١٨ - ٱلْكَهْف
18 - Al-Kahf (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
25
Tafseer
القرطبي
تفسير : هذا خبر من الله تعالى عن مدّة لبثهم. وفي قراءة ابن مسعود «وقالوا لبثوا». قال الطبري: إن بني إسرائيل اختلفوا فيما مضى لهم من المدة بعد الإعثار عليهم إلى مدّة النبيّ صلى الله عليه وسلم، فقال بعضهم: إنهم لبثوا ثلثمائة سنة وتسع سنين، فأخبر الله تعالى نبيّه أن هذه المدّة في كونهم نياماً، وأن ما بعد ذلك مجهول للبشر. فأمر الله تعالى أن يردّ علم ذلك إليه. قال ابن عطية: فقوله على هذا «لبثوا» الأول يريد في نوم الكهف، و«لبثوا» الثاني يريد بعد الإعثار إلى مدة محمد صلى الله عليه وسلم، أو إلى وقت عدمهم بالبلاء. مجاهد: إلى وقت نزول القرآن. الضحاك: إلى أن ماتوا. وقال بعضهم: إنه لما قال: {وَٱزْدَادُواْ تِسْعاً} لم يدر الناس أهي ساعات أم أيام أم جُمَع أم شهور أم أعوام. واختلف بنو إسرائيل بحسب ذلك، فأمر الله تعالى برد العلم إليه في التسع، فهي على هذا مبهمة. وظاهر كلام العرب المفهوم منه أنها أعوام، والظاهر من أمرهم أنهم قاموا ودخلوا الكهف بعد عيسى بيسير وقد بقيت من الحواريين بقية. وقيل غير هذا على ما يأتي. قال القشيريّ: لا يفهم من التسع تسع ليال وتسع ساعات لسبق ذكر السنين؛ كما تقول: عندي مائة درهم وخمسة؛ والمفهوم منه خمسة دراهم. وقال أبو علي «وازدادوا تسعاً» أي ازدادوا لبث تسع؛ فحذف. وقال الضحاك: لما نزلت {وَلَبِثُواْ فِى كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِئَةٍ} قالوا سنين أم شهور أم جمع أم أيام؛ فأنزل الله عز وجل: «سنين». وحكى النقاش ما معناه أنهم لبثوا ثلثمائة سنة شمسية بحساب الأيام؛ فلما كان الإخبار هنا للنبيّ العربي ذكرت التسع؛ إذ المفهوم عنده من السنين القمرية، وهذه الزيادة هي ما بين الحسابين. ونحوه ذكر الغزنوي. أي باختلاف سني الشمس والقمر؛ لأنه يتفاوت في كل ثلاث وثلاثين وثلث سنة سنة فيكون في ثلثمائة تسع سنين. وقرأ الجمهور «ثلثمائة سنين» بتنوين مائة ونصب سنين، على التقديم والتأخير؛ أي سنين ثلثمائة فقدم الصفة على الموصوف، فتكون «سنين» على هذا بدلاً أو عطف بيان. وقيل: على التفسير والتمييز. و«سنين» في موضع سنة. وقرأ حمزة والكسائي بإضافة مائة إلى سنين، وترك التنوين؛ كأنهم جعلوا سنين بمنزلة سنة إذ المعنى بهما واحد. قال أبو عليّ: هذه الأعداد التي تضاف في المشهور إلى الآحاد نحو ثلثمائة رجل وثوب قد تضاف إلى الجموع. وفي مصحف عبد الله «ثلثمائة سنة». وقرأ الضحاك «ثلثمائة سنون» بالواو. وقرأ أبو عمرو بخلاف «تسعاً» بفتح التاء وقرأ الجمهور بكسرها. وقال الفراء والكسائي وأبو عبيدة: التقدير ولبثوا في كهفهم سنين ثلثمائة.
البيضاوي
تفسير : {وَلَبِثُواْ فِى كَهْفِهِمْ ثَلاَثَ مِاْئَةٍ سِنِينَ وَٱزْدَادُواْ تِسْعًا } يعني لبثهم فيه أحياء مضروباً على آذانهم، وهو بيان لماأجمل قبل. وقيل إنه حكاية كلام أهل الكتاب فإنهم اختلفوا في مدة لبثهم كما اختلفوا في عدتهم فقال بعضهم ثلاثمائة وقال بعضهم ثلثمائة وتسع سنين. وقرأ حمزة والكسائي «ثَلاَثمائَة سنين» بالإِضافة على وضع الجمع موضع الواحد، ويحسنه ها هنا أن علامة الجمع فيه جبر لما حذف من الواحد وأن الأصل في العدد إضافته إلى الجمع ومن لم يضف أبدل السنين من ثلثمائة.
ابن كثير
تفسير : هذا خبر من الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم بمقدار ما لبث أصحاب الكهف في كهفهم، منذ أرقدهم، إلى أن بعثهم الله وأعثر عليهم أهل ذلك الزمان، وأنه كان مقداره ثلثمائة سنة تزيد تسع سنين بالهلالية، وهي ثلثمائة سنة بالشمسية، فإن تفاوت ما بين كل مائة سنة بالقمرية إلى الشمسية ثلاث سنين، فلهذا قال بعد الثلثمائة: {وازدادوا تسعاً}. وقوله: {قُلِ ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُواْ} أي: إذا سئلت عن لبثهم، وليس عندك علم في ذلك، وتوقيف من الله تعالى، فلا تتقدم فيه بشيء، بل قل في مثل هذا: {ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُواْ لَهُ غَيْبُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} أي: لا يعلم ذلك إلا هو، ومن أطلعه عليه من خلقه، وهذا الذي قلناه عليه غير واحد من علماء التفسير؛ كمجاهد وغير واحد من السلف والخلف. وقال قتادة في قوله: {وَلَبِثُواْ فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ} الآية، هذا قول أهل الكتاب، وقد ردّه الله تعالى بقوله: {قُلِ ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُواْ} قال: وفي قراءة عبد الله: وقالوا ولبثوا، يعني: أنه قاله الناس، وهكذا قال قتادة ومطرف ابن عبد الله، وفي هذا الذي زعمه قتادة نظر، فإن الذي بأيدي أهل الكتاب أنهم لبثوا ثلثمائة سنة، من غير تسع، يعنون بالشمسية، ولو كان الله قد حكى قولهم، لما قال: وازدادوا تسعاً، والظاهر من الآية إنما هو إخبار من الله، لا حكاية عنهم، وهذا اختيار ابن جرير رحمه الله، ورواية قتادة قراءة ابن مسعود منقطعة، ثم هي شاذة بالنسبة إلى قراءة الجمهور، فلا يحتج بها، والله أعلم. وقوله: {أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ} أي: إنه لبصير بهم، سميع لهم، قال ابن جرير: وذلك في معنى المبالغة في المدح، كأنه قيل: ما أبصره وأسمعه، وتأويل الكلام: ما أبصر الله لكل موجود وأسمعه لكل مسموع لا يخفى عليه من ذلك شيء. ثم روي عن قتادة في قوله: {أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ} فلا أحد أبصر من الله، ولا أسمع. وقال ابن زيد: {أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ} يرى أعمالهم، ويسمع ذلك منهم سميعاً بصيراً. وقوله: {مَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا} أي إنه تعالى هو الذي له الخلق والأمر، الذي لا معقب لحكمه، وليس له وزير ولا نصير، ولا شريك ولا مشير، تعالى وتقدس.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَلَبِثُواْ فِى كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِئَةٍ } بالتنوين {سِنِينَ } عطف بيان لـ(ثلاثمائة)، وهذه السنون الثلاثمائة عند أهل الكتاب شمسية، وتزيد القمرية عليها عند العرب تسع سنين، وقد ذكرت في قوله {وَٱزْدَادُواْ تِسْعًا } أي تسع سنين، فالثلاثمائة الشمسية: ثلاثمائة وتسع قمرية.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {ولبثوا في كهفهم ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعاً} في قراءة ابن مسعود قالوا لبثوا في كهفهم. وفيه قولان: أحدهما: أن هذا قول اليهود،وقيل بل نصارى نجران أنهم لبثوا في كهفهم ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعاً، فرد الله تعالى عليهم قولهم وقال لنبيه {قل الله أعلم بما لبثوا} واتلقول الثاني: أن هذا إخبار من الله تعالى بهذا العدد عن مدة بقائهم في الكهف من حين دخلوه إلى ما ماتوا فيه. {وازدادوا تسعاً} هو ما بين السنين الشمسية والسنين القمرية. {قل الله أعلم بما لبثوا} فيه وجهان: أحدهما: بما لبثوا بعد مدتهم إلى نزول القرآن فيهم. الثاني: الله أعلم بما لبثوا في الكهف وهي المدة التي ذكرها عن اليهود إذ ذكروا زيادة ونقصاناً. قوله عز وجل: {... أبصر به وأسمع} فيه تأويلان: أحدهما: أن الله أبصر وأسمع، أي أبصر، بما قال وأسمع لما قالوا. الثاني: معناه أبصرهم وأسمعهم، ما قال الله فيهم. {ما لهم من دونه من وَليّ} فيه وجهان: أحدهما: من ناصر. الثاني: من مانع. {ولا يشرك في حكمه أحداً} فيه وجهان: أحدهما: ولا يشرك في علم غيبه أحداً. الثاني: أنه لم يجعل لأحد أن يحكم بغير حكمه فيصير شريكاً له في حكمه.
ابن عطية
تفسير : قال قتادة ومطر الوراق وغيرهما {ولبثوا في كهفهم} الآية حكاية عن بني إسرائيل أنهم قالوا ذلك، واحتجا بأن قراءة عبد الله بن مسعود، وفي مصحفه: "وقالوا لبثوا في كهفهم"، وذلك عند قتادة، على غير قراءة عبد الله، عطف على {أية : ويقولون سبعة} تفسير : [الكهف: 22]، ذكر الزهراوي، ثم أمر الله نبيه بأن يرد العلم إليه رداً على مقالهم وتقييداً له، قال الطبري: وقال بعضهم: لو كان ذلك خبراً من الله، لم يكن لقوله {قل الله أعلم بما لبثوا} وجه مفهوم. قال القاضي أبو محمد: أي ذهب بهذا القائل، وما الوجه المفهوم البارع إلا أن تكون الآية خبراً عن لبثهم، ثم قيل لمحمد صلى الله عليه وسلم {قل الله أعلم بما لبثوا} فخبره هذا هو الحق من عالم الغيب فليزل اختلافكم أيها المخرصون، وقال المحققون: بل قوله تعالى: {ولبثوا في كهفهم} الآية خبر من الله تعالى عن مدة لبثهم، ثم اختلف في معنى قوله بعد الإخبار {قل الله أعلم بما لبثوا} فقال الطبري: إن بني إسرائيل اختلفوا فيما مضى لهم من المدة بعد الإعثار عليهم إلى مدة النبي صلى الله عليه وسلم، فقال بعضهم إنهم لبثوا ثلاثمائة سنة وتسع سنين، فأخبر الله نبيه أن هذه المدة في كونهم نياماً، وأن ما بعد ذلك مجهول للبشر، فأمره الله أن يرد علم ذلك إليه فقوله على هذا التأويل {لبثوا} الأول، يريد في نوم الكهف، و {لبثوا} الثاني: يريد بعد الإعثار موتى إلى مدة محمد عليه السلام، إلى وقت عدمهم بالبلى، على الاختلاف الذي سنذكره بعد، وقال بعضها إنه لما قال: {وازدادوا تسعاً} لم يدر الناس أهي ساعات، أم أيام، أم جمع، أم شهور، أم أعوام. واختلف بنو إسرائيل بحسب ذلك، فأمره الله برد العلم إليه، يريد في التسع فهي على هذا مبهمة، وظاهر كلام العرب والمفهوم منه أنها أعوام، والظاهر من أمرهم أنهم قاموا ودخلوا الكهف بعد عيسى بيسير، وقد بقيت من الحواريين بقية، وحكى النقاش ما معناه: أنهم لبثوا ثلاثمائة سنة شمسية بحساب الأمم، فلما كان الإخبار هنا للنبي العربي ذكرت التسع، إذ المفهوم عنده من السنين القمرية، فهذه الزيادة هي ما بين الحسابين، وقرأ الجمهور "ثلاثمائةٍ سنينَ" بتنوين مائة ونصب "سنينَ" على البدل من "ثلاثمائةٍ"، وعطف البيان، وقيل على التفسير والتمييز وقرأ حمزة والكسائي ويحيى وطلحة والأعمش بإضافة "مائة" إلى "سنين"، وترك التنوين، وكأنهم جعلوا "سنين" بمنزلة سنة، إذ المعنى بهما واحد قال أبو علي: إذ هذه الأعداد التي تضاف في المشهور إلى الآحاد نحو ثلاثمائة رجل وثوب، قد تضاف إلى الجموع، وأنحى أبو حاتم على هذه القراءة، وفي مصحف عبد الله بن مسعود: "ثلاثمائة سنة"، وقرأ الضحاك "ثلاثمائة سنون"، بالواو، وقرأ أبو عمرو بخلاف: "تَسعاً" بفتح التاء، وقرأ الجمهور "تِسعاً" بكسر التاء، وقوله {أبصر به وأسمع} أي ما أبصره وأسمعه. قال قتادة: لا أحد أبصر من الله ولا أسمع، وهذه عبارات عن الإدراك، ويحتمل أن يكون المعنى: أبصر به أي بوحيه وإرشاده هداك وحججك والحق من الأمور. وأسمع به العالم، فتكون أمرين، لا على وجه التعجب، وقوله {ما لهم من دونه من ولي} يحتمل أن يعود الضمير في {لهم} على أصحاب الكهف، أي هذه قدرته وحده، لم يواليهم غيره بتلطف لهم، ولا اشترك معه أحد في هذا الحكم، ويحتمل أن يعود الضمير في {لهم} على معاصري رسول الله صلى الله عليه وسلم من الكفار ومشاقيه، وتكون الآية اعتراضاً بتهديد، وقرأ الجمهور "ولا يشرك في حكمه أحداً" بالياء من تحت على معنى الخبر عن الله تعالى، وقرأ ابن عامر والحسن وأبو رجاء وقتادة والجحدري "ولا تشرك" بالتاء من فوق، على جهة النهي للنبي عليه السلام، ويكون قوله "ولا تشرك" عطفاً على {أبصر} {وأسمع}، وقرأ مجاهد "ولا يشركْ" بالياء من تحت وبالجزم، قال يعقوب لا أعرف وجهه، وحكى الطبري عن الضحاك بن مزاحم أنه قال: نزلت هذه الآية: {ولبثوا في كهفهم ثلاثمائة} فقط، فقال الناس هي أشهر أم أيام أم أعوام؟ فنزلت {سنين وازدادوا تسعاً} وأما هل دام أهل الكهف وبقيت أشخاصهم محفوظة بعد الموت؟ فاختلفت الروايات في ذلك، فروي عن ابن عباس أنه مر بالشام في بعض غزواته، مع ناس على موضع الكهف وجبله، فمشى الناس إليه، فوجدوا عظاماً، فقالوا هذه عظام أصحاب الكهف، فقال لهم ابن عباس: أولئك قوم فنوا وعدموا منذ مدة طويلة فسمعه راهب، فقال ما كنت أحسب أن أحداً من العرب يعرف هذا، فقيل له هذا ابن عم نبينا فسكت، وروت فرقة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: قال حديث : ليحجن عيسى ابن مريم ومعه أصحاب الكهف، فإنهم لم يحجوا بعد . تفسير : قال القاضي أبو محمد: وبالشام على ما سمعت من ناس كثير، كهف كان فيه موتى، يزعم محاويه أنهم أصحاب الكهف، وعليهم مسجد وبناء يسمى الرقيم، ومعهم كلب رمة، وبالأندلس في جهة غرناطة بقرب قرية تسمى لوشة، كهف فيه موتى ومعهم كلب رمة، وأكثرهم قد انجرد لحمه، وبعضهم متماسك، وقد مضت القرون السالفة ولم نجد من علم شأنهم إشارة، ويزعم ناس أنهم أصحاب الكهف، دخلت إليهم فرأيتهم سنة أربع وخمسمائة، وهم بهذه الحالة، وعليهم مسجد، وقريب منهم بناء رومي يسمى الرقيم، كأنه قصر محلق قد بقي بعض جدرانه وهو في فلاة من الأرض حزنة وبأعلى حضرة غرناطة مما يلي القبلة آثار مدينة قديمة رومية يقال لها مدينة دقيوس، وجدنا في آثارها غرائب في قبور ونحوها. قال القاضي أبو محمد: وإنما استسهلت ذكر هذا مع بعده لأنه عجب يتخلد ذكره ما شاء الله عز وجل، وقوله {واتل ما أوحي إليك} الآية، من قرأ "ولا تشرك" بالنهي، عطف قوله {واتلُ} عليه، ومن قرأ "ولا يشرك"، جعل هذا أمراً بدىء به كلام آخر ليس من الأول، وكأن هذه الآية، في معنى الإعتاب للنبي عليه السلام، عقب العتاب الذي كان تركه الاستثناء، كأنه يقول هذه أجوبة الأسئلة فاتل وحي الله إليك، أي اتبع في أعمالك، وقيل اسرد بتلاوتك ما أوحي إليك من كتاب ربك، لا نقض في قوله، {ولا مبدل لكلماته}، وليس لك سواه جانب تميل إليه، وتستند، و"الملتحد": الجانب الذي يمال إليه، ومعنى اللحد كأنه الميل في أحد شقي القبر، ومنه الإلحاد في الحق، وهو الميل عن الحق، ولا يفسر قوله {لا مبدل لكلماته} أمر النسخ لأن المعنى: إما أن يكون لا مبدل سواه فتبقى الكلمات على الإطلاق، وإما أن يكون أراد من "الكلمات" الخبر ونحوه، مما لا يدخله نسخ، والإجماع أن الذي لا يتبدل هو الكلام القائم بالذات الذي بحسبه يجري القدر. فأما الكتب المنزلة فمذهب ابن عباس أنها لا تبدل إلا بالتأويل.
ابن عبد السلام
تفسير : {وَلَبِثُواْ} من قول نصارى نجران، أو اليهود فرده الله ـ تعالى ـ بقوله: {قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُواْ}، أو أخبر الله ـ تعالى ـ بذلك عن مدة لبثهم فيه من حين دخلوه إلى أن ماتوا فيه {تِسْعاً} هو ما بين السنين الشمسية "والقمرية".
