١٨ - ٱلْكَهْف
18 - Al-Kahf (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
27
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن من هذه الآية إلى قصة موسى والخضر كلام واحد في قصة واحدة، وذلك أن أكابر كفار قريش احتجوا وقالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إن أردت أن نؤمن بك فاطرد من عندك هؤلاء الفقراء الذين آمنوا بك والله تعالى نهاه عن ذلك ومنعه عنه وأطنب في جملة هذه الآيات في بيان أن الذي اقترحوه والتمسوه مطلوب فاسد واقتراح باطل، ثم إنه تعالى جعل الأصل في هذا الباب شيئاً واحداً وهو أن يواظب على تلاوة الكتاب الذي أوحاه الله إليه وعلى العمل به وأن لا يلتفت إلى اقتراح المقترحين وتعنت المتعنتين فقال: {وَٱتْلُ مَا أُوْحِىَ إِلَيْكَ مِن كِتَـٰبِ رَبّكَ } وفي الآية مسألة وهي: أن قوله: {ٱتْلُ } يتناول القراءة ويتناول الإتباع فيكون المعنى الزم قراءة الكتاب الذي أوحى إليك والزم العمل به ثم قال: {لاَ مُبَدّلَ لِكَلِمَـٰتِهِ } أي يمتنع تطرق التغيير والتبديل إليه وهذه الآية يمكن التمسك بها في إثبات أن تخصيص النص بالقياس غير جائز لأن قوله: {ٱتْلُ مَا أُوْحِىَ إِلَيْكَ مِنَ كِتَـٰبِ رَبّكَ } معناه ألزم العمل بمقتضى هذا الكتاب وذلك يقتضي وجوب العمل بمقتضى ظاهره، فإن قيل فيجب ألا يتطرق النسخ إليه قلنا هذا هو مذهب أبي مسلم الأصفهاني فليس يبعد، وأيضاً فالنسخ في الحقيقة ليس بتبديل لأن المنسوخ ثابت في وقته إلى وقت طريان الناسخ فالناسخ كالغاية فكيف يكون تبديلاً. أما قوله: {وَلَن تَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا } اتفقوا على أن الملتحد هو الملجأ قال أهل اللغة: هو من لحد وألحد إذا مال ومنه قوله تعالى: { أية : لّسَانُ ٱلَّذِى يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ } تفسير : [النحل: 103] والملحد المائل عن الدين والمعنى ولن تجد من دونه ملجأ في البيان والرشاد.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَٱتْلُ مَآ أُوْحِيَ إِلَيْكَ مِن كِتَابِ رَبِّكَ لاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ} قيل: هو من تمام قصة أصحاب الكهف؛ أي اتبع القرآن فلا مبدّل لكلمات الله ولا خلف فيما أخبر به من قصة أصحاب الكهف. وقال الطبري: لا مغيّر لما أوعد بكلماته أهل معاصيه والمخالفين لكتابه. {وَلَن تَجِدَ} أنت {مِن دُونِهِ} إن لم تتبع القرآن وخالفته. {مُلْتَحَداً} أي ملجأ. وقيل موئلاً. وأصله الميل؛ ومن لجأت إليه فقد مِلْت إليه. قال القشيريّ أبو نصر عبد الرحيم: وهذا آخر قصة أصحاب الكهف. ولما غزا معاوية غزوة المضيق نحو الروم وكان معه ابن عباس فانتهى إلى الكهف الذي فيه أصحاب الكهف؛ فقال معاوية: لو كشف لنا عن هؤلاء فننظر إليهم؛ فقال ابن عباس: قد منع الله من هو خير منك عن ذلك، فقال: {لَوِ ٱطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوْلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَاراً} فقال: لا أنتهي حتى أعلم علمهم، وبعث قوماً لذلك، فلما دخلوا الكهف بعث الله عليهم ريحاً فأخرجتهم؛ ذكره الثعلبي أيضاً. وذكر حديث : أن النبيّ صلى الله عليه وسلم سأل الله أن يريه إياهم، فقال إنك لن تراهم في دار الدنيا ولكن ابعث إليهم أربعة من خيار أصحابك ليبلغوهم رسالتك ويدعوهم إلى الإيمان، فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم لجبريل عليه السلام: كيف أبعثهم؟ فقال: أبسط كساءك وأجلس على طرف من أطرافه أبا بكر وعلى الطرف الآخر عمر وعلى الثالث عثمان وعلى الرابع عليّ بن أبي طالب، ثم ادع الريح الرُّخاء المسخرة لسليمان فإن الله تعالى يأمرها أن تطيعك؛ ففعل فحملتهم الريح إلى باب الكهف، فقلعوا منه حجراً، فحمل الكلب عليهم فلما رآهم حرك رأسه وبصبص بذنبه وأومأ برأسه أن ادخلوا فدخلوا الكهف فقالوا: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته؛ فردّ الله على الفتية أرواحهم فقاموا بأجمعهم وقالوا: عليكم السلام ورحمة الله وبركاته؛ فقالوا لهم: معشر الفتية، إن النبيّ محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم يقرأ عليكم السلام؛ فقالوا: وعلى محمد رسول الله السلام ما دامت السموات والأرض، وعليكم بما أبلغتم، وقبلوا دينه وأسلموا، ثم قالوا: أقرئوا محمداً رسول الله منّا السلام، وأخذوا مضاجعهم وصاروا إلى رقدتهم إلى آخر الزمان عند خروج المهدي. فيقال: إن المهدي يسلم عليهم فيحييهم الله ثم يرجعون إلى رقدتهم فلا يقومون حتى تقوم الساعة، فأخبر جبريل رسول الله صلى الله عليه وسلم بما كان منهم، ثم ردّتهم الريح فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «كيف وجدتموهم»؟ فأخبروه الخبر، فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «اللهم لا تفرّق بيني وبين أصحابي وأصهاري واغفر لمن أحبّني وأحبّ أهل بيتي وخاصّتي وأصحابي»تفسير : . وقيل: إن أصحاب الكهف دخلوا الكهف قبل المسيح؛ فأخبر الله تعالى المسيح بخبرهم ثم بعثوا في الفترة بين عيسى ومحمد صلى الله عليهما وسلم. وقيل: كانوا قبل موسى عليه السلام وأن موسى ذكرهم في التوراة؛ ولهذا سألت اليهود رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقيل: دخلوا الكهف بعد المسيح؛ فالله أعلم أيّ ذلك كان.
البيضاوي
تفسير : {وَٱتْلُ مَا أُوْحِىَ إِلَيْكَ مِن كِتَـٰبِ رَبّكَ } من القرآن، ولا تسمع لقولهم {ٱئْتِ بِقُرْءانٍ غَيْرِ هَـٰذَا أَوْ بَدّلْهُ }. {لاَ مُبَدّلَ لِكَلِمَـٰتِهِ } لا أحد يقدر على تبديلها وتغييرها غيره. {وَلَن تَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا } ملتجأ عليه إن هممت به.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى آمراً رسوله صلى الله عليه وسلم بتلاوة كتابه العزيز وإبلاغه إلى الناس: {لاَّ مُبَدِّلِ لِكَلِمَـٰتِهِ} أي: لا مغير لها، ولا محرّف ولا مزيل. وقوله: {وَلَن تَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا} عن مجاهد: ملتحداً قال: ملجأ. وعن قتادة: ولياً ولا مولى. قال ابن جرير: يقول: إن أنت يا محمد لم تتل ما أوحي إليك من كتاب ربك، فإنه لا ملجأ لك من الله، كما قال تعالى: {أية : يَـٰۤأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَٱللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ} تفسير : [المائدة: 67] وقال: {أية : إِنَّ ٱلَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ ٱلْقُرْءَانَ لَرَآدُّكَ إِلَىٰ مَعَادٍ} تفسير : [القصص: 85] أي: سائلك عما فرض عليك من إبلاغ الرسالة. وقوله: {وَٱصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِٱلْغَدَاةِ وَٱلْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} أي: اجلس مع الذين يذكرون الله، ويهللونه ويحمدونه ويسبحونه ويكبرونه، ويسألونه بكرة وعشياً، من عباد الله، سواء كانوا فقراء أو أغنياء، أو أقوياء أو ضعفاء، يقال: إنها نزلت في أشراف قريش حين طلبوا من النبي صلى الله عليه وسلم أن يجلس معهم، وحده، ولا يجالسهم بضعفاء أصحابه؛ كبلال وعمار وصهيب وخباب وابن مسعود، وليفرد أولئك بمجلس على حدة، فنهاه الله عن ذلك فقال: {أية : وَلاَ تَطْرُدِ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِٱلْغَدَاةِ وَٱلْعَشِىِّ} تفسير : [الأنعام: 52] الآية، وأمره أن يصبر نفسه في الجلوس مع هؤلاء، فقال: {وَٱصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِٱلْغَدَاةِ وَٱلْعَشِيِّ} الآية، وقال مسلم في صحيحه: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا محمد ابن عبد الله الأسدي عن إسرائيل عن المقدام بن شريح عن أبيه عن سعد، هو ابن أبي وقاص، قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم: ستة نفر، فقال المشركون للنبي صلى الله عليه وسلم اطرد هؤلاء لا يجترئون علينا، قال: وكنت أنا وابن مسعود ورجل من هذيل وبلال، ورجلان نسيت اسميهما، فوقع في نفس رسول الله صلى الله عليه وسلم ما شاء الله أن يقع، فحدث نفسه، فأنزل الله عز وجل: {أية : وَلاَ تَطْرُدِ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِٱلْغَدَاةِ وَٱلْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} تفسير : [الأنعام: 52] انفرد بإخراجه مسلم دون البخاري. وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة عن أبي التياح قال: سمعت أبا الجعد يحدث عن أبي أمامة قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم على قاص يقص فأمسك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : قص، فلأن أقعد غدوة إلى أن تشرق الشمس أحب إلي من أن أعتق أربع رقاب»تفسير : . وقال الإمام أحمد أيضاً: حدثنا هاشم: حدثنا شعبة عن عبد الملك بن ميسرة قال: سمعت كردوس بن قيس، وكان قاص العامة بالكوفة، يقول: أخبرني رجل من أصحاب بدر أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : لأن أقعد في مثل هذا المجلس أحب إلي من أن أعتق أربع رقاب» تفسير : قال شعبة: فقلت: أي مجلس؟ قال: كان قاصاً. وقال أبو داود الطيالسي في مسنده: حدثنا محمد، حدثنا يزيد بن أبان عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لأن أجالس قوماً يذكرون الله من صلاة الغداة إلى طلوع الشمس أحب إلي مما طلعت عليه الشمس، ولأن أذكر الله من صلاة العصر إلى غروب الشمس أحب إلي من أن أعتق ثمانية من ولد إسماعيل، دية كل واحد منهم اثنا عشر ألفاً» تفسير : فحسبنا دياتهم ونحن في مجلس أنس، فبلغت ستة وتسعين ألفاً، وههنا من يقول: أربعة من ولد إسماعيل، والله ما قال إلا ثمانية، دية كل واحد منهم اثنا عشر ألفاً. وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا محمد بن إسحاق الأهوازي، حدثنا أبو أحمد الزبيري، حدثنا عمرو بن ثابت عن علي بن الأقمر، عن الأغر أبي مسلم، وهو الكوفي: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مرّ برجل يقرأ سورة الكهف، فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم سكت، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : هذا المجلس الذي أمرت أن أصبر نفسي معهم»تفسير : ، هكذا رواه أبو أحمد عن عمرو بن ثابت، عن علي بن الأقمر، عن الأغر مرسلاً. وحدثنا يحيى بن المعلى عن منصور، حدثنا محمد بن الصلت، حدثنا عمرو بن ثابت عن علي بن الأقمر، عن الأغر أبي مسلم، عن أبي هريرة وأبي سعيد، قالا: جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجل يقرأ سورة الحِجْر، أو سورة الكهف، فسكت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : هذا المجلس الذي أمرت أن أصبر نفسي معهم».تفسير : وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن بكر، حدثنا ميمون المرئي، حدثنا ميمون بن سياه عن أنس بن مالك رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : ما من قوم اجتمعوا يذكرون الله لا يريدون بذلك إلا وجهه، إلا ناداهم مناد من السماء: أن قوموا مغفوراً لكم، قد بدلت سيئاتكم حسنات» تفسير : تفرد به أحمد رحمه الله. وقال الطبراني: حدثنا إسماعيل بن الحسن، حدثنا أحمد بن صالح، حدثنا ابن وهب عن أسامة بن زيد، عن أبي حازم، عن عبد الرحمن بن سهل بن حنيف قال: نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في بعض أبياته: {وَٱصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِٱلْغَدَاةِ وَٱلْعَشِيِّ} الآية، فخرج يلتمسهم، فوجد قوماً يذكرون الله تعالى، منهم ثائر الرأس، وجاف الجلد، وذو الثوب الواحد، فلما رآهم جلس معهم وقال: «حديث : الحمد لله الذي جعل في أمتي من أمرني الله أن أصبر نفسي معهم» تفسير : عبد الرحمن هذا، ذكره أبو بكر بن أبي داود في الصحابة، وأما أبوه، فمن سادات الصحابة رضي الله عنهم. وقوله: {وَلاَ تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا} قال ابن عباس: ولا تجاوزهم إلى غيرهم، يعني: تطلب بدلهم أصحاب الشرف والثروة، {وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا} أي: شغل عن الدين وعبادة ربه بالدنيا، {وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا} أي: أعماله وأفعاله سفه وتفريط وضياع، ولا تكن مطيعاً ولا محباً لطريقته، ولا تغبطه بما هو فيه، كما قال: {أية : وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَٰجاً مِّنْهُمْ زَهْرَةَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ} تفسير : [طه: 131].
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَٱتْلُ مآ أُوْحِىَ إِلَيْكَ مِن كِتَٰبِ رَبِّكَ لاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَٰتِهِ وَلَن تَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا } ملجأ.
الشوكاني
تفسير : قوله: {وَٱتْلُ مَا أُوْحِىَ إِلَيْكَ } أمره الله سبحانه أن يواظب على تلاوة الكتاب الموحى إليه، قيل: ويحتمل أن يكون معنى قوله: {واتل}: واتبع، أمراً من التلوّ، لا من التلاوة، و {مِن كِتَـٰبِ رَبّكَ } بيان للذي أوحي إليه {لاَ مُبَدّلَ لِكَلِمَـٰتِهِ } أي: لا قادر على تبديلها وتغييرها، وإنما يقدر على ذلك هو وحده. قال الزجاج: أي ما أخبر الله به وما أمر به فلا مبدّل له، وعلى هذا يكون التقدير: لا مبدّل لحكم كلماته {وَلَن تَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا } الملتحد: الملتجأ، وأصل اللحد: الميل، قال الزجاج: لن تجد معدلاً عن أمره ونهيه، والمعنى: أنك إن لم تتبع القرآن وتتله وتعمل بأحكامه لن تجد معدلاً تعدل إليه ومكاناً تميل إليه. وهذه الآية آخر قصة أهل الكهف. ثم شرح سبحانه في نوع آخر كما هو دأب الكتاب العزيز فقال: {وَٱصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم } قد تقدّم في الأنعام نهيه صلى الله عليه وسلم عن طرد فقراء المؤمنين بقوله: {أية : وَلاَ تَطْرُدِ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ }تفسير : [الأنعام: 52] وأمره سبحانه ههنا بأن يحبس نفسه معهم، فصبر النفس هو حبسها، وذكر الغداة والعشي كناية عن الاستمرار على الدعاء في جميع الأوقات، وقيل: في طرفي النهار، وقيل المراد: صلاة العصر والفجر. وقرأ نصر بن عاصم ومالك بن دينار وأبو عبد الرحمٰن وابن عامر (بالغدوة) بالواو، واحتجوا بأنها في المصحف كذلك مكتوبة بالواو. قال النحاس: وهذا لا يلزم لكتبهم الحياة والصلاة بالواو، ولا تكاد العرب تقول: الغدوة، ومعنى {يُرِيدُونَ وَجْهَهُ }: أنهم يريدون بدعائهم رضى الله سبحانه، والجملة في محل نصب على الحال، ثم أمره سبحانه بالمراقبة لأحوالهم فقال: {وَلاَ تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ } أي: لا تتجاوز عيناك إلى غيرهم. قال الفراء: معناه لا تصرف عيناك عنهم، وقال الزجاج: لا تصرف بصرك إلى غيرهم من ذوي الهيئات والزينة، واستعماله بعن لتضمنه معنى النبوّ، من عدوته عن الأمر، أي: صرفته منه، وقيل: معناه: لا تحتقرهم عيناك {تُرِيدُ زِينَةَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا } أي: مجالسة أهل الشرف والغنى، والجملة في محل نصب على الحال، أي: حال كونك مريداً لذلك، هذا إذا كان فاعل تريد هو النبيّ صلى الله عليه وسلم، وإن كان الفاعل ضميراً يعود إلى العينين، فالتقدير: مريدة زينة الحياة الدنيا، وإسناد الإرادة إلى العينين مجاز، وتوحيد الضمير للتلازم كقول الشاعر:شعر : لمن زحلوقة زل بها العينان تنهلّ تفسير : {وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا } أي: جعلناه غافلاً بالختم عليه، نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن طاعة من جعل الله قلبه غافلاً عن ذكره كأولئك الذين طلبوا منه أن ينحي الفقراء عن مجلسه، فإنهم طالبوا تنحية الذين يدعون ربهم بالغداة والعشيّ يريدون وجهه وهم غافلون عن ذكر الله، ومع هذا فهم ممن اتبع هواه وآثره على الحق فاختار الشرك على التوحيد {وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا } أي: متجاوزاً عن حدّ الاعتدال، من قولهم: فرس فرط: إذا كان متقدماً للخيل فهو على هذا من الإفراط. وقيل هو: من التفريط، وهو التقصير والتضييع. قال الزجاج: ومن قدم العجز في أمره أضاعه وأهلكه. ثم بيّن سبحانه لنبيه صلى الله عليه وسلم ما يقوله لأولئك الغافلين، فقال: {وَقُلِ ٱلْحَقُّ مِن رَّبّكُمْ } أي قل لهم: إن ما أوحي إليك وأمرت بتلاوته هو الحق الكائن من جهة الله، لا من جهة غيره حتى يمكن فيه التبديل والتغيير، وقيل: المراد بالحق الصبر مع الفقراء. قال الزجاج: أي الذين أتيتكم به ٱلْحَقُّ مِن رَّبّكُمْ يعني: لم آتكم به من قبل نفسي إنما أتيتكم به من الله {فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ } قيل: هو من تمام القول الذي أمر رسوله أن يقوله، والفاء لترتيب ما قبلها على ما بعدها، ويجوز أن يكون من كلام الله سبحانه لا من القول الذي أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفيه تهديد شديد، ويكون المعنى: قل لهم يا محمد الحق من ربكم وبعد أن تقول لهم هذا القول، من شاء أن يؤمن بالله ويصدّقك فليؤمن، ومن شاء أن يكفر به ويكذبك فليكفر. ثم أكد الوعيد وشدّده فقال: {إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ } أي: أعددنا وهيأنا للظالمين الذين اختاروا الكفر بالله والجحد له والإنكار لأنبيائه ناراً عظيمة {أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا } أي: اشتمل عليهم. والسرادق: واحد السرادقات. قال الجوهري: وهي التي تمد فوق صحن الدار، وكل بيت من كرسف فهو سرادق، ومنه قول رؤبة:شعر : يا حكم بن المنذر بن جارود سرادق المجد عليك ممدود تفسير : وقال الشاعر:شعر : هو المدخل النعمان بيتاً سماؤه صدور الفيول بعد بيت مسردق تفسير : يقوله سلام بن جندل لما قتل ملك الفرس ملك العرب النعمان بن المنذر تحت أرجل الفيلة. وقال ابن الأعرابي: سرادقها: سورها. وقال القتيبي: السرادق: الحجرة التي تكون حول الفسطاط. والمعنى: أنه أحاط بالكفار سرادق النار على تشبيه ما يحيط بهم من النار بالسرادق المحيط بمن فيه {وَإِن يَسْتَغِيثُواْ } من حرّ النار {يُغَاثُواْ بِمَاء كَٱلْمُهْلِ } وهو: الحديد المذاب. قال الزجاج: إنهم يغاثون بماء كالرصاص المذاب أو الصفر، وقيل: هو درديّ الزيت. وقال أبو عبيدة والأخفش: هو كل ما أذيب من جواهر الأرض من حديد ورصاص ونحاس. وقيل: هو ضرب من القطران. ثم وصف هذا الماء الذي يغاثون به بأنه {يَشْوِى ٱلْوجُوهَ } إذا قدّم إليهم صارت وجوههم مشوية لحرارته {بِئْسَ ٱلشَّرَابُ } شرابهم هذا {وَسَاءتْ } النار {مُرْتَفَقًا } متكأً، يقال: ارتفقت أي: اتكأت، وأصل الارتفاق: نصب المرفق، ويقال: ارتفق الرجل إذا نام على مرفقه، وقال القتيبي: هو المجلس، وقيل، المجتمع. {إِنَّ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ } هذا شروع في وعد المؤمنين بعد الفراغ من وعيد الكافرين، والمعنى: إن الذين آمنوا بالحق الذي أوحي إليك وعملوا الصالحات من الأعمال {إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً } هذا خبر {إن الذين آمنوا}، والعائد محذوف، أي: من أحسن منهم عملاً، وجملة: {أُوْلَـئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ } استئناف لبيان الأجر، والإشارة إلى من تقدّم ذكره، وقيل: يجوز أن يكون {أولئك} خبر {إن الذين آمنوا}، وتكون جملة: {إِنَّا لاَ نُضِيعُ } اعتراضاً، ويجوز أن يكون {أولئك} خبراً بعد خبر، وقد تقدّم الكلام {في جنات عدن}، وفي كيفية جري الأنهار من تحتها {يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ } قال الزجاج: أساور جمع أسورة، وأسورة جمع سوار، وهي زينة تلبس في الزند من اليد وهي من زينة الملوك، قيل: يحلى كل واحد منهم ثلاثة أسورة: واحد من فضة، واحد من لؤلؤ، وواحد من ذهب، وظاهر الآية أنها جميعها من ذهب، ويمكن أن يكون قول القائل هذا جمعاً بين الآيات لقوله سبحانه في آية أخرى: {أية : أَسَاوِرَ مِن فِضَّةٍ } تفسير : [الإنسان: 21]، ولقوله في آية أخرى: {أية : وَلُؤْلُؤاً } تفسير : [الحج: 23]. و«من» في قوله: {مِنْ أَسَاوِرَ } للابتداء، وفي {من ذهب} للبيان. وحكى الفراء "يحلون" بفتح الياء وسكون الحاء وفتح اللام، يقال: حليت المرأة تحلى فهي حالية: إذا لبست الحليّ {وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مّن سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ } قال الكسائي: السندس: الرقيق، واحده سندسة، والإستبرق: ما ثخن وكذا قال المفسرون، وقيل: الإستبرق: هو الديباج كما قال الشاعر:شعر : وإستبرق الديباج طوراً لباسها تفسير : وقيل: هو المنسوج بالذهب. قال القتيبي: هو فارسيّ معرّب. قال الجوهري: وتصغيره أبيرق، وخصّ الأخضر لأنه الموافق للبصر، ولكونه أحسن الألوان {مُّتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَىٰ ٱلأرَائِكِ } قال الزجاج: الأرائك: جمع أريكة، وهي السرر في الحجال، وقيل: هي أسرة من ذهب مكللة بالدرّ والياقوت، وأصل اتكأ: اوتكأ، وأصل متكئين: موتكئين، والاتكاء: التحامل على الشيء {نِعْمَ ٱلثَّوَابُ } ذلك الذي أثابهم الله به {وَحَسُنَتْ } تلك الأرائك {مُرْتَفَقًا } أي متكأً وقد تقدّم قريباً. وقد أخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: {مُلْتَحَدًا } قال: ملتجأً. وأخرج ابن مردويه، وأبو نعيم في الحلية، والبيهقي في الشعب عن سلمان قال: جاءت المؤلفة قلوبهم: عيينة بن بدر، والأقرع بن حابس فقالوا: يا رسول الله لو جلست في صدر المجلس وتغيبت عن هؤلاء وأرواح جبابهم، يعنون: سلمان وأبا ذر وفقراء المسلمين وكانت عليهم جباب الصوف، جالسناك وحادثناك وأخذنا عنك، فأنزل الله {وَٱتْلُ مَا أُوْحِىَ إِلَيْكَ } إلى قوله: {إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا }، زاد أبو الشيخ عن سلمان: حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام يلتمسهم حتى أصابهم في مؤخر المسجد يذكرون الله تعالى فقال: "الحمد لله الذي لم يمتني حتى أمرني أن أصبر نفسي مع رجال من أمتي، معكم المحيا والممات"تفسير : . وأخرج ابن جرير، والطبراني، وابن مردويه عن عبد الرحمٰن بن سهل بن حنيف قال: نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في بعض أبياته {وَٱصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِٱلْغَدَاةِ وَٱلْعَشِىّ } فخرج يلتمسهم فوجد قوماً يذكرون الله منهم ثائر الرأس وحاف الجلد وذو الثوب الخلق، فلما رآهم جلس معهم وقال: حديث : الحمد لله الذي جعل في أمتي من أمرني أن أصبر نفسي معهم»تفسير : . وأخرج البزار عن أبي سعيد وأبي هريرة قالا: جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجل يقرأ سورة الحجر أو سورة الكهف فسكت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : هذا المجلس الذي أمرت أن أصبر نفسي معهم»تفسير : ، وفي الباب روايات. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عن نافع قال: أخبرني عبد الله بن عمر في هذه الآية: {وَٱصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم } أنهم الذين يشهدون الصلوات الخمس. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر عن ابن عباس مثله. وأخرج ابن أبي حاتم، وابن مردويه من طريق عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه في قوله: {وَٱصْبِرْ نَفْسَكَ } الآية قال: نزلت في صلاة الصبح وصلاة العصر. وأخرج ابن مردويه من طريق جويبر، عن الضحاك، عن ابن عباس في قوله: {وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا } قال: نزلت في أمية بن خلف، وذلك أنه دعا النبيّ صلى الله عليه وسلم إلى أمر كرهه الله من طرد الفقراء عنه وتقريب صناديد أهل مكة، فأنزل الله هذه الآية، يعني: من ختمنا على قلبه يعني: التوحيد {وَٱتَّبَعَ هَوَاهُ } يعني الشرك {وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا } يعني: فرطاً في أمر الله وجهالة بالله. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن بريدة قال: دخل عيينة بن حصن على النبيّ في يوم حارّ، وعنده سلمان عليه جبة صوف، فصار منه ريح العرق في الصوف، فقال عيينة: يا محمد إذا نحن أتيناك فأخرج هذا وضرباءه من عندك لا يؤذينا، فإذا خرجنا فأنت وهم أعلم، فأنزل الله: {وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ } الآية. وقد ثبت في صحيح مسلم في سبب نزول الآية المتضمنة لمعنى هذه الآية، وهي قوله تعالى: {أية : وَلاَ تَطْرُدِ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِٱلْغَدَاةِ وَٱلْعَشِىّ }تفسير : [الأنعام: 52]، عن سعد بن أبي وقاص قال: كنا مع النبيّ صلى الله عليه وسلم ستة نفر، فقال المشركون للنبيّ صلى الله عليه وسلم: اطرد هؤلاء لا يجترئون علينا، قال: وكنت أنا وابن مسعود ورجل من هذيل وبلال ورجلان نسيت اسمهما، فوقع في نفس رسول الله صلى الله عليه وسلم ما شاء الله أن يقع، فحدّث نفسه، فأنزل الله {وَلاَ تَطْرُدِ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ} الآية. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: {وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا } قال: ضياعاً. وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة {وَقُلِ ٱلْحَقُّ } قال: هو القرآن. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس في قوله: {فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ } يقول: من شاء الله له الإيمان آمن، ومن شاء له الكفر كفر، وهو قوله: {أية : وَمَا تَشَاءونَ إِلاَّ أَن يَشَاء ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } تفسير : [التكوير: 29]. وأخرج ابن أبي حاتم عنه قال في الآية: هذا تهديد ووعيد. وأخرج ابن جرير عنه أيضاً في قوله: {أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا } قال: حائط من نار. وأخرج أحمد، والترمذي، وابن أبي الدنيا، وابن جرير، وأبو يعلى، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، والحاكم وصححه، وابن مردويه عن أبي سعيد الخدري عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : لسرادق النار أربعة جدر، كثافة كل جدار منها مسيرة أربعين سنة»تفسير : . وأخرج أحمد، والبخاري، وابن جرير، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه عن يعلى بن أمية قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن البحر هو من جهنم، ثم تلا {نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا }»تفسير : . وأخرج أحمد، والترمذي، وأبو يعلى، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن حبان، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في البعث عن أبي سعيد الخدري عن النبيّ صلى الله عليه وسلم في قوله: {بِمَاء كَٱلْمُهْلِ } قال: «حديث : كعكر الزيت، فإذا قرّب إليه سقطت فروة وجهه فيه»تفسير : . وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {كَٱلْمُهْلِ } قال: أسود كعكر الزيت. وأخرج ابن أبي شيبة، وهناد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن عطية قال: سئل ابن عباس عن المهل فقال: ماء غليظ كدرديّ الزيت. وأخرج هناد، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني عن ابن مسعود: أنه سئل عن المهل، فدعا بذهب وفضة فأذابه، فلما ذاب قال: هذا أشبه شيء بالمهل الذي هو شراب أهل النار ولونه لون السماء، غير أن شراب أهل النار أشدّ حرّاً من هذا. وأخرج ابن جرير عن ابن عمر قال: هل تدرون ما المهل؟ المهل: سهل الزيت، يعني: آخره. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: {وَسَاءتْ مُرْتَفَقًا } قال: مجتمعاً. وأخرج البخاري، ومسلم عن أبي هريرة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء»تفسير : . وأخرج البيهقي عن أبي الخير مرثد بن عبد الله قال: في الجنة شجرة تنبت السندس منه يكون ثياب أهل الجنة. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير عن عكرمة قال: الإستبرق: الديباج الغليظ. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن أبي حاتم عن مجاهد مثله. وأخرج ابن أبي حاتم عن الهيثم بن مالك الطائي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن الرجل ليتكىء المتكأ مقدار أربعين سنة ما يتحوّل منه ولا يمله، يأتيه ما اشتهت نفسه ولذت عينه»تفسير : . وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: الأرائك: السرر في جوف الحجال عليها الفرش منضود في السماء فرسخ. وأخرج البيهقي في البعث عنه قال: لا تكون أريكة حتى يكون السرير في الحجلة. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير عن عكرمة، أنه سئل عن الأرائك فقال: هي الحجال على السرر.
الماوردي
تفسير : قوله تعالى: {... ولن تجد من دونه مُلتحداً} فيه أربعة تأويلات: أحدها: ملجأ، قاله مجاهد، قال الشاعر: شعر : لا تحفيا يا أخانا من مودّتنا فما لنا عنك في الأقوام مُلتحد تفسير : الثاني: مهرباً، قاله قطرب، قال الشاعر: شعر : يا لهف نفسي ولهفٌ غير مغنيةٍ عني وما مِنْ قضاء الله ملتحدُ تفسير : الثالث: معدلاً، قاله الأخفش. الرابع: ولياً، قاله قتادة. ومعانيها متقاربة. قوله عز وجل: {واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم} فيه وجهان: أحدهما: يريدون تعظيمه. الثاني: يريدون طاعته. قال قتادة: نزلت هذه الآية على النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة فلما نزلت عليه قال: "حديث : الحمد لله الذي جعل من أمتي من أمرت أن أصبر معهم ". تفسير : {يدعون ربهم بالغداة والعشي} فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: يدعونه رغبة ورهبة. الثاني: أنهم المحافظون على صلاة الجماعة، قاله الحسن. الثالث: أنها الصلاة المكتوبة، قاله ابن عباس ومجاهد. ويحتمل وجهاً رابعاً: أن يريد الدعاء في أول النهار وآخره ليستفتحوا يومهم بالدعاء رغبة في التوفيق، ويختموه بالدعاء طلباً للمغفرة. {يريدون وجهه} يحتمل وجهين: أحدهما: بدعائهم. الثاني: بعمل نهارهم. وخص النهار بذلك دون الليل لأن عمل النهار إذا كان لله تعالى فعمل الليل أولى أن يكون له. {ولا تعد عيناك عنهم..} فيه وجهان: أحدهما: ولا تتجاوزهم بالنظر إلى غيرهم من أهل الدنيا طلباً لزينتها، حكاه اليزيدي. الثاني: ما حكاه ابن جريج أن عيينة بن حصن قال للنبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يسلم: لقد آذاني ريح سلمان الفارسي وأصحابه فاجعل لنا مجلساً منك لا يجامعونا فيه، واجعل لهم مجلساً لا نجامعهم فيه، فنزلت. {ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذِكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطاً}. قوله {أغفلنا} فيه وجهان: أحدهما: جعلناه غافلاً عن ذكرنا. الثاني: وجدناه غافلاً عن ذكرنا. وفي هذه الغفله لأصحاب الخواطر ثلاثة أوجه: أحدها: أنها إبطال الوقت بالبطالة، قاله سهل بن عبد الله. الثاني: أنها طول الأمل. الثالث: أنها ما يورث الغفلة. {واتبع هواه} فيه وجهان: أحدهما: في شهواته وأفعاله. الثاني: في سؤاله وطلبه التمييز عن غيره. {وكان أمرُه فُرُطاً} فيه خمسة تأويلات: أحدها: ضيقاً، وهو قول مجاهد. الثاني: متروكاً، قاله الفراء. الثالث: ندماً قاله ابن قتيبة. الرابع: سرفاً وإفراطاً، قاله مقاتل. الخامس: سريعاً. قاله ابن بحر. يقال أفرط إذا أسرف وفرط إذا قصر.
ابن عبد السلام
تفسير : {مُلْتَحَداً} ملجأ، أو مهرباً أو معدلاً، أو ولياً.
القمي النيسابوري
تفسير : القراءات: {وفجرنا} بالتخفيف: سهل ويعقوب غير رويس {له ثمر} وكذا {بثمره} بفتح الثاء والميم: يزيد. وعاصم وسهل ويعقوب وأبو عامر: بضم الثاء وإسكان الميم. الباقون بضم الثاء والميم جميعاً {منها} على الوحدة: أبو عمرو وسهل ويعقوب وعاصم وحمزة وعلي وخلف. الآخرون على التثنية {لكن} بالتشديد من غير ألف في الحالين: قتيبة وابن عامر وابن فليح ويعقوب بالألف في الوصل. الباقون بغير الألف واتفقوا على الألف في الوقف {بربي أحد} مفتوحة الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو. {أن ترني} فتح الياء: السرانديبي عن قنبل {غوراً} بضم الغين وكذلك في {الملك} البرجمي الباقون بفتحها. {ولم يكن له} بياء الغيبة {الولاية} بكسر الواو: حمزة وعلي وخلف. الآخرون بتاء التأنيث وفتح الواو {لله الحق} بالرفع: أبو عمرو وعلي. الآخرون بالجر {عقباً} بسكون القاف: عاصم وحمزة وخلف. الباقون بضمها {الريح} على التوحيد: حمزة وعلي وخلف. الوقوف: {من كتاب ربك} ط لاختلاف الجملتين {ملتحداً} ه {عنهم} ج لأن ما بعده يصلح حالاً واستفهاماً محذوف الألف لدلالة حال العتاب. {فرطاً} ه {فليكفر} لا لأن الأمر للتهديد بدليل {إنا أعتدنا} فلو فصل صار مطلقاً {ناراً}، لأن ما بعده صفة {سرادقها} ط {الوجوه} ط {الشراب} ط {مرتفقاً} ه {عملاً} ج ه لاحتمال كون {أولئك} مع ما بعده خبر {إن الذين} وقوله: {إنا لا نضيف} جملة معترضة {الأرائك} ط {الثواب} ط {مرتفقاً} ه {زرعاً} ه، ط {شيئاً} لا للعطف {نهراً} ه ط {ثمر} ج للعدول مع الفاء {نفراً}، ج {لنفسه} ج لاتحاد العامل بلا عطف {أبداً} ه ط {قائمة} لا لأن ما بعده شك من قول الكافر في البعث {منقلباً} ه {رجلاً}، ه ط لتمام الاستفهام {أحداً} ه {ما شاء الله} لا لاتمام المقول {إلا بالله} ج لابتداء الشرط المحذوف جوابه مع اتحاد القائل والمقول له {وولداً} ه، ج لاحتمال كون ما بعده جواباً للشرط {زلقاً} ه {طلباً} ه {أحداً} ه {منتصرا}، ط وقيل: يوقف على {هنالك} والأوجه أن يبتدأ بـ {هنالك} أي عند ذلك يظهر لكل شاك سلطان الله ونفاد أمره {الحق} ط على القراءتين {عقباً} ه {الرياح} ط {مقتدراً} ه {زينة الحياة الدنيا} ج مفصلاً بين المعجل الفاني والمؤجل الباقي مع اتفاق الجملتين {أملاً}. التفسير: لما أجب عن سؤالهم بما أجاب أمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يواظب على تلاوة الكتاب الموحى إليه وعلى الصبر مع الفقراء الذين آمنوا بما أنزل عليه، واحتمل أن يكون {اتل} أمراً من التلو لا من التلاوة أي اتبع ما أوحي إليك والزم العمل بمقتضاه وقوله: {من كتاب ربك} بيان للذي أوحي إليه. ثم بين سبب اللزوم فقال: {لا مبدل لكلماته} أي لا يقدر أحد على تغييرها وإنما يقدر على ذلك هو وحده فليس لك ولا لغيرك إلا المواظبة على العلم والعمل به يؤكده قوله: {ولن تجد من دونه ملتحداً} أي ملجأ تعدل إليه إن هممت بذلك فرضاً: وأصل اللحد الميل كما مر في قوله: {أية : يلحدون في أسمائه} تفسير : [الأعراف: 18] نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم في سورة الأنعام عن طرد فقراء المؤمنين بقوله: {أية : ولا تطرد الذين} تفسير : [الآية: 52] الآية وأمره في هذه السورة