١٨ - ٱلْكَهْف
18 - Al-Kahf (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
28
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن أكابر قريش اجتمعوا وقالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إن أردت أن نؤمن بك فاطرد هؤلاء الفقراء من عندك، فإذا حضرنا لم يحضروا، وتعين لهم وقتاً يجتمعون فيه عندك فأنزل الله تعالى: { أية : وَلاَ تَطْرُدِ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ } تفسير : [الأنعام: 52] الآية فبين فيها إنه لا يجوز طردهم بل تجالسهم وتوافقهم وتعظم شأنهم ولا تلتفت إلى أقوال أولئك الكفار ولا تقيم لهم في نظرك وزناً سواء غابوا أو حضروا. وهذه القصة منقطعة عما قبلها وكلام مبتدأ مستقل. ونظير هذه الآية قد سبق في سورة الأنعام وهو قوله: { أية : وَلاَ تَطْرُدِ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ بِهِمُ بِٱلْغَدَاةِ وَٱلْعَشِىّ } تفسير : [الأنعام: 52] ففي تلك الآية نهي الرسول صلى الله عليه وسلم عن طردهم وفي هذه الآية أمره بمجالستهم والمصابرة معهم فقوله: {وَٱصْبِرْ نَفْسَكَ } أصل الصبر الحبس ومنه نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المصبورة وهي البهيمة تحبس فترمى، أما قوله: {مَعَ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِٱلْغَدَاةِ وَٱلْعَشِىّ } ففيه مسألتان: المسألة الأولى: قرأ ابن عامر بالغدوة بضم الغين والباقون بالغداة وكلاهما لغة. المسألة الثانية: في قوله: {بِٱلْغَدَاةِ وَٱلْعَشِىّ } وجوه: الأول: المراد كونهم مواظبين على هذا العمل في كل الأوقات كقول القائل: ليس لفلان عمل بالغداة والعشي إلا شتم الناس. الثاني: أن المراد صلاة الفجر والعصر. الثالث: المراد أن الغداة هي الوقت الذي ينتقل الإنسان فيه من النوم إلى اليقظة وهذا الانتقال شبيه بالانتقال من الموت إلى الحياة والعشي هو الوقت الذي ينتقل الإنسان فيه من اليقظة إلى النوم ومن الحياة إلى الموت والإنسان العاقل يكون في هذين الوقتين كثير الذكر لله عظيم الشكر لآلاء الله ونعمائه، ثم قال: {وَلاَ تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ } يقال عداه إذا جاوزه ومنه قولهم عدا طوره وجاء القوم عدا زيداً وإنما عدي بلفظة عن لأنها تفيد المباعدة فكأنه تعالى نهى عن تلك المباعدة وقرى: {وَلاَ تَعْدُ عَيْنَيْكَ } ولا تعد عينيك من أعداه وعداه نقلاً بالهمزة وتثقيل الحشو ومنه قوله شعر: شعر : فعد عما ترى إذ لا ارتجاع له تفسير : والمقصود من الآية أنه تعالى نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أن يزدري فقراء المؤمنين وأن تنبو عيناه عنهم لأجل رغبته في مجالسة الأغنياء وحسن صورتهم وقوله: {تُرِيدُ زِينَةَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا } نصب في موضع الحال. يعني أنك (إن) فعلت ذلك لم يكن إقدامك عليه إلا لرغبتك في زينة الحياة الدنيا، ولما بالغ في أمره بمجالسة الفقراء من المسلمين بالغ في النهي عن الالتفات إلى أقوال الأغنياء والمتكبرين فقال: {وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَٱتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا } وفيه مسائل: المسألة الأولى: احتج أصحابنا بهذه الآية على أنه تعالى هو الذي يخلق الجهل والغفلة في قلوب الجهال لأن قوله: {أَغْفَلْنَا } يدل على هذا المعنى، قالت المعتزلة: المراد بقوله تعالى: {أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا } أنا وجدنا قلبه غافلاً وليس المراد خلق الغفلة فيه، والدليل عليه ما روي عن عمرو بن معديكرب الزبيدي أنه قال لبني سليم: قاتلناكم فما أجبناكم، وسألناكم فما أبخلناكم، وهجوناكم فما أفحمناكم، أي ما وجدناكم جبناء ولا بخلاء ولا مفحمين. ثم نقول: حمل اللفظ على هذا المعنى أولى ويدل عليه وجوه: الأول: أنه لو كان كذلك لما استحقوا الذم. الثاني: أنه تعالى قال بعد هذه الآية: { فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ } ولو كان تعالى خلق الغفلة في قلبه لما صح ذلك. الثالث: لو كان المراد هو أنه تعالى جعل قلبه غافلاً لوجب أن يقال: ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا فاتبع هواه. لأن على هذا التقدير يكون ذلك من أفعال المطاوعة، وهي إنما تعطف بالفاء لا بالواو، ويقال: كسرته فانكسر ودفعته فاندفع ولا يقال: وانكسر واندفع. الرابع: قوله تعالى: {وَٱتَّبَعَ هَوَاهُ } ولو كان تعالى أغفل في الحقيقة قلبه لم يجز أن يضاف ذلك إلى اتباعه هواه. والجواب: قوله المراد من قوله: {أَغْفَلْنَا } أي وجدناه غافلاً، وليس المارد تحصيل الغفلة فيه. قلنا: الجواب عنه من وجهين. الأول: أن الاشتراك خلاف الأصل فوجب أن يعتقد أن وزن الأفعال حقيقة في أحدهما مجاز في الآخر وجعله حقيقة في التكوين مجازاً في الوجدان أولى من العكس وبيانه من وجوه: أحدها: أن مجيء بناء الأفعال بمعنى التكوين أكثر من مجيئه بمعنى الوجدان والكثرة دليل الرجحان. وثانيها: أن مبادرة الفهم من هذا البناء إلى التكوين أكثر من مبادرته إلى الوجدان ومبادرة الفهم دليل الرجحان. وثالثها: أنا إن جعلناه حقيقة في التكوين أمكن جعله مجازاً في الوجدان لأن العلم بالشيء تابع لحصول المعلوم، فجعل اللفظ حقيقة في المتبوع ومجازاً في التبع موافق للمعقول، أما لو جعلناه حقيقة في الوجدان مجازاً في الإيجاد لزم جعله حقيقة في التبع مجازاً في الأصل وأنه عكس المعقول فثبت أن الأصل جعل هذا البناء حقيقة في الإيجاد لا في الوجدان. الوجه الثاني: في الجواب عن السؤال أنا نسلم كون اللفظ مشتركاً بالنسبة إلى الإيجاد وإلى الوجدان إلا أنا نقول يجب حمل قوله: {أَغْفَلْنَا } على إيجاد الغفلة وذلك لأن الدليل العقلي دل على أنه يمتنع كون العبد موجداً للغفلة في نفسه والدليل عليه أنه إذا حاول إيجاد الغفلة، فأما أن يحاول إيجاد مطلق الغفلة أو يحاول إيجاد الغفلة عن شيء معين والأول باطل، وإلا لم يكن بأن تحصل له الغفلة عن هذا الشيء أولى بأن تحصل له الغفلة عن شيء آخر، لأن الطبيعة المشترك فيها بين الأنواع الكثيرة تكون نسبتها إلى كل تلك الأنواع على السوية، أما الثاني فهو أيضاً باطل لأن الغفلة عن كذا عبارة عن غفلة لا تمتاز عن سائر أقسام الغفلات إلا بكونها منتسبة إلى ذلك الشيء المعين بعينه، فعلى هذا لا يمكنه أن يقصد إلى إيجاد الغفلة عن كذا إلا إذا تصور أن تلك الغفلة غفلة عن كذا، ولا يمكنه أن يتصور كون تلك الغفلة غفلة عن كذا إلا إذا تصور كذا لأن العلم بنسبة أمر إلى أمر آخر مشروط بتصور كل واحد من المنتسبين. فثبت أنه لا يمكنه القصد إلى إيجاد الغفلة عن كذا إلا مع الشعور بكذا لكن الغفلة عن كذا ضد الشعور بكذا؛ فثبت أن العبد لا يمكنه إيجاد هذه الغفلة إلا عند اجتماع الضدين وذلك محال، والموقوف على المحال محال، فثبت أن العبد غير قادر على إيجاد الغفلة، فوجب أن يكون خالق الغفلات وموجدها في العباد هو الله، وهذه نكتة قاطعة في إثبات هذا المطلوب، وعند هذا يظهر أن المراد بقوله تعالى: {وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ } هو إيجاد الغفلة لا وجدانها، أما حديث المدح والذم فقد عارضناه مراراً وأطواراً بالعلم والداعي، أما قوله تعالى بعد هذه الآية: { أية : فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ } تفسير : [الكهف:29] فالبحث عنه سيأتي إن شاء الله تعالى، أما قوله: {وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ } لو كان المراد إيجاد الغفلة لوجب ذكر الفاء، لا ذكر الواو، فنقول: هذا إنما يلزم لو كان خلق الغفلة في القلب من لوازمه حصول اتباع الهوى كما أن الكسر من لوازمه حصول الانكسار، وليس الأمر كذلك لأنه لا يلزم من حصول الغفلة عن الله حصول متابعة الهوى لاحتمال أن يصير غافلاً عن ذكر الله، ومع ذلك فلا يتبع الهوى بل يبقى متوقفاً لا ينافي مقام الحيرة والدهشة والخوف من الكل فسقط هذا السؤال، وذكر القفال في تأويل الآية على مذهب المعتزلة وجوهاً أخرى. فأحدها: أنه تعالى لما صب عليهم الدنيا صباً وأدى ذلك إلى رسوخ الغفلة في قلوبهم صح على هذا التأويل أنه تعالى حصل الغفلة في قلوبهم كما في قوله تعالى: { أية : فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِى إِلاَّ فِرَاراً } تفسير : [نوح: 6]. والوجه الثاني: أن معنى قوله: {أَغْفَلْنَا } أي تركناه غافلاً فلم نسمه بسمة أهل الطهارة والتقوى وهو من قولهم بعير غفل أي لا سمة عليه. وثالثها: أن المراد من قوله أغفلنا قلبه أي خلاه مع الشيطان ولم يمنع الشيطان منه فيقال في: الوجه الأول: إن فتح باب لذات الدنيا عليه هل يؤثر في حصول الغفلة في قلبه أو لا يؤثر، فإن أثر كان أثر إيصال اللذات إليه سبباً لحصول الغفلة في قلبه. وذلك عين القول بأنه تعالى فعل ما يوجب حصول الغفلة في قلبه، وإن كان لا تأثير له في حصول هذه الغفلة بطل إسناده إليه، وقد يقال في: الوجه الثاني: إن قوله أغفلنا قلبه بمنزلة قوله سودنا قلبه وبيضنا وجهه ولا يفيد إلا ما ذكرناه، ويقال في الوجه الثالث إن كان لتلك التخلية أثر في حصول تلك الغفلة فقد صح قولنا، وإلا بطل استناد تلك الغفلة إلى الله تعالى. المسألة الثانية: قوله: {وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَٱتَّبَعَ هَوَاهُ } يدل على أن شر أحوال الإنسان أن يكون قلبه خالياً عن ذكر الحق ويكون مملوءاً من الهوى الداعي إلى الاشتغال بالخلق وتحقيق القول أن ذكر الله نور وذكر غيره ظلمة لأن الوجود طبيعة النور والعدم منبع الظلمة، والحق تعالى واجب الوجود لذاته فكان النور الحق هو الله، وما سوى الله فهو ممكن الوجود لذاته. والإمكان طبيعة عدمية فكان منبع الظلمة فالقلب إذا أشرق فيه ذكر الله فقد حصل فيه النور والضوء والإشراق، وإذا توجه القلب إلى الخلق فقد حصل فيه الظلم والظلمة بل الظلمات، فلهذا السبب إذا أعرض القلب عن الحق وأقبل على الخلق فهو الظلمة الخالصة التامة، فالإعراض عن الحق هو المراد بقوله: {أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا } والإقبال على الخلق هو المراد بقوله: {وَٱتَّبَعَ هَوَاهُ }. المسألة الثالثة: قيل: {فُرُطًا } أي مجاوزاً للحد من قولهم: فرس فرط، إذا كان متقدماً الخيل، قال الليث: الفرط الأمر الذي يفرط فيه يقال كل أمر فلان فرط، وأنشد شعراً: شعر : لقد كلفني شططا وأمراً خائباً فرطا تفسير : أي مضيعاً، فقوله وكان أمره فرطاً معناه أن الأمر الذي يلزمه الحفظ له والاهتمام به وهو أمر دينه يكون مخصوصاً بإيقاع التفريط والتقصير فيه، وهذه الحالة صفة من لا ينظر لدينه وإنما عمله لدنياه. فبين تعالى من حال الغافلين عن ذكر الله التابعين لهواهم أنهم مقصرون في مهماتهم معرضون عما وجب عليهم من التدبر في الآيات والتحفظ بمهمات الدنيا والآخرة، والحاصل أنه تعالى وصف أولئك الفقراء بالمواظبة على ذكر الله والإعراض عن غير ذكر الله فقال: {مَعَ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِٱلْغَدَاةِ وَٱلْعَشِىّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ } ووصف هؤلاء الأغنياء بالإعراض عن ذكر الله تعالى والإقبال على غير الله وهو قوله: {أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ وَٱتَّبَعَ هَوَاهُ } ثم أمر رسوله بمجالسة أولئك والمباعدة عن هؤلاء، روى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه قال: كنت جالساً في عصابة من ضعفاء المهاجرين وإن بعضهم ليستر بعضاً من العرى وقارىء يقرأ القرآن فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ماذا كنتم تصنعون؟ قلنا: يا رسول الله كان واحد يقرأ من كتاب الله ونحن نستمع، فقال عليه السلام: « حديث : الحمد لله الذي جعل من أمتي من أمرت إلى أن أصبر نفسي معهم » تفسير : ثم جلس وسطنا وقال: « حديث : أبشروا يا صعاليك المهاجرين بالنور التام يوم القيامة، تدخلون الجنة قبل الأغنياء بمقدار خمسين ألف سنة ».
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَٱصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِٱلْغَدَاةِ وَٱلْعَشِيِّ} هذا مثل قوله {وَلاَ تَطْرُدِ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِٱلْغَدَاةِ وَٱلْعَشِيِّ} في سورة «الأنعام» وقد مضى الكلام فيه. وقال سلمان الفارسي رضي الله عنه: جاءت المؤلّفة قلوبهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: عيينة بن حِصْن والأقرع بن حابس فقالوا: يا رسول الله؛ إنك لو جلست في صدر المجلس ونحيّت عنا هؤلاء وأرواح جبابهم ـ يعنون سلمان وأبا ذرّ وفقراء المسلمين، وكانت عليهم جباب الصوف لم يكن عليهم غيرها ـ جلسنا إليك وحادثناك وأخذنا عنك، فأنزل الله تعالى: {وَٱتْلُ مَآ أُوْحِيَ إِلَيْكَ مِن كِتَابِ رَبِّكَ لاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَن تَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَداً وَٱصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِٱلْغَدَاةِ وَٱلْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} حتى بلغ ـ {إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا}. يتهددهم بالنار. فقام النبيّ صلى الله عليه وسلم يلتمسهم حتى إذا أصابهم في مؤخر المسجد يذكرون الله قال: «حديث : الحمد لله الذي لم يمتني حتى أمرني أن أصبر نفسي مع رجال من أمتي، معكم المحيا ومعكم الممات»تفسير : . {يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} أي طاعته. وقرأ نصر بن عاصم ومالك بن دينار وأبو عبد الرحمن «ولا تطرد الذين يدعون ربّهم بالغدوة والعشيّ» وحجتهم أنها في السواد بالواو. وقال أبو جعفر النحاس: وهذا لا يلزم لكتبهم الحياة والصلاة بالواو، ولا تكاد العرب تقول الغدوة لأنها معروفة. وروي عن الحسن «ولا تعدّ عينيك عنهم» أي لا تتجاوز عيناك إلى غيرهم من أبناء الدنيا طلباً لزينتها؛ حكاه اليزيدي. وقيل: لا تحتقرهم عيناك؛ كما يقال فلان تنبو عنه العين؛ أي مستحقراً. {تُرِيدُ زِينَةَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} أي تتزيّن بمجالسة هؤلاء الرؤساء الذين اقترحوا إبعاد الفقراء من مجلسك؛ ولم يرد النبيّ صلى الله عليه وسلم أن يفعل ذلك، ولكنّ الله نهاه عن أن يفعله، وليس هذا بأكثر من قوله: {أية : لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ} تفسير : [الزمر: 65]. وإن كان الله أعاذه من الشرك. و«تريد» فعل مضارع في موضع الحال؛ أي لا تعد عيناك مريداً؛ كقول امرىء القيس:شعر : فقلتُ له لا تبْكِ عَيْنُك إنما نحاول مُلْكا أو نموتَ فنُعْذَرَا تفسير : وزعم بعضهم أن حق الكلام: لا تعد عينيك عنهم؛ لأن «تعد» متعدّ بنفسه. قيل له: والذي وردت به التلاوة من رفع العينين يؤول إلى معنى النصب فيهما، إذ كان لا تعد عيناك عنهم بمنزلة لا تنصرف عيناك عنهم، ومعنى لا تنصرف عيناك عنهم لا تصرف عينيك عنهم؛ فالفعل مسند إلى العينين وهو في الحقيقة موجّه إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم؛ كما قال تعالى: {أية : فَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ} تفسير : [التوبة: 55] فأسند الإعجاب إلى الأموال، والمعنى: لا تعجبك يا محمد أموالهم. ويزيدك وضوحاً قول الزجاج: إن المعنى لا تصرف بصرك عنهم إلى غيرهم من ذوي الهيئات والزينة. قوله تعالى: {وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا} روى جويبر عن الضحاك عن ابن عباس في قوله تعالى: {وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا} قال: نزلت في أميّة بن خلف الجُمَحِيّ، وذلك أنه دعا النبيّ صلى الله عليه وسلم إلى أمر كرهه من تجرّد الفقراء عنه وتقريب صناديد أهل مكة؛ فأنزل الله تعالى: «ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا» يعني من ختمنا على قلبه عن التوحيد. {وَٱتَّبَعَ هَوَاهُ} يعني الشرك. {وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً} قيل هو من التفريط الذي هو التقصير وتقديم العجز بترك الإيمان. وقيل: من الإفراط ومجاوزة الحدّ، وكان القوم قالوا: نحن أشراف مُضَرَ إن أسلمنا أسلم الناس؛ وكان هذا من التكبر والإفراط في القول. وقيل: «فُرُطاً» أي قدماً في الشر؛ من قولهم: فَرَط منه أمر أي سبق. وقيل: معنى «أغفلنا قلبه» وجدناه غافلاً؛ كما تقول: لقيت فلاناً فأحمدته؛ أي وجدته محموداً. وقال عمرو بن معد يكرب لبني الحارث بن كعب: والله لقد سألناكم فما أبخلناكم وقاتلناكم فما أجبناكم، وهاجيناكم فما أفحمناكم؛ أي ما وجدناكم بخلاء ولا جبناء ولا مفحمين. وقيل: نزلت {وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا} في عيينة بن حصن الفزاري؛ ذكره عبد الرزاق، وحكاه النحاس عن سفيان الثوري. والله أعلم.
البيضاوي
تفسير : {وَٱصْبِرْ نَفْسَكَ } واحبسها وثبتها. {مَعَ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِٱلْغَدَاةِ وَٱلْعَشِىّ } في مجامع أوقاتهم، أو في طرفي النهار. وقرأ ابن عامر «بالغدوة» وفيه أن غدوة علم في الأكثر فتكون اللام فيه على تأويل التنكير. {يُرِيدُونَ وَجْهَهُ } رضا الله وطاعته. {وَلاَ تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ } ولا يجاوزهم نظرك إلى غيرهم، وتعديته بعن لتضمينه معنى نبأ. وقرىء «ولا تعد عينيك» {وَلاَ تَعْدُ } من أعداه وعداه. والمراد نهي الرسول صلى الله عليه وسلم أن يزدري بفقراء المؤمنين وتعلو عينه عن رثاثة زيهم طموحاً إلى طراوة زي الأغنياء. {تُرِيدُ زِينَةَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا } حال من الكاف في المشهورة ومن المستكن في الفعل في غيرها. {وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ } من جعلنا قلبه غافلاً. {عَن ذِكْرِنَا } كأمية بن خلف في دعائك إلى طرد الفقراء عن مجلسك لصناديد قريش. وفيه تنبيه على أن الداعي له إلى هذا الاستدعاء غفلة قلبه عن المعقولات وانهماكه في المحسوسات، حتى خفي عليه أن الشرف بحلية النفس لا بزينة الجسد، وأنه لو أطاعه كان مثله في الغباوة. والمعتزلة لما غاظهم إسناد الإِغفال إلى الله تعالى قالوا: إنه مثل أجبنته إذا وجدته كذلك أو نسبته إليه، أو من أغفل إبله إذا تركها بغير سمة أي لم نسمه بذكرنا كقلوب الذين كتبنا في قلوبهم الإِيمان، واحتجوا على أن المراد ليس ظاهر ما ذكر أولاً بقوله: {وَٱتَّبَعَ هَوَاهُ } وجوابه ما مر غير مرة. وقرىء {أَغْفَلْنَا } بإسناد الفعل إلى القلب على معنى حسبنا قلبه غافلين عن ذكرنا إياه بالمؤاخذة. {وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا } أي تقدماً على الحق ونبذاً له وراء ظهره يقال: فرس فرط أي متقدم للخيل ومنه الفرط.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَٱصْبِرْ نَفْسَكَ } احبسها {مَعَ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِٱلْغَدَاةِ وَٱلْعَشِىِّ يُرِيدُونَ } بعبادتهم {وَجْهَهُ } تعالى لا شيئاً من أعراض الدنيا وهم الفقراء {وَلاَ تَعْدُ } تنصرف {عَيْنَاكَ عَنْهُمْ } عبر بهما عن صاحبهما {تُرِيدُ زِينَةَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا } أي القرآن هو عيينة بن حصن وأصحابه {وَٱتَّبَعَ هَوَاهُ } في الشرك {وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا } إسرافاً.
