تعليقه بفاعل لأنه يكون المعنى لا تقولن لشئ إنى فاعل فى كل حال أو فى كل وقت إلا فى حال مشيئة الله، أو إلا فى وقت مشيئة الله، وهذا غير سديد، لأن مرجعه النهى عن أن يقول إنى فاعل إن شاء الله. وإن كان لمعنى إنى فاعل ذلك غداً بكل حال إلا تعرض مشيئة الله، ترك العمل لم يصح، لأن هذا لا ينهى عنه. {وَاذْكُرْ رَبَّكَ} بالاستثناء إذا تذكرت أنك لم تستثن كما قال: {إِذَا نَسِيتَ} الاستثناء وهو قولك إن شاء الله حال العقد لشئ، أو الحلف أو ذلك تدارك من الناسى لما فاته لا إسقاط للحنث إذا فصل أو لم ينو حال الحلف أن يستثنى، ولما نزلت الآية قال صلى الله عليه وسلم: حديث : إن شاء اللهتفسير : ، فالاستثناء لا حد له ولو طالت المدة، وكذا من جهل ثم تعلم المسألة يقول إذا تعلم: إن شاء الله ولو طالت المدة، وذلك كله ما لم يحنث. قال ابن عباس: يستثنى ولو بعد سنة أو أكثر أبداً ما لم يحنث لدليل الآية، وعنه سنة، وعنه شهر. وعن سعيد بن جبير أربعة أشهر وعن الحسن وطاوس وعطاء ما دام فى المجلس. وروى عن عطاء حلب ناقة، وعن مجاهد سنتان، وقيل: ما لم يأخذ فى كلام آخر، وذلك على الإطلاق، وقيل: لا يصح الاستثناء ولو باتصال إلا إن نوى أنه إذا تم عقده أو يمينه استثنى، وقيل: يجوز فى كلام الله فقط الفصل مطلقًا لا فى كلام غيره، إذ لا يغيب عنه بشئ فهو مراد له. وقيل: يجوز الفصل للنبى صلى الله عليه وسلم لا لغيره من الناس، بحيث لا يخالف الآية، وخالف الفقهاء ابن عباس، وأهل تلك الأقوال بالانفصال، إلا بنحو تنفس أو سعال، وإلا لم ينعقد إقرار ولا طلاق ولا عتاق، ولم يعلم صدق ولا تخلف، وبهذا قال أبو حنيفة، فأمر المنصور بإحضاره لينكر عليه، فقال هذا يرجع عليه، فإنه يبايعك الرجل ويحلف، وإذا خرج أو بدا له استثنى وقال إن شاء الله، أو قال إلى وقت كذا أو إلا إن كان أو لم يكن، استثنى فى قلبه أو سرًّا كما لا تسمع، فاستحسن كلامه، ورضى عنه. وحجة الفقهاء آيات وجوب الوفاء بالعهد وأحاديثه، وأما قوله تعالى: {واذكر ربك إذا نسيت} فلا يختص بما قال ابن عباس، فإنه يجوز أن يكون بمعنى إذا نسيت الاستثناء فاستغفر، وهو من باب التغليظ، لأن ترك الاستثناء ولو نسياناً ذنب يجب الاستغفار منه. ويجوز أن لا يكون راجعاً لما قبله، بل: معنى اذكر عقاب ربك، أو ربك وعقابه إذا تركت بعض ما أمرك به، أو بمعنى اذكر ربك إذا غفلت عن ذكره واعتراك النسيان، والنسيان بمعنى الترك وارد ولا مفعول للنسيان يبعد ما قيل: صل صلاة نسيتها، لأن المحل ليس لها. ويروى أن مغربيا عالما أراد معرفة مرتبة علماء بغداد، فسافر ودخلها من باب الأخ، ومشى خلف رجلين يبيعان البقل على رءوسهما، وقال احدهما للآخر: يا فلان كيف أجاز ابن عباس تأخير الاستثناء، ولو كان كما قال لقال عز وجل لأيوب عليه السلام: استثن الآن، ولم يقل له: "أية : وخذ بيدك ضغثاً فاضرب به ولا تحنث" تفسير : [ص: 44] فرجع للمغرب، فقيل له: فقال: رأيت من بائع البقل على رأسه ما رد به على ابن عباس، فكيف علماؤهم المتصدون للعلم، قال بعض علماء بغداد: لا يثبت هذا النقل. {وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّى لأَقْرَبَ مِنْ هذَا} من خبر أهل الكهف فى الاحتجاج على رسالتى {رَشَدًا} مفعول ثان ليهدى، أو مفعول مطلق أى هداية أو تمييز، وقد أجاب الله جل وعلا دعاءه فأتى قصص الأنبياء وأممهم وسائر المعجزات، والأخبار الغائبة الماضية واللاحقة إلى قيام الساعة، أو المراد أقرب رشداً مما نسيت، وقيل هذا من جملة ما أمر بأَن يقوله إِذا نسى قال بعض الكوفيين: إِذا تذكر أنه لم يستثن فتوبته أن يقول: {عسى أن يهدين ربى لأقرب من هذا رشدا} ولا يدل عليه حديث، ولا الآية، وإنما هو استحسان.