بحبس النفس معهم وبمراقبة أحوالهم بقوله: {ولا تعد عيناك} قال جار الله: إنما لم يقل ولا تعدهم عيناك من عداه إذا جاوزه لأنه ضمن عدا معنى نبا وفيه مبالغة من جهة تحصيل المعنيين جميعاً كأنه قيل: ولا تقتحمهم عيناك مجاوزتين إلى غيرهم. ثم نهاه عن الالتفات إلى الأغنياء الكفرة الذين التمسوا منه طرد الفقراء حتى يؤمنوا به فقال: {ولا تطع من أغفلنا قلبه} قال أهل السنة: معنى الإغفال إيجاد الغفلة وخلقها فيهم، أو هو من أغفلها إذا تركها بغير سمة أي لم نسمه بالذكر ولم نجعله من الذين كتبنا في قلوبهم الإيمان، ويؤيد هذا المعنى أن الغفلة عن الذكر لو كانت بإيجاد العبد والقصد إلى إيجاد الغفلة عن الشي لا يتصور إلا مع الشعور بذلك الشيء لزم اجتماع الضدين. وقالت المعتزلة: معنى أغفلناه وجدناه غافلاً بالخذلان والتخلية بينه وبين الأسباب المؤدية إلى الغفلة يؤيده قوله: {واتبع هواه} بالواو دون الفاء إذ لو كان اتباع الهوى من نتيجة خلق الغفلة في القلب لقيل" فاتبع" بالفاء. ويمكن أن يجاب بأنه لا يلزم من كون الشيء في نفس الأمر نتيجة لشيء أن يعتبر كونه نتيجة له والفاء من لوازم الثاني دون الأول، على أن الملازمة بين الغفلة عن ذكر الله وبين متابعة الهوى غير كلية، فقد يكون الإنسان غافلاً عن ذكر الله ومع ذلك لا يتبع هواه بل يبقى متوقفاً متحيراً {وكان أمره فرطاً} أي متجاوزاً عن حد الاعتدال من قولهم "فرس فرط" إذا كان متقدماً للخيل، ويلزم منه أن يكون نابذاً للحق وراء ظهره. وأنت إذا تأملت وجدت حال الأغنياء المتحيرين بخلاف الفقراء المؤمنين، لأن هؤلاء الفقراء يدعون ربهم بالغداة والعشى ابتغاء وجه الله وطلباً لمرضاته فأقبلوا على الحق وشغلوا عن الخلق، والأغنياء قد أعرضوا عن المولى وأقبلوا على الدنيا فوقعوا في ظلمة الهوى وبقوا في تيه الجهل والعمى. وإنما لم يجز طرد الفقراء لأجل إيمان الأغنياء لأن إيمان من ترك الإيمان احترازاً من مجالسة الفقراء كلا إيمان فوجب أن لا يلتفت إليه. ثم بين أن الحق ما هو ومن أين هو قائلاً {وقل الحق من ربكم} أي الدين الحق حصل ووجد من عند الله، ويحتمل أن يراد بالحق الصبر مع الفقراء. وقال في الكشاف: الحق خبر مبتدأ محذوف والمعنى جاء الحق وزاحت العلل فلم يبق إلا اختيار الإيمان أو الكفر، وفيه دليل على أن الإيمان والكفر والطاعة والمعصية كلها مفوّضة إلى مشيئة العبد واختياره. وحمله الأشاعرة على أمر التهديد وقالوا: إن الفعل الاختياري يمتنع حصوله بدون القصد إليه، ثم ذلك القصد لا بد أن يقع بالاختيار والقصد فنقل الكلام إليه ولا يتسلسل فلا بد أن ينتهي إلى قصد واختيار يخلقه الله فيه. فالإنسان مضطر في صورة مختار وفي صورة هذا التخيير دلالة على أنه سبحانه لا ينتفع بإيمان المؤمنين ولا يستضر بكفر الكافرين. ثم بين وعيد الظالمين الذين وضعوا الكفر موضع الإيمان وتحقير المؤمنين لأجل فقرهم مكان تعظيمهم لأجل إيمانهم فقال: {إنا أعتدنا} أي أعددنا وهيأنا {للظالمين ناراً أحاط بهم سرادقها} وهو الحجرة التي تكون حول الفسطاط فأثبت تعالى للنار شيئاً شبيهاً بذلك يحيط بهم من جميع الجهات، والمراد أنه لا مخلص لهم منها ولا فرج. وقيل: هو حائط من نار يطبق بهم. وقيل: هو دخان محيط بالكفار قبل دخولهم النار وهو المراد بقوله {أية : انطلقوا إلى ظل ذي ثلاث شعب} تفسير : [المرسلات: 30] وقوله: {يغاثوا بماء} وارد على سبيل التهكم كقولهم "عتابك السيف". والمهل كل ما أذيب من المعدنيات كالذهب والفضة والنحاس قاله أبو عبيدة والأخفش. وقيل في حديث مرفوع إنه درديّ الزيت. وقيل: الصديد والقيح أو ضرب من القطران. وهذه الاستغاثة إما لطلب الشراب كقوله: {أية : تسقى من عين آنية} تفسير : [الغاشية: 5] وإما لدفع الحر ولأجل التبريد كقوله حكاية عنهم {أية : أفيضوا علينا من الماء} تفسير : [الأعراف: 50] ويروى أنهم إذا استغاثوا من حر جهنم صب عليهم القطران الذي يعم كل أبدانهم كالقميص، وقد يفسر بهذا قوله: {أية : سرابيلهم من قطران} تفسير : [إبراهيم: 50] عن النبي صلى الله عليه وسلم " حديث : هو - يعني المهل - كعكر الزيت إذا قرب إليه سقطت فروة وجهه"تفسير : وهذا معنى قوله: {يشوي الوجوه بئس الشراب} ذلك لأن المقصود من الشراب إراحة الأحشاء وهذا يحرقها ويشويها {وساءت} أي النار {مرتفقاً} متكئاً لأهلها ومنه المرفق لأنه يتكأ عليه. قال جار الله: هذا لمشاكلة قوله في أهل الجنة {وحسنت مرتفقاً} وإلا فلا ارتفاق لأهل النار إلا أن يقال: معنى ارتفق أنه نصب مرفقه ودعم به خده كعادة المغتمين. وقال قائلون: إن الشياطين رفقاء أهل النار من الإنس والمعنى ساءت النار مجتمعاً لأولئك الرفقاء. ثم شرع في وعد المؤمنين فقال: {إن الذين آمنوا} الآية فإن جعلت {إنا لا نضيّع} اعتراضاً فظاهر وإن جعلته خبراً و{أولئك} خبراً آخر أو كلاماً مستأنفاً للأجر أو بياناً لمبهم فمعنى العموم في {من أحسن} يقوم مقام الرابط المحذوف والتقدير {من أحسن عملاً} منهم. وتفسير جنات عدن قد مر في سورتي "التوبة" و "الرعد". ولأهل الجنة لباسان: لباس التحلي والباس الستر. ولم يسم فاعل {يحلون} للتعظيم وهو الله جل وعلا، أو الملائكة بإذن. و"من" في {من أساور} للابتداء وفي {من ذهب} للتبيين. وتنكير أساور لإبهام أمرها في الحسن، وأساور أهل الجنة بعضها ذهب لهذه الآية، وبعضها فضة لقوله: {أية : وحلوا أساور من فضة} تفسير : [الدهر: 21] وبعضها لؤلؤ لقوله في الحج {أية : ولؤلؤاً} تفسير : [الحج: 23] وجمع في لباس الستر بين السندس - وهو مارق من الديباج - وبين الاستبرق - وهو الغليظ منه - جمعاً بين النوعين والاستبرق عند بعضهم معرب استبره. قيل: إنما لم يسم فاعل {يحلون} إشارة إلى أن الحلي تفضل الله بها عليهم كرماً وجوداً ونسب اللبس إليهم تنبيهاً على أنهم استوجبوه بعملهم، ثم وصفهم بهيئة المتنعمين والملوك من الاتكاء على أسرتهم. والأرائك جمع أريكة وهو السرير المزين بالحجلة، أما السرير وحده فلا يسمى أريكة. ثم إن الكفار كانوا يفتخرون بخدمهم وحشمهم وأموالهم وأصناف تمتعاتهم على الفقراء المؤمنين فضرب الله مثلاً للطائفتين تنبيهاً على أن متاع الدنيا لا يوجب الافتخار لاحتمال أن يصير الغني فقيراً والفقير غنياً إنما الفخر بالأعمال الصالحات. والمراد مثل حال الكافرين والمؤمنين بحال رجلين وكانا أخوين من بني إسرائيل أحدهما كافر- اسمه فطروس - والآخر مؤمن - اسمه يهوذا - وقيل: هما المذكوران في سورة "والصافات" في قوله: {أية : قال قائل منهم إني كان لي قرين} تفسير : [الصافات: 51] ورثا من أبيهما ثمانية آلاف دينار فتشاطراهما، فاشترى الكافر أرضاً بألف فقال المؤمن: اللَّهم إن أخي اشترى أرضاً بألف دينار وأنا أشتري منك أرضاً في الجنة بألف فتصدق به. ثم بنى أخوه داراً بألف فقال: اللَّهم إن أخي بنى داراً بألف وإني أشتري منك داراً في الجنة بألف فتصدق به. ثم تزوج أخوه امرأة بألف فقال: اللَّهم إني جعلت ألفاً صداقاً للحور. ثم اشترى أخوه خدماً ومتاعاً بألف فقال: اللَّهم إني إشتريت منك الولدان المخلدين بألف فتصدق به. ثم أصابته حاجة فجلس لأخيه على طريقه فمر به في حشمه فتعرض له فطرده وبخسه على التصدق بماله. وقيل: هما مثل لأخوين من بني مخزوم مؤمن وهو عبد الله بن الأشد زوج أم سلمة قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكافر وهو الأسود بن عبد الأشد. أما قوله: {وحففناهما بنخل} فقال صاحب الكشاف: إنه يتعدى إلى المفعول الثاني بالباء ومعناه جعلنا النخيل محيطاً بالجنتين وهذا مما يؤثره الدهاقين في كرومهم أن يجعلوها مؤزرة بالأشجار ولا سيما المثمرة منها وخاصة النخيل إذا أمكن. {وجعلنا بينهما زرعاً} فهما جامعتان للأقوات والفواكه. وفيه أنهما مع سعة أطرافهما وتباعد أكنافهما لم يتوسطهما بقعة معطلة، وفيه أنهما أتاني كل وقت بمنعفة أخرى متواصلة متشابكة وكل منهما منعوتة بوفاء الثمار لتمام الأكل. {وآتت} محمول على لفظ {كلتا} لأن لفظه مفرد. ولو قيل: "آتتا". على المعنى لجاز. والظلم أصله النقصان وهو المراد ههنا. {وفجرنا} من قرأ بالتخفيف فظاهر لأنه نهر واحد، ومن قرأ بالتشديد فللمبالغة لأن النهر ممتد في وسطهما فهو كالأنهار {وكان له ثمر} قال الكسائي: الثمرة اسم الواحد والثمر جمع وجمعه ثمار ثم ثمر ككتاب وكتب بالحركة أو بالسكون. وذكر أهل اللغة أن الثمر بالضم أنواع الأموال من الذهب والفضة وغيرهما، والثمر بالفتح حمل الشجر. وقال قطرب: كان أبو عمرو بن العلاء يقول: الثمر المال والولد أي كان يملك مع الجنتين أشياء من النقود وغيرها وكان متمكناً من عمارة الأرض ومن سائر التمتعات كيف شاء. والمحاورة مراجعة الكلام من حار إذا رجع. والنفر الأنصار والحشم الذين يقومون بالذب عنه. وقيل: الأولاد الذكور لأنهم ينفرون معه دون الإناث. ثم إن الكافر كأنه أخذ بيد المسلم يطوف به في الجنتين ويريه ما فيهما ويفاخره بما ملك من المال دونه وذلك قوله سبحانه {ودخل جنته} فقال جار الله: معنى أفراد الجنة بعد التثنية أنه لا نصيب له في الجنة التي وعد المؤمنون، فما ملكه في الدنيا هو جنته لا غير ولم يقصد الجنتين ولا واحدة منهما. قلت: لا يبعد أن يكون قد دخل مع أخيه جنة واحدة منهما أو جعل مجموع الجنتين في حكم جنة واحدة منهما يؤيده توحيد الضمير على أكثر القراآت في قوله: {لأجدن خيراً منها} وإنما وصفه بقوله: {وهو ظالم لنفسه} لأنه لما اغتر بتلك النعم ولم يجعلها وسيلة إلى الإيمان بالله والاعتراف بالبعث وسائر مقدورات الله كان واضعاً للنعم في غير موضعها، على أن نعمة الجنة بخصوصها مما يجب أن يستدل بها على أحوال النشور كقوله عز من قائل: {أية : وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج} تفسير : [الحج: 5] عكس الكافر القضيتين زعم دوام جنته التي هي بصدد الزوال قائلاً {ما أظن أن تبيد} أي تهلك {هذه} الجنة {أبداً} وذلك لطول أمله واستيلاء الحرص عليه واغتراره بالمهلة حتى أنكر المحسوس وادعى غلبة الظن بامتناع النشور مع قيام الدلائل العقلية والحسية على إمكانه ووجود الدلائل الشرعية على وجوبه قائلاً {وما أظن الساعة قائمة} ثم أقسم على أنه إن رد إلى ره فرضاً وتقديراً وكما يزعم صاحبه أن له رباً وأنه سيرد إليه وجد خيراً من جنته في الدنيا كأنه قاس الغائب على الشاهد أو ادعى أن النعم الدنيوية لن تكون استدراجية أصلاً وإنما تكون استحقاقاً وكرامة. {منقلباً} نصب على التمييز أي مرجع تلك وعاقبتها لكونها باقية بزعمكم خير من هذه لكونها فانية حساً أو في اعتقادكم. قال بعض العلماء: الرد يتضمن كراهة المردود إليه فلهذا قال: {ولئن رددت} أي عن جنتي هذه التي أظن أن لا تبيد أبداً إلى ربي، ولما لم يسبق مثل هذا المعنى في "حم" قال هناك: {أية : ولئن رجعت إلى ربي} تفسير : [فصلت: 50]، قوله: {أكفرت} زعم الجمهور أن أخاه إنما حكم بكفره لأنه أنكر البعث. وأقول: يحتمل أن يكون كافراً بالله أيضاً بل مشركاً لقوله بعد ذلك: {يا ليتني لم أشرك بربي أحداً} ولقول أخيه معرضاً به {لكنا هو الله ربي} وليس في قوله: {ولئن رددت إلى ربي} دلالة على أنه كان عارفاً بربه لاحتمال أن يكون قد قال ذلك بزعم صاحبه كما أشرنا إليه. وقوله: {خلقك من تراب} أي خلق أصلك وهو إشارة إلى مادته البعيدة. وقوله: {من نطفة} إشارة إلى مادته القريبة. ومعنى {سوّاك رجلاً} عدلك وكلك حال كونك إنساناً ذكراً بالغاً مبلغ الرجال المكلفين ويجوز أن يكون {رجلاً} تمييزاً. ولعل السر في تخصيص الله سبحانه في هذا المقام بهذا الوصف هو أن يكون دليلاً على وجود الصانع أولاً، لأن الاستدلال على هذا المطلوب بخلق الإنسان أقرب الاستدلالات، وفيه أيضاً إشارة إلى إمكان البعث لأن الذي قدر على الإبداء أقدر على الإعادة، وفيه أنه خلقه فقيراً لا غنياً علم منه أنه خلقه للعبودية والإقرار لا للفخر والإنكار، ثم استدرك لقوله {أكفرت} كأنه قال لأخيه: أنت كافر بالله لكني مؤمن موحد. وأصل {لكنا} "لكن أنا" حذفت الهمزة بعد إلقاء حركتها على ما قبلها، ثم استثقل اجتماع النونين فسكنت الأولى وأدغمت في الثانية وضمير الغائب للشأن، والجملة بعده خبر للشأن، والمجموع خبر "أنا" والراجع ياء الضمير وتقدير الكلام: لكن أنا الشأن الله ربي. قال أهل العربية: إثبات ألف "أنا" في الوصل ضعيف، ولكن قراءة ابن عامر قوية بناء على أن الألف كالعوض عن حذف الهمزة {ولولا} للتخفيض وفعله. قلت: {وإذ دخلت} ظرف وقع في البين توسعاً. وقوله: {ما شاء الله} خبر مبتدأ محذوف أو جملة شرطية محذوفة الجزاء تقدير الكلام الأمر ما شاء الله أو أي شيء شاء الله كان. استدل أهل السنة بالآية في أنه لا يدخل في الوجود شيء إلا بأمر الله ومشيئته. وأجاب الكعبي بأن المراد ما شاء الله مما تولى فعله لا ما هو من فعل العباد. والجواب أن هذا التقدير مما يخرج الكلام عن الفائدة فإنه كقول القائل "السماء فوقنا". وأجاب القفال بأنه أراد ما شاء الله من عمارة هذا البستان ويؤيده قوله {لا قوة إلا بالله} أي ما قويت به على عمارته وتدبير أمره فهو بمعونة الله، وزيف بأنه تخصيص للظاهر من غير دليل على أن عمارة ذلك البستان لعلها حصلت بالظلم والعدوان، فالتحقيق أنه لا قوة لأحد على أمر من الأمور إلا بإعانة الله وإقداره. عن عروه بن الزبير أنه كان يثلم حائطه أيام الرطب فيدخل من يشاء، وكان إذا دخله ردد هذه الآية حتى يخرج. ثم لما علمه الإيمان وتفويض الأمر إلى مشيئة الله أجابه عن افتخاره بالمال والنفر فقال: {إن ترن أنا أقل} فـ"أنا" فصل و{أقل} مفعول ثان {مالاً وولداً} نصب على التمييز {فعسى ربي أن يؤتيني} في الدنيا أو في الآخرة جنة {خيراً من جنتك ويرسل عليها حسباناً} هو مصدر كالغفران بمعنى الحساب أي مقداراً وقع في حساب الله وهو الحكم بتخريبها. وعن الزجاج: عذاب حسبان وهو حساب ما كسبت يداك. وقيل: هو جمع حسبانة وهو السهم القصير يعني الصواعق. {فتصبح صعيداً زلقاً} أرضاً بيضاء يزلق عليها زلقاً لملاستها. وزلقاً وغوراً كلاهما بالمصدر كقولهم "فلان زور وصوم". ثم أخبر سبحانه عن تحقيق ما قدر المؤمن فقال: {وأحيط بثمره} وهو عبارة عن إهلاكه وإفنائه بالكلية من إحاطة العدوّ بالشخص كقوله: {أية : إلا أن يحاط بكم} تفسير : [يوسف: 66]، {فأصبح يقلب كفيه} أي يندم {على ما أنفق فيها} لأن النادم يفعل كذلك غالباً كما قد يعض أنامله. {وهي خاوية على عروشها} أي سقطت عروشها على الأرض وسقطت فوقها الكروم وقد مر في البقرة في قصة عزير. وقوله: {يا ليتني لم أشرك} تذكر لموعظة أخيه وفيه دلالة ظاهرة على ما قلنا من أنه كان غير عارف بالله بل كان عابد صنم، ومن ذهب إلى أنه جعل كافراً لإنكاره البعث فسره بأن الكافر لما اغتر بكثرة الأموال والأولاد فكأنه أثبت لله شريكاً في إعطاء العز والغنى، أو أنه لما عجز الله عن البعث فقد جعله مساوياً لخلقه في هذا الباب وهو نوع من الإشراك. وليس هذا الكلام منه ندماً على الشرك ورغبة في التوحيد المحض ولكنه رغب في الإيمان رغبة في جنته وطمعاً في دوام ذلك عليه، فلهذا لم يصر ندمه مقبولاً ووصفه بعد ذلك بقوله: {ولم يكن له فئة} طائفة {ينصرونه من دون الله} لأنه وحده قادر على نصرة العباد. {وما كان منتصراً} ممتنعاً بقوته عن انتقام الله. ولما علم من قصة الرجلين أن النصرة والعاقبة المحمودة كانت للمؤمن على الكافر علم أن الأمر هكذا يكون في حق كل مؤمن وكافر فقيل {هنالك} أي في مثل ذلك الوقت والمقام والولاية الحق لله أو {الولاية لله الحق} والولاية بالفتح النصرة والتولي، وبالكسر السلطان والملك، أو المراد في مثل تلك الحالة الشديدة يتوب إلى الله ويلتجىء إليه كل مضطر يعني أن قول الكافر {يا ليتني} إنما صدر عنه إلجاءً واضطراراً وجزعاً ومما دهاه من شؤم كفره ولولا ذلك لم يقلها. وقيل: {هنالك} إِشارة إلى الآخرة كقوله {أية : لمن الملك اليوم لله} تفسير : [غافر: 16] {عقباً} بضم القاف وسكونها بمعنى العاقبة لأن من عمل لوجه الله لم يخسر قط. ثم ضرب مثلاً آخر لجبابرة قريش فقال {واضرب لهم} الآية. وقد مر مثله في أوائل "يونس" {إنما مثل الحياة الدنيا كماء} ومعنى {فاختلط به} التف بسببه. وقيل: معناه روى النبات ورف لاختلاط الماء به وذلك لأن الاختلاط يكون من الجانبين. والهشيم ما تهشم وتحطم، والذر والتطيير والإذهاب. تقول: ذرت الريح التراب وغيره تذروه وتذريه ذرواً وذرياً. {وكان الله على كل شيء مقتدراً} من تكونيه أوّلاً وتنميته وسطاً وإذهابه آخراً. ولا ريب أن أحوال الدنيا أيضاً كذلك تظهر أولاً في غاية الحسن والنضارة، ثم تتزايد إلى أن تتكامل، ثم تنتهي إلى الزوال والفناء، ومثل هذا ليس للعاقل أن يبتهج به. وحين مهد القاعدة الكلية خصصها بصورة جزئية فقال: {المال والبنون زينة الحياة الدنيا والباقيات الصالحات} هي أعمال الخير التي تبقى ثمرتها {خير عند ربك ثواباً} أي تعلق ثواب وخير أملاً لأن الجواد المطلق أفضل مسؤول وأكرم مأمول. وقيل: هن الصلوات الخمس. وقيل: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر. ففي التسبيح تنزيه له عن كل مالاً ينبغي، وفي الحمد إقرار له بكونه مبدأ لإفادة كل ما ينبغي، وفي التهليل اعتراف بأنه لا شيء في الإمكان متصفاً بالوصفين إلا هو، وفي التكبير إذعان لغاية عظمته وأنه أجلّ من أن يعظم. وقيل: الطيب من القول. والأصح كل عمل أريد به وجه الله وحده قاله قتادة. التأويل: {واتل} على نفسك {وما أوحي إليك من كتاب} كتبه {ربك} في الأزل {لا مبدل لكلماته} إلى الأبد مع الذين {يدعون ربهم} وهم القلب والسر والروح والخفى في غداة الأزل إلى عشي الأبد فإنهم مجبولون على طاعة الله كما أن النفس جبلت على طاعة الهوى وطلب الدنيا. {ولا تعد} عينا همتك {عنهم} فإنك إن لم تراقب أحوالهم تصرف فيهم النفس الأمارة {ولا تطع من أغفلنا} يعني: النفس ناراً هي نار القهر والغضب {أحاط بهم سرادقها} يعني سرادق العزة {بماء كالمهل} كل ما هو لأهل اللطف أسباب لسهولة العيش وفراغ البال فإنه سبحانه جعل لأهل القهر سبباً لصعوبة الأمر وشدة التعلق حتى شوت الوجوه أي أحرقت مواد التفاتهم إلى عالم الأرواح، وفسدت استعداداتهم فبقوا في أسفل سافلين الطبيعة {يحلون فيها من أساور} والتحلية بالأساور إشارة إلى ظهور آثار الملكات عليهم وقوله: {من ذهب} رمز إلى أنها ملكات مستحسنة معتدلة راسخة {يلبسون ثياباً} فيه أن أنوار العبادات تلوح عليهم وتشتمل بهم. وقوله: {خضراً} إشارة إلى أنها أنوار غير قاهرة و {من سندس} إشارة إلى ما لطف من الرياضات {واستبرق} إلى ما شق منها {متكئين فيها على الأرائك} لأنهم فرغوا بها وكلفوا وقضوا ما عليهم من المجاهدات وبقي ما لهم من المشاهدات {مثلاً رجلين} هما النفس الكافرة والقلب المؤمن. {جعلنا لأحدهما} وهو النفس {جنتين} هما الهوى والدنيا {من أعناب} الشهوات {وحففناهما بنخل} حب الرياسة {وجعلنا بينهما زرعاً} من التمتعات البهيمية {وفجرنا خلالهما نهراً} من القوى البشرية والحواس. {وكان له ثمر} من أنواع الشهوات {وهو يحاوره} يجاذب النفس والقلب {أنا أكثر منك مالاً} أي ميلاً {وأعز نفراً} من أوصاف المذمومات {وهو ظالم لنفسه} في الاستمتاع بجنة الدنيا على وفق الهوى {لأجدن خيراً منها} لأنه غر بالله وكرمه فلا جرم يقال له ما غرك بربك الكريم، هلا قلت {ما شاء الله} أي أتصرف في جنة الدنيا كما شاء الله {على ما أنفق فيها} من العمر وحسن الاستعداد {كما أنزلناه} هو الروح العلوي الذي نزل إلى أرض الجسد {فاختلط} الروح بالأخلاق الذميمة {فأصبح هشيماً} تلاشت منه نداوة الأخلاق الروحانية {تذروه} رياح الأهوية المختلفة فيكون حاله خلاف روح أدركته العناية الأزلية فبعث إليه دهقان من أهل الكمال فرباه بماء العلم والعمل حتى يصير شجرة طيبة. {والباقيات الصالحات} أي ما فني منك وبقي بربك والله أعلم بالصواب.