١٨ - ٱلْكَهْف
18 - Al-Kahf (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
26
Tafseer
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {قُلِ ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُواْ} قيل بعد موتهم إلى نزول القرآن فيهم، على قول مجاهد. أو إلى أن ماتوا؛ على قول الضحاك. أو إلى وقت تغيّرهم بالبِلَى؛ على ما تقدم. وقيل: بما لبثوا في الكهف، وهي المدة التي ذكرها الله تعالى عن اليهود وإن ذكروا زيادة ونقصاناً. أي لا يعلم علم ذلك إلا الله أو من علّمه ذلك {لَهُ غَيْبُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ}. قوله تعالى: {أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ} أي ما أبصره وأسمعه. قال قتادة: لا أحد أبصر من الله ولا أسمع. وهذه عبارات عن الإدراك. ويحتمل أن يكون المعنى «أبصر به» أي بوحيه وإرشاده هداك وحججك والحقّ من الأمور، وأسمع به العالم؛ فيكونان أمرين لا على وجه التعجب. وقيل: المعنى أبصرهم وأسمعهم ما قال الله فيهم. {مَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ} أي لم يكن لأصحاب الكهف وليّ يتولّى حفظهم دون الله. ويحتمل أن يعود الضمير في «لهم» على معاصري محمد صلى الله عليه وسلم من الكفار. والمعنى: ما لهؤلاء المختلفين في مدة لبثهم وليّ دون الله يتولى تدبير أمرهم؛ فكيف يكونون أعلم منه، أو كيف يتعلمون من غير إعلامه إيّاهم. قوله تعالى: {وَلاَ يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً} قرىء بالياء ورفع الكاف، على معنى الخبر عن الله تعالى. وقرأ ابن عامر والحسن وأبو رجاء وقتادة والجحدريّ «ولا تشرك» بالتاء من فوق وإسكان الكاف على جهة النبيّ صلى الله عليه وسلم، ويكون قوله «ولا تشرك» عطفا على قوله «أبصر به وأسمع». وقرأ مجاهد «يشرك» بالياء من تحت والجزم. قال يعقوب: لا أعرف وجهه. مسألة: اختلف في أصحاب الكهف هل ماتوا وفنوا، أو هم نيام وأجسادهم محفوظة، فروي عن ابن عباس أنه مرّ بالشأم في بعض غزواته مع ناس على موضع الكهف وجبله، فمشى الناس معه إليه فوجدوا عظاماً فقالوا: هذه عظام أهل الكهف. فقال لهم ابن عباس: أولئك قوم فنوا وعدموا منذ مدّة طويلة؛ فسمعه راهب فقال: ما كنت أحسب أن أحداً من العرب يعرف هذا؛ فقيل له: هذا ابن عم نبيّنا صلى الله عليه وسلم. وروت فرقة أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : ليحجنّ عيسى بن مريم ومعه أصحاب الكهف فإنهم لم يحجّوا بعد».تفسير : ذكره ابن عطية. قلت: ومكتوب في التوراة والإنجيل أن عيسى بن مريم عبدُ الله ورسوله، وأنه يمر بالروحاء حاجًّا أو معتمراً أو يجمع الله له ذلك فيجعل الله حواريه أصحاب الكهف والرقيم، فيمرّون حجاجاً فإنهم لم يحجوا ولم يموتوا. وقد ذكرنا هذا الخبر بكماله في كتاب «التذكرة». فعلى هذا هم نيام ولم يموتوا إلى يوم القيامة، بل يموتون قبيل الساعة.
البيضاوي
تفسير : {قُلِ ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُواْ لَهُ غَيْبُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ} له ما غاب فيهما وخفي من أحوال أهلهما، فلا خلق يخفى عليه علماً. {أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ } ذكر بصيغة التعجب للدلالة على أن أمره في الإِدراك خارج عما عليه إدراك السامعين والمبصرين، إذ لا يحجبه شيء ولا يتفاوت دونه لطيف وكثيف وصغير وكبير وخفي وجلي، والهاء تعود إلى الله ومحله الرفع على الفاعليه والباء مزيده عند سيبويه وكان أصله أبصر أي صار ذا بصر، ثم نقل إلى صيغة الأمر بمعنى الإنشاء، فبرز الضمير لعدم لياق الصيغة له أو لزيادة الباء كما في قوله تعالى {أية : وَكَفَىٰ بِهِ }تفسير : [النساء: 50] والنصب على المفعولية عند الأخفش والفاعل ضمير المأمور وهو كل أحد والباء مزيدة إن كانت الهمزة للتعدية ومعدية إن كانت للصيرورة. {مَّا لَهُم } الضمير لأهل السموات والأرض. {مّن دُونِهِ مِن وَلِىّ } من يتولى أمورهم. {وَلاَ يُشْرِكُ فِى حُكْمِهِ } في قضائه. {أَحَدًا } منهم ولا بجعل له فيه مدخلاً. وقرأ ابن عامر وقالون عن يعقوب بالتاء والجزم على نهي كل أحد عن الإِشراك، ثم لما دل اشتمال القرآن على قصة أصحاب الكهف من حيث إنها من المغيبات بالإِضافة إلى رسول الله على أنه وحي معجز أمره أن يداوم درسه ويلازم أصحابه فقال:
المحلي و السيوطي
تفسير : {قُلِ ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُواْ } ممن اختلفوا فيه وهو ما تقدّم ذكره {لَهُ غَيْبُ ٱلسَّمَٰوٰتِ وَٱلأَرْضِ } أي علمه {أَبْصِرْ بِهِ } أي:الله هي صيغة تعجب {وأَسْمِعْ } به كذلك بمعنى ما أبصرهُ وما أسمعهُ وهما على جهة المجاز، والمراد أنه تعالى لا يغيب عن بصره وسمعه شيء {مَا لَهُم } لأهل السموات والأرض {مِّن دُونِهِ مِن وَلِىٍّ } ناصر {وَلاَ يُشْرِكُ فِى حُكْمِهِ أَحَدًا } لأنه غنيّ عن الشريك.
ابن عبد السلام
تفسير : {أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُواْ} بعد موتهم إلى نزول القرآن فيهم، أو بالمدة التي ذكرها عن اليهود {أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ} الله أبصر بما قال وأسمع لما قالوا، أو أبصرهم وأسمعهم ما قال الله ـ تعالى ـ فيهم {وَلِىٍّ} ناصر، أو مانع {حكمه} علم الغيب، أو الحكم.
الخازن
تفسير : قوله: {قل الله أعلم بما لبثوا} والأصح أنه إخبار من الله تعالى عن قدر لبثهم في الكهف ويكون معنى قوله قل الله أعلم بما لبثوا، يعني إن نازعوك في مدة لبثهم في الكهف فقل أنت الله أعلم بما لبثوا أي هو أعلم منكم وقد أخبر بمدة لبثهم وقيل إن أهل الكتاب قالوا إن المدة من حين دخلوا الكهف إلى يومنا هذا وهو اجتماعهم بالنبي صلى الله عليه وسلم ثلاثمائة وتسع سنين فرد الله عليهم بذلك وقال قل الله أعلم بما لبثوا يعني بعد قبض أرواحهم إلى يومنا هذا لا يعلمه إلا الله. فإن قلت لم قال سنين ولم يقل سنة، قلت قيل لما نزل قوله سبحانه وتعالى {أية : ولبثوا في كهفهم ثلاث مائة}تفسير : [الكهف: 25] فقالوا أياماً أو شهوراً أو سنين فنزلت سنين على وفق قولهم وقيل هو تفسير لما أجمل في قوله فضربنا على آذانهم في الكهف سنين عددا وازدادوا تسعاً وقيل قالت نصارى نجران أما ثلاثمائة فقد عرفنا وأما التسع فلا علم لنا بها. فنزلت قل الله أعلم بما لبثوا. وقيل إن عند أهل الكتاب لبثوا ثلاثمائة سنة شمسية والله سبحانه وتعالى ذكر ثلاثمائة سنة وتسع سنين قمرية والتفاوت بين القمرية والشمسية في كل مائة سنة ثلاث سنين فتكون الثلاثمائة الشمسية ثلاث مائة وتسع سنين قمرية {له غيب السموات والأرض} يعني أنه سبحانه وتعالى لا يخفى عليه شيء من أحوال أهلها فإنه العالم وحده به فكيف يخفى عليه حال أصحاب الكهف {أبصر به وأسمع} معناه ما أبصر الله بكل موجود وأسمعه بكل مسموع لا يغيب عن سمعه وبصره شيء يدرك البواطن كما يدرك الظواهر والقريب والبعيد والمحجوب وغيره لا تخفى عليه خافية {ما لهم} أي ما لأهل السموات والأرض {من دونه} أي من دون الله {من ولي} أي ناصر {ولا يشرك في حكمه أحداً} قيل معناه لا يشرك الله في علم غيبه أحداً وقيل في قضائه. قوله تعالى {واتل} أي واقرأ يا محمد {ما أوحي إليك من كتاب ربك} يعني القرآن واتبع ما فيه واعمل به {لا مبدل لكلماته} أي لا مغير للقرآن ولا يقدر أحد على التطرق إليه بتغيير أو تبديل. فإن قلت موجب هذا أن لا يتطرق النسخ إليه. قلت النسخ في الحقيقة ليس بتبدليل لأن المنسوخ ثابت في وقته إلى وقت طريان الناسخ فالناسخ كالمغاير فكيف يكون تبديلاً. وقيل معناه لا مغير لما أوعد الله بكلماته أهل معاصيه {ولن تجد من دونه} أي من دون الله إن لم تتبع القرآن {ملتحداً} أي ملجأ وحرزاً تعدل إليه. قوله عز وجل {وأصبر نفسك} الآية نزلت في عيينة بن حصن الفزاري أتى النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يسلم وعنده جماعة من الفقراء ومنهم سلمان وعليه صوف قد عرق فيها وبيده خوص يشقه وينسجه فقال عيينة للنبيّ صلى الله عليه وسلم: أما يؤذيك ريح هؤلاء ونحن سادات مضر وأشرافها إن أسلمنا أسلم الناس وما يمنعنا من اتباعك إلا هؤلاء فنحهم حتى نتبعك أو اجعل لنا مجلساً فأنزل الله عز وجل واصبر نفسك أي احبس يا محمد نفسك {مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي} يعني طرفي النهار {يريدون وجهه} أي يريدون وجه الله لا يريدون عرض الدنيا، وقيل نزلت في أصحاب الصفة وكانوا سبعمائة رجل فقراء في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يرجعون إلى تجارة ولا زرع ولا ضرع يصلون صلاة وينتظرون أخرى فلما نزلت هذه الآية قال النبيّ صلى الله عليه وسلم "حديث : الحمد لله الذي جعل في أمتي من أمرت أن أصبر نفسي معهم" تفسير : {ولا تعد} أي لا تصرف ولا تجاوز {عيناك عنهم} إلى غيرهم {تريد زينة الحياة الدنيا} أي تطلب مجالسه الأغنياء والأشراف وصحبة أهل الدنيا {ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا} أي جعلنا قلبه غافلاً عن ذكرنا يعني عيينة بن حصن وقيل أمية بن خلف {واتبع هواه} أي في طلب الشهوات {وكان أمره فرطاً} ضياعاً ضيع أمره وعطل أيامه، وقيل ندماً وقيل سرفاً وباطلاً وقيل مخالفاً للحق {وقل الحق من ربكم} أي قل يا محمد لهؤلاء الذين أغفلنا قلوبهم عن ذكرنا من ربكم الحق وإليه التوفيق والخذلان وبيده الهدى والضلال ليس إلى من ذلك شيء {فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر} هذا على طريق التهديد والوعيد كقوله {أية : اعملوا ما شئتم}تفسير : [فصلت: 40] وقيل معنى الآية وقل الحق من ربكم أي لست بطارد المؤمنين لهواكم فإن شئتم فآمنوا وإن شئتم فاكفروا، فإن كفرتم فقد أعد لكم ربكم ناراً وإن آمنتم فلكم ما وصف الله لأهل طاعته، وعن ابن عباس في معنى الآية: من شاء الله له الإيمان آمن ومن شاء له الكفر كفر {إنا أعتدنا} أي هيأنا من العتاد وهو العدة {للظالمين} أي الكافرين {ناراً أحاط بهم سرادقها} السرادق الحجزة التي تطيف بالفساطيط عن أبي سعيد الخدري عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال "حديث : سرادق النار أربعة جدر كثف كل جدار أربعون سنة"تفسير : أخرجه الترمذي قال ابن عباس: هو حائط نار وقيل هو عنق يخرج من النار فيحيط بالكفار كالحظيرة وقيل هو دخان يحيط بالكفار {وإن يستغيثوا} أي من شدة العطش {ثغاثوا بماء كالمهل} قال ابن عباس: هو ماء غليظ مثل دردي الزيت، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه "حديث : عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال في قوله سبحانه وتعالى بماء كالمهل قال: "كعكر الزيت فإذا قرب إليه سقطت فروة وجهه منه""تفسير : أخرجه الترمذي. وقال رشدين أحد رواة الحديث قد تكلم بفيه من قبل حفظة الفروة جلدة الوجه وقيل المهل الدم والقيح وقيل هو الرصاص والصفر المذاب {يشوي الوجوه} أي ينضج الوجوه من حره {بئس الشراب} أي ذلك الذي يغاثون به {وساءت} أي النار {مرتفقاً} قال ابن عباس رضي الله عنهما: منزلاً وقيل مجتمعاً وأصل المرتفق المتكأ وإنما جاء كذلك لمشاكلة قوله وحسنت مرتفقاً وإلا فلا ارتفاق لأهل النار ولا متكأ.
ابو السعود
تفسير : {قُلِ ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُواْ} أي بالزمان الذي لبثوا فيه. {لَهُ غَيْبُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْض} أي ما غاب فيهما وخفيَ من أحوال أهلِهما، واللامُ للاختصاص العلميِّ دون التكوينيِّ فإنه غيرُ مختص بالغيب {أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ} دلّ بصيغة التعجبِ على أن شأنَ علمِه سبحانه بالمبصَرات والمسموعاتِ خارجٌ عما عليه إدراكُ المدرِكين لا يحجُبه شيءٌ ولا يحول دونه حائلٌ ولا يتفاوت بالنسبة إليه اللطيفُ والكثيفُ والصغيرُ والكبـيرُ والخفيُّ والجليُّ، والهاءُ ضميرُ الجلالة، ومحلُّه الرفعُ على الفاعلية والباء مَزيدةٌ عند سيبويهِ وكان أصله أبصَرَ أي صار ذا بَصَر، ثم نقل إلى صيغة الأمرِ للإنشاء فبرز الضميرُ لعدم لياقةِ الضيغة له أو لزيادة الباء كما في كفى به، والنصبُ على المفعولية عند الأخفشِ والفاعلُ ضميرُ المأمورِ وهو كلُّ أحد، والباءُ مزيدة إن كانت الهمزةُ للتعدية، ومتعدّية إن كانت للصيرورة، ولعل تقديمَ أمرِ إبصارِه تعالى لما أن الذي نحن بصدده من قبـيل المبصَرات {مَّا لَهُم} لأهل السمواتِ والأرض {مِن دُونِهِ} تعالى {مِن وَلِىّ} يتولى أمورَهم وينصُرهم استقلالاً {وَلاَ يُشْرِكُ فِى حُكْمِهِ} في قضائه أو في علم الغيب {أَحَدًا} منهم ولا يُجعل له فيه مدخلاً وهو كما ترى أبلغُ في نفي الشريكِ من أن يقال: من ولي ولا شريكٍ، وقرىء على صيغة نهي الحاضرِ على أن الخطابَ لكل أحدٍ. ولما دل انتظامُ القرآنِ الكريم لقصة أصحابِ الكهف من حيث إنهم بالنسبة إلى النبـي صلى الله عليه وسلم من المغيبات على أنه وحيٌ معجزٌ أمره عليه السلام بالمداومة على دراسته فقال: {وَٱتْلُ مَا أُوْحِىَ إِلَيْكَ مِن كِتَـٰبِ رَبّكَ} ولا تسمَعْ لقولهم: ائتِ بقرآن غيرِ هذا أو بدِّلْه {لاَ مُبَدّلَ لِكَلِمَـٰتِهِ} لا قادرَ على تبديله وتغيـيره غيرُه {وَلَن تَجِدَ} أبدَ الدهر وإن بالغتَ في الطلب {مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا} ملجأً تعدل إليه عند إلمام مُلِمّة. {وَٱصْبِرْ نَفْسَكَ} احبِسها وثبِّتها مصاحِبةً {مَعَ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِٱلْغَدَاةِ وَٱلْعَشِىّ} أي دائبـين على الدعاء في جميع الأوقاتِ، وقيل: في طرفي النهار، وقرىء بالغُدوة على أن إدخال اللام عليها وهي علمٌ في الأغلب على تأويل التنكيرِ بهم، والمرادُ بهم فقراءُ المؤمنين مثلُ صُهيبٍ وعمارٍ وخبابٍ ونحوِهم رضي الله عنهم، وقيل: أصحابُ الصُّفَّة وكانوا نحو سبعِمائة رجل، قيل: إنه قال قومٌ من رؤساء الكفرة لرسول الله صلى الله عليه وسلم: نحِّ هؤلاء المواليَ الذين كأن ريحَهم ريحُ الضأن حتى نجالسَك كما قال قومُ نوحٍ عليه السلام: {أَنُؤْمِنُ لَكَ وَٱتَّبَعَكَ ٱلأَرْذَلُونَ} فنزلت. والتعبـيرُ عنهم بالموصول لتعليل الأمر بما في حيز الصلة من الخَصلة الداعيةِ إلى إدامة الصحبة {يُرِيدُونَ} بدعائهم ذلك {وَجْهَهُ} حالٌ من المستكنِّ في يدْعون أي مريدين لرضاه تعالى وطاعته. {وَلاَ تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ} أي لا يجاوِزْهم نظرُك إلى غيرهم، مِن عدَاه أي جاوزه، واستعمالُه بعن لتضمينه معنى النبوِّ أو لا تصرِفْ عيناك النظرَ عنهم إلى غيرهم، من عدَوتُه عن الأمر أي صرفتُه عنه على أن المفعولَ محذوفٌ لظهوره، وقرىء ولا تُعْدِ عينيك من الإعداء والتعدية، والمرادُ نهيُه عليه السلام عن الازدراء بهم لرثاثة زِيِّهم طموحاً إلى زِيّ الأغنياء {تُرِيدُ زِينَةَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا} أي تطلب مجالسةَ الأشراف والأغنياءِ وأصحابِ الدنيا، وهي حالٌ من الكاف على الوجه الأولِ من القراءة المشهورة ومن الفاعل على الوجه الثاني منها، وضمير تريد للعينين وإسنادُ الإرادةِ إليه مجازٌ وتوحيدُه للتلازم كما في قوله: [الهزج] شعر : لمن زُحْلوفةٌ زُل بها العينان تنهلُّ تفسير : ومن المستكنّ في الفعل على القراءتين الأخيرتين {وَلاَ تُطِعِ} في تنحية الفقراءِ عن مجالسك {مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ} أي جعلناه غافلاً لبطلان استعدادِه للذكر بالمرة أو وجدناه غافلاً، كقولك: أجبَنْتُه وأبخلتُه إذا وجدتُه كذلك أو هو مِنْ أَغفلَ إبِلَه أي لم نسمِّه بالذكر {عَن ذِكْرِنَا} كأولئك الذين يدعونك إلى طرد الفقراءِ عن مجلسك فإنهم غافلون عن ذكرنا على خلاف ما عليه المؤمنون من الدعاء في مجامع الأوقاتِ، وفيه تنبـيهٌ على أن الباعثَ له على ذلك الدعاءِ غفلةُ قلبه عن جناب الله سبحانه وجهته وانهماكُه في الحسيات حتى خفيَ عليه أن الشرفَ بحِلْية النفس لا بزينة الجسد، وقرىء أغفلَنا قلبُه، على إسناد الفعل إلى القلب أي حسِبَنا غافلين عن ذكرنا إياه بالمؤاخذة، من أغفلتُه إذا وجدتُه غافلاً {وَٱتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا} ضيَاعاً وهلاكاً أو متقدماً للحق والصواب نابذاً له وراءَ ظهره، من قولهم: فرسٌ فرُطٌ أي متقدِّمٌ للخيل أو هو بمعنى الإفراط والتفريطِ فإن الغفلةَ عن ذكره سبحانه تؤدّي إلى اتباع الهوىٰ المؤدِّي إلى التجاوز والتباعُدِ عن الحق والصواب، والتعبـيرُ عنهم بالموصول للإيذان بعلية ما في حيز الصلة للنهي عن الإطاعة.