الالوسي
تفسير : {إِلاَّ أَن يَشَاء ٱللَّهُ} استثناء متعلق بالنهي على ما اختاره جمع من المحققين، وقول ابن عطية اغتراراً برد / الطبري ((إنه من الفساد بحيث كان الواجب أن لا يحكى)) خروج عن الإنصاف، وهو مفرغ من أعم الأحوال. وفي الكلام تقدير باء للملابسة داخلة على أن والجار والمجرور في موضع الحال أي لا تقولن ذلك في حال من الأحوال إلا حال ملابسته بمشيئة الله عز وجل بأن تذكر. قال في «الكشف»: إن التباس القول بحقيقة المشيئة محال فبقي أن يكون بذكرها وهو إن شاء الله تعالى ونحوه مما يدل على تعليقه الأمور بمشيئة الله تعالى. ورد بما يصلح أن يكون تأييداً لا رداً، وجوز أن يكون المستثنى منه أعم الأوقات أي لا تقولن ذلك في وقت من الأوقات إلا في وقت مشيئة الله تعالى ذلك القول منك، وفسرت المشيئة على هذا بالإذن لأن وقت المشيئة لا يعلم إلا بإعلامه تعالى به وإذنه فيه فيكون مآل المعنى لا تقولن إلا بعد أن يؤذن لك بالقول. وجوز أيضاً أن يكون الاستثناء منقطعاً، والمقصود منه التأبيد أي ولا تقولن ذلك أبداً، ووجه ذلك في «الكشف» بأنه نهي عن القول إلا وقت مشيئة الله تعالى وهي مجهولة فيجب الانتهاء أبداً، وأشار إلى أنه هو مراد الزمخشري لا ما يتوهم من جعله مثل قوله تعالى: {أية : وَمَا يَكُونُ لَنَا أَن نَّعُودَ فِيهَا إِلا أَن يَشَاء ٱللَّهُ} تفسير : [الأعراف: 89] من أن التأبيد لعدم مشيئته تعالى فعل ذلك غداً لقبحه كالعود في ملة الكفر لأن القبح فيما نحن فيه على إطلاقه غير مسلم، والتخصيص بما يتعلق بالوحي على معنى لا تقولن فيما يتعلق بالوحي إني أخبركم به إلا أن يشاء الله تعالى والله تعالى لم يشأ أن تقوله من عندك فإذاً لا تقولنه أبداً يأباه النكرة في سياق النهي المتضمن للنفي والتقييد بالمستقبل، وأن قوله: {أية : فَاعِلٌ ذٰلِكَ غَداً}تفسير : [الكهف: 23] أي مخبر عن أمر يتعلق بالوحي غداً غير مؤذن بأن قوله في الغد يكون من عنده لا عن وحي فالتشبيه في أن الاستثناء بالمشيئة استعمل في معرض التأبيد وإن كان وجه الدلالة مختلفاً أخذاً من متعلق المشيئة تارة ومن الجهل بها أخرى، ولا يخفى أن الظاهر في الآية الوجه الأول وأن أمته صلى الله عليه وسلم وهو في الخطاب الذي تضمنته سواء مخصوصاً بالنبـي صلى الله عليه وسلم، ولا يجوز أن يكون الاستثناء متعلقاً بقوله تعالى: {أية : إِنّى فَاعِلٌ} تفسير : [الكهف: 23] بأن يكون استثناء مفرغاً مما في حيزه من أعم الأحوال أو الأوقات لأنه حينئذ إما أن تعتبر تعلق المشيئة بالفعل فيكون المعنى إني فاعل في كل حال أو في كل وقت إلا في حال أو وقت مشيئة الله تعالى الفعل وهو غير سديد أو يعتبر تعلقها بعدمه فيكون المعنى إني فاعل في كل حال أو في كل وقت إلا في حال أو وقت مشيئة الله تعالى عدم