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {ٱتْلُ مَا أُوْحِيَ إِلَيْكَ }، أي: اتبع، وقيل: اسْرُدْ بتلاوتك ما أوحِيَ إليك من كتاب ربِك، لا نَقْضَ في قوله، ولا مُبَدِّلَ لكلماته، وليس لك سواه جَانِبٌ تميلُ إِليه، وتستند، و«المُلَتَحد»الجانب الذي يَمَالُ إِليه؛ ومنه اللَّحْد. * ت * قال النوويُّ: يستحبُّ لتالي القرآن إذا كان منفرداً أنْ يكون خَتْمُهُ في الصَّلاة، ويستحبُّ أن يكون ختمه أوَل الليلِ أو أول النهار، ورُوِّينا في مسند الإمام المُجْمَعِ على حْفظِهِ وجلالته وإِتقانه وبَرَاعته أبي محمَّدٍ الدَّارِمِيِّ رحمه اللَّه تعالى، عن سَعْدِ بنِ أبي وقَّاص رَضِيَ اللَّه عنه قَالَ: إِذَا وَافَقَ خَتْمُ القُرْآنِ أوَّلَ اللَّيّلِ، صَلَّتَ عَلَيْهِ المَلاَئِكَةُ حَتَّى يُصْبِحَ، وَإِنْ وَافَقَ خَتْمُهُ أَوَّلَ النَّهَارِ صَلَّتْ عَلَيْهِ المَلاَئِكَةُ حَتَّى يُمْسِي. قال الدارمي: هذا حديثٌ حسنٌ وعن طلحة بن مُطَرِّفٍ، قال: مَنْ خَتَمَ القُرْآنَ أَيَّةَ سَاعَةٍ كَانَتْ مِنَ النَّهَار، صَلَّتْ عَلَيْهِ المَلاَئكَةُ حَتَّى يُمْسِيَ، وأيَّةَ سَاعَةٍ كَانَتْ مِنَ اللَّيْلِ صَلَّتْ عَلَيْهِ المَلاِئَكَةُ حَتَّى يُصْبِحَ، وعن مجاهد نحوه انتهى. وقوله سبحانه: {وَٱصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم...} الآية: تقدَّم تفسيرها. وقوله سبحانه: {وَلاَ تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ }، أي: لا تتجاوزْ عنهم إِلى أبناء الدنيا، وقرأ الجمهور: «مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ» بنصب الباء على معنى جَعَلْنَاهُ غافلاً، «والفُرُط»: يحتملُ أن يكون بمعنى التفريط، ويحتمل أن يكون بمعنى الإفراط والإسراف، وقد فسَّره المتأوِّلون بالعبارتين.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: {ملتحداً} قال: ملجأ. وأخرج ابن الأنباري في الوقف، عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله: {ولن تجد من دونه ملتحداً} ما الملتحد؟ قال: المدخل في الأرض، قال فيه خصيب الضمري: شعر : يا لهف نفسي ولهف غير محدثه عليّ وما عن قضاء الله ملتحد تفسير : وأخرج ابن مردويه وأبو نعيم في الحلية والبيهقي في شعب الإيمان، عن سلمان قال: جاءت المؤلفة قلوبهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: عيينة بن بدر، والأقرع بن حابس، فقالوا: يا رسول الله، لو جلست في صدر المجلس وتغيبت عن هؤلاء وأرواح جبابهم - يعنون سلمان، وأبا ذر وفقراء المسلمين، وكانت عليهم جباب الصفوف - جالسناك أو حادثناك وأخذنا عنك، فأنزل الله {واتل ما أوحي إليك من كتاب رَبك} إلى قوله: {أعتدنا للظالمين ناراً} يهددهم بالنار. وأخرج أبو الشيخ عن سلمان قال: حديث : قام رسول الله صلى الله عليه وسلم يلتمسهم حتى أصابهم في مؤخر المسجد يذكرون الله، فقال: "الحمد لله الذي لم يمتني حتى أمرني أن أصبر نفسي مع رجال من أمتي، معكم المحيا والممات" . تفسير : وأخرج عبد بن حميد عن سلمان قال: نزلت هذه الآية فيّ وفي رجل دخل على النبي صلى الله عليه وسلم - ومعي شن خوص - فوضع مرفقه في صدري فقال: تَنَحَّ. حتى ألقاني على البساط، ثم قال: يا محمد، إنا ليمنعنا كثيراً من أمرك هذا وضرباؤه، أن ترى لي قدماً وسواداً، فلو نَحّيْتَهُمْ إذا دخلنا عليك، فإذا خرجنا أذنت لهم إذا شئت. فلما خرج أنزل الله {واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم} إلى قوله: {وكان أمره فرطاً}. وأخرج ابن جرير والطبراني وابن مردويه، حديث : عن عبد الرحمن بن سهل بن حنيف قال: نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في بعض أبياته {واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي} فخرج يلتمسهم فوجد قوماً يذكرون الله، فيهم ثائر الرأس وجاف الجلد وذو الثوب الواحد، فلما رآهم جلس معهم وقال: "الحمد لله الذي جعل في أمتي من أمرني أن أصبر نفسي معهم" . تفسير : وأخرج البزار عن أبي هريرة وأبي سعيد قالا: حديث : جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل يقرأ سورة الحجر وسورة الكهف، فسكت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هذا المجلس الذي أمرت أن أصبر نفسي معهم" . تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم وابن عساكر من طريق عمر بن ذر، عن أبيه: "حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم انتهى إلى نفر من أصحابه - منهم عبد الله بن رواحة - يذكرهم بالله، فلما رآه عبدالله سكت، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ذكّر أصحابك. فقال: يا رسول الله، أنت أحق. فقال: أما إنكم الملأ الذين أمرني أن أصبر نفسي معهم، ثم تلا {واصبر نفسك} الآية ". تفسير : وأخرج الطبراني في الصغير وابن مردويه من طريق عمر بن ذر: حدثني مجاهد عن ابن عباس قال: حديث : مر النبي صلى الله عليه وسلم بعبد الله بن رواحة وهو يذكر أصحابه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أما إنكم للملأ الذين أمرني الله أن أصبر نفسي معهم. ثم تلا {واصبر نفسك} الآية. قال: إنه ما جلس عدتكم إلا جلس معه عدتهم جليسهم من الملائكة، إن سبّحوا الله سبحوه، وإن حَمَدوا الله حمدوه، وإن كبّروا الله كبروه... يصعدون إلى الرب وهو أعلم فيقولون: ربنا، إن عبادك سبحوك فسبحنا، وكبروك فكبرنا، وحمدوك فحمدنا. فيقول ربنا: يا ملائكتي أشهدكم أني قد غفرت لهم. فيقولون: فيهم فلان الخطاء. فيقول: هم القوم لا يشقى بهم جليسهم" . تفسير : وأخرج أحمد عن أبي أمامة قال: "حديث : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم على قاصّ يقص، فأمسك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قصّ، فلأن أقعد غدوة إلى أن تشرق الشمس، أحب إلي من أن أعتق أربع رقاب ". تفسير : وأخرج أبو يعلى وابن مردويه والبيهقي في الدلائل وأبو نصر السجزي في الإبانة، حديث : عن أبي سعيد قال: أتى علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن ناس من ضعفة المسلمين، ورجل يقرأ علينا القرآن ويدعو لنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الحمد لله الذي جعل في أمتي من أمرت أن أصبر نفسي معهم، ثم قال: بشر فقراء المسلمين بالنور التام يوم القيامة، يدخلون الجنة قبل الأغنياء بنصف يوم، مقدار خمسمائة عام. هؤلاء في الجنة يتنعمون وهؤلاء يحاسبون" . تفسير : وأخرج أحمد في الزهد، عن ثابت قال: "حديث : كان سلمان في عصابة يذكرون الله، فمر النبي فكفوا فقال: ما كنتم تقولون؟ قلنا: نذكر الله. قال: فإني رأيت الرحمة تنزل عليكم فأحببت أن أشارككم فيها. ثم قال: الحمد لله الذي جعل في أمتي من أمرت أن أصبر نفسي معهم ". تفسير : وأخرج أحمد عن أنس، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : ما من قوم اجتمعوا يذكرون الله لا يريدون بذلك إلا وجهه، إلا ناداهم منادٍ من السماء أن: قوموا مغفوراً لكم، قد بدلت سيئاتكم حسنات ". تفسير : وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه، عن نافع قال: أخبرني عبد الله بن عمر في هذه الآية {واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم} أنهم الذين يشهدون الصلوات المكتوبة. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن ابن عباس مثله. وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه من طريق عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده في قوله: {واصبر نفسَكَ} الآية. قال: نزلت في صلاة الصبح وصلاة العصر. وأخرج ابن أبي حاتم، عن عبيدالله بن عبدالله بن عدي بن الخيار في هذه الآية قال: هم الذين يقرأون القرآن. وأخرج ابن مردويه من طريق جويبر عن الضحاك، عن ابن عباس في قوله: {ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا} قال: نزلت في أمية بن خلف، وذلك أنه دعا النبي صلى الله عليه وسلم إلى أمر كرهه الله من طرد الفقراء عنه وتقريب صناديد أهل مكة، فأنزل الله {ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا} يعني، من ختمنا على قلبه، يعني التوحيد {واتبع هواه} يعني الشرك {وكان أمره فرطاً} يعني فرطا في أمر الله وجهالة بالله. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن بريدة قال: دخل عيينة بن حصن على النبي صلى الله عليه وسلم في يوم حار وعنده سلمان عليه جبة من صوف، فثار منه ريح العرق في الصوف، فقال عيينة: يا محمد، إذا نحن أتيناك فأخرج هذا وضرباءه من عندك؛ لا يؤذونا؛ فإذا خرجنا فأنت وهم أعلم. فأنزل الله {ولا تطع من أغفلنا قلبه} الآية. وأخرج ابن أبي حاتم عن الربيع قال: حدثنا حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم تصدى لأمية بن خلف وهو ساه غافل عما يقال له، فأنزل الله {ولا تطع من أغفلنا قَلبَه} الآية. فرجع إلى أصحابه وخلى عن أمية، فوجد سلمان يذكرهم فقال: "الحمد لله الذي لم أفارق الدنيا حتى أراني أقواماً من أمتي أمرني أن أصبر نفسي معهم" . تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم من طريق مغيرة، عن إبراهيم في قوله: {واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي} قال: هم أهل الذكر. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر من طريق منصور، عن إبراهيم في قوله: {واصبر نفسَكَ} الآية. قال: لا تطردهم عن الذكر. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن أبي جعفر في الآية قال: أمر أن يصبر نفسه مع أصحابه يعلمهم القرآن. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {مع الذين يدعون ربهم} قال: يعبدون ربهم. وقوله: {ولا تعد عيناك عنهم} يقول: لا تتعداهم إلى غيرهم. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي هاشم في الآية قال: كانوا يتفاضلون في الحلال والحرام. وأخرج الحكيم الترمذي، عن سعيد بن جبير في قوله: {واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي} قال: المفاضلة في الحلال والحرام. وأخرج البيهقي في شعب الإيمان، عن إبراهيم ومجاهد {واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي} قال: الصلوات الخمس. وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج قال: نزلت {ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا} في عيينة بن حصن؛ قال للنبي صلى الله عليه وسلم: لقد آذاني ريح سلمان الفارسي، فاجعل لنا مجلساً معك لا يجامعنا فيه، واجعل لهم مجلساً منك لا نجامعهم فيه. فنزلت. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله {وكان أمره فرطاً} قال: ضياعاً. وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: {وقل الحق من ربكم} قال: الحق هو القرآن. وأخرج حنيش في الاستقامة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات، عن ابن عباس في قوله: {فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر} يقول: من شاء الله له الإيمان آمن، ومن شاء الله له الكفر كفر، وهو قوله: {أية : وما تشاؤون إلا أن يشاء الله رب العالمين} تفسير : [التكوير: 29]. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر} قال: هذا تهديد ووعيد. وأخرج ابن أبي حاتم عن رباح بن زياد قال: سألت عمر بن حبيب عن قوله: {فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر} قال: حدثني داود بن نافع أن مجاهداً كان يقول: فليس بمعجزي وعيد من الله. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: {أحاط بهم سرادقها} قال: حائط من نار. وأخرج أحمد والترمذي وابن أبي الدنيا في صفة النار، وابن جرير وأبو يعلى وابن أبي حاتم وابن حبان وأبو الشيخ والحاكم وصححه وابن مردويه، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : السرادق النار أربعة جدر كافة، كل جدار منها أربعون سنة ". تفسير : وأخرج أحمد والبخاري في تاريخه، وابن أبي الدنيا وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في البعث، عن يعلى بن أمية قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : "إن البحر من جهنم" ثم تلا {ناراً أحاط بهم سرادقها} . تفسير : وأخرج عبد الرزاق في المصنف، عن قتادة أن الأحنف بن قيس كان لا ينام في السرادق ويقول: لم يذكر السرادق إلا لأهل النار. وأخرج أحمد وعبد بن حميد والترمذي وأبو يعلى وابن جرير وابن أبي حاتم وابن حبان والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في الشعب، عن أبي سعيد الخدري، "حديث : عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: {بماء كالمهل}، قال: كعكر الزيت، فإذا أقرب إليه سقطت فروة وجهه فيه "تفسير : . وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: {كالمهل} يقول: أسود كعكر الزيت. وأخرج ابن أبي شيبة وهناد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن عطية قال: سئل ابن عباس عن المهل قال: ماء غليظ كدردي الزيت. وأخرج هناد وعبد بن حميد وابن جرير، عن سعيد بن جبير في قوله: {كالمهل} قال: كدردي الزيت. وأخرج عبد بن حميد عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه قال: المهل، دردي الزيت. وأخرج عبد بن حميد عن أبي مالك في قوله: {كالمهل} قال: المهل، دردي الزيت. وأخرج هناد وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني، عن ابن مسعود أنه سئل عن المهل فدعا بذهب وفضة، فإذا به قلما ذاب. قال: هذا أشبه شيء بالمهل الذي هو شراب أهل النار، ولونه لون السماء، غير أن شراب أهل النار أشد حراً من هذا. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: {كالمهل} قال: القيح والدم أسود كعكر الزيت. وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك في قوله: {كالمهل} قال: أسود، وهي سوداء وأهلها سود. وأخرج ابن المنذر عن خصيف قال: المهل، النحاس إذا أذيب فهو أشد حراً من النار. وأخرج عبد بن حميد عن الحكم في قوله: {كالمهل} قال: مثل الفضة إذا أذيبت. وأخرج عبد بن حميد، عن سعيد بن جبير في قوله: {كالمهل} قال: أشد ما يكون حراً. وأخرج ابن جرير عن ابن عمر قال: هل تدرون ما المهل؟ مهل الزيت: يعني آخره. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: {وساءت مرتفقاً} قال: مجتمعاً. وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: {وساءت مرتفقاً} قال: منزلاً. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: {وساءت مرتفقاً} قال: عليها مرتفقون على الحميم حين يشربون، والإرتفاق هو المتكأ.
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {وَٱتْلُ مَآ أُوْحِيَ إِلَيْكَ مِن كِتَابِ رَبِّكَ}. تَسَلَّ - حينما تتنوع عليك الأحوال - بما نُطْلِعُكَ عليه من الأخبار؛ وإنَّ كُتُبَ الأحبابِ فيها شفاءٌ لأنها خطابُ الأحباب للأحباب. قوله جلّ ذكره: {لاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَن تَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَداً}. أي لا تغيير لِحُكْمِه؛ فَمَنْ أقصاه فلا قبولَ له، ومَنْ أدناه فلا وصولَ له، ومَنْ قَبِلَة فلا رَدَّ له، ومَنْ قَرَّ به فلا صَدَّ له.