ابن عطية
تفسير : سبب هذه الآية أن عظماء الكفار قيل من أهل مكة، وقيل عيينة بن حصن وأصحابه والأول أصوب، لأن السورة مكية، قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: لو أبعدت هؤلاء عن نفسك لجالسناك وصحبناك، يريدون عمار بن ياسر وصهيب بن سنان وسلمان الفارسي وابن مسعود وغيرهم من الفقراء كبلال ونحوه، وقالوا إن ريح جباتهم تؤذينا، فنزلت الآية بسبب ذلك، وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إليهم وجلس بينهم، وقال الحمد لله الذي جعل من أمتي من أمرت أن أصبر نفسي معه، وروي أنه قال لهم رحباً بالذي عاتبني فيهم ربي، وروى سلمان أن المؤلفة قلوبهم، عيينة ابن حصن والأقرع بن حابس وذويهم، قالوا ما ذكر، فنزلت الآية في ذلك. قال القاضي أبو محمد: فالآية على هذا مدنية، ويشبه أن تكون الآية مكية، وفعل المؤلفة قريش فرد بالآية عليهم، {واصبر} معناه احبس، ومنه المصبورة التي جاء فيها الحديث: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صبر الحيوان، أي حبسه للرمي ونحوه، وقرأ الجمهور "بالغداة"، وقرأ ابن عامر "بالغدوة" وهي قراءة نصر بن عاصم ومالك بن دينار وأبي عبد الرحمن والحسن، وهي في الخط على القراءتين بالواو، فمن يقرأها "بالغداة" يكتبها "بالغدوة" كما تكتب "الصلوة والزكوة"، وفي قراءة من قرأ "بالغدوة" ضعف لأن "غدوة" اسم معروف فحقه أن لا تدخل عليه الألف واللام ووجه القراءة بذلك أنهم ألحقوها ضرباً من التنكير إذ قالوا حيث غدوة يريدون الغدوات فحسن دخول الألف واللام كقولهم الفينة وفينة اسم معرف، والإشارة بقوله {يدعون ربهم بالغداة والعشي} إلى الصلوات الخمس. قاله ابن عمر ومجاهد وإبراهيم، وقال قتادة المراد صلاة الفجر، وصلاة العصر. قال القاضي أبو محمد: ويدخل في الآية من يدعو في غير صلاة، ومن يجتمع لمذاكرة علم، وقد روى عبد الله بن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال "حديث : لذكر الله بالغداة والعشي أفضل من حطم السيوف في سبيل الله، ومن إعطاء المال سحاً"تفسير : ، وقرأ أبو عبد الرحمن "بالغدو" دون هاء، وقرأ ابن أبي عبلة "بالغدوات" "والعشيات" على الجمع، وقوله {ولا تعد عيناك} أي لا تتجاوز عنهم إلى أبناء الدنيا والملابس من الكفار، وقرأ الحسن "ولا تُعَدِّ عينيك" بضم التاء وفتح العين وشد الدال المكسورة، أي لا تجاوزها أنت عليهم، وروي عنه "ولا تُعْد عينك" بضم التاء وسكون العين، وقوله {من أغفلنا} قيل إنه أراد بذلك معيناً وهو عيينة بن حصن، والأقرع قاله خباب، وقيل إنما أراد من هذه صفته، وإنما المراد أولاً كفار قريش، لأن الآية مكية، وقرأ الجمهور "أغفلنا قلبَه" بنصب الباء على معنى جعلناه غافلاً، وقرأ عمرو بن فائد وموسى الأسواري "أغفلنا قلبه" على معنى أهمل ذكرنا وتركه، قال ابن جني المعنى من ظننا غافلين عنه، وذكر أبو عمرو الداني أنها قراءة عمرو بن عبيد و"الفرط" يحتمل أن يكون بمعنى التفريط والتضييع، أي أمره الذي يجب أن يلتزم، ويحتمل أن يكون بمعنى الإفراط والإسراف، أي أمره وهواه الذي هو بسبيله، وقد فسره المتأولون بالعبارتين: أعني التضييع والإسراف، وعبر خباب عنه بالهلاك، وداود بالندامة، وابن زيد بالخلاف للحق، وهذا كله تفسير بالمعنى، وقوله تعالى: {وقل الحق} الآية، المعنى وقل لهم يا محمد هذا {الحق من ربكم} أي هذا القرآن، أو هذا الإعراض عنكم، وترك الطاعة لكم، وصبر النفس مع المؤمنين، وقرأ قعنب وأبو السمال "وقلَ" بفتح اللام قال أبو حاتم وذلك رديء في العربية، وقوله {فمن شاء فليؤمن} الآية توعد وتهديد، أي فليختر كل امرىء لنفسه ما يجده غداً عند الله عز وجل، وتأولت فرقة {فمن شاء} الله إيمانه {فليؤمن ومن شاء} الله كفره {فليكفر}، وهو متوجه، أي فحقه الإيمان وحقه الكفر، ثم عبر عن ذلك بلفظ الأمر إلزماً وتحريضاً، ومن حيث للإنسان في ذلك التكسب الذي به يتعلق ثواب الإيمان وعقاب الكفر، وقرأ الحسن وعيسى الثقفي "فلِيؤمن" "ولِيكفر" بكسر اللامين {وأعتدنا} مأخوذ من العتاد وهو الشيء المعد الحاضر و"السرادق" وهو الجدار المحيط كالحجرة التي تدور وتحيط الفسطاط، وقد تكون من نوع الفسطاط أديماً أو ثوباً أو نحوه، ومنه قول رؤبة: [الرجز] شعر : يا حكم بن المنذر بن الجارود سرادق والمجد عليك ممدود تفسير : ومنه قول سلامة بن جندل: [الطويل] شعر : هو المولج النعمان بيتا سماؤه صدور الفيول بعد بيت مسردق تفسير : وقال الزجاج "السرادق" كل ما أحاط بشيء. قال القاضي أبو محمد: وهو عندي أخص مما قال الزجاج، واختلف في "سرادق" النار فقال ابن عباس {سرادقها} حائط من نار وقالت فرقة {سرادقها} دخان يحيط بالكفار، وقوله تعالى: {أية : انطلقوا إلى ظل ذي ثلاث شعب} تفسير : [المرسلات: 30] وقالت فرقة الإحاطة هي في الدنيا، والسرادق البحر، وروي هذا المعنى عن النبي صلى الله عليه وسلم من طريق يعلى بن أمية، فيجيء قوله تعالى: {أحاط بهم} أي بالبشر ذكر الطبري الحديث عن يعلى قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : البحر هي جهنم" تفسير : وتلا هذه الآية: ثم قال "حديث : والله لا أدخله أبداً أو ما دمت حياً"تفسير : ، وروي عنه أيضاً عليه السلام من طريق أبي سعيد الخدري أنه قال "حديث : سرادق النار أربعة جدور، كتف عرض كل جدار مسيرة أربعين سنة"تفسير : ، وقوله عز وجل {يغاثوا} أي يكون لهم مقام الغوث وهذا نحو قول الشاعر: [الوافر] شعر : تحية بينهم ضرب وجيع تفسير : أي القائم مقام التحية و"المهل" قال أبو سعيد عن النبي عليه السلام هو دردي الزيت إذا انتهى حده، وقالت فرقة هو كل مائع سخن حتى انتهى حره، وقال ابن مسعود وغيره هو كل ما أذيب من ذهب أو فضة أو رصاص أو نحو هذا من الفلز حتى يميع، وروي أن عبد الله بن مسعود أهديت إليه سقاية من ذهب أو فضة فأمر بها فأذيبت حتى تميعت وتلونت ألواناً ثم دعا من ببابه من أهل الكوفة، فقال ما رأيت في الدنيا شيئاً أدنى شبهاً "بالمهل" من هذا، يريد أدنى شبهاً بشراب أهل النار، وقالت فرقة "المهل": الصديد والدم إذا اختلطا، ومنه قول أبي بكر الصديق في الكفن: "إنما هو للمهلة"، يريد لما يسيل من الميت في قبره، ويقوى هذا بقوله {أية : ويسقى من ماء صديد} تفسير : [إبراهيم: 16] الآية. وقوله {يشوي الوجوه} روي في معناه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال حديث : تقرب الشربة من الكافر، فإذا دنت منه تكرهها، فإذا دنت أكثر شوت وجهه، وسقطت فيها فروة وجهه، وإذا شرب تقطعت أمعاؤه تفسير : . و"المرتفق"، الشيء الذي يرتفق به أي يطلب رفقه، و"المرتفق" الذي هو المتكأ أخص من هذا الذي في الآية، لأنه في شيء واحد من معنى الرفق، على أن الطبري قد فسر الآية به، والأظهر عندي أن يكون "المرتفق" بمعنى الشيء الذي يطلب رفقه باتكاء وغيره، وقال مجاهد "المرتفق" المجتمع كأنه ذهب بها إلى موضع الرفاقة، ومنه الرفقة، وهذا كله راجع إلى الرفق، وأنكر الطبري أن يعرف لقول مجاهد معنى، والقول بين الوجه، والله المعين.
ابن عبد السلام
تفسير : {يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} تعظيمه، أو طاعته نزلت على الرسول صلى الله عليه وسلم بالمدينة فقال: "حديث : الحمد لله الذي جعل في أمتي من أمرت أن أصبر معهم "تفسير : . {يَدْعُونَ} رغبة ورهبة، أو يحافظون على صلاة الجماعة، أو الصلوات المكتوبة "ع". وخص عمل النهار، لأن عمل النهار إذا كان لله ـ تعالى ـ فعمل الليل أولى، {وَلا تَعْدُ} لا تتجاوزهم بالنظر إلى أهل الدنيا طلباً لزينتها {وَلا تُطِعْ} قال عيينة بن حصن للرسول صلى الله عليه وسلم قبل أن يسلم لقد آذاني ريح سلمان الفارسي، فاجعل لنا مجلساً منك لا يجامعونا فيه ولهم مجلساً لا نجامعهم فيه فنزلت {أَغْفَلْنَا} جعلناه غافلاً، أو وجدناه غافلاً {وَاتَّبَعَ هَوَاهُ} في طلبه التمييز على غيره، أو في شهواته وأفعاله {فُرُطاً} ضياعاً أو متروكاً، أو ندماً، أو سرفاً وإفراطاً، أو سريعاً، أفرط أسرف وفرَّط قصَّر.
النسفي
تفسير : {وَٱصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم } واحبسها معهم وثبتها {بِٱلْغَدَاةِ وَٱلْعَشِىّ } دائبين على الدعاء في كل وقت، أو بالغداة لطلب التوفيق والتيسير، والعشي لطلب عفو التقصير، أوهما صلاة الفجر والعصر. {بالغُدوة} شامي {يُرِيدُونَ وَجْهَهُ } رضا الله {وَلاَ تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ } ولا تجاوز، عداه إذا جاوزه وعدى بـ «عن» لتضمن «عدا» معنى «نبا» في قولك «نبت عنه عينه»، وفائدة التضمين إعطاء مجموع معنيين وذلك أقوى من إعطاء معنى قد {تُرِيدُ زِينَةَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا } في موضع الحال {وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا } من جعلنا قلبه غافلاً عن الذكر وهو دليل لنا على أنه تعالى خالق أفعال العباد {وَٱتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا } مجاوزاً عن الحق {وَقُلِ ٱلْحَقُّ مِن رَّبّكُمْ } أي الإسلام أو القرآن، و{الحق} خبر مبتدأ محذوف أي هو {فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ } أي جاء الحق وزاحت العلل فلم يبق إلا اختياركم لأنفسكم ما شئتم من الأخذ في طريق النجاة أو في طريق الهلاك. وجيء بلفظ الأمر والتخيير لأنه لما مكن من اختيار أيهما شاء فكأنه مخير مأمور بأن يتخير ماشاء من النجدين. ثم ذكر جزاء من اختار الكفر فقال: {إِنَّا أَعْتَدْنَا } هيأنا {لّلظَّـٰلِمِينَ } للكافرين فقيد بالسياق كما تركت حقيقة الأمر والتخيير بالسياق وهو قوله {إنا أعتدنا للظالمين} {نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا } شبه ما يحيط بهم من النار بالسرادق وهي الحجرة التي تكون حول الفسطاط، أو هو دخان يحيط بالكفار قبل دخولهم النار، أو هو حائط من نار يطيف بهم {وَإِن يَسْتَغِيثُواْ } من العطش {يُغَاثُواْ بِمَاء كَٱلْمُهْلِ } هو دردى الزيت أو ما أذيب من جواهر الأرض وفيه تهكم بهم {يَشْوِى ٱلْوجُوهَ } إذا قدم ليشرب انشوى الوجوه من حرارته {بِئْسَ ٱلشَّرَابُ } ذلك {وَسَاءتْ } النار {مُرْتَفَقًا } متكأ من الرفق وهذه لمشاكلة قوله: {وحسنت مرتفقا} وإلا فلا ارتفاق لأهل النار. وبين جزاء من اختار الإيمان فقال:
التستري
تفسير : قوله تعالى: {وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا}[28] قال: الغفلة إبطال الوقت بالبطالة. وقال: إن للقلب ألف موت، آخرها القطيعة عن الله عزَّ وجلَّ، وإن للقلب ألف حياة، آخرها لقاء الحق عزَّ وجلَّ، وإن في كل معصية للقلب موتاً، وفي كل طاعة للقلب حياة.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {وَٱصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم} [الآية: 28]. قال ذو النون رحمه الله: أمر الله تعالى الأغنياء بمجالسة الفقراء والصبر معهم والاستنان بسنتهم. قال الله تعالى: {وَٱصْبِرْ نَفْسَكَ} الآية. قال عمرو المكى: صحبة الصالحين والفقراء الصادقين عين أهل الجنة يتقلب من الرضا إلى اليقين ومن اليقين إلى الرضا. قال إبراهيم بن شيبان: فتوة أهل المعرفة دوام الاصطبار فى حصن الاضطرار مع أهل الصبر. وقال ابن عطاء: خاطب الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم وعاتبه وأنَّبه وقال له اصبر على من صبر علينا بنفسه، وقلبه، وروحه، وهم الذين لا يفارقون محل الاختصاص من الحضرة بكرة وعشيًا فحق لمن لم يفارق حضرتنا أن نصير عليه فلا يفارقه. قوله تعالى: {وَلاَ تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ} [الآية: 28]. قال الواسطى لا تعد عيناك عنهم إلى غيرهم فإنهم لا تعدو أعينهم منى طرفة عين. قوله تعالى: {وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا} [الآية: 28]. قال القاسم: الغفلة غفلتان: غفلة نعمة، وغفلة عقوبة، فغفلة النعمة هى الرحمة التى فيها البقاء ولولا هى ما سكنت القلوب، ولا نامت العيون، ولا هدأت الجوارح، ولذابت الأرواح وبطلت الأجساد وانقلب الزمان والغفلة التى هى عقوبة فهى غفلة الإنسان عن ذكر ربه ونترك مراعاة أحواله مع الله بأن عليه رقيبًا من ربه بل ربّه الرقيب عليه فهذه غفلة عقوبة. وسئل أبو عثمان: عن الغفلة؟ فقال: إهمال ما أمرت به ونسيان تواتر نعم الله عندك. وقال بعضهم: الغفلة متابعة النفس على ما تشتهيها. قال بعضهم: الغفلة عقوبة القلب، وهو حجابه عن المنعم. وقال الجوزجانى: الغفلة هى طول الأمل. وقال النورى: الغفلة سكون السر إلى شىء سوى الحق. وقال ابن الجلاء: الغفلة ما يورثك الفترة. وقال سهل: الغفلة إبطال الوقت بالبطالة.
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {وَٱصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِٱلْغَدَاةِ وَٱلْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ}. قال: {وَٱصْبِرْ نَفْسَكَ} ولم يقل: " قلبك" لأن قلبه كان مع الحقِّ، فأمره بصحته جَهْرَاً بجهر، واستخلص قلبه لنفسه سِرَّاً بِسرِّ. ويقال {يُرِيدُونَ وَجْهَهُ}: معناها مريدين وجهه أي في معنى الحال، وذلك يشير إلى دوام دُعائِهم ربهم بالغداة والعشيّ وكون الإرادة على الدوام. ويقال: {يُرِيدُونَ وَجْهَهُ}: فآويناهم في دنياهم بعظائمنا، وفي عقباهم بكرائمنا. ويقال: {يُرِيدُونَ وَجْهَهُ}: فكشف قناعَهم، وأظهر صفَتهم، وشَهَرَهم بعدما كان قد سَتَرَهم، وأنشدوا: شعر : وكشفنا لكَ القناعَ وقلنا نعم وهتكنا لك المستورا تفسير : ويقال لما زالت التُّهمُ سَلِمَتْ لهم هذه الإرادة، وتحرروا عن إرادةِ كلِّ مخلوقٍ وعن محبةِ كل مخلوق. ويقال لمَّا تقاصَرَ لسانُهمِ عن السؤال هذه الجملة مراعاةً منهم لهيبة الرسول صلى الله عليه وسلم، وحُرْمَةِ باب الحقِّ - سبحانه - أمَرَه بقوله: {وَٱصْبِرْ نَفْسَكَ} وبقوله: {وَلاَ تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا}. أي لا ترفع بصَرَك عنهم، ولا تُقلِعْ عنهم نظرك. ويقال لما نظروا بقلوبِهم إلى الله أَمَرَ رسولَه - عليه السلام - بألا يرفعَ بَصَرَه عنهم، وهذا جزاء في العاجل. والإشارة فيه كأنه قال: جعلنا نظرك اليوم إليهم ذريعةً لهم إلينا، وخَلَفَاً عما يفوتهم اليوم من نظرهم إلينا، فلا تَقْطَعْ اليومَ عنهم نَظَرَكَ فإنا لا نمنع غداً نظرهم عنَّا. قوله جلّ ذكره: {وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَٱتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً}. هم الذين سألوا منه - صلى الله عليه وسلم - أن يُخْلِيَ لهم مجلسَه من الفقراء، وأن يطردهَم يوم حضورهم من مجلسه - صلى الله عليه وسلم وعلى آله. ومعنى قوله: {أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا}: أي شغلناهم بما لا يعنيهم. ويقالك: {أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا} أي شغلناهم حتى اشتغلوا بالنعمة عن شهود المِنْعِم. ويقال هم الذين طوَّح قلوبَهم في التفرقة، فهم في الخواطر الرَّدِيّة مُثْبَتُون، وعن شهود مولاهم محجوبون. ويقال أغفلنا عن ذكرنا الذين ابْتُلُوا بنسيان الحقيقة لا يتأسَّفُون على ما مُنُوا به ولا على ما فَاتَهُم. ويقال الغفلةُ تزجيةُ الوقتِ في غيرِ قضاءِ فَرْضٍ أو أداء نَفْلٍ.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {وَٱصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِٱلْغَدَاةِ وَٱلْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} هذا تسلية لنبيه صلى الله عليه وسلم فانه كان عليه السلام بقلبه فى الملكوت وبروحه فى الجبروت وبسره فى مشاهدة القدم وبعقله فى انوار غيبه مشتاقا الى الحق ولا يصبر فى الدنيا بان يكون مع الخلق بالصورة وكان يريد ان يطير الى منازل قاب قوسين كل وقت لما راى بين القوسين بغير الكونين مشاهدة الجلال والجمال فقال سبحانه احبس نفسك مع هؤلاء الفقراء العاشقين بجمالى المشتاقين الى جلالى الذين فى جميع الاوقات يسألون عنى لقاء وجهى الكريم ويريدون ان يطيروا بجناح المحبة الى عالم وصلتى حتى يكونوا متسلين بصحبتك عن مقام الوصال فان فى رويتك لهم رؤية ذلك الجمال فتكون معهم موافقا وسرك وعقلك وروحك وقلبك عندى فانها مواضع تجلى كبريائى واسرار عزتى ولا يطيق الكون ان يكون فى جوار قلبك فان قلبك معادن اسرار العليين ومزار الكروبين وهو عرش تجلى القدم ومعادن عيون الكرم ولا يليق به مصاحبة اهل العدم {وَلاَ تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ} فانهم ينظرون بعينك الىّ اذا كانت عينك فى طلب مشاهدتى فى مرآة افعالى من الخلق والخليقة {وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا} بان يواسيك برؤية الاكوان والحدثان لزيادة العرفان فان الوسايط فى الحقيقة تورث الغفلة عنا وهو سبحانه شغل قلوب الخلق بخلقه عن خلقه وحجبهم بروية الخليقة عن مشاهدة الحقيقة فمن غافل سبب غفلته الجنة ومن غافل سبب غفلته خوف النار ومن غافل سبب غفلته استكبار العبودية ومن غافل غفلته رؤية الاعواض ومن غافل غفلته رؤية الكرامات ومن غافل سبب غفلته المجاهدات ومن غافل غفلته العيش الهنئ فى الدنيا وادق الغفلة السكون بما وجد من الحق والوقوف مع مقام الحظ فالكل محجوبون عن مشاهدين الازل صرفا اى لا تكن مثل هؤلاء الواقفين على مقاماتهم المحجوبين بحظوظهم من احوالهم قال ذو النون امر الله تعالى الاغنياء بمخالطة الفقراء والصبر معهم ولاستنان بسنتهم قال الله واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم وقال عمرو المكى صحبة الصالحين والفقراؤ الصادقين عيش اهل الجنة ينقلب من الرضا الى اليقين ومن اليقين الى الرضا وقال ابن عطا خاطب الله نبينا صلى الله عليه وسلم وعاتبه ونبهه وقال واصبر على من صبر علينا بنفسه وقلبه وروحه وهم الذين لا يفارقون محل الاختصاص من الحضرة بكرة وعشيا فحق لمن يفارق حضرتنا ان تصبر عليه فلا تفارقه وسئل ابو عثمان عن الغفلة فقال امهال ما امرت به ونسيان تواتر نعم الله عندك وقال بعضهم الغفلة عقوبة القلب وهو حجابه عن المنعم وقال سهل الغفلة ابطال الوقت بالبطالة وقال الاستاذ قال واصبر نفسك ولم يقل قلبك لان قلبه كان مع الحق فامره بصحبة الفقراء جهرا بجهر واستخلص قلبه لنفسه سر السر.