القشيري
تفسير : مَنْ لم يعد أيامَه لاشتغاله بالله أحصى اللَّهُ أنفاسَه التي الله، قال تعالى: {أية : وَأَحْصَىٰ كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً}تفسير : [الجن: 28].
اسماعيل حقي
تفسير : {قل الله اعلم بما لبثوا} قال البغوى ان الامر فى مدة لبثهم كما ذكرنا فان نازعوك فيها فاجبهم و{قل الله اعلم بما لبثوا} اى بالزمان الذى لبثوا فيه لان علم الخفيات مختص به ولذلك قال {له} خاصة {غيب السموات والارض} اى ما غاب عن اهل الارض {ابصر به}[جه بيناست خداى تعالى بهر موجودى] {واسمع} [وجه سنواست بهر مسموعى]. قال الشيخ فى تفسيره الضمير فى به لله محله رفع لكونه فاعلا لفعل التعجب والباء زائدة والهمزة فى الفعلين للصيرورة اصله بصر الله وسمع ثم غير الى لفظ الامر وليس بامر اذلا معنى للامر هنا ومعناه ما ابصر الله بكل موجود وما اسمعه لكل مسموع وصيغة التعجب ليست على حقيقتها لاستحالته على الله بل للدلالة على ان شأن علمه بالمبصرات والمسموعات خارج عما عليه ادراك المدركين لا يحجبه شئ ولا يحول دونه حائل ولا يتفاوت بالنسبة اليه اللطيف والكثيف والصغير والكبير والخفى والجلى ولعل تقديم امر ابصاره تعالى لما ان الذى نحن بصدده من قبيل المبصرات. قال فى التأويلات النجمية {ابصر به واسمع} اى هو البصير بكل موجود وهو السميع بكل مسموع فبه ابصر وبه اسمع انتهى. قال القيصرى رحمه الله سمعه تعالى عباره عن تجليه بعلمه المتعلق بحقيقة الكلام الذاتى فى مقام جمع الجمع والاعيانى فى مقام الجمع والتفصيل ظاهرا وباطنا لا بطريق الشهود وبصره عبارة عن تجليه وتعلق علمه بالحقائق على طريق الشهود وكلامه عبارة عن التجلى الحاصل من تعلق الارادة والقدرة لاظهار ما فى الغيب وايجاده قال تعالى {حديث : انما امره اذا اراد شيئا}تفسير : الآية {ما لهم} اى لاهل السموات والارض {من دونه} تعالى {من ولى} يتولى امرهم وينصرهم استقلالا ومن الاولى متعلقة بولى على الحال والثانية للاستغراق كأنه قيل مالهم من دونه ولى ما {ولا يشرك فى حكمه احدا} اى لا يجعل الله تعالى احدا من الموجودات العلوية والسفلية شريكا لذاته العالية فى قضائه الازلى الا الابد لعزته وغناه. قال الامام المعنى انه تعالى لما حكى ان لبثهم هو هذا المقدار فليس لاحد ان يقول بخلافه انتهى. قال بعض الكبار هذه الامور المدبرة المنزلة بين السموات والارض الجارية الحادئة فى الواقع الظاهرة على ايدى مظاهرها واسبابها فى الخارج فى الليل والنهار هى الامور المحكمة المحفوظة من تبديل غير الحق تعالى وتغييره لانها المقادير التى قدرها ودبرها واحكم صنعها ولا قدرة لاحد غيره على محو ما اثبته واثبات ما محاه {أية : يمحو الله ما يشاء ويثبت}تفسير : وليس لغيره كائنا من كان غير التسليم والرضى اذ ليس بشريك له تعالى فى حكمه وفى الحديث القدسى "حديث : قدرت المقادير ودبرت التدبير واحكمت الصنع فمن رضى فله الرضى منى حتى يلقانى ومن سخط فله السخط منى حتى يلقانى"تفسير : : قال الحافظ شعر : رضا بداده بده وزجبين كره بكشاى كه برمن وتو در اختيار نكشادست تفسير : وقال شعر : در دائره قسمت ما نطقه تسليميم لطف آنجه توانديشى حكم انجه توفرمايى تفسير : يعنى ليس للعبد اعتراض على المولى فى حكمه وامره وانما له التسليم والرضى وترك التدبير كما قال بعض الكبار عن لسان الحق تعالى يا مهموما بنفسه كنت من كنت لو القيتها الينا واسقطت تدبيرها وتركت تدبيرك لها واكتفيت بتدبيرنا لها من غير منازعة فى تدبيرنا لها لاسترحت جعلنا الله واياكم هكذا بفضله وهذا مقال عال لم يصل اليه الا افراد الرجال الذين رفعوا منازعة النفس من البين ومشوا بالتسليم والرضى فى كل اين يا رجل اين هم فى هذا الزمان وكيف تبين حالهم للانسان فاجتهد لعلك تظفر بواحد منهم حتى تكون ممن رضى الله عنهم
الالوسي
تفسير : قال في «الكشف»: فعلى هذا قوله تعالى: {قُلِ ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُواْ} تقرير لكون المدة المضروب فيها على آذانهم هي هذه المدة كأنه قيل قل الله أعلم بما لبثوا وقد أعلم فهو الحق الصحيح الذي لا يحوم حوله شك قط، وفائدة تأخير البيان التنبيه على أنهم تنازعوا في ذلك أيضاً لذكره عقيب اختلافهم في عدة أشخاصهم وليكون التذييل بقل الله أعلم محاكياً للتذييل بقوله سبحانه: {أية : قُل رَّبّى أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِم} تفسير : [الكهف: 22] وللدلالة على أنه من الغيب الذي أخبر به عليه الصلاة والسلام ليكون معجزاً له، / ولو قيل: فضربنا على آذانهم سنين عدداً وأتى به مبيناً أولاً لم يكن فيه هذه الدلالة البتة، فهذه عدة فوائد والأصل الأخيرة انتهى. ويحتاج على هذا إلى بيان وجه العدول عن المتبادر وهو ثلثمائة وتسع سنين مع أنه أخصر وأظهر فقيل هو الإشارة إلى أنها ثلثمائة بحساب أهل الكتاب واعتبار السنة الشمسية وثلثمائة وتسع بحساب العرب واعتبار السنة القمرية فالتسع مقدار التفاوت، وقد نقله بعضهم عن علي كرم الله تعالى وجهه. واعترض بأن دلالة اللفظ على ما ذكر غير ظاهرة مع أنه لا يوافق ما عليه الحساب والمنجمون كما قاله الإمام لأن السنة الشمسية ثلثمائة وخمس وستون يوماً وخمس ساعات وتسع وأربعون دقيقة على مقتضى الرصد إلايلخاني والسنة القمرية ثلثمائة وأربعة وخمسون يوماً وثمان ساعات وثمان وأربعون دقيقة فيكون التفاوت بينهما عشرة أيام وإحدى وعشرين ساعة ودقيقة واحدة وإذا كان هذا تفاوت سنة كان تفاوت مائة ألف يوم وسبعة وثمانين يوماً وثلاثة عشرة ساعة وأربع دقائق وهي ثلاثة سنين وأربعة وعشرون يوماً وإحدى عشرة ساعة وست عشرة دقيقة فيكون تفاوت ثلثمائة سنة تسع سنين وثلاثاً وسبعين يوماً وتسع ساعات وثمانياً وأربعين دقيقة ولذا قيل إن روايته عن علي كرم الله تعالى وجهه لم تثبت. وبحث فيه الخفاجي بأن وجه الدلالة فيه ظاهر لأن المعنى لبثوا ثلثمائة سنة على حساب أهل الكتاب الذين علموا قومك السؤال عن شأنهم وتسعاً زائدة على حساب قومك الذين سألوك عن ذلك، والعدول عن الظاهر يشعر به، ودعوى أن التفاوت تسع سنين مبنية على التقريب لأن الزائد لم يبلغ نصف سنة بل ولا فصلاً من فصولها فلم يعبأ به، وكون التفاوت تسعاً تقريباً جار على سائر الأقوال في مقدار السنة الشمسية والسنة القمرية إذ التفاوت في سائرها لا يكاد يبلغ ربعاً فضلاً عن نصف. وقال الطيبـي في توجيه العدول: إنه يمكن أن يقال: لعلهم لما استكملوا ثلثمائة سنة قربوا من الانتباه ثم اتفق ما أوجب بقاءهم نائمين تسع سنين. وتعقب بأن هذا يقتضي أن يكون المراد وازدادوا نوماً أي قوي نومهم في تسع سنين ولا يخفى ما فيه. وقال أيضاً: يجوز أن يكون أهل الكتاب قد اختلفوا في مدة لبثهم كما اختلفوا في عدتهم فجاء قوله تعالى: {أية : وَلَبِثُواْ} تفسير : [الكهف: 25] الخ رافعاً للاختلاف مبيناً للحق؛ ويكون {أية : وَٱزْدَادُواْ تِسْعًا} تفسير : [الكهف: 25] تقريراً ودفعاً للاحتمال نظير الإستثناء في قوله تعالى: {أية : فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلاَّ خَمْسِينَ عَاماً } تفسير : [العنكبوت: 14] وسيجيء بيانه إن شاء الله تعالى ولا يخلو عن حسن. وقيل إنهم انتبهوا قليلاً ثم ردوا إلى حالتهم الأولى فلذا ذكر الازدياد وهو الذي يتقضيه ما أخرجه ابن أبـي حاتم عن قتادة المار في قوله تعالى: {أية : وَنُقَلّبُهُمْ}تفسير : [الكهف: 18] الخ وهو فيما أرى أقرب مما تقدم من حديث السنين الشمسية والقمرية. وقال جمع: إن الجملة من كلام أهل الكتاب فهي من مقول {أية : سَيَقُولُونَ} تفسير : [الكهف: 22] السابق وما بينهما اعتراض ونسب ذلك إلى ابن عباس، فقد أخرج ابن أبـي حاتم وابن مردويه عنه رضي الله تعالى عنه أنه قال: إن الرجل ليفسر الآية يرى أنها كذلك فيهوي أبعد ما بين السماء والأرض ثم تلا {أية : وَلَبِثُواْ فِى كَهْفِهِمْ}تفسير : [الكهف: 25] الآية ثم قال: كم لبث القوم؟ قالوا: ثلثمائة وتسع سنين فقال: لو كانوا لبثوا كذلك لم يقل الله تعالى: {قُلِ ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُواْ} ولكنه سبحانه حكى مقالة القوم فقال تعالى: {أية : سَيَقُولُونَ ثَلَـٰثَةٌ}تفسير : [الكهف: 22] إلى قوله تعالى: {أية : رَجْماً بِٱلْغَيْبِ} تفسير : [الكهف: 22] فأخبر أنهم لا يعلمون وقال: سيقولون لبثوا في كهفهم ثلثمائة سنين وازدادوا تسعاً ولعل هذا لا يصح عن الحبر رضي الله تعالى عنه فقد صح عنه القول بأن عدة / أصحاب الكهف سبعة وثامنهم كلبهم مع أنه تعالى عقب القول بذلك بقوله سبحانه: {أية : قُل رَّبّى أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِم} تفسير : [الكهف: 22] ولا فرق بينه وبين قوله تعالى: {قُلِ ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُواْ} فلم دل هذا على الرد ولم يدل ذاك. نعم قرأ ابن مسعود {قالوا لبثوا في كهفهم} وهو يقتضي أن يكون من كلام الخائضين في شأنهم إلا أن التعقيب بقوله تعالى: {قُلِ ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُواْ} كتعقيب القول الثالث في العدة بما سمعت في عدم الدلالة على الرد. والظاهر أن ضمير {أية : وَٱزْدَادُواْ} تفسير : [الكهف: 25] على هذا القول لأصحاب الكهف كما أنه كذلك على القول السابق. وقال الخفاجي: إن الضمير عليه لأهل الكتاب بخلافه على الأول، ويظهر فيه وجه العدول عن ثلثمائة وتسع سنين لأن بعضهم قال: لبثوا ثلثمائة وبعضهم قال: إنه أزيد بتسعة اهـ. ولا يخفى ما فيه، وعلى القولين الظاهر أن {بِمَا لَبِثُواْ} إشارة إلى المدة السابق ذكرها، وزعم بعضهم أنه إشارة إلى المدة التي بعد الاطلاع عليهم إلى زمن الرسول صلى الله عليه وسلم وهو كما ترى، وقيل إنه تعالى لما قال: {أية : وَٱزْدَادُواْ تِسْعًا} تفسير : [الكهف: 25] كانت التسع مبهمة لا يدري أنها سنون أم شهور أم أيام أم ساعات واختلف في ذلك بنو إسرائيل فأمر صلى الله عليه وسلم برد العلم إليه عز وجل في التسع فقط اهـ وليس بشيء فإنه إذا سبق عدد مفسر وعطف عليه ما لم يفسر حمل تفسيره على السابق فعندي مائة درهم وعشرة ظاهر في وعشرة دراهم وليس بمجمل كما لا يخفى. هذا ونصب {أية : تِسْعًا}تفسير : [الكهف: 25] على أنه مفعول {أية : ٱزْدَادُواْ}تفسير : [الكهف: 25] وهو مما يتعدى إلى واحد، وقال أبو البقاء: إن زاد يتعدى إلى اثنين وإذا بني على افتعل تعدى إلى واحد، وظاهر كلام الراغب وغيره أن زاد قد تتعدى إلى واحد يقال: زدته كذا فزاد هو وازداد كذا، ووجه ذلك ظاهر فلا تغفل. والجمهور على أن {أية : سِنِينَ} تفسير : [الكهف: 25] في القراءة بتنوين {أية : مِاْئَةٍ} تفسير : [الكهف: 25] منصوب لكن اختلفوا في توجيه ذلك فقال أبو البقاء وابن الحاجب: هو منصوب على البدلية من {أية : ثلثمائة} تفسير : [الكهف: 25]. وقال الزمخشري: على أنه عطف بيان لثلثمائة، وتعقبه في «البحر» بأنه لا يجوز على مذهب البصريين. وادعى بعضهم أنه أولى من البدلية لأنها تستلزم أن لا يكون العدد مقصوداً، ويؤيده ما أخرجه ابن أبـي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبـي حاتم عن الضحاك قال: لما نزلت هذه الآية {أية : وَلَبِثُواْ فِى كَهْفِهِمْ ثلثمائة} تفسير : [الكهف: 25] قيل يا رسول الله أياماً أم أشهراً أم سنين؟ فأنزل الله تعالى {أية : سنين} تفسير : [الكهف: 25]. وجوز ابن عطية الوجهين، وقيل: على التمييز، وتعقب بأنه يلزم عليه الشذوذ من وجهين، وستعلم وجهه قريباً إن شاء الله تعالى، وبما نقل في «المفصل» عن الزجاج أنه يلزم أن يكونوا لبثوا تسعمائة سنة، قال ابن الحاجب: ووجهه أنه فهم من لغتهم أن مميز المائة واحد من مائة كما إذا قلت مائة رجل فرجل واحد من المائة فلو كان {سِنِينَ} تمييزاً لكان واحداً من ثلثمائة وأقل السنين ثلاثة فكان كأنه قيل ثلثمائة ثلاث سنين فيكون تسعمائة سنة. ويرد بأن ما ذكر مخصوص بما إذا كان التمييز مفرداً وأما إذا كان جمعاً فالقصد فيه كالقصد في وقوع التمييز جمعاً في نحو ثلاثة أثواب مع أن الأصل في الجميع الجمع، وإنما عدلوا إلى المفرد لعلة كما بين في محله فإذا استعمل التمييز جمعاً استعمل على الأصل، وما قال إنما يلزم لو كان ما استعمل جمعاً استعمل كما استعمل المفرد فأما إذا استعمل الجمع على أصله في ما وضع له العدد فلا انتهى. وقد صرح الخفاجي أن ذلك كتقابل الجمع بالجمع، وجوز الزجاج كون {أية : سِنِينَ} تفسير : [الكهف: 25] مجروراً على أنه نعت {مِاْئَةٍ} وهو راجع في المعنى إلى جملة العدد كما في قول عنترةشعر : / فيها اثنتان وأربعون حلوبة سوداً كخافية الغراب الأسحم تفسير : حيث جعل سوداً نعتاً لحلوبة وهي في المعنى نعت لجملة العدد، وقال أبو علي: لا يمتنع أن يكون الشاعر اعتبر حلوبة جمعاً وجعل سوداً وصفاً لها وإذا كان المراد به الجمع فلا يمتنع أن يقع تفسيراً لهذا الضرب من العدد من حيث كان على لفظ الآحاد كما يقال عشرون نفراً وثلاثون قبيلاً. وقرأ حمزة والكسائي وطلحة ويحيـى والأعمش والحسن وابن أبـي ليلى وخلف وابن سعدان وابن عيسى الأصبهاني وابن جبير الأنطاكي {ثلثمائة سنين} بإضافة مائة إلى سنين وما نقل عن الزجاج يرد هنا أيضاً ويرد بما رد به هناك، ولا وجه لتخصيص الإيراد بنصب {سِنِينَ} على التمييز فإن منشأ اللزوم على فرض تسليمه كونه تمييزاً وهو متحقق إذا جر أيضاً وجر تمييز المائة بالإضافة أحد الأمرين المشهورين فيه استعمالاً، وثانيهما كونه مفرداً ولكون الإفراد مشهوراً في الاستعمال أطلق عليه الأصل فهو أصل بحسب الاستعمال، ولا ينافي هذا قول ابن الحاجب: إن الأصل في التمييز مطلقاً الجمع كما سمعت آنفاً لأنه أراد أنه الأصل المرفوض قياساً نظراً إلى أن المائة جمع كثلاثة وأربعة ونحوهما كذا في «الكشف»، وقد يخرج عن الاستعمال المشهور فيأتي مفرداً منصوباً كما في قوله:شعر : إذا عاش الفتى مائتين عاماً فقد ذهب اللذاذة والفتاء تفسير : وقد يأتي جمعاً مجروراً بالإضافة كما في الآية على قراءة الكسائي وحمزة ومن معهما لكن قالوا: إن الجمع المذكور فيها قد أجري مجرى العاري عن علامة الجمع لما أن العلامة فيه ليست متمحضة للجمعية لأنها كالعوض عن لام مفرده المحذوفة حتى أن قوماً لا يعربونه بالحروف بل يجرونه مجرى حين، ولم أجد فيما عندي من كتب العربية شاهداً من كلام العرب لإضافة المائة إلى جمع، وأكثر النحويين يوردون الآية على قراءة حمزة والكسائي شاهداً لذلك وكفى بكلام الله تعالى شاهداً. وقرأ أبـي {ثلثمائة سنة} بالإضافة والإفراد كما هو الاستعمال الشائع وكذا في مصحف ابن مسعود، وقرأ الضحاك {ثلثمائة سنون} بالتنوين ورفع سنون على أنه خبر مبتدأ محذوف أي هي سنون، وقرأ الحسن وأبو عمرو في رواية اللؤلؤي عنه {تسعاً} بفتح التاء وهو لغة فيه فاعلم والله تعالى أعلم. {لَهُ غَيْبُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ} أي جميع ما غاب فيهما وخفي من أحوال أهلهما فالغيب مصدر بمعنى الغائب والخفي جعل عينه للمبالغة واللام للاختصاص العلمي أي له تعالى ذلك علماً ويلزم منه ثبوت علمه سبحانه بسائر المخلوقات لأن من علم الخفي علم غيره بالطريق الأولى. {أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ} صيغتا تعجب والهاء ضميره تعالى، والكلام مندرج تحت القول فليس التعجب منه سبحانه ليقال ليس المراد منه حقيقته لاستحالته عليه تعالى بل المراد أن ذلك أمر عظيم من شأنه أن يتعجب منه كما قيل ولا يمتنع صدور التعجب من بعض صفاته سبحانه وأفعاله عز وجل حقيقة من غيره تعالى. وفي الحديث حديث : ما أحلمك عمن عصاك وأقربك ممن دعاك وأعطفك على من سألكتفسير : ، ولهم في هذه المسألة كلام طويل