اسماعيل حقي
تفسير : {واتل ما اوحى اليك من كتاب ربك} اى القرآن للتقرب الى الله تعالى بتلاوته والعمل بموجبه والاطلاع على اسراره ولا تسمع لقولهم ائت بقرآن غير هذا او بدله والفرق بين التلاوة والقراءة ان التلاوة قراءة القرآن متابعة كالدراسة والاوراد الموظفة والقراءة اعم لانها جمع الحروف باللفظ لا اتباعها {لا مبدل لكلماته} لا قادر على تبديله وتغييره غيره تعالى كقوله {وإذا ابدلنا آية مكان آية} فهو عام مخصوص فافهم {ولن تجد} ابد الدهر وان بالغت فى الطلب {من دونه} تعالى {ملتحدا} ملتجأ تعدل اليه عند نزول بلية. وقال الشيخ فى تفسيره ولن تجد من دون عذابه ملتجأ تلجأ اليه ان هممت بذلك التبديل فرضا انتهى. واعلم ان القرآن لا يتبدل ابدا ولا يتغير بالزيادة والنقصان سرمدا وكذلك احكامه لانه محفوظ فى الصدور بنظمه ومعانيه وانما يتبدل اهله بتبدل الاعصار فيعود العلم والعمل الى الجهل والترك نعوذ بالله تعالى. قال ابراهيم بن ادهم رحمه الله مررت بحجر مكتوب عليه قلبنى انفعك فقلبته فاذا مكتوب عليه انت بما تعلم لا تعمل فكيف تطلب ما لم تعلم شعر : كر همه علم عالمت باشد بى عمل ومدعى وكذابى تفسير : ومن فرق المتصوفة المبتدعة قوم يسمون بالالهامية يتركون طلب العلم والدرس ويقولون القرآن حجاب والاشعار قرآن الطريقة فيتركون القرآن ويتعلمون الاشعار فهلكوا بذلك قال الكمال الخجندى شعر : دل ازشنيدن قرآن بكيردت همه وقت جو باطلان ز كلام حقت ملولى جيست تفسير : قال ابراهيم الخواص جلاء القلب ودواؤه خمسة قراءة القرآن بالتدبر واخلاء البطن وقيام الليل والتضرع الى الله عند السحر ومجالسة الصالحين فمن اشتغل بشهوته وهواه عن هذه الامور الشاقة بقى على مرضه الروحانى ولم يجد لنفسه ملتحدا سوى العذاب والهلاك فانظر يا مسيئ الادب ان لا مرجع الا الى الله تعالى فكيف ترجع اليه بالاشعار التى اخترعتها انت وامثالك من اهل النفس والهوى بدل القرآن الذى ارسله الله اليك وامر بالعمل به فما جوابك يوم يجثوا المقربون على ركبهم من الهول كما قال الشيخ سعدى شعر : دران روز كز فعل برسند وقول اولو العزم را تن بلرزد زهول بجايى كه دهشت خورد انبيا توعذر كنه را جه دارى بيا تفسير : فالواجب ان تجثو فى هذا اليوم بين يديى عالم لتعلم القرآن وكيفية العمل به ومعرفة طريق الوصول الى حقائقه فانه نسخة الهية فيها علوم جميع الانبياء والاولياء فمن اراد دخول الدار من شيخ وشاب فليأت من طرف الباب. وعن على رضى الله عنه من قرأ القرآن وهو قائم فى الصلاة كان له بكل حرف مائة حسنة ومن قرأ وهو جالس فى الصلاة فله بكل حرف خمسون حسنة ومن قرأ وهو فى غير الصلاة وهو على وضوء فخمس وعشرون حسنة ومن قرأ على غير وضوء فعشر حسنات. قالوا أفضل التلاوة على الوضوء والجلوس شطرا القبلة وان يكون غير متربع ولا متكئ ولا جالس جلسة متكبر ولكن نحو ما يجلس بين يدى من يهابه ويحتشم منه. وفى الاشباه استماع القرآن اثوب من تلاوته انتهى. فما يفعل البعض فى هذا الزمان من اخفاء آية الكرسى فى بعض الجوامع والمجامع ليس على ما ينبغى وذلك لان فى القوم من هو امى لا يحسن قراءة الآية المذكورة فاللائق ان يجهر بها المؤذن لينال المستمعون ثواب التلاوة بل ازيد وهو ظاهر على ارباب الانصاف ولا يخرج عن هذا الحد الا اصحاب الاعتساف.
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحقّ جلّ جلاله: {واتلُ ما أُوحي إليك من كتاب ربك} أي: أسرده على ما نزل، ولا تسمع لقولهم {أية : ٱئْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَـٰذَآ} تفسير : [يونس: 15]، أو اتبع أحكامه، {لا مُبدِّل لكلماته}: لا قادر على تبديله غيره، أو: لا مغير لما وعد بكلماته للمخالفين له، {ولن تجدَ} أبدًا {من دونه مُلتحدًا} أي: ملجأ، تعدل إليه عند إلمام مُلمة، أو: لن تجد، إن بدلت؛ تقديرًا، وخالفت ما أنزل إليك، ملتحدًا: ملجأ تميل إليه. والله تعالى أعلم. الإشارة: القرآن شفاء لكل داء فمن نزلت به شدة حسية أو معنوية، دنيوية أو دينية، ففزع إليه بالتلاوة أو الصلاة به، رأى فَرَجًا، وقريبًا، فالالتجاء إلى كلام الله هو الالتجاء إلى الله، فإنَّ الحق تعالى يتجلى في كلامه للقلوب على قدر صفائها، وأما من التجأ إلى غير الله فقد خاب رجاؤه وبطل سعيه؛ قال تعالى: {ولن تجد من دونه ملتحدًا} تميل إليه فيأويك. والله تعالى أعلم. ثمَّ أمر بصحبة الفقراء الذين يُعينونه
الهواري
تفسير : قوله: {وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن كِتَابِ رَبِّكَ لاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ} أي: لا يحكم في الآخرة بخلاف ما قال في الدنيا. وهو كقوله: (أية : مَا يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيَّ) تفسير : [سورة ق:29]. قوله: { وَلَن تَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَداً} أي: ولياً ولا موئلاً. قوله: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} وهم الصلاتان: صلاة الصبح وصلاة العصر. وإنما فرضت الصلوات الخمس قبل خروج النبي عليه الصلاة والسلام من مكة إلى المدينة بسنة. ثم نزلت هذه الآية في سلمان الفارسي، وبلال، وصهيب، وخباب بن الأرتّ، وسالم، مولى أبي حذيفة. قال المشركون للنبي: إن أردت أن نجالسك فاطرد عنا هؤلاء القوم، فأنزل الله: (أية : وَلاَ تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالغَدَاةِ وَالعَشِيِّ) تفسير : [الأنعام:52]. قال: { وَلاَ تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ} مَحْقَرَةً لهم إلى غيرهم { تُرِيدُ زِينَةَ الحَيَاةِ الدَّنْيَا} قال بعضهم: ذكروا عن عبدالله بن عمرو قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : لَذِكر الله بالغداة والعشي أفضل من حطم السيوف في سبيل الله ومن إعطاء المال سحّاً تفسير : قوله: { وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً} أي: ضياعاً. وهو مثل قوله: (أية : يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا) تفسير : [الأنعام:31] أي: على ما ضيعنا فيها.
اطفيش
تفسير : {وَاتْلُ} على الناس أو على أصحابك أى اقرأ، ويجوز أن يكون أتبع بالعمل {مَا أُوحِىَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ} القرآن ليستقر فى ذهنك ما فيه من شأن أهل الكهف وسائر الأخبار والفرائض وغيرها وتطَّلع على ما لم يطلع عليه أهل الكتاب، وترد عليهم، وتتبع على ذلك، ولا تكترث بقول ائت بقرآن غير هذا، ومن للتبعيض، لأنه يوحى شيئًا فشيئًا، أو للبيان أو للابتداء. {لاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ} لا يهمك مخالفة أهل الكتاب لك، وإِنكارهم، ولا قول قومك ائت بقرآن غير هذا أو بدِّله، فإنه حق يجب الوفاق فيه، لا يبدله الله ولا يغيره أحد بنسخ ولا إِبطال، والنسخ بالغير تبديل، والنسخ لا إلى شئ تغيير شبيه بالتبديل، فيجمع بين الحقيقة والمجاز، أو يراد مطلق التغيير، ولا قدرة لأحد على ذلك، لأن الله عز وجل حفظه، وهو مستمر مخبر بالغيوب، كما أخبرك عن شأن أهل الكهف، والآية أمر للنبى صلى الله عليه وسلم بالبقاء على ما هو عليه وتهييج على زيادة التمكن فيه. {وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ} من دون الكتاب أو من دون الله {مُلْتَحِدًا} موضع ميل تميل إِليه عنه، لو هممت به، لكنك لا تهم به.
الالوسي
تفسير : {وَٱتْلُ مَا أُوْحِىَ إِلَيْكَ مِن كِتَـٰبِ رَبّكَ} ووجه الربط على القراءة المشهورة حسبما تقدم من تفسيرها أنه سبحانه لما ذكر قصة أصحاب الكهف وكانت من المغيبات بالإضافة إليه صلى الله عليه وسلم ودل اشتمال القرآن عليها على / أنه وحي معجز من حيثية الاشتمال وإن كانت جهة إعجازه غير منحصرة في ذلك أمره جل شأنه بالمواظبة على درسه بقوله سبحانه {وَٱتْلُ} الخ وهو أمر من التلاوة بمعنى القراءة أي لازم تلاوة ذلك على أصحابك أو مطلقاً ولا تكترث بقول من يقول لك {أية : ٱئْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَـٰذَآ أَوْ بَدِّلْهُ} تفسير : [يونس: 15]. وجوز أن يكون {ٱتْلُ} أمراً من التلو بمعنى الاتباع أي اتبع ما أوحي إليك والزم العلم به. وقيل وجه الربط أنه سبحانه لما نهاه عن المراء المتعمق فيه وعن الاستفتاء أمره سبحانه بأن يتلو ما أوحى إليه من أمرهم فكأنه قيل اقرأ ما أوحي إليك من أمرهم واستغن به ولا تتعرض لأكثر من ذلك أو اتبع ذلك وخذ به ولا تتعمق في جدالهم ولا تستفت أحداً منهم فالكلام متعلق بما تقدم من النواهي. والمراد بما أوحي الخ هو الآيات المتضمنة شرح قصة أصحاب الكهف، وقيل: متعلق بقوله تعالى: {أية : قُلِ ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُواْ} تفسير : [الكهف: 26] أي قل لهم ذلك واتل عليهم إخباره عن مدة لبثهم فالمراد بما أوحي الخ ما تضمن هذا الإخبار، وهذا دون ما قبله بكثير بل لا ينبغي أن يلتفت إليه، والمعول عليه أن المراد بما أوحي ما هو أعم مما تضمن القصة وغيره من كتابه تعالى. {لاَ مُبَدّلَ لِكَلِمَـٰتِهِ} لا يقدر أحد على تبديلها وتغييرها غيره وأما هو سبحانه فقدرته شاملة لكل شيء يمحو ما يشاء ويثبت، ويعلم مما ذكر اندفاع ما قيل: إن التبديل واقع لقوله تعالى: {أية : وَإِذَا بَدَّلْنَآ ءايَةً} تفسير : [النحل: 101] الآية. والظاهر عموم الكلمات الأخبار وغيرها، ومن هنا قال الطبرسي: المعنى لا مغير لما أخبر به تعالى ولا لما أمر والكلام على حذف مضاف أي لا مبدل لحكم كلماته انتهى. لكن أنت تعلم أن الخبر لا يقبل التبديل أي النسخ فلا تتعلق به الإرادة حتى تتعلق به القدرة لئلا يلزم الكذب المستحيل عليه عز شأنه. ومنهم من خص الكلمات بالأخبار لأن المقام للإخبار عن قصة أصحاب الكهف وعليه لا يحتاج إلى تخصيص النكرة المنفية لما سمعت من حال الخبر. وقول الإمام: إن النسخ في الحقيقة ليس بتبديل لأن المنسوخ ثابت في وقته إلى وقت طريان الناسخ فالناسخ كالمغاير فكيف يكون تبديلاً توهم لا يقتدى به. ومن الناس من خص الكلمات بمواعيده تعالى لعباده الموحدين فكأنه قيل اتل ما أوحي إليك ولا تبال بالكفرة المعاندين فإنه قد تضمن من وعد الموحدين ما تضمن ولا مبدل لذلك الوعد، ومآله اتل ولا تبال فإن الله تعالى ناصرك وناصر أصحابك وهو كما ترى وإن كان أشد مناسبة لما بعد. والضمير على ما يظهر من «مجمع البيان» للكتاب، ويجوز أن يكون للرب تعالى كما هو الظاهر في الضمير في قوله سبحانه: {وَلَن تَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا} أي ملجأ تعدل إليه عند إلمام ملمة، وقال الإمام في «البيان والإرشاد»: وأصله من الالتحاد بمعنى الميل، وجوز الراغب فيه أن يكون اسم مكان وأن يكون مصدراً، وفسره ابن عباس رضي الله تعالى عنهما هنا بالمدخل في الأرض وأنشد عليه حين سأله نافع بن الأرزق قول خصيب الضمري:شعر : يا لهف نفسي ولهف غير مجدبة عني وما عن قضاء الله ملتحد تفسير : ولا داعي فيه لتفسيره بالمدخل في الأرض ليلتجأ إليه. ثم إذا كان المعني بالخطاب سيد المخاطبين صلى الله عليه وسلم فالكلام مبني على الفرض والتقدير إذ هو عليه الصلاة والسلام بل خلص أمته لا تحدثهم أنفسهم بطلب ملجأ غيره تعالى. نسأله سبحانه أن يجعلنا ممن التجأ إليه وعول في جميع أموره عليه فكفاه جل وعلا ما أهمه وكشف عنه غياهب كل غمه. / هذا ومن باب الإشارة في الآيات: {ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى أَنْزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ ٱلْكِتَـٰبَ} قد تقدم أن مقام العبودية لا يشابهه مقام ولا يدانيه ونبينا صلى الله عليه وسلم في أعلى مراقيه، وقد ذكر أن العبد الحقيقي من كان حراً عن الكونين وليس ذاك إلا سيدهما صلى الله عليه وسلم {أية : وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا} تفسير : [الكهف: 1] {قَيِّماً} قد تقدم في التفسير أن الضمير المجرور عائد على {ٱلْكِتَـٰبِ} وجعله بعض أهل التأويل عائداً على {عَبْدِهِ } أي لم يجعل له عليه الصلاة والسلام انحرافاً عن جنابه وميلاً إلى ما سواه وجعله مستقيماً في عبوديته سبحانه، وجعل الأمر في قوله تعالى {أية : فَٱسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ} تفسير : [هود: 112] أمر تكوين {لِّيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مّن لَّدُنْهُ} وهو بأس الحجاب والبعد عن الجناب وذلك أشد العذاب {أية : كَلاَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ } تفسير : [المطففين: 15] {وَيُبَشّرُ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلصَّـٰلِحَاتِ} وهي الأعمال التي أريد بها وجه الله تعالى لا غير، وقيل العمل الصالح التبري من الوجود بوجود الحق {أية : أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا} تفسير : [الكهف: 2] وهي رؤية المولى ومشاهدة الحق بلا حجاب {أية : فَلَعَلَّكَ بَـٰخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ ءاثَـٰرِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ بِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ أَسَفاً} تفسير : [الكهف: 6] فيه إشارة إلى مزيد شفقته صلى الله عليه وسلم واهتمامه وحرصه على موافقة المخالفين وانتظامهم في سلك الموافقين {إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى ٱلأَرْضِ} من الأنهار والأشجار والجبال والمعادن والحيوانات {زِينَةً لَّهَا} أي لأهلها {أية : لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُم أَحْسَنُ عَمَلاً} تفسير : [الكهف: 7] فيجعل ذلك مرآة لمشاهدة أنوار جلاله وجماله سبحانه عز وجل، وقال ابن عطاء: حسن العمل الإعراض عن الكل، وقال الجنيد: حسن العمل اتخاذ ذلك عبرة وعدم الاشتغال به. وقال بعضهم: أهل المعرفة بالله تعالى والمحبة له هم زينة الأرض وحسن العمل النظر إليه بالحرمة. {أية : وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيداً جُرُزاً} تفسير : [الكهف: 8] كناية عن ظهور فناء ذلك بظهور الوجود الحقاني والقيامة الكبرى {أية : أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَـٰبَ ٱلْكَهْفِ وَٱلرَّقِيمِ كَانُواْ مِنْ ءايَـٰتِنَا عَجَبًا} تفسير : [الكهف: 9] قال الجنيد قدس الله سره: أي لا تتعجب منهم فشأنك أعجب من شأنهم حيث أسري بك ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى وبلغ بك سدرة المنتهى وكنت في القرب كقاب قوسين أو أدنى ثم ردك قبل انقضاء الليل إلى مضجعك. {إِذْ أَوَى ٱلْفِتْيَةُ إِلَى ٱلْكَهْفِ} قيل هم فتيان المعرفة الذين جبلوا على سجية الفتوة، وفتوتهم إعراضهم عن غير الله تعالى فأووا إلى الكهف الخلوة به سبحانه {فَقَالُواْ} حين استقاموا في منازل الأنس ومشاهد القدس وهيجهم ما ذاقوا إلى طلب الزيادة والترقي في مراقي السعادة {رَبَّنَا ءاتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً} معرفة كاملة وتوحيداً عزيزاً {أية : وَهَيّىء لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا } تفسير : [الكهف: 10] بالوصول إليك والفناء فيك {أية : فَضَرَبْنَا عَلَىٰ ءاذَانِهِمْ فِى ٱلْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا} تفسير : [الكهف: 11] كناية عن جعلهم مستغرقين فيه سبحانه فانين به تعالى عما سواه {أية : ثُمَّ بَعَثْنَـٰهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الحِزْبَيْنِ أَحْصَىٰ لِمَا لَبِثُواْ أَمَدًا} تفسير : [الكهف: 21] إشارة إلى ردهم إلى الصحو بعد السكر والبقاء بعد الفناء، ويقال أيضاً: هو إشارة إلى الجلوة بعد الخلوة وهما قولان متقاربان {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نبَأَهُم بِٱلْحَقّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ ءامَنُواْ بِرَبّهِمْ} الإيمان العلمي {أية : وَزِدْنَـٰهُمْ هُدًى} تفسير : [الكهف: 13] بأن أحضرناهم وكاشفناهم {وَرَبَطْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ} سكناها عن التزلزل بما أسكنا فيها من اليقين فلم يسنح فيها هواجس التخمين ولا وساوس الشياطين، ويقال أيضاً: رفعناها من حضيض التلوين إلى أوج التمكين. {إِذْ قَامُواْ} بنا لنا {فَقَالُواْ رَبُّنَا رَبُّ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ} مالك أمرهما ومدبرهما فلا قيام لهما إلا بوجوده المفاض من بحار جوده {لَن نَّدْعُوَاْ مِن دُونِهِ إِلـٰهاً} إذ ما من شيء إلا وهو محتاج إليه سبحانه فلا يصلح لأن يدعى {أية : لَّقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا} تفسير : [الكهف: 14] كلاماً بعيداً عن الحق مفرطاً في الظلم، واستدل بعض المشايخ بهذه الآية على أنه ينبغي للسالكين إذا