اسماعيل حقي
تفسير : {واصبر نفسك} احبسها وثبتها مصاحبة {مع الذين يدعون ربهم بالغدوة والعشى} فى اول النهار وآخره والمراد الدوام اى مداومين على الدعاء فى جميع الاوقات او بالغداة لطلب التوفيق والتيسير والعشى لطلب عفو التقصير. نزلت حين طلب رؤساء الكفار طرد فقراء المسلمين من مجالسه عليه السلام كصهيب وعمار وخباب وغيرهم وقالوا اطرد هؤلاء الذين ريحهم ريح الصنان يعنى [اين بشمينه بوشان بى قدررا كه بوى خرقها ايشان مارا متأذى دارد از مجلس خود دورساز] حتى نجالسك فان اسلمنا اسلم الناس وما يمنعنا من اتباعك الا هؤلاء لانهم قوم ارذلون كما قال قوم نوح {أية : أنؤمن لك واتبعك الارذلون}تفسير : فلم يأذن الله فى طرد الفقراء لاجل ان يؤمن جمع من الكفار. فان قيل يرجح الاهم على المهم وطرد الفقراء يسقط حرمتهم وهو ضرر قليل وعدم طردهم يوجب بقاء الكفار على كفرهم وهو ضرر عظيم. قلنا من ترك الايمان حذرا من مجالسة الفقراء لم يكن ايمانه ايمانا بل يكون نفاقا قبيحا يجب ان لا يلتفت اليه كذا فى تفسير الامام. يقول الفقير شان النبوة عظيم فلو طردهم لاجل امر غير مقطوع كان ذنبا عظيما بالنسبة الى منصبه الجليل مع ان الطرد المذكور من ديدن الملوك والاكابر من اهل الظواهر وعظماء الدين يتحاشون عن مثل ذلك الوضع نظرا الى البواطن والسرائر {يريدون} بدعائهم ذلك {وجهه} تعالى حال من الضمير المستكن فى يدعون اى مريدين رضاه لا شئ آخر من اعراض الدنيا فالوجه مجاز عن الرضى والمناسبة بينهما ان الرضى معلوم فى الوجه وكذا السخط كما فى الحواشى الحسينية على التلويح {ولا تعد عيناك عنهم} اى لا يجاوزهم نظرك الى غيرهم. قال الكاشفى [بايدكه نكذرد جشمهاى توازايشان] من عدا الامر وعنه جاوزه كما فى القاموس فعيناك فاعل لا تعد وهذا نهى للعينين والمراد صاحبهما يعنى نهيه عليه السلام عن الازدراء بفقراء المسلمين لرثائة زيهم طموحا الى زى الاغنياء. وقال ذو النون رحمه الله خاطب الله نبيه عليه السلام وعاتبه وقال له اصبر على من صبر علينا بنفسه وقلبه وروحه وهم الذين لا يفارقون محل الاختصاص من الحضرة بكرة وعشيا فمن لم يفارق حضرتنا فحق ان تصبر عليه فلا تفارقه وحق لمن لا تعد وعينهم عنى طرفة عين ان لا ترفع نظرك عنهم وهذا جزاؤهم فى العاجل {تريد} يا محمد {زينة الحيوة الدنيا} اى تطلب مجالسة الاغنياء والاشراف واهل الدنيا وهى حال من الكاف وفى اضافة الزنية الى الحياة الدنيا تحقير لشأنها وتنفير عنها. قال الكاشفى [ببايد دانست كه آن حضرت را هركزبدنيا وزينت آن ميل نبوده بلكه معنى آيت اينست كه مكن عمل كسى مائل بزينت دنياجه مائل بدنيا ازفقر معرض وبراغنيا مقبل باشد]. وفى زبدة التفاسير تريد حال صرف للاستقبال لا انه حكم على النبى عليه السلام بارادته زينة الدنيا وهو قد حذر عن الدنيا وزينتها ونهى عن صحبة الاغنياء كما قال (لا تجالسوا الموتى) يعنى الاغنياء {ولا تطع} فى تنحية الفقراء عن مجلسك {من اغفلنا قلبه عن ذكرنا} الغفلة معنى يمنع الانسان من الوقوف على حقيقة الامور اى جعلت قلبه فى فطرته الاولى غافلا عن الذكر ومحتوما عن التوحيد كرؤساء قريش {واتبع هواه} الهوى بالفارسية {آرزوى نفس] مصدر هويه اذا احبه واشتهاه ثم سمى به المهوى المشتهى محمودا كان او مذموما ثم غلب على غير المحمود وقيل فلان اتبع هواه اذا اريد ذمه ومنه فلان من اهل الهوى اذا زاغ عن السنة متعمدا وحاصله ميلان النفس الى ما تشتهيه وتستلذه من غير داعية الشرع قالوا يجوز نسبة فعل العبد الى نفسه من جهة كونه مقرونا بقدرته ومنه واتبع هواه والى الله من حيث كونه موجدا له ومنه اغفلنا {وكان امره فرطا}. قال فى القاموس الفرط بضمتين الظلم والاعتداء والامر المجاوز فيه عن الحد انتهى اى متقدما للحق والصواب نابذا له وراء ظهره من قولهم فرس فرط اى متقدم للخيل. وفى التأويلات {وكان امره} فى متابعة الهوى هلاكا وخسرانا وفى الآية تنبيه على ان الباعث لهم الى هذا الاستعداد اغفال قلوبهم عن ذكر الله واشغالها بالباطل الفانى عن الحق الباقى وعلى ان العبرة والشرف بحلية النفس وصفاء القلب وطهارة السرائر لا بزينة الجسد وحسن الصورة والظواهر: قال الحافظ شعر : قلندران حقيقت به نيم جو نخرند قباى اطلس آنكس كه ازهنر عاريست تفسير : وقا ل الجامى قدس سره شعر : جه غم منقصت صورت اهل معنى را جوجان زروم بود كوتن از حبش مى باش تفسير : وفى الحديث "حديث : ان الله لا ينظر الى صوركم واموالكم بل الى قلوبكم واعمالكم"تفسير : يعنى اذا كانت لكم قلوب واعمال صالحة تكونون مقبولين مطلقا سواء كانت لكم صور حسنة واموال فاخرة ام لا والا فلا مطلقا وكذا الحكم فى الظاهر والباطن فافهم - روى - ان الله تعالى لما اتخذ ابراهيم خليلا قالت الملائكة يا رب انه كيف يصلح للخلة وله شواغل من النفس والولد والمال والمرأة فقال تعالى انا لا انظر الى صورة عبدى وماله بل الى قلبه واعماله وليس لخليلى محبة لغيرى فان شئتم جربوه فجاءه جبريل وكان لابراهيم عليه السلام اثنا عشر كلبا للصيد ولحفظ الغنم وطوق كل كلب من الذهب ايذانا بخساسة الدنيا وحقارتها فسلم عليه جبريل فقال لمن هذه فقال لله ولكن فى يديى فقال تبيع واحدا منها قال اذكر الله وخذ ثلثها فقال سبوح قدوس رب الملائكة والورح فاعطى الثلث ثم قال اذكره ثانيا وخذ ثلثها واذكر ثالثا وخذ كلها برعاتها وكلابها ثم اذكره رابعا وانا اقر لك بالرق فقال الله تعالى كيف رأيت خليلى يا جبريل قال نعم العبد خليلك يا رب فقال ابراهيم لرعاةالغنم سوقوا الاغنام خلف صاحبى هذا فقال جبريل لا حاجة لى الى ذلك واظهر نفسه فقال انا خليل الله لا استرد هبتى فاوحى الله الى ابراهيم ان يبيعها ويشترى بثمنها الضياع والعقار ويجعلها وقفا فاوقاف الخليل وما يؤكل على مرقده الشريف من ثمنها. واعلم ان قدر الاذكار لا يعرفه الا الكبار ألا يرى ان الخليل كيف فدى نفسه بعد اعطاء الكل بشرف ذكر الله وتعظيمه فليسارع العشاق الى ذكر القادر الخلاق فان صيقل القلوب ذكر علام الغيوب: قال الشيخ المغربى قدس سره شعر : اكرجه آينه دارى ازبراى رخش جه سودا كرجه كه دارى هميشه آينه تار بيا بصيقل توحيد زآينه بزدا غبار شرك كه ناباك كردد اززنكار تفسير : قال اهل التحقيق ان كلمة التوحيد لا اله الا الله اذا قالها الكافر تنفى عنه ظلمة الكفر وتثبت فى قلبه نور التوحيد واذا قالها المؤمن تنفى عنه ظلمة النفس وتثبت فى قلبه نور الوحدانية وان قالها فى كل يوم الف مرة فبكل مرة تنفى عنه شيئا لم تنفعه فى المرة الاولى فان مقام العلم بالله لا ينتهى الى الابد وفى الحديث "حديث : جلوسك ساعة عند حلقة يذكرون الله خير من عبادة الف سنة"تفسير : كما فى مجالس حضرة الهدايى قدس سره والذكر يوصل الى حضور المذكور وشهوده فى مقام النور قال جلا الدين الرومى قدس سره شعر : آدمى ديدست وباقى بوستست ديد آن ديديكه ديدى دوستست تفسير : اللهم اجعلني من اهل النظر الى نور جمالك ومن المتشرفين بشرف وصالك.
ابن عجيبة
تفسير : قلت: {ولا تعد}: نهي مجزوم بحذف الواو، و {عيناك}: فاعل، و {تريد}: حال من الكاف، أو من فاعل {تَعْدُ}. يقول الحقّ جلّ جلاله: {واصبرْ نفسك} أي: احبسها {مع الذين يدعون ربهم} أي: يعبدونه {بالغداةِ والعَشِيِّ}، قيل: الصلوات الخمس، فالغداة: الصبح، والعَشِيِّ: الظهر وما بعده، وقيل: الصبح والعصر، قلت: والأظهر أنها الصلاة التي كانوا يُصلونها قبل فرض الصلاة، وهي ركعتان بالغداة والعشي. قال ابن عطية: ويدخل في الآية مَنْ يدعو في غير صلاة، ومن يجمع لمذاكرة علم، وقد رَوى عبد الله بن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : لَذِكْرُ اللهِ بالغَدَاةِ والعَشِيِّ أَفْضَلُ مِنْ حَطْمِ السُّيُوف فِي سَبيل اللهِ، ومِنْ إعْطَاءِ المَال سحا "تفسير : . وقيل: {يدعون ربهم} في جميع الأوقات، وفي طرفَيْ النهار، والمراد بهم فقراء المؤمنين؛ كعمار وصهيب وخباب وبلال، رُوي أن رؤساء الكفرة من قريش قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: لو أبعدت هؤلاء عن نفسك لجالسناك وصحبناك، وقالوا: إن ريح جِبَابِهم تؤذينا، فنزلت الآية. رُوي أنه صلى الله عليه وسلم لما نزلت خرج إليهم وجلس بينهم، وقال: "حديث : الحمدُ لله الذي جَعَلَ في أمتي مَنْ أُمرْتُ أنْ أصبرْ نَفْسِي معه"تفسير : . وقيل: نزلت في بيان أهل الصُّفَّة، وكانوا نحو سبعمائة، فتكون الآية مدنية. ثم وصفهم بالإخلاص، فقال: {يُريدون وجهه} أي: معرفة ذاته، لا جنة ولا نجاة من نار، {ولا تَعْدُ عيناك عنهم} أي: لا تجاوزهم بنظرك إلى غيرهم، من عداه: إذا جاوزه، وفي الوجيز: ولا تصرف بصرك عنهم إلى غيرهم من ذوي الهيئات والزينة، {تُريد زينةَ الحياةِ الدنيا} أي: تطلب مجالسة الأشراف والأغنياء وأصحاب الدنيا. {ولا تُطِعْ} في تنحية الفقراء عن مجلسك {مَن أغفلنا قلبَه عن ذِكْرِنا} أي: جعلناه غافلاً عن الذكر وعن الاستعداد له، كأولئك الذين يدعونك إلى طرد الفقراء عن مجلسك، فإنهم غافلون عن ذكرنا، على خلاف ما عليه المؤمنون من الدعاء في مجامع الأوقات، وفيه تنبيه على أن الباعث على ذلك الدعاء غفلة قلبية عن جناب الله - سبحانه - حتى خفي عليه أن الشرف إنما هو بتحلية القلب بالفضائل، لا بتحلية الجسد بالملابس والمآكل. {واتَّبَعَ هواه}: ما تهواه نفسه، {وكان أمره فُُرطًا}: ضياعًا وهلاكًا، وهو من التفريط والتضييع، أو من الإفراط والإسراف، فإن الغفلة عن ذكر الله - تعالى - تُؤدي إلى اتباع الهوى المؤدي إلى التجاوز والتباعد عن الحق والصواب. والله تعالى أعلم. الإشارة: في الآية حثٌّ على صحبة الفقراء والمُكْث معهم، وفي صحبتهم أسرار كبيرة ومواهب غزيرة، إذ بصحبتهم يَكتسبُ الفقير آداب الطريق، وبصحبتهم يقع التهذيب والتأديب، حتى يتأهل لحضرة التقريب، وبصحبتهم تدوم حياة الطريق، ويصل العبد إلى معالم التحقيق، وفي ذلك يقول الشيخ أبو مدين رضي الله عنه: شعر : مَا لَذّةُ العَيْشِ إلا صُحبة الفُقرا هُمُ السَّلاَطِينُ والسَّادَاتُ والأُمَرَا فاصْحَبْهُمُ وتَأَدَّبْ فِي مَجَالِسِهِم وَخَلِّ حظَّكَ مَهْمَا خَلَّفُوكَ وَرَا تفسير : إلى آخر كلامه. وقوله تعالى: {واصبر نفسك} قال القشيري: لم يقل: واصبر قلبك؛ لأن قلبه كان مع الحق تعالى، فأمره بصحبة الفقراء جَهْرًا بجهر، واستخلص قلبه لنفسه سِرًا بِسرٍّ. هـ. قال الورتجبي: اصبر نفسك مع هؤلاء الفقراء، العاشقين لجمالي، المشتاقين إلى جلالي، الذين هم في جميع الأوقات يسألون متى لقاء وجهي الكريم، ويريدون أن يطيروا بجناح المحبة إلى عالم وَصْلي، حتى يكونوا مُتسلين بصحبتك عن مقام الوصال، وفي رؤيتهم لك رؤية ذلك الجمال. هـ. وقوله تعالى: {يريدون وجهه}، بيَّن أن دعاءهم وسؤالهم إنما هو رؤيته ولقاؤه، شوقًا إليه ومحبة فيه، من غير تعلق بغيره، أو شُغل بسواه، بل همتهم الله لا غيره، وإِلاَّ لَمَا صدق قصر إرادتهم عليه. قال في الإحياء: من يعمل اتقاء من النار خوفًا، أو رغبة في الجنة رجاء، فهو من جملة النيات الصحيحة؛ لأنه ميل إلى الموعود في الآخرة، وإن كان نازلاً بالإضافة إلى قصد طاعة الله وتعظيمه لذاته ولجلاله، لا لأمرٍ سواه. ثم قال: وقول رويم: الإخلاص: ألا يريد صاحبه عليه عوضًا في الدارين، هو إشارة لإخلاص الصدِّيقين، وهو الإخلاص المطلق، وغيره إخلاص بالإضافة إلى حظوظ العاجلة. هـ. من الحاشية. ثمَّ أمر بالصدع بالحق
الطوسي
تفسير : قرأ ابن عامر وحده {بالغدوة والعشي} بضم الغين والواو، وإسكان الدال. الباقون بفتح الغين والدال، ومع الالف، ولا يجوز عند أهل العربية إدخال الالف واللام على غدوة، لانها معرفة، ولو كانت نكرة لجاز فيها الاضافة ولا يجوز غدوة يوم الجمعة كما يجوز غداة يوم الجمعة. وقال ابو علي النحوي من أدخل الالف واللام، فانه يجوز - وإن كان معرفة - أن تنكر، كما حكى أبو زيد لقيته فينة. والفينة بعد الفينة، ففينة مثل غدوة فى التعريف، ومثل قولهم: اما النضرة، فلا نضرة، فأجري مجرى ما يكون سائغاً في الجنس. ومن قرأ بالغداة، فقوله أبين. وقال ابن خالويه: العرب تدخل الالف واللام على المعرفة إذا جاؤا بما فيه الالف واللام ليزدوج الكلام، قال الشاعر: شعر : وجدنا الوليد بن اليزيد مباركا شديداً باعباء الخلافةَ كاهله تفسير : فادخل الالف واللام على اليزيد لما جاور الوليد، فلذلك أدخل ابن عامر الالف واللام فى (الغدوة) لما جاور العشي. والعرب تجعل (بكرة وغدوة وسحر) معارف إذا أرادوا اليوم بعينه. أمر الله تعالى نبيه (صلى الله عليه وسلم) بالصبر على جملة المؤمنين الذين يدعون الله بالغداة والعشي، والصبر على ثلاثة اقسام: صبر واجب مفروض وهو ما كان على اداء الواجبات التي تشق على النفس وتحتاج الى التكلف. والثاني - ما هو مندوب فان الصبر عليه مندوب اليه. والثالث مباح جائز، وهو الصبر على المباحات التي ليست بطاعة لله. وقوله {يريدون وجهه} معناه يريدون تعظيمه والقربة اليه دون الرياء والسمعة، فذكر الوجه بمعنى لاجل التعظيم، كما يقال اكرمته لوجهك أي لتعظيمك لان من عادتهم أن يذكروا وجه الشيء ويريدون به الشيء المعظم. كقولهم هذا وجه الرأي أي هذا الرأي الحق المعظم. وقوله {ولا تعد عيناك عنهم} معناه لا تتجاوز عيناك الى غيرهم ولا تنصرف وقيل انها نزلت في سلمان واصحابه الى سواهم من أرباب الدنيا الممرحين فيها {تريد} بذلك {زينة الحياة الدنيا. ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا} نزلت في عيينة بن حصين. وقيل في معناه ثلاثة أقوال: احدها - لا تطع من صادفناه غافلا عن ذكرنا كقولهم احمدت فلانا أي صادفته محموداً فهو من باب صادفناه على صفة. الثاني - لا تطع من سميناه غافلا، ونسبناه الى الغفلة كقولهم أكفرناه أي نسبناه الى الكفر. والثالث - لا تطع من أغفلنا قلبه أي جعلناه غافلا بتعرضه للغفلة. وقيل لم يسمه الله بما يسم به قلوب المؤمنين مما ينبئ عن فلاحهم، كما قال {أية : كتب في قلوبهم الإيمان}. تفسير : {واتبع هواه} يعني الذي أغفلناه عن ذكرنا {اتبع هواه، وكان أمره فرطاً} معناه تجاوزاً للحق وخروجاً عنه، من قولهم أفرط إفراطاً اذا أسرف، فاما فرّط فمعناه قصر عن التقدم الى الحق الذي يلزمه. وقيل معناه وكان أمره سرفا. ثم أمر الله نبيه (صلى الله عليه وسلم) أن يقول لهم الذي أتيتكم به هو الحق من ربكم الذي خلقكم {فمن شاء فليؤمن، ومن شاء فليكفر} صورته صورة الأمر والمراد به التهديد وهو آكد فى التهدد من جهة أنه كأنه مأمور بما يوجب اهانته. ثم أخبر أنه أعد للظالمين العصاة ناراً أحاط بهم سرادقها فالسرادق المحيط بما فيه مما ينقل معه والاصل سرادق الفسطاط قال رؤبة: شعر : يا حكم بن المنذر بن الجارود سرادق المجد إليك ممدود تفسير : وقال ابن عباس سرادقها حائط من نار يطيف بهم، وقيل سرادقها دخانها قبل وصولهم اليها. وقيل السرادق ثوب يدار حول الفسطاط. وقوله {وإن يستغيثوا} معناه إن طلبوا الغوث والنجاة، وطلبوا ماء لشدة ما هم فيه من العذاب {أغيثوا بماء كالمهل} والمهل كل شيء أذيب حتى ماع، كالصفر والرصاص والذهب والحديد، وغير ذلك - فى قول ابن مسعود - وقال مجاهد: هو القيح والدم. وقال ابن عباس هو دردي الزيت. وقال سعيد بن جبير هو الشيء الذي قد انتهى حره {يشوي الوجوه} أي يحرقها من شدة حرّه إذا قربت منه. ثم قال تعالى مخبراً عن ذلك بأنه {بئس الشراب} يعني ذلك المهل {وساءت مرتفقاً} وقيل معناه المتكأ من المرفق، كما قال أبو ذؤيب: شعر : بات الخلي وبت الليل مرتفقاً كان عينيّ فيها الصاب مذبوح تفسير : وقيل هو من الرفق. وقال مجاهد معناه مجتمعاً كأنه ذهب به الى معنى مرافقة. ثم أخبر تعالى عن المؤمنين الذين يعملون الصالحات من الطاعات ويجتنبون المعاصي بأنه لا يضيع أجر من أحسن عملا ولا يبطل ثوابه. وقيل في خبر {إن الذين آمنوا} ثلاثة أقوال: احدها - ان خبره قوله {أولئك لهم جنات عدن} ويكون قوله {إنا لا نضيع أجر من أحسن عملاً} اعتراضاً بين الاسم والخبر. الثاني - ان يكون الخبر إنا لا نضيع أجره، إلا انه وقع المظهر موقع المضمر. والثالث - أن يكون على البدل، فلا يحتاج الأول الى خبر، كقول الشاعر: شعر : إن الخليفة ان الله سربله سربال ملك به ترجى الخواتيم تفسير : فاخبر عن الثاني وأضرب عن الأول.