النسفي
تفسير : {وَلَبِثُواْ فِى كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِاْئَةِ سِنِينَ} يريد لبثهم فيه أحياء مضروباً على آذانهم هذه المدة وهو بيان لما أجمل في قوله: {فضربنا على آذانهم في الكهف سنين عدداً} وسنين عطف بيان لثلثمائة. ثلثمائة سنين بالإضافة: حمزة وعليّ، على وضع الجمع موضع الواحد في التمييز كقولهأية : {بالأخسرين أعمالاً} تفسير : [الكهف: 103] {وَٱزْدَادُواْ تِسْعًا } أي تسع سنين لدلالة ما قبله عليه {تسعاً} مفعول به لأن «زاد» تقتضي مفعولين فـ «ازداد» يقتضي مفعولاً واحداً {قُلِ ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُواْ } أي هو أعلم من الذين اختلفوا فيهم بمدة لبثهم والحق ما أخبرك به، أو هو حكاية لكلام أهل الكتاب و{قل الله أعلم} رد عليهم، والجمهور على أن هذا إخبار من الله سبحانه وتعالى أنهم لبثوا في كهفهم كذا مدة {لَهُ غَيْبُ ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَٱلأَرْضِ } ذكر اختصاصه بعلم ما غاب في السماوات والأرض وخفي فيها من أحوال أهلها {أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ } أي وأسمع به والمعنى ما أبصره بكل موجود وما أسمعه لكل مسموع {مَالَهُم} لأهل السموات والأرض { مّن دُونِهِ مِن وَلِىّ } من متول لأمورهم {وَلاَ يُشْرِكُ فِى حُكْمِهِ } في قضائه {أَحَدًا } منهم، ولا تشرك على النهي: شامي. كانوا يقولون له ائت بقرآن غير هذا أو بدله فقيل له:{وَٱتْلُ مَا أُوْحِىَ إِلَيْكَ مِن كِتَـٰبِ رَبّكَ } أي من القرآن ولا تسمع لما يهذون به من طلب التبديل فإنه {لاَ مُبَدّلَ لِكَلِمَـٰتِهِ } أي لا يقدر أحد على تبديلها أو تغييرها إنما يقدر على ذلك هو وحده {وَلَن تَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا } ملتجأ تعدل إليه إن هممت بذلك. ولما قال قوم من رؤساء الكفرة لرسول الله صلى الله عليه وسلم: نحِّ هؤلاء الموالي وهم صهيب وعمار وخباب وسلمان وغيرهم من فقراء المسلمين حتى نجالسك نزل:
ابن عادل
تفسير : قوله: {وَلَبِثُواْ فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِاْئَةٍ سِنِينَ وَٱزْدَادُواْ تِسْعاً}. قال قتادة: هذا من كلام القوم؛ لأنَّه تعالى قال: {أية : سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ} تفسير : [الكهف: 22] إلى أن قال: {وَلَبِثُواْ فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِاْئَةٍ} أي: إنَّ أولئك الأقوام، قالوا ذلك، ويؤيِّده قوله تعالى بعده {قُلِ ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُواْ} وهذا يشبهُ الردَّ على الكلام المذكور قبله. ويؤيِّده أيضاً ما ورد في مصحف عبد الله: (وقالوا ولبثوا في كهفهم). وقال آخرون: هو كلام الله تعالى أخبر عن كميَّة هذه المدَّة. وأما قوله: {سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ} فهو كلامٌ تقدَّم، وقد تخلَّل بينه وبين هذه الآية ما يوجبُ انقطاع أحدهما عن الآخر، وهو قوله: {فلا تمار فِيهمْ إلاَّ مِراءً ظَاهِراً}. وقوله تعالى: {قُلِ ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُواْ} لا يوجب أنَّ ما قبله حكاية؛ لأنَّه تعالى أراد بل الله أعلم بما لبثوا، فارجعوا إلى خبر الله دون ما يقوله أهل الكتاب، والمعنى أن الأمر في مدَّة لبثهم، كما ذكرنا، فإن نازعوك فيها، فأجبهم فقل: {اللَّهُ أعْلمُ بِما لَبِثُوا} أي: فهو أعلم منكم، وقد أخبر بمدَّة لبثهم. وقيل: إنَّ أهل الكتاب قالوا: إنَّ المدَّة من لدن دخلوا الكهف إلى يومنا ثلاثمائة وتسع سنين، فردَّ الله عليهم، وقال: {قُلِ ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُواْ} يعني بعد قبض أرواحهم إلى يومنا هذا، لا يعلمه إلاَّ الله. قوله: {ثَلاثَ مِاْئَةٍ سِنِينَ}: قرأ الأخوان بإضافة "مِئةِ" إلى "سنين" والباقون بتنوين "مِئةٍ". فأمَّا الأولى: فأوقع فيها الجمع موقع المفرد؛ كقوله: {أية : بِٱلأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً} تفسير : [الكهف: 103]. قاله الزمخشريُّ يعني أنه أوقع "أعْمَالاً" موقع "عملاً" وقد أنحى أبو حاتمٍ على هذه القراءة ولا يلتفت إليه، وفي مصحف عبد الله "سنة" بالإفراد، وبها قرأ أبيّ، وقرأ الضحاك "سِنُونَ" بالواو على أنها خبر مبتدأ مضمرٍ، أي: هي سنُونَ. وأمَّا الباقون، فلما لم يروا إضافة "مِئَة" إلى جمعٍ، نَوَّنُوا، وجعلوا "سِنينَ" بدلاً من "ثَلاثمائةٍ" أو عطف بيان. قال البغويُّ: فإن قيل لِمَ قال: "ثلاثمائة سنين" ولم يقل سنة؟ فالجواب، لمَّا نزل قوله تعالى: {وَلَبِثُواْ فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِاْئَةٍ} فقالوا: أيَّاماً، أو شهوراً، أو سنين، فنزلت "سنين". وقال الفراء: من العرب من يضع "سنين" موضع سنة. ونقل أبو البقاء أنها بدل من "مِئَةٍ" لأنها في معنى الجمع. ولا يجوز أن يكون "سِنينَ" في هذه القراءة تمييزاً؛ لأنَّ ذلك إنما يجيء في ضرورةٍ مع إفرادِ التمييز؛ كقوله: شعر : 3507أ- إذَا عَاشَ الفَتَى مِئَتيْنِ عَاماً فَقدْ ذَهبَ اللَّذاذَةُ والفَتَاءُ تفسير : فصل قيل: المعنى: ولبثوا في كهفهم سنين ثلاثمائة {وَٱزْدَادُواْ تِسْعاً}. قال الكلبيُّ: قالت نصارى نجران: أما الثلاثمائة، فقد عرفناها، وأما التسع، فلا علم لنا بها، فنزلت: {قُلِ ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُواْ}. روي عن عليٍّ - رضي الله عنه - أنه قال: عند أهل الكتاب: أنَّهم لبثُوا ثَلاثمائَةٍ شَمْسيَّة، والله تعالى ذَكرَ ثَلاثمَائةِ سنةٍ قمريَّة، والتَّفاوتُ بين الشَّمسية والقمريَّة في كلِّ مائةِ سنةٍ ثلاث سنين، فيكونُ ثَلاثمائَةٍ، وتِسْع سنينَ، فَلذلِكَ قال: "وازْدَادُوا تِسْعاً". قال ابن الخطيب: وهذا مشكلٌ؛ لأنه لا يصحُّ بالحساب، فإن قيل: لِمَ لا قيل: ثلاثمائة، وتسع سنين؟. وما الفائدة في قوله: "وازْدَادُوا تِسْعاً"؟. فالجواب: أن يقال: لعلَّهم لما استكمل لهم ثلاثمائة سنة، قرب أمرهم من الانتباه، ثمَّ اتفق ما أوجب [بقاءهم في النَّوم] تسع سنين. قوله: "تِسْعاً" أي: تسع سنين، حذف المميِّز؛ لدلالةِ ما تقدَّم عليه؛ إذ لا يقال: عندي ثلاثمائة درهم وتسعة، إلا وأنت تعني: تسعة دراهم، ولو أردتَّ ثياباً ونحوها، لم يجزْ؛ لأنه إلغازٌ، و "تِسْعاً" مفعولٌ به، وازداد: افتعل، أبدلت التاء دالاً بعد الزاي، وكان متعدِّياً لاثنين؛ نحو: {أية : وَزِدْنَاهُمْ هُدًى} تفسير : [الكهف: 13]، فلما بني على الافتعال، نقص واحداً. وقرأ الحسن وأبو عمرو في رواية "تسعاً" بفتح التاء كعشرٍ. قوله: {قُلِ ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُواْ} أنه تعالى أعلم بمقدار هذه المدَّة من الناس الذين اختلفوا فيها؛ لأنَّه إله السموات والأرض ومدبِّر العالم له غيبُ السَّموات والأرض. والغَيْبُ: ما يغيب عن إدراكك، والله - تعالى - لا يغيبُ عن إدراكه شيءٌ، ومن كان عالماً بغيب السموات والأرض، يكون عالماً بهذه الواقعة، لا محالة. قوله: {أَبْصِرْ بِهِ}: صيغة تعجُّب بمعنى "مَا أبْصرَهُ" على سبيل المجاز، والهاء لله تعالى، وفي مثل هذا ثلاثة مذاهب: الأصح: أنه بلفظ الأمر، ومعناه الخبر، والباء مزيدة في الفاعل؛ إصلاحاً للفظ أي ما أبصر الله بكلِّ موجودٍ، وأسمعه بكلِّ مسموعٍ. والثاني: أنَّ الفاعل ضمير المصدر. والثالث: أنه ضمير المخاطب، أي: أوقع أيُّها المخاطب، وقيل: هو أمر حقيقة لا تعجب، وأن الهاء تعود على الهدى المفهوم من الكلام. وقرأ عيسى: "أسْمعَ" و "أبْصرَ" فعلاً ماضياً، والفاعل الله تعالى، وكذلك الهاء في "به"، أي: أبصر عباده وأسمعهم. وتقدَّم الكلام على هذه الكلمة عند قوله: {أية : فَمَآ أَصْبَرَهُمْ عَلَى ٱلنَّارِ} تفسير : [البقرة: 175]. قوله: {مَّا لَهُم} أي: ما لأهلِ السموات والأرض. قوله: "مِنْ دُونهِ" أي: من دون الله. قوله: "مِنْ وليٍّ" أي من ناصرٍ. و "مِنْ وليٍّ" يجوز أن يكون فاعلاً، وأن يكون مبتدأ. قوله: "ولا يُشْرِكُ" قرأ ابن عامر بالتاء والجزم [عطفاً على قوله: {أية : وَلاَ تَقْولَنَّ لِشَيْءٍ} تفسير : [الكهف: 23] وقوله: {وَٱذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَىٰ}] أي: ولا تشركْ أنت أيها الإنسانُ، والباقون بالياء من تحت، ورفع الفعل، أي: ولا يشرك الله في حكمه أحداً، فهو نفيٌ محضٌ. فصل في المراد بالحكم في الآية قيل: الحكم ها هنا علم الغيب، أي: لا يشركُ في علم غيبه أحداً. وقرأ مجاهد وقتادة: "ولا يُشرِكْ" بالياء من تحت والجزم. قال يعقوب: "لا أعرف وجهه". قال شهاب الدين: وجهه أنَّ الفاعل ضميرُ الإنسان، أضمر للعلم به. والضمير في قوله "مَا لهُمْ" يعود على معاصري رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال ابن عطية: "وتكون الآية اعتراضاً بتهديد" كأنَّه يعني بالاعتراض: أنهم ليسوا ممَّن سيق الكلام لأجلهم، ولا يريد الاعتراض الصِّناعي. فصل قوله: {مَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ}. قيل: ما لأصحاب الكهف من دون الله وليٌّ؛ فإنَّه هو الذي يتولَّى حفظهم في ذلك النَّوم الطَّويل. وقيل: ليس لهؤلاءِ القوم المختلفين في مدَّة لبث أصحاب الكهف وليٌّ من دون الله، يتولَّى أمرهم، ويقيم لهم تدبير أنفسهم، فإذا كانوا محتاجين إلى تدبير الله وحفظه، فكيف يعلمون هذه الواقعة من غير إعلامه؟!. فصل واختلفوا في زمن أصحاب الكهف وفي مكانهم، فقيل: كانوا قبل موسى - عليه الصلاة والسلام - وأنَّ موسى صلى الله عليه وسلم ذكرهم في التَّوراة، فلهذا سأل اليهودُ رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قصَّتهم. وقيل: دخلوا الكهف قبل المسيح، وأخبر المسيحُ بخبرهم، ثم بعثوا في الوقت الذي بين عيسى، وبين محمد صلى الله عليه وسلم. وقيل: إنَّهم دخلوا الكهف بعد الميسح، حكى هذا القول القفَّال عن محمد بن إسحاق، وذكر أنهم لم يموتوا، ولا يموتون إلى يوم القيامة. وأمَّا مكان الكهف، فحكى القفَّال عن محمد بن موسى الخُوارزميِّ المنجم: أن الواثق أنفذه؛ ليعرف حال أصحاب الكهف من ملك الرُّوم، قال: فوجَّه ملكُ الرُّوم معي أقواماً إلى الموضع الذي يقال إنهم فيه. وقيل: إنَّ الرجل قال: إنَّ الرجل الموكَّل بذلك الموضع فزَّعني من الدُّخول عليهم، قال: فدخلت فرأيت الشُّعور على صدورهم. قال: وعرفت أنَّ ذلك تمويهٌ واحتيالٌ، وأنَّ الناس كانوا قد عالجوا تلك الجثث بالأدوية المجففة؛ لتصونها عن البلاء؛ كالتلطيخ بالصَّبر وغيره. قال القفَّال: والذي عندنا أنَّ موضع أصحاب الكهف لا يعرف، ولا عبرة بقول أهل الرُّوم، وذكر الزمخشري عن معاوية "أنَّه لما غزا الرُّومَ، فمرَّ بالكهف، فقال: لو كشف عن هؤلاء، ننظر إليهم، فقال له ابن عباس: أيُّ شيءٍ لك في ذلك؟ قد منع الله من هو خيرٌ منك، فقال: {لَو اطَّلعتَ عَليْهِمْ، لولَّيتَ مِنهُمْ فِراراً، ولمُلِئْتَ مِنهُمْ رُعْباً}. فقال: لا أنتهي عن ذلك، حتَّى أعلم حالهم، فبعث أناساً، فقال: اذهبوا، فانظروا، فلما دخلوا الكهف بعث الله عليهم ريحاً، [فأخرجتهم]". فصل قال ابن الخطيب: والعلم بذلك الزَّمان، وذلك المكان، ليس للعقل فيه مجالٌ، وإنما يستفاد ذلك من نصٍّ، وهو مفقودٌ؛ فثبت أنَّه لا سبيل إليه. قال ابن الخطيب: هذه السور الثلاث اشتملت كلُّ واحدة منها على حصول حالةٍ غريبةٍ عجيبةٍ نادرةٍ في هذا العالم: سورة بني إسرائيل اشتملت على الإسراء بالجسد الشريف صلى الله عليه وسلم من مكة إلى الشَّام، وهي حالة عجيبة، وهذه السورة اشتملت على بقاء القوم في النوم مدَّة ثلاثمائة سنةٍ، وأزيد، وهي أيضاً حالة عجيبة وسورة مريم اشتملت على حدوث الولد لا من الأب، وهي أيضاً حاله غريبة والمعتمد في بيان هذه العجائب، والغرائب المذكورة: أنَّه تعالى قادر على كلِّ الممكنات، عالمٌ بجميع المعلومات من الجزئيات والكليَّات، فإنَّ كلَّ ما كان ممكن الحصول في بعض الأوقات كان ممكن الحصول في سائر الأوقات. وإذا ثبتت هذه الأصول الثلاثة ثبت القول بإمكان البعث، ولما كان قادراً على الكل وثبت أن بقاء الإنسان حياً في النوم مدة يوم ممكن، فكذلك بقاؤهُ مدة ثلاثمائة سنةٍ، يوجب أن يكون ممكناً، بمعنى: أن إله العالم يحفظه عن الآفةِ. وأما الفلاسفةُ فإنهم يقولون: لا يبعد وقوع أشكالٍ فلكية غريبة توجب في عالم الكون والفساد حصول أحوالٍ غريبة نادرة، وذكر أبو علي بن سفيان في "باب الزَّمان" من كتاب "الشِّفا" أن أرسطاطاليس الحكيم ذكر أنه عرض لقوم من المباطيل حالةٌ شبيهة بأصحاب الكهف. قال ابن سينا: ويدلُّ التاريخ على أنهم قبل أصحاب الكهف. قوله تعالى: {وَٱتْلُ مَآ أُوْحِيَ إِلَيْكَ مِن كِتَابِ رَبِّكَ} الآية. اعلم أن كفَّار قريش اجتمعوا، وقالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إن أردت أن نؤمن بك فاطرد هؤلاء الذين آمنوا بك، فنهاهُ الله عن ذلك، وبيّن في هذه الآيات أنَّ الذي اقترحوه والتمسوه مطلوب فاسد، ثم إنه تعالى جعل الأصل في هذا الباب شيئاً واحداً، وهو أن يواظب على تلاوة الكتاب الذي أوحاه الله إليه، ولا يلتفت إلى اقتراح المقترحين وتعنتهم، فقال: {وَٱتْلُ مَآ أُوْحِيَ إِلَيْكَ} أي التزم قراءة الكتاب الذي أوحي إليك والزم العمل به {لاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ} أي: لا مغيِّر للقرآن، وهذه آية تدل على أنه لا يجوز تخصيص النصِّ بالقياس؛ لأن معنى الكلام: الزم العمل بمقتضى هذا الكتاب، وذلك يقتضي وجوب العمل بمقتضى ظاهره. فإن قيل: فيجب ألا يتطرَّق النسخ إليه أيضاً. فالجواب: أن هذا مذهبُ أبي مسلم الأصفهاني، وليس ببعيد، وأيضاً فالنسخ في الحقيقة ليس بتبديلٍ؛ لأن المنسوخ ثابت في وقته إلى وقت طريان الناسخ، فالناسخ كالمغاير، فكيف يكون تبديلاً؟ ثم قال: {ولن تَجدِ مِنْ دُونهِ مُلتحداً} أي: ملجأ، قال أهل اللغة: هو من لحد وألحد: إذا مال، ومنه قوله {أية : ٱلَّذِينَ يُلْحِدُونَ} تفسير : [فصلت: 40] والملحدُ: الماثل عن الدِّين. قال ابن عباس: حرزاً. وقال الحسن: مدخلاً. وقال مجاهد: ملجأ. وقيل: ولن تجد من دونه ملتحداً في البيان والإرشاد. قوله: {وَٱصْبِرْ نَفْسَكَ} أي: احبسها وثبتها قال أبو ذؤيب: [الكامل] شعر : 3507ب- فَصَبرْتُ نَفْساً عِنْدَ ذلِكَ حُرَّة تَرْسُو إذَا نَفْسُ الجَبانِ تَطلَّعُ تفسير : وقوله: "بالغَداةِ" تقدَّم الكلام عليها في الأنعام. فصل في نزول الآية نزلت في عيينة بن حصن الفزاريِّ، أتى النَّبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يسلم، وعنده جماعةٌ من الفقراءِ فيهم سلمان، وعليه شملةٌ قد عرق فيها، وبيده خوصةٌ يشقها، ثم ينسجها؛ فقال عيينة للنبي صلى الله عليه وسلم: أما يؤذيكَ ريحُ هؤلاء؟ ونحن سادات مضر وأشرافها فإن أسلمنا، أسلم الناس، وما يمنعنا من اتِّباعِكَ إلاَّ هؤلاء، حتى نتبعك، واجعل لنا مجلساً، ولهم مجلساً، فأنزل الله تعالى: {وَٱصْبِرْ نَفْسَكَ}، أي: احبسْ يا محمد نفسك {مَعَ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِٱلْغَدَاةِ وَٱلْعَشِيِّ} طرفي النَّهار، {يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} أي: يريدون الله، لا يريدون به عرضاً من الدنيا. وقال قتادة: نزلت في أصحاب الصُّفة، وكانوا سبعمائة رجلٍ فقراء في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يرجعون إلى تجارة، ولا إلى زرع، يصلُّون صلاة، وينتظرون أخرى، فلما نزلت هذه الآية، قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: "حديث : الحمد لله الذي جعل في أمَّتي من أمرتُ أن أصبر نفسي معهم"تفسير : . وهذه القصة منقطعة عما قبلها، وكلامٌ مفيدٌ مستقلٌّ، وتقدم نظير هذه الآية في سورة الأنعام، وهو قوله تعالى: {أية : وَلاَ تَطْرُدِ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِٱلْغَدَاةِ وَٱلْعَشِيِّ} تفسير : [الأنعام: 52] ففي تلك الآية نهى الرسول - عليه السلام - عن طردهم، وفي هذه الآية أمرهُ بمجالستهم والمصابرة معهم. فصل في قراءات الآية قرأ ابن عامر بالغداة والعشيّ، بضمِّ الغين، والباقون بالغَداة، وهما لغتان، فقيل: المراد كونهم مواظبين على هذا العمل في كلِّ الأوقاتِ كقول القائل: ليس لفلانٍ عمل بالغداة والعشيِّ إلاَّ شتم الناس، وقيل: المراد صلاة الفجر والعصر. وقيل: المراد الغداة هي الوقت الذي ينتقل الإنسان فيه من النَّوم إلى اليقظة، ومن اليقظة إلى النَّوم. قوله: {وَلاَ تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ} فيه وجهان: أحدهما: أن مفعوله محذوف، تقديره: ولا تعد عيناك النظر. والثاني: أنه ضمِّن معنى ما يتعدَّى بـ "عَنْ" قال الزمخشريُّ: "يقال: عدَّاه، أي: جاوزه فإنما عدِّي بـ "عَنْ" لتضمين "عَدا" معنى نبا وعلا في قولك: نَبتْ عنه عينه، وعلتْ عنه عينه، إذا اقتحمته، ولم تعلق به، فإن قيل: أي غرضٍ في هذا التضمين؟ وهلاَّ قيل: ولا تعدهم عيناك، أو: ولا تعل عيناك عنهم؟ فالجواب: الغرض منه إعطاءُ مجموع معنيين، وذلك أقوى من إعطاء معنى [فذٍّ] ألا ترى كيف رجع المعنى إلى قولك: ولا تقتحمهم عيناك متجاوزتين إلى غيرهم، ونحوه {أية : وَلاَ تَأْكُلُوۤاْ أَمْوَالَهُمْ إِلَىٰ أَمْوَالِكُمْ} تفسير : [النساء: 2]، أي: لا تضمُّوها إليها آكلين لها". وردَّه أبو حيان: بأنَّ مذهب البصريين أن التضمين لا ينقاس، وإنما يصار إليه عند الضرورة، فإذا أمكن الخروج عنه، فلا يصار إليه. وقرأ الحسن "ولا تُعدِ عَينَيْكَ" من أعدى رباعيًّا، وقرأ هو، وعيسى، والأعمش "ولا تُعدِّ" بالتشديد، من عدَّى يعدِّي مضعفاً، عدَّاه في الأولى بالهمزة، وفي الثانية بالتثقيل؛ كقول النابغة: [البسيط] شعر : 3508- فَعدِّ عَمَّا تَرَى إذْ لا ارتِجاعَ لهُ وانْمِ القُتودَ على عَيْرانةٍ أجُدِ تفسير : كذا قال الزمخشري، وأبو الفضل، وردَّ عليهما أبو حيان: بأنه لو كان تعدِّيه في هاتين القراءتين بالهمزة، أو التضعيف، لتعدَّى لاثنين؛ لأنه قبل ذلك متعد لواحد بنفسه، وقد أقرَّ الزمخشري بذلك؛ حيث قال: "يقال: عداهُ إذا جاوزه، وإنَّما عدِّي بـ "عن" لتضمنه معنى علا، ونبا" فحينئذٍ يكون "أفْعلَ" و "فعَّل" ممَّا وافقا المجرَّد وهو اعتراضٌ حسنٌ. فصل يقال: عدَّاه، إذا جاوزه، ومنه قولهم: عدا طورهُ، وجاءني القومُ عدا زيداً؛ لأنَّها تفيد المباعدة، فكأنَّه تعالى نهى نبيَّه عن مباعدتهم، والمعنى: لا تزدري فقراء المؤمنين، ولا تثني عينيك عنهم؛ لأجل مجالسة الأغنياء. ثم قال: "تُريدُ" جملة حالية، ويجوز أن يكون فاعل "تريدُ" المخاطب، أي: تريد أنت، ويجوز أن يكون ضمير العينين، وإنما وحِّد؛ لأنهما متلازمان يجوز أن يخبرَ عنهما خبر الواحد، ومنه قول امرىء القيس: [الهزج] شعر : 3509- لِمَنْ زُحلوفَةٌ زُلُّ بِهَا العَيْنانِ تَنهَلُّ تفسير : وقول الاخر: [الكامل] شعر : 3510- وكَأنَّ في العَيْنينِ حبَّ قَرنْفُلٍ أو سُنْبُلاً كُحلَتْ بِهِ فانهَلَّتِ تفسير : وفيه غير ذلك، ونسبة الإرادة إلى العينين مجازٌ، وقال الزمخشري: "الجملة في موضع الحال" قال أبو حيان: "وصاحبُ الحال، إن قدِّر "عَيْناكَ" فكان يكون التركيبُ: يريدان". قال شهاب الدين: غفل عن القاعدة المتقدِّمة: من أنَّ الشيئين المتلازمين يجوز أن يخبر عنهما إخبار الواحد، ثم قال: "وإن قدَّر الكاف، فمجيءُ الحال من المجرورِ بالإضافة نحو هذا فيه إشكالٌ؛ لاختلاف العامل في الحال، وذي الحال، وقد أجاز ذلك بعضهم، إذا كان المضاف جزءاً أو كالجزءِ، وحسَّن ذلك أنَّ المقصود هو نهيه - عليه الصلاة والسلام - وإنما جيء بقوله "عَيْناكَ" والمقصود هو؛ لأنَّهما بهما تكونُ المراعاة للشخص والتلفُّتُ له". قال شهاب الدين: وقد ظهر لي وجهٌ حسنٌ، لم أر غيري ذكره: وهو أن يكون "تَعْدُ" مسنداً لضمير المخاطب صلى الله عليه وسلم، و "عَيْناكَ" بدلا من الضمير، بدل بعض من كل، و "تُرِيدُ" على وجهيها من كونها حالاً من "عَيْناكَ" أو من الضمير في "تَعْدُ" إلا أن في جعلها حالاً من الضمير في "ولا تعدُ" ضعفاً؛ من حيث إنَّ مراعاة المبدل منه بعد ذكر البدل قليلٌ جدًّا، تقول: "الجاريةُ حسنها فاتنٌ" ولا يجوز "فَاتِنةٌ" إلاَّ قليلاً، كقوله: شعر : 3511أ- فَكَأنَّهُ لَهِقُ السَّراة كأنَّهُ مَا حَاجِبَيْهِ مُعيَّنٌ بِسوَادِ تفسير : فقال: "مُعيَّنٌ" مراعاة للهاء في "كَأنَّه" وكان الفصيحُ أن يقول: "مُعيَّنانِ" مراعاة لحاجبيه الذي هو البدل. فصل {تُرِيدُ زِينَةَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا}، أي تطلب مجالسة الأغنياء، والأشراف، وصحبة أهل الدنيا، ولما جاء أمره بمجالسة الفقراء من المسلمين، نهاه عن الالتفات إلى قول الأغنياء والمتكبرين، فقال: {وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا} يعني عيينة بن حصين، وقيل: أميَّة بن خلف، {وَٱتَّبَعَ هَوَاهُ} في طلب الشَّهوات {وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً} قال قتادة ومجاهد: ضياعاً. وقيل: ندماً، وقال مقاتلٌ: سرفاً. وقال الفراء: متروكاً. وقيل: باطلاً. وقال الأخفش: مجاوزاً للحدِّ. قوله: "أغْفَلنَا قَلبَهُ" العامة على إسناد الفعل لـ "نا" و "قلبهُ" مفعول به. وقرأ عمرو بن عبيد، وعمرو بن فائد، وموسى الأسواري بفتح اللام، ورفع "قَلبهُ" أسندوا الإغفال إلى القلب، وفيه أوجهٌ، قال ابن جنِّي: من ظنَّنا غافلين عنه. وقال الزمخشريُّ: "من حَسِبنَا قلبُه غافلينَ، من أغفلته، إذا وجدته غافلاً". وقال أبو البقاء: فيه وجهان: أحدهما: وجدنا قلبه معرضين عنه. والثاني: أهمل أمرنا عن تذكُّرنا. قوله: "فرطاً" يحتمل أن يكون وصفاً على "فعلٍ" كقولهم: "فَرسٌ فرط"، أي: متقدِّمٌ على الخيل، وكذلك هذا، أي: متقدِّماً للحقِّ، وأن يكون مصدراً بمعنى التفريط، أو الإفراط، قال ابن عطيَّة: الفرط: يحتمل أن يكون بمعنى التفريط والتَّضييع، أي: أمرهُ الذي يجب أن يلزم، ويحتمل أن يكون بمعنى الإفراط والإسراف. قال الليث: الفرط: الأمرُ الذي يفرط فيه، يقال: كلُّ أمر فلانٍ فرطٌ، وأنشد: [الهزج] شعر : 3511ب- لَقدْ كَلَّفْتنِي شَطَطَا وأمْراً خائباً فُرُطا تفسير : فصل دلَّت هذه الآية على أنَّه تعالى هو الذي يخلق الجهل والغفلة في قلوب الجهَّال. قالت المعتزلة: المراد بقوله: {أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا}: وجدنا قلبه غافلاً، وليس المراد منه: خلق الغفلة. ويدلُّ عليه ما روي عن عمرو بن معدي كرب الزبيديِّ أنَّه قال لبني سليم: "قَاتَلنَاكُمْ فَما أجَبْنَاكُمْ، وسَألناكُمْ فَما أبْخَلْناكُمْ، وهَجرْنَاكُمْ فمَا أفْحَمناكُمْ" أي ما وجدناكم جبناء، ولا بخلاء، ولا مفحمين. وحمل اللفظ على هذا المعنى أولى؛ لوجوه: الأول: لو كان كذلك، لما استحقُّوا الذمَّ. الثاني: أنه قال بعد هذه الآية {فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ} ولو كان تعالى خلق الغفلة في قلبه، لما صحَّ ذلك. الثالث: أنه لو خلق الغفلة في قلبه، لوجب أن يقال: ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا، فاتبع هواهُ؛ لأن على هذا التقدير: يكون ذلك من أفعالِ المطاوعة، وهي إنما تعطف بالفاءِ، لا بالواو، يقال: كسرتهُ، فانكسر، ودفعته فاندفع، ولا يقال: وانكسر، واندفع. الرابع: قوله: {وَٱتَّبَعَ هَوَاهُ} فلو أغفل قلبهم في الحقيقة، لم يجز أن يضاف ذلك إلى {وَٱتَّبَعَ هَوَاهُ}. والجواب عن الأول من وجهين: الأول: أن الاشتراك خلاف الأصل، فوجب أن يكون حقيقة في أحدهما مجازاً في الآخر، وجعله حقيقة في التكوين، مجازاً في الوجدان أولى من العكس؛ لوجوه: أحدها: مجيءُ بناءِ الأفعال بمعنى التَّكوين أكثر من مجيئه بمعنى الوجدان، والكثرة دليلٌ على الرُّجحان. وثانيها: أن مبادرة الفهم من هذا البناءِ إلى التَّكوين أكثر من مبادرته إلى الوجدان، ومبادرة الفهم دليل الرجحان. وثالثها: إنَّ جَعْلَنا إيَّاه حقيقة في التكوين أمكن من جعله مجازاً عن الوجدان؛ لأنَّ العلم بالشيء تابعٌ لحصول المعلوم، فجعل اللفظ حقيقة في المتبوعِ مجازاً في التَّبع موافقٌ للمعقول، أمَّا لو جعلناه حقيقة في الوجدان، مجازاً في الإيجاد، لزم جعله حقيقة في التَّبع مجازاً في الأصل، وهو عكسُ المعقول. والوجه الثاني من الجواب: سلَّمنا كون اللفظ مشتركاً بالنسبة إلى الإيجاد وإلى الوجدان، إلاَّ أنَّا نقول: يجب حمل قوله: "أغْفَلْنَا" على إيجاد الغفلة؛ لأنَّ الدليل دلَّ على أنَّه يمتنع كون العبدُ موجداً للغفلة في نفسه؛ لأنَّه إذا حاول إيجاد الغفلة، فإمَّا أن يحاول إيجاد مطلق الغفلة، أو يحاول إيجاد الغفلة عن شيء معيَّن، والأول باطلٌ، وإلاَّ لم يكن حصول الغفلة عن هذا الشيء أولى بأن يحصل له الغفلة عن شيءٍ آخر؛ لأنَّ الطبيعة المشتركة فيها بين الأنواعِ الكثيرةِ تكون نسبتها إلى كلِّ تلك [الأنواع] على السويَّة. والثاني أيضاً باطلٌ؛ لأنَّ الغفلة عبارةٌ عن غفلة لا تمتاز عن سائر الأقسام، إلاَّ بكونها منتسبة إلى ذلك الشيء المعيَّن بعينه، فعلى هذا: لا يمكن أن يقصد إلى إيجاد الغفلة عن كذا، إلاَّ إذا تصوَّر العلم أن كون تلك الغفلة غفلة عن كذا، ولا يمكنه أن يتصوَّر تلك الغفلة غفلة عن كذا إلاَّ إذا تصوَّر كذا؛ لأنَّ العلم بنسبة أمر إلى أمر آخر مشروطٌ بتصوُّر كلِّ واحد من المنتسبين؛ فثبت أنَّه لا يمكنه القصد إلى إيجاد الغفلة، إلاَّ عند الشعور بكذا، لكن الغفلة عن كذا ضدُّ الشعور بكذا؛ فثبت أن العبد لا يمكنه إيجاد هذه الغفلة إلاَّ عند اجتماع الضدين، وذلك محالٌ، والموقوف على المحال محالٌ، فثبت أنَّ العبد غير قادرٍ على إيجاد الغفلة؛ فوجب أن يكون خالقُ الغفلة وموجدها في العباد هو الله تعالى، وأما المدحُ والذمُّ فمعارضٌ بالعلم والدَّاعي، وقد تقدَّم. وأما قوله: {فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ} [الكهف: 29] فسيأتي الكلام عليه، إن شاء الله تعالى. وأما قولهم: لو كان المراد إيجاد الغفلة، لوجب ذكر الفاء، فهذا إنَّما يلزم لو كان خلق الغفلة في القلب من لوازمه حصول اتِّباع الشَّهوة والهوى، كما أن الكسر من لوازمه حصول الانكسار، وليس الأمر كذلك؛ لأنَّه لا يلزم من حصول الغفلة عن الله حصول متابعة الهوى؛ لاحتمال أن يصير غافلاً عن ذكر الله، ولا يتَّبع الهوى، بل يبقى متوقِّفاً حيراناً مدهوشاً خائفاً. وذكر القفَّال في تأويل الآية على مذهب المعتزلة وجوهاً: أحدها: أنه تعالى، لما صبَّ عليهم الدنيا صبًّا، وأدَّى ذلك إلى حصول الغفلة في قلوبهم، صحَّ أن يقال: إنه تعالى حصل الغفلة في قلوبهم، كقوله تعالى: {أية : فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَآئِيۤ إِلاَّ فِرَاراً} تفسير : [نوح: 6]. وثانيها: أن معنى {أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ} أي: تركناه، فلم نسمهُ بسمةِ أهل الطَّهارة والتقوى. وثالثها: {أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ} أي خلاَّه مع الشيطان، ولم يمنعه منه. والجواب عن الأول: أنَّ فتح أبواب لذَّات الدنيا عليه، هل يؤثِّر في حصول الغفلة في قلبه أو لا يؤثر؟ فإن أثر، كان أثر إيصال اللذَّات إليه سبباً لحصول الغفلة في قلبه، وذلك عينُ القول بأنه فعل الله، أي: فعل ما يوجب الغفلة في قلبه، وإن لم يؤثِّر في حصول الغفلة، فبطل إسناده إليه، وعلى الثاني وهو أنَّه بمعنى تركناه فهو لا يفيدُ إلاَّ ما ذكرناه. وعن الثالث: إن كانت للتَّخلية؛ بمعنى حصول تلك الغفلة، فهو قولنا، وإلاَّ بطل إسناد تلك الغفلة إلى الله تعالى. قوله تعالى: {وَقُلِ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ} الآية. في تقرير النَّظم وجوهٌ: الأول: أنه تعالى، لمَّا أمر رسوله ألا يلتفت إلى قول الأغنياء، قال: {وَقُلِ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ} الآية أي: قل لهؤلاء: هذا الدِّين الحق من عند الله تعالى، فإن قبلتموه، عاد النَّفع عليكم، وإن لم تقبلوهُ، عاد الضَّرر إليكم، ولا تعلق لذلك بالفقر والغنى. والثاني: أنَّ المراد أنَّ الحقَّ ما جاء من عند الله، والحقَّ الذي جاءنا من عنده أن أصير نفسي مع هؤلاء الفقراء، ولا أطردهم، ولا ألتفت إلى الرؤساء، [ولا أنظر إلى] أهل الدنيا. والثالث: أن يكون المراد هو أنَّ الحقَّ الذي جاء من عند الله {فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ} وأنَّ الله تعالى لم يأذن في طرد أحدٍ ممَّن آمن وعمل صالحاً؛ لأجل أن يدخل في الإيمان جمع من الكفار. فإن قيل: أليس أن العقل يقتضي ترجيح الأهمِّ، وطرد أولئك الفقراء لا يوجب إلاَّ سقوط حرمتهم، وهذا ضررٌ قليلٌ. وأما عدم طردهم، فإنَّه يوجبُ بقاء الكفَّار [على الكفر وهذا ضررٌ عظيمٌ؟. فالجواب: سلَّمنا أنَّ عدم طردهم يوجبُ بقاء الكفَّار على الكفر]، لكن من ترك الإيمان؛ حذراً من مجالسة الفقراء، فإنَّ إيمانهُ ليس بإيمان، بل هو نفاقٌ؛ فيجب على العاقل ألاَّ يلتفت إلى من هذا حاله. الرابع: قل يا محمد للَّذين أغفلنا قلوبهم عن ذكرنا: يا أيُّها الناس، من ربكم الحقُّ، وإليه التوفيق والخذلان، وبيده الهدى والضَّلال، ليس إليَّ من ذلك شيءٌ، وقد بعثتُ إلى الفقراءِ والأغنياء {فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ} وهذا على طريق التهديد والوعيد، كقوله {أية : ٱعْمَلُواْ مَا شِئْتُم} تفسير : [فصلت: 40] والمعنى: لست بطارد المؤمنين لهواكم، فإن شئتم، فآمنوا، وإن شئتم، فاكفروا. قال ابن عبَّاس: معنى الآية: من شاء الله له الإيمان، آمن، ومن شاء له الكفر، كفر. فصل قالت المعتزلة: هذه الآية صريحةٌ في أنَّ الإيمان والكفر والطاعة والمعصية باختيار العبد. قال ابن الخطيب: وهذه الآية من أقوى الدَّلائلِ على صحَّة مذهب أهل السُّنَّة؛ لأنَّ الآية صريحةٌ في أنَّ حصول الإيمان، وحصول الكفر موقوفان على حصول مشيئة الإيمان وحصول مشيئة الكفر، وصريح العقل يدلُّ على أنَّ الفعل الاختياريَّ يمتنع حصوله بدون القصد إليه، وبدون الاختيار. وإذا عرفت هذا، فنقول: حصول ذلك القصد والاختيار، إن كان بقصدٍ آخر يتقدَّمه، لزم أن يكون كلُّ قصدٍ واختيارٍ مسبوقاً بقصدٍ آخر، واختيارٍ آخر إلى غير نهاية، وهو محالٌ؛ فوجب انتهاء ذلك القصد والاختيار إلى قصد واختيار يخلقه الله تعالى في العبد على سبيل الضرورة، وعند حصول ذلك القصد الضروريِّ، والاختيار الضروريِّ، يجب الفعل؛ فالإنسان شاء أو لم يشأ، فإنه تحصل في قلبه تلك المشيئة الجازمة الخالية عن المعاصي، وإذا حصلت تلك المشيئةُ الجازمةُ، فشاء أو لم يشأ، يجب حصول الفعل، فالإنسان مضطرٌّ في صورة مختار. فصل دلَّت الآية على أنَّ صدور الفعل عن الفاعل بدون القصد والدَّاعي محالٌ، وعلى أنَّ صيغة الأمر لا لمعنى الطَّلب في كتاب الله كثيرةٌ. قال عليٌّ - رضي الله عنه -: هذه الصيغة تهديدٌ ووعيدٌ، وليست تخييراً. ودلَّت أيضاً على أنَّه تعالى لا ينتفع بإيمان المؤمنين، ولا يتضرر بكفر الكافرين، بل نفع الإيمان يعود عليهم، وضرر الكفر يعود عليهم؛ لقوله تعالى: {أية : إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا} تفسير : [الإسراء: 7]. قوله: {وَقُلِ ٱلْحَقُّ}: يجوز فيه ثلاثة أوجه: الأول: أنه خبر لمبتدأ مضمرٍ، أي: هذا، [أي] القرآن، أو ما سمعتم الحقُّ. الثاني: أنه فاعل بفعلٍ مقدرٍ، دلَّ عليه السياقُ، أي: جاء الحق، كما صرَّح به في موضع آخر [في الآية 81 من الإسراء]، إلاَّ أنَّ الفعل لا يضمر إلاَّ في مواضع تقدَّم التنبيه عليها، منها: أن يجاب به استفهام، أو يردَّ به نفي، أو يقع بعد فعلٍ مبني للمفعول، لا يصلح إسناده لما بعده؛ كقراءة: {أية : يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِٱلْغُدُوِّ وَٱلآصَالِ} تفسير : [النور: 36] كما سيأتي تحقيقه إن شاء الله تعالى. الثالث: أنه مبتدأ، وخبره الجار بعده. وقرأ أبو السمال قعنب: "وقُلُ الحقَّ" بضم اللام؛ حيث وقع، كأنه إتباعٌ لحركة القاف، وقرأ أيضاً بنصب "الحقَّ" قال صاحب "اللَّوامح": "هو على صفة المصدر المقدَّر؛ لأنَّ الفعل يدلُّ على مصدره، وإن لم يذكر، فينصبه معرفة، كما ينصبه نكرة، وتقديره: وقل القول الحقَّ، وتعلق "مِنْ" بمضمرٍ على ذلك، أي: جاء من ربكم" انتهى. وقرأ الحسن والثقفي بكسر لامي الأمر، في قوله: "فليُؤمِنْ" و "فَليَكْفُرْ" وهو الأصل. قوله: {فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن} يجوز في "مَنْ" أن تكون شرطية، وهو الظاهر، وأن تكون موصولة، والفاء لشبهه بالشرط، وفاعل "شَاءَ": الظاهر أنه ضمير يعود على "مَنْ" وقيل: ضمير يعود على الله، وبه فسَّر ابن عباس، والجمهور على خلافه. قوله: {إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَاراً} أعددنا وهيَّأنا، من العتاد، ومن العدَّة {لِلظَّالِمِينَ} للكافرين، أي: لمن ظلم نفسه، ووضع العبادة في غير موضعها. واعلم أنَّه تعالى، لمَّا وصف الكفر والإيمان، والباطل والحق، أتبعه بذكر الوعيد على الكفر، وبذكر الوعد على الإيمان، و العمل الصَّالح. قوله: {أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا} في محل نصبٍ، صفة لـ "ناراً" والسُّرادِقُ: قيل: ما أحاط بشيءٍ، كالمضرب والخباءِ، وقيل للحائط المشتمل على شيء: سُرادق، قاله الهوريّ، وقيل: هو الحجرة تكون حول الفسطاطِ، وقيل: هو ما يمدُّ على صحنِ الدار، وقيل: كل بيتٍ من كرسفٍ، فهو سرادق، قال رؤبة: [الرجز - السريع] شعر : 3512- يَا حكمُ بْنَ المُنذِرِ بْنِ الجَارُودْ سُرَادِقُ المَجْدِ عَليْكَ مَمدُودْ تفسير : ويقال: بيت مسردقٌ، قال الشاعر: [الطويل] شعر : 3513- هو المُدخِلُ النُّعْمانَ بيْتاً سَماؤهُ صُدورُ الفُيولِ بعد بيتٍ مُسرْدَقِ تفسير : وكان أبرويز ملك الفرس قد قتل النعمان بن المنذر تحت أرجُلِ الفيلةِ، والفيول: جمع فيلٍ، وقيل: السُّرادقُ: الدِّهليزُ، قال الفرزدق: [الطويل] شعر : 3514- تَمنَّيْتهُمْ حتَّى إذا مَا لَقِيتَهُم تَركْتَ لَهُم قَبْلَ الضِّرابِ السُّرادِقَا تفسير : والسُّرادِقُ: فارسي معرب، أصله: سرادة، قاله الجواليقيُّ، وقال الراغب: "السُّرادِقُ فارسيٌّ معربٌ، وليس في كلامهم اسم مفرد، ثالث حروفه ألفٌ بعدها حرفان". فصل أثبت تعالى للنَّار شيئاً شبيهاً بالسرادقِ تحيط بهم من سائرِ الجهاتِ، والمراد: أنهم لا مخلص لهم فيها، ولا فُرجة، بل هي محيطة بهم من كلِّ الجوانب. وقيل: المراد بهذا السُّرادق الدخان الذي وصفه الله تعالى في قوله: {أية : ٱنطَلِقُوۤاْ إِلَىٰ ظِلٍّ ذِي ثَلاَثِ شُعَبٍ}تفسير : [المرسلات: 30]. وقالوا: هذه الإحاطة بهم إنَّما تكون قبل دخولهم، فيحيط بهم هذا الدخان كالسرادق حول الفسطاط. وروى أبو سعيد الخدريُّ عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "سُرادِقُ النَّارِ أربعةُ جُدرٍ، كِثفُ كلِّ جدارٍ مَسِيرةُ أرْبعِينَ سنةً". وقال ابن عبَّاس: السُّرادِقُ حائط. قوله: {وَإِن يَسْتَغِيثُواْ}، أي: يطلبوا الغوث، والياء عن واوٍ؛ إذ الأصل: يستغوثوا، فقلبت الواو ياء كما تقدم في قوله: {أية : نَسْتَعِينُ} تفسير : [الفاتحة: 2] وهذا الكلام من المشاكلة والتَّجانس، وإلاَّ فأيُّ إغاثةٍ لهم في ذلك؟ أو من باب التهكُّم؛ كقوله: [الوافر] شعر : 3515-............... تَحِيَّةُ بينهم ضَرْبٌ وجيعُ تفسير : وهو كثيرٌ. وقوله: "كالمُهْل" صفة لـ "ماء" والمهلُ: دُرْدِيُّ الزيت، وقيل: ما أذيب من الجواهر كالنحاس والرصاص والذهب والفضة. وعن ابن مسعود أنَّه دخل بيت المال، وأخرج ذهباً وفضة كانت فيه، وأوقد عليها، حتَّى تلألأتْ، وقال: هذا هو المهل. وقيل: هو الصَّديد والقيح. وقيل: ضرب من القطران، والمَهَل بفتحتين: التُّؤدَةُ والوَقارُ، قال: {أية : فَمَهِّلِ ٱلْكَافِرِينَ} تفسير : [الطارق: 17]. قوله: "يَشوي الوجوه" يجوز أن تكون الجملة صفة ثانية، وأن تكون حالاً من "ماء" لأنه تخصَّص [بالوصف]، ويجوز أن تكون حالاً من الجارِّ، وهو الكاف. والشَّيءُ: الإنضاجُ بالنار من غير مرقةٍ، تكون مع ذلك الشيء المشويِّ. فصل روى أبو سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : بِماءِ كالمُهْلِ"تفسير : قال: كعكر الزَّيت، فإذا قرِّب إليه، سقطت فروة وجهه فيه. وسئل ابن مسعود عن المهل، فدعا بذهب وفضة، فأوقد عليهما النَّار، حتَّى ذابا، ثم قال: هذا أشبه شيءٍ بالمهل. قيل: إذا طلبوا ماء للشُّرب، فيعطون هذا المهل. قال تعالى: {أية : تَصْلَىٰ نَاراً حَامِيَةً تُسْقَىٰ مِن عَيْنٍ ءَانِيَةٍ} تفسير : [الغاشية: 4، 5]. وقيل: إنَّهم يستغيثون من حرِّ جهنَّم، فيطلبون ما ء يصبونه على وجوههم للتبريد، فيعطون هذا الماء؛ كما حكى عنهم قولهم: {أية : أَفِيضُواْ عَلَيْنَا مِنَ ٱلْمَآءِ} تفسير : [الأعراف: 50]. قوله: {بِئْسَ ٱلشَّرَابُ} المخصوص محذوف، تقديره: هو، أي: ذلك الماء المستغاث به. قوله: {وَسَآءَتْ مُرْتَفَقاً} "ساءت" هنا متصرفة على بابها، وفاعلها ضمير النار، ومرتفقاً تمييزٌ منقولٌ من الفاعلية، أي: ساء، وقبح مرتفقها. والمُرتَفقُ: المُتَّكأ ومنه سمي المرفق مرفقاً؛ لأنه يتكأ عليه، وقيل: المنزل قاله ابن عبَّاس. وقال مجاهد: مجتمعاً للرُّفقة؛ لأنَّ أهل النَّار يجتمعون رفقاء، كما يجتمع أهل الجنَّة رفقاء. فأمَّا رفقاء أهل الجنَّة، فهم الأنبياءُ والصِّديقُون والشُّهداء والصالحون {أية : وَحَسُنَ أُوْلَـٰئِكَ رَفِيقاً} تفسير : [النساء: 69]. وأما رفقاء النَّار، فهم الكفَّار والشَّياطين، أي: بئسَ الرفقاءُ هؤلاءِ، وبئس موضعُ الترافق النَّار، كما أنه نعم الرفقاءُ أهل الجنَّة، ونعم موضع الرفقاء الجنَّة، قاله ابن عباس وقيل: هو مصدر بمعنى الارتفاق، وقيل: هو من باب المقابلة أيضاً؛ كقوله في وصف الجنة بعد: {أية : وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقاً} تفسير : [الكهف: 31]، وإلاَّ فأيُّ ارتفاقٍ في النار؟ قال الزمخشري: إلا أن يكون من قوله: [البسيط] شعر : 3516- إنِّي أرِقْتُ فَبِتُّ اللَّيْلَ مُرتفِقاً كَأنَّ عينيَّ فيها الصَّابُ مَذْبُوحُ تفسير : فهو يعني من باب التَّهكُّم.
البقاعي
تفسير : ولما فرغ من هذه التربية في أثناء القصة وختمها بالترجية في الهداية للأرشد، وكان علم مدة لبثهم أدق وأخفى من علم عددهم، شرع في إكمالها مبيناً لهذا الأخفى، عاطفاً على قوله {أية : قالوا ربكم أعلم بما لبثتم } تفسير : [ الكهف: 19] أو على "فأووا إليه" الذي أرشد إلى تقديره قولهم: { فأووا إلى الكهف} كما مضى، المختوم بنشر الرحمة وتهيئة المرفق بعد قوله { إذ أوى الفتية} المختوم بقولهم { وهيىء لنا من أمرنا رشداً} فقال بياناً لإجمال { سنين عدداً} محققاً لقوله تعالى: { قل الله أعلم بما لبثوا}: {ولبثوا في كهفهم} نياماً {ثلاث} أي مدة ثلاث {مائة سنين} شمسية بحساب اليهود الآمرين بهذا السؤال، وعبر بلفظ السنة إشارة إلى ذمها بما وقع فيها من علو أهل الكفر وطغيانهم بما أوجب خوف الصديقين وهجرتهم وإن كان وقع فيها خصب في النبات وسعة في الرزق، وذلك يدل على استغراق الكفر لمدة نومهم. ولما كان المباشرون للسؤال هم العرب قال: {وازدادوا تسعاً *} أي من السنين القمرية إذا حسب الكل بحساب القمر، لأن تفاوت ما بين السنة الشمسية والقمرية عشرة أيام وإحدى وعشرون ساعة وخمسا ساعة كما تقدم في النسيء من براءة، فإذا حسبت زيادة السني القمرية على الثلاتمائة الشمسية باعتبار نقص أيامها عنها كانت تسع سنين، وكأن مدة لبثهم كانت عند اليهود أقل من ذلك أو أكثر، فقال على طريق الجواب لسؤال من يقول: فإن قال أحد غير هذا فما يقال له؟ {قل الله} أي الذي له الإحاطة الكاملة {أعلم} منكم {بما لبثوا} ثم علل ذلك بقوله تعالى: {له} أي وحده {غيب السماوات والأرض} يعلمه كله على ما هو عليه، ولا ينسى شيئاً من الماضي ولا يعزب عنه شيء من الحاضر، ولا يعجز عن شيء من الآتي، فلا ريب فيما يخبر به. ولما كان السمع والبصر مناطي العلم، وكان متصفاً منهما بما لا يعلمه حق علمه غيره، عجب من ذلك بقوله تعالى: {أبصر به وأسمع} ولما كان القائم بشيء قد يقوم غيره مقامه إما بقهر أو شرك، نفى ذلك فانسد باب العلم عن غيره إلا من جهته فقال تعالى: {ما لهم} أي لهؤلاء السائلين ولا المسؤولين الراجمين بالغيب من أصحاب الكهف {من دونه} وأعرق بقوله تعالى: {من ولي} يجيرهم منه أو بغير ما أخبر به {ولا يشرك} أي الله {في حكمه أحداً *} فيفعل شيئاً بغير أمره أو يخبر بشيء من غير طريقه. ولما تقرر أنه لا شك في قوله: ولا يقدر أحد أن يأتي بما يماثله فكيف بما ينافيه مع كونه مختصاً بتمام العلم وشمول القدرة، حسن تعقيبه بقوله عطفاً على { قل الله أعلم}: {واتل} أي اقرأ على وجه الملازمة {ما أوحي إليك} وبنى الفعل للمجهول لأن الخطاب مع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهو على القطع بأن الموحى إليه هو الله سبحانه وتعالى {من كتاب ربك} الذي أحسن تربيتك في قصة أهل الكهف وغيرها، على من رغب فيه غير ملتفت إلى غيره واتبعوا ما فيه واثقين بوعده ووعيده وإثباته ونفيه وعلى غيرهم. ولما كان الحامل على الكف عن إبلاغ رسالة المرسل وجدان من ينقضها أو عمي على المرسل، قال تعالى: {لا مبدل لكلماته} فلا شك في وقوعها فلا عذر في التقصير في إبلاغها، والنسخ ليس بتبديل بهذا المعنى بل هو غاية لما كان {ولن تجد} أي بوجه من الوجوه {من دونه} أي أدنى منزلة من رتبته الشماء إلى آخر المنازل {ملتحداً *} أي ملجأ ومتحيزاً تميل إليه فيمنعك منه إن قصرت في ذلك. ولما كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم شديد الحرص على إيمانهم كثير الأسف على توليهم عنه يكاد يبخع نفسه حسرة عليهم وكانوا يقولون له إذا رأوا مثل هذا الحق الذي لا يجدون له مدفعاً: لو طردت هؤلاء الفقراء وأبعدتهم عنك مثل عمار وصهيب وبلال فإنه يؤذينا ريح جبابهم ونأنف من مجالستهم جلسنا إليك وسمعنا منك ورجونا أن نتبعك، قال يرغبه في أتباعه مزهداً فيمن عداهم كائناً من كان، معلماً أنه ليس فيهم ملجأ لمن خالف أمر الله وأنهم لا يريدون إلا تبديل كلمات الله فسيذلهم عن قريب ولا يجدون لهم ملتحداً: {واصبر نفسك} أي احبسها وثبتها في تلاوته وتبيين معانيه {مع الذين يدعون ربهم} شكراً لإحسانه، واعترافاً بامتنانه، وكنى عن المداومة بما يدل على البعث الذي كانت قصة أهل الكهف دليلاً عليه فقال تعالى: {بالغداة} أي التي الانتقال فيها من النوم إلى اليقظة كالانتقال من الموت إلى الحياة {والعشي} أي التي الانتقال فيها من اليقظة إلى النوم كالانتقال من الحياة إلى الموت؛ ثم مدحهم بقوله تعالى معللاً لدعائهم: {يريدون} أي بذلك {وجهه} لا غير ذلك في رجاء ثواب أو خوف عقاب وإن كانوا في غاية الرثاثة، وأكد ذلك بالنهي عن ضده فقال مؤكداً للمعنى لقصر الفعل وتضمينه فعلاً آخر: {ولا تعد عيناك} علواً ونبوءاً وتجاوزاً {عنهم} إلى غيرهم، أي لا تعرض عنهم، حال كونك {تريد زينة الحياة الدنيا} التي قدمنا في هذه السورة أنا زينا بها الأرض لنبلوهم بذلك، فإنهم وإن كانوا اليوم عند هؤلاء مؤخرين فهم عند الملك الأعلى مقدمون، وليكونن عن قريب - إذا بعثنا من نريد من العباد بالحياة من برزخ الجهل - في الطبقة العليا من أهل العز، وأما بعد البعث الحقيقي فلتكونن لهم مواكب يهاب الدنو منها كما كان لأهل الكهف بعد بعثهم من هذه الرقدة بعد أن كانوا في حياتهم قبلها هاربين مستخفين في غاية الخوف والذل، وأما إن عدّت العينان أحداً لما غفل عنه من الذكر، وأحل به من الشكر، فليس ذلك من النهي في شيء لأنه لم يرد به الإ الآخرة. ولما بلغ في أمره صلى الله عليه وعلى آله وسلم بمجالسة المسلمين، نهاه عن الالتفات إلى الغافلين، وأكد الإعراض عن الناكبين فقال تعالى: {ولا تطع من أغفلنا} بعظمتنا {قلبه} أي جعلناه غافلاً، لأن الفعل فيه لنا لا له {عن ذكرنا} بتلك الزينة. ولما كان التقدير: فغفل، لأن عظمتنا لا يغلبها شيء فلا يكون إلا ما نريد، عطف على فعل المطاوعة قوله تعالى: {واتبع هواه} بالميل إلى ما استدرجناه به منها والأنفة من مجالسة أوليائنا الذين أكرمناهم بالحماية منها لأن ذكر الله مطلع الأنوار، فإذا أفلت الأنوار تراكمت الظلمة فجاء الهوى فأقبل على الخلق {وكان أمره فرطاً *} أي متجاوزاً للحد مسرفاً فيه متقدماً على الحق، فيكون الحق منبوذاً به وراء الظهر مفرطاً فيه بالتقصير فإن ربك سبحانه سينجي أتباعك على ضعفهم منهم كما أنجى أصحاب الكهف، ويزيدك بأن يعليهم عليهم ويدفع الجبابرة في أيديهم لأنهم مقبلون على الله معرضون عما سواه، وغيرهم مقبل على غيره معرض عنه.