أرادوا الذكر وتحلقوا له أن يقوموا فيذكروا قائمين، قال ابن الغرس: وهو استدلال / ضعيف لا يقوم به المدعي على ساق. وأنت تعلم أنه لا بأس بالقيام والذكر لكن على ما يفعله المتشيخون اليوم فإن ذلك لم يكن في أمة من الأمم ولم يجيء في شريعة نبينا صلى الله عليه وسلم بل لعمري إن تلك الحلق حبائل الشيطان وذلك القيام قعود في بحبوحة الخذلان {وَإِذِ ٱعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إَلاَّ ٱللَّهَ} أي وإذ خرجتم عن صحبة أهل الهوى وأعرضتم عن السوى {فَأْوُواْ إِلَى ٱلْكَهْفِ} فاخلوا بمحبوبكم {يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مّن رَّحْمَتِهِ} مطوي معرفته {أية : وَيُهَيّىء لَكُمْ مّنْ أَمْرِكُمْ مّرْفَقًا} تفسير : [الكهف: 16] ما تنتفعون به من أنوار تجلياته ولطائف مشاهداته، قال بعض العارفين: العزلة عن غير الله تعالى توجب الوصلة بالله عز وجل بل لا تحصل الوصول إلا بعد العزلة ألا ترى كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتجنب بغار حراء حتى جاءه الوحي وهو فيه {وَتَرَى ٱلشَّمْسَ إِذَا طَلَعَت تَّزَاوَرُ عَن كَهْفِهِمْ ذَاتَ ٱلْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَت تَّقْرِضُهُمْ ذَاتَ ٱلشّمَالِ وَهُمْ فِى فَجْوَةٍ مّنْهُ} لئلا يكثر الضوء في الكهف فيقل معه الحضور، فقد ذكروا أن الظلمة تعين على الفكر وجمع الحواس، ومن هنا ترى أهل الخلوة يختارون لخلوتهم مكاناً قليل الضياء ومع هذا يغمضون أعينهم عند المراقبة. وفي «أسرار القرآن» أن في الآية إشارة إلى أن الله تعالى حفظهم عن الاحتراق في السبحات فجعل شمس الكبرياء تزاور عن كهف قربهم ذات يمين الأزل وذات شمال الأبد وهم في فجوة وصال مشاهدة الجمال والجلال محروسون محفوظون عن قهر سلطان صرف الذات الأزلية التي تتلاشى الأكوان في أول بوادي إشراقها. وفي الحديث «حديث : حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه كل شيء أدركه بصره» تفسير : وقيل في تأويله: إن شمس الروح أو المعرفة والولاية إذا طلعت من أفق الهداية وأشرقت في سماء الواردات وهي حالة السكر وغلبة الوجد لا تنصرف في خلوتهم إلى أمر يتعلق بالعقبـى وهو جانب اليمين وإذا غربت أي سكنت تلك الغلبة وظهرت حالة الصحو لا تلتفت همم أرواحهم إلى أمر يتعلق بالدنيا وهو جانب الشمال بل تنحرف عن الجهتين إلى المولى وهم في فراغ عما يشغلهم عن الله تعالى. وذكر أن فيه إشارة إلى أن نور ولا يتهم يغلب نور الشمس ويرده عن الكهف كما يغلب نور المؤمن نار جهنم وليس هذا بشيء وإن روي عن ابن عطاء {مَن يَهْدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلْمُهْتَدِ} الذي رفعت عنه الحجب ففاز بما فاز {أية : وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيّا مُّرْشِدًا} تفسير : [الكهف: 17] لأنه لا يخذله سبحانه إلا لسوء استعداده ومتى فقد الاستعداد تعذر الإرشاد {وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ} إشارة إلى أنهم مع الخلق بأبدانهم ومع الحق بأرواحهم، وقال ابن عطاء: هم مقيمون في الحضرة كالنومي لا علم لهم بزمان ولا مكان أحياء موتى صرعى مفيقون نومى منتبهون {وَنُقَلّبُهُمْ ذَاتَ ٱليَمِينِ وَذَاتَ ٱلشّمَالِ} أي ننقلهم من عالم إلى عالم؛ وقال ابن عطاء: نقلبهم في حالتي القبض والبسط والجمع والفرق، وقال آخر: نقلبهم بين الفناء والبقاء والكشف والاحتجاب والتجلي والاستتار، وقيل في الآية إشارة إلى أنهم في التسليم كالميت في يد الغاسل {وَكَلْبُهُمْ بَـٰسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِٱلوَصِيدِ } قال أبو بكر الوراق: مجالسة الصالحين ومجاورتهم غنيمة وإن اختلف الجنس ألا ترى كيف ذكر الله سبحانه كلب أصحاب الكهف معهم لمجاورته إياهم. وقل أشير بالآية إلى أن كلب نفوسهم نائمة معطلة عن الأعمال، وقيل يمكن أن يراد أن نفوسهم صارت بحيث تطيعهم جميع الأحوال وتحرسهم عما يضرهم {لَوِ ٱطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ} أي لو اطلعت من حيث أنت على ما ألبستهم من لباس قهر ربوبيتي وسطوات عظمتي {لَوْلَّيْتَ مِنْهُمْ} أي من رؤية ما عليهم من هيبتي وعظمتي {أية : فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا} تفسير : [الكهف: 18] كما فر موسى كليمي من رؤية عصاه حين قلبتها حية وألبستها ثوباً من عظمتي وهيبتي، وهذا الفرار حقيقة منا لأنه من عظمتنا الظاهرة في هاتيك المرآة كذا قرره غير واحد وروي عن جعفر الصادق رضي الله تعالى عنه. {وَكَذٰلِكَ بَعَثْنَـٰهُمْ} رددناهم إلى الصحو بعد السكر {لِيَتَسَاءلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مّنْهُمْ كَم لَبِثْتُمْ قَالُواْ لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ} لأنهم كانوا مستغرقين لا يعرفون اليوم من الأمس ولا يميزون القمر من الشمس، وقيل: إنهم استقلوا أيام الوصال وهكذا شأن عشاق الجمال فسنة الوصل في سنتهم سنة وسنة الهجر سنة، ويقال: مقام المحب مع الحبيب وإن طال قصير وزمان الاجتماع وإن كثر يسير إذ لا يقضى من الحبيب وطر وإن فني الدهر ومر ولا يكاد يعد المحب الليال إذا كان قرير العين بالوصال كما قيل:شعر : أعد الليالي ليلة بعد ليلة وقد عشت دهراً لا أعد اللياليا تفسير : ثم إنهم لما رجعوا من السكر إلى الصحو ومن الروحانية إلى البشرية طلبوا ما يعيش به الإنسان واستعملوا حقائق الطريقة وذلك قوله تعالى: {فَٱبْعَثُواْ أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَـٰذِهِ إِلَىٰ ٱلْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَىٰ طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مّنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ} والإشارة فيه أولاً: إلى أن اللائق بطالبـي الله تعالى ترك السؤال، ويرد به على المتشيخين الذين دينهم وديدنهم السؤال وليته كان من الحلال. وثانياً: إلى أن اللائق بهم أن لا يختص أحدهم بشيء دون صاحبه ألا ترى كيف قال قائلهم: {بِوَرِقِكُمْ هَـٰذِهِ} فأضاف الورق إليهم جملة وقد كان فيما يروى فيهم الراعي ولعله لم يكن له ورق. وثالثاً: إلى أن اللائق بهم استعمال الورع ألا ترى كيف طلب القائل الأزكى وهو على ما في بعض الروايات الأحل، ولذلك قال ذو النون: العارف من لا يطفىء نور معرفته نور ورعه، والعجب أن رجلاً من المتشيخين كان يأخذ من بعض الظلمة دنانير مقطوعاً بحرمتها فقيل له في ذلك فقال: نعم هي جمرات ولكن تطفىء حرارة جوع السالكين، ومع هذا وأمثاله له اليوم مرقد يطوف به من يزور وتوقد عليه السرج وتنذر له النذور، ورابعاً: إلى أنه ينبغي لهم التواصي بحسن الخلق وجميل الرفق ألا ترى كيف قال قائلهم: {وَلْيَتَلَطَّفْ} بناء على أنه أمر بحسن المعاملة مع من يشتري منه. وقال بعض أهل التأويل: إنه أمر باختيار اللطيف من الطعام لأنهم لم يأكلوا مدة فالكثيف يضر بأجسامهم، وقيل: أرادوا اللطيف لأن أرواحهم من عالم القدس ولا يناسبها إلا اللطيف، وعن يوسف بن الحسين أنه كان يقول: إذا اشتريت لأهل المعرفة شيئاً من الطعام فليكن لطيفاً وإذا اشتريت للزهاد والعباد فاشتر كلما تجد لأنهم بعد في تذليل أنفسهم، وقال بعضهم: طعام أهل المجاهدات وأصحاب الرياضات ولباسهم الخشن من المؤكولات والملبوسات والذي بلغ المعرفة فلا يوافقه إلا كل لطيف، ويروى عن الشيخ عبد القادر الكيلاني قدس الله سره أنه كان في آخر أمره يلبس ناعماً ويأكل لطيفاً. وعندي أن التزام ذلك يخل بالكمال، وما يروى عن الشيخ قدس سره وأمثاله إن صح يحتمل أن يكون أمراً اتفاقياً، وعلى فرض أنه كان عن التزام يحتمل أنه كان لغرض شرعي وإلا فهو خلاف المأثور عن النبـي صلى الله عليه وسلم وعن كبار أصحابه رضي الله تعالى عنهم، فقد بين في «الكتب الصحيحة» حالهم في المأكل والملبس وليس فيها ما يؤيد كلام يوسف بن الحسين وأضرابه والله تعالى أعلم {أية : وَلاَ يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا} تفسير : [الكهف: 19] أي من / الأغيار المحجوبين عن مطالعة الأنوار والوقوف على الأسرار {إِنَّهُمْ إِن يَظْهَرُواْ عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ} بأحجار الإنكار {أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِى مِلَّتِهِمْ} التي اجتمعوا عليها ولم ينزل الله تعالى بها من سلطان {أية : وَلَن تُفْلِحُواْ إِذًا أَبَدًا} تفسير : [الكهف: 20] لأن الكفر حينئذ يكون كالكفر الإبليسي {وَلاَ تَقْولَنَّ لِشَىْء إِنّى فَاعِلٌ ذٰلِكَ غَداً إِلاَّ أَن يَشَاء ٱللَّهُ} إرشاد إلى محض التجريد والتفريد، ويحكى عن بعض كبار الصوفية أنه أمر بعض تلامذته بفعل شيء فقال: أفعله إن شاء الله تعالى فقال له الشيخ بالفارسية ما معناه: يا مجنون فإذا من أنت، والآية تأبى هذا الكلام غاية الإباء وفيه على مذهب أهل الوحدة أيضاً ما فيه، وقيل الآية نهي عن أن يخبر صلى الله عليه وسلم عن الحق بدون إذن الحق سبحانه. ففيه إرشاد للمشايخ إلى أنه لا ينبغي لهم التكلم بالحقائق بدون الإذن ولهم أمارات للإذن يعرفونها. {وَٱذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ} قيل أي إذا نسيت الكون بأسره حتى نفسك فإن الذكر لا يصفو إلا حينئذ، وقيل إذا نسيت الذكر، ومن هنا قال الجنيد قدس سره: حقيقة الذكر الفناء بالمذكور عن الذكر، وقال قدس سره في قوله تعالى: {أية : وَقُلْ عَسَىٰ أَن يَهْدِيَنِ رَبّى لأَقْرَبَ مِنْ هَـٰذَا رَشَدًا} تفسير : [الكهف: 24] إن فوق الذكر منزلة هي أقرب منزلة من الذكر وهي تجديد النعوت بذكره سحبانه لك قبل أن تذكره جل وعلا {أية : وَلَبِثُواْ فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِاْئَةٍ سِنِينَ وَٱزْدَادُواْ تِسْعاً} تفسير : [الكهف: 25] زعم بعض أهل التأويل أن مجموع ذلك خمس وعشرون سنة واعتبر السنة التي في الآية شهراً وهو زعم لا داعي إليه إلا ضعف الدين ومخالفة جماعة المسلمين وإلا فأي ضرر في إبقاء ذلك على ظاهره وهو أمر ممكن أخبر به الصادق، ومما يدل على إمكان هذا اللبث أن أبا علي بن سينا ذكر في باب الزمان من «الشفاء» أن أرسطو ذكر أنه عرض لقوم من المتألهين حالة شبيهة بحالة أصحاب الكهف قال أبو علي: ويدل التاريخ على أنهم قبل أصحاب الكهف انتهى. وفي الآية على ما قيل إشارة إلى أن المريد الذي يربيه الله سبحانه بلا واسطة المشايخ يصل في مدة مديدة وسنين عديدة والذي يربيه جل جلاله بواسطتهم يتم أمره في أربعينيات وقد يتم في أيام معدودات، وأنا أقول لا حجر على الله سبحانه وقد أوصل جل وعلا كثيراً من عباده بلا واسطة في سويعات {لَهُ} تعالى شأنه {غَيْبُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ} عالم العلو {وٱلأَرْضِ} عالم السفل، ولا يخفى أن عنوان الغيبية إنما هو بالنسبة إلى المخلوقين وإلا فلا غيب بالنسبة إليه جل جلاله؛ ومن هنا قال بعضهم: إنه سبحانه لا يعلم الغيب بمعنى أنه لا غيب بالنسبة إليه تعالى ليتعلق به العلم، لكن أنت تعلم أنه لا يجوز التكلم بمثل هذا الكلام وإن أول بما أول لما فيه ظاهراً من مصادمة الآيات. وإلى الله تعالى نشكو أقواماً ألغزوا الحق وفتنوا بذلك الخلق {أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ} أي ما أبصره تعالى وما أسمعه لأن صفاته عين ذاته {مَا لَهُم مّن دُونِهِ مِن وَلِىّ } إذ لا فعل لأحد سواه تعالى {أية : وَلاَ يُشْرِكُ فِى حُكْمِهِ أَحَدًا } تفسير : [الكهف: 26] لكمال قدرته سبحانه وعجز غيره عز شأنه، هذا والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
ابن عاشور
تفسير : عطف على جملة { أية : قل الله أعلم بما لبثوا } تفسير : [الكهف: 26] بما فيها من قوله: { أية : ما لهم من دونه من ولي ولا يشرك في حكمه أحداً } تفسير : [الكهف: 26]. والمقصود من هذا الرد على المشركين إذ كانوا أيامئذٍ لا يُبَيّن لهم شيء إلا وانتقلوا إلى طلب شيء آخر فسألوا عن أهل الكهف وعن ذي القرنين، وطلبوا من النبي أن يجعل بعض القرآن للثناء عليهم، ونحو ذلك، كما تقدم ذلك عند قوله تعالى: { أية : وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك لتفتري علينا غيره وإذاً لاتخذوك خليلاً } تفسير : في سورة الإسراء (73). والمعنى: لا تَعبأ بهم إن كرهوا تلاوة بعضِ ما أوحي إليك واتلُ جميع ما أوحي إليك فإنه لا مبدِّل له. فلما وعدهم الجواب عن الروح وعن أهل الكهف وأبرَّ اللّهُ وعدَه إياهم قطعاً لمعذرتهم ببيان إحدى المسألتين ذيل ذلك بأن أمر نبيئه أن يقرأ القرآن كما أنزل عليه وأنه لا مبدِّل لكلمات الله، ولكي لا يُطمعهم الإجابة عن بعض ما سألوه بالطمع في أن يجيبهم عن كل ما طلبوه. وأصل النفي ب (لا) النافية للجنس أنه نفي وجود اسمه. والمراد هنا نفي الإذن في أن يبدل أحد كلمات الله. والتبديل: التغيير بالزيادة والنقص، أي بإخفاء بعضه بترك تلاوة ما لا يرضون بسماعه من إبطال شركهم وضلالهم. وهذا يؤذن بأنهم طعنوا في بعض ما اشتملت عليهم القصة في القرآن كما أشار إليه قوله: { أية : سيقولون ثلاثة } تفسير : [الكهف: 22] وقوله: { أية : ولبثوا في كهفهم ثلاث مائة سنين } تفسير : [الكهف: 25]. وقد تقدم نظير هذا عند قوله تعالى: { أية : ولا مبدل لكلمات الله } تفسير : في سورة الأنعام (34). فالأمر في قوله: { أية : واتل } تفسير : كناية عن الاستمرار. و{ما أوحي} مفيد للعموم، أي كل ما أوحي إليك. ومفهوم الموصول أن ما لم يوح إليه لا يتلوه، وهو ما اقترحوا أن يقوله في الثناء عليهم وإعطائهم شطراً من التصويب. والتلاوة: القراءة. وقد تقدم عند قوله تعالى: { أية : واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان } تفسير : في سورة البقرة (102) وقوله: { أية : وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً } تفسير : في الأنفال (2). والملتحد: اسم مكان ميمي يجيء على زنة اسم المفعول من فِعله. والملتحد: مكان الالتحاد، والالتحاد: الميل إلى جانب. وجاء بصيغة الافتعال لأن أصله تكلف الميل. ويفهم من صيغة التكلف أنه مفر من مكروه يتكلف الخائف أن يأوي إليه، فلذلك كان الملتَحد بمعنى الملجأ. والمعنى: لن تجد شيئاً يُنجيك من عقابه. والمقصود من هذا تأييسهم مما طمعوا فيه.