الجنابذي
تفسير : {وَٱصْبِرْ نَفْسَكَ} ذكر النّفس بعد الصّبر مبنىّ على تجريد الصّبر عن النّفس فانّ الصّبر هو حبس النّفس عن الجزع او عن هواها والمعنى احبس نفسك عن اتّباع هواها {مَعَ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِٱلْغَدَاةِ وَٱلْعَشِيِّ} يعنى فى جملة اوقاتهم وهم الّذين يذكرون الله مخرجاً لهم عن ظلمات الطّبع والنّفس الى نور القلب والرّوح لمشاهدة وجه ربّهم المضاف وهو ربّهم فى الولاية وهم الّذين اخذوا الذّكر من صاحب الاذن واهل الذّكر {يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} الملكوتى وهو السّكينة الّتى ينزلها الله على المؤمنين وهو الذّكر الّذى به يطمئنّ قلوب المؤمنين {وَلاَ تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} وهذا على: ايّاك اعنى واسمعى يا جارة {وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا} والّذكر هو الرّسول (ص) او امير المؤمنين (ع)، او المراد من الذّكر تذكّر الله وتذكّر اوامره ونواهيه وثوابه وعقابه، او المراد الذّكر المأخوذ من صاحب الذّكر {وَٱتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً} افراطاً وتجاوزاً للحدّ فى الخروج عن تحت حكم العقل، "حديث : روى انّ جمعاً من فقراء المسلمين منهم سلمان رضى الله عنهم كانوا عند النّبىّ (ص) فدخل عليه جمع من اغنياء المؤلّفة قلوبهم فقالوا: يا رسول الله (ص) ان جلست فى صدر المجلس وتحّيت عنّا هؤلاء وروائح جبابهم جلسنا نحن اليك واخذنا عنك، فقاموا من عنده (ص)، فلمّا نزلت الآية قام النّبىّ (ص) يلتمسهم فأصابهم فى مؤخّر المسجد يذكرون الله عزّ وجلّ فقال: الحمد لله الّذى لم يمتنى حتّى امرنى ان اصبر نفسى مع رجالٍ من امّتى معهم المحيا ومعهم الممات ".
اطفيش
تفسير : {وَاصْبِرْ} احبس. {نَفْسَكَ مَع الَّذِينَ يَدْعُونَ} يعبدون {رَبَّهم} وهم: صهيب وعمار وخبّاب بنا الأرت وسلمان الفارسى وسالم مولى أبى حذيفة وبلال وغيرهم من فقراء المسلمين وكانت ثيابهم متمزقة مرقعة. دخل عيينة بن حصن الفزارى على رسول الله صلى الله عليه وسلم. قيل: وعنده هؤلاء المؤمنون المذكورون وعلى سلمان شملة صوف قد عرق فيها وبيده خوص يشقه وينسجه. فقال عيينة: أما يؤذيك ريح هؤلاء ونحن سادات مضر وأشرافها إن أسلمنا أسلم الناس وما يمنعنا من اتباعك إلا هؤلاء فنحّهم حتى نتبعك واجعل لنا مجلساً فنزل: {واصبر نفسك} ألى آخره. وروى أن قوما من رؤساء الكفرة قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم. نحّ هؤلاء الموالى الذين كأن ريحهم ريح الضأن حتى نجالسك فنزل: {واصبر نفسك} إلى آخره. وذلك كقول قوم نوح: {أية : أنؤمن لك واتبعك الأرذلون}. تفسير : وعن أبى صالح: قال سلمان الفارسى: إنها نزلت فىَّ. دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو جالس على بساط فجلست إلى جنبه وعلىَّ شملة قد عزقت فيها وذلك فى يوم حار فدخل عيينة بن حصن على رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلس بينى وبينه وفى يدى خوص أصنعه فجعل يدفعنى بمرفقه حتى أبعدنى عن البساط فقال: يا محمد إنَّا رؤساء مضر وإن نُسْلِم يُسْلم الناس والله ما يمنعنا من اتباعك والدخول عليك إلا هذا وضرباؤه فلو أنك أخرجتهم عنك اتبعناك فإذا دخلنا عليك فأخرج هذا وضُرباءَه فوالله إنه ليؤذينى الآن بيِّن ريحه أو ما يؤذيك ريحه فإذا خرجنا من عندك فائْذن لهم فإن لنا عليك حقا ونحن وجوه مضر وسادات قومنا ثم أنا صاحب مرباعها ورأسها فى الجاهلية إلى يومنا هذا وقد كان من قَدَمِنا وقدم آبائنا ما بلغك فإنا نكره أن نكون نحن هذا عندك سواء بمنزلة فنزل: {واصبر نفسك} إلى آخره. وقيل: نزلت فى أصحاب الصُّفّة وهم سبعمائة رجل فقراء فى مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يرجعون إلى تجر ولا زرع ولا ضرع يصلون صلاة وينتظرون أخرى ولما نزلت الآية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الحمد لله الذى جعل فى أمتى من أمُرت أن أصبر معهم. {بالْغَدَاةِ} أى فى الصبح وقرأ ابن عامر بالغدوة. قيل: غدوة فى الأكثر علَم فتكون أل فيه على تأويل التنكير. {وَالْعَشِىِّ} الواحد عشية والعشية كالكلم والكلمة. قيل: المراد بدعائهم فى هذين الوقتين صلاة الفجر وصلاة العصر. وقيل: المراد العبادة مطلقا الصلاة وغيرها فى الوقتين وغيرهما فعبَّر عن سائر الأوقات بذكر الوقتين المتطرفين النهار والليل. {يُرِيدُونَ} بعبادتهم. {وَجْههُ} أى ذاته هو ويقدر مضاف أى يريدون رضى ذاته وكأنه قيل: يريدون رضاه وإذا رضى عنهم لم يعذبهم وأثابهم ولا يريدون بعبادتهم غير الله من عرض الدنيا أو رياء أو سمعة والجملة حال من واو يدعون. {وَلاَ تَعْدُ} لا تنصرف وتتجاوز {عَيْنَاكَ} فاعل تعد وذلك من صيغة نهى الغائب كقولك فى نهى عمرو عن القيام: لا يقم عمر وكأنك قلت: لا تقم يا عمرو. ظاهر الكلام نهى العينين والمراد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحتقر فقراء المسلمين ويعرض عنهم لضعف ثيابهم وتمزقها وترقيعها ووسخ أبدانهم إلى نظافة الثوب والبدن، كأنه قال: لا تعد يا محمد بعينيك. {عَنْهم} وعداً متعد بنفسه وتعدى هنا بعن لتضمنه معنى تنصرف أو تنبو أى لا تَنْب عيناك عنهم أى لا تكونا غير متعلقتين بهم. وقرئ: ولا تعد بضم التاء وإسكان العين وكسر الدال مضارع أَعدَى بالهمزة. وقرئ بضم التاء وفتح العين وكسر الدال مشددة وعينيك بياء التثنية على القراءتين بالنصب على المفعولية وفى الفعل تعد ضمير المخاطب والهمزة والتشديد فى القراءتين عندى للتعدية كأنه قيل: لا تجعل عينيك نابيتين عنهم أى غير متعلقتين بهم أو لا تجعلهما منصرفتين. وزعم أنهما لموافقة الثلاثى المجرد وإلا لتعديا إلى مفعولين وهو معتبر لأصل عدا فإنه متعد لمفعول بمعنى جاوز فيتعدى الاثنان بالهمز أو التشديد وأنه معتبر لمعنى الفعل اللازم الذى تضمنه عدا فلما ضعف وأدخلت عليه الهمزة تعدى لواحد. واعلم أن لفظة {عن} أشد فى إظهار المجاوزة من تركها فاختير لا تعد عيناك عنهم عن لا تعْدُهم عيناك. {تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيٰةِ الدُّنْيَا} من حسن الثياب والأبدان ونظافتهما ومجالسة الأغنياء والأشراف والجملة حال من الكاف فى عيناك فى القراءة الأولى ولا ضمير عليها فى تعد وحال من الضمير المستتر فى تعد العائد إلى المخاطب فى القراءتين الأخيرتين بنصب عينيك فإن فى تعد عليهما ضمير. {وَلاَ تُطِعْ} فى طرد الفقراء المؤمنين عن مجلسك. {مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبهُ عَنْ ذِكْرنَا} كعيينة بن حصن وأمية بن خلف والهمزة فى أغفلنا للتعدية أى صيَّرنا قلبه غافلا عن ذكرنا فكان يدعوك إلى طرد الفقراء الذاكرين الله عن مجلسك ليجالسك هو وأضرابه وليس هذا التصيير جبراً بل خذلانا وتخلية فاختاروا عدم الذكر وغفلوا واختيارهم وغفلتهم مخلوقان لله تعالى ويجوز أن تكون الهمزة لوجود الشئ على حال أى من وجد قلبه غافلا من ذكرنا كقولك أجبنته وأخجلته إذا وجدته جبانا وخجلا أو للنسبة أى من نسبنا قلبه إلى الغفلة عن الذكر كقولك: أكفرت عمراً أى نسبته إلى الكفر وذلك من أغفلت الإبل إذا تركتها بلا علامة أى لم نعلمه بالتشديد بالذكر كما علمنا قلوب للمؤمنين وليس ذكر هذه الأوجه خروجا عن الوجه الأول الذى هو عدم الجبر بل تصرف فى محتملات الآية مع إثبات الاختيار ونفى الجبر ويدل لنفيه قوله: {وَاتَّبَعَ هَوَاهُ} فهذه طريقة وسطى حاصلها أنه لا جبر وأنه لا خالق إلا الله. وقرئ وأَغفلَنا قلبُه بفتح لام أغفلنا ورفع قلب على الفاعلية أى حَسِبَنا بفتح الباء قلبُه غافلين عن ذكرنا إياه بالمؤاخذة على معاصيه وإضافة المصدر على هذه القراءة فى ذكرنا من إضافة المصدر لفاعله. {وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا} متقدما على الحق ومصادرا عنه فيجعل الحق وراء ظهره ومنه الفَرط لمن يتقدم القوم ويهيئ لهم الماء وفرس فرط أى يتقدم الخيل. وقيل: المعنى كان أمره تضييعا وتفريطا كقوله: يا حسرتى على ما فرطت فى جنب الله. وقيل: إسرافا والآية دلت على أن الداعى فى طلب عيينة وأمية ونحوهما طرد الفقراء المؤمنين عن المجلس هو غفلة قلوبهم عن ذكر الله سبحانه واتباع أهوائهم وتقدمهم عن الحق وانهماكهم فى الزينات المحسوسات كنظافة بدن وثوب ولم يعلموا أن الزينة إنما هى الزينة المعقولة. وهى امتثال الأمر واجتناب النهى الفائز بها هؤلاء الفقراء المؤمنون.
اطفيش
تفسير : {وَاصْبِرْ} احسب {نَفْسَكَ} ولو أبت {مَعَ الذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ} يعبدونه مطلقاً، أو يسألونه حوائجهم، أو يصلون الخمس، أو يقرءون القرآن أو يذكرون الحلال والحرام، روايات عن السلف وأضعفها الأخير، والصحيح الأول. {بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِىِّ} عبارة عن إكثار الدعاء لا خصوص الوقتين، أو الغداة من الفجر إلى الزوال تسمية للكل باسم الجزء، والعشى بمعنى المساء، أو الغداة صلاة الفجر يصلونها، والعشى وقت الظهر والعصر يصلونهما، ويستثنى بالسنة الصلاة عند الغروب، والتوسط والطلوع، فيعبدون فيهن بغير الصلاة أو يسألون حوائجهم. {يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} يريدون الله أو الوجه بمعنى الرضا والطاعة، لأن من رضيت عنه تقبل إِليه بوجهك، وقيل: بمعنى التوجه، أى التوجه إليه، وعلى كل لا رياء، وسلف قومنا يجعلونه وجهًا حقيقيًا بلا كيف، فضلوا ولم تغنهم البلكفة، وبعض سلفهم توقف. {وَلاَ تَعْدُ} عدا يتعدى بنفسه، وعداه بعض لتضمن نبت عينه عنه تنبو بمعنى احتقره ولو جالسه، فاختار لفظ تعد ليفيد أيضا معنى المباعدة، مع الاحتقار، ويجوز كونه من المتعدى فيقدر المفعول به أى لا تصرف عيناك عنهم النظر. {عَيْنَاكَ عَنْهُمْ} نهى الله عز وجل عينى النبى صلى الله عليه وسلم عن مجاوزتهم، والإعراض عنهم بتركهم بلا بدل أو ببدل، والمراد نهيه هو عن أن يحتقر فقراء المسلمين، كعمار وسلمان، وصهيب، وابن مسعود، وبلال، لفقرهم ورثة ثيابهم ونحو ذلك من أمور الدنيا التى لا تقدح فى الدين. كما روى أن أمية بن خلف ونحو من كبار قريش، وعيينة والأقرع من المؤلفة قالوا: اطرد هؤلاء الفقراء لضعفهم واتساخ ثيابهم نجالسك، وننقل عنك، فنزلت الآية، لكن أمية فى مكة والمؤلفة فى المدينة، والصحيح أن السورة مكية، وقيل: إلا هذه الآية، وقيل: السورة مدنية، وقيل: مكية، إلا أولها إلى جُرُزًا. ولما نزلت الآية قام رسول الله صلى الله عليه وسلم يلتمسهم فوجدهم فى مؤخر المسجد يذكرون الله تعالى فقال: "حديث : الحمد لله الذى لم يمتنى حتى أمرنى أن أصبر نفسى مع رجال من أمتى، معكم المحيا والممات"تفسير : وهذا دليل المدينة. {تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} أى زينتها الموجودة عند كفار رؤساء قومك وما وجد فى المسلمين منها فجالسه لله عز وجل لا لهما، والجملة حال من الكاف المضاف إليها، لأن المضاف جزء من المضاف إليه هنا، ولأنه يقوم مقامه، كما تقول: لا تعد أى أنت وهذه الحال جاءت على مقتضى طبع النفس بمعنى أنه لو عَدَتهم عيناك لكان ذلك لحالهم الرثة، وذلك مقتضى المقام. والقصد أن لا تعدو عنهم مطلقًا، تريد زينة الحياة الدنيا، أو لم تردها إِلا أن قومه قالوا له: اطرد الفقراء عنك، ومن لا شأن له نؤمن بك ونجالسك نحن زيادة على شرطهم الأول، وهو إن أخبرهم بقصة أهل الكهف، وذى القرنين، آمنوا فنزل: {أية : واتل ما أوحى إليك من كتاب ربك} تفسير : [الكهف: 27] إِلى {أعتدنا للظالمين ناراً} فقام صلى الله عليه وسلم يلتمسهم فوجدهم فى مؤخر المسجد يذكرون الله تعالى فقال: "حديث : الحمد لله الذى لم يمتنى حتى أمرنى أن أصبر نفسى مع رجال من أمتى معكم المحيا ومعكم الممات"تفسير : فالتلاوة للقرآن المستلزمة للعمل بما تضمنه. {وَلاَ تطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا} جعلنا قلبه غافلاً كأمية بن خلف من جملة من دعاك إِلى طرد الفقراء المسلمين، ومَن لا يعبأ به من المسلمين، والآية صرحت بغباوتهم لانهماكهم فى المحسوسات الظاهرة، وإعراضهم عما به الشرف الدائم دنيا وأخرى، وهو زينة الدين، والآية نصت على أن الله خلق المعصية، كما خلق الطاعة، والجهل، كما خلق العلم، وإذا قلنا أغفلنا قلبه بالخذلان، فالمراد نفى الإجبار لا الهروب عن خلق الله المعصية، ومنعت المعتزلة ذلك فقالوا: المعنى وجدنا قلبه غافلاً، أو نسبنا الغفلة إلى قلبه فراراً منهم عن نسبة القبيح إلى الله سبحانه، كأجبنه بمعنى وجده جباناً، وأبخله بمعنى وجده بخيلا وأقحمه بمعنى وجده مقتحمًا أو نسبه لذلك، كقول معدى كرب لبنى سليم: قاتلناكم فما أجبنَّاكم، وسألناكم فما أبخلناكم، وهجوناكم فما أقحمناكم، وفيه نسبة المصادفة إِلى الله تعالى وهى ممنوعة للزوم تقدم الجهل عنها. فالمعتزلة بل بعضهم يقولون: لا يعلم الله فعلا حتى يكون، وهو فى معنى الإشراك أو أهملناه ولم نوقفه، وبه قال الرمانى من المعتزلة، كقولهم: أغفل إبله إذا تركها بلا وسم، عكس الذين كتب فى قلوبهم الإيمان قال الكميت، وهو من الشيعة: شعر : وطائفة قد كفرونى لجدكم وطائفة قالوا مسئ ومذنب تفسير : أى نسبونى إلى الكفر وذلك منهم خطأ، فإن الله هو القادر متأثر القدر لا قبح له فى خلقه وهو خالقهم، وإِنما القبيح هو قولهم: إِنه يقع فى ملك الله ما لم يرده، وهو خلق العدد ما هو قبيح إذ نسبوا الخلق فى ذلك إلى الفاعل، وليس فى مذهبنا سوى أن الله نهى عن القبيح، وقد خلقه، فعصى عصيانا قارنه خذلان. {وَاتَّبَعَ هَوَاهُ} استدل به المعتزلة على مذهبهم فى تفسير أَغفلنا إِذ لو كان المعنى كما قلنا صيرنا قلبه غافلا لقال: فاتبع هواه بالفاء التفريعية والتسبب على تصييرها غافلة، فلم يسند الاتباع إلى مشيئته تعالى، بل إلى شهواتهم، ويجاب بأَن القدرة المؤثرة ليست إلا لله كما قال: "أية : قل كلٌّ من عند الله" تفسير : [النساء: 78] وللعبد قدرة كاسبة يصح إِسناد أفعاله الاختيارية إليه بسببها وفعل العبد يكون بكسبه، وبفعل الله والإسناد إلى الكاسب حقيقة، وإلى الخالق تعالى مجاز فيما هو كسب، وأيضا ليس النص على التفريع، وإنما هو بحسب القصد. فإن المراد هنا الإخبار بوقوع شيئين: الإغفال واتباعهما لهوى، كما تقول: جاء زيد وأكرمته إذا أردت الإخبار بأنه جاء، وأنك أكرمته هكذا أو إن أردت التصريح بما هو سبب قلت: فأكرمته بالفاء. {وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا} تقدمًا على الحق بحيث يكون خلفهم منبوذاً، والمادة منبئة عن العجلة، كما يقال: فرط منه قول قبيح، أى سبق، وفرس فرط: يسبق الخيل، قال الله عز وجل: "أية : إننا نخاف أن يفرط علينا" تفسير : [طه: 45] وفرطت القوم سبقتهم إلى الماء، وفراط الغنم متقدماتها إلى الوادى والماء، وفى الحديث: "حديث : أنا فرطكم على الحوض"تفسير : وأفرط جاوز الحد، وفرطا فى الآية بمعنى فارطًا أو مسرفًا أو مضيعًا، أو مفرطا فيه ولا يقال: لم لا يطردهم جلبًا للكثير والكبراء ليقوى الإسلام، فإنا نقول: فى ذلك إهانة للإسلام، وللسابق إليه، وكسر لقلبه، وتنفير عنه، وتقليل لمن يدخل فيه، وتسبب فى ردة من أسلم، وإساءة ظن بتفضيل أهل الدنيا. وأكثر الناس ليسوا بأصحاب مال ومرتبة، وإنما الإسلام المرتبة العظيمة، فمن سبق إليها فهو الفائز، ولإسلام غير محتاج إلى شرف الناس، بل مَن أعرض عنه كب، ففى ذلك بيان من الله لهؤلاء الأشراف أن نحو سلمان وعمار هو الشريف، وهكذا قل ولا تحتاج أن تقول: إن الله عالم بأن هؤلاء لا يؤمنون إيماناً ضعيفاً، وبدل لما قلت قوله تعالى: {وَقُلِ} لهؤلاء الذين أغفلنا قلوبهم {الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ} مبتدأ وخبر أى الحق آت أو ثابت من ربكم، لكن إذا قدرنا آت فالخبر آت لا من ربكم، وما أتى من غير الله مما لم يأذن به الله، ليس بحق، بل مجرد هوى، أو الحق خبر لمحذوف، و من ربكم حال مؤكدة أو خبر ثان، أى ذلك الحق من ربكم، أو هذا الحق، أو الذى آتيتكم به، والمراد ما مر من أول السورة، أو كل ما أوحى إليه. {فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ} بهذا الحق المذكور، أو بالنبى، أو بالقرآن، وهذا من مقول القول أو من الله تعالى. {وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ} لا أُبالى بإيمانكم وكفركم، فإنى مثاب على تبليغى ولو لم تعملوا به، ولا يضرنى كفركم، ولا أطرد الفقراء آمنتم أو كفرتم، أو استعارة للخذلان بتشبيه ما هو بحال المأمور بالكفر، والجامع عدم المبالاة، والآية لا تقتضى استقلال العبد بفعله، لأن