فليرجع إليه من أراده؛ ولابن هشام «رسالة» في ذلك. وأياً ما كان ففيه إشارة إلى أن شأن بصره تعالى وسمعه عز وجل وهما صفتان غير راجعتين إلى صفة العلم خارج عما عليه بصر المبصرين وسمع السامعين فإن اللطيف والكثيف والصغير والكبير والجلي والخفي والسر والعلن على حد سواء في عدم الاحتجاب عن بصره وسمعه تبارك وتعالى بل من الناس من قال: إن المعدوم والموجود في ذلك سواء وهو مبني على شيئية المعدوم / والخلاف في ذلك معلوم ولعل تقديم ما يدل على عظم شأن بصره عز وجل لما أن ما نحن بصدده من قبيل المبصرات والأصل أبصر وأسمع والهمزة للصيرورة لا للتعدية أي صار ذا بصر وصار ذا سمع ولا يقتضي ذلك عدم تحققهما له تعالى تعالى عن ذلك علواً كبيراً، وفيهما ضمير مستتر عائد عليه سبحانه ثم حولا إلى صيغة الأمر وبرز الضمير الفاعل لعدم لياقة صيغة الأمر لتحمل ضمير الغائب وجر بالباء الزائدة فكان له محلان الجر لمكان الباء والرفع لمكان كونه فاعلاً، ولكونه صار فضلة صورة أعطي حكمها فصح حذفه من الجملة الثانية مع كونه فاعلاً والفاعل لا يجوز حذفه عندهم، ولا تكاد تحذف هذه الباء في هذا الموضع إلا إذا كان المتعجب منه أن وصلتها نحو أحسن أن تقول، وهذا الفعل لكونه ماضياً معنى قيل إنه مبني على فتح مقدر منع من ظهوره مجيئه على صورة الأمر وهذا مذهب س في هذا التركيب. قال الرضي: وضعف ذلك بأن الأمر بمعنى الماضي مما لم يعهد بل جاء الماضي بمعنى الأمر كما في حديث«حديث : اتقى الله امرؤ فعل خيراً يثب عليه»تفسير : ، وبأن صار ذا كذا قليل ولو كان ما ذكر منه لجاز ألحم بزيد وأشحم بزيد، وبأن زيادة الباء في الفاعل قليل والمطرد زيادتها في المفعول. وتعقب بأن كون الأمر بمعنى الماضي مما لم يعهد غير مسلم ألا ترى أن كفى به بمعنى اكتف به عند الزجاج وقصد بهذا النقل الدلالة على أنه قصد به معنى إنشائي وهو التعجب، ولم يقصد ذلك من الماضي لأن الإنشاء أنسب بصيغة الأمر منه لأنه خبر في الأكثر، وبأن كثرة أفعل بمعنى صار ذا كذا لا تخفى على المتتبع، وجواز ألحم بزيد على معنى التعجب لازم ولا محذور فيه وعلى معنى آخر غير لازم. نعم ما ذكر من قلة زيادة الباء في الفاعل مما لا كلام فيه، والإنصاف أن مذهب س في هذه المسألة لا يخلو عن تعسف. ومذهب الأخفش وعزاه الرضي إلى الفراء أن أفعل في نحو هذا التركيب أمر لفظاً ومعنى فإذا قلت أحسن بزيد فقد أمرت كل واحد بأن يجعل زيداً حسناً ومعنى جعله كذلك وصفه به فكأنك قلت صفه بالحسن كيف شئت فإن فيه منه كل ما يمكن أن يكون في شخص كما قال الشاعر:شعر : لقد وجدت مكان القول ذا سعة فإن وجدت لساناً قائلاً فقل تفسير : وهذا المعنى مناسب للتعجب بخلاف تقدير س، وأيضاً همزة الجعل أكثر من همزة صار ذا كذا وإن لم يكن شيء منهما على ما قال الرضي قياساً مطرداً، واعتبر الفاعل ضمير المأمور وهو كل أحد لأن المراد أنه لظهور الأمر يؤمر كل أحد لا على التعيين بوصفه بما ذكر، ولم يتصرف في أفعل على هذا المذهب فيسند إلى مثنى أو مجموع أو مؤنث لما ذكروا من علة كون فعل التعجب غير متصرف وهي مشابهته الحروف في الإنشاء وكون كل لفظ من ألفاظه صار علماً لمعنى من المعاني، وإن كان هناك جملة فالقياس أن لا يتصرف فيه احتياطاً لتحصيل الفهم كأسماء الأعلام فلذا لم يتصرف في نعم وبئس في الأمثال، وسهل ذلك هنا انمحاء معنى الأمر فيه كما انمحى معنى الجعل وصار لمحض إنشاء التعجب ولم يبق فيه معنى الخطاب، والباء زائدة في المفعول، وأجاز الزجاج أن تكون الهمزة للصيرورة فتكون الباء للتعدية أي صيره ذا حسن، ثم إنه اعتذر لبقاء أحسن في الأحوال على صورة واحدة لكون الخطاب لمصدر الفعل أي يا حسن أحسن بزيد وفيه تكلف وسماجة. / وأيضاً نحن نقول أحسن بزيد يا عمرو ولا يخاطب شيئان في حالة إلا أن يقول: معنى خطاب الحسن قد انمحى، وثمرة الخلاف بين س وغيره تظهر فيما إذا اضطر إلى حذف الباء فعلى مذهب س يلزم رفع مجروره وعلى غيره يلزم نصبه. هذا وقال ابن عطية: يحتمل أن يكون معنى الآية: أبصر بدين الله تعالى وأسمع به أي بصر بهدى الله تعالى وسمع به فترجع الهاء إما على الهدى وإما على الاسم الجليل ونقل ذلك عن ابن الأنباري وليس بشيء. وقرأ عيسى {أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ} بصيغة الماضي فيهما وخرج ذلك أبو حيان على أن المراد الإخبار لا التعجب، والضمير المجرور لله تعالى أي أبصر عباده بمعرفته سبحانه وأسمعهم، وجوز أن يكون {أَبْصِرْ} أفعل تفضيل وكذا {أَسْمِعْ} وهو منصوب على الحالية من ضمير (له) وضمير {بِهِ} عائد على الغيب وليس المراد حقيقة التفضيل بل عظم شأن بصره تعالى وسمعه عز وجل، ولعل هذا أقرب مما ذكره أبو حيان. وحاصل المعنى عليه أنه جل شأنه يعلم غيب السمٰوات والأرض بصيراً به وسميعاً على أتم وجه وأعظمه. {مَا لَهُم} أي لأهل السمٰوات والأرض المدلول عليه بذكرهما {مِن دُونِهِ} تعالى {مِن وَلِىّ} من يتولى أمورهم {وَلاَ يُشْرِكُ فِى حُكْمِهِ} في قضائه تعالى {أَحَدًا} كائناً من كان ولا يجعل له فيه مدخلاً، وقيل يحتمل أن يعود الضمير لأصحاب الكهف وإضافة حكم للعهد على معنى ما لهم من يتولى أمرهم ويحفظهم غيره سبحانه ولا يشرك في حكمه الذي ظهر فيهم أحداً من الخلق. وجوز ابن عطية أن يعود على معاصري رسول الله صلى الله عليه وسلم من الكفار المشاقين له عليه الصلاة والسلام وجعل الآية اعتراضاً بتهديد، وقيل يحتمل أن يعود على معنى مؤمني أهل السمٰوات والأرض. والمراد أنهم لن يتخذوا من دونه تعالى ولياً، وقيل: يعود على المختلفين في مدة لبث أصحاب الكهف أي لا يتولى أمرهم غير الله تعالى فهم لا يقدرون بغير إقداره سبحانه فكيف يعلمون بغير إعلامه عز وجل والكل كما ترى. ثم لا يخفى عليك أن ما في النظم الكريم أبلغ في نفي الشريك من أن يقال من ولي ولا شريك. وقرأ مجاهد {وَلاَ يُشْرِكْ} بالياء آخر الحروف والجزم، قال يعقوب: لا أعرف وجه ذلك، ووجهه بعضهم بأنه سكن بنية الوقف. وقرأ ابن عامر والحسن وأبو رجاء وقتادة والجحدري وأبو حيوة وزيد وحميد بن الوزير عن يعقوب والجعفي واللؤلؤي عن أبـي بكر {ولا تشرك} بالتاء ثالث الحروف والجزم على أنه نهي لكل أحد عن الشرك لا نهي له صلى الله عليه وسلم ولو جعل له عليه الصلاة والسلام لجعل تعريضاً بغيره كقوله:شعر : إياك أعني واسمعي يا جاره تفسير : فيكون مآله إلى ذلك. وجوز أن يكون الخطاب له صلى الله عليه وسلم ويجعل معطوفاً على {أية : لا تَقْولَنَّ} تفسير : [الكهف: 23] والمعنى لا تسأل أحداً عما لا تعرفه من قصة أصحاب الكهف ولبثهم واقتصر على ما يأتيك في ذلك من الوحي أو لا تسأل أحداً عما أخبرك الله تعالى به من نبأ مدة لبثهم واقتصر على بيانه سبحانه ولا يخفى ما فيه من كثرة مخالفة الظاهر وإن كان أشد مناسبة لقوله تعالى:
ابن عاشور