السيوطي
تفسير : أخرج الخطيب في تاريخه عن حكيم بن عقال قال: سمعت عثمان بن عفان يقرأ: {ولبثوا في كهفهم ثلاثمائة سنين} منوّنة. وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه، عن ابن عباس قال: إن الرجل ليفسر الآية يرى أنها كذلك، فيهوي أبعد ما بين السماء والأرض، ثم تلا {ولبثوا في كهفهم...} الآية. ثم قال: كم لبث القوم؟ قالوا: ثلاثمائة وتسع سنين. قال: لو كانوا لبثوا كذلك، لم يقل الله: {قل الله أعلم بما لبثوا} ولكنه حكى مقالة القوم فقال: {سيقولون ثَلاَثَة} إلى قوله: {رجماً بالغيب} وأخبر أنهم لا يعلمون قال: سيقولون {ولبثوا في كهفهم ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعاً}. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة في حرف ابن مسعود "وقالوا لبثوا في كهفهم" الآية. يعني، إنما قاله الناس. ألا ترى أنه قال: {قل الله أعلم بما لبثوا}. وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله: {ولبثوا في كهفهم ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعاً} قال: هذا قول أهل الكتاب، فرد الله عليهم {قل الله أعلم بما لبثوا}. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن الضحاك قال: لما نزلت هذه الآية {في كهفهم ثَلاَثمائَة} قيل: يا رسول الله، أياماً، أم شهوراً، أم سنين؟ فأنزل الله {سنين وازدادوا تسعاً}. وأخرج ابن مردويه من وجه آخر، عن الضحاك عن ابن عباس موصولاً. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: {ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعاً} يقول: عدد ما لبثوا. وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله: {أبصر به وأسمع} قال: الله يقوله. وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: {أبصر به وأسمع} قال: لا أحد أبصر من الله ولا أسمع تبارك وتعالى. والله أعلم بالصواب والحمد لله وحده.
القشيري
تفسير : كانوا مأخوذين عنهم في إحساسهم بأنفسهم لم يقفوا على تطاول مدتهم، وفي المثل: أيام السرور قصار والدهور في السرور شهور، والشهور في المحن دهور، وفي معناه: شعر : أَعُدُّ الليالي ليلةً بعد ليلةٍ وقد كنت قبلاً لا أعد اللياليا
اسماعيل حقي
تفسير : {ولبثوا} اى الفتية وهو بيان لاجمال قوله {أية : وضربنا على آذانهم فى الكهف سنين عددا}تفسير : {فى كهفهم} احياء نياما {ثلاث مائة سنين} عطف بيان لثلاثمائة لا تمييز والا لكان اقل مدة لبثهم عند الخليل ستمائة سنة لان اقل الجمع عنده اثنان وعند غيره تسعمائة لان اقله ثلاثة عندهم هذا على قراءة مائة بالتنوين واما على قراءة الاضافة فاقيم الجمع مقام المفرد لان حق المائة ان يضاف الى المفرد وجه ذلك ان المفرد فى ثلاثمائة درهم فى المعنى جمع فحسن اضافته الى لفظ الجمع كما فى الاخسرين اعمالا فانه ميز بالجمع وحقه المفرد نظرا الى مميزه {وازدادوا تسعا} اى تسع سنين وهو اشارة الى ان ذلك الحساب على اعتقاد اهل الكتاب شمسى واما عند العرب فهو قمرى والقمرى يزيد على الشمسى تسعا لان التفاوت بينهما فى كل مائة سنة ثلاث سنين ولذلك قال وازدادوا تسعا هو مفعول ازدادوا والسنة الشمسية مدة وصول الشمس الى النقطة التى فارقتها من ذلك البرج وذلك ثلاثمائة وخمسة وستون يوما وربع يوم والسنة القمرية اثنا عشر شهرا قمريا ومدتها ثلاثمائة واربعة وخمسون يوما وثلث يوم. قال الكاشفى [وبتحقيق سيصدسال شمسى سيصدونه سال قمرى ودوماه نوازده روز باشد]
الطوسي
تفسير : قرأ حمزة والكسائي {ثلاثمائة سنين} مضافاً. الباقون بالتنوين، قال الفراء: من العرب من يضع {سنين} فى موضع (سنة) فهي فى موضع خفض على قراءة من أضاف قال عنترة: شعر : فيها اثنتان وأربعون حلوبة سوداً كخافية الغراب الاسحم تفسير : فمن نون نصب سنين بـ {لبثوا} وتقديره سنين ثلاثمائة، فـ {سنين} مفعول {لبثوا} و {ثلاثمائة} بدل، كما تقول خرجت أياماً خمسة وصمت سنين عشرة. وان شئت نصبت {ثلاثمائة} بـ {لبثوا} وجعلت {سنين} بدلا ومفسرة لها. ومن أضاف قال ابن خالويه: هي قراءة غير مختارة، لانهم لا يضيفون مثل هذا العدد إلا الى الافراد فيقولون ثلاثمائة درهم ولا يقولون ثلاثمائة دراهم قال ابو علي الفارسي قد جاء مثل ذلك مضافاً الى الجمع، قال الشاعر: شعر : فما زودوني غير سحق عمامة وخمس مئ منها قسي وزائف تفسير : جمع على فعل. وقد كسر القاف كما كسر فى (حلى) وقرأ ابن عامر، {ولا تشرك} بالتاء على الخطاب. الباقون بالياء على الخبر، فمن قرأ على النهي قال تقديره {لا تشرك} ايها الانسان. ومن قرأ على الخبر، فلتقدم الغيبة. وهو قوله {ما لهم من دونه من ولي} والهاء للغيبة. وقرأ الحسن {أية : تسع وتسعون} تفسير : بفتح التاء - يقال تسع بكسر التاء وفتحها، وهما لغتان. والكسر اكثر وافصح. قوله {ولبثوا في كهفهم ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعاً} الآية معناه إخبار من الله تعالى وبيان عن مقدار مدة لبثهم يعني أصحاب الكهف الى وقت إنتباههم. ثم قال لنبيه، فان حاجك المشركون فيهم من أهل الكتاب، فقل {الله أعلم بما لبثوا} وهو قول مجاهد، والضحاك، وعبيد بن عمير، كما قال {أية : عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحداً} تفسير : ومن قرأ بالتاء، قال معناه لا تنسبن احداً الى عالم الغيب. ويحتمل أن يكون المعنى لا يجوز لحاكم أن يحكم إلا بما حكم الله به أو بما دل على حكم الله، وليس لأحد أن يحكم من قبل نفسه، فيكون شريكاً لله في أمره وحكمه. وقيل إن معناه {قل الله أعلم بما لبثوا} الى أن ماتوا. وحكى عن قتادة أن ذلك حكاية عن قول اليهود فانهم الذين قالوا لبثوا في كهفهم ثلثمائة سنين وازدادوا تسعاً. وقوى ذلك بقوله {قل الله أعلم بما لبثوا} فذكر تعالى أنه العالم بذلك دون غيره. وقد ضعف جماعة هذا الوجه قالوا: لان الوجه الأول أحسن، لانه ليس لنا أن نصرف اخبار الله الى أنه حكاية إلا بدليل قاطع، ولأنه معتمد الاعتبار الذي بينه الله (عز وجل) للعباد. وقوله {له غيب السماوات والأرض} فالغيب يكون للشيء بحيث لا يقع عليه الادراك، ولا يغيب عن الله تعالى شيء، لانه لا يكون بحيث لا يدركه. وقيل {أية : عالم الغيب والشهادة} تفسير : معناه ما يغيب عن احساس العباد وما يشاهدونه. وقيل ما يصح ان يشاهد وما لا يصح أن يشاهد. وقوله {أبصر به وأسمع} معناه ما أسمعه وما أبصره بأنه لا يخفى عليه شيء فخرج التعجب على وجه التعظيم له تعالى. وقوله {ما لهم من دونه من ولي} اي ليس للخلق وقيل إنه راجع الى اهل الكهف أي ليس لهم من دون الله ولي ولا ناصر {ولا يشرك} يعني الله {في حكمه} بما يخبر به من الغيب {أحداً}. ثم قال لنبيه (صلى الله عليه وسلم) {اتل ما أوحي اليك} أي اقرأ عليهم ما أوحى الله اليك من اخبار اصحاب الكهف وغيرهم. وقوله {لا مبدل لكلماته} أي لا مغير لما أخبر الله تعالى به، لانه صدق ولا يجوز أن يكون بخلافه {ولن تجد من دونه ملتحداً} ومعناه ملتجأ تهرب اليه وقال مجاهد: ملجأ، وقال قتادة: موئلا. وقيل: معدلا. وهذه الأقوال متقاربة المعنى وهو من قولهم لحدت الى كذا أي ملت اليه، ومنه اللحد، لأنه فى ناحية القبر وليس بالشق الذي في وسطه، ومنه الالحاد في الدين، وهو العدول عن الحق فيه. {وسنين} فيه لغتان تجمع جمع السلامة وجمع التكسير فالسلامة هذه سنون ورأيت سنين وجمع التكسير بتنوين النون تقول هذه سنون وصمت سنيناً وعجبت من سنين. وقوله {وازدادوا تسعاً} يعني تسع سنين، فاستغنى بالتفسير في الاول عن اعادته ها هنا.
الجنابذي
تفسير : {وَلَبِثُواْ فِي كَهْفِهِمْ} عطف من الله على يقولون، او كلام منهم عطف على سبعة وثامنهم كلبهم {ثَلاثَ مِئَةٍ سِنِينَ وَٱزْدَادُواْ تِسْعاً قُلِ ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُواْ} هذا يؤيّد كونه كلاماً منهم {لَهُ غَيْبُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} علمه مختصّ به {أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ} اتى بصيغة التّعجّب اشعاراً بانّ بصره وسمعه فوق ما يتصوّر بحسب ادراك الدّقائق والاحاطة بكلّ ما يتصوّر ادراكه {مَا لَهُم} لاهل السّماوات والارض او للسّائلين عن نبإ اصحاب الكهف {مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً وَٱتْلُ مَآ أُوْحِيَ إِلَيْكَ مِن كِتَابِ رَبِّكَ} فى الاخبار عن القصص الماضيات، او فى الاخبار عن المغيبات مطلقاً، او فى احكام العباد، او فى ولاية علىٍّ (ع) وهذا هو المناسب لما بعده {لاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ} فلا تخف من التّغيير والتّبديل وظهور الخلف فى اخبارك {وَلَن تَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَداً} ملتجأً.
الأعقم
تفسير : {ولبثوا في كهفهم ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعاً} {قل الله أعلم بما لبثوا}، قيل: بيّن مقدار لبثهم ثم قال: ان جاءك أهل الكتاب فقل الله أعلم بما لبثوا فوجب الرجوع إلى غيره، وقيل: الله أعلم بما لبثوا إلى الوقت الذي نزل القرآن فيه، وقيل: الله أعلم بما لبثوا إلى أن ماتوا {له غيب السماوات والأرض} يعني أنه عالم الغيب {أبصر به وأسمع}، قيل: معناه ما أسمعه للمسموعات وأبصره للمُبصرات فلا يخفى عليه شيء من ذلك {أبصر به وأسمع} يعني لا يستعين به وقيل: {لا يشرك في حكمه أحداً} منهم، يعني أحداً في خلقه والانعام عليهم، وقيل: أراد الأوثان لم يشركهم في الإِلهية {ولن تجد من دونه ملتحداً}، قيل: ملجأ {واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم} الآية نزلت في سلمان وأبي ذر وصهيب وعمر وغيرهم من فقراء المسلمين وذلك أن قوماً من فقراء الكفر قالوا لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): "أجلسنا في صدر الملجلس، واطرد عنا هؤلاء وأرواح جباتهم وكانت جباتهم من صوف جلسنا اليك فإنا ان نسلم تسلم الناس من بعدنا، والله ما يمنعنا إلا هؤلاء فنزلت، وقيل: نزلت في أهل الصفة فلما نزلت الآية قال (صلى الله عليه وآله وسلم): "حديث : الحمد لله الذي جعل من أمتي من أمرت أن أصبر نفسي معهم" تفسير : {بالغداة والعشي} دائبين على الدعاء في كل وقت، وقيل: أراد صلاة الفجر والعصر {يريدون وجهه} أي عظمته ورضاه {ولا تعد عيناك عنهم} أي أقبل اليهم ولا تنحاز عيناك عن هؤلاء المؤمنين ولا تبصر هؤلاء المشركين {تريد زينة الحياة الدنيا}، قيل: مجالسة الأشراف، وقيل: هو نهي للتعرض بهذه الحالة لا حكم بأنه أراد زينة الحياة وذلك إكرام من الله تعالى للمؤمنين بأن أمر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يختارهم {ولا تطع من أغفلنا قلبه} صادفنا قلبه غافلاً، وقيل: نسبناه إلى الغفلة وحكمنا عليه بذلك، وقد أبطل الله توهم المحبرة بقوله: {واتَّبع هواه}، قيل: هو أميَّة بن خلف المخزومي، وقيل: عام في جميع الكفار نهاه عن اتباع مرادهم، واتبع هواه أي لم يتبع الحق {وكان أمره فرطاً}، قيل: مخالفاً للحق، وقيل: مسرفاً.
الهواري
تفسير : قوله: {وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاَثَ مِائَةٍ} ثم أخبر ما تلك الثلاثمائة فقال: { سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعاً} أي: تسع سنين. قال بعضهم: هذا من قول أهل الكتاب. أي: إنه رجع إلى أول الكلام: {سَيَقُولُونَ ثَلاَثَةٌ رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ} وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْماً بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ، ويقولون: {لَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاَثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعاً}. فردّ الله على نبيه فقال: { قُلِ اللهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ}. يقول: ما أبصره وما أسمعه كقول الرجل للرجل: أَفْقِه به، وأشباه ذلك،. فلا أحد أبصر من الله، ولا أسمع من الله. {مَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ} أي: يمنعهم من عذاب الله { وَلاَ يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً}. وهي تقرأ بالياء والتاء. فمن قرأها بالتاء فهو يقول: ولا تشرك يا محمد في حكمه أحداً، أي: لا تعجل معه شريكاً في حكمه وقضائه وأموره. ومن قرأها بالياء فهو يقول: ولا يشرك الله في حكمه أحداً.
اطفيش
تفسير : {وَلَبِثُوا فِى كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ} بدل من ثلاث لا من مائة لأنه لو أسقط مائة لبقى ثلاث سنين فيفسد المعنى وقد يقال: إنه تصح البدلية مع ذلك فإن كثيرا من الأبدال لا يصح إسقاط مبدلاتها فإن معنى قولهم البدل فى نية طرح المبدل منه أن الأبدال منهُ سيق تمهيدا للبدل لا قصدا بالذات وأن المقصود بالذات البدل هذا ما ظهر ثم رأيت الأخفش أجاز كون سنين بدلا من مائة ورد عليه ابن هشام بما ذكر من أنه لا يصح أن يقال ثلاث سنين لفساد المعنى هنا فيجاب عنه بما ذكرت وقرأ حمزة والكسائى بإضافة مائة لسنين فلا تنون لفظة مائة بخلافها على قراءة الجمهور فإنها منونة. وإن قلت: الألف والمائة يضافان للواحد؟ قلت: أضيف مائة هنا للجمع لأنه منزل منزلة الواحد لأن الياء والنون فيه عوض عن لام سنة وهى واو أو هاء أن الأصل فى العدد أن يضاف للجمع وقرأ أبىّ ثلثمائة سنة إفراد سنة وإضافة مائة إليها. {وَازْدَادُوا تِسْعاً} أى تسع سنين لبثا مضروبا فيه على آذانهم ثم بعثهم الله لأهل زمانهم وهذا بيان لما أجمل فى قوله وضربنا على آذانهم فى الكهف سنين عدداً. وإن قلت: إذا كان هذا إخبار من الله عز وجل فما وجه قوله: {قُلِ اللهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَٰواتِ وَالأَرْضِ} أى له علم ما غاب عن الخلق من السماوات والأرض وما فيهن وأحوالهن أو عنده غيبهن فهو عالم به؟ قلت وجهه: أن المتنازعين لم يقولوا: إن مدة لبثهم ثلاث مائة سنين وتسع بل منهم من قال: ثلثمائة، ومنهم من قال أقلّ فأجابهم الله بأنها ثلثمائة وتسع وأنه تعالى أعلم منكم بما لبثوا كما أنه اختص بعلم الغيب على الإطلاق وأن الحق ما قاله. وقد قيل: إنه لما نزل: ولبثوا فى كهفهم ثلثمائة سنين وازدادوا تسعا قالت نصارى نجران: أما ثلاث المائة فقد عرفناها، وأما التسع فلا علم لنا بها فنزل قل الله أعلم بما لبثوا الخ فلذك غيّر الأسلوب إذ قال: وازدادوا تسعا ولم يقل وتسعا وعلى الوجه قبل هذا فإنما غيَّر الأسلوب تكثيرا أو تقليلا بلفظ تسع منعوتا بلفظ الزيادة كأنه قال: ولبثوا مع ذلك أيضا تسعا. أو قال لم يلبثوا فوق ذلك إلا قليلا هو تسع. وقيل: إن مدة لبثهم تسعمائة بحساب العجم على سير الشمس وبه حسب أهل الكتاب كنصارى نجران وثلثمائة وتسع بحساب العرب على سير القمر والتفاوت بين مائة سنة عجمية ومائة عربية ثلاث سنين فذلك تسع سنين والسنون فى الآية عربية. وإن قلت: فلم قال: قل الله أعلم بما لبثوا مع أنهم قد وافقوا؟ قلت: لأنهم ولو وافقوا لكن لا يقين لهم ولأنهم لما ذكر لهم التسع أنكروها فقال: إن الله أعلم بالحساب فإنه أنزل القرآن على كيفية تعرفها العرب وكأن الحساب بزيادة التسع ولا معرفة لكم بوجه التفاوت بين الثلاث المائة التى علمتم ثلاث المائة والتسع التى لم تعلموا. وقال قتادة: إن قوله: ولبثوا فى كهفهم ثلثمائة سنين وازدادوا تسعا من كلام أهل الكتاب فرد الله عليهم بقوله: قل الله أعلم بما لبثوا الخ. ويدل له ما فى مصحف ابن مسعود: وقالوا لبثوا فى كهفهم ثلثمائة سنين وازدادوا تسعا. وقيل: إنهم قالوا هذا باعتبار دخول الفتية الكهف إلى مدة الاجتماع بالنبى صلى الله عليه وسلم فرد الله عليهم بأنه لا علم لأحد بمدة دخولهم الكهف إلى وقتك هذا والصحيح أن ذلك إخبار من الله تعالى بمدة لبثهم إلى أن أيقظهم الله فى زمانهم. {أَبْصِرْ بِهِ} أى بالله. أبصر: فعل ماض على صورة الأمر مبنى على فتح مقدر منع من ظهوره سكون صورة الأمر والهاء فى محل جر بالباء وفى محل رفع على أنها فاعل لأبصر ودخلت عليه الباء للتأكيد ولإزالة صورة إسناد صورة فعل الأمر إلى اسم غيبة وذلك هو العلة فى مثل أحسن بزيد مع زيادة أن فعل الأمر لا يراع الظاهر وإنما صح كون الهاء فاعلا مع أنها ضمير نصب أو جر بواسطة دخول الباء وذلك ما كنت أقوله، وهو الصواب إن شاء الله فاحفظه. وقال الأخفش: الفاعل ضمير مستتر عائد إلى كل أحد على سبيل البدلية لا الشمول ولفظ الهاء مفعول به إما صريح على أن الهمزة للتعدية والباء صلة للتأكيد. وإما مقيد بالجار المذكور على أن الهمزة للصيرورة فالجار للتعدية. {وَأَسْمِعْ} أى وأسمع به فحذف لدلالة الأول. والمعنى: عظم بصره وسمعه جدا كما يقال ما أبصر زيدا وما أسمعه وذلك تلويح إلى إبصاره الذى هو إدراك الأجسام وسمعه الذى هو إدراك الأصوات خارجان عن حد سمع الحادث وإبصاره لأنهما لا يشذ عنهما شئ ما وقد ورد مثل ما أفعله فى حق الله وهو فى صحيح الربيع ابن حبيب وهو مجاز. {مَا لَهُمْ} أى لأهل السماوات والأرض {مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِىٍّ} يتولى أمورهم {وَلاَ يُشْرِكُ} أى الله {فىِ حُكْمِهِ} أى فى قضائه. وقيل: فى غيبه {أَحَداً} من أهل السماوات والأرض لا يجعل لأحد منهم مدخلا فى قضائه لأنه غنى عن الشريك ولأن غيره لا يتأَهل لذلك. وقرأ ابن عامر ويعقوب فى رواية قالون ولا يشرك بالمثناة التحتية وإسكان الكاف ورفع أحد على نهى كل أحد عن الإشراك فى حكمه أى لا يدّع أحد شاركة. وقرأ الحسن بالتاء المثناة الفوقية وإسكان الكاف على النهى ونصب أحد والخطاب لكل أحد على سبيل البدلية أو للنبى والمقصود سواه. والله أعلم. قال بعضهم: حدثنا ابن أبى إسحاق البصرى عن عبد الرحمن بن مزاحم أنه قال: دخلت مسجد النبى صلى الله عليه وسلم ونظرت فإذا أنا بحلقة عظيمة فنظرت فإذا أنا بابن عباس رضى الله عنه فجلست أمامه فقلت له: يا ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم مالك لا تحدثنا بقصة أهل الكهف والرقيم أين كانوا أو كيف كانت مسألهم؟ وما كان صفة الكلب ولونه؟ وما اسمه؟ فقال ابن عباس رضى الله عنه: يا عبد الله سألتنى عن أمر عظيم وحديث طريف. كان فى زمان بنى إسرائيل رجل يقال له: دقيوس، وكان راعيا يرعى غنما له فلما كان ذات يوم استحرت عليه الشمس فأوى إلى بئر فى فلاة يريد أن يحيل حولها ويسقى غنمه فأدلى دلوه إذ لاح له لوح من الذهب الأحمر وفيه أسطار مكتوبة بالعبرانية فأَخذه وترك غنمه وسار إلى الكوفة فلم يجد فيها صغيرا ولا كبيرا يحسن قراءته فسار إلى بيت المقدس فلم يلق فى بيت المقدس من يحسن قراءته إلا رجلا من بنى إسرائيل شيخا كبيرا انحنى ظهره وسقط حاجباه على عينيه له من العمر ثلاثمائة سنة سمع باللوح فقال: علىَّ به فاستخرج عصابة فعصب حواجبه فلم يزل ينظر فيه وفى وجه دقيوس ويبكى. فقال: ما يبكيك يا شيخ؟ فقال: هذا اللوح يدل أنك تدعى الربوبية من دون الله وهذه الأسطار تدل على كنز من كنوز الأرض فيه من الأموال ما لا يحصى عدده إلا الله. فقال له دقيوس: دلنى عليه. فقال: نعم إن أعطيتنى الميثاق والعهد أن لا تغدر بى ولا تقتلنى وتجعلنى وزيرك. فأعطاه العهد والميثاق على ذلك وأوقفه على حربة قديمة فضرب فيها بالمعول فانفتح باب المغارة. فلما رأى دقيوس كثرة المال والسلاح غدر بالشيخ فضربه بالمعول فقتله واشترى دقيوس الخيل والعبيد وجيش الجيوش والناس يتطايرون عليه رغبة لما عنده من الأموال حتى جيَّش جيوشا عظيمة. ثم أخذ المال وسار بالجيوش يطلب موضعاً يتخذه منزلا فكان يجول فى الأرض فانتهى إلى رومة فبادر إليه ملكها بالجيش فلم يزالوا يقاتلون حتى انتصف النهار فهزم دقيوس ملك رومة وقتل رجاله ودخل المدينة فسباها وأخذ أهلها ودخل الكنيسة العظمى التى كان بها صنم من الذهب الأحمر وعيناه من ياقوت وعلى رأسه ثلاثمائة وصيف يزيحون عنه الذباب ويمسحون عنه الغبار وكان أهل رومة يسجدون له من دون الله فأخذ دقيوس ما فى الكنيسة ما لا يحصى من الأموال وأخذ أموال رومة. ثم سار يطلب موضعا يسكنه حتى انتهى إلى موضع كثير الأشجار أرضه بيضاء معتدلة فأمر أن تبنى فيها مدينة وسماها أفسوس وجعل لها ثلاثة أسوار وجعل فيها قصراً من الرخام الأحمر، له من الأبواب والطاقات عدد أيام السنة وجعل فيها مجلسا وأقام فى المجلس قبة من الذهب الأحمر وكوكبها بكواكب الدر والياقوت والجوهر. واتخذ لنفسه سبع فتيان من خيار قومه وألبسهم الحلى وجعلهم وزراءه وأمرهم بالوقوف بين يديه ووضع الكراسى على يمين القبة وشمالها وأرسل إلى الملوك وأقعدهم عليها وأحضر لهم الطعام والشراب وقال لهم: كلوا واشربوا ووضع لهم الصنم على سرير القبة البيضاء وأمرهم بالسجود له من دون الله سبحانه ثم أتوه يوما فسجدوا له فقال: ارفعوا رءوسكم ليس هذا وقت سجود ما الذى دهاكم؟ فقالوا له: دهانا عساكر الفرس فى ثلاثة آلاف فاصفر لونه ووقع مغشيا عليه وسقط التاج عن رأْسه فطيبوه بالطيب ورشوه بالمسك وقالوا: لا يهولنك هذا. ولما أفاق احتجب ثلاثة أيام فى قصره فاجتمع الفتيان فى ليلة عند أكبرهم سنا وقد مر اسمه. وقيل: إن أكبرهم سنا هو تمليخا اجتمعوا عنده وكان أفصحهم لسانا فى مجلس رخام وأحضر طعاما وشرابا فأكلوا وشربوا وناموا فخرج تمليخا إلى وسط الدار فكبر ورفع رأْسه إلى السماء فرآها مشتبكة بالنجوم وليس فى وسط الدار إلا الحى القيوم. فقال تمليخا: ليت شعرى من كوكب هذه الكواكب، يا ليت شعرى مَن خلق الليل والنهار والشمس والقمر، يا ليت شعرى مَن أمطر الأمطار وأنبت أوراق الأشجار، يا ليت شعرى من أرسل الريح وسخر البحر. أعلمى يا نفسى أن لهذه خالقا خلقها وصانعا صنعها ومدبراً دبرها فبكى بكاء شديداً وخرّ ساجداً لمن خلق السماء والأرض ودخل المسجد باكيا وأيقظ أصحابه وقالوا له: يا حبيبنا تمليخا ما الذى يبكيك؟ فقال لهم: إنى تفكرت فى الذى كان من الملك دقيوس حين اصفر لونه وسقط التاج عن رأْسه من الفزع فلو كان إلها كما زعم ما فزع وما هذا شأن إله يُعبد ولكن يا أصحابى خرجت إلى وسط الدار فرأيت السماء مشتكبة بالنجوم فعلمت أن لها خالقا خلقها وصانعا صنعها ومدبرا دبرها بقدرته فهل يقدر دقيوس أن يخلق الليل والنهار والشمس والقمر؟! ولكن يا أصحابى تعالوا نعبد الله الذى هو على العرش استوى. فقالوا له: كيف السبيل إلى عبادة هذا الإله. فقال لهم: تعالوا نقل لا إله إلا الله وحده لا شريك له وما جاءت به الأنبياء حق. فقالوا بأَجمعهم: لا إله إلا الله وحده لا شريك له. فقال لهم تمليخا: إذا جَنَّ الليل نخرج إلى هذا الجبل الذى كان حولنا نعبد إلهنا فعسى ربنا أن يغفر لنا ما سلف من ذنوبنا. فقالوا: نعم إلى ماذا نقيم على الكفر! فكانوا إذا جَنَّ الليل خرجوا عن منازلهم إلى ذلك الجبل فاشتغلوا فيه بعبادة الله عز وجل إلى طلوع الفجر ورجعوا إلى منازلهم. فأقاموا على ذلك مدة طويلة حتى نحلت أجسامهم واصفرت ألوانهم وسارت الدموع فى خدودهم طرقات من كثرة بكائهم على ما مضى من كثرة عصيانهم لربهم فكانوا يقومون الليل وإذا أقبل النهار يلبسون الحلى والحلل والتيجان ويقومون بين يدى الملك. فأقاموا على ذلك زمانا طويلا حتى اطلع عليهم رجل من أعوان الملك فعلم أنهم يعبدون الله عز وجل فانطلق من ساعته حتى دخل عَلَى الملك وخرّ بين يديه ساجدا، لعنهما الله. فقال له الملك: ارفع رأْسك ليس هذا وقت ركوع ولا سجود الذى جاء بك؟ فقال له: وزراؤك كرهوا صحبتك يأكلون رزقك ويتقلبون فى نعمتك ويعبدون إلها غيرك. فبعث إليهم الملك رسوله فبادر لتمليخا رجل فقال: يا تمليخا اعلم أن الملك علم أنكم تعبدون إله السماء وقد أرسل رسوله نحوكم فاثبتوا عند سؤال الملك. ولما ورد عليهم رسول الملك قاموا وركبوا الخيل ولبسوا الحلى وتطيبوا بالطيب ولما دخلوا عليه وضع لهم الصنم على سرير من الذهب الأحمر وأمرهم بالسجود وسجدوا لله رب العالمين وقالوا: ربنا إليك سجدنا وما عندك طلبنا يا إله السماء نجنا من عدونا وأغثنا بغيثك يا من لا يحول ولا يزول فظن دقيوس أنهم سجدوا له وأنهم يبكون من خوفه. فقال للرجل الذى جاءه بخبرهم: ويحك أنت نمام. فقال لبعض عبيده: اضربوا عنقه فعجل الله بروحه إلى النار وأقاموا يعبدون الله تعالى ويصومون النهار ويقومون الليل حتى اطلع عليهم دقيوس بنفسه، وظن أنهم يعبدون إله السماء فكتم ذلك عليهم ولم يبده لأحد منهم وحضر له عيد يقوم فيه أربعين يوما بلياليها يذبحون الذبائح ويأمرون الناس بالسجود للأصنام من دون رب العالمين، وأمر الناس بالخروج إلى العيد وأمر البوابين بالعود على أبواب المدينة لئلا يخرج الفتية. وقال لهم: إن خرجوا ليلا أو نهارا ضربت أعناقكم وأعناق أهلكم حتى أرجع من عيدى فأحرقهم بالنار أو أذرى رمادهم على الجبال العالية تهوى بها الريح فسار إلى عيده فاجتمع الفتية إلى تمليخا فى مجلس لهم وقد أدركه تعب العبادة فنامت عيناه وأصحابه ينظرون وإذا به قد قام فزعا مرعوبا فقالوا له: ما الذى روعك يا حبيبنا يا تمليخا؟ فقال لهم: إنى رأيت فى منامى هذا شابين أمردين عليهما ثياب من نور وأردية من نور راكبين على فرسين لا يشبهان خيلنا بأيديهما صوالج من الذهب وكورة من الفضة البيضاء وهم يلعبون بها فى المدينة فسمعت واحدا يقول: اضرب الكورة يا جبريل فضربها بالصالجة فطارت فى الهواء وهما على آثارها فسمعت قائلا يقول: اضربها أنت يا ميكائيل فلم يزالا يضربانها حتى سارا بها إلى باب المدينة فانفتح الباب بقدرة من يقول للشئ: كن فيكون فخرجا قائلين: نخرج إلى الله رب العالمين فهذا يا أصحابى إلهام من الله كيف نخرج من هذه المدينة تعالوا نصنع صوالج وكورة. فقالوا: لا نعرف ذلك. فقال: ولا أنا ولكن أمثلها كما رأيت فى المنام فجمعوا دنانير ودراهم وساروا إلى صائغ فى المدينة فقالوا له: اصنع لنا صوالج وكورة من هذه الدنانير والدراهم. فقال لهم: لا أعرف ذلك يا وزراء الملك ولقد جازت علىَّ مائة وخمسون سنة ما سمعت أحدا فى المدينة يقول الصوالج ولا الكورة فقال له تمليخا: ولا نحن نعرفها ولكن أمثِّلها لك كما رأيت فى منامى فمثَّلها له فقال لهم: إنى أصنعها لكم فدفعوا إليه الدنانير والدراهم. فقالوا له: متى نرجع إليك؟ فقال لهم: إذا نامت العيون فتعالوا إلىَّ ندفعها إليكم. فانصرف تمليخا وأصحابه إلى منازلهم وكان لتمليخا كرْم مثمر فباعه بخمسة وثمانين درهما من الدراهم دقيوس وكان الدراهم مثل حافر البغل مكتوبا عليه بالعبرانية لا إله إلا دقيوس فأخذها فى كيس وأخذ زاده ومشى مع أصحابه وأتوا الصائغ فى الوقت الذى وعدهم بعد أن لبسوا الحلى وجعلوا التيجان على رءوسهم وتطيبوا بالطيب وركبوا الخيل ثم وصلوا إلى الصائغ ندفع لهم الصوالج والكورة ووضعها بين أيديهم فى الأرض وجعلوا يضربونها بالصوالج وكان لها دوى عظيم فجعل الناس يتعجبون ويضحكون ويقولون: إن هذا اللعب ظريف ما رأينا مثله قط وأقبل البوابون والعبيد يتعجبون ويضحكون. وأنساهم الله سبحانه ما أوصاهم دقيوس به. ولما انتهت إلى باب المدينة ضربها تمليخا فخرجت إلى الباب ففتحه البوابون فردها أحد الفتية بالضرب إلى المدينة ثم ضربها تمليخا فخرجت. فقال الجليل جل جلاله لجبريل عليه السلام: اهبط إلى الكورة واحملها بريشة من جناحك فهبط إليها جبريل عليه السلام أسرع من طرف العين فحملها بريشة يستدرجها من أرض إلى أرض وهم على أثرها يضحكون ويضربها الفتية حتى بلغت خمسة وثلاثين ميلا فى وقت قريب فنظر تمليخا نحو المدينة فلم يرها ولا أحدا من أهلها فقال: يا أصحابى ما فعلت المدينة؟ فقالوا له: لا علم عندنا الله أعلم ولا نعلم إلا ما علمنا. فقال لهم: يا أصحابى اسمعوا منى فأنا أكبر منكم سنا، وإنى عرفت الله قبلكم فأخلصوا قلوبكم إلى ما كان لله انزلوا على الخيل، واتركوا التيجان والإكليل، والبسوا ثياب الصوف، وتحزموا بالحبال، وخذوا زادكم نهرب بديننا إِلى إله السماء. فقالوا له: كيف نطيق المشى حفاة ونحن أبناء الملوك تربينا على النعمة ولا نعرف المشى؟ فقال لهم تمليخا: يا أصحابى افعلوا ما أمرتكم به لعل إله السماء يغيثنا وينجينا من عدونا. قال: ففعلوا ما أمرهم فبينما هم يمشون إذ براع يرعى غنما على ربوة له كلب عظيم مجترئ ولما رآهم بادر إليهم ووضع لهم خده إلى الأرض وعيناه ناظرتان إلى السماء وبسط لهم ذراعيه وأخرج لهم لسانه وجعل يحرك ذَنَبه وعيناه تذرفان بالدموع. فقال الراعى: الله أكبر ما رأيته خضع لأحد إلا لهؤلاء وكان الكلب قبل يعقر الفارس. فقال الراعى: إن لهؤلاء عند الله منزلة رفيعة فترك غنمه وسار إليهم فوقف لهم على قارعة الطريق وركز ما يتكئ عليه فلما رآه تمليخا قال: ما شاء الله كان لا قوة إلا بالله ولا معبود سواه لا إله إلا الله وحده لا شريك له. فقال له: السلام عليك يا راعى. قال له الراعى: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته أين تريدون؟ وما أظنكم إلا هاربين من الملك أتقرب بكم إلى الملك أردكم إليه فيطعمنى ويسقينى وأكون عنده بالمنزلة الرفيعة. فقال له: لا تفعل يا راعى بل نحن من وزراء الملك هربنا إلى إله السماء. فلما سمع الراعى ذلك رفع عينيه إلى السماء وقال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وما جاءت به الرسل حق يا أصحابى لى فى هذه البلاء مائة سنة أرعى الغنم والله ما سمعت أحدا يذكر الله بلسانه إلا أنتم ولكن أين تريديون؟ فقالوا له: نريد الهروب إلى ربنا يديننا. فقال لهم: أنا صاحبكم فى الله ولكن اسمعوا منى أنا أكبر منكم سنا وأنا عرفت الله قبلكم وليس فى هذه الأرض طريق أو شجرة إلا عرفتها وأنتم غرباء ارجونى حتى أصرف الغنم إلى أربابها لئلا أتركها تأكلها الذئاب ويسألنى عنها علام الغيوب وآخذ زادى وأعود إليكم نهرب بديننا إلى إله السماء. فقال له تمليخا: لا سبيل إلى مضيك معنا. فقال له: لِمَ ذلك؟ قال: خفنا أن تكون عدوا من أعداء الله تعالى تخبر بنا وتدل علينا فيردونا إلى الملك الكافر دقيوس فيقتلنا أو يردنا عن عبادة الله. فقال لهم: كيف يكون ذلك وأنا عرفت الله قبلكم فخذوا علىَّ عهد الله وميثاقه. فقال له تمليخا: اصرف الغنم إلى أربابها وعد إلينا ولا تدل علينا بحق إله السماء. فانطلق بالغنم إلى أربابها وأخذ زاده سبعة أقراص من خبر الشعير وشيئاً من الزبيب ورجع فلما التحق بالفتية تقدم أمامهم وهم يتبعونه فبينما هم يسيرون إذ نظر نحو المدينة وإذا بكلب الراعى يتبعهم. فقال تمليخا له: انصرف عنا فما فى صحبتك خير. قال: ولِمَ ذلك؟ قال: إن هذا الكلب ينبح فيدل الناس علينا. فقال لهم: اتركوه يمضى معنا يحرسكم إذا نمتم من عدوكم ومن السباع والهوام ولا يصل إليكم أحد لا يجئ فارس إلا قتله. فقالوا له: إلينا. فقال لهم: يا أصحابى إن هذا الكلب له معى مائة سنة إذا صليت يصلى معى بصلاتى وإذا دعوت الله رأيته رافعا عينيه إلى السماء يدعو بدعائى وإذا بكيت يبكى ببكائى فاتركوه يمضى فوالله ما رأيت منه إلا الخير. فقالوا له: لا؟ فقال: ارجموه وأنا والله لا أفعل ذلك فطردوه بالحجارة. فلما تكاثرت عليه الحجارة قعد على ذَنَبه ورفع عينيه إلى السماء فأَنطق الله لسانه فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وما جاءت به الرسل حق يا أصحابى ما لكم ترجموننى بالحجارة وأنا عرفت الله قبلكم لى مائة سنة أعبد الله فاتركونى معكم وهكذا قضى علام الغيوب. فبادروا إليه وحملوه على أعناقهم بالدولة ويمسحون عن وجهه الغبار ويقبلونه بين عينيه ويقولون: مرحباً بمن أنطقه لنا علام الغيوب. فبينما هم سائرون إذ لاح لهم ماء جارٍ وكرْم مثمر وأشجار عالية وهو عظيم فقال لهم أحدهم - قيل فطاطايس -: مسنا الكلل والجوع اقعدوا تأكلوا من الزاد ونشرب من هذا الماء ونستظل فى هذا الكهف هربنا بديننا إلى إله السماء ففعلوا ذلك وتوسدوا ونامت أعينهم وعلق الله أرواحهم فى قناديل من نور تحت العرش ووكل ملائكة تقلبهم ذات اليمين وذات الشمال. فلما رجع دقيوس من عيده إلى المدينة سأل عن تمليخا وأصحابه فقالوا له: صنعوا لِعباً ظريفاً خيلوا به على أعين الناس وهربوا بدينهم إلى إله السماء فأرسل إلى العبيد والبوابين وضرب أعناقهم وقال لأهل المدينة: اركبوا الخيل السباق والنجب الرفاق فركبوا وخرجوا وليس فيهم من يقول: لا إله إلا الله لعنهم الله فقاموا على البحث عنهم حتى وصلوا إلى باب الكهف فاجتمع العساكر عند باب الكهف. فقال دقيوس لرجل من أعوانه: ادخل الكهف وانظر ما فعلوا وما فعل بهم إلههم الذى هربوا إليه فلما دخل الرجل رأى أعينهم يقظانة والملائكة تقلبهم ذات اليمين وذات الشمال وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد فولى هارباً وقلبه يخفق كالطائر فى الهواء. فقال له دقيوس: ما الذى دهاك؟ فقال له: لو اطلعت عليهم لوليت منهم فراراً ولملئت منهم رعباً. فدخل عليهم فرآهم كذلك فولى فراراً وملئ رعبا كذلك وهو يقول: يا أهل أفسوس ما كنت أعذبهم بالذى عذبهم به إلههم الذى هربوا إليه ناولونى الحجارة فبنى عليهم باب الكهف. فلما تم البغاء ناداهم بأعلى صوته: قولوا لإلهكم الذى هربتم إليه ينجيكم من وراء هذا البناء الذى بنيت عليكم وسار إلى المدينة وقام فيها ما شاء الله فلما أراد الله هلاكه زعم أن له فى السماء شريكا فقال لقومه: إنى أُريد أن أمضى للذى فى السماء وأكلمه ويكلمنى تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيراً فجيَّش جيشاً عظيما وسار إلى الجبل وقال لأهله: امكثوا حتى أُكلم شريكى على هذا الجبل تعالى الله عن ذلك فلما استوى على الجبل أخرج الله إليه جراداً فلما رآه قال: هل رأيتم قط مثل هذا الجراد الذى أرسل إلىّ شريكى فتراكم من جوانبه حتى استوى عليه فأكله. ثم أرسل الله سبحانه عيسى بن مريم عليه السلام فآمن به أهل المدينة وكان باب المدينة مكتوباً عليه لا إله غير دقيوس فمحاه وكتب فى موضعه لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن عيسى روح الله فاستخلف عيسى على المدينة ملكا مؤمناً ليقضى بين الناس بالحق. ولما أراد الله إخراج أهل الكهف آية أرسل إليهم إسرافيل فجر يده على أجسامهم فأول من استيقظ تمليخا فنفض التراب عن رأْسه واستيقظوا بعده. وقيل: لما استيقظ وجد نفسه عطشان فسار إلى باب الكهف وإذا بالحجارة لما جاز عليها من السنين تهدمت وسار إلى العين يشرب فوجدها قد غارت فقال: ما شاء الله أين الماء الجارى هنا شربنا منه بالأمس والتفت إلى الكلب فظن أنه نائم فجعل يحرك عينيه ورجع إلى أصحابه وأيقظهم بأسمائهم وأسماء آبائهم وأسماء أُمهاتهم فاستيقظوا كلهم بقدرة الله عز وجل. فقال لهم: كم لبثتم فى كهفكم هذا؟ قالوا: لبثنا يوماً أو بعض يوم وقال لهم: من بنى هذا البنيان الذى تهدم وما فعل الماء الجارى والشجر والكرم؟ فقالوا: لا علم لنا ربكم أعلم بما لبثتم فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة فلينظر أيها أزكى طعاما فليأتكم برزق منه وليتلطف ولا يشعرن بكم أحداً فأخذ تمليخا الدراهم وقال للراعى: خذ هذه الدراهم واذهب بها إلى المدينة واشتر لنا خبزاً وزيتوناً أو زبيباً وارجع إلينا فقال له الراعى: أنت تربيت فى المدينة وأنت عارف بها وبأسواقها وأنا راع لا أعرف فيها شيئاً خذ عصاى فاذهب أنت إلى المدينة فقال: نعم فلبس ثياب الراعى وأخذ العصى بيده وودع أصحابه ولما خرج من الكهف تغيرت عليه الأرض ولم يعرف الطرقات وتحيَّر وظن أنه نائم ونظر إلى السماء وبكى بكاء شديداً وقال: يا غياث أغثنى بغيثك يا من لا يحول ولا يزول فبينما هو يدعو الله فإذا هو براع فتى من بنى إسرائيل لا نبات بأرضه فقال فى نفسه: هذا الراعى ما أوقفه هنا إلا دقيوس فقال: السلام عليك يا راعى فقال له: وعليك السلام ورحمة الله. فقال تمليخا: لا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم. فقال الراعى: نعم لا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم. فقال تمليخا: يا راعى بحق من تعبد إلا أعلمتنى هل رجع دقيوس من عيده أم لا؟ فقال: أنا ولدت فى هذه المدينة وفيها تربيت ما سمعت قط من يقول دقيوس ولا أظن هذا إلا من أسماء الجن فنعوذ بالله من الشيطان الرجيم فقال تمليخا: إن كان الحق ما تقول فدلنى على المدينة. فقال له: أى مدينة تريد؟ فقال: أفسوس فقال له هى: أمامك فسار تمليخا حتى وصل إى بابها فإذا مكتوب عليه لا إله إلا الله وحده لا شريك له وإن عيسى روح الله فقال تمليخا: يا ليت شعرى أنا نائم أم يقظان مَن كتب هذا بباب المدينة وبالأمس كان مكتوبا عليه لا إله غير دقيوس فجعل يتفكر فى نفسه وإذا بفتى من بنى إسرائيل دخل المدينة فقال له: يا فتى قف فوقف فقال له: بحق مَن تعبد إلا ما أخبرتنى هل رجع دقيوس من عيده أم لا. فقال له: فى هذه المدينة ولدت وفيها تربيت وفيها قرأت التوراة والإنجيل والله ما سمعت أحدا يذكر دقيوس. فقال له: إن كان الحق ما تقول فدلنى على سوق الخبازين فسار به إلى السوق فإذا هو سوق من رخام مشبك بالحرير وعلى الخبازين الثياب الحسنة وعمائم متطيبين بأيديهم مراويح وعلى تلك الألواح الخبز وعلى الخبز مناديل الديباج فقال لفتى منهم: السلام عليك يا خباز فقال له: وعليك السلام ورحمة الله تعالى وبركاته فقال تمليخا: اشهد أن لا إله إلا الله فقال الخباز: نعم أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن عيس روح الله ورسوله. فقال له تمليخا: سألتك بالله العظيم انظر فى وجهى هل كنت نائما أو يقظان فقال: كيف تكون نائما وأنت تكلمنى وأكلمك. فقال له تمليخا: إن كان الحق ما تقول فما الذى فى يدى فقال الخباز: إن بيديك درهمين صحيحين. فقال تمليخا: إن كنت يقظان فخذ هذين الدرهمين وأعطنى ما أتزود به أنا وأصحابى تركتهم جياعا عطاشا فوضع الدرهمين فى يد الخباز فأنكرها الخباز وقال: يا فتى الصدق أمانة والكذب خيانة إن كنت أصبت كنزا من كنوز الأرض فاذهب به إلى الملك وأعطه منه خمسة كما أمر به رسول الله عيسى بن مريم عليه السلام وينزل الله البركة فى الباقى ولا تحرم الكثير بالقليل واعلم أن إله السماء لا تخفى عليه خافية فى الأرض ولا فى السماء فقال له تمليخا: وحق إله السماء ما أصبت كنزاً وهذه الدراهم إنما هى من ثمن كرْم بعته بالأمس فى هذه المدينة سألتك بالله العظيم أرَجع دقيوس من عيده أَم لا؟ فقال له الخباز: والله ما سمعت أحدا يذكر دقيوس إلا أنت ولا أظنه إلا من أسماء الجن وأنكر الناس الدرهمين ووصل الخبر إلى الملك وقال الملك: أين صاحبهما فجئ بتمليخا إليه فقال له: إن أصبت كنزا فأعطنى منه الخمس الذى هو حق الله تعالى كما أمر به عيسى بن مريم عليه السلام فقال له تمليخا: ألست بالكافر دقيوس وحق إله السماء ما أصبت كنزا وإنما الدرهمان من ثمن كرم بعته بالأمس وخرجت أنا وأصحابى هاربين بديننا إلى إله السماء وخليتك فى عيدك يا عدو الله ألست وزيرك تمليخا فقال له الملك: وكان شبيها بدقيوس: أنا مؤمن ولست بدقيوس لا تحلف بالله كان يا ليتنى خرجت من هذه المدينة؟ فقال له: بالأمس فقال: هل تركت فيها دارا وأولادا فقال: نعم ولى فى الدار علامات فقال له: ما علاماتك؟ فقال: فيها مجلس من الرخام وعلى بابها سرية من الرخام الأبيض ولى تحتها كنز من الدراهم فقال له الملك: إن كان الحق ما تقول فأرنا دارك فقال له: سر أنت ومن معك من أهل المدينة فسار تمليخا والناس خلفه كالجراد المنتشر فأنكر الطرق وتغيرت عليه وتحيَّر ونظر نظرة إلى السماء وقال: يا غياث المستغيثين سألتك باسمك العظيم أن تبعث لى رجلا من جيرانى يجمع بينى وبين دارى فإنى لا أعرفها ولا تفضحنى على رءوس الخلائق يا من لا يخلف الميعاد فلم يزل يدعو والملائكة يؤمِّنون على دعائه فأمر الله جبريل أن اهبط لعبدى تمليخا فى صفة رجل من جيرانه فنزل فقال: الله أكبر هذا جارى فلان دلنى على دارى فدله عليها فقال: الله أكبر هذه دارى وحق إله السماء فحمد الله وأثنى عليه وصعد جبريل إلى السماء ودنا تمليخا من الباب فقرع الباب فأجابه شيخ كبير عليه جبة صوف قد انحنى ظهره من الكِبَر فقال له: السلام عليك يا شيخ ما الذى أدخلك دارى؟ فقال له الشيخ: وحق إله السماء ما هذه الدار إلا دارى ورثتها عن أبى وأبى عن جدى فقال له تمليخا: كذبت يا شيخ الدار دارى وأنا بنيتها ولى فيها علامات فقال له: ما علامتك؟ فقال: إن فيها مجلساً من الرخام الأحمر وفى بابه سارية من الرخام الأسود وتحت السارية لوح من الرخام الأبيض وتحته دهليز من الفضة البيضاء فلما سمع الشيخ الأمارة قال لأهله: ناولينى الكتاب الذى فى التابوت فأخرجت إليه الكتاب وفيه سطور مكتوبة بالذهب الأحمر فيه صفة أهل الكهف وقصتهم فلم يزل الشيخ ينظر فى الكتاب وينظر فى وجه تمليخا وعيناه تذرف بالدموع فلم يزل يقرأ ويبكى حتى بلغت دموعه الأرض فقال له تمليخا: ما يبكيك شيخ؟ فقال الشيخ: أنت تمليخا؟ فقال له: نعم. فقال له: أنت والله جدى ولكن ما فعل أصحابك المؤمنون؟ فقال: تركتهم فى الكهف جياعا عطاشا فبادر إليه الشيخ وعانقه وقبله بين عينيه وضمه إلى صدره وهو يبكى فقال الشيخ: أيها الملك ترجل عن جوارك هذه آية بعثها الله إلينا لم نسمع مثلها فى الأولين هذا جدى وهو تمليخا أحد الفتية الذين قبض الله أرواحهم وعلقت فى قناديل من نور تحت ساق العرش وهؤلاء الذين أنطق الله إليهم الكلب بالحق والإيمان وهؤلاء الذين هربوا بدينهم لإله السماء فى زمان دقيوس وقد رد الله أرواحهم فى أجسادهم وبعثهم إلينا آية فلما سمع الملك ذلك ترحل عن جواده وترجل الوزراء كلهم وبادر الملك إليه وعانقه وضمه إلى صدره وقبَّله بين عينيه وأقبل الناس كلهم يسلمون عليه ومَن كان على غير طهارة تطهر ومن كان على غير وضوء توضأ فلم يزالوا يسلمون عليه ويبكون حتى سلم عليه كل من كان فى المدينة وقال له الشيخ: يا تمليخا كم لك من خروجك من هذه المدينة؟ فقال له: يوم أو بعض يوم فقال له: لك والله ثلاثمائة سنة وتسع ثم قال له الشيخ: اجمع بيننا وبين أصحابك المؤمنين فعسى أن يدعوا لنا فخرج تمليخا والملك يتبعه والناس من وراء الملك ولما وصلوا إلى باب الكهف قال تمليخا: قفوا مكانكم فإن أصحابى يظنون أن الملك دقيوس حى فيفزعون فإنى أدخل عليهم وأبشرهم بعيسى بن مريم عليه السلام وهلاك الكافر دقيوس فتطمئن قلوبهم فيخرجون إليكم فوقفوا ودخل تمليخا على أصحابه فقال السلام عليكم. فقالوا له: وعليك السلام يا حبيبنا أبطأت عنا وروعتنا. فقال لهم: كم لبثتم فى كهفكم؟ قالوا: لبثنا يوما أو بعض يوم. قال: لبثتهم والله ثلاثمائة سنة وتسعا وقد مات الكافر دقيوس وبعث الله عيسى بن مريم عليه السلام بعده وآمن أهل المدينة بإله السماء وهؤلاء إخوانكم المؤمنون يريدون أن تخرجوا إليهم وتدعوا لهم أن لا يعذبهم الله بشئ من عذابه أتريدون الخروج؟ فقالوا له: يا تمليخا أشر لنا برأيك الجميل. فقال: أتسمعون منى إن قلت لكم شيئاً؟ فقالوا: نعم لولا أنت ما عرفنا الله عز وجل. فقال لهم: إنى خشيت أن تخرجوا إليهم فيقول بعضهم لبعض: هؤلاء الفتية ويشيرون إليكم بالأصابع، وهؤلاء المؤمنون، وهؤلاء الذين هربوا بدينهم، وهؤلاء الذين أنطق الله لهم الكلب، وهؤلاء الذين قبض الله أرواحهم فعلقت فى قناديل من نور أى أنامهم، وهؤلاء الذين أقاموا فى كهفهم ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعا فإذا سمعتم ذلك كله أدرككم العجب فإذا عجبتم بأنفسكم أحبط الله أعمالكم فبأى شئ تلقون الله عز وجل الذى يعلم خائنة الأعين وما تخفى الصدور. فقالوا له: صدقت والله يا حبيبنا يا تمليخا فما ترى من الرأى. فقال لهم: يختار الله ما لا نختار لأنفسنا. فقالوا له: يا حبيبنا ادع الله لنا أن يميتنا سرا كما عبدناه سرا ويدخلنا الجنة سرا وهو القادر على ما يشاء فسجدوا لله تعالى يدعون لله ويبكون والملائكة يؤمِّنون على دعائهم حتى قبل الله دعاءهم وقبض أرواحهم أى أنامهم بقدرته فلما طال الحال على الملك أراد الدخول عليهم فخرجت عليهم من الكهف ريح عاصف ففرقتهم. وذكر فى عرائس القرآن أن أصحاب الكهف بين عيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم وأن قوما من أحبار اليهود قالوا لعمر: نسألك عن خصال إن أخبرتنا علمنا أن الإسلام حق وأن محمدا نبى. فقال: سلوا. فقالوا: ما أقفال السماوات ومفاتيحها، وقبر مشى، ومنار قومه ليس من الثقلين، وخمسة أحياء فى الأرض لم يكونوا فى الأرحام، وما يقول الديك والفرس والضفدع والحمر والقمبر؟ فنكس عمر رأسه فقال: لا عيب بعمر إذ سئل عما لا يعلم أن يقول لا أعلم. فوثبوا فقالوا: نشهد أن الإسلام باطل ومحمدا غير نبى. فقال سلمان: قفوا قليلا وتوجه إلى علىٍّ: أنت لكل معضلة أغث الإسلام. قال: وما ذاك. فأَخبره فأقبل يرفل فى بردة رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعتنقه عمر فقال: أنت لكل معضلة وشدة. فقال علىّ لليهود: سلوا فإن النبى صلى الله عليه وسلم علمنى أَلف باب من العلم فأخبركم بشرط أن تؤمنوا. فقالوا: نعم فسألوه عن ذلك فقال: أقفال السماوات الشرك لأن العبد لا يقبل عنه معه عمل ومفاتيحها لا إله إلا الله محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، والقبر الماشى حوت يونس مشى به سبعة أبحر، ومنذر قومه من غير الثقلين نملة سليمان قالت: يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم، والخمسة الذين لم يكونوا فى الرحم: آدم وحواء وناقة صالح وكبش إسماعيل وعصى موسى عليهم السلام. ويقول الدراج فى صياحه: الرحمن على العرش استوى، والديك: اذكروا الله يا غافلين والفرس: انصر عبادك المؤمنين على الكافرين، والحمر: لعن الله العشار، والضفدع: سبحان ربى المعبود المسبَّح فى لجج البحار، والقمبر: اللهم العن مبغض محمد وآل محمد. فقال اثنان: نشهد أن لا إله إلا الله وأَن محمدا عبده ورسوله. وقال الثالث: بقيت لى خصلة هى قوم ماتوا ثلاثمائة سنة وتسعا ثم أحياهم الله. فقال علىّ: هم أصحاب الكهف وقد أنزل الله تعالى قرآنا فيهم فإن شئت قرأتها عليك. فقال: ما أكثر ما سمعت قرآنكم إن كنت عالما بهم فأخبرنى عن أسمائهم وأسماء آبائهم ومدينتهم وملكهم وكلبهم وجبلهم وكهفهم وأحوالهم. فقال: حدثنى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان بأرض رومة مدينة يقال لها: أفسوس ويقال لها فى الإسلام: طرسوس ملكها صالح فمات وانتشر أمرهم فسمع بهم ملك من ملوك فارس يقال له: دقيانوس جبار كافر فأقبل بعسكره حتى اتخذها دار مملكته وبنى فيها قصرا. فقال: صِفْه لى. فقال: فرسخ طولا وفرسخ عرضا من الرخام فيه أربعة آلاف أسطوانة من الذهب وألف قنديل من الذهب بسلاسل فضة وسرير طوله ثمانون ذراعا وعرضه أربعون مرصع بالجوهر وعن يمين السرير ثمانون كرسيا من الذهب يجلس عليها بطارقته وعن شماله مثلها يجلس عليها قضاته وهراقلته ويجلس على السرير ويضع التاج على رأسه. قال اليهودى: مم كان تاجه؟ قال: من الذهب له سبعة أركان على كل ركن لؤلؤة تضىء كما يضىء المصباح فى الليلة الظلماء واتخذ خمسين غلاما من أبناء البطارقة فمنطقهم بمناطق الديباج الأحمر ولهم سراويلات من القز الأحمر وتوّجهم ودملجهم وأعطاهم أعمدة الذهب وأقامهم على رأسه واصطنع ستة غلمان من أولاد البطارقة فاتخذهم وزراء فما يقطع أمراً دونهم وأقام ثلاثة عن يمينه وثلاثة عن يساره. فقال: أخبرنى عن الثلاثة عن يمينه والثلاثة عن يساره فأخبره كما مر فى الآية. وإذا جلس فى صحن داره واجتمع الناس عنده دخل ثلاثة أعلمة فى يدى أحدهم جام من الذهب مملوء مسكا وفى يد الآخر جام من الفضة مملوء من ماء الورد وعلى يد الثالث طائر فيقع فى جام الورد فيتمرغ فيه فيحمل ما فى الجام بريشه ثم يصيح به الثالث ثلاث مرات فيطير فيقع فى جام المسك فيتمرغ فيه فيحمل ما فيه فيطير فيقع على تاج الملك فينفض ريشه عليه فمكث لذلك كذلك ثلاثين سنة من غير أن يصيبه صداع ولا وجع ولا حمى ولا لعاب ولا مخاط فأعجب بنفسه وماله فطغى وتجبر وادعى الربوبية ودعا وجوه قومه. فمن أجابه أعطاه وخلع عليه ومن لم يتابعه قتله وأقام يُعبد من دون الله وبينما هو على سريره والتاج على رأسه جاءه بعض بطارقته فأخبره أن عساكر الفرس غشيته فاغتم حتى سقط عن السرير وسقط التاج عن رأسه فتفكَّر تمليخا أن دقيوس لو كان إلها لما حزن ولما كان ينام ويتغوط وكان الفتية الستة يلبثون كل يوم عند أحدهم وكان يوم تمليخا فأكلوا وشربوا إلا تمليخا فقالوا: مالك؟ فقال: يا إخوتى وقع فى قلبى ما منع عن ذلك وعن النوم. قالوا: ما هو؟ قال: تفكرت مَن رفع السماء سقفاً محفوظا بلا علاّقة ولا دعامة وأجرى شمسها وقمرها وزيَّنها بالنجوم وبسط الأرض وربطها بالجبال ومن أخرجنى من البطن جنينا وغذانى وربانى فعلمت أن فاعل ذلك غير دقيوس. فقبَّلوا رجليه وقالوا: يا تمليخا قد وقع فى قلوبنا ما وقع فى قلبك فأشر علينا. فقال: يا إخوتى ما أجد حيلة إلا الهرب إلى تلك السماء والأرض. فقالوا: نعم. فباع ثمرا من جنان بثلاثة دراهم فصرَّها وركبوا خيلهم ولما صاروا إلى ثلاثة أميال من المدينة قال لهم: يا إخوتاه ذهب ملك الدنيا فامشوا على أرجلكم لعل الله يجعل لكم مخرجا فتركوا خيلهم ومشوا سبعة فراسخ فكانت أرجلهم تقطر دما لأنهم لا يعتادون ذلك فاستقبهلم راع فقالوا: يا راعى أعندك شربة من ماء ولبن؟ فقال: عندى ما تحبون ولكنى أرى وجوهكم وجوه الملوك وما أظنكم إلا هربتم فأخبرونى بقصتكم فقالوا: دخلنا فى دين لا يحل فيه الكذب فينجينا الصدق فأخبروه فقبّل أرجلهم وقال: وقع فى قلبى ما وقع فى قلوبكم فقفوا أرد الغنم لأهلها فوقفوا لعله يردها لأهلها فردها فرجع يسعى وتبعهم كلبه. قال اليهودى: ما كان لون الكلب؟ قال: حدثنى حبيبى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه أبلق بسواد وأن اسمه قطمير. فنظروا الى الكلب فقال بعضهم: نخاف أن يفضحنا بنباحه فطردوه بالحجارة فأقعى وقال: يا قوم لم تطردوننى وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له دعونى أحرسكم من عدوكم وأتقرب إلى الله بذلك فتركوه ومضوا وصعد الراعى جبلا وانحط بهم على كهف. فقال اليهودى: ما اسم الجبل؟ قال: سحلوس، واسم الكهف: الكثير. وقيل: حرم وإذا بفِناء الكهف أشجار مثمرة وعين ماء فأكلوا من الثمار وشربوا من الماء وجنَّهم الليل فأووا إلى الكهف وربض الكلب على باب الكهف ومد يده عليه وأمر ملك الموت بقبض أرواحهم ووكل بكل واحد ملكين يقلبانه من ذات اليمين إلى ذات الشمال ومن ذات الشمال إلى ذات اليمين. وذلك الهروب كان ودقيوس فى عيده ولما رجع من عيده سأل عن الفتية فقيل: اتخذوا إلها غيرك وهربوا منك فركب فى ثمانين ألف فارس يقْفون أثرهم حتى وقف عليهم فى الغار فقال لأصحابه: لو أردت أن أعذبهم ما عذبتهم بأكثر مما عذبوا به أنفسهم فائتونى بالبنائين فردم عليهم باب الكهف بالرصاص والحجارة وقال لأصحابه: قولوا لهم أن يقولوا لإلههم الذى فى السماء أَن يخرجهم إن كانوا صادقين ورد الله أرواحهم على تمام ثلاثمائة وتسع وقد بقى للشمس قليل أن تغيب فقالوا: لقد غفلنا فى هذه الليلة عن عبادة الله قوموا إلى الماء فإن العين غارت والأحجار تيبست فأرادوا الطعام بالورِق من المدينة. فقال تمليخا: لا يأتيكم به غيرى فأبدل ثيابه بثياب الراعى وأخذ عصى الراعى فى بده وأَنكر الطرق ووجد بباب المدينة: لا إله إلا الله عيسى روح الله فطفق ينظر ويمسح عينيه ويقول: أرانى نائما ودخل المدينة ومر بأقوام يقرأون الإنجيل فاستقبله أقوام لا يعرفهم ودخل السوق فقال لخباز: ما اسم مدينتكم؟ فقال: أفسوس. فقال: ما اسم ملككم؟ قال: عبد الرحمن. قال: إن صدقت ففى أمرى عجب ادفع لى بهذه الدراهم طعاما فعجب الخباز منها. قال اليهودى: يا علىّ كم وزن كل منها؟ قال: حدثنى حبيبى محمد صلى الله عليه وسلم أن وزن كل درهم منها عشرة دراهم وثلثا درهم. فقال الخباز: أصبت كنزا فأعطنا نصفه وإلا ذهبت بك إلى ذلك. فقال: ما أصبت كنزا إنما ذلك من ثمن تمر بعته بثلاثة دراهم منذ ثلاثة أيام وقد خرجت من هذه المدينة وأهلها يعبدون دقيانوس الملك. فغضب الخباز وقال: ألا ترضى أنك أصبت كنزا ولا تعطنا بعضه حتى تذكر رجلا جبارا يدعى الربوبية قد مات منذ ثلاث مائة سنة أتسخر بى فلببه واجتمع الناس عليه فأتى به إلى الملك وكان عاقلا عادلا فقال: ماله؟ قال: أصاب كنزا. فقال الملك: لا تخف فإن نبينا عيسى عليه السلام أمرنا أن لا نأخذ من الكنوز إلا خمسا فادفع إلينا خمس هذا الكنز وامض سالماً. فقال: أيها الملك تثبَّت فى أمرى ما أصبت كنزا وأنا من أهل هذه المدينة. قال: أنت من أهلها؟ قال: نعم. قال: أفتعرف فيها أحدا؟ قال: نعم. قال: سم فسمى له نحوا من ألف رجل فلم يعرفوا منهم رجلا واحدا. قالوا: يا هذا ما نعرف هذه الأسماء وليست أسماء أهل زماننا هل لك فى هذه المدينة دار؟ قال: نعم أيها الملك ابعث معى فبعث معه فذهب والناس معه حتى أتى بهم إلى أرفع دار فى المدينة فقال: هذه دارى فقرع الباب فخرج شيخ هرم استرخى حاجباه من الكبر فزعا مرعوبا وقال: ما لكم؟ فقال رسول الملك: إن هذا الفتى يزعم أن هذه الدار داره فغضب الشيخ والتفت إلى تمليخا وقال: ما اسمك؟ قال: اسمى تمليخا بن فسطين. قال: أعِدْ علىَّ فأعاد عليه فانكب عَلَى رجليه ويديه يقبلهن وقال: هذا جدى ورب المسيح وهو أحد الفتية الذين هربوا من دقيانوس الملك إلى ملك السماوات والأرض ولقد أخبرنا عيسى بقصتهم وأنهم سيحيون. فانتهى إلى ذلك الملك فركب وحضر فنزل وحمل تمليخا على عاتقة وجعل الناس يقبلون يديه ورجليه وقالوا: ما فعل أصحابك؟ فأَخبر أنهم فى الكهف وكانت المدينة قد وليها رجلان: مسلم وكافر نصرانى فركبا فى أصحابهما فلما صارا قريبا من الكهف قال لهم: يا قوم إنى أخاف أن يحس أصحابى وقع حوافر الخيل وصلصلة اللُّجُم والسلاح فيظنوا أن دقيانوس قد غشيهم قفوا قليلا حتى أدخل عليهم فأخبرهم فوقفوا ودخل فاعتنقوه وقالوا: الحمد لله الذى نجاك من دقيانوس. فقال: دعونى من دقيانوس كم لبثتم؟ قالوا: لبثنا يوما أو بعض يوم. قال: بل لبثتم ثلاثمائة وتسعاً وقد مات دقيانوس، وانقرض قرن بعد قرن، وآمن أهل المدينة وقد جاءوكم. فقالوا: تمليخا أتريد أن تصيرنا فتنة للعالمين. قال: فما تريدون؟ قالوا: ترفع يديك ونرفع أيدينا فرفعوا. وقالوا: اللهم بحق ما أوتينا من العجائب فى أنفسنا إلا ما قبضت أرواحنا ولم يطلع علينا أحد فأمر الله ملك الموت بقبض أرواحهم يعنى روح اليقظة، وطمس باب الكهف فأقبل الملكان يطوفان حول الكهف سبعة أيام لا يجدان بابا ولا منفذا ولا مسلكا فأيقنا بصنع الله الكريم، وأن حالهم عبرة أرانا الله إياها. قال على: هذا ما كان من قصتهم يا يهودى سألتك بالله العظيم أيوافق ما فى قوراتكم؟ قال: ما زدت حرفا ولا نقصت حرفا يا أبا الحسن لا تسمنى يهوديا فأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنت عالم هذه الأمة. وعن عبيد بن عمير: كان أصحاب الكهف فتيانا، مطوقين مسورين ذوى ذوائب وكان معهم كلب صيدهم فخرجوا فى عيد لهم عظيم فى زى ومركب، وأخرجوا آلهتهم معهم. وقذف الله تعالى فى قلوبهم الإيمان وكان أحدهم وزير الملك فآمنوا وأخفى كل واحد منهم إيمانهم فجلس واحد منهم تحت شجرة فجاءه آخر ثم جاءوا واحدا بعد واحد. فقال بعضهم لبعض: ما جمعكم؟ وقال آخرون: بل ما جمعكم؟ ثم قالوا: ليخرج لك فتيين فبخلوا ثم يفشى كل منكما إلى صاحبه أمره فترافقا. ثم تكلما فذكر كل منهما أمره لصاحبه فأقبلا مستبشرين إلى صاحبهما فقالا: قد اتفقنا على أمر واحد فإذا هم جميعا على الإيمان وإذ الكهف من الجبل قريب فقال بعضهم: {فأووا إلى الكهف ينشر لكم ربكم من رحمته ويهيئ لكم من أمركم مرفقا} الآية. فدخلوه بكلبهم فناموا ثلاث مائة سنة وتسعا ففقدهم قومهم فطلبوهم فأَعمى الله عليهم آثارهم وكهفهم فلم يقدروا فكتبوا أسماءهم وأنسابهم فى لوح وأنهم فقدموا شهر كذا سنة كذا فى مملكة فلان ووضعوا اللوح فى خزانة الملك وقالوا: قد يكون لهم شأن. وعن جعفر الباقر كان: أصحاب الكهف صيارفة. وعن وهب بن منبه: جاء حوارى من أصحاب عيسى عليه السلام إلى مدينة أصحاب الكهف فأراد أن يدخلها فقيل له: إن على بابها صنما لا يدخلها أحد إلا سجد له فكره أن يدخلها فأتى حماما قريبا منها فكان يعمل لصاحبه بالأجره فرأى صاحبه البركة فأخبره بأمر الله وتبعه فتية من أهل المدينة فجعل يخبرهم خبر السماء والأرض وخبر الآخرة حتى آمنوا به وصدقوه وكانوا على هيئته واشترط على صاحب الحمام أنه لا يعمل فى الليل بل يصلى وأنى ابن الملك بامرأة فدخل الحمام فعيره الحوارى وقال: أنت ابن الملك وتدخل الحمام بهذه المرأة فاستحيى فذهب ورجع مرة أخرى وقال له مثل ذلك فسبه ونهره ولم يلتفت إليه حتى دخلا معاً فماتا فقالوا: إن صاحب الحمام قتل ابنك فالتمسه فلم يقدر عليه فسأل عمن يصحبه فدخل له الفتية فالتمسهم وخرجوا من المدينة فمروا بصاحب لهم فى زرع وهو على إيمانهم فذكروا لهم أنهم التمسوا فانطلق معهم كلب حتى آواهم الليل إلى الكهف فدخلوا فقالوا: نبيت فيه الليلة فضرب الله تعالى على آذانهم فخرج الملك وأصحابه يتبعونهم حتى وصلوا إلى الكهف فكل من أراد الدخول رعب فلم يطق فقال قائل: ألست لو قدرت عليهم قتلتهم؟ قال: بلا. قال: فابن عليهم الكهف واتركهم فيه فيموتوا عطشاً وجوعاً ففعل ذلك ثم إن راعيا أدركه المطر عند الكهف فقال: لو فتحته وأدخلت غنمى فيه من المطر فعالجه حتى فتحه ورد الله سبحانه وتعالى أرواحهم من الغداة حين أصبحوا. وذكر ابن إسحاق أنه لما عظمت خطايا أهل الإنجيل طغت الملوك وعبدوا الأصنام وذبحوا لها وفيهم بقايا على دين المسيح متمسكين بعادة الله وتوحيده تعالى وكان من ملوك الروم ملك يسمى دقيانوس عبد الأصنام وذبح لها وقتل من خالفه وينزل فى قرى الروم فلا يترك فى قرية نزلها أَحداً إلا فتنه فى دينه حتى يعبد الأصنام أو يقتله. ونزل أفسوس واستخفى منه أهل الإيمان وهربوا فى كل جهة فاتخذ شُرَطاً من الكفار يتبعونهم فيحضرونهم إلى دقيانوس يخيرهم بين الشرك والقتل فمنهم من يتبعه على عباده الأصنام ومنهم من يقتل ويقطع ويجعل قطعه على سور المدينة وأبوابها فقام ثمانية نفر واشتغلوا بالصوم والصلاة والصدقة والتسبيح والدعاء وكانوا من أشراف الروم وبكوا وتضرعوا إلى الله عز وجل وجعلوا يقولون: ربنا رب السماوات والأرض لن ندعُوَا من دونه إلها لقد قلنا إذا شططا اكشف عن عبادك المؤمنين هذه الفتنة. فدخل عليهم الشُّرَط سجداً باكين متضرعين إلى الله عز وجل فقالوا: ما خلَّفكم عن أمر الملك؟ فأخبروا الملك فبعث إليهم فأوتى بهم تفيض أعينهم مغفرة وجوههم فخيرهم أن يذبحوا للأصنام أو يقتلوا فقال مكسلمينا وهو أكبرهم سنا: إن لنا إلهاً ملأ السماوات والأرض عظمة لن ندعو من دونه إلهاً أبداً له التحميد والتكبير من أنفسنا خالصة أبداً إياه نعبد وإياه نسأَل النجاة والخير فاصنع ما بدا لك وقال أصحابه كذلك. فأمر بنزع ثيابهم وحليّهم من ذهب وفضة وقال: سأفرغ لكم وأنجز لكم ما وعدتكم من العقوبة وما يمنعنى أَن أعجل ذلك إلا أنى أراكم شباناً فعجلت لكم لعلكم تذكرون وترجعون إلى عقولكم فأخرجهم من عنده وانطلق دقيانوس إلى مدينة قريبة لأمر فتشاوروا واتفقوا أن يأخذوا من بيوت آبائهم ويتصدقوا ويتزودوا ويبادروا الخروج فانطلقوا إلى كهف قريب من المدينة فى جبل يقال له بنجلوس يعبدون الله فيه حتى إذا رجع دقيانوس أتوه ليفعل ما بدا له ففعلوا وتبعهم كلب كان لهم. قال كعب: مروا بكلب فتبعهم فطردوه فعاد ففعلوا ذلك مراراً فقال لهم الكلب: ما تريدون منى لا تخشوا منى أنا أُحب أحباب الله عز وجل فناموا أحرسكم. والذى عن ابن عباس: أنهم هربوا من دقيانوس وتبعهم كلب الراعى كما مر وأنهم سبعة. قال ابن إسحاق: فلبثوا فيه مشتغلين بالصلاة والصيام والتسبيح والتحميد ابتغاء وجه الله تعالى فجعلوا تمليخا يبتاع لهم من المدينة أرزاقهم سرًّا وكان أجملهم وأبلدهم إذا رأوا دخول المدينة لبس ثيابا رثة كثياب المساكين فيشترى طعاما وشرابا ويتحسس لهم الأخبار ثم رجع دقيانوس للمدينة وأمر عظماء أهلها أن يذبحوا للطواغيت ففزع من ذلك أهل الإيمان وتمليخا فى المدينة يشترى الطعام فرجع بطعام قليل يبكى وقال لهم: إن الجبار قد دخل المدينة وأنهم قد ذكروا ففزعوا وقاموا يدعون الله ويتضرعون ويتعوذون من الفتنة. فقال لهم تمليخا: يا إخوتاه ارفعوا رءوسكم واطعموا وتوكلوا على ربكم فرفعوا رءوسهم وأعينهم تفيض وذلك عند الغروب ثم جلسوا يتحدثون ويذكر بعضهم بعضاً فضرب الله على آذانهم فى الكهف وعلى أذنى كلبهم فى الوصيد ونفقتهم عند رءوسهم. ففقدهم دقيانوس من الغد فلم يجدهم فقال لبعض عظماء المدينة: لقد ساءنى شأن هؤلاء الفتية الذين ذهبوا لقد ظنوا أنّ بى غضباً عليهم لجهلهم أمرى ما كنت لأجهل عليهم إن هم تابوا وعبدوا آلهتى. فقال عظماء المدينة: ما كنت بحقيق أن ترحم قوماً فجرة مردة عصاة قد أجلت لهم أجلا ولو شاءوا لرجعوا لكن لم يتوبوا فلما قالوا ذلك غضب غضباً شديداً ثم أرسل إلى آبائهم فأتى بهم فقال: أخبرونى عن أبنائكم المردة الذين عصونى. فقالوا: أما نحن فلم نعصك فِلمَ تقتلنا بقوم مردة إنهم ذهبوا بأموالنا فأهلكوها فى أسواق المدينة ثم انطلقوا إلى جبل يدعى بنجلوس فخلى سبيلهم فتحيَّر. ثم أمر بسد الكهف عليهم ليموتوا جوعا وعطشا ويكون الكهف الذى اختاروه قبراً لهم بظنهم أيقاظا يعلمون ما يصنع بهم ثم إن مؤمنين فى بيت الملك يكتمان إيمانهما: بيدروس ودوناس كتبا أسماءهم وأنسابهم وأخبارهم فى لوحين من رصاص وجعلاه فى تابوت من نحاس وجعلا التابوت فى البنيان لعل الله يفتح عليهم قبل يوم القيامة فيعلم الناس خبرهم. وتعاقبت ملوك وملك رجل صالح يقال له: تندرليس ثمانيا وستين سنة فتحزب الناس فى ملكه فكانوا أحزابا مكذبا بالبعث ومصدقا به فكبُر ذلك عليه وتضرع إلى الله لما رأى أهل الباطل يظهرون على أهل الحق ويقولون: إنما تبعث الأرواح فأرسل إلى من يظن بهم خيراً وأنهم أئمة الخلق فكذبوا فأدخل بيته وأغلق بابه ولبس مِسحا وجعل تحته رماداً فجلس عليه فغاب ليله ونهاره يتضرع إلى الله تعالى ويبكى ويقول: ربى قد ترى اختلاف هؤلاء فابعث لهم آية تبيِّن لهم. ثم إن الله الرحمن الرحيم أراد إظهار الآية لعباده فأَلقى فى نفسه اليأْس أن يهدم البنيان الذى على فم الكهف ويبنى به حظيرة لغنمه واستأْجر غلامين فنزعا الحجارة وبنيا الحظيرة وفتحا باب الكهف وأحيا الله الفتية فجلسوا فرحين مستبشرة وجوههم طيبة أنفسهم مسلما بعضهم على بعض كأنهم استيقظوا من ساعتهم التى يستيقظون منها إذا أصبحوا من ليلتهم ثم قاموا إلى الصلاة فصلوا كعادتهم ولا يُرَى فى وجوههم ولا ألوانهم شئ ينكرونه ويرون أن دقيانوس فى طلبهم فلما قضوا صلاتهم قالوا لتمليخا صاحب نفقتهم: ما قال الناس فينا أمس عند الجبار؟ فقال: قد التمستم لتذبحوا للطواغيت. فقال لهم مكسلمينا: يا إخوتاه اعلموا أنكم ملاقو الله فلا تكفروا بعد إيمانكم إذا دعاكم عدو الله ثم قالوا لتمليخا: انطلق إلى المدينة لتسمع ما يقال لنا بها وابتع لنا طعاما أكثر من طعام أمس فقد أصبحنا جياعا. فانطلق تمليخا بورِقهم لابسا ثياب الراعى فمر بباب الكهف: ووجد بناء على باب الكهف منهدما فعجب ثم مر ولم يبال حتى وصل إلى باب المدينة مستخفيا عن أن يراه أحد من أهلها فيعرفه فيظن أن دقيانوس حى ورأى على الباب لا إله إلا الله عيسى روح الله وجعل ينظر إليه مستخفيا يمينا وشمالا ومضى إلى باب آخر فرأى مثل ذلك فخيل إليه أن المدينة ليست أفسوس ولا يرى إلا من لا يعرف ويخيل إليه أنه حيران. ثم رجع إلى الباب الذى أتى منه فجعل يتعجب بينه وبين نفسه ويقول: يا ليت شعرى ما هذا عشية أمس كأن المسلمين يخفون هذه الملامة لعلى نائم فجعل كساءه على رأسه ومشى فى أسواقها وسمع الناس يحلفون بعيسى بن مريم فزاد تحيّراً كيف يظهر ذكر عيسى وكان بالأمس يخفى فقال: لعلها ليست أفسوس فلقى فتى فقال له: ما اسم هذه المدينة؟ فقال: أفسوس. فقال: لعل بى جنونا والله يحق لى أن أسرع الخروج قبل أن يصيبنى فيها شر فدنا إلى الذين يبيعون الطعام فقال لواحد: بع لى طعاما بهذه الورِق فأخذها فعجب منها فناولها الآخر فجعلوا يتطارحونها من رجل لآخر متعجبين وقال بعضهم لبعض: أصاب كنزاً قديماً فرعد خوفا وظن أنهم قد فطنوا به وأنهم يريدون أن يذهبوا به إلى الملك دقيانوس واجتمعوا يتعارفونه فقال: انفصلوا عنى أمسكتم ورِقى لا حاجة لى بطعامكم. فقالوا: مَن أنت لقد وجدت كنزاً للأولين شاركنا فيه وإلا سلمناك للسلطان يقتلك. فقال: والله لقد وقعت فى كل شئ كنت أحذر منه. فقالوا له: والله لا تستطيع أن تكتم ما وجدت ولا يدرى ما يقول فطرحوا كساءه فى عنقه وسحبوه فى سكك المدينة حتى سمع مَن فيها وكل من رآه قال: لا أعرفه فى المدينة وهو معتقد أن أباه وإخوته فى المدينة يسبقونه إذا سمعوا به وكانوا من عظماء المدينة. فبينما هو قائم كالحيران منتظر لهم جروه لملكى المدينة رجلين صالحين: أريوس وأطيوس وظن أنه مجرور إلى دقيانوس فكان يلتفت يميناً وشمالا ويبكى ويسخرون منه كالمجنون. ثم رفع رأسه إلى السماء وقال: اللهم إله السماء وإله الأرض أفرغ علىَّ اليوم صبراً وأولج معى روحاً منك تؤيدنى بها عند هذا الجبار وإنا كنا قد توثقنا على الإيمان بالله ولا نشرك به شيئاً ولا نفترق فى حياة ولا موت فلما انتهى إليهما ولا يرى دقيانوس سكن وأخذا الورِق وعجبا منها فقالا: أين الكنز الذى وجدت يا فتى؟ فقال: ما وجدت كنزا ولكنه ورِق أبى ونقش هذه المدينة ولكن والله ما أدرى ما شأْنى. فقال له أحدهما: مَنْ أنت؟ فقال: أنا، أنا. فقال أحدهما: أنت كذاب لا تخبرنا بالحق فنكس رأسه للأرض. فقال بعض من حوله: هذا رجل مجنون. وقال بعض: يحمق نفسه عمداً لينقلب منكم فنظر إليه أحدهما نظراً شديداً: أتظن أنّا نرسلك ونصدقك بأَن هذا مالك أبيك ونقش هذه المدينة وضربها وله أكثر من ثلاث مائة سنة وأنت غلام شاب أتظن أنك تأفكنا وتسخر منا ونحن شيوخ شُمْط وحولك سراة المدينة وولاتها وخزائنها بأَيدينا وليس عندنا من هذا الضرب درهم ولا دينار نوثقك حتى تعترف. فقال لهم: أخبرونى عما أسأَلكم عنه فإن فعلتم صدقتكم ما عندى. فقالوا: اسأَل لا نكتمك شيئاً. فقال: ما فعل بالملك دقيانوس؟ فقالوا: لا نعرف على الأرض دقيانوس هو ملك هلك فى الزمان الأول وله زمان طويل فهلك بعده قرون. فقال: إنى لحيران وما يصدقنى أحد من الناس لقد كنا فتية أكرهَنا الملك على عبادة الأصنام والذبح لها فهربنا عشية أمس فأتينا الكهف الذى فى جبل بنجلوس فبتنا فيه فلما انتبهنا خرجت لأشترى طعاما لأصحابى وأتحسس الأخبار، فانطلقوا إلى الكهف هناك أصحابى. فلما سمع أريوس قال: لعل هذه آية من آيات الله لكم على يد هذا الفتى فانطلقوا بنا معه حتى يرينا أَصحابه فانطلق أريوس وأطيوس وأهل المدينة صغيرا وكبيرا إلى الكهف؛ فظن أصحابه أنه ذهبوا به إلى دقيانوس لبطئه عنهم عن العادة فهم يتوقعون فسمعوا أصوات الحوافر والصلصلة على الخيل فظنوا أن ذلك رسل دقيانوس فقاموا إلى الصلاة وسلم بعضهم على بعض وتواصوا وقالوا: انطلقوا إلى تمليخا فإنه الآن بين يدى دقيانوس ينتظرنا فإذا أريوس وأصحابه بباب الكهف فدخل تمليخا يبكى فبكوا فسألوه فقص عليهم الخبر فعرفوا أنهم كانوا نياما ذلك الزمان الطويل أيقظهم الله ليكونوا الآية على قيام الساعة والبعث فدخل أريوس فرأى تابوت نحاس مختوماً بخاتم فضة ودعا جماعة من عظماء المدينة وأمر بفتحه فوجد لوحين من رصاص مكتوباً فيهما: مكسلمينا ومحسلمينا وتمليخا وأرطوس وكمطونس وبيرونس ودبيونس ومطيونس. وروى أن أسماءهم: أمليخا ومشليتا وموبرا وأبوس وفواس ومرطيوش وفطلطايش كانوا فتية هربوا من ملكهم دقيانوس بدينهم إلى هذا الكهف فسده عليهم وكتبنا شأنهم ليعلمه من يفف عليه فعجبوا وحمدوا الله أن أراهم آية تدل عن البعث ورفعوا صوتهم بالتسبيح والتحميد فدخلوا الكهف فوجدوهم جلوساً مشرقة وجوههم لم تبْل ثيابهم فخروا سجدا وأخبرهم الفتية عما لقوا من الملك دقيانوس. فبعث أريوس وأصحابه إلى الملك تندروليس: أن أعْجِلْ لترى آية من آيات الله تدل على صدق البعث، فتية ماتوا منذ ثلاث مائة وأكثر بعثهم الله سبحانه فذهب همه فقال: أحمدك اللهم رب السماوات والأرض وأعبدك وأسبح لك تطولت علىَّ ورحمتنى ولم تطفئ النور الذى جعلت لآبائى فركب وركب معه مَن فى المدينة حتى أتوا مدينة أفسوس فسار معه أهلها نحو الكهف فلما رأى تندروليس ومَن معه عانقهم وبكى وهم جلوس يسبحون الله تعالى ويحمدونه ثم قال الفتية لتندروليس: نستودعك الله والسلام عليك ورحمة الله وبركاته حفظك الله وحفظ ملكك ونعيذك بالله من شر الجن والإنس. فبينما الملك قائم إذ رجعوا إلى مضاجعهم فناموا فقام فجعل ثيابهم عليهم وجعل كلا منهم فى تابوت ذهب فلما أمسى ونام أتوه فى منامه فقالوا: إنا لم نخلق من ذهب ولا من فضة بل من تراب وإليه نصير فاتركنا على الأرض كما كنا. ففعل. وقيل: جعلهم بعد هذا فى تابوت من ساج وحجبهم الله بالرعب بعد ذلك فلا يقدر أحد أن يدخل عليهم وأمر أن يُتخذ على باب الكهف مسجد يصلى فيه وجعل لهم عيدا عظيما يؤتى فى كل سنة. وقيل: لما حملوا تمليخا إلى الملك قال له: مَن أنت؟ قال: رجل من هذه المدينة خرجنا منها منذ أيام وذكر منزله وأناساً لا يعرفهم وقد سمع الملك بفتية ذهبوا فى الزمان الأول وأسماؤهم مكتوبة فى لوح فى خزانته فدعا به فنظر فقال: ما اسمك؟ قال: تمليخا فوجده مكتوباً فذكر له أسماء الباقين فقال: هم أصحابى فركب ومَن معه إلى الكهف فقال: دعنى حتى أدخل على أصحابى وأبشرهم فلا يخافوا فدخل فبشرهم فأَنامه الله وأنامهم وأعمى أثرهم عن الملك وأصحابه فلم يهتدوا إليهم والله أعلم. وقال جماعة من قومنا: إن النبى صلى الله عليه وسلم سأَل ربه أن يريه أصحاب الكهف فقال الله تعالى: إنك لن تراهم فى الدنيا ولكن ابعث إليهم أربعة من خيار أصحابك ليبلغوهم رسالتك ويدعوهم إلى الإيمان بك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كيف أبعث إليهم؟ فقال: ابسط كساءك وأجلس على طرف من أطرافه أبا بكر وعلى الثانى عمر وعلى الثالث عليا وعلى الرابع أبا ذر ثم ادع الرُّخاء المسخرة لسليمان بن داود عليهما السلام فإن الله تعالى أمرها أن تطيعك ففعل النبى صلى الله عليه وسلم ما أمر به فحملتهم الريح حتى انطلقت بهم إلى باب الكهف فلما دنوا من الباب قلعوا منه حجر فقام الكلب فنبح عليهم حين أبصر الضوء وهش وحمل عليهم فلما رآهم حرك رأسه وبصبص بذنَبه وأومأَ برأسه ادخلوا الكهف فدخلوا فقالوا: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته فرد الله عليهم أرواحهم فقاموا بأجمعهم وقالوا: وعليكم السلام وعلى محمد رسول الله السلام ما دامت السماوات والأرض وعليكم بما بلغتم وجلسوا يتحدثون وآمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم وقبلوا دينه وقالوا: أقرئوا محمداً منا السلام وحمدوا الله على بعثه محمدا صلى الله عليه وسلم وتوجهه محمد رسله إليهم ثم جلس كل منهم على مكانه فى الثوب وحملتهم الريح. فهبط جبريل فأخبره بما قالوا كله. فلما أوصلتهم الريح إليه صلى الله عليه وسلم أخبروا بما قال أصحاب الكهف وما قالوا لهم كله على وفق جبريل بعد سؤاله صلى الله عليه وسلم إياهم عن ذلك. ولما قضى الكلام بينهم وبين أصحاب الكهف اضطجعوا فقبض الله أَرواحهم وذكروا ذلك له صلى الله عليه وسلم وكذا جبريل وسيحييهم الله للمهدى فيسلم عليهم فيجيبونه ويرجعون موتى. وقيل: يحيون فى زمان المهدى وعيسى ويخرجون أربعين سنة ويحجون مع لأنهم لم يحجوا. ولما اشتعل القرآن على ذكر معيبات تكون لرسول الله صلى الله عليه وسلم معجزات وكانوا يقولون: ائت بقرآن غير هذا أو بدِّله أمره الله عز وجل بقوله: {وَاتْلُ مَا أُوحِىَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ} أى اقرأ القرآن ودم على قراءته فإنه معجز لا يطاق ولا تستمع لقولهم: ائت بقرآن غير هذا أو بدله. {لاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ} لا قادر على تبديلها إلا الله تعالى فإنه إن شاء نسخ آية ببدل أو بلا بدل. وقيل: معنى لا مبدل لكلماته لا مبدل لوعيده للكفار أى مبدل له بخير أو بدون شئ. {ولَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً} موضع ميل أى موضعا تلتجئ إليه عن الله إن هممت بالالتجاء والميل إلى غيره وعن حكمه ولا مانع لك من عقابه والهاء لله أو لن تجد من دون القرآن حرزا عن عذاب الله وكيد أعدائك من الإنس والجن والخطاب للنبى صلى الله عليه وسلم والمراد غيره أو لكل من يصلح للخطاب.
اطفيش
تفسير : {وَلَبِثُوا فِى كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ} كما اختلف الناس فى عددهم اختلفوا فى مدة لبثهم، فهذا من جملة كلام الناس فى أهل الكهف، قيل: قال بعض اليهود: ثلاثمائة سنين، وبعض ثلاثمائة سنين وتسع، كما قال الله عز وجل: {وَازْدَادُوا} أى أصحاب الكهف لا الناس، أو أهل الكتاب كما قيل {تِسْعًا} ولكونه من كلامهم لا من كلام الله عز وجل قال: {قُلِ اللهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا} بلبثهم، أى بمدة لبثهم، فيكون من حين قوله عز وجل، فالمعنى أنهم لبثوا ثلاثمائة وتسعا، وهو أعلم به، وهو الحق لا ما خاض الناس فيه من غير هذا العدد، وازدادوا للناس، أى ازدادوا فى العد، ولأصحاب الكهف، أى ازدادوا للناس، والصحيح أنه من كلام الله سبحانه. لما نزلت الآية قالت نصارى نجران: أما ثلاثمائة فقد عرفناها، وأما التسع فلا علم لنا بها، فنزل: {قل الله أعلم بما لبثوا} أى لبثوا ثلاثمائة وتسع سنين قمرية، أو ثلاثمائة عجمية شمسية، فتكون ثلاثمائة وتسعا عربية قمرية، كما روى عن علىّ، وذلك للبيان وللرد على مَن خالف قال: ما نزل ولم يقل ثلاثمائة سنين وتسعا، ونسب ذلك لأهل الكتاب، وقيل عن الحساب والمنجمين السنة الشمسية ثلاثمائة وخمسون يوما، وخمس ساعات، وتسع وأربعون دقيقة، والقمرية ثلاثمائة وأربعة وخمسون يوما وثمانى ساعات وثمان وأربعون دقيقة، والتفاوت بين الحسابين قليل، وقيل: قال بعض أهل الكتاب ثلاثمائة، وقال بعض ثلاثمائة وتسع، ومعدود تسع سنون كما هى المذكور قبل، ولو أريد تسع ساعات أو ليال جمع ليلة، أو تسع جمع لذكر ذلك ولو أريد تسعة أيام أو أشهر لقرن بابقاء على الأفصح، ولذكرت الأيام أو الأشهر، إذ لا دليل عليها، ومنتهى ذلك العدد وقت نزول القرآن فهم عند مجاهد، ووقت موتهم عند الضحاك، ووقت تغيرهم البلاء فى قول، ووقت اطلاع الناس عليهم فى آخر. ويروى أن ابن عباس مر فى غزوة بالكهف، فوجد هو ومَن معه عظاما فقالوا: هى عظام أهل الكهف، فقال أولئك قوم فقدوا مدة طويلة، وفنوا، فقال راهب: ما كنت أحسب أن أحداً من العرب يعرف ذلك، فقيل له: هو ابن عم نبينا صلى الله عليه وسلم. وعنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : ليحجن عيسى وأصحاب الكهف ويعتمرون ويمرون بالروحاء وهم حينئذ حواريون ويتزوج ويولد له ويزورنى فى قبرى ويموتون عن رفع القرآن والكعبة"تفسير : والله أعلم. وسنين عطف بيان بالنكرة، أو بدل ولو كان لا يصح فى المعنى جعله فى مقام المبدل منه، على أن يراد بقولهم فى نية طرح المبدل منه أن المقصود بالذات البدل، وعن الضحاك: نزل ثلاثمائة، فقيل: يا رسول الله أياما أم أشهرا أم سنين، فأنزل الله سنين. {لَهُ} لا لغيره {غَيْبُ} علم غائب {السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ}، أى ما غاب عنكم فيهما، فهو العالم بأصحاب الكهف وشأنهم كله على الحقيقة {أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ} أى به حذف لشبه الفضلة لفظا: كامرر بزيد، وإلا فالهاء فاعل، والفاعل لا يحذف إلا للضرورة، أو للساكن صارت هنا ضمير رفع، والهاء صلة واستساغ ذلك دخول الباء، فكانت على أصلها من أنها ضمير إما للجر أو للنصب، وذلك أن أبصر وأسمع فعل ماض على صورة الأمر، جاءت الباء لكونه على صورة الأمر، ولأنها لا تدل على المستتر فبرز لتدخل عليه، وذلك عكس ما شهر من مجئ الماضى بمعنى الأمر، أو الدعاء، وبهذا ضعف هذا القول وهو لسيبويه، وضعفه بعض أيضا بأن زيادة الباء فى الفاعل قليلة نحو: "أية : وكفى بالله شهيداً"تفسير : وأن المطرد زيادتها فى المفعول، ومذهب سيبويه مبنى على أن ما أفعله وأفعل به بمعنى صاروا كذا. ولا نسلم أن زيادة الباء مطردة فى المفعول، وقال الأخفش: فعل أمر خطأ بالكل أحد على البديلة لا الشمول، فالباء زائدة فى لفظ يقال له مفعول به إن كانت همزة أفعل للتعدية، وإن كانت للصيرورة بالباء للتعدية، وقد علمت أنا لا نسلم زيادة الباء فى المفعول اطراداً، وهمزة التعدية أكثر من همزة الصيرورة، لا كما قيل: كلتاهما غير مقيسة، ويجوز أن تكون الهمزة معدية، ويقدر المفعول أى أبصر الناس بدينه، وأسمعهم به. ومعنى أحسن يزيد على مذهب الأخفش الأمر لكل أحد أن يصفه بالحسن أى صفه بالحسن كيف شئت، فإنه أهل لأن يوصف بكل خير، لأنه جمع الخير، وهذا المعنى أظهر فى التعجب. والمعنى عند سيبويه: صار ذا كذا، ثم نقل إلى التعجب، ثم نقل إلى صيغة الأمر، بمعنى الإنشاء الذى فى مثل قولك فى الدعاء: رحمه الله، ورضى عنه لا الذى هو معنى فعل الأمر نحو: قم، والآية تعجيب لعلم الله الأشياء المبصرة بالعين كلها، وعلمه الأصوات كلها، لا يخفى عنه شئ من ذلك، وإن دق وعلمه بكل شئ من السياق من قوله غيب السماوات والأرض، ومن غير الآية أو أبصر به وأسمع عبارة بالكناية عن كل شئ ولو كان مما لا يسمع ولا يبصر كالاعتقادات. {مَا لَهُمْ} لأهل السماوات والأرض المدلول عليهم بذكر السماوات والأرض ودخل فيهم أصحاب الكهف، ومن اختلفوا فى عددهم دخولا أوليا، لأن الآية فى شأنهم لا كما قال ابن عطية: الهاء لكفار عصر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا لمؤمنى السماوات والأرض، كما أجيز، ولا للمختلفين فى عدة لبث أَصحاب الكهف. كما قيل. {مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِىٍّ} يتولى أمرهم من خير أو شر أو غيرهما. {وَلاَ يُشْرِكُ فِى حُكْمِهِ} فِى قضائه أو فى أمره الشامل للفعل، لا يشاركه أحد فى قول أو فعل، ولا يعاونه ولا يشاوره {أَحَدًا} من خلقه.
الالوسي
تفسير : {وَلَبِثُواْ فِى كَهْفِهِمْ} أحياء مضروباً على آذانهم {ثَـٰلِثَ مِاْئَةٍ سِنِينَ وَٱزْدَادُواْ تِسْعًا} وهي جملة مستأنفة مبينة كما قال مجاهد لما أجمل في قوله تعالى: {أية : فَضَرَبْنَا عَلَىٰ ءاذَانِهِمْ فِى ٱلْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا} تفسير : [الكهف: 11] واختار ذلك غير واحد.
ابن عاشور
تفسير : رجوع إلى بقية القصة بعد أن تخلل الاعتراض بينها بقوله: { أية : فلا تمار فيهم } تفسير : [الكهف: 22] إلى قوله: { أية : رشداً } تفسير : [الكهف: 24]. فيجوز أن تكون جملة {ولبثوا} عطفاً على مقولهم في قوله: { أية : سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم }. تفسير : [الكهف: 22] أي ويقولون: لبثوا في كهفهم، ليكون موقع قوله: { أية : قل الله أعلم بما لبثوا } تفسير : [الكهف: 26] كموقع قوله السابق { أية : قل ربي أعلم بعدتهم } تفسير : [الكهف: 22]، وعليْه فلا يكون هذا إخباراً عن مدة لبثهم. وعن ابن مسعود أنه قرأ وقالوا لبثوا في كهفهم} إلى آخره، فذلك تفسير لهذا العطف. ويجوز أن يكون العطف على القصة كلها. والتقدير: وكذلك أعثرنا عليهم إلى آخره، وهم لبثوا في كهفهم ثلاثمائة سنة وتسعَ سنين. وعلى اختلاف الوجهين يختلف المعنى في قوله: { أية : قل الله أعلم بما لبثوا } تفسير : [الكهف: 26] كما سيأتي. ثم إن الظاهر أن القرآن أخبر بمدة لبث أهل الكهف في كهفهم، وأن المراد لبثُهم الأول قبل الإفاقة وهو المناسب لسبق الكلام على اللبث في قوله: { أية : قال قائل منهم كم لبثتم قالوا لبثنا يوماً أو بعض يوم قالوا ربكم أعلم بما لبثتم } تفسير : [الكهف: 19]، وقد قدمنا عند قوله تعالى: { أية : أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم } تفسير : [الكهف: 9] الخ... أن مؤرخي النصارى يزعمون أن مدة نومة أهل الكهف مائتان وأربعون سنة. وقيل: المراد لبثهم من وقت موتهم الأخير إلى زمن نزول هذه الآية. والمعنى: أن يقدر لبثهم بثلاثمائة وتسع سنين. فعُبّر عن هذا العدد بأنه ثلاثمائة سنة وزيادة تسع، ليعلم أن التقدير بالسنين القمرية المناسبة لتاريخ العرب والإسلام مع الإشارة إلى موافقة ذلك المقدار بالسنين الشمسية التي بها تاريخ القوم الذين منهم أهل الكهف وهم أهل بلاد الروم. قال السهيلي في الروض الأنف: النصارى يعرفون حديث أهل الكهف ويؤرخون به. وأقول: واليهود الذين لَقّنوا قريشاً السؤالَ عنهم يؤرخّون الأشهر بحساب القمر ويؤرخون السنين بحساب الدورة الشمسية، فالتفاوت بين أيام السنة القمرية وأيام السنة الشمسية يحصل منه سنة قمرية كاملة في كل ثلاث وثلاثين سنة شمسيةً، فيكون التفاوت في مائة سنة شمسيةٍ بثلاث سنين زائدة قمرية. كذا نقله ابن عطية عن النقاش المفسر. وبهذا تظهر نكتة التعبير عن التسع السنين بالازدياد. وهذا من علم القرآن وإعجازه العلمي الذي لم يكن لعموم العرب علم به. وقرأ الجمهور {ثلاث مائةٍ} بالتنوين. وانتصب {سنين} على البدلية من اسم العدد على رأي من يمنع مجيء تمييز المائة منصوباً، أو هو تمييز عند من يجيز ذلك. وقرأه حمزة والكسائي وخلف بإضافة مائة إلى سنين على أنه تمييز للمائة. وقد جاء تمييز المائة جمعاً، وهو نادر لكنه فصيح.