مشيئته الإيمان أو الكفر لا تكون إلا بمشيئة الله عز وجل، ولا ينفذها إلا بإنفاذه تعالى، فإنه خالق لمشيئة العبد، وإنفاده لها، ومشيئة العبد غير مؤثرة، وأيضا قال الله عز وجل: "أية : وما تشاءون إلاَّ أن يشاء الله"تفسير : [الإنسان: 30] والشرط لا يلزم أن يكون علة تامة للجزاء، بل يكفى أن يكون سببًا فى الجملة كما فى المطول. ولو كانت مشيئة العبد مؤثرة لاحتاجت إِلى تقدم مشيئة لها عليها، فيتسلسل بخلاف مشيئة الله لمشيئة العبد، فإنها تقطع التسلسل، والآيات دالة على اختصاص الخلق بالله، وأيضا كيف يكون العبد خالقًا لفعله مع جهله بأَجزاء فعله، وغفلته وحاله وكيفيته، وأيضا كيف يكون العبد خالقًا لفعله مع جهله بأجزاء فعله، وغفلته وحاله وكيفيته، وأيضا قد يفعل بلا عمد كيف يخلق بلا عمد، ومذهبنا ومذهب الأشعرية واحد. وزعم أبو منصور الماتريدى أن مشيئة العبد ليست بمشيئة الله، بل مستقلة ومجموع الأمرين تهديد، ويكفى لو اقتصر على الثانى لكفى تهديداً لا على الأول. {إِنَّا أَعْتَدْنَا} هيَّأْنَا {للظَّالِمِينَ} أنفسهم بالإشراك، ويلتحق بهم الفسَّاق {نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ} يُحيط بهم {سُرَادِقُهَا} فسطاطها، والإضافة بمعنى من التبعيضية، فهم على بعضها، وتحت بعض هو سرادقها، ولو كانت كلها سرادق، والإضافة للبيان لزم أن يكونوا فى أرض غير النار، والنار سرادق عليها، نعم يجوز أن تكون السرادق من غير النار، وهم فى النار، وأضافها إلى النار لأنها فى النار، وهى سرابيل من قطران غير النار، بل خلقه من الله، أو لباسهم وطعامهم وشرابهم المحرمة، التيى يتمتعون بها، صيِّرت لهم سرادق. ويجوز أن تكون الإضافة من إضافة المشبه إلى المشبه به. وقيل: السرادق جدار دائر بهم عرضه مسيرة أربعين عامًا، وفى الحديث: "حديث : سرادق النار أربعة جدر كل جدار مسيرة أربعين سنة" تفسير : والمراد أن هذه الجدر محيطة بهم كلهم، وقيل: سرادقها دخانها الشبيه بالسرادق وعلى ما مر من الاستعارة، وبيان الإضافة والتشبيه الإضافى. وقيل: هذا الدخان هو المراد فى قوله تعالى: "أية : إلى ظل ذى ثلاث شعب" تفسير : [المرسلات: 30] وأنه قبل النار. وعن ابن عباس: حائط من نار، وعن الكلبى عنق يخرج، ويحيط بهم فى المحشر، وزعم بعض أن البحر المحيط يكون عليهم ناراً، وزعم أنه صلى الله عليه وسلم قال: البحر من جهنم، وتلا الآية. {وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا} من العطش {يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالمُهْلِ} ما أذيب من حديد أو نحاس أو ذهب أو فضة أو رصاص ونحو ذلك، حتى صار فى السيلان كالماء، وقيل: كدردى الزيت، ويقال: قيح ودم أسود، ويقال: ضرب من القطران بالغ فى الحرارة، وذلك تهكم وتحقير حيث أجيبوا بضد مطلوبهم، طلبوا ماء فأوتوا بعذاب إذا قرب من وجوههم سقطت لحومهم، وإذا شربوه قهراً أخرجت أمعاؤهم من أدبارهم، وسقوا ماء حميمًا فقطع أمعاءهم، ثم يعادون كما قال: {يَشْوِى الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ} ذلك الماء جملة بئس مستأنفة، ولا يبعد أن تكون مقولاً لنعت محذوف أى مقولاً فيه، بئس الشراب وهذا النعت كالنعت قبله وهو يشوى منعوته ماء، وكذا كالمهل نعت لماء أى ثابت كالمهل، أو النعت الكاف على أنها اسم مختلف لما بعد، قيل: فيستتر فيه الضمير، لأنه بمعنى مشابه، وأجيز أن يكون يشوى حالا من المستتر فى الكاف، أو من ضمير الاستقرار، على أن الكاف حرف أو حال من المهل، لأن المهل ولو سيق للتشابيه، لكن نعته بيشوى، تكميل لوصف الماء، فيكون كإفراد الشئ مع دليله. {وَسَاءَتْ} بئست النار {مُرْتَفَقًا} متكأً وهو اسم مكان بمعنى موضع ارتفاق، أى اتكاء على مرفق اليد، أو هو مصدر ميمى، أى ساء ارتفاقها، أى الارتفاق فيها. وعن ابن عباس: منزلا، وهذا مقابل لقوله: "أية : وحسنتْ مرتفقا"تفسير : [الكهف: 31] وقوله: "أية : متكئين فيها" تفسير : [الكهف: 31] إلخ جئ على التهكم، فإنه لا اتكاء لأهل النار فيها، كما تهكم بقوله: {يغاثوا بماء كالمهل} كقوله: تحية بينهم ضرب وجيع. وأما قوله: شعر : غضبْ تميم أن يقتل عامر يوم النثار فأعقبوا بالصيام تفسير : أى بالداهية، والنثار ماء لتميم، فلا يلزم أن يكون تهكما لجواز أن يكون معناه: اصبروا للصيام، ولا تجزعوا، وذلك على صيغة الأمر لما كان مبنيا للمفعول، فتهكم.
الالوسي
تفسير : {وَٱصْبِرْ نَفْسَكَ} أي احبسها وثبتها يقال صبرت زيداً أي حبسته، وفي الحديث النهي عن صبر الحيوان أي حبسه للرمي، واستعمال ذلك في الثبات على الأمر وتحمله توسع، ومنه الصبر بمعناه المعروف، ولم يجعل هذا منه لتعدي هذا ولزومه {مَعَ ٱلَّذِينَ} أي مصاحبة مع الذين {يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِٱلْغَدَاةِ وَٱلْعَشِىّ} أي يعبدونه دائماً، وشاع استعمال مثل هذه العبارة للدوام وهي نظير قولهم: ضرب زيد الظهر والبطن يريدون / به ضرب جميع بدنه، وأبقى غير واحد الغداة والعشي على ظاهرهما ولم يرد عموم الأوقات أي يعبدونه في طرفي النهار، وخصا بالذكر لأنهما محل الغفلة والاشتغال بالأمور. والمراد بتلك العبادة قيل ذكر الله تعالى وروي ذلك من طريق مغيرة عن إبراهيم، وقيل: قراءة القرآن، وروي ذلك عن عبيد الله بن عبد الله بن عدي بن الخيار، وأخرج الحكيم الترمذي عن ابن جبير أن المراد بها المفاوضة في الحلال والحرام. وعن ابن عمر ومجاهد هي شهود الصلوات الخمس، وعن قتادة شهود صلاة الصبح والعصر، وفيما تقدم ما يؤيد ثاني الأقوال وفيما بعد ما يؤيد ظاهره أولها فتدبر جداً. والمراد بالموصول فقراء الصحابة عمار وصهيب وسلمان وابن مسعود وبلال وأضرابهم قال كفار قريش كأمية بن خلف وغيره من صناديد أهل مكة لو أبعدت هؤلاء عن نفسك لجالسناك فإن ريح جبابهم تؤذينا فنزلت الآية، وأخرج ابن مردويه وأبو نعيم في «الحلية» والبيهقي في «شعب الايمان» عن سلمان قال: جاءت المؤلفة قلوبهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عيينة بن بدر والأقرع بن حابس فقالوا: يا رسول الله لو جلست في صدر المجلس وتغيبت عن هؤلاء وأرواح جبابهم يعنون سلمان وأبا ذر وفقراء المسلمين وكانت عليهم جباب الصوف جالسناك أو حدثناك وأخذنا عنك فأنزل الله تعالى {أية : وَٱتْلُ مَا أُوْحِىَ إِلَيْكَ مِن كِتَـٰبِ رَبّكَ}تفسير : [الكهف: 27] إلى قوله سبحانه {أية : أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا}تفسير : [الكهف: 29] يتهددهم بالنار، وروى أبو الشيخ عن سلمان أنها لما نزلت قام رسول الله عليه الصلاة والسلام يلتمسهم حتى أصابهم في مؤخر المسجد يذكرون الله تعالى فقال: الحمد لله الذي لم يمتني حتى أمرني أن أصبر نفسي مع رجال من أمتي معكم الحياة والممات. والآية على هذا مدنية وعلى الأول مكية، قال أبو حيان: وهو أصح لأن السورة مكية، وأقول: أكثر الروايات تؤيد الثاني وعليه تكون الآيات مستثناة من حكم السورة وكم مثل ذلك، وقد أخرج ما يؤيد الأول ابن مردويه من طريق جويبر عن الضحاك عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، ولعل الآيات بعد تؤيده أيضاً. والتعبير عن أولئك بالموصول لتعليل الأمر بما في حيز الصلة من الخصلة الداعية إلى إدامة الصحبة. وقرأ ابن عامر {بالغدوة} وخرج ذلك على ما ذكره سيبويه والخليل من أن بعض العرب ينكر غدوة فيقول: جاء زيد غدوة بالتنوين، على أن الرضي قال: إنه يجوز استعمالها نكرة اتفاقاً، والمشهور أن الأكثر استعمالها علم جنس ممنوعاً من الصرف فلا تدخل عليها أل لأنه لا يجتمع في كلمة تعريفان، ومتى أريد إدخالها عليها قصد تنكيرها فأدخلت كما قصد تنكير العلم الشخصي في قوله:شعر : وقد كان منهم صاحب وابن عمه أبو جندل والزيد زيد المعارك تفسير : والقراءة المذكورة مخرجة على ذلك. واختار بعض المحققين التخريج الأول وقال: إنه أحسن دراية ورواية لأن التنكير في العلم الشخصي ظاهر وأما في الجنسي ففيه خفاء لأنه شائع في إفراده قبل تنكيره فتنكيره إنما يتصور بترك حضوره في الذهن الفارق بينه وبين النكرة، وهو خفي فلذا أنكره الفناري في «حواشيه على التلويح» في تنكير رجب علم الشهر انتهى، وللبحث فيه مجال. وهذه الآية كما في «البحر» أبلغ من التي في الأنعام [52] وهي قوله تعالى: {أية : يَتَّقُونَ وَلاَ تَطْرُدِ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِٱلْغَدَاةِ وَٱلْعَشِىّ}. تفسير : {يُرِيدُونَ} بذلك الدعاء {وَجْهَهُ} أي رضاه سبحانه وتعالى دون الرياء والسمعة بناء على ما قاله الإمام السهيلي من أن الوجه إذا أضيف إليه تعالى يراد به الرضا والطاعة المرضية مجازاً لأن من رضي / على شخص يقبل عليه ومن غضب يعرض عنه. وقيل: المراد بالوجه الذات والكلام على حذف مضاف. وقيل: هو بمعنى التوجه، والمعنى يريدون التوجه إليه تعالى والزلفى لديه سبحانه، والأول أولى، والجملة في موضع الحال من فاعل {يَدْعُونَ} أي يدعون مريدين ذلك. {وَلاَ تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ} أي لا تصرف عيناك النظر عنهم إلى أبناء الدنيا، والمراد النهي عن احتقارهم وصرف النظر عنهم لرثاثة حالهم إلى غيرهم فعدا بمعنى صرف المتعدي إلى مفعول بنفسه وإلى آخر بعن، قال في «القاموس» يقال: عداه عن الأمر عدواً وعدواناً صرفه، واختار هذا أبو حيان وهو الذي قدر المفعول كما سمعت وقد تتعدى عدا إلى مفعول واحد بعن كما تتعدى إليه بنفسها فتكون بمعنى جاوز وترك، قال في «القاموس» يقال عدا الأمر وعنه جاوزه وتركه، وجوز أن يكون معنى الآية على ذلك كأنه قيل لا تتركهم عيناك، وقيل: إن عدا حقيقة معناه تجاوز كما صرح به الراغب والتجاوز لا يتعدى بعن إلا إذا كان بمعنى العفو كما صرحوا به أيضاً وهو هنا غير مراد فلا بد من ((تضمين عدا معنى نبا وعلا في قولك: نبت عنه عينه وعلت عنه عينه إذا اقتحمته ولم تعلق به)) وهو الذي ذهب إليه الزمخشري ثم قال: لم يقل ولا تعدهم عيناك أو ولا تعل عيناك عنهم وارتكب التضمين ليعطي الكلام مجموع معنيين وذلك أقوى من إعطاء معنى فذ ألا ترى كيف رجع المعنى إلى قولك: ولا تقحمهم عيناك مجاوزتين إلى غيرهم، وتعقبه أبو حيان ((بأن التضمين لا ينقاس عند البصريين وإنما يذهب إليه عند الضرورة، أما إذا أمكن إجراء اللفظ على مدلوله الوضعي فإنه يكون أولى)) واعترض أيضاً ما قيل: بأنه لا يلزم من اتحاد الفعلين في المعنى اتحادهما في التعدية فلا يلزم من كون عدا بمعنى تجاوز أن يتعدى كما يتعدى ليقال: إن التجاوز لا يتعدى بعن إلا إذا كان بمعنى العفو وهو غير مراد، فلا بد من تضمين عدا معنى فعل متعد بعن، ويكفي كلام «القاموس» مستنداً لمن خالف الزمخشري فتدبر ولا تغفل. وقرأ الحسن {ولا تعد عينيك} بضم التاء وسكون العين وكسر الدال المخففة من أعداه ونصب العينين، وعنه وعن عيسى والأعمش أنهم قرؤا {ولا تعد عينيك} بضم التاء وفتح العين وتشديد الدال المكسورة من عداه يعديه ونصب العينين أيضاً، وجعل الزمخشري وصاحب «اللوامح» الهمزة والتضعيف للتعدية. وتعقب ذلك في «البحر» بأنه ليس بجيد بل الهمزة والتضعيف في هذه الكلمة لموافقة أفعل وفعل للفعل المجرد وذلك لأنه قد أقر الزمخشري بأنها قبل ذينك الأمرين متعدية بنفسها إلى واحد وعديت بعن للتضمين فمتى كان الأمران للتعدية لزم أن تتعدى إلى اثنين مع أنها لم تتعدى في القراءتين المذكورتين إليهما. {تُرِيدُ زِينَةَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا} أي تطلب مجالسة من لم يكن مثلهم من الأغنياء وأصحاب الدنيا والجملة على القراءة المتواترة حال من كاف {عَيْنَاكَ} وجازت الحال منه لأنه جزء المضاف إليه، والعامل على ما قيل معنى الإضافة وليس بشيء. وقال في «الكشف»: العامل الفعل السابق كما تقرر في قوله تعالى: {أية : بَلْ مِلَّةَ إِبْرٰهِيمَ حَنِيفًا } تفسير : [البقرة: 135] ولك أن تقول: هٰهنا خاصة العين مقحمة للتأكيد ولا يبعد أن يجعل حالاً من الفاعل. وتوحيد الضمير إما لاتحاد الإحساس أو للتنبيه على مكان الإقحام أو للاكتفاء بأحدهما عن الآخر أو لأنهما عضو واحد في الحقيقة، واستبشاع إسناد الإرادة إلى العين مندفع بأن إرادتها كناية عن إرادة صاحبها ألا ترى إلى ما شاع من نحو قولهم: / يستلذه العين أو السمع وإنما المستلذ الشخص على أن الإرادة يمكن جعلها مجازاً عن النظر للهو لا للعبر اهـ. ولا يخفى أن فيه عدولاً عن الظاهر من غير داع. وقول بعضهم: إنه لا يجوز مجيء الحال من المضاف إليه في مثل هذا الموضع لاختلاف العامل في الحال وذيها لا يصلح داعياً لظهور ضعفه. ثم الظاهر أنه لا فرق في جواز كون الجملة حالاً من المضاف إليه أو المضاف على تقدير أن يفسر {تَعْدُ} بتجاوز وتقدير أن تفسر بتصرف. وخص بعضهم كونها حالاً من المضاف إليه على التقدير الأول وكونها حالاً من المضاف على التقدير الثاني ولعله أمر استحساني، وذلك لأن في أول الكلام على التقدير الثاني إسناد ما هو من الأفعال الاختيارية ليس إلا وهو الصرف إلى العين فناسب إسناد الإرادة إليها في آخره ليكون أول الكلام وآخره على طرز واحد مع رعاية ما هو الأكثر في أحوال الأحوال من مجيئها من المضاف دون المضاف إليه، وتضمن ذلك عدم مواجهة الحبيب صلى الله عليه وسلم بإسناد إرادة الحياة الدنيا إليه صريحاً وإن كانت مصب النهي، وليس في أول الكلام ذلك على التقدير الأول إذ الظاهر أن التجاوز ليس من الأفعال الاختيارية لا غير بل يتصف به المختار وغيره، مع أن في جعل الجملة حالاً من الفاعل على هذا التقدير مع قول بعض المحققين إن المتجاوز في الحقيقة هو النظر احتياجاً إلى اعتبار الشيء وتركه في كلام واحد، وليس لك أن تجعله استخداماً بأن تريد من العينين أولاً النظر مجازاً وتريد عند عود ضمير {تُرِيدُ} منهما الحقيقة لأن التثنية تأبى ذلك، وإن اعتبر ذلك أولاً وآخراً ولم يترك احتيج إلى مؤن لا تخفى على المتأمل فتأمل وتدبر. وهي على القراءتين الشاذتين حال من فاعل الفعل المستتر أي لا تعد أو لا تعد عينيك عنهم مريداً ذلك. {وَلاَ تُطِعْ} في تنحية الفقراء عن مجلسك {مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ} أي جعلنا قلبه غافلاً {عَن ذِكْرِنَا} لبطلان استعداده للذكر بالمرة كأولئك الذين يدعونك إلى طرد الفقراء فإنهم غافلون عن ذكرنا على خلاف ما عليه أولئك الفقراء من الدعاء في الغداة والعشي. وفيه تنبيه على أن الباعث لهم إلى استدعاء الطرد غفلة قلوبهم عن جناب الله تعالى شأنه وملاحظة المعقولات وانهماكه في الحسيات حتى خفى عليه أن الشرف بحلية النفس لا بزينة الجسد. ومعنى الذكر ظاهر وفسره المفضل بالقرآن. والآية ظاهرة في مذهب أهل السنة، وأولها المعتزلة فقيل المراد أغفلنا قلبه بالخذلان وهذا هو التأويل المشهور عندهم في أمثال ذلك وحاله معلوم عندك، وقيل: المراد صادفناه غافلاً كما في قولهم: سألناكم فما أفحمناكم وقاتلناكم فما أجبناكم. وتعقب بأنه لا ينبغي أن يتجرأ على تفسير فعل أسنده الله تعالى إليه بالمصادفة التي تفهم وجدان الشيء بغتة عن جهل سابق وعدم علم، وقيل: المراد نسبناه إلى الغفلة كما في قول الكميت:شعر : وطائفة قد أكفروني بحبكم وطائفة قالوا مسيء ومذنب تفسير : وهو كما ترى. وقال الرماني: المراد لم نسم قلبه بالذكر ولم نجعله من القلوب التي كتبنا فيها الإيمان كقلوب المؤمنين من قولهم: أغفل فلان إبله إذا تركها غفلاً من غير سمة وعلامة بِكَيٍّ ونحوه، ومنه إغفال الخط لعدم إعجامه فالإغفال المذكور استعارة لجعل ذكر الله تعالى الدال على الإيمان به كالسمة لأنه علامة للسعادة كما / جعل ثبوت الإيمان في القلب بمنزلة الكتابة، وهو تأويل رقيق الحاشية لطيف المعنى وإن كان خلاف الظاهر فهو مما لا بأس به لمن لم يكن غرضه منه الهرب من مذهب أهل السنة. واحتج بعضهم على أنه ليس المراد ظاهر الآية بقوله سبحانه: {وَٱتَّبَعَ هَوَاهُ} في طلب الشهوات حيث أسند اتباع الهوى إلى العبد فيدل على أنه فعله لا فعل الله تعالى ولو كان ذلك فعل الله سبحانه والإسناد مجازي لقيل فاتبع بالفاء السببية لتفرعه عليه. وأجيب بأن فعل العبد لكونه بكسبه وقدرته، وخلق الله تعالى يجوز إسناده إليه بالاعتبار الأول وإلى الله تعالى بالثاني، والتنصيص على التفريع ليس بلازم فقد يترك لنكتة كالقصد إلى الإخبار به استقلالاً لأنه أدخل في الذم وتفويضاً إلى السامع في فهمه ولا حاجة إلى تقدير فقيل واتبع هواه. وقرأ عمرو بن فائد وموسى الأسواري وعمرو بن عبيد {أغفلنا} بفتح الفاء واللام {قَلبه} بالرفع على أنه فاعل {أغفلنا}، وهو على هذه القراءة من أغفله إذا وجده غافلاً، والمراد ظننا وحسبنا غافلين عن ذكرنا له ولصنيعه بالمؤاخذة بجعل ذكر الله تعالى له كناية عن مجازاته سبحانه. واستشكل النهي عن إطاعة أولئك الغافلين في طرد أولئك المؤمنين بأنه ورد أنهم أرادوا طردهم ليؤمنوا فكان ينبغي تحصيل إيمانهم بذلك، وغاية ما يلزم ترتب نفع كثير وهو إيمان أولئك الكفرة على ضرر قليل وهو سقوط حرمة أولئك البررة وفي عدم طردهم لزم ترتب ضرر عظيم وهو بقاء أولئك الكفرة على كفرهم على نفع قليل. ومن قواعد الشرع المقررة تدفع المفسدة الكبرى بالمفسدة الصغرى. وأجيب بأنه سبحانه علم أن أولئك الكفرة لا يؤمنون إيماناً حقيقياً بل إن يؤمنوا يؤمنوا إيماناً ظاهرياً ومثله لا يرتكب له إسقاط حرمة أولئك الفقراء الأبرار فلذا جاء النهي عن الإطاعة. وقد يقال: يحتمل أن يكون الله تعالى قد علم أن طرد أولئك الفقراء السابقين إلى الإيمان المنقطعين لعبادة الرحمن وكسر قلوبهم وإسقاط حرمتهم لجلب الأغنياء وتطييب خواطرهم يوجب نفرة القلوب وإساءة الظن برسوله صلى الله عليه وسلم فربما يرتد من هو قريب عهد بإسلام ويقل الداخلون في دينه بعد ذلك عليه الصلاة والسلام، وذلك ضرر عظيم فوق ضرر بقاء شرذمة من الكفار على الكفر فلذا نهى جل وعلا عن إطاعة من أغفل قلبه واتبع هواه. {وَكَانَ أَمْرُهُ} في اتباع الهوى وترك الإيمان {فُرُطًا} أي ضياعاً وهلاكاً قاله مجاهد أو متقدماً على الحق والصواب نابذاً له وراء ظهره من قولهم: فرس فرط أي متقدم للخيل وهو في معنى ما قاله ابن زيد مخالفاً للحق. وقال ابن عطية ((يحتمل أن يكون الفرط بمعنى التفريط والتضييع أي كان أمره الذي يجب أن يلزم ويهتم به من الدين تفريطاً، ويحتمل أن يكون بمعنى الإفراط والإسراف أي كان أمره وهواه الذي هو سبيله إفراطاً وإسرافاً)) وبالإسراف فسره مقاتل، والتعبير عن صناديد قريش المستدعين طرد فقراء المؤمنين بالموصول للإيذان بعلية ما في حيز الصلة للنهي عن الإطاعة.