تفسير : إن كان قوله تعالى: { أية : ولبثوا في كهفهم } تفسير : [الكهف: 25] إخباراً مِن الله عن مدة لبثهم يكون قوله: {قل الله أعلم بما لبثوا} قطعاً للمماراة في مدة لبثهم المختلف فيها بين أهل الكتاب، أي الله أعلم منكم بمدة لبثهم. وإن كان قوله: {ولبثوا} حكاية عن قول أهل الكتاب في مدة لبثهم كان قوله: {قل الله أعلم بما لبثوا} تفويضاً إلى الله في علم ذلك كقوله: { أية : قل ربي أعلم بعدتهم } تفسير : [الكهف: 22]. وغيبُ السماوات والأرض ما غاب عِلمه عن الناس من موجودات السماوات والأرض وأحوالهم. واللام في له} للملك. وتقديم الخبر المجرور لإفادة الاختصاص، أي لله لا لغيره، رداً على الذين يزعمون علم خبر أهل الكهف ونحوهم. و{أبصر به وأسمع} صيغتا تعجيب من عموم علمه تعالى بالمغيبات من المسموعات والمبصرات، وهو العلم الذي لا يشاركه فيه أحد. وضمير الجمع في قوله: {ما لهم من دونه من ولي} يعود إلى المشركين الذين الحديث معهم. وهو إبطال لولاية آلهتهم بطريقة التنصيص على عموم النفي بدخول (من) الزائدة على النكرة المنفية. وكذلك قوله: {ولا يشرك في حكمه أحداً} هو ردّ على زعمهم بأنّ الله اتخذ آلهتهم شركاء له في ملكه. وقرأ الجمهور {ولا يشرك} برفع {يشرك} وبياء الغيبة. والضمير عائد إلى اسم الجلالة في قوله: {قل الله أعلم}. وقرأه ابن عامر ــــ بتاء الخطاب وجَزْم و {يشرك} ــــ على أن (لا) ناهية. والخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم مراد به أمته، أو الخطاب لكل من يتلقاه. وهنا انتهت قصة أصحاب الكهف بما تخللها، وقد أكثر المفسرون من رواية الأخبار الموضوعة فيها.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {لَهُ غَيْبُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ}. بين تعالى في هذه الآية الكريمة أنه هو المختص بعلم الغيب في السموات والأرض. وذكر هذا المعنى في آيات كثيرة، كقوله: {أية : قُل لاَّ يَعْلَمُ مَن فِي ٱلسَّمَاواتِ وٱلأَرْضِ ٱلْغَيْبَ إِلاَّ ٱللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ}تفسير : [النمل: 65] وقوله تعالى: {أية : عَالِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ ٱلْكَبِيرُ ٱلْمُتَعَالِ}تفسير : [الرعد: 9]، وقوله تعالى: {أية : مَّا كَانَ ٱللَّهُ لِيَذَرَ ٱلْمُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَآ أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ ٱلْخَبِيثَ مِنَ ٱلطَّيِّبِ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى ٱلْغَيْبِ}تفسير : [آل عمران: 179] الآية، وقوله تعالى: {أية : وَللَّهِ غَيْبُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ ٱلأَمْرُ كُلُّهُ}تفسير : [هود: 123] الآية، وقوله تعالى: {أية : وَعِندَهُ مَفَاتِحُ ٱلْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَآ إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ ٱلأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ}تفسير : [الأنعام: 59]، وقوله تعالى: {أية : وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ فِي ٱلسَّمَآءِ وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذٰلِكَ وَلاۤ أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ}تفسير : [يونس: 61]، وقوله تعالى: {أية : عَالِمِ ٱلْغَيْبِ لاَ يَعْزُبَ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ وَلاَ أَكْبَرُ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ}تفسير : [سبأ: 3]، وقوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَخْفَىٰ عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ فِي ٱلسَّمَآءِ}تفسير : [آل عمران: 5]. وبين في مواضع أخر: أنه يطلع من شاء من خلقه على ما شاء من وحيه، كقوله تعالى: {أية : عَالِمُ ٱلْغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَداً إِلاَّ مَنِ ٱرْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ}تفسير : [الجن: 26-27] الآية. وقد أشار إلى ذلك بقوله: {أية : وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى ٱلْغَيْبِ وَلَكِنَّ ٱللَّهَ يَجْتَبِي مِن رُّسُلِهِ مَن يَشَآءُ}تفسير : [آل عمران: 179] إلى غير ذلك من الآيات. قوله تعالى: {أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ}. أي ما أبصره وما أسمعه جل وعلا. وما ذكره في هذه الآية الكريمة من اتصافه جل وعلا بالسمع والبصر، ذكره أيضاً في مواضع أخر، كقوله: {أية : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ}تفسير : [الشورى: 11] وقوله: {أية : قَدْ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوْلَ ٱلَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِيۤ إِلَى ٱللَّهِ وَٱللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمآ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ}تفسير : [المجادلة: 1] وقوله تعالى: {أية : ٱللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ ٱلْمَلاَئِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ ٱلنَّاسِ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ}تفسير : [الحج: 75]. والآيات بذلك كثيرة جداً. قوله تعالى: {مَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ}. ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة - أن أصحاب الكهف ليس لهم ولي من دونه جل وعلا، بل هو وليهم جل وعلا. وهذا المعنى مذكور في آيات أخر، كقوله تعالى: {أية : ٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُمْ مِّنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ}تفسير : [البقرة: 257]، وقوله تعالى: {أية : أَلاۤ إِنَّ أَوْلِيَآءَ ٱللَّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ}تفسير : [يونس: 62] فبين أنه ولي المؤمنين، وأن المؤمنين أولياؤه - والولي: هو من انعقد بينك وبينه سبب يواليك وتواليه به. فالإيمان سبب يوالي به المؤمنين ربهم بالطاعة، ويواليهم به الثواب والنصر والإعانة. وبين في مواضع أخر: أن المؤمنين بعضهم أولياء بعض، كقوله: {أية : إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ}تفسير : [المائدة: 55] الآية، وقوله: {أية : وَٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ}تفسير : [التوبة: 71] الآية. وبين في مواضع أخر: أن نبينا صلى الله عليه وسلم أولى بالمؤمنين من أنفسهم، وهو قوله تعالى: {أية : ٱلنَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ}تفسير : [الأحزاب: 6]. وبين في مواضع أخر: أنه تعالى مولى المؤمنين دون الكافرين، وهو قوله تعالى: {أية : ذَلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ مَوْلَى ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَأَنَّ ٱلْكَافِرِينَ لاَ مَوْلَىٰ لَهُمْ}تفسير : [محمد: 11]، وهذه الولاية المختصة بالمؤمنين هي ولاية الثواب والنصر والتوفيق والإعانة، فلا تنافي أنه مولى الكافرين ولاية ملك وقهر ونفوذ مشيئة، كقوله: {أية : وَرُدُّوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ مَوْلاَهُمُ ٱلْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ}تفسير : [يونس: 30]. وقال بعض العلماء: الضمير في قوله: {مَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ} راجع لأهل السموات والأرض المفهومين من قوله تعالى: {لَهُ غَيْبُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} [الكهف: 26] وقيل: الضمير في قوله "ما لهم" راجع لمعاصري النَّبي صلى الله عليه وسلم من الكفار. ذكره القرطبي. وعلى كل حال فقد دلت الآيات المتقدمة أن ولاية الجميع لخالقهم جل وعلا، وأن منها ولاية ثواب وتوفيق وإعانة، وولاية ملك وقهر ونفوذ مشيئة. والعلم عند الله تعالى. قوله تعالى: {وَلاَ يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً}. قرأ هذا الحرف عامة السبعة ما عدا ابن عامر "ولا يشرك" بالياء المثناة التحتية، وضم الكاف على الخبر، ولا نافية - والمعنى: ولا يشرك الله جل وعلا أحداً في حكمه، بل الحكم له وحده جل وعلا لا حكم لغيره ألبتة، فالحلال ما أحله تعالى، والحرام ما حرمه، والدين ما شرعه. والقضاء ما قضاه. وقرأه ابن عامر من السبعة. "ولا تشرك" بضم التاء المثناة الفوقية وسكون الكاف بصيغة النهي، أي لا تشرك يا نبي الله. أو لا تشرك أيها المخاطب أحداً في حكم الله جل وعلا، بل أخلص الحكم لله من شوائب شرك غيره في الحكم. وحكمه جل وعلا المذكور في قوله: {وَلاَ يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً} شامل لكل ما يقضيه جل وعلا. ويدخل في ذلك التشريع دخولاً