د. أسعد حومد
تفسير : {ثَلاثَ مِئَةٍ} (25) - وَكَانَتْ مُدَّةُ رَقْدَتِهِمْ فِي الكَهْفِ، مُنْذُ دُخُولِهِمْ إِلَيْهِ حَتَّى بَعْثِهِمْ، وَتَسَاؤُلِهِمْ فِيمَا بَيْنَهُمْ: ثَلاَثَمِئَةِ سَنَةٍ شَمْسِيَّةٍ (وَهِيَ السَّنَةُ التِي كَانَ يَتَعَامَلُ بِهَا أَهْلُ الكِتَابِ)، تُعَادِلُ ثَلاَثَمِئَةٍ وَتِسْعِ سَنَوَاتٍ قَمَرِيَّةٍ، (وَهِيَ السَّنَةُ التِي كَانَ يَتَعَامَلُ بِهَا العَرَبُ).
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وهذه الآية تعطينا لقطةً من المذكرة التفصيلية التي أعطاها الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم عن أهل الكهف، وهي تُحدِّد عدد السنين التي قضاها الفِتْية في كهفهم بأنها ثلاثمائة سنة، وهذا هو عددها الفعليّ بحساب الشمس. لذلك؛ فالحق سبحانه لم يَقُلْ ثلاثمائة وتسعاً، بل قال: {وَٱزْدَادُواْ تِسْعاً} [الكهف: 25] ولما سمع أهل الكتاب هذا القول اعترضوا وقالوا: نعرف ثلاثمائة سنة، ولكن لا نعرف التسعة؛ ذلك لأن حسابهم لهذه المدة كان حساباً شمسياً. ومعلوم أن الخالق سبحانه حينما خلق السماوات والأرض قسَّم الزمن تقسيماً فلكياً، فجعل الشمس عنواناً لليوم، نعرفه بشروقها وغروبها، ولما كانت الشمس لا تدلّنا على بداية الشهر جعل الخالق سبحانه الشهر مرتبطاً بالقمر الذي يظهر هلالاً في أول كل شهر، وقد قال تعالى: {إِنَّ عِدَّةَ ٱلشُّهُورِ عِندَ ٱللَّهِ ٱثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ ٱللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ ..} [التوبة: 36]. فلو حسبتَ الثلاثمائة سنة هذه بالحساب القمري لوجدتها ثلاثمائة سنة وتسعاً، إذن: هي في حسابكم الشمسي ثلاثمائة سنة، وفي حسابنا القمري ثلاثمائة وتسعاً. ونعرف أن السنة الميلادية تزيد عن الهجرية بأحد عشر يوماً تقريباً في كل عام. ومن حكمة الخالق سبحانه أن ترتبط التوقيتات في الإسلام بالأهلة، ولك أن تتصور لو ارتبط الحج مثلاً بشهر واحد من التوقيت الشمسي في طقس واحد لا يتغير، فإنْ جاء الحج في الشتاء يظل هكذا في كل عام، وكم في هذا من مشقة على مَنْ لا يناسبهم الحج في فصل الشتاء. والأمر كذلك في الصيام. أما في التوقيت القمري فإن هذه العبادات تدور بمدار العام، فتأتي هذه العبادات مرة في الصيف، ومرة في الخريف، ومرة في الشتاء، ومرة في الربيع، فيؤدي كل إنسان هذه العبادة في الوقت الذي يناسبه؛ لذلك قالوا: يا زمن وفيك كل الزمن. والمتأمل في ارتباط شعائر الإسلام بالدورة الفلكية يجد كثيراً من الآيات والعجائب، فلو تتبعتَ مثلاً الأذان للصلاة في ظل هذه الدورة لوجدت أن كلمة "الله أكبر" نداء دائم لا ينقطع في ليل أو نهار من مُلْك الله تعالى، وفي الوقت الذي تنادي فيه "الله أكبر" يُنادي آخر "أشهد ألا إله إلا الله" وينادي آخر "أشهد أن محمداً رسول الله" وهكذا دواليك في منظومة لا تتوقف. وكذلك في الصلاة، ففي الوقت الذي تصلي أنت الظهر، هناك آخرون يُصلّون العصر، وآخرون يُصلُّون المغرب، وآخرون يُصلّون العشاء، فلا يخلو كَوْنُ الله في لحظة من اللحظات من قائم أو راكع أو ساجد. إذن: فلفظ الأذان وأفعال الصلاة شائعة في كُلِّ أوقات الزمن، وبكُلّ ألوان العبادة. ثم يقول الحق سبحانه: {قُلِ ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُواْ لَهُ غَيْبُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ ...}.
الأندلسي
تفسير : {وَلَبِثُواْ فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِاْئَةٍ} الظاهر أن هذا إخبار من الله تعالى بمدة لبثهم يناما في الكهف إلى أن أطلع الله عليهم ولما تحرر هذا العدد بإِخبار الله تعالى أمر نبيه أن يقول: قل الله أعلم بما لبثوا فخبره هذا هو الحق والصدق الذي لا يدخله ريب لأنه عالم غيب السماوات والأرض والظاهر أن قوله بما لبثوا إشارة إلى المدة السابق ذكرها وحكى النقاش أنها ثلثمائة سنة شمسية ولما كان الخطاب للعرب زيدت التسع إذ حساب العرب هو بالقمر لاتفاق الحسابين والضمير في له عائد على الله تعالى وهل هو في موضع رفع أو نصب وهل أسمع وأبصر أمر أن حقيقة أم أمران لفظا معناهما إنشاء التعجب في ذلك خلاف مقرر في النحو وتقدم الكلام على كيفية نسبة التعجب إلى الله في قوله: فما أصبرهم على النار والضمير في قوله: ما لهم لأهل السماوات والأرض من ولي متول لأمورهم ولا يشرك في قضائه أحداً منهم ولما أنزل عليه ما أنزل من قصة أهل الكهف أمره بأن يقص ويتلو على معاصريه ما أوحى الله تعالى إليه من كتابه في قصة أهل الكهف وفي غيرهم وأن ما أوحاه إليه لا مبدل له ولا مبدل عام ولكلماته عام أيضاً والتخصيص اما في لا مبدل أي لا مبدل له سواه ألا ترى إلى قوله وإذا بدلنا آية مكان آية وأما في كلماته أي لكلماته المتضمنة الخبر لأن ما تضمن غير الخبر وقع النسخ في بعضه وفي أمره تعالى أن يتلو ما أوحي إليه وإخباره أنه لا مبدل لكلماته إشارة إلى تبديل المنازعين في أهل الكهف وتحريف اخبارهم والملتحد أي المتلجأ الذي تميل إليه وتعدل له. {وَٱصْبِرْ نَفْسَكَ} الآية قال كفار قريش: لو أبعدت هؤلاء عن نفسك لجالسناك وصحبناك يعنون عماراً وصهيباً وسلمان وابن مسعود وبلالاً ونحوهم من الفقراء وقالوا ان ريح جبابهم يؤذينا فنزلت واصبر نفسك أي احبسها وثبتها * قال أبو ذؤيب: فصبرت عارفة لذلك حرة * ترسو إذا نفس الجبان تطلع. {بِٱلْغَدَاةِ وَٱلْعَشِيِّ} إشارة إلى الصلوات الخمس وتقدم الكلام على قوله: بالغداة والعشي قراءة وإعراباً في الانعام. {وَلاَ تَعْدُ} أي لا تصرف عيناك النظر عنهم إلى أبناء الدنيا وعد متعد تقول عدا فلان طوره وجاء القوم عدا زيداً فلذلك قدرنا المفعول محذوفاً ليبقى الفعل على أصله من التعدية * وقال الزمخشري: إنما عدي لتضمين عدا معنى نبا وعلا في قولك بنت عنه عينه وعلت عنه عينه إذا اقتحمته ولم تعلق به فإِن قلت أي غرض في هذا التضمين وهلا قيل ولا تعدهم عيناك ولا تعد عيناك عنهم * قلت الغرض فيه إعطاء مجموع معنيين وذلك أقوى من إعطاء معنى فذا ألا ترى كيف رجع المعنى إلى قولك ولا تقتحمهم عيناك مجاوزين إلى غيرهم ونحوه قوله تعالى: {أية : وَلاَ تَأْكُلُوۤاْ أَمْوَالَهُمْ إِلَىٰ أَمْوَالِكُمْ} تفسير : [النساء: 2] أي ولا تضموها إليها آكلين لها "انتهى" وما ذكره من التضمين لا ينقاس عند البصريين وإنما يذهب إليه عند الضرورة أما إذا أمكن إجراء اللفظ على مدلوله الوصفي كان أولى * قال الزمخشري: تريد زينة الحياة الدنيا في موضع الحال. "انتهى". وصاحب الحال ان قدر عيناك فكان يكون التركيب تريدان وان قدر الكاف مجيء الحال من المجرور بالإِضافة مثل هذا فيه اشكال لاختلاف العامل في الحال وذي الحال وقد أجاز ذلك بعضهم إذا كان المضاف خبر أو كالجزء وحسن ذلك هنا أن المقصود نهيه صلى الله عليه وسلم عن الإِعراض عنهم والميل إلى غيرهم وإنما جيء وبقوله: عيناك والمقصود هو لأنهما مهما يكون المراعاة للشخص والتلفت إليه والمعنى ولا تعد أنت عنهم النظر إلى غيرهم والظاهر أن المراد بمن اعتقلنا كفار قريش. {وَٱتَّبَعَ هَوَاهُ} في طلب الشهوات. {وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً} أي ضائعاً والحق يجوز أن يكون خبر مبتدأ محذوف تقديره هذا الحق ويجوز أن يكون الحق مبتدأ ومن ربكم الخبر والظاهر أن الفاعل يشاء عائد على من * قال ابن عطية الضمير في شاء عائد على الله وكأنه لما كان الإِيمان والكفر تابعين لمشيئة الله جاء بصفة الأمر حتى كأنه لحتم وقوعه مأمور به مطلوب منه ولما تقدم الإِيمان والكفر أعقب بما أعد لهما فذكر ما أعد للكافرين تلو قوله: فليكفر وأتى بعد ذلك بما أعد للمؤمنين والسرادق حائط من نار محيط. {وَإِن يَسْتَغِيثُواْ} يطلبوا الغوث مما حل بهم من النار وشدة إحراقها واشتداد عطشهم. {يُغَاثُواْ بِمَآءٍ} هذا على سبيل المقابلة وإلا فليست إغاثة. {كَٱلْمُهْلِ} قال ابن عباس: ماء غليظ مثل دردي الزيت. و{يَشْوِي ٱلْوجُوهَ} في موضع الصفة لما أوفى موضع الحال منه لأنه قد وصف فحسن مجيء الحال منه وإنما اختص الوجوه لكونها عند شربهم يقرب حرماً من وجوههم وقيل عبر بالوجوه عن جميع أبدانهم والمعنى أنه ينضج به جميع جلودهم. {بِئْسَ ٱلشَّرَابُ} المخصوص بالذم محذوف تقديره بئس الشراب هو أي الماء الذي يغاثون به والضمير في ساءت عائد على النار * والمرتفق قال ابن عباس: المنزل. {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} الآية: خبر إن قوله أولئك والجملة من قوله: إنا لا نضيع ويكون العائد محذوفاً تقديره من أحسن عملاً منهم ويجوز أن يكون مبتدأ خبره ما بعده ويكون توضيحاً لقوله تعالى: {إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ} ولما ذكر مكان أهل الكفر وهو النار ذكر مكان أهل الإِيمان وهي جنات عدن ولما ذكر هناك ما يغاثون به وهو الماء كالمهل ذكر هناك ما خص به أهل الجنة من كون الأنهار تجري من تحتهم ذكر ما أنعم به عليهم من التحلية واللباس واللذين هما زينة ظاهرة وبدأ بالتحلية لأنها أفخر من اللباس ومن الأولى يجوز أن تكون للابتداء والثانية للتبيين وقرأ أبان عن عاصم أسورة جمع سوار وقرأ الجمهور أساور جمع أسورة وهي جمع الجمع * قال الزمخشري: وجمع بين السندس وهو ما رق من الديباج وبين الاستبرق وهو الغليظ منه جمعاً بين النوعين وبناء التحلية للمفعول الذي لم يسم فاعله إشعاراً بأنهم يكرمون بذلك ولا يتعاطون ذلك بأنفسهم * قال الشاعر: شعر : غرائر في كن وصون ونعمة تحلين ياقوتاً وشذراً مقفراً* تفسير : واسند الفعل إليهم لأن الإِنسان يتعاطى ذلك بنفسه خصوصاً لو كان بادي العورة ووصف الثياب بالخضرة لأنها أحسن الألوان والنفس تنبسط لها أكثر من غيرها وقد روى في ذلك أثر أنها تزيد في ضوء البصر وحض الاتكاء لأنها هيئة المنعمين والملوك على أسرتهم والأرائك جمع أريكة وهي السرير والمخصوص بالمدح محذوف أي نعم الثواب ما وعدوا به والضمير في وحسنت عائد على الجنات ومرتفقاً تمييز وهو محول من الفاعل. {وَٱضْرِبْ لهُمْ} الآية قيل نزلت في أخوين من بني مخزوم الأسود بن عبد الأسود بن عبد يا ليل وكان كافراً وأبي سلمة عبد الله بن الأسود وكان مؤمناً وقيل غير ذلك والضمير في لهم عائد على المتجبرين الطالبين من رسول الله صلى الله عليه وسلم طرد ضعفاء المؤمنين فالرجل الكافر بإِزاء المتجبرين المؤمن بإِزاء ضعفاء المؤمنين وظهر بضرب المثل الربط بين هذه الآية والتي قبلها إذ كان من أشرك إنما افتخر بماله وأنصاره وهذا قد يزول فيصير الغني فقيراً وإنما المفاخرة بطاعة الله تعالى * واضرب لهم مثلاً الآية قصة رجلين وجعلنا تفسير للمثل فلا موضع له من الإِعراب وأبهم في قوله: جعلنا لأحدهما وتبين أنه الكافر الشاك في البعث وأبهم تعالى مكان الجنتين إلا يتعلق بتعيينه كبير فائدة وذكر إبراهيم بن القاسم الكاتب في كتابه في عجائب البلاد أن بحيرة تنيس كانت هاتين الجنتين وكانتا لأخوين فباع أحدهما نصيبه من الآخر وأنفقه في طاعة الله حتى عيره الآخر وجرت بينهما هذه المحاروة قال: فغرقهما الله في ليلة وإياهما عني بهذه الآية * قال ابن عطية: وتأمل هذه الهيئة التي ذكرها الله فإِن المرء لا يكاد يتخيل أجلّ منها في مكاسب الناس جنتا عنب أحاط بهما نخل وبينهما فسحة هي مزدرع لجميع الحبوب والماء المعين يسقي جميع ذلك من النهر. {وَحَفَفْنَاهُمَا} حفه طاف به من جوانبه قال: شعر : يحفه جانباً يتق ويتبعه مثل الزجاجة لم يكمل من الرمد تفسير : وحففته به جعلته مطيفاً {كِلْتَا ٱلْجَنَّتَيْنِ} أي كل واحدة منهما فلذلك أفرد في قوله آتت أكلها وقد راعى معنى التثنية في قوله: وفجرنا خلالهما أي فثني الضمير وهو ضمير الجنتين * وقال الشاعر: شعر : كلاهما حين جد الجري بينهما قد أقلعا وكلا أنفيهما رابي تفسير : فثنى في أقلعا وأفرد في رابي. {وَلَمْ تَظْلِم مِّنْهُ شَيْئاً} أي لم ينقص منه، وقرىء: ثمر وثمر ويظهر من قوله: فقال لصاحبه أنه ليس أخاه. {وَهُوَ يُحَاوِرُهُ} جملة حالية والظاهر أن ذا الحال وهو القائل أي يفتخر عليه بكثرة ماله وعزة نفسه مالاً ونفراً تمييزان بعد أفعل التفضيل * وقال الزمخشري: فإِن قلت لم أفرد الجنة بعد التثنية قلت معناه ودخل ما هو جنته ما له جنة غيرها يعني أنه لا نصيب له في الجنة التي وعد المتقون فما ملكه في الدنيا هو جنته لا غير ولم يقصد الجنتين ولا واحدة منهما "انتهى" ولا يتصور ما قاله لأن قوله: ودخل جنته، إخبار من الله بدخول ذلك الكافر جنته فلا بد أن قصد في الاخبار أنه دخل إحدى جنتيه إذ لا يمكن أن يدخلهما معاً في وقت واحد والمعنى ودخل جنته يرى صاحبه ما هي عليه من البهجة والنضارة والحسن وهو ظالم لنفسه جملة حالية أي وهو كافر بنعمة ربه فقر بما ملكه شاك في نفاذ ما حوله وفي البعث الذي حاوره فيه صاحبه والظاهر أن الإِشارة بقوله: هذه إلى الجنة التي دخلها وعنى بالأبد أبد حياته وذلك لطول أمله وتمادي غفلته ولحسن قيامه عليها بما أوتي من المال والخدم فهي باقية مدة حياته على حالها من الحسن والنضارة والحسن يقتضي أن أحوال الدنيا بأسرها غير باقية. {أَن تَبِيدَ هَـٰذِهِ} أي تهلك هذه إشارة إلى الجنة التي دخلها. {وَمَآ أَظُنُّ ٱلسَّاعَةَ قَائِمَةً} هذا شك في قيام الساعة وهو كفر ثم أقسم على أنه ان رد إلى ربه على سبيل قياس الأخرى على الدنيا وكما يزعم صاحبه ليجدن في الآخرة خيراً من جنته تطمعاً وتمنياً على الله وادعاء لكرامته عليه ومكانته عنده وأنه ما أولاه الجنتين في الدنيا إلا لاستحقاقه وأن معه هذا الاستحقاق أين توجه كقوله: {أية : إِنَّ لِي عِندَهُ لَلْحُسْنَىٰ} تفسير : [فصلت: 50] ومعنى منقلباً مرجعاً وعاقبة أي منقلب الآخرة لبقائها خير من منقلب الدنيا لزوالها وانتصب منقلباً على التمييز. {فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ} الآية وهو يحاوره حال من الفاعل وهو صاحبه وأكفرت استفهام إنكار وتوبيخ حيث أشرك مع الله غيره ثم نبه على أصل نشأته وإيجاده بعد العدم وأن ذلك دليل على جواز البعث من القبور ثم تحتم ذلك بإِخبار الصادقين وهم الرسل عليهم السلام * وقوله خلقك من تراب اما أن يراد خلق أصلك من تراب وهو مآدم صلى الله عليه وسلم وخلق أصله سبب في خلقه فكان خلقه خلقاً له وأريد أن ماء الرجل يتولد من أغذية راجعة إلى التراب فنبهه أولاً على ما تولد منه ماء أبيه ثم ثانية على النطفة التي هي ماء أبيه وانتصب رجلاً على الحال والعامل فيه سوّاك ولما لم يكن الاستفهام استفهام إعلام وإنما هو استفهام إنكار وتوبيخ فهو في الحقيقة تقرير على كفره وإخبار عنه به لأن معناه قد كفرت بالذي خلقك استدرك هو مخبراً عن حال نفسه فقال: {لَّٰكِنَّاْ هُوَ ٱللَّهُ رَبِّي} إقراراً بتوحيد الله تعالى وأنه لا يشرك به وقرىء: لكن بتشديد النون بغير ألف في الوصل وبألف في الوقف وأصله ولكن أنا ونقل حركة الهمزة إلى نون لكن وحذف الهمزة فالتقى مثلان فأدغم أحدهما في الآخر وأما في الوقف فإِنه اثبت ألف أنا وهو المشهور في الوقف على أنا ومثال إثباتها في الوصل: شعر : أنا سيف العشيرة فاعرفوني حميداً قد تدربت السنانا تفسير : كان الأصل لكن أنا وحصل الادغام وقال الزمخشري ونحوه يعني ونحو إدغام نون لكن في نون أنا بعد حذف قول القائل وترمينني بالطرف أي أنت مذنب وتقلينني ولكن إياك لا أقلي، أي لكن أنا لا أقليك. "انتهى". لا يتعين ما قاله في البيت لجواز أن يكون التقدير لكنني فحذف اسم لكن وذكروا ان حذفه فصيح إذا دل عليه الكلام وأنشدوا على ذلك قول الشاعر: شعر : فلو كنت ضبياً عرفت قرابتي ولكن زنجي عظيم المشافر تفسير : في رواية من روي زنجي بالرفع أي ولكنك زنجي فانا مبتدأ وهو ضمير الشأن مبتدأ ثان والله مبتدأ ثالث وربي خبره والثالث وخبره خبر عن الثاني والثاني وخبره خبر عن أنا والعائد عليه هو الياء في ربي وصار التركيب نظير هند هو زيد ضربها وفي قوله: {وَلاَ أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً} تعريض بإِشراك صاحبه وأنه مخالفه في ذلك وقد صرح بذلك في صاحبه في قوله: {أية : يٰلَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً} تفسير : [الكهف: 42] ولولا تحضيضية بمعنى هلا ففضل بينهما وبين فعل التحضيض بإِذ وهو ظرف لما مضى والعامل فيه قلت وما في شاء شرطية منصوبة بشاء والجواب محذوف تقديره أي شىء شاء الله كان ويجوز أن تكون ما موصولة مبتدأة والخبر محذوف تقديره الذي شاء الله كان ويجوز أن يكون خبر مبتدأ محذوف تقديره الأمر الذي شاء ثم نصحه بالتبري من القوة فيما يحاوله ويعانيه وأن يجعل القوة لله ثم أردف تلك النصيحة بترجيه من الله تعالى وتوقعه أن يقلب ما به وما بصاحبه من الفقر والغنى فقال: {إِن تَرَنِ أَنَاْ أَقَلَّ مِنكَ مَالاً وَوَلَداً} أي أني أتوقع من صنع الله وإحسانه أن يمنحني جنة خيراً من جنتك لإِيماني به ويزيل عنك نعتمك لكفرك به ويخبر بستانك وقرىء: أقل بالنصب مفعولاً ثانياً لترني وهي علمية لا بصرية لوقوع أنا فضلاً ويجوز أن يكون توكيداً للضمير المنصوب في ترني ويجوز أن تكون بصرية وأنا توكيد للضمير المنصوب في ترني فيكون أقل حالاً وقرىء: أقل بالرفع على أن يكون مبتدأ وأقل خبره والجملة في موضع مفعول ترني الثاني إن كانت علمية وفي موضع الحال إن كانت بصرية ويدل عليه وولداً على أن قول لصاحبه وأعز نفراً عني به الأولاد إن قابل كثرة المال بالقلة وعزة النفر بقلة الأولاد والحسبان قال ابن عطية: العذاب وقيل غير ذلك وهذا الترجي إن كان ذلك أن يؤتيه في الدنيا فهو أنكى للكافر والم إذ يرى حاله من الغني قد انتقلت إلى صاحبه وإن كان ذلك يؤتيه في الآخرة فهو أشرف وأذهب مع الخير والصلاح.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : لما نهاه الله عن استفتاء أهل الكتاب، في شأن أهل الكهف، لعدم علمهم بذلك، وكان الله عالم الغيب والشهادة، العالم بكل شيء، أخبره بمدة لبثهم، وأن علم ذلك عنده وحده، فإنه من غيب السماوات والأرض، وغيبها مختص به، فما أخبر به عنها على ألسنة رسله، فهو الحق اليقين، الذي لا يشك فيه، وما لا يطلع رسله عليه، فإن أحدا من الخلق، لا يعلمه. وقوله: { أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ } تعجب من كمال سمعه وبصره، وإحاطتهما بالمسموعات والمبصرات، بعد ما أخبر بإحاطة علمه بالمعلومات. ثم أخبر عن انفراده بالولاية العامة والخاصة، فهو الولي الذي يتولى تدبير جميع الكون، الولي لعباده المؤمنين، يخرجهم من الظلمات إلى النور وييسرهم لليسرى، ويجنبهم العسرى، ولهذا قال: { مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ } أي: هو الذي تولى أصحاب الكهف، بلطفه وكرمه، ولم يكلهم إلى أحد من الخلق. { وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا } وهذا يشمل الحكم الكوني القدري، والحكم الشرعي الديني، فإنه الحاكم في خلقه، قضاء وقدرا، وخلقا وتدبيرا، والحاكم فيهم، بأمره ونهيه، وثوابه وعقابه. ولما أخبر أنه تعالى، له غيب السماوات والأرض، فليس لمخلوق إليها طريق، إلا عن الطريق التي يخبر بها عباده، وكان هذا القرآن، قد اشتمل على كثير من الغيوب، أمر تعالى بالإقبال عليه فقال: { وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ ...}.
همام الصنعاني
تفسير : 1674- حدثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {وَلَبِثُواْ فِي كَهْفِهِمْ}: [الآية: 25]، قال: في حرف ابن مسعود، وقالوا: ولبثوا - يعني أنه قاله الناس: ثلاثمائة سنة وازدادوا تسعاً، ألا ترى أنه يقول: {قُلِ ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُواْ}: [الآية: 26].
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):