سيد قطب
تفسير : هذا الدرس كله تقرير للقيم في ميزان العقيدة. إن القيم الحقيقية ليست هي المال، وليست هي الجاه، وليست هي السلطان. كذلك ليست هي اللذائذ والمتاع في هذه الحياة.. إن هذه كلها قيم زائفة وقيم زائلة. والإسلام لا يحرم الطيب منها؛ ولكنه لا يجعل منها غاية لحياة الإنسان. فمن شاء أن يتمتع بها فليتمتع، ولكن ليذكر الله الذي أنعم بها. وليشكره على النعمة بالعمل الصالح، فالباقيات الصالحات خير وأبقى. وهو يبدأ بتوجيه الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن يصبر نفسه مع الذين يتجهون إلى الله؛ وأن يغفل ويهمل الذين يغفلون عن ذكر الله. ثم يضرب للفريقين مثلاً رجلين: أحدهما يعتز بما أوتي من مال وعزة ومتاع. والآخرة يعتز بالإيمان الخالص، ويرجو عند ربه ما هو خير. ثم يعقب بمثل يضرب للحياة الدنيا كلها، فإذا هي قصيرة زائلة كالهشيم تذروه الرياح. وينتهي من ذلك كله بتقرير الحقيقة الباقية: {المال والبنون زينة الحياة الدنيا، والباقيات الصالحات خير عند ربك ثواباً وخير أملاً}.. {واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه، ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا، ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا، واتبع هواه وكان أمره فرطاً. وقل: الحق من ربكم. فمن شاء فليؤمن. ومن شاء فليكفر}.. يروي أنها نزلت في أشراف قريش، حين طلبوا إلى الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن يطرد فقراء المؤمنين من أمثال بلال وصهيب وعمار وخباب وابن مسعود إذا كان يطمع في إيمان رؤوس قريش. أو أن يجعل لهم مجلساً غير مجلس هؤلاء النفر، لأن عليهم جبابا تفوح منها رائحة العرق، فتؤذي السادة من كبراء قريش! ويروى أن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ طمع في إيمانهم فحدثته نفسه فيما طلبوا إليه. فأنزل الله عز وجل: {واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي..} انزلها تلعن عن القيم الحقيقية، وتقيم الميزان الذي لا يخطئ. وبعد ذلك {فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر} فالإسلام لا يتملق أحداً، ولا يزن الناس بموازين الجاهلية الأولى، ولا أية جاهلية تقيم للناس ميزاناً غير ميزانه. {واصبر نفسك}.. لا تمل ولا تستعجل {مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه}.. فالله غايتهم، يتجهون إليه بالغداة والعشي، لا يتحولون عنه، ولا يبتغون إلا رضاه. وما يبتغونه أجل وأعلى من كل ما يبتغيه طلاب الحياة. اصبر نفسك مع هؤلاء. صاحبهم وجالسهم وعلمهم. ففيهم الخير، وعلى مثلهم تقوم الدعوات. فالدعوات لا تقوم على من يعتنقونها لأنها غالبة؛ ومن يعتنقونها ليقودوا بها الأتباع؛ ومن يعتنقونها ليحققوا بها الأطماع، وليتجروا بها في سوق الدعوات تشترى منهم وتباع! إنما تقوم الدعوات بهذه القلوب التي تتجه إلى الله خالصة له، لا تبغي جاهاً ولا متاعاً ولا انتفاعاً، إنما تبتغي وجهه وترجو رضاه. {ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا}.. ولا يتحول اهتمامك عنهم إلى مظاهر الحياة التي يستمتع بها أصحاب الزينة. فهذه زينة الحياة {الدنيا} لا ترتفع إلى ذلك الأفق العالي الذي يتطلع إليه من يدعون ربهم بالغداوة والعشي يريدون وجهه. {ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا}.. لا تطعهم فيما يطلبون من تمييز بينهم وبين الفقراء. فلو ذكروا الله لطامنوا من كبريائهم، وخففوا من غلوائهم، وخفضوا من تلك الهامات المتشامخة، واستشعروا جلال الله الذي تتساوى في ظله الرؤوس؛ وأحسوا رابطة العقيدة التي يصبح بها الناس إخوة. ولكنهم إنما يتبعون أهواءهم. أهواء الجاهلية. ويحكمون مقاييسها في العباد. فهم وأقوالهم سفه ضائع لا يستحق إلا الإغفال جزاء ما غفلوا عن ذكر الله. لقد جاء الإسلام ليسوي بين الرؤوس أمام الله. فلا تفاضل بينها بمال ولا نسب ولا جاه. فهذه قيم زائفة، وقيم زائلة. إنما التفاضل بمكانها عند الله. ومكانها عند الله يوزن بقدر اتجاهها إليه وتجردها له. وما عدا هذا فهو الهوى والسفه والبطلان. {ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا}.. أغفلنا قلبه حين اتجه إلى ذاته، وإلى ماله، وإلى أبنائه، وإلى متاعه ولذائذه وشهواته، فلم يعد في قلبه متسع لله. والقلب الذي يشتغل بهذه الشواغل، ويجعلها غاية حياته لا جرم يغفل عن ذكر الله، فيزيده الله غفلة، ويملي له فيما هو فيه، حتى تفلت الأيام من بين يديه، ويلقى ما أعده الله لأمثاله الذين يظلمون أنفسهم، ويظلمون غيرهم: {وقل: الحق من ربكم، فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر}.. بهذه العزة، وبهذه الصراحة، وبهذه الصرامة، فالحق لا ينثني ولا ينحني، إنما يسير في طريقه قيماً لا عوج فيه، قوياً لا ضعف فيه، صريحاً لا مداورة فيه. فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر. ومن لم يعجبه الحق فليذهب، ومن لم يجعل هواه تبعاً لما جاء من عند الله فلا مجاملة على حساب العقيدة؛ ومن لم يحن هامته ويطامن من كبريائه امام جلال الله فلا حاجة بالعقيدة إليه. إن العقيدة ليست ملكاً لأحد حتى يجامل فيها. إنما هي ملك لله، والله غني عن العالمين. والعقيدة لا تعتز ولا تنتصر بمن لا يريدونها لذاتها خالصة، ولا يأخذونها كما هي بلا تحوير. والذي يترفع عن المؤمنين الذين يدعون ربهم بالغداوة والعشي يريدون وجهه لا يرجى منه خير للإسلام ولا المسلمين. ثم يعرض ما أعد للكافرين، وما أعد للمؤمنين في مشهد من مشاهد القيامة: {إنا أعتدنا للظالمين ناراً أحاط بهم سرادقها؛ وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه. بئس الشراب وساءت مرتفقاً. إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجر من أحسن عملاً. أولـئك لهم جنات عدن تجري من تحتهم الأنهار، يحلون فيها من أساور من ذهب؛ ويلبسون ثياباً خضراً من سندس وإستبرق، متكئين فيها على الأرائك. نعم الثواب وحسنت مرتفقاً}. {أنا أعتدنا للظالمين ناراً}.. أعددناها وأحضرناها.. فهي لا تحتاج إلى جهد لإيقادها، ولا تستغرق زمناً لإعدادها! ومع أن خلق أي شيء لا يقتضي إلا كلمة الإرادة: كن. فيكون. إلا أن التعبير هنا بلفظ {أعتدنا} يلقي ظل السرعة والتهيؤ والاستعداد، والأخذ المباشر إلى النار المعدة المهيأة للاستقبال! وهي نار ذات سرادق يحيط بالظالمين، فلا سيبل إلى الهرب، ولا أمل في النجاة والإفلات. ولا مطمع في منفذ تهب منه نسمة، أو يكون فيه استرواح! فإن استغاثوا من الحريق والظمأ أغيثوا.. أغيثوا بماء كدردي الزين المغلي في قول، وكالصديد الساخن في قول! يشوي الوجوه بالقرب منها فكيف بالحلوق والبطون التي تتجرعه {بئس الشراب} الذي يغاث به الملهوفون من الحريق! ويا لسوء النار وسرادقها مكاناً للارتفاق والاتكاء. وفي ذكر الارتفاق في سرادق النار تهكم مرير. فما هم هنالك للارتفاق، إنما هم للاشتواء! ولكنها مقابلة مع ارتفاق الذين آمنوا وعملوا الصالحات هنالك في الجنان.. وشتان شتان! وبينما هؤلاء كذلك إذا الذين آمنوا وعملوا الصالحات في جنات عدن. للإقامة. تجري من تحتهم الأنهار بالري وبهجة المنظر واعتدال النسيم. وهم هنالك للارتفاق حقاً {متكئين فيها على الأرائك} وهم رافلون في ألوان من الحرير. من سندس ناعم خفيف ومن إستبرق مخمل كثيف. تزيد عليها أساور من ذهب للزينة والمتاع: {نعم الثواب وحسنت مرتفقاً}! ومن شاء فليختر. ومن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر. ومن شاء فليجالس فقراء المؤمنين، وجبابهم تفوح منها رائحة العرق أو فلينفر. فمن لم ترضه رائحة العرق من تلك الجباب، التي تضم القلوب الزكية بذكر الله، فليرتفق في سرادق النار، وليهنأ بدردي الزيت أو القيح يغاث به من النار.. ثم تجيء قصة الرجلين والجنتين تضرب مثلاً للقيم الزائلة والقيم الباقية، وترسم نموذجين واضحين للنفس المعتزة بزينة الحياة، والنفس المعتزة بالله. وكلاهما نموذج إنساني لطائفة من الناس: صاحب الجنتين نموذج للرجل الثري، تذهله الثروة، وتبطره النعمة، فينسى القوة الكبرى التي تسيطر على أقدار الناس والحياة. ويحسب هذه النعمة خالدة لا تفنى، فلن تخذله القوة ولا الجاه. وصاحبه نموذج للرجل المؤمن المعتز بإيمانه، الذاكر لربه، يرى النعمة دليلاً على المنعم. موجبة لحمده وذكره، لا لجحود وكفره. وتبدأ القصة بمشهد الجنتين في ازدهار وفخامة: {واضرب لهم مثلاً رجلين جعلنا لأحدهما جنتين من أعناب، وحففناهما بنخل، وجعلنا بينهما زرعاً. كلتا الجنتين آتت أكلها ولم تظلم منه شيئاً، وفجرنا خلالهما نهراً. وكان له ثمر}.. فهما جنتان مثمرتان من الكروم، محفوفتان بسياج من النخيل، تتوسطهما الزروع، ويتفجر بينهما نهر.. إنه المنظر البهيج والحيوية الدافقة والمتاع والمال: {كلتا الجنتين آتت أكلها ولم تظلم منه شيئاً}.. ويختار التعبير كلمة {تظلم} في معنى تنقص وتمنع، لتقابل بين الجنتين وصاحبهما الذي ظلم نفسه فبطر ولم يشكر، وازدهى وتكبر. وها هو ذا صاحب الجنتين تمتلئ نفسه بهما، ويزدهيه النظر إليهما، فيحس بالزهو، وينتفش كالديك، ويختال كالطاووس، ويتعالى على صاحبه الفقير: {فقال لصاحبه - وهو يحاوره - أنا أكثر منك مالاً وأعز نفراً}.. ثم يخطو بصاحبه إلى إحدى الجنتين، وملء نفسه البطر، وملء جنبه الغرور؛ وقد نسي الله، ونسي أن يشكره على ما أعطاه؛ وظن أن هذه الجنان المثمرة لن تبيد أبداً، أنكر قيام الساعة أصلاً، وهبها قامت فسيجد هنالك الرعاية والإيثار! أليس من أصحاب الجنان في الدنيا فلا بد أن يكون جنابه ملحوظاً في الآخرة! {ودخل جنته وهو ظالم لنفسه. قال: ما أظن أن تبيد هـذه أبداً، وما أظن الساعة قائمة. ولئن رددت إلى ربي لأجدن خيرا منها منقلباً}! إنه الغرور يخيل لذوي الجاه والسلطان والمتاع والثراء، أن القيم التي يعاملهم بها أهل هذه الدنيا الفانية تظل محفوظة لهم حتى في الملأ الأعلى! فما داموا يستطيلون على أهل هذه الأرض فلا بد أن يكون لهم عند السماء مكان ملحوظ! فأما صاحبه الذي لا مال له ولا نفر، ولا جنة عنده ولا ثمر.. فإنه معتز بما هو أبقى وأعلى. معتز بعقيدته وإيمانه. معتز بالله الذي تعنو له الجباه؛ فهو يجبه صاحبه المتبطر المغرور منكراً عليه بطره وكبره، يذكره بمنشئه المهين من ماء وطين، ويوجهه إلى الأدب الواجب في حق المنعم. وينذره عاقبة البطر والكبر. ويرجو عند ربه ما هو خير من الجنة والثمار: {قال له صاحبه ـ وهو يحاوره ـ أكفرت بالذي خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سواك رجلاً؟ لكنا هو الله ربي، ولا أشرك بربي أحداً. ولولا إذ دخلت جنتك قلت: ما شاء الله لا قوة إلا بالله. إن ترن أنا أقل منك مالاً وولداً. فعسى ربي أن يؤتين خيراً من جنتك، ويرسل عليها حسباناً من السماء فتصبح صعيداً زلقاً، أو يصبح ماؤها غوراً فلن تستطيع له طلباً}.. وهكذا تنتفض عزة الإيمان في النفس المؤمنة، فلا تبالي المال والنفر، ولا تداري الغنى والبطر، ولا تتلعثم في الحق، ولا تجامل فيه الأصحاب. وهكذا يستشعر المؤمن أنه عزيز أمام الجاه والمال. وأن ما عند الله خير من أعراض الحياة، وأن فضل الله عظيم وهو يطمع في فضل الله. وأن نقمة الله جبارة وأنها وشيكة أن تصيب الغافلين المتبطرين. وفجأة ينقلنا السياق من مشهد النماء والازدهار إلى مشهد الدمار والبوار. ومن هيئة البطر، والاستكبار إلى هيئة الندم والاستغفار. فلقد كان ما توقعه الرجل المؤمن: {وأحيط بثمره فأصبح يقلب كفيه على ما أنفق فيها، وهي خاوية على عروشها، ويقول: يا ليتني لم أشرك بربي أحداً}.. وهو مشهد شاخص كامل: الثمر كله مدمر كأنما أخذ من كل جانب فلم يسلم منه شيء. والجنة خاوية على عروشها مهشمة محطمة. وصاحبها يقلب كفيه أسفاً وحزناً على ماله الضائع وجهده الذاهب. وهو نادم على إشراكه بالله، يعترف الآن بربوبيته ووحدانيته. ومع أنه لم يصرح بكلمة الشرك، إلا أن اعتزازه بقيمة أخرى أرضيه غير قيمة الإيمان كان شركاً ينكره الآن، ويندم عليه ويستعيذ منه بعد فوات الأوان. هنا يتفرد الله بالولاية والقدرة: فلا قوة إلا قوته، ولا نصر إلا نصره. وثوابه هو خير الثواب، وما يبقى عنده للمرء من خير فهو خير ما يتبقى: {ولم تكن له فئة ينصرونه من دون الله، وما كان منتصراً. هنالك الولاية لله الحق، هو خير ثواباً وخير عقباً}.. ويسدل الستار على مشهد الجنة الخاوية على عروشها، وموقف صاحبها يقلب كفيه أسفاً وندماً وجلال الله يظلل الموقف، حيث تتوارى قدرة الإنسان.. وأمام هذا المشهد يضرب مثلاً للحياة الدنيا كلها. فإذا هي كتلك الجنة المضروبة مثلاً قصيرة قصيرة، لا بقاء لها ولا قرار: {واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض، فأصبح هشيماً تذروه الرياح، وكان الله على كل شيء مقتدراً}.. هذا المشهد يعرض قصيراً خاطفاً ليلقي في النفس ظل الفناء والزوال. فالماء ينزل من السماء فلا يجري ولا يسيل ولكن يختلط به نبات الأرض. والنبات لا ينمو ولا ينضج، ولكنه يصبح هشيماً تذروه الرياح. وما بين ثلاث جمل قصار، ينتهي شريط الحياة. ولقد استخدم النسق اللفظي في تقصير عرض المشاهد. بالتعقيب الذي تدل عليه الفاء: {كماء أنزلناه من السماء} فـ {اختلط به نبات الأرض} فـ {أصبح هشيماً تذروه الرياح} فما أقصرها حياة! وما أهونها حياة! وبعد أن يلقي مشهد الحياة الذاهبة ظله في النفس يقرر السياق بميزان العقيدة قيم الحياة التي يتعبدها الناس في الأرض، والقيم الباقية التي تستحق الاهتمام: {المال والبنون زينة الحياة الدنيا، والباقيات الصالحات خير عند ربك ثواباً، وخير أملاً}.. المال والبنون زينة الحياة؛ والإسلام لا ينهى عن المتاع بالزينة في حدود الطيبات. ولكنه يعطيهما القيمة التي تستحقها الزينة في ميزان الخلود ولا يزيد. إنهما زينة ولكنهما ليسا قيمة. فما يجوز أن يوزن بهما الناس ولا أن يقدروا على اساسهما في الحياة. إنما القيمة الحقة للباقيات الصالحات من الأعمال والأقوال والعبادات. وإذا كان أمل الناس عادة يتعلق بالأموال والبنين فإن الباقيات الصالحات خير ثواباً وخير أملا. عند ما تتعلق بها القلوب، ويناط بها الرجاء، ويرتقب المؤمنون نتاجها وثمارها يوم الجزاء. وهكذا يتناسق التوجيه الإلهي للرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ في أن يصبر نفسه مع الذين يدعون ربهم في الغداة والعشي يريدون وجهه. مع إيحاء قصة الجنتين. مع ظل المثل المضروب للحياة الدنيا. مع هذا التقرير الأخير للقيم في الحياة وما بعد الحياة.. وتشترك كلها في تصحيح القيم بميزان العقيدة. وتتساوى كلها في السورة وفق قاعدة التناسق الوجداني في القرآن.