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {وَٱتْلُ مَآ أُوْحِيَ إِلَيْكَ مِن كِتَابِ رَبِّكَ}. أمر جل وعلا نبيه صلى الله عليه وسلم في هذه الآية الكريمة: أن يتلو هذا القرآن الذي أوحاه إليه ربه. والأمر في قوله "واتل" شامل للتلاوة بمعنى القراءة. والتلو: بمعنى الاتباع. وما تضمنته هذه الآية الكريمة من أمره تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بتلاوة القرآن العظيم واتباعه جاء مبيناً في آيات أخر. كقوله تعالى في سورة "العنكبوت": {أية : ٱتْلُ مَا أُوْحِيَ إِلَيْكَ مِنَ ٱلْكِتَابِ وَأَقِمِ ٱلصَّلاَةَ}تفسير : [العنكبوت: 45] الآية، وكقوله تعالى في آخر سورة "النمل": {أية : إِنَّمَآ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبِّ هَذِهِ ٱلْبَلْدَةِ ٱلَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ وَأَنْ أَتْلُوَ ٱلْقُرْآنَ}تفسير : [النمل: 91-92] الآية، {أية : وَرَتِّلِ ٱلْقُرْآنَ تَرْتِيلاً}تفسير : [المزمل: 4] إلى غير ذلك من الآيات الدالة على الأمر بتلاوته، وكقوله تعالى في الأمر باتباعه {أية : ٱتَّبِعْ مَآ أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْمُشْرِكِينَ}تفسير : [الأنعام: 106]، وقوله تعالى: {أية : فَٱسْتَمْسِكْ بِٱلَّذِيۤ أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ}تفسير : [الزخرف: 43]، وقوله تعالى: {أية : قُلْ مَا كُنتُ بِدْعاً مِّنَ ٱلرُّسُلِ وَمَآ أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلاَ بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ وَمَآ أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ مُّبِينٌ}تفسير : [الأحقاف: 9]، وقوله تعالى: {أية : قُلْ مَا يَكُونُ لِيۤ أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَآءِ نَفْسِيۤ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَىۤ إِلَيَّ إِنِّيۤ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ}تفسير : [يونس: 15]، إلى غير ذلك من الآيات الدالة على الأمر باتباع هذا القرآن العظيم. وقد بين في مواضع أخر بعض النتائج التي تحصل بسبب تلاوة القرآن واتباعه. كقوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ ٱللَّهِ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلاَةَ وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ}تفسير : [فاطر: 29]، وقوله تعالى: {أية : ٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ أُوْلَـٰئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمن يَكْفُرْ بِهِ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْخَاسِرُونَ}تفسير : [البقرة: 121] والعبرة في هذه الآية بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. قوله تعالى: {لاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ}. بين جل وعلا في هذه الآية الكريمة أنه لا مبدل لكلماته. أي لأن أخبارها صدق: وأحكامها عدل، فلا يقدر أحد أن يبدل صدقها كذباً. ولا أن يبدل عدلها جوراً: وهذا الذي ذكره هنا جاء مبيناً في مواضع أخر، كقوله تعالى: {أية : وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً لاَّ مُبَدِّلِ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ}تفسير : [الأنعام: 115]. فقوله: "صدقاً" يعني في الإخبار. وقوله "عدلاً" أي في الأحكام. وكقوله:{أية : وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُواْ عَلَىٰ مَا كُذِّبُواْ وَأُوذُواْ حَتَّىٰ أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ ٱللَّهِ وَلَقدْ جَآءَكَ مِن نَّبَإِ ٱلْمُرْسَلِينَ}تفسير : [الأنعام: 34]. وقد بين تعالى في مواضع أخر، أنه هو يبدل ما شاء من الآيات مكان ما شاء منها. كقوله تعالى: {أية : وَإِذَا بَدَّلْنَآ آيَةً مَّكَانَ آيَةٍ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ}تفسير : [النحل: 101] الآية. وقوله: {أية : مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا}تفسير : [البقرة: 106] الآية، وقوله تعالى: {أية : وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ ٱلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا ٱئْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَـٰذَآ أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِيۤ أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَآءِ نَفْسِيۤ}تفسير : [يونس: 15] الآية. قوله تعالى: {وَلَن تَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَداً}. أصل الملتحد: مكان الالتحاد وهو الافتعال: من اللحد بمعنى الميل، ومنه اللحد في القبر، لأنه ميل في الحفر، ومنه قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِيۤ آيَاتِنَا لاَ يَخْفَوْنَ عَلَيْنَآ}تفسير : [فصلت: 40]، وقوله: {أية : وَذَرُواْ ٱلَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِيۤ أَسْمَآئِهِ}تفسير : [الأعراف: 180]، الآية فمعنى اللحد والإلحاد في ذلك: الميل عن الحق. والملحد المائل عن دين الحق. وقد تقرر في فن الصرف أن الفعل إن زاد ماضيه على ثلاثة أحرف فمصدره الميمى واسم مكانه واسم زمانه كلها بصيغة اسم المفعول كما هنا. فالملتحد بصيغة اسم المفعول، والمراد به مكان الالتحاد، أي المكان الذي يميل فيه إلى ملجإ أو منجى ينجيه مما يريد الله أن يفعله به. وهذا الذي ذكره هنا من أن نبيه صلى الله عليه وسلم لا يجد من دونه ملتحداً.أي مكاناً يميل إليه ويلجأ إليه إن لم يبلغ رسالة ربه ويطعه - جاء مبيناً في مواضع أخر. كقوله: {أية : قُلْ إِنِّي لاَ أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلاَ رَشَداً قُلْ إِنِّي لَن يُجِيرَنِي مِنَ ٱللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَداً إِلاَّ بَلاَغاً مِّنَ ٱللَّهِ وَرِسَالاَتِهِ}تفسير : [الجن: 21-23]، وقوله: {أية : وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ ٱلأَقَاوِيل لأَخَذْنَا مِنْهُ بِٱلْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ ٱلْوَتِينَ فَمَا مِنكُمْ مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ}تفسير : [الحاقة: 44-47] الآية. وكونه ليس له ملتحد، أي مكان يلجأ إليه تكرر نظيره في القرآن بعبارات مختلفة. كالمناص، والمحيص، والملجأ، والموئل، والمفر، والوزر، كقوله: {أية : فَنَادَواْ وَّلاَتَ حِينَ مَنَاصٍ}تفسير : [ص: 3] وقوله: {أية : وَلاَ يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصاً}تفسير : [النساء: 121]، وقوله: {أية : فَنَقَّبُواْ فِي ٱلْبِلاَدِ هَلْ مِن مَّحِيصٍ}تفسير : [ق:36] وقوله: {أية : مَا لَكُمْ مِّن مَّلْجَأٍ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُمْ مِّن نَّكِيرٍ}تفسير : [الشورى: 47]، وقوله: {أية : بَل لَّهُم مَّوْعِدٌ لَّن يَجِدُواْ مِن دُونِهِ مَوْئِلاٍ}تفسير : [الكهف: 58]، وقوله: {أية : يَقُولُ ٱلإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ ٱلْمَفَرُّ كَلاَّ لاَ وَزَرَ}تفسير : [القيامة: 10-11] فكل ذلك راجع في المعنى إلى شيء واحد، وهو انتفاء مكان يلجؤون إليه ويعتصمون به
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: واتل ما أوحي إليك من الكتاب: أي اقرأ القرآن تعبداً ودعوة وتعليماً. لا مبدل لكلماته: أي لا مغير لكلمات الله في ألفاظها ولا معانيها وأحكامها. ملتحداً: أي ملجأ تميل إليه إحتماءاً به. واصبر نفسك: أي إحبسها. يريدون وجهه: أي طاعته ورضاه، لا عرضاً من عرض الدنيا. ولا تعد عيناك عنهم: أي لا تتجاوزهم بنظرك إلى غيرهم من أبناء الدنيا. تريد زينة الحياة الدنيا: أي بمجالستك الأغنياء تريد الشرف والفخر. من أغفلنا قلبه: أي جعلناه غافلاً عما يجب عليه من ذكرنا وعبادتنا. وكان أمره فرطاً: أي ضياعاً وهلاكاً. أحاط بهم سرادقها: حائط من نار أحيط بهؤلاء المعذبين في النار. بماء كالمهل: أي كعكر الزيت أي الدردي وهو ما يبقى في أسفل الإِناء ثخناً رديئاً. من سندس واستبرق: أي مَارَقَّ من الديباج، والاستبرق ما غلظ منه أي من الديباج. معنى الآيات: بعد نهاية الحديث عن أصحاب الكهف أمر تعالى رسوله بتلاوة كتابه فقال: {وَٱتْلُ} أي وقرأ {مَآ أُوْحِيَ إِلَيْكَ مِن كِتَابِ رَبِّكَ} تعبداً ودعوة للناس إلى ربهم به وتعليماً للمؤمنين بما جاء فيه من الهدى. وقوله: {لاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ} أي لا تتركن تلاوته والعمل به والدعوة إليه فتكون من الهالكين فإن ما وعد ربك به المعرضين عنه المكذبين به كائن حقاً وواقع صدقاً فإن ربك {لاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ} المشتملة على وعده لأوليائه ووعيده لأعدائه ممن كفروا به وكذبوا بكتابه فلم يحلوا حلاله ولم يحرموا حرامه. وقوله تعالى: {وَلَن تَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَداً} أي إنك إن لم تتل كتابه الذي أوحاه إليك وتعمل بما فيه فَنَالَكَ ما أوعد به الكافرين المعرضين عن ذكره. {وَلَن تَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَداً} أي موئلاً تميل إليه وملجأ تحتمي به وإذا كان مثل هذا الوعيد الشديد يوجه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو المعصوم فغيره ممن تركوا تلاوة القرآن والعمل به فلا أقاموا حدوده ولا أحلوا حلاله ولا حرموا حرامه أولى بهذا الوعيد وهو حائق بهم لا محالة إن لم يتوبوا قبل موتهم وقوله تعالى: {وَٱصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِٱلْغَدَاةِ وَٱلْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} نزل هذا التوجيه للرسول صلى الله عليه وسلم عندما عرض عليه المشركون إبعاد أصحابه الفقراء كبلال وصهيب وغيرهما ليجلسوا إليه ويسمعوا منه فنهاه ربه عن ذلك وأمره أن يحبس نفسه مع أولئك الفقراء المؤمنين {ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ} ربهم في صلاتهم في الصباح والمساء لا يريدون بصلاتهم وتسبيحهم ودعائهم عرضاً من أعراض الدنيا وإنما يريدون رضا الله ومحبته بطاعته في ليلهم ونهارهم. وقوله تعالى: {وَلاَ تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ} أي لا تتجاوز ببصرك هؤلاء المؤمنين الفقراء إلى أولئك الأغنياء تريد مجالستهم للشرف والفخر وقوله {وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا} فجعلناه غافلاً عن ذكرنا وذكر وعدنا ووعيدنا ليكون من الهالكين لعناده وكبريائه وظلمه. {وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً} أي ضياعاً وهلاكاً، وقوله تعالى في الآية الثالثة من هذا السياق {وَقُلِ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ} أي هذا الذي جئت به وأدعوا إليه من الايمان والتوحيد والطاعة لله بالعمل الصالح هو {ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ} أيها الناس. {فَمَن شَآءَ} الله هدايته فآمن وعمل صالحاً فقد نجاه ومن لم يشأ الله هدايته فَبَقِي على كفره فلم يؤمن فقد خاب وخسر. وقوله: {إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَاراً أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا} أي جدرانها النارية، {وَإِن يَسْتَغِيثُواْ} من شدة العطش {يُغَاثُواْ بِمَآءٍ كَٱلْمُهْلِ} رديئاً ثخِناً {يَشْوِي ٱلْوجُوهَ} إذا أدناه الشارب من وجهه ليشرب شوى جلده ووجهه ولذا قيل فيه ذم له. {بِئْسَ ٱلشَّرَابُ وَسَآءَتْ} أي جهنم {مُرْتَفَقاً} في منزلها وطعامها وشرابها إذ كله سوء وعذاب هذا وعيد من اختار الكفر على الإيمان وأما وعد من آمن وعمل صالحاً وقد تضمنته الآيتان [31-32] إذ قال تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً} هذا حكمنا الذي لا تبديل له وبين تعالى أجرهم على إيمانهم وإحسان أعمالهم فقال: {أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ} أي إقامة دائمة {تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ ٱلأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَاباً خُضْراً مِّن سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُّتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى ٱلأَرَآئِكِ} وهي الأسرة بالحجلة. ثم أثنى الله تعالى على نعيمهم الذي أعده لهم بقوله: {نِعْمَ ٱلثَّوَابُ} الذي أثيبوا به {وَحَسُنَتْ} الجنة في حليها وثيابها وفرشها وأسرتها وطعامها وشرابها وحورها ورضوان الله فيها {وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقاً} يرتفقون فيه وبه، جعلنا الله من أهلها. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- بيان خيبة وخسران المعرضين عن كتاب الله فلم يتلوه ولم يعملوا بما جاء فيه من شرائع وأحكام. 2- الترغيب في مجالسة أبناء الآخرة وهم الفقراء الصابرون وترك أبناء الدنيا والإِعراض عما هم فيه. 3- على الداعي إلى الله تعالى أن يبين الحق، والناس بعد بحسب ما كتب لهم أو عليهم. 4- الترغيب والترهيب بذكر جزاء الفريقين المؤمنين والكافرين. 5- عذاب النار شر عذاب، ونعيم الجنة، نعم النعيم ولا يهلك على الله إلا هالك.
القطان
تفسير : لا مبدل لكلماته: لا مغير لأحكامه. ملتحدا: ملجأ. واصبر نفسك: احبسها. بالغداة والعشي: في الصباح والمساء. يريدون وجهه: يطلبون رضاه. فرطا: مجاوزاً للحد. أعتدنا: هيأنا، اعددنا. السرادق: الخيمة، الفسطاط. كالمهل: خثارة الزيت، المعدن المذاب. مرتفقا: متكأ. بعد ان ذكر الله قصة اهل الكهف، وبين ان هذا القرآن يقص الحق، لأنه وحي من علام الغيوب، أمَرَ بالمواظبة على تلاوته ودرسه، وبيّن في هذه الآيات الكريمة، ان القيم الحقيقية ليست هي المالَ، ولا الجاه، ولا السُّلطة، ولا لذائذ الحياة ومتعها - فانها كلّها قيم زائفة - وان الاسلام لا يحرِّم الطيب منها، ولكنه لا يجعل منها غاية الحياة، فمن شاء ان يتمتع بها فليتمتع، ولكن لِيذكُرِ الله الذي انعم بها، وليشكرْه على نعمه بالعمل الصالح. {وَٱتْلُ مَآ أُوْحِيَ إِلَيْكَ مِن كِتَابِ رَبِّكَ لاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَن تَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَداً..} اتلُ ايها الرسول الكتابَ الذي اوحي اليك، والزم العمل به، واتّبع ما فيه من احكام وتعليم وتأديب. ولا يستطيع أحدٌ ان يغيّر او يبدّل ما فيه، وليس لك ملجأٌ الا الله، فإليه المرجع والمآب. {وَٱصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِٱلْغَدَاةِ وَٱلْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ}. احتفظ بصحابتك ايها الرسول، الذي يعبدون اللهَ وحده في الصباح والمساء، يطلبون رضوانه، وهم فقراءُ الصحابة مثل: عمار بن ياسر، وصهيب، وبلال وغيرهم، فقد رُوي ان عُيَيْنَةَ بن حصن الفَزاري والأقرعَ بن حابس وغيرَهم - جاءوا الى الرسول الكريم، وطلبوا منه ان يبعد هؤلاء الفقراءَ من الصحابة ليحادثوه ويسْلموا. فنزلت. ويقال إن أشرافَ قريش هم الذين طلبوا ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمره الله تعالى ان لا يتخلّى عن اصحابه، ولا يلتفت إلى هؤلاء وما عندَهم من قوةٍ وجاهٍ ورجال، فاللهُ أكبرُ من كل ما عندهم. وهذا الأصح لأن السورة مكية. ثم امره بمراقبة أحوالهم ومجالسِهم فإن فيهم الخير فقال: {وَلاَ تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا..}. ولا يتحول اهتمامُك عنهم إلى مظاهر الحياة التي يستمتع بها أصحاب الزينة، فهذه زينةُ الحياة الدنيا الزائلة. ثم اكد هذا النهي بقول: {وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَٱتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً}. لا تطع هؤلاء المتكبرين فيما يطلبون من تمييزٍ بينهم وبين الفقراء، وطردِهم من مجلسك. فهؤلاء قد أغفلْنا قلوبَهم عن ذكرنا، واتجهوا الى ذواتهم وإلى لذّاتهم، وشغلوا قلوبهم بزخرف الدنيا وزِينتها، وصار أمرُهم في جميعِ أعمالهم بعيداً عن الصواب. ولقد جاء الاسلام ليسوّي بين الناس امام الله، فلا تفاضلَ بينهم بمال ولا نسبٍ ولا جاه. قراءات: قرأ ابن عامر: "بالغدوة والعَشِيّ" والباقون: "بالغداة والعشي". {وَقُلِ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ...}. بعد ان أمر اللهُ رسوله صلى الله عليه وسلم ان لا يلتفت لى قولِ أولئك الأغنياء الذين قالوا: إن طردتَ اولئك الفقراء آمنا بك، أمره ان يقول لهم ولغيرِهم على طريق التهديد والوعيد: انّ ما جئتُ به هو الحقُّ من عند ربكم، فمن شاءَ أن يؤمن به فليؤمن، فذلك خير له، ومن شاء ان يكفر فليكفر، فانه لا يظلم الا نفسه. إن الله قد أعدّ لمن ظلم نفسه بالكفر نارا تحيط بهم كالسُّرادِق، وإن يطلبوا الغوثَ بطلب الماء يؤتَ لهم بماءٍ عكرٍ أسود يحرقُ الوجوه لشدة غليانه. {بِئْسَ ٱلشَّرَابُ وَسَآءَتْ مُرْتَفَقاً..} ما أقبح ذلك الشرابَ، ويا لَسوءِ النار وسرادقها مكانا للارتفاق والاتكاء.
د. أسعد حومد
تفسير : {لِكَلِمَاتِهِ} (27) - وَاتْلُ الكِتَابَ الذِي أَوْحَاهُ إِلَيْكَ رَبُّكَ، وَالزَمِ العَمَلَ بِهِ، وَاتَّبِعْ مَا فِيهِ مِنْ أَوَامِرَ وَنَوَاهٍ، فَلاَ أَحَدَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُغَيِّرَ مَا فِيهِ مِنْ وَعِيدٍ لأَِهْلِ المَعَاصِي، وَمِنْ وَعْدٍ لأَِهْلِ الطَّاعَةِ وَالإِيمَانِ، وَإِنَّكَ إِنْ لَمْ تَتْبَعْهُ نَالَكَ وَعِيدُ اللهِ الذِي أَوْعَدَ بِهِ العُصَاةَ، فَلَنْ تَجِدَ مَوْئِلاً مِنْ دُونِهِ، وَلاَ مَلْجَأً تَلْجَأُ إِلَيْهِ. مُلْتَحَداً - مَلْجَأً وَمَوْئِلاً.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : أي بعد هذه الأسئلة التي سألك كفار مكة إياها، وأخبرك الله بها فأجبتهم، اعلم أن لك رباً رفيقاً بك، لا يتخلّى عنك ولا يتركك لكيدهم، فإنْ أرادوا أن يصنعوا لك مأزقاً أخرجك الله منه، وإياك أنْ تظنَّ أن العقبات التي يقيمها خصومك ستُؤثّر في أمر دعوتك. وإنْ أبطأتْ نُصْرة الله لك فاعلم أن الله يريد أنْ يُمحِّص جنود الحق الذين يحملون الرسالة إلى أن تقوم الساعة، فلا يبقى في ساحة الإيمان إلا الأقوياء الناضجون، فالأحداث والشدائد التي تمرُّ بطريق الدعوة إنما لتغربل أهل الإيمان حتى لا يصمد فيها إلا مَنْ هو مأمون على حَمْل هذه العقيدة. وقوله: {لاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ ..} [الكهف: 27] لأن كلمات الله لا يستطيع أحد أنْ يُبدِّلها إلا أنْ يكون معه سبحانه إله آخر، فما دام هو سبحانه إلهاً واحداً لا شريك له، فاعلم أن قوله الحق الذي لا يُبدّل ولا يُغيّر: {وَلَن تَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَداً} [الكهف: 27] أي: ملجأ تذهب إليه؛ لأن حَسْبك الله وهو نِعْم الوكيل، كما قال تعالى: {أية : أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَىٰ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ}تفسير : [العنكبوت: 51]. ثم يقول الحق سبحانه وتعالى: {وَٱصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِٱلْغَدَوٰةِ وَٱلْعَشِيِّ ...}.