الفعل، ولا شبهة في عدم مناسبته للنهي بل هو أمر مطلوب. وقال الخفاجي: إذا كان الاستثناء متعلقاً بِـ {أية : إِنّى فَاعِلٌ} تفسير : [الكهف: 23] والمشيئة متعلقة بالعدم صار المعنى إني فاعل في كل حال إلا إذا شاء الله تعالى عدم فعلي وهذا لا يصح النهي عنه، أما على مذهب أهل السنة فظاهر، وأما على مذهب المعتزلة فلأنهم لا يشكون في أن مشيئة الله تعالى لعدم فعل العبد الاختياري إذا عرضت دونه بإيجاد ما يعوق عنه من الموت ونحوه منعت عنه وإن لم تتعلق عندهم بإيجاده وإعدامه، وكذا لا يصح النهي إذا كانت المشيئة متعلقة بالفعل في المذهبين، فما قيل: إن تعلق الاستثناء بما ذكر صحيح والمعنى عليه النهي عن أن يذهب مذهب الاعتزال في خلق الأعمال فيضيفها لنفسه قائلاً إن لم تقترن مشيئة الله تعالى بالفعل فأنا فاعله استقلالاً فإن اقترنت فلا لا يخفى ما فيه على نبيه فتأمل. وقد شاع الاعتراض على المعتزلة في زعمهم أن المعاصي واقعة من غير إرادة الله تعالى ومشيئته وإنه تعالى لا يشاء إلا الطاعات بأنه لو كان كذلك لوجب فيما إذا قال الذي عليه دين لغيره قد طالبه به والله لأعطيتك حقك غداً إن شاء الله تعالى أن يكون حانثاً إذا لم يفعل لأن الله تعالى قد شاء ذلك لكونه طاعة وإن لم يقع فتلزمه الكفارة عن يمينه ولم ينفعه الاستثناء / كما لو قال: والله لأعطينك إن قام زيد فقام ولم يفعل، وفي التزام الحنث في ذلك خروج عن الإجماع. وقد أجاب عنه المرتضى بأن للاستثناء الداخل في الكلام وجوهاً مختلفة فقد يدخل في الأيمان والطلاق والعتاق وسائر العقود وما يجري مجراها من الأخبار وهذا يقتضي التوقف عن إمضاء الكلام والمنع من لزوم ما يلزم به ويصير به الكلام كأنه لا حكم له، ويصح في هذا الوجه الاستثناء في الماضي فيقال: قد دخلت الدار إن شاء الله تعالى ليخرج بذلك من أن يكون خبراً قاطعاً أو يلزم به حكم، ولا يصح في المعاصي لأن فيه إظهار الانقطاع إلى الله تعالى والمعاصي لا يصلح ذلك فيها قال: وهذا الوجه أحد محتملات الآية، وقد يدخل في الكلام ويراد به التسهيل والإقدار والتخلية والبقاء على ما هو عليه من الأحوال وهذا هو المراد إذا دخل في المباحات وهو ممكن في الآية، وقد يدخل لمجرد غرض الانقطاع إلى الله تعالى ويكون على هذا غير معتد به في كون الكلام صادقاً أو كاذباً وهو أيضاً ممكن في الآية، وقد يدخل ويراد به اللطف والتسهيل وهذا يختص بالطاعات ولا يصح أن تحمل الآية عليه لأنها تتناول كل ما لم يكن قبيحاً. وقول المديون السابق إن قصد به هذا المعنى لا يلزم منه الحنث إذا لم يفعل، ويدين المديون وغيره إن ادعى قصد ما لا يلزمه فيه شيء فلا ورود لما اعترضوا به، والإنصاف أن الاعتراض ليس بشيء والرد عليهم غني عن مثل ذلك. هذا ثم اعلم أن إطلاق الاستثناء على التقييد بإِن شاء الله تعالى بل على التقييد بالشرط مطلقاً ثابت في اللغة والاستعمال كما نص عليه السيرافي في «شرح الكتاب». وقال الراغب: الاستثناء دفع ما يوجبه عموم سابق كما في قوله تعالى: {أية : قُل لا أَجِدُ فِي مَآ أُوحِىَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَىٰ طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلا أَن يَكُونَ مَيْتَةً} تفسير : [الأنعام: 