أولياً. وما تضمنته هذه الآية الكريمة من كون الحكم لله وحده لا شريك له فيه على كلتا القراءتين جاء مبيناً في آيات أخر. كقوله تعالى: {أية : إِنِ ٱلْحُكْمُ إِلاَّ للَّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ إِيَّاهُ}تفسير : [يوسف: 40] وقوله تعالى: {أية : إِنِ ٱلْحُكْمُ إِلاَّ للَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ}تفسير : [يوسف: 67] الآية، وقوله تعالى: {أية : وَمَا ٱخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى ٱللَّهِ}تفسير : [الشورى: 10] الآية، وقوله تعالى: {أية : ذَلِكُم بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ ٱللَّهُ وَحْدَهُ كَـفَرْتُمْ وَإِن يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُواْ فَٱلْحُكْمُ للَّهِ ٱلْعَلِـيِّ ٱلْكَبِيرِ}تفسير : [غافر: 12]، وقوله تعالى: {أية : كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ لَهُ ٱلْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}تفسير : [القصص: 88]، وقوله تعالى: {أية : لَهُ ٱلْحَمْدُ فِي ٱلأُولَىٰ وَٱلآخِرَةِ وَلَهُ ٱلْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}تفسير : [القصص: 70]، وقوله: {أية : أَفَحُكْمَ ٱلْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ ٱللَّهِ حُكْماً لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ}تفسير : [المائدة: 50]. وقوله تعالى: {أية : أَفَغَيْرَ ٱللَّهِ أَبْتَغِي حَكَماً وَهُوَ ٱلَّذِيۤ أَنَزَلَ إِلَيْكُمُ ٱلْكِتَابَ مُفَصَّلاً}تفسير : [الأنعام: 114]، إلى غير ذلك من الآيات. ويفهم من هذه الآيات كقوله {وَلاَ يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً} أن متبعي أحكام المشرعين غير ما شرعه الله أنهم مشركون بالله. وهذا المفهوم جاء مبيناً في آيات أخر. كقوله فيمن اتبع تشريع الشيطان في إباحة الميتة بدعوى أنها ذبيحة الله: {أية : وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ ٱلشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىۤ أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ }تفسير : [الأنعام: 121] فصرح بأنهم مشركون بطاعتهم. وهذا الإشراك في الطاعة، واتباع التشريع المخالف لما شرعه الله تعالى - هو المراد بعبادة الشيطان في قوله تعالى: {أية : أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يٰبَنِيۤ آدَمَ أَن لاَّ تَعْبُدُواْ ٱلشَّيطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ وَأَنِ ٱعْبُدُونِي هَـٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ}تفسير : [يس: 60-61]، وقوله تعالى عن نبيه إبراهيم: {أية : يٰأَبَتِ لاَ تَعْبُدِ ٱلشَّيْطَانَ إِنَّ ٱلشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَـٰنِ عَصِيّاً}تفسير : [مريم: 44]، وقوله تعالى: {أية : إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ إِنَاثاً وَإِن يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَاناً مَّرِيداً}تفسير : [النساء: 117] أي ما يعبدون إلا شيطاناً، أي وذلك باتباع تشريعه. ولذا سمى الله تعالى الذين يطاعون فيما زينوا من المعاصي شركاء في قوله تعالى: {أية : وَكَذٰلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلاَدِهِمْ شُرَكَآؤُهُمْ}تفسير : [الأنعام: 137] الآية. وقد بين النَّبي صلى الله عليه وسلم هذا لعدي بن حاتم رضي الله عنه لما سأله عن قوله تعالى: {أية : ٱتَّخَذُوۤاْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ ٱللَّهِ}تفسير : [التوبة: 31] الآية - فبين له أنهم أحلوا لهم ما حرم الله، وحرموا عليهم ما أحل الله فاتبعوهم في ذلك، وأن ذلك هو اتخاذهم إياهم أرباباً. ومن أصرح الأدلة في هذا: أن الله جل وعلا في سورة النساء بين أن من يريدون أن يتحاكموا إلى غير ما شرعه الله يتعجب من زعمهم أنهم مؤمنون، وما ذلك إلا لأن دعواهم الإيمان مع إرادة التحاكم إلى الطاغوت بالغة من الكذب ما يحصل منه العجب. وذلك في قوله تعالى: {أية : أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوۤاْ إِلَى ٱلطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوۤاْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ وَيُرِيدُ ٱلشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيداً}تفسير : [النساء: 60]. وبهذه النصوص السماوية التي ذكرنا يظهر غاية الظهور: أن الذين يتبعون القوانين الوضعية التي شرعها الشيطان على ألسنة أوليائه مخالفة لما شرعه الله جل وعلا على ألسنة رسله صلى الله عليهم وسلم، أنه لا يشك في كفرهم وشركهم إلا من طمس الله بصيرته، وأعماه عن نور الوحي مثلهم. تنبيه اعلم أنه يجب التفصيل بين النظام الوضعي الذي يقتضي تحكيمه الكفر بخالق السموات والأرض، وبين النظام الذي لا يقتضي ذلك. وإيضاح ذلك - أن النظام قسمان: إداري، وشرعي. أما الإداري الذي يراد به ضبط الأمور وإتقانها على وجه غير مخالف للشرع، فهذا لا مانع منه، ولا مخالف فيه من الصحابة، فمن بعدهم, وقد عمل عمر رضي الله عنه من ذلك أشياء كثيرة ما كانت في زمن النَّبي صلى الله عليه وسلم. ككتبه أسماء الجند في ديوان لأجل الضبط، ومعرفة من غاب ومن حضر كما قدمنا إيضاح المقصود منه في سورة "بني إسرائيل" في الكلام على العاقلة التي تحمل دية الخطأ، مع أن النَّبي صلى الله عليه وسلم لم يفعل ذلك، ولم يعلم بتخلف كعب بن مالك عن غزوة تبوك إلا بعد أن وصل تبوك صلى الله عليه وسلم. وكاشترائه - أعني عمر رضي الله عنه - دار صفوان بن أمية وجعله إياها سجناً في مكة المكرمة، مع أنه صلى الله عليه وسلم لم يتخذ سجناً هو ولا أبو بكر. فمثل هذا من الأمور الإدارية التي تفعل لإتقان الأمور مما لا يخالف الشرع - لا بأس به. كتنظيم شؤون الموظفين، وتنظيم إدارة الأعمال على وجه لا يخالف الشرع. فهذا النوع من الأنظمة الوضعية لا بأس به، ولا يخرج عن قواعد الشرع من مراعاة المصالح العامة. وأما النظام الشرعي المخالف لتشريع خالق السموات والأرض فتحكيمه كفر بخالق السموات والأرض. كدعوى أن تفضيل الذكر على الأنثى في الميراث ليس بإنصاف، وأنهما يلزم استواؤهما في الميراث. وكدعوى أن تعدد الزوجات ظلم، وأن الطلاق ظلم للمرأة، وأن الرجم والقطع ونحوهما أعمال وحشية لا يسوغ فعلها بالإنسان، ونحو ذلك. فتحكيم هذا النوع من النظام في أنفس المجتمع وأموالهم وأعراضهم وأنسابهم وعقولهم وأديانهم - كفر بخالق السموات والأرض، وتمرد على نظام السماء الذي وضعه من خلق الخلائق كلها وهو أعلم بمصالحها سبحانه وتعالى عن أن يكون معه مشرع آخر علواً كبيراً {أية : أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُواْ لَهُمْ مِّنَ ٱلدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ ٱللَّهُ}تفسير : [الشورى: 21]، {أية : قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ مِّن رِّزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِّنْهُ حَرَاماً وَحَلاَلاً قُلْ ءَآللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى ٱللَّهِ تَفْتَرُونَ}تفسير : [يونس: 59]، {أية : وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ ٱلْكَذِبَ هَـٰذَا حَلاَلٌ وَهَـٰذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُواْ عَلَىٰ ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَىٰ ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ}تفسير : [النحل: 116] وقد قدمنا جملة وافية من هذا النوع في سورة "بني إسرائيل" في الكلام على قوله تعالى: {أية : إِنَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ}تفسير : [الإسراء: 9] الآية.