الصابوني
تفسير : المنَاسَبَة: لما ذكر تعالى قصة أهل الكهف وهي تُمثل صور التضحية والبطولة في سبيل العقيدة والإِيمان، أعقبها بذكر قصة صاحب الجنتين وهي نموذج آخر للعقيدة ممثلة في قصة الأخوين من بني إسرائيل: المؤمن المعتز بإِيمانه، والكافر وهو صاحب الجنتين، وما فيها من عبر وعظات، وفي ثنايا الآيات جاءت بعض التوجيهات القرآنية الكريمة. اللغَة: {مُلْتَحَداً} ملجأ وأصله من لحَد إذا مال، ومن لجأتَ إليه فقد ملتَ إليه هكذا قال أهل اللغة {فُرُطاً} مجاوزاً للحد من قولهم فرسٌ فُرُط إذا كان متقدماً للخيل، قال الليث: الفُرُط الأمر الذي يفرَّط فيه قال الشاعر: شعر : لقد كلفتني شَطاً وأمراً خائباً فُرُطاً تفسير : {سُرَادِقُهَا} السُّرادق: السور والحائط {ٱلْمُهْلِ} كل ما أذيب من المعادن قال أبو عبيدة: كل شيءٍ أذبته من ذهب أو نحاسٍ أو فضة فهو المُهل {سُنْدُسٍ} السندس: الرقيق من الحرير {وَإِسْتَبْرَقٍ} الاستبرق: الغليظ من الحرير وهو الديباج قال الشاعر: شعر : تراهنَّ يلبسن المشاعر مرةً واستبرق الديباج طوراً لباسها تفسير : {ٱلأَرَآئِكِ} جمع أريكة وهي السرير المزيَّن بالثياب والستور كسرير العروس {حُسْبَاناً} جمع حسبانه وهي الصاعقة {هَشِيماً} الهشيم: اليابس المتكسر من النبات {نُغَادِرْ} نترك. سَبَبُ النّزول: روى أن أشراف قريش اجتمعوا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا له: إن أردت أن نؤمن بك فاطرد هؤلاء الفقراء من عندك يعنون "بلالاً، وخباباً، وصهيباً" وغيرهم فإنا نأنف أن نجتمع بهم، وتعيِّن لهم وقتاً يجتمعون فيه عندك فأنزل الله {وَٱصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِٱلْغَدَاةِ وَٱلْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلاَ تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ..} الآية. التفسِير: {وَٱتْلُ مَآ أُوْحِيَ إِلَيْكَ مِن كِتَابِ رَبِّكَ} أي إقرأ يا محمد ما أوحاه إليك ربك من آيات الذكر الحكيم {لاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ} أي لا يقدر أحدٌ أن يغيّر أو يبدّل كلام الله {وَلَن تَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَداً} أي لن تجد ملجأ غير الله تعالى أبداً {وَٱصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِٱلْغَدَاةِ وَٱلْعَشِيِّ} أي احبس نفسك مع الضعفاء والفقراء من المسلمين الذين يدعون ربهم بالصباح والمساء {يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} أي يبتغون بدعائهم وجه الله تعالى {وَلاَ تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ} أي لا تصرف بصرك إلى غيرهم من ذوي الغنى والشرف قال المفسرون: كان عليه السلام حريصاً على إيمان الرؤساء ليؤمن أتباعهم ولم يكن مريداً لزينة الدنيا قط، فأمِر أن يجعل إِقباله على فقراء المؤمنين وأن يُعرض عن أولئك العظماء والأشراف من المشركين {تُرِيدُ زِينَةَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} أي تبتغي بمجالستهم الشرف والفخر قال ابن عباس: لا تجاوزهم إلى غيرهم تطلب بدلهم أصحاب الشرف والثروة {وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا} أي لا تطع كلام الذين سألوك طرد المؤمنين فقلوبهم غافلة عن ذكر الله، وقد شغلوا عن الدين وعبادةِ ربهم بالدنيا قال المفسرون: نزلت في عيُُينة بن حصن وأصحابه أتى النبي صلى الله عليه وسلم وعنده جماعة من الفقراء منهم "سلمان الفارسي" وعليه شملة صوف قد عرق فيها فقال عُيينة للنبي صلى الله عليه وسلم: أما يؤذيك ريح هؤلاء؟ ونحن سادةُ مضر وأشرافُها إن أسلمنا يسلم الناس، وما يمنعنا من اتباعك إلا هؤلاء فنحِّهمْ عنك حتى نتبعك، أو اجعل لنا مجلساً ولهم مجلس، فهمَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجيبهم إلى ما طلبوا فلما نزلت الآية خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يلتمس هؤلاء الفقراء فلما رآهم جلس معهم وقال "حديث : الحمد لله الذي جعل في أُمتي من أمرني ربي أن أصبر نفسي معهم" تفسير : {وَٱتَّبَعَ هَوَاهُ} أي سار مع هواه وترك أمر الله {وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً} أي كان أمره ضياعاً وهلاكاً ودماراً {وَقُلِ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ} ظاهرُه أمرٌ وحقيقته وعيدٌ وإِنذار أي قل يا محمد لهؤلاء الغافلين لقد ظهر الحق وبان بتوضيح الرحمن فإِن شئتم فآمنوا وإِن شئتم فاكفروا كقوله {أية : ٱعْمَلُواْ مَا شِئْتُمْ}تفسير : [فصلت: 40] {إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَاراً أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا} أي هيأنا للكافرين بالله ورسوله ناراً حاميةً شديدة أحاط بهم سورها كإِحاطة السوار بالمعصم {وَإِن يَسْتَغِيثُواْ يُغَاثُواْ بِمَآءٍ كَٱلْمُهْلِ يَشْوِي ٱلْوجُوهَ} أي وإِن استغاثوا من شدة العطش فطلبوا الماء أُغيثوا بماءٍ شديد الحرارة كالنحاس المذاب أو كعكر الزيت المحمى يشوي وجوههم إذا قَرُب منهم من شدة حره وفي الحديث "حديث : ماءٌ كعكر الزيت فإِذا قُرب إليه سقطت فروة وجهه فيه"تفسير : أي سقطت جلدة وجهه فيه أعاذنا الله من جهنم {بِئْسَ ٱلشَّرَابُ وَسَآءَتْ مُرْتَفَقاً} أي بئس ذلك الشراب الذي يُعاثون به وساءت جهنم منزلاً ومقيلاً يرتفق به أهل النار {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً} لما ذكر تعالى حال الأشقياء أعقبه بذكر حال السعداء، على طريقة القرآن في الترغيب والترهيب، أي إنا لا نضيع ثواب من أحسن عمله وأخلص فيه بل نزيده وننميه {أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ} أي لهم جنات إقامة {تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ ٱلأَنْهَارُ} أي تجري من تحت غرفهم ومنازلهم أنهار الجنة {يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ} أي يُحلَّون في الجنة بأساوِر الذهب قال المفسرون: ليس أحد من أهل الجنة إلا وفي يده ثلاثة أساور: سوارٌ من ذهب، وسوار من فضة، وسوار من لؤلؤ، لأن الله تعالى: قال {أية : وَحُلُّوۤاْ أَسَاوِرَ مِن فِضَّةٍ}تفسير : [الإنسان: 21] وقال {أية : وَلُؤْلُؤاً وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ} تفسير : [فاطر: 33] وفي الحديث "حديث : تبلغ حلية المؤمن حيث يبلغ الوضوء"تفسير : {وَيَلْبَسُونَ ثِيَاباً خُضْراً مِّن سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ} أي وهم رافلون في ألوانٍ من الحرير، برقيق الحرير وهو السندس، وبغليظه وهو الاستبرق قال الطبري: معنى الآية أنهم يلبسون من الحلي أساور من ذهب، ويلبسون من الثياب السندس وهو ما رقَّ من الديباج، والاستبرق وهو ما غلظ فيه وثَخُن {مُّتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى ٱلأَرَآئِكِ} أي متكئين في الجنة على السرر الذهبية المزينة بالثياب والستور قال ابن عباس: الآرائك الأسرة من ذهب وهي مكلَّلة بالدُر والياقوت عليها الحجال، الأريكةُ ما بين صنعاء إلى أيلة، وما بين عدن إلى الجابية {نِعْمَ ٱلثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقاً} أي نعم ذلك جزاء المتقين، وحسنت الجنة منزلاً ومقيلاً لهم {وَٱضْرِبْ لهُمْ مَّثَلاً رَّجُلَيْنِ} أي اضرب لهؤلاء الكفار الذين طلبوا منك أن تطرد الفقراء هذا المثل قال المفسرون: هما أخوان من بني إسرائيل، أحدهما مؤمن، والآخر كافر، ورثا مالاً عن أبيهما فاشترى الكافر بماله حديقتين، وأنفق المؤمن ماله في مرضاة الله حتى نفد ماله فعيَّره الكافر بفقره، فأهلك الله مال الكافر، وضرب هذا مثلاً للمؤمن الذي يعمل بطاعة الله، والكافر الذي أبطرته النعمة {جَعَلْنَا لأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ} أي جعلنا لأحدهما - وهو الكافر - بستانينِ من شجر العنب، مثمريْن بأنواع العنب اللذيذ {وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ} أي أحطناهما بسياجٍ من شجر النخيل {وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعاً} أي جعلنا وسط هذين البستانين زرعاً ويتفجر بينهما نهر، وإِنه لمنظرٌ بهيجٌ يصوره القرآن أروع تصوير، منظر الحديقتين المثمرتين بأنواع الكرم، المحفوفتين بأشجار النخيل، تتوسطهما الزروع وتتفجر بينهما الأنهار {كِلْتَا ٱلْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِم مِّنْهُ شَيْئاً} أي كلُّ واحدة من الحديقتين أخرجت ثمرها يانعاً في غاية الجودة والطيب ولم تنقص منه شيئاً {وَفَجَّرْنَا خِلالَهُمَا نَهَراً} أي جعلنا النهر يسير وسط الحديقتين {وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ} أي وكان للأخ الكافر من جنتيه أنواع من الفواكه والثمار {فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنكَ مَالاً وَأَعَزُّ نَفَراً} أي قال صاحب الجنتين لصاحبه المؤمن وهو يجادله ويخاصمه ويفتخرعليه ويتعالى: أنا أغنى منك وأشرف، وأكثر أنصاراً وخدماً {وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ} أي أخذ بيد أخيه المؤمن ودخل الحديقة يطوف به فيها ويريه ما فيها من أشجار وثمار وأنهار وهو ظالم لنفسه بالعُجب والكفر {قَالَ مَآ أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَـٰذِهِ أَبَداً} أي ما أعتقد أن تفنى هذه الحديقة أبداً {وَمَآ أَظُنُّ ٱلسَّاعَةَ قَائِمَةً} أي وما أعتقد القيامة كائنة وحاصلة، أنكر فناء جنته وأنكر البعث والنشور {وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَىٰ رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْراً مِّنْهَا} أي ولئن كان هناك بعثٌ - على - سبيل الفرض والتقدير كما تزعمُ - فسوف يعطيني الله خيراً من هذا وأفضل {مُنْقَلَباً} أي مرجعاً وعاقبة، فكما أعطاني هذا في الدنيا فسيعطيني في الآخرة لكرامتي عليه {قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ} أي قال ذلك المؤمن الفقير وهو يراجع أخاه ويجادله {أَكَفَرْتَ بِٱلَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً} أي أجحدت الله الذي خلق أصلك من تراب ثم من منيّ ثم سوَّاك إنساناً سوياً؟ الاستفهام للتقريع والتوبيخ {لَّٰكِنَّاْ هُوَ ٱللَّهُ رَبِّي} أي لكنْ أنا اعترف بوجود الله فهو ربي وخالقي {وَلاَ أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً} أي لا أُشرك مع الله غيره، فهو المعبودُ وحده لا شريك له {وَلَوْلاۤ إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَآءَ ٱللَّهُ} أي فهلاّ حين دخلتَ حديقتك وأُعجبت بما فيها من الأشجار والثمار قلت: هذا من فضل الله، فما شاءَ اللهُ كان وما لم يشأْ لم يكن {لاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِٱللَّهِ} أي لا قدرة لنا على طاعته إلا بتوفيقه ومعونته {إِن تَرَنِ أَنَاْ أَقَلَّ مِنكَ مَالاً وَوَلَداً} أي قال المؤمن للكافر: إن كنت ترى أنني أفقر منك وتعتز عليَّ بكثرة مالك وأولادك {فعسَىٰ رَبِّي أَن يُؤْتِيَنِ خَيْراً مِّن جَنَّتِكَ} جواب الشرط أي إني أتوقع من صنع الله تعالى وإِحسانه أن يقلب ما بي وما بك من الفقر والغنى فيرزقني جنةً خيراً من جنتك لإِيماني به، ويسلب عنك نعمته لكفرك به ويخرّب بستانك {وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَاناً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ} أي يرسل عليها آفةً تجتاحها أو صواعق من السماء تدمّرها {فَتُصْبِحَ صَعِيداً زَلَقاً} أي تصبح الحديقة أرضاً ملساء لا تثبت عليها قدم، جرداء لا نبات فيها ولا شجر {أَوْ يُصْبِحَ مَآؤُهَا غَوْراً فَلَن تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَباً} أي يغور ماؤها في الأرض فيتلف كل ما فيها من الزرع والشجر، وحينئذٍ لا تستطيع طلبَه فضلاً عن إعادته وردّه، وينتهي الحوار هنا وتكون المفاجأة المدهشة فيتحقَّق رجاءُ المؤمن بزاول النعيم عن الكافر وفجأة ينقلنا السياق من مشهد البهجة والازدهار الى مشهد البوار والدمار {وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ} أي هلكت جنته بالكلية واستولى عليها الخراب والدمار في الزروع والثمار {فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَآ أَنْفَقَ فِيهَا} أي يقلب كفيه ظهراً لبطن أسفاً وحزناً على ماله الضائع وجهده الذاهب قال القرطبي: أي يضرب إحدى يديه على الأخرى ندماً لأن هذا يصدر من النادم {وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا} أي مهشّمة محطمة قد سقطت السقوف على الجدران فأصبحت خراباً يباباً {وَيَقُولُ يٰلَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً} أي وهو نادم على إشراكه بالله يتمنى أن لم يكن قد كفر النعمة، ندم حين لا ينفع الندم قال تعالى {وَلَمْ تَكُن لَّهُ فِئَةٌ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ ٱللَّهِ} أي لم تكن له جماعة تنصره وتدفع عنه الهلاك {وَمَا كَانَ مُنْتَصِراً} أي وما كان بنفسه ممتنعاً عن انتقام الله سبحانه، فلم تنفعه العشيرة والولد حين اعتزّ وافتخر بهم وما استطاع بنفسه أن يدفع عنه العذاب {هُنَالِكَ ٱلْوَلاَيَةُ لِلَّهِ ٱلْحَقِّ} أي في ذلك المقام وتلك الحال تكون النصرة لله وحده لا يقدر عليها أحد فهو الوليُّ الحق الذي ينصر أولياءه {هُوَ خَيْرٌ ثَوَاباً وَخَيْرٌ عُقْباً} أي الله خير ثواباً في الدنيا والآخرة لمن آمن به، وهو خيرٌ عاقبةً لمن اعتمد عليه ورجاه {وَٱضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا كَمَآءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ ٱلسَّمَاءِ فَٱخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ ٱلأَرْضِ} هذا مثلٌ آخر للدنيا وبهرجها الخادع يشبه مثل الجنتين في الفناء والزوال والمعنى اضرب يا محمد للناس مثل هذه الحياة في زوالها وفنائها وانقضائها بماءٍ نزل من السماء فخرج به النبات وافياً غزيراً وخالط بعضه بعضاً من كثرته وتكاثفه {فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ ٱلرِّياحُ} أي صار النبات متكسراً من اليبس متفتتاً تنسفه الرياح ذات اليمين وذات الشمال {وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِراً} أي قادراً على الإِفناء والإِحياء لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء {ٱلْمَالُ وَٱلْبَنُونَ زِينَةُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} أي الأموال والأولاد زينة هذه الحياة الفانية، ذاك مثلها وهذه زينتها والكل إلى فناء وزوال لا يغتر بها إلا الأحمق الجهول {وَٱلْبَاقِيَاتُ ٱلصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ أَمَلاً} أي أعمال الخير تبقى ثمرتها أبد الآباد فهي خير ما يؤمله الإِِنسان ويرجوه عند الله قال ابن عباس: الباقيات الصالحات هي الصلوات الخمس وعنه أيضاً أنها كل عمل صالحٍ من قول أو فعلٍ يبقى للآخرة وفي الحديث "حديث : سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، هنَّ الباقيات الصالحات" تفسير : {وَيَوْمَ نُسَيِّرُ ٱلْجِبَالَ} لما ذكر الدنيا ومآلها وذكر القيامة وأهوالها أي واذكر يوم نزيل الجبال من أماكنها ونسيّرها كما نسيّر السحاب فنجعلها هباءً منبثاً {وَتَرَى ٱلأَرْضَ بَارِزَةً} أي وترى الأرض ظاهرة للعيان ليس عليها ما يسترها من جبل ولا شجر ولا بنيان، قد قلعت جبالها وهُدم بنيانها فهي بارزة ظاهرة {وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً} أي جمعنا الأولين والآخرين لموقف الحساب فلم نترك أحداً منهم {وَعُرِضُواْ عَلَىٰ رَبِّكَ صَفَّاً} أي عُرضوا على رب العالمين مصطفّين، لا يحجبُ أحدٌ أحداً وفي الحديث "حديث : يجمع الله الأولين والآخرين في صعيدٍ واحدٍ صفوفاً"تفسير : قال مقاتل: يُعرضون صفاً بعد صف كالصفوف في الصلاة كل أمةٍ وزمرةٍ صفاً {لَّقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ} أي يقال للكفار على وجه التوبيخ والتقريع: لقد جئتمونا حفاةً عراةً لا شيء معكم من المال والولد كهيئتكم حين خلقناكم أول مرة {بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّن نَّجْعَلَ لَكُمْ مَّوْعِداً} أي زعمتم أن لا بعث ولا جزاء، ولا حساب ولا عقاب {وَوُضِعَ ٱلْكِتَابُ} أي وضعت صحائف أعمال البشر وعُرضت عليهم {فَتَرَى ٱلْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ} أي فترى المجرمين خائفين مما فيه من الجرائم والذنوب {وَيَقُولُونَ يٰوَيْلَتَنَا} أي يا حسرتنا ويا هلاكنا على ما فرطنا في حياتنا الدنيا {مَالِ هَـٰذَا ٱلْكِتَابِ لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا} أي ما شأن هذا الكتاب لا يترك صغيرة ولا كبيرة إلا ضبطها وأحاط بها؟ قال تعالى {وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ حَاضِراً} أي مكتوباً مثبتاً في الكتاب {وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً} أي لا يعاقب إنساناً بغير جرم، ولا يُنقص من ثواب المحسن {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاۤئِكَةِ ٱسْجُدُواْ لأَدَمََ} أي اذكر حين أمرنا الملائكة بالسجود لآدم سجود تحية وتكريم لا سجود عبادة {فَسَجَدُوۤاْ إِلاَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ ٱلْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ} أي سجد جميع الملائكة لكن إبليس الذي هو من الجن خرج عن طاعة ربه، والآية صريحة في أن إبليس من الجن لا من الملائكة {أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ} أي أفتتخذونه يا بني آدم هو وأولاده الشياطين أولياء من دون الله وهم لكم أعداء {بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً} أي بئست عبادة الشيطان بدلاً عن عبادة الرحمن {مَّآ أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} أي ما أشهدت هؤلاء الشياطين الذين عبدتموهم من دوني خلق السماوات والأرض {وَلاَ خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ} أي ولا أشهدت بعضهم خلق بعض فهم عبيد أمثالكم لا يملكون شيئاً {وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ ٱلْمُضِلِّينَ عَضُداً} أي وما كنت متخذ الشياطين أعواناً في الخلق فكيف تطيعونهم من دوني؟ {وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُواْ شُرَكَآئِيَ ٱلَّذِينَ زَعَمْتُمْ} أي ويوم يقول الله للمشركين: أُدعوا شركائي ليمنعوكم من عذابي ويشفعوا لكم كما كنتم تزعمون {فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُمْ} أي فاستغاثوا بهم فلم يغيثوهم {وَجَعَلْنَا بَيْنَهُم مَّوْبِقاً} أي جعلنا بين العابدين والمعبودين مهلكةً لا يجتازها هؤلاء وهي النار {وَرَأَى ٱلْمُجْرِمُونَ ٱلنَّارَ فَظَنُّوۤاْ أَنَّهُمْ مُّوَاقِعُوهَا} أي عاينوها وهي تتغيظ حنقاً عليهم فأيقنوا أنهم داخلوها {وَلَمْ يَجِدُواْ عَنْهَا مَصْرِفاً} أي لم يجدوا عنها معدلاً وذلك لأنها أحاطت بهم من كل جانب فلم يقدروا على الهرب منها. البَلاَغة: تضمنت الآيات الكريمة وجوهاً من البيان والبديع نوجزها فيما يلي: 1- الطباق {ٱلْغَدَاةِ.. وَٱلْعَشِيِّ} وبين {فَلْيُؤْمِن.. فَلْيَكْفُرْ}. 2- المقابلة البديعة بين الجنة {نِعْمَ ٱلثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقاً} والنار {بِئْسَ ٱلشَّرَابُ وَسَآءَتْ مُرْتَفَقاً}. 3- التشبيه {بِمَآءٍ كَٱلْمُهْلِ يَشْوِي ٱلْوجُوهَ} ويسمى مرسلاً مفصلاً لذكر الأداة ووجه الشبه. 4- التشبيه التمثيلي {وَٱضْرِبْ لهُمْ مَّثَلاً رَّجُلَيْنِ جَعَلْنَا لأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ} لأن وجه الشبه منتزع من متعدد وكذلك يوجد التشبيه التمثيلي في {وَٱضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا كَمَآءٍ أَنْزَلْنَاهُ}. 5- المبالغة بإِطلاق المصدر على اسم الفاعل {أَوْ يُصْبِحَ مَآؤُهَا غَوْراً} أي غائراً. 6- الكناية {يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ} كناية عن التحسر والندم لأن النادم يضرب بيمينه على شماله. 7- الإِنكار والتعجيب {أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَآءَ}؟. تنبيه: الجمهور على أن الباقيات الصالحات هن الكلمات المأثور فضلها "سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم" وقد ورد بذلك حديث تقدم ذكره وفي الترمذي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : لقيتُ إبراهيم ليلةَ أُسري بي فقال يا محمد: أقرئْ أمتك مني السلام وأخبرهم أن الجنة طيبة التربة، عذبة الماء، وأنها قيعان، وأن غراسها: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر"تفسير : رواه الترمذي.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {وَلَن تَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَداً} معناه مَلجأٌ.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : التلاوة: هي الاتباع، أي: اتبع ما أوحى الله إليك بمعرفة معانيه وفهمها، وتصديق أخباره، وامتثال أوامره ونواهيه، فإنه الكتاب الجليل، الذي لا مبدل لكلماته، أي: لا تغير ولا تبدل لصدقها وعدلها، وبلوغها من الحسن فوق كل غاية {أية : وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا } تفسير : فلتمامها، استحال عليها التغيير والتبديل، فلو كانت ناقصة، لعرض لها ذلك أو شيء منه، وفي هذا تعظيم للقرآن، في ضمنه الترغيب على الإقبال عليه. { وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا } أي: لن تجد من دون ربك، ملجأ تلجأ إليه، ولا معاذا تعوذ به، فإذا تعين أنه وحده الملجأ في كل الأمور، تعين أن يكون هو المألوه المرغوب إليه، في السراء والضراء، المفتقر إليه في جميع الأحوال، المسئول في جميع المطالب.
همام الصنعاني
تفسير : 1675- حدثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {مُلْتَحَداً} [الآية: 27]، قال: ملجأ.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):