145] الخ أو دفع ما يوجبه اللفظ كقوله: امرأته طالق إن شاء الله تعالى انتهى. وفي الحديث «حديث : من حلف على شيء فقال: إن شاء الله تعالى فقد استثنى» تفسير : فما قيل: إن كلمة إن شاء الله تعالى تسمى استثناء لأنه عبر عنها هنا بقوله سبحانه: {إِلاَّ أَن يَشَاء ٱللَّهُ} ليس بسديد فكذا ما قيل: إنها أشبهت الاستثناء في التخصيص فأطلق عليها اسمه كذا قال الخفاجي، ولا يخفى أن في الحديث نوع إباء لدعوى أن إطلاق الاستثناء على التقييد بإِن شاء الله تعالى لغوي لأنه صلى الله عليه وسلم لم يبعث لإفادة المدلولات اللغوية بل لتبليغ الأحكام الشرعية فتذكر. {وَٱذْكُر رَّبَّكَ} تعالى أي مشيئة ربك فالكلام على حذف مضاف، وذكر مشيئته تعالى على ما يدل عليه ما قبل أن يقال إن شاء الله تعالى، وقد قال ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم حين نزلت {إِذَا نَسِيتَ} أي إذا فرط منك نسيان ذلك ثم تذكرته فإنه ما دام ناسياً لا يؤمر بالذكر وهو أمر بالتدارك عند التذكر سواء قصر الفصل أم طال. وقد أخرج ابن جرير والطبراني وابن المنذر وغيرهم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه كان يرى الاستثناء ولو بعد سنة ويقرأ الآية، وروي ذلك عن أئمة أهل البيت رضي الله تعالى عنهم وهو رواية عن الإمام أحمد عليه الرحمة، وأخرج ابن المنذر عن ابن جبير في رجل حلف ونسي أن يستثني قال: له ثنياه إلى شهر، وأخرج ابن أبـي حاتم من طريق عمرو بن دينار عن عطاء أنه قال: من حلف على يمين فله الثنيا حلب ناقة قال: وكان طاووس يقول ما دام في مجلسه، وأخرج ابن أبـي حاتم أيضاً عن إبراهيم قال: يستثني / ما دام في كلامه. وعامة الفقهاء على اشتراط اتصال الاستثناء في عدم الحنث ولو صح جواز الفصل وعدم تأثيره في الأحكام لا سيما إلى الغاية المروية عن ابن عباس لما تقرر إقرار ولا طلاق ولا عتاق ولم يعلم صدق ولا كذب. ويحكى أنه بلغ المنصور أن أبا حنيفة رضي الله تعالى عنه خالف ابن عباس في هذه المسألة فاستحضره لينكر عليه فقال له أبو حنيفة: هذا يرجع إليك إنك تأخذ البيعة بالأيمان أفترضى أن يخرجوا من عندك فيستثنوا فيخرجوا عليك فاستحسن كلامه. ومن غريب ما يحكى أن رجلاً من علماء المغرب أحب أن يرى علماء بغداد ويتحقق مبلغ علمهم فشد الرحل للاجتماع معهم فدخل بغداد من باب الكرخ فصادف رجلين يمشيان أمامه يبيعان البقل في أطباق على رؤوسهما فسمع أحدهما يقول لصاحبه: يا فلان إني لأعجب من ابن عباس رضي الله تعالى عنهما كيف جوز فصل الاستثناء، وقال بعدم تأثيره في الأحكام ولو كان الأمر كما يقول لأمر الله تعالى نبيه أيوب عليه السلام بالاستثناء لئلا يحنث فإنه أقل مؤنة مما أرشده سبحانه إليه بقوله تعالى: {أية : فَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَٱضْرِب بّهِ وَلاَ تَحْنَثْ} تفسير : [ص: 44] وليس بين حلفه وأمره بما ذكره أكثر من سنة فرجع ذلك الرجل إلى بلده واكتفى بما سمع ورأى، فسئل كيف وجدت علماء بغداد؟ فقال: رأيت من يبيع البقل على رأسه في الطرقات من أهلها بلغ مبلغاً من العلم يعترض به على ابن عباس رضي الله تعالى عنهما فما ظنك بأهل المدارس المنقطعين لخدمة العلم. والإنصاف أن هذا الاعتراض على علامة يستكثر ممن يبيع البقل والله تعالى أعلم بصحة النقل. لا يقال: إن ظاهر الآية على ما سمعت يطابق ما ذهب إليه الحبر وإلا لم يكن للتدارك معنى وكذا ما جاء في الخبر لما قالوا: إن التدارك فيما يرجع إلى تفويض العبد يحصل بذكره بعد التنبه أما في التأثير في الحكم حتى يخرجه عن الجزم فليست الآية مسوقة له ولا دالة عليه بوجه. وقال بعضهم: إن ذلك من خصائصه صلى الله عليه وسلم فله عليه الصلاة والسلام أن يستثنى ولو بعد حين بخلاف غيره. فقد أخرج ابن أبـي حاتم وابن مردويه والطبراني في «الكبير» بسند متصل عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال في الآية: إذا نسيت الاستثناء فاستثن إذا ذكرت ثم قال: هي خاصة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وليس لأحدنا أن يستثني إلا في صلة يمين. وقيل ليس في الآية والخبر أن الاستثناء المتدارك من القول السابق بل من مقدر مدلول به عليه والتقدير في الآية كلما نسيت ذكر الله تعالى اذكره حين التذكر إن شاء الله تعالى، وفي الحديث «لا أنسى المشيئة بعد اليوم ولا أتركها إن شاء الله تعالى أو أقول إن شاء الله تعالى إذا قلت إني فاعل أمراً فيما بعد»، ولا يخفى أنه خلاف الظاهر جداً. وجوز أن يكون المعنى واذكر ربك بالتسبيح والاستغفار إذا نسيت الاستثناء، والمراد من ذلك المبالغة في الحث عليه بإيهام أن تركه من الذنوب التي يجب لها التوبة والاستغفار، وقيل المعنى واذكر ربك وعقابه إذا تركت بعض ما أمرك به ليبعثك ذلك على التدارك، وحمل النسيان على الترك مجاز لعلاقة السببية والمسببية أو اذكر ربك إذا عرض لك نسيان ليذكرك المنسي، و {نَسِيتَ} على هذا منزل منزلة اللازم، ولا يخفى بعد ارتباط الآية على هذين المعنيين بما سبق. وحمل قتادة الآية على أداء الصلاة المنسية عند ذكرها فإذا أراد أن المراد من الآية واقض الصلاة المنسية إذ ذكرتها فهو كما ترى وأمر الارتباط كما في سابقه، وإن أراد أنها تدل على الأمر بقضاء الصلاة المنسية عند / ذكرها لما أنها دلت على الأمر بذكر الاستثناء المنسي، وأمر الصلاة أشد والاهتمام بها أعظم فالأمر أسهل ولكن ظاهر كلامهم أنه أراد الأول. وأخرج ابن أبـي شيبة والبيهقي في «شعب الإيمان» وغيرهما عن عكرمة أنه قال في الآية: أي اذكر ربك إذا غضبت، ووجه تفسير النسيان بالغضب أنه سبب للنسيان، وأمر هذا القول نظير ما مر. {وَقُلْ عَسَىٰ أَن يَهْدِيَنِ رَبّى} أي يوفقني {لأَقْرَبَ مِنْ هَـٰذَا} أي لشيء أقرب وأظهر من نبأ أصحاب الكهف من الآيات والدلائل الدالة على نبوتي {رَشَدًا} إرشاداً للناس ودلالة على ذلك. وإلى هذا ذهب الزجاج. وقد فعل ذلك عز وجل حيث آتاه من الآيات البينات ما هو أعظم من ذلك وأبين كقصص الأنبياء عليهم السلام المتباعدة أيامهم والحوادث النازلة في الأعصار المستقبلة إلى قيام الساعة، وكأنه تهوين منه عز وجل لأمر قصة أصحاب الكهف كما هونه جل وعلا أولاً بقوله سبحانه: {أية : أَمْ حَسِبْتَ} تفسير : [الكهف: 9] الخ، وهو متعلق بمجموع القصة، وعطفه بعض الأفاضل على العامل في قوله تعالى: {أية : إِذْ أَوَى ٱلْفِتْيَةُ إِلَى ٱلْكَهْفِ} تفسير : [الكهف: 10] كأنه قيل اذكر إذ أوى الفتية الخ وقل عسى أن يهديني ربـي لما هو أظهر من ذلك