ابن عاشور
تفسير : {وَٱصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِٱلْغَدَاةِ وَٱلْعَشِىِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلاَ تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا}. هذا من ذيول الجواب عن مسألتهم عن أهل الكهف، فهو مشارك لقوله: { أية : واتل ما أوحى إليك من كتاب } تفسير : [الكهف: 27]. الآية وتقدم في سورة الأنعام (52) عند قوله تعالى: { أية : ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه } تفسير : أن سادة المشركين كانوا زعموا أنه لولا أن من المؤمنين ناساً أهل خصاصة في الدنيا وأرقاء لا يدانوهم ولا يستأهلون الجلوس معهم لأتَوْا إلى مجالسة النبي واستمعوا القرآن، فاقترحوا عليْه أن يطردهم من حوله إذا غشيه سادة قريش، فرد الله عليهم بما في سورة الأنعام وما في هذه السورة. وما هنا آكدُ إذْ أمرَه بملازمتهم بقوله: {واصبر نفسك}، أي احبسها معهم حبس ملازمة. والصبر: الشد بالمكان بحيث لا يفارقه. ومنه سميت المَصْبورة وهي الدابة تشد لتُجعل غَرضاً للرمي. ولتضمين فعل (اصبر) معنى الملازمة علق به ظرف (مع). و{الغداة} قرأه الجمهور ــــ بألف بعد الدال ــــ: اسم الوقت الذي بين الفجر وطلوع الشمس. والعَشي: المساء. والمقصود أنهم يدعون الله دعاءً متخللاً سائر اليوم والليلة. والدعاء: المناجاة والطلب. والمراد به ما يشمل الصلوات. والتعبير عنهم بالموصول للإيماء إلى تعليل الأمر بملازمتهم، أي لأنهم أحرياء بذلك لأجل إقبالهم على الله فهم الأجدر بالمقارنة والمصاحبة. وقرأ ابن عامر {بالغَدْوَةِ} ــــ بسكون الدال وواو بعد الدال مفتوحة ــــ وهو مرادف الغداة. وجملة {يريدون وجهه} في موضع الحال. ووجه الله: مجاز في إقباله على العبد. ثم أكّد الأمر بمواصلتهم بالنهي عن أقل إعراض عنهم. وظاهر {ولا تعد عيناك عنهم} نَهْي العينين عن أن تَعْدُوَا عن الذين يدعون ربهم، أي أن تُجاوزاهم، أي تبعُدَا عنهم. والمقصود: الإعراض، ولذلك ضمن فعل العَدْو معنى الإعراض، فعدي إلى المفعول بــــ (عن) وكان حقه أن يتعدى إليه بنفسه يقال: عداه، إذا جاوزه. ومعنى نهي العينين نهي صاحبهما، فيؤول إلى معنى: ولا تعدّي عينيك عنهم. وهو إيجاز بديع. وجملة {تريد زينة الحياة الدنيا} حال من كاف الخطاب، لأن المضاف جزء من المضاف إليه، أي لا تكن إرادة الزينة سبب الإعراض عنهم لأنهم لا زينة لهم من بزة وسمت. وهذا الكلام تعريض بحماقة سادة المشركين الذين جعلوا همهم وعنايتهم بالأمور الظاهرة وأهملوا الاعتبار بالحقائق والمكارم النفسية فاستكبروا عن مجالسة أهل الفضل والعقول الراجحة والقلوب النيرة وجعلوا همّهم الصور الظاهرة. هذا نهي جامع عن ملابسة شيء مما يأمره به المشركون. والمقصود من النهي تأسيس قاعدة لأعمال الرسول والمسلمين تُجاه رغائب المشركين وتأييس المشركين من نوال شيء مما رغبوه من النبي صلى الله عليه وسلم وما صدق (مَن) كل من اتصف بالصلة، وقيل نزلت في أمية بن خَلَف الجُمَحي، دعا النبي صلى الله عليه وسلم إلى طرد فقراء المسلمين عن مجلسه حين يجلس إليه هو وأضرابه من سادة قريش. والمراد بإغفال القلب جعله غافلاً عن الفكر في الوحدانية حتى راج فيه الإشراك، فإن ذلك ناشىء عن خلقة عقول ضيفة التبصر مسوقة بالهوى والإلف. وأصل الإغفال: إيجاد الغفلة، وهي الذهول عن تذكر الشيء، وأريد بها هنا غفلة خاصة، وهي الغفلة المستمرة المستفادة من جعل الإغفال من الله تعالى كناية عن كونه في خِلقة تلك القلوب، وما بالطبع لا يتخلف. وقد اعتضد هذا المعنى بجملة {واتبع هواه}، فإن اتباع الهوى يكون عن بصيرة لا عن ذهول، فالغفلة خلقة في قلوبهم، واتباع الهوى كسب من قدرتهم. والفُرُط ــــ بضمتين ــــ: الظلم والاعتداء. وهو مشتق من الفُروط وهو السبق لأن الظلم سبْق في الشر. والأمر: الشأن والحال. وزيادة فعل الكون للدلالة على تمكن الخبر من الاسم، أي حالة تمكن الإفراط والاعتداء على الحق.
الشنقيطي
تفسير : أمر الله جل وعلا نبيه صلى الله عليه وسلم في هذه الآية الكريمة: أن يصبر نفسه، أي يحبسها مع المؤمنين الذين يدعون ربهم أول النهار وآخره مخلصين له، لا يريدون بدعائهم إلا رضاه جل وعلا. وقد نزلت هذه الآية الكريمة في فقراء المهاجرين كعمار، وصهيب، وبلال، وابن مسعود ونحوهم. لما أراد صناديد الكفار من النَّبي صلى الله عليه وسلم أن يطردهم عنه، ويجالسهم بدون حضور أولئك الفقراء المؤمنين، وقد قدمنا في سورة "الأنعام" أن الله كما أمره هنا بأن يصبر نفسه معهم أمره بألا يطردهم، وأنه إذا رآهم يسلم عليهم، وذلك في قوله: {أية : وَلاَ تَطْرُدِ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِٱلْغَدَاةِ وَٱلْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِّن شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ ٱلظَّالِمِينَ}تفسير : [الأنعام: 52] - إلى قوله - {أية : وَإِذَا جَآءَكَ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ}تفسير : [الأنعام: 54] وقد أشار إلى ذلك المعنى في قوله: {أية : عَبَسَ وَتَوَلَّىٰ أَن جَآءَهُ ٱلأَعْمَىٰ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّىٰ أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ ٱلذِّكْرَىٰ أَمَّا مَنِ ٱسْتَغْنَىٰ فَأَنتَ لَهُ تَصَدَّىٰ وَمَا عَلَيْكَ أَلاَّ يَزَّكَّىٰ وَأَمَّا مَن جَآءَكَ يَسْعَىٰ وَهُوَ يَخْشَىٰ فَأَنتَ عَنْهُ تَلَهَّىٰ كَلاَّ إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ}تفسير : [عبس: 1-11]. وقد قدمنا أن ما طلبه الكفار من نبينا صلى الله عليه وسلم من طرده فقراء المؤمنين وضعفاءهم تكبراً عليهم وازدراء بهم - طلبه أيضاً قوم نوح من نوح عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، وأنه امتنع من طردهم أيضاً، كقوله تعالى عنهم: {أية : قَالُوۤاْ أَنُؤْمِنُ لَكَ وَٱتَّبَعَكَ ٱلأَرْذَلُونَ}تفسير : [الشعراء: 111]، وقوله عنهم أيضاً:{أية : وَمَا نَرَاكَ ٱتَّبَعَكَ إِلاَّ ٱلَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ ٱلرَّأْيِ}تفسير : [هود: 27]، وقال عن نوح في امتناعه من طردهم: {أية : وَمَآ أَنَاْ بِطَارِدِ ٱلْمُؤْمِنِينَ إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ مُّبِينٌ}تفسير : [الشعراء: 114-115]، وقوله تعالى عنه: {أية : وَمَآ أَنَاْ بِطَارِدِ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِنَّهُمْ مُّلاَقُو رَبِّهِمْ وَلَـٰكِنِّيۤ أَرَاكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ وَيٰقَوْمِ مَن يَنصُرُنِي مِنَ ٱللَّهِ إِن طَرَدتُّهُمْ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ}تفسير : [هود: 29-30]. وقوله {وَٱصْبِرْ نَفْسَكَ} فيه الدليل على أن مادة الصبر تتعدى بنفسها للمفعول، ونظير ذلك من كلام العرب قول أبي ذؤيب أو عنترة: شعر : فصبرت عارفة بذلك حرة ترسو إذا نفس الجبان تطلع تفسير : والغداة: أول النهار. والعشي آخره. وقال بعض العلماء: {يَدْعُونَ رَبَّهُم بِٱلْغَدَاةِ وَٱلْعَشِيِّ} أي يصلون صلاة الصبح والعصر. والتحقيق أن الآية تشمل أعم من مطلق الصلاة. والله تعالى أعلم. قوله تعالى: {وَلاَ تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا}. نهى الله جل وعلا نبيه صلى الله عليه وسلم في هذه الآية الكريمة - أن تعدو عيناه عن ضعفاء المؤمنين وفقرائهم، طموحاً إلى الأغنياء وما لديهم من زينة الحياة الدنيا. ومعنى {لا تعد عيناك}: أي لا تتجاوزهم عيناك وتنبوا عن رثاثة زيهم، محتقراً لهم طامحاً إلى أهل الغنى والجاه والشرف بدلاً منهم. وعدا يعدو: تتعدى بنفسها إلى المفعول وتلزم. والجملة في قوله {تُرِيدُ زِينَةَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} في محل حال والرابط الضمير، على حد قوله في الخلاصة: شعر : وذات بدء بمضارع ثبت حوت ضميرا ومن الواو خلت تفسير : وصاحب الحال المذكورة هو الضمير المضاف إليه في قوله "عيناك" وإنما ساغ ذلك لأن المضاف هنا جزء من المضاف إليه، على حد قوله في الخلاصة: شعر : ولا تجز حالاً من المضاف له إلا إذا اقتضى المضاف عمله أو كان جزء ماله أضيفا أو مثل جزئه فلا تحيفا تفسير : وما نهى الله عنه نبيه صلى الله عليه وسلم في هذه الآية الكريمة من طموح العين إلى زينة الحياة الدنيا، مع الاتصاف بما يرضيه جل وعلا من الثبات على الحق، كمجالسة فقراء المؤمنين - أشار له أيضاً في مواضع أخر، كقوله {أية : فَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ ٱلشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَآءِ ٱلْلَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ ٱلنَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَىٰ وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ زَهْرَةَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا}تفسير : [طه: 130-131] الآية، وقوله تعالى: {أية : وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِّنَ ٱلْمَثَانِي وَٱلْقُرْآنَ ٱلْعَظِيمَ لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ}تفسير : [الحجر: 87-88] الآية. قوله تعالى: {وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَٱتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً}. نهى الله جل وعلا نبيه صلى الله عليه وسلم في هذه الآية الكريمة عن طاعة من أغفل الله قلبه عن ذكره واتبع هواه، وكان أمره فرطاً. وقد كرر في القرآن نهي نبيه صلى الله عليه وسلم عن اتباع مثل هذا الغافل عن ذكر الله المتبع هواه، كقوله تعالى:{أية : فَٱصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلاَ تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً}تفسير : [الإنسان:24]، وقوله: {أية : وَلاَ تُطِعِ ٱلْكَافِرِينَ وَٱلْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ}تفسير : [الأحزاب: 48] الآية، وقوله تعالى: {أية : وَدُّواْ لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ وَلاَ تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَّهِينٍ هَمَّازٍ مَّشَّآءِ بِنَمِيمٍ مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ}تفسير : [القلم: 9-13] إلى غير ذلك من الآيات. وقد أمره في موضع آخر بالإعراض عن المتولين عن ذكر الله، والذين لا يريدون غير الحياة الدنيا، وبين له أن ذلك هو مبلغهم من العلم. وذلك في قوله تعالى: {أية : فَأَعْرِضْ عَن مَّن تَوَلَّىٰ عَن ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلاَّ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِّنَ ٱلْعِلْمِ}تفسير : [النجم: 29-30]. وقوله في هذه الآية الكريمة: {مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ} يدل على أن ما يعرض للعبد من غفلة ومعصية، إنما هو بمشيئة الله تعالى. إذ لا يقع شيء ألبتة كائناً ما كان إلا بمشيئته الكونية القدرية، جل وعلا، {أية : وَمَا تَشَآءُونَ إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ}تفسير : [الإنسان: 30] الآية، {أية : وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَآ أَشْرَكُواْ}تفسير : [الأنعام: 107]، {أية : وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا}تفسير : [السجدة: 13]، {وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى ٱلْهُدَىٰ}، {أية : خَتَمَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهمْ}}تفسير : [البقرة: 7] الآية، {أية : وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِيۤ آذَانِهِمْ وَقْراً}تفسير : [الأنعام: 25] إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أن كل شيء من خير وشر، لا يقع إلا بمشيئة خالق السموات والأرض. فما يزعمه المعتزلة، ويحاول الزمخشري في تفسيره دائماً - تأويل آيات القرآن على نحو ما يطابقه من استقلال قدرة العبد وإرادته فأفعاله دون مشيئة الله، لا يخفى بطلانه كما تدل عليه الآيات المذكورة آنفاً، وأمثالها في القرآن كثيرة. ومعنى اتباعه هواه: أنه يتبع ما تميل إليه نفسه الأمارة بالسوء وتهواه من الشر، كالكفر والمعاصي. وقوله: {وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً} قيل: هو من التفريط الذي هو التقصير، وتقديم العجز بترك الإيمان. وعلى هذا فمعنى {وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً} أي كانت أعماله سفهاً وضياعاً وتفريطاً. وقيل: من الإفراط الذي هو مجاوزة الحد، كقول الكفار المحتقرين لفقراء المؤمنين: نحن أشراف مضر وساداتها! إن اتبعناك اتبعك جميع الناس. وهذا من التكبر والإفراط في القول. وقيل "فرطاً" أي قدما في الشر.. من قولهم: فرط منه أمر، أي سبق. وأظهر الأقوال في معنى الآية الكريمة عندي بحسب اللغة العربية التي نزل بها القرآن أن معنى قوله "فرطاً": أي متقدماً للحق والصواب، نابذاً له وراء ظهره. من قولهم: فرس فرط، أي متقدم للخيل. ومنه قول لبيد في معلقته: شعر : ولقد حميت الخيل تحمل شكتي فرط وشاحي إذ غدوت لجامها تفسير : وإلى ما ذكرنا في معنى الآية ترجع أقوال المفسرين كلها، كقول قتادة ومجاهد "فرطاً" أي ضياعاً. وكقول مقاتل بن حيان "فرطاً" أي سرفاً. كقول الفراء "فرطاً" أي متروكاً. وكقول الأخفش "فرطاً" أي مجاوزاً للحد، إلى غير ذلك من الأقوال.