الواحدي
تفسير : {قل} يا محمد: {الله أعلم بما لبثوا} ممَّن يختلف في ذلك {له غيبُ السموات والأرض} علم ما غاب فيهما عن العباد {أبصر به وأسمع} ما أبصرَ الله تعالى بكلِّ موجودٍ، وأسمعَه تعالى لكلِّ مسموعٍ {ما لهم} لأهل السَّموات والأرض {من} دون الله {من ولي} ناصرٍ {ولا يشرك} الله {في حكمه أحداً} فليس لأحدٍ أن يحكم بحكمٍ لم يحكمْ به الله. {واتل ما أوحي إليك من كتاب ربك} اتَّبع القرآن {لا مبدِّل لكلماته} لا مغيِّر للقرآن {ولن تجد من دونه ملتحداً} أَيْ: ملجأ. {واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي} مفسَّر في سورة الأنعام إلى قوله: {ولا تعدُ عيناك عنهم} أَيْ: لا تصرف بصرك إلى غيرهم من ذوي الهيئات والرُّتبة {تريد زينة الحياة الدنيا} تريد مجالسة الأشراف {ولا تطع} في تنحية الفقراء عنك {من إغفلنا قلبه عن ذكرنا} جعلناه غافلاً. {وكان أمره فرطاً} أَيْ: ضَياعاً هلاكاً؛ لأنَّه ترك الإِيمان والاستدلال بآيات الله تعالى واتَّبع هواه. {وقل} يا محمَّد لمن جاءك من النَّاس: {الحق من ربكم} يعني: ما آتيتكم به من الإِسلام والقرآن {فمن شاء فليؤمن ومَنْ شاء فليكفر} تخييرٌ معناه التَّهديد. {إنا أعتدنا} هيَّأنا {للظالمين} الذين عبدوا غير الله تعالى {ناراً أحاط بهم سرادقها} وهو دخان يحيط بالكفَّار يوم القيامة. {وإن يستغيثوا} ممَّا هم فيه من العذاب والعطش {يُغاثوا بماءٍ كالمهل} كمذاب الحديد والرَّصاص في الحرارة {يشوي الوجوه} حتى يسقط لحمها، ثمَّ ذمَّه فقال: {بئس الشراب} هو {وساءت} النَّار {مرتفقاً} منزلاً، ثمَّ ذكر ما وعد المؤمنين فقال: {إنَّ الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجر مَنْ أحسن عملاً...} وقوله: {يحلون فيها من أساور من ذهب} يُحلَّى كلُّ مؤمنٍ واحدٍ بسوارين من ذهبٍ، وكانت الأساورة من زينة الملوك في الدُّنيا، وقوله: {ويلبسون ثياباً خضراً من سندسٍ وإستبرق} وهما نوعان من الحرير، والسُّندس: ما رقَّ، والاستبرق: ما غلظ {متكئين فيها على الأرائك} وهي السُّرر في الحجال {نعم الثواب} طاب ثوابهم {وحسنت} الأرائك {مرتفقاً} موضع ارتفاق، أَيْ: اتِّكاءً على المرفق فيه. {واضرب لهم مثلاً رجلين} يعني: ابني ملكٍ كان في بني إسرائيل تُوفِّي وتركهما، فاتخذ أحدهما القصور والأجنَّة، والآخر كان زاهداً في الدُّنيا، راغباً في الآخرة، فكان إذا عمل أخوه شيئاً من زينة الدُّنيا، أخذ الزَّاهد مثل ذلك، فقدَّمه لآخرته، واتَّخذ به عند الله الأجنة والقصور حتى نفد ماله، فضربهما الله مثلاً للمؤمن والكافر الذي أبطرته النِّعمة، وهو قوله: {جعلنا لأحدهما جنتين من أعناب وحففناهما بنخل} وجعلنا النَّخل مُطبقاً بهما {وجعلنا بينهما} بين الجنتين {زرعاً}
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 26- وقل - أيها الرسول - للناس: إن الله - وحده - هو العالم بزمنهم كله، إنه - سبحانه - هو المختص بعلم الغيب فى السموات والأرض، فما أعظم بصره فى كل موجود، وما أعظم سمعه لكل مسموع، وما لأهل السموات والأرض من يتولى أمورهم غيره، ولا يشرك فى قضائه أحداً من خلقه. 27- واقرأ - أيها الرسول - ما أُوحى إليك من القرآن، ومنه ما أُوحى إليك من نبأ الفتية، ولا تستمع لما يهزأون به من طلب تبديل معجزة القرآن بمعجزة أخرى، فإنه لا مغيِّر لما ينبئه الله بكلمة الحق فى معجزاته، فإنه لا يقدر أحد على تبديله، ولا تخالف أمر ربك، فإنك حينئذ لن تجد غيره ملجأ يحفظك منه. 28- واحتفظ - أيها الرسول - بصحبة صحابتك من المؤمنين الذين يعبدون الله - وحده - فى الصباح وفى العشى دائماً، يريدون رضوانه، ولا تنصرف عيناك عنهم إلى الجاحدين من الكفار لإرادة التمتع معهم بزينة الحياة الدنيا، ولا تطع فى طرد فقراء المؤمنين من مجلسك من جعلنا قلبه غافلا عن ذكرنا، لسوء استعداده، وصار عبداً لهواه، وصار أمره فى جميع أعماله بعيداً عن الصواب، والنهى للنبى نهى لغيره، وأن النبى - صلى الله عليه وسلم - لا يريد الحياة الدنيا وزينتها، ولكن كان اتجاه النهى إليه لكى يحترس غيره من استهواء الدنيا، فإنه إذا فرض فيه إرادة الزينة للأبدان؛ لفرض كل إنسان فى نفسه ذلك ليحترس. 29- وقل - أيها الرسول -: إن ما جئت به هو الحق من عند ربكم، فمن شاء أن يؤمن به فليؤمن، فذلك خير له، ومن شاء أن يكفر فليكفر فإنه لم يظلم إلا نفسه. إننا أعددنا لمن ظلم نفسه بالكفر ناراً تحيط بهم كالسرادق. وإن يستغث الظالمون بطلب الماء وهم فى جهنم؛ يؤت لهم بماء كالزيت العكر الشديد الحرارة يحرق الوجوه بلهيبه. قَبُحَ هذا الشراب لهم، وقبحت جهنم مكاناً لراحتهم.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلسَّمَاوَاتِ} (26) - ثُمَّ أَكَّدَ اللهُ تَعَالَى أَنَّ المُدَّةَ التِي نَامَهَا الفِتْيَةُ فِي الكَهْفِ هِيَ التِي بَيَّنَهَا تَعَالَى فِي الآيَةِ السَّابِقَةِ، فَقَالَ لِهؤلاءِ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِي عَدَدِهِمْ، وَفِي مُدَّةِ لَبْثِهِمْ فِي الكَهْفِ، إِنَّ اللهَ أَعْلَمُ مِنْكُمْ بِهِمْ، وَبِعَدَدِهِمْ، وَبِمُدَّةِ لَبْثِهِمْ، وَقَدْ أَخَبْرَ عَنْ مُدَّتِهِمْ، وَقَوْلُهُ الحَقُّ الذِي لاَ مِرْيَةَ فِيهِ وَلاَ شَكَّ. وَللهِ عِلْمُ مَا غَابَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا خَفِيَ مِنْ أَحْوَالِهِمَا وَأَحْوَالِ أَهْلِهِمَا، لاَ يَغْرُبُ عَنْ عِلْمِهِ شَيءٌ مِنْهُ. وَمَا أَبْصَرَ اللهَ بِكُلِّ مَوْجُودٍ! وَمَا أَسْمَعَهُ بِكُلِّ مَسْمُوعٍ! لاَ يَخْفَى عَلَيْهِ مِنْ ذلِكَ شَيءٌ، وَهُوَ تَعَالَى الذِي يَمْلِكُ الخَلْقَ وَالأَمْرَ، وَلاَ مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ، وَلَيْسَ لَهُ شَرِيكٌ وَلاَ مُشِيرٌ، تَعَالَى اللهُ وَتَقَدَّسَ. أَبْصِرْ بِهِ - مَا أَبْصَرَ اللهَ بِكُلِّ مَوْجُودٍ!
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : الأسلوب في قوله تعالى: {أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ ..} [الكهف: 26] وأسلوب تعجُّب أي: ما أشدّ بصره، وما أشدّ سمعه؛ لأنه البصر والسمع المستوعب لكلِّ شيء بلا قانون. وقوله: {مَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً} [الكهف: 26] كأن الحق سبحانه وتعالى يُطمئِن عباده بأن كلامه حَقٌّ لا يتغير ولا يتبدل؛ لأنه سبحانه واحد أحد لا شريك له يمكن أن يُغيّر كلامه. ثم يقول الحق سبحانه لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: {وَٱتْلُ مَآ أُوْحِيَ إِلَيْكَ مِن كِتَابِ رَبِّكَ لاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ ...}.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):