دلالة على نبوتي. وقال الجبائي: هو متعلق بقوله تعالى: {وَٱذْكُر رَّبَّكَ} إلى آخره؛ والمعنى عنده ادع ربك سبحانه وتعالى إذا نسيت شيئاً أن يذكرك إياه وقل إن لم يذكرك سبحانه عسى أن يهديني لشيء أقرب من المنسي خيراً ومنفعة فهـٰذا إشارة إلى المنسي والرشد الخير والمنفعة و {أَقْرَبَ} على معناه الحقيقي، ولا يخفى أن هذا أقرب من جهة المتعلق وأبعد من جهات، وقيل: إنه متعلق بالمتعاطفات قبله و {هَـٰذَا} إشارة ما تضمنته من الخير أمراً ونهياً كأنه قيل افعل كذا ولا تفعل كذا واطمع من ربك أن يهديك لأقرب مما أرشدت إليه في ضمن ما سمعت من الأمر والنهي خيراً ومنفعة، وقد هدي صلى الله عليه وسلم في ضمن ما أنزل عليه عليه الصلاة والسلام بعد ذلك من الأوامر والنواهي إلى ما هو أقرب من ذلك منفعة ولا يكاد يحصى وهو كما ترى، ولعله على علاته أقرب مما نقل عن الجبائي. وقال ابن الأنباري: معنى الآية عسى أن يعرفني ربـي جواب مسائلكم قبل الوقت الذي حددته لكم ويعجل لي من جهته الرشاد، ولا يكاد يستفاد هذا المعنى من الآية، وعلى فرض الاستفادة تكون نظير استفادة المعاني المرادة من المعميات ويجل كتاب الله تعالى الكريم عن ذلك. وأخرج البيهقي من طريق المعتمر بن سليمان قال: سمعت أبـي يحدث عن رجل من أهل الكوفة أنه كان يقول: إذا نسي الإنسان الاستثناء فتوبته أن يقول: {عَسَىٰ أَن يَهْدِيَنِ رَبّى لاِقْرَبَ مِنْ هَـٰذَا رَشَدًا} وحكاه أبو حيان عن محمد الكوفي المفسر، والظاهر أنه الرجل الذي ذكره المعتمر، وهو قول لا دليل عليه.
د. أسعد حومد
تفسير : (24) - حِينَمَا سَأَلَ الكُفَّارُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ قِصَّةِ أَهْلِ الكَهْفِ قَالَ لَهُمْ: إِنَّهُ سَيُجِيبُهُمْ غَداً، وَلَمْ يَسْتَثْنِ (أَيْ لَمْ يَقُلْ: إِنْ شَاءَ اللهُ) فَتَأَخَّرَ الوَحْيُ عَنْهُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْماً، فَنَبَّهَ اللهُ رَسُولَهُ إِلى وُجُوبِ رَدِّ المَشِيئَةِ إِلَى اللهِ، وَأَنَّ عَلَيهِ إِذَا نَسِيَ أَنْ يَسْتَثْنِي وَيَقُولَ إِنْ شَاءَ اللهُ، فَلْيَذْكُرِ اللهَ، فَإِنَّ ذِكْرَ اللهِ يَطْرُدُ الشَّيْطَانَ. وَإِذَا سُئِلَ عَنْ شَيءٍ لاَ يَعْرِفُهُ فَعَلَيْهِ أَنْ يَتَوَجَّهَ إِلى اللهِ فِيهِ لِيَسْأَلَهُ أَنْ يُوَفِّقَهُ إِلى الصَّوابِ. رَشَداً - هِدَايَةً وَإِرْشَاداً لِلنَّاسِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : أي: على فَرْض أنك نسيت المشيئة ساعة البَدْء في الفعل، فعليك أن تعيدها ثانية لتتدارك ما حدث منك من نسيان في بداية الأمر. وقوله تعالى: {وَقُلْ عَسَىٰ أَن يَهْدِيَنِ رَبِّي لأَقْرَبَ مِنْ هَـٰذَا رَشَداً} [الكهف: 24] أي: يهديني ويعينني، فلا أنسى أبداً، وأن يجعل ذِكْره لازمة من لوازمي في كل عمل من أعمالي فلا أبدأ عملاً إلا بقوْل: إنْ شاء الله. ثم يقول الحق سبحانه: {وَلَبِثُواْ فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِاْئَةٍ سِنِينَ ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {وَٱذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ} معناه عَصيتَ.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):