د. أسعد حومد
تفسير : {بِٱلْغَدَاةِ} {ٱلْحَيَاةِ} {هَوَاهُ} (28) - وَاجْلِسْ مَعَ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ، وَيَحْمَدُونَهُ وَيُسَبِّحُونَهُ، وَيَسْأَلُونَهُ مِنْ فَضْلِهِ بُكْرَةً وَعَشِيَّةً، وَهُمُ المُؤْمِنُونَ مِنْ عِبَادِ اللهِ، سَوَاءٌ كَانُوا أَغْنِيَاءَ أَوْ فُقَرَاءَ (وَيُقَالُ إِنَّ هذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ فِي أَشْرَافِ قُرَيْشٍ حِينَ طَلَبُوا مِنَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنْ يَجْلِسَ مَعَهُمْ وَحْدَهُمْ، وَأَنْ لاَ يُجَالِسِ الفُقَرَاءَ وَالضُّعَفَاءَ مِنَ المُسْلِمِينَ). ثُمَّ يَأْمُرُ اللهُ تَعَالَى رَسُولَهُ الكَرِيمَ بِأَنْ لاَ يُجَاوِزَ هؤلاءِ المُؤْمِنِينَ إِلَى غَيْرِهِمْ مِنْ أَصْحَابِ الشَّرَفِ وَالثَّرْوَةِ، وَبِأَنْ لاَ يُطِيعَ مَنْ شُغِلَ بِالدُّنْيا عَنِ الدِّينِ، وَعَنْ عِبَادَةِ اللهِ، وَمَنْ تَجَاوَزَ فِي أَعْمَالِهِ حُدُودَ اللهِ، وَتَمَادَى فِي ارْتِكَابِ المَعَاصِي وَالآثَامِ، وَكَانَ مُفْرِطاً سَفِيهاً فِي أَمْرِهِ. اصْبِرْ نَفْسَكَ - احْبِسْهَا وَثَبِّتْهَا. لاَ تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ - لاَ تَصْرِفْ عَيْنَاكَ النَّظَرَ إِلَيْهِمْ. أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ - جَعَلْنَا قَلْبَهُ غَافِلاً سَاهِياً. فُرُطاً - إِسْرَافاً، أَوْ تَضْيِيقاً وَهَلاَكاً.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : نزلتْ هذه الآية في "أهل الصُّفَّة" وهم جماعة من أهل الله انقطعوا للعبادة فتناولتهم ألسنة الناس واعترضوا عليهم، لماذا لا يعملون؟ ولماذا لا يشتغلون كباقي الناس؟ بل وذهبوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولون: نريد أن تلتفت إلينا، وأن تترك هؤلاء المجاذيب، فأنزل الله تعالى: {وَٱصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم ..} [الكهف: 28]. لذلك علينا حينما نرى مثل هؤلاء الذين نُسمِّيهم المجاذيب الذين انقطعوا لعبادة الله أن لا نحتقرهم، ولا نُقلِّل من شأنهم أو نتهمهم؛ لأن الله تعالى جعلهم موازين للتكامل في الكون، ذلك أن صاحب الدنيا الذي انغمس فيها وعاش لها وباع دينه من أجل دُنْياه حينما يرى هذا العابد قد نفض يديه من الدنيا، وألقاها وراء ظهره، وراح يستند إلى حائط المسجد مُمدّداً رجلاً، لا تعنيه أمور الدنيا بما فيها. ومن العجيب أن صاحب الدنيا هذا العظيم صاحب الجاه تراه إنْ أصابه مكروه أو نزلتْ به نازلة يُهْرَع إلى هذا الشيخ يُقبّل يديه ويطلب منه الدعاء، وكأن الخالق سبحانه جعل هؤلاء المجاذيب ليرد بهم جماح أهل الدنيا المنهمكين في دوامتها المغرورين بزهرتها. وأيضاً، كثيراً ما ترى أهل الدنيا في خِدْمة هؤلاء العباد، ففي يوم من الأيام قُمْنا لصلاة المغرب في مسجد سيدنا الحسين، وكان معنا رجل كبير من رجال الاقتصاد، فإذا به يُخرج مبلغاً من المال ويطلب من العامل صرفه إلى جنيهات، فأتى العامل بالمبلغ في صورة جنيهات من الحجم الصغير، فإذا برجل الاقتصاد الكبير يقول له: لا، لا بُدَّ من جنيهات من الحجم الكبير؛ لأن فلاناً المجذوب على باب الحسين لا يأخذ إلا الجنيه الكبير، فقلت في نفسي: سبحان الله مجذوب على باب المسجد ويشغل أكبر رجل اقتصاد في مصر، ويحرص الرجل على إرضائه ويعطيه ما يريد. ثم يقول تعالى: {وَلاَ تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ ..} [الكهف: 28] أي: اجعل عينيك فيهم، ولا تصرفها عنهم إلى غيرهم من أهل الدنيا؛ لأن مَدد النظرة من رسول الله صلى الله عليه وسلم زاد للمؤمن {تُرِيدُ زِينَةَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا ..} [الكهف: 28] لأنك إنْ فعلتَ ذلك وانصرفتَ عنهم، فكأنك تريد زينة الحياة الدنيا وزخارفها. وفي أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بملازمة أهل الصُّفَّة وعدم الانصراف عنهم إلى أهل الدنيا ما يُقوِّي هؤلاء النفر من أهل الإيمان الذين جعلوا دَيْدنهم وشاغلهم الشاغل عبادة الله والتقرُّب إليه. لكن، هل المطلوب أن يكون الناس جميعاً كأهل الصُّفَّة منقطعين للعبادة؟ بالطبع لا، فالحق سبحانه وتعالى جعلهم بين الناس قِلّة، في كل بلد واحد أو اثنان ليكونوا أُسْوة تُذكِّر الناس وتكبح جماح تطلّعاتهم إلى الدنيا. ومن العجيب أن ترى البعض يدَّعي حال هؤلاء، ويُوهِم الناس أنه مجذوب، وأنه وَليٌّ نَصْباً واحتيالاً، والشيء لا يُدَّعَى إلا إذا كانت من ورائه فائدة، كالذي يدَّعي الطب أو يدَّعي العلم لما رأى من مَيْزات الطبيب والعالم. فلما رأى البعض حال هؤلاء المجاذيب، وكيف أنهم عزفوا عن الدنيا فجاءتْ إليهم تدقُّ أبوابهم، وسعى إليهم أهلها بخيراتها، فضلاً عَمَّا لهم من مكانة ومنزلة في النفس ومحبة في القلوب. فلماذا - إذنْ - لا يدعون هذه الحال؟ ولماذا لا ينعمون بكل هذه الخيرات دون أدنى مجهود؟ وما أفسد على هؤلاء العباد حالَهم، وما خاض الناس في سيرتهم إلا بسبب هذه الطبقة الدخيلة المدَّعية التي استمرأتْ حياة الكسل والهوان. ثم يقول تعالى: {وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا ..} [الكهف: 28] لأنه لا يأمرك بالانصراف عن هؤلاء والالتفات إلى أهل الدنيا إلا مَنْ غفل عن ذكر الله، أما مَن اطمأن قلبه إلى ذِكْرنا وذاق حلاوة الإيمان فإنه لا يأمر بمثل هذا الأمر، بل هو أقرب ما يكون إلى هؤلاء المجاذيب الأولياء من أهل الصُّفَّة، بل وربما تراوده نفسه أن يكون مثلهم، فكيف يأمر بالانصراف عنهم؟ وقد أوضح النبي صلى الله عليه وسلم الموقف من الدنيا في قوله: "حديث : أوحى الله إلى الدنيا: مَنْ خدمني فاخدميه، ومَنْ خدمك فاستخدميه .." تفسير : فالدنيا بأهلها في خدمة المؤمن الذي يعمر الإيمانُ قلبه، وليس في باله إلا الله في كل ما يأتي أو يَدَع. وقوله تعالى: {وَٱتَّبَعَ هَوَاهُ ..} [الكهف: 28] أي: أن هذا الذي يُحرِّضك على أهل الصُّفَّة ما غفل قلبه عن ذكرنا إلا لأنه سار خلف هواه، فأخذه هواه وألهاه عن ذكر الله، فما دام قد انشغل بشيء يوافق هواه فلن يهتم بمطلوب الله، إنه مشغول بمطلوب نفسه؛ لذلك يقول صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تِبَعاً لما جئتُ به ". تفسير : فالمؤمن الحق سليم الإيمان مَنْ كان هواه ورغبته موافقة لمنهج الله، لا يحيد عنه، وقد قال الحق سبحانه وتعالى: {أية : وَلَوِ ٱتَّبَعَ ٱلْحَقُّ أَهْوَآءَهُمْ لَفَسَدَتِ ٱلسَّمَاوَاتُ وَٱلأَرْضُ ..}تفسير : [المؤمنون: 71]. وقوله تعالى: {وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً} [الكهف: 28] أي: كان أمره ضياعاً وهباءً، فكأنه أضاع نفسه. ثم يقول الحق سبحانه: {وَقُلِ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {يَدْعُونَ رَبَّهُم بِٱلْغَدَاةِ وَٱلْعَشِيِّ} يريدُ بِهِ الصَّلاةَ المكتوبةَ وقال: قِراءةُ القُرآنِ. تفسير : وقوله تعالى: {وَلاَ تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ} معناه لا تُجَاوِزنَ. تفسير : وقوله تعالى: {وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً} يعني سَرفاً وقالَ: نَدمٌ.
الجيلاني
تفسير : فقال سبحانه مؤدباً له مقرعاً: {وَٱصْبِرْ نَفْسَكَ} أي: إن التمس قرشيُ من إبعاد الفقراء، وبالغوا في طردهم وذبّهم عن صحيتك، لا تُجبهم ولا تُنجح مطلوبهم، بل اصبر ووطّن نفسك المائلة إلى غنائهم وصفاء زيّهم ولباسهم {مَعَ} الفقراء {ٱلَّذِينَ} شأنهم أنهم {يَدْعُونَ} ويعيدون {رَبَّهُم بِٱلْغَدَاةِ وَٱلْعَشِيِّ} أي: طرفي النهار وما بينهما {يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} ويتوجهون نحوه مخلصين بلا ميلٍ منهم إلى الهوى ومزخرفات الدنيا مع غاية فقرهم وفاقتهم {وَلاَ تَعْدُ} أي: لا تملِ ولا تُصرف {عَيْنَاكَ عَنْهُمْ} لرثاثة حالهم وخلقِ ثيابهم إلى الأغنياء وزّيهم البهيّ حال كونك {تُرِيدُ} وتقصد {زِينَةَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} بالالتفات إليهم، والميل إلى مصاحبتهم ومجالستهم، والركون إلى جاههم وثروتهم {وَلاَ تُطِعْ} ولا تنفق معهم في طرد الفقراء بمجرد ميلك إيمانك أولئك الأغنياء البعداء عن روح الله ورحمته، ولا تلتفت التفاتَ متحننٍ متشوقٍ إلى {مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ} وختمنا عليه بالإعراض {عَن ذِكْرِنَا} ختماً لا يرتفع عنه أصلاً {وَ} لذا صار من العتو والعناد إلى أن {ٱتَّبَعَ هَوَاهُ} واتخذه إلهاً، واجتنب عن مولاه وبنذه وراءة {وَكَانَ أَمْرُهُ} في الاتباع والاتخاذ {فُرُطاً} [الكهف: 28] ميلاً وتقدماً نحو الباطل، وإعراضاً عن الحق ونبذاً له وراءه ظهرياً. {وَقُلِ} على سبيل المثال الإرشاد والتبليغ بلا مراعاةٍ ومداهنةٍ {ٱلْحَقُّ} الصريحُ الصحيحُ الثابتُ ما نزل ونشأ {مِن رَّبِّكُمْ} الذي أنشأكم وأظهركم من كتم العدم وأصلح حالَكم بإرسال الرسل وإنزال الكتب، وبلّغْ ما أوحي إليك بلا تبديلٍ وتغييرٍ؛ إذ ما عليك إلا البلاغ والتبليغ {فَمَن شَآءَ} منهم الفوز والفلاح {فَلْيُؤْمِن} بالله وكتب ورسله على مقتضى ما بلغَّتَ {وَمَن شَآءَ} منهم الوبالَ والنكالَ في الداري {فَلْيَكْفُرْ} فاعلم أنه سبحانه لا يبالي بكفرهم وإيانهم؛ إذ هو منزهُ عن إيمان عباده وكفرهم. ثم قال سبحانه على سبيل التهديد والتنبيه: {إِنَّا} من مقام علدنا وقهرنا من أعرض عنا من عبادنا وانصرف عن مقتضى أوامرنا ونواهينا {أَعْتَدْنَا} وهيأنا سبيما {لِلظَّالِمِينَ} الخارجين عن مقتضيات أحكامنا {نَاراً} ذاتتَ التهابٍ واشتعالٍ إلى حيث {أَحَاطَ} أي: احتوى واشتمل {بِهِمْ سُرَادِقُهَا} أي: لهبُها التي هي كالفسطاط في الإحاطة والشمول، والفسطاطُ: المتخذُ من الشعر {وَإِن يَسْتَغِيثُواْ} من شدة العطش ونهاية حرقة الكبد والزفرة {يُغَاثُواْ} ويُجابوا {بِمَآءٍ} في اللون { كَٱلْمُهْلِ} وهو الحديدُ المذابُ، وفي الحرارة إلى حيث {يَشْوِي ٱلْوجُوهَ} ويحرقها وقتَ تقريبه إلى الفم للشرب. وبالجملة: {بِئْسَ ٱلشَّرَابُ} شرابُ المهل {وَسَآءَتْ} جهنم وأوديتها المملوءة بنيران الحرمان والخذلان {مُرْتَفَقاً} [الكهف: 29] منزلاً ومسكناً، تسكنون فيها أبداً مخلداً. ثم اتبع سبحانه الوعيد بالوعد على مقتضى سنته المستمرة، فقال: {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} بوحدة ذاتنا وكمال أوصافنا وأسمائنا، وبإرسالنا الرسل، وإنزالنا الكتب المبينة الموضحة لأحكامنا الصادر منا على مقتضى الأزمان والأدوار {وَ} مع الإيمان والإذعان {عَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} المأمورةِ لهم في الكتب وألسنة الرسل، واجتنبوا عما نهيناهم عنها، فجزاؤهم علينا نجازيهم ونضاعف لهم بأضعاف ما يستحقون بأعمالهم وإخلاصهم فيها {إِنَّا} من مقام فضلنا وجودنا {لاَ نُضِيعُ} ونهمل {أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً} [الكهف: 30] وأخلص نيةً، وأتم قصداً وأكلم عزيمةً. {أُوْلَـٰئِكَ} السعداء المحسنون المخلصون {لَهُمْ} في النشأة الأخرى {جَنَّاتُ عَدْنٍ} أي: متنزهاتُ إقامةٍ وخلودٍ من مراتب العلم والعين والحق، ومع ذلك {تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ ٱلأَنْهَارُ} أي: أنهار المعارف والحقائق، متجددةً بتجددات التجليات الإلهية والنّفَسات الرحمانية المترشحة من رشاشات بحر الذات الأزلية الأبدية، ومع ذلك {يُحَلَّوْنَ} ويزينون {فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ} وخلاخل متخذةٍ {مِن ذَهَبٍ} جزاء ما هذَّبوا أخلاقهم وجوارحه بمقتضى الأوامر الإلهية في النشأة الأولى {وَيَلْبَسُونَ} فيها {ثِيَاباً خُضْراً} مصنوعةً {مِّن سُنْدُسٍ} وهو ما رقَّ من الديباج {وَإِسْتَبْرَقٍ} هو ما غلظ منه جزاء ما يتصفون في النشأة الأولى بزي التقوى ولباس الصلاح. ومن كمال تنعمهم وترفههم يكونون {مُّتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى ٱلأَرَآئِكِ} والسررِ، متمكنين عليها جزاء ما حملوا من المتاعب والمشاق في مواظبة الطاعات وملازمة العبادات، وبالجملة: {نِعْمَ ٱلثَّوَابُ} والجزاء جزاءُ أهل الجنة وثوابهم {وَحَسُنَتْ} المتنزهات الثلاثة {مُرْتَفَقاً} [الكهف: 31] يرتفقون وينتفعون فيها أهل الكشف والشهود، بما لا عينُ رأت ولا أذنُ سمعت ولا خطرَ على قلب بشر. ثم أمر سبحانه حبيبه صلى الله عليه وسلم بضرب المثل لتوضيح حال المؤمن والكافر، ومآل أمرهما فقال: {وَٱضْرِبْ لهُمْ} يا أكمل الرسل {مَّثَلاً} بيَّناً موضِّحاً كان {رَّجُلَيْنِ} من بني إسرائيل هما أخوان؛ أحدهما مؤمنُ موحدُ، والآخر كافرُ مشرك مات أبوهما، وورثا منه أموالاً عظاماً فاقتسما، فصرف المؤمن ماله في سبيل الله وأنفق للفقراء واليتامى وأبناء السبيل، واشترى الكافر مكاسبَ ومزارع وكثر ماله إلى أن {جَعَلْنَا لأَحَدِهِمَا} أي: للكافر ابتلاءً له واختباراً {جَنَّتَيْنِ} بستانين {مِنْ أَعْنَابٍ} وكرومٍ {وَحَفَفْنَاهُمَا} أي: أ؛طنا كلاً منهما {بِنَخْلٍ} لتزيد حسناً وبهاءً {وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا} أي: بين الجنتين {زَرْعاً} [الكهف: 32] مزرعاً ومحرثاً للحبوب والأقوات من الحنظة والشعير وغيرهما. {كِلْتَا ٱلْجَنَّتَيْنِ} كملتا إلى أن {آتَتْ} وأثمرت كل منهما {أُكُلَهَا} ثمرتها كاملةً وافرةً في كل سنةٍ {وَلَمْ تَظْلِم مِّنْهُ شَيْئاً} أي: لم تنقص ثمرتها وحاصلهما من كل منهما شيئاً من النقصان كما هو المعهود في سائر البساتين، فإن ثمرها يتوفر في عامٍ وينقص في أخرى {وَ} مع ذلك {فَجَّرْنَا} وأجرينا {خِلالَهُمَا} أي: أوساط الجنتين {نَهَراً} [الكهف: 33] سقيهما. {وَ} مع تينك الجنتين المذكورتين {كَانَ لَهُ ثَمَرٌ} أي: اموالُ عظامُ وأمتعةُ كثيرةُ من أنواع الأجناس والنقود والجواهر والعبيد وغير ذلك، {فَقَالَ} الآخر الكافر يوماً على سبيل البطر والمباهاة {لِصَاحِبِهِ} أي: للأخ المؤمن {وَهُوَ يُحَاوِرُهُ} ويخاطبه بعض الأموال والزخارف عليه، ويشنّع عليه، ويعيره ضمناً، ويقرّعه تقريعاً خفياً، إلى أن بطراً: {أَنَا أَكْثَرُ مِنكَ مَالاً} وبالأموال تقتضي الأماني، وتنال اللذات والشهوات {وَأَعَزُّ نَفَراً} [الكهف: 34] أبناءً وعشائر وأحشاماً وخدمةً يظاهرن ويعانون عليّ لدى الحاجة، ويجالسون ويصاحبون معي في الحضر والسفر.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يأمر تعالى نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم، وغيره أسوته، في الأوامر والنواهي -أن يصبر نفسه مع المؤمنين العباد المنيبين { الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ } أي: أول النهار وآخره يريدون بذلك وجه الله، فوصفهم بالعبادة والإخلاص فيها، ففيها الأمر بصحبة الأخيار، ومجاهدة النفس على صحبتهم، ومخالطتهم وإن كانوا فقراء فإن في صحبتهم من الفوائد، ما لا يحصى. { وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ } أي: لا تجاوزهم بصرك، وترفع عنهم نظرك. { تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا } فإن هذا ضار غير نافع، وقاطع عن المصالح الدينية، فإن ذلك يوجب تعلق القلب بالدنيا، فتصير الأفكار والهواجس فيها، وتزول من القلب الرغبة في الآخرة، فإن زينة الدنيا تروق للناظر، وتسحر العقل، فيغفل القلب عن ذكر الله، ويقبل على اللذات والشهوات، فيضيع وقته، وينفرط أمره، فيخسر الخسارة الأبدية، والندامة السرمدية، ولهذا قال: { وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا } غفل عن الله، فعاقبه بأن أغفله عن ذكره. { وَاتَّبَعَ هَوَاهُ } أي: صار تبعا لهواه، حيث ما اشتهت نفسه فعله، وسعى في إدراكه، ولو كان فيه هلاكه وخسرانه، فهو قد اتخذ إلهه هواه، كما قال تعالى: {أية : أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم } تفسير : الآية. { وَكَانَ أَمْرُهُ } أي: مصالح دينه ودنياه { فُرُطًا } أي: ضائعة معطلة. فهذا قد نهى الله عن طاعته، لأن طاعته تدعو إلى الاقتداء به، ولأنه لا يدعو إلا لما هو متصف به، ودلت الآية، على أن الذي ينبغي أن يطاع، ويكون إماما للناس، من امتلأ قلبه بمحبة الله، وفاض ذلك على لسانه، فلهج بذكر الله، واتبع مراضي ربه، فقدمها على هواه، فحفظ بذلك ما حفظ من وقته، وصلحت أحواله، واستقامت أفعاله، ودعا الناس إلى ما من الله به عليه، فحقيق بذلك، أن يتبع ويجعل إماما، والصبر المذكور في هذه الآية، هو الصبر على طاعة الله، الذي هو أعلى أنواع الصبر، وبتمامه تتم باقي الأقسام. وفي الآية، استحباب الذكر والدعاء والعبادة طرفي النهار، لأن الله مدحهم بفعله، وكل فعل مدح الله فاعله، دل ذلك على أن الله يحبه، وإذا كان يحبه فإنه يأمر به، ويرغب فيه.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 539 : 3 : 9 - سفين عن منصور عن إبراهيم في قوله {وَٱصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِٱلْغَدَاةِ وَٱلْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} قال، الصلوات الخمس. [الآية 28]. 540 : 5 : 10 - سفين عن منصور عن مجاهد مثله.
همام الصنعاني
تفسير : 1670- حدثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن قتادة، قال لما نزلت: {وَٱصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِٱلْغَدَاةِ وَٱلْعَشِيِّ}: [الآية: 28]، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : الحمد لله الذي جعل من أمتي من أمرت أن أصبر معه ". تفسير : 1671- حدثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا الثوري، عن منصور، عن إبراهيم ومجاهد، في قوله تعالى: {وَٱصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم}: [الآية: 28]، قال: أهل